welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 24*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 24

صفحه 1
   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 24
(24)

صفحه 2

صفحه 3
   24
الجزء الرابع والعشرون ويشتمل على تفسير: الزمر، وغافر، وفصّلت
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ
منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني.ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)1393.
30ج
ISBN:978-964-357-546-5(VOL.24)
ISBN:978-964-357-510-6(30 VOLSET)
فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه: به صورت زيرنويس.
1. تفسير شيعة ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسه امام صادق(عليه السلام). ب. عنوان.
8م2س/98/BP   179/297
1393
اسم الكتاب:    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج24
المؤلّف:    آية الله العظمى جعفر السبحاني
الطبعة:    الأُولى
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
تاريخ الطبع:    1393ش/1435ق/ 2014م
القطع:    وزيري
عدد النسخ:    1000
      تسلسل النشر:842            تسلسل الطبعة الأُولى:421
مركز التوزيع
قم المقدسة; ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir info@tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
مقدّمة المؤلّف
الحمد لله الّذي نزّل الكتاب تبياناً لكلّ شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، والصلاة والسلام على مَن نزل به الروح الأمين على قلبه ليكون من المنذرين، وعلى عترته الطيبين الطاهرين.
أمّا بعد فهذا هو الجزء الرابع والعشرون من تفسير «منية الطالبين في تفسير القرآن المبين» والّذي يتضمّن تفسير السور التالية: الزمر، وغافر، وفصّلت، والّتي يقع معظم آياتها في الجزء الرابع والعشرين من الأجزاء الثلاثين للقرآن الكريم.
وربّما يخطر ببال القارئ أنّ هذا التفسير لم يعر الاهتمام لاختلاف القراءات في الآيات، ولا يذكر منها شيئاً إلاّ النزر اليسير، ولا يفسّر الآيات على ضوء اختلافها.
نعم سلك التفسير هذا الطريق لأجل ما استفاض به الحديث عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام): «أنّ القرآن واحد نزل من عند واحد، وإنّما الاختلاف جاء من قبل الرواة »1; فعلى هذا فليس للقرآن المنزّل من الله سبحانه إلاّ قراءة واحدة نزل بها الروح الأمين على قلب سيد المرسلين، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم)علّمها أهل بيته وأصحابه.

1 . الكافي: 2 / 630، كتاب فضل القرآن، برقم 12 ـ 13 .

صفحه 8
وليس هذا من كلامنا بل هو رأي المحقّقين من الإمامية ; فهذا هو المحقّق البهبهاني (1118 ـ 1206 هـ) يقول: لا يخفى أنّ القرآن عندنا نزل بحرف واحد والاختلاف جاء من قبل الرواية1.
نعم المعروف وجود قراءات سبع لقرّاء سبعة، ولكلّ قارئ راويان، وإليك أسماءهم :
1. عبدالله بن عامر اليحصبي، قارئ الشام (المتوفّى 118 هـ).
2. عبدالله بن كثير الداري، قارئ مكّة (المتوفّى 120 هـ).
3. عاصم بن أبي النجود، قارئ الكوفة (المتوفّى 128 هـ).
4. أبو عمرو بن العلاء المازني، قارئ البصرة (المتوفّى 154 هـ).
5. حمزة بن حبيب الزيّات، قارئ الكوفة (المتوفّى 156 هـ).
6. نافع بن عبدالرحمن الليثي، قارئ المدينة (المتوفّى 169 هـ).
7. علي بن حمزة الكسائي، قارئ الكوفة (المتوفّى 189 هـ).
ولكن الحقّ أنّ القرآن الرائج بين المسلمين في عامّة الأقطار والأعصار هو الّذي وصل إلينا متواتراً جيلاً بعد جيل. ولعلّه لا يوجد كتاب يبلغ في التواتر ما بلغ إليه كتاب الله الموجود بين المسلمين، وأمّا القراءة بغير القراءة المتواترة فهي مردودة من جهات:
الأُولى: أنّ القراءة بغير القراءة المعروفة رهن كون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قد قرأ القرآن بقراءات سبع، وأنّى للقائل إثبات ذلك؟ إذ لم يكن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قائداً

1 . جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: 9 / 294 .

صفحه 9
فارغاً حتّى يجمع كتّاب الوحي حوله ويقرأ كلّ القرآن أو جلّه بقراءات سبع، إذ أنّ المسؤوليات المهمة الكثيرة الّتي كان يضطلع بها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)تعوقه عن القيام بهذا العمل الّذي يأخذ منه الوقت الكثير. أضف إلى ذلك: أنّ كتب السيرة الّتي تتضمّن بين دفتيها حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)خالية عن ذكر هذا العمل الباهظ الّذي يأخذ الوقت الكثير من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من دون أن يرجع بفائدة كبيرة إليه أو إلى الأمّة.
نعم ربّما تعرض الآية على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو يصحّح قراءتها أو يؤكد صحّتها، وأين هذا ممّا قد يدّعى من تواتر القراءات السبع عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّه قرأ بها أو أمضى صحّة القراءة بها.
الثانية: الحديث المتواتر عبارة عمّا بلغ رجال إسناده في جميع الطبقات حدّاً في الكثرة والانتشار بحيث يؤمن ـ قطعياً ـ من تواطئهم على الكذب، ومن ثمّ يجب في الحديث المتواتر أن تكون النقلة في كلّ طبقة ممّن يؤمن تواطؤهم على الكذب، وهذا الشرط غير موجود بين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)والقرّاء السبعة، وبينهم وبيننا .
هذا هو عبدالله بن كثير (المتوفّى 120 هـ) يتوسّط بينه وبين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)رجال ثلاثة: عبدالله بن السائب، ومجاهد بن جبر، ودرباس مولى عبدالله بن عباس.
وكذا عاصم بن أبي النجود (المتوفّى 128 هـ) يتوسّط بينه وبين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)رجلان: أبو عبدالرحمن السلمي، وزرّ بن حُبيش .
وهذا هو الكسائي (المتوفّى 189 هـ) يتوسط بينه وبين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

