welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 24*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 24

صفحه 1
   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 24
(24)

صفحه 2

صفحه 3
   24
الجزء الرابع والعشرون ويشتمل على تفسير: الزمر، وغافر، وفصّلت
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ
منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني.ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)1393.
30ج
ISBN:978-964-357-546-5(VOL.24)
ISBN:978-964-357-510-6(30 VOLSET)
فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه: به صورت زيرنويس.
1. تفسير شيعة ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسه امام صادق(عليه السلام). ب. عنوان.
8م2س/98/BP   179/297
1393
اسم الكتاب:    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج24
المؤلّف:    آية الله العظمى جعفر السبحاني
الطبعة:    الأُولى
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
تاريخ الطبع:    1393ش/1435ق/ 2014م
القطع:    وزيري
عدد النسخ:    1000
      تسلسل النشر:842            تسلسل الطبعة الأُولى:421
مركز التوزيع
قم المقدسة; ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir info@tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
مقدّمة المؤلّف
الحمد لله الّذي نزّل الكتاب تبياناً لكلّ شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، والصلاة والسلام على مَن نزل به الروح الأمين على قلبه ليكون من المنذرين، وعلى عترته الطيبين الطاهرين.
أمّا بعد فهذا هو الجزء الرابع والعشرون من تفسير «منية الطالبين في تفسير القرآن المبين» والّذي يتضمّن تفسير السور التالية: الزمر، وغافر، وفصّلت، والّتي يقع معظم آياتها في الجزء الرابع والعشرين من الأجزاء الثلاثين للقرآن الكريم.
وربّما يخطر ببال القارئ أنّ هذا التفسير لم يعر الاهتمام لاختلاف القراءات في الآيات، ولا يذكر منها شيئاً إلاّ النزر اليسير، ولا يفسّر الآيات على ضوء اختلافها.
نعم سلك التفسير هذا الطريق لأجل ما استفاض به الحديث عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام): «أنّ القرآن واحد نزل من عند واحد، وإنّما الاختلاف جاء من قبل الرواة »1; فعلى هذا فليس للقرآن المنزّل من الله سبحانه إلاّ قراءة واحدة نزل بها الروح الأمين على قلب سيد المرسلين، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم)علّمها أهل بيته وأصحابه.

1 . الكافي: 2 / 630، كتاب فضل القرآن، برقم 12 ـ 13 .

صفحه 8
وليس هذا من كلامنا بل هو رأي المحقّقين من الإمامية ; فهذا هو المحقّق البهبهاني (1118 ـ 1206 هـ) يقول: لا يخفى أنّ القرآن عندنا نزل بحرف واحد والاختلاف جاء من قبل الرواية1.
نعم المعروف وجود قراءات سبع لقرّاء سبعة، ولكلّ قارئ راويان، وإليك أسماءهم :
1. عبدالله بن عامر اليحصبي، قارئ الشام (المتوفّى 118 هـ).
2. عبدالله بن كثير الداري، قارئ مكّة (المتوفّى 120 هـ).
3. عاصم بن أبي النجود، قارئ الكوفة (المتوفّى 128 هـ).
4. أبو عمرو بن العلاء المازني، قارئ البصرة (المتوفّى 154 هـ).
5. حمزة بن حبيب الزيّات، قارئ الكوفة (المتوفّى 156 هـ).
6. نافع بن عبدالرحمن الليثي، قارئ المدينة (المتوفّى 169 هـ).
7. علي بن حمزة الكسائي، قارئ الكوفة (المتوفّى 189 هـ).
ولكن الحقّ أنّ القرآن الرائج بين المسلمين في عامّة الأقطار والأعصار هو الّذي وصل إلينا متواتراً جيلاً بعد جيل. ولعلّه لا يوجد كتاب يبلغ في التواتر ما بلغ إليه كتاب الله الموجود بين المسلمين، وأمّا القراءة بغير القراءة المتواترة فهي مردودة من جهات:
الأُولى: أنّ القراءة بغير القراءة المعروفة رهن كون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قد قرأ القرآن بقراءات سبع، وأنّى للقائل إثبات ذلك؟ إذ لم يكن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قائداً

1 . جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: 9 / 294 .

صفحه 9
فارغاً حتّى يجمع كتّاب الوحي حوله ويقرأ كلّ القرآن أو جلّه بقراءات سبع، إذ أنّ المسؤوليات المهمة الكثيرة الّتي كان يضطلع بها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)تعوقه عن القيام بهذا العمل الّذي يأخذ منه الوقت الكثير. أضف إلى ذلك: أنّ كتب السيرة الّتي تتضمّن بين دفتيها حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)خالية عن ذكر هذا العمل الباهظ الّذي يأخذ الوقت الكثير من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من دون أن يرجع بفائدة كبيرة إليه أو إلى الأمّة.
نعم ربّما تعرض الآية على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو يصحّح قراءتها أو يؤكد صحّتها، وأين هذا ممّا قد يدّعى من تواتر القراءات السبع عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّه قرأ بها أو أمضى صحّة القراءة بها.
الثانية: الحديث المتواتر عبارة عمّا بلغ رجال إسناده في جميع الطبقات حدّاً في الكثرة والانتشار بحيث يؤمن ـ قطعياً ـ من تواطئهم على الكذب، ومن ثمّ يجب في الحديث المتواتر أن تكون النقلة في كلّ طبقة ممّن يؤمن تواطؤهم على الكذب، وهذا الشرط غير موجود بين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)والقرّاء السبعة، وبينهم وبيننا .
هذا هو عبدالله بن كثير (المتوفّى 120 هـ) يتوسّط بينه وبين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)رجال ثلاثة: عبدالله بن السائب، ومجاهد بن جبر، ودرباس مولى عبدالله بن عباس.
وكذا عاصم بن أبي النجود (المتوفّى 128 هـ) يتوسّط بينه وبين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)رجلان: أبو عبدالرحمن السلمي، وزرّ بن حُبيش .
وهذا هو الكسائي (المتوفّى 189 هـ) يتوسط بينه وبين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

صفحه 10
رجال ثلاثة: حمزة بن حبيب، وعيسى بن عمر، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فكيف يمكن ادّعاء التواتر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مع أنّ الطبقات المتوسّطة كلّها أخبار آحاد .1
لنفترض أنّ الرواة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كانوا على حدِّ يمتنع تواطؤهم على الكذب إلى نفس القارئ ولكنّ القراءات المتعددّة وصلت إلينا بواسطة قارئ واحد وهو كلّ واحد من القرّاء السبعة، فإذاً كيف توصف القراءة بالتواتر إذا كان الراوي في بعض الطبقات شخصاً واحداً كما هو المفروض؟
أضف إلى ذلك: أنّ هذه القراءات وصلت إلينا من نفس القرّاء بواسطتين، لأنّ لكلّ قارئ راويان يتوسّطان بين القارئ وبين الآخرين فأين التواتر؟
فبما ذكرنا ظهر أنّ تواتر القراءات السبع مخدوش من جهات ثلاث:
أ. فقدان التواتر بين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وبين القرّاء.
ب. عود المشكلة إلى نفس القارئ، فإنّه لا يعدو عن كونه شخصاً واحداً.
ج. فمن يروي عنه إذ لا يعدو عن راويين.
أضف إلى ذلك: أنّ القرآن الموحّد نصّاً وشكلاً وصورة وإعراباً، أنفع بحال المسلمين من القرآن المختلف فيه من جهات شتّى، ويشهد لذلك أنّه لو قام أحدٌ بطبع القرآن الكريم بالقراءات السبع لأصبح القرآن وكأنّه

1 . تفسير البيان: 130، فصل أضواء على القرّاء.

