welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 23*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 23

صفحه 1
   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 23
(23)

صفحه 2

صفحه 3
23
الجزء الثالث والعشرون ويشتمل على تفسير :
يس، الصافات، ص
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1393 .
      30ج.    ISBN 978 - 964 - 357 - 548 - 9 (VOL.23)
ISBN 978 - 964 - 357 - 510 - 6 (30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه بصورت زير نويس .
      1 . تفاسير شيعه ـ ـ قرن 14. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP   179 / 297
1393
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 23
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1394 هـ ش / 1436 هـ . ق / 2015 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   … 456 صفحة
القطع:    …وزيري
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 848    تسلسل الطبعة الأُولى: 424
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
جذور التكفير وسُبل تجفيفها   

جذور التكفير وسُبل تجفيفها

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، والداعي إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة محمد وآله الأخيار الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وعلى الّذين سلكوا سبيلهم واهتدوا بهداهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيامة.
أمّا بعد:
نحمد الله تعالى على ما وفّقنا له من تفسير الجزء الثالث والعشرين من أجزاء القرآن الكريم، ويشتمل على السور التالية: يس، الصافات، وسورة ص ; ونحن إذ نقدّم هذا الجزء إلى المطبعة، يحوطنا الأسى والحزن لما يجري على الإسلام والمسلمين من مصائب وويلات تستهدف تقويض هذا الصرح الحضاري الشامخ الّذي أُقيم على العلم والإيمان، وتعالى بالتآزر والتعاون بين أبناء الأُمّة الواحدة.
إنّ أعداء الإسلام وفي مقدّمتهم القوى الاستكبارية والصهيونية العالمية المتمرّسة بأساليب المكر والحيلة وحياكة الفتن، قد شحذوا

صفحه 8
سيوفهم لمحاربة الإسلام من الداخل بعد أن لم يبلغوا ما كانوا يأملون في محاربته من الخارج عبر الغزوين: الثقافي، والعسكري، مستخدمين وسائل جديدة تفضي إلى تشويه صورة الإسلام للحدّ من انتشاره في حياة غير المسلمين، وإلى نشر الفوضى والخراب والدمار في بلاد المسلمين، وذلك من خلال استغلال الشباب الّذي شحنته بالغيظ والحقد بعض المؤسسات الدينية المعروفة، الّتي تتّهم أغلب المسلمين بالكفر والخروج عن الدين، وتحلّ لهم قتلهم وانتهاب ممتلكاتهم وسبي ذراريهم، فخربوا البلاد وأهلكوا العباد، وسيطروا على مساحات من أراضي المسلمين ومدنهم، مستدلّين بقوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ)غافلين (أو مستغفَلين) عن أن الله سبحانه إنّما أمرنا بإرهاب عدو الله وعدو المسلمين، وهؤلاء هم يرهبون المؤمنين والمؤمنات، صغيرهم وكبيرهم، نساءهم ورجالهم، ويرتكبون بحقّهم جرائم فظيعة يشيب لهولها فود الرضيع .
ولا أظن أنّ مَن كان له أدنى إلمام بالكتاب والسنّة فيما يرجع إلى التكفير يبرر أعمالهم ولو واحداً بالمئة، وأنّ الفتك الجماعي والاعتداء على الأرواح والممتلكات الخاصّة والعامّة وتخريب المنشآت والمساجد واستخدام الأطفال بشدّ الأحزمة الناسفة لقتل المصلّين في المساجد والميادين العامّة، لا ينسجم مع قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لم يدخل الرفق في شيء إلاّ زانه ولم ينزع من شيء إلاّ شانه».1

1 . صحيح مسلم: 8 / 22، باب فضل الرفق، كتاب البر والصلة.

صفحه 9
وبما أنّ جرائم الإرهابيّين ليست بأمر خفيّ حتّى نقوم ببيانها، فقد وقف عليها العالم لحظة بلحظة، وعرف تفاصيلها عن طريق وسائل الإعلام المتنوّعة، الّتي قسم منها في تصرّف المتطرّفين، غير أن الّذي يبشِّر بمستقبل زاهر أنّ هذا السرطان قد بدأ يتفشّى في البلدان الّتي كانت تمهّد له الطريق، وتمدّه بالمال والسلاح والفتاوى، فصاروا يقيمون المؤتمرات حول التكفير وطرق مكافحة الإرهاب، قائلين بأنّ الإرهاب لا يستثني أحداً لا من الشعوب ولا من الحكومات، وأنّ شرره سيحيط بالعالم كلّه بشتّى ألوانه، فلا يبقى أمان للمسلم في بيته ولا للمسيحي في بيئته، حتّى ولا ولا، فالمهم كيف نواجه الإرهاب ونعالج هذا السرطان الطاغي الّذي لا يميّز بين العدو والصديق، وهذا هو المهم الآن.
ولذا يجب على العلماء وقادة المسلمين:
أوّلاً: التفتيش في جذور فكرة التكفير وتبلورها شيئاً فشيئاً حتّى لا يتّسع الخرق على الراقع. ولاشكّ أنّ هذه الفكرة تبثّ في المدارس والمؤسسات الّتي تشتمل على تعاليم دينية تتبنّى الحكم بإسلام فرقة وتكفير الآخرين، فيلقيها المعلم على الناشئ دون وعي لنتائجها الّتي تُنذر بالخطر، فلا المعلم يدرك معالم التكفير وشروطه، ولا الناشئ ممّن يميّز الحقّ عن الباطل، ثم تتجذّر هذه الفكرة شيئاً فشيئاً في المجتمع حتّى وصل الحال إلى ما ترى.
فعلى علماء الإسلام تطهير مناهج التعليم من بذور التكفير، حيث نجد أنّ المناهج الدراسية لها تأثير خاص في نمو هذه الفكرة في أذهان الناشئة، وممّا يؤسف له أنّ مناهج التعليم في عدد من الدول الإسلامية في