صفحه 10
رجال ثلاثة: حمزة بن حبيب، وعيسى بن عمر، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فكيف يمكن ادّعاء التواتر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مع أنّ الطبقات المتوسّطة كلّها أخبار آحاد .1
لنفترض أنّ الرواة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كانوا على حدِّ يمتنع تواطؤهم على الكذب إلى نفس القارئ ولكنّ القراءات المتعددّة وصلت إلينا بواسطة قارئ واحد وهو كلّ واحد من القرّاء السبعة، فإذاً كيف توصف القراءة بالتواتر إذا كان الراوي في بعض الطبقات شخصاً واحداً كما هو المفروض؟
أضف إلى ذلك: أنّ هذه القراءات وصلت إلينا من نفس القرّاء بواسطتين، لأنّ لكلّ قارئ راويان يتوسّطان بين القارئ وبين الآخرين فأين التواتر؟
فبما ذكرنا ظهر أنّ تواتر القراءات السبع مخدوش من جهات ثلاث:
أ. فقدان التواتر بين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وبين القرّاء.
ب. عود المشكلة إلى نفس القارئ، فإنّه لا يعدو عن كونه شخصاً واحداً.
ج. فمن يروي عنه إذ لا يعدو عن راويين.
أضف إلى ذلك: أنّ القرآن الموحّد نصّاً وشكلاً وصورة وإعراباً، أنفع بحال المسلمين من القرآن المختلف فيه من جهات شتّى، ويشهد لذلك أنّه لو قام أحدٌ بطبع القرآن الكريم بالقراءات السبع لأصبح القرآن وكأنّه

1 . تفسير البيان: 130، فصل أضواء على القرّاء.

صفحه 11
كتاب بشريّ، اختلف النسّاخ في تعبيره وكلماته وجمله، فكلٌّ كتب ما وجده صحيحاً وترك غيره، فما هو المبرر لهذا العمل الّذي يحّط من عظمة الكتاب وجلالته، ويضفي عليه صورة شوهاء؟
وهذا هو الّذي دفعنا إلى الاعتماد على المصحف الموجود المتواتر، بل فوق المتواتر والتركيز على تفسيره فقط، والإعراض عمّا شحن به المفسّرون تفاسيرهم من القراءات المختلفة وربّما بالقراءات الشاذّة، وذكروا للآيات احتمالات حسب اختلاف القراءات.
والله من وراء القصد
والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني
قم / مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 12

صفحه 13

سورة الزمر

(تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلاَ للّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَوْ أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لأَجَل مُسَمًّى أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ * خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْق فِي ظُلُمَات ثَلاَث ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنّى تُصْرَفُونَ * إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللّهَ غَنيٌّ عَنْكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ

صفحه 14
بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ للّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ * أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ * قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب * قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم * قُلِ اللّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِيني * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ * وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبَابِ * أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ * لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ

صفحه 15
لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللّهِ لاَ يُخْلِفُ اللّهُ الْمِيعَادَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الأَلْبَابِ * أَفَمَنْ شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلاَل مُبِين * اللّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللّهِ ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ * كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * فَأَذَاقَهُمُ اللّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَج لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُل هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللّهِ

صفحه 16
وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ * وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * أَلَيْسَ اللّهُ بِكَاف عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * وَمَنْ يَهْدِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلّ أَلَيْسَ اللّهُ بِعَزِيز ذِي انْتِقَام * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ أَرَادَنيَ اللّهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَني بِرَحْمَة هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبيَ اللّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ * قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ * إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل * اللّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرى إِلَى أَجَل مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ * أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ * قُلْ للّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ

صفحه 17
وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * قُلِ اللهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ * قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى

صفحه 18
عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللّهَ هَدَاني لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * قُلْ أَفَغَيْرَ اللّهِ تَأْمُرُونّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا

صفحه 19
يَفْعَلُونَ * وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلْوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ * وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ للّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

صفحه 20
خصائص السورة
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف بسورة «الزمر» لورود هذا اللفظ فيها ولم يرد في سورة أُخرى، وربّما تُسمّى بـ «سورة الغُرَف» لوروده في قوله تعالى: (لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ).1

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها خمس وسبعون في عدّ الكوفي، واثنتان وسبعون في عدّ المدنيّ والمكّيّ، وثلاث وسبعون في عدّ الشّاميّ .2
والسورة مكّيّة بشهادة مضامينها، حيث تناولت بشكل رئيسي قضية التوحيد وعرضت البراهين الدالّة على وحدانيته سبحانه وقدرته المبدعة، وغير ذلك ممّا يناسب ظروف الفترة المكيّة التي كان يسود فيها الشرك.
نعم ربّما يُدّعى أنّ الآيات 53 و 54 و 55، مدنية، وأنّها نزلت في «وحشي» قاتل حمزة، وأصحابه .3
ومن المعلوم أنّ الفكرة الأُموية الّتي سادت بعد شهادة الإمام أمير

1 . الزمر:20.
2 . مجمع البيان: 8 / 421 .
3 . تفسير القرطبي: 15 / 232، وليس أصحابه إلاّ الطغمة الأُموية وعلى رأسهم أبو سفيان وزوجته هند آكلة الأكباد.

