welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 23*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 23

صفحه 1
   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 23
(23)

صفحه 2

صفحه 3
23
الجزء الثالث والعشرون ويشتمل على تفسير :
يس، الصافات، ص
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1393 .
      30ج.    ISBN 978 - 964 - 357 - 548 - 9 (VOL.23)
ISBN 978 - 964 - 357 - 510 - 6 (30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه بصورت زير نويس .
      1 . تفاسير شيعه ـ ـ قرن 14. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP   179 / 297
1393
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 23
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1394 هـ ش / 1436 هـ . ق / 2015 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   … 456 صفحة
القطع:    …وزيري
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 848    تسلسل الطبعة الأُولى: 424
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
جذور التكفير وسُبل تجفيفها   

جذور التكفير وسُبل تجفيفها

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، والداعي إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة محمد وآله الأخيار الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وعلى الّذين سلكوا سبيلهم واهتدوا بهداهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيامة.
أمّا بعد:
نحمد الله تعالى على ما وفّقنا له من تفسير الجزء الثالث والعشرين من أجزاء القرآن الكريم، ويشتمل على السور التالية: يس، الصافات، وسورة ص ; ونحن إذ نقدّم هذا الجزء إلى المطبعة، يحوطنا الأسى والحزن لما يجري على الإسلام والمسلمين من مصائب وويلات تستهدف تقويض هذا الصرح الحضاري الشامخ الّذي أُقيم على العلم والإيمان، وتعالى بالتآزر والتعاون بين أبناء الأُمّة الواحدة.
إنّ أعداء الإسلام وفي مقدّمتهم القوى الاستكبارية والصهيونية العالمية المتمرّسة بأساليب المكر والحيلة وحياكة الفتن، قد شحذوا

صفحه 8
سيوفهم لمحاربة الإسلام من الداخل بعد أن لم يبلغوا ما كانوا يأملون في محاربته من الخارج عبر الغزوين: الثقافي، والعسكري، مستخدمين وسائل جديدة تفضي إلى تشويه صورة الإسلام للحدّ من انتشاره في حياة غير المسلمين، وإلى نشر الفوضى والخراب والدمار في بلاد المسلمين، وذلك من خلال استغلال الشباب الّذي شحنته بالغيظ والحقد بعض المؤسسات الدينية المعروفة، الّتي تتّهم أغلب المسلمين بالكفر والخروج عن الدين، وتحلّ لهم قتلهم وانتهاب ممتلكاتهم وسبي ذراريهم، فخربوا البلاد وأهلكوا العباد، وسيطروا على مساحات من أراضي المسلمين ومدنهم، مستدلّين بقوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ)غافلين (أو مستغفَلين) عن أن الله سبحانه إنّما أمرنا بإرهاب عدو الله وعدو المسلمين، وهؤلاء هم يرهبون المؤمنين والمؤمنات، صغيرهم وكبيرهم، نساءهم ورجالهم، ويرتكبون بحقّهم جرائم فظيعة يشيب لهولها فود الرضيع .
ولا أظن أنّ مَن كان له أدنى إلمام بالكتاب والسنّة فيما يرجع إلى التكفير يبرر أعمالهم ولو واحداً بالمئة، وأنّ الفتك الجماعي والاعتداء على الأرواح والممتلكات الخاصّة والعامّة وتخريب المنشآت والمساجد واستخدام الأطفال بشدّ الأحزمة الناسفة لقتل المصلّين في المساجد والميادين العامّة، لا ينسجم مع قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لم يدخل الرفق في شيء إلاّ زانه ولم ينزع من شيء إلاّ شانه».1

1 . صحيح مسلم: 8 / 22، باب فضل الرفق، كتاب البر والصلة.

صفحه 9
وبما أنّ جرائم الإرهابيّين ليست بأمر خفيّ حتّى نقوم ببيانها، فقد وقف عليها العالم لحظة بلحظة، وعرف تفاصيلها عن طريق وسائل الإعلام المتنوّعة، الّتي قسم منها في تصرّف المتطرّفين، غير أن الّذي يبشِّر بمستقبل زاهر أنّ هذا السرطان قد بدأ يتفشّى في البلدان الّتي كانت تمهّد له الطريق، وتمدّه بالمال والسلاح والفتاوى، فصاروا يقيمون المؤتمرات حول التكفير وطرق مكافحة الإرهاب، قائلين بأنّ الإرهاب لا يستثني أحداً لا من الشعوب ولا من الحكومات، وأنّ شرره سيحيط بالعالم كلّه بشتّى ألوانه، فلا يبقى أمان للمسلم في بيته ولا للمسيحي في بيئته، حتّى ولا ولا، فالمهم كيف نواجه الإرهاب ونعالج هذا السرطان الطاغي الّذي لا يميّز بين العدو والصديق، وهذا هو المهم الآن.
ولذا يجب على العلماء وقادة المسلمين:
أوّلاً: التفتيش في جذور فكرة التكفير وتبلورها شيئاً فشيئاً حتّى لا يتّسع الخرق على الراقع. ولاشكّ أنّ هذه الفكرة تبثّ في المدارس والمؤسسات الّتي تشتمل على تعاليم دينية تتبنّى الحكم بإسلام فرقة وتكفير الآخرين، فيلقيها المعلم على الناشئ دون وعي لنتائجها الّتي تُنذر بالخطر، فلا المعلم يدرك معالم التكفير وشروطه، ولا الناشئ ممّن يميّز الحقّ عن الباطل، ثم تتجذّر هذه الفكرة شيئاً فشيئاً في المجتمع حتّى وصل الحال إلى ما ترى.
فعلى علماء الإسلام تطهير مناهج التعليم من بذور التكفير، حيث نجد أنّ المناهج الدراسية لها تأثير خاص في نمو هذه الفكرة في أذهان الناشئة، وممّا يؤسف له أنّ مناهج التعليم في عدد من الدول الإسلامية في

صفحه 10
المنطقة تتّجه نحو بذر هذا الانحراف في أذهان الطلاب.
فما دام يُتلى في المعاهد والمدارس الدينيّة قول ابن عبدالوهاب: إنّ شرك الأوّلين أخفّ من شرك أهل زماننا 1، فالإرهاب يبقى سائداً ما دامت الدراسة مبنيّة على هذه الآراء المنحرفة.
كما أنّ الإرهاب يبقى سائداً متجذّراً ما دامت المناهج الدراسية تؤكّد ـ مثلاً ـ على أنّ التوسّل بالأنبياء والأولياء هو الشرك الأكبر، أو مادمنا نرى أنّ وزارات الإعلام تُجيز نشر الكتب الّتي تروّج للأفكار المتشدّدة الّتي تُذكي نار الخلاف، وتدعو إلى التفرقة الطائفية.
ثانياً: تصحيح المفاهيم وتبيينها عبر وسائل الإعلام المختلفة، نظير التوحيد والشرك والإيمان والكفر والبدعة، فهذه المفاهيم أُخذت تُفسّر بشكل فوضوي لا يتوقّف عند حدّ، وإليك ما ذكره أحد علماء السنّة من أهل العراق، قال: جاءني رجل يبكي وتعجبت لبكائه لأنّي أعرفه أنّه صلب، فما الّذي جعله ينهار؟! قال: استمعت لولدي الصغير ذي الاثني عشر عاماً ـ وكنت فرحاً أنّه يذهب للمسجد ليصلّي فيه ـ وهو يقول لأُمّه: لا تنامي مع والدي في غرفة واحدة لأنّه مبتدع فهو يستعمل معجون الأسنان ولا يستعمل السواك، وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار!!
فانظر إلى مبلغ علم هذا الّذي يتصدّى للوعظ في المسجد، كيف يفسّر البدعة، ولا يميّز بين اللغوي والشرعي منها، حتّى صار استعمال معجون الأسنان بدعة موجبة للكفر ثم القتل، وتفكّك الأُسرة!!

1 . كشف الشبهات: 11 .

صفحه 11
ومع الأسف أنّ كثيراً من خطباء الجُمع يصرّون على أن يصدِّروا خطبهم في كلّ جُمَعهم، بهذه الفقرة من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إيّاكم ومحدثات الأُمور، فإنّ شرّ الأُمور محدثاتها، وإنّ كلّ محدثة بدعة، وإنّ كلّ بدعة ضلالة».
لاشكّ أنّ هذه الخطبة كسائر خطب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من أروع الخطب ولكن التركيز عليها دون تبيين حدود البدعة وإطلاقاتها اللغوية والشرعية يؤدّي إلى نتيجة مفادها أن يقتصر المسلمون على ما كان في زمان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من وسائل الحياة، لأنّ كلّ جديد بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، ومن ثم الحكم عليهم بأن يحرموا أنفسهم من كلّ أسباب التقدّم والازدهار في حياتهم المادّية.
لقد ألّف العالم السوري المغفور له الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي كتاباً أسماه: «السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي» عرّف فيه البدعة وبيّن فيه حدودها وتطبيقاتها على الوقائع والجزئيات، فأثار كتابه هذا غضب المتعصّبين حتّى راح ضحية هذا التأليف قتيلاً في محراب عبادته مع عدد من الّذين كانوا يأتمّون به .
ثالثاً: إنّ الإرهابيّين كانوا فيما مضى لا يملكون شيئاً من أدوات الحرب خفيفها وثقيلها، وقد صاروا اليوم ينتظمون في شبه دولة، ويمتلكون أكثر وسائل الحرب ومعدّاتها، فمن أين حصلوا عليها؟!
لاشكّ أنّ هناك دولاً إقليمية تدعمهم وترسل إليهم ـ بمباركة وتشجيع من قوى الاستكبار ـ بالسلاح والعتاد، لغايات باتت معروفة لكلّ ذي عينين، فعلى العلماء المخلصين والأحرار من رجال الصحافة والإعلام

صفحه 12
القيام بوجه هذه الدول الخاطئة، وفضح دورها الّذي تسبّب في إراقة الدماء الطاهرة وإزهاق الأرواح البريئة في ا لدول الإسلامية حتّى بلغ الأمر أن يقتل الأب ابنه، والأخ أخاه، وأن تخرج هذه الحرب عن كونها حرباً طائفية إلى حرب ضدّ الإسلام باسم الإسلام .
رابعاً: بذل الجهود من أجل تعميق الحوار والتقارب والتواصل بين قادة المذاهب وزعامات الأُمّة الإسلامية والحوزات العلمية والجامعات الإسلامية، ومراكز الدراسات العليا، فإنّ ما يجمع المسلمين أكثر ممّا يفرّقهم، كما قال شاعر النيل:
إنّا لتجمعنا العقيدة أُمّة *** ويضمنا دين الهدى أتباعاً
ويؤلّف الإسلام بين قلوبنا *** مهما ذهبنا في الهوى أشياعاً
خامساً: لاشكّ أنّ بين المسلمين فوارق في مسائل عقدية وفقهية، ولكلّ دليله على ما يعتقد أو يفتي به، ولكن الواجب عند التعرّف على مذهب ما، هو الرجوع إلى مصادره الأصلية المؤلّفة بأقلام علمائه، وعدم الاتّكال على كلّ كتاب أُلف باسم المذهب، فإنّ الاعتماد على نقل الآخرين هو من الأسباب الأساسية للابتعاد والتفرقة، ومن الواضح جدّاً أن كثيراً من الفوارق المترسّخة في الأذهان أو على صفحات الكتب، قد نشأت من التساهل في التعرّف على حقيقة المذاهب من مصادرها الأصلية.
سادساً: نشر ثقافة الإسلام وتعاليمه التي تدعو إلى التآخي والمحبّة والتسامح بين المسلمين، بل بين أبناء البشرية جميعاً، فالناس كما قال الإمام علي (عليه السلام): «صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق» ولكلّ حقّ على الإنسان المسلم، ولكن فتنة التكفير وما رافقها من عمليات

صفحه 13
إجرامية بشعة نفّذها الإرهابيون قد شوّهت ـ مع الأسف الشديد ـ وجه الإسلام الحنيف في عيون غير المسلمين، بل حتى في أذهان الضعفاء من المسلمين، فكأنّ الإسلام دين دموي قد جُرّد من الرحمة والرأفة.
سابعاً: من المخجل جدّاً وما يندى له الجبين التباعد في معرفة الله سبحانه بين طائفتين من المسلمين إلى حدّ بينما نرى أنّه قام أحد علماء تونس بنشر كتاب باسم «مجموع الرسائل التونسية في علم العقائد السنيّة» فطبع ثمان رسائل حول تنزيه الحقّ عن الجهة والمكان والحركة، وفي مقابل هؤلاء نرى أنّ طائفة أُخرى تصرّ على الجهة وتقعد الله تعالى على سرير في العرش أو العرش سريره.
يقول ابن تيمية في تفسير سورة العلق: إنّ عرشه أو كرسيّه وسع السماوات والأرض، وإنّه يجلس عليه فما يفضل منه إلاّ قدر أربعة أصابع، وإنّه ليئط أطيط الرحل الجديد براكبه .1
فإذا كان هو الإله الذي يعبده ابن تيمية ومقلّدو منهجهه، إله يتحرّك وينزل، محدود بحدود، له جهة ومكان، وأنّه يجلس على العرش، وعرشه يزيد عليه بأربعة أصابع، فإذا كان هذا إله العالَم وخالق البرايا، فرفض
هذا الإله أفضل من إثباته، ثم إذا كان عرش الإله المعبود يئط أطيط
الرحل الجديد، فياموت زُر إنّ الحياة ذميمة... هذا هو جزاء من أعدم
العقل وأكبّ على النقل بلا وعي، وتلقّى روايات الصحيحين وغيرها
كأوثق ما يكون، دون إخضاعها للنقد والتمحيص. وإذا كان هذا شيخ

1 . مجموعة التفسير: 354 ـ 355.

صفحه 14
الإسلام وحجة الدين فعلى الإسلام السلام!!
فمع هذا التباعد بين فرق المسلمين، هل يمكن تقريب الخطى بينهم وعقد أواصر الأُخوّة بين الرؤوس والمرؤوسين؟ ولذا نؤكّد على ضرورة إيجاد التواصل، وعقد المؤتمرات، للتعارف والتآزر، لا للتنافر والتخاصم.
أسال الله تعالى أن يوفّقنا وجميع العاملين المخلصين لنشر الوئام والسلام بين المسلمين، وغرس الحبّ والصفاء في نفوسهم، اتّباعاً لأمره، وابتغاءً لمرضاته، إنّه خير مسدّد ومعين.
جعفر السبحاني
قم، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
5 ربيع الأوّل 1436 هـ

صفحه 15
   

سورة يس

(يس* وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَة وَأَجْر كَرِيم * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين * وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِث فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْء إِنْ

صفحه 16
أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ
الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلََيمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ * وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرّ لاَ تُغْنِ عَني شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنْقِذُونَ * إنِّي إِذًا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ * وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْد مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ * يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُول إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ * وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّات مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ * سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ

صفحه 17
الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ * وَآيَةٌ لَهُمُ الْلَيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ
النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْري لِمُسْتَقَرّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ الْلَيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ * وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ * وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنْقَذُونَ * إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِين * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَة مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَل مُبِين * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ

صفحه 18
الْيَوْمَ فِي شُغُل فَاكِهُونَ * هُمْ وَ أَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَل عَلَى الأَرَائِكِ
مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبّ رَحِيم * وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُوني هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنّى يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلاَ يَرْجِعُونَ * وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ * وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ * أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ * فَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ * أَوَ لَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَة فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ

صفحه 19
مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ
رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِر عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).

صفحه 20
سورة يس: خصائص السورة   
 
خصائص السورة

تسمية السورة

سُميّت السورة في المصاحف بسورة«يس» لوقوع هذين الحرفين أو هذا الاسم في أوّل السورة، ويظهر من بعض الروايات أنّ تسميتها بهذا الاسم قد ورد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد روي عن معقل بن يسار، عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال:«أقرأوا يس على موتاكم»1.2
وروي عن أنس بن مالك عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إنّ لكلّ شيء قلباً وقلب القرآن يس».3
وروي عنه أيضاً، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«مَن دخل المقابر فقرأ سورة يس خفّف عنهم يومئذ وكان له بعدد مَن فيها حسنات».4
وروي عن أبي بصير عن أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام) قال:«إنّ لكلّ شيء قلباً، وإنّ قلب القرآن يس، من قرأها قبل أن ينام أو في نهاره قبل أن

1 . مسند أحمد:5/26; سنن أبي داود:598، كتاب الجنائز، برقم 3121، تحقيق صدقي جميل العطّار.
2 . روى هذا الحديث الحفّاظ من المحدّثين كالطبراني والبيهقي والنسائي وغيرهم كثير، وهو يدلّ على أنّ الميّت ينتفع بقراءة القرآن عليه، والرواية مطلقة غير مقيّدة بوقت دون وقت وبمحل دون محل، فإذا زار الإنسان قبر أبيه وقرأ سورة «يس» يكون مثاباً بحكم هذه الرواية، خلافاً للوهابية الذين منعوا انتفاع الميّت بقراءة القرآن عليه.
3 . سنن الترمذي:819، كتاب فضائل القرآن، برقم 2896، تحقيق صدقي جميل العطّار.
4 . مجمع البيان: 8 / 254 ; تفسير نور الثقلين:4/373.

صفحه 21
يمسي، كان في نهاره من المحفوظين والمرزوقين حتى يمسي ... إلى آخر الرواية».1

عدد آياتها ومحلّ نزولها

يبلغ عدد آيات هذه السورة ثلاثاً وثمانين آية في عدّ الكوفي، واثنتين وثمانين في عدّ الباقين، والاختلاف في عدّ «يس» آية مستقلّة عند الكوفيين. والسورة مكّية، وتدلّ على ذلك مضامينها.

أغراض السورة

تركّز السورة على محاور ثلاثة:
1. الدعوة إلى التصديق بنبوّة النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وتصديق دعوته، وهذا ما تركّز عليه السورة في أوائلها.
2. التأكيد على التوحيد، فتذكر من الآيات الكونية ما يستدلّ به على توحيده سبحانه، وتبدأ في ذلك من قوله:(وَ آيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا...).
3. الدعوة إلى الإيمان بالبعث والنشور وإقامة الأدلّة التي تثبت قدرته تعالى على حدوثه، وتبدأ في ذلك من قوله:(وَ ضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ).
وفي ثنايا السورة أُمور لها علاقة بأحد المحاور المشار إليها.
ومن غرر الآيات فيها قوله تعالى في آخر السورة:(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ

1 . ثواب الأعمال للصّدوق:138، ثواب قراءة السور، رقم 1. ولاحظ : تفسير نور الثقلين:4/371، وفيه روايات أُخرى وردت فيها تسمية السورة بسورة «يس».

صفحه 22
شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).
وقد جاءت السورة على غرار سورة الفاتحة، حيث قرّرت أُمهات أُصول الدين بأبلغ الوجوه وأتمّها، ولأجل ذلك صارت جديرة بأن تُسمّى قلب القرآن، إذ كما أنّ الشرايين تتشعّب من القلب إلى سائر الأعضاء، فهكذا هذه السورة يتشعّب البحث منها إلى غيرها من السور حول الأُصول الثلاثة، والله العالم.
سورة يس: الآيات 1 ـ 12   

الآيات: الاثنتا عشرة الأُولى

(يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَة وَأَجْر كَرِيم * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين).

صفحه 23

المفردات

أغلالاً: جمع غُلّ، وهو ما تشدّ به اليد إلى العنق للتعذيب والتشديد، بمعنى وجود حلقة في اليد وأُخرى في العنق ويربط بينهما بسلسلة، بحيث لا يتمكّن الإنسان من تحريك يده ورأسه.
الأذقان: جمع ذقن، وهو مجتمع اللَّحيين من أسفلهما.
مقمحون: المُقمَح: الذي يرفع رأسه ويغض بصره، يقال: قمح البعير إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب.
إمام: هو ما يؤتم به، وأُطلق هنا وأُريد به الكتاب بمناسبة أنّ المكتوب فيه يُعمل به ويُقتدى به.

التفسير

1.(يس):
هل هو من الحروف المقطّعة الواقعة في أوائل السور، أو أنّه من أسماء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ وجهان.
والوجه الثاني هو المرويّ عن الأئمّة: عليّ بن أبي طالب، ومحمد الباقر، وعلي الرضا(عليهم السلام).1
روى الشيخ الصدوق بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر

1 . انظر: التبيان في تفسير القرآن:8/441; وأمالي الصدوق:381، المجلس (72)، برقم 1; وعيون أخبار الرضا:1/214، الباب (23)، برقم 1.

صفحه 24
]الباقر[(عليه السلام) قال:«إنّ لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عشرة أسماء، خمسة منها في القرآن...: محمد، و أحمد، و عبدالله، ويس، و نون».1
ويؤيد هذا الوجه ورود الخطاب للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بعد قوله:(يس) ـ : (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ* عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم).
ويظهر من شعر السيد الحميَري اشتهار ذلك في القرن الهجري الثاني، حيث قال:
يا نفس لا تَمحضي بالودّ جاهدة *** على المودّة إلاّ آل ياسينا
و قد قرأ بعضهم قوله سبحانه: (سَلاَمٌ عَلَى إِلْيَاسِينَ)2: «سلام على آل ياسين»، وهي قراءة نافع، وابن عامر، ويعقوب، وزيد.
ثمّ إنّ المكتوب في المصاحف هو بصورة حرفين (يس) ولكن إذا سمّي به الإنسان كُتب بهذه الصورة: «ياسين» أي باسم الحرفين.
2.(وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ):
الواو: للقسم، والمقسم به هو القرآن، والمقسم عليه ما سيأتي بعده.
وقد أقسم سبحانه بالقرآن في ثلاث سور، إحداها ما في المقام، وثانيتها قوله: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ)3، وثالثتها قوله: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ).4

1 . الخصال:426، باب العَشَرة، برقم 2.
2 . الصافات:130.
3 . سورة ص:1.
4 . سورة ق:1.

صفحه 25
ويكفي في عظمة المقسم به أنّه فعله سبحانه حيث أنزله لهداية الناس وإنقاذهم من الضلالة، وما هذا شأنه فهو أمر عظيم جليل يليق أن يقسم به، وكيف لا يكون كذلك وهو نور كما يقول سبحانه: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ)1 وفي الوقت نفسه (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)(2) إلى غير ذلك من الأوصاف التي يوصف بها القرآن الكريم في نفس ذلك الكتاب ومن
أفاضل صفاته ما في هذه الآية:(وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء).2
وقد وصف سبحانه القرآن بالحكيم مع أنّه من صفات الله سبحانه من حيث إنّه يشتمل على المعارف والشرائع والأخلاق والعبر والمواعظ الحكيمة.
3. (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ):
هذا هو المقسم عليه، والصلة بينه وبين المقسم به واضحة، لأنّ القرآن أداة تبليغه ومعجزته الخالدة.
4. (عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم):
خبر ثان لـ(إنّك) فقد أخبر سبحانه بأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) من المرسلين وأنّه على صراط مستقيم يوصله إلى ما هو المقصود، فإنّ الطريق المستقيم هو الطريق الموصل، وأمّا الطريق الذي فيه اعوجاج فلا يوثق به. ومن يسلك الصراط المستقيم يصل إلى السعادة الدائمة عقيدة وعملاً.

1 . المائدة:15.   2 . البقرة:2.
2 . النحل:89.

صفحه 26
والغاية من تنكير (صِرَاط) هي تفخيمه وتعظيمه.
5. (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ):
قوله:(تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ) منصوب بتقدير أعني. وهو وصف للقرآن الكريم، والمصدر بمعنى المنزَّل، أي المنزَّل من الله العزيز الرحيم، فالله سبحانه جمع بين العزة والرحمة وذلك من خصائصه، لأنّ العزة في غيره تقارن القسوة غالباً، وهو سبحانه مع كونه عزيزاً رحيم، فلا تكون عزّته سبباً لعدم رحمته ويمكن أن يكون الوجه في وصفه بهما بيان أنّه عزيز قاهر غالب غير مغلوب، فلا يعجزه إعراض المشركين عن عبادته، ومع ذلك فهو رحيم، يتدارك المشرك برحمته لو عاد عن شركه إلى التوحيد.
6.(لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ):
وصف سبحانه نبيّه بأنّه من المرسلين، والإرسال من المفاهيم ذات الإضافة، فالله سبحانه هو المرسِل، والنبيّ هو المرسَل، وأمّا المرسل إليه فهو ما بيّنه في هذه الآية وهو قوله: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا): أي قريشاً ومن يلحق بهم (مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ) و «ما» نافية، والمعنى: لم يُنذَر آباؤهم قبلهم، وهو كقوله تعالى: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلِكَ)1 هذا حال الآباء، وأمّا الأبناء فهو ما يذكره بقوله: (فَهُمْ غَافِلُونَ).
والمراد بالآباء هنا هم العرب العدنانيون (من ذريّة إسماعيل(عليه السلام))، حيث كانوا في زمان الفترة، فلم يبعث فيهم نبيّ قبل النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) . نعم

1 . القصص:46.

صفحه 27
لم يدَعْ سبحانه الأرض بغير حجّة، والحجج بعد الأنبياء هم أوصياؤهم. وممّا تقدّم يُعلم أنّه لا منافاة بين قوله: (مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ)ووجود الرسل كشعيب وهود وصالح، فإنّهم بعثوا في غير العدنانيّين. كما أنّ ذكر العرب وحدهم هنا لا ينافي القول بعموم الرسالة، لأنّ الخطاب هنا كان موجّهاً إليهم.
هذا حال الآباء، وأمّا الأبناء فوصفهم سبحانه بقوله: (فَهُمْ غَافِلُونَ): أي يعيشون في جهالة وضلالات مطبقة.
وربّما يتصوّر أنّ «مَا» في قوله: (مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ) موصولة، وهو بعيد.
7. (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ):
اللام للقسم، والمراد بالقول: كلمة العذاب الواردة في قوله سبحانه: (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ).1
نعم حقَّ القول أي ثبت ووجب العذاب على أكثرهم لا على جميعهم، كما يقول: (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ) وما ثبوت العذاب لهم إلاّ لأجل قوله: (فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ).
يُخبر سبحانه عن استمرار أكثرهم على الكفر حتى يروا العذاب الأليم، وفي الوقت نفسه يُخبر عن إيمان قليل منهم.
8 . (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ

1 . سورة ص:84ـ 85.

صفحه 28
مُقْمَحُونَ):
يظهر من الجبّائي أنّ في الآية تشبيهين وتمثيلين:
الأوّل: تشبيه حال المشركين برجل غُلّت يداه إلى عنقه لا يمكن أن يبسطهما إلى خير.
الثاني: رجل طامح برأسه لا يبصر موطئ قدميه.1
وبما أنّ الأيدي غير مذكورة في الآية عاد الطبرسي إلى تأويل الآية، قائلاً: قوله: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ)يعني أيديهم، كنّى عنها، وإن لم يذكرها، لأنّ الأعناق والأغلال تدلاّن عليها، وذلك أنّ الغُلّ إنّما يجمع اليد إلى الذقن والعنق، ولا يجمع الغُلّ العنقَ إلى الذقن.2 أي لا يرجع الضمير إلى الأعناق (بل يرجع إلى الأيدي المعلومة من السياق)، إذ لا تجمع الأغلال الأعناق إلى الأذقان،بل تجمع الأيدي إليها، وعلى هذا إذا شُدّت الأيدي بالأغلال إلى الأعناق ارتفع الرأس إلى الأعلى، واستحال على المغلول أن يلتفت يمنة ويسرة أو ينظر إلى الأمام فهو أبداً ينظر إلى السماء.
غير أنّ الظاهر من بعض المفسّرين أنّ هنا تمثيلاً واحداً، أي إنّا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي واصلة إلى الأذقان ملصقة بها، فهم من جرّاء ذلك مقمحون أي مرفوعو الرؤوس، إذ أنّ طوق الغُلّ الذي في عنق المغلول يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن حَلْقة فيها رأس العمود خارجاً من

1 . مجمع البيان:8/286.
2 . مجمع البيان:8/285.

صفحه 29
الحلقة إلى الذقن، فلا يمكّنه من أن يطأطئ رأسه فلا يزال مقمحاً.1
وقال السيد الطباطبائي في تأويل الآية: قد ملأت الأغلال ما بين صدورهم إلى أذقانهم فبقيت رؤوسهم مرفوعة إلى السماء لا يتأتّى لهم أن ينكسوها فينظروا إلى مابين أيديهم من الطريق فيعرفوها ويميّزوها من غيرها.2
وذكر الشريف الرضي: أنّ الآية بصدد ذكر أوصاف القوم في الدنيا بشهادة قوله تعالى بعد ذلك:(وَ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ). وأضاف: وإذا كان الكلام محمولاً على أحوال الدنيا دون الآخرة، وقد علمنا أنّ هؤلاء القوم الذين ذهب الكلام إليهم كان الناس يشاهدونهم غير مقمحين بالأغلال ولا مضروباً عليهم بالأسداد] كما في الآية التالية [علمنا أنّ الكلام خرج مخرج التمثيل.3
هذا حال المشبّه به، وأمّا المشبّه فهم المشركون الذين طوّقوا أنفسهم بطوق التقليد الأعمى وربطوا أعناقهم بسلسلة العادات والأفكار الخرافية، فصار ذلك سبباً لبقائهم مقموحين، رافعي الرؤوس، لا يلتفتون إلى اليمين واليسار ولا ينظرون إلى الأمام حتى يبصروا طريق الحق، الذي يهديهم إليه القرآن، كيف؟ وقد أعرضوا عنه ولم يستمعوا إلى دلائله وبيّناته.
وإن شئت قلت: إنّ أفكارهم الخرافية واقتداءهم بآثار آبائهم

1 . تفسير المراغي:22/146. ونحوه في تفسير الكشاف:3/281.
2 . الميزان في تفسير القرآن:17/65.
3 . انظر: تلخيص البيان في مجازات القرآن:228.

صفحه 30
والخوف من نتيجة سوء أعمالهم في الآخرة، كلّها صارت سبباً لأن تغلّ أفكارهم حتى لا يتدبّروا محاسن القرآن وحقائقه ويستمعوا إلى إنذار واعظ وتبشير آخر، فهم واحدي النظر، وهذا لا يوصل الإنسان إلى المقصد.
قال الشريف الرضي: فكأنّ ذلك ] أي التمثيل في الآية[ وصف لما كان عليه الكفّار عند سماع القرآن من تنكيس الأذقان وليّ الأعناق، ذهاباً عن الرشد، واستكباراً عن الانقياد للحق، وضيق صدورهم بما يردُ عليهم من صوادع البيان وقوارع القرآن.1
فإن قلت: إنّه سبحانه ينسب جعل الأغلال في الأعناق إلى نفسه، فعندئذ فأي ذنب لهم في هذا التشبيه؟
قلت: إنّه سبحانه ربّما ينسب نتيجة أعمالهم إلى نفسه في غير واحدة من الآيات نظير:
1.قوله تعالى: (فَبَِما نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً)2.ترى أنّه سبحانه ينسب إلى نفسه جعل قلوبهم قاسية، مع أنّها أثر أعمالهم، أعني: نقض الميثاق يتلوه ابتعادهم عن رحمة الله، وصيرورة قلوبهم قاسية.
2. قوله تعالى:(فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ).3 فقد نسب زيغ

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:228.
2 . المائدة:13.
3 . الصف:5.

صفحه 31
قلوبهم إلى نفسه مع أنّه نتيجة عملهم، أعني: الزيغ والابتعاد عن هداية الله تبارك وتعالى.
وهكذا المقام، فإذا كان المراد بالأغلال التي عمّت كلَّ وجودهم هو التقاليد الباطلة والعادات الضارّة، فهي عمل أنفسهم حيث صدّوا عن الهدى الذي جاء به الأنبياء، وأقبلوا على تقاليد وأفكار الآباء، فصار كلّ ذلك أغلالاً على أعناقهم، ولذلك يصف سبحانه النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)بأوصاف عشرة منها: (وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)1. ومن المعلوم أنّ الرسول حينما بُعث لم تكن على أعناقهم أغلالاً مادّية، فدلّ هذا على أنّ المراد هو التقاليد الباطلة والأفكار الساقطة، وإلى هذا المعنى أشار الأفوه الأوْدي2 بقوله:
كيف الرشاد إذا ما كنت في نفر *** لهم عن الرُّشد أغلالٌ وأقيادُ
ثمّ إنّ السبب في عناد المشركين إذا كان من أنفسهم صحّ أن ينسبه تعالى إلى نفسه أيضاً، كما قال:(إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً) إذ يصحّ نسبة فعل الإنسان إلى الله سبحانه بنحو من النسب لأجل القول بالأمر بين الأمرين.
9. (وَ جَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ):
وهذا تمثيل آخر يشبّه كفّار قريش بمن كان أمامه وخلفه سدّاً

1 . الأعراف:157.
2 . هو صَلاءة بن عمرو، من بني أود، من مَذْحِج، أحد الحكماء والشعراء في العصر الجاهلي.

صفحه 32
وجداراً، فلا يرى ما قدّامه ولا ما خلفه. هذا هو المشبه به، وأمّا المشبّه فماذا يُراد بالسدّ؟ وما هما السدّان اللّذان حوصروا بينهما؟ وكيف هم محاصرون بين سدّ من أمامهم وسدّ من خلفهم كما يقول: (وَ جَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ): أي ألقينا غطاء على أبصارهم، وعندئذ (فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ)؟
لعل المراد بالسدّ هو استكبارهم عن اتّباع الرسول وعدم خضوعهم لما جاء به، فهم سدّوا أبواب النظر فيما يتلوه عليهم، ومن ثمّ حبسوا أنفسهم بين حواجز الغيّ والجهل، وأصبحوا صمّاً بُكماً لا يعقلون.
وعلى هذا فليس هناك إلاّ حقيقة واحدة وهي تلقّي الخرافات والتقاليد أمراً حقيقياً فصارت سدّاً محيطاً بهم من قدّامهم ومن خلفهم، فتكون الآية تبييناً للآية السابقة، والمعنى: أنّ تلك الحواجز تكون سدّاً مانعاً من التوجّه إلى الأمام أو الخلف، ومثل هذا الإنسان غير قابل للهداية، لأنّه سدّ كافّة مآخذ الشعور والعلم.
ونتيجة التمثيل أنّه سبحانه يصوّرهم بأنّهم أُناس متكبّرون مغرورون بما عندهم، لا يستضيئون بنور العقل والوحي، ولا يقبلون شيئاً سوى ما هم عليه، فيصبحوا ضالّين ومضلّين، فالإنذار والترهيب لا يؤثر فيهم شيئاً كما يقول:
10. (وَ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ):
أي أنّ الإنذار وعدم الإنذار في حقّهم سيّان، لأنّ من أقفل أبواب الإدراك دون الحقّ فلا ينفذ فيها الوحي والإنذار والتهديد، ولذلك قال:(وَ

صفحه 33
سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ).
وإن شئت أن تكتشف حال هؤلاء، فتأمّل في حال الأرض السبخة، فمهما هطل عليها من المطر أو سطعت عليها الشمس، فلا ينبت فيها شيء، لفقدانها الاستعداد، على عكس الأرض الخصبة فعندما تشرق عليها الشمس وتهطل عليها الأمطار، تراها تنبت بألوان الأزهار والثمار، قال سبحانه: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا)1.
فإن قلت: إذا كان حالهم حال الأرض السبخة فلماذا أنذرهم الله وأرسل إليهم الرسل؟
قلت: إنّ هؤلاء قادرون على خرق الحجب وأسوار التقليد الأعمى، والإصغاء إلى الوحي، فصحّ إرسال الرسل إليهم إتماماً للحجّة.
ويمكن تقريب المعنى بهذا المثال، وهو أنّ الإنسان المريض على قسمين:
تارة يكون بذاته مستعداً للعلاج، فينقل إلى المستشفى ويتلقّى العلاج فيها، لماذا؟ لأنّه قابل للعلاج باستعمال الدواء.
وأُخرى يكون المريض على حال لا يقبل العلاج حيث إنّ البدن فقد عامة الاستعداد للبقاء، فهو أشبه بمصباح انتهى زيته، ومثل هذا المريض، يرى الأطباء أن لا جدوى من وصف الدواء له، وينصحون أهله بعدم إدخاله إلى المستشفى، لأنّ سمات المريض ونتائج التحليلات تحكي عن

1 . الأعراف:58.

صفحه 34
اليأس من علاجه وشفائه.
ونظير هذا الإنسان، العاصي الذي يوصف بالمريض الروحي، فتارة لم يكن متوغّلاً في العصيان بحيث لا يمكن علاجه بالتوبة والعمل الصالح، وأُخرى يكون متوغلاً فيها على نحو لاتبقى أيُّ نكتة بيضاء في قلبه وروحه، وهذا هو أحد الذين يقول سبحانه في حقّهم: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ).
11. (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَة وَأَجْر كَرِيم):
أي إنّما ينتفع بالإنذار من طلب الحقّ لوجه الحق واستعدّ لقبول الحقيقة أمام ما ورث من التقاليد عن الآباء، فهؤلاء هم الذين يصفهم سبحانه بقوله:(إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ) اجتمع فيه وصفان:
1. (اتَّبَعَ الذِّكْرَ): أي القرآن الكريم وأذعن أنّه كلامه سبحانه، فيصبح القرآن منذراً له.
2. (وَ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ): أي في حال غيبته عن الناس، خلافاً للمنافق.
ويحتمل أن يكون المعنى: خشي الرحمن فيما غاب عنه من أمر الآخرة، فمن اجتمع فيه الوصفان هو الذي أمر الله رسوله أن يبشّره بقوله: (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَة) فيما تقدّم من الذنوب (وَ أَجْر كَرِيم): أي الثواب الأفضل. وذكر الرحمن بدل الرحيم تنديداً بإنكار المشركين حيث كانوا لا يؤمنون بالرحمن.

صفحه 35
ثمّ إنّه سبحانه يذكر في الآيات الأخيرة من هذه السورة أنّ الإنذار إنّما ينفع من كان حيّاً، قال تعالى: (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا) ولا شكّ أنّ الحياة المادية هي مشتركة بين المشرك والمؤمن، وهذا دليل على أنّ المراد من الحيّ هو من كمل عقله وسما إدراكه فهذا هو الحيّ، وأمّا من فقد ذلك فهو ميّت الأحياء، والحيّ عندئذ ينطبق على قوله في المقام (مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) فهذان هما الوصفان اللذان يتحلّى بهما من كمل عقله وتمّ إدراكه بحيث يكسر قيود التقليد والعصبية، وينفتح على الدلائل والبراهين.
12. (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين):
لمّا تقدّم في الآية السابقة أنّه إنّما ينتفع بالذكر من (خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)، وقلنا إنّه يحتمل أنّه يراد بالغيب ما غاب عن حسّه في حياته الدنيوية وهو يوم القيامة يوم البعث والجزاء، صار ذلك سبباً لذكر الأُمور التالية، الّتي تتوقّف عليها المجازاة في يوم القيامة:
أ. (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى).
ب. (وَ نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ).
ج. (وَ كُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين).
أمّا الأوّل: فيُعدّ مثالاً لما تقدّم، أعني قوله: (وَ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)فإنّ الإحياء في يوم القيامة للحساب والجزاء من مصاديق الغيب. وفي قوله:(إِنَّا نَحْنُ) المؤكّد بحرف «إنّ» وبضمير الفصل، إشارة إلى أمر عظيم،

صفحه 36
وهو القدرة، التي يتفرّد بها سبحانه، على إحياء الموتى جميعاً.
وأمّا الثاني: فهو إشارة إلى إحاطة علمه سبحانه بالأعمال، التي يتوقّف عليها الجزاء، والمعنى: إنّنا نسجّل أعمالهم التي ارتكبوها في الدنيا، من خير وشرّ، لنجزيهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر، والتعبير بقوله: (قَدَّمُوا)يوحي وكأنّ الأعمال بنفسها تتقدّم إلى يوم القيامة فلا تبقى محبوسة في الدنيا. ولعل المراد بالآثار هو الأعمال التي تبقى آثارها بعد موت صاحبها من غير فرق بين السنّة الحسنة والسنّة السيئة، فتُكتب منافع الأُولى، ومضارّ الثانية. ونحو هذه الفقرة، قوله تعالى: (يُنَبَّؤُا الإِنْسَانُ يَوْمَئِذ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ).1
ويظهر أنّ المراد بالكتاب الذي تكتب فيه ذوات الأعمال وآثارها هو صحيفة أعمال كلّ إنسان، فإنّها تحصي كلّ ما صدر منه صغيراً كان أو كبيراً، قال سبحانه:(اِقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)2، وفي آية أُخرى:(يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً)،3 والظاهر هذا هو المراد لا اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الجامع لكافة الحوادث العالمية ومنها أعمال البشر.
إنّ الإيمان بوجود كتاب يحصي أعمال الإنسان صغيرها وكبيرها، يدفع الإنسان إلى الاحتياط في حياته، وذلك أنّه ربما يحقّر الذنب الذي يصدر عنه يوماً، وهكذا الذنب الذي يصدر عنه بعد ذلك، ففي النظرة

1 . القيامة:13.
2 . الإسراء:14.
3 . الكهف:49.

صفحه 37
الأُولى تتراءى له معاصيه قليلة ولكن عندما يجتمع كلّ ما يصدر عنه، طوال حياته، من معاصي، فإنّها تتراءى له عند ذاك كالبيدر. ويعجبني أن أنقل في المقام ما روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في التحذير من استصغار المعاصي.
روى الكليني بسنده عن ثعلبة عن زياد، قال :قال أبو عبد الله]الصادق[(عليه السلام): «إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نزل بأرض قرعاء1 فقال لأصحابه: ائتوا بحطب، فقالوا: يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب، قال: فليأت كلّ إنسان بما قدر عليه، فجاءوا به حتى رموا بين يديه، بعضه على بعض، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): هكذا تجتمع الذنوب، ثم قال: «إيّاكم والمحقَّرات من الذنوب، فإنّ لكلّ شيء طالباً، ألا وإنّ طالبها يكتب ما قدّموا وآثارهم وكلّ شيء أحصيناه في إمام مبين».2
والحديث يدلّ على عدم جواز تحقير الذنوب الصغار، فإنّها إذا اجتمعت تصير ذنباً كبيراً أو ذنوباً كبيرة.
وأمّا الثالث: فيظهر أنّ هذه الكتابة غير الكتابة السابقة، لأنّ تلك الكتابة تختصّ بما يقدّم الإنسان من الأعمال والآثار، وهذه تعمّ كلّ شيء يتّصل بأفعال وأحوال كلّ الموجودات، فيكون المراد بالإمام هنا هو اللوح المحفوظ، فهو يحصي كلّ شيء. ولعلّ تسميته بالإمام لأجل اشتماله على القضاء المحتوم الذي يكون إماماً متَّبعاً للناس.
ولا بُعد في أن يكون الكتاب موصوفاً بالإمام، وقد وُصفت به التوراة،

1 . أرض قرعاء: لانبات فيها.
2 . الكافي:2/288، كتاب الكفر والإيمان، باب استصغار الذنب، برقم 3.

صفحه 38
قال سبحانه: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً)1.
وذلك لأنّ التوراة صارت هي القدوة لأنبياء بني إسرائيل في كلّ ما يحتاجونه من الأُمور الدينية.
ولا مانع من وصف اللوح المحفوظ بالإمام بهذا الملاك، وكأنّ الإنسان يسير على ضوئه.
سورة يس: الآيات 13 ـ 32   

الآيات: الثالثة عشرة إلى الثانية والثلاثين

(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِث فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْء إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلََيمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ * وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ

1 . هود:17.

صفحه 39
الرَّحْمَنُ بِضُرّ لاَ تُغْنِ عَنّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنْقِذُونَ * إنِّي إِذًا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ * وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْد مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ * يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُول إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ * وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ).

المفردات

اضرب: الضرب: اختلفت كلمات المفسرين في تفسير كلمة (اَضْرِبْ) في هذا المقام، وقد ذكروا لها وجوهاً نذكر منها. وجهين:
الأوّل: أنّ الضرب في هذه الموارد هو التمثيل، وهو خيرة ابن منظور، واستشهد بقوله:(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ): أي مثّل لهم مثلاً وهو حال أصحاب القرية.
الثاني: أنّ الضرب بمعنى الوصف والبيان، وقد حكي هذا عن مقاتل بن سليمان، وفسّر به قوله سبحانه:(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْء)1.

1 . النحل:75.

صفحه 40
ولعلّ هذا هو الظاهر بشهادة قوله سبحانه: (وَقَالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا)فقد وصفوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بقولهم: (رَجُلاً مَسْحُوراً) ثمّ قال: (اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً)1: أي انظر كيف وصفوك.
ومنه يظهر معنى قوله سبحانه: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ)2: أي كذلك يصف الله الحق والباطل.
المثَل: المماثل والنظير، وبذلك يعلم أنّ الأمثال القرآنية ليست بمعنى المثل السائد بين الناس، وإنّما هي تمثيلات لبيان حال إنسان أو طائفة، ولذلك يستعمل تارة في تشبيه إنسان أو طائفة بإنسان آخر أو طائفة أُخرى كما في قوله سبحانه: (وَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ)3.
وأُخرى في بيان حال طائفة دون أن يقصد به التشبيه، ويكون معنى:(وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً)أي بيّن لهم حال طائفة شبيهة بحال كفّار قريش.
القرية: اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس، وربّما تطلق ويراد أهلها، كما في قوله تعالى:(وَ اسْأَلِ الْقَرْيَـةَ)4.
المرسلون: إمّا من جانب عيسى(عليه السلام) من الحواريين، أو من الله سبحانه.
فعزَّزنا: فقوّينا وشدّدنا.

1 . الفرقان:8ـ9.
2 . الرعد:17.
3 . التحريم:11.
4 . يوسف:82.

صفحه 41
البلاغ المبين: الكلام الواضح الذي لا شبهة فيه.
تطيّرنا: تشاءمنا.
لنرجمنّكم: لنرمينّكم بالحجارة.
طائركم: سبب شؤمكم.
يسعى: يمشي مسرعاً.
لا تغني: لا تنفع.
لا يُنقِذون: لا يخلِّصون.
جُند: الجُند: العسكر.
خامدون: الخمود: انطفاء النار، وهو كناية عن الموت.
حسرة: الحسرة: الغمّ على ما فات والندم عليه.
القرون: أهل الأعصار.
لمّا: بمعنى إلاّ.

التفسير

لا شكّ أنّ لأسباب النزول دوراً خاصّاً في تفسير الآيات بحيث يرفع إبهامها ويوضح مفاهيمها ومقاصدها، ولكن المذكور في كتب أسباب النزول أو التفاسير في المقام شيء لا يمكن الاطمئنان إليه والاعتقاد بصحّته كلّه ، خصوصاً أنّ القسم الكبير منه ينتهي إلى وهب بن منبّه، ونحن نذكر ملخّص القصة التي لها دخل في إيضاح الآيات معرضين عن التفاصيل الواردة فيها.

صفحه 42
قالوا: بعث النبيّ عيسى(عليه السلام) رسولين من الحواريين إلى مدينة أنطاكية قيل اسمهما: يوحنا و بولس وكان الدين السائد هناك هو الوثنية، ولذلك كُذّب الرسولان وضربا، ثم بعث عيسى(عليه السلام)رسولاً ثالثاً يسمى «شمعون» لينصرهما، فلم ينفع وأجمع القوم على قتل الرسل، فبلغ ذلك الخبر حبيب النجار وهو الذي التقى بالرسولين عند ورودهما المدينة، فآمن بهما وأكرمهما، فجاء يسعى إلى قومه يذكِّرهم ويدعوهم إلى طاعة الرسل، ولكن القوم قابلوه بالعنف، فقتلوه، فصار ذلك سبباً لدخوله الجنة لأنّ الرجل باع نفسه لله، فكانت الجنة هي الثمن، والقوم الذين قتلوا حبيب النجار لم يمهلهم الله سبحانه فأهلكهم بالصيحة.
هذا هو حاصل قصة الرسل. وفي أسباب النزول ما يدلّ على أنّ القوم آمنوا بالرسل، والعجب أنّ الطبرسي ينقل ذلك حيث يقول: فلمّا علم شمعون أنّ قوله أثّر في المَلك دعاه إلى الله فآمن وآمن من أهل مملكته قوم وكفر آخرون.1 وهذا ما ينافي صريح الآيات وهو أنّ الله أهلكهم بالصيحة.
ولذلك يقول السيد الطباطبائي: سياق آيات القصة لا يلائم بعض هذه الروايات.(2) نعم ما نقله الطبرسي عن ابن إسحاق هو أكثر انطباقاً على سياق الآيات، إذ جاء فيه: بل كفر الملك وأجمع هو وقومه على قتل الرسل، فبلغ ذلك حبيباً وهو على باب المدينة الأقصى فجاء يسعى إليهم يذكِّرهم ويدعوهم إلى طاعة الرسل.2

1 . مجمع البيان:8/293.   2 . الميزان في تفسير القرآن:17/84.
2 . مجمع البيان:8/293.

صفحه 43
13. (وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ):
أي اجعل أصحاب القرية مثالاً و شبيهاً لهؤلاء القوم، كما قال: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ)ووجه الشبه ما جاء في قوله:(إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ) وكان اللائق بهؤلاء القوم الذين جاءهم الرسول أن يؤمنوا به، ولكنّهم، مع الأسف، قد تعصّبوا للباطل واقتفوا آثار الآباء فأخذوا يكذّبونه كما يقول:
14. (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِث فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ):
وظاهر الآية ـ أعني قوله: (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ)ـ أنّ الرسولين كانا رسولين من الله سبحانه، ولكن أسباب النزول تحكي عن أنّهما كانا رسولَي رسول الله ـ أعني: المسيح(عليه السلام)ـ فصحّ أن ينسبا إلى الله سبحانه; لأنّ رسول الرسول رسول من المرسِل أيضاً.
نعم ذهب عدد من العلماء إلى أنّ الرسل كانوا رسل الله أرسلهم تعالى ردءاً لعيسى(عليه السلام)مقرّرين لشريعته كهارون لموسى(عليهما السلام)، ولا يهمنا تعيين ذلك، إذ المهم أخذ العبرة من القصة ونكاتها. وعلى كلّ تقدير (فَكَذَّبُوهُمَا) ولأجل تعزيزهما وشدّ أزرهما أَرسل رسولاً آخر كما قال:(فَعَزَّزْنَا بِثَالِث)فكان منطق الثلاثة أمراً واحداً كما يقول:(فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ).

صفحه 44
وفي «الكشّاف»: لِمَ قيل (إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) أوّلاً؟ و(إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) آخراً؟
والجواب واضح: لأنّ الأوّل ابتداء إخبار، والثاني جواب عن إنكار، فناسب التوكيد.1
15. (قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْء إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ):
لا شكّ أنّ الرسل كانوا أصحاب معاجز وكرامات، لأنّ سنّة الله جرت على إعزاز الرسل بالبراهين والبيّنات والتي منها الإعجاز، ومن المعلوم أنّ المعجزة المعروفة للمسيح(عليه السلام) هي إحياء الموتى وإبراء المرضى، فطبيعة الحال تقتضي أنّ هؤلاء الرسل الثلاثة كانوا مزوّدين بإحدى المعاجز التي تقطع الطريق أمام المعاند الجاحد، وتبعث الإنسان المحايد على التصديق والإيمان، ومع ذلك نرى أنّهم قابلوا الحجّة بالسفسطة وذكروا ردّاً عليهم أُموراً ثلاثة:
أ. (قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا) فلا تصلحون للرسالة، كما لا نصلح نحن لها، وكأنّهم كانوا يعتقدون بأنّ المرسَل من جانب الله سبحانه يجب أن يكون من غير سنخ البشر حتى تكون له منزلة فوق منزلة البشر، لكنّهم غفلوا عن أنّ الغاية من إرسال الرسل هي هداية المرسَل إليهم إلى التوحيد والمعارف والأخلاق والأحكام، وأساس ذلك وجود التجانس والتآنس بين الرسول والمرسل إليهم، ليحصل بينهما التفاهم، والمَلَك مهما كان له

1 . تفسير الكشّاف:3/282.

صفحه 45
من مقام رفيع عند الله تعالى يفقد تلك الخصوصية.
ب. (وَ مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْء) ظاهر هذه الفقرة أنّهم كانوا يعتقدون بالرحمان غير أنّهم يعبدون الأصنام، وعندئذ ينكرون أنّ الرحمان هو الذي أرسلهم، وأمّا ما هو الدليل على هذا الإنكار فليس إلاّ الادّعاء الخاوي.
ج. (إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ) وهذا الوجه الثالث كالثاني نابع عن عناد، حيث ينسبون الكذب إلى الرسل المؤيَّدين بالمعاجز والكرامات التي تثبت أنّهم مرسلون من قبل الله سبحانه.
16 و 17. (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ):
إنّ الرسل أجابوا عن تكذيبهم في المرحلة الأُولى بقولهم: (إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) وأمّا في هذه المرحلة فقد أجابوهم بجواب يتضمن تأكيداً أكثر، لأنّه يحمل معنى القسم، كما يقول: (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ) يشهد (إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) فتضمنت الفقرة التأكيد بقولهم:(رَبُّنَا)وقولهم: (يَعْلَمُ).
ثم أُكّد الجواب بآية أُخرى وهي:(وَ مَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ): أي ليس علينا أن نحملكم على الإيمان، فإنّنا لا نقدر عليه أوّلاً، وليس لمثل هذا الإيمان قدْر ولا قيمة ثانياً.
والإمعان في الآيات يثبت أنّ الرسل كانوا في غاية البلاغة، إذ كلّما ازداد الإنكار عليهم ازداد التأكيد من جانبهم على المدّعى، كما مرّ.
إلى هنا تمّ حوار الرسل مع أصحاب القرية.

صفحه 46
ولمّا عجز القوم عن إفحام الرسل وردّ حججهم، توسّلوا بالعنف، كما هو منطق جميع الجبابرة الذين إذا عجزوا عن البرهان توسّلوا بالإرهاب والعنف، وهو هنا التهديد برجم الرسل ورميهم بالحجارة والذي يعدّ عذاباً أليماً.
ومن المحتمل أن يكون قوله:(وَ مَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ) إشارة إلى الدلائل التي أقامها الرسل لإتمام الحجّة على أهل القرية، وهي إمّا دلائل عقلية، وإمّا كرامات زوّدهم الله تعالى بها، إذ من البعيد أن يُبعث الرسل إلى قوم غارقين في الوثنية دون أن يؤيّدوا بالكرامات، أو بالدلائل الباهرات. هذا ومن عادة الجهّال والمعاندين حينما يعجزون عن مواجهة منطق المصلحين وحججهم الساطعة، أن يعمدوا أوّلاً إلى إثارة الشبهات حولهم ورميهم بشتى التُّهم، ثم محاولة القيام بتصفيتهم جسدياً ثانياً، والتاريخ يحدثنا في القرن الرابع عشر أنّ المصلحين في الأقطار العربية والإسلامية لما نادَوا بإصلاح المجتمع وتحريره من سلطة الأجنبي، رموهم أوّلاً بالجاسوسية والماسونية إلى غير ذلك من التهم، ثم دخلوا من باب آخر وهو قتلهم وتصفيتهم، وكأنّهم جعلوا الأمر الأوّل مقدّمة لتهيئة الأجواء والأفكار العامّة لأجل قبول الأمر الثاني، وهو قتل هؤلاء وخنق صوت الحق المنطلق من حناجرهم. ونحن نرى في الآية التالية كلا الأمرين، حيث اتّهموهم بأنّهم شؤم قد حلّ في أوساطهم، ثم أخذوا في تهديدهم بالقتل رمياً بالحجارة، كما قال:
18.( قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلََيمَسَّنَّكُمْ

صفحه 47
مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ):
لقد اعتاد الجهّال أن يتفاءلوا بكلّ شيء قبلته طباعهم، ويتشاءموا من كلّ شيء كرهتْه، فإن أصابتهم نعمة قالوا هذا أثر ما تفاءلنا به، وإن أصابهم بلاء قالوا هذا ممّا تشاءمنا منه، وعلى هذا الأساس خاطبوا الرسل بقولهم: (إِنَّا تَطَيَّرْنَا): أي تشاءمنا(بِكُمْ) فوجودكم شؤم نخاف منه (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا)من الدعوة إلى التوحيد والإعراض عن عبادة الآلهة (لَنَرْجُمَنَّكُمْ)نرميكم بالحجارة (وَ لََيمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) وهو القتل.
19.(قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ):
وهنا ردّ عليهم الرسل بوضوح وقوّة يعبّران عن شجاعة في الموقف واستعداد للتضحية ابتغاء مرضاة الله، وأجابوا عن هذا التشاؤم بأمرين:
أ. (قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ): أي سبب شؤمكم معكم كامنٌ في نفوسكم، وهو الإعراض عن الله سبحانه والالتجاء إلى ما لا يَرى ولا يَسْمع، ويتبيّن ذلك إذا ذكِّرتم ورجعتم إلى عقولكم وفطرتكم.
ب. (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ): أي متمادون في غيِّكم.
وليس في الآيات ما يشير إلى مصير الرسل هل قُتلوا أو لا؟ ولكن الآيات تشير إلى جانب آخر من القصة، وهو أنّ الرجل الذي استجاب لدعوة الرسل عند ورودهم المدينة لمّا وقف على عناد قومه وتهديدهم الرسل، أقبل إلى داخل المدينة ليدعو قومه إلى الحقّ، ويرشدهم إلى اقتفاء أثر الرسل كما صرّحت بذلك الآية التالية:

صفحه 48
20. (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ):
الآية تركّز على موقف هذا الرجل وحرصه الشديد على تحمّل مسؤوليته في دمغ الكفر والضلال بكلمة الحق والإيمان، حيث جاء إلى المدينة من أبعد مواضعها، يمشي مسرعاً كما يقول: (وَ جَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى)ولم يذكر اسم الرجل لأنّ المهم عمله وأقواله، غير أنّ بعض الروايات تسمّيه بـ«حبيب النجار» فخاطب قومه بقوله:(قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) ثم استدلّ على وجه لزوم اتّباع الرسل:
21. (اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ):
استدلّ الرجل على لزوم اتّباع الرسل بالوجوه التالية:
الأوّل: أنّهم لا يطلبون أيّ أجر وجزاء إزاء ما قدّموه من جهد في النصح والتبليغ، ولا يستهدفون أية مصلحة شخصية في دعوتهم، وإنّما هم رجال رساليّون يريدون الخير والصلاح لجميع الناس، وهذا يدلّ على أنّ دعوتهم دعوة روحية محضة لا علاقة لها بالدنيا وزخارفها.
الثاني: أنّهم، في ذات الوقت قد هداهم الله تعالى إلى طريق الحقّ وسلكوا سبيله قولاً وعملاً، كما قال: (وَ هُمْ مُهْتَدُونَ).
22. (وَ مَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ):
الثالث: أنّهم يدعون إلى التوحيد وإلى إخلاص العبادة له سبحانه، لكونه تعالى هو الخالق الفاطر. ومن هنا صدّقهم هذا الرجل في دعوتهم،

صفحه 49
وقال: (وَ مَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَني): أي وما يمنعني من عبادة الذي خلقني وأوجدني من العدم (وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ): أي تُردّون إليه يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم. وفي قوله هذا تعريض بقومه الذين أعرضوا عن عبادة الخالق سبحانه، وإنّما ابتدأ قوله بإسناد الخبر إلى نفسه، ولم يقل: «وما لكم لا تعبدون...» مداراة لهم وخوفاً من أن يثير شعورَهم بالكبرياء فتأخذهم العزّة بالباطل.
ثمّ تقدّم هذا الرجل خطوة في التعريض بسلوكهم وعبادتهم، فقال:
23 و 24. (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرّ لاَ تُغْنِ عَني شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنْقِذُونَ * إنِّي إِذًا لَفِي ضَلاَل مُبِين):
هذا هو الاستدلال الرابع إذ أنّه تعرض في الآية الأُولى لأوثانهم وحكم عليها بأنّها ليست بآلهة وقال: (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) مشعراً بأنّ آلهتهم ليس لها من الأُلوهية إلاّ الاسم. ثم استدلّ على سلب الأُلوهية عنها بقوله: (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ): أي الواسع الرحمة، وهو الله الخالق الذي اتّفقنا عليه (بِضُرّ لاَ تُغْنِ عَني شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنْقِذُونَ): أي لم يقدروا على إنقاذي.
ثمّ إنّه وصف عبّاد الأصنام بالضلال، ولكنّه ـ مداراة لهم ـ نسب الضلال إلى نفسه فقال: (إنِّي إِذًا) لو عبدت الأصنام (لَـ)كنت (فِي ضَلاَل مُبِين): أي واضح.
والحقّ أنّ دعوة هذا الرجل واحتجاجه كان من أقوى الاحتجاجات، حيث مزج فيه بين الترغيب والترهيب، وأمّا آخر كلامه معهم فهو صرخة

صفحه 50
الإيمان في وجه الضلال، وإعلان جريء لموقفه مهما كلّفه ذلك من ثمن:
25. ( إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ):
أي إنّي آمنت بربّ الرسل، وليكن الحضور شاهدين على إيماني وسامعين لكلامي.
إلى هنا تمّ احتجاج نصير الرسل الذي جاء من أقصى المدينة، ولكنّ قومه لم يرحموه وصمّموا على قتله، وهو وإن لم تذكره الآية ، ولكن يعلم من خطاب الله سبحانه له بدخول الجنة وغفران ذنوبه، أنّ القوم قتلوه.
26. (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ):
تدلّ هذه الآية والآيات التالية على أنّ نصيب هذا الرجل يضادّ نصيب القوم الذين قتلوه، أمّا نصيب هذا الرجل المنادي بالتوحيد المستعدّ للشهادة فهو ما يلي:
أ. (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) خوطب بالأمر بدخول الجنة دفعة دون أن تتوّسط فترة بين شهادته ودخول الجنة، والرجل وإن تحمّل العذاب الأليم حيث ورد أنَّهم قتلوه رجماً بالحجارة ولكن باع نفسه واشترى الجنة. ثم إنّه أرسل من الجنة هذا البلاغ إلى قومه:(قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ): أي يُخبَرون:
27. (بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ):
أي تمنّى علم قومه بالمصير الذي انتهى إليه وهو أنّ الله سبحانه غمره بالرحمة أوّلاً بغفران ذنوبه كما قال: (بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي). وثانياً: شمول

صفحه 51
كرامة الله له حيث صار من عباده المكرمين كما قال:(وَ جَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ).وهكذا هو حال المؤمن.. روحاً متسامحة محلّقة في آفاق المكارم، ونفساً متسامية في المشاعر والعواطف، وقلباً مشرقاً بحب الخير للناس، مطهّراً من دنس الأحقاد والأضغان.
هذا هو نصيب الرجل في طريق الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الغفران، والكرامة، وأمّا نصيب قومه فسيوافيك بيانه بعد ذكر أمر مهمّ، وهو:
أنّ الآية تدلّ على وجود الحياة البرزخية حيث إنّ الرجل بعدما خوطب بدخول الجنة أرسل بلاغاً منها إلى قومه وأنّه سبحانه فعل في حقّه كذا و كذا، ومع ذلك كيف يمكن لمؤمن متعبّد بظواهر القرآن أن ينكر الحياة البرزخية؟
إنّ هذه الآية كقوله سبحانه في حقّ الشهداء:(بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)1 شاهدة على الحياة المسمّاة بالحياة البرزخية أي حياة متوسطة بين الحياة الدنيوية والحياة الأُخروية، فهذا الرجل كسائر الشهداء حيّ عند ربّه يرزق كما أنّ الشهداء يرزقون، والمراد من قوله: (عِندَ رَبِّهِمْ): أي في الجنّة التي أُعدت لهم قبل يوم القيامة.
والحقّ أنّ الرجل من مصاديق قول الإمام علي(عليه السلام):«أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ».(2) حيث نهض بمفرده في وجه القوم وهو يعلم أنّ مثل هذا العمل يعرّضه لخطر عظيم.