صفحه 11
كتاب بشريّ، اختلف النسّاخ في تعبيره وكلماته وجمله، فكلٌّ كتب ما وجده صحيحاً وترك غيره، فما هو المبرر لهذا العمل الّذي يحّط من عظمة الكتاب وجلالته، ويضفي عليه صورة شوهاء؟
وهذا هو الّذي دفعنا إلى الاعتماد على المصحف الموجود المتواتر، بل فوق المتواتر والتركيز على تفسيره فقط، والإعراض عمّا شحن به المفسّرون تفاسيرهم من القراءات المختلفة وربّما بالقراءات الشاذّة، وذكروا للآيات احتمالات حسب اختلاف القراءات.
والله من وراء القصد
والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني
قم / مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 12

صفحه 13

سورة الزمر

(تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلاَ للّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَوْ أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لأَجَل مُسَمًّى أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ * خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْق فِي ظُلُمَات ثَلاَث ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنّى تُصْرَفُونَ * إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللّهَ غَنيٌّ عَنْكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ

صفحه 14
بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ للّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ * أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ * قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب * قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم * قُلِ اللّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِيني * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ * وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبَابِ * أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ * لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ

صفحه 15
لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللّهِ لاَ يُخْلِفُ اللّهُ الْمِيعَادَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الأَلْبَابِ * أَفَمَنْ شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلاَل مُبِين * اللّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللّهِ ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ * كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * فَأَذَاقَهُمُ اللّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَج لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُل هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللّهِ

صفحه 16
وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ * وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * أَلَيْسَ اللّهُ بِكَاف عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * وَمَنْ يَهْدِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلّ أَلَيْسَ اللّهُ بِعَزِيز ذِي انْتِقَام * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ أَرَادَنيَ اللّهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَني بِرَحْمَة هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبيَ اللّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ * قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ * إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل * اللّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرى إِلَى أَجَل مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ * أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ * قُلْ للّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ

صفحه 17
وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * قُلِ اللهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ * قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى

صفحه 18
عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللّهَ هَدَاني لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * قُلْ أَفَغَيْرَ اللّهِ تَأْمُرُونّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا

صفحه 19
يَفْعَلُونَ * وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلْوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ * وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ للّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

صفحه 20
خصائص السورة
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في المصاحف بسورة «الزمر» لورود هذا اللفظ فيها ولم يرد في سورة أُخرى، وربّما تُسمّى بـ «سورة الغُرَف» لوروده في قوله تعالى: (لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ).1

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها خمس وسبعون في عدّ الكوفي، واثنتان وسبعون في عدّ المدنيّ والمكّيّ، وثلاث وسبعون في عدّ الشّاميّ .2
والسورة مكّيّة بشهادة مضامينها، حيث تناولت بشكل رئيسي قضية التوحيد وعرضت البراهين الدالّة على وحدانيته سبحانه وقدرته المبدعة، وغير ذلك ممّا يناسب ظروف الفترة المكيّة التي كان يسود فيها الشرك.
نعم ربّما يُدّعى أنّ الآيات 53 و 54 و 55، مدنية، وأنّها نزلت في «وحشي» قاتل حمزة، وأصحابه .3
ومن المعلوم أنّ الفكرة الأُموية الّتي سادت بعد شهادة الإمام أمير

1 . الزمر:20.
2 . مجمع البيان: 8 / 421 .
3 . تفسير القرطبي: 15 / 232، وليس أصحابه إلاّ الطغمة الأُموية وعلى رأسهم أبو سفيان وزوجته هند آكلة الأكباد.

صفحه 21
المؤمنين (عليه السلام)هي السبب في جعل هذه المخيّلات والأوهام حتّى يبرّئوا بذلك البيت الأُموي وأنصاره من الجرائم الفظيعة الّتي ارتكبوها عبر عصر الرسالة، إلى أن استسلموا وانسلكوا في عداد المنافقين.
ولأجل ما ذكرنا يقول ابن عاشور ـ بعد أن نقل بعض الروايات الّتي تذكر أنّها نزلت في حقّ بعض الأشخاص ـ : والمتّجه أنّها كلّها مكّيّة وأنّ ما يخيّل من أنّها نزلت في قصص معيّنة، إن صحّت أسانيده، أن يكون وقع التمثّل به في تلك القصص فاشتبه على بعض الرواة بأنّه سبب نزول.1

أغراض السورة

الغرض المهم في هذه السورة هو الدعوة إلى التوحيد في العبادة، والإخلاص فيها، وهذا هو المحور الرئيسي لسائر آيات السورة، وهذا ما سنقرأه في الآيات التالية:
قوله تعالى: (فَاعْبُدِ اللّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ)، وقوله: (أَلاَ للّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)، وقوله: (قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ)، وقوله تعالى: (قُلِ اللّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِيني)، وقوله: (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُل هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ).
فهذه الآيات تعرب عن أنّ الغرض الأقصى هو الإخلاص في العبادة والطاعة، ورفض عبادة غيره سبحانه.
كما أنّ السورة اشتملت على أُمور أُخرى متفرّعة عن مسألة التوحيد والإخلاص في العبادة، كما سترى .

1 . التحرير والتنوير: 24 / 5 .

صفحه 22
ومن أبرز آيات السورة قوله تعالى حاكياً عن المشركين: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى)، فقد فضح سبحانه قولهم هذا في ذيل الآية وقال: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)، وسيوافيك توضيحه.

الآيات: الأربع الأُولى

(تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلاَ للّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَوْ أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).

المفردات

تنزيل: مصدر بمعنى المنزّل، خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا الكتاب المنزّل، من باب إضافة الصفة إلى الموصوف.
الدين: أُريد به هنا العبادة، كما سيوافيك. وربّما يطلق ويراد به الطاعة والجزاء كلّ حسب قرينة تدلّ على تعيين واحد منهما.
الخالص: ما لا يشوبه شيء غيره .
زلفى: الزلفى: المنزلة والحظوة، والمَزالف: المراقي.

صفحه 23
سورة الزمر: الآيات1ـ4

التفسير

قد مرّ أنّ الغرض الأقصى في هذه السورة هو الدعوة إلى التوحيد في العبادة والإخلاص في الطاعة، وبما أنّ طريق الدعوة إليهما هو الكتاب العزيز افتتحت هذه السورة بذكر هذا الكتاب ونزوله من الله تعالى فقال:
1. (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ):
افتتحت بهذه الآية سورتان أُخريان، هما : الجاثية، والأحقاف، والآية تؤكّد على ردّ دعوى المشركين بأنّ القرآن من صنع محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)أو أنّه تعلّمه من غيره، فقال تعالى: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ): أي هذا الكتاب منزّل من الله الذي يوصف بـ (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)فالله عزيز لا يُقهر، وحكيم في أفعاله وأقواله، ومن ثمّ يكون كتابه الذي هو مظهر أقواله حكيماً متقناً، ويحتمل أن يكون (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)وصفين للكتاب ; لقوله سبحانه: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ)1، وقوله تعالى: (الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ)2، ولكن الوجه الأوّل أقرب.
ثمّ إنّ التنزيل مصدر من باب التفعيل، وصف به الكتاب العزيز، ولكنّه وصفه في الآية التالية بالإنزال وقال: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)

1 . فصّلت: 41 .
2 . يونس: 1 .