صفحه 10
المنطقة تتّجه نحو بذر هذا الانحراف في أذهان الطلاب.
فما دام يُتلى في المعاهد والمدارس الدينيّة قول ابن عبدالوهاب: إنّ شرك الأوّلين أخفّ من شرك أهل زماننا 1، فالإرهاب يبقى سائداً ما دامت الدراسة مبنيّة على هذه الآراء المنحرفة.
كما أنّ الإرهاب يبقى سائداً متجذّراً ما دامت المناهج الدراسية تؤكّد ـ مثلاً ـ على أنّ التوسّل بالأنبياء والأولياء هو الشرك الأكبر، أو مادمنا نرى أنّ وزارات الإعلام تُجيز نشر الكتب الّتي تروّج للأفكار المتشدّدة الّتي تُذكي نار الخلاف، وتدعو إلى التفرقة الطائفية.
ثانياً: تصحيح المفاهيم وتبيينها عبر وسائل الإعلام المختلفة، نظير التوحيد والشرك والإيمان والكفر والبدعة، فهذه المفاهيم أُخذت تُفسّر بشكل فوضوي لا يتوقّف عند حدّ، وإليك ما ذكره أحد علماء السنّة من أهل العراق، قال: جاءني رجل يبكي وتعجبت لبكائه لأنّي أعرفه أنّه صلب، فما الّذي جعله ينهار؟! قال: استمعت لولدي الصغير ذي الاثني عشر عاماً ـ وكنت فرحاً أنّه يذهب للمسجد ليصلّي فيه ـ وهو يقول لأُمّه: لا تنامي مع والدي في غرفة واحدة لأنّه مبتدع فهو يستعمل معجون الأسنان ولا يستعمل السواك، وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار!!
فانظر إلى مبلغ علم هذا الّذي يتصدّى للوعظ في المسجد، كيف يفسّر البدعة، ولا يميّز بين اللغوي والشرعي منها، حتّى صار استعمال معجون الأسنان بدعة موجبة للكفر ثم القتل، وتفكّك الأُسرة!!

1 . كشف الشبهات: 11 .

صفحه 11
ومع الأسف أنّ كثيراً من خطباء الجُمع يصرّون على أن يصدِّروا خطبهم في كلّ جُمَعهم، بهذه الفقرة من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إيّاكم ومحدثات الأُمور، فإنّ شرّ الأُمور محدثاتها، وإنّ كلّ محدثة بدعة، وإنّ كلّ بدعة ضلالة».
لاشكّ أنّ هذه الخطبة كسائر خطب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من أروع الخطب ولكن التركيز عليها دون تبيين حدود البدعة وإطلاقاتها اللغوية والشرعية يؤدّي إلى نتيجة مفادها أن يقتصر المسلمون على ما كان في زمان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من وسائل الحياة، لأنّ كلّ جديد بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، ومن ثم الحكم عليهم بأن يحرموا أنفسهم من كلّ أسباب التقدّم والازدهار في حياتهم المادّية.
لقد ألّف العالم السوري المغفور له الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي كتاباً أسماه: «السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي» عرّف فيه البدعة وبيّن فيه حدودها وتطبيقاتها على الوقائع والجزئيات، فأثار كتابه هذا غضب المتعصّبين حتّى راح ضحية هذا التأليف قتيلاً في محراب عبادته مع عدد من الّذين كانوا يأتمّون به .
ثالثاً: إنّ الإرهابيّين كانوا فيما مضى لا يملكون شيئاً من أدوات الحرب خفيفها وثقيلها، وقد صاروا اليوم ينتظمون في شبه دولة، ويمتلكون أكثر وسائل الحرب ومعدّاتها، فمن أين حصلوا عليها؟!
لاشكّ أنّ هناك دولاً إقليمية تدعمهم وترسل إليهم ـ بمباركة وتشجيع من قوى الاستكبار ـ بالسلاح والعتاد، لغايات باتت معروفة لكلّ ذي عينين، فعلى العلماء المخلصين والأحرار من رجال الصحافة والإعلام

صفحه 12
القيام بوجه هذه الدول الخاطئة، وفضح دورها الّذي تسبّب في إراقة الدماء الطاهرة وإزهاق الأرواح البريئة في ا لدول الإسلامية حتّى بلغ الأمر أن يقتل الأب ابنه، والأخ أخاه، وأن تخرج هذه الحرب عن كونها حرباً طائفية إلى حرب ضدّ الإسلام باسم الإسلام .
رابعاً: بذل الجهود من أجل تعميق الحوار والتقارب والتواصل بين قادة المذاهب وزعامات الأُمّة الإسلامية والحوزات العلمية والجامعات الإسلامية، ومراكز الدراسات العليا، فإنّ ما يجمع المسلمين أكثر ممّا يفرّقهم، كما قال شاعر النيل:
إنّا لتجمعنا العقيدة أُمّة *** ويضمنا دين الهدى أتباعاً
ويؤلّف الإسلام بين قلوبنا *** مهما ذهبنا في الهوى أشياعاً
خامساً: لاشكّ أنّ بين المسلمين فوارق في مسائل عقدية وفقهية، ولكلّ دليله على ما يعتقد أو يفتي به، ولكن الواجب عند التعرّف على مذهب ما، هو الرجوع إلى مصادره الأصلية المؤلّفة بأقلام علمائه، وعدم الاتّكال على كلّ كتاب أُلف باسم المذهب، فإنّ الاعتماد على نقل الآخرين هو من الأسباب الأساسية للابتعاد والتفرقة، ومن الواضح جدّاً أن كثيراً من الفوارق المترسّخة في الأذهان أو على صفحات الكتب، قد نشأت من التساهل في التعرّف على حقيقة المذاهب من مصادرها الأصلية.
سادساً: نشر ثقافة الإسلام وتعاليمه التي تدعو إلى التآخي والمحبّة والتسامح بين المسلمين، بل بين أبناء البشرية جميعاً، فالناس كما قال الإمام علي (عليه السلام): «صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق» ولكلّ حقّ على الإنسان المسلم، ولكن فتنة التكفير وما رافقها من عمليات