1 . آل عمران:169.   2 . نهج البلاغة: الخطبة 201.

صفحه 52
ثمّ إنّ الذكر الحكيم لم يُشر إلى مصير المرسلين، فهل قُتلوا كما قُتل ناصرهم أو أنّه سبحانه نجّاهم من أيديهم؟ الله أعلم بذلك.
هذا، وإنّ في قوله: (قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) دليل على وجود الصلة بين البرزخيّين والدنيويّين حيث إنّه (قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ) وهذا إن دلّ على شيء فيدلّ على وجود الصلة بين الشهداء وغيرهم، وأنّ الموت لا يكون سدّاً مانعاً عن الاطّلاع، ويؤيد ذلك قوله سبحانه:(فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)1، فمعنى قوله: (وَ يَسْتَبْشِرُونَ): أي يبشرون بالذين لم يلحقوا بهم، بقرينة قوله: (أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)، فما عن الوهابيّين من انقطاع الصلة بين الأحياء والشهداء والأنبياء والأولياء يخالف صريح الآيتين. ولا أدري كيف يمكن لمسلم أن ينكر الصلة وهو في كلّ يوم يخاطب نبيّه عدّة مرّات في صلاته ويقول: السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته؟!
ويشهد لذلك أيضاً أنّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) كلّم صناديد قريش من قتلى بدر الذين أُلقيت أجسادهم في قليب بدر.
روى البخاري عن أبي طلحة: أنّ نبي الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش، فقُذفوا في طَويٍّ من أطواء بدر خبيث مُخبِث... إلى أن قال: فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، «يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيَسُرُّكُم أنَّكُم أطعْتُمُ الله ورسولَه، فإنّا قد وجدنا ما

1 . آل عمران:170.

صفحه 53
وعدنا ربّنا حقّاً، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقّاً؟» قال: فقال عمر: يا رسول الله ما تُكلّم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم».1
وقد روى غير واحد من المحدّثين أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «سبّاق الأُمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وصاحب ياسين، ومؤمن آل فرعون».وفي رواية أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: الصدّيقون ثلاثة... ثمّ عدّ الثلاثة المذكورين.
والحديث المذكور (مع اختلاف في ألفاظه) مرويّ عن الصحابة: جابر الأنصاري، وابن عباس، وأبي ليلى الأنصاري.2
ثمّ إنّ ابن كثير وصف الحديث بأنّه منكر.
أقول: ما وصفه بالنكارة إلاّ لوجود عليّ(عليه السلام) من ضمن الثلاثة، وإلاّ
لو كان مكانه أحد الثلاثة لوصفه بأعلى درجة من الصحّة، و إلى الله المشتكى!!
28 و 29. (وَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْد مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ):

1 . صحيح البخاري:971، كتاب المغازي، برقم3976.
2 . انظر: تفسير القرطبي:15/20; وتاريخ مدينة دمشق:42/43; وتخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي:3/163; والدر المنثور:7/152ـ153.

صفحه 54

مصير أصحاب القرية

عاد البيان القرآني إلى ذكر أنّ استئصالهم لم يكن بإنزال جند من السماء لأنّ شأن العاصين أدون وأهون من أن يحتاج إلى ذلك، كما قال:(وَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ): أي قوم الرجل المقتول (مِنْ بَعْدِهِ): أي من بعد قتله (مِنْ جُنْد مِنَ السَّمَاءِ) وهم الملائكة (وَ مَا كُنَّا مُنْزِلِينَ): أي ليس من سنّتنا إهلاك واستئصال المكذّبين بالملائكة، وإنّما نهلكهم بأسباب أُخرى. وهؤلاء ما كان إهلاكهم إلاّ بالصيحة، كما يقول: (إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) والصيحة هي الصوت الشديد، والظاهر أنّ المراد بها الصاعقة. ولفظة «إذا» الفجائية، تدلّ على عدم الفاصل الزماني بين الصيحة وخمودهم، فشبّه سرعة هلاكهم بخمود النار.
30. ( يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُول إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ):
ثمّ إنّه سبحانه بعد أن ذكر مصير القوم الذين أُرسل إليهم الرسل الثلاثة، عاد إلى إعطاء الضابطة لكلّ من يشاركهم في تكذيب الرسل وأنّ كلّ أُمّة كذّبت الرسل يلحقها أشدّ الندم على موقفها هذا، وهم أحقّاء بأن يتحسّروا على أنفسهم في الحياة الدنيا إذ فوّتوا عليها السعادة الأبدية وتعرّضوا للعذاب الأليم كما قال: ( يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ)ويحتمل أن يكون المراد حسرتهم وتلهفهم يوم القيامة، وما ذلك إلاّ لأنهم (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُول إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) وقد كانت نتيجة ذلك الاستهزاء هي استئصالهم وهلاكهم كما يقول:

صفحه 55
31. (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ):
الضمير في قوله:(أَلَمْ يَرَوْا) يرجع إلى العباد المذكورين في قوله: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ)، وهم عامّة الناس، كما أنّ الضمير في (قَبْلَهُمْ) يرجع إليهم أيضاً، لكنّ الضمير في (أَنَّهُمْ)يرجع إلى القرون باعتبار أنّ المراد هم أهل الأعصار، وأمّا الضمير في (إلَيْهِم) فيرجع إلى العباد، فصارت الضمائر الثلاثة راجعة إلى العباد غير أنّ واحداً منها يرجع إلى القرون.
قوله تعالى:(أَلَمْ يَرَوْا): أي هؤلاء العباد (كَمْ أَهْلَكْنَا): أي كثرة إهلاكنا مَن (قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ): أي أهل الأعصار الذين كذّبوا رسلهم مثل قوم نوح وهود وصالح (أَنَّهُمْ) أي المكذّبين (إِلَيْهِمْ)إلى هؤلاء العباد (لاَ يَرْجِعُونَ)، فلماذا لا يعتبرون بهم؟
وحاصل الآية: ألم يروا أنّ القرون التي أهلكناهم لا يرجعون إليهم أي لا يعودون إلى الدنيا، أفلا يعتبرون بهم؟ أي إنّكم ستصيرون مثل حالهم فانظروا لأنفسكم واحذروا أن يأتيكم الهلاك وأنتم في غفلة وغِرّة، كما أتاهم.1
وهنا أودّ الإشارة إلى معنى كلمة «القرن» في حديث ورد عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونهم...».2

1 . مجمع البيان:8/298.
2 . صحيح البخاري:2/170، كتاب الشهادات، الباب 8 ، برقم 2652.

صفحه 56
وقد جعل ابن تيمية وممّن يسمّون أنفسهم بالسلفيّة ـ اعتماداً على هذا الحديث 1 ـ جعلوا المقياس في تمييز البدعة عن السنّة، هو القرون الثلاثة الأُولى بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فما حدث فيها فهو سنّة وما حدث بعدها فهو بدعة.2
أقول: إنّ القرن ـ لغة ـ هو الأُمّة تأتي بعد الأُمّة، وفسّره غير واحد من علماء اللغة بأهل زمان واحد، وأنّه مأخوذ من الاقتران، فكأنّه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم، واستشهدوا لذلك بقول الشاعر:
إذا ذهب القرن الذي أنت فيهمُ *** وخُلِّفتَ في قرن، فأنت غريبُ3
وبهذا المعنى استعمل في القرآن الكريم، قال سبحانه:(فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ)4، وأين هذا كلّه من تفسير الحديث ـ فيما لو افترضنا صحّته ـ بثلاثمئة سنة؟!
ثمّ إنّ مضمون الحديث لا ينطبق على الواقع، فكيف تكون هذه القرون الثلاثة خير القرون، وقد ظهر المارقون (الخوارج) بعد التحكيم في سنة(37هـ)؟ وظهرت المرجئة الذين دعوا المجتمع الإسلامي إلى التحلّل الأخلاقي في نهاية المئة الأُولى حتى دبّ الإرجاء بين المحدّثين وغيرهم في المئة الثانية؟ وقد ذكر أسماءهم جلال الدين السيوطي في «تدريب

1 . فتح الباري في صحيح البخاري:7/6، باب فضائل أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
2 . الهدية السنية، الرسالة الثانية:51.
3 . لسان العرب:13/333; مجمل اللغة لابن فارس: 3 / 749; مختار الصحاح:532، مادة «قرن».
4 . الأنعام:6.

صفحه 57
الراوي»، كما ظهر، في هذا العصر، النَّصب (وهو بغض الإمام علي(عليه السلام)) بين عدد من المحدّثين، وقد أورد السيوطي أسماءهم في كتابه المذكور.1
هذا إذا كان الميزان في عدّ القرن خيراً هو النظر إلى الحالة الفكرية والعقدية، وأمّا إذا كان الملاك هو صفاء المجتمع من حيث السلم والصلح وشيوع الأمن والعدل، فهذا ما تكذّبه الوقائع التاريخية، فقد شهد عام 35 للهجرة مقتل عثمان في داره، وفي عام 36 وقعت معركة الجمل بسبب قيام طلحة والزبير بنكث بيعتهما لعليّ(عليه السلام)، وفي عام 37 وقعت حرب صفين بسبب تمرّد معاوية على الخليفة الشرعي (أعني الإمام عليّاً(عليه السلام) الذي بايعه المهاجرون والأنصار)، إلى غير ذلك من الحوادث المرّة كمقتل الصحابي الجليل حُجر بن عديّ الكنديّ وأصحابه، على يد معاوية الذي أُميتت السنّة في عهده، وعُطّلت الأحكام، وفشا الظلم والجور، حتى قال الشاعر عقيبة بن هبيرة الأسدي:
أكلتم أرضنا وجذذتموها *** فهل من قائم أو من حصيدِ
فهَبنا أُمّةً هلَكت ضَياعاً *** يزيد أميرها وأبو يزيدِ
ذَروا جورَ الخلافة واستقيموا *** وتأميرَ الأراذل والعبيد2
وفي ذلك العصر، وبالتحديد في سنة (61هـ)، وقعت الفاجعة الكبرى، وهي مقتل ريحانة رسول الله الحسين بن علي(عليهما السلام)وأولاده في كربلاء، ووقعة الحَرّة بالمدينة المنوّرة في سنة (63هـ)، والتي استحلّ فيها

1 . تدريب الراوي:1/328ـ329، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف.
2 . العقد الفريد:6/168ـ 169; خزانة الأدب:2/229(وفيه: فَجَردْتموها، بدل وجذذتموها).

صفحه 58
جيش الشام أعراض المسلمين ثلاثة أيام، إلى غير ذلك من الحوادث المريرة، التي حفلت بها المئات: الأُولى والثانية والثالثة بعد الهجرة.
فإذا كانت هذه الفترة خير القرون، فما هو حال شرّ القرون؟!
ومن أراد مزيد اطّلاع فليرجع إلى كتابنا «السلفية.. تاريخاً ومفهوماً وهدفاً».
32. ( وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ):
الظاهر أنّ (إنْ) نافية، وأنّ (لمّا) بمعنى إلاّ، أي أنّ أهل الأعصار الغابرة وإن أهلكوا في أزمنة مختلفة لكن الجميع يبعثون في يوم واحد ويحضرون أمام الله سبحانه، كما قال: ( وَإِنْ كُلٌّ): أي كلّ الماضين والباقين(لَمَّا): أي إلاّ (جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ): أي محضرون عندنا، أي كلهم مجتمعون للحساب والجزاء، قال سبحانه: (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ).1
سورة يس: الآيات 33 ـ 44   

الآيات: الثالثة والثلاثون إلى الرابعة والأربعين

(وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّات مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ * سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ

1 . هود:103.

صفحه 59
الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ * وَآيَةٌ لَهُمُ الْلَيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْري لِمُسْتَقَرّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ الْلَيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ * وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ * وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنْقَذُونَ * إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِين).

المفردات

نسلخ: السلخ: أصله: كشط الجلد عن الشاة، واستعير هنا لإزالة الضوء وكشفه عن أماكن الأرض التي يغشاها الليل.
مظلمون: داخلون في الظلام.
لمستقرٍّ لها: نحو مستقرها وسكونها بانقضاء أجلها، وكأنّ اللام بمعنى «إلى».
قدّرناه: سيّرنا مسيره في منازل.
منازل: هي مواقع القمر المتتالية في السماء، وهي ثمانية وعشرون منزلاً بعدد الليالي التي يُرى فيها القمر.
عاد: صار.

صفحه 60
العرجون: العود الذي عليه شماريخ التَّمر، فإذا أتى عليه الحَوْل تقوّس ودقّ واصفرّ.
ينبغي لها: أي لا يتيسر لها أن تدرك القمر.
فَلَك: مدار الكواكب.
يسبحون: السباحة: الجري في الماء، استعير هنا لسير الكواكب في الفضاء في مدارها الخاص.
ذرّيتهم: يطلق على صغار الأولاد، وأُريد به هنا الصغار والكبار.
الفُلك: السفينة.
المشحون: المملوء بالركّاب.
صريخ: مغيث.

التفسير

تضمّنت هذه المجموعة من الآيات الأربعة عشرة، دلائل وبراهين عقلية تدلّ على أمرين:
أ. إمكان البعث وإحياء الموتى عن طريق إرائة نماذج من الإحياءات في هذه الدنيا، وقد قلنا إنّ الحياة الأُخروية من الأُمور التي كان ينكرها المشركون بجدّ، لأنّهم كانوا يخافون وجود حساب وجزاء لأعمالهم الإجرامية.
ب. توحيد العبادة وأنّه سبحانه هو اللائق بها لأنّه خالق هذا الكون

صفحه 61
ومبدعه بكلّ ما فيه ومَن فيه، وأمّا غيره فمخلوق لله وخاضع له.
وكانت هاتان المسألتان تشغلان بال المشركين ومن ثم ركّزت الدعوة النبوية عليهما. وإليك رؤوس هذه الآيات الكونية:
1. إنّه سبحانه أحيا الأرض بإنزال المطر، فأنبت فيها الحبّ وأنشأ جنّات من نخيل وأعناب وفجّر العيون بين ثناياها لتُسقى بها الجنّات.
2. وخلق الأزواج ممّا تنبت الأرض إمّا بصورة أصناف مختلفة، أو أزواج حقيقية على ما يأتي.
3. وخلق الأزواج من الناس من ذكر وأُنثى.
4. وخلق الأزواج ممّا لا يعلم الناس حقيقته من المخلوقات.
5. وينزع نور النهار عن الليل، فتأتي الظلمة.
6. وخلق الشمس جارية إلى مستقر لها ينتهي إليه سيرها.
7. وجعل للقمر منازل يسير فيها حتى يكون في نهاية سيره كالعرجون القديم.
8 . وجعل للشمس مسيراً خاصّاً بحيث لا تدرك القمر فيختل النظام.
9. وجعل الليل والنهار متعاقبين في التدبير.
10. وجعل كلاًّ من الشمس والقمر يجريان في مدار خاص لا يتخلّفان.
11. وهو الذي حمل ذرية آدم في الفلك المشحون عندما تعلّقت مشيئته بغرق من في الأرض.
إنّ التدبّر في هذه الآيات التي أشارت إلى عدد من الظواهر الكونية،

صفحه 62
يدفع الإنسان إلى الإذعان بأمرين:
1. أنّ لدار الوجود ربّاً يديرها ويدبّرها، وأنّه يستحيل أن يجري هذا النظام البديع بلا مدبّر، وهو أحكم وأبدع من أن تدبّره هذه الأصنام والأوثان.
2. أنّ اليد التي أبدعت هذا الكون وأحكمت تدبير كلّ أمر من أُموره، قادرة على إعادة الخلق من جديد، وبعثهم للحساب والجزاء.
إذا عرفت ذلك فلنفسّر هذه الآيات واحدة بعد أُخرى.
33. (وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ):
البرهان الأوّل: جرت سنّة الله تعالى في كتابه المجيد على الاستدلال على المعارف العقلية بالأُمور المحسوسة الواضحة التي تدلّ على النتيجة المطلوبة لوضوحها، ولا يحوم حول الأدلّة المعقّدة التي تختصّ بالأدمغة الكبيرة إلاّ في موارد نادرة تقتضيها الحال، و الآية تعرض مشهداً رائعاً وهو بثّ الحياة في الأرض الميتة الجامدة الهامدة، حيث تهتزّ وتربو وتخضرّ وتجود بالعطاء بعد أن تشملها الرحمة الإلهية وينزل عليها المطر، يقول سبحانه: (وَآيَةٌ لَهُمُ): أي للمشركين (الأَرْضُ الْمَيْتَةُ) الهامدة (أَحْيَيْنَاهَا)بالمطر وأشعة الشمس (وَ أَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا) من الحنطة والشعير والأَرُز والذُّرة ونحوها (فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ)حيث يشكّل الحبّ، بأجناسه المذكورة، مادّة رئيسية لتغذية الإنسان والحيوان، فلو دام همود الأرض لاختلّت الحياة عامّة، فمن الذي بعث فيها الحياة بعد موتها، وجعلها تهتزّ بعد

صفحه 63
همودها، وتندى بالخير بعد جفافها؟ فقضية الإحياء إذاً بعد الممات، على وجه الاستمرار ـ كما في إحياء الأرض الميتة ـ آية وحدة التدبير كما أنّها دليل وحجّة قاطعة على إمكان البعث والإحياء يوم القيامة الذي مرّ الحديث عنه قبل هذه الآيات حيث قال: (وَ إِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ).
ثمّ الظاهر أنّ قوله: (وَ آيَةٌ لَهُمُ) خبر مقدّم للمبتدأ المتأخّر أي (الأَرْضُ الْمَيْتَةُ)، وكأنّه قال: الأرض الميتة آية لهم.
34. (وَ جَعَلْنَا فِيهَا جَنَّات مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ):
تحدّثت الآية السابقة عن الحبوب التي تغذّي الإنسان والحيوان، بينما تحدّثت هذه الآية عن بساتين من نخيل تحمل التَّمر بأنواعه المختلفة في الطعم والخصائص، وأعناب بأصنافها المتنوّعة وثمارها المختلفة الألوان من سوداء أو زرقاء أو بنفسجية أو حمراء أو بيضاء، كما يقول:(وَ جَعَلْنَا فِيهَا جَنَّات مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب). ثم ذكر آية أُخرى من آيات قدرته وتدبيره، وهي شقّ الأرض ونبوع الماء منها جارياً على وجهها فيمنحها الحياة ويروي الجنَّات، كما قال: (وَ فَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ) .
35.(لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ):
الآية تتضمّن بيان الغاية من إنشاء جنّات النخيل والأعناب وتفجير العيون، وليست هي إلاّ انتفاع الإنسان من ثمار هذه الأشجار، كما يقول:

صفحه 64
(لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ). واعلم أنّ النخيل جمع نخلة، وهو اسم للشجرة، ويطلق على ثمرتها الرُّطب والتَّمر، وأمّا الأعناب فجمع عنب، وهو اسم للثمرة واسم للشجرة أيضاً (الكَرْم)، ولعلّ المراد بها نفس الشجرة بشهادة قوله:(مِنْ ثَمَرِهِ)والضمير يرجع إلى المجعول من الجنّات ولذا أُفرد وذُكِّر، أو إلى المذكور فيكون المعنى: ليأكلوا من ثمر ما ذكرنا من الجنّات.
ثمّ إنّه سبحانه أشار ـ مضافاً إلى الأكل من ثمرات الجنّات ـ إلى منفعة أُخرى، فقال: (وَ مَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ)وكأنّ الأوّل عبارة عن ثمرات ما للخالق فيها صنع دون غيره، وأمّا المعطوف فأُريد به ما للبشر فيه صنع كالأشربة المتّخذة من التمر والعنب. وعلى كلّ تقدير فاللائق بالإنسان العاقل، بعد أن وقف على هذه الدقّة المدهشة في الخلق وفي التقدير والتدبير، أن يشكر الله تعالى على نعمه بعبادته وطاعته في ما أمر به ونهى عنه كما قال:أَفَلاَ يَشْكُرُونَ).
36. (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ):
البرهان الثاني: قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي) إنشاء لتنزيهه سبحانه عن الشرك في العبادة أو عن العجز عن إحياء الموتى، فإنّ القادر على خلق الأزواج هو القادر على بعث الموتى. ثمّ إنّه سبحانه تحدّث في هذه الآية عن أُمور ثلاثة:
أ. (خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ).
قسّم سبحانه الأزواج إلى قسمين: أوّلهما: ما يعلمه الإنسان، وحصره

صفحه 65
هنا بالنبات وبأنفسهم. والثاني: ما لا يعلمه الإنسان، وهو ما في قوله:(وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ).
وهل الأزواج هنا بمعنى الأصناف كما عليه أكثر القدماء حيث يفسّرون الأزواج في النباتات بمعنى الأصناف، أو أنّ الآية تشير إلى نظام الزوجية بمعنى الذكر والأُنثى في عالم النباتات؟ ويؤيد الثاني قوله تعالى:(وَمِنْ كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).1
إنّه سبحانه يحدّثنا عن وجود الأزواج في النباتات، وكانت العرب في عصر الرسالة تعرف وجود الزوجية في النخيل، ولذلك كانوا يؤبرون النخل لكي يثمر، ولكن لم يكن لهم علم بسعة الزوجية في عالم النباتات، إلاّ أنّ البحوث العلمية أثبتت أنّ الضابطة عامّة في عالم النباتات. ومن الغريب ما أخرجه مسلم في صحيحه عن موسى بن طلحة، عن أبيه طلحة بن عبد الله التيمي قال: مررت مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بقوم على رؤوس النخل، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقالوا: يلقِّحونه يجعلون الذكر في الأُنثى فيتلقّح.
فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ما أظن يغني ذلك شيئاً، قال: فأُخبروا بذلك فتركوه، فأُخبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك، فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنّي إنّما ظننت ظنّاً فلا تؤاخذوني بالظنّ، ولكن إذا حدّثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أكذب على الله عزّ وجلّ.2
ونحن لا نعلّق على الحديث إلاّ بشيء مختصر:

1 . الذاريات:49.
2 . صحيح مسلم:7/95، باب وجوب امتثال ما قاله(صلى الله عليه وآله وسلم) شرعاً دون ما ذكره(صلى الله عليه وآله وسلم) من معايش الدنيا على سبيل الرأي.

صفحه 66
أوّلاً: نفترض أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن نبيّاً، ولكنّه كان عربياً صميماً عاش بين النخيل في سفره إلى الطائف وإلى الشام، فهل يمكن أن يخفى عليه أنّ النخيل لا يثمر إلاّ بالتلقيح؟ فما معنى سؤاله:(ما يصنع هؤلاء؟ فيجيبونه: أنّهم يلقحونه)؟!
ثانياً: أنّ التلقيح سنّة من سنن الله في الطبيعة، فكيف خفيت على النبيّ، وغابت عنه أبسط السنن الجارية في الحياة؟ وأسوأ من ذلك ما نقلوه من عذر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال ـ كما يدّعون ـ : «إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإن أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر».1
ب. (وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ) وهو أمر واضح قال سبحانه: (إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ)2.
ج. (وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ) وهو الذي يجهله الإنسان في هذا العالم ممّا لا طريق للإنسان إلى معرفته تفصيلاً، فظاهر الآية وجود الزوجية فيما تنبت الأرض وفي الإنسان وفيما لا يعلم الإنسان كنهه وحقيقته.
ويعجبني أن أذكر قصة حضرتها في مجلس سيد مشايخنا المحقّق البروجردي، إذ أُخبر برغبة طبيب سويدي في لقائه، وكان هذا الطبيب قد عُيّن رئيساً للمؤتمر الذي يقام في تلك السنة حول أخطار المشروبات الروحية. فأذن له السيد، فدخل ومعه المترجم الإيراني ورحّب بهما السيد، ثمّ دار بين السيد والطبيب السويدي حوار هذا إجماله:
الطبيب السويدي: لماذا حرّم الإسلام المشروبات الروحية؟

1 . شرح النووي على صحيح مسلم:5/126، الباب 38، كتاب الفضائل.
2 . الحجرات:13.

صفحه 67
السيد البروجردي: امتياز الإنسان عن الحيوان بالعقل، والخمر عدوّ العقل.
الطبيب السويدي: المسكر هو الشرب الكثير، فلماذا منع عن شرب القليل؟
السيد البروجردي: طبيعة الإنسان هو طلب المزيد، فلو رخّص بالقليل فهو يتجاوزه شيئاً فشيئاً ويصبح خِمِّيراً.
الطبيب السويدي: سيُعقد مؤتمر في أنقرة حول تعاطي المشروبات الروحية، فنطلب منكم بياناً يوضح للمجتمعين في المؤتمر نظر الإسلام فيه.
تأمّل السيد البروجردي قليلاً وأجال بنظره في الحاضرين فرأى العلاّمة الطباطبائي، فقال مشيراً إليه: السيد محمد حسين الطباطبائي التبريزي أحد علماء الإسلام له تفسير، فيمكن أن يحرّر مقالة في هذا المضمار ثم يرسلها إلى المؤتمر.
إلى هنا تمّ الحوار الدائر بين الطرفين، غير أنّ السيد استشعر بأنّ المحاوِر إنسان منصف فأراد إيقافه على بعض معاجز القرآن، فقال بعد كلام: إنّ القرآن الكريم يصرّح بوجود الزوجية في كلّ شيء ويقول: (وَمِنْ كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)1 فمن أين وقف النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)الذي عاش بين الأُميّين على تلك الحقيقة الكونية؟! كلّ ذلك ببركة الوحي.
37. (وَآيَةٌ لَهُمُ الْلَيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ):

1 . الذاريات:49.

صفحه 68
البرهان الثالث: انتقل من الآيات الأرضية السفلية إلى الآيات العلوية حيث كان الموضوع في الآيات السابقة عن الأرض وحياتها وما فيها من جنّات وعيون وما فيها من أزواج إلى غير ذلك.
لكنّه في هذه الآية انتقل إلى عوالم فوقانية وابتدأ بذكر ظاهرة التبادل بين الليل والنهار. ولأهمية هذه الظاهرة وعميق دلالتها على عظيم قدرته وكمال حكمته في تدبيره، أشار إليها تعالى في مواضع عديدة من كتابه المجيد بصيغ مختلفة، فتارة يعبّر عنها بالاختلاف، كما في قوله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَات لأُولِي الأَلْبَابِ)1: أي يخلف كلّ واحد منهما صاحبه، وأُخرى بالتكوير، كما في قوله:(يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ)2، وثالثة بالإيلاج، كما في قوله: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ)3 إلى غير ذلك من العبارات. وفي هذه الآية عبّر عنها بسلخ النهار حيث قال: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْلَيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ)والسلخ عبارة عن إزالة الجلد عن جسم الحيوان، وفي هذا التعبير تشبيه رائع، يتّضح من خلال هذا العرض:
لقد أثبت العلماء أنّ طبقة النهار المنيرة عبارة عن حزام رقيق يبلغ سمكه نحو (200كم) فوق مستوى سطح البحر، وهو يغلّف نصف الأرض المواجه للشمس، وباقي المسافة بيننا وبين الشمس (المقدّرة بحوالي 150 مليون كم)، بل باقي الجزء المدرك لنا من الكون، يغرق في

1 . آل عمران:190.
2 . الزمر:5.
3 . فاطر:13.

صفحه 69
ظلام دامس بالنسبة لعين الإنسان التي ترى الشمس خارج نطاق طبقه نور النهار قرصاً أزرق باهتاً في صفحة سوداء، وهذه الحقيقة العلمية لم يدركها الإنسان إلاّ بعد ريادة الفضاء في مطلع الستينات من القرن العشرين. وفي ضوء ذلك تتجلّى لنا روعة التشبيه القرآني حيث شبّه انحسار طبقة النهار الرقيقة عن ظلمة الليل الواسعة، بسلخ جلد الذبيحة الرقيق عن كامل بدنها!!1
ومهما يكن، فإنّ الآيات (على اختلاف صيغها) التي تشير إلى ظاهرة تعاقب الليل والنهار، لها هدف واحد وهو الاستدلال على عظمة الخالق وتفرّده بالأُلوهية والربوبية، وأنّه تعالى كما أوجد هذا النظام المدهش للعقول وتولّى تدبيره بعلمه وحكمته، فهو قادر على إحياء الموتى وبعث الخلق من جديد.
38. (وَالشَّمْسُ تَجْري لِمُسْتَقَرّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ):
البرهان الرابع: الظاهر أنّ الشمس معطوف على الليل في الآية السابقة ومفاد الآية هو: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْلَيْلُ)... (وَ) آية لهم (الشَّمْسُ)، ولماذا لا تكون آية مع أنّها عبر الزمان تسير سيراً سريعاً في مسافات متباعدة. والظاهر أنّ اللام في (لِمُسْتَقَرّ) بمعنى إلى أن تستقرّ ويتوقّف سيرها، لأنّ حركة الشمس حركة محدّدة ولكلٍّ مستقرّ، ويمكن أن تكون اللام للتعليل أي تجري لأجل أن تستقرّ.
وحاصل الآية: أنّ جريان الشمس على نمط واحد حتى تستقرّ وذلك

1 . انظر: من آيات الإعجاز العلمي.. السماء في القرآن الكريم:416، 472، 479.

صفحه 70
بانهدام النظام الذي يسود هذا العالم (كما عليه كثير من الآيات)، لا يمكن أن يكون هذا النظام بلا مدبّر أو نتيجة أكثر من مدبّر أو نتيجة الأوثان والأصنام، بل ذلك كما يقول: (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)فهذا النظام منسوب إلى الله (الْعَزِيزِ)، أي القادر الذي لا يُغلَب و(الْعَلِيمِ)بالأسرار والرموز والسُّنن، أو أنّ القادر على إنشاء هذا النظام المدهش للعقول قادر على إحياء الموتى بطريق أَولى.
هذا، وقد أشار سبحانه بقوله:(تَجْري) إلى استمرار حركة الشمس، فما هو المراد بتلك الحركة؟للمفسّرين هنا أقوال أو احتمالات نذكر أهمّها:
1. أنّها إشارة إلى مسار الشمس في دائرة البروج، فلو فرضنا خطاً وهمياً خارجاً من الشرق إلى الغرب، فهذا الخط الوهمي الذي يُسمى خط الاستواء يقسّم السماء عندنا إلى قسمين: شمالي وجنوبي، والشمس تميل تارة عن هذا الخط إلى الجانب الشمالي إلى درجة 23، ويقال له: الميل الشمالي للشمس، ولها في كلّ شهر برجاً خاصّاً تدخل فيه، وهي عبارة عن الأبراج التالية: الحَمَل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة (وصيرورة الشمس في هذه البروج الستة يشكل الربيع والصيف الشماليين)1 ثم تنتقل الشمس بعد رجوعها إلى خط الاستواء إلى الجانب الجنوبي ولها أيضاً فيه بروجاً ستة تشكل الخريف والشتاء وهي: الميزان،

1 . يضمّ كلّ برج من البروج الاثني عشر مجموعة من النجوم الثابتة، والمراد بصيرورة الشمس في أحد هذه البروج هو مقابلة الشمس في مسيرها لواحد من مجموعات النجوم التي خُيِّل للقدماء أنّها بصورة الأشكال المذكورة من الحيوانات وغيرها.

صفحه 71
والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، فالثلاثة الأُولى بروج الخريف، والثلاثة الأخيرة بروج الشتاء.
وعلى هذا يمكن أن تكون الآية ناظرة إلى جريان الشمس في هذه البروج التي كان العرب يعرفونها، والتي يعبّر عنها الفلكيّون بدائرة البروج، وكأنّ الشمس حسب الحسّ تدور في هذه البروج ويستغرق دورانها فيها سنة كاملة.
2. أنّها إشارة الى الحركة الموضعية للشمس، نظير الحركة الموضعية للأرض، فهي تدور حول محورها الوهمي، ويستغرق دورانها هذا مدة شهر تقريباً .
يُذكر أنّ للشمس حركة أُخرى، وهي أنّها تدور حول مركز مجرّة درب اللبّانة (كما تدورالأرض حول الشمس)، ويستغرق دورانها هذا مدة قدرها (225)مليون سنة.
3. أنّها إشارة إلى ما كشفه الفلكيّون حديثاً، وهو أنّ للشمس مع سيّاراتها حركة انتقالية نحو نجم بعيد يُسمّى النسر الواقع1 وهو أحد نجوم مجرّة درب اللّبانة التي تشكّل الشمس وكواكبها جزءاً منها.
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بوصفين وقال: (ذلِكَ تَقْديرُ العَزيزُ العَليم)وذلك لأنّ المضمون يناسب ختم الآية بهما، فالآية تتضمّن حركة الشمس

1 . يبعد النسر الواقع عن الأرض بنحو (26) سنة ضوئية (والسنة الضوئية تساوي 46/9 مليون مليون كم). ويظهر النسر الواقع بلون أبيض مائل إلى الزرقة، وذلك لأنّه ساخن جداً، وتبلغ درجة حرارته حوالي (000/10ْ م). الموسوعة العربية العالمية:25/331.

صفحه 72
التي تبعث إلى الأرض بنورها وطاقتها، وهي بتلك العظمة معلّقة في الفضاء تجري دون أي خطأ أو توقّف في جريانها، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الذي جعل سيرها بقدر وانتظام وحساب دقيق عزيز في سلطانه، فلا يُغلب ولا يعجزه شيء عليم بالأسرار والسُّنن وتدبير شؤون الكون.
39. (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ):
البرهان الخامس: الظاهر أنّ «الواو» عاطفة (وَالْقَمَرَ) مفعول به لفعل محذوف يفسّره ما بعده، والمعنى: وقدّرنا للقمر منازل. هذا على قراءة النصب، وأمّا على قراءة الرفع فحاله حال (وَالشَّمْسُ) أي: وآية لهم القمر .
ثمّ إنّ كون القمر آية للعباد أمر واضح، فهو ينير سماء الأرض، بعد غياب الشمس بمراحله المتتالية، وذلك لِما جعل له سبحانه من القدرة على أن يعكس من أشعة الشمس الساقطة عليه ما قدره (3 و7%). ولمّا كان القمر يدور حول الأرض في نفس الزمن الذي يكمل فيه دورته حول محوره، فإنّه لا يظهر لنا منه إلاّ وجه واحد (أي نصف القمر تقريباً المواجه للشمس)، وأمّا الوجه الآخر غير المقابل للشمس فمظلم.
وبما أنّ القمر يدور حول الأرض في كلّ شهر مرّة واحدة فلا يزال يتغيّر موضع الاستنارة، ففي أوّل الشهر يبدو ضئيلاً ثمّ يزداد حجمه شيئاً فشيئاً حتى تكتمل نصف دائرة القمر في الليلة السابعة، ثم تستمر الزيادة حتى تكتمل الدائرة الكاملة للقمر في الليلة الرابعة عشرة، ويسمى حينئذ بدراً، ثمّ يبدأ بالتناقص تدريجياً حتى الليلة الثامنة والعشرين، وأمّا في الليلة

صفحه 73
التاسعة والعشرون أو هي والثلاثون فيقع في أثناء دورته، على خطّ واحد بين الأرض والشمس، وعند ذاك يواجه الأرض بوجه مظلم تماماً(وبهذا لا يمكن رؤيته) ويطلق عليه في هذه المرحلة مرحلة المحاق. وفي كلّ ليلة من ليالي الشهر القمري، يقع القمر في دورته على النحو المذكور بين ثوابت من النجوم أو من تجمعاتها الظاهرية، ومواقع القمر هذه هي التي أشار إليها سبحانه بقوله: (وَ الْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ).
وعلى هذا فالقمر في كلّ ليلة في منزل من منازله وهي ثمانية وعشرون منزلاً بعدد الليالي التي يُرى فيها القمر، وقد ذكر الفلكيّون أسماء هذه المنازل، وهي: الشَّرَطان، والبطنين، والثريّا، والدَّبرَان، والهقعة، إلى آخر ما ذكروه، فهو ينزل كل ليلة في واحد منها، فإذا كان في آخر منازله وهو الذي يكون فيه قبل الاقتران، دقّ وتقوّس (حتّى عادَ كَالعُرجُون): أي عِذق النخلة المعوجّ القديم العتيق.
ثمّ إنّ تشبيه حال القمر في آخر ليالي الشهر بالعرجون القديم لا يخلو عن نكتة، فإنّ العرجون عند يُبسه واصفراره على النخلة ينحني تجاهها، وكذلك هو حال القمر في أُخريات لياليه(الهلال الثاني) فإنّه ينحني بطرفيه تجاه الأرض، بينما الهلال الوليد ينحني بهما بعيداً عنها، فما أروع هذا التشبيه القرآني المعجز!!1
إلى هنا تمّ الكلام في البرهان الخامس، وهو سير القمر في منازله في كلّ شهر من دون فترة، وهو يدور حول الأرض ضمن شهر واحد.

1 . انظر: بحار الأنوار:55/135; من آيات الإعجاز العلمي.. السماء في القرآن الكريم:517ـ 522.

صفحه 74
فهذه الآية دالّة على وحدانيته وربوبيّته، وعلى قدرته على إحياء الموتى. وإليك الكلام في البراهين الثلاثة: السادس والسابع والثامن، وهي التي يشير إليها سبحانه في الآية التالية:
40. (لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ الْلَيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ):1
يشير سبحانه في هذه الآية إلى براهين ثلاثة دالّة على عظمة قدرته وكمال تدبيره:
1. (لا الشَّمسُ يَنْبَغي لَها أنْ تُدْرِكَ الْقَمَر).
2. (وَلا اللَّيلُ سابِقُ النَّهَارِ).
3. (وَكُلٌّ في فَلَك يَسبَحُون).
وإليك بيان كلّ واحد منها:
1. قوله سبحانه: (لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ) يمكن أن يفسّر بوجهين:
الأوّل: أنّ الفقرة تشير إلى ثبات ودوام النظام السائد إلى يوم القيامة فليس للشمس أن تدرك القمر كما ليس للقمر أن يدرك الشمس، إذ في اجتماعهما اختلال النظام وتسرّب الفساد فلكلٍّ مسيره، وقد ذكر سبحانه أحد الإدراكين (أي عدم إدراك الشمس القمر)، ولم يذكر الإدراك الثاني(عكسه) لكونه معلوماً من السياق. وثمّة ما يدلّ في القرآن على أنّ

1 . إنّ: (لا) نافية و (الشَّمْسُ) مبتدأ وجملة (يَنْبَغِي) خبر.

صفحه 75
اجتماع الشمس والقمر آية قيام الساعة وانهدام النظام السائد، قال تعالى: (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذ أَيْنَ الْمَفَرُّ).1
وخلاصة هذا التفسير أنّ لكلّ من النيّرين مسيره ومداره المحدّد له، فهما لا يجتمعان وإلاّ انهدم النظام.
الثاني: ما ذكره بعض المفسّرين وهو الإشارة إلى سرعة حركة القمر وبطء حركة الشمس بحسب الحسّ، حيث يطوي القمر منازله خلال شهر واحد، بينما تطوي الشمس دائرة الأبراج خلال عام واحد، ولذا فإنّ الشمس بحركتها لا يمكنها أن تدرك القمر في حركته فتقطع في شهر واحد ما تقطعه في سنة واحدة، فلذلك يقول: (لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ): أي ليس لها هذه القدرة والسرعة. والله العالم.2
2. قوله: (وَلا اللَّيلُ سابِقُ النَّهار): أي ليس لليل أن يسبق النهار و لا للنهار أن يسبق الليل، بل لكلٍّ نظام خاصّ وحساب منتظم، بحيث يتبع أحدهما الآخر في جريانه، دون أن يسبقه.
3. قوله سبحانه: (وَكُلٌّ في فَلَك يَسبَحُون) هذا هو البرهان الثامن إمّا على توحيده أو على قدرته على إحياء الموتى.
إنّما الكلام في تفسير هذه الفقرة.
كان الفلكيّون من الإسلاميّين تبعاً لهيئة بطليموس يتصوّرون أنّ كلاًّ

1 . القيامة:7ـ10.
2 . انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل:14/171.

صفحه 76
من السيارات والكواكب فاقدة للحركة وإنّما الحركة لفلكهم، والفلك عندهم عبارة عن الجسم الخاص الذي ثخنت فيه الكواكب والقمر والشمس، وهو لا يقبل الخرق والالتئام، فلذلك فسّروا هذه الفقرة بسبح الفلك واقعاً، وأُسندت السباحة إلى الشمس والقمر مجازاً.
ولكن الهيئة الجديدة قد شطبت على الهيئة القديمة وأبطلت أساسها وفروعها فلم يبق منها شيء، وعندئذ أصبحت هذه الفقرة من الآية من المعجزات العلمية للقرآن، فإنّ الفلك عبارة عن مدار الشيء، والآية تقول: إنّ كلاًّ من الشمس والقمر يدوران في مدار خاص، ولا يلزم أن يكون الفلك جسماً شفّافاً نورانياً زجاجياً، بل الفضاء الخالي من كلّ شيء يكون فلكاً لكلّ من القمر والشمس اللّذين يدوران فيه.
وعلى هذا فإنّ القرآن أشار لقسمين من حركتهما:
أمّا الحركة الانتقالية فقد مرّ ذكرها في قوله:(وَ الشَّمْسُ تَجْري لِمُسْتَقَرّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)وفي قوله: (وَالْقَمَرَ قَدّرناهُ مَنازِل) وأمّا الحركة الموضعية لهما فقد أشار إليها بهذه الفقرة من هذه الآية وقد عرفت كيفيتها.
ثمّ إنّه سبحانه يعبّر عن الحركة بقوله: (يَسْبَحُونَ) وهو من السباحة أي الجري في الماء كأنّ حركتهم أشبه بحركة الحيتان في البحار، أو الفلك فيها.
إلى هنا تمّ الكلام في مقامين:
تارة يذكر معالم وجوده وقدرته في الأرض وما فيها من الحيوان والنبات، وأُخرى ما في السماء من الآيات الكبيرة، ثم ينتقل إلى مشهد

صفحه 77
ثالث وهو آياته سبحانه في البحار، وهنا يبتدأ ببيان البرهان التاسع، وإليك البيان:
41. ( وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ):
البرهان التاسع: انتقل سبحانه هنا إلى عرض آية أُخرى من آيات تدبيره، وهي تسخير الفُلك1 وجريانها في الماء، وهي تحمل الركّاب والبضائع من مكان إلى آخر عبر الأنهار والبحار والمحيطات. وإنّما نسب الحمل، في الآية، إلى الذرية (وهم الأبناء) دونهم أنفسهم لتجييش عواطفهم وإثارة مشاعرهم. وفي وصف الفلك بالمشحون (أي المملوء) مزيد تقرير لقدرته وربوبيّته.
هذا، وقد ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ المراد بالفلك المشحون هنا هو فُلك نوح(عليه السلام)، لقوله سبحانه: (فَأنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ في الفُلْكِ الْمَشحون).2
42. ( وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ):
والمراد أنّا خلقنا لهم من مثل هذا الفُلك مراكب يركبونها، كالإبل (التي تسمّى سفائن البرّ) والخيل، وربما تشمل وسائل النقل الحديثة، قال تعالى:(وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).3

1 . الفُلك: يطلق على الواحد والجمع من السفن، والمراد بها في الآية الجمع، وقد عومل هنا معاملة الجنس، ولذا وصف بمذكَّر (المَشْحُون).
2 . الشعراء:119.
3 . النحل:8.

صفحه 78
ويكون المعنى وفق التفسير الثاني للفلك المشحون: أنّ الله جعل لهم من مثل سفينة نوح(عليه السلام) هذه السفن التي صنعت على شكلها أو هيأتها، أو هذه المراكب التي يركبونها في البرّ.
43. (وَ إِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنْقَذُونَ):
فهذه السفن من أهم وسائل العمل والنقل عند الإنسان التي تدور عليها رحى الحياة من غير فرق بين سفن شراعية أو بخارية أو التي تعمل بالطاقة الذرية، فكلّ هذه من النعم ولكن هناك نعم أُخرى وهو أنّ الله سبحانه هو الذي يصون السفينة من الغرق ويحميها من الأمواج الهائلة التي تكاد تبتلع السفينة، فالله سبحانه تعلّقت مشيئته على سير السفينة سالمة إلى مقصدها، وإلاّ كما يقول: (وَ إِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ): أي مَن في السفينة (فَلاَ صَرِيخَ) ولا مغيث لهم(وَلاَ هُمْ يُنْقَذُونَ):أي ولا يستطيع أحد أن يخلّصهم من الغرق إذا أردناه، حتى ولو استخدموا وسائل النجاة.
ثمّ إنّه سبحانه استثنى صورة واحدة وقال:
44. (إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِين):
أي إلاّ إذا رحمناهم، فنحن نخلّصهم من الغرق ونمتّعهم إلى آجالهم. وحصيلة هذه الآيات بعد بيان أبلغ النظم السائدة وأنواع النعم الشاملة يستنتج منها أنّه سبحانه اللائق بالمعرفة والخضوع له بالعبادة، كما أنّ اللازم الإيمان بالحشر والنشر، فإنّ هذه الآيات كلّها دلائل هذه الأُمور.
سورة يس: الآيات 45 ـ 54   

صفحه 79

الآيات: الخامسة والأربعون إلى الرابعة والخمسين

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَة مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَل مُبِين * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).

المفردات

معرضين: معرضين عن الحجج والبيّنات.
متى هذا الوعد: متى يتحقّق.
ينظرون: ينتظرون.
صيحة واحدة: هي النفخة الأُولى في الصور، التي بها يموت أهل الأرض.

صفحه 80
نفخ في الصور: هي النفخة الثانية بها يحيى كلّ مَن مات.
الأجداث: جمع جدث (بفتحتين): القبر.
ينسلون: يسرعون.
ويلنا: الويل: كلمة تقال في مصيبة، وربما يقولها المُعسر ومن ساءت حاله.
مرقدنا: اسم مكان بمعنى محلّ نومنا. ويحتمل أن يراد به المعنى المصدريّ أي الرقاد والنوم، وعندئذ يراد به الموت.

التفسير

تحدّثت الآيات السابقة عن الآيات الدالّة على التوحيد والتدبير ورفض الشرك، ولزوم إطاعة المدبّر، وحان الوقت لبيان رد فعل المشركين بالنسبة إلى هذه الآيات، وكان اللازم أن ينتفعوا بهذه البراهين الواضحة، ويجيبوا دعوة الداعي ولكنّهم، يا للأسف، لم تكن ردّة فعلهم إلاّ الإعراض عن التدبّر فيها، كما في قوله تعالى:
45. (وَ إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ):1
الضمير (لَهُمُ) يرجع إلى المشركين، والظاهر من الموصولَين في قوله:(مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ) أمر واحد، وعلى هذا فيجب أن يفسَّرا

1 . جواب إذا محذوف: اعرضوا.

صفحه 81
بشيء واحد وهو الجرائم التي كانوا يرتكبونها فعلاً أو يرتكبونها في المستقبل، وعلى هذا فالفقرتان: (مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ)كناية عن الإحاطة، كما في قوله سبحانه: (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)1: أي أوَ لم ينظر هؤلاء الكفّار إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض كيف أحاطت بهم، وذلك أنّ الإنسان حيثما نظر رأى السماء والأرض قدّامه وخلفه وعن يمينه وشماله، فلا يقدر على الخروج منها.(2)
وعلى هذا فالآية تدلّ على لزوم الاجتناب عن المعاصي ماضيها وحاضرها ومستقبلها حيث إنّ الجميع يحيط بالإنسان. وتكون نتيجة الاتّقاء بالنسبة إلى ما مضى هو الندم والاستغفار، وإلى ما يأتي هو العزم على الترك والاجتناب.
وما ذكرنا من التفسير أي تفسير الموصولَين بالمعاصي هو أحد الأقوال.(3)
وربّما يفسَّر الموصول الأوّل بالذنوب والجرائم، والموصول الثاني بالعقوبات في يوم القيامة. قال السيد الطباطبائي وهو يفسّر الآية:
يظهر أنّ المراد بـ(مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ) الشرك والمعاصي التي هم مبتلون بها في حالهم الحاضرة (مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ) وما كانوا مبتلين به قبل (وَ مَا خَلْفَكُمْ)، أو الشرك والمعاصي في الدنيا والعذاب في الآخرة، أوجه الوجوه.2

1 . سبأ:9.      2 . مجمع البيان:8/215.   3 . تفسير الكشّاف:3/288، نقله عن مجاهد.
2 . الميزان في تفسير القرآن:17 /92ـ93.

صفحه 82
والظاهر أنّ ما ذكره من الوجه الأوّل هو الأوجه دون الثاني لاستلزامه ارتكاب خلاف السياق في الموصول أوّلاً، ثمّ إنّ عذاب الآخرة أمام الإنسان لا وراءه ثانياً، ولذلك يقول المفسّرون: إنّ معنى قوله:(وَ مِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)1 أي: أمامهم.
ثمّ إنّ الأمر بالتقوى لغاية ما يذكره بقوله:(لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، ولكن، يا للأسف، لم ينتفع المشركون بهذه الآية كما يقول:
46. (وَ مَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَة مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ):
الظاهر أنّ المراد بقوله: (آيَة) أعمّ من الآيات الآفاقية كالمعاجز، والقرآنية كهذه الآيات وأمثالها، وقد اعتاد المشركون على عدم التدبّر فيها، والإعراض عنها، كما يقول:(وَ مَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَة مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) وذيل الآية يدلّ على أنّ الإعراض كان سنّة مستمرّة بينهم، وهو نتيجة العناد واللَّجاج والاستكبار، يقول سبحانه: (وَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَث إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ)2.
وقد دلّت الآيتان الماضيتان على إعراضهم، فإذا قيل لهم اتّقوا ما بين أيديكم وما خلفكم من المعاصي، أعرضوا، وإذا أتتهم آية من آيات الله التي ترشدهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، أعرضوا عنها أيضاً .
فكلا الإعراضين نتيجة الجهل، ولكنّ الجهل على قسمين:

1 . المؤمنون:100.
2 . الشعراء:5.

صفحه 83
1. قسم يُعدّ ممرّاً لتحصيل اليقين، وهذا هو الجاهل الذي لا يعلم ولكن يعلم أنّه لا يعلم، ومثل هذا الجاهل إذا أُمر بالاتّقاء من المعاصي أو إذا شاهد آيات ربّه، تنبّه وعاد، فهذا النوع من الجهل ـ أو قل الشكّ ـ معْبَرٌ للإيمان، وهو نعمة إلهية.
2. قسم يُعد مقرّاً للجاهل، وهو الذي لا يعلم ولكن يتصوّر أنّه يعلم، وهذا هو الداء الذي ليس له دواء، ومشركو صدر الرسالة الذين كانوا يعادون النبيّ ويواجهونه، كانوا من هذا القسم من الجاهلين وقد اغترّوا بما ورثوه من آبائهم من التقاليد والأعراف إلى حدٍّ كلّما قيل لهم اجتنبوا معاصي الله لوّوا رؤوسهم، أو إذا شاهدوا آيات الله صدّوا عنها ولم ينتفعوا بها.
47. (وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَل مُبِين):
إنّ من شيم المعاندين الجاحدين للحقّ، هي المغالطة في كلّ ما خوطبوا به مما يرجع إلى صلاحهم فردياً أو اجتماعياً. وهنا تتحدّث الآية عن أحد النماذج الّتي سلكت هذا المسلك، يقول سبحانه: (وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) فكان جوابهم بدل القبول هو المغالطة، كما يقول:(قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ)، أي أنّهم تذرّعوا بالقضاء والقدر، وقالوا: إنّ الله قدّر عليهم الفقر، وقدّر لنا الغنى، فلماذا ننفق عليهم ونخالف قضاء الله وقدره بحقّهم؟ فلو أراد الله لأنقذهم من الفقر!!

صفحه 84
والعجب أنّهم يعدّون أنفسهم في أعلى درجة الهداية ويصفون الآمرين بالإنفاق ورفع حاجات الفقراء بالضّلال والعدول الواضح عن الحقّ، كما يقول: (إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَل مُبِين).
انظر إلى المغالطة الواضحة في كلام هؤلاء، فقد جهلوا أو تجاهلوا أنّ أكثر أسباب الفقر تعود إلى سوء التدبير، وفساد الأوضاع وأطماع أهل الحرص، وجور الأنظمة الحاكمة، قال الإمام علي(عليه السلام): «فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلاَّ بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِيٌّ».1
وقال الشاعر في وصف الطامعين:
سُلاّب أكسية الأرا *** مل واليتامى والكهولِ
والجامعين المكثريـ *** ـنَ من الخيانة والغُلولِ
وكلامهم الفاسد هذا مبنيّ على أنّ الله سبحانه شاء أن يغني فرداً ويفقر آخر، وليس هناك مَن يلام عليه لسبق إرادة الله في ذلك، ونحن نشاهد نظير تلك المغالطة في قولهم: (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء نَحْنُ وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء).2
أقول: أمّا إرادته سبحانه فقد شاءت صلاح الفرد والمجتمع وفلاحهما، ولتحقيق هذا الهدف سنّ جلّ شأنه الأحكام والواجبات ووضع الحدود والأنظمة، ومن تلك الواجبات، الأمر بالإنفاق وإيتاء الزكاة الذي ورد في كثير من الآيات، حيث قرن سبحانه فيها إقامة الصلاة بإيتاء الزكاة.

1 . نهج البلاغة، الكلمات القصار، برقم 328.
2 . النحل:35.

صفحه 85
لقد ضمن الله سبحانه رزق كل دابة في الأرض وقال: (وَ مَا مِنْ دَابَّة فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَاب مُبِين)1 فلو كان النظام السائد في المجتمع نظاماً عادلاً جارياً على وفق الكتاب والسنّة لعمّ الرزق عامّة المجتمع البشري من دون أن يكون هناك غنيّ متخوم ولا فقير محروم جائع.
وبكلمة أُخرى:لقد قدّر سبحانه رزق كل إنسان، ولكنّ النظام الظالم هو الذي يقلب الأُمور على وفق مراده ومصالحه غير المشروعة، ولا يقيم لسنّته سبحانه وتشريعاته قيمة.
فقول المشركين:(مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ) كلام باطل بل شاء سبحانه ذلك تشريعاً، فأمر بإطعامه، وأنتم الذين منعتموه حقّه.
وقولهم:(أنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ الله أطْعَمَه)، ردّ فعل لخطاب الله، أعني قوله: (أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ)، وله نظائر في الذكر الحكيم، منها:
أ. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ). أجابوا بقولهم: (إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ).2
ب. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ) أجابوا بقولهم:(قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ).3
ج . (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ) أجابوا بقولهم:(قَالُوا وَمَا

1 . هود:6.
2 . البقرة:11.
3 . البقرة:13.

صفحه 86
الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا).1
كلّ ذلك يدلّ على أنّ من خصائص الجاهل المعاند هو الإعراض عن الحقّ ونحْت الأعذار والمغالطات الشيطانية.
48. (وَ يَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ):
الاعتقاد بالمعاد وأنّ وراء الحياة الدنيا حياة أُخرى عماد الدين الإلهي، وكلّ دين يُنسب إلى الله سبحانه ولم يَرد فيه اليوم الآخر ركناً من أركانه فإنّما هو مسلك بشري لا صلة له بالله سبحانه ودينه، ومن هنا فالإيمان قائم على دعائم ثلاث:
1. توحيده سبحانه.
2. الإيمان برسالة النبيّ الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم).
3. الإيمان بالمعاد.
هذا، وقد يوجد في العالم رجال يتسمّون بالمصلحين ولكنّ مناهجهم في الإصلاح تخلو من الدعوة إلى الإيمان بالدار الآخرة، فهؤلاء ليسوا بمصلحين حقّاً لأنّ مناهجهم تتبنّى مصالح الإنسان من جانب واحد، فهي أرضية لا سماوية.
وكان المشركون يخافون من الإيمان بالحياة الأُخروية، لأنّ معنى الحياة الأُخروية هو محاسبة الإنسان على أعماله بالدقّة والضبط إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ. ولمّا كانت صحائف أعمالهم مملوءة بالموبقات

1 . الفرقان:60.

صفحه 87
وبالشرّ والعدوان كانوا يردّون القول بالحياة الأُخروية أشدّ الردّ، وقد انعكست عقيدتهم تلك في هذه الآية، حيث كانوا يسألون عن موعدها استهزاءً وإنكاراً (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
وقد أشار القرآن الكريم إلى تكرّر هذا السؤال منهم في غير واحد من المواقع1، فوافاهم الجواب بأنّه لا ينفعكم تحديد الوقت، ولو حُدّد لكم لقابلتموه بالتكذيب، وإنّما المهم هو التفكّر في مصيركم الذي تبيّنه الآية التالية:
49. (مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ).
قوله:(يَنْظُرُونَ) بمعنى ينتظرون، والآية تحدّد وقت البعث بذكر وصفه أو حقيقته، وحاصله: أنّ هناك نفختين: نفخة أُولى، وهي التي تتضمّن الصيحة المهيبة التي يموت فيها كلّ مَن في الأرض كما في قوله: (مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً): أي نفخة أُولى تكون نتيجتها الصيحة (تَأْخُذُهُمْ): أي تأخذهم بغتة (وَ) الحال (هُمْ يَخِصِّمُونَ): أي يختصمون في أُمورهم ويتنازعون في موارد كسبهم، وفي الحديث: «تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه فلا يطويانه حتى تقوم الساعة، والرجل يرفع أكلَته إلى فيه فما تصل إلى فيه حتى تقوم، والرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم».2
50. (فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ):

1 . لاحظ : سورة الأنبياء: 38، والنحل:71، وسبأ:29، والملك:25.
2 . روح المعاني:23/31; روح البيان:7/409 وغيرهما.

صفحه 88
ما جاء في هذه الآية نتيجة كون الساعة أمراً مفاجئاً يأتي بغتة ولذلك لا يقدرون على الإيصاء بشيء، كما يقول: (فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً) بل لا يتمكّنون من الرجوع إلى منازلهم كما يقول: (وَ لاَ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) ففي هذه النفخة يموت كلّ مَن في الأرض غبّ الصيحة ولا يستطيع أحد أن يتصرّف في شيء ممّا في يده، والموت في سطوته قاهر لا ينتظر لحظة واحدة.
قال أبو العتاهية:
أمّا رَحى الدنيا فَدا *** ئرةٌ تدور على بَنيها
ولعلّ لاحظَ لحظة *** سيموت في أُخرى تَليها
ثمّ يأتي الموعد النهائي وهو إحياء من مات في الأرض، وهذا هو الذي تذكره الآية التالية:
51. (وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ):
والعجب أنّ شيئاً واحداً تارة يكون سبباً للإماتة، وأُخرى للإحياء، وما هذا إلاّ لأجل تعلّق إرادته سبحانه على الإماتة في الأوّل والإحياء في الثاني، ولذلك يقول: (وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ)وهو يدلّ على عدم وجود فاصل زماني بين النفختين (فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ) القبور (إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ)يخرجون سراعاً.
52. (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ

صفحه 89
وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ):
أي بعد أن عاينوا هذا المشهد الرهيب الذي بيّنه في غير واحدة من الآيات، زعموا أنّهم كانوا رُقوداً فانتبهوا، سائلين بعضهم بعضاً بقولهم: (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا): أي مَن أحيانا بعد موتنا، وبما أنّهم كانوا يسخرون من البعث والداعي إليه، فإذا ارتفع ستار الجهل والعناد عن أعينهم بهذه الطريقة، أخذوا بالتصديق بهما وقالوا:(هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ): أي يجيب بعضهم بعضاً بهذه الطريقة. ونحو الآية قوله سبحانه: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَة مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ).1
53. (إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ):
لمّا تضمّن قوله سبحانه: (وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ) خروج الأموات من القبور وهم مسرعون، عاد البيان القرآني إلى الإشارة إلى نتيجة هذا الإحياء وهي حضورهم عند ربّهم، ولذلك أشار في صدر الآية إلى النفخة وقال:(إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً):أي لم تكن المدّة إلاّ مدّة صيحة واحدة (فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ) الأوّلون والآخرون (لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) للحساب والجزاء.
54. (فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ

1 . ق:22.