صفحه 24
وعندئذ يطرح السؤال التالي: إنّ كلمة (تنزيل) تُشعر بنزول الشيء تدريجاً، بينما كلمة الإنزال تُشعر بالنزول الدفعي، فكيف يتمّ الجمع بين النزولين المختلفين؟
والجواب: يظهر من الآيات أنّ للقرآن نزولين: نزول دفعي ويراد به نزوله دفعة على قلب سيد المرسلين في ليلة القدر، قال سبحانه: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)1; ونزول تدريجي، ويراد به نزوله متفرّقاً حسب مقتضيات الأحداث، والحكمة من وراء هذا النزول، تثبيت فؤاد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما قال سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً)2. وسيوافيك تفصيله في سورة الدخان والقدر والعلق، فانتظر.
وهناك سؤال آخر وهو: أنّ نزول القرآن في ليلة القدر من شهر رمضان يتعارض مع ما روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)من أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قد بُعث في السابع والعشرين من شهر رجب؟
والإجابة عنه واضحة، فالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث في شهر رجب وبُشّر فيه بالنبوة والرسالة دون أن ينزل عليه شيء من القرآن، وإنّما نزل القرآن بعد قرابة شهرين، وذلك في ليلة القدر من شهر رمضان. نعم في رواية البخاري3 أنّ البعثة كانت متزامنة مع نزول القرآن، لكن الرواية لا يمكن الركون إليها; لأنّها مرويّة عن عائشة زوجة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي لم تدرك زمن

1 . القدر: 1 .
2 . الفرقان:32.
3 . صحيح البخاري:1/3، باب كيف كان بدء الوحي; و ج3، ص 173، في تفسير سورة العلق.

صفحه 25
البعثة، لقولهم إنّها ممّن ولد في الإسلام 1، وسيوافيك نقد الرواية في سورة العلق، فانتظر.
2. (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ):
افتتح سبحانه الآية بقوله: (إِنَّا)تأكيداً للكلام وإظهاراً للاهتمام وتصريحاً لما ورد في الآية الأُولى وهو أنّه منزّل من الله سبحانه، وتعريفاً للكتاب بأنّه ملابس للحق، كما قال: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ): أي أنزلنا إليك لا لغيرك، إذ لا يتحمّل المعارف العليا بما في الكتاب من السنن والقوانين إلاّ الأمثل من ا لناس وهو أنت، والكتاب المنزّل مقرون بالحق وملابس له في جميع معانيه (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاَ مِنْ خَلْفِهِ)2. ثم فرّع عليه قوله: (فَاعْبُدِ اللّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ)المراد من (الدين) هو العبادة بقرينة قوله: (فَاعْبُدِ اللّهَ): أي عبادة مخلصاً له عبادتك من شوائب الشرك، جليّة أو خفيّة، فلا تقبل عبادة الله إلاّ بالإخلاص ; لأنّ روح العبادة هي الإخلاص، فكلّ عمل جوارحي إذا جُرّد عن كونه لله بل للرياء والسمعة فهو كالجسد بلا روح.
روى الإمام الرضا(عليه السلام) أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كان يقول: «طوبى لمَن أخلص لله العبادة والدعاء، ولم يُشغل قلبه بماترى عيناه، ولم ينس ذكر الله

1 . سير أعلام النبلاء: 2 / 139، الترجمة 19.
2 . فصّلت: 42 .

صفحه 26
بما تسمع أُذناه، ولم يحزن صدره بما أُعطي غيره».1
ويظهر ممّا رواه سفيان بن عُيينة، عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) أنّ الإخلاص أشدّ من العمل، قال ـ في حديث ـ : «الإبقاء على العمل حتى يخلص أشدّ من العمل، والعمل الخالص ]هو [الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلاّ الله».2
نعم الإخلاص أشدّ من العمل، ولكنّه سبحانه وتعالى لرأفته ورحمته، يقبل عبادة عبيده إذا كان فيها شيء من الإخلاص، فإنّ الناس ليسوا على وتيرة واحدة في ذلك المضمار، بل هم على أقسام حسب ما روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال:«إنّ قوماً عبدوا الله رغبة ]في الجنة [فتلك عبادة التجّار، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبة ]من عذابه[ فتلك عبادة العبيد، وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار».3 فالدين الخالص هو القسم الثالث، وإن كان القسمان الأوّلان لا يخلوان عنه.
3. (أَلاَ للّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ):
تتضمّن هذه الآية أُموراً:

1 . الوسائل: 1، الباب8 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث3.
2 . الوسائل: 1، الباب 8 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث4.
3 . نهج البلاغة: قسم الحِكم، برقم 237; الوسائل: 1، الباب9 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث3.

صفحه 27
الأوّل: لمّا تضمّن قوله سبحانه : (فاعبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ)لزوم الإخلاص في الدين، جاء البيان القرآني مؤكّداً على هذا الأمر وأنّ الإخلاص في العبادة وظيفة كلّ إنسان، وأنّه سبحانه هو المستحقّ لهذا النوع من العبادة كما يقول:(أَلاَ للّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)واللام لام الملك أو لام الاستحقاق، أي لا يستحقّ أحدٌ الطاعة غير المشوبة إلاّ الله تعالى.
ووجهه واضح، لأنّ العبادة من شؤون المالكية والله سبحانه مالك الملك والملكوت، ومالك الأرض والسماوات وما فيهما فلا يشاركه فيها غيره، فجعل الغير شريكاً في العبادة ـ الذي يضادّ الإخلاص ـ تعدٍّ على حقّ الله سبحانه، لأنّ غيره لا يستحق شيئاً.
الثاني: تحكي الفقرة الآتية من الآية : (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ)عمّا يقوله المشركون عندما يُسألون عن وجه عبادة غير الله سبحانه، فإذا سئلوا عن ذلك، قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى)وبذلك يبرّرون عبادة غير الله .
توضيح ذلك: أنّه إذا احتجّ على المشركين بأنّ هذه الأصنام والأوثان لا تقدر على دفع الضرّ عن نفسها ولا جلب النفع إليها، فكيف أنتم أيّها المشركون تتّخذونهم أولياء وتعبدون ما لا يستطيع جلب الخير ودفع الضرّ؟ فإذا واجهوا هذا السؤال المحرج، يتظاهرون بغير ما اعتقدوا وينكرون أنّهم اتّخذوهم أولياء، بل يقولون نحن نعبدهم لأجل شيء واحد، وهو أنّهم مقرّبون عند الله فقط، ونحن نعبدهم لنتقرّب بعبادتهم إلى الله سبحانه، وكأنّ للتقرّب إلى الله سببين: أحدهما عبادة الله سبحانه، والآخر عبادة المقرّبين عندهم، ولا نعتقد فيهم أيّ شيء: من كونهم أولياء،