صفحه 13
إجرامية بشعة نفّذها الإرهابيون قد شوّهت ـ مع الأسف الشديد ـ وجه الإسلام الحنيف في عيون غير المسلمين، بل حتى في أذهان الضعفاء من المسلمين، فكأنّ الإسلام دين دموي قد جُرّد من الرحمة والرأفة.
سابعاً: من المخجل جدّاً وما يندى له الجبين التباعد في معرفة الله سبحانه بين طائفتين من المسلمين إلى حدّ بينما نرى أنّه قام أحد علماء تونس بنشر كتاب باسم «مجموع الرسائل التونسية في علم العقائد السنيّة» فطبع ثمان رسائل حول تنزيه الحقّ عن الجهة والمكان والحركة، وفي مقابل هؤلاء نرى أنّ طائفة أُخرى تصرّ على الجهة وتقعد الله تعالى على سرير في العرش أو العرش سريره.
يقول ابن تيمية في تفسير سورة العلق: إنّ عرشه أو كرسيّه وسع السماوات والأرض، وإنّه يجلس عليه فما يفضل منه إلاّ قدر أربعة أصابع، وإنّه ليئط أطيط الرحل الجديد براكبه .1
فإذا كان هو الإله الذي يعبده ابن تيمية ومقلّدو منهجهه، إله يتحرّك وينزل، محدود بحدود، له جهة ومكان، وأنّه يجلس على العرش، وعرشه يزيد عليه بأربعة أصابع، فإذا كان هذا إله العالَم وخالق البرايا، فرفض
هذا الإله أفضل من إثباته، ثم إذا كان عرش الإله المعبود يئط أطيط
الرحل الجديد، فياموت زُر إنّ الحياة ذميمة... هذا هو جزاء من أعدم
العقل وأكبّ على النقل بلا وعي، وتلقّى روايات الصحيحين وغيرها
كأوثق ما يكون، دون إخضاعها للنقد والتمحيص. وإذا كان هذا شيخ

1 . مجموعة التفسير: 354 ـ 355.

صفحه 14
الإسلام وحجة الدين فعلى الإسلام السلام!!
فمع هذا التباعد بين فرق المسلمين، هل يمكن تقريب الخطى بينهم وعقد أواصر الأُخوّة بين الرؤوس والمرؤوسين؟ ولذا نؤكّد على ضرورة إيجاد التواصل، وعقد المؤتمرات، للتعارف والتآزر، لا للتنافر والتخاصم.
أسال الله تعالى أن يوفّقنا وجميع العاملين المخلصين لنشر الوئام والسلام بين المسلمين، وغرس الحبّ والصفاء في نفوسهم، اتّباعاً لأمره، وابتغاءً لمرضاته، إنّه خير مسدّد ومعين.
جعفر السبحاني
قم، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
5 ربيع الأوّل 1436 هـ

صفحه 15
   

سورة يس

(يس* وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَة وَأَجْر كَرِيم * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين * وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِث فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْء إِنْ

صفحه 16
أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ
الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلََيمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ * وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرّ لاَ تُغْنِ عَني شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنْقِذُونَ * إنِّي إِذًا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ * وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْد مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ * يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُول إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ * وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّات مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ * سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ

صفحه 17
الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ * وَآيَةٌ لَهُمُ الْلَيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ
النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْري لِمُسْتَقَرّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ الْلَيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ * وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ * وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنْقَذُونَ * إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِين * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَة مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَل مُبِين * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ

صفحه 18
الْيَوْمَ فِي شُغُل فَاكِهُونَ * هُمْ وَ أَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَل عَلَى الأَرَائِكِ
مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبّ رَحِيم * وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُوني هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنّى يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلاَ يَرْجِعُونَ * وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ * وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ * أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ * فَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ * أَوَ لَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَة فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ

صفحه 19
مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ
رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِر عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).

صفحه 20
سورة يس: خصائص السورة   
 
خصائص السورة

تسمية السورة

سُميّت السورة في المصاحف بسورة«يس» لوقوع هذين الحرفين أو هذا الاسم في أوّل السورة، ويظهر من بعض الروايات أنّ تسميتها بهذا الاسم قد ورد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد روي عن معقل بن يسار، عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال:«أقرأوا يس على موتاكم»1.2
وروي عن أنس بن مالك عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إنّ لكلّ شيء قلباً وقلب القرآن يس».3
وروي عنه أيضاً، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«مَن دخل المقابر فقرأ سورة يس خفّف عنهم يومئذ وكان له بعدد مَن فيها حسنات».4
وروي عن أبي بصير عن أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام) قال:«إنّ لكلّ شيء قلباً، وإنّ قلب القرآن يس، من قرأها قبل أن ينام أو في نهاره قبل أن

1 . مسند أحمد:5/26; سنن أبي داود:598، كتاب الجنائز، برقم 3121، تحقيق صدقي جميل العطّار.
2 . روى هذا الحديث الحفّاظ من المحدّثين كالطبراني والبيهقي والنسائي وغيرهم كثير، وهو يدلّ على أنّ الميّت ينتفع بقراءة القرآن عليه، والرواية مطلقة غير مقيّدة بوقت دون وقت وبمحل دون محل، فإذا زار الإنسان قبر أبيه وقرأ سورة «يس» يكون مثاباً بحكم هذه الرواية، خلافاً للوهابية الذين منعوا انتفاع الميّت بقراءة القرآن عليه.
3 . سنن الترمذي:819، كتاب فضائل القرآن، برقم 2896، تحقيق صدقي جميل العطّار.
4 . مجمع البيان: 8 / 254 ; تفسير نور الثقلين:4/373.