صفحه 21
المؤمنين (عليه السلام)هي السبب في جعل هذه المخيّلات والأوهام حتّى يبرّئوا بذلك البيت الأُموي وأنصاره من الجرائم الفظيعة الّتي ارتكبوها عبر عصر الرسالة، إلى أن استسلموا وانسلكوا في عداد المنافقين.
ولأجل ما ذكرنا يقول ابن عاشور ـ بعد أن نقل بعض الروايات الّتي تذكر أنّها نزلت في حقّ بعض الأشخاص ـ : والمتّجه أنّها كلّها مكّيّة وأنّ ما يخيّل من أنّها نزلت في قصص معيّنة، إن صحّت أسانيده، أن يكون وقع التمثّل به في تلك القصص فاشتبه على بعض الرواة بأنّه سبب نزول.1

أغراض السورة

الغرض المهم في هذه السورة هو الدعوة إلى التوحيد في العبادة، والإخلاص فيها، وهذا هو المحور الرئيسي لسائر آيات السورة، وهذا ما سنقرأه في الآيات التالية:
قوله تعالى: (فَاعْبُدِ اللّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ)، وقوله: (أَلاَ للّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)، وقوله: (قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ)، وقوله تعالى: (قُلِ اللّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِيني)، وقوله: (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُل هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ).
فهذه الآيات تعرب عن أنّ الغرض الأقصى هو الإخلاص في العبادة والطاعة، ورفض عبادة غيره سبحانه.
كما أنّ السورة اشتملت على أُمور أُخرى متفرّعة عن مسألة التوحيد والإخلاص في العبادة، كما سترى .

1 . التحرير والتنوير: 24 / 5 .

صفحه 22
ومن أبرز آيات السورة قوله تعالى حاكياً عن المشركين: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى)، فقد فضح سبحانه قولهم هذا في ذيل الآية وقال: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)، وسيوافيك توضيحه.

الآيات: الأربع الأُولى

(تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلاَ للّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَوْ أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).

المفردات

تنزيل: مصدر بمعنى المنزّل، خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا الكتاب المنزّل، من باب إضافة الصفة إلى الموصوف.
الدين: أُريد به هنا العبادة، كما سيوافيك. وربّما يطلق ويراد به الطاعة والجزاء كلّ حسب قرينة تدلّ على تعيين واحد منهما.
الخالص: ما لا يشوبه شيء غيره .
زلفى: الزلفى: المنزلة والحظوة، والمَزالف: المراقي.

صفحه 23
سورة الزمر: الآيات1ـ4

التفسير

قد مرّ أنّ الغرض الأقصى في هذه السورة هو الدعوة إلى التوحيد في العبادة والإخلاص في الطاعة، وبما أنّ طريق الدعوة إليهما هو الكتاب العزيز افتتحت هذه السورة بذكر هذا الكتاب ونزوله من الله تعالى فقال:
1. (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ):
افتتحت بهذه الآية سورتان أُخريان، هما : الجاثية، والأحقاف، والآية تؤكّد على ردّ دعوى المشركين بأنّ القرآن من صنع محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)أو أنّه تعلّمه من غيره، فقال تعالى: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ): أي هذا الكتاب منزّل من الله الذي يوصف بـ (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)فالله عزيز لا يُقهر، وحكيم في أفعاله وأقواله، ومن ثمّ يكون كتابه الذي هو مظهر أقواله حكيماً متقناً، ويحتمل أن يكون (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)وصفين للكتاب ; لقوله سبحانه: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ)1، وقوله تعالى: (الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ)2، ولكن الوجه الأوّل أقرب.
ثمّ إنّ التنزيل مصدر من باب التفعيل، وصف به الكتاب العزيز، ولكنّه وصفه في الآية التالية بالإنزال وقال: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)

1 . فصّلت: 41 .
2 . يونس: 1 .

صفحه 24
وعندئذ يطرح السؤال التالي: إنّ كلمة (تنزيل) تُشعر بنزول الشيء تدريجاً، بينما كلمة الإنزال تُشعر بالنزول الدفعي، فكيف يتمّ الجمع بين النزولين المختلفين؟
والجواب: يظهر من الآيات أنّ للقرآن نزولين: نزول دفعي ويراد به نزوله دفعة على قلب سيد المرسلين في ليلة القدر، قال سبحانه: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)1; ونزول تدريجي، ويراد به نزوله متفرّقاً حسب مقتضيات الأحداث، والحكمة من وراء هذا النزول، تثبيت فؤاد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما قال سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً)2. وسيوافيك تفصيله في سورة الدخان والقدر والعلق، فانتظر.
وهناك سؤال آخر وهو: أنّ نزول القرآن في ليلة القدر من شهر رمضان يتعارض مع ما روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)من أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قد بُعث في السابع والعشرين من شهر رجب؟
والإجابة عنه واضحة، فالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث في شهر رجب وبُشّر فيه بالنبوة والرسالة دون أن ينزل عليه شيء من القرآن، وإنّما نزل القرآن بعد قرابة شهرين، وذلك في ليلة القدر من شهر رمضان. نعم في رواية البخاري3 أنّ البعثة كانت متزامنة مع نزول القرآن، لكن الرواية لا يمكن الركون إليها; لأنّها مرويّة عن عائشة زوجة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي لم تدرك زمن