صفحه 28
أو بأيديهم مصيرنا في الدنيا والآخرة، كما يحكي عنه قوله سبحانه: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى) .
الثالث: يندّد سبحانه بما يتظاهر به هؤلاء في كلامهم السابق، وأنّه سيحكم بينهم يوم القيامة، كما يقول: (إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)فهل الحكم بين المشركين فقط كما هو ظاهر الآية؟ أو بين المشركين والموحِّدين؟
نرى أنّ بعض المفسّرين جنح إلى الثاني قائلاً بأنّه لا يختلف المشركون فيما بينهم على الشرك، وإنّما يختلف المشركون والموحّدون، والله سبحانه يفصل بين الفريقين فينعم على مَنْ وحّد واتقى، وينتقم ممّن أشرك وبغى .1
ويمكن أن يكون حكمه سبحانه بين المشركين وأوليائهم من القدّيسين، حيث إنّ الأولياء يتحاشون عن عمل المشركين من اتّخاذ القدّيسين أولياء ومن ثمّ عبادتهم، كما هو الحال في المسيح (عليه السلام)فإنّه لم يأمر أحداً بعبادته، قال سبحانه حاكياً عنه: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ)2.
ويظهر من كثير من الآيات أنّ الأولياء يتبرّأون من عمل المشركين.
الرابع: أنّه سبحانه يكذّبهم ويقضي بأنّهم كاذبون في قولهم: (مَا

1 . التفسير الكاشف: 6 / 393 .
2 . المائدة: 117 .

صفحه 29
نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى)، بل يعبدونها لغايات أُخرى حيث يقصدون أنّ النصر والعزة ونزول الغيث كلّها بيد الآلهة، ويشهد لذلك قوله سبحانه: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)1، وقوله سبحانه حاكياً عنهم أيضاً: (لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)2 .
وسيوافيك في حديث ورود الشرك إلى مكة المكّرمة أنّ مشركي قريش كانوا يستمطرون بهبل، فكيف يدّعون أنّه ليس لعبادتنا غاية إلاّ التقرّب بعبادتهم؟
وبعبارة أُخرى: إنّ المشركين في عبادتهم هذه لا ينكرون عبادة الآلهة وإنّما ينكرون أن تكون الغاية غير التقرّب، فيدمغ الله سبحانه القائل منهم بذلك بالكذب في هذا المدّعى وبشدّة الكفر. كما قال: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ).
ولا شكّ في أنّ مَن يبني معتقده على الأوهام، ويتمادى في الكذب على الله، يُسلب عنه التوفيق واللطف الإلهي، فلن يهتدي أبداً.
ثم إنّ المشركين ربّما يكرّرون هذا الاعتذار في مكان آخر، فقد حكى عنهم سبحانه بقوله: (وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا )3: أي نحن لا نعتقد في حقّهم سوى كونهم شفعاء من دون أن نتّخذهم أولياء أو نعتقد بأنّ شيئاً من أُمورنا بأيديهم.

1 . يس: 74 .
2 . مريم: 81 .
3 . يونس: 18 .

صفحه 30
إلى هنا تمّ ما يرجع إلى توضيح فقرات الآية. بقي هنا شيء وهو أنّ هذه الآية وقعت ذريعة بيد الوهابيّين في إبطال التوسّل بالأولياء، وقد حفلت كتبهم بالقول بأنّ التوسّل بالنبيّ وآله وسائر الأنبياء هو كتوسّل المشركين بآلهتهم ويستدلّون بهذه الآية وغيرها، ولنذكر هنا كلام رائد المسلك الوهابيّ في القرن الثاني عشر في هذا الصدد، فإنّه قال: الكفّار1يريدون منهم (من الصالحين)، وأنا أشهد أنّ الله هو النافع الضار المدبّر لا أُريد إلاّ منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم.
فالجواب: أنّ هذا قول الكفّار 2 سواء بسواء، واقرأ عليه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى)، وقوله تعالى: (وَ يَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ)3.4
قد اخترنا هذه الفقرة لأنّها أصرح في بيان مرامه، وقد تكلّم قبل ذلك في هذا الموضوع على وجه التفصيل. وشتّان بين توسّل الموّحدين بالأنبياء وتوسّل المشركين بالأصنام!!

الرد على شبه الوهابيّة في التوسّل

أقول: وفي كلامه أوهام غفل عنها القائل واستغفل أتباعه:

1 . يريد بالكفّار عامّة المسلمين إلاّ مَن آمن به من النجديّين.
2 . يريد مشركي عصر الرسالة.
3 . يونس: 18 .
4 . كشف الشبهات في التوحيد تأليف محمد بن عبد الوهاب:7، تحقيق محب الدين الخطيب، طبعة 1390هـ .

صفحه 31
الأوّل: أنّ ما نسب إلى مشركي عصر الرسالة بأنّهم لم يكونوا معتقدين في آلهتهم أيّ نفع وضرّ، وقد عرفت أنّه مخالف لصريح الذكر الحكيم والتاريخ المتضافر، فقد كانوا يطلبون العزّة والانتصار منهم، وعرفت أنّهم كانوا يستمطرون بالأصنام، فكيف ينسب إليهم ما ذكر؟!
الثاني: وجود الفرق الواضح بين عمل المشركين وعمل الصالحين، فإنّ المشركين كانوا يعبدون الأصنام لاعتقادهم بربوبيتها على وجه السعة أو على نطاق خاص، كما مرّ بيانه وشهدت به الآيات، فعندئذ توصف توسّلاتهم وتعلّقاتهم بالأصنام، بالعبادة; بخلاف الصالحين فإنّهم لا يعتقدون في النبيّ وآله وسائر الأنبياء سوى أنّهم عباد الله الصالحين إذا دعوا تستجاب دعوتهم، فأقصى ما يطلبون منهم هو الدعاء في حقّهم وطلب حاجاتهم من الله، ولو قالوا: يا أيّها النبي اشفع لنا عند الله، لا يريدون سوى طلب الدعاء والمغفرة، وقد كان الصالحون يطلبون الدعاء من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته، وقد أمر به سبحانه في كتابه العزيز وقال: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّابًا رَحِيماً)1، وقال سبحانه أيضاً ـ مندّداً بالمنافقين ـ : (وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)2، أفيمكن أن يكون عمل واحد في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)هو عين التوحيد، وأن يكون نفس العمل في حال رحيله كفراً بواحاً وشركاً واضحاً على حدّ يجب أن يقتل الفاعل، فأين تذهبون؟!

1 . النساء:64.
2 . المنافقون:5.