صفحه 90
تَعْمَلُونَ):
لمّا كانت هنا مظنّة توهّم وجود الظلم بحقّ المجرمين، أشار سبحانه في هذه الآية إلى أنّه لا يُظلَم أحد من عباده في ذلك الموقف، كما قال: (فَالْيَوْمَ): أي يوم القيامة، (لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا) لا من جهة العقاب ولا من جهة الثواب، وذلك لقيامه بالقسط في خلقه، وعدله في حُكمه(وَ)أنّكم (لاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
وظاهر الآية أنّ الثواب والعقاب على وفق العمل، غير أنّ بعض الآيات يدلّ على أنّه سبحانه يزيد في جزاء المحسنين، نظير قوله سبحانه: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)1 وقوله سبحانه: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ)2 ولا منافاة بينهما، لأنّ الحصر في الآية ـ أعني قوله: (وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ـ حصر إضافي ناظر إلى أمر الجزاء وأنّ الجزاء يوافق العمل، لا يزيد ولا ينقص، وأمّا الزائد عنه فهو لطف من الله وليس جزاءً منه.
سورة يس: الآيات 55 ـ 58   

الآيات: الخامسة والخمسون إلى الثامنة والخمسين

(إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُل فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَل عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبّ رَحِيم).

1 . الأنعام:160.
2 . ق:35.

صفحه 91

المفردات

شُغُل: الشأن الذي يشغل الإنسان ويصرفه عمّا عداه.
فاكهون: جمع فاكه، وهو الطيّب النفس المتحدِّث بمُلح الكلام وبما يسرّ، أو هو المتنعِّم المتلذِّذ.
ظلال: جمع ظلّ، وهو السترة من الشمس من سقف أو شجر.
الأرائك: جمع أريكة، وهي السرير في الحَجلة، والحَجَلة كالقبّة على الأسرّة.
يدّعون: يتمنَّون ويشتهون، كقوله: ادّع عليّ ما شئت، أي تمنّ عليّ.

التفسير

تقدّم في الآيات السابقة أنّ النفخة الثانية توجب حضور الناس للجزاء والحساب، وممّا لا شكّ فيه أنّ الناس في ذلك الموقف على صنفين: بين مطيع وعاص، ومحسن ومسيء، ولذا عاد البيان القرآني إلى بيان مصير كلٍّ من الطائفتين، أمّا الأُولى فبدأ ببيان مصيرها في هذه الآيات الأربع، وأمّا الطائفة الثانية فتحدّث عنها في الآية التاسعة والخمسين كما سيوافيك بيانها، فقدّم ذكر الطائفة الأُولى بقوله:
55. (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُل فَاكِهُونَ):
هذه الآية والآيات التالية تشير إلى أنواع النِّعم التي تغمر أصحاب الجنة:

صفحه 92
الأُولى: ما أشار إليها بقوله: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُل) أي شأن (فَاكِهُونَ) أي طيّبو النفس بما آتاهم ربُّهم مستأنسون بالأحاديث التي تبعث على المسرّة والفرح، أو هم متنعِّمون متلذّذون بما حفّ بهم من ألوان النعيم.
56. (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَل عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ):
الثانية: ما أشار إليها بقوله:(هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَل عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ) حيث الإحساس بالمتعة والأُنس والأُلفة، وهم مع زوجاتهم يستريحون ويستأنسون بهنّ في ظلال وارفة يستروحون نسيمها، كما يقول: (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَل)جالسون (عَلَى الأَرَائِكِ): أي السّرر المزيّنة بفاخر الأغطية والستور (مُتَّكِئُونَ)والاتكاء هيئة بين الاضطجاع المطلق والجلوس، وهو اضطجاع على جنب دون وضع الرأس على الفراش، وهو تعبير عن الهدوء والاطمئنان التام الذي يحسّون به.
والمراد بالأزواج هنا الحور العين، ويشهد له قوله تعالى:(مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُر مَصْفُوفَة وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُور عِين)1. وقيل: زوجاتهم في الدنيا بشرط أن يكنّ من أهل الجنّة، وهو في نظرنا بعيد.
57. (لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ):
الثالثة: ما أشار إليها بقوله: (لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ) فإنّ أصحاب الجنّة يتلذّذون بأكل الفواكه وراء الأطعمة، وتنكير (فَاكِهَةٌ) لعلّه يشير إلى كونها

1 . الطور:20.

صفحه 93
فاكهة خاصّة غير معهودة.
الرابعة: ما أشار إليها بقوله:(وَ لَهُمْ مَا يَدَّعُونَ): أي كلّ ما يتمنَّون، فليس بينهم وبين ما يشتهون أي عائق وفاصل، فتمنّي أي شيء يلازم حضوره.
هذه كلّها نعم مادّية تغمرهم على نحو لا يتمنّون شيئاً إلاّ يرونه حاضراً لديهم، وهناك نعمة روحية فوق ما ذكرنا، وهي التي أشار إليها في الآية التالية.
58. (سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبّ رَحِيم ):
قوله:(سَلاَمٌ) مبتدأ حذف خبره، كأنّه قال: سلام يقال لهم (قَوْلاً مِنْ رَبّ رَحِيم). فتنكير (سَلاَمٌ) للدلالة على التعظيم كما أن تنكير (ربٍّ)كذلك. وذكر الربّ للدلالة على التعليل أي أنّه سبحانه بما أنّه ربّهم فإنّهم يتلقّون منه سلاماً في مقابل عبادتهم وطاعتهم له جلّ شأنه، فأيّ نعمة أكبر من أن يبلغ الإنسان هذه المرتبة من القداسة بحيث يسلّم عليه ربّه سلاماً يؤذن بدوام السلامة والأمن من المكاره والمخاوف؟
وعلى كلّ تقدير، فالجنة دار السلام كما يقول سبحانه:(وَاللهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلاَمِ)1، ويظهر من بعض الآيات أنّ الملائكة أيضاً يسلّمون على أهل الجنة، قال سبحانه:(وَ الْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَاب * سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدَّارِ)2 فالجنة كلّها سلام من الله ومن

1 . يونس:25.
2 . الرعد:23ـ24.

صفحه 94
الملائكة، وتحيتهم هناك سلام كما يقول:(تَحِيَّتُهُم فِيها سَلاَم)1 وكلامهم كلّه سلاَم كما يقول: (لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيًما * إِلاَّ قِيلاً سَلاَمًا سَلاَمًا)2.
سورة يس: الآيات 59 ـ 70   

الآيات: التاسعة والخمسون إلى السبعين

(وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُوني هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلاَ يَرْجِعُونَ * وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ * وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ).

1 . إبراهيم:23.
2 . الواقعة:25ـ26.

صفحه 95

المفردات

امتازوا: انفصِلوا وابتعدوا عن المؤمنين.
أعهد: أوصي بما فيه خير ومنفعة.
تعبُدوا الشيطان: تطيعوه فيما يوسوس ويأمر به.
جبلاًّ: الجِبِلّ: الجماعة العظيمة.
اصلَوها: صَلِيَ النارَ : قاسى حرّها، أو احترق بها.
نختم: الختم على الأفواه هو منعها من الكلام.
طَمسْنا: الطمس: إزالة الأثر بالمحو، وأُريد به هنا ـ بقرينة قوله: (عَلَى أَعْيُنِهِمْ) ـ العَمى.
فاستبقوا: الاستباق افتعال من السبقُ، هو مُشعر بالاجتهاد في الفعل.
فأنّى يبصرون: أي كيف يبصرون.
لَمسخناهم: المَسْخ تحويل الصورة إلى صورة قبيحة، كمسخ الإنسان قرداً أو خنزيراً.
على مكانتهم: المكانة تأنيث المكان باعتبار البقعة، أُريد به المسخ في نفس المكان الذي هم فيه.
مُضيّاً: ذهاباً، بقرينة قوله:(وَلاَ يَرْجِعُونَ).
نعمّره: نطيل عمره.
ننكِّسه: النَّكْس: قلْب الشيء على رأسه، والمراد: صيرورته بعد القوّة إلى الضعف وبعد الزيادة إلى النقصان، أي يتقهقر، وهو على وجه آخر كناية عن الهلاك.

صفحه 96
 
التفسير
59. (وَ امْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ):
إنّ قوله سبحانه:(وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) يجسّده، في الحياة الدنيا، ذلك المشهد المتكرّر في معسكرات تدريب الجيش، فإنّ الجنود بعد أن يتلقَّوا دورتهم التدريبية الأساسية، يجب أن يصنّفوا إلى أصناف ويرسلوا إلى المعسكرات الدائمة حسب اختصاصاتهم أو حسب مناطق سكناهم، فتصدر الأوامر بتوزيعهم على الأقسام المختلفة، وعندئذ يصبح المعسكر الواحد أصنافاً مختلفة، ثمّ ينقلون إلى أماكنهم الجديدة.
وهكذا أهل القيامة فإنّهم في البدء مجتمعون على صعيد واحد وفيهم النبي المرسل أو الوليّ المطاع، وفيهم المدّعي للأُلوهية، والفاسق، والجاهل، وغير ذلك، ومن المعلوم أنّ هذا الاجتماع وبهذا الشكل اجتماع مؤقت لأنّهم يُبعثون من مراقدهم أشتاتاً، كما قال تعالى: (يَوْمَئِذ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ)1 ولكنّهم بعد أن تتمّ محاسبتهم ومحاكمتهم، سوف يصيرون فريقين:(فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)(2)، والظاهر أنّ الآية تشير إلى هذا المعنى، فقوله:(وَامْتَازُوا) من «ماز» يميز ميزاً الشيء بمعنى فرزه عن غيره، يقال: امتاز امتيازاً: انفصل عن غيره وانعزل. ثمّ إنّه يقع الكلام هل الأمر بالانفصال أي انفصال المجرمين عن المؤمنين كما هو ظاهر قوله:(وَ امْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) خطاب تشريعي أو خطاب

1 . الزلزلة:6.   2 . الشورى:7.

صفحه 97
تكويني؟ الأقوى أنّه خطاب تكوينيّ، بمعنى أنّ الانفصال يتحقّق بلا اختيار منهم، فهم بين مَن يُساق إلى الجنة وبين مَن يُساق إلى النار.
ويحتمل أن يكون خطاباً تشريعياً، وذلك أنّ المجرمين كانوا مختلطين مع المؤمنين في الدنيا أو في المحشر، وعندئذ يخاطبون بالانفصال عن المؤمنين إهانةً لهم، وتكريماً للمؤمنين، ولعلّه إلى ذلك يشير قوله سبحانه:(أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)1.
60 و 61. (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَ أَنِ اعْبُدُوني هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ):
لمّا وقع الامتياز بين الفريقين: فريق المؤمنين وفريق المجرمين، عندئذ جاء الخطاب من قبل الله سبحانه ـ وكأنّه جواب عن سؤال يدور في أذهانهم عن سبب امتيازهم، وخطابهم بالمجرمين ـ :(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ): أي ألم أُوصكم وأُحذركم طاعة الشيطان كما يقول: (أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ): أي ألاّ تطيعوه وتنقادوا لوسوسته وتزيينه، لماذا؟ لقوله: (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) وفي الآية نكتتان جديرتان بالدراسة:
الأُولى: صرّح سبحانه بأنّه عهد إلى بني آدم وأوصاهم بعدم طاعة الشيطان، وعندئذ يطرح هذا السؤال: في أي زمان ومكان تحقّق هذا العهد؟

1 . سورة ص:28.

صفحه 98
هنا وجهان:
أ. أنّه سبحانه عهد ذلك في خطاباته الأربعة في أوّل الخليقة، حيث خاطب بني آدم ـ بعد ما أخرج الشيطان آدم من الجنة ـ بخطابات أربعة، منها قوله: (يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ)1. وهذا العهد قد تحقّق على لسان أنبيائه.
ب. أنّه عهد ذلك في عالم الفطرة الذي قد يعبّر عنه بعالم الذَّرّ، فقد خلق سبحانه الإنسان على فطرة التوحيد والأخلاق الفاضلة، ولازم ذلك النهي عن عبادة الشيطان وإطاعته.
والوجه الأوّل أظهر.
الثانية: ما هو المراد بعبادة الشيطان، فإنّ العصاة والمجرمين يطيعونه ولا يعبدونه؟ لأنّ العبادة عبارة عن خضوع الشخص أمام مَن يعتقد أنّه خالق العالم ومدبّره، أو أنّه فوّض إليه تدبير العالم، أو أنّ بيده مصير الإنسان، ومن المعلوم أنّ مَن يكذب أو يغتاب أو يظلم أو يقتل بوسوسة الشيطان يطيعه ولا يعبده، فما معنى العبادة إذاً في الآية؟ والجواب أنّ المراد بالعبادة هنا الطاعة والاتّباع فيما يزيّنه من المعاصي والآثام ومخالفة أوامر ونواهي العزيز الجبّار. وقد ورد لفظ العبادة بمعنى الطاعة في بعض الآيات والروايات، منها:

1 . الأعراف:27.

صفحه 99
1. قال سبحانه حاكياً عن آل فرعون: (أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ)1.
2. ما في تفسير قوله سبحانه:(اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا)2 .
3. ما روي عن الصادقين(عليهما السلام)، حيث قالا: «أما والله ما صاموا ولا صلّوا لهم ولكنّهم أحلّوا لهم حراماً وحرّموا عليهم حلالاً فاتّبعوهم وعبدوهم من حيث لا يشعرون».3
4. وروى الثعلبي بإسناده عن عديّ بن حاتم قال: أتيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي: يا عديّ، اطرح هذا الوثن من عنقك، قال: فطرحته ثم انتهيت إليه وهو يقرأ من سورة البراءة هذه الآية: (اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا) حتى فرغ منها، فقلت له: إنّا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرّمون ما أحلّ الله فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم الله فتحلّونه؟ قال: فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم.4
5. وروى ابن أبي عمير، عن رجل، عن أبي عبد الله] الصادق[(عليه السلام)قال: «مَن أطاع رجلاً في معصيته فقد عبده».5
6. وروى الحسن بن علي بن يقطين، عن الإمام أبي جعفر الجواد(عليه السلام)

1 . المؤمنون:47.
2 . التوبة:31.
3 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
4 . مجمع البيان:5/46.
5 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب صفات القاضي، الحديث8.

صفحه 100
قال:«مَن أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإنْ كان الناطق يؤدّي عن الله عزّ وجلّ فقد عبد الله، وإن كان الناطق يؤدّي عن الشيطان فقد عبد الشيطان».1
وعلى هذا فالعبادة في المقام ليست بالمعنى المصطلح بل المراد الطاعة، نعم من مراتب التوحيد، التوحيد في العبادة ولكن ملاك الشرك في مقابل الإيمان هو الشرك في العبادة.
وأمّا كون الشيطان عدواً مبيناً فقد صرّح به في بعض خطاباته حيث قال: (أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً)2.
قوله:(وَأَنِ اعْبُدُوني) عطف على قوله: (أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ) فإذا نهى عن عبادة الشيطان فقد دعا إلى عبادة نفسه.
ثم علّل سبحانه الأمر بعبادته بقوله: (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ): أي الطريق الذي يوصل الإنسان إلى السعادة الأبدية، وليس فيه أي اعوجاج.
وهنا طريقان: طريق الرحمن وطريق الشيطان، فالعاقل مَن يسلك الطريق الأوّل ويتجنّب الثاني، فإنّه لا يفضي إلاّ إلى الضلال والشقاء والعناء.
62. (وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ):
لمّا نهى سبحانه عن طاعة الشيطان والاستجابة له فيما يدعو إليه، أشار إلى أقوام هلكوا بسبب طاعتهم الشيطان، وقال: (وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ): أي من بني آدم لا خصوص العرب ولا خصوص قريش (جِبِلاًّ كَثِيرًا)

1 . الكافي:6/434، كتاب الأشربة، باب الغناء، برقم 24.
2 . الإسراء:62.

صفحه 101
جماعة كثيرة، وإضلاله إيّاهم هو إغواؤه لهم (أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) لأنّ المقام مقام الاعتبار والإشفاق. ولقد حذّر الإمام عليّ(عليه السلام)الناس، في خطبته المعروفة بالقاصعة من اتّباع خطوات الشيطان وسلوك طريقته، فقال: «فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللهِ عَدُوَّ اللهِ أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ، وَأَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ بِنَدَائِهِ، وَأَنْ يُجْلِبَ عَلَيْكُمْ بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ. فَلَعَمْرِي لَقَدْ فَوَّقَ لَكُمْ سَهْمَ الْوَعِيدِ، وَأَغْرَقَ إِلَيْكُمْ بَالنَّزْعِ الشَّدِيدِ، وَرَمَاكُمْ مِنْ مَكَان قَرِيب، فَقَالَ: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لاَُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الاَْرْضِ وَلاَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)،1  قَذْفاً بِغَيْب بَعِيد، وَرَجْماً بِظَنٍّ غَيْرِ مُصِيب، صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ الْحَمِيَّةِ، وَإِخْوَانُ الْعَصَبِيَّةِ، وَفُرْسَانُ الْكِبْرِ وَالْجَاهِلِيَّةِ.(2)
63. (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ):
إنّ إصلاح المجتمع من المفاسد الأخلاقية والاجتماعية يقوم على أصلين:
التبشير والتحذير، أو قل الترغيب والترهيب، أمّا الأوّل فيوجِد شوقاً في نفس الإنسان لما يقترحه المصلح، ويبعث فيه النشاط والاندفاع، وأمّا الأصل الثاني فيدفعه إلى وقاية نفسه ممّا حُذّر منه، ومنعِها من أن تزلّ فتقع في المهاوي التي وقع فيها غيره، (وَالسَّعيدُ من وُعِظَ بغيره)2، فلذلك جاء الأنبياء مبشرين ومنذرين كما في قوله سبحانه: (فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرين).(4)

1 . الحجر: 39.   2 . نهج البلاغة: الخطبة 192.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 86 .                            4 . البقرة:213.

صفحه 102
وعلى هذا جرى الإسلام في برامجه الإصلاحية، فلما تقدّم في قوله: (إنّ أصحابَ الجَنَّةِ في شُغُل فاكِهُون) الذي يحمل التبشير والترغيب، جاءت هذه الآية على نهج التحذير والترهيب، فقال عزّ من قائل: (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) بها على لسان الأنبياء، وكنتم تكذبونهم فيها ولا تؤمنون بها، حاضرةٌ تشاهدونها بأُمّ أعينكم.
ثمّ إنّه سبحانه أخذ لفظ (الْيَوْمَ) موضوعاً للحكم وأخبر عنه بالأمرين التاليين:
64. (اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ):
أي قاسوا حرّها أو ادخلوها لأجل كفركم وإعراضكم عن عبادة الله سبحانه، فقوله: (بِمَا كُنْتُمْ) بيان لسبب.
65. (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ):
تحدثت الآية السابقة عن مآب المجرمين وهو صَليُ جهنم، وبما أنّه قد يدور في خلَد الانسان: هل كان هناك شهود على أعمالهم الإجرامية؟ عاد البيان القرآني إلى ذكر شيء من الشهود وراء سائر الشهود الذين سنذكرهم عند تفسير قوله تعالى في سورة فصّلت: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).1
وأمّا المقام، فالله سبحانه يختم على أفواههم التي ستنطق بالأكاذيب

1 . فصّلت:20.

صفحه 103
والأعذار الواهية عمّا صنعوا في الدنيا، كما يقول: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ)فلا يقدرون على الكلام والنطق (وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ) بما عملوا، بدل التكلّم بأفواههم (وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)فالأيدي تشهد بالمعاصي التي كان لها دور كبير فيها، كما أنّ الأرجل تشهد بالجرائم التي لها فيها دور.
ثمّ إنّ الآية تكلّمت عن ختم الأفواه واستنطاق الأيدي والأرجل، ولكنّه سبحانه ذكر في سورة النور شهادة الألسن وقال: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)1.
والجواب: إنّ للعباد يوم القيامة مواقف مختلفة لا موقفاً واحداً، فربّما يؤذن لهم أن يتكلّموا في بعضها دون بعض.
وبهذا يرتفع التنافي بين آيتين أُخريين، إحداهما قوله سبحانه:(وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ)2 والثانية قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذ لاَ يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلاَ جَانٌّ)3.
ويحتمل أيضاً أن تنطق الأيدي والأرجل أوّلاً (وكذلك سائر الجوارح)، فبعد أن تؤدّي شهادتها على أصحابها، يؤذن لهم بالكلام، فلا يمكن لهم إلاّ يُقرّوا بألسنتهم بما شهدت عليه جوارحهم.
هذا، وقد روي عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنّه قال: «وليست تشهد الجوارح على مؤمن وإنّما تشهد على مَن حقّت عليه كلمة العذاب، فأمّا المؤمن

1 . النور:24.
2 . الصافات:24.
3 . الرحمن:39.

صفحه 104
فيعطى كتابه بيمينه، قال الله عزّ وجلّ:(فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَأُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً)1.2
ثمّ إنّ شهادة الألسن والأيدي والأرجل، أو السمع والأبصار والجلود، أمر غيبي ونحن لا نعرف حقيقة هذه الشهادة، ولكن نحتمل أنّ لهذه الأُمور شيء من العلم والشعور حسب درجة وجودها بأن تتلقّى المعاصي في واقعها، ولكن لا تستطيع أن تشهد في الحياة الدنيوية، فإذا انتقلت إلى الحياة الأُخروية فربّما تساعد هناك الظروف على تكلّمها وإبداء ما تلقّته في الدنيا...
66 و 67. (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلاَ يَرْجِعُونَ):
الظاهر أنّ الآيتين بصدد بيان قدرة الله سبحانه على إنزال
العقاب بالمجرمين في الدنيا، فبإمكانه أن يعاقبهم بأحد أمرين بل بأُمور ثلاثة:
الأوّل: (وَ لَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ) أي أعميناهم، فإذا هم يبادرون إلى سلوك الطريق لعلّهم يصلون إلى مقاصدهم، كما يقول: (فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ) ولكن بدون جدوى، فهم عاجزون وليسوا بقادرين على سلوك الطريق، لأنّهم لا يملكون ما يهتدون به إليه، فلم يقدروا ولم يستطيعوا ذلك

1 . الإسراء:71.
2 . الكافي:2/32.

صفحه 105
(فَأَنَّى يُبْصِرُونَ): أي كيف يبصرون ذلك الطريق لو أنّ الله طمس على أعينهم؟
الثاني: (وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ): أي لو تعلّقت إرادتنا على مسخهم (لَمَسَخْنَاهُمْ): أي أخرجناهم من صورة إلى صورة مشوّهة كالقردة والخنازير(عَلَى مَكَانَتِهِمْ)أي في محلّهم ومكانهم، وعندئذ (فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلاَ يَرْجِعُونَ): أي فلم يقدروا على ذهاب ولا مجيء لو مسخناهم، فالمضيّ هنا بمعنى الذهاب، وفي اللغة: مضى يمضي: ذهب وخلا.
ثمّ إنّ التعبير بـ«لو» في قوله تعالى:(لَوْ نَشَاءُ) في كلا الأمرين إشارة إلى عدم تعلّق المشيئة على طمس أعينهم أو مسخهم على مكانتهم، فإنّ علماء الأدب صرّحوا بأنّ مدخول حروف الشرط إذا كان أمراً قطعيّاً يعبّر عنه بـ«إذا» فيقال: (إذا وَقَعَتِ الواقِعَةُ)، وإذا كان مشكوكاً غير متوقّع يعبر عنه بـ«إن» ويقال: «إن جاء زيد»، و إذا كان قطعيّ العدم يعبر عنه بـ«لو» التي توصف بالامتناعية، ولعلّ وجه امتناعه هو ما وعد به سبحانه الأُمّة الإسلامية بأنّ الله لا يعذبهم كعذاب الأُمم السابقة مادام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم، قال سبحانه:(وَ مَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)1، وللإمام عليّ(عليه السلام) هنا كلمة رفيعة ألقاها بعد رحيل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: «كَانَ فِي الاَْرْضِ أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَقَدْ رُفِعَ أَحَدُهُمَا، فَدُونَكُمُ الاْخَرَ فَتَمَسَّكُوا بِهِ: أَمَّا الاَْمَانُ الَّذِي رُفِعَ فَهُوَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَأَمَّا الاَْمَانُ

1 . الأنفال:33.

صفحه 106
الْبَاقِي فَالاِْسْتِغْفَارُ، قَالَ اللهُ تَعَالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)».1
قال الرضيّ ـ بعد نقل هذا الكلام ـ : وهذا من محاسن الاستخراج ولطائف الاستنباط.
68.(وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ):
وهذا المعنى أشار إليه سبحانه بقوله:(وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْم شَيْئًا)2.
اعتبر المفسّرون هذه الآية إشارة إلى سنّة إلهية وهي أنّ من عمّر كثيراً وطال عمره وأدركه الهرم فالله سبحانه سوف ينكّسه في الخلق، أي يصير بعد القوة إلى الضعف وبعد زيادة الجسم إلى النقصان وبعد الطراوة إلى البلى، يقول الزمخشري:(نُنَكِّسْهُ فِي الخَلْقِ)نقلبه فيه فنخلقه على عكس ما خلقناه من قبل، وذلك أنّا خلقناه على ضعف في جسده وخلوّ من عقل وعلم، ثم جعلناه يتزايد وينتقل من حال إلى حال ويرتقي من درجة إلى درجة إلى أن يبلغ أشدّه، فإذا انتهى نكسناه في الخلق فجعلناه يتناقص حتى يرجع في حال شبيهة بحال الصبيّ في ضعف جسده وقلّة عقله وخلوّه من العلم.3
يلاحظ عليه: أنّ تفسير الآية بهذا النحو يورث انقطاع صلتها بما سبق،

1 . نهج البلاغة: الكلمات القصار، برقم 88 .
2 . الحج:5.
3 . تفسير الكشّاف:3/291.

صفحه 107
فإنّ هذه السنّة سنّة عامّة تعمّ جميع الناس ولا اختصاص لها بالمشركين، فكيف انتقل من إنذارهم بأمرين إلى بيان هذه السنّة بناء على أنّ المراد من الموصول (وَمَنْ نُعَمِّرهُ) هو مطلق الإنسان؟
ولمّا انتبه صاحب الكشاف إلى هذه الثغرة في هذا التفسير أراد إرجاعه إلى المشركين، وقال:إنّه سبحانه قادر على أن يطمس على أعينهم، ويمسخهم على مكانتهم ويفعل بهم ما شاء.1 أي إبقاؤهم إلى أرذل العمر.
وعلى هذا فيجب تقدير لفظة «منهم» في الآية، فتكون الآية (وَمَنْ نُعَمِّرهُ) ـ منهم ـ (نُنَكِّسْهُ فِي الخَلْقِ أفَلاَ يَعقِلُونَ) فعلى هذا فقوله: (أفلا يَعقِلون) راجع إلى الأُمور الثلاثة التالية: 1. الطمس. 2. المسخ. 3. التعمير إلى أرذل العمر.
وعلى هذا فلابدّ أن يقال من أنّ قوله: (وَمَنْ نُعَمِّرهُ) أي مَن نبقيهم منهم، كما في قوله سبحانه: (أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ)2 أي ألم نبقيكم مدّة من الحياة تكفي المتأمّل وراء الأمرين السابقين أن يتذكّر فيه مَن تذكّر، فيصير معنى الآية: إنّ الله يتمكّن من معاقبتهم وراء الأمرين السابقين بإبقائهم المنتهي إلى النكس في الخلق.
69. (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ):

1 . تفسير الكشّاف:3/292.
2 . فاطر:37.

صفحه 108
أيّد سبحانه نبيّه الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بمعاجز كثيرة، إلاّ أنّ التركيز انصبّ على معجزته الكبرى ألا وهي القرآن الكريم، الذي كان له أعظم الأثر في جذب العرب إليه، فربما كان سماع آية أو آيتين من لسان النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) سبباً لنبذ الشرك والانقطاع إلى الإسلام. ولمّا رأى زعماء الشرك أنّ النفوس تهفو إلى القرآن لِما تميّز به من حيويّة متدفّقة وصياغة جميلة وقدرة على التأثير، عمدوا إلى تفسير هذه الظاهرة بالقول: إنّ القرآن شعر صاغه محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)من فكره وخياله، ولم يتلقّاه من لدن الله تعالى، ذلك أنّ للشعر بعض هذه السمات. وهنا يردّ الوحي الإلهي هذه التهمة، كما ردّ سائر تهمهم الباطلة في مواضع عديدة من القرآن الكريم.
وقد تضمّنت الآية فقرات ثلاث:
أ.(وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ).
ب. (وَمَا يَنْبَغِي لَهُ).
ج. (إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ).
ولنأخذ كلّ فقرة بالبيان والتفسير.

حقيقة الشعر عند العرب في عصر نزول الآية

الشعر هو الكلام الموزون المقفّى المصاغ على أحد البحور المعروفة في علم العَروض، تهيج به العواطف وتستلذه الآذان، وهو سلاح لساني شديد المضاء، يستعمله الشاعر لأغراض ودواع مختلفة، فإن استعمل غزلاً وتشبيباً، أغرى به الأفئدة بالهوى، وإن صيغ على طريق الحماسة، هاجت النفوس لاقتحام الردى وخوض نيران الوغى، وإن صاغه

صفحه 109
لغاية الاستعطاف والاستعطاء، حرّك العواطف وهيّجها ودفعها إلى التراحم والمساعدة والعطاء... إلى غير ذلك من الغايات، فهو بحق سلاح لو كان بيد العاقل الرشيد لأصلح به ما فسد وبنى به حضارة، وإن كان في يد الماجن الجاهل، أضرّ به المجتمع وأكثر فيه الفساد، فخذ مثالاً، وهو أنّ مَن سمع وتأمّل في قول امرئ القيس في التشبيب:
أفاطم مهلاً بعض هذا التدلُّل *** وإنْ كنتِ قد أزمعتِ صَرْماً فأجمِلِ
وإن تك قد ساءتكِ مني خليقة *** فسلّي ثيابي من ثيابك تنسلِ
تندفع نفسه إلى الهوى ويسهل عليه احتمال الجوى.
وأمّا من سمع قول الشاعر:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطلُ *** وكلُّ نعيم لا محالة زائلُ
تتسامى روحه وتحلّق في سماء معرفة الله سبحانه وعظمته، وأمّا من سمع قول شاعر ثالث:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً *** ويأتيك بالأخبار من لم تزوّدِ
فسوف يقتنع بضعفه ويذعن بجهله.
إلى غير ذلك من الأشعار المختلفة من حيث الدواعي والأغراض.
هذا هو حال الشعر في عصر الجاهلية وعصر نزول القرآن، والله سبحانه يقول: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ) والمراد من التعليم هو الوحي، أي ما أوحينا إليه الشعر، وأُريد من العلم هو الوحي كقوله سبحانه:(وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيًما)1، فإنّ التعليم كان عن طريق

1 . النساء:113.

صفحه 110
الوحي بالطرق المألوفة، وما أوحينا إليه الشعر بل أوحينا إليه القرآن، فالقرآن أسمى من أن يكون شعراً، وقد عرفت حقيقة الشعر في العصر الجاهلي والدواعي التي كانت تسبب إنشاءه. نعم ربما يجري على اللسان كلام موزون من دون أن يقصد إنشاء الشعر، ويكون أشبه بالشعر دون أن يكون من مقولته، فهو مجرّد أمر اتّفاقي من غير تكلّف و لا قصد، وعليه يحمل ما قاله النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم حنين وهو راكب البغلة البيضاء:
أنا النبيُّ لا كَذِبْ *** أنا ابن عبد المطّلبْ
وقد حكي إنّه حينما نكبت أصبعه في الغار، قال:
إن أنت إلاّ اصبع دميتِ *** وفي سبيل الله ما لقيتِ
فلا تُعد أمثال هذه الأُمور الجارية على اللسان على عفو الخاطر شعراً، ومنه يظهر حال بعض الآيات التي ربّما يتصور أنّها شعر نظير:(فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)1، فهو وإن كان من البحر الطويل لكنّه لا يوصف بالشعر لأنّه أمر وحيد بين الآيات البالغة إلى 110 آية، فلا يوصف الكلام بالشعر يومذاك إلاّ أن يأتي بيت بعد بيت ينشئه الشاعر للغايات المتوخاة.
ومن هذا القبيل قوله سبحانه: (دَانِيَةً عَلَيْهِم ظِلاَلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً)2، فهو بظاهره من بحر الرجز ولكنّه فقرة واحدة، بين إحدى وثلاثين فقرة، فلا ينتقض بهذه الآية ونظائرها قوله سبحانه:(وَمَا عَلَّمْنَاهُ

1 . الكهف:29.
2 . الإنسان:14.

صفحه 111
الشِّعْرَ) أي ما أوحينا إليه الشعر. وبذلك تقف على أنّ ما أثاره بعض الملاحدة من وجود الشعر في القرآن بهذه الآيات وأمثالها فلا يعدّ نقضاً، لما عرفت من أنّ الشعر في عصر الرسالة، هو ما ذكرنا حيث يقوم الشاعر بإنشاء أبيات موزونة مقفّاة لأحد المقاصد، ويأتي ببيت بعد بيت، وأين هذا من وجود آية إذا فصلت عن سائر الآيات تصبح بصورة مصرع أو شعر قصير؟!
ولأجل الابتعاد عن الاتّهام بالشعر نرى أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتمثّل بالشعر لكن منكسراً، فمثلاً كان يتمثّل بهذا البيت:
«كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً»، فكان يعتذر بقوله: إنّي لست بشاعر.1
وروي أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتمثّل ببيت أخي بني قيس على ما مرّ، فيقول:
ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار.
فيقال له: ليس هكذا، فيعتذر بالنحو السابق.2
وإن شئت أن تقف على حقيقة المراد من قوله سبحانه:(وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ) فاقرأ تاريخ العرب في العصر الجاهلي واهتمامهم بالشعر، حيث كانوا يقيمون المهرجانات الشعرية في أشهر الأماكن وأكثرها ازدحاماً، فهذه سوق عكاظ ومجنة وذوالمجاز، أسواق تجارية معروفة في الجاهلية،

1 . أمالي الصدوق:495، الحديث6.
2 . من لا يحضره الفقيه:4/272، الحديث8.

صفحه 112
كانت تحتضن تلك المهرجانات والاحتفالات الأدبية وكانت مركزاً لتجمع أشهر الشعراء والخطباء وأبرزهم، كما كان للشعر مكانة مرموقة في المجتمع العربي حتّى سُمّي بـ«ديوان العرب».1
وأفضل دليل على أنّ القرآن ليس شعراً هو أنّ فصحاء العرب وبلغاءهم الذين كان يتحاكم إليهم الشعراء، شهدوا بذلك، فهذا هو الوليد بن المغيرة المخزومي يقول لقريش ـ وعندما اجتمعت في دار الندوة ـ : إنّكم ذوو أحساب وذوو أحلام، وإنّ العرب يأتونكم فينطلقون من عندكم، على أمر مختلف. فأجمعوا أمركم على شيء واحد. ما تقولون في هذا الرجل (يعني محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم))؟ قالوا: نقول: إنّه شاعر. فعبس عندها وقال: قد سمعنا الشعر فما يشبه قوله الشعر. فقالوا: نقول إنّه كاهن....2
وعلى كلّ تقدير فالآية ردّ لاتّهام بعض المشركين بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)شاعر وقرآنه شعر، كما يحكي عنه سبحانه: (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِر مَجْنُون)3. هذا ما يتعلّق بالفقرة الأُولى.
وأمّا الفقرة الثانية ـ أعني قوله (وَمَا يَنْبَغِي لَهُ)ـ فالمراد بها: أنّ الشعر لا يتأتّى له، ولا يتيسّر له لو طلبه.
ثمّ إنّ سلب قدرة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على إنشاء الشعر هو لأجل مصلحة عليا، وهي صيانة القرآن من أن تتطرّق إليه الشبهة بأنّ النبيّ إنّما أتى به لِما يتمتع به من مَلَكة قرض الشعر وإنشائه، ولهذه الغاية ما علّمه سبحانه الشعر، ولم

1 . تفسير القرطبي:1/24.
2 . مجمع البيان:1/176.
3 . الصافات:36.

صفحه 113
يتيسّر له(صلى الله عليه وآله وسلم) قَرْضه، الأمر الذي جعل تلك التهمة (كون القرآن شعراً) داحضة عند مَن له معرفة بأجناس الكلام وأساليبه. ونظير عدم تيسّر قول الشعر له، كونه لا يُعدّ نقصاً للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّ القراءة والكتابة وسيلة لفهم الأسرار والمعاني، فلو بلغ الإنسان مرتبة من الكمال يعلم بها ما في الكون من الأسرار دون أن يستعين بقراءة كتاب، يكون أفضل ممّن يقف عليها عن طريق القراءة، يقول سبحانه: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)1.
وحاصل الكلام: إنّ تنزيه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن الشعر كان لأجل الحفاظ على معجزة القرآن، وصيانة مقام الرسول، وهو نظير تنزيهه عن معرفة الكتابة والقراءة.
نعم ليست الآية ناظرة إلى ذمّ الشعر لأنّه قد صحّ عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان يسمع الشعر ويحثّ عليه، وقد روي أنّه قال لحسّان بن ثابت: لا تزال يا حسّان مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك.(2)
ولمّا قدم عليه كعب بن زهير بن أبى سُلمى وأنشده في المسجد قصيدته المشهورة:(بانت سعاد)، أعرب(صلى الله عليه وآله وسلم) عن ارتياحه، ويقال: لمّا بلغ كعب إلى قوله:
إنّ الرسول لنور يستضاء به *** مهنّد من سيوف الله مسلول.
أشار رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الخلق بكمّه ليسمعوا.2

1 . العنكبوت:48.   2 . مجمع البيان:8/315.
2 . المستدرك على الصحيحين:3/582; أعيان الشيعة:9/29.

صفحه 114
قال ابن هشام: ويقال إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال له ـ حين أنشد:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول         ..............................
ـ : «لولا ذكرت الأنصار بخير، فإنّهم لذلك أهل». فنظم كعب قريضاً خصّ الأنصار بالمدح وقال:
من سرّه كرم الحياة فلا يزل *** في مِقْنب من صالحي الأنصار
ورثوا المكارم كابراً عن كابر *** إنّ الخيار همُ بنو الأخيار1
فلولا أنّ الشعر الهادف الذي يتبنّى القيم والأخلاق ويرشد المجتمع إلى الصلاح والفلاح كان أمراً محبوباً وشيئاً مطلوباً، لما صرف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وقته الشريف في استماع قصيدة كعب بن زهير البالغ عدد أبياتها 58 بيتاً. فإذا أُضيف إليها ما أنشده كعب في مدح الأنصار لبلغ عدد أبيات القصيدتين اللّتين أنشدهما في محضر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) واحداً وسبعين بيتاً.2
وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «إنّ من الشعر لحكمة وإنّ من البيان لسحراً».3
يقول العلاّمة الأميني(رحمه الله): كان يراه نصرةً للإسلام وجهاداً دون الدين الحنيف، وكان يصوِّر للشاعر جهاده وينصّ به، ويقول:
«اهجوا بالشعر; إنّ المؤمن يجاهد بنفسه وماله، والّذي نفس محمد بيده كأنّما تنضحونهم بالنبل».
وفي لفظ آخر: «لكأنّ ما ترمونهم به نضح النبل».

1 . السيرة النبوية لابن هشام:4/167ـ 168، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، 1421هـ .
2 . انظر القصيدتين في: السيرة النبوية لابن هشام:4/157ـ168.
3 . مجمع البيان:8/315.

صفحه 115
وفي ثالث: «والّذي نفسي بيده لكأنّما تنضحونهم بالنبل فيما تقولون لهم من الشعر».1
وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يثوِّر شعراءه إلى الجدال بنبال النظم وحسام القريض، ويحرِّضهم إلى الحماسة في مجابهة الكفّار في قولهم المضادِّ لمبدئه القدسيِّ، ويبثُّ فيهم روحاً دينيّاً قويّاً، ويؤكّد فيهم حميّة تجاه الحميّة الجاهليّة، وكان يوجِد فيهم هياجاً ونشاطاً في النشر والدعاية، وشوقاً مؤكّداً إلى الدفاع عن حامية الإسلام المقدّس، ورغبةً في المجاهدة بالنظم.2
وأمّا الفقرة الثالثة: أعني قوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ)فالضمير يرجع إلى القرآن(إلاّ ذِكْرٌ ): أي مذكِّر للناس بما تعلّموه في الفطرة (وَقُرْآنٌ) مصدر أُريد به المقروء(مُبِينٌ)وصف للقرآن، أي واضح المقاصد والمفاهيم.
70. (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ):
اللام لام الغاية، وكأنّه غاية لفقرة محذوفة، فالله سبحانه لمّا نفى أن يكون القرآن شعراً، كما يُستفاد من قوله:(وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ)، وأنّ ما علّمه الرسول ليس إلاّ قرآناً مبيناً، بيّن في هذه الآية أنّ الغاية من وحي القرآن أمران:
أ. (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا): أي لينذر القرآن أو الرسول من كان عاقلاً حيّ القلب مستنير البصيرة، فيهتدي بهداه.

1 . مسند أحمد: 4/498 برقم 15369، وص 492 برقم 15359، وج 7/533 برقم 26633.
2 . الغدير: 2/7 ـ 8 .

صفحه 116
ب. (وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ): أي العذاب (عَلَى الْكَافِرِينَ)حيث يتمّ به الحجّة عليهم.
تطلق لفظة الحياة ويراد بها الحياة المشتركة بين الإنسان والحيوان والنبات، وإن كان لها درجات مختلفة، فهذا النوع من الحياة أمر مشترك بين المؤمن والكافر، فكلٌّ يأكل ويمشي ويتكلّم ويعقل ويحاسب، غير أنّ للحياة معنى آخر يختصّ بالمؤمن دون الكافر، وهي الحياة المعنوية، أعني: معرفة المبدأ وصفاته وأسمائه وأفعاله، ورسله وكتبه، وأنّ الإنسان لم يُخلق سُدى، لأنّ فعله سبحانه منزّه عن العبث، وأنّ للإنسان حياة أُخرى بعد هذه الحياة.
فمعرفة هذه الأُمور تمنح القلب حياةً خاصّة تميّزه عن قلب الكافر، ولذلك يصف سبحانه المشركين بالموتى، فيقول:(إنّما يَسْتَجيبُ الّذينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوتى يَبْعَثهُم اللهُ ثُمَّ إليهِ تُرجعون).1
سورة يس: الآيات 71 ـ 76   
ويظهر من بعض الآيات أنّ للقلب صحّة ومرضاً ولذلك يقول تعالى: (في قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزادَهُمُ الله مَرَضاً)(2)، كما تُعدّ القسوة من صفات قلوب الكافرين والظالمين، قال تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)(3)، وهذا هو الإمام عليّ(عليه السلام) يقول: «وَمَنْ كَثُرَ كَلاَمُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ، وَمَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ، وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ، وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ، وَمَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ».(4)
ويقول الإمام محمّد بن علي الجواد (عليه السلام): «موت الإنسان بالذنوب

1 . الأنعام:36.      2 . البقرة:10.   3 . البقرة:74.   4 . نهج البلاغة: الكلمات القصار، برقم 349.

صفحه 117
أكثر من موته بالأجل، وحياته بالبرّ أكثر من حياته بالعمر».1

الآيات: الحادية والسبعون إلى السادسة والسبعين

(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ * فَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ).

المفردات

ذلّلناها: سخّرناها لهم.
رَكوبهم: الرَّكوب(صفة): ما يُركَب، يقال: دابّة رَكوب، أي تصلح للرُّكوب. والرُّكوب مصدر رَكِب.

التفسير

لمّا أنذر سبحانه المشركين بقوله: (وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) أخذ هنا في ذكر النِّعم الدالّة على وحدانيته في الخلق والتدبير، حتى يرجع المُعاند عن عناده والمنكِر عن إنكاره بالتأمّل في هذه النعم الكبار التي تدور عليها رحى حياته، وذكر الأنعام وقال:

1 . كشف الغمة في معرفة الأئمة: 3 / 142 .

صفحه 118
71. (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ):
المراد من الرؤية في قوله: (أَوَ لَمْ يَرَوْا) هو الرؤية العلمية لا البصرية فإنّ الرؤية البصرية ليست مورد الإنكار حتى تقع موقع الاستفهام،(أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ): أي لانتفاعهم (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا)ونسب خلق الأنعام إلى الأيدي، نظير قوله سبحانه في خلق آدم، مخاطباً إبليس: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)1 والظاهر أنّ نسبة الخلق في هذه الموارد إلى الأيدي لغاية إظهار العناية بالمخلوق، كما يقول الأب لولده: أنا ربّيتك بيدي، يريد بذلك الإعراب عن اهتمامه وعنايته به، ومثله أن يقول أحدهم: هذا العمل قمت به بيدي. ويظهر هذا القصد في قوله سبحانه الآنف الذكر: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَديَّ)فهو يُشعر بالعناية ويستهدف التنديد بإبليس، حيث استكبر وترك السجود لمخلوق للخالق به عناية. ومع ذلك يحتمل أن يكون القصد من إسناد خلق الأنعام إلى الأيدي، هو لتأكيد تفرّده سبحانه في الخلق والإيجاد، وعدم مشاركة الآخرين في خلقها.
ثمّ إنّ الوهابية تصرّ على أنّ لفظ اليد أو الأيدي في هذه المقامات قد استعمل في المعنى اللغوي، وينكرون المجاز والكناية جدّاً، وما هذا إلاّ لأنّ حمل هذا اللفظ وغيره على المعنى اللغوي يؤيّد فكرة التجسيم والتشبيه التي يتبنونها باطناً لا ظاهراً، مع أنّ القرآن إنّما ورد بلسان العرب المشحون بالكناية والمجاز. والعجب أنّهم يقولون إنّ لله يداً ولكن الكيفية مجهولة،

1 . ص:75.

صفحه 119
وهم يتناقضون في هذا الصدد فهم من جانب يصرّون على أنّ اليد مستعملة في معناها اللغوي ومن جانب آخر ينكرون الكيفية، مع أنّ المعنى اللغوي قائم بالكيفية، فلو حذفنا الكيفية لم يبق لليد معنى يراد به في هذه الموارد.
وبعبارة أُخرى: حقيقة اليد قائمة بكيفيتها، فلازم القول بالاستعمال في المعنى اللغوي، دون أن يكون كناية أو مجازاً هو ثبوت الكيفية لله سبحانه، فالقول بالاستعمال في المعنى اللغوي مع عدم الكيفية، تفكيك بين المتلازمين.1
قوله تعالى:( فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ): أي فهم متصرّفون فيها كيف يشاءون تصرّف المالك بماله.
ثمّ فسّر في الآيتين التاليتين كيفية الانتفاع، فقال:
72 و73. (وَ ذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ):
قوله:(وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ): أي سخّرناها بالانقياد لهم، وقد بلغ مدى تسخير الله سبحانه للأنعام وتذليلها للإنسان إلى حدٍّ نرى أنّ طفلاً صغيراً يقود قافلة من الجمال من مكان إلى آخر من دون أن تعصيه أو تخرج عن إرادته.

1 . إنّ إصرار الوهابيين على إنكار المجاز لغاية حمل الصفات الخبرية الواردة في القرآن الكريم على معانيها اللغوية الّتي تلازم التجسيم والتشبيه، ولذلك قمنا بتأليف رسالة مستقلّة حول الموضوع ننشرها آخر هذا الجزء، فلاحظ .

صفحه 120
ثمّ إنّه سبحانه ذكر أنّهم ينتفعون بهذه الأنعام بوجوه مختلفة:
أ. (فَمِنْها رَكُوبُهُمْ): أي فبعضها ما يُركب في الأسفار ويُحمل عليه الأثقال، خصوصاً في البوادي ذات الرمال الصعبة الاجتياز والتي يعسر قطع مسافاتها.
ب. (وَ مِنْهَا يَأْكُلُونَ): أي ينتفعون من لحومها.
ج. (وَ لَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ) ينتفعون من أصوافها وأوبارها وجلودها.
د.(وَ مَشَارِبُ) جمع مشرب مصدر ميمي و أُريد به الألبان .
ثم إنّه سبحانه حضّهم على معرفة المنعم وشكره وقال: (أَفَلاَ يَشْكُرُونَ)، فإنّ شكر المنعم أمر فطري والإنسان العاقل الرشيد يخضع للمنعم، فأيّ منعم أكبر من الله سبحانه، وقد سهّل للإنسان الانتفاع بهذه الأنعام؟ ولكنّهم، يا للأسف، مكان أن يشكروا الله سبحانه ويعبدونه وقد رأوا تفرّده بالخلق والتدبير، اتّبعوا سنّة الآباء في عبادة الآلهة المكذوبة، كما يقول:
74. (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ):
كان المشركون يعتقدون بأنّ لآلهتهم قدرة غيبية تنصر بها عبدتها، كما يقول:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً) أشركوها به سبحانه في العبادة(لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ) أي لأجل أن يُنصروا من جهتهم، وسيوافيك تفصيله.
والضمائر في (اتَّخَذُوا) و (لَعَلَّهُمْ) و (يُنْصَرُونَ)ترجع إلى المشركين. ثمّ إنّه سبحانه كشف في الآية التالية السترَ عن كيفية خضوع

صفحه 121
المشركين لهذه الآلهة المكذوبة، فقال:
75. (لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ):
والآية تفيد أمرين:
أ. (لاَ يَسْتَطِيعُونَ) يعني هذه الآلهة المكذوبة (نَصْرَهُمْ) في الحروب والحياة، لأنّها جمادات لا تسمع ولا تعقل ولا تقدر على دفع الشرّ عن نفسها، فكيف يمكنها نصر الآخرين؟
ب. (وَ هُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ) الضمير الأوّل يرجع إلى المشركين، والثاني إلى الآلهة من دون الله، أي أنّ المشركين بلغوا من الخضوع إلى حدٍّ صاروا جنداً للآلهة، وأتباعاً لها، ولكنّ الله سبحانه يحضر الجميع يوم القيامة للجزاء والحساب، قال سبحانه: (وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ).1
ثمّ إنّ قوله سبحانه: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ) دليل واضح على أنّ المشركين، كانوا غير موحّدين في أمر التدبير حيث جعلوا زمام التدبير الذي منه الانتصار في الحرب بيد الآلهة، فهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّهم كانوا مشركين في العبادة والتدبير معاً، فما يلهج به دعاة الوهابية من الإصرار على أنّ مشركي عصر الرسالة كانوا مشركين في أمر العبادة فقط دون غيرها من مراتب التوحيد، محجوج بهذه الآية، وبآية أُخرى وهي قوله سبحانه:(وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا).(2)

1 . الصافات:158.   2 . مريم:81 .

صفحه 122
فإذا كانت العزّة حسب زعمهم بيد الآلهة فمعنى ذلك أنّها تعزّهم وتذلّهم مع أنّه قد ورد في الذكر الحكيم: (تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)1.
توضيح ذلك: أنّ المشركين كانوا موحّدين في الخالقية، والقرآن الكريم ينقل عقيدتهم في هذا المضمار ويقول: (وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)2، ولكنّهم كانوا مشركين في توحيد الربوبية وهو تدبير العالم وإدارة حياتهم، فقد كانوا يعتقدون بأنّ أمر التدبير قد فُوّض إلى الأصنام التي سمّوها بالآلهة ويرون أنّ العزّة بأيديها، كما هو ظاهر قوله تعالى: (وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)3، وكذلك كانوا يرون أنّ النصر في الحروب بأيدي هذه الأصنام حيث نقل ذلك عنهم سبحانه بقوله في هذه السورة: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)، وعلى هذا فالنقطة الحسّاسة التي التبس فيها الأمر على الوهابيين، هي الخلط بين التوحيد في الخالقية والتوحيد في الربوبية، وقد عرفت أنّ الآيات تفرّق بينهما.
وبهذا يظهر أنّ تطبيق ما ورد من الآيات في حقّ المشركين على الموحّدين من الأخطاء الواضحة، فالوهابية في منشوراتهم الموروثة عن محمد بن عبد الوهاب وقبله ابن تيمية قد ساووا بين الموحّدين والمشركين، بحجّة أنّ الكل يطلب الشفاعة، مع وجود الفرق الواضح، فإنّ

1 . آل عمران:26.
2 . الزخرف:9.
3 . مريم:81.

صفحه 123
الموحّد يؤمن بأنّ الأمر كلّه بيد الله سبحانه وهو يتوسّل بدعاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو بمقامه إلى الله كي يقضي سبحانه حاجته، ولكن المشرك يتوسّل بالأصنام ويرى أنّ الأُمور بأيديها حيث إنّ التدبير قد فُوّض إليها، فالآيات الناظرة إلى المشركين تختلف موضوعاً مع سلوك الموحّدين.
ثمّ إنّ الوهابية اتّخذوا الآية التالية ذريعة للتهجّم على المسلمين، وحاولوا بذلك التسوية بين عملهم وعمل الكافرين، قال سبحانه: (أَلاَ للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)1.
فقال الوهابيون: إنّ عمل المسلمين كعمل المشركين حيث إنّ المشركين لم يكونوا معتقدين في أوثانهم إلاّ أمراً واحداً وهو أنّ عبادتهم تقرّبهم إلى الله دون أن يعتقدوا فيهم شيئاً من التدبير، فإذا كان هذا عملهم فيكون عمل المسلمين كعملهم حيث إنّهم يتوسّلون بالنبي وآله لا لشيء إلاّ ليتقرّبوا بذلك إلى الله سبحانه.
أقول: في كلامهم هذا مغالطات:
الأُولى: أنّ المشركين ـ كما مرّ ـ كانوا معتقدين بالربوبية في أصنامهم ولذلك كانوا يسمّونها أرباباً، وهذا بخلاف المسلمين، فهم موحّدون في أمر الربوبية.
الثانية: أنّ دعاء المشركين كان نابعاً عن الاعتقاد بربوبية الأصنام وهذا

1 . الزمر:3.

صفحه 124
بخلاف دعاء المسلمين فإنّه نابع عن كون المدعوّين عباداً صالحين تستجاب دعوتهم.
الثالثة: أنّ المشركين لأجل الاعتقاد بربوبية أصنامهم كان دعاؤهم والتوسّل بهم متّسماً بالعبادة، ويصحّ في حقّهم قولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى) وأمّا عمل المسلمين فهو مجرّد طلب دعاء لا يوصف بالعبادة لأنّه نابع عن الاعتقاد بعبوديّتهم لا ربوبيّتهم.
الرابعة: أنّ الله سبحانه فضح قول المشركين حيث خصّوا عملهم بالعبادة لأجل التقرّب وقال في آخر الآية (إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) حيث دلّ على أنّهم وراء عبادتهم لغاية التقرّب، كانوا معتقدين بربويّتهم وتفويض الأمر إليهم.
وأنت إذا تدبّرت فيما ذكرنا تعرف أنّ القوم غارقون في غلوائهم ويصرّون على أخطائهم الموروثة من إمام إلى داع، دون أن يتدبّروا أدلّة الآخرين، وسيوافيك الكلام في ذلك عند تفسيرنا لسورة الزمر، فانتظر.
76. (فَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ):
سورة يس: الآيات 77 ـ 83   
الآية تطييب لنفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وتسلية له، قائلة:(فَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ): أي استنصارهم بالآلهة المزعومة، أو غير ذلك من أقوالهم في الشرك وإنكار البعث، ثم علّل النهي بقوله: (إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) فهم يؤاخَذون بعقائدهم وأعمالهم. وقدّم الإسرار على الإعلان لأهميّته.

صفحه 125

الآيات: السابعة والسبعون إلى آخر السورة

(أَوَ لَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَة فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِر عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ):

المفردات

أوَ لم يرَ: المراد هو الرؤية العلمية لأنّ الرؤية البصرية ليست مورد الإنكار حتى يُستفهم عنها.
خصيم: الخصيم: المبالغ في الجدل والخصومة إلى أقصى حدٍّ.
ضرب لنا مثلاً: أي وصف لنا قصّة.
رميم: البالي من العظام، ولم يقل: رميمة، لأنّه اسم لا صفة.
ملكوت: مبالغة في المِلك، أي المِلك التام، كالرّحموت من الرحمة، وهذا النوع من الصيغ قليل في لغة العرب.

صفحه 126
 
التفسير
روى المفسّرون أنّ أُبيّ بن خلف الجُمَحيّ1 (أو العاص بن وائل السَّهميّ) جاء بعظم بال متفتّت فقال: يا محمد أتزعم أنّ الله يبعث هذا؟ فقال: نعم، ونزلت الآية: (أَوَ لَمْ يَرَ الإِنْسَانُ...) إلى آخر السورة». وربما نسب إلى ابن عباس أنّه قال: إنّ الجائي بعظم بال هو عبد الله بن أُبيّ ابن سَلُول، وهو وهم لأنّ الآية مكيّة والرجل مدني، من رؤوس المنافقين.
إذا وقفت على ذلك فاعلم أنّ المشركين كانوا يختلفون مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)حول موضوعين أكثر من غيرهما وهما: التوحيد في العبادة والبعث يوم القيامة، ولذلك نرى تأكيد القرآن على هذين المبدأين أكثر من غيرهما. ولمّا أبطل سبحانه منطق المشركين في الآيات السابقة من أنّ القرآن شعر والنبيّ شاعر، أخذ في التركيز على أمر المعاد بإبطال شبهتهم (وقد عرفت الشبهة)، وذلك بوجوه ثلاثة:
وقبل بيان الشبهة يصف الإنسان بأنّه (خَصِيمٌ مُبِينٌ) ويقول:
77.(أَوَ لَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَة فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ):

1 . كان أُبيّ وأخوه أُميّة على شرّ ما عليه أحد من أذى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وتكذيبه، وقد قُتل أُميّة يوم بدر كافراً، وأمّا أُبيّ فقتله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أُحد، طعنه بحربة في عنقه، فلم يلبث إلاّ يوماً أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح. تاريخ الطبري:3/120 ـ 121، والكامل لابن الأثير:2/72.