1 . القدر: 1 .
2 . الفرقان:32.
3 . صحيح البخاري:1/3، باب كيف كان بدء الوحي; و ج3، ص 173، في تفسير سورة العلق.

صفحه 25
البعثة، لقولهم إنّها ممّن ولد في الإسلام 1، وسيوافيك نقد الرواية في سورة العلق، فانتظر.
2. (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ):
افتتح سبحانه الآية بقوله: (إِنَّا)تأكيداً للكلام وإظهاراً للاهتمام وتصريحاً لما ورد في الآية الأُولى وهو أنّه منزّل من الله سبحانه، وتعريفاً للكتاب بأنّه ملابس للحق، كما قال: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ): أي أنزلنا إليك لا لغيرك، إذ لا يتحمّل المعارف العليا بما في الكتاب من السنن والقوانين إلاّ الأمثل من ا لناس وهو أنت، والكتاب المنزّل مقرون بالحق وملابس له في جميع معانيه (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاَ مِنْ خَلْفِهِ)2. ثم فرّع عليه قوله: (فَاعْبُدِ اللّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ)المراد من (الدين) هو العبادة بقرينة قوله: (فَاعْبُدِ اللّهَ): أي عبادة مخلصاً له عبادتك من شوائب الشرك، جليّة أو خفيّة، فلا تقبل عبادة الله إلاّ بالإخلاص ; لأنّ روح العبادة هي الإخلاص، فكلّ عمل جوارحي إذا جُرّد عن كونه لله بل للرياء والسمعة فهو كالجسد بلا روح.
روى الإمام الرضا(عليه السلام) أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كان يقول: «طوبى لمَن أخلص لله العبادة والدعاء، ولم يُشغل قلبه بماترى عيناه، ولم ينس ذكر الله

1 . سير أعلام النبلاء: 2 / 139، الترجمة 19.
2 . فصّلت: 42 .

صفحه 26
بما تسمع أُذناه، ولم يحزن صدره بما أُعطي غيره».1
ويظهر ممّا رواه سفيان بن عُيينة، عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) أنّ الإخلاص أشدّ من العمل، قال ـ في حديث ـ : «الإبقاء على العمل حتى يخلص أشدّ من العمل، والعمل الخالص ]هو [الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلاّ الله».2
نعم الإخلاص أشدّ من العمل، ولكنّه سبحانه وتعالى لرأفته ورحمته، يقبل عبادة عبيده إذا كان فيها شيء من الإخلاص، فإنّ الناس ليسوا على وتيرة واحدة في ذلك المضمار، بل هم على أقسام حسب ما روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال:«إنّ قوماً عبدوا الله رغبة ]في الجنة [فتلك عبادة التجّار، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبة ]من عذابه[ فتلك عبادة العبيد، وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار».3 فالدين الخالص هو القسم الثالث، وإن كان القسمان الأوّلان لا يخلوان عنه.
3. (أَلاَ للّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ):
تتضمّن هذه الآية أُموراً:

1 . الوسائل: 1، الباب8 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث3.
2 . الوسائل: 1، الباب 8 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث4.
3 . نهج البلاغة: قسم الحِكم، برقم 237; الوسائل: 1، الباب9 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث3.

صفحه 27
الأوّل: لمّا تضمّن قوله سبحانه : (فاعبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ)لزوم الإخلاص في الدين، جاء البيان القرآني مؤكّداً على هذا الأمر وأنّ الإخلاص في العبادة وظيفة كلّ إنسان، وأنّه سبحانه هو المستحقّ لهذا النوع من العبادة كما يقول:(أَلاَ للّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)واللام لام الملك أو لام الاستحقاق، أي لا يستحقّ أحدٌ الطاعة غير المشوبة إلاّ الله تعالى.
ووجهه واضح، لأنّ العبادة من شؤون المالكية والله سبحانه مالك الملك والملكوت، ومالك الأرض والسماوات وما فيهما فلا يشاركه فيها غيره، فجعل الغير شريكاً في العبادة ـ الذي يضادّ الإخلاص ـ تعدٍّ على حقّ الله سبحانه، لأنّ غيره لا يستحق شيئاً.
الثاني: تحكي الفقرة الآتية من الآية : (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ)عمّا يقوله المشركون عندما يُسألون عن وجه عبادة غير الله سبحانه، فإذا سئلوا عن ذلك، قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى)وبذلك يبرّرون عبادة غير الله .
توضيح ذلك: أنّه إذا احتجّ على المشركين بأنّ هذه الأصنام والأوثان لا تقدر على دفع الضرّ عن نفسها ولا جلب النفع إليها، فكيف أنتم أيّها المشركون تتّخذونهم أولياء وتعبدون ما لا يستطيع جلب الخير ودفع الضرّ؟ فإذا واجهوا هذا السؤال المحرج، يتظاهرون بغير ما اعتقدوا وينكرون أنّهم اتّخذوهم أولياء، بل يقولون نحن نعبدهم لأجل شيء واحد، وهو أنّهم مقرّبون عند الله فقط، ونحن نعبدهم لنتقرّب بعبادتهم إلى الله سبحانه، وكأنّ للتقرّب إلى الله سببين: أحدهما عبادة الله سبحانه، والآخر عبادة المقرّبين عندهم، ولا نعتقد فيهم أيّ شيء: من كونهم أولياء،