صفحه 32
إنّ محمد بن عبد الوهاب لم يفرّق بين التعلّق بغير الله بما أنّ في يده مصير الداعي وسعادته وشقاءه، وبين التعلّق بغير الله بما أنّه من عباد الله الصالحين تستجاب دعوتهم، وجعل الجميع في عرض واحد، وبذلك أراق دماء المسلمين في الجزيرة وخارجها بحجّة أنّهم مشركون في أصل التعلّق بغيره، ووصف الجميع بالكفر، أعاذنا الله من شرور أنفسنا.
الثالث: أنّ استشهاده بقوله تعالى: (وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا) استشهاد أبتر، فإنّه حذف صدر الآية واكتفى بهذه الفقرة حتى يكون ملاك الشرك، مجرد الاعتقاد بالشفعاء، مع أنّ للآية صدراً يبطل استدلال المستدلّ، قال سبحانه: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).1 ترى أنّ الآية تصف المشركين بعملين:
1. عبادتهم للأصنام كما يحكي عنه قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ...).
2. اعتقادهم بأنّهم شفعاء.
وأمّا الصالحون فلا يعبدون إلاّ الله، إذ لا يعتقدون بمدبّر إلاّ الله سبحانه بخلاف المشركين، فكيف يمكن الاستدلال بالآية النازلة في حقّ المشركين على بطلان عمل الصالحين، ومجرّد اشتراك الجميع في الاعتقاد بالشفعاء لا يُسوِّغ جعل الجميع في صف واحد، وإلاّ فالوهابيون جميعاً يعتقدون بالشفعاء بلا إشكال، كيف والقول بوجود الشفعاء من ضروريات

1 . يونس: 18.

صفحه 33
القرآن وإن كان الشفيع عند الموحّد، غيره عند المشرك.
وفي ختام المقام نلفت نظر داعية الوهابية إلى ذيل الآية التي استدلّ بها أعني: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)، فكما أنّ الآية تكذّب قول القائلين بأنّ الداعي للعبادة هو مجرّد كسب التقرّب إلى الأصنام، لما عرفت من أنّهم كانوا معتقدين بربوبيّتهم، فكذا تكذّب قول محمد بن عبد الوهاب بأنّ قول الصالحين هو نفس قول المشركين مع أنّ بينهما بُعد المشرقين، فأين قول مَن لا يعتقد إلاّ بربوبية الله تعالى من قول مَن يطلب الانتصار والعزة من الأصنام؟!

إبطال تبنّي الولد

4. (لَوْ أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ):
لمّا ذكر سبحانه في الآية السابقة أنّ المشركين في ادّعائهم السابق كاذبون، أقام دليلاً واضحاً على كذبهم في دعواهم أنّهم لم يتّخذوا أولياء من دون الله سبحانه، وذلك أنّ كثيراً منهم يعتقدون بأنّ الأصنام بنات الله أو أنّها تَرْمز إليها والمراد: الأصنام الثلاثة: اللات والعُزّى ومَناة، ولذلك كانوا يفتتحون أعمالهم باسم اللات والعزّى، فكيف يقولون: لم نتّخذ ولياً من دون الله سبحانه؟!
ولمّا كان هذا الاعتقاد شائعاً بين المشركين ردّ سبحانه على ذلك بقوله: (لَوْ أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا): أي لو أراد الله ـ على فرض المحال ـ أن

صفحه 34
يتّخذ ولداً لما اتّخذ اللات والعزى ومناة والأجسام الجامدة ولداً، وإنّما يتّخذ ما يشاء وما يليق بحاله كما قال: (لاَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) من الملائكة، (سُبْحَانَهُ): أي منزّه عن ذلك أيضاً ; أيضاً لأنّه مستغن عنه و (هُوَ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).
وقد استدلّ سبحانه بهذين الاسمين على نفي اتّخاذ الولد بأي شكل كان، سواء أكان ولداً حقيقياً ـ كما عليه النصارى ـ أو تبنّي الولد ـ كما كان عليه مشركو عصر الرسالة ـ وإليك بيان الوصفين كالدليلين على نفي الولد:
أمّا الوصف الأوّل: أعني: كونه سبحانه واحداً، فمن المعلوم أنّه لا يراد به الوحدة العددية في مقابل الاثنين، فالله عزّ اسمه أجلّ من أن يوصف بها، بل المراد به الوحدة الحقّة الحقيقية، أي ما ليس له نظير ومثيل.
وبعبارة أُخرى: واحد لا يتثنّى ولا يتكثّر ولا يتعدّد ; لأنّه صرف الوجود، وصرف الشيء لا يتثنّى، لأنّ التعدّد فرض وجود ميز بين الشيئين، والمفروض أنّه صرف الوجود لا ميز فيه إلاّ أن يكون الميز عارضاً من الخارج.
يقول الحكيم السبزواري:
إنّ الوجود ما له من ثانِ *** ليس قرى وراء عبّادانِ

بيان أمير المؤمنين (عليه السلام) في كونه تعالى واحداً

ثمّ إنّ للإمام علي(عليه السلام) بياناً في كونه سبحانه واحداً، نأتي به.
روى الصَّدوق بإسناده عن شُريح بن هانئ ] الحارثيّ المَذْحِجيّ[، قال: إنّ أعرابياً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين

صفحه 35
أتقول: إنّ الله واحد؟ قال: فحمل الناس عليه وقالوا: يا أعرابي أماترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسّم القلب؟ فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «دعوه فإنّ الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم»، ثم قال: «يا أعرابي إنّ القول في أنّ الله واحد على أربعة أقسام، فوجهان منها لا يجوزان على الله عزّ وجلّ، ووجهان يثبتان فيه، فأمّا اللّذان لا يجوزان عليه فقول القائل: «واحد» يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز، لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، ألا ترى أنّه كفر من قال: إنّه ثالث ثلاثة; وقول القائل: هو واحد من الناس» يريد به النوع من الجنس، فهذا ما لا يجوز، لأنّه تشبيه، وجلّ ربّنا وتعالى عن ذلك.
وأمّا الوجهان اللّذان يثبتان فيه، فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربّنا; وقول القائل: إنّه عزّ وجلّ أحديّ المعنى، يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، كذلك ربّنا عزّ وجلّ».1
هذا كلّه يرجع إلى نفي الولد الحقيقي، وأمّا الولد الاعتباري ـ أعني: التبنّي ـ فيأتي بيانه تالياً.
وأمّا الوصف الثاني: أعني: كونه قهّاراً، فهو يدلّ على نفي حاجته إلى التبنّي، لأنّ المتبنّي يستهدف بهذا الطريق تلبية حاجاته، والله سبحانه قاهر على كلّ شيء لا يغلبه شيء ولا يصرفه عن إرادته شيء، وليس فقيراً حتّى يتبنّى، ليدفع بذلك فقره.
وبما ذكرنا ظهر: أنّ الآية تستهدف إبطال تبنّي الأصنام الثلاثة، وأنّ الاستدلال مبنيّ على فرض أمـر محـال، فلا تدلّ الآية على أنّه اصطفى

1 . الخصال : 2، ح 1، باب الواحد; تفسير نور الثقلين:4/475ـ476.