صفحه 127
قد مضى أنّ الرؤية في قوله: (أَوَ لَمْ يَرَ الإِنْسَانُ) تعني العلم، وإلاّ فالرؤية البصرية حاصلة لكلّ إنسان على أنّه خلق من نطفة ضعيفة، وإنّما المجهول هو التدبّر في ذلك حتى يستنتج منه إمكان بعثه وإحيائه (أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَة): أي من منيّ (فَإِذَا هُوَ): أي الإنسان (خَصِيمٌ)مبالغ في الخصومة والجدال بالباطل (مُبِينٌ) واضح الخصومة.
فالله سبحانه خلق الإنسان من نطفة، ثم وضعها على مدارج الكمال، فمن نطفة إلى علقة إلى مضغة مُخلَّقة وغير مخلَّقة، ثم إلى عظام، ثم
إلى كسوة العظام باللحم ثم إنشاؤه خلقاً آخر، فيخرج من بطن الأُم ولداً سوّياً يعيش بين الطفولة والصبا ثم الشباب والكهولة والشيخوخة، فعلى الإنسان أن يتأمّل في نشأته الأُولى، وكيف انتقل من طور إلى طور حتى صار هذا الإنسان الذي يقف مخاصماً ومجادلاً أمام الله سبحانه ورسالات أنبيائه، فمَن قدر على جميع ذلك، كيف لا يقدر على إعادته وبعثه من جديد؟
ثمّ إنّه سبحانه أشار إلى شبهته ونقدها وقال:
78. (وَ ضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ):
أمّا الشبهة فهو قوله:(مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)، وأمّا نقدها فتمّ بوجوه أحدها في هذه الآية، والبقية في الآيات التالية:
أوّلها: قوله: (وَ نَسِيَ خَلْقَهُ): أي أنّه خلقه من أضعف الأشياء(النطفة)، فالقادر على خلق الإنسان من أضعف الأشياء قادر على إحيائه وبعثه. فالله

صفحه 128
سبحانه هو الذي أعطى للنطفة كمالاً بعد كمال حتى جعلها إنساناً سوياً ناطقاً، فمن عظمت قدرته حتى جعل من الماء المهين إنساناً، لا يعجزه أن يحيي العظام الرميم.
79. (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ):
الظاهر أنّه دليل ثان على ردّ الشبهة، وحاصله تشبيه المعاد بالمبدأ، فأمر سبحانه نبيّه أن يردّ عليه بقوله: (قُلْ يُحْيِيهَا): أي العظام الرميم (الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة) من غير شيء، وهو قادر على إعادة ما أنشأه من غير شيء كما يقول: (وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ): أي عالم بكلّ وسائل الخلق، ومنها تكوين الإنسان من عظامه البالية.
وبعبارة أُخرى: الإنشاء الابتدائي الذي يشير إليه بقوله: (أَوَّلَ مَرَّة)أصعب ـ في نظر الإنسان ـ من إعادة المخلوق إلى ما كان عليه.
إلى هنا تمّ تفنيد الشبهة ببيانين:
أوّلهما: عطف نظر الإنسان إلى مبدأ خلقه وهو أنّه سبحانه خلقه من ماء مهين ثم جعل هذا الموجود الضعيف إنساناً سوياً، فالقادر على هذا النوع من الإيجاد، قادر على إعادة الروح إلى العظام البالية.
ثانيهما: الإيجاد الابتدائي في نظر الإنسان أصعب من إعادة الحياة إلى المخلوق الموجودة أجزاؤه المتشتتة، فالقادر على الأوّل أَولى بأن يكون قادراً على الإعادة.
والذي يدلّ على أنّ الاستدلال مبنيّ على سعة قدرته ما يأتي في الآية التالية، حيث إنّ الآيات جميعاً كسبيكة واحدة والهدف من ورائها تنبيه

صفحه 129
المخاطب أنّه لو كانت قدرته محدودة لكان للشبهة مجال، وأمّا إذا وسعت قدرته كلّ شيء بشهادة أنّه خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً، أو خلق السماوات والأرض وهي أعظم من خلق الإنسان، لكان أقدر على إحياء عظامه البالية.
80 .(الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ):
هذا هو البرهان الثالث لتفنيد الشبهة، وحاصله: أنّ الإنسان الخصيم استبعد جعْل الشيء الموات حيّاً أو تحوّل الضدّ إلى الضدّ، فوافاه الجواب بأنّه لا استبعاد في ذلك حيث إنّه سبحانه جعل من الشجر الأخضر الذي يقطر منه الماء ناراً، كما قال: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) وتشعلون النار.
وتسأل: ما هو المراد بالشجر الأخضر؟ ذهب أكثر المفسّرين إلى أنّ المراد به شجراً يُسمّى المَرَخ وشجراً آخر يُسمّى العَفار، إذا قطع منهما عودان وضرب أحدهما بالآخر انقدحت منهما النار وهما أخضران، وهما بمنزلة القدّاحة التي يُضرب فيها الحديد بالحجر الخاص لينطلق الشرر منها، فحصول الحيّ من الميّت ليس بأعجب من انقداح النار من الشجرة الخضراء، وهما متضادان.
لقد جعل الله سبحانه الضدّين ـ الماء والنار ـ في محلّ واحد،
والقادر على مثل هذا قادر على إحياء الموتى، والحقّ أن يقال: إنّ اعتراضاتهم أو تشكيكاتهم نابعة عن الجهل بسعة قدرة الله تعالى: (فَما

صفحه 130
قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ).1
هذا ما ذكره أكثر المفسّرين من تفسير الآية بشجرتي المرخ والعفار، ولكن يمكن تفسيرها بوجه أوسع، وهو أنّه سبحانه ـ والله العالم ـ أراد بالشجر الأخضر عامّة الأشجار في الغابات والبساتين، فربما تنشب الحرائق نتيجة احتكاك بعضها ببعض على أثر الرياح والعواصف، فيتراءى خروج النار من هذه الأشجار، فقد تمكّنت النار من الأشجار الخضراء، فالقادر على الجمع بينهما قادر على إحياء الموتى.
وعلى الوجه الأوّل، فمعنى قوله: (فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ): أي أنّ النار الصادرة من احتكاك أحد العودين بالآخر تكون سبباً لإيقاد النار في الحطب و غيره. ومع ذلك يمكن أن يراد مطلق الشجر الأخضر حيث إنّه يتضمّن الماء ومع ذلك يحترق في شروط خاصّة.
81 . (أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِر عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ):
هذا هو البرهان الرابع لتفنيد الشبهة وهو أنّ مَن قدر على خلق السماوات والأرض مع ما فيهما من عجائب الخلق وعظائم الصنع والنظم البديعة، أقدر على إعادة الحياة إلى العظام البالية كما قال:(أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِر عَلَى) إعادة الإنسان إلى الجزاء بعد الموت كما قال: (أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ)، والظاهر أنّ هذه الفقرة كناية عن إعادتهم للجزاء بعد

1 . الزمر: 67 .

صفحه 131
الموت، يقول الطبرسي: أي يقدر على إعادة خلق البشر، ولما تضمّنت الآية السؤال، أجاب سبحانه عن هذا الاستفهام بقوله: (بَلَى): أي قادر على ذلك (وَ هُوَ الْخَلاَّقُ) يخلق خلقاً بعد خلق (الْعَلِيمُ) بجميع ما خلق أو بأصناف ما خلق.
إنّ(بَلَى) في قوله: (بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ) ردٌّ للنفي أي «ليس»، وتصديق للمنفي أي: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِر)، على عكس «نعم» فلو قيل «نعم» يكون تصديقاً للنفي، أي عجزه سبحانه عن خلق المثل.
ولذلك رووا عن ابن عباس أنّه قال: إنّهم لو قالوا: «نعم» بدل «بلى» في آية: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)1 لكفروا.
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله: (وَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ) أمّا الأوّل (الْخَلاَّقُ) فيشير إلى قدرته غير المتناهية، وأمّا الثاني (الْعَلِيمُ) فيشير إلى علمه غير المتناهي، وإحاطته بكلّ ما في هذا الكون وبجميع قوانينه وأسراره ودقائقه.
وربما يقال بأنّ الضمير في قوله: (عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) يرجع إلى السماوات والأرض، أي هو قادر على خلق مثل السماوات والأرض فإنّهما تشتملان على الإنسان وكلّ من فيهما من العقلاء، ولذلك أُعيد ضمير العقلاء إليها تغليباً.

1 . الأعراف : 172 .

صفحه 132
يلاحظ عليه: أنّ الكلام في بعث الإنسان وإعادته لا بعث السماوات والأرض.
ثمّ إنّ هنا سؤالاً وهو أنّ الآية تدلّ على إعادة مثل الإنسان مع أنّ المُعاد هو الإنسان بعينه لا بمثله.
ويمكن أن يقال: إنّ إعادة الموجود المادّي لا يكون نفس المبتدأ، بل يكون مثله حتى مع حفظ جميع أجزائه وموادّه، وتوضيح ذلك: نفترض أن إنساناً صنع لَبِنةً من ماء وطين، فلهذه اللَّبنة خصوصية خاصّة فلو هدمها وصنع بمادتها لَبِنة أُخرى فهي عند العرف اللبنة الأُولى، ولكنّها عند العقل مثلها، لأنّ الصورة الأُولى انعدمت بانهدامها وهذه صورة جديدة.
ولعل تعبيره سبحانه بـ(مِثْلَهُمْ) باعتبار البدن، فإنّ البدن المعاد مثل البدن الأوّل، لأنّ الأوّل بطلت صورته وبقيت مادّته فلو أُعيدت إليه الحياة فهو مثل الأوّل لا عينه.
نعم يمكن أن يقال: إنّ الإنسان المُعاد هو نفس الإنسان المبتدأ بشرط تعلّق الروح بالبدن الثاني، فبما أنّ شخصية الإنسان وواقعه قائمة بالنفس والروح، فإذا تعلّقت بالبدن الثاني تصبح نفس الإنسان المبتدأ، لأنّ إنسانية الإنسان بروحه ونفسه وهي محفوظة في كلا البدنين.
ويمكن استفادة ذلك من قوله سبحانه في ردّ شبهة من قالوا:(أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد)1، فراجعه في موضعه من سورة السجدة.

1 . السجدة:10.

صفحه 133

إلفات نظر إلى أمرين

من خلال الآيات المتقدّمة نستطيع الخروج بفائدتين أُولاهما فقهية والأُخرى أُصولية، وإليك البيان.
أمّا الأُولى: فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ العظام لا حياة فيها وعليه بني الحكم بطهارتها من الميتة، إذ الموت زوال الحياة، فحيث لم تحلّها الحياة لم يحلّها الموت، فلم تكن نجسة.1
ولكن ظاهر قوله سبحانه:(قُلْ يُحْيِيهَا) كون العظام ذات حياة، فإذا حلّتها الحياة، حلّها الموت، كما أنّ العلم الحديث أثبت وجود الخلايا الحيّة في عامّة العظام.
وأمّا الثانية: ربّما يسبق إلى بعض الأذهان بأنّ الله قد فنّد الشبهة عن طريق القياس حيث قاس إحياء العظام البالية على بدء خلقها وإنشائها أوّل مرّة، مشيراً إلى أنّ مَن قدر على خلق الشيء وإنشائه أوّل مرّة، قادر على أن يعيده بل هو أهون عليه.
يلاحظ عليه: أنّه سبحانه لم يدخل من باب القياس وإنّما دخل من باب البرهان، فأشار إلى سعة قدرته ووجود الملازمة بين القدرة على إنشاء العظام وإيجادها أوّل مرّة، وبين القدرة على إحيائها من جديد، فإذا ثبتت الملازمة بين القدرتين، والمفروض أنّ الملزوم (وهي القدرة على إنشائها أوّل مرّة) موجود ، فلابد أن يثبت اللازم (وهو القدرة على إحيائها وهي رميم)، وأين ذلك من القياس؟

1 . روح المعاني:23/55.

صفحه 134
والذي يدلّ على أنّ الاستدلال مبنيّ على سعة قدرته ما يأتي من الآية التالية:
82.(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ):
الإنسان الجاهل غير العارف بالله سبحانه يتصوّر أنّ فعل الله سبحانه كفعل الإنسان، فكما أنّ الإنسان يقوم بإيجاد شيء بأدوات وأسباب ربما توفي المسبّب وربما لا توافيه أي تقصر عن إيجاده، لكن الله سبحانه شطب على هذه الفكرة أي أنّ قدرته وخلقه تغايران قدرة وخلقة غيره، فلا يتوسّط شيء بين أمره وتحقّق الشيء، وكأنّه ليس في الساحة إلاّ أمران: إرادته سبحانه ووجود الشيء وتحقُّقه، كما قال: (إِنَّمَا أَمْرُهُ): أي شأنه (إِذَا أَرَادَ شَيْئًا): أي إيجاد شيء من الأشياء (أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ): أي تحقَّق (فَيَكُونُ): أي فيوجد. والظاهر أنّ قوله:(فَيَكُونُ)على قراءة الرفع، خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فهو يكون.
كان المترقّب بعد رحلة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الرفيق الأعلى اتّفاق المسلمين في الأُصول والمعارف، وما ذلك إلاّ لأنّ القرآن المجيد تكفّل ببيانها ولم يبق لمريب ريب، لكنّ الاختلاف في الأُصول والمعارف قد وقع ـ مع بالغ الأسف ـ بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإذا نظرنا إلى الفرق والمذاهب الإسلامية المتعدّدة، لوجدنا أنّ أهمّ موارد الاختلاف فيما بينها يرجع إلى صفاته سبحانه وأفعاله.
وممّا سبّب تشتّت المسلمين وتفرّقهم إلى مذاهب شتّى، هو إعراضهم عن الثقل الثاني، أعني: أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، وهم أعدال الكتاب المجيد، كما ورد في حديث متواتر مجمع عليه وهو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّي تارك

صفحه 135
فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي».
ومن مظاهر الاختلاف تفسير هذه الآية حيث إنّ معظم السلف قالوا: إنّ هناك قولاً لفظياً وهو لفظ «كن» وأضافوا أنّ شؤون الله تعالى وراء ما تصل إليه الأفهام، فدع عنك الكلام والخصام.1
ولكن القائل غفل عن أنّ الآية بصدد تنزيهه سبحانه عن أي سبب يتوسّل به، بل إرادته كافية في تحقّق الشيء، فالقول بتوسيط (كُنْ)يستلزم توالي أُمور فاسدة، نشير إليها:
1. إنّ معنى ذلك أنّه سبحانه ليس بقادر على خلق الشيء إلاّ بتوسيط أداة وسبب من الأسباب وليس هنا إلاّ لفظة (كُنْ)، ومعنى ذلك توصيفه سبحانه بالعجز.
2. إنّ قوله: (كُنْ) خطاب إمّا للمعدوم وهو أمر قبيح، أو للموجود وهو تحصيل للحاصل.
3. إنّ قوله:(كُنْ) موجود من الموجودات وهو أيضاً لا يتحقّق إلاّ بقول آخر، وهلمّ جرّاً.
والظاهر أنّ الآية تمثيل وتقريب إلى أذهاننا بأنّه سبحانه قادر على الإطلاق، فلو تعلّقت إرادته بإيجاد شيء، لم يكن هناك أيّ فصل زماني بين الخالق والمخلوق، وهذا شبيه عدم الفصل الزماني بين (كُنْ)والموجود الآخر، ولذلك قال أمير البيان والإيمان علي(عليه السلام): «يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ: (كُنْ فَيَكُونُ)، لاَ بِصَوْت يَقْرَعُ، وَلاَ بِنِدَاء يُسْمَعُ; وِإِنَّمَا كَلاَمُهُ سُبْحانَهُ

1 . روح المعاني:23/56.

صفحه 136
فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَمَثَّلَهُ. لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذلِكَ كَائِناً، وَلَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلهاً ثَانِياً».1
وثمّة كلام في المقام، وهو أنّ ظاهر قوله: (فَيَكُونُ) كون الشيء متحقّقاً بتمامه بعد تعلّق إرادته به، مع أنّا نرى أنّ عالم المادة عالم الحدوث والتدرّج، فكيف يجتمع مع ذلك؟
والجواب واضح فقد تعلّقت إرادته بخلق العالم على هذا الوصف العجيب، فلو تحقّق دفعةً، للزم تخلّف المراد عن الإرادة.
نعم تعلّقت إرادته بخلق المجرّدات على النحو الدفعي دون أن يكون فيها تدرّج وحركة.
83. (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ):
لمّا وصف المشرك خالق السماوات والأرض بالعجز عن إعادة الإنسان مرّة أُخرى، جاءت الآية لتنزيهه عزّ وجلّ فقال: (فَسُبْحَانَ الَّذِي): أي المنزَّه عن الشريك والعجز (بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء): أي بيده مالكية كلّ شيء، و (مَلَكُوتُ) ـ كما قلنا ـ صيغة مبالغة، وهي تدلّ على السيطرة المطلقة لله تعالى على أشياء هذا الوجود بأجمعها، ومنها الإنسان في وجوده، وحياته، وموته، وإحيائه من جديد في ذلك اليوم الذي يعود فيه العباد إلى الله، كما قال:(وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) للجزاء والحساب.
***
تمّ تفسير سورة يس

1 . نهج البلاغة: الخطبة 186.

صفحه 137
   

سورة الصافات

(وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ * إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَة الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَان مَارِد * لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلأِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِب * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ* فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِين لاَزِب * بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذَا ذُكِّرُوا لاَ يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ * فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ * وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لاَ

صفحه 138
 
تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ * قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَان بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ * فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِر مَجْنُون * بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ * إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُر مُتَقَابِلِينَ *يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْس مِنْ مَعِين * بَيْضَاءَ لَذَّة لِلشَّارِبِينَ * لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ *كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَءاهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ

صفحه 139
 
بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ * أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لاَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيم * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لاَِلَى الْجَحِيمِ * إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ * وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ * إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ *وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَى نُوح فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ * وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لاَِبْرَاهِيمَ *إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْب سَلِيم * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ *فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ *فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ *

صفحه 140
 
قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كيَدْاً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ * وَقَالَ إنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَم حَلِيم * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنَامِ أنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْح عَظِيم * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ *وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ *سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ

صفحه 141
 
لَمُحْضَرُونَ * إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ *وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ *إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ *فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ *فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ *فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِين * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْف أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين *فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاَئِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلاَ إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ *سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ * فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ * وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا

صفحه 142
 
لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ * وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ *لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ *لَكُنَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ * فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِين * وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ * وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِين * وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ * سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
سورة الصافات: خصائص السورة   

صفحه 143

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في كتب التفسير بسورة «الصافات»، وذكر إبراهيم بن عمر الجَعْبري أنّها تُسمّى سورة الذبيح، ولم يستند في ذلك إلى أثر.1
أمّا التسمية الأُولى فواضحة لورود تلك اللفظة في بدء السورة، وأمّا الثانية فلِما ورد فيها من قصّة ذبح إسماعيل(عليه السلام)، ولا مشاحّة في التسمية إذ هي ليست توقيفية، نعم يجب أن تكون حاكية عمّا في السورة .

عدد آياتها ومحلّ نزولها

يبلغ عدد آياتها مئة وإحدى وثمانين آية في عدّ البصري، وفي عدّ غيرهم مئة واثنتين وثمانين، وهي مكّيّة بالاتّفاق، ويشهد لذلك مضمونها وصياغتها.

أغراض السورة

ليس للسورة غرض واحد لأنّها تتكلّم حول جملة من الموضوعات، أبرزها خمسة، ولعلّ القارئ الكريم يستطيع أن يتبيّن الغرض من خلال هذا العرض:
1. تتكلّم عن الملائكة الذين لهم أوصاف ثلاثة ثم تعطف عليه تسمّع الشياطين إلى ما يجري في الملأ الأعلى ثم قذفهم بالشهاب الثاقب.

1 . اُنظر: الإتقان للسيوطي:1/157.

صفحه 144
2. تتكلّم حول إنكار المشركين موضوع الحياة الأُخروية وأنّهم يوم الحشر يحمّل كلّ وزره على عاتق الآخر، ومهما يكن فالجميع معذّبون في النار.
3. يذكر سبحانه في هذه السورة قصص تسعة من الأنبياء، ويتحدّث بإيجاز عن جهادهم في طريق نشر التوحيد، وهم: نوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وموسى، وهارون، وإلياس، ولوط، ويونس(عليهم السلام).
4. يذكر سبحانه لوناً خاصّاً من الشرك وهو جعل البنات للربّ والبنون لأنفسهم.
5. في نهاية السورة يذكر سبحانه ما وعد الله أنبياءه بأنّهم هم المنصورون وأنّهم هم الغالبون.
هذه هي الموضوعات الرئيسية التي تتضمّنها السورة، وفي ثناياها أُمور جزئية لها صلة بهذه الموضوعات.
سورة الصافات: الآيات 1 ـ 10   

الآيات: العشر الأُولى

(وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ * إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَة الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَان مَارِد * لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلأِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِب * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ).

صفحه 145

المفردات

الصافّات: الذين يقفون صفوفاً لكلّ واحد منهم مرتبة معيّنة تكليفاً وفضيلة.
الزاجرات: من الزجر، وهو الدفع عن الشيء بتخويف وشدّة.
التاليات: من يتلو ما أمر الله بتلاوته.
الدنيا: مؤنثة الأدنى، أي أقرب السماوات من أهل الأرض.
بزينة: تطلق ويراد بها تارة المعنى المصدري، وأُخرى يراد بها الاسم بمعنى ما يُزيَّن به.
مارد: المارد: العاتي، المجاوز للحدّ.
لا يسّمعون: أي لا يُصغون. أصله لا يتسمّعون، فأُدغم التاء في السين، والتسمّع: تكلّف السمع، سمع أم لا يسمع.
الملأ: الذين يجتمعون على رأي.
يُقذفون: يُرجمون.
دحوراً: الدَّحْر والدُّحور: الطرد والإبعاد.
واصب: دائم.
الخطفة: الأخذ بسرعة على غِرّة.
شهاب: الشهاب: القبس والجمر من النار، ويستعمل اليوم في النيازك إذا دخلت الغلاف الجوّي للأرض.
ثاقب: مُضيء أو نافذ.

صفحه 146

التفسير

إنّ هذه السورة كسائر السور الثلاث التي ابتدأ سبحانه كلامه فيها بالقسم بأُمور، وجميع السور على لحن واحد.
الأُولى: هذه السورة، قال تعالى: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا).
الثانية: سورة الذاريات، قال تعالى:(وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا).1
الثالثة: سورة المرسلات، قال تعالى: (وَالْمُرْسَلاَتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا).(2)
الرابعة: سورة النازعات، قال تعالى:(وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا* فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا).(3)
وسيوافيك تفسير هذه الآيات في محالّها، بإذن الله تعالى.
أمّا المقام فقد أقسم سبحانه بالأُمور التالية:
1 ـ 3. (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا):
اختلفت كلمات المفسّرين في بيان مصاديق هذه الصفات الثلاث،

1 . الذاريات:1ـ4.      2 . المرسلات:1ـ4.   3 . النازعات:1ـ5.

صفحه 147
والأظهر أنّها لموصوف واحد، له أوصاف متعدّدة مترتّبة، ويؤيّد ذلك استعمال العطف بالفاء، في الآيتين الثانية والثالثة، وأمّا تفسير الآية الأُولى بالملائكة، والثانية بزواجر القرآن، والثالثة بقرّائه، فبعيد، وهو على خلاف الضابطة، والأفضل أن يفسّر الجميع بموصوف واحد.
وعلى هذا، فالمراد بالصافّات الملائكة، وقد عبّر سبحانه عنهم بهذا الوصف في الآية (165) من هذه السورة، لقوله(حكاية عنهم):(وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) والمراد بالزاجرات، هم الملائكة أيضاً، حيث يزجرون الناس عن ارتكاب المعاصي كما في قوله سبحانه:(وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ)1، كما أنّ الأمر كذلك في التاليات، حيث إنّهم يتلُون الوحي على الأنبياء.
وهذا التفسير جيّد لولا أنّه يفقد بيان نكتة العطف بالفاء دون الواو، حيث يقول: (فَالزَّاجِرَاتِ) مع أنّ مقتضى هذا التفسير العطف بالواو ; لأنّ الجميع يتحقّق في وقت واحد من دون ترتّب أحدها على الآخر. نعم، ذكر السيد الطباطبائي احتمالاً آخر في تفسير الآيات الثلاث بيّن فيه وجه الترتيب وقال: ويحتمل ـ والله العالم ـ أن يكون المراد بالطوائف الثلاث المذكورة في الآيات طوائف الملائكة النازلين بالوحي المأمورين بتأمين الطريق بدفع الشياطين عن المداخلة فيه وفي إيصاله إلى النبيّ مطلقاً أو خصوص محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) كما يستفاد من قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا *إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ

1 . البقرة:102.

صفحه 148
خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْء عَدَدًا)1.(2)
ويشهد لما ذكره عطف الثانية والثالثة بالفاء الدالّة على الترتيب، فهناك ملائكة يصطفّون في طريق الوحي تكريماً له، ثم ملائكة يزجرون الشياطين عن التدخّل في ما يُوحى إلى النبيّ، ثم ملائكة آخرون يتلونه على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا ينافي نزول الوحي بجمع من الملائكة، قوله:(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ)2 لأنّ هؤلاء أعوان جبرئيل(عليه السلام).
إنّ إقسامه سبحانه بالأُمور الثلاثة إمّا لأجل بيان قداستها، أو لكونها ذات أسرار ورموز، ومن ثمّ يجدر بالمؤمن أن يلتفت إليها ويتفكّر فيها. وليس في الإقسام بغير الله سبحانه أي رائحة شرك.
نعم، مَن يتضايق من قسَمه سبحانه بالنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)3 التجأ إلى تفسير هذه الآيات بتأويل لفظ «ربّ» فقالوا: ربّ الصافات، وربّ التاليات، وربّ الزاجرات. وعلى ذلك فليس في القرآن المجيد إلاّ إقسام واحد وهو الحلف بالرب أو لفظ الجلالة، ولكنّهم غفلوا عن أنّ إقسام الله سبحانه بهذه الأشياء ينبئ عن تعظيم لها لما فيها من الدلالة على ربوبية الخالق ووحدانيّته المطلقة وقدرته الفائقة. اقرأ سورة الشمس ترى أنّه سبحانه يحلف بالشمس والقمر والليل والنهار وغير ذلك من حقائق الكون وظواهره، من أجل

1 . الجنّ: 26 ـ 28.   2 . الميزان في تفسير القرآن:17/121.
2 . الشعراء:192ـ193.
3 . الحجر:72.

صفحه 149
التنويه بعظمتها وأهميتها في انتظام أُمور الكون والحياة، وتوجيه الأنظار إلى التفكّر في النظام المحكم الذي يسود هذا الكون، والذي يهدي إلى الإيمان بوحدانيّته وبالغ حكمته وعظيم تدبيره.
إلى هنا تمّ ذكر القسم بالأُمور الثلاثة ووجهه قداسة المقسم به وعظم مقاماتهم وشرف وظائفهم وأعمالهم، وأمّا المقسم عليه أي جواب القسم فهو قوله سبحانه:
4. ( إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ):
ووجه الصلة بين المقسم به والمقسم عليه، أنّ الملائكة هم دعاة التوحيد وروّاده وأبرز مصاديق الدعاة إلى توحيد الله سبحانه.
5. (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ):
لمّا أكّد سبحانه ـ في الآية المتقدّمة ـ وحدانيّته بالقسم، عاد البيان القرآني إلى إثباتها بدليلين باهرين، فقال: هو (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) أي إنّ الإله الخالق لهذا البناء العظيم هو المدبّر أيضاً، فالتفكيك بين الخالقية والربوبيّة، وحصر الأُولى بالله سبحانه، وإضفاء الثانية على الأصنام والأوثان أو الملائكة أو غيرها، أمر باطل، فلا يوجد في صحيفة الوجود خالق ولا مدبّر سواه، ولو قام أحد الممكنات بخلق شيء، كخلق المسيح من الطين طيراً، فإنّما هو بإذن الله وإقدار منه، كما أنّ تدبير الملائكة الوارد في قوله:(فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا)1 بإرادته وأمره.

1 . النازعات:5.

صفحه 150
هذا هو الدليل الأوّل على وحدانيّته، وأمّا الدليل الثاني، فهو قوله:(وَرَبُّ المَشَارِقِ).
وقيل في تخصيص المشارق بالذكر دون المغارب، وجوه، أهمّها:
أ. أنّ ذكر إحداهما يغني عن الآخر.
ب. أنّ المشارق أكثر ظهوراً وشهوداً من غيرها.
ج. أنّ المشارق أنسب بالمقام حيث إنّ الوحي يطلع من السماء عن طريق أمين الوحي، فللوحي إشراق.
قال السيد الطباطبائي: وفي تخصيص المشارق بالذكر مناسبة لطلوع الوحي بملائكته من السماء وقد قال الله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ)1، وقال: (وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى)2.3
ثمّ إنّه سبحانه عبّر في المقام عن المشرق بصيغة الجمع، وفي آية أُخرى بصيغة التثنية، قال: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ)4 وفي ثالثة بصيغة المفرد، قال: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)5، ولكلّ وجه.
أمّا الأوّل ـ أعني: الجمع ـ فباعتبار عدد أيام السنة، فالشمس تطلع كلّ يوم من مطلع غير الذي طلعت منه، على مدار السنة، وكذلك الشأن في

1 . التكوير:23.
2 . النجم:7.
3 . الميزان في تفسير القرآن:17/122.
4 . الرحمن:17.
5 . الشعراء:28.

صفحه 151
مغربها، وقد يراد بها مشارق الشمس في الفصول الأربعة فإنّ لها في كلّ فصل مشرقاً، وكذلك يقال في مغربها.
وأمّا الثاني ـ أعني: التثنية ـ فسيأتي توضيحه عند تفسير سورة الرحمن.
وأمّا الثالث ـ أعني: الإفراد ـ فباعتبار الجنس الذي يجتمع مع التثنية والجمع.

حفظ الوحي عن تسمّع الشيطان المارد

تتطرّق الآيات التالية لبيان أمرين:
الأوّل: تزيين السماء الدنيا بالكواكب.
الثاني: إنّ لهذه الكواكب دوراً في منع الشياطين المَردَة من الاستماع إلى ما يدور في الملأ الأعلى.
أمّا الأمر الأوّل فقد أشار إليه سبحانه بقوله:
6.(إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَة الْكَوَاكِبِ):
الظاهر أنّ الزينة هنا اسم، أي ما يزيّن به، والكواكب بدل منه أو عطف بيان. والناظر إلى السماء في الليلة الظلماء يحسّ بذلك الجمال والبهاء، وهو يرى تناثر الكواكب والنجوم المتلألئة فيها، وقد انكشف بأنوارها الدُّجى، وانجاب بأضوائها الغيهب. ولا تُدرك عظمة هذه الزينة إلاّ في الليالي الحالكة وفي الأجواء الصافية الخالية من الأدخنة والغازات، حيث يرى الإنسان امتلاء السماء بالنجوم الزاهرة واحتشادها بها، وقد

صفحه 152
أحسست أنا بذلك الجمال الباهر عندما كنت في مدينة كرمان التي تعلو (1755) متراً فوق مستوى سطح البحر، فالإنسان في هذه المدينة وماحولها يلمس حقيقة قوله سبحانه:(إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَة الْكَوَاكِبِ)خصوصاً تلك التي تتراقص بنورها وضيائها.
وأمّا الأمر الثاني فقد أشار إليه سبحانه بقوله:
7. (وَحِفظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَان مَارِد):
الظاهر أنّ (حِفظاً) مفعول مطلق لفعل مقدّر أي حفظنا السماء حفظاً، (مِنْ كُلِّ شَيْطَان مَارِد): أي عات خارج عن الطاعة. ويظهر من غير واحدة من الآيات أنّ الملائكة الكرام الذين هم سكنة السماوات العُلى كانت لهم محاورات ومحادثات بالنسبة إلى الحوادث المستقبلة والأسرار المخفية، وكان إبليس وجنده من الشياطين يتسمّعون إلى ما يجري هناك من الحوارات فيلقونها إلى من في الأرض من الكهنة، وكان ذلك أمراً غير ممنوع قبل بعثة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)كما يظهر من سورة الجنّ، ولكن مُنعوا من التسمّع بعد بعثته، قال سبحانه:
8.(لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلأِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِب):
قوله:(لاَ يَسَّمَّعُونَ) أصله لا يتسمّعون قلبت التاء سيناً وصار(لاَ يَسَّمَّعُونَ) بعد الإدغام، وبما أنّه تعدّى بلفظة (إِلَى)فقد أُشرب فيه معنى الإصغاء، أي لا يصغون إلى ما يجري في (الْمَلأِ الأَعْلَى) وقد مرّ أنّ الملأ هم الجماعة الذين على رأي واحد وكأنّ اجتماعهم يملأ عيون الناظرين وإذا وصف به (الأَعْلَى)، أُريد به الملائكة الذين يتحدّثون بأُمور غيبية (وَ)

صفحه 153
عندئذ (يُقْذَفُونَ): أي يُرمَون (أُولئك المَرَدة) (مِنْ كُلِّ جَانِب) بالشهب كما يأتي.
9. (دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ):
أي يُدفَعون دحوراً ويُمنعون منعاً، (وَلَهُمْ) وراء ذلك(عَذَابٌ وَاصِبٌ): أي دائم في الآخرة.
وبما أنّ الكهنة ربّما يخبرون عن حوادث مستقبلة فقد يتّفق صدق ذلك، وإن كان أكثر ما يخبرون به كذباً لا واقع له، فهذا المورد هو الذي يذكره سبحانه بقوله:
10. (إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ):
الخطْف: تناول الشيء بسرعة، والخطفة المرّة منه، وهو مستعار للسمع السريع، فيلقيه إلى الذي تحته، ومعنى الآية: لا يتسمّعون إلى الملائكة، ولا يتطلّعون إلى تلك العوالم العليا وما فيها من المحادثات إلاّ مَن استلب السماع استلاباً، واختلس الكلمة من الملائكة على وجه المسارقة. ومتى فعل أحدهم ذلك، رُمي في أثره بشهاب نافد ماض، كما قال: (فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ) .
بقيت هنا أُمور:
الأوّل: أنّ علم الفلك الحديث الذي وُضعت بدايته في منتصف القرن السادس عشر الميلادي، قد شطب على النظام الفلكي الموروث منذ زمن بطليموس(القرن الثاني الميلادي)، فإنّ الكواكب في النظام الفلكي القديم

صفحه 154
تقع في الكرة الثامنة، ماعدا القمر فهو عندهم في الكرة السادسة، ولكن العلم الحديث أثبت أنّه لا كرة بالمعنى المقصود فيها، وأنّ الكواكب كلّها معلّقات في الفضاء قريبها وبعيدها، حتى القمر الذي هو أقرب السيّارات إلى الأرض.
ومن العجيب أن يركن الدكتور وهبة الزحيلي إلى ذلك النظام الذي أكل عليه الدهر وشرب، فيقول: وبالرغم من أنّ هذه الثوابت مركوزة ـ كما قال الرازي ـ في الكرة الثامنة، ماعدا القمر في السادسة، فإنّ التعبير جاء على وفق الرؤية والنظر حسب الظاهر، فأهل الأرض إذا نظروا إلى السماء، يرونها ويشاهدونها مزيّنة بهذه الكواكب، كجواهر مشرقة متلألئة على سطحها الأزرق بأشكال مختلفة.1 وقد حاول بذلك الجمع بين النظرية الفلكية اليونانية، وما عليه ظاهر الآيات من أنّ الكواكب زينة السماوات.
الثاني: أنّ الكواكب خلقت قبل استحقاق الشياطين الرجم، فإنّ ذلك لم يحصل إلاّ بعد أن طرد إبليس من عالم الملائكة، فكيف يكون حفظ السماء من استراق الشياطين علّة لخلق الكواكب؟
وقد أجاب الزمخشري عن ذلك، بأنّ قوله (حِفظاً) مفعول لفعل محذوف أي وحفظناها حفظاً.2 وحاصل جوابه: أنّ حفظ السماوات ليست حكمة ولا علّة لخلق السماوات بل إخبار من الله سبحانه بأنّه حفظها حفظاً من استراق الشياطين.
ويمكن أن يقال: إنّ صيانة السماء بالكواكب عن استراق الشياطين

1 . التفسير المنير:12/74.
2 . تفسير الكشّاف:3/296.

صفحه 155
حكمة لا علّة، فلا يجب أن تكون الغاية مع المغيى منذ وجوده.
الثالث: ما هو المراد بالشهاب؟
الشهاب المعروف عندنا عبارة عن شريط لامع من الضوء، يُرى لبرهة قصيرة في السماء. وتحدث الشهب عندما تدخل قطع معدنية أو حجرية تسمّى (النيازك) الغلاف الجويّ من الفضاء الخارجي، ويؤدي الاحتكاك بالهواء إلى ارتفاع درجة حرارة النيزك بحيث يتوهّج وينتج ذيلاً من الغازات المتوهّجة الحارّة. وتُسمّى النيازك التي تصل الأرض قبل أن تحترق (الرجوم).1
ويظهر أنّ القرآن يريد تقريب دفع الشياطين عن الأمكنة المقدّسة إلى الأذهان، فعبّر عن تلك القوّة النارية التي تلاحق المختلس فتصيبه وتحرقه، بالشهاب، وإلاّ فإنّ الشهاب المعروف عندنا إنّما يحدث في نطاق الغلاف الجوّي للأرض، بينما يلاحق الشهاب الثاقب ذلك الشيطان الذي يتلصّص على العالَم العلوي الذي تسكنه الملائكة، وأين منه هذا العالَم السفليّ؟! وقد مرّ في تفسير المفردات أنّ الشهاب عبارة عن القبس والجمر من النار، وصدقه على النيازك من مقولة تطبيق المعنى الكلّي على بعض مصاديقه لا أنّه الموضوع له.
وبذلك تبيّن أنّ هذه الآية وغيرها تشتمل على أُمور غيبية ليس لنا إنكارها، بل يمكن تقريبها على وجه يسهّل فهمها للجيل الحاضر، وهذه الأُمور:

1 . سيأتي مزيد بيان حول المراد بالشهاب عند تفسير الآية الخامسة من سورة الملك.

صفحه 156
أ. أنّ في السماوات أماكن للملائكة تسكن فيها، يتحادثون حول أخبار الحوادث التي ستقع في العالم الأرضي قبل وقوعها.وليس القول بوجود الأماكن في السماوات للملائكة تصديقاً بوجود الأفلاك التي تحتضن الكواكب على ما كان عليه القدماء من أصحاب النجوم.
ب. أنّ الشياطين يصعدون لاستراق السمع ومعرفة بعض الأخبار.
ج. أنّهم يُرجمون ويُرشقون بالشهب، وأنّ هذه الشهب ليست الشهب المرئيّة لنا في الليالي المظلمة، بل هي قوة نارية مهلكة، عبّر عنها بالشهب.
وسيأتي ما يتعلّق بهذا الموضوع عند تفسير الآية الخامسة من سورة الملك، فانتظر.
سورة الصافات: الآيات 11 ـ 19   

الآيات: الحادية عشرة إلى التاسعة عشرة

(فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِين لاَزِب * بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذَا ذُكِّرُوا لاَ يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ * فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ).

صفحه 157

المفردات

فاستفتهم: الاستفتاء: طلب العلم ممّن له فيه تخصّص، قال سبحانه:(يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَات)1، ويقرب منه استعماله في طلب الرأي ومعرفته ممّن له رأي، قال سبحانه: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُوني فِي أَمْري)(2).
لازب: أي ملتصق بعضه ببعض.
يسخرون: يستهزئون.
آية: معجزة.
داخرون: صاغرون، ذليلون.
زجرة: صيحة.

التفسير

تضمّنت الآيات السابقة الإشارة إلى وحدة الخالق والمدبِّر، وأنّه ليس في صحيفة الكون خالق ولا مدبِّر غيره. ومن المعلوم أنّ الوجود لم يخلق عبثاً، وأنّ للإنسان غاية وهي البعث والأوبة إليه تعالى في يوم القيامة، ولو لم يكن ثمّة بعث ولا جزاء لأصبحت الحياة الدنيا لعباً ولهواً، ولأصبح فعل الخالق عبثاً لا غاية له، وهو سبحانه منزّه عنه كما قال: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ)2 ولذلك عاد البيان القرآني إلى طرح

1 . يوسف:46.   2 . النمل:32.
2 . المؤمنون:115.

صفحه 158
مسألة المعاد التي كان المشركون منكرين لها أشدّ الإنكار فأمر سبحانه نبيّه أن يستفتيهم، كما يقول:
11. (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِين لاَزِب):
تأمر الآية (وهي تشير إلى ما يدلّ على المعاد بأُسلوب لا يملك المشركون إزاءه إلاّ الإقرار بما يقتضيه لو حكّموا عقولهم ولم يميلوا مع أهوائهم) تأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يستطلع رأيهم في الأمر الآتي، وكما قال سبحانه:(فَاسْتَفْتِهِمْ): أي فاستخبرهم واطلب حكمهم في هذا الأمر: (أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا): أي أيّهم أصعب خلقاً وإيجاداً، هل هم أو السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات العظيمة؟ فالقادر على الثاني لا يصعب عليه أن يعيد الحياة إلى الأوّل بعد الموت والبلى. ثمّ أشار سبحانه إلى ضعف خلق الإنسان وقال: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِين لاَزِب): أي طين ملتصق بعضه ببعض.
ويحتمل أن تكون هذه الفقرة برهاناً ثانياً على إمكان البعث، ووجه الاستدلال بها: أنّ الذي خلق جسم الإنسان من هذه المادة الرخوة الضعيفة وبثّ فيها الحياة، قادر على إعادة الأجسام من التراب أيضاً، وبعث الحياة فيها من جديد. وعلى هذا فقد أقام سبحانه هنا برهانين:
الأوّل: أنّ خلق الإنسان أسهل من خلق السماوات والأرض، والقادر على الأشدّ قادر على الأسهل.
الثاني: أنّ الله سبحانه هو الذي خلق جسم الإنسان من طين لازب

صفحه 159
حتى صار إنساناً سويّاً، فكيف يعجز عن إعادة هذا الجسم بعد أن يصير تراباً؟ فمن قدر على النشأة الأُولى، يقدر على الثانية .
12. (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ):
كان اللازم على الإنسان الواعي العاقل أن ينتفع بهذين البرهانين، لكنّ المشركين تمادوا في عنادهم وإنكارهم مع قيام الحجّة عليهم، فكان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يتعجّب من ذلك ومن غفلتهم عن قدرة الله كما قال: (بَلْ عَجِبْتَ)، وأمّا المشركون فكانت لهم ردود فعل عديدة أمام ما يقدّمه(صلى الله عليه وآله وسلم)من الدلائل، وهي:
الأوّل: الهزء والسخرية، كما قال: (وَيَسْخَرُونَ) والاستهزاء من شِيَم الجاهل المكابر الذي تدمغه الحجج، ولا يستطيع لها ردّاً.
الثاني: الإعراض عن التذكير، وعدم الاستجابة له، كما قال:
13. (وَإِذَا ذُكِّرُوا لاَ يَذْكُرُونَ):
وأنّى يُجدي التذكير معهم وفي صدورهم كبْر يصدّهم عن التأمّل في المواعظ والتدبّر في البيّنات والدلائل؟
الثالث: المواجهة بأُسلوب السخرية الجماعية، كما قال:
14. (وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ):
أي إذا شاهدوا آية دالّة على صحّة الدعوة وإمكان البعث، واجهوها بأُسلوب التهكّم والسخرية، واستدعى بعضهم من بعض أن يهزأ بها، دون أن يكلّفوا أنفسهم التدبّر فيها، والبحث في دلالاتها. وهذا هو الفرق بين

صفحه 160
قوله:(ويسخرون) في الآية12، وقوله: (يَسْتَسْخِرُونَ)في المقام أي دعوة بعضهم بعضاً إلى الاستهزاء.
الرابع: الاتّهام بالسحر، كما قال:
15. (وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ):
وهذه التهمة قديمة قِدم الرسالات، وهي أشبه بالسيف الكهام، والسكّين الكالّة، وهي لا تؤثر إلاّ في البسطاء. نعم هؤلاء كانوا يصفون القرآن بالسحر كما يحكي عنهم بقوله: (وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ).
فأين القرآن المعجز الذي أدهش العقول وحيّر الأدمغة ببيانه وتشريعاته ومفاهيمه وقيمه وحقائقه العلمية، والذي شُيّدت به حضارة إنسانية كبرى ظلّت مزدهرة عبر القرون، أين هذا كلّه من السِّحر الذي لا يقوم على أساس من الواقع، بل على التمويه والاحتيال والخديعة، ولا يبقى إلاّ لفترة محدودة جدّاً؟ وما أجمل قول القائل: تشويه الفضائل من نفايا عقول السفهاء والحاقدين.1
ثمّ إنّه سبحانه يذكر علّة إنكار المعاد، قائلاً:
16.(أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ):
وهذا من عجائب أقوالهم حيث جعلوا ما تستبعده عقولهم سبباً لإنكار البعث، ولم يعتمدوا في ذلك على دليل أو برهان، وإنّما تعلّقوا بهذه الشبهة: أنّ إعادة الحياة إلى أجسامنا وقد صارت تراباً وعظاماً بالية، أمر غير

1 . القيم الإنسانية للسيد محمود الموسوي:1/40.

صفحه 161
ممكن، كما قال: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، ومقتضى هذه الشبهة أنّ القائل شاكّ لأجل الاستبعاد مع أنّهم كانوا منكرين أشدّ الإنكار!!
ثم زادوا في استبعادهم لإمكان البعث، فقالوا:
17. (أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ):
يعنون أنّه قد مضى على موت آبائهم الأقدمين زمن طويل، وبناءً على ذلك يكون إحياؤهم من جديد أكثر استبعاداً ـ حسب عقولهم القاصرة ـ من إحيائهم هم أنفسهم. ثمّ إنّه سبحانه أجاب عن استبعادهم وتساؤلهم بجواب مقرون بالتحقير، فقال:
18. (قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ):
أمر سبحانه في هذه الآية رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله:(قُلْ): أي أجب عن سؤالهم بقولك: (نَعَمْ)أنتم مبعوثون بعثاً وعليكم «لَبوس الاستكانة، وضَرَع الاستسلام والذِّلّة»1، كما يقول:(وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ): أي أذلاّء صاغرون.
ثمّ بيّن سبحانه أنّ إحياء هؤلاء وآبائهم الأوّلين شيء يسير عليه، ولا يحتاج إلاّ إلى أمر واحد وهو:
19. (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ):
تستهدف الآية الإشارة إلى أنّ بعثهم من قبورهم ليس بالأمر العسير وإنّما تكفي لوقوعه صيحة واحدة، كما يقول: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ

1 . نهج البلاغة: الخطبة 83.

صفحه 162
وَاحِدَةٌ)والمراد بها النفخة الثانية، التي ما إن تقع حتّى يخرجوا من مراقدهم أحياء بُصَراء، كما قال: (فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ). أي يشاهدون ما كانوا ينكرونه ماثلاً أمام أعينهم.
وكأنّ هذا النظر مقرون بالخوف و الدهشة حيث ينظرون إلى أرض المحشر فإذا الأوّلون والآخرون مجتمعون فيها لموقف الحساب والجزاء. وهذا النوع من الدهشة نوع عذاب للمجرمين.
سورة الصافات: الآيات 20 ـ 39   

الآيات: العشرون إلى التاسعة والثلاثين

(وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ *قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ * قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَان بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ* فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ *فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ * فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِر مَجْنُون * بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ

صفحه 163
الْمُرْسَلِينَ * إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).

المفردات

يا ويلنا: الويل: كلمة تقال عند المصيبة أو عند الهلاك.
يوم الدِّين: يوم الجزاء.
الفصل: التفريق بين المطيع والعاصي، والمحسن والمسيء.
احشروا: اجمعوا.
صراط: طريق.
قِفوهم: احبسوهم.
لا تَناصرون: لا ينصر بعضكم بعضاً.
مستسلمون: منقادون.
عن اليمين: هنا كناية عن النصيحة واليمن والبركة.
سلطان: سلطة قاهرة.
طاغين: متجاوزين الحد.
فحق علينا: أي وجب علينا.
فأغويناكم: أي دعوناكم إلى الغيّ، وهو ضدّ الرُّشد.

صفحه 164
 
التفسير
لمّا أخبر سبحانه بأنّ البعث والإحياء أمر سهل يتحقّق بزجرة واحدة ونفخة فريدة تبعث من في القبور، أخذ ببيان تفصيل ما يجري على المجرمين في هذا اليوم، فأوّل ردّ فعل من هؤلاء المجرمين بعد الإحياء، هو الإحساس بالندم المصحوب بالخوف والهلع، والذي يُظهرونه بقولهم:
20. (وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ):
أي يا هلاكنا فإنّ هذا هو يوم الجزاء. وعندئذ يجيئهم النداء الإلهي موبِّخاً ومعنِّفاً:
21.(هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ):
أي هذا يوم التفريق بين الخلائق، وتميّز المحسن عن المسيء، والمحقّ عن المبطل .
وإلى هذا النوع من التمييز أشار سبحانه بقوله:(وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ)1 وقد كانوا في الحياة الدنيا مختلطين، فالمحسن إلى جنب المسيء، والمطيع إلى جنب العاصي، ولكنّهم سيمتازون في ذلك اليوم، لأنّه اليوم الذي يُفصل فيه المجرم عن المحسن وتتميّز الخلائق بعضها عن بعض.
ويحتمل أن يُراد من يوم الفصل اليوم الذي يُقضى فيه بين الناس

1 . يس:59.

صفحه 165
بالحقّ، فيوم الفصل بمعنى يوم القضاء، قال سبحانه: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا)1.
وعلى كلّ تقدير فهذا اليوم هو اليوم (الذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) وقد بان بطلان تكذيبكم، فإذا حصل التميّز واجتمع المجرمون في ساحة من ساحات المحشر، يؤمر الملائكة بما في الآية التالية:
22. (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ):
خطاب صادر من الله سبحانه إلى الملائكة أي اجمعوا (الَّذِينَ ظَلَمُوا) أنفسهم بالكفر والشرك وارتكاب المعاصي، من كلّ جهة، أي اجمعوهم مع (أَزْوَاجَهُمْ)، فيقع الكلام في ما هو المراد بقوله: (وَأَزْوَاجَهُمْ)، وفيه احتمالات:
أ. أنّ المراد به نساء المشركين اللواتي كنّ يعشن معهم في الحياة الدنيا وهنّ على مذهبهم. وهذا هو المتبادر منه مع قطع النظر عن كلمات المفسّرين، لكثرة استعمال الأزواج بهذا المعنى في الذكر الحكيم.
ب. أنّ المراد به قرناؤهم من الشياطين، قال تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) إلى أن قال: (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْني وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ).2
ج. ما اختاره كثير من المفسّرين من أنّ المراد به أشباههم من العصاة، فيحشر الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، إلى غيرهم.

1 . النبأ:17.
2 . الزخرف:38.

صفحه 166
يلاحظ عليه: أنّ معنى ذلك أنّ طائفة خاصّة تحشر مستقلّة ثم يلحقهم الآخرون.
والآية لا تحتمل ذلك.
23. (مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ):
قوله:(مِنْ دُونِ اللهِ) متعلّق بقوله: (يَعْبُدُونَ) في الآية المتقدّمة، فصل عنه مع كونه جزءاً من الآية المتقدّمة وجُعِل جزءاً من الآية التالية لحفظ وحدة الفواصل، فالرويّ في الآية السابقة (تُكَذِّبُونَ) فناسب هنا أن يقول:(يَعْبُدُونَ)، نظير ذلك قوله سبحانه في سورة البقرة:(كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)1 فقوله:(فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ). يدلّ على أنّ المشركين كانوا يعبدون الله تعالى أيضاً فلمّا صدر الأمر بإحضار ما يعبدون صار اللازم أن يقيّده بقوله: (وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ)، وقوله: (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ): أي أرشدوهم إلى طريق جهنم. وفي استخدام عبارة (فَاهْدُوهُمْ) في المقام نوع استهزاء بهم فإنّها تستعمل في طريق الخير لا في طريق الشر.
ثمّ حكى سبحانه ما يقوله للملائكة الموكَّلين بهم، فإنّه يقول لهم:
24. (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ).
أي قفوا هؤلاء الكفار واحبسوهم للسؤال.
وفي ترك ذكر المتعلّق والاقتصار على قوله:(إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) دون

1 . البقرة:219 و 220.

صفحه 167
تحديد ما هو المسؤول عنه، دلالة على سعته، فهم يُسألون عن عقائدهم وأعمالهم، وعن كلّ حقّ كُلِّفوا باتّباعه، فأعرضوا عنه عتوّاً واستكباراً.
يُذكر أنّه ورد عدد من الروايات في مصادر الشيعة والسنّة1 أنّ الأمر الذي يُسألون عنه، هو ولاية الإمام علي(عليه السلام)، منها:
ما أخرجه أبو شجاع الديلمي الشافعي، عن أبي سعيد الخدري: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قال:(وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ)عن ولاية عليّ.2
وأخرجها أيضاً الحاكم الحسكاني، عن أبي سعيد الخدري.3
قال ابن حجر الهيتمي(بعد أن نقل رواية الديلمي): وكأنّ هذا مراد الواحدي بقوله: روي في قوله تعالى:(وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) عن ولاية علي وأهل البيت... قال]يعني الواحدي[: والمعنى أنّهم يُسألون هل والوهم حقّ الموالاة كما أوصاهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أم أضاعوها وأهملوها فتكون عليهم المطالبة والتبعة.4
وروى الشيخ الطوسي بإسناده عن ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك، عن أبيه، عن جدّه أنّهم يُسألون عن ولاية علي بن أبي طالب.5
ورواها ـ أيضاً ـ سليمان القندوزي الحنفي، عن أنس بن مالك.(6)

1 . ما قيل في شأن الآية (من أنّهم يسألون عن ولاية علي(عليه السلام))، لم يروه الإمامية فقط، كما يظهر من عبارة العلاّمة الآلوسي في «روح المعاني:23/80»، بل رواه محدّثو السنّة، كماترى.
2 . الصواعق المحرقة:149، الباب11، الفصل الأوّل، الآية الرابعة.
3 . شواهد التنزيل:2/106.
4 . الصواعق المحرقة:149.
5 . الأمالي:290، برقم 564، المجلس11.   6 . ينابيع المودّة:133.

صفحه 168
وروى الشيخ الصدوق عن إسحاق بن موسى (الكاظم)(عليه السلام)، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن حبّنا أهل البيت».1
وبذلك يمكن القول أنّ ولاية علي(عليه السلام) تعدّ من مصاديق ما يُسأل عنه في الموقف.
ثم خوطبوا تقريعاً واستهزاءً بقوله:
25. (مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ):
أي لماذا لا ينصر بعضكم بعضاً وقد كنتم في الدنيا متظاهرين على الظلم، مجتمعين على مضادّة الحقّ، متعاونين على محاربة أهله؟
ثم ذكر سبحانه انقيادهم وخضوعهم لأمر الله، فقال:
26. (بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ):
أي أنّ هؤلاء الذين كانوا مستبسلين في مواجهة الحقّ وأهله قد أصبحوا اليوم أذلاّء مستسلمين أمام القدرة الإلهية، لا يمتنعون بحيلة، ولا ينتفعون بآصرة، وهم يُساقون قهراً إلى العذاب المعدّ لهم .
ثم أخبر سبحانه، في الآيات التالية عمّا يحصل بين هؤلاء المجرمين العصاة من خصام وجدال، بعد ما كانوا في الدنيا متآزرين.

1 . الخصال:253، برقم 125، باب الأربعة. ورواها الطبراني في «المعجم الكبير» 11 / 83 برقم 11177، عن ابن عباس (وفيه: جسده، بدل شبابه).

صفحه 169
 
حوار بين الأتباع والقادة
27. (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ):
هذه الآية وما بعدها تحكي عن وجود تخاصم ونقاش وجدال بين المضُلَّلين والمُضلِّين.. بين الأتباع والقادة، حيث يتوجّه الأتباع بالسؤال كما قال: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ): أي الأتباع (عَلَى بَعْض): أي القادة (يَتَسَاءَلُونَ) سؤال تخاصم وتوبيخ، محتجّين عليهم بقولهم:
28. (قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ):
فالأتباع، هنا، يُلقون مسؤولية انحرافهم وضلالهم على عاتق المتبوعين .
وفي تفسير هذه الآية قولان:
الأوّل: أنّ معنى قول الأتباع للقادة : (إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ) أي كنتم فيما تدعوننا إليه تأتوننا من جهة الخير والصلاح، وقد تبيّن أنّكم أغويتمونا وبخداعكم صددتمونا عن الفلاح والخير، فعلى هذا فلفظة اليمين كناية عن الخير والسعادة.
ويؤيّد ذلك أنّ اليمين قد جعلت لكاتب الحسنات، والشمال لكاتب السيئات، والمحسن يؤتى كتابه بيمينه، والمسيء بشماله، حتى أنّ أصحاب اليمين (في سِدْر مَخْضود)1 وأصحاب الشمال (فِي سَمُوم

1 . الواقعة:28.

صفحه 170
وَحَمِيم)1، بل ثقافة عامّة الناس هي التيمّن باليمين والتشاؤم بالشمال.
الثاني: أنّ اليمين كناية عن القوة والقهر، فإنّ الإنسان ـ عادة ـ يبطش باليمين، والمعنى: أنّكم كنتم تأتوننا عن القوة والقهر حتى حملتمونا على الضلال.
ثمّ إنّ ما أجاب به القادة، في الآيات التالية، يناسب كلا الاحتمالين، وهو يتضمّن ثلاثة أجوبة:
29. (قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ):
هذا هو الجواب الأوّل، ومعناه: أنّ الأمر ليس كما زعمتم، بل لم تكونوا مؤمنين في حدّ ذاتكم، لا أنّا صرفناكم عن الإيمان، فشقاؤكم يوم القيامة مستند إلى سوء اختياركم، وقد اخترتم أنتم الكفر والضلال .
وأمّا الجواب الثاني والثالث، فتحكيه الآية التالية:
30. (وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَان بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ):
قوله: (وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَان): أي ما فرضنا عليكم متابعتنا فيما نعتقد بالقوة والسلطة، (بَلْ) إنّكم وراء ما ذكرنا من بُعدكم عن الإيمان (كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ): أي متجاوزين الحدّ في العصيان ، فلم يكن بيننا وبينكم سوى التعاضد والتعاون، فالجميع مسؤولون أمام الله على وجه سواء، كما يقول:

1 . الواقعة:42.

صفحه 171
31. (فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ):
قوله: (فَحَقَّ عَلَيْنَا): أي وجب علينا جميعاً (قَوْلُ رَبِّنَا) الّذي توعّد فيه الكافرين بالعذاب، قال تعالى: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنّي لاََمْلاََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)1، و (إِنَّا لَذَائِقُونَ)العذاب الذي نستحقّه بسبب الكفر والغواية.
إلى هنا تبيّن أنّ القادة أجابوا بأجوبة ثلاثة:
أ. لم تكونوا مؤمنين .
ب. لم يكن لنا سلطان عليكم.
ج. أنّكم كنتم قوماً طاغين مثلنا.
32. (فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ):
الظاهر أنّه إيضاح للجواب الثاني ـ أعني قولهم:(وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَان) ـ وحاصله: إنّا أغويناكم وأضللناكم وزيّنا لكم الكفر بالوسوسة والإغواء دون جبر وقسر، فأردنا إغوائكم لتكونوا أمثالنا، غير أنّ هذا لم يسلب عنكم الاختيار.
هذا تمام الحوار بين الأتباع والرؤساء، فسكوت الأوّلين كاشف عن أنّهم اختاروا الشرك بإغوائهم من دون جبر وقسر، ولذلك يكون القادة والأتباع جميعاً في نار جهنم.

1 . السجدة:13.

صفحه 172
 
مصير القادة والأتباع
يظهر من الآية التالية أنّ مصير الجميع من القادة والأتباع واحد، كما قال:
33. (فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ):
الضمير في (فَإِنَّهُمْ) يرجع إلى السائلين والمسؤولين: الأتباع والقادة، والمراد من الظرف (يومئذ) هو يوم القيامة، فالجميع (فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) من دون فرق بين التابع والمتبوع، ومن دون أن يُعفى أحد من تبعة غيّه وضلاله .
ثمّ إنّ اشتراك الجميع في العذاب لا ينافي اختلافهم في شدّته وضعفه، يقول سبحانه: (إنّ المُنافِقينَ في الدَركِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ).1
34. (إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ):
تأكيد لاشتراكهم في العذاب، وأنّ هذا جزاء كلّ مَن أجرم وطغى.
ثم إنّه سبحانه يذكر علامة المجرمين بقوله:
35. (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ):
أي أنّهم إذا سمعوا كلمة التوحيد نفروا واستكبروا عنها، كما يقول: (إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) استوحشوا ثم استكبروا ويقولون في أنفسهم أو

1 . النساء:145.

صفحه 173
في نواديهم:(أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)1.
والآية هي ضابطة كلّية لتمييز المشرك عن الموحّد، فالمشرك إذا قيل له لا إله إلاّ الله يستكبر ويتولّى وهو مُعرض ، وأمّا المؤمن فإذا سمع ذلك القول يفرح ويُسرّ.
وفي هذه الآية نكتة نشير إليها ونلفت نظر دعاة الوهابية والتكفيريين منهم إليها، فالآية هي الميزان الوحيد بين المشرك والموحّد، فكلّ مَن سمع قول (لا إله إلاّ الله) واشتاقت نفسه إلى سماعه وأخذ يهتف به في صلاته وقيامه، فهو موحّد لا يجوز وصفه بالشرك، بخلاف مَن إذا سمع (لا إله إلاّ الله) استوحش واستكبر وأخذ يحرك رأسه استكباراً وعناداً.
ونحن نسأل هؤلاء الذين قاموا بتكفير أغلب المسلمين بذرائع وهمية، هل هم من الصنف الأوّل أو من الصنف الثاني؟
ثمّ إنّ هؤلاء المستكبرين لم يقفوا عند حدّ التعالي عن قبول كلمة التوحيد، وإنّما هم يتّهمون إمام التوحيد بالشعر والجنون، وهذه جناية أُخرى وراء شركهم، كما يقول:
36. (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِر مَجْنُون):
أي أوَ يصحّ عندنا أن نترك آلهتنا لدعوة شاعر مجنون؟ يعنون بذلك النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
ويظهر من بعض الآيات أنّ رميَ الأنبياء بهاتين التهمتين كان أمراً

1 . ص:5.

صفحه 174
رائجاً بين الأُمم السابقة، كما يقول سبحانه: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُول إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ)1.
37. (بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ):
لمّا وصفوا دعوة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بما مرّ، ردّ عليهم سبحانه بقوله: (بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ) من عند الله وليس هو بشعر ولا بهذيان مجنون، مضافاً إلى أنّه (وَصَدَّقَ): أي الرسول الخاتم(الْمُرْسَلِينَ)قبله، فدعوته إلى التوحيد هي امتداد لدعوتهم، ورسالته هي تجديد وإكمال لرسالاتهم.
ثمّ إنّه سبحانه ختم خطابه بأمرين:
38.(إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ):
أي لا مناص لكم إلاّ ذوق العذاب المؤلم لاستكباركم ورميكم أمينَ الله المأمون بالتُّهم الظالمة، التماساً لإطفاء نوره .
39. (وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ):
أي لا ظلم وإنّما الجزاء ليس إلاّ مثل ما عملتم، فلا ظلم .
سورة الصافات: الآيات 40 ـ 61   

الآيات: الأربعون إلى الحادية والستين

(إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ *أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ *عَلَى سُرُر مُتَقَابِلِينَ *

1 . الذاريات:52.

صفحه 175
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْس مِنْ مَعِين *بَيْضَاءَ لَذَّة لِلشَّارِبِينَ * لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ *أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَاَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ *قَالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ):

المفردات

إلاّ: للاشتراك لكن بصورة الاستثناء.
المخلَصين: (بفتح اللام) من خلصت قلوبهم عن كلّ تعلّق بغير الله أو خلص إيمانهم أو دينهم من كلّ شائبة، وتفسيره بالإخلاص في العبادة تفسير بمصداق واحد.
بكأس: نقل عن الأخفش أنّه قال: كلّ كأس في القرآن فالمراد به الخمر، أُطلق الظرف وأُريد المظروف. وقيل: لا يُسمّى الإناء كأساً إلاّ إذا كان فيه شراب، وإلاّ فهو قدح.
مَعين: مشتق من أمعن في الأمر إذا اشتدّ دخوله فيه، والمراد هنا الماء الشديد الجري.