صفحه 28
أو بأيديهم مصيرنا في الدنيا والآخرة، كما يحكي عنه قوله سبحانه: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى) .
الثالث: يندّد سبحانه بما يتظاهر به هؤلاء في كلامهم السابق، وأنّه سيحكم بينهم يوم القيامة، كما يقول: (إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)فهل الحكم بين المشركين فقط كما هو ظاهر الآية؟ أو بين المشركين والموحِّدين؟
نرى أنّ بعض المفسّرين جنح إلى الثاني قائلاً بأنّه لا يختلف المشركون فيما بينهم على الشرك، وإنّما يختلف المشركون والموحّدون، والله سبحانه يفصل بين الفريقين فينعم على مَنْ وحّد واتقى، وينتقم ممّن أشرك وبغى .1
ويمكن أن يكون حكمه سبحانه بين المشركين وأوليائهم من القدّيسين، حيث إنّ الأولياء يتحاشون عن عمل المشركين من اتّخاذ القدّيسين أولياء ومن ثمّ عبادتهم، كما هو الحال في المسيح (عليه السلام)فإنّه لم يأمر أحداً بعبادته، قال سبحانه حاكياً عنه: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ)2.
ويظهر من كثير من الآيات أنّ الأولياء يتبرّأون من عمل المشركين.
الرابع: أنّه سبحانه يكذّبهم ويقضي بأنّهم كاذبون في قولهم: (مَا

1 . التفسير الكاشف: 6 / 393 .
2 . المائدة: 117 .

صفحه 29
نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى)، بل يعبدونها لغايات أُخرى حيث يقصدون أنّ النصر والعزة ونزول الغيث كلّها بيد الآلهة، ويشهد لذلك قوله سبحانه: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)1، وقوله سبحانه حاكياً عنهم أيضاً: (لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)2 .
وسيوافيك في حديث ورود الشرك إلى مكة المكّرمة أنّ مشركي قريش كانوا يستمطرون بهبل، فكيف يدّعون أنّه ليس لعبادتنا غاية إلاّ التقرّب بعبادتهم؟
وبعبارة أُخرى: إنّ المشركين في عبادتهم هذه لا ينكرون عبادة الآلهة وإنّما ينكرون أن تكون الغاية غير التقرّب، فيدمغ الله سبحانه القائل منهم بذلك بالكذب في هذا المدّعى وبشدّة الكفر. كما قال: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ).
ولا شكّ في أنّ مَن يبني معتقده على الأوهام، ويتمادى في الكذب على الله، يُسلب عنه التوفيق واللطف الإلهي، فلن يهتدي أبداً.
ثم إنّ المشركين ربّما يكرّرون هذا الاعتذار في مكان آخر، فقد حكى عنهم سبحانه بقوله: (وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا )3: أي نحن لا نعتقد في حقّهم سوى كونهم شفعاء من دون أن نتّخذهم أولياء أو نعتقد بأنّ شيئاً من أُمورنا بأيديهم.

1 . يس: 74 .
2 . مريم: 81 .
3 . يونس: 18 .

صفحه 30
إلى هنا تمّ ما يرجع إلى توضيح فقرات الآية. بقي هنا شيء وهو أنّ هذه الآية وقعت ذريعة بيد الوهابيّين في إبطال التوسّل بالأولياء، وقد حفلت كتبهم بالقول بأنّ التوسّل بالنبيّ وآله وسائر الأنبياء هو كتوسّل المشركين بآلهتهم ويستدلّون بهذه الآية وغيرها، ولنذكر هنا كلام رائد المسلك الوهابيّ في القرن الثاني عشر في هذا الصدد، فإنّه قال: الكفّار1يريدون منهم (من الصالحين)، وأنا أشهد أنّ الله هو النافع الضار المدبّر لا أُريد إلاّ منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم.
فالجواب: أنّ هذا قول الكفّار 2 سواء بسواء، واقرأ عليه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى)، وقوله تعالى: (وَ يَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ)3.4
قد اخترنا هذه الفقرة لأنّها أصرح في بيان مرامه، وقد تكلّم قبل ذلك في هذا الموضوع على وجه التفصيل. وشتّان بين توسّل الموّحدين بالأنبياء وتوسّل المشركين بالأصنام!!

الرد على شبه الوهابيّة في التوسّل

أقول: وفي كلامه أوهام غفل عنها القائل واستغفل أتباعه:

1 . يريد بالكفّار عامّة المسلمين إلاّ مَن آمن به من النجديّين.
2 . يريد مشركي عصر الرسالة.
3 . يونس: 18 .
4 . كشف الشبهات في التوحيد تأليف محمد بن عبد الوهاب:7، تحقيق محب الدين الخطيب، طبعة 1390هـ .