صفحه 21
يمسي، كان في نهاره من المحفوظين والمرزوقين حتى يمسي ... إلى آخر الرواية».1

عدد آياتها ومحلّ نزولها

يبلغ عدد آيات هذه السورة ثلاثاً وثمانين آية في عدّ الكوفي، واثنتين وثمانين في عدّ الباقين، والاختلاف في عدّ «يس» آية مستقلّة عند الكوفيين. والسورة مكّية، وتدلّ على ذلك مضامينها.

أغراض السورة

تركّز السورة على محاور ثلاثة:
1. الدعوة إلى التصديق بنبوّة النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وتصديق دعوته، وهذا ما تركّز عليه السورة في أوائلها.
2. التأكيد على التوحيد، فتذكر من الآيات الكونية ما يستدلّ به على توحيده سبحانه، وتبدأ في ذلك من قوله:(وَ آيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا...).
3. الدعوة إلى الإيمان بالبعث والنشور وإقامة الأدلّة التي تثبت قدرته تعالى على حدوثه، وتبدأ في ذلك من قوله:(وَ ضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ).
وفي ثنايا السورة أُمور لها علاقة بأحد المحاور المشار إليها.
ومن غرر الآيات فيها قوله تعالى في آخر السورة:(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ

1 . ثواب الأعمال للصّدوق:138، ثواب قراءة السور، رقم 1. ولاحظ : تفسير نور الثقلين:4/371، وفيه روايات أُخرى وردت فيها تسمية السورة بسورة «يس».

صفحه 22
شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).
وقد جاءت السورة على غرار سورة الفاتحة، حيث قرّرت أُمهات أُصول الدين بأبلغ الوجوه وأتمّها، ولأجل ذلك صارت جديرة بأن تُسمّى قلب القرآن، إذ كما أنّ الشرايين تتشعّب من القلب إلى سائر الأعضاء، فهكذا هذه السورة يتشعّب البحث منها إلى غيرها من السور حول الأُصول الثلاثة، والله العالم.
سورة يس: الآيات 1 ـ 12   

الآيات: الاثنتا عشرة الأُولى

(يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَة وَأَجْر كَرِيم * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين).

صفحه 23

المفردات

أغلالاً: جمع غُلّ، وهو ما تشدّ به اليد إلى العنق للتعذيب والتشديد، بمعنى وجود حلقة في اليد وأُخرى في العنق ويربط بينهما بسلسلة، بحيث لا يتمكّن الإنسان من تحريك يده ورأسه.
الأذقان: جمع ذقن، وهو مجتمع اللَّحيين من أسفلهما.
مقمحون: المُقمَح: الذي يرفع رأسه ويغض بصره، يقال: قمح البعير إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب.
إمام: هو ما يؤتم به، وأُطلق هنا وأُريد به الكتاب بمناسبة أنّ المكتوب فيه يُعمل به ويُقتدى به.

التفسير

1.(يس):
هل هو من الحروف المقطّعة الواقعة في أوائل السور، أو أنّه من أسماء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ وجهان.
والوجه الثاني هو المرويّ عن الأئمّة: عليّ بن أبي طالب، ومحمد الباقر، وعلي الرضا(عليهم السلام).1
روى الشيخ الصدوق بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر

1 . انظر: التبيان في تفسير القرآن:8/441; وأمالي الصدوق:381، المجلس (72)، برقم 1; وعيون أخبار الرضا:1/214، الباب (23)، برقم 1.

صفحه 24
]الباقر[(عليه السلام) قال:«إنّ لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عشرة أسماء، خمسة منها في القرآن...: محمد، و أحمد، و عبدالله، ويس، و نون».1
ويؤيد هذا الوجه ورود الخطاب للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بعد قوله:(يس) ـ : (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ* عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم).
ويظهر من شعر السيد الحميَري اشتهار ذلك في القرن الهجري الثاني، حيث قال:
يا نفس لا تَمحضي بالودّ جاهدة *** على المودّة إلاّ آل ياسينا
و قد قرأ بعضهم قوله سبحانه: (سَلاَمٌ عَلَى إِلْيَاسِينَ)2: «سلام على آل ياسين»، وهي قراءة نافع، وابن عامر، ويعقوب، وزيد.
ثمّ إنّ المكتوب في المصاحف هو بصورة حرفين (يس) ولكن إذا سمّي به الإنسان كُتب بهذه الصورة: «ياسين» أي باسم الحرفين.
2.(وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ):
الواو: للقسم، والمقسم به هو القرآن، والمقسم عليه ما سيأتي بعده.
وقد أقسم سبحانه بالقرآن في ثلاث سور، إحداها ما في المقام، وثانيتها قوله: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ)3، وثالثتها قوله: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ).4

1 . الخصال:426، باب العَشَرة، برقم 2.
2 . الصافات:130.
3 . سورة ص:1.
4 . سورة ق:1.

صفحه 25
ويكفي في عظمة المقسم به أنّه فعله سبحانه حيث أنزله لهداية الناس وإنقاذهم من الضلالة، وما هذا شأنه فهو أمر عظيم جليل يليق أن يقسم به، وكيف لا يكون كذلك وهو نور كما يقول سبحانه: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ)1 وفي الوقت نفسه (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)(2) إلى غير ذلك من الأوصاف التي يوصف بها القرآن الكريم في نفس ذلك الكتاب ومن
أفاضل صفاته ما في هذه الآية:(وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء).2
وقد وصف سبحانه القرآن بالحكيم مع أنّه من صفات الله سبحانه من حيث إنّه يشتمل على المعارف والشرائع والأخلاق والعبر والمواعظ الحكيمة.
3. (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ):
هذا هو المقسم عليه، والصلة بينه وبين المقسم به واضحة، لأنّ القرآن أداة تبليغه ومعجزته الخالدة.
4. (عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم):
خبر ثان لـ(إنّك) فقد أخبر سبحانه بأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) من المرسلين وأنّه على صراط مستقيم يوصله إلى ما هو المقصود، فإنّ الطريق المستقيم هو الطريق الموصل، وأمّا الطريق الذي فيه اعوجاج فلا يوثق به. ومن يسلك الصراط المستقيم يصل إلى السعادة الدائمة عقيدة وعملاً.