صفحه 176
بيضاء: صفة للكأس بما فيه الخمر، فلونها في الآخرة بيضاء على خلاف لون خمر الدنيا فإنّها بين حمرة أو سواد.
غَول: قال الراغب: الغول: إهلاك الشيء من حيث لا يُحسّ به. ومنه: الغيلة، وهي القتل سرّاً. واستعير هنا ـ مبالغة ـ للصداع والألم حيث يعتري السكران من حيث لا يحسّ.
ينزفون: يقال: نزف دمه أو دمعه: نزع كلّه، ومنه قيل: سكران نزيف، باعتبار نزف فهمه بسكره.
قاصرات الطرف: أي قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم لحبّهن إيّاهم.
عِين: جمع عَيناء، وهي الواسعة العين في حُسن.
بَيْض: يطلق على بيض النعام، حيث يكنّ بيضه في حفرة من الرمل ويفرش لها من دقيق ريشه.
مكنون: مستور.
قرين: خليل.
لَمدينون: لَمجزيون.
مطّلعون: مشرفون على أهل النار.
سواء الجحيم: وسط النار.
لَتُردينِ: لتهلكني.
المحضَرين: المحضرين في النار وغلب استعمال المحضر على الذي يحضر للعقاب.
الفوز: الظفر بالمطلوب.

صفحه 177
 
التفسير
40.(إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ):
قد تكرّرت هذه الآية في هذه السورة أربع مرات.1 والجميع ورد بصورة الاستثناء، والمفسّرون جعلوا (إِلاَّ) استثناءً منقطعاً غير أنّه إنّما يصحّ إذا كانت هناك مظنّة دخول المستثنى في المستثنى منه، ولكن ليس هناك تلك المظنّة ولذلك يلزم أن يفسّر بالاستدراك وإن كان بصورة الاستثناء، أي إكمالاً للموضوع، فإنّ عباد الله بين عاص ومطيع، وبين مشرك ومؤمن، فلمّا ذكر وصف الطائفة الأُولى بدأ سبحانه بذكر حال الطائفة الثانية كما هو شأنه سبحانه في أغلب الموارد، فقال: (إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ) فهو في الظاهر إمّا استدراك على قوله: (لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ)أو من قوله: (وَمَا تُجْزَوْنَ)، فعلى الأوّل فالمجرمون يذوقون العذاب الأليم، دون المؤمنين; وعلى الثاني فالمجرمون يُجزون بعملهم، وأمّا المؤمنون فلهم وراء الجزاء بعملهم رزق معلوم كما سيأتي في قوله: (لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُوم).
ثمّ إنّ المخلَص ـ بفتح اللام ـ هو عبد أخلصه الله سبحانه لنفسه فانصرف بقلبه عن زينة الحياة الدنيا وزبرجها وعن نِعَم الآخرة، فقلبه مُرتو من حب الله تعالى أو كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصفه: «وَتَخَلَّى مِنَ الْهُمُومِ، إِلاَّ هَمّاً وَاحِدَاً انْفَرَدَ بِهِ»2 وهو همّه بمولاه، الذي لذّته وسروره

1 . لاحظ الآيات: 40، 74، 128، 160.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 87 .

صفحه 178
الاهتمام به، والتفرّد بمناجاته ومطالعة أنوار عزّته.1
وعلى هذا فالمخلَص أخصّ من المؤمن الّذي يدخل الجنة، ولذلك نرى أنّ إبليس استثنى عباد الله المخلَصين (بفتح اللام) من إغوائه، وقال: (إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)2.
وللعلاّمة الطباطبائي كلام حول المخلَصين ننقله بنصّه لأنّه كلام رائع، قال: وقد سمّاهم الله سبحانه عباد الله المخلَصين فأثبت لهم عبودية نفسه، والعبد هو الذي لا يملك لنفسه شيئاً من إرادة ولا عمل، فهؤلاء لا يريدون إلاّ ما أراده الله ولا يعملون إلاّ له.
ثمّ أثبت لهم أنّهم مخلَصون ـ بفتح اللام ـ أي إنّ الله تعالى أخلصهم لنفسه فلا يشاركه فيهم أحد، فلا تعلّق لهم بشيء غيره تعالى من زينة الحياة الدنيا ولا من نعم العقبى، وليس في قلوبهم إلاّ الله سبحانه.
ومن المعلوم أنّ مَن كانت هذه صفته كان التذاذه وتنعّمه غير ما يلتذّ ويتنعّم غيره، وارتزاقه بغير ما يرتزق به سواه وإن شاركهم في ضروريات المأكل والمشرب، ومن هنا يتأيّد أنّ المراد بقوله: (أُولئكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُوم)الإشارة إلى أنّ رزقهم في الجنة ـ وهم عباد مخلَصون ـ رزق خاص لا يشبه رزق غيرهم ولا يختلط بما يتمتع به من دونهم وإن اشتركا في الاسم. فقوله تعالى: (أُولئكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُوم): أي رزق خاصّ متعيّن ممتاز من رزق غيرهم، فكونه معلوماً كناية عن امتيازه كما في قوله: (وَما مِنّا إلاّ له مَقامٌ

1 . شرح نهج البلاغة: 6 / 368 .
2 . ص:83.

صفحه 179
مَعْلُوم)1 والإشارة بلفظ البعيد للدلالة على مقامهم.2
41. (أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ):
ثمّ إنّه سبحانه عرّف نِعَم المخلَصين بأُمور، هي:
أ. أنّ لهؤلاء رزق معلوم أي رزق خاص يمتاز عن أرزاق الآخرين، وإلاّ فلو كان الجميع متّحدين في الرزق لَما كان ثمّة وجه لقوله: (لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ)، وهذا نظير قوله سبحانه في هذه السورة عن الملائكة:(وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ).
42. (فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ):
ب.(فَوَاكِهُ) خبر بعد خبر لقوله: (أُولَئِكَ لَهُمْ)والفواكه جمع فاكهة، وهي ما يؤكل تلذُّذاً وتفكّهاً لا لأجل الشبع.
ج. (وَهُمْ مُكْرَمُونَ) في مقابل ذلّة أهل الجحيم.
43. (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ):
أي في جنات ليس فيها إلاّ النعيم.
44. (عَلَى سُرُر مُتَقَابِلِينَ):
أي يقابل بعضهم بعضاً، ولا شكّ في أنّ رؤية الحبيب ومحادثته تورث الأُنس والبهجة واللّذة الروحية.

1 . الصافات:164.
2 . الميزان في تفسير القرآن: 17 / 135 ـ 136.

صفحه 180
45. (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْس مِنْ مَعِين):
أي يدار عليهم بكأس من خمر، وقد عرفت أنّه لا يقال كأس إلاّ إذا كان فيها شراب، ثمّ إنّه سبحانه يصف الخمر بأوصاف خمسة:
الأوّل: (مِنْ مَعِين) أي أنّها من خمر يجري بشدّة على وجه الأرض كالعيون والأنهار.
46. (بَيْضَاءَ لَذَّة لِلشَّارِبِينَ):
تضمنت هذه الآية وصفين آخرين للخمر:
الثاني: (بَيْضَاءَ)، فليس فيها أيّ كدر يشوب صفاءها.
الثالث: (لَذَّة لِلشَّارِبِينَ) بخلاف خمر الدنيا فإنّها كريهة الطعم عند الشرب.
47. (لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ):
اشتملت الآية على الوصفين الأخيرين وهما:
الرابع: (لاَ فِيهَا غَوْلٌ): أي هلاك، كنّي به عن الصداع المتسبّب عن خمر الدنيا.
الخامس: (وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ): أي يسكرون، يقال : سكران نزيف أي نزفت الخمر فهمه بالسُّكر وأذهبته، فخمر الآخرة لا تشتمل على أيّ ضرر متوهّم موجود في خمر الدنيا، ففيها اللّذة التامّة دون عوارضها.
48. (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ):

صفحه 181
الآية تصف حور الجنة بأمرين:
الأوّل: (قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ): أي حابسات أنظارهن حياء، فلا ينظرن إلى غير أزواجهنّ.
قال السيد الرضيّ: وهذه استعارة، والمراد بقاصرات الطرف هاهنا اللواتي جعلن نظرهنّ مقصوراً على أزواجهنّ، أي حبسن النظر عليهم فلا يتعدّينهم إلى غيرهم، وجيء بذكر الطرف على طريق المجاز، وإلاّ فحقيقة المعنى أنّهن حبسنَ الأنفس على الأزواج عفة وديناً وظلفاً 1 وصوناً، وإنّما وقعت الكناية عن هذا المعنى بقصر الطرف ; لأنّ طماح الأعين في الأكثر يكون سبباً لتتبّع النفوس وتطرُّب القلوب، وعلى هذا قول الشاعر:
وكنتَ إذا أرسلتَ طرفك رائداً *** لقلبك يوماً أتعبتْك المناظرُ
والطرف هاهنا واحد في تأويل الجمع، ونظيره قوله تعالى: (خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ): أي على أسماعهم أو مواضع استماعهم.2
الثاني:(عِينٌ): أي واسعات العيون في حُسن .
49. (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ):
أي أنّ لون قاصرات الطرف كلون البيض المستور، وقد مرّ أنّ النعام يكنّ بيضه في حفر من الرمل، وبما أنّ لونه مشوب بشيء من الصفرة، فلون قاصرات الطرف أبيض مشوب بصفرة، ويقال إنّه من أحسن ألوان النساء.

1 . ظَلَف (نفسَه عن الشيء): كفَّ عنه. ورجل ظَلِف النفس: مترفِّعٌ عن الدنايا.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:232.

صفحه 182
إلى هنا تمّ بيان ما وعد الله به المخلَصين من النِّعم والكرائم، وقد بلغ عددها ـ حسب ما فهمناه ـ ستّ نِعَم.
ثمّ إنّ المواهب التي وعدها الله سبحانه للمخلَصين من عباده مواهب مادّية تلتذ بها الروح عن طريق البدن، وهناك مواهب معنوية لا يمكننا دركها والإشارة إلى حقيقتها، ولعلّه إلى هذا الصنف أشار سبحانه بقوله: (أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُوم)، كما مرّ في كلام السيد الطباطبائي الذي ذكرناه في تفسير الآية (40).
50. (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ):
قد تقدّم قوله سبحانه أنّ المخلصين من عباد الله يجلسون (عَلَى سُرُر مُتَقَابِلِينَ)للاستئناس والمحادثة، شأن الأخلاّء الأصفياء المفعمة قلوبُهم بالمودّة والإخاء، وهنا يعرض القرآن بعض ما يدور بينهم من حديث عن ذكرياتهم في الدنيا، فقال أحدهم: إنّه كان لي صاحب مُعاشر يُنكر عليّ إيماني بالبعث، ويشكّكني في أمره، كما يقول سبحانه :
51 و 52 . (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ):
أي كان هذا الصاحب الّذي يختصّ بي في الدنيا ينكر عليّ تصديقي بيوم الدين ويستهجنه.
53. (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ):

صفحه 183
أي وكان يقول متعجّباً مستغرباً: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا) بالية، هل نُبعث بعد ذلك ونُجازى على أعمالنا؟ كما يقول: (أَئِنَّا لَمَدِينُونَ)، وهو مشتق من قولهم: كما تَدين تُدان، أي كما تَجزي تُجزى .
54. (قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ):
أي قال هذا القائل لجلسائه: هل أنتم مشرفون على أهل النار حتّى تروا هذا القرين، وأين استقرّ به المقام؟
55. (فَاطَّلَعَ فَرَاَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ):
أي أشرف من الجنة على أهل النار فرأى صاحبه في وسط جهنّم.
56. (قَالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ):
فنادى هذا المؤمن قرينه و (قَالَ تَاللهِ): أي أُقسم بالله سبحانه (إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ): أي إنّك كدت تهلكني بما قلته لي ودعوتني إليه.
57. (وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ):
أي كاد إغواؤك أن يجعلني من المعاقَبين، ولكن نعمة الله سبحانه أنقذتني ان أكون منهم كما يقول: (وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي): أي فضله بأن وفّقني للثبات على إيماني (لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ)للعذاب مثلك.
إلى هنا تمّ حوار أحد المؤمنين مع بعض قرنائه في الدنيا الذين ساء حظهم وصاروا من أصحاب الجحيم، ولكنّ هناك أُموراً يجب الإيمان بها، وهي أنّ عرض الجنة وسعتها كسعة السماوات والأرض وهذا القائل في

صفحه 184
وسط الجنة، وأمّا الجحيم فالله سبحانه يعلم مكانها وسعتها، فكيف يشرف القائل من مكانه على الجحيم ويعرف خليله من بين ملايين المعذبين في جهنم حتى يخاطبه ويفهمه ما يقول؟ كلّ ذلك يُعدّ من الأُمور الغيبية الّتي يجب الإيمان بها ولا يمكن فهمها على ما هي عليه إلاّ بعد الخروج من الدنيا.
وعلى كلّ تقدير فقد أخبر سبحانه عن مناداة أصحاب الجنة أصحاب النار، قال: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ).1
وقال سبحانه حاكياً عن حوار آخر بين الفريقين: (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ).(2)
58 و 59. (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ):
هذه محادثة أُخرى لا صلة لها بما سبق، وإنّما هي بين القائل وجلسائه في الجنّة، حيث عاد إلى مخاطبتهم بعد ما رأى المصير السيِّئ لقرينه، قائلاً بأنّ الله سبحانه أنعم عليهم بالخلود وليس لهم إلاّ الموت الأوّل في الدنيا، فأورد كلامه بصورة الاستفهام ولكنّه ليس استفهاماً

1 . الأعراف:44.   2 . الأعراف:50.

صفحه 185
حقيقياً، لأنّ مَن يتحدّث معهم كانوا يعلمون ذلك، وإنّما قال ذلك سروراً واغتباطاً بحاله، فقال: (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ) أي أليس كذلك؟ فنحن لسنا بميتين، ثم استثنى موتة واحدة وقال: (إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى) في الدنيا، وبما أنّ أهل الجنة وأهل الجحيم يشتركون في هذين الوصفين، أي أنّ أهل الجحيم ليسوا بميتين أيضاً إلاّ الموتة الأُولى، أشار إلى أنّ الذي يميّز الطائفة الأُولى عن الثانية هو ما في قوله:(وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ): أي أنّ الفرق بيننا وبينهم هو هذا.
يُذكر أن الاستثناء في قوله: (إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى) استثناء منقطع ; لأنّ الموت المنفي هو الموت في المستقبل، والموتة الأُولى كانت في الماضي. ثمّ إنّ القائل ختم كلامه بالإشارة إلى ما هم فيه من النعيم، فقال:
60. (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ):
أي ما تقدّم من ذكر النعم والكرائم هو الفوز العظيم، والنجاح العظيم، والظفر الكبير.
61. (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ):
لمّا سبق أنّ القائل وصف مصيره بالفوز العظيم، أخذ البيان القرآني في دعوة الناس إلى التسابق إلى ما ذكر وهو (لِمِثْلِ هَذَا): أي لمثل هذا الفوز العظيم أو النعيم المقيم (فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ): أي مَن يطلبون الخير ويعملون لأجله.
وبهذا تبيّن أنّ الآية ليست من كلام أهل الجنّة إذ بالدخول فيها

صفحه 186
ينقضي وقت العمل فلا وجه للدعوة إليه، بل هو كلامه سبحانه يريد به دعوة الناس إلى العمل والسعي حتّى يكون مصيرهم مثل مصير هؤلاء المؤمنين الفائزين.
سورة الصافات: الآيات 62 ـ 74   

الآيات: الثانية والستون إلى الرابعة والسبعين

(أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيم * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لاَِلَى الْجَحِيمِ * إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ * وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ * إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ).

المفردات

نزلاً: النُّزُل: ما يُعدّ للضيف من الطعام والشراب.
الزقّوم: شجرة صغيرة الورق كريهة الرائحة، ونقل عن قطرب أنّ الزقوم شجرة مرّة تكون بتهامة.
فتنة: تطلق الفتنة ويراد بها معان مختلفة منها الاختبار والامتحان،

صفحه 187
ويراد بها هنا العذاب، كما في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)1: أي عذّبوهم بأُخدود النار.
طلعها: الطَّلْع: أوّل ما يظهر من ثمر النخل.
لَشَوباً: الشوب: خلط الشيء بما ليس منه وهو شرُّ منه.
حميم: الحميم: الماء الشديد الحرارة.
ألفَوا: وجدوا.
يُهرَعون: يسرعون.

التفسير

لمّا بيّن سبحانه في الآيات السابقة ما أكرم به عباده المخلَصين بأنواع النعم، قصد هنا إلى بيان جزاء الظالمين وأنواع العذاب المعدّ لهم حتّى يتّضح الفارق الكبير بين الفريقين، فبدأ كلامه باستفهام إنكاري وقال:
62. (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ):
قوله: (أَذَلِكَ): أي ما تقدّم من النعم والخلود في الجنة (خَيْرٌ نُزُلاً)ضيافة (أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) ومن المعلوم أنّ الاستفهام استفهام تقريعيّ، توبيخي.
ولا شكّ أنّ النار تشتمل على صنوف العذاب، ولكنّه سبحانه قدّم شجرة الزقوم للحفاظ على التقابل بين رزق أهل الجنة وبين مأكل ومشرب

1 . البروج:10.

صفحه 188
أهل النار، فذكر للفريق الأوّل ما في قوله: (أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ) وذكر في المقام ضدّه وقال: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ)، فغذاء هؤلاء من ثمار تلك الشجرة المرّة الكريهة.
ثمّ ذكر سبحانه بعض خصائص تلك الشجرة، فقال:
63. (إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ):
أي عذاباً للظالمين، فالفتنة وإن كان معناها غالباً الابتلاء والاختبار، ولكن أُريد بها هنا العذاب ـ كما مرّ في المفردات ـ فطعام هؤلاء عذاب لهم على خلاف طعام أهل الجنة، وكيف لا يكون عذاباً وهو من أخبث شجرة منبتاً وطعماً وشكلاً، كما وصفها سبحانه بذلك في سورة الدخان بقوله : (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ *كَغَلْيِ الْحَمِيمِ)1، وبقوله في الآيتين التاليتين:
64. (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ):
أي تنبت في قعر جهنم، وأغصانها ترفع إلى دركاتها، لا تأكلها النار ولا تُحرقها.
65. (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ):
أي ما يبدو من ثمرها كأنّه رؤوس الشياطين، وهو تشبيه المحسوس بالمتخيّل للإنسان، فإنّ الإنسان لم ير الشياطين فكيف برؤوسها؟ ولكنّه

1 . الدخان:43ـ 46.

صفحه 189
يتخيّل لها رؤوساً قبيحة منكرة، كما أنّه لم ير المَلَك ولكنّه يتخيّل له أجمل صورة، ولذا يشبِّه الإنسانَ الجميل به، كما في قول صويحبات امرأة عزيز مصر لمّا رأين يوسف (عليه السلام): (مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)1.
ثمّ علّل سبحانه جعل الشجرة فتنة للظالمين بقوله:
66. (فَإِنَّهُمْ لاَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ):
أي أنّ أهل النار يأكلون من ثمرة تلك الشجرة فيملأون بطونهم منها لشدّة ما يلحقهم من ألم الجوع، وكأنّ ألم الجوع يكون أشدّ من ألم الأكل من ثمرة تلك الشجرة!!
67. (ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيم):
بعد أن ذكر سبحانه طعامهم أردفه ببيان شرابهم وقال: (ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ): أي لأهل الجحيم (عَلَيْهَا): أي زيادة على تلك الشجرة الّتي ملأوا منها بطونهم (لَشَوْبًا مِنْ حَمِيم): أي شراباً من حميم، وهو نظير قوله سبحانه: (لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيم)(2).
ولعلّ التعبير بـ«الشوب» مكان «الشرب»، للإشارة إلى اختلاط الماء بالمأكول من شجرة الزقوم، فوصفه بالشوب باعتبار المآل. والحميم إذا شاب الزقوم اجتمعت المكاره فيه من المرارة والخشونة ونتن الرائحة، والحرارة المحرقة .2

1 . يوسف:31.   2 . الأنعام:70.
2 . التبيان في تفسير القرآن: 8 / 503 .

صفحه 190
68. (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لاَِلى الْجَحِيمِ):
إذا كان المرجع بمعنى المكان الذي يعود إليه الإنسان الخارج منه، فلعلّه يدلّ على أنّ شربهم في موضع خارج الجحيم فإذا شربوا أُعيدوا إليها، ويحتمل أن يكون شربهم الحميم في مكان خاصّ من الجحيم، ثم يُردُّون إلى مقرّهم الدائم.
69 و 70. (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ):
كأنّ هنا مظنة سؤال، لماذا يعذَّبون بما ذُكر من فنون العذاب؟ فجاء الجواب أنّ سبب تعذيبهم هو:(إِنَّهُمْ أَلْفَوْا) وجدوا (آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ) عن سواء السبيل، حائدين عن طريق الحقّ، فهؤلاء مكان أن يتأمّلوا في طريقة الآباء وأنّها هل هي طريقة صحيحة أو باطلة، أو أن يتأمّلوا في دلائل الرسل وحججهم ويهتدوا بأنوارها، انقادوا لأهوائهم فاقتصّوا آثار آبائهم في الشرك والضلال، كما يقول: (فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ): أي يسرعون إلى اتّباع خطاهم بلا تأمُّل أو إعمال فكر حيث إنّ الإهراع هو الإسراع المفرط في السير.
وفي هذا دعوة إلى نبذ التعصّب والتقليد الأعمى، وتحرير العقل من سطوة التقديس لمعتقدات الآباء، والانفتاح على الأدلّة والبراهين.
71. (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ):
الآية تسلية للنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّ حال مشركي عصر الرسالة

صفحه 191
كالماضين منهم(وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ): أي مشركي هذه الأُمة (أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ): أي الغابرين، واللام في قوله:(وَلَقَدْ) للقسم.
72. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ):
وكأنّ هنا مظنّة سؤال: هل أنّ ضلالة الأوّلين كانت بلا منذر من ربّهم، ومن ثمّ يكون عقابهم عقاباً بلا بيان؟ فدفع سبحانه هذا الظنّ بقوله: (وَلَقَدْ)حالفاً، إذ الواو للقسم (أَرْسَلْنَا فِيهِمْ): أي أكثر الأوّلين (مُنْذِرِينَ) فتمّت الحجّة عليهم، وقد جرت سنّة الله تعالى على عدم تعذيب الأُمم إلاّ بعد بعث الرسل، كما قال سبحانه: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)1.
73. (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ):
الفاء للنتيجة، أي انظر كيف كان مصير أُولئك المنذَرين، وهم الأُممّ السابقة الّذين خوِّفوا بأس الله وصولاته، ولكنّهم تمادَوا في العناد وآثروا طريقة الآباء على هداية المرسلين.
74. (إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ):
أي الّذين استخلصهم الله لنفسه لإخلاصهم في طاعتهم لله تعالى،
قد أنجاهم سبحانه من العذاب، ووفّاهم أُجورهم وزادهم من فضله وإحسانه.

1 . الإسراء : 15.

صفحه 192

قصة نوح(عليه السلام)

سورة الصافات: الآيات 75 ـ 82   

الآيات: الخامسة والسبعون إلى الثانية والثمانين
(وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَى نُوح فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ).

المفردات

نادانا: استنصرنا.
الكرْب: الغمّ الشديد.
تركنا عليه: أبقينا له.
سلام: ثناء حسن.

التفسير

75. (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الُْمجِيبُونَ):
لمّا دلّ قوله سبحانه:(وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ) على ضلال الأكثر، كما أنّ قوله سبحانه:(إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ) أشار إلى إيمان قليل من عباده، عاد البيان القرآني إلى ذكر قصص الأوّلين ممّن ضلّ وممّن نجا،

صفحه 193
وإليك رؤوس هذه القصص:
1. قصة نوح(عليه السلام).                     2. قصة إبراهيم(عليه السلام).
3. قصة إسماعيل(عليه السلام)                  4. ذكر إسحاق(عليه السلام).
5. قصة موسى و هارون(عليهما السلام).         6. قصة إلياس(عليه السلام).
7. قصة لوط(عليه السلام).                     8. قصة يونس(عليه السلام).
بدأ سبحانه بذكر قصة نوح(عليه السلام) مع قومه، وقال:(وَلَقَدْ نَادَانَا): أي استغاثنا «نوح»، ولعلّه سبحانه يشير إلى قوله:(فَدَعَا رَبَّهُ إنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ)1، أو قوله: ( رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا)2، وإنّما استغاث بربّه بعد ما أقام في قومه (أَلْفَ سَنَة إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا)3يبشّرهم برحمة الله ومغفرته وينذرهم عذابه، ولكنّهم أخذتهم عصبية اقتفاء آثار الآباء واجتمعوا وقالوا: (لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا)4 وقد بلغ لجاج القوم وعنادهم درجة أنّه كلّما دعاهم نبيّهم نوح ليغفر الله ذنوبهم (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا)5 فلمّا يئس (عليه السلام) من هدايتهم وعلم أنّهم لا يلدون إلاّ فاجراً كفّاراً،6 دعا عليهم وقال: (رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى

1 . القمر:10.
2 . نوح:26.
3 . العنكبوت:14.
4 . نوح:23.
5 . نوح:7.
6 . انظر: نوح: 27 .

صفحه 194
الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا)1، فاستجاب له ربّه ونصره كما يقول: (فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ).
ثمّ إنّ وجود اللامين في قوله: (وَلَقَدْ) وقوله: (فَلَنِعْمَ) دليل على شدّة الطلب وسرعة الإجابة.
76. (وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ):
جرت سنّة الله تعالى عند تعذيب العصاة الطغاة على إنجاء المؤمنين المطيعين، ولذلك يقول:(وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ): أي من كان معه على دينه، فعلى ذلك فأُريد بالأهل أهل دينه لقوله سبحانه: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ)(2) ويمكن أن يراد بهم أهل بيته، وإنّما لم يذكر نجاة من آمن به لقلتهم، ومع ذلك ذكر نجاتهم في آية أُخرى، وقال: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ)2.
قوله تعالى: (مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ): أي من الغمّ الشديد، وربّما أُريد به الطوفان ; لأنّه كان مصيبة عظيمة على الهالكين به، فأنجاه الله ومن آمن معه من هذا الكرب.
77.(وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ):
ظاهر الآية أنّ الباقين في الأرض بعد مهلك قوم نوح هم ذريته (عليه السلام)

1 . نوح:26.   2 . آل عمران:68.
2 . هود:40.

صفحه 195
فقط، وأنّ مَنْ سواه وسوى ذريته قد فنَوا. وهذا يومئ إلى أنّ المؤمنين الناجين معه لم يكن لهم نسل.
وعلى كلّ تقدير فالآية تدلّ على أنّ النسل الموجود من الإنسان يرجع إلى نوح بناءً على أنّ الطوفان أهلك البشر جميعاً (ما عدا أصحاب السفينة)، ويذكر المؤرّخون أنّه كان لنوح ثلاثة أولاد وهم: سام وهو أبو العرب والفرس والروم، وحام وهو أبو السودان، ويافث وهو أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج من الصين واليابان ونحوهم.
78 و 79.(وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَى نُوح فِي الْعَالَمِينَ):
الضمير في (عَلَيْهِ) يرجع إلى نوح والمراد بـ (الآخِرِينَ) إمّا الأنبياء العظام الذين جاءوا بعد نوح أو جميع الأُمم إلى انقضاء الدنيا، وفسّرت الآية بأنّا أبقينا على نوح ثناءً حسناً بين الأنبياء أو الأُمم إلى يوم القيامة، وعلى هذا أُريد بالتَّرْك ـ الذي هو في اللغة التخلّي عن الشيء ـ الإبقاء، أي أبقينا على نوح ثناءً زاكياً، حيث حذف مفعول (تَرَكْنَا) وهو الثناء. وقد استعمل الترك في القرآن الكريم وأُريد به الإبقاء كما في قوله سبحانه: (وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ)،1 وسيوافيك تفسير الآية في محلّها.
ثمّ إنّ هذا الثناء بالسلام قد تكرّر في حقّ إبراهيم 2 وموسى

1 . الذاريات:37.
2 . الصافات:108.

صفحه 196
وهارون1 وإلياس2 في آيات هذه السورة، غير أنّ السلام على نوح اقترن بقوله:(فِي الْعَالَمِينَ) وجُرّد السلام على الآخرين عنه، وبهذا امتاز السلام عليه عن السلام على الآخرين. وعلى كلّ تقدير فالآية في المقام تحتمل أحد أمرين:
الأوّل: أنّ الآية تحكي عن وجود ثناء حسن لنوح بين الأنبياء والأُمم إلى يوم القيامة. الثاني: أنّ قوله:(وَتَرَكْنَا) بحاجة إلى مفعول، فالمتروك هو الآية التالية أعني:(سَلاَمٌ عَلَى نُوح فِي الْعَالَمِينَ) وربّما يفسّر (الْعَالَمِينَ)بالملائكة والإنس والجنِّ، ولكن الظاهر أنّ المراد بهم الإنس كلّهم (ذكوراً وإناثاً) بشهادة قوله سبحانه حاكياً عن لوط مخاطباً قومه:(أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَد مِنَ الْعَالَمِينَ)3.
ومهما يكن، فإنّ هذا السلام التامّ الّذي يُهدى إلى نوح (عليه السلام)من المجتمعات الإنسانيّة على مرّ العصور، ويتردّد على لسان كلّ موحِّد عبر الأجيال، إنّما خُص به (عليه السلام)لدوره المتميّز في النهوض بمسؤولية الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك، في صبر وثبات عجيبين، طوال مدة لبثه في قومه الّتي بلغت ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، والّتي دأب فيها على التبليغ والنصح لهم بفنون الأساليب النابضة بالعطف، والساطعة بالدليل والبرهان، على الرغم من شدّة عنادهم ولجاجهم، وإصرارهم على التمسّك بعقائدهم الباطلة وأفكارهم المنحرفة.

1 . الصافات: 119.
2 . الصافات: 129.
3 . الأعراف:80.

صفحه 197
80. (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ):
تعليل لقوله: (وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ) وإنّما شملته الكرامة الإلهية لأجل كونه محسناً، فالآية تدلّ على سنّة عامّة وهي (إِنَّا كَذَلِكَ): أي مثل ما جزينا نوحاً(نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ).
81. (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ):
الآية تعليل لكون نوح من المحسنين، وآية إحسانه(إِنَّهُ) كان (مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ)إيماناً صادقاً مطابقاً للواقع. فبما أنّ الشرك ظلم لله سبحانه أي يكون المشرك متعدِّياً على حقّ الله، فيكون الإيمان أداءً لحقّه، ولذلك يوصف الإيمان بالإحسان، والشرك بالظلم.
82. (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ).
المراد بـ(الآخَرِينَ) قوم نوح، والتعبير بـ(ثُمَّ) يدلّ على التراخي، لكن التراخي هنا في البيان والكلام لا الزمان، بشهادة قوله:(وَنَجَّيْنَاهُ) الّذي يدلّ على هلاك الآخرين.

صفحه 198
سورة الصافات: الآيات 83 ـ 99   
 
قصة إبراهيم(عليه السلام)

الآيات: الثالثة والثمانون إلى التاسعة والتسعين

(وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لاَِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْب سَلِيم * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ *فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ * قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كيَدْاً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ * وَقَالَ إنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ).

المفردات

شيعته: الشيعة: مَن يتقوّى بهم الإنسان وينتشرون عنه، يقول سبحانه:(هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ)1. وأُريد هنا مَن سار على دينه ومنهاجه واتّبع طريقته.

1 . القصص:15.

صفحه 199
ومن عجيب القول ما ذكره بعضهم وهو: أصل كلمة الشيعة أتباع الرجل وأنصاره، وكلّ قوم اجتمعوا على أمر فهم متشيّعون له، ثم صارت بعد موت سيدنا علي بن أبي طالب(رضي الله عنه) تطلق على جماعة خاصّة في مواجهة أهل السنة.1
لكن عزب عن الرجل أنّ بدء الشيعة وظهورهم كان في عصر النبيّ وأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي سمّى أنصار عليّ وأتباعه بالشيعة، وذلك عندما نزل قوله سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)2قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ: «هم أنت وشيعتك».3 وسيوافيك تفسيره في سورة البيّنة، فانتظر. ولم تكن الغاية يوم بذر النبيّ بذرة التشيّع مواجهة أهل السنّة إذ لم يكن لهم، يوم ذاك، وجود في عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
أئفكاً: الإفك: الكذب.
سقيم: مريض.
فراغ: قال الراغب: الرَّوغ: الميل على سبيل الاحتيال، والمراد هنا: مال إلى الأصنام خفية.
باليمين: كنّي به عن القوّة والشدة.
يزفّون: يسرعون، يقال: زفزف النعام أي أسرع، ومنه استعير: زفّ العروس.
بنياناً: حائطاً من حجارة ملؤها النار.

1 . التفسير المنير:12/120.
2 . البيّنة:7.
3 . انظر: الدر المنثور:6/589; الصواعق المحرقة:161; ربيع الأبرار:1/808.

صفحه 200
الجحيم: النار العظيمة.
كيداً: الكيد: ضرب من الاحتيال، وأُريد به هنا: السوء، كقوله تعالى حاكياً عن إبراهيم (عليه السلام): (وَتَاللهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ)1: أي لأُريدنّ بها سوءاً.

التفسير

إنّ إبراهيم الخليل(عليه السلام) هو أحد الأنبياء العظام بعد نوح(عليه السلام) وقد توسّط بينهما نبيّان هما هود وصالح، ويشهد لذلك قول هود لقومه:(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوح)2، وقول صالح لقومه:(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَاد)3 ومن المعلوم أنّ النبيّ المبعوث إلى عاد هو هود(عليه السلام).
ثمّ إنّه سبحانه وصف النبيّ إبراهيم (عليه السلام)بوصفين، وهما:
83. (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لاَِبْرَاهِيمَ):
1. إنّ إبراهيم (عليه السلام)كان ممّن شايع نوحاً(عليه السلام) على دينه واتّبع منهاجه، وهو منهاج التوحيد ورفض الشرك. ويستفاد من الآية التالية وجه آخر لعدّه من شيعته وهو اشتراكهما في طهارة القلب وسلامته، كما في قوله تعالى:
84. (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْب سَلِيم):
2. إنّه مُقبل على الله بقلبه، كما قال: (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ) وهو كناية عن

1 . الأنبياء: 57 .
2 . الأعراف:69.
3 . الأعراف:74.

صفحه 201
التصديق والإيمان، وأمّا قوله:(بِقَلْب سَلِيم) فأُريد به ما لا تعلُّق له بغيره تعالى، فكأنّ قلبه كان مملوءاً بالتوحيد والتعلّق بالله; ويؤيّد ذلك ما روي عن أبي عبدالله الصادق(عليه السلام): «القلب السليم، الذي يلقى الله عزّ وجلّ وليس فيه سواه».1 وعلى هذا فالآية تدلّ على أنّ نوحاً أيضاً كان ذا قلب سليم بحكم وحدة الملاك في التابع والمتبوع، غير أنّ دلالة الآية على المتبوع بالالتزام.
ولا يسعنا بيان ما لإبراهيم من المقامات المعنوية ويكفي في ذلك أنّه (عليه السلام) كان مستسلماً لله منقاداً له في كلّ شأن من شؤونه في باطنه وظاهره، في سرّائه وضرّائه، وفي شدّته ورخائه، صادقاً كلّ الصدق مع نفسه وفي علاقته مع ربّه، عاملاً بما يرضيه، ونائياً عمّا يُسخطه، لا يختلج قلبه بشكّ أو ريب يعكّر صفو إخلاصه لله، ولا يشيب سلامته شرك أو معصية أو غلّ وحقد(إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْب سَلِيم).
85 . ( إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ):
إنّ الظرف ـ أعني قوله: (إِذْ) ـ متعلّق بمقدّر أي: اذكر ما (قَالَ)إبراهيم (لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ)قولاً على نحو الاستفهام الإنكاري (مَاذَا تَعْبُدُونَ): أي أي شيء تعبدونه؟ وقد تكرّرت الآية في موضع آخر: (إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ)2، وطبع الحال يقتضي أنّ المسؤولين أجابوه بجواب تُرك ذكره في المقام، لكنّه ورد في سورة الشعراء بهذا النحو:(قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ

1 . تفسير نور الثقلين:4/406.
2 . الشعراء:70.

صفحه 202
لَهَا عَاكِفِينَ)1.
ثمّ إنّ كثيراً من المفسّرين ذهبوا إلى أنّ آزر كان أباً حقيقياً لإبراهيم، ولكن سيوافيك أنّه كان عمه أو خاله، فدعاؤه(عليه السلام) بعد بناء البيت لوالده أفضل دليل على أنّ آزر لم يكن والداً له، قال سبحانه: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ)2، وستقرأ تفصيل ذلك عند تفسير الآية الرابعة من سورة الممتحنة، فانتظر. ولمّا كان السؤال لغاية الاحتجاج عليهم شرع في نقد عملهم وقال:
86. (أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ):
قوله:(آلِهَةً) مفعول لقوله: (تُرِيدُونَ) كما أنّ إفكاً حال من ضمير(تُرِيدُونَ)، وتقدير الآية: أتريدون آلهة آفكين أو ذوي إفك (أي كَذِب) دون الله؟ والمراد بالإرادة هو التعلّق بغير الله عقيدة والخضوع له عملاً.
87. (فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ):
الظنّ بمعنى الرأي والفكر، أي ماذا تفكّرون في حقّ رب العالمين إذا لقيتموه وأنتم تركتم عبادته وعكفتم على عبادة مخلوقاته؟ هل تفكّرون في ما يُصنع بكم؟ وبهذا أرشدهم إلى التفكّر في الموضوع. وكلامه يدلّ على أنّهم كانوا يصوِّرون رب العالمين إله الآلهة.

1 . الشعراء:71.
2 . إبراهيم:41.

صفحه 203
وأمّا ما هو جوابهم في مقابل سؤاله فلم يذكر شيء منه، وقد مرّ ما يمكن أن يكون جواباً لهم، ويحتمل أنّه قد أفحمهم بسؤاله هذا، فلم يجيبوه.
88 و 89. (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إنِّي سَقِيمٌ):
ما هي الصلة بين نظره في النجوم ووصف نفسه بالسقم وبين ما تقدّم من احتجاجه على أبيه وقومه؟ الظاهر أنّ أباه والذين كانوا معه وفدوا إليه ليخرج معهم من المدينة في اليوم التالي لأجل عيد لهم حيث يجتمعون خارج المدينة، وبما أنّه(عليه السلام) كره أن يخرج معهم لِما عزم عليه من تكسير أصنامهم، فلذلك تذرّع واعتذر بما يلي:(فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ)وصارت نتيجة النظر فيها: الاعتذار عن الخروج معهم بقوله: (إنِّي سَقِيمٌ).
وبهذا ظهرت صلة الآيتين بما تقدّم، لكن يقع الكلام في أمرين:

الأوّل: ما هو المراد من النظر في النجوم؟

هذه الآية من الآيات المشكلة، وقد اختلفت كلمات المفسّرين في توجيه معناها، قال السيد الطباطبائي : ونظرته في النجوم إمّا لتشخيص خصوص الوقت، نظير من به حمّى ذات نوبة يُعيّن وقتها بطلوع كوكب أو غروبه أو وضع خاص من النجوم، وإمّا للوقوف على الحوادث المستقبلة التي كان المنجمون يرون أنّ الأوضاع الفلكية تدلّ عليها، وقد كان الصابئون مبالغين فيها، وكان في عهده(عليه السلام) منهم جمّ غفير.1

1 . الميزان في تفسير القرآن:17/148.

صفحه 204
ثمّ قال: فعلى الوجه الأوّل لمّا أراد أهل المدينة أن يخرجوا كافّة إلى عيد لهم نظر في النجوم وأخبرهم أنّه سقيم ستعتريه العلّة عن قريب فلا يقدر على الخروج معهم.
وعلى الوجه الثاني نظر(عليه السلام) حينذاك إلى النجوم نظرة المنجّمين فأخبرهم أنّها تدلّ على أنّه سيسقم فليس في وسعه الخروج معهم.
وأوّل الوجهين أنسب بحاله وهو في إخلاص التوحيد بحيث لا يرى لغيره تعالى تأثيراً.1
وما ذكره(رحمه الله) إنّما يصحّ إذا كان وفود القوم إلى إبراهيم في الليل وكانت السماء صاحية، وأنّه بمجرد النظر إلى نجوم السماء انتقل إلى سقمه، اللّهم إلاّ إذا أُريد من النظر في النجوم، النظر في علم النجوم وأحكامها وما دوِّن منها. وهناك وجه آخر لو ثبت لكان أفضل، وهو:
أنّ العرب تقول للشخص إذا تفكّر وأطال الفكرة: نظر في النجوم، أي فأطال الفكر فيما هو فيه.

الثاني: هل كان إبراهيم (عليه السلام)غير صادق فيما قال؟

ذهب كثير من المفسّرين إلى أنّ إبراهيم (عليه السلام)لم يكن سقيماً وأنّ كلامه هذا كان من قبيل المعاريض حتى روي عن أبي هريرة أنّ إبراهيم كذب في ذلك المقام!!
ولكن لا دليل على أنّه(عليه السلام) لم يكن سقيماً، بل الأقوى أنّه كان سقيماً فعلاً أو أنّه استظهر سقمه فاعتذر به عن الخروج معهم، فما ذُكر من أنّ

1 . الميزان في تفسير القرآن:17/149.

صفحه 205
كلامه هذا من قبيل المعاريض أي التورية حيث ذكر أنّه سقيم وأراد به معنى آخر، هو غير لائق بالأنبياء وإن كانت المعاريض أمراً جائزاً بشرائطها المذكورة في الفقه.1
وأمّا ما روي عن أبي هريرة من (أنّه لم يكذب إبراهيم إلاّ ثلاث كذبات:
1. قوله:(إنِّي سَقِيمٌ).
2. قوله: (بَل فَعَلَهُ كَبيرهم).
3. قوله عن امرأته حين أتى على الملك: أُختي)2، فهو من الإسرائيليات 3 التي تسرّبت إلى كتب الحديث بمكر وخداع، وعصمة الأنبياء تردّ الرواية، ونسبة الكذب إلى الراوي أهون بكثير من نسبته إلى إبراهيم الخليل الذي اشترى رضا ربّه سبحانه باستعداده لمواجهة النار الحارقة.
نعم إنّ عدداً من مفسّري السنّة لم يقبل هذه الرواية ولم يعبأ بها، بالرغم من وجودها في الصحيحين، ومنهم: نظام الدين الحسن بن محمد النيسابوري4 (المتوفّى بعد سنة 728 هـ)، والمراغي5، وعبدالكريم الخطيب.(6)

1 . لاحظ مكاسب الشيخ الأنصاري، مبحث التورية.
2 . انظر: صحيح البخاري: 2 / 371، برقم 3358 ; سنن الترمذي:5/308، برقم 3148; مسند أحمد:1/281.
3 . انظر: التوراة، سفر التكوين:12 و 13، الاصحاح الثامن عشر.
4 . غرائب القرآن ورغائب الفرقان: 9 / 385 .
5 . تفسير المراغي: 23 / 70 .   6 . التفسير القرآني للقرآن: 9 / 915 ـ 916.

صفحه 206
90.(فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ):
والظاهر أنّهم اقتنعوا بعذره (فَتَوَلَّوْا عَنْهُ) فأعرضوا وتفرّقوا عنه (مُدْبِرِينَ) تاركيه في مكانه.

تهديم الأصنام

الآيات التالية تحكي العمل الثوري الذي لا مثيل له في التاريخ، ذلك العمل الذي قام به إبراهيم(عليه السلام) وحده، فقد ذكر علي بن إبراهيم القمّي في تفسيره أنّه خرج نمرود وجميع أهل مملكته إلى عيد لهم، وكره أن يخرج إبراهيم(عليه السلام) معه... فلمّا ذهبوا عمد إبراهيم إلى طعام فأدخله إلى بيت أصنامهم، فكان يدنو من صنم صنم ويقول له: كُل وتكلّم، فإذا لم يجبه أخذ القَدوم فكسر يده ورجله، حتى فعل ذلك بجميع الأصنام، ثم علّق القدوم في عنق الكبير منهم الذي كان في الصدر، فلمّا رجع الملك ومن معه من العيد، نظروا إلى الأصنام مكسّرة فقالوا: (مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) قالوا: (سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) 1 وهو ابن آزر... إلى آخر ما ذكره.2
ويظهر من بعض التواريخ أنّ عبدة الأصنام في مدينة بابل كانوا عندما يخرجون من البلد يهيئون الطعام داخل معابدهم ثم يضعونه بين يدي آلهتهم تيمّناً وتبرّكاً، ثم يخرجون من المدينة، وفي نهاية اليوم يرجعون إلى معابدهم لتناول ذلك الطعام والشراب المتبرَّكين، ولعلّ هذا

1 . الأنبياء: 60 .
2 . تفسير القمّي: 1 / 46 .

صفحه 207
أظهر. إذا وقفت على ذلك فيظهر لك مفاد الآيات التالية:
91. (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ):
قد مرّ أنّ أصل الرَّوغ هو الميل بحيلة، فمعنى قوله: (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ)أنّه أسرع خفية إلى العمل خشية أن تفوته الفرصة، فخاطبهم خطاباً تقريعياً أو استهزائياً بقوله: (أَلاَ تَأْكُلُونَ) ، وقد مرّ أنّ القوم كانوا يضعون الطعام قرب الأصنام عند خروجهم من المدينة للتبرّك. ثمّ خاطبهم بقوله:
92.(مَا لَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ):
وقد صدر هذان الخطابان منه (عليه السلام)مع علمه بأنّهم لا يأكلون ولا ينطقون على سبيل التهكّم المصحوب بالغيظ، وكأنّه قال: لا تأكلون ولا تنطقون مع أنّكم آلهة بزعم عبّادكم وأنّكم مدبّرون لأُمورهم!! فلمّا لم يسمع جواباً منهم عمد إلى ما نواه من قبل، كما قال:
93. (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ):
اقترن الفعل (راغ) هنا بـ «على» وفي الآية المتقدّمة بـ«إلى» وذلك لأنّه قُصد به في الآية المتقدّمة الإسراع، وهنا تضمّن معنى الإقبال، فيكون معنى (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ): أي أقبل عليهم يضربهم (ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) وهو كناية عن الضرب بقوة وشدّة لأنّ اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما.1 .
استعدّ إبراهيم (عليه السلام)، بعد أن حطّم أصنام القوم ونال من قداستها

1 . انظر: تفسير الكشّاف:3/304.

صفحه 208
المزعومة، استعدّ لاستقبال ردة فعلهم الغاضبة.
94. (فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ):
ذُكرت القصة في المقام بإيجاز، ولكنّها عُرضت بتفصيل في سورة الأنبياء، إذ لا شكّ من وقوع أحداث بين تكسير الأصنام وبين إقبال المشركين إلى إبراهيم(عليه السلام)مسرعين، وهذا ما كشفت عنه الآيات التالية: (قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِألِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ)1.
وبهذا يتبيّن وجه قوله: (فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ): أي أقبل المشركون إلى إبراهيم (يَزِفُّونَ)يسرعون، وذلك لما اشتهر في المدينة من أنّ إبراهيم(عليه السلام) هو الذي يذكر الآلهة بسوء، فهو، إذاً مظنّة ارتكاب هذا الفعل، فلمّا سألوه أجابهم بقوله:
95 و 96. (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ):
يظهر ممّا جاء في سورة الأنبياء أنّ إبراهيم(عليه السلام) لم ينكر أنّه كسر أصنامهم، بل نسبه إلى كبيرهم تقدمة للاحتجاج، حيث قال: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ)2، ومن المعلوم أنّ نسبة الكسر

1 . الأنبياء:59ـ 62.
2 . الأنبياء:63.

صفحه 209
إلى كبير الأصنام لم يكن عن جدّ، ولم يكن الإخبار عن ذلك بقصد التورية، وإنّما كان بقصد إلزام القوم لغاية إبطال أُلوهية أصنامهم، ولذلك لمّا سمعوا كلامه هذا خاطبوه بقولهم: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنْطِقُونَ)1.
وهذا الحوار القصير بينه وبينهم قد هيّأ الأجواء لأن يضربهم ضربة أُخرى بطرح برهانه القاطع، وذلك قوله: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ): أي أليس من السفاهة والسخافة بمكان أن تعبدوا أشياءً نحتموها بأيديكم، ثم سمّيتموها آلهة، وزعمتم أنّ بأيديها مصائر أُموركم؟!
ثم أتمّ البرهان بذكر أمر آخر وقال: (وَاللهُ) سبحانه هو الّذي (خَلَقَكُمْ)بقدرته (وَ)خلق (مَا تَعْمَلُونَ)و«الواو» عاطفة و «ما» موصولة ـ مثل «ما» في (مَا تَنْحِتُونَ)ـ أي خلقكم وخلق الّذي تعملونه وتصنعونه من الأصنام، فأنتم مكان عبادة خالق الكون خالق السماوات والأرض وما بينهما، تعبدون أخشاباً وأحجاراً تنحتونها بأيديكم صنماً ووثناً.
ثمّ إنّ التدبّر في الآيتين كما مرّ يدلّ على أنّ لفظة «ما» في كلا الموردين موصولة، أعني: (مَا تَنْحِتُونَ) و (وَمَا تَعْمَلُونَ)، ولعلّ المراد من الموصول الأوّل هو الحجارة بقرينة قوله: (تَنْحِتُونَ) لأنّ النحت مستعمل في مورد الأحجار قال سبحانه: (وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا).2
والمراد من الموصول الثاني الأخشاب، وأساس الاستدلال أنّ ما تنحتون من الحجارة أو ما تعملون فيه من الأخشاب هو مخلوق لله

1 . الأنبياء:65.
2 . الأعراف:74.

صفحه 210
سبحانه، فكيف تركتم الخالق وعكفتم على المخلوق؟!
ومن الغرائب أنّ الشيخ أبا الحسن الأشعري استدلّ بقوله تعالى: (وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله، قال في الباب الثاني من كتابه «الإبانة»: أنّه لا خالق إلاّ الله وأنّ أعمال العبد مخلوقة لله ومقدورة، كما قال: (وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) وأنّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً وهم يُخلَقون، كما قال سبحانه: (هَلْ مِنْ خَالِق غَيْرُ اللهِ)1.(2)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره مبني على كون «ما» في الآية الأُولى موصولة وفي الآية الثانية مصدرية، وهو خلاف الظاهر.
وثانياً: لو كانت «ما» في الآية الثانية مصدرية يكون مفاد الآية أجنبياً عن الردّ على عبّاد الأصنام والإنكار عليهم، وهو ما يستهدفه إبراهيم (عليه السلام)من كلامه هذا، حيث يكون مرجع الآية: والله خلقكم وعملكم، وعندئذ كيف يكون ردّاً على الوثنية؟!
والعجب أنّ أكثر المفسّرين من السنّة إذا مرّوا على الآية استدلّوا بها على أُصولهم من أنّ أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه.
والعجب أكثر من صاحب «التفسير المنير» حيث جمع بين المتناقضين، ففسّر الآية أوّلاً بالنحو الصحيح وقال: خلقكم وخلق تلك الأصنام التي تعملونها بأيديكم. فاتّخذ لفظة «ما» موصولة.
ثمّ إنّه قال بعد ذلك : وفيه دلالة على أنّ الله خلق الإنسان وخلق أعماله .2

1 . فاطر:3.   2 . الإبانة:20.
2 . التفسير المنير:12/124.

صفحه 211
فعلى الوجه الأوّل تكون «ما» موصولة، وعلى الوجه الثاني تكون مصدرية.
نعم التفت إلى ضعف الاستدلال المفسّر التونسي ابن عاشور حيث قال: وقد احتجّ الأشاعرة على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى بهذه الآية على أن تكون«ما» مصدرية، أو تكون موصولة بناء على أنّ المراد: ما تعملونه من الأعمال، وهو تمسّك ضعيف... إلخ.1 ولا يخفى أنّ تفسير «ما» الموصولة بالعمل كما قال، يوجب خروج الآية عن الردّ على المشركين.
ثمّ إنّ السبب لذهاب الأشاعرة إلى أنّ أفعال الإنسان مخلوقة لله سبحانه وليس للإنسان فيها دور، نابع عن الخطأ في تفسير التوحيد في الخالقية فزعموا أنّه ليس في صفحة الوجود خالق مطلقاً إلاّ الله سبحانه، وبذلك فسّروا الآية على عقيدتهم بأنّ إبراهيم يقول: والله خلقكم وخلق أعمالكم، لكنّهم غفلوا عن حقيقة التوحيد في الخالقية وهو أنّ الخالق المستقلّ في الخالقية هو الله سبحانه، وأمّا الخالق المأذون القادر بإقدار الله سبحانه فهو ثابت لغيره. وبذلك يعلم معنى قوله سبحانه: (هَلْ مِنْ خَالِق غَيْرُ اللهِ) 2 أي الخالق المستقلّ.
ثمّ إنّهم فرّعوا على عقيدتهم إنكار تأثير العلل والأسباب الطبيعية، إذ بالقول بالتأثير يبطل ما زعموه من حصر الخالقية على وجه الإطلاق بالله سبحانه مع أنّه سبحانه يصرّح بتأثير العلل الطولية في عالم الكون، قال

1 . التحرير والتنوير:23/60.
2 . فاطر: 3 .

صفحه 212
تعالى: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الَّثمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)1. ونزيد بياناً على وجه الإيجاز: أنّ هناك أفعالاً تمتنع نسبتها إلى الله تعالى على وجه المباشرة، وهذا هو الإنسان يوصف بأنّه آكل، شارب، باطش، إلى غير ذلك من الأفعال، فهل يمكن نسبة هذه الأفعال إلى الله نسبة مباشرية وأنّه خالقها مع أنّها أفعال قائمة بجوارح الإنسان؟ والتفصيل في محلّه.
97.(قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ):
لمّا أُفحم القوم وغُلبوا بالحجّة عن المناظرة عدلوا إلى معاقبة إبراهيم(عليه السلام) بعقوبة مروّعة، حيث اتّفق رأيهم على أن يُهلَك حرقاً في بنيان مليء بنار حامية، وبهذا صدر الحكم عليه.
والعجب أنّ الوثنيّين عامّة قد شاركوا في تأجيج النار، فقد نقل المفسّرون2 أنّ المرأة لتغزل الصوف وتشتري به حطباً، حتى بلغوا بذلك ما أرادوا، ولتلك الغاية بنوا حائطاً من حجارة وملأوها ناراً وألقوه فيها كما قال سبحانه: (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا) حائطاً من حجارة (فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ)وجاء في بعض الروايات أنّهم لمّا أرادوا إلقاء إبراهيم(عليه السلام) في النار لم يدروا كيف يُلقونه حتى توسّلوا بالمنجنيق فوضعوه فيه ثمّ رموه.3
98.(فَأَرَادُوا بِهِ كيَدْاً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ):

1 . البقرة:22.
2 . تفسير القرطبي:15/98.
3 . بحارالأنوار:12/23.

صفحه 213
الكيد في قوله: (فَأَرَادُوا بِهِ كيَدْاً) بمعنى الحيلة والشرّ، وأُريد به هنا احتيالهم بإهلاكه وإحراقه بالنار، ولكن انقلب السحر على الساحر، حيث نجّاه سبحانه من كيدهم وأظهره عليهم، كما قال: (فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ): أي المغلوبين، فإنّ القوم قد زيّنت لهم أنفسهم بكونهم الغالبين وأنّ إبراهيم هو المغلوب فانتهى الأمر إلى خلاف ما كانوا يزعمون، فصار إبراهيم رابحاً والقوم خاسرين كما قال في سورة الأنبياء:(وَأَرَادُوا بِهِ كيَدْاً فجَعَلَنْاَهُمُ الأَخْسَرِينَ)1 وكان على القوم في هذه اللحظة الحاسمة ـ حيث صارت النار برداً وسلاماً على إبراهيم ـ أن يتركوا الوثنية ويعترفوا بوحدانية الله وربوبيته ويتّبعوا رسالة نبيه إبراهيم(عليه السلام)، لكنّهم أصرّوا على جهلهم وعنادهم!!
وعند ذلك لم يجد إبراهيم بُدّاً من الهجرة من الأرض التي ولد فيها وترعرع، إلى مكان آخر يتمكّن فيه من عبادة الله تعالى وتأدية رسالته، فهاجر ـ مع ابن أخيه لوط ـ من بابل إلى أرض الخيرات والبركات، أعني أرض فلسطين، قال سبحانه:
99. (وَقَالَ إنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ):
أي إنّي عازمٌ على الخروج والهجرة إلى سبيل ربّي وهو (سَيَهْدِين)، والظاهر أنّ جملة (سَيَهْدِين)حال من ربّ، ولا منافاة بين كون الجملة حالاً ومصدّرة بالسين الدالّة على الاستقبال، إذ ليس المراد من الحال ضد الاستقبال، بل المراد تبيين حال ذي الحال، قال ابن مالك:

1 . الأنبياء:70.

صفحه 214
سورة الصافات: الآيات 100 ـ 113   
الحال وصف فضلة منتصب *** مفهم في حال كفرداً أذهب
وربّما يظهر من بعض الروايات أنّ الطاغية نمرود أمر بنفي إبراهيم من بلاده وأنّه قال: إنّه إن بقي في بلادكم أفسد دينكم وأضرّ بآلهتكم.1
وهجرة إبراهيم(عليه السلام) تُعدّ أوّل هجرة في سبيل الله للابتعاد عن أجواء الشرك الخانقة، والتمكّن من عبادة الله تعالى وتبليغ ما أُمر به، ولو كان هجرة إبراهيم (عليه السلام)الهجرة الأُولى من بلد الشرك إلى بلد آخر، فهجرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من مكة إلى يثرب هجرة ثانية.

الآيات: المئة إلى الثالثة عشرة بعد المئة

(رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَم حَلِيم * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْح عَظِيم * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا

1 . الميزان في تفسير القرآن:14/307، نقلاً عن روضة الكافي.

صفحه 215
مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ).

المفردات

بغلام: الغلام: الصبيّ الذي لم يبلغ الحلم، أي الحدّ الفاصل بين الطفل والشابّ.
حليم: وقور صبور.
السعي: العمل، والمساعدة.
أسلما: استسلم كلّ من الوالد والولد لإنفاذ أمر الله.
تلّه: ألقاه.
للجبين: الجبين: ما عن يمين الجبهة أو شمالها، وللوجه جبينان، الجبهة بينهما. والجبهة: ما بين الحاجبين إلى الناصية.
صدّقتَ الرؤيا: امتثلتَ الأمر الذي أمرناك به فيها.
البلاء: الاختبار.
بذِبح: أي حيوان يُذبح.
باركنا: أفضنا عليه البركات.

صفحه 216
 
التفسير
هاجر إبراهيم (عليه السلام) من بابل إلى فلسطين وهو فتى كما عبّر القرآن الكريم بقوله: (فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ)1 فما ربّما يقال من أنّه هاجر وهو طاعن في السنّ لا يوافق ظاهر الآية، نعم إنّ الله سبحانه رزقه ولدين بارّين وهو على كبر في السن كما قال: (الْحَمْدُ للهِ الذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ)2.
ولمّا حاول الخروج من الوطن شعر بقلّة أهله، إذ لم يكن له ولد وإنّما خرج مع ابن أخيه لوط (عليه السلام)، وهذا هو السبب الذي جعله يدعو الله تعالى في أثناء الهجرة لأن يرزقه ولداً صالحاً، كما قال:
100.(رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ):
أي هب لي ولداً صالحاً يؤنسني في الغربة ويعينني في الحياة، فاستجاب الله دعاءه كما قال:
101.(فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَم حَلِيم):
ظاهر الآية ـ بحكم وجود الفاء ـ أنّ التبشير كان عقيب دعائه، وأمّا أنّه متى يولد له هذا الولد فالآية غير ظاهرة فيه، فلا بُعد إذاً في أن رزقه الله سبحانه ذلك الولد الحليم في كبر سنّه.

1 . الأنبياء:60.
2 . إبراهيم:39.

صفحه 217
نرى أنّه سبحانه يصف هذا المبشَّر به بالحلم قبل ولادته، ولكنّه في نفس السورة يبشِّر إبراهيم بإسحاق موصوفاً بالنبوة ويقول:(وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) وقد توسّطت البشارتين قصة الذبح، وهذا يدلّ على أنّ الذبيح غير إسحاق، وإلاّ فلا وجه لأن يبشِّره تارة بقوله:(فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَم حَلِيم) وأُخرى بقوله:(وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ)، كلّ ذلك يدلّ على أنّ المبشَّر به الأوّل الذي جاءت بعده قصة الذبح هو غير إسحاق ولم يكن للنبيّ إبراهيم(عليه السلام) غير ولدين.
ولك أن تستدلّ على أنّ الذبيح هو إسماعيل بوجه آخر، وهو:
إنّ الله سبحانه بشَّر إبراهيم إبّان الخروج بقوله: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَم حَلِيم)فهذه البشارة جاءت حين خروج إبراهيم ومهاجرته، هذا من جانب، ومن جانب آخر ترى أنّ الملائكة الذين أرسلوا إلى إهلاك قوم لوط ونزلوا على إبراهيم، بشّروه بغلام عليم، قال تعالى:(فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَم عَلِيم * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّة فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ).1
ومن المعلوم أنّ هذه المرأة التي صكّت وجهها متعجِّبة هي سارة (الزوجة الأُولى لإبراهيم(عليه السلام)) التي كانت عقيماً لا تلد، ولأجل ذلك تزوّج إبراهيم بزوجة ثانية وهي هاجر حتى يكون ذا ولد.
فالبشارة إذاً، إبّان الهجرة، بولد حليم، غير البشارة بولد عليم عند نزول الملائكة على إبراهيم لإعلامه بإهلاك قوم لوط، وهذا يدلّ على أنّ

1 . الذاريات: 27 ـ 29.