صفحه 31
الأوّل: أنّ ما نسب إلى مشركي عصر الرسالة بأنّهم لم يكونوا معتقدين في آلهتهم أيّ نفع وضرّ، وقد عرفت أنّه مخالف لصريح الذكر الحكيم والتاريخ المتضافر، فقد كانوا يطلبون العزّة والانتصار منهم، وعرفت أنّهم كانوا يستمطرون بالأصنام، فكيف ينسب إليهم ما ذكر؟!
الثاني: وجود الفرق الواضح بين عمل المشركين وعمل الصالحين، فإنّ المشركين كانوا يعبدون الأصنام لاعتقادهم بربوبيتها على وجه السعة أو على نطاق خاص، كما مرّ بيانه وشهدت به الآيات، فعندئذ توصف توسّلاتهم وتعلّقاتهم بالأصنام، بالعبادة; بخلاف الصالحين فإنّهم لا يعتقدون في النبيّ وآله وسائر الأنبياء سوى أنّهم عباد الله الصالحين إذا دعوا تستجاب دعوتهم، فأقصى ما يطلبون منهم هو الدعاء في حقّهم وطلب حاجاتهم من الله، ولو قالوا: يا أيّها النبي اشفع لنا عند الله، لا يريدون سوى طلب الدعاء والمغفرة، وقد كان الصالحون يطلبون الدعاء من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته، وقد أمر به سبحانه في كتابه العزيز وقال: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّابًا رَحِيماً)1، وقال سبحانه أيضاً ـ مندّداً بالمنافقين ـ : (وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)2، أفيمكن أن يكون عمل واحد في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)هو عين التوحيد، وأن يكون نفس العمل في حال رحيله كفراً بواحاً وشركاً واضحاً على حدّ يجب أن يقتل الفاعل، فأين تذهبون؟!

1 . النساء:64.
2 . المنافقون:5.

صفحه 32
إنّ محمد بن عبد الوهاب لم يفرّق بين التعلّق بغير الله بما أنّ في يده مصير الداعي وسعادته وشقاءه، وبين التعلّق بغير الله بما أنّه من عباد الله الصالحين تستجاب دعوتهم، وجعل الجميع في عرض واحد، وبذلك أراق دماء المسلمين في الجزيرة وخارجها بحجّة أنّهم مشركون في أصل التعلّق بغيره، ووصف الجميع بالكفر، أعاذنا الله من شرور أنفسنا.
الثالث: أنّ استشهاده بقوله تعالى: (وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا) استشهاد أبتر، فإنّه حذف صدر الآية واكتفى بهذه الفقرة حتى يكون ملاك الشرك، مجرد الاعتقاد بالشفعاء، مع أنّ للآية صدراً يبطل استدلال المستدلّ، قال سبحانه: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).1 ترى أنّ الآية تصف المشركين بعملين:
1. عبادتهم للأصنام كما يحكي عنه قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ...).
2. اعتقادهم بأنّهم شفعاء.
وأمّا الصالحون فلا يعبدون إلاّ الله، إذ لا يعتقدون بمدبّر إلاّ الله سبحانه بخلاف المشركين، فكيف يمكن الاستدلال بالآية النازلة في حقّ المشركين على بطلان عمل الصالحين، ومجرّد اشتراك الجميع في الاعتقاد بالشفعاء لا يُسوِّغ جعل الجميع في صف واحد، وإلاّ فالوهابيون جميعاً يعتقدون بالشفعاء بلا إشكال، كيف والقول بوجود الشفعاء من ضروريات

1 . يونس: 18.

صفحه 33
القرآن وإن كان الشفيع عند الموحّد، غيره عند المشرك.
وفي ختام المقام نلفت نظر داعية الوهابية إلى ذيل الآية التي استدلّ بها أعني: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)، فكما أنّ الآية تكذّب قول القائلين بأنّ الداعي للعبادة هو مجرّد كسب التقرّب إلى الأصنام، لما عرفت من أنّهم كانوا معتقدين بربوبيّتهم، فكذا تكذّب قول محمد بن عبد الوهاب بأنّ قول الصالحين هو نفس قول المشركين مع أنّ بينهما بُعد المشرقين، فأين قول مَن لا يعتقد إلاّ بربوبية الله تعالى من قول مَن يطلب الانتصار والعزة من الأصنام؟!

إبطال تبنّي الولد

4. (لَوْ أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ):
لمّا ذكر سبحانه في الآية السابقة أنّ المشركين في ادّعائهم السابق كاذبون، أقام دليلاً واضحاً على كذبهم في دعواهم أنّهم لم يتّخذوا أولياء من دون الله سبحانه، وذلك أنّ كثيراً منهم يعتقدون بأنّ الأصنام بنات الله أو أنّها تَرْمز إليها والمراد: الأصنام الثلاثة: اللات والعُزّى ومَناة، ولذلك كانوا يفتتحون أعمالهم باسم اللات والعزّى، فكيف يقولون: لم نتّخذ ولياً من دون الله سبحانه؟!
ولمّا كان هذا الاعتقاد شائعاً بين المشركين ردّ سبحانه على ذلك بقوله: (لَوْ أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا): أي لو أراد الله ـ على فرض المحال ـ أن