صفحه 36
الأجمل والأحسن من مخلوقاته، نعم لو فرض على وجه المحال أنّه اتّخذ ولداً لاصطفى ممّا يشاء، وبما أنّه لم يتّخذ ولداً لكونه واحداً قهّاراً فهو لم يصطفِ أحداً من مخلوقاته، نظير قول القائل:
ولو طار ذو حافر قبلها *** لطارت ولكنها لم تطر

نظرية اتّخاذ الولد عند المشركين والنصارى

تشترك الطائفتان في نسبة الولد إلى الله سبحانه، لكن بصورتين مختلفتين، فالنصارى على أنّ لله ولداً حقيقياً يُدعى ابن الله، وأمّا المشركون فهم يعتقدون بتبنّي الله للولد، أي ولداً تشريفياً لا حقيقياً.
ولتوضيح العقيدتين نذكر ما يلي:
إنّ الذكر الحكيم طرح موضوع كونه سبحانه ذا ولد على وجهين:
1. أن يكون له ولد حقيقي بمعنى أن يلد حتى يكون له ولد، ولا يتحقّق ذلك إلاّ باشتقاق شيء من شيء وانفصاله منه، وهذا يقتضي الشركة في حقيقة الذات والخواص والآثار المنبعثة منها، نظير أُبوّة إنسان لإنسان المقتضية لشركة الابن لأبيه في الإنسانية ولوازمها، وإلى هذا النوع من التفكير يشير سبحانه بقوله: (وَ تَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا)1، وقد شاعت هذه الفكرة من القول بالتثليث ويُقصد به أنّ الربّ في الجوهر واحد، لكنّه ذو أقانيم (شخوص) ثلاثة، هي: الأب، والابن، والروح القدس. قال سبحانه ناقداً لهذه الفكرة: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَ مَا مِنْ إِلَه إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا

1 . مريم:90 ـ 91.

صفحه 37
مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).1
وقال سبحانه: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار)2، فالقول بأنّ لله ولداً حقيقة، أخذه النصارى من الوثنيّين، حيث كان سائداً بين الهنود واليونانيّين والرومانيّين. قال سبحانه: (وَقَالَتِ النَّصَارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ).3ولعلّ قوله: (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ)يشير إلى أُولئك الوثنيّين الذين تقدّم ذكرهم، وقد أوضحنا حال الآية في تفسيرنا المخصص لسورة التوبة.
2. التبنّي واتّخاذ الولد تشريفاً، وكأنّ هؤلاء أكثر تعقّلاً من الطائفة الأُولى، إذ لا يعقل بنوّة لله غير التبنّي بمعنى أخذه بمنزلة الولد وإن لم يكن ولداً حقيقة، وهذا القول كان شائعاً بين المشركين في عصر الرسالة. فإنّ المشركين يزعمون أنّ اللاّت والعزّى ومناة، بنات الله تعالى أو ترمز إليها، قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى)4.

1 . المائدة:73.
2 . المائدة:72.
3 . التوبة:30.
4 . النجم:19ـ 21.

صفحه 38

تركيز الآية على فرضيّة اتّخاذ الولد وبطلانها

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الآية تركّز على فرض اتّخاذ الولد لا على فرض التولّد. ويدلّ على ذلك أمران:
1. لفظة اتّخاذ الولد، قال سبحانه: (لَوْ أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا).
2. لفظة الاصطفاء، فإنّ الاصطفاء يناسب التبنّي لا التولّد، إذ ليس الثاني تحت اختيار من يلد.
وبذلك يُعلم أنّ قسماً من الآيات التي تركّز على اتّخاذ الولد إنّما يريد إبطال مزعمة المشركين وليس ناظراً إلى عقيدة النصارى ومن قبلهم، وإليك بعض هذه الآيات:
قوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا)1.
وقوله: (قَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ).2
وقوله: (وَ يُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا).3
إلى غير ذلك من الآيات التي تركّز على الاتّخاذ أي التبنّي لا التولّد، خصوصاً إذا ضمّ إليه لفظ الاصطفاء.
إذا وقفت على هذين الأمرين نقول: إنّ الآية مكّية، ولم يكن هناك موضوع لطرح التثليث الرائج بين النصارى المبنيّ على التولّد، لا التبنّي، فصرف الآية إلى محاجّة النصارى غفلة عن تاريخ نزول الآية، بل يجب

1 . البقرة:116.
2 . يونس: 68.
3 . الكهف:4.

صفحه 39
صرفها إلى عقيدة المشركين الذين كانوا يعتقدون بفكرة التبنّي، وبذلك يعلم وجود الخلط بين المفسّرين في تفسير الآية حيث لا يركّزون على واحد من الوجهين.

تفسير خاطئ سورة الزمر: الآيات 5ـ7

وربّما يفسّر قوله سبحانه:(لاَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) بالنحو التالي: وهو أنّ المشركين جعلوا البنين لأنفسهم والبنات لله سبحانه، ووصفوا الملائكة بأنّهنّ بنات الله، فالله سبحانه يردّ عليهم بأنّه لو أراد أن يتّخذ ولداً لاصطفى ما هو الأفضل وهو غير البنات.
يلاحظ عليه: بأنّ هذا التفسير نوع اعتراف بأفضلية الابن على البنت مع أنّهما كليهما عند الله سواء، ولا يفضّل أحدهما على الآخر إلاّ بالتقوى.
والوجه الصحيح هو ما ذكرناه من كون اللات والعزّى ـ في زعمهم ـ بنات الله مع كونها من الأجسام الجامدة غير الشاعرة، ولو أراد أن يتّخذ ولداً لاتّخذ ممّا يتمتّع بالحياة والشعور والعقل.

الآيات: الخامسة إلى السابعة

(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لأَجَل مُسَمًّى أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ * خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج

صفحه 40
يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْق فِي ظُلُمَات ثَلاَث ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنّى تُصْرَفُونَ * إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللّهَ غَنيٌّ عَنْكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).

المفردات

يكوّر: قال الراغب: كَوْر الشيء إدارته وضمُّ بعضه إلى بعض، ككَوْر العمامة.1 يقال: كوّر العمامة على رأسه إذا لواها ولفّها.
بالحق: الباء للملابسة، أي خلقها خلقاً ملابساً بالحقّ، أي موافقاً للحكمة وضد العبث.
لأجَل مسمّى: يوم القيامة.
ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة.
تُصرَفون: تعدلون عن عبادة الله إلى عبادة غيره.
تَزِر: تحمل.
وازرة: حاملة الوِزْر.
وِزْر: الوِزْر بمعنى الثِّقل، وأُطلق على الإثم إذ يُلحق التعب بصاحبه .

1 . المفردات للراغب: 443، مادة «كور».

صفحه 41

التفسير

5. (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لأَجَل مُسَمًّى أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) :
إنّه سبحانه وصف نفسه في الآية السابقة بوصفين وهما (الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)، فصار ما في هذه الآية كالدليل عليهما:
أمّا الأوّل: أعني (الْوَاحِدُ)، فهو مورد اعتراف للمشركين عامّة، وقد حكى عنهم سبحانه في قوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ)1 ولذلك بدأ في هذه الآية بقوله: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ)مشيراً إلى أنّه هو الخالق لهما لا غير، إنّما الكلام في كونه واحداً في التدبير وقد أشار إليه بقوله: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لأَجَل مُسَمًّى). وجه الدلالة: أنّ النظام المحكم الّذي يسود العالم، ومن مظاهره تكوير الليل على النهار والنهار على الليل، وتسخير الشمس والقمر إلى أجل مسمّى، أفضل دليل على وحدة المدَبّر، وإلاّ لاختلّ النظام بتعدّد المدبِّر.
هذا كلّه دليل على وحدانيّته.
أمّا الثاني: أعني وصفه بأنّه (الْقَهَّارُ)، فإنّ الخلق والتدبير أفضل دليل على ذلك حيث إنّ عالم الكون مذلَّل وخاضع لإرادته.

1 . لقمان: 25.