صفحه 218
المبشَّر به عند هجرته غير المبشَّر به عند نزول الملائكة، وبما أنّ الثاني متعيّن في إسحاق (عليه السلام)فصار الأوّل متعيّناً في إسماعيل(عليه السلام).
وهذان الدليلان المستمدّان من القرآن الكريم يغنيان عن سائر الدلائل على كون الذبيح هو إسماعيل. نعم روي في كتب الحديث، القول بأنّ إسحاق هو الذبيح منسوباً إلى عدد من الصحابة، ولكنْ ليس ثمّة من شكّ أنّ الأصل في هذا القول يعود إلى مستسلمة اليهود، وفي مقدّمتهم (كعب الأحبار) الّذي كان هو و (وهب بن منبِّه) أشدّ رواة الإسرائيليات تلبيساً وخداعاً للمسلمين، على حدّ تعبير السيد محمد رشيد رضا1(تلميذ الشيخ محمد عبده).
وممّا يثير العجب أن يميل بعض العلماء من المفسّرين وغيرهم إلى هذا القول، أو يتبنّاه، مع أنّ الرجوع إلى التوراة نفسها ـ بما حملت من تناقض في عرض قصة الذبح ـ يكشف عن زيف هذا القول، بل فضيحة تلك الأيدي الأثيمة الّتي امتدّت إلى التوراة (الّتي أُنزلت على موسى (عليه السلام))، فعبثت بها، وحرّفت الكلم عن مواضعه.
تقول التوراة (المتداولة): (وكان بعد هذه الأحداث أنّ الله امتحن إبراهيم، فقال له: يا إبراهيم، قال: ها أنذا، قال: خذ ابنك وحيدك الّذي تحبه إسحاق، وامضِ به إلى أرض الموريّا وأصعده هناك مُحرَقَةً على أحد الجبال الّذي أُريك...) 2 .
ولست أدري كيف يكون إسحاق الابن الوحيد لإبراهيم، مع أنّ

1 . اُنظر: أضواء على السنّة المحمدية: 174 .
2 . سِفر التكوين، الإصحاح (22).

صفحه 219
التوراة تقول: (وكان أبْرام ] يعني إبراهيم [ ابن ست وثمانين سنة حين ولدت هاجر إسماعيل لأَبرام)1، وتقول أيضاً: (وكان إبراهيم ابن مئة سنة حين ولد له إسحاق ابنه)2؟!!
فإسماعيل إذاً ـ حسب التوراة ـ كان قد وُلد قبل إسحاق بأربعة عشر عاماً، وهذا يعني أنّ الذبيح هو إسماعيل (عليه السلام)، لأنّه كان الابن الوحيد لأبيه (عليه السلام)قبل مولد أخيه إسحاق (عليه السلام).

ابتلاء إبراهيم(عليه السلام) الثاني

إنّ الله سبحانه امتحن إبراهيم الخليل(عليه السلام) مرّة بعد أُخرى، فكان ابتلاؤه الأوّل هو استعداده للبلاء بعد أن دمّر الوثنية وكسّر أصنامهم، فالله سبحانه نجّاه من كيد المشركين.
وهناك محنة أُخرى وابتلاء ثان، وهو أنّه يؤمر بذبح ولده إسماعيل كما تذكر ذلك الآية التالية.
102. (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ):
استجاب الله تعالى دعاء نبيه إبراهيم ووهب له ولداً، (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) أي بلغ أن يسعى مع أبيه ويمشي معه ويساعده في شؤونه، عندئذ

1 . سِفر التكوين، الإصحاح (16).
2 . سِفر التكوين، الإصحاح (21) .

صفحه 220
(قَالَ يَا بُنيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) فالآية تدلّ على أنّ إبراهيم(عليه السلام) فهم من منامه أنّه أُمر بالذبح، من حيث إنّ منامات الأنبياء لا تكون إلاّ صحيحة، ولو لم يأمره به في اليقظة لمّا جاز أن يعمل على المنامات،1 فكانت الصورة العملية للذبح في المنام إشارة إلى القيام بالذبح حتى يتحقّق ما رآه في المنام في الخارج، ولذلك طلب من ابنه إبداء رأيه في ذلك قائلاً:(فَانْظُرْ مَاذَا تَرى): أي فكّرْ فيما قلت، وعيّنْ ما هو رأيك فيه؟ فجاء الرد سريعاً قائلاً (قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) ولم يقل: يا أبت اذبحني، إشارة إلى أنّه مسلِّم لكلّ ما أُمر به أبوه، سواء أكان ذبحاً أم غيره (سَتَجِدُني إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) وهو نوع تطييب منه لنفس أبيه، ووعدٌ منه بأنّه لا يجزع فيثير عواطف أبيه. وبهذا تمّت الخطوات الأُولى لتنفيذ الأمر الإلهي بذبح إسماعيل بيد والده الخليل، وهذه لحظة حاسمة قطعاً، إذ قلّما يتّفق لإنسان مهما بلغ من الفضل والكمال أن يقوم بهذا الأمر بشجاعة وحماسة.
ثم قلّما يتّفق لولد مهما بلغ من الصبر والحزم أن يسلِّم نفسه للذبح عن إيمان ورباطة جأش، ولكن شاء الله سبحانه أن ينال خليله إبراهيم(عليه السلام)هذه الكرامة وأن يتقلّد ولده الحليم إسماعيل وسام الاستسلام التامّ لأمر الله تعالى، عن بصيرة وعن رضىً وطمأنينة.
103. (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ):
أي لما خرج الوالد والولد إلى مِنى مستسلمَين إلى أمر الله سبحانه، فعندئذ ( وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ): أي ألقاه على الأرض ووضع جبينه على التراب

1 . التبيان في تفسير القرآن: 8 / 516 ـ 517 .

صفحه 221
وأراد أن يذبحه، فعندئذ وافاه الخطاب:
104 و 105. (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ):
أي في تلك اللحظة الحسّاسة التي أخذ فيها الأب السكِّين ليذبح بها ولده، وافاه الخطاب كما قال:(وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ) وأمّا ما هو المنادى به بقوله: (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا)؟ فالظاهر أنّه عبارة عمّا قام به من تهيئة المقدّمات والعزم على تنفيذ ما رآه في المنام، وبذلك حقَّق الرؤيا وصار ما قام به من المقدّمات مصداقاً لما رأى.
ثم إنّه سبحانه عقّب على تصديقه رؤياه بقوله:(إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) والظاهر أنّ (كَذلِك) إشارة إلى قصة الذبح بما أنّه محنة شاقّة وابتلاء شديد، وعلى هذا فيكون معنى هذه الفقرة: على هذه الوتيرة نمتحن المؤمنين المحسنين امتحاناً شاقّاً صورةً، هيّناً معنىً، فإذا أتمّوا الابتلاء جزيناهم أحسن الجزاء.
فالآية تدلّ على أنّ جزاء المحسنين يكون غبَّ ابتلائهم وامتحانهم الذي به يظهر ما يكنّون من صفات عالية وروحيات فائقة أمام أمره سبحانه وطاعته، فلا شيء في قلوبهم إلاّ الله. والذي يدلّ على ما ذكرنا قوله في الآية التالية:
106. (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ):
أي إنّ هذا الّذي كان لهو ابتلاء وامتحان بيِّن يتميّز فيه المخلص عن

صفحه 222
المدّعي، بعد ابتلاء آخر.
وهنا سؤال: وهو أنّه سبحانه هو العالم بالسرائر والخفيّات، فلماذا يختبر خليله إبراهيم(عليه السلام)بذبح ولده إسماعيل مع علمه بأنّه سيقوم بما يأمره به؟ فما هو السرّ في هذا الاختبار؟
والجواب: أنّه سبحانه ـ كما قلنا ـ يعلم السرّ وأخفى، ولكنّه يختبر عباده ويمتحنهم بالخير والشرّ وبالسرّاء والضرّاء، حتّى تظهر حقيقتهم، وتنكشف مكنونات قلوبهم، وتظهر أعمالهم الّتي يستحقّون بها الجزاء في يوم التلاق، وهنا نجد ـ مثلاً ـ أنّ إبراهيم (عليه السلام)كان مشتملاً على هذا الكمال أي إيثار كلّ شيء حتى ولده في جنب الله تبارك وتعالى، بَيْد أنّ الكمال كان غير ظاهر للعيان، بل كامناً في وجوده (أي بالقوّة) فأراد سبحانه بالاختبار أن يُخرج ما بالقوّة إلى عالَم الفعلية، ولذلك أمره بذبح ولده.
وفي كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) إشارة إلى ذلك، قال في تفسير قوله تعالى:(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ)1 مَعْنَى ذلِكَ أَنَّهُ يَخْتَبِرُهُمْ بِالاَْمْوَالِ وَالاَْوْلاَدِ لِيَتَبَيَّنَ السَّاخِطَ لِرِزْقِهِ، وَ الرَّاضِيَ بِقِسْمِهِ، وَإِنْ كَانَ سُبْحانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلكِنْ لِتَظْهَرَ الاَْفْعَالُ الَّتِي بِهَا يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ.2
وبذلك يظهر أنّ أمره سبحانه كان أمراً اختبارياً لا جدّياً وقد تعلّق أمره سبحانه بمقدّمات الذبح لا بنفسه، ولذلك لمّا قام إبراهيم(عليه السلام) بتهيئة

1 . الأنفال: 28 .
2 . نهج البلاغة: الكلمات القصار، برقم 93.

صفحه 223
المقدّمات وافاه الوحي: (أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا)، ولم يكن المقام من مقولة النسخ حتى يقال: إنّ النسخ قبل حضور وقت العمل غير جائز، والتفصيل في محلّه.
ثمّ إنّ قوله سبحانه:(إنّ هذا لَهُوَ البَلاءُ المُبين) إشارة إلى إحدى الكلمات التي ابتُلي بها إبراهيم (عليه السلام)حتّى خرج منها مرفوع الرأس مقبولاً عند الله ومن ثمّ أُفيض عليه مقام الإمامة وقيادة الناس ; وهناك كلمات أُخرى ابتُلي بها أيضاً كما قال سبحانه:(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)1 فصار أباً للأنبياء وأباً للأئمّة.
107. (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْح عَظِيم):
أي فدينا ابنه بكبش عظيم، ولعلّ عظمته لأجل كونه من الله سبحانه.
108. (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ):
أي أبقينا عليه ثناءً جميلاً وذكراً حسناً بين أتباع الملل كلها، وكان (عليه السلام)قد سأل ذلك بقوله: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْق فِي الاْخِرِينَ) 2، فأجاب الله تعالى دعاءه .
109. (سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ):
وهذه تحية منه سبحانه على إبراهيم (عليه السلام).

1 . البقرة:124.
2 . الشعراء: 84 .

صفحه 224
110. (كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ):
قيل: ذلك إشارة إلى إبقاء ذكره الجميل فيما بين الأُمم، لا إلى ما يشير إليه فيما سبق، فلا تكرار.
وفي «الكشّاف»: لماذا قيل ها هنا (كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) وفي غيرها من القصص (إِنَّا كَذَلِكَ )؟ وقد أجاب بقوله: قد سبقه في هذه القصة (إِنَّا كَذَلِكَ) فكأنّما استخفّ بطرحه اكتفاءً بذكره مرّة من ذكره ثانياً.1
111.(إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ):
لمّا وصف سبحانه كون إبراهيم (عليه السلام)من المحسنين، علّله بأنّه كان (مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ): أي عبداً حقيقياً بتمام معنى الكلمة، لا يريد ولا يطلب إلاّ ما يريده الله تعالى.
إلى هنا أتمّ سبحانه على إبراهيم نعمتين:
الأُولى: أنّه فدى ذبح ولده بذبح عظيم.
الثانية: أبقى له ثناءً حسناً وذكراً جميلاً بين أتباع الأُمم.
أمّا النعمة الثالثة، فهي ما أشار إليها في الآية التالية:
112. (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ):
ولعلّ في الآية بشارتين:
أ. أنّه سبحانه يرزقه ولداً صالحاً.
ب. أنّه يكون من الأنبياء.

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 610 .

صفحه 225
فيكون مجموع النعم أربعة:
113. (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ).
الضمير في (عَلَيْهِ) يرجع إلى إبراهيم(عليه السلام) فقوله: (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ): أي جعلنا الخير و البركة على إبراهيم وولده إسحاق، ولعلّ المراد كثرة الأولاد.
ثمّ إنّه سبحانه يشير إلى سنّة إلهية، وهي أنّ الانتساب إلى البيوت الصالحة لا يُعدّ فضيلة إلاّ إذا سلك الشخص طريق الآباء، ولذلك يقسّم ذرية إبراهيم وإسحاق إلى قسمين ويقول:(وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ)،أي فمنهم من بقي على خطّ التوحيد، ومنهم من انحرف عنه، فإنّ مشركي العرب كانوا من ذرية إبراهيم، كما أنّ اليهود من ذرية إسحاق، وقد كفر هؤلاء بالمسيح وأُولئك بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
والحاصل أنّ أمر الفضل والفضيلة يرجع إلى الاعتقاد الصحيح والعمل الصالح، وليس للعِرق والعنصر تأثير في ذلك إلاّ إذا اقترن بالعقيدة السليمة والعمل النافع.
وبذلك يعلم أنّ الدعوة إلى العنصرية التي ينادي بها جماعة في الغرب والشرق، دعوة مرفوضة وهي مأخوذة من اليهود والنصارى حيث يحكي عنهم الله سبحانه قولهم:(وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)1، وهذه الدعوة المقيتة رفضها الإسلام منذ اليوم الأوّل لبعثة

1 . المائدة:18.

صفحه 226
الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث إنّه خاطب بني هاشم بقوله: «لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم».1
وقد تبنّى الاستعمار الغربي الكافر مبدأ العنصرية ليضرب المسلمين بعضهم ببعض حتى يقوّض وحدتهم وذلك بالتركيز على اختلافهم العرقي، فروّجوا في البلاد العربية مبدأ العروبة وفي غيرها بعناصر خاصّة بكلّ بلد حتى ينفصم بها حبل الوحدة الذي أُمروا بالتمسّك به.

قصة موسى وهارون(عليهما السلام)

سورة الصافات: الآيات 114 ـ 122   

الآيات: الرابعة عشرة بعد المئة إلى الثانية والعشرين بعد المئة
(وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ *سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ).

المفردات

مننّا: المِنّة: النعمة الثقيلة يقال: مَنّ فلان على فلان إذا أثقله بالنعمة، ومنه قوله سبحانه:(لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)(2). والمنّ: القطع، كما في

1 . روح البيان:7/479.   2 . آل عمران:164.

صفحه 227
قوله سبحانه:(فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون)،1 أي غير مقطوع.
النصر: المعونة، يستعمل في المعونة على الأعداء.
المستبين: القويّ الوضوح، يقال: استبان الشيء إذا ظهر ظهوراً شديداً.
الصراط المستقيم: أُريد هنا: الدين الحق.

التفسير

هذه قصة ثالثة ذكرها سبحانه للمناسبة التي ألمحنا إليها في قصة نوح(عليه السلام)، وهؤلاء الثلاثة هم أصحاب الشرائع بخلاف ما سيأتي من قصة إلياس، ويونس، حيث كانا من أنبياء الله تعالى ولكن لا بشريعة مستقلّة بل هما على شريعة موسى(عليه السلام)، كما سيوافيك.
بدأ سبحانه هذه القصة بقوله:
114.(وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ):
لم يُذكر الممنون به ليذهب ذهن السامع إلى أي مذهب شاء أو إلى نعمة كبرى، ولعلّ المراد هو النبوّة التي أنعم الله بها عليهما، لكن أنعم بها على موسى لا بسؤال وعلى هارون بسؤال من موسى، ولا نعمة أكبر من نعمة النبوّة. ويحتمل أن تكون أوسع من النبوة بشهادة الآيات التالية الّتي أشارت إلى رؤوس النعم كالتنجية والنصر وإيتاء الكتاب وغير ذلك.

1 . التين:6.

صفحه 228
115.(وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ):
تحكي الآية عن نجاتهما ونجاة قومهما وتقول:(وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ): أي الغمّ الشديد، الناتج عن تسلّط الفراعنة عليهم واستعبادهم إيّاهم، واضطهادهم بقتل الأبناء، واستحياء النساء.
116. (وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ):
كان بنو إسرائيل يعيشون حياة الذلّ والهوان في ظل سلطة الفراعنة، عبر سنين طويلة ولكن الله سبحانه أنعم عليهم بالنصر بما مكّن لهم من الخروج من مصر عن طريق البحر بمعجزة إلهية، وإغراق أعدائهم، فرعون وجنوده.
117. (وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ):
ضمير التثنية يرجع إلى موسى وهارون(عليهما السلام)، ومع أنّ التوراة نزلت على موسى لا على هارون، ولكن لمّا كان وزيراً لموسى ونبيّاً مثله ومبيّناً لشريعته، صحّ إسناد الإيتاء إليهما. والمراد بالكتاب المستبين هو التوراة، واللفظ يحكي عن مكانة سامية لهذا الكتاب، يكشف عنها أيضاً قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْء مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْء)1. ولكنّ اليهود خالفوا التوراة ونبذوا أحكامها التي لا تتّفق مع مصالحهم الخاصّة الضيّقة وحرّفوا كلمها عن مواضعه وانتقوا منها ما لا يتعارض ورغباتهم، ولذا ندّد سبحانه بهم وقال: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ

1 . الأعراف:145.

صفحه 229
بِبَعْض فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ)1، وعلى هذا فوصف التوراة بالكتاب المستبين ناظر إلى ما قبل التحريف، كما أنّ قوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ)2 يرجع إلى ذلك الكتاب قبل أن تمسّه يد التحريف.
118. (وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ):
أي أرشدهما الله سبحانه إلى الدين الحقّ عقيدة وعملاً.
119. (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ):
أي أبقينا لهما من بعدهما ثناءً جميلاً وذكراً حسناً في أتباع الأُمم اللاحقة، كسائر الأنبياء.
120. (سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ):
أي سلام من الله عليهما. ولا شكّ في أنّهما استحقّا هذه التحية المباركة منه سبحانه، لِما قاما به من عمل جبّار في الدعوة إلى الله، ولِما عانياه من محن وشدائد في سبيله.
121. (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ):
هو تعليل لِما أفاض عليهما تعالى من عطاياه، وأغدق عليهما من نِعمه.

1 . البقرة:85.
2 . المائدة:44.

صفحه 230
122.(إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ):
قد مرّ أنّه تعليل لكونهما من المحسنين ، لأنّهما ممّن آمن بالله إيماناً صحيحاً، واستقام على خط الإيمان في الشدّة والرخاء.
وقد أوجز سبحانه في المقام قصة موسى وهارون اعتماداً على ما جاء فيها من تفصيل في السور المختلفة وخصوصاً سورتي: طه، والقصص.

قصة إلياس(عليه السلام)

سورة الصافات: الآيات 123 ـ 132   

الآيات: الثالثة والعشرون بعد المئة إلى الثانية والثلاثين بعد المئة
(وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ *إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ):

المفردات

أتدعون: أي تعبدون.
بعلاً: اسم صنم قوم إلياس.

صفحه 231
تذَرون: تتركون.
لَمُحضَرون: أي محشورون للجزاء.
المخلَصين: الذين خلت قلوبهم عن التعلّق بغير الله تعالى.

التفسير

هذه هي القصة الرابعة من قصص الأنبياء، وهي تدور حول دعوة النبيّ إلياس (عليه السلام)وهو من ذرية إبراهيم الخليل. وجاء في قاموس الكتاب المقدّس: أنّ إلياس معرّب «إيليا» في العبرية. وكان (عليه السلام) يدعو قومه إلى عقيدة التوحيد ونبذ الشرك المتمثّل بعبادة بعل، حيث ابتلي قومه الذين كانوا من بني إسرائيل بعبادة بعل في منطقة بعلبك1، بسبب مصاهرة بعض ملوك بني إسرائيل للكنعانيّين، ولذلك قام إلياس بدعوتهم إلى التوحيد الذي جاء به بطل التوحيد بعد إبراهيم ـ أعني: نبيّهم موسى(عليه السلام)ـ وهذا ما يحكيه سبحانه في الآيات التالية:
123. (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ):
تدلّ الآية على أنّه كان مرسلاً من الله سبحانه ومبلِّغاً عنه، لا مرسلاً من جانب أنبياء الله كما كانت الحال كذلك على قول بعضهم في الرسل الثلاثة الذين مرّت قصتهم في سورة «يس».

1 . ولعلّ اللفظ مركّب من «بعل»: اسم الصنم «بك» اسم البلد و«بعلبك» اليوم جزء من بلد لبنان، ولعلّ إلياس بعث في تلك المنطقة.

صفحه 232
124. (إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ):
الاستفهام في قوله: (أَلاَ تَتَّقُونَ) غرضه الإنكار، والمعنى: ألا تخافون بأس الله وعذابه فتوحّدونه؟
125 و 126 . (أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ):
قوله تعالى : (أَتَدْعُونَ بَعْلاً): أي أتعبدون صنماً باسم (بعل) (وَتَذَرُونَ)تتركون عبادة (أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ)؟
لقد أراد (عليه السلام)بكلامه هذا أن يستثير عقولهم ويفتح عيونهم على قضية هامّة وواضحة وهي أنّ المستحق للعبادة هو من بيده زمام الخلق والتدبير، والله تعالى وحده هو مَن يملك هذين الأمرين، فهو أحسن الخالقين، وهو الربّ المدبّر لأمر الخلق أجمعين.
ويظهر أنّهم اعتذروا عن قبول دعوة نبيهم بأنّهم يتّبعون طريقة آبائهم ويمشون على آثارهم، ولذا أجابهم بقوله: (اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ) .
وربّما يُسأل: لماذا لم يقل «تَدْعون بعلاً وتَدَعون أحسن الخالقين»، مع أنّ في التعبير الثاني من الجناس الذي هو من المحسِّنات البديعية.
وأُجيب عن ذلك بأنّ الجناس من المحسِّنات إنّما يناسب إذا كان المتكلّم في مقام الرضا لا في مقام الغضب والتهويل، فإنّ إلياس كان في مقام التهويل والتوبيخ، وأمّا الجناس فيناسب المقام الّذي يكون فيه المتكلّم فرحاً بشوشاً لا غاضباً.

صفحه 233
وقيلت وجوه أُخرى، ولكن الأَولى أن يقال: إنّ الجناس إنّما يناسب إذا لم يحصل هناك التباس، فإنّ القارئ في بدء الأمر ربّما يقرأ الفعلين على نمط واحد، وإنّما ينتقل إلى الصحيح بعد التأمّل، وهذا ما لا يناسب مقام البلاغة.
127 و 128. (فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ):
قوله: (فَكَذَّبُوهُ): أي أنّه لم يستجب لدعوته من قومه إلاّ القليل، في حين أصرّ أكثرهم على الشرك والتكذيب ولم يكترثوا لأقواله ونصائحه، الأمر الذي عرّضهم لسخط العزيز الجبار ووعيده، كما يقول: (فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ): أي مبعوثون ليمثُلوا أمام محكمة الله تعالى لينالوا جزاءهم العادل على سوء أقوالهم وأفعالهم.
وقد مضى الكلام حول قوله: (إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ) في الآية (40)، وقلنا: إنّه إمّا استثناء إذا صحّ الاستثناء كما في المقام، حيث أمكن استثناؤه من قومه، أو هو استدراك بصورة الاستثناء إذا لم يصحّ الاستثناء.
129.(وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ):
أي أبقينا عليه ثناءً جميلاً في أتباع الأُمم اللاحقة.
130. (سَلاَمٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ):
اختلفت كلمات المفسّرين في تفسير الآية وذكروا وجوهاً
كثيرة تخالف سياق الآيات المتقدّمة، كما سنذكر، وقد ذكر الطبرسي

صفحه 234
تلك الوجوه، ومنها:
1.هو إدريس، عن ابن مسعود وقتادة.
2. هو من أنبياء بني إسرائيل من ولد هارون بن عمران ابن عم اليسع، عن ابن عباس.
3. هو الخضر صاحب الجزائر.
وكلّ ما ذُكر يخالف سياق سائر الآيات، فإنّ التسليم ورد في هذه السورة في حقّ سائر الأنبياء وأُريد به نوح وإبراهيم وموسى وهارون، فلابدّ أن يكون المسلَّم عليه بصورة «إلْ ياسين» هو نفس النبيّ الّذي جاء ذكره في القصة باسم «إ لياس».
نعم اختلفت كتابته هنا مع ما في السابق، إذ جاء في الآية 123 (إ لياس) وفي آيتنا هذه بالشكل التالي:(إلْ ياسِيَن) فلابدّ أن يكون للاختلاف وجه. وفي «الكشّاف»: وقرئ على إلياسين وإدريسين وإدارسين على أنّها لغات في إلياس وإدريس، ولعلّ لزيادة الياء والنون في السريانية معنى.1
سورة الصافات: الآيات 133 ـ 138   
هذا على قراءة الفصل، وقرئ بالوصل (إلياسين) على أنّه جمع يراد به إلياس وقومه، كما يقال: المهلّبون، أي المهلَّب وقومه. ثمّ إنّه ضعف هذا الوجه بأنّه لو كان جمعاً لعرّف بالألف واللام.2
وعلى كلّ تقدير فقد وصفه سبحانه في آية أُخرى وقال: (وَزَكَريّا

1 . تفسير الكشّاف: 2 / 611 .
2 . انظر: تفسير الكشّاف: 3/310.

صفحه 235
ويَحْيى وَعِيسى وَإلْياس كُلٌّ مِنَ الصّالِحِين).1
نعم ورد في بعض الروايات قراءة «على آل ياسين» و حمله في «الكشاف» على أنّ «ياسين» اسم أب إلياس، أُضيف إليه الآل.
وفي روايات أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) عن الصادق(عليه السلام) عن أبيه عن آبائه(عليهم السلام)في قوله: (سَلام على آل ياسين): يس محمد، ونحن آل ياسين.2
لكنّه تفسير بالباطن، فلا يخالف ما ذكرناه.
131 و 132. (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ):
تقدّم تفسير أمثال هاتين الآيتين.

قصة لوط(عليه السلام)

الآيات: الثالثة والثلاثون بعد المئة إلى الثامنة والثلاثين بعد المئة

(وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ).

1 . الأنعام:8.
2 . تفسير نور الثقلين:4/432.

صفحه 236

المفردات

الغابرين: الغابر: الماكث بعد مضيّ ما هو معه.
دمّرنا: أهلكنا.
مصبحين: حين الصباح.
أفلا تعقلون: أفلا تتفكّرون.

التفسير

كان لوط (وهو ابن أخي إبراهيم(عليه السلام)) قد آمن بدعوة إبراهيم الخليل الذي بعث في أرض بابل في العراق، ثم رافقه في هجرته إلى الأرض المباركة فلسطين، قال تعالى: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)1.
ولكن لوطاً (عليه السلام) استقرّ في بلاد الأردن وأقام في إحدى مدنها التي تسمّى «سدوم»، قال المسعودي: وأرسل الله لوطاً إلى سدوم وقراها الخمس وهي: صبغة، وعمرة، وإدماء، وصبوغ، وبالع.2
يُشار إلى أنّ القرآن المجيد عبّر عن قرى قوم لوط تارة بالمؤتفكات،3 وأُخرى بالمؤتفكة.4

1 . العنكبوت:26.
2 . لاحظ: كتاب الأنبياء حياتهم وقصصهم:158.
3 . التوبة:70.
4 . النجم:53.

صفحه 237
وقد أوجز سبحانه هنا قصة لوط، ولكنّها وردت بتفصيل في سور أُخرى كالشعراء، وهود، والحِجر .
وبعد هذا الإيضاح، نشرع الآن في تفسير ما ورد في المقام:
133. (وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ):
الآية تحكي أنّه كان من الأنبياء الذين أرسلهم الله تعالى إلى طائفة من الناس لهدايتهم في مجالَي العقيدة والسلوك.
134. (إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ):
لمّا أتمّ لوط الحجّة على قومه، وتمادَوا في عنادهم وفسادهم، دعا (عليه السلام)ربَّه، قائلاً: (رَبِّ انْصُرْني عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ)1، وعندئذ قضت مشيئته سبحانه باستئصالهم، وقد تعلّقت سنّته تعالى بإنجاء المؤمنين من العذاب النازل كما قال: (إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ) وبما أنّ عنوان الأهل يشمل الزوجة، وكانت زوجته كزوجة نوح غير مؤمنة به، قد شملها عذاب الله كما قال:
135. (إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ):
فإنّها هلكت مع الماكثين المتخلّفين في القرية ولم يخرجوا مع لوط (عليه السلام).
136. (ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ):

1 . العنكبوت: 30 .

صفحه 238
بقلب القرية أسفلها أعلاها، كما يقول: (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا)1.
137 و 138. (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ):
ثمّ إنّه سبحانه أخذ يخاطب مشركي مكّة ويعنّفهم على غفلتهم وعدم اعتبارهم بما حلّ بهؤلاء القوم، الّذين تمرّون على ديارهم وقت الصباح تارة وفي الليل أُخرى عند الذهاب إلى الشام للتجارة، كما قال: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ): أي على ديارهم الّتي غدت خراباً (مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ).
وختم سبحانه الآية بقوله: (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ): أي أفلا تتفكّرون في ما نزل بهم من عذاب بسبب عصيانهم وطغيانهم إذ في قصتهم ومصيرهم عبرة لكم...
وفي آية أُخرى يشير إلى العبرة من رؤية آثار ديارهم، قال تعالى:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِلْمُتَوَسِّمِينَ)2.
سورة الصافات: الآيات 139 ـ 148   

1 . الحجر:74.
2 . الحجر:75.

صفحه 239

قصة يونس(عليه السلام)

الآيات: التاسعة والثلاثون بعد المئة إلى الثامنة والأربعين بعد المئة

(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِين * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْف أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين).

المفردات

أبق: هرب، والآبق هو العبد الهارب من سيّده، وقد عبّر عن هجرة يونس بلا إذن ربِّه بالإباق.
المشحون: المملوء.
ساهَم: قارع، أي عمل القُرعة.
المدحَضين: المغلوبين.
التقَمَه: ابتلَعه.
مُليم: المرتكب عملاً يستحقّ اللوم عليه.
بالعراء: العراء: الأرض الخالية من النبات.

صفحه 240
يقطين: اليقطين: نوع من الخضروات، ينتج ثمرة مستديرة أو بيضيّة، ويسمّى أيضاً (القرع العسلي)، وهو مغذٍّ جداً. ولنبات اليقطين أوراق كبيرة مشوّكة، وهو ينمو على شكل (كرمة) أو (شجيرات)1.

التفسير

ورد اسم يونس في القرآن الكريم أربع مرات، والظاهر أنّه من بني إسرائيل وقد جاء ذكره في العهد القديم باسم «يونان بن اَمتاي».2 و في الإنجيل باسم (يونان) فقط.3
لم يتعرّض القرآن الكريم إلاّ لطرف من قصة يونس وقصة قومه، فقد تعرّض في سورتنا هذه ـ الصافات ـ إلى إرساله ثم إباقه وركوبه الفلك، والتقام الحوت له، ثم نجاته منها، وإرساله إلى القوم وهدايتهم بدعوته.
وفي سورة الأنبياء تعرّض القرآن الكريم إلى تسبيحه في بطن الحوت ونجاته منها.4
وفي سورة القلم تعرّض لندائه المكظوم وخروجه من بطن الحوت واجتبائه.5

1 . الموسوعة العربية العالمية: 27 / 321.
2 . جاء في سفر يونان من العهد القديم، قول يونان: أنا عبراني، وإنّي أتّقي الرب إله السموات.
3 . انظر: إنجيل متّى، الفقرة 12 و 16، و إنجيل لوقا، الفقرة11.
4 . الأنبياء: 87 ـ 88 .
5 . القلم: 48 ـ 50 .

صفحه 241
وفي سورة يونس تعرّض لإيمان قومه وكشف العذاب عنهم.1
إذا عرفت ذلك، فلنشرع في تفسير آيات سورتنا.
139. (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ):
تدلّ الآية على أنّ يونس من المرسلين من جانب الله تعالى. ويذكر المؤرّخون أنّه أُرسل إلى أهل نينوى من أرض الموصل في العراق، يقول ابن عاشور: وكانت نينوى مدينة عظيمة من بلاد الآشوريّين وكان بها أسرى بني إسرائيل الذين بأيدي الآشوريين وكانوا زهاء مئة ألف بقَوا بعد (دانيال). وكان يونس في أوّل القرن الثامن قبل المسيح.2
ثمّ إنّه(عليه السلام) قد دعا قومه إلى عبادة الله ونبذ الشرك فلم يجيبوا إلاّ بالتكذيب والردّ، فضاق صدره بهم وأوعدهم حلول العذاب بهم.
ومن المعلوم أنّه قد أُوحي إليه بنزول العذاب عليهم، ولا يصحّ لنبي أن يوعدهم وعيداً قطعيّاً دون أن يوحى إليه.
ولمّا اطمأنّ بحلول العذاب عليهم خرج من بينهم بدون إذن من ربِّه، فلمّا رأى القوم أمارات العذاب ندموا وأظهروا الإيمان والتوبة إلى الله، فكشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا. ويظهر ممّا رواه جميل بن درّاج عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه كان بينهم عالم أرشدهم إلى طريقة التوبة، وذلك أنّ العالم قال لهم: افزعوا إلى الله فلعلّه يرحمكم، ويردّ العذاب عنكم، فاخرُجوا إلى المفازة، وفرّقوا بين النساء والأولاد، وبين سائر

1 . يونس: 98 .
2 . التحرير والتنوير:23/82.

صفحه 242
الحيوانات وأولادها، ثم ابكوا وادعوا، ففعلوا، فصرف عنهم العذاب، وكان قد نزل بهم وقرُب منهم.1
وأمّا يونس:
140. (إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ):
أي أنّ يونس قد ترك قومه لما به من الغضب والسخط عليهم، وكان ظاهر حاله حال من يأبق من ربّه ويهرب من سيّده، ظانّاً أنّه لا يضيِّق عليه الربّ، وسار حتى وصل إلى ساحل البحر فوجد سفينة مملوءة بركابّها فركب فيها.
141.(فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ):
وبعد أن جرت السفينة أشرفت على الغرق، فرأى ركابّها أن يلقوا واحداً منهم، ليخفّ وزنها وتنجو من الغرق، فتقارعوا فخرجت القرعة على يونس، ولذلك يقول: (فَساهَمَ): أي شارك في القرعة(فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ): أي من المغلوبين. وهذا يدلّ على وجود القرعة بين الأُمم السابقة وقد أمضاها الإسلام .
وقد روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «أيّ قضية أعدل من القرعة إذا فوّض الأمر إلى الله عزّ وجلّ يقول: (فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدحَضِينَ)».2
142. (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ):

1 . انظر: تفسير القمي: 1 / 318 ; مجمع البيان: 3 / 135 .
2 . الوسائل:18، الباب13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث22.

صفحه 243
ألقى يونس نفسه في البحر (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ): أي ابتلعه (وَهُوَ مُلِيمٌ): أي فاعل ما يستحقّ عليه اللوم من مفارقة قومه بدون إذن ربّه.
ثمّ إنّ النبيّ يونس لمّا شعر (وهو في بطن الحوت) بأنّ خروجه بدون إذن ربّه كان أمراً غير لائق بمقام النبوّة، أخذ يلهج بالتسبيح بعد التهليل، وقد حكى سبحانه تسبيحه في سورة الأنبياء، وقال:(فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)1.
وقد قدّم التهليل على التسبيح ليكون العلّة لتسبيحه، فإذا لم يكن إله غير الله فهو اللائق بتنزيهه عن كلّ ما لا يليق بساحته. وكأنّه يقول: إنّ عملي هذا ـ أي خروجي من أرض قومي بلا إذنك ـ خطأ لا يناسب ساحة العبد بالنسبة إلى ربّه.
ثمّ إنّه سبحانه قَبِلَ توبته كما يقول:
143 و 144. (فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ):
ومعنى ذلك أنّه لولا تسبيحه في بطن الحوت لبقي فيه إلى اليوم الذي تُحشر فيه الخلائق.
إنّما الكلام فيمَ هو المراد ببقائه في بطن الحوت إلى يوم البعث؟ فأكثر المفسّرين على أنّه يبقى فيه ميّتاً ويبقى بطن الحوت قبراً يقبر فيه إلى يوم القيامة.

1 . الأنبياء:87.

صفحه 244
يقول السيد الطباطبائي: وبذلك يظهر أنّ المراد بقوله:(لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)تأبيد مكثه في بطنه إلى أن يبعث فيخرج منه كالقبر الذي يقبر فيه الإنسان ويلبث فيه حتى يبعث فيخرج منه، قال تعالى: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرى)1.2
ويمكن أن يقال إنّ المراد، هو بقاؤه في بطن الحوت حيّاً إلى يوم القيامة، جزاءً لفعله غير اللائق بمقام النبوّة، وإلاّ فبقاؤه ميّتاً في بطن الحوت لا يكون جزاءً وعذاباً إذ يُصبح بطن الحوت كالأرض ولا فرق بين بقاء الإنسان الميّت في بطن الحوت أو في مكان من الأرض.
ثمّ إنّهم اختلفوا في مدّة لبثه في بطن الحوت، فقيل كانت ثلاثة أيام، وقيل سبعة، وقيل عشرين يوماً، وقيل أربعين يوماً3، ولكن المرويّ عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) أنّه بقي تسع ساعات.4
145. (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ):
شاء سبحانه أن يكتب ليونس النجاة، فرمى به الحوت من جوفه على وجه أرض خالية من النبات وهو مريض، لكن المنعم جلّ شأنه تولاّه بعنايته وخصّه برعايته، كما قال:
146. (وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِين):

1 . طه:55.
2 . الميزان في تفسير القرآن:17/165.
3 . مجمع البيان:8/266.
4 . تفسير نور الثقلين:4/446.

صفحه 245
قد مرّ أنّ نبات اليقطين ينمو أيضاً على شكل شجيرات، وأنّ له أوراقاً كبيرة، وثماراً مغذّية، ولذا أنبت سبحانه حواليه هذا النوع من الخضروات، ليستظلّ به من وهج الشمس، ويمكن أيضاً أن يأكل من ثماره النافعة جدّاً.
ثم قضت إرادته سبحانه بإرساله إلى قومه لنشر التوحيد كما يقول:
147.(وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْف أَوْ يَزِيدُونَ):
المعروف بين المفسّرين أنّه سبحانه أمر يونس (عليه السلام) بالعودة إلى قومه الذين تابوا إلى الله وندموا على ما فرّطوا في جنبه، فالله سبحانه أمره، بعد تلك التجربة، بالرجوع إليهم وبثّ دعوته، وأنّهم أقبلوا على دعوته واهتدوا بأنوارها، كما قال:
148. (فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين)
ويؤيّد ذلك قوله: (فَآمَنُوا) حيث يدلّ على إيمانهم بدل تكذيبهم في الفترة الأُولى.
فإن قلت: لو رجع إلى قومه فما معنى قوله:(فَآمَنُوا)، فإنّهم قد آمنوا قبل رجوعه وذلك بفضل العالِم الذي مرّ ذكره.
قلت: المراد آمنوا برسالته ودعوته.

أسئلة وأجوبة

1. هل يوجد بين الحيتان حوت تسع بطنه لاستقرار إنسان فيه؟
الجواب: نعم، فالحوت حيوان ضخم، وقد قسّم العلماء الحيتان إلى

صفحه 246
مجموعتين رئيسيتين: 1. حيتان البالين (عديمة الأسنان)، وتوجد منها عشرة أنواع، منها: الحيتان الحدباء، ويصل طولها إلى (15 م)، والحيتان الزعنفية، ويصل طولها إلى (24 م)، وحيتان العنبر الأزرق (وهي أضخم الحيوانات كلّها)، ويصل طولها إلى (30 م) أحياناً.
2. الحيتان ذوات الأسنان، وتتراوح أطوالها ما بين (2 ,1 م) و (18 م).1
2. كيف ابتلعه ولم يقضمه ودخل بطنه بلا جرح ولا إدماء؟
الجواب: أنّ قدرة الله سبحانه أعلى من ذلك وأقوى، فلو عرف الإنسان إله العالمين بما له من القدرة والعلم لترك هذا السؤال، إذ العالَم الإمكاني في قبضة قدرته فله أن يوحي إلى الحوت أن يبتلعه دون أن يصيبه أذىً. يُذكر أن الحيتان ذوات الأسنان تستعمل أسنانها لاقتناص الفريسة فقط، وليس لمضغها، فغذاء جميع الحيتان ذوات الأسنان كتلة واحدة.2
3. يظهر من قوله سبحانه:(فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ)3، يظهر منه أنّ التوبة عند رؤية نُذُر العذاب لا تُقبل، فكيف قبل سبحانه توبة قوم يونس؟ وقد صرّح سبحانه بذلك التخصيص في آية أُخرى وقال: (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ

1 . الموسوعة العربية العالمية: 9 / 570 ـ 574 .
2 . المصدر نفسه.
3 . غافر:84ـ85.

صفحه 247
فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين).1
الجواب: هناك فرق بين إيمان قوم يونس وإيمان فرعون الّذي قال عندما أدركه الغرق: (آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)2 حيث كان إيمان قوم يونس إيماناً عن اختيار، ولأجل ذلك بقوا على إيمانهم بعد رفع العذاب عنهم، وكان إيمان فرعون إيماناً اضطرارياً غير ناجم عن ثورة روحية على الكفر والوثنية، بل كان وليد رؤية العذاب وهجوم الأمواج، لا أقول: إنّ إيمان قوم يونس كان حقيقياً جدّياً وإيمان الآخرين كان صورياً غير حقيقي، بل: الكلّ كان حقيقياً، وإنّما الاختلاف في كون أحدهما ناشئاً عن اختيار، والآخر ناشئاً عن الخوف والاضطرار، أو قل : ناشئاً عن عامل داخلي أو ناشئاً عن عامل خارجي.
والدليل على ذلك استقرار قوم يونس على الإيمان بعد كشف العذاب عنهم لقوله سبحانه:(وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين) ويقول سبحانه: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْف أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين) والظاهر من الآيتين أنّ يونس بعد ما نجا ممّا ابتلي به، أُرسل إلى نفس قومه، فاستقبلوه بوجوه مشرقة وتمتّعوا بحياتهم في ظل الإيمان إلى الوقت المؤجَّل في علم الله، على القول بأنّه أُرسل إلى هداية قومه.
وأمّا الفراعنة فكانت سيرتهم الوعد بالإيمان عند نزول العذاب، والرجوع إلى ما كانوا عليه من الفساد في مجال العقيدة والعمل، بعد كشفه،

1 . يونس:98.
2 . يونس:90.

صفحه 248
والذكر الحكيم يصرّح بذلك كما في قوله تعالى: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَات مُفَصَّلاَت فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ * وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَل هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ)1.
4. هل كان خروج يونس من أرض قومه مغاضباً، عصياناً؟
الجواب: ذهبت المخطّئة إلى أنّ خروجه من أرض قومه وهو مغاضب لربه ـ كما يدلّ عليه قوله تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا)(2) ـ كان عصياناً .
وهذا تفسير بالرأي بل افتراء على النبيّ، إذ لا يغاضب ربَّه إلاّ مَنْ كان معادياً له وجاهلاً بحكمته في أفعاله، ومثل هذا لا يليق بالمؤمن فضلاً عن النبيّ، وإنّما كان غضبه على قومه لإصرارهم على تكذيبه ويأسه من توبتهم، فخرج من بينهم مغاضباً.2
هكذا فسّره الإمام الرضا(عليه السلام) عندما سأله المأمون عن مفاد الآية وقال: ذلك يونس بن متّى ذهب مغاضباً لقومه.3
5. قد ورد في حقّه قوله سبحانه: ( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ)،4 أو ليس هذا الظنّ عصياناً؟

1 . الأعراف:133ـ 135.   2 . الأنبياء:87 .
2 . انظر: تنزيه الأنبياء:102.
3 . بحار الأنوار:14/387.
4 . الأنبياء:87.

صفحه 249
الجواب: أنّ معنى (لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ)أي: لن نضيِّق عليه، فالفعل (نَقْدِرَ)هنا من القدر لا من القدرة، كما في قوله سبحانه: (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ)1: أي يضيِّق عليه، وقوله سبحانه: (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ)2، فيونس (عليه السلام)قد ظن أنّه سبحانه لن يضيِّق عليه لأجل هذا العمل، وقد تبيّن خلافه.
6. قد مرّ أنّ يونس أوعد قومه بالعذاب ولكنْ تخلّف وعيده عن الواقع ، أليس هذا يعدّ كذباً؟
الجواب: إنّ هذا هو البداء الذي يدلّ عليه الكتاب والسنّة، وهو أنّ النبيّ(عليه السلام)ربما يعد أو يوعد علماً بالمقتضي لا علماً بالعلّة التامّة، فيخبر دون أن يقف على مانع من تأثير المقتضي، وكان الوعيد في علم الله معلّقاً على عدم إيمانهم وتوبتهم، فإذا لم يتحقّق الموقوف عليه انتفى الموقوف، ولكنّ النبيّ في وعيده هذا لم يكذب بحسب اطّلاعه على المقتضيات، وقد دلّ على صدق قوله ظهور طلائع العذاب في السماء غير أنّ إرشاد المرشد هداهم إلى طريق الإنابة بإخراج الحيوانات إلى الصحراء مع النساء صارخين تائبين.

كلمة حول البداء

قد عرفت قصة يونس (عليه السلام)وأنّه أوعد قومه بنزول العذاب، وظهرت أماراته ولكن التجأ القوم إلى التوبة والإنابة فرفع الله عنهم العذاب، وهذا

1 . الإسراء: 30 .
2 . الطلاق: 7.

صفحه 250
من مصاديق البداء الّذي تعتقد به الشيعة الإمامية. ولمّا وقعت هذه الحقيقة القرآنية مورد الإنكار زاعمين بأنّ معناه الظهور بعد الخفاء، أخذوا ينكرونه، والشيعة الإمامية عن بكرة أبيهم بريئة من تفسير البداء بهذا المعنى، ولأجل رفع الستر عن وجه الحقيقة نأتي بما يوضح المقام.
البداء في اللغة هو ظهورُ ما خفي. يقول سبحانه: (وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ماعَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُون)1 ، أي ظهر لهم آثار ما عملوا من السيّئات وأحاط بهم ما كانوا به يستهزئون.
وقال عزّ من قائل: (ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حتّى حِين)2 ، أي ظهر لهم بعد ما رأوا الآيات الدالّة على براءة يوسف أن يسجنوه إلى حين ينقطع فيه كلام النّاس. وثمّة آيات أُخرى من هذا القبيل تشير إلى أنّ البداء عبارة عن ظهور ما خفي.
وعلى ذلك فالبداء بهذا المعنى من خصائص مَن كان جاهلاً بعواقب الأُمور ثمّ يبدو له ما خفي عليه، ولأجل ذلك نسب البداء في القرآن إلى غيره سبحانه.
نعم إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يستعمل كلمة البداء وينسبها إلى اللّه سبحانه، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة:
أنّه سمع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: إنّ ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى بدا للّه أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرصَ، فقال: أي

1 . الجاثية:33.
2 . يوسف:35.

صفحه 251
شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه فأُعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل ـ أو قال: البقر ـ هو شك في ذلك: إنّ الأبرص والأقرع، قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر ـ فأُعطي ناقة عُشَراء، فقال: يُبارَك لك فيها.
وأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحبّ إليك؟ قال: شَعَر حسن، ويذهب عنّي هذا، قد قذرني الناس ; قال: فمسحه، فذهب، وأُعطي شَعَراً حسناً، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر. قال: فأعطاه بقرة حاملاً، وقال: يُبارَك لك فيها.
وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يردّ اللّه إليّ بصري، فأُبصر به الناس، قال: فمسحه فردّ اللّه إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة والداً، فأُنتج هذان وولّد هذا، فكان لهذا واد من إبل، ولهذا واد من بقر، ولهذا واد من الغنم.
ثمّ إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين تقطّعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلاّ باللّه ثمّ بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيراً أتبلّغ عليه في سفري; فقال له: إنّ الحقوق كثيرة. فقال له: كأنّي أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيراً فأعطاك اللّه؟ فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر، فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك اللّه إلى ما كنت.
وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا، فردّ عليه مثل ما ردّ عليه هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك اللّه إلى ما كنت.

صفحه 252
وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل وتقطّعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلاّ باللّه، ثمّ بك، أسألك بالذي ردّ عليك بصرك، شاة أتبلّغ بها في سفري; فقال: قد كنت أعمى فردّ اللّه بصري، وفقيراً فقد أغناني، فخذ ما شئت، فواللّه لاأجحدك اليوم بشيء أخذته للّه ، فقال: أمسك مالك فإنّما ابتُليتم، فقد رضي اللّه عنك وسخط على صاحبيك.1
هذا ما نقله أبو هريرة مِن كلام الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)وقد استعمل لفظ البداء في حقّه سبحانه، ومن الطبيعي أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يستعمل هذا اللفظ في معناه اللغوي لاستلزامه ـ و العياذ باللّه ـ الجهل على اللّه سبحانه، بل استعمله في معنى آخر لمناسبة بينه وبين المعنى اللغوي.
وكم له من نظير في الكتاب والسنّة، وقد اشتهر أنّ كلام البلغاء مشحون بالمجاز.
إنّ البراهين العقلية الرصينة والآيات الباهرة القرآنية قد أسفرت عن إحاطة علمه سبحانه بكلّ شيء في الأرض والسماء و ما مضى وما يأتي على نحو لا يتصوّر في مثله الظهور بعد الخفاء، ولنتبرّك بذكر بعض الآيات وترك ذكر البراهين العقلية إلى محلّها. قال عزّ من قائل:
(إِنَّ اللّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرضِ وَلاَ فِي السَّماء).2
(وَما يَخْفى على اللّهِ مِنْ شَيْء فِي الأَرضِ وَلاَ فِي السَّماء).(3)

1 . صحيح البخاري: 2 / 405، برقم 3464 ، كتاب الأنبياء، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل.
2 . آل عمران:5.   3 . إبراهيم:38.

صفحه 253
(ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ في كِتاب مِنْ قَبلِ أَن نَبْرأََها إِنّ ذلكَ عَلى اللّهِ يَسِيرٌ).1
كيف يمكن طروء الخفاء عليه سبحانه مع أنّه محيط بالعالم صغيره وكبيره، مادّيه ومجرّده، والأشياء كلّها قائمة به قياماً قيّوميّاً، كقيام المعنى الحرفي بالاسمي؟! وغيبوبة المعنى الحرفي عن المعنى الاسمي تساوي فناءه.
كلّ ذلك يقودنا إلى التفتيش عن تفسير آخر للبداء ينسجم مع ما جاء في الحديث المنقول عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإلاّ فالرسول وخلفاؤه وعلماء المسلمين قاطبة، أجلّ من أن ينسبوا إلى اللّه سبحانه البداء بالمعنى اللغوي الآنف الذكر.
ولأجل إيضاح الموضوع سندرس البداء من جوانب:

1. حقيقة البداء

حقيقة البداء عند الشيعة الإمامية كلمة واحدة، وهي إمكان تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو بالأعمال الطالحة، وأنّه ليس للإنسان تقدير واحد محتّم لا يتغيّر، بل بيده إبدال تقدير مكان تقدير آخر، لكن على ضوء العمل الّذي يقوم به، سواء أكان صالحاً أم طالحاً.
هذه هي حقيقة البداء، دون زيادة أو نقيصة، فمن يريد أن يؤيد تلك العقيدة أو يردّ عليها، فليجعل هذا التعريف منطلقاً له في التأييد أو الردّ ولا يخرج عنه.

1 . الحديد:22.

صفحه 254
والدليل على أنّ الإنسان قادر على تغيير مصيره، الآيات القرآنية الكثيرة، منها:
1. قوله سبحانه:(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).1
2. قوله سبحانه:(اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا).(2)
3. قوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).(3)
4. قوله سبحانه:(ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ...).2
5. قوله سبحانه:(وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ).(5)
6. قوله سبحانه: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ).3
7. قوله سبحانه:(وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ).(7)
8 . قوله سبحانه:(وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ

1 . الأعراف: 96.      2 . نوح: 10 ـ 12.   3 . الرعد: 11.
2 . الأنفال: 53.      5 . الطلاق:2ـ3.
3 . إبراهيم: 7.      7 . الأنبياء:76.

صفحه 255
الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرّ).1
9. قوله سبحانه: (فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِين).2
إنّ هذه الآيات تعرب عن أنّ الأعمال الصالحة مؤثرة في مصير الإنسان، وأنّه يقدر بعمله الصالح على تغيير التقدير وتبديل القضاء ـ غير المبرم ـ لأنّه ليس في أفعال الإنسان الاختيارية مقدّر محتوم حتّى يكون العبد في مقابله مكتوف الأيدي والأرجل.
ما ذكرناه حقيقة قرآنية، ونرى مثلها في السنّة النبوية فهي تؤيّد أنّ للإنسان إبدال تقدير مكان تقدير آخر بالأعمال الصالحة، ونقتصر على ذكر القليل من الكثير.
1. أخرج الحاكم عن ابن عباس، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا ينفع الحذر عن القدر، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر».3
2. أخرج ابن سعد وابن حزم وابن مردويه عن الكلبيّ في الآية (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) 4 قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه; فقيل له: مَن حدّثك بهذا؟ قال: أبو صالح عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

1 . الأنبياء: 83 ـ 84.
2 . الصافات: 143 ـ 146.
3 . تفسير الدر المنثور:4/66، طبعة دارالفكر، بيروت، 1403هـ .
4 . الرعد: 39.

صفحه 256
3. وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن عليّ (رضي الله عنه) أنّه سأل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عن هذه الآية؟ فقال له: «لأقرنّ عينيك بتفسيرها، ولأقرنّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها، الصدقة على وجهها، وبرّ الوالدين، واصطناع المعروف، يحوّل الشقاء سعادة، ويزيد في العمر، ويقي مصارع السوء».1
إلى غير ذلك من الروايات المبثوثة في كتب التفسير والحديث خصوصاً في آثار الدعاء والإنابة.
هذه هي حقيقة البداء كتاباً وسنّة، وهذه هي عقيدة الشيعة الإمامية في البداء، فهل يمكن لمسلم مؤمن بالقرآن والسنّة أن ينكر هذه الحقيقة ويعتقد خلاف ذلك، حتى يقع في عداد اليهود الذين أنكروا البداء بهذا المعنى وقالوا: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ)فردّ عليهم سبحانه بقوله: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ).2
هذا كلّه حول الأمر الأوّل الذي يتضمّن بيان حقيقة البداء الذي تعتقده الشيعة والمسلمون عامّة بشرط أن يقفوا على هذا المعنى، وما ذكرناه من المعنى للبداء قد نصّ عليه علماء الشيعة منذ عصر الصدوق حتى يومنا هذا.3

1 . الدر المنثور: 4 / 66 .
2.المائدة:64.
3. لاحظ: عقائد الإمامية للصدوق المطبوع في ذيل الباب الحادي عشر:73، وأوائل المقالات للشيخ المفيد:53، ورسائل الشريف المرتضى، المسائل الرازية، المسألة 5، الصفحة 117، وعدّة الأُصول للشيخ الطوسي:2/29، وكتاب الغيبة للشيخ الطوسي:263، ونبراس الضياء للسيد المحقّق الداماد:56، وأجوبة مسائل جار الله للسيد عبدالحسين شرف الدين:101ـ 103.

صفحه 257

2. الأثر البنّاء للبداء

إنّ الاعتقاد بالبداء له آثار تربوية، فإنّ الإنسان إذا اعتقد بأنّه إذا عصى وحُكم عليه بدخول النار لا يهتم بإصلاح حاله في مستقبل أيام عمره، وذلك لاعتقاده بأنّ التقدير الأوّل ينفذ في حقّه، سواء أعمل صالحاً أم طالحاً، وهذا يوجب توغّله في المعاصي طول حياته; وأمّا إذا اعتقد أنّ الله سبحانه هو الرؤوف الرحيم، فلو أصلح حاله في المستقبل فسوف يصلح الله له تقديره ويغيّره بنحو يتناسب مع عمله الصالح.
ولذلك ينادي الله سبحانه عباده بقوله: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا).1

3. ما يترتّب على القول بالبداء

ربّما أخبر أنبياءُ الله(عليهم السلام) عن وقوع حادثة في المستقبل ولكنّها لم تقع،وذلك كالقضايا التالية التي نرى إخبار الأولياء وعدم وقوعها تالياً، وما ذلك إلاّ لأنّ المورد غيّر تقديره بالعمل الصالح ولولاه لوقع ما أخبر به النبيّ. وسنشير إلى موارد منها:

أ. رفع العذاب عن قوم نبيّ الله يونس(عليه السلام)

تقدّم توضيح ذلك، فارجع إليه ـ عزيزي القارئ ـ إنْ أحببت .

ب . الإعراض عن ذبح إسماعيل

ذكر القرآن الكريم أنّ إبراهيم(عليه السلام) رأى في منامه أنّه يذبح ابنه

1. الزمر:53.

صفحه 258
إسماعيل، وأعلم إبراهيم ابنه بذلك، ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلَده وعزمه على طاعة الله وطاعة أبيه، وقال كما عبّر القرآن الكريم: (أنِّي أَذْبَحُكَ) وهذا القول يحكي عن حقيقة ثابتة وواقعة مسلّمة، إلاّ أنّ الذبح لم يتحقّق، ولم يكن إبراهيم فيما أخبر به كاذباً، وذلك لاطّلاعه على المقتضي دون المانع.1

ج . إكمال ميقات موسى(عليه السلام)

ذكر المفسّرون أنّه سبحانه واعد موسى ثلاثين ليلة فصامها موسى(عليه السلام)وطواها، فلمّا تمّ الميقات، أمره الله تعالى أن يُكملها بعشر، قال سبحانه:(وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْر فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً).2
ففي هذه القصة إخباران:
إنّه يمكث في الميقات ثلاثين ليلة، ثم نسخه بخبر آخر بأنّه يمكث أربعين ليلة، وكان موسى(عليه السلام) صادقاً في كلا الإخبارين، حيث كان الخبر الأوّل مستنداً إلى جهات تقتضي إقامة ثلاثين ليلة، لولا طروء ملاك آخر يقتضي أن يكون المكث أزيد من ثلاثين.3
هذه جملة من الحوادث التي تنبّأ أنبياء الله بوقوعها، وجاء خبرها في الذكر الحكيم إلاّ أنّها لم تقع، وهذا ما يعبّر عنه بأنّه بدا لله فيها، وسيوافيك

1. لاحظ : سورة الصافات: الآيات 101ـ 111.
2. الأعراف:142.
3. لاحظ : تفسير الدر المنثور:3/335.

صفحه 259
وجه استعمال هذه الصيغة في المقام، فانتظر.
هذا ما في القرآن العزيز، وأمّا ما ورد في الروايات الصحيحة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإليك شيئاً منها:
1. مرّ يهوديٌّ بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: السام عليك، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)له:«وعليك» فقال أصحابه: إنّما سلّم عليك بالموت، فقال: الموت عليك؟ فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «وكذلك رددت» ثمّ قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لأصحابه: «إنّ هذا اليهودي يعضّه أسود في قفاه فيقتله»، فذهب اليهودي فاحتطب حطباً كثيراً فاحتمله، ثم لم يلبث أن انصرف.
فقال له رسول الله: «ضعه»، فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاضّ على عود، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا يهوديّ ما عملت اليوم» قال: ما عملت عملاً إلاّ حطبي هذا حملته فجئت به، وكان معي كعكتان فأكلت واحدة وتصدّقت بواحدة على مسكين، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«بها دفع الله عنه»، وقال:«إنّ الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان».1
2. مرّ المسيح(عليه السلام) بقوم مجلبين، فقال: ما لهؤلاء؟ قيل: يا روح الله فلانة بنت فلانة تهدى إلى فلان في ليلته هذه، فقال: يُجلبون اليوم ويبكون غداً، فقال قائل منهم: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: لأنّ صاحبتهم ميّتة في ليلتها هذه، فلمّا أصبحوا وجدوها على حالها، ليس بها شيء، فقالوا: يا روح الله إنّ التي أخبرتنا أمس أنّها ميّتة لم تمت، فدخل المسيح دارها فقال: ما صنعت ليلتك هذه؟ قالت: لم أصنع شيئاً إلاّ وكنت أصنعه فيما مضى، إنّه

1. بحارالأنوار:4/121.

صفحه 260
كان يعترينا سائل في كلّ ليلة جمعة فننيله ما يقوته إلى مثلها. فقال المسيح: تنحّي عن مجلسك; فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة، عاضّ على ذنبه، قال (عليه السلام): «بما صنعت صُرف عنك هذا».1

4 . ما هو معنى: «بدا لله» في حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

لا شكّ أنّ إطلاق البداء على الله سبحانه بمعنى الظهور بعد الخفاء أمر باطل لا يستعمله إلاّ الجاهل، لأنّ الله سبحانه عالم بكلّ شيء قبل أن يخلق ومع الخلق وبعده، ويستحيل أن يوصف أنّه بدا لله أي ظهر له بعد الخفاء.
وأمّا وجه التعبير عن هذه الحقيقة بهذا اللفظ الذي يمتنع وصفه سبحانه به بالمعنى الحقيقي فلأجل أمرين:
1. أنّ الشيعة الإمامية قد اقتفت أثر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في إطلاق البداء على الله سبحانه حيث أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة:
أنّه سمع من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم، وقد مرّ الحديث في صدر البحث .
2. أنّ إطلاق هذا اللفظ يأتي من باب المشاكلة، وهو باب واسع في كلام العرب فإنّه سبحانه في مجالات خاصّة يعبّر عن فعله سبحانه بما يعبّر به الناس عن أفعالهم، وما ذلك إلاّ لأجل المشاكلة الظاهرية، وهذا ما نقرأه في الآيات التالية:
أ. قوله سبحانه:(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ).(2)

1. بحارالأنوار:4/94.   2 . النساء:142.