1 . المائدة:15.   2 . البقرة:2.
2 . النحل:89.

صفحه 26
والغاية من تنكير (صِرَاط) هي تفخيمه وتعظيمه.
5. (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ):
قوله:(تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ) منصوب بتقدير أعني. وهو وصف للقرآن الكريم، والمصدر بمعنى المنزَّل، أي المنزَّل من الله العزيز الرحيم، فالله سبحانه جمع بين العزة والرحمة وذلك من خصائصه، لأنّ العزة في غيره تقارن القسوة غالباً، وهو سبحانه مع كونه عزيزاً رحيم، فلا تكون عزّته سبباً لعدم رحمته ويمكن أن يكون الوجه في وصفه بهما بيان أنّه عزيز قاهر غالب غير مغلوب، فلا يعجزه إعراض المشركين عن عبادته، ومع ذلك فهو رحيم، يتدارك المشرك برحمته لو عاد عن شركه إلى التوحيد.
6.(لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ):
وصف سبحانه نبيّه بأنّه من المرسلين، والإرسال من المفاهيم ذات الإضافة، فالله سبحانه هو المرسِل، والنبيّ هو المرسَل، وأمّا المرسل إليه فهو ما بيّنه في هذه الآية وهو قوله: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا): أي قريشاً ومن يلحق بهم (مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ) و «ما» نافية، والمعنى: لم يُنذَر آباؤهم قبلهم، وهو كقوله تعالى: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلِكَ)1 هذا حال الآباء، وأمّا الأبناء فهو ما يذكره بقوله: (فَهُمْ غَافِلُونَ).
والمراد بالآباء هنا هم العرب العدنانيون (من ذريّة إسماعيل(عليه السلام))، حيث كانوا في زمان الفترة، فلم يبعث فيهم نبيّ قبل النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) . نعم

1 . القصص:46.

صفحه 27
لم يدَعْ سبحانه الأرض بغير حجّة، والحجج بعد الأنبياء هم أوصياؤهم. وممّا تقدّم يُعلم أنّه لا منافاة بين قوله: (مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ)ووجود الرسل كشعيب وهود وصالح، فإنّهم بعثوا في غير العدنانيّين. كما أنّ ذكر العرب وحدهم هنا لا ينافي القول بعموم الرسالة، لأنّ الخطاب هنا كان موجّهاً إليهم.
هذا حال الآباء، وأمّا الأبناء فوصفهم سبحانه بقوله: (فَهُمْ غَافِلُونَ): أي يعيشون في جهالة وضلالات مطبقة.
وربّما يتصوّر أنّ «مَا» في قوله: (مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ) موصولة، وهو بعيد.
7. (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ):
اللام للقسم، والمراد بالقول: كلمة العذاب الواردة في قوله سبحانه: (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ).1
نعم حقَّ القول أي ثبت ووجب العذاب على أكثرهم لا على جميعهم، كما يقول: (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ) وما ثبوت العذاب لهم إلاّ لأجل قوله: (فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ).
يُخبر سبحانه عن استمرار أكثرهم على الكفر حتى يروا العذاب الأليم، وفي الوقت نفسه يُخبر عن إيمان قليل منهم.
8 . (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ

1 . سورة ص:84ـ 85.

صفحه 28
مُقْمَحُونَ):
يظهر من الجبّائي أنّ في الآية تشبيهين وتمثيلين:
الأوّل: تشبيه حال المشركين برجل غُلّت يداه إلى عنقه لا يمكن أن يبسطهما إلى خير.
الثاني: رجل طامح برأسه لا يبصر موطئ قدميه.1
وبما أنّ الأيدي غير مذكورة في الآية عاد الطبرسي إلى تأويل الآية، قائلاً: قوله: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ)يعني أيديهم، كنّى عنها، وإن لم يذكرها، لأنّ الأعناق والأغلال تدلاّن عليها، وذلك أنّ الغُلّ إنّما يجمع اليد إلى الذقن والعنق، ولا يجمع الغُلّ العنقَ إلى الذقن.2 أي لا يرجع الضمير إلى الأعناق (بل يرجع إلى الأيدي المعلومة من السياق)، إذ لا تجمع الأغلال الأعناق إلى الأذقان،بل تجمع الأيدي إليها، وعلى هذا إذا شُدّت الأيدي بالأغلال إلى الأعناق ارتفع الرأس إلى الأعلى، واستحال على المغلول أن يلتفت يمنة ويسرة أو ينظر إلى الأمام فهو أبداً ينظر إلى السماء.
غير أنّ الظاهر من بعض المفسّرين أنّ هنا تمثيلاً واحداً، أي إنّا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي واصلة إلى الأذقان ملصقة بها، فهم من جرّاء ذلك مقمحون أي مرفوعو الرؤوس، إذ أنّ طوق الغُلّ الذي في عنق المغلول يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن حَلْقة فيها رأس العمود خارجاً من

1 . مجمع البيان:8/286.
2 . مجمع البيان:8/285.