صفحه 34
يتّخذ ولداً لما اتّخذ اللات والعزى ومناة والأجسام الجامدة ولداً، وإنّما يتّخذ ما يشاء وما يليق بحاله كما قال: (لاَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) من الملائكة، (سُبْحَانَهُ): أي منزّه عن ذلك أيضاً ; أيضاً لأنّه مستغن عنه و (هُوَ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).
وقد استدلّ سبحانه بهذين الاسمين على نفي اتّخاذ الولد بأي شكل كان، سواء أكان ولداً حقيقياً ـ كما عليه النصارى ـ أو تبنّي الولد ـ كما كان عليه مشركو عصر الرسالة ـ وإليك بيان الوصفين كالدليلين على نفي الولد:
أمّا الوصف الأوّل: أعني: كونه سبحانه واحداً، فمن المعلوم أنّه لا يراد به الوحدة العددية في مقابل الاثنين، فالله عزّ اسمه أجلّ من أن يوصف بها، بل المراد به الوحدة الحقّة الحقيقية، أي ما ليس له نظير ومثيل.
وبعبارة أُخرى: واحد لا يتثنّى ولا يتكثّر ولا يتعدّد ; لأنّه صرف الوجود، وصرف الشيء لا يتثنّى، لأنّ التعدّد فرض وجود ميز بين الشيئين، والمفروض أنّه صرف الوجود لا ميز فيه إلاّ أن يكون الميز عارضاً من الخارج.
يقول الحكيم السبزواري:
إنّ الوجود ما له من ثانِ *** ليس قرى وراء عبّادانِ

بيان أمير المؤمنين (عليه السلام) في كونه تعالى واحداً

ثمّ إنّ للإمام علي(عليه السلام) بياناً في كونه سبحانه واحداً، نأتي به.
روى الصَّدوق بإسناده عن شُريح بن هانئ ] الحارثيّ المَذْحِجيّ[، قال: إنّ أعرابياً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين

صفحه 35
أتقول: إنّ الله واحد؟ قال: فحمل الناس عليه وقالوا: يا أعرابي أماترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسّم القلب؟ فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «دعوه فإنّ الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم»، ثم قال: «يا أعرابي إنّ القول في أنّ الله واحد على أربعة أقسام، فوجهان منها لا يجوزان على الله عزّ وجلّ، ووجهان يثبتان فيه، فأمّا اللّذان لا يجوزان عليه فقول القائل: «واحد» يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز، لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، ألا ترى أنّه كفر من قال: إنّه ثالث ثلاثة; وقول القائل: هو واحد من الناس» يريد به النوع من الجنس، فهذا ما لا يجوز، لأنّه تشبيه، وجلّ ربّنا وتعالى عن ذلك.
وأمّا الوجهان اللّذان يثبتان فيه، فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربّنا; وقول القائل: إنّه عزّ وجلّ أحديّ المعنى، يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، كذلك ربّنا عزّ وجلّ».1
هذا كلّه يرجع إلى نفي الولد الحقيقي، وأمّا الولد الاعتباري ـ أعني: التبنّي ـ فيأتي بيانه تالياً.
وأمّا الوصف الثاني: أعني: كونه قهّاراً، فهو يدلّ على نفي حاجته إلى التبنّي، لأنّ المتبنّي يستهدف بهذا الطريق تلبية حاجاته، والله سبحانه قاهر على كلّ شيء لا يغلبه شيء ولا يصرفه عن إرادته شيء، وليس فقيراً حتّى يتبنّى، ليدفع بذلك فقره.
وبما ذكرنا ظهر: أنّ الآية تستهدف إبطال تبنّي الأصنام الثلاثة، وأنّ الاستدلال مبنيّ على فرض أمـر محـال، فلا تدلّ الآية على أنّه اصطفى

1 . الخصال : 2، ح 1، باب الواحد; تفسير نور الثقلين:4/475ـ476.

صفحه 36
الأجمل والأحسن من مخلوقاته، نعم لو فرض على وجه المحال أنّه اتّخذ ولداً لاصطفى ممّا يشاء، وبما أنّه لم يتّخذ ولداً لكونه واحداً قهّاراً فهو لم يصطفِ أحداً من مخلوقاته، نظير قول القائل:
ولو طار ذو حافر قبلها *** لطارت ولكنها لم تطر

نظرية اتّخاذ الولد عند المشركين والنصارى

تشترك الطائفتان في نسبة الولد إلى الله سبحانه، لكن بصورتين مختلفتين، فالنصارى على أنّ لله ولداً حقيقياً يُدعى ابن الله، وأمّا المشركون فهم يعتقدون بتبنّي الله للولد، أي ولداً تشريفياً لا حقيقياً.
ولتوضيح العقيدتين نذكر ما يلي:
إنّ الذكر الحكيم طرح موضوع كونه سبحانه ذا ولد على وجهين:
1. أن يكون له ولد حقيقي بمعنى أن يلد حتى يكون له ولد، ولا يتحقّق ذلك إلاّ باشتقاق شيء من شيء وانفصاله منه، وهذا يقتضي الشركة في حقيقة الذات والخواص والآثار المنبعثة منها، نظير أُبوّة إنسان لإنسان المقتضية لشركة الابن لأبيه في الإنسانية ولوازمها، وإلى هذا النوع من التفكير يشير سبحانه بقوله: (وَ تَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا)1، وقد شاعت هذه الفكرة من القول بالتثليث ويُقصد به أنّ الربّ في الجوهر واحد، لكنّه ذو أقانيم (شخوص) ثلاثة، هي: الأب، والابن، والروح القدس. قال سبحانه ناقداً لهذه الفكرة: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَ مَا مِنْ إِلَه إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا

1 . مريم:90 ـ 91.