صفحه 261
ب. قوله سبحانه: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).1
ج. قوله سبحانه: (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا).2
إذ لا شكّ أنّه سبحانه لا يخدع ولا يمكر ولا ينسى، لأنّ هذا من صفات الإنسان الضعيف، إلاّ أنّه سبحانه وصف أفعاله بما وصف به أفعال الناس من باب المشاكلة، والجميع كناية عن إبطال خدعتهم ومكرهم وحرمانهم من مغفرة الله سبحانه، ومن ثمّ عن جنّته ونعيمها.
3. إنّ اللام في قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«بدا لله» هي بمعنى «من» أي بدا من الله للناس، تقول العرب: قد بدا لفلان عمل صحيح، أو بدا له كلام فصيح، كما يقولون: بدا من فلان كذا، فيجعلون اللام مقام «من»، فقولهم: بدا لله، أي بدا من الله سبحانه للناس.
فعلى ضوء هذه الجهات يصحّ إطلاق «البداء» على الله سبحانه ووصفه به، حتّى لو قلنا بتوقيفية الأسماء والصفات، وما ينسب إليه تعالى من الأفعال، لوروده في الحديث النبويّ كما عرفت.
***
هذا جلّ ما يمكن أن يطرح حول حياة يونس، وأمّا التفصيل خصوصاً بما في كتب قصص الأنبياء فليرجع إليها، ونحن لا نعتمد على أكثر ما فيها لمناقضته الآيات الكريمة.

1. آل عمران:54.
2. الجاثية:34.

صفحه 262

سورة الصافات: الآيات 149 ـ 163   

الآيات: التاسعة والأربعون بعد المئة إلى الثالثة والستين بعد المئة
(فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاَئِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلاَ إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ * فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ).

المفردات

فاستفتهم: الاستفتاء: الرجوع إلى شخص في موضوع له فيه رأي، وقد مرّ توضيحه في قوله سبحانه:(فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِين لاَزِب)1.
إفكهم. الإفك: هو كلّ مصروف عن وجهه الّذي يحقّ أن يكون عليه، ولذلك يُطلق على الكذب.
بفاتنين: بمضلّين ومفسدين.
صال الجحيم: أي من دخلها وعُذِّب فيها، أصله صالي، ويحذف

1 . الصافات:11.

صفحه 263
الضم لثقله على الياء، وتحذف الياء لالتقاء الساكنين: الياء الساكن، واللام.

التفسير

الظاهر أنّ هذه الآيات عطف على قوله المتقدّم في هذه السورة: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا) لكن الاستفتاء في الآية المتقدّمة كان حول البعث، وأمّا المقام فالاستفتاء فيه حول الشرك .
قد ذكرنا في أغراض السورة أنّ آياتها تدور على محاور، منها نقد آراء المشركين وعقائدهم في صفاته وأفعاله عزّ وجلّ، ولذلك عاد البيان القرآني إلى ذكر افتراءاتهم على الله سبحانه مشفوعة بالرّدود القائمة على المنطق الرصين، والبرهان المبين، وكما يلي:
149 و 150. (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاَئِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ):
هذه هي إحدى مقولاتهم المفتراة، وليس الاستفتاء هنا استفتاءً حقيقياً، وإنّما هو على سبيل الإنكار، والغرض منه توبيخهم على ما يتبنّون من عقيدة خرافية، حيث جعلوا البنات لله سبحانه، والبنين لأنفسهم كما مرّ في الآية، فقوله: (فَاسْتَفْتِهِمْ): أي اسألهم يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)(أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ)اللواتي يكرهونهنّ، (وَلَهُمُ): أي للمشركين (الْبَنُونَ)؟ وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى في آية أُخرى وقال: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى).1

1 . النجم:21ـ 22.

صفحه 264
ولمّا استفتاهم (على سبيل الإنكار)، أخذ في نسف أصل عقيدتهم الخرافية، أعني دعوى أنّ الله سبحانه خلق الملائكة إناثاً، فما هو مستندهم في هذه الدعوى؟ هل شاهدوا خلقه تعالى لهم فعلموا بوساطة الحسّ أُنوثة الملائكة، كما يقول: (أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاَئِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ) وفي آية أُخرى قال تعالى: (وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ).1

اتّخاذ الولد على وجه الإطلاق

151 و 152.(أَلاَ إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ):
إنّ دعوى المشركين أنّ الملائكة بنات الله، إنّما هو من لوازم ما ذهبوا إليه من نسبة الولد إلى الله، فما أجرأهم على هذا القول الّذي ليس هو إلاّ إفك وافتراء، كما قال:(أَلاَ إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللهُ) حيث زعموا أنّ الملائكة بنات الله تعالى (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) فيما يقولون. ولعلّ إيراد هذه الصيغة المؤكّدة بأمرين: (إنّ) و (اللام) للتنبيه على أنّ الكذب سجيّتهم .
153. (أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ):
كرّر هنا الإنكار عليهم فيما يدّعون أنّ الله سبحانه اختار الأدْون والأحطّ قدراً بحسب منطقهم الفاسد. والهمزة هنا للاستفهام وقد حُذفت بعدها همزة الوصل، والأصل «إصْطَفَى».

1 . الزخرف:19.

صفحه 265
154. ( مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ):
أي كيف تتقوّلون بذلك مع أنّه سبحانه حكيم لا يختار لنفسه الأدون، ويترك الأعلى اللائق بكماله وجلاله.
155. (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ):
أي أفلا تعقلون هذه الأدلّة الّتي نقيمها على سُقم تصوّراتكم؟.
156. (أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ):
أي هل لكم دليل واضح يثبت صحّة هذه العقائد الخرافية، فأين هذا الدليل؟
157. (فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ):
أي إذا كان لكم كتاب من الكتب السماوية يخبر عمّا تتبنّونه من مقولات، فأْتوا بهذا الكتاب حتى يكون دليلاً على صحّة عقيدتكم.
فكلّ ما تتبنّونه من اتّخاذ الولد أوّلاً، وكون الملائكة إناثاً ثانياً، واتّخاذ الله إيّاهم لنفسه ثالثاً، كلّه هراء لا يعتمد عليه، لأنّه لا يستند إلى برهان عقلي واضح، ولا إلى دليل نقليّ قاطع، والقضايا الإيمانية (العقائد) لا تُبنى إلاّ على هذين الأساسين، لا على الظنون والأوهام.
ثم أشار سبحانه في الآية التالية إلى عقيدة أُخرى لهم هي كما تقدّمها في الفساد والبطلان، وهي:

صفحه 266

ادّعاء النسب بين الله والجنّ

158. (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ):
تضمّنت الآية افتراء آخر للمشركين، وهو أنّهم قد جعلوا بين الجنّة وبين الله نسباً، والظاهر أنّهم جعلوهم أولاد الله كما جعلوا الملائكة بنات له.
وتأنيث الجِنّة باعتبار كونه وصفاً للطائفة، والظاهر من الآية أنّ الجنّة غير الملائكة، وقد حان بيان عقيدتهم في الجنّ ، بعد أن تمّ الكلام عن تصوّراتهم المنحرفة عن الملائكة.
وقيل في تفسير الآية وجوه غير تامّة، منها:
أ. أنّ المراد بالجنّة الملائكة، والمراد بالجعل المذكور ما تضمّنه قولهم: الملائكة بنات الله.
يلاحظ عليه: أنّه يلزم التكرار إذ قد مرّ في قوله: (أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ) وأُريد هنا بالبنات: الملائكة، بقرينة قوله قبل هذه الآية: (أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاَئِكَةَ إِنَاثًا).
ب. أنّ الله صاهر الجنّ فولدت له الملائكة.
يلاحظ عليه: أنّ النسب لا يطلق على المصاهرة.
ج. أنّهم أشركوا الشيطان في عبادة الله تعالى.1

1 . انظر: مجمع البيان:8/370.

صفحه 267
يلاحظ عليه: أنّ الإشراك في العبادة لا يوصف بالنسب إلاّ إذا جعلوا الجنّ أولاداً له.
ثمّ إنّه سبحانه أبطل عقيدتهم هذه بأنّ الجنّة علموا أنّهم يحضرون للعذاب يوم القيامة، فكيف يكونون أولاداً أو شركاءً لله، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ) أي أنّ الجنّ علمت (إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ)، وكأنّ الإحضار في الآية وفي غيرها كناية عن الإحضار للعذاب، وعندئذ كيف اتّخذهم الله أولاداً لنفسه؟ وأمّا أنّ الجنّ في أي وقت علموا أنّهم محضرون للعذاب؟ فليس في الآية ما يحدّد وقت إحضارهم، ولا يبعد أن يكون وقت ذلك بعد بعثة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)حسبما ورد في سورة الجنّ، فقد جاء فيها: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا).1
159. (سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ):
لمّا ذكر تعالى عقائدهم الخرافية الباطلة، استدعى ذلك ختم الكلام بإنشاء تنزيهه عمّا يصفون.
160.(إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ):
استثناء منقطع من قوله:(إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) والأَولى أن يقال: إنّه استدراك بصورة الاستثناء، فإنّهم لا يحضرون للعذاب. ويحتمل أن يكون استثناءً من قوله: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا)، والأوّل أوضح. وقد مرّ أنّ

1 . الجن:14ـ15.

صفحه 268
المراد من (الْمُخْلَصِينَ) هم الذين خلت قلوبهم عن التعلّق بغير الله تعالى.
161 ـ 163.(فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ):
تفسير الآيات رهن بيان إعرابها:
1.(مَا تَعْبُدُونَ): عطف على الضمير المتّصل في قوله: (فَإِنَّكُمْ)والمعطوف، والمعطوف عليه مبتدأ خبره: (مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ).
2. إنّ لفظة (مَا) في قوله :(مَا أَنْتُمْ)، نافية.
3. الضمير في قوله:(عَلَيْهِ) يرجع إلى الله، ومتعلّق بقوله:(بِفَاتِنِينَ).
4. (إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ)استثناء مفرغ والمستثنى منه مقدّر، أي: ما من أحد.
والمعنى: (أنّكم) أيّها المشركون (وَمَا تَعْبُدُونَ) من الأصنام، لو اجتمعتم وتصافقتم على أن تضلّوا على الله أحداً من عباده لن تستطيعوا (إلاّ) مَن هو (صَالِ الْجَحِيمِ): أي مَن يتّبع ذلك الفاتن وينقاد له في سلوك طريق الضلال، فهو يصلى الجحيم. والآية أصدق شاهد على أنّ الضلال بيد الإنسان، وأنّ الفاتنين الّذين يدعون إلى الضلال بالإغواء والتزيين لا سلطة لهم على إضلال أحد إلاّ إذا كان الإنسان مريداً له.
قد تعرّفت على عقائد المشركين في حقّه سبحانه، وكيف أنّهم افتروا عليه افتراءات واهية سافرة، فمن أراد أن يعرف الله سبحانه بما يليق بساحة كبريائه، فعليه أن يتدبّر الآيات الواردة في وصفه سبحانه في سورة الحشر،

صفحه 269
كما عليه أن يرجع إلى الثقل الثاني ـ أعني: أئمة أهل البيت المعصومين(عليهم السلام) ـ وعندئذ يقف على أنّه سبحانه لا يُدرك شأوه ولا يُعلم كنهُه، قال الإمام علي(عليه السلام):
«الحَمد لله الّذي لا يَبلُغ مِدحَتَهُ القَائِلُونَ، وَلاَ يُحْصِي نَعْماءَهُ الْعَادُّونَ، وَلاَ يُؤدِّي حَقَّهُ الْمُجتَهدُونَ، الّذي لا يُدْركُهُ بُعْدُ الْهِمَم، وَلاَ يَنالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ، الَّذي لَيْسَ لِصِفتِهِ حَدٌّ مَحْدودٌ، وَلاَ نَعْتٌ مَوْجُودٌ، وَلا وَقْتٌ مَعْدودٌ، وَلاَ أَجَلٌ مَمْدُودٌ. فَطَرَ الْخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ وَنَشَرَ الرِّياحَ برَحْمَتِهِ، وَوَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدانَ أرْضِهِ.
أوَّلُ الدِّين مَعْرِفَتُهُ، وَكَمالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصديقُ بهِ، وَكَمَالُ التَّصْديقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمالُ تَوْحِيدِهِ الإخْلاصُ لَهُ، وَكَمَالُ الإخلاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفاتِ عَنْهُ، لِشَهادَةِ كُلِّ صِفَة أنَّها غَيْرُ المَوصوفِ، وَشَهادَةِ كُلِّ مَوْصُوف أنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ: فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أشارَ إلَيْهِ، وَمَنْ أَشارَ إلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ قَالَ«فِيمَ» فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قالَ «عَلاَمَ؟» فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ. كائِنٌ لاَ عَنْ حَدَث، مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَم. مَعَ كُلِّ شَيء لاَ بِمُقارَنَة، وَغَيْرُ كُلِّ شَيْء لاَ بِمُزايَلَة، فَاعِلٌ لا بِمَعْنَى الْحَرَكاتِ وَالآلَةِ، بَصِيرٌ إذْ لاَ مَنْظُورَ إلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ، مُتَوَحِّدٌ إذْ لاَ سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ وَلاَ يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ».1

1 . نهج البلاغة: الخطبة رقم 1.

صفحه 270

سورة الصافات: الآيات 164 ـ 170   

الآيات: الرابعة والستون بعد المئة إلى السبعين بعد المئة
(وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ * وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ *لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ * فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).

المفردات

الصافّون: المصطفّون.
ذِكراً: كتاباً.

التفسير

لمّا نسب المشركون إلى الله سبحانه ما هو منزّه عنه، وزعموا أنّ الملائكة بنات الله سبحانه، عاد البيان القرآني إلى تنزيه الله على لسان الملائكة، وكأنّ كلامهم ردّ على عقيدة المشركين، وقد وصفوا أنفسهم بأوصاف ثلاثة، قالوا:
164. أ. (وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ):
هذا هو الوصف الأوّل. وهنا احتمالان:
1. يُراد بالمقام المعلوم درجاتهم حسب طاعتهم وعبادتهم، قال

صفحه 271
الإمام علي(عليه السلام):«ثُمَّ فَتَقَ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ الْعُلاَ، فَمَلاََهُنَّ أَطْوَاراً مِنْ مَلائِكَتِهِ، مِنْهُمْ سُجُودٌ لاَ يَرْكَعُونَ، وَرُكُوعٌ لاَ يَنْتَصِبُونَ، وَصَافُّونَ لاَ يَتَزايَلُونَ، وَمُسَبِّحُونَ لاَ يَسْأَمُونَ، لاَ يَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعُيُونِ، وَلاَ سَهْوُ الْعُقُولِ، وَلاَ فَتْرَةُ الأَبْدَانِ، وَلاَ غَفْلَةُ النِّسْيَانِ».1
2. يُراد به ما أُوكل إليهم من أمر تدبير العالم بإذنه سبحانه كما قال سبحانه: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا)(2) فهم أسباب بين الله وبين خلقه كما قال تعالى: (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْل ِوَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)2.
165. ب.(وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ):
فيه احتمالان:
الأوّل: ما مرّ في كلام الإمام علي(عليه السلام):«صافّون لا يتزايلون»، ولعلّ المراد به الصافّون للعبادة.
الثاني: أُريد به كونهم صافّين لتلقّي الأوامر الإلهية ليقوموا بامتثالها حسب ما أراد الله، قال سبحانه: (لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).3
166. ج. (وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ):
هذا هو الوصف الثالث. ويراد به أنّهم منزِّهون له تعالى عمّا لا يليق

1 . نهج البلاغة: الخطبة1.   2 . النازعات:5.
2 . الأنبياء:26 ـ27.
3 . التحريم:6.

صفحه 272
بساحة كبريائه، على خلاف وصف المشركين، قال تعالى: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ).1
وهذه الصفات الثلاث كلّها في طريق تنزيهه سبحانه مقابل وصف المشركين.
ومن عجيب الأمر أنّ المشركين وراء تشبيهه تعالى بالجسم والجسمانيات حاولوا تبرئة أنفسهم من تحمل مسؤولية ضلالتهم قائلين: بأنّهم معذورون في كفرهم وشركهم بعدم وجود كتاب من الله بينهم مثل كتب السابقين.
167 ـ 169. (وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ *لَكُنَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ):
ما حكاه سبحانه في هذه الآيات عن المشركين من عجائب القول،
إذ أنّ المشركين ـ من جانب ـ قالوا باستحالة أن يبعث الله رسولاً من
البشر، وإنّما يجب أن يكون من الملائكة، كما قالوا: (مَا لِهَذَا الرَّسُولِ
يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ
)،2 ومن جانب آخر يحمِّلون مسؤولية كفرهم وشركهم على أنّه لو كان عندهم كتاب سماويّ من جنس
سورة الصافات: الآيات 171 ـ 182   
الكتب النازلة قبلهم على الأوّلين كما قال: (لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ
الأَوَّلِينَ
)لاهتدوا ولأخلصوا العبادة لله سبحانه، كما قال: (لَكُنَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ).

1 . الأنبياء:20.
2 . الفرقان:7.

صفحه 273
وفي كلامهم مغالطة بعد مغالطة، أمّا أوّلاً: فقد مرّ أنّهم أحالوا رسالة الإنسان من السماء، فكيف يتمنّون بعث رسول إليهم بكتاب من الله؟
وثانياً: أنّه سبحانه أرسل إليهم كتاباً من السماء، وهو القرآن الكريم، لكنّهم لم يهتدوا بهداه، كما يقول:
170. (فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ):
كلّ ذلك يدلّ على أنّها أعذار واهية، وإنّما التجأوا إليها لتبرير عقائدهم الفاسدة وأعمالهم الإجرامية.
فعن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) في تفسير الآية: «فهم كفّار قريش (كَانُوا لَيَقُولُونَ) لو كان (عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ)، يقول الله عزّ وجلّ: (فَكَفَرُوا بِهِ)حين جاءهم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول الله: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).1

الآيات: الحادية والسبعون بعد المئة إلى آخر السورة

(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِين * وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ * وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِين * وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ * سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ

1 . تفسير نور الثقلين:4/440.

صفحه 274
عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

المفردات

كلمتنا: وعدُنا.
المنصورون: الغالبون.
جندنا: أُريد بهم هنا مَن يتّبع الرسل وينصرهم.
بساحتهم: الساحة: المكان الواسع.

التفسير

لمّا أوعد سبحانه الكافرين بقوله: (فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) ناسب أن يذكر شيئاً يقوّي به قلب رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأشار إلى سنّة إلهية جارية في رسله، وهي وعده لهم بالنصر والغلبة، وقال:
171. (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ):
أَطلقت لفظة(كَلِمَتُنَا) وأُريد بها الكلام الذي تضمّن وعده بنصر الرسل، ولعلّه عبارة عن قوله: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ)،1 كما يحتمل أن يراد بالكلمة قضاؤه الحتميّ بنصر الرسل ونشر رسالتهم. وعلى كلّ تقدير، فمصير الرسل كما يقول:

1 . غافر:51.

صفحه 275
172 و173. (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ* وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ):
المراد بالجند هنا المؤمنون الذين اتّبعوا الرُّسل، وغَدوا من أنصارهم وأعوانهم، وقد أضافهم إليه تعالى تشريفاً لهم. والآيتان تشيران إلى غلبة الرسل وأتباعهم على قوى الكفر والطغيان، وعندئذ يجب أن يلاحظ ما هو المراد من الغلبة، فهناك وجوه:
1. الغلبة في ساحة الاحتجاج، وأنّ قوّة منطقهم ستعمّ العالم وتُفحم المعاندين إذا نظروا بعين الإنصاف بعيداً عن التعصّب.
فلو أُريد هذا المعنى فهو يشمل عامّة الرسل، فإنّ مواقفهم الّتي تشهد بأنّهم منصورون بالحجج والبراهين، أمر واضح للجميع.
2. أن يراد بها الغلبة في ساحات الجهاد واستئصال الكافرين، فلو قيل بأنّ الآية تختصّ بالنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط، فلا شكّ في انتصاره على العدو المشرك، وإن كان قد انتصر عليهم العدو في غزوة أُحد، ولكنّ هذا صار ذريعة للنصر الغالب عبر حياته(صلى الله عليه وآله وسلم)، على أنّ انتصار المشركين على المؤمنين في تلك الغزوة كان نتيجة تخلّف المسلمين عن الخطوط التي رسمها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)للرماة الموجودين عند الجبل، كما هو مذكور في كتب السيرة، والقرآن الكريم يشير إلى أنّ الهزيمة كانت لوجود الفشل والتنازع بين المسلمين ولولاهما لم يُغلَبوا في تلك المعركة، قال سبحانه: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ

صفحه 276
الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْل عَلَى الْمُؤْمِنِينَ).1
3. أنّ المراد بها تحقّق هذا النصر عند ظهور الحجّة المهدي (عج) الذي وعد به الله الأُمم، وبذلك فُسّر قوله تعالى:(هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).2
وسيأتي مزيد بيان عن هذا الموضوع عند تفسير الآية (51) من سورة غافر، فانتظر.
174. (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِين):
هذه تسلية للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث أمره أن يُعرض عنهم ويتركهم وشأنهم (حَتَّى حِين): أي إلى الوقت المعلوم. والمظنون أنّ المراد به الوقت الذي كتب الله فيه النصر والظفر للمؤمنين في وقعة بدر الكبرى.
175. (وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ):
هذا تأكيد لوقوع الميعاد، والمعنى: انظر وارتقب ما يصيبهم حينئذ من العذاب (فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) ذلك، أو فسوف يرَون انتشار دينك واخضرار عود الإيمان. والأوّل هو المتعيّن. وفي الآية دلالة على المعجز، لأنّه تعالى وعد نبيّه بالنصر، فكان الأمر على ما قال .3

1 . آل عمران:152.
2 . الصف:9.
3 . التبيان في تفسير القرآن: 8 / 538 .

صفحه 277
176.(أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ):
يظهر من الآية أنّهم كانوا يطلبون عذاب الله عاجلاً قبل وقته، على غرار الأقوام الغابرة حيث كانوا يطلبون من أنبيائهم ما يوعدونهم به، ولذلك قال: (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ) أو لا يتأمّلون في عاقبة طلبهم، فإنّه إذا نزل لا يبقي ولا يذر كما قال:
177. (فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ):
أي إذا نزل العذاب بأفنية دورهم فبئس (صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ) وإنّما خصّ الصباح بالذكر لأنّ الله سبحانه جرت سنّته بتعذيب الأُمم وقت الصباح كما قال: ( إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيب).1
178. (وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِين):
تذكير للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وتطييب لقلبه ووعد له باستئصال عدوه، فيأمره بالتولّي عنهم وعدم الاعتناء بهم إلى يوم نزول العذاب.
179. (وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ):
أي انتظر فسوف ينتظرون، و يرون من المنصور ومن المغلوب.
لمّا تمّ ذكر ما عليه المشركون من العقائد الفاسدة حول صفاته سبحانه، عاد البيان القرآني إلى ذكر أُمور ثلاثة:
الأوّل: تنزيهه سبحانه، كما يقول:

1 . هود:81.

صفحه 278
180. (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ):
أي تنزيهاً لربّك أيّها الرسول ربّ العزة والقوّة التي لا تُغلب، فهو منزَّه عن الصاحبة والولد والصهر وغير ذلك، مقابل وصف المشركين.
الثاني: التأمين للمرسلين من كلّ مكروه، كما قال:
181. (وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ):
سلاماً خالصاً من ربّ العزّة على المرسلين الذين تحمّلوا بإخلاص مسؤولية نشر دعوته، وخاضوا إلى رضوانه تعالى كلَّ غمرة.
الثالث: التحميد لرب الثقلين، كما قال:
182. (وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ):
تحميد لرب الثقلين وثناء عليه.
روى عبدالله بن جعفر الحِمْيري في «قرب الإسناد» بإسناده إلى أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام): مَن أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه في مجلسه: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).1
***
تمّ تفسير سورة الصافات

1 . تفسير نور الثقلين:4/441. وقال الماوردي: رواه الشعبي، وذكره الثعلبي من حديث عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)مرفوعاً. غرائب القرآن ورغائب الفرقان: 9 / 406 .

صفحه 279
   

سورة ص

(ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّة وَشِقَاق * كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْن فَنَادَوْا وَلاَتَ حِينَ مَنَاص * وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلاَُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ * أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكّ مِنْ ذِكْري بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ * أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ * جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوط وَأَصْحَابُ الـَيْكَةِ أُولَئِكَ الأَحْزَابُ *إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ * وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاَءِ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاق * وَقَالُوا

صفحه 280
رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ * اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ
عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ * وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الِْمحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْض فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّني فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ *فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب * يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ * وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ *

صفحه 281
كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ *
وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِـالْحِجَابِ *رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ * وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَد مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْري بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاص * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب * وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْب وَعَذَابِ * اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لاُِولِي الأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلاَ تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ * إِ نَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَة ذِكْرى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ * وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ * هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآب * جَنَّاتِ عَدْن مُفَتَّحَةً لَهُمُ

صفحه 282
الأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَة كَثِيرَة وَشَرَاب *
وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَاد *هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآب * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ * هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ * هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لاَ مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ * قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لاَ مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ * قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ * وَقَالُوا مَا لَنَا لاَ نَرى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ * إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ *قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَه إِلاَّ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ * قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ * مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْم بِالْمَلأِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِين * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ

صفحه 283
مِنْهُ خَلَقْتَني مِنْ نَار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ
رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْني إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لاَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لاََمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ * قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين).
 

صفحه 284
سورة ص: خصائص السورة   

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف بسورة «ص» كتابة، وأمّا تكلُّماً فيقال: «صاد» شأن حروف التهجّي، فيكتب «ق» ويُقرأ «قاف»، ومثله «ن»، وربّما تُسمّى السورة بسورة داود، لورود قصته(عليه السلام) فيها، وهي تسمية غير مشهورة. وقد وردت فيها قصص عدد من الأنبياء.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

آياتها ثمان وثمانون آية في عدّ الكوفي، وست وثمانون في عدّ الحجازي والشامي. وقد ذكر في المجمع مواضع اختلاف عدّ الآيات.1
والسورة مكّية، وتشهد لذلك مضامينها.

أغراض السورة

سورة ص: الآيات 1 ـ 11   
الظاهر أنّ الغرض من هذه السورة هو نفسه غرض سورة الصافات، حيث تدلّ آياتها على وجود جدال ونقاش بين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والمشركين حول الدعوة إلى التوحيد وإخلاص العبودية له سبحانه والدعوة إلى البعث. وقد جاء في ثنايا السورة قصص تسعة من الأنبياء كداود وسليمان

1 . لاحظ : مجمع البيان:8/375.

صفحه 285
وأيوب واليسع و ذي الكفل بينما جاء في ثنايا سورة الصافات قصص ثمانية منهم، وسنذكر وجه ذكرهم فيها. والإمعان في الآيتين الأُولى والثانية من هذه السورة يكشف عن الغرض النهائي منها، وأنّ الجدال والشقاق بين المشركين والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان قائماً على قدم وساق، فانتظر.

الآيات: الإحدى عشرة الأُولى

(ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّة وَشِقَاق * كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْن فَنَادَوْا وَلاَتَ حِينَ مَنَاص * وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلاَُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ * أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكّ مِنْ ذِكْري بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ * أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ * جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ).

المفردات

الذكر: يُفسَّر تارة بالشرف، وأُخرى بالبيان الذي يؤدّي إلى الحقّ ويهدي إلى الرُّشد.

صفحه 286
في عزّة: في استكبار عن اتّباع الحقّ.
شِقاق: الشِّقاق: المخالفة.
قَرن: قال في «المفردات»: القَرن: القوم المقترنون في زمن واحد، وجمعه قرون1. ومما يثير العجب تفسيره بمئة عام،2 فإنّه مصطلح مُحدَث لا صلة له باللغة، ولا دليل عليه من القرآن.
نادوا: استغاثوا.
لات: أصلها «لا» النافية المشبّهة بـ (ليس)، أُضيفت إليها التاء لتعطي معنى التأكيد، وتستخدم للزمان، ولابدّ من حذف اسمها، وتقدير الآية: ليس الحين حين مناص.
مناص: ملجأ.
الملّة الآخرة: قيل: أُريد به النصرانية، وسيوافيك ما هو الحقّ.
اختلاق: كذب وافتراء.
الأسباب: المعارج والطرق الّتي يُتوسَّل بها إلى المقصود.
جندٌ ما: أي جند كثير عظيم، نظير قول القائل: لأمر ما جدع قصيرٌ أنفه. ويحتمل أن يكون التنكير في الآية بقصد التحقير والتصغير من شأن الأحزاب.
مهزوم: مغلوب.
الأحزاب: الجماعة المجتمعة لهدف خاص.

1 . المفردات للراغب: مادة «قرن».
2 . تفسير المنير:12/186.

صفحه 287
 
التفسير
1.(ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ):
(ص) من الحروف المقطّعة في القرآن، ولم يُعدّ آية، ولعلّه لإفراده نظير (ق) و (ن). والمفسّرون وإن اختلفوا في تفسير الأحرف المقطّعة إلى أقوال تناهز العشرين، ولكنّ الظاهر من بين الأقوال أنّه إشارة إلى إعجاز القرآن وأنّه كتاب نازل من السماء وليس من صنع النبيّ، وذلك لأنّه مؤلَّف من هذه الحروف الهجائية، فلو أنّكم أيّها المشركون تتصوّرون أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)صنع هذا القرآن من عند نفسه، فَهلُمَّ إلى صنع مثله، لأنّ المادة التي ألِّف منها القرآن هي بين أيديكم وفي متناولكم، كما يقول سبحانه: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْـدِنَا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)1 ولكن عجزكم أفضل دليل على أنّ القرآن فوق طاقة الإنسان. وسيأتي مزيد بيان عند تفسير سورة الأحقاف.
قوله: (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) الواو للقسم وقوله: (ذِي الذِّكْرِ) وصف للقرآن، وهو ذكر بجميع المعاني، فهو شرف للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وقومه، وهو يذكّر بما جاء به الرسل من قضايا العقيدة وأركان الإيمان، ويذكّر الإنسان الغافل، ليستيقظ من غفلته، ويعود إلى ما جُبل عليه من الاستعداد لقبول التوحيد

1 . البقرة:23.

صفحه 288
والإسلام. والحقّ «إِنَّ أَسْمَعَ الاَْسْمَاعِ مَا وَعَى التَّذْكِيرَ وَقَبِلَهُ!».1
ثمّ إنّ وصف القرآن بـ(ذِي الذِّكْرِ) لا يخلو من إشارة إلى أهميّة الذكر، وما للنسيان من آثار سلبية، فلو كان متعلّق الذِّكر في الآية أمراً عامّاً (يعمّ ذِكر الله وذكر رسله وأوصيائه)، فمن الواضح أن يصبح نسيان الله سبحانه رأسَ كلّ خطيئة، حيث إنّه سبحانه يصف نسيان الله بأنّه يعادل نسيان أنفسهم ويقول:(وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)2 وهذا أمر دقيق كشف عنه الوحي الإلهي، فإنّ نسيان الله يلازم نسيان الأنفس، وما ذلك إلاّ لأنّ الإنسان فُطر على معرفة الصانع والإيمان به كما دلّ عليه قوله سبحانه:(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)3 فمن نسي الله سبحانه فقد نسي واقع وجوده، ونسيان الذات ونكرانها يلازم الجهل بما فيه سعادة الإنسان ومصلحته، وإلى هذا يشير عزّ وجلّ ويقول في حقّ المنافقين:(نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)4.
وسيوافيك توضيح ذلك في تفسيرنا لسورة الحشر، فانتظر.
وهنا سؤال: إذا كانت الواو للقسم، فما هو المقسم عليه؟
الجواب: الظاهر أنّ المقسم عليه محذوف، وتقديره: إنّك لمن المنذِرين أو من المرسَلين، ويدلّ على ذلك قوله تعالى:

1 . نهج البلاغة: الخطبة 105.
2 . الحشر:19.
3 . الروم:30.
4 . التوبة:67.

صفحه 289
2. (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّة وَشِقَاق):
وصف سبحانه كفّار قريش بأنّهم في عزّة وشقاق أي في استكبار عن قبول الحق وفي حميّة جاهلية، وشقاق وعداء.
وعلى هذا فالصلة بين المقسم به (الْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) والمقسم عليه المقدّر «إنّك لمن المنذرين أو المرسلين» واضحة ; لأنّ القرآن من وسائل إنذاره وأدوات تحذيره، نظير ذلك ما في سورة (ق) قال سبحانه: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ).1
وربّما يجعل قوله: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا) جواباً للقسم، وهو بعيد.
وأمّا كون الكافرين في (عِزَّة): أي استكبار وجدال، فهذا أمر واضح كما سيوافيك في شأن نزول بعض الآيات من هذه السورة.
وتسأل : كيف صارت العزّة وصف ذمٍّ هنا، كما يقول: (في عِزَّة وَشِقاق) مع أنّها من الصفات الممدوحة، قال تعالى: (وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)(2)، ومن صفاته سبحانه (العزيز)؟
الجواب: أمّا العزّة الّتي لله سبحانه فكناية عن قدرته وتسلّطه على كلّ شيء دون أن يتسلّط عليه شيء، وهو سبحانه العزيز، أي القاهر الّذي لا يُقهر ولا يُغلَب، وأمّا العزّة الّتي لرسوله وللمؤمنين، فهي مكتسبة من عزّته تعالى، وهي عزّة حقيقية لا يشعر معها الإنسان المؤمن بالذلّ والهوان، وأمّا العزّة هنا فهي ترادف الكبْر والعناد أمام الحق، ولذلك نرى أنّه سبحانه

1 . ق: 1ـ2.   2 . المنافقون: 8 .

صفحه 290
يصف المنافق بقوله:(وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ)1.
ثمّ إنّ الأصل في: (بَلِ) إنّما هو للإعراض والإبطال، ومن المعلوم أنّ ما سبقه ليس قابلاً للإبطال فلابدّ من أن يقال: إنّ (بَلِ) إضراب انتقالي من كلام إلى كلام آخر دون إبطال ما سبق، فهو بعدما أفاد أنّ القرآن مذكّر لمن أراد التذكّر، صارت هنا مظنّة سؤال: لماذا لم ينتفع به المشركون، أهو لضعف في القرآن؟ أجاب عنه سبحانه: إنّ عدم انتفاعهم يرجع إلى القابل دون الفاعل، فاستكبارهم وجدالهم منعهم من الانتفاع به.
3. (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْن فَنَادَوْا وَلاَتَ حِينَ مَنَاص):
جاءت الآية تحذيراً لمشركي عصر الرسالة من سوء المصير، وذلك بتوجيه نظرهم إلى ما حلّ بأمثالهم من الأُمم المكذّبة المتجبّرة الّتي خلتْ من قبلهم، كما قال: (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْن): أي أُمم كثيرة (فَنَادَوْا): أي استغاثوا حين حلّ بهم العذاب طلباً للنجاة، ولكن (وَلاَتَ حِينَ مَنَاص): أي وليس الوقت وقت منجى وفرار من بأس العزيز الجبّار. ويشهد لعدم نفع الإيمان حين نزول العذاب وأنّ هذا الحُكم سنّة من سنن الله، قوله سبحانه في حقّ الأُمم الغابرة الذين تدرّعوا بالإيمان عند نزول العذاب: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ).(2)

1 . البقرة:206.   2 . غافر: 84 ـ 85 .

صفحه 291
4. (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ):
يحكي سبحانه في هذه الآية موقف المتكبّرين المعاندين من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّهم كانوا يعترضون على بعث رسول إليهم وهو من جنسهم، ويعدّونه أمراً عجيباً، كما قال:(وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) وهذا الاعتراض على بشرية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يستحدثه هؤلاء، بل هو قديم قِدم الرسالات، وقد وجّهه الأقوام السابقون إلى أنبيائهم، قال تعالى حكاية عن قوم نوح (عليه السلام): (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا)1، وقال حكاية عن قوم صالح (عليه السلام): (أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ).(2)
وقد تعلّل المشركون في ردّ رسالة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بوجوه:
الأوّل: اتّهام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالسحر والكذب، كما يقول: (وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)أمّا أنّه ساحر فلِما أتى به من المعجزات، وفي مقدّمتها القرآن الكريم الّذي يمتاز بجاذبية عجيبة، ويفعل في النفوس فعل السحر الّذي كان عندهم، وأمّا أنّه كذّاب فلأنّه ـ في نظرهم ـ ادّعى أنّه مُرسل من ربّه، وأنّ ما يتلوه عليهم هو من الوحي النازل عليه. ومن الواضح أنّ الغرض من رميه بهاتين التهمتين، وإشاعتهما بين الناس، هو تشويه سمعته (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن ثمّ صدّ عامّة الناس عن الإيمان به، واتّباع دعوته المباركة، وقد أحسن من قال: (الإشاعات الباطلة مَشغَلة للحكماء، مَهلَكة للبسطاء).(3)

1 . هود: 27 .            2 . القمر: 25.   3 . القيم الإنسانيّة لمحمود الموسوي: 1 / 25 .

صفحه 292
ثم ذكر سبحانه وجهاً آخر لتعجبهم وهو رفض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)الآلهة المكذوبة جميعاً والدعوة إلى إله واحد، فقد عجبوا من ذلك كما قال:
5. (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ):
الثاني: جعل الآلهة إلهاً واحداً وهو عندهم أمر عجيب، لأنّهم
ورثوا عن آبائهم عبادة آلهة كثيرة، قال المفسّرون: إنّ أشراف قريش،
وهم خمسة وعشرون، منهم الوليد بن المغيرة وهو أكبرهم، وأبوجهل، وأُبيّ وأُميّة ابنا خلف، وعتيبة وشيبة ابنا ربيعة، والنضر بن الحارث، أتوا أبا طالب (رضي الله عنه)وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فإنّه سفّه أحلامنا، وشتم آلهتنا; فدعا أبو طالب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال: يا ابن أخي، هؤلاء قومك، يسألونك، فقال: ماذا يسألونني؟ قالوا: دعنا وآلهتنا ندعك وإلهك، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): أتعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب والعجم؟ فقال أبو جهل: لله أبوك، نعطيك ذلك عشر أمثالها، فقال: قولوا: لا إله إلاّ الله، فقاموا وقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً، فنزلت هذه الآيات.1
ثمّ إنّ ما ذكرناه هو الذي نقله الطبرسي في «مجمع البيان» غير أنّ ابن هشام نقل القصّة بلفظ آخر، وكلُّ يشتمل على نكتة فلا بأس بأن نشير إلى ما نقله، قال: إنّ قريشاً حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة، بعث إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال له: يا ابن أخي، إنّ قومك قد جاءوني، فقالوا لي كذا وكذا، للذي كانوا قالوا له، فأبقِ عليّ وعلى نفسك، ولا تُحمِّلني من الأمر ما لا

1 . مجمع البيان:8/378.

صفحه 293
أُطيق; قال: فظنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قد بدا لعمه فيه بداء أنّه خاذله ومُسْلمُه، وأنّه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، قال: فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته. قال: ثم استعبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فبكى ثم قام، فلما ولّى ناداه أبو طالب، فقال: أقبلْ يابن أخي، قال: فأقبل عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: اذهب يابن أخي، فقل ما أحببت، فوالله لا أُسلمك لشيء أبداً.1
ثمّ إنّ من طبيعة المجتمعات المتخلفة، مقاومة كلّ دعوة إلى الإصلاح والتغيير، وذلك باتّهام المصلح بتهم كثيرة كالجنون وطلب الرئاسة وغير ذلك، ولذا نرى أنّ كلّ عالم في فن من الفنون إذا طرح نظرية جديدة وكان المجتمع غير مستعد لقبولها، فإنّه سيقابَل بالنفي والردّ، وأحياناً يصل الأمر إلى التصفية الجسدية، ويشهد لهذا تاريخ العلوم في عالم الغرب، فكم من عالم قد خدم المجتمع بفكره وعلمه، لكنّه عوقب من جانب الكنيسة بأشد العقوبات، ومن تصفّح كتاب «قصة الحضارة» للكاتب الأمريكي وِل ديورانت، يجد ما يؤكّد ذلك.
وكان المجتمع المكّي في أشدّ حالات العناد والثبات على أفكار آبائهم وأعراف أسلافهم، فأي رأي يطرح وفيه نسيم المخالفة أطاحوا به وسعوا إلى إطفاء نور دعوته، فتعاملوا مع النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا النفَس، وتآمروا عليه بمؤامرات عديدة أوضحتها كتب السيرة والتاريخ.

1 . السيرة النبوية لابن هشام:1/266.

صفحه 294
6.(وَانْطَلَقَ الْملاَُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ):
لمّا سمع أشراف القوم ما سمعوه من النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه يركّز على توحيد الإله ولا يفارق تلك العقيدة ولا يداهنهم، قاموا من مجلس أبي طالب كما يقول:(وَانْطَلَقَ الْملاَُ مِنْهُمْ): أي أشرافهم قائلين (أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ): أي امضوا على ما كنتم عليه واثبتوا على عبادة آلهتكم (إِنَّ هَذَا): أي ما يدعو إليه محمد(لَشَيْءٌ يُرَادُ): أي مؤامرة علينا وذريعة إلى التوصّل إلى الرئاسة والتحكّم بنا وبأموالنا بما يريده، فقولهم: (يُرَادُ) كناية عن أمر يُراد به ضررهم ومؤامرة عليهم، ويؤيّد هذا المعنى قوله سبحانه في قصة نوح، في خطاب الملأ لقومه: (مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ)1، وكأنّ هذا سنّة ثابتة في مواجهة المصلحين، حيث إنّ زعماء القوم ووجهاءهم، ولأجل التشكيك في أهداف المصلح السامية، يتّهمونه بالرغبة في الترأس والتسلُّط، وأنّ ما أتى به من مشاريع إصلاحية كلّها ذريعة لأجل تسنُّم مقام الصدارة، غافلين عن أنّه لو وُجد أحياناً مَن يتظاهر بالإصلاح لهذه الغاية، فلا يدلّ ذلك على أنّ كلّ مَن يضحّي بنفسه ونفيسه في طريق دعوته، فإنّما يريد الرئاسة والاستعلاء على الشعب.
وهناك احتمال آخر، وهو أنّ كفار قريش أرادوا بهذا بيان كون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إنساناً صامداً، وأنّه لا يترك دينه بأي قيمة، وعلى ذلك فعلينا أن

1 . المؤمنون:24.

صفحه 295
نتمسّك بديننا أمام إرادته القاطعة.
7. (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ):
يظهر من مجموع الآيات الواردة حول منطق الملأ أنّهم استدلّوا على صحّة ما يقولون وعدم صحّة ما عليه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بدلائل ثلاثة:
الدليل الأوّل: ما تقدّم من أنّ هذا الرجل يُريد أن يجعل الآلهة إلهاً واحداً وهذا شيء عجيب.
الدليل الثاني: أنّ الدعوة إلى التوحيد أمر غريب (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا): أي التوحيد (فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا): أي التوحيد (إِلاَّ اخْتِلاَقٌ): أي افتراء وكذب، ولو كان صحيحاً لكان له أثر ووجود. وأكثر المفسّرين على أنّ المراد بالملّة الآخرة هو النصرانية، لأنّهم قالوا بالتثليث لا بالتوحيد.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ النصرانية تدعو إلى التثليث لكن في لباس التوحيد، فهذا النوع من التعدُّد عندهم لا ينافي التوحيد، ولذلك لا يصحّ أن يستدلّ بها المشركون.
وثانياً: أنّ المشركين كانوا يعتمدون على سنن وشرائع آبائهم وأجدادهم ولم يظهر منهم الاعتماد على التوراة والإنجيل ومن ورائهما اليهود والنصارى. وعلى كلّ تقدير فهؤلاء قد جعلوا عدم وجدان التوحيد في الملّة الآخرة دليلاً على بطلان التوحيد، ومن ثم نسبوا الدعوة النبويّة إلى الكذب والافتراء وقالوا: (إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ)!!.
8. (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكّ مِنْ ذِكْري بَلْ

صفحه 296
لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ):
الدليل الثالث: استغرابهم نزول الوحي على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدم نزوله على رؤساء قريش وأشرافهم، فقالوا بصورة استفهام إنكاري(أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا): أي هل يمكن ذلك؟ وقد اعتمدوا على هذا الدليل أيضاً في موضع آخر، حيث أبطلوا دعوة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بقولهم: (لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم).1
ثمّ إنّه سبحانه ردّ على كلّ ما تعلّلوا به من الأمور الثلاثة بوجوه:
الأوّل: (بَلْ هُمْ فِي شَكّ مِنْ ذِكْري): أي أنّ المشركين وإن تظاهروا بالإنكار والردّ الجدّي لكنّهم في باطن أمرهم شاكّون في أمر النبيّ ورسالته، لأنّ ما اعتمدوا عليه من الأدلّة يكشف عن وجود الشكّ والترديد في أذهانهم لا الإنكار القطعيّ.
ولكن يظهر من بعض الروايات أنّهم كانوا عالمين بصدق دعوة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بيد أنّهم كانوا ـ لعنادهم وشقاقهم ـ يجحدونها، نظير ما جاء في قوله تعالى في مورد النبيّ موسى(عليه السلام): (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)2، نقل القرطبي في تفسير قوله تعالى: (وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ)3، أنّ أبا جهل طاف بالبيت ذات ليلة ومعه الوليد بن المغيرة فتحدّثا في شأن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال أبو جهل: والله إنّي لأعلم أنّه صادق فقال له: مه، وما دلّك على ذلك!؟ قال: يا أبا عبد شمس، كنّا نسمّيه في صباه

1 . الزخرف:31.
2 . النمل:14.
3 . الجاثية:23.

صفحه 297
الصادق الأمين، فلمّا تمّ عقله وكمُل رشده، نسمّيه الكذّاب الخائن؟! والله إنّي لأعلم أنّه لصادق؟! قال: فما يمنعك أن تصدّقه وتؤمن به؟ قال: تتحدّث عنّي بنات قريش أنّي قد اتّبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة، واللاّت والعُزّى إن اتّبعته]لن أتبعه[ أبداً، فنزلت: (وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ).1
الثاني: (بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ): أي أنّ هؤلاء باقون على إنكارهم وعنادهم ما لم (يَذُوقُوا عَذَابِ) وهذا هو السبب لعنادهم واستمرارهم على الكفر، كما قال: (بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ)ولعلّ المراد عذاب السيف يوم بدر.
إلى هنا تمّ الدليل الجامع على ما اعتمدوا عليه من الأمرين الأوّلين، وبقي الكلام في ردّ دليلهم الثالث وهو: كيف نزل الوحي على إنسان فقير، مع وجود الأشراف بيننا، فردّهم بنحوين:
أوّلهما: هو قوله:
9. (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ):
أي هل عندهم خزائن فضل الله تعالى ورحمته حتى يهبوها لأحد ويحرموا آخر منها، كما يقول: (أَمْ عِنْدَهُمْ): أي هل عندهم (خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ): أي مواهب الخير (الْعَزِيزِ) الغالب الذي لا يُغلب (الْوَهَّابِ)لضروب النِّعم. نعم لو كانت خزائن رحمة الله بيد قريش كان لهم أن يهبوها لأشرافهم ويحرمونها عن مثل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن مفاتيح الرحمة بيده، وهو أعلم بمواضع الرحمة.

1 . تفسير القرطبي:16/170.

صفحه 298
ثانيهما: قوله:
10. (أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ):
إضراب بعد إضراب وانتقال بعد انتقال مع عدم إبطال ما قبله، وحاصله: هل لهم ملك هذه الأجرام السماوية والأجرام السفلية حتى يتكلّموا في تقسيم المواهب؟ وإنّما ذلك لمن يملكهما لا لغيره كما قال: (أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا)، فلو كان الأمر كذلك (فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ) ويصعدوا إلى السماوات بالأسباب والعلل حتى يمنعوا من نزول الوحي على أمثال محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)ويصرفوه إلى أمثال أنفسهم.
إلى هنا تمّ النقاش الدائر بين المشركين وما ورد في الوحي، ثمّ إنّه سبحانه تطييباً لنفس النبيّ وتسلية له يذكر مصير المعاندين في الفترة المكّية، قائلاً:
11. (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ):
(جُنْدٌ) مبتدأ، و(مَا) مزيدة للتحقير أو للاستعظام، (هُنَالِكَ) صفة لجند (مَهْزُومٌ) خبر لجند، أي جند موصوف بكونه هنالك مهزوم، أي كتبت عليهم الهزيمة.
سورة ص: الآيات 12 ـ 16   
قوله: (مِنَ الأَحْزَابِ) بيان لـ (جُندٌ)، فما في الآية كلّه من الأخبار الغيبية، حيث يخبر بأنّ كفّار قريش يشكّلون حزباً مهزوماً، ومصارعهم هناك، فإذا كان هؤلاء مغلوبين فالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الغالب.

صفحه 299

الآيات: الثانية عشرة إلى السادسة عشرة

(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوط وَأَصْحَابُ الـَيْكَةِ أُولَئِكَ الأَحْزَابُ * إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ * وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاَءِ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاق * وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ):

المفردات

الأوتاد: جمع «وتد» وهو ما يُدقّ في الأرض أو الحائط لتُربط الأشياء به، ولعلّه في الآية كناية عن ثبات الملك والعزّ، ويشهد لذلك قول الأسود بن يعفر:
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة *** في ظلّ مُلك ثابت الأوتادِ
وربّما يفسّر بالأهرام، حيث إنّ منظرها في عين الرائي منظر الوتد المغروز في الأرض.
قال السيد الرضي: وهذه استعارة على بعض الأقوال وهو أن يكون معنى ذي الأوتاد: ذا الملك الثابت والأمر الواطد والأسباب التي يثبت بها السلطان كما يثبت الخباء بأوتاده ويقوم على أعماده، وقد يجوز أيضاً أن يكون معنى ذي الأوتاد: ذا الأبنية المشيَّدة والقواعد الممهّدة التي تشبَّه بالجبال في ارتفاع الرؤوس ورسوخ الأُصول، لأنّ الجبال قد تسمّى أوتاد

صفحه 300
الأرض قال الله سبحانه: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا).1
أصحاب الأيكة: هم قوم شعيب، والأيك: الشجر الكثير الملتفّ، والظاهر أنّ الأيكة اسم للناحية.
فَواق: المهلة، أو الفاصل الزماني بين «حلبتين».
قال السيد الرضي: وقرئ فواق بالضم، وقد قيل: إنّهما لغتان، وذلك قول الكسائي، وقال أبو عبيدة: من فتح أراد ما لها من راحة، ومن ضمّ أراد ما لها في إهلاكهم من مهلة بمقدار فواق الناقة، وهي الوقفة التي بين الحلبتين، والموضع الذي يحقّق فيه الكلام بالاستعارة على قراءة مَن قرأ (مِنْ فَوَاق) بالفتح، أن يكون سبحانه وصف تلك الصيحة بأنّها لا إفاقة من سكرتها ولا استراحة من كربتها كما يفيق المريض من علّته والسكران من نشوته، والمراد أنّه لا راحة للقوم منها، فجعل تعالى الراحة لها على طريق المجاز والاتّساع، ومثله كثير في الكلام.2
قِطنا: القطّ : النصيب المفروض.

التفسير

لمّا أخبر سبحانه عن هلاك المشركين في المستقبل كما فى قوله: (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ) أشار تعالى إلى هلاك أقوام كانوا مثل مشركي قريش في الشرك وتكذيب الأنبياء، وهم ستة، وقال:

1 . النبأ:6و7; تلخيص البيان في مجازات القرآن:233.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:233.

صفحه 301
12 و 13.(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوط وَأَصْحَابُ الـَيْكَةِ أُولَئِكَ الأَحْزَابُ):
أشار سبحانه إلى الأقوام الستة، حيث إنّهم أُهلكوا بأمر من الله تعالى، وهم:
أ. (قَوْمُ نُوح) فقد أُهلكوا بالغرق، قال تعالى: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا).1
ب. (وَعَادٌ)، وهم قوم هود فقد أهلكهم الله تعالى بالريح، قال: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيح صَرْصَر عَاتِيَة).(2)
ج. ( وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ)، حيث أهلكهم بالغرق، كما في قوله تعالى:(فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ)2.
د. (وَثَمُودُ): أي كذبت قبيلة ثمود وهم قوم صالح، فلمّا عقروا الناقة أهلكهم الله بالصيحة، قال سبحانه: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ)3.
هـ . (وَقَوْمُ لُوط) فأُهلكوا بالخسف والزلزلة، قال سبحانه: (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيل).4
و. (وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ) وهم قوم شعيب، قال سبحانه: (فَكَذَّبُوهُ

1 . نوح:25.   2 . الحاقة:6.
2 . المؤمن:45.
3 . القمر:31.
4 . الحجر:74.

صفحه 302
فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْم عَظِيم)1.
ثمّ إنّ الله سبحانه قال: (أُولَئِكَ الأَحْزَابُ): أي هؤلاء المذكورون هم الأحزاب حقّاً، وقد بلغوا من القوّة والقدرة مبلغاً عظيماً، ولكن لم يمنع تحزّبهم من إهلاكهم واستئصالهم، فليعتبر مشركو قريش بمصائر هؤلاء فهم ليسوا بأشدّ قوّة وتحزّباً منهم. ولمّا كانت هنا مظنّة سؤال عن سبب استئصال هؤلاء قال سبحانه:
14. (إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ):
الآية تأكيد لما مرّ (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح): أي كلّ هؤلاء كذّب الرسل (فحقّ): أي فثبت ووجب لذلك عليهم (عِقَابِ): أي عقابي.
15. (وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاَءِ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاق):
أي ما ينتظر(هَؤُلاَءِ) أي كفّار مكّة، والإشارة بهؤلاء للتحقير (إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً)وهي النفخة الثانية في الصور التي بها تقوم الساعة وتعود الحياة إلى الإنسان من جديد، وعندئذ (مَا لَهَا مِنْ فَوَاق) والفواق يطلق على الفاصل الزماني لما بين الحلبتين، وهو زمان يسير، وعلى هذا فيراد من قوله: (مَا لَهَا مِنْ فَوَاق): أي ليس بعد هذه الصيحة (مِنْ فَوَاق): أي مهلة بالمقدار القليل، وعلى هذا فتعود الآية إلى بيان حالهم يوم القيامة وأنّه ليس بين النفخة الثانية وبين عذابهم أيّة مهلة ولو بمقدار فواق.
ويحتمل أنّ الآية راجعة إلى حالهم في الدنيا، والمراد ما ينتظر هؤلاء

1 . الشعراء:189.

صفحه 303
المكذّبون من أُمّتك إلاّ صيحة واحدة تقضي عليهم وتهلكهم ما لها من رجوع أو مهلة، وهي عذاب الاستئصال.
وهذا الاحتمال الذي ذكره بعض المفسّرين كالسيد الطباطبائي 1 لا يخلو من إشكال، لأنّه سبحانه قد وعد الأُمّة الإسلامية أن لا يعذّبهم عذاب الاستئصال مادام فيهم أمران:
1. مادام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حيّاً بينهم.
2. مادام يوجد في الأُمّة الإسلامية مستغفرون، يستغفرون الله تعالى.
وكان هذان الأمران موجودين عند نزول الآية، وبعد رحيل النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ارتفع الأوّل وبقي الأمان الثاني، قال سبحانه: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).2
16. (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ):
ما جاء في هذه الآية آخر ما في كنانة القوم، حيث إنّهم مكان أن يتدبّروا ما آتاهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)من بيّنات ودلائل واضحة على صحّة دعوته وما يترتّب عليها من مصالح الأُمور، توسّلوا إلى الله سبحانه بأن يعجِّل لهم قسطهم من العذاب قبل يوم القيامة، كما قال: (وَقَالُوا): أي مشركو قريش: (رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا): أي نصيبنا من العذاب الذي توعّدتنا به (قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ): أي لا تؤخّره إلى يوم القيامة!!
ولا شكّ أنّهم قالوا ذلك تهكّماً واستهزاءً إذ لم يكونوا معتقدين بيوم

1 . الميزان في تفسير القرآن:17/186.
2 . الأنفال:33.

صفحه 304
الحساب ولا معتقدين بوعيد الله لهم، وإنّما يصوّرون أنفسهم عباداً لله، وغايتهم الاستهزاء والسخرية.
نعم، هؤلاء مع أنّهم سألوا الله تعالى أن ينزل عليهم العذاب، ولكنّه سبحانه ـ تكريماً لنبيّه ـ لم يأخذهم بما أخذ به الأُمم المكذّبة السابقة من عذاب الدنيا، كما أشار إليه سبحانه في قوله: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).1
سورة ص: الآيات 17 ـ 20   

الآيات: السابعة عشرة إلى العشرين

(اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ).

المفردات

الأيْد: جمع يد، وأُريد بها هنا القوّة لأنّ يد الإنسان هي مظهر القوّة.
أوّاب: راجع إلى الله، وهي صيغة مبالغة من قولهم: آب أي رجع.
الإشراق: وقت الإشراق.
محشورة: مجموعة.
شدَدْنا مُلكه: قوّيناه.

1 . الأنفال:33.

صفحه 305
الحكمة: الكلام الموافق للحقّ، أو هي المعارف الحقّة الّتي تهدي الإنسان إلى الخير في العقيدة والسلوك.
فصل: الفصْل: الحاجز بين الشيئين، وفصل الخطاب هو الكلام القاطع للنزاع.

التفسير

إنّ الله سبحانه يذكر للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ تطييباً لنفسه وتقوية لروحه ـ قصص عدد من الأنبياء الذين اضطلعوا بمسؤولية الهداية والإرشاد والدعوة إلى التوحيد وإلى الخير والفضيلة والصلاح. فهو تارة يذكرهم بشكل تفصيلي، وأُخرى بالإشارة إلى أسمائهم فقط، وهم الأنبياء العظام:
1. داود      2. سليمان      3. أيوب         4. إبراهيم   5. إسحاق
6.يعقوب   7. إسماعيل      8 . اليسع      9.ذوالكفل.
فإنّ في تضحياتهم ومعاناتهم مع أقوامهم وصبرهم على أشواك الطريق، دروساً وعبراً للجميع.
17. (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ):
أي اصبر على ما يقوله مشركو قومك، فإنّ الصبر من شيم الأنبياء كما قال سبحانه:(فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ).1

1 . الأحقاف:35.

صفحه 306
قوله:(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ): أي واذكر في هذا المقام الّذي أُمرتَ فيه بالصبر قصة عَبْدَنَا دَاوُدَ، الذي تحلّى بالأوصاف(الستة) التالية:
الوصف الأوّل: (ذَا الأَيْدِ): أي صاحب القوّة والقدرة على طاعة ربّه وعبادته، أو صاحب البطش والشجاعة في مواجهة الأعداء، كما يقول سبحانه: (وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ).1
الوصف الثاني: (إِنَّهُ أَوَّابٌ) اسم مبالغة من الأَوْب بمعنى الرجوع، والمراد به كثرة رجوعه إلى ربّه وذكره ليلاً ونهاراً، للفوز بمرضاته.
18و 19. (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ):
هذا هو الوصف الثالث، الذي تذكره الآيات لداود(عليه السلام)، وهو أنّه (عليه السلام)قد بلغ من السموّ الروحي درجة أنّه حينما كان يسبّح الله تعالى فالجبال والطير تشاركه في التسبيح، فقوله: (والطَّير)معطوف على (الجِبَالَ): أي سخرنا الجبال معه والطير محشورة(يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ)ويشهد لذلك قوله تعالى : (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ)2، وفي آية أُخرى قال تعالى: (يَا جِبَالُ أَوِّبي مَعَهُ وَالطَّيْرَ).(3)
إنّ للمفسّرين حول تسبيح الجبال والطيور أنظاراً نشير إليها، وسيوافيك تفصيل الكلام فيه عند تفسير سورتي: الحديد، والحشر، بإذن الله تعالى:

1 . البقرة:251.
2 . الأنبياء:79.   3 . سبأ:10.