صفحه 29
الحلقة إلى الذقن، فلا يمكّنه من أن يطأطئ رأسه فلا يزال مقمحاً.1
وقال السيد الطباطبائي في تأويل الآية: قد ملأت الأغلال ما بين صدورهم إلى أذقانهم فبقيت رؤوسهم مرفوعة إلى السماء لا يتأتّى لهم أن ينكسوها فينظروا إلى مابين أيديهم من الطريق فيعرفوها ويميّزوها من غيرها.2
وذكر الشريف الرضي: أنّ الآية بصدد ذكر أوصاف القوم في الدنيا بشهادة قوله تعالى بعد ذلك:(وَ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ). وأضاف: وإذا كان الكلام محمولاً على أحوال الدنيا دون الآخرة، وقد علمنا أنّ هؤلاء القوم الذين ذهب الكلام إليهم كان الناس يشاهدونهم غير مقمحين بالأغلال ولا مضروباً عليهم بالأسداد] كما في الآية التالية [علمنا أنّ الكلام خرج مخرج التمثيل.3
هذا حال المشبّه به، وأمّا المشبّه فهم المشركون الذين طوّقوا أنفسهم بطوق التقليد الأعمى وربطوا أعناقهم بسلسلة العادات والأفكار الخرافية، فصار ذلك سبباً لبقائهم مقموحين، رافعي الرؤوس، لا يلتفتون إلى اليمين واليسار ولا ينظرون إلى الأمام حتى يبصروا طريق الحق، الذي يهديهم إليه القرآن، كيف؟ وقد أعرضوا عنه ولم يستمعوا إلى دلائله وبيّناته.
وإن شئت قلت: إنّ أفكارهم الخرافية واقتداءهم بآثار آبائهم

1 . تفسير المراغي:22/146. ونحوه في تفسير الكشاف:3/281.
2 . الميزان في تفسير القرآن:17/65.
3 . انظر: تلخيص البيان في مجازات القرآن:228.

صفحه 30
والخوف من نتيجة سوء أعمالهم في الآخرة، كلّها صارت سبباً لأن تغلّ أفكارهم حتى لا يتدبّروا محاسن القرآن وحقائقه ويستمعوا إلى إنذار واعظ وتبشير آخر، فهم واحدي النظر، وهذا لا يوصل الإنسان إلى المقصد.
قال الشريف الرضي: فكأنّ ذلك ] أي التمثيل في الآية[ وصف لما كان عليه الكفّار عند سماع القرآن من تنكيس الأذقان وليّ الأعناق، ذهاباً عن الرشد، واستكباراً عن الانقياد للحق، وضيق صدورهم بما يردُ عليهم من صوادع البيان وقوارع القرآن.1
فإن قلت: إنّه سبحانه ينسب جعل الأغلال في الأعناق إلى نفسه، فعندئذ فأي ذنب لهم في هذا التشبيه؟
قلت: إنّه سبحانه ربّما ينسب نتيجة أعمالهم إلى نفسه في غير واحدة من الآيات نظير:
1.قوله تعالى: (فَبَِما نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً)2.ترى أنّه سبحانه ينسب إلى نفسه جعل قلوبهم قاسية، مع أنّها أثر أعمالهم، أعني: نقض الميثاق يتلوه ابتعادهم عن رحمة الله، وصيرورة قلوبهم قاسية.
2. قوله تعالى:(فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ).3 فقد نسب زيغ

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:228.
2 . المائدة:13.
3 . الصف:5.

صفحه 31
قلوبهم إلى نفسه مع أنّه نتيجة عملهم، أعني: الزيغ والابتعاد عن هداية الله تبارك وتعالى.
وهكذا المقام، فإذا كان المراد بالأغلال التي عمّت كلَّ وجودهم هو التقاليد الباطلة والعادات الضارّة، فهي عمل أنفسهم حيث صدّوا عن الهدى الذي جاء به الأنبياء، وأقبلوا على تقاليد وأفكار الآباء، فصار كلّ ذلك أغلالاً على أعناقهم، ولذلك يصف سبحانه النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)بأوصاف عشرة منها: (وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)1. ومن المعلوم أنّ الرسول حينما بُعث لم تكن على أعناقهم أغلالاً مادّية، فدلّ هذا على أنّ المراد هو التقاليد الباطلة والأفكار الساقطة، وإلى هذا المعنى أشار الأفوه الأوْدي2 بقوله:
كيف الرشاد إذا ما كنت في نفر *** لهم عن الرُّشد أغلالٌ وأقيادُ
ثمّ إنّ السبب في عناد المشركين إذا كان من أنفسهم صحّ أن ينسبه تعالى إلى نفسه أيضاً، كما قال:(إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً) إذ يصحّ نسبة فعل الإنسان إلى الله سبحانه بنحو من النسب لأجل القول بالأمر بين الأمرين.
9. (وَ جَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ):
وهذا تمثيل آخر يشبّه كفّار قريش بمن كان أمامه وخلفه سدّاً

1 . الأعراف:157.
2 . هو صَلاءة بن عمرو، من بني أود، من مَذْحِج، أحد الحكماء والشعراء في العصر الجاهلي.

صفحه 32
وجداراً، فلا يرى ما قدّامه ولا ما خلفه. هذا هو المشبه به، وأمّا المشبّه فماذا يُراد بالسدّ؟ وما هما السدّان اللّذان حوصروا بينهما؟ وكيف هم محاصرون بين سدّ من أمامهم وسدّ من خلفهم كما يقول: (وَ جَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ): أي ألقينا غطاء على أبصارهم، وعندئذ (فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ)؟
لعل المراد بالسدّ هو استكبارهم عن اتّباع الرسول وعدم خضوعهم لما جاء به، فهم سدّوا أبواب النظر فيما يتلوه عليهم، ومن ثمّ حبسوا أنفسهم بين حواجز الغيّ والجهل، وأصبحوا صمّاً بُكماً لا يعقلون.
وعلى هذا فليس هناك إلاّ حقيقة واحدة وهي تلقّي الخرافات والتقاليد أمراً حقيقياً فصارت سدّاً محيطاً بهم من قدّامهم ومن خلفهم، فتكون الآية تبييناً للآية السابقة، والمعنى: أنّ تلك الحواجز تكون سدّاً مانعاً من التوجّه إلى الأمام أو الخلف، ومثل هذا الإنسان غير قابل للهداية، لأنّه سدّ كافّة مآخذ الشعور والعلم.
ونتيجة التمثيل أنّه سبحانه يصوّرهم بأنّهم أُناس متكبّرون مغرورون بما عندهم، لا يستضيئون بنور العقل والوحي، ولا يقبلون شيئاً سوى ما هم عليه، فيصبحوا ضالّين ومضلّين، فالإنذار والترهيب لا يؤثر فيهم شيئاً كما يقول:
10. (وَ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ):
أي أنّ الإنذار وعدم الإنذار في حقّهم سيّان، لأنّ من أقفل أبواب الإدراك دون الحقّ فلا ينفذ فيها الوحي والإنذار والتهديد، ولذلك قال:(وَ