صفحه 37
مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).1
وقال سبحانه: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار)2، فالقول بأنّ لله ولداً حقيقة، أخذه النصارى من الوثنيّين، حيث كان سائداً بين الهنود واليونانيّين والرومانيّين. قال سبحانه: (وَقَالَتِ النَّصَارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ).3ولعلّ قوله: (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ)يشير إلى أُولئك الوثنيّين الذين تقدّم ذكرهم، وقد أوضحنا حال الآية في تفسيرنا المخصص لسورة التوبة.
2. التبنّي واتّخاذ الولد تشريفاً، وكأنّ هؤلاء أكثر تعقّلاً من الطائفة الأُولى، إذ لا يعقل بنوّة لله غير التبنّي بمعنى أخذه بمنزلة الولد وإن لم يكن ولداً حقيقة، وهذا القول كان شائعاً بين المشركين في عصر الرسالة. فإنّ المشركين يزعمون أنّ اللاّت والعزّى ومناة، بنات الله تعالى أو ترمز إليها، قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى)4.

1 . المائدة:73.
2 . المائدة:72.
3 . التوبة:30.
4 . النجم:19ـ 21.

صفحه 38

تركيز الآية على فرضيّة اتّخاذ الولد وبطلانها

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الآية تركّز على فرض اتّخاذ الولد لا على فرض التولّد. ويدلّ على ذلك أمران:
1. لفظة اتّخاذ الولد، قال سبحانه: (لَوْ أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا).
2. لفظة الاصطفاء، فإنّ الاصطفاء يناسب التبنّي لا التولّد، إذ ليس الثاني تحت اختيار من يلد.
وبذلك يُعلم أنّ قسماً من الآيات التي تركّز على اتّخاذ الولد إنّما يريد إبطال مزعمة المشركين وليس ناظراً إلى عقيدة النصارى ومن قبلهم، وإليك بعض هذه الآيات:
قوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا)1.
وقوله: (قَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ).2
وقوله: (وَ يُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا).3
إلى غير ذلك من الآيات التي تركّز على الاتّخاذ أي التبنّي لا التولّد، خصوصاً إذا ضمّ إليه لفظ الاصطفاء.
إذا وقفت على هذين الأمرين نقول: إنّ الآية مكّية، ولم يكن هناك موضوع لطرح التثليث الرائج بين النصارى المبنيّ على التولّد، لا التبنّي، فصرف الآية إلى محاجّة النصارى غفلة عن تاريخ نزول الآية، بل يجب

1 . البقرة:116.
2 . يونس: 68.
3 . الكهف:4.

صفحه 39
صرفها إلى عقيدة المشركين الذين كانوا يعتقدون بفكرة التبنّي، وبذلك يعلم وجود الخلط بين المفسّرين في تفسير الآية حيث لا يركّزون على واحد من الوجهين.

تفسير خاطئ سورة الزمر: الآيات 5ـ7

وربّما يفسّر قوله سبحانه:(لاَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) بالنحو التالي: وهو أنّ المشركين جعلوا البنين لأنفسهم والبنات لله سبحانه، ووصفوا الملائكة بأنّهنّ بنات الله، فالله سبحانه يردّ عليهم بأنّه لو أراد أن يتّخذ ولداً لاصطفى ما هو الأفضل وهو غير البنات.
يلاحظ عليه: بأنّ هذا التفسير نوع اعتراف بأفضلية الابن على البنت مع أنّهما كليهما عند الله سواء، ولا يفضّل أحدهما على الآخر إلاّ بالتقوى.
والوجه الصحيح هو ما ذكرناه من كون اللات والعزّى ـ في زعمهم ـ بنات الله مع كونها من الأجسام الجامدة غير الشاعرة، ولو أراد أن يتّخذ ولداً لاتّخذ ممّا يتمتّع بالحياة والشعور والعقل.

الآيات: الخامسة إلى السابعة

(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لأَجَل مُسَمًّى أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ * خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج

صفحه 40
يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْق فِي ظُلُمَات ثَلاَث ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنّى تُصْرَفُونَ * إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللّهَ غَنيٌّ عَنْكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).

المفردات

يكوّر: قال الراغب: كَوْر الشيء إدارته وضمُّ بعضه إلى بعض، ككَوْر العمامة.1 يقال: كوّر العمامة على رأسه إذا لواها ولفّها.
بالحق: الباء للملابسة، أي خلقها خلقاً ملابساً بالحقّ، أي موافقاً للحكمة وضد العبث.
لأجَل مسمّى: يوم القيامة.
ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة.
تُصرَفون: تعدلون عن عبادة الله إلى عبادة غيره.
تَزِر: تحمل.
وازرة: حاملة الوِزْر.
وِزْر: الوِزْر بمعنى الثِّقل، وأُطلق على الإثم إذ يُلحق التعب بصاحبه .

1 . المفردات للراغب: 443، مادة «كور».
Website Security Test