صفحه 42
ثم إنّه سبحانه ختم الآية بوصفين آخرين ـ أعني قوله: (أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) ـ خلافاً للآية السابقة حيث ختمها بـ (الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) وكلا الوصفين يناسب هذه الآية; أمّا العزيز فلأنّ خلق السماوات والأرض لا يفارق العزّة بل يساوقها، وأمّا الغفار فلعلّه لأجل إفهام أنّ كونه سبحانه قادراً وعزيزاً ليس كقدرة الآخرين وعزّتهم، فإنّ كثيراً من الناس إذا امتلك أسباب القوة والقدرة يظلم ولا يرحم، ولكنّه سبحانه على خلافهم فهو في عزّته غفّار لذنوب عباده رحيم بهم.

حقيقة التكوير والتسخير

إنّ في قوله سبحانه: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ)إشارة دقيقة إلى سرّ من أسرار الكون، فلا عتب علينا إذا قلنا إنّه يُفهم من الآية أنّ الأرض بمنزلة الرأس، فكما أنّ العمامة على طولها تلف على الرأس فهكذا الليل والنهار.
وإن شئت قلت: الظلمة والنور يلفّان الأرض لفّاً متعاقباً، ولو دلّت الآية على شيء ـ حسب أذهاننا ـ لدلّت على أمرين:
الأوّل: كروية الأرض.
الثاني: حركتها الموضعية .
فبما أنّ الأرض تدور حول محورها أمام الشمس، فلم يزل جزء منها غير مواجه للشمس والجزء الآخر يواجهها، فالجزء غير المواجه تغمره الظلمة والجزء المواجه يغمره الضوء، فهي بحركتها الموضعية لم تزل تغمرها الظلمة والنور غمراً بعد غمر، فالجزء غير المواجه الذي تحيطه

صفحه 43
الظلمة سوف يواجه ـ بفضل الحركة الموضعية ـ الشمس فيكون مضيئاً بعدما كان مظلماً، وهذا هو معنى التكوير. نعم إنّ القرآن الكريم ليس كتاباً علمياً ولا فلكياً ولا فيزيائياً ولا طبيعياً، ولكنّه عندما يذكر البراهين على وحدانيته وقهّاريته، يبيّن تدبيره للعالم، وقد أثبت العلم الحديث الكثير من الأُمور المجهولة والحقائق المكتومة الّتي استدلّ بها القرآن الكريم منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة.
يقول سيّد قطب في تفسير الآية: إنّ التعبير بـ(يُكَوِّرُ)يقسرني قسراً على النظر في موضوع كروية الأرض. فهو يصوّر حقيقة مادّية ملحوظة على وجه الأرض، فالأرض الكروية تدور حول نفسها في مواجهة الشمس، فالجزء الذي يواجه الشمس من سطحها المكوّر يغمره الضوء ويكون نهاراً، ولكن هذا الجزء لا يثبت لأنّ الأرض تدور، وكلّما تحركت بدأ الليل يغمر السطح الذي كان عليه النهار. وهذا السطح مكوّر فالنهار كان عليه مكوّراً، والليل يتبعه مكوّراً كذلك، وبعد فترة يبدأ النهار من الناحية الأُخرى يتكوّر على الليل، وهكذا في حركة دائبة.1
ثمّ إنّه سبحانه يعبّر عن تلك الظاهرة ـ أي تكوير الليل على النهار أو تكوير النهار على الليل ـ بتعبيرين آخرين:
1. قال تعالى: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ)2: أي يستر الليل بالنهار، وهو قريب من التكوير لأنّ كلّ طبقة تستر الطبقة الأُخرى.

1 . في ظلال القرآن: 24 / 13 .
2 . الأعراف:54.

صفحه 44
2. قال تعالى: (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ).1 أي يدخل أحدهما في الآخر وبالعكس، وهو أيضاً قريب من التكوير، فكلا التعبيرين يستهدفان معنىً واحداً.
قال السيد الرضي (رحمه الله): قوله تعالى: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ)وهذه استعارة، والمعنى: يعلي هذا على هذا وهذا على هذا، وذلك مأخوذ من قولهم: كار العمامة على رأسه، يكورها، إذا أدارها عليه.
ومنه الحديث المأثور: نعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر، أي من الإدبار بعد الإقبال.2
هذا كلّه حول التكوير وأمّا التسخير فيدلّ عليه قوله: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَل مُسَمًّى)فتسخيره دليل على تدبيره سبحانه، وتسخير الشمس والقمر هو تذليلهما للعمل على ما جعل الله لهما من السير المنظم لا يختلفان. ثم إنّ جريانهما ليس أبديّاً بل (لأَجَل مُسَمًّى): أي لزمن معيّن قدّره سبحانه وتعالى، وقد عبرّ عن الأجل المسمّى في آية أُخرى بقوله: (وَالشَّمْسُ تَجْري لِمُسْتَقَرّ لَهَا)3، ولعلّ المراد بالأجل هو نهاية عمر الدنيا واقتراب القيامة، يقول سبحانه:(وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).4

1 . آل عمران:27.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 237 .
3 . يس:38.
4 . الزمر:67.

صفحه 45
6. (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْق فِي ظُلُمَات ثَلاَث ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنّى تُصْرَفُونَ):
قد مرّ أنّ الغرض الأقصى في هذه السورة هو هداية الناس إلى توحيده سبحانه في العبادة والطاعة والخلق والتدبير، وقد استدلّ عليه في الآية السابقة بخلق السماوات والأرض، وتكوير الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر وجريانهما لأجل مسمّى، فالغالب على هذه الموضوعات تعلّقها بالعالم العلوي والأجرام السماوية ولكنّه سبحانه يستدلّ في هذه الآية على توحيده بخلق الإنسان والأنعام، والجميع يتعلّق بالعالم السفلي والموجودات الأرضية، أعني:
1. خلق الإنسان من نفس واحدة.
2. إنزال الأنعام الثمانية.
3. خلق الإنسان في بطون الأُمّهات خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث.
والتدبّر فيها يكشف عن قدرته القاهرة وحكمته الباهرة وأنّه لا صانع إلاّ هو ولا مدبّر إلاّ هو، وأنّه لا ربّ إلاّ هو، ومع ذلك فأين يذهب هؤلاء المشركون؟ وإليك توضيح هذه الفقرات واحدة بعد الأُخرى:
أ. (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة).
المراد من نفس واحدة، هو آدم(عليه السلام) الذي تشعّب منه جميع الناس،

صفحه 46
(ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا): أي خلق زوج آدم من نفس الشيء الذي خلقه منه، فكما أنّه سبحانه خلق آدم من طين، كما قال: (وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِين) 1، فهكذا خلق زوجته (الّتي سُمِّيت في التفاسير: حوّاء). ولعلّ النكتة في خلقهما من شيء واحد، هو إيجاد التجاذب بين موجودين متناسبين لا متضادّين، فإنّ مقتضى التضادّ التدافع لا التجاذب مع أنّ حياة الزوجين في الأرض فرع وجود الالتحام بينهما، وبهذا يعلم أنّ لفظة «منها» في قوله:(جَعَلَ مِنْهَا)لبيان الجنس، وأمّا ما ربما يقال: إنّ «من» للتبعيض وأنّه سبحانه خلق حوّاء من ضلع من أضلاع آدم، فهو أمر باطل تسرّب إلى الروايات عن طريق مستسلمة أهل الكتاب، فإنّ ما جاء في التوراة صريح في أنّه سبحانه خلق حواء من ضلع من أضلاع آدم.2
إنّ لفظة (ثُمَّ) في قوله: (ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)للتراخي بحسب رتبة الكلام لا للتراخي في الزمان، والمراد أنّه تعالى خلق هذا النوع وكثّر أفراده من نفس واحدة وزوجها، وعلى هذا فلفظة (ثُمَّ) هنا نظير قول القائل: «قد رأيت ما كان منك اليوم، ثم ما كان منك أمس» وإن كان ما كان أمس قبل ما يكون اليوم، فالتراخي بحسب رتبة الكلام لا بحسب الزمان، يقول الشاعر:
ولقد ساد ثم ساد أبوه *** ثم قد ساد قبل ذلك جدّه
ب. (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج).