صفحه 33
سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ).
وإن شئت أن تكتشف حال هؤلاء، فتأمّل في حال الأرض السبخة، فمهما هطل عليها من المطر أو سطعت عليها الشمس، فلا ينبت فيها شيء، لفقدانها الاستعداد، على عكس الأرض الخصبة فعندما تشرق عليها الشمس وتهطل عليها الأمطار، تراها تنبت بألوان الأزهار والثمار، قال سبحانه: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا)1.
فإن قلت: إذا كان حالهم حال الأرض السبخة فلماذا أنذرهم الله وأرسل إليهم الرسل؟
قلت: إنّ هؤلاء قادرون على خرق الحجب وأسوار التقليد الأعمى، والإصغاء إلى الوحي، فصحّ إرسال الرسل إليهم إتماماً للحجّة.
ويمكن تقريب المعنى بهذا المثال، وهو أنّ الإنسان المريض على قسمين:
تارة يكون بذاته مستعداً للعلاج، فينقل إلى المستشفى ويتلقّى العلاج فيها، لماذا؟ لأنّه قابل للعلاج باستعمال الدواء.
وأُخرى يكون المريض على حال لا يقبل العلاج حيث إنّ البدن فقد عامة الاستعداد للبقاء، فهو أشبه بمصباح انتهى زيته، ومثل هذا المريض، يرى الأطباء أن لا جدوى من وصف الدواء له، وينصحون أهله بعدم إدخاله إلى المستشفى، لأنّ سمات المريض ونتائج التحليلات تحكي عن

1 . الأعراف:58.

صفحه 34
اليأس من علاجه وشفائه.
ونظير هذا الإنسان، العاصي الذي يوصف بالمريض الروحي، فتارة لم يكن متوغّلاً في العصيان بحيث لا يمكن علاجه بالتوبة والعمل الصالح، وأُخرى يكون متوغلاً فيها على نحو لاتبقى أيُّ نكتة بيضاء في قلبه وروحه، وهذا هو أحد الذين يقول سبحانه في حقّهم: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ).
11. (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَة وَأَجْر كَرِيم):
أي إنّما ينتفع بالإنذار من طلب الحقّ لوجه الحق واستعدّ لقبول الحقيقة أمام ما ورث من التقاليد عن الآباء، فهؤلاء هم الذين يصفهم سبحانه بقوله:(إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ) اجتمع فيه وصفان:
1. (اتَّبَعَ الذِّكْرَ): أي القرآن الكريم وأذعن أنّه كلامه سبحانه، فيصبح القرآن منذراً له.
2. (وَ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ): أي في حال غيبته عن الناس، خلافاً للمنافق.
ويحتمل أن يكون المعنى: خشي الرحمن فيما غاب عنه من أمر الآخرة، فمن اجتمع فيه الوصفان هو الذي أمر الله رسوله أن يبشّره بقوله: (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَة) فيما تقدّم من الذنوب (وَ أَجْر كَرِيم): أي الثواب الأفضل. وذكر الرحمن بدل الرحيم تنديداً بإنكار المشركين حيث كانوا لا يؤمنون بالرحمن.

صفحه 35
ثمّ إنّه سبحانه يذكر في الآيات الأخيرة من هذه السورة أنّ الإنذار إنّما ينفع من كان حيّاً، قال تعالى: (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا) ولا شكّ أنّ الحياة المادية هي مشتركة بين المشرك والمؤمن، وهذا دليل على أنّ المراد من الحيّ هو من كمل عقله وسما إدراكه فهذا هو الحيّ، وأمّا من فقد ذلك فهو ميّت الأحياء، والحيّ عندئذ ينطبق على قوله في المقام (مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) فهذان هما الوصفان اللذان يتحلّى بهما من كمل عقله وتمّ إدراكه بحيث يكسر قيود التقليد والعصبية، وينفتح على الدلائل والبراهين.
12. (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين):
لمّا تقدّم في الآية السابقة أنّه إنّما ينتفع بالذكر من (خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)، وقلنا إنّه يحتمل أنّه يراد بالغيب ما غاب عن حسّه في حياته الدنيوية وهو يوم القيامة يوم البعث والجزاء، صار ذلك سبباً لذكر الأُمور التالية، الّتي تتوقّف عليها المجازاة في يوم القيامة:
أ. (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى).
ب. (وَ نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ).
ج. (وَ كُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين).
أمّا الأوّل: فيُعدّ مثالاً لما تقدّم، أعني قوله: (وَ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)فإنّ الإحياء في يوم القيامة للحساب والجزاء من مصاديق الغيب. وفي قوله:(إِنَّا نَحْنُ) المؤكّد بحرف «إنّ» وبضمير الفصل، إشارة إلى أمر عظيم،