صفحه 307
1. أنّ تسبيح هؤلاء كان تسبيحاً تكوينياً غير نابع عن شعور، والمراد أنّ النظام السائد على خلقة هؤلاء يدلّ بوضوح على أنّ خالقهم في أقصى درجات العلم والقدرة والحكمة والعزّة بما يبهر العقول.
يلاحظ عليه: أنّ هذا الكلام وإن كان صحيحاً في نفسه لكنّه لا صلة له بمضمون الآية; لأنّ تسبيح هؤلاء كان أمراً ثابتاً لهم قبل أن يسبِّح داود، بل قبل أن يُخلق داود(عليه السلام)، إذ أنّ القرآن يحكي عن وجود التقارن بين تسبيحه وتسبيحهم، وأنّ هناك صلة بين تسبيحهم وتسبيحه.
2. أنّه كان لسيدنا داود صوت رخيم شجيّ، يلتذّ بسماعه كلّ مَن سمعه، فإذا سبّح ينعكس صوته في الجبال ويُتخيّل أنّ الجبال تسبّح معه.
يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ هذا الوجه ـ ولن يصح ـ فإنّما يصحّ في تسبيح الجبال دون الطيور، مضافاً إلى أنّه على خلاف ظاهر الآية فإنّ ظاهرها أنّ الجبال تسبّح لا أنّ صوت داود ينعكس في الجبال فيتخيّل السامع تسبيحها.
3. أنّ عامّة الموجودات لها نصيب من العلم والشعور حسب درجة وجودها، فعندما يسبّح داود (عليه السلام)فتسبيحه يؤثر ـ بما له من ولاية تكوينية بإذن الله ـ في الجبال والطيور، فتنطلق بالتسبيح معه عن شعور وعلم، وهذا يُعدّ فضيلة رابية له(عليه السلام).
قوله: (كلٌّ لَهُ أوّاب): أي كلّ من الجبال والطير أواب له أي رجّاع إلى ما يريد مطيع له بالتسبيح معه.
ومعنى الآية: أنّ كلاًّ من الطيور والجبال مطيعة لأوامره وتسبِّح معه

صفحه 308
الباري تعالى (كلٌّ لَهُ أوّاب): أي كلّ منهما أوّاب لداود، أي رجّاع.
ويحتمل بعيداً أن يرجع الضمير إلى الله سبحانه.
20. (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ):
تشتمل هذه الآية على أوصاف ثلاثة أُخرى لداود (عليه السلام)، وهي:
الوصف الرابع: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ) وهو كناية عن تقوية ملكه بالجنود وحسن التدبير، وقد ظهرت شخصيته اللامعة وتدابيره الحكيمة في حروبه مع جالوت.
الوصف الخامس: (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ) ولعلّ المراد بها النبوّة، ويمكن أن يراد بها المعارف الحقّة الّتي ترشد إلى الخير والفلاح.
الوصف السادس: (وَفَصْلَ الْخِطَابِ): أي القول الحاسم الّذي يوضّح الأُمور، ويحدّد المعنى، ويقطع النزاع فيها .
إنّ هذه الأوصاف الثلاثة الأخيرة أعني: تقوية ملكه بالجنود أوّلاً، وإيتاءه النبوّة أو المعارف الحقّة الّتي يدل عليها قوله: (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ)، ثم إيتاءه القدرة على توضيح الأُمور بشكل قاطع وتمييز حقّها من باطلها، إنّ هذه الأوصاف هي أساس الحكم وإدارة المجتمع.
سورة ص: الآيات 21 ـ 26   

صفحه 309

الآيات: الحادية والعشرون إلى السادسة والعشرين

(وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الِْمحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْض فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّني فِي الْخِطَابِ* قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب * يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ).

المفردات

الخصم: هو المدّعي على غيره حقّاً من الحقوق، ويُستعمل للمفرد والمثنى والجمع، وللمذكر والمؤنث، بلفظ واحد.
تسوّروا : التسوّر : الارتقاء إلى أعلى السور، كالتسنّم الذي هو

صفحه 310
الارتقاء إلى سنام البعير .
المحراب: مجلس الأشراف الذي يحارب دونه لشرف صاحبه، ومنه سمّي المصلّى، وموضع القبلة: محراباً.
ففزع: الفزع: انقباض ونفار يعتري الإنسان من شيء مخيف.
تشطط: الشَّطط: الجور.
نعجة: النعجة: الأُنثى من الضأن.
اكفلنيها: اجعلها في كفالتي وتحت سلطتي.
عزّني: غلبني.
راكعاً: أُريد به هنا ساجداً، وقد يطلق السجود على الركوع مع القرينة، قال الشاعر:
فخرّ على وجهه راكعاً *** وتاب إلى الله من كلّ ذنب

التفسير

ذكر سبحانه القصة التي دارت بين داود والخصمين، ولإيضاح
مفاد الآيات نذكر ما ورد في شأنها: كان داود(عليه السلام)جالساً في غرفته عاكفاً
على عبادة ربّه، إذ دخل عليه شخصان فجأة، بعد أن اعتليا السور، فداخله خوف منهما، فبادرا إلى طمأنته، وبيّنا أنّهما جاءا للتقاضي عنده، ثم
قال أحدهما: إنّ أخاه يملك تسعاً وتسعين نعجة بينما يملك هو
نعجة واحدة ، فطلب منه أخوه أن يعطيه النعجة التي تحت يده مدّعياً
كونه محقّاً فيما يقترحه عليه، وقد ألقى صاحب النعجة الواحدة كلامه

صفحه 311
هذا على وجه هيّج به عطف النبيّ داود(عليه السلام).
وقبل أن يستمع داود لكلام المدّعى عليه، قضى طبقاً لكلام المدّعي، وكان الأَولى به أن لا يقضي بشيء قبل استماع كلام الآخر. ولما تنبّه من فوره إلى أنّ ما صدر منه كان غير لائق بساحة النبوة، استغفر ربّه وخرّ راكعاً وأناب. إذا عرفت ذلك فلنذكر تفسير الآيات.
21. (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الِْمحْرَابَ):
لمّا ذكر سبحانه أنّه أعطى داود الحكمة وفصل الخطاب، ذكر قصة حَكَم فيها داود على النحو الآتي، فقال:(وَهَلْ أَتَاكَ) أيها النبيّ (نَبَأُ الْخَصْمِ)قصة الخصمين (إِذْ تَسَوَّرُوا الِْمحْرَابَ)أي حين صعدوا إلى المحراب، (وهو المكان الّذي كان يتعبّد فيه داود (عليه السلام))، معتليَين سوره.
22. (إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْض فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ):
تقدّم أنّهم تسوّرا المحراب لغاية الدخول كما يقول: (إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ)، ولمّا كان دخولهم عليه من غير الجهة المعتاد الدخول منها، انتابه خوف منهم ، كما يقول: (فَفَزِعَ مِنْهُمْ)والإحساس بالخوف انفعال طبيعي يدفع الإنسان إلى الحذر وإبداء ردّ فعل معيّن إزاء الحدث المهمّ الّذي يواجهه، وهذا إبراهيم(عليه السلام) لمّا رأى أنّ أيدي الضيوف لا تصل إلى الطعام

صفحه 312
الذي قدّمه إليهم أحسّ بالخوف، كما قال (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً)1 ولا يعدّ مثل ذلك عيباً ولا نقصاً.
ولمّا رأى الخصمان ما انتاب داود (قَالُوا لاَ تَخَفْ): أي لا يصل منّا إليك ما تكره، وقد جئنا لتقضي بيننا، ثم شرعا ببيان مورد القضاء إجمالاً وهو أنّهما (خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْض): أي اعتدى بعضنا على بعض فنطلب منك قضاء بالنحو التالي (فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ) أوّلاً (وَلاَ تُشْطِطْ)ثانياً، أي لا تجور (وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ) ثالثاً، أي أرشدنا إلى الطريق السويّ المستقيم، وقد راعى الخصمان الأدب في عرض القضية، حيث عرضا الموضوع إجمالاً ثم شرحاه، فقال أحدهما بصورة الشكوى:
23. (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّني فِي الْخِطَابِ):
فقوله: (إِنَّ هَذَا أَخِي) إمّا أخوه نسباً أو أخوه في الدين، والظاهر الثاني (لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) وهي أُنثى الضأن، فيُلزمني ويقول: (أَكْفِلْنِيهَا): أي ملّكنيها (وَعَزَّني) غلبني (فِي الْخِطَابِ) في مقام المحاجّة.
ولازم التعبّد بالظواهر حمل النعجة والنعاج على ظاهرهما، ولكن للسيد الشريف الرضي (رضي الله عنه)كلام يُقضى منه العجب قال: هذا الكلام داخل في حيّز الاستعارة، لأنّ النعاج هاهنا كناية عن النساء، وقد جاء في أشعارهم الكناية عن المرأة بالشاة، وعلى ذلك قول الأعشى:

1 . الذاريات:28.

صفحه 313
فرميتُ غفلة عينه عن شاتهِ *** فأصبتُ حبةَ قلبها وطحالَها
أي عن امرأته، وقال عنترة:
يا شاة ما قَنَص لمن حلَّت له *** حَرُمتْ عليَّ وليتها لم تَحرُمِ
وربّما سمّوا الظبية نعجة، والظبية مشبّهة بالمرأة، فتكون
اللفظة مستعارة على هذا التركيب، وإنّما شبّهت النساء بالنعاج لأنّ
النعاج يرتبطن للاحتلاب والاستنتاج، والنساء يصطفين للاستمتاع والاستيلاد.1
ما ذكره السيد(رحمه الله) من أنّ النعاج هنا كناية عن النساء، قد ورد أيضاً عن عدد من المفسّرين، منهم مجاهد، 2 وهو مبنيّ على روايات إسرائيلية حتى أنّهم جعلوا داود مصداقاً لمن له تسع وتسعون امرأة!! وسيوافيك ما هو الحقّ في هذه الروايات.
24. (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ):
إنّ صاحب النعجة الواحدة طرح الموضوع بشكل أثار فيه المشاعر العاطفية لدى داود(عليه السلام) ضد خصمه، حيث صوّر نفسه أنّه إنسان فقير لا

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:234.
2 . انظر: صحيح البخاري: 2 / 394، كتاب أحاديث الأنبياء، الباب 41 .

صفحه 314
يملك إلاّ نعجة واحدة، والطرف الآخر الذي يخاصمه إنسان ثريّ قد طمع حتى في النعجة الواحدة التي كان يملكها، وأنّه لم يزل يطلبها منه حتّى غلبه في المحاورة، ولا شكّ في أنّ طرح الموضوع بالنحو الّذي برز فيه جور الخصم يؤثر في المخاطب، ولذلك أقدم داود على الحُكم قبل أن يسمع كلام الطرف الآخر، فقال: (لَقَدْ ظَلَمَكَ) خصمك (بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ): أي بسؤاله إيّاك نعجتك ليضمّها (إِلَى نِعَاجِهِ) .
ثمّ أشار إلى قضية كلّية وهي (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ): أي الشركاء (لَيَبْغِي): أي يتعدّى (بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض) ثم استثنى قليلاً منهم وقال: (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ)، «ما» زائدة لتأكيد القلّة. ثم إنّه(عليه السلام)تنبّه إلى أنّ الدعوى كانت فتنة وامتحاناً له من الله تعالى كما يقول: (وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ)امتحناه، أي علم أنّ ما قام به من القضاء قبل سماع الطرف الآخر كان أمراً غير صحيح (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا): أي ساجداً بقرينة قوله:(خَرَّ)، (وَأَنَابَ): أي رجع إلى الله وطاعته .
ثمّ إنّه سبحانه عاد عليه بالغفران كما قال:
25. (فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب):
قوله: (فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ): أي قبلنا استغفاره (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى): أي قربى وكرامة (وَحُسْنَ مَآب): أي حسن مرجع في الآخرة.
هذا هو تفسير الآيات، غير أنّ هنا أُموراً نشير إليها:
الأوّل: أنّ القرائن الحافّة بالآية تشعر بأنّ الخصمين لم يكونا من

صفحه 315
جنس البشر. وهذه القرائن عبارة عن:
أ. تسوّرهما المحراب أي جدار الغرفة ثم دخولهما على داود دخولاً غير عادي، مع أنّ طبع الحال يقتضي أن يكون محرابه محفوفاً بالحرس، فلو كان دخولهم باستئذان لم يخفَ ذلك على داود، ومن ثمّ لم يكن هناك أي فزع.
ب. إنّ الخصمين دخلا عليه بصورة أنّهما من الرعايا، ولكنّهما خاطباه بقولهم: (لا تَخف)ولا يصدر مثل هذا القول إلاّ من صاحب مقام سام.
ج . إنّ ظنّ داود (عليه السلام)بأنّ ما وقع كان فتنة من الله، قد يوحي بأنّه لم يجدهما أمامه بعد الحكم، وأنّهما غابا عنه بشكل غير طبيعي، الأمر الّذي يؤيد كونهم من الملائكة، وقد تمثّلوا له في صورة البشر .1
الثاني: إنّ طرح الدعوى كان امتحاناً من الله سبحانه، وكانت الغاية تسديده في خلافته وحكمه حتى يمارس القضاء بالنحو اللائق بساحته ولا يغفل عن التثبّت، ولذلك خاطبه سبحانه بعد تلك الواقعة بقوله كما سيأتي:( يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ).
الثالث: إنّ استغفاره كان لأجل ترك الأَولى، والدليل على ذلك هو أنّ قضاءه لم يكن قضاء باتاً خاتماً للقضية، بل كان قضاء على فرض السؤال أي لو صحّت دعوى المدّعي فقد ظلم شريكه الآخر، ومع ذلك كان المجال بالنسبة إلى سماع دعوى الخصم الآخر مفتوحاً، ولا يعدّ مثل هذا إلاّ تركاً للأَولى.

1 . يُذكر أنّ عدداً من المفسرين لم يقتنع بهذه القرائن، واعتبر أنّ الخصمين كانا من الإنس .

صفحه 316
يقول السيد الطباطبائي: إنّ خصوصيات القصّة كتسوّرهم المحراب ودخولهم عليه دخولاً غير عادي بحيث أفزعوه، وكذا تنبّهه بأنّه إنّما كان فتنة من الله له لا واقعة عادية، وقوله تعالى بعد: (فاحكُم بينَ النّاسِ بِالحقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوى) الظاهر في أنّ الله ابتلاه بما ابتلاه لينبّهه ويسدده في خلافته وحكمه بين الناس، كلّ ذلك يؤيّد كونهم من الملائكة وقد تمثّلوا له في صورة رجال من الإنس.1
وفي الختام نقول: لما كانت الشكوى مرفوعة إليه من قبل الملائكة، ولم يكن ذلك الظرف ظرف تكليف، كانت خطيئة داود في ظرف ليس فيه ثمّة تكليف هناك، كما أنّ خطيئة آدم(عليه السلام)كانت في الجنة ولم تكن الجنّة دار تكليف، ومع ذلك كلّه لمّا كان التسرّع في القضاء بهذا الوجه أمراً مرغوباً عنه، استغفر داود وأناب إلى الله استشعاراً بخطر المسؤولية بحيث يُعدّ ترك الأَولى منه ذنباً نسبياً (لا ذنباً مطلقاً) يحتاج إلى الاستغفار.
لقد صدرنا في تفسير هذه الآيات عن الأخذ بظواهرها من دون أن نتأثّر بما روي حول القصة من أخبار، سواء أكان في العهدين أو في الكتب الروائية .
وما ذكرناه من التفسير كاف في الوقوف على مفاد القصة، مع سلامتها من أيّ إشكال يُثار عليها.
ونحن لا نورد هنا شيئاً ممّا ورد في العهدين حول القصة، ولكن لا بأس أن نُطلع القارئ على إحدى الروايات الّتي وردت في شأن هذه

1 . الميزان في تفسير القرآن:17/193.

صفحه 317
القصة، وهي ممّا يعرق له الجبين: أخرج ابن أبي شيبة (واللفظ له)، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: إنّ داود(عليه السلام) حدّث نفسه إنِ ابتُليَ أن يعتصم، فقيل له إنّك ستُبتلى وتعلم اليوم الذي تُبتلى فيه، فخذ حذرك، فقيل له: هذا اليوم الذي تبتلى فيه، فأخذ الزبور فوضعه في حِجره، وأغلق باب المحراب، وأقعد مِـنْصَفاً على الباب، وقال: لا تأذن لأحد عليّ اليوم. فبينما هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر مُذهَب كأحسن ما يكون الطير، فيه من كلّ لون، فجعل يدرُج بين يديه، فدنا منه، فأمكن أن يأخذه، فتناوله بيده ليأخذه فاستوفزه من خلفه، فأطبق الزبورَ وقام إليه ليأخذهُ، فطار فوقع على كوّة المحراب، فدنا منه أيضاً ليأخذه فوقع على خُصّ، فطار فأشرف عليه لينظر أين وقع، فإذا هو بالمرأة عند بركتها تغتسل من المحيض، فلمّا رأت ظلّه حرّكت رأسها، فغطت جسدها بشعرها، فقال داود للمِنصَف: اذهب فقل لفلانة تجيء، فأتاها فقال لها: إنّ نبي الله يدعوكِ، فقالت: ما لي ولنبي الله؟ إن كانت له حاجة فليأتيني، أمّا أنا فلا آتيه، فأتاه المِنصَف فأخبره بقولها، فأتاها فأغلقت الباب دونه فقالت: ما لك يا داود؟ أما تعلم أنّه من فعل هذا رجمتموها1؟! ووعظته، فرجع.
وكان زوجها غازياً في سبيل الله، فكتب داود(عليه السلام) إلى أمير المَغْزى: انظر أُوريا فاجعله في حَمَلة التابوت ـ وكان حَمَلة التابوت إمّا أن يُفتح عليهم، وإمّا أن يقتلوا ـ فقدّمه في حملة التابوت فقُتل، فلمّا انقضت عدّتها خطبها، فاشترطت عليه إن ولدت غلاماً أن يجعله الخليفة من بعده، وأشهدت عليه خمسين من بني إسرائيل، وكتبت عليه بذلك كتاباً، فما شعر

1 . كذا، ولعلّ الصواب: رجمتموه.

صفحه 318
لفتنته أنّه فُتن حتى ولدت سليمان وشبّ، فتسوّر الملكان عليه المحراب، فكان شأنهما ما قصّ الله ، وخرّ داود(عليه السلام) ساجداً، فغفر الله له....1
وليست هذه الأسطورة هي الوحيدة في هذا المقام، بل تعدّد ذكرها بصور مختلفة، وقد نقلها السيوطي في تفسيره، فراجعه إن أحببت.2
ونحن نعرض هذه الحكاية على القرآن الكريم لنعرف قيمتها من الصحّة، فهل يصحّ في منطق العقل أن تنسب هذه الخرافة إلى نبيّ يصفه سبحانه في هذه الآيات بصفات عشر، كلّ واحدة منها تدلّ على جلالته وتقواه، والصفات هي:
1. إنّ الله سبحانه يأمر نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يُدعى إلى الصبر، كما يقول: (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)، يأمره أن يذكر في هذا المقام داود (عليه السلام)، ويقول: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ).
2. يصفه بكونه (ذَا الأَيْدِ): أي القدرة التامّة التي منحها الله له.
3. (إِنَّهُ أَوَّابٌ): أي رجّاع إلى الله سبحانه مرّة بعد أُخرى.
4. تسخير الجبال معه والطير للتسبيح(وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ).(3)
5. تشديد ملكه كما يقول:(وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ).
6. إيتاؤه الحكمة.
7. إيتاؤه فصل الخطاب.

1 . المصنّف لابن أبي شيبة: 16 / 562، برقم 32556 ; تفسير الدر المنثور:7/156.
2 . لاحظ: تفسير الدر المنثور:7/155ـ 160.   3 . الأنبياء: 79 .

صفحه 319
فمن كانت له هذه المواهب، هل يصحّ أن تنسب إليه هذه الأفعال المكذوبة؟
ولأجل ذلك كان الإمام عليّ(عليه السلام) يقول في حقّ مَن وضع هذه الترّهات أو ينسبها إلى النبيّ داود(عليه السلام): «لا أُوتى برجل يقول إنّ داود ارتكب فاحشة إلاّ ضربته حدّين: أحدهما للقذف، والآخر لأجل النبوّة».1
26. (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ):
ثمّ إنّه سبحانه لما منّ على داود(عليه السلام) بالحكمة وفصل الخطاب، اقتضت المصلحة أن يتمتع الناس بهذه النعمة التي أُوتيها داود(عليه السلام) وعلى هذا فقوله في الآية السابقة:(وَآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخِطاب) كأنّه مقدمة للخطابات التي توجّهت إلى داود في هذه الآية.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه سبحانه في هذه الآية يخاطب داود بخطابات ثلاثة، ثم يتبعها ببيان المفاسد التي تترتّب على الضلال عن سبيل الله، وإليك بيان الجميع:
الأول: جعله خليفة في الأرض، كما قال:(يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ)، والخليفة هو مَن يخلف غيره ويقوم مقامه في تدبير الأُمور، والله سبحانه قد استخلف، في هذه الآية، داود على الناس، أي خوّله أمر تدبير

1 . التبيان في تفسير القرآن: 8 / 555 .

صفحه 320
المجتمع وإدارة شؤونه في إطار الأحكام والضوابط الّتي جاء بها الدين، ثمّ رتّب سبحانه على هذا الاستخلاف أمره بأن يحكم ويقود الناس بالعدل والحق، كما قال :
الثاني: (فَاحْكُمْ بَينَ الناسِ بِالحَقّ)، لما جُعل داود خليفة لله في الأرض فقد أُمر بأن يفصل بين المختلفين من الناس والمتخاصمين بالحق، لأنّه سبحانه عادل وهو حقّ بذاته، فيجب أن يكون خليفته حاكياً لوصفه وفعله، ولعلّ هذه الفقرة تدلّ على أنّ منشأ القوانين والحقوق هو الحقّ، فكلّ حكم بُني على الحقّ والعدل فهو الحكم النافذ سواء اكتسب أصوات الناس أم لا. وبهذا يختلف الإسلام عن التشريعات الوضعية التي تجعل ما يصوّت عليه الناس، هو القانون الذي يجب أن يُتَّبع سواء أكان مبنيّاً على العدل أم لا، أم كان مبنياً على الحقّ أم على الباطل، محقّقاً لمصالح الناس أم لا، وعلى هذا ـ مثلاً ـ أصبح الزواج المثلي أمراً قانونياً في بعض بلدان الغرب ـ وإن كان فيه مضار كثيرة كقطع النسل وفساد المجتمع ـ ، لماذا؟ لأنّه حظي برأي أكثرية النواب!!!
الثالث: (وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى) لماذا؟ لأنّ اتّباع الهوى يساوي العدول عن الحقّ والانحراف عن العدل، وفيه زعزعة للنظام الّذي يسود المجتمع، قال الإمام علي(عليه السلام):«إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الاَْمَلِ».1
وروي عن الإمام الباقر(عليه السلام):«ثلاث موبقات: شُحٌّ مطاع، وهوى مُتَّبع،

1 . نهج البلاغة، الخطبة:28.

صفحه 321
وإعجاب المرء بنفسه».1
ثمّ إنّه سبحانه يبيّن وجه النهي عن اتِّباع الهوى، فقال: (فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) وذلك لأنّ سبيل الله هو الحق والعدل.
فالقضاء دائر بين القضاء بالعدل والحق، وبين القضاء بالهوى والباطل، ولذلك روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لسان القاضي بين جمرتين من نار، حتى يقضي بين الناس، فإمّا إلى الجنة، وإمّا إلى النار».2
ومن هنا يتبيّن أنّ لمنصب القضاء مكانة كبرى، وأنّه منصب إلهي لا يناله أحد إلاّ بإذن من الله سبحانه، وذلك لأنّ القاضي يتصرّف في الأموال والنفوس، وليس لأحد التصرّف فيهما كيفما شاء، وإنّما يختصّ ذلك بخالق الإنسان فإنّ خالقه أولى بالتصرّف فيه وفي أمواله، ولأجل ذلك يعتبر في صحّة القضاء ونفوذه كونه مأذوناً من قبل الله سبحانه إمّا مباشرة كأنبيائه ورسله، أو غير مباشرة كالمأذونين من قبلهم، ولذلك يقول الإمام علي(عليه السلام)لشريح القاضي: «يا شريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلاّ نبيّ أو وصي نبي أو شقّي».3 وفي رواية أُخرى عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «اتّقوا الله فإنّ الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين، لنبي أو وصي نبي».4
ثمّ إنّه سبحانه يهدّد كلّ مَن يضلّ عن سبيل الله بالعذاب الشديد،

1 . تفسير نورالثقلين:4/453.
2 . الوسائل: 18، الباب3 من أبواب آداب القاضي، الحديث3.
3 . الوسائل:18، الباب13 من أبواب صفات القاضي، الحديث2.
4 . الوسائل:18، الباب23 من أبواب صفات القاضي، الحديث6.

صفحه 322
ويقول: (إنّ الّذينَ يُضلّونَ عَنْ سَبيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَديدٌ) إنّما الكلام فيما هو المبدأ للانحراف عن سبيل الله، وهذا ما بيّنه قوله تعالى في آخر الآية: (بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)فنسيان الآخرة ونسيان يوم الحساب ـ وأنّ كلّ إنسان مجزيّ بعمله إنْ خيراً فخير وإنْ شراً فشر ـ يجعل القاضي مطلق العنان يحكم بما يمليه عليه هواه ومصالحه، بخلاف المعتقد بدار الجزاء، فإنّه يكون عادلاً، عاملاً بأُصول الشرع، موضوعياً في أحكامه.
وممّن ابتُلي بهم المسلمون من قضاة الجور في عهد طغاة بني أُمية: بلال بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعري، قال عمر بن شبّة: كان بلال ظلوماً جائراً، لا يبالي ما صنع في الحُكم، ولا في غيره .1 وقال أبو العباس المبرّد: كان يقول: إنّ الرجلين ليختصمان إليّ، فأجد أحدهما أخفّ على قلبي، فأقضي له .2
سورة ص: الآيات 27 ـ 29   

الآيات: السابعة والعشرون إلى التاسعة والعشرين

(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ * كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ ):

1 . تهذيب الكمال: 4 / 271، الترجمة 779 .
2 . تهذيب التهذيب: 1 / 501، الترجمة 928 .

صفحه 323

المفردات

باطلاً: عبثاً ولعباً.
فويل: ويل: دعاء للهلاك.
مبارك: كثير المنافع.
الألباب: واحدها لبّ وهو العقل.

التفسير

جاء بين القصّتين: قصّة داود(عليه السلام) وقصّة سليمان(عليه السلام)، أنّ الله سبحانه خلق السماوات والأرض وما بينهما لغاية من الغايات لا للّهو واللّعب، وأنّه يشتمل على حِكَم باهرة وأسرار بالغة، ومن تلك الحِكم جعل الإنسان خليفة في الأرض لغاية معرفة الله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ثم التخلّق بهما، إلى غير ذلك من الغايات، فيقع الكلام في ما هي المناسبة لذكر هذه القضية بين القصتين؟
ولعلّ وجه المناسبة أنّه سبق في قوله سبحانه أنّ مَن ضلّوا (عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) فأخبر سبحانه في هذه الآيات بأنّه لولا يوم الحساب الّذي يُوفّى فيه كلّ إنسان جزاء عمله، للزم أن يكون إيجاد الكون لغواً وباطلاً، وتكويناً بلا غاية ولا غرض، وهذا لا يتّفق مع حكمة الباري جلّ وعلا، فقال:
27. (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ):

صفحه 324
إنّ الله سبحانه هو خالق السماوات والأرض وما بينهما، وإيجاد هذا النظام على غاية الإحكام يقتضي أن يكون لغاية من الغايات، ولولاها للزم العبث والبطلان في فعله سبحانه وهو حكيم نزيه عنه، كما يقول :(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا باطِلاً) ولا يقول بذلك المؤمن بالله الحكيم بل (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا): أي أنّ خلْق هذا العالَم بلا غاية، هو ظنّ الكافرين الّذين لا يؤمنون بالبعث. ثمّ توعّد سبحانه مَن هذه صفته، فقال: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ).
وبعبارة أُخرى: أنّ الحياة الدنيوية يشترك فيها المؤمن والكافر، والظالم والعادل، فلو لم يكن وراء هذه الدنيا حياة أُخرى يُجازى فيها المحسنون والمسيئون كلٌّ وِفقَ عمله، للزم أن يكون الخلق بلا غاية، والخلوّ عن الغاية يلازم كون فعله عبثاً، والفاعل عابثاً.
إنّ إنكار البعث والجزاء يلازم كون نظام الكون مجرّداً عن الغاية ولابدّ لتنزيه الحقّ عن العبث، كون النظام مقروناً بالغاية، وهو وجود الحياة على البسيطة واختبار الناس وتكليفهم ومجازاة الجميع بعملهم أنفسهم.
28. (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ):
(أَمْ) في المقام إضرابية لكن لا بمعنى الإعراض عن السابق وإبطال له، بل إعراض عنه لبيان أمر فوقه، وهو تنبيه الكافرين بأنّ إنكار البعث بمعنى الحكم بالمساواة بين الصالح والطالح والمتقي والفاجر، كما يقول: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ

صفحه 325
الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) وكأنّ إنكار يوم البعث يلازم التسوية وهي مرفوضة في منطق العقل.
ثمّ هنا أمران:
الأوّل: لا شكّ أنّ الله سبحانه هو الغنيّ المطلق، والقول بأنّ فعله لغاية ربّما يُفهم منه أنّ له حاجة، ويريد بهذا الفعل رفع حاجته، فما معنى القول بأنّ الله سبحانه يعمل لغرض ولا يعبث لأنّه حكيم، والفعل المجرّد عن الغاية فعل الفاعل العابث لا فعل الحكيم؟
أقول: كون الفاعل فاعلاً لغاية على معنيين:
أحدهما: ما مرّ في السؤال وهو أن يكون للفاعل حاجة يريد بفعله رفعها، وهذا محال على الله سبحانه.
ثانيهما: أن يراد أنّ لفعله غاية، أي ليس فعله عبثاً وإن لم تكن له هو حاجة يريد رفعها بذلك الفعل، فالله سبحانه لم يخلق السماوات والأرض باطلاً وعبثاً وإنّما خلقها لغاية ترجع إلى فعله، والذي له ترجع الغاية والفائدة إنّما هو المخلوق نفسه لا الخالق، ولذلك قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)1 ونظير ذلك مثلاً: أنّ إنساناً ثريّاً يبني مستشفى لمداواة المستضعفين من الرجال والنساء، فهو في غاية الغنى عن هذا الفعل وما يترتّب عليه، ومع ذلك ففعله ليس فعلاً عابثاً وباطلاً وإنّما يستعقب ويترك غاية إنسانية.
الثاني: المعروف بين الأشاعرة أنّ فعله سبحانه مجرّد عن الأغراض والغايات، وهذه الضابطة صحيحة بالمعنى الأوّل ـ أي أنّ الغاية المكمّلة

1 . الذاريات:56.

صفحه 326
لفاعلية الفاعل، كما في الإنسان إذ لولا الغاية لا يقوم الفاعل بالعمل، والله سبحانه فاعل تام لا يحتاج في عمله إلى أمر خارج عن ذاته ـ وأمّا بالنسبة إلى المعنى الثاني فغير صحيح، وهذا محجوج بالآيات الكثيرة مضافاً إلى حكم العقل.
الثالث: إنّ قوله سبحانه: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)إشارة إلى أنّ الإنسان المجرّد عن كلّ هوى يميّز الحسن عن القبيح وأنّ معرفتهما أمر عقلي لا شرعي ويحكم بأنّ التسوية بينهما أمر باطل، والله سبحانه يستدلّ على بطلان عقيدة الكافرين بما عليه ارتكاز الإنسان وفطرته، وقد أوضحنا ذلك في رسالتنا حول الحسن والقبح، فراجع. وقد مضى ما يفيدك في سورة النحل عند تفسير قوله: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)1 فلاحظ .
29.(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ):
سورة ص: الآيات 30 ـ 33   
لمّا مرّ في الآيتين السابقتين أنّ فعله سبحانه منزّه عن العبث أشار في هذه الآية إلى أنّ ما جاء به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كتاب(مُبَارَكٌ) كما قال:(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ): أي ذو خير مستمر ووافر، فلو تدبّروا آياته لظهر لهم أنّ خلق السماوات والأرض حقّ كما هم ينطقون، فعلى ذلك (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ): أي لغاية التدبّر والتذكّر.
ثمّ إنّه سبحانه لم يذكر متعلّق التدبّر وقال: (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) فيكون

1 . النحل: 90 .

صفحه 327
جميع الناس مأمورين بالتدبّر، وإنّما خصّ التذكّر بأُولي الألباب، لأنّ التذكّر من شؤون أصحاب العقول حتى يرجعوا إلى فطرتهم ويميّزوا الحقّ عن الباطل.

قصّة سليمان(عليه السلام)

الآيات: الثلاثون إلى الثالثة والثلاثين

(وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بـِالْحِجَابِ *رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ).

المفردات

العشيّ: مقابل الغداة، وهو آخر النهار بعد الزوال.
الصافنات: جمع الصافنة، وهي الخيل الواقفة على ثلاثة قوائم وطرف حافر الرابعة.
الجياد: جمع جواد، وهي السِّراع من الخيل كأنّها تجود بالركض.
الخير: ضد الشر، وقد يطلق على المال كما في قوله سبحانه: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا)1، والمراد به هنا الخيل، وكانت العرب تُسمّي الخيل خيراً، وسمّى

1 . البقرة:180.

صفحه 328
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) زيد الخيل بـ : «زيد الخير»، وروي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة».
حبّ الخير: بدل عن المفعول المحذوف، وتقديره: إنّي أحببت الخيل حبّ الخير.
عن ذكر ربّي: بيان لمنشأ حبّه للخير وسببه، وأنّ حبّه له ناشئ من ذكر ربّه.
توارت بالحجاب: غُيّبت عن البصر، لأنّ ركض الخيل يثير الغبار.
طفق: شرع.
مسحاً: المسح: إمرار اليد على الجسم.
بالسوق: السوق: جمع الساق.

التفسير

قبل أن نشرع في تفسير الآيات، نذكر إجمال القصة ليتّضح به مضمون الآيات، وهو أنّ النبيّ سليمان(عليه السلام) قام في عشيّة يوم بعرض عسكري، حيث أجرى الفرسان والخيل بين يديه إلى أن غابت عن بصره، فأمر أصحابها بردّها عليه، حتّى إذا ما وصلت إليه، شرع يمسح أعناقها وسيقانها، تعبيراً عن سروره بها واستحسانه لها، ولم يفعل ذلك لجهة إظهار القدرة والسطوة أو للبطر والشهوة، بل إطاعة لأمر الله سبحانه وذكره، حتى يقف الموحِّدون على وظائفهم، ويستعدّوا للكفاح والنضال ما تمكّنوا، ويهيئوا الأدوات اللازمة في هذا المجال.

صفحه 329
هذا هو المفهوم من الآيات وليس في هذا الفعل أي شيء يضادّ عصمة الأنبياء، بل يدلّ على أنّ الملك أو القائد يجب أن يقوم بعروض عسكرية، ليطمئنّ إلى وسائل قوّته التي يعدّها لميادين الجهاد.
إذا عرفت ذلك، فلندخل في تفسير الآيات:
30. (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ):
من نعمه سبحانه الجزيلة على داود أنّه وهب له ولداً باسم سليمان، مضافاً إلى سائر النَّعم، كما قال: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ) ولداً (سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ)سليمان (إِنَّهُ أَوَّابٌ): أي رجّاع إلى الله تعالى في عامّة الأُمور ابتغاء مرضاته. وهذا الوصف الرفيع قد وُصف به داود نفسه، كما تقدّم في قوله تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ).

سليمان(عليه السلام) واستعراضه الخيل

31. (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ):
لمّا سبق أن أثنى عليه سبحانه بقوله: (نِعْمَ الْعَبْدُ) شرع يذكر شيئاً من أفعاله الممدوحة، فما سيوافيك من فعله فهو من مدائحه، قال تعالى اذكر: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ): أي امدحه إذ عُرض عليه الجياد الصافنات من العصر حتى آخر النهار، ليتعرّف على مدى نشاطها ومقدار صلاحيتها للاستخدام في القتال والجهاد، وهذا يدلّ على أنّ عرض الجياد للقائد أمر يُعدّ أمراً إلهياً لا لعباً ولا بطراً، وإنّما قام سليمان باستعراض الخيل أمام عينيه، لأنّها كانت أمضى وسيلة في الحرب، وأمّا اليوم فالعرض يكون

صفحه 330
بشكل آخر، يتناسب مع الظروف المحيطة.
32. (فَقَالَ إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ):
أي إنّي أحببت حب الخيل نابعاً (عَنْ ذِكْرِ رَبِّي)، وأفعل هذا عن أمر ربّي لا عن هوى في نفسي (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ): أي أُجريت وغابت عن بصره، حيث إنّ جرْيَ الخيل يثير غباراً غليظاً يشكل حجاباً بين الناظر والخيل.1 ولمّا غابت عن بصره أمر بردّها، كما يقول:
33.(رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ):
أي لمّا أمر بردّها وجاءت الخيل إلى مجلس سليمان، أخذ (عليه السلام)يمسح سيقانها وأعناقها سروراً بها وتعبيراً عن إكرامه لها لما لها من دور مهمّ في منازلة الأعداء .
هذا هو مجمل القصة وهذا هو تفسير الآيات، غير أنّ عدداً من المفسّرين قد فسّر الآيات بما لا يليق بساحة النبيّ(عليه السلام) الذي وصفه الله سبحانه بقوله: (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)، وذلك اعتماداً على روايات غير موثوقة، لا يصحّ الركون إليها.

1 . وقيل: المراد بالحجاب: حجاب الظلام، والمعنى: أنّه (عليه السلام) مازال ينظر إلى الخيل، ويستعرض بعينه تناسب أعضائها، وتناسق بنائها، حتّى توارت عنه بهذا الحجاب الّذي أرخاه الليل عليها، إذ أنّ عَرْضَها عليه كان بالعشيّ، أي في آخر النهار. انظر: التفسير القرآني للقرآن: 12 / 1083 ـ 1084 .

صفحه 331

تفسير خاطئ للقصّة

ثمّة تفسير آخر للآيات، لا يقبله العقل ولا ينسجم مع منطق الوحي ولا ظاهر الآيات، ويبدو عليه تأثير الإسرائيليات الّتي تسرّبت إلى كتب الحديث، قالوا: إنّ سليمان (عليه السلام) استعرض خيلاً له في العشيّ ففاتته صلاة كان يصلّيها قبل الغروب، فقال: ردّوها عليّ، فردّوها عليه فجعل يضرب أعناقها وسيقانها جزاء ما شغلته عن ذكر ربه.
وهذا التفسير ممّا نقده العلماء المحقّقون الذين ينزّهون المعصومين عن كلّ ما يمسّ ساحتهم المقدّسة، قال السيد المرتضى: ظاهر الآية لا يدلّ على إضافة قبيح إلى النبيّ، والرواية إذا كانت مخالفة لما تقتضيه الأدلّة لا يُلتفت إليها لو كانت قويّة ظاهرة، فكيف إذا كانت ضعيفة واهية، والذي يدلّ على ما ذكرناه على سبيل الجملة أنّ الله تعالى ابتدأ الآية بمدحه والثناء عليه، فقال: (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) وليس يجوز أن يثني عليه بهذا الثناء ثم يتبعه من غير فصل بإضافة القبيح إليه، وأنّه تلهّى بعرض الخيل عن الفعل المفروض عليه من الصلاة.
والّذي يقتضيه الظاهر أنّ حبه للخيل وشغفه بها كان عن إذن ربه وأمره وبتذكيره إيّاه، لأنّ الله تعالى قد أمرنا بإرباط الخيل وإعدادها لمحاربة الأعداء، فلا ينكر أن يكون سليمان(عليه السلام)مأموراً بمثل ذلك.1
ومن أراد التفصيل في نقد هذا التفسير وبطلان الروايات الواردة في شأن هذه القصة، فليرجع إلى كتابنا «القصص القرآنية».2

1 . تنزيه الأنبياء:95، ونقله عنه المجلسي في بحار الأنوار:14/103.
2 . لاحظ : القصص القرآنية:2/265ـ272.

صفحه 332
سورة ص: الآيات 34 ـ 40   

الآيات: الرابعة والثلاثون إلى الأربعين

(وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَد مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْري بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاص * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب ).

المفردات

فتنّا: ابتلينا.
جسداً: أي جسماً بلا روح.
أناب: رجع.
رُخاء: ليّنة.
أصاب: قصد.
مقرَّنين: مربوطين.
الأصفاد: واحدها صفد، وهو الغُلّ الذي يجمع اليدين إلى العنق.
لزلفى: الزلفى: التقرّب والكرامة.
مآب: مرجع.

صفحه 333
 
التفسير

الفتنة الّتي امتُحن بها سليمان(عليه السلام)

34 و 35. (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَد مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ):
يحكي القرآن الكريم ضمن هاتين الآيتين أنّه سبحانه قد امتحن سليمان (عليه السلام)بإلقاء جسد على كرسيّه، ثم يحكي عن استغفاره وطلبه من الله سبحانه أن يهب له ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وتوضيح مفاد الآيات رهن البحث عن مفاد الأُمور التالية:
1. ما هي الفتنة التي امتحن بها سليمان؟
2. ما معنى طلب المغفرة مع التمسّك بحبل العصمة؟
3. لماذا يطلب لنفسه الملك؟
4. لماذا يطلب ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده؟
أمّا السؤال الأوّل، فنجيب عنه بالقول: إنّ موضوع الفتنة لم يرد في القرآن الكريم إلاّ في هذه الآية وهو قوله سبحانه:(وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ): أي اختبرناه وابتليناه وشدّدنا المحنة عليه (وَأَلْقَيْنَا): أي طرحنا (عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا)لا روح فيه، والآية تشير إلى حادثة ما، ولكنّها لم تفصّل فيها لتتوضّح حقيقتها.

صفحه 334
وأمّا الروايات، فقد نقل أهل الحديث حول تبيين الفتنة روايات يلوح منها أنّها إسرائيليات، بثّها أحبار اليهود بين المسلمين، وقد ابتلي بها المسلمون في كثير من المجالات التفسيرية والتاريخية والعقائدية وغيرها، ورجاؤنا من الله سبحانه أن يقيّض جماعة من العلماء المحقّقين ويوفّقهم لتنقية الكتب الإسلامية منها وتنقيحها وتهذيبها.
ولكن من بين هذه الروايات ما يمكن أن يُركن إليه، وهو ما قيل: كان لسليمان ولد شاب ذكي كان يحبّه حبّاً شديداً، فأماته الله على بساطه فجأة بلا مرض، اختباراً من الله تعالى لسليمان وابتلاء لصبره في إماتة ولده، وألقى جسمه على كرسيه.1
ولا شكّ أنّ الابتلاء بموت الولد الشاب من أعظم الابتلاءات، والصبر في هذا المجال وتفويض الأمر إلى الله سبحانه آية كمال النفس، فلم يكن الهدف من الابتلاء إلاّ أن يتفتح الكمال المركوز في ذات سليمان، حتى يخرج من القوّة إلى الفعل .
قال سيد قطب عند تفسيره لحادثتي الصافنات الجياد، والجسد الّذي أُلقي على كرسي سليمان: كلتاهما إشارتان لم تسترح نفسي لأي تفسير أو رواية ممّا احتوته التفاسير والروايات عنهما، فهي إمّا إسرائيليات منكرة، وإمّا تأويلات لا سند لها. ولم أجد أثراً صحيحاً أركن إليه في تفسيرهما وتصويرهما سوى حديث صحيح في ذاته، ولكن علاقته بأحد هذين الحادثين ليست أكيدة. وهذا الحديث هو ما رواه أبو هريرة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأخرجه البخاري في صحيحه مرفوعاً، ونصّه: «قال سليمان:

1 . تنزيه الأنبياء:99، الطبعة القديمة.

صفحه 335
لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة، كلّ واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل«إن شاءالله»، فطاف سليمان عليهن، فلم تحمل إلاّ امرأة جاءت بشِقّ رجل، والذي نفسي بيده: لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون».
وأضاف: وجائز أن تكون هذه هي الفتنة التي تشير إليها الآيات، وأن يكون الجسد هو هذا الوليد الشِّقّ، ولكن هذا مجرد احتمال.1
ونحن نعجب من استراحة نفسه إلى هذا الأثر الّذي اعتبره صحيحاً في ذاته، ولم يعدّه من الإسرائيليات المنكرة!! فهو من رواية أبي هريرة، الّذي كان ـ على حدِّ تعبير الشيخ محمود أبوريّة ـ أكثر الصحابة وثوقاً بكعب الأحبار، وأخذاً عنه، وانقياداً له، وقد استطاع هذا اليهودي (كعب الأحبار) ـ والكلام مازال لأبو ريّة ـ بوسائله الشيطانية أن يدسّ من الخرافات والأوهام والأكاذيب في الدين ما امتلأت به كتب التفسير والحديث والتاريخ، فشوّهتها وأدخلت الشكّ إليها، ومازالت تهدّدنا بأضرارها.(2)
وأمّا السؤال الثاني، أعني: ما معنى طلب المغفرة مع التمسّك بحبل العصمة؟ ـ فنجيب عنه بالقول:
لقد أشار سبحانه إلى طلب سليمان هذا بقوله: (ثُمَّ أَنَابَ): أي رجع إلى الله ممّا صدر منه، بقوله:(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي)، والظاهر أنّ سليمان(عليه السلام)كان له في ابنه رجاء أو أُمنيّة، فأماته الله تعالى وألقاه على كرسيه، حتى يوقفه

1 . في ظلال القرآن الكريم:23/99.   2. انظر: أضواء على السنة المحمّدية:156(الطبعة الثانية).

صفحه 336
على أنّ حق العبودية تفويض الأمر إلى الله والتسليم إليه. ولعلّ هذا المقدار من الرجاء وعقد الأُمنيّة على الولد يُعدّ نحو انقطاع عن الله إلى الولد.
وهو وإن لم يكن معصية، ولكنّ الأليق بحال الأولياء غيره. ولأجل ذلك لما استشعر بوظيفته التي يوجبها مقامه، أناب إلى الله ورجع إليه وطلب المغفرة كما يقول سبحانه:(ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي).
وقد ثبت في محلّه أنّ طلب المغفرة ليس دليلاً على العصيان وصدور الذنب، بل كلّ فعل أو ترك صدر من الرجال العارفين بحقّ الربوبية وعمق العبودية، وكان الأَولى والأليق خلافه، استوجب طلب الغفران، وإن لم يكن معصية وخلافاً في منطق الشرع، ولأجل ذلك نجد أولياء الله لم يزالوا مستغفرين كلّ يوم وليلة لسعة استشعارهم بعظمة الوظيفة في مقابل عظمة الخالق.
وأمّا السؤال الثالث ـ أعني: لماذا طلب الملك لنفسه ـ وهو ما أُشير إليه بقوله:(وَهَبْ لِي مُلْكًا)فربما يقال: بأنّ طلب الملك من الله سبحانه يعادل طلب التسلّط على الناس، ولا يخلو مثل هذا عن نوع تفوّق عليهم، وهذا ليس من أخلاق الأنبياء وشؤونهم؟
والجواب: أنّ المُلك الذي طلبه سليمان، لم يكن مقصوداً لذاته، لأنّ مثل هذا الملك لا ينفكّ عن الظلم والإفساد والإذلال وهضم الحقوق، وهو ما أُشير إليه في الآيتين الكريمتين:(إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)1، و (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ

1 . النمل:34.

صفحه 337
يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة غَصْبًا)1، وتاريخ أكثر الملوك والسلاطين في الماضي والحاضر، يضجّ بممارساتهم القمعية والدموية، وأعمالهم الإجرامية.
إنّ سليمان(عليه السلام) لم يطلب مُلك الجبابرة هذا الغارق في الظلم والآثام، وإنّما طلب الملك الذي يقيم به منهج الله في الأرض، ذلك المنهج الّذي يُحرّر الإنسان من القهر والاستعباد، ويكفل له السعادة والعيش الكريم، ويوفّر له مصالحه الحقيقية، وفق موازين العدل، ومَن كان هذا هدفه ـ وقد أُوتي العلم والحكم وتشرّف بالنبوة والوحي ـ لا يسأل الملك لذات الملك; بل لتلك الغاية النبيلة.
ولأجل أنّ المتبادر من المُلك ـ في أذهان العامّة ـ هو السلطة الجائرة، نجد الذكر الحكيم عندما يصف الله بـ(المَلِك) يردفه بـ (القُدُّوس) للإشارة إلى أنّ ملكه وسلطانه يفترقان عن ملك وسلطان غيره، فالله سبحانه في حين كونه مَلِكاً للعالَم، قدّوس منزَّه عن كلّ عيب وشَين، وعن كلّ بغي وظلم، فهو: (الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ).(2)
نقل أهل السِّيَر أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول: «لست بمَلك» مع أنّه كان حاكماً إلهياً، ورئيس دولة إسلامية أسّسها منذ بدء وروده المدينة، ومراده من ذلك إبعاد نفسه عمّا يتبادر إلى أذهان العامّة عند سماع ذلك اللفظ، وأنّه ليس من تلك الزمرة، بل هو حاكم إلهي يسعى لصالح الأُمّة حسب القوانين الإلهية.

1 . الكهف:79.   2 . الحشر:23.

صفحه 338
وبالجملة: ثمّة فرق بين السلطة التي تسيّرها الغرائز المادّية، والسلطة التي تديرها النبوّة، ويكبح جماحها الخوف من الله، والعشق لرضوانه، والذي طلبه سليمان في الآية إنّما هو الثاني، وهو عمل إلهي وخدمة للدين وعمل مقرّب، دون الأوّل.
ولأجل أن لا تذهب أذهان الصحابة إلى المعنى المتبادر من لفظ «الملك» قام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بتوضيح ما طلب سليمان لنفسه من الله سبحانه وقال: «أرأيتم ما أُعطي سليمان بن داود من ملكه؟ فإنّ ذلك لم يزده إلاّ تخشُّعاً، ما كان يرفع بصره إلى السماء تخشُّعاً لربّه».1
وقد أوضحنا حقيقة السلطة الإسلامية التي دعا إلى إقامتها الكتاب والسنّة، وملامحها وأهدافها في موسوعتنا «مفاهيم القرآن»، فلاحظ.(2)
وأمّا السؤال الرابع ـ أعني: لماذا طلب ملكاً لا ينبغي لغيره؟ ـ وهو الطلب الّذي حكاه عنه تعالى بقوله: ( وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَد مِنْ بَعْدِي)،وربما يقال: إنّ كلامه هذا يحكي عن البخل والضنّ، حيث إنّه يطلب ملكاً خاصّاً به ولا يكون لغيره..؟
أمّا هذا السؤال فنجيب عنه بالقول: إنّ سليمان (عليه السلام)لم يقل ذلك ضنّاً ولا بخلاً على الغير، وإنّما قال ذلك، باعتبار أنّ الملك الذي طلبه لا يصلح (في منطق العقل والشرع) أن يمارسه إلاّ هو، أو من هو نظيره في العلم والإيمان، وذلك لأنّه سبحانه يبيّن ملامح هذا المُلك، بقوله: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْري بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاص *

1 . روح البيان:8/39.   2 . لاحظ: مفاهيم القرآن:12/11ـ72.

صفحه 339
وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب)فالآيات ـ الواردة بعد طلب الملك ـ بحكم «الفاء» في قوله: (فَسَخَّرْنَا لَهُ)تدلّ على أنّه لم يطلب مطلق المُلك، وهو السلطة التي يصحّ أن يمارسها المتعارف من الناس خصوصاً إذا كانوا من الصلحاء، وإنّما طلب من القدرة ما يصل بها إلى حدّ أن يسخّر له الريح والجن والطير. ومثل هذه القدرة لا تصحّ في منطق العقل أن تقع في متناول المتعارف من الناس، لأنّ وجودها في متناول غير المعصوم يؤدّي إلى الاستعلاء والطغيان وتجاوز الحدود وادّعاء الربوبيّة، إلى غير ذلك من عظيم الفساد، وإنّما تكون مقرونة بالصلاح والفلاح إذا مارسها نبي عارف بعظمة المسؤولية أمام الله أوّلاً، وأمام العقل والوجدان ثانياً، وأمام الخلق ثالثاً.
ولأجل ذلك قال:(لاَ يَنْبَغِي لأَحَد مِنْ بَعْدِي) ويريد منه الإنسان المتعارف غير المتمسّك بحبل العصمة، وغير المتحلّي بالنبوّة، فإنّ هذا الملك ـ لما عرفت ـ لا ينبغي لإنسان غير معصوم، وإنّما ينبغي لسليمان ومن يكون بمنزلته من الصيانة والعصمة.
وإلى ما ذكرنا يشير السيّد المرتضى ويقول: إنّما التمس أن يكون ملكه آية لنبوّته، ليتبين بها عن غيره ممّن ليس بنبي.1
وقال الزمخشري : كان سليمان(عليه السلام) ناشئاً في بيت المُلك والنبوة، ووارثاً لهما، فأراد أن يطلب من ربّه معجزة، فطلب على حسب إلفه مُلكاً

1 . تنزيه الأنبياء:100.

صفحه 340
زائداً على الممالك زيادة خارقة للعادة، بالغة حدّ الإعجاز، ليكون ذلك دليلاً على نبوّته، قاهراً للمبعوث إليهم، وأن يكون معجزة حتّى يخرق العادات، فذلك معنى قوله: (لاَ يَنْبَغِي لأَحَد مِنْ بَعْدِي).1
ثمّ إنّ السؤال حول الآية ليس أمراً جديداً، فقد روي أنّ علي بن يقطين سأل أبا الحسن موسى بن جعفر(عليه السلام) قائلاً: أيجوز أن يكون نبي الله بخيلاً؟ فقال(عليه السلام): «لا»، قال: فقلت له: قول سليمان(عليه السلام): (ربّ اغفِر لي وَهَبْ لي مُلكاً لا يَنبغي لأحد مِنْ بَعدي) ما وجهه ومعناه؟ فقال:
«الملك ملكان: ملك مأخوذ بالغلبة والجور وإجبار الناس، وملك مأخوذ من قبل الله تعالى كملك آل إبراهيم وملك طالوت وذي القرنين، فقال سليمان(عليه السلام): هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي أن يقول إنّه مأخوذ بالغلبة والجور وإجبار الناس، فسخّر الله عز وجلّ له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب، وجعل غدوها شهراً ورواحها شهراً، وسخّر الله عزّ وجلّ له الشياطين كل بنّاء وغوّاص، وعُلِّم منطق الطير ومُكّن في الأرض، فعلم الناس في وقته وبعده، أنّ مُلكه لا يشبه مُلك الملوك المختارين من قبل الناس، والمالكين بالغلبة والجور».(2)
وحاصل الكلام: أنّ الملك الذي منحه الله لسليمان ـ كما سيوافيك شرحه في الآيات التالية ـ لا يليق بغير الأنبياء، لأنّه لو كان في يد غيرهم لصار مصدراً للترفّع والتكبّر على الناس والعُجب، ثم يترتّب عليه ما يترتّب، ولذلك بيّن الله سبحانه بعد هذه الفقرة، ما منحه من عظائم النعم

1 . تفسير الكشّاف:3/329.   2 . تفسير نور الثقلين:4/460.

صفحه 341
وكبائر المنح، وهي تتلخّص في الأُمور التالية:

أ. تسخير الريح

36. (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْري بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ):
يظهر من الآية أنّه سبحانه قد استجاب دعاء سليمان(عليه السلام) ولذلك سخّر له الريح كما يقول:(فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْري بِأَمْرِهِ): أي بأمر سليمان(رُخَاءً)ليِّنة (حَيْثُ أَصَابَ): أي حيث أراد سليمان من النواحي، وحيث قصد.
لا شكّ أنّ للصفوة من عباده سبحانه ولاية تكوينية ومقدرة موهوبة على التصرّف في الكون بإذنه سبحانه لغايات مقدّسة لإثبات نبوّتهم وكونهم مبعوثين من الله سبحانه لهداية عباده أو للتوسّل بها في طريق النصر على أعدائهم. وتسخير الريح لسليمان من شُعب الولاية التكوينية، وقد ورد ذكره في غير هذه الآية أيضاً، قال تعالى: (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْري بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ التي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْء عَالِمِينَ).1
وتسأل: هل ثمّة تناقض بين الوصفين، حيث وصفها في هذه الآية بالعاصفة (وهي الريح الشديدة)، وفي المقام بالرُّخاء (وهي الريح الليِّنة)؟
والجواب: يجوز أن يكون الله سبحانه جعلها عاصفة تارة ورخاء أُخرى بحسب ما أراد سليمان.(2)
ويمكن أن يقال: إنّ الريح المسخَّرة لسليمان (عليه السلام)كانت بذاتها عاصفة

1 . الأنبياء:81 .   2 . مجمع البيان:4/447.

صفحه 342
ولكنّها تجري رخاءً بأمره، ويشهد لذلك، أنّه سبحانه وصف الريح نفسها بالعصف في قوله: (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً) ولكنّه جعل في قوله: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْري بِأَمْرِهِ رُخَاءً)، جعل وصف جريها بالرخاء معلولاً لأمره ومسبّباً عنه، فكأنّه قال سبحانه: فسخرنا له الريح العاصفة لكنّها تجري رخاءً بأمره.
فالعصف صفة للريح في الآية الأُولى، والرخاء في الآية الثانية قَيْد لجريان الريح أي تجري رخاء، وما هذا إلاّ بأمر سليمان.
ولعلّه إلى ذلك يشير العلاّمة الطباطبائي بقوله: المراد بكون الريح تجري بأمره رخاء، مطاوعتها لأمره وسهولة جريانها على ما يريده(عليه السلام) فلا يرد أنّ توصيف الريح هاهنا بالرخاء يناقض توصيفه في قوله: (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْري بِأَمْرِهِ).1
هذا، وللمفسّرين في كيفية هذا التسخير وفائدته، أقوال، منها:
1. إنّ الريح كانت تحمل سليمان(عليه السلام) (أو تحمله وتحمل من معه) وتنقله إلى حيث يريد. قال قتادة في تفسير قوله تعالى في سورة سبأ: (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ)(2): كانت الريح تقطع به(عليه السلام)من الغدوّ إلى الزوال مسيرة شهر، ومن الزوال إلى الغروب مسيرة شهر.2
2. إنّ الريح تجري وفق مصلحة يدركها سليمان(عليه السلام) ويحقّقها بأمر الله. أمّا قصّة بساط الريح الّذي روي أنّ سليمان كان يجلس عليه هو

1 . الميزان في تفسير القرآن: 17/206.   2 . سبأ: 12 .
2 . تفسير المراغي:22/66. وانظر: تفسير الكشّاف: 3/253، والميزان في تفسير القرآن:14/313، والتفسير الكاشف: 6/252 .

صفحه 343
وحاشيته، فيطير بهم إلى الشام في فترة وجيزة، فلم يذكر القرآن شيئاً عنه، كما لم يرد ذكره في أي أثر مستيقن، وعليه فالأسلم تفسير تسخير الريح بتوجيهها ـ بأمر الله ـ إلى الأرض المباركة في دورة تستغرق شهراً، طرداً وعكساً.1
3. إنّ معنى تسخيره الريح: خلق ريح تلائم سير سفائنه للغزو أو التجارة، فجعل الله لمراسيه في شطوط فلسطين رياحاً موسمية تهبّ شهراً مُشَرّقة لتذهب في ذلك الموسم سفنه، وتهبّ شهراً مُغرّبة لترجع سفنه إلى شواطئ فلسطين.(2)

ب. استخدام الشياطين للبناء والغوص

37 و 38 .( وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاص * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ):
قوله تعالى : (وَالشَّيَاطِينَ)عطف على الريح، أي وسخرنا له الشياطين من الجنّ أيضاً (كُلَّ بَنَّاء)في البرّ يبني له ما أراد من الأبنية الرفيعة (وَغَوَّاص)في البحر عن اللآلئ والجواهر فيستخرج له ما يشاء منها.

ج. حبس الشياطين المتمرّدين

قوله تعالى: (وَآخَرِينَ): أي وآخرين من الشياطين (مُقَرَّنِينَ)مربوطين (فِي الأَصْفَادِ): أي السلاسل الحديدية، وذلك لتمرّدهم وعصيانهم، أو لسوء صنيعهم.

1 . انظر: في ظلال القرآن:17/47، وج 22/68.   2 . التحرير والتنوير: 22/27.

صفحه 344
د. تخييره بين العطاء والإمساك بغير حساب
39.(هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب)
ثمّ إنّه سبحانه بعدما ذكر ما وهب له من العطايا قال: (هَذَا عَطَاؤُنَا): أي ما تقدّم ذكره (فَامْنُنْ): أي امنحْ مَن تشاء (أَوْ أَمْسِكْ): أي امنع عمّن تشاء (بِغَيْرِ حِسَاب): أي لا حساب عليك لا في الإعطاء ولا في الإمساك فلا تُسأل عمّن أعطيته ولا عمّن أمسكت عنه.

هـ . منزلته الكبرى عند الله

40. ( وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب):
الآية تحكي أنّ لسليمان وراء ما وهبه الله سبحانه من النِّعم الدنيوية مقاماً رفيعاً، كما قال (وَإِنَّ لَهُ): أي لسليمان (عِنْدَنَا لَزُلْفَى) أي قربى وكرامة (وَحُسْنَ مَآب) أي وحسن مرجع. أي: في الدار الآخرة، فالله سبحانه كتب له السعادة في الدنيا والكرامة في الآخرة.
سورة ص: الآيات 41 ـ 44   
إذا وقفت على ما منح الله سبحانه نبيّه سليمان من النعم والعطايا، وما منّ عليه بتلك المنزلة العليا من القرب إليه تعالى، عرفت سموّ شخصيته (عليه السلام)ومدى تحلّيه بالورع والتقوى والعفاف، وكثرة الطاعة لله، والاستقامة على منهاجه، ومن كانت هذه حاله لا يمكن أن تُقبل في شأنه تلك القصص والأخبار الّتي وردت ـ مع بالغ الأسف ـ في كتب العديد من المفسّرين والمحدّثين، والّتي تضمّنت أُموراً لا تليق إلاّ بمتّبعي الأهواء والشهوات، ولا شكّ في أنّها مأخوذة عمّن ديدنه النيل من كرامة الأنبياء والعظماء وقدسيّتهم، ونسبة القبائح إليهم، وفي مقدّمتهم اليهود .