صفحه 36
وهو القدرة، التي يتفرّد بها سبحانه، على إحياء الموتى جميعاً.
وأمّا الثاني: فهو إشارة إلى إحاطة علمه سبحانه بالأعمال، التي يتوقّف عليها الجزاء، والمعنى: إنّنا نسجّل أعمالهم التي ارتكبوها في الدنيا، من خير وشرّ، لنجزيهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر، والتعبير بقوله: (قَدَّمُوا)يوحي وكأنّ الأعمال بنفسها تتقدّم إلى يوم القيامة فلا تبقى محبوسة في الدنيا. ولعل المراد بالآثار هو الأعمال التي تبقى آثارها بعد موت صاحبها من غير فرق بين السنّة الحسنة والسنّة السيئة، فتُكتب منافع الأُولى، ومضارّ الثانية. ونحو هذه الفقرة، قوله تعالى: (يُنَبَّؤُا الإِنْسَانُ يَوْمَئِذ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ).1
ويظهر أنّ المراد بالكتاب الذي تكتب فيه ذوات الأعمال وآثارها هو صحيفة أعمال كلّ إنسان، فإنّها تحصي كلّ ما صدر منه صغيراً كان أو كبيراً، قال سبحانه:(اِقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)2، وفي آية أُخرى:(يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً)،3 والظاهر هذا هو المراد لا اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الجامع لكافة الحوادث العالمية ومنها أعمال البشر.
إنّ الإيمان بوجود كتاب يحصي أعمال الإنسان صغيرها وكبيرها، يدفع الإنسان إلى الاحتياط في حياته، وذلك أنّه ربما يحقّر الذنب الذي يصدر عنه يوماً، وهكذا الذنب الذي يصدر عنه بعد ذلك، ففي النظرة

1 . القيامة:13.
2 . الإسراء:14.
3 . الكهف:49.

صفحه 37
الأُولى تتراءى له معاصيه قليلة ولكن عندما يجتمع كلّ ما يصدر عنه، طوال حياته، من معاصي، فإنّها تتراءى له عند ذاك كالبيدر. ويعجبني أن أنقل في المقام ما روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في التحذير من استصغار المعاصي.
روى الكليني بسنده عن ثعلبة عن زياد، قال :قال أبو عبد الله]الصادق[(عليه السلام): «إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نزل بأرض قرعاء1 فقال لأصحابه: ائتوا بحطب، فقالوا: يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب، قال: فليأت كلّ إنسان بما قدر عليه، فجاءوا به حتى رموا بين يديه، بعضه على بعض، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): هكذا تجتمع الذنوب، ثم قال: «إيّاكم والمحقَّرات من الذنوب، فإنّ لكلّ شيء طالباً، ألا وإنّ طالبها يكتب ما قدّموا وآثارهم وكلّ شيء أحصيناه في إمام مبين».2
والحديث يدلّ على عدم جواز تحقير الذنوب الصغار، فإنّها إذا اجتمعت تصير ذنباً كبيراً أو ذنوباً كبيرة.
وأمّا الثالث: فيظهر أنّ هذه الكتابة غير الكتابة السابقة، لأنّ تلك الكتابة تختصّ بما يقدّم الإنسان من الأعمال والآثار، وهذه تعمّ كلّ شيء يتّصل بأفعال وأحوال كلّ الموجودات، فيكون المراد بالإمام هنا هو اللوح المحفوظ، فهو يحصي كلّ شيء. ولعلّ تسميته بالإمام لأجل اشتماله على القضاء المحتوم الذي يكون إماماً متَّبعاً للناس.
ولا بُعد في أن يكون الكتاب موصوفاً بالإمام، وقد وُصفت به التوراة،

1 . أرض قرعاء: لانبات فيها.
2 . الكافي:2/288، كتاب الكفر والإيمان، باب استصغار الذنب، برقم 3.

صفحه 38
قال سبحانه: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً)1.
وذلك لأنّ التوراة صارت هي القدوة لأنبياء بني إسرائيل في كلّ ما يحتاجونه من الأُمور الدينية.
ولا مانع من وصف اللوح المحفوظ بالإمام بهذا الملاك، وكأنّ الإنسان يسير على ضوئه.
سورة يس: الآيات 13 ـ 32   

الآيات: الثالثة عشرة إلى الثانية والثلاثين

(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِث فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْء إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلََيمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ * وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ

1 . هود:17.

صفحه 39
الرَّحْمَنُ بِضُرّ لاَ تُغْنِ عَنّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنْقِذُونَ * إنِّي إِذًا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ * وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْد مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ * يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُول إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ * وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ).

المفردات

اضرب: الضرب: اختلفت كلمات المفسرين في تفسير كلمة (اَضْرِبْ) في هذا المقام، وقد ذكروا لها وجوهاً نذكر منها. وجهين:
الأوّل: أنّ الضرب في هذه الموارد هو التمثيل، وهو خيرة ابن منظور، واستشهد بقوله:(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ): أي مثّل لهم مثلاً وهو حال أصحاب القرية.
الثاني: أنّ الضرب بمعنى الوصف والبيان، وقد حكي هذا عن مقاتل بن سليمان، وفسّر به قوله سبحانه:(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْء)1.

1 . النحل:75.

صفحه 40
ولعلّ هذا هو الظاهر بشهادة قوله سبحانه: (وَقَالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا)فقد وصفوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بقولهم: (رَجُلاً مَسْحُوراً) ثمّ قال: (اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً)1: أي انظر كيف وصفوك.
ومنه يظهر معنى قوله سبحانه: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ)2: أي كذلك يصف الله الحق والباطل.
المثَل: المماثل والنظير، وبذلك يعلم أنّ الأمثال القرآنية ليست بمعنى المثل السائد بين الناس، وإنّما هي تمثيلات لبيان حال إنسان أو طائفة، ولذلك يستعمل تارة في تشبيه إنسان أو طائفة بإنسان آخر أو طائفة أُخرى كما في قوله سبحانه: (وَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ)3.
وأُخرى في بيان حال طائفة دون أن يقصد به التشبيه، ويكون معنى:(وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً)أي بيّن لهم حال طائفة شبيهة بحال كفّار قريش.
القرية: اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس، وربّما تطلق ويراد أهلها، كما في قوله تعالى:(وَ اسْأَلِ الْقَرْيَـةَ)4.
المرسلون: إمّا من جانب عيسى(عليه السلام) من الحواريين، أو من الله سبحانه.
فعزَّزنا: فقوّينا وشدّدنا.

1 . الفرقان:8ـ9.
2 . الرعد:17.
3 . التحريم:11.
4 . يوسف:82.
Website Security Test