1 . السجدة: 7 .
2 . لاحظ : التوراة، سفر التكوين، الإصحاح الثاني برقم 23022، وقد جاء فيها: فأوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم... إلخ.

صفحه 47
الأنعام الثمانية عبارة عن: الإبل والبقر والضأن والمعز، وكلّ منها ينقسم إلى الذكر والأُنثى.
وربما يتوهّم أنّ التمتّع ببعض هذه الأنعام الثمانية قد انقضى زمانه بعد حدوث المواصلات السريعة فلا يركب أحد الإبل ويقطع طريقاً طويلاً، ولكن هذا المتوهّم غفل عن أنّ المقصود هو التمتع بهذه الأنعام، سواء أكان ركوباً أو استفادة من لحومها وأشعارها وأوبارها، وهذا النوع من الانتفاع متوفّر للجميع حتّى في زماننا هذا.
وأمّا المراد من قوله:(أَنْزَلَ لَكُمْ) فقد ذكر المفسّرون فيه وجهين:
1. ما عليه السيد الطباطبائي من قوله: وتسمية خلق الأنعام إنزالاً لها، بسبب أنّه تعالى يسمّي ظهور الأشياء في الكون بعد ما لم تكن، إنزالاً لها من خزائنه التي هي عنده، ومن الغيب إلى الشهادة، قال تعالى:(وَإِنْ مِنْ شَيء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم).1
2. أنّ الأنعام الأربعة مع أنّها لم تنزل من مكان أعلى إلى الأرض، فإنّ مقدّمات توفير متطلّبات حياتها وتربيتها، والّتي هي قطرات المطر وأشعة الشمس، تنزل من الأعلى إلى الأرض.
وهناك احتمال ثالث وهو أن يراد من الإنزال التمكين وتذليل الأمر الصعب، كما يقال: نزل فلان على حكم فلان، أو نزل فلان على رغبة فلان.
ج. (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْق فِي ظُلُمَات ثَلاَث).
هذه الفقرة تتضمّن بيان أمرين:

1 . الحجر: 21.

صفحه 48
1. تطوّر الخلق في بطون الأُمّهات خلقاً من بعد خلق.
2. كون هذه التطوّرات في ظلمات ثلاث.
أمّا الأوّل: فقد شرح سبحانه هذه التطوّرات في آية أُخرى، قال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَكِين * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).1 فالنطفة هي الخلية الجنسية الذكرية. ويؤدّي اتّحاد النطفة مع البويضة (وهي الخلية الجنسية الأُنثوية) إلى الإخصاب. وفي أثناء الأُسبوع الثاني من الحمل تلتصق البويضة المخصّبة ببطانة الرحم، وتأخذ بالتشكّل والتغيّر، وتصير كقطعة الدم الرطبة (علقة)، ثم تصير مضغة.
والمضغة، هي قطعة لحم حمراء، ثم تتطوّر على مراحل إلى أن تصير إنساناً كاملاً.
وأمّا الثاني: أنّ هذه التطوّرات تتحقّق في ظلمات ثلاث: ظلمة بطن الأُمّ، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة الّتي تتشكّل من أنسجة من الأُمّ ومن الجنين. وتتكوّن المشيمة كأعمدة من الخلايا من المشيماء (وهي غطاء يشبه الكيس يحوي الجنين) تخترق وتنفذ خلال البطانة الرحمية.2والعجب أنّ هذه الأطوار ومراحل الخلق تحدث في مكان مظلم لا نور

1 . المؤمنون: 13ـ 14.
2 . الموسوعة العربية العالمية: 23 / 299. والمشيمة تمكّن الجنين من الحصول على الغذاء والأوكسجين من مجرى دم الأُمّ من خلال وريد في الحبل السرّي، وتحمل نتاج النفايات من الجنين من خلال الشرايين في الحبل السريّ الّذي يربط الجنين بالمشيمة.

صفحه 49
فيه!! فلو دلّ هذا على شيء لدلّ على عظم القدرة في الخلق والإبداع والتصوير والتدبير. وربما يقال بأنّ المراد بالظلمات الثلاث: ظلمة الصلب، والرحم، والمشيمة، وهو خطأ فإنّه سبحانه يحدّد مكان الظلمات في بطن الأُمّ حيث يقول: (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ)فلا صلة للآية بالأب، حتى تعدّ الأصلاب جزءاً من هذه الثلاث.
فالله سبحانه هو الذي يصوّر الإنسان في الأرحام المظلمة كما يقول: (هُوَ الّذي يُصوّركُمْ في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ)1 على خلاف عمل المصوّرين في الدنيا فإنّهم يصوِّرون بواسطة النور والضوء.
ثمّ إنّ لسيد الشهداء الحسين (عليه السلام) كلاماً في خلقة الإنسان من ضعف إلى قوّة أشار إليها في دعائه في يوم عرفة، حيث بدأ ببيان نعم الله سبحانه على الإنسان وقال: «وابتدعتَ خلقي من مَنيٍّ يُمنى ثم أسكنّتني في ظلمات ثلاث: بين لحم وجلد ودم، لم تشهر بخلقي، ولم تجعل إليّ شيئاً من أمري، ثمّ أخرجتني إلى الدنيا تامّاً سوياً».2
د. (ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنّى تُصْرَفُونَ).
اسم الإشارة ذا في قوله:(ذَلِكُمُ)إشارة إلى مَن يقوم بعجائب الخلقة في ظلمات ثلاث وهو الله سبحانه، والكاف حرف خطاب للمخلوقين، واللام للبُعد، وهي إشارة إلى علوّ مقامه سبحانه، فقوله: (اللّهُ)خبر عن اسم الإشارة و (رَبُّكُمْ)صفة لاسم الجلالة، والإتيان به لغاية توحيد التدبير، وأنّه

1 . آل عمران:6.
2 . لاحظ : مصباح الزائر، ومفاتيح الجنان في دعاء يوم عرفة.

صفحه 50
لا مدبّر إلاّ هو. أي مَن يقوم بهذه الأفعال هو الله الذي هو ربّكم ومدبّركم لا غيره.
قوله: (لَهُ الْمُلْكُ) خبر ثان عن اسم الإشارة، أي يملك التصرّف في جميع المخلوقات في الدنيا والآخرة.1
وفي ظل ذلك يؤتي الملك مَن يشاء وينزع الملك ممَّن يشاء، فإذا كان كذلك، يترتّب عليه قوله: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) فقد قلنا: إنّ الإله يساوق لفظ «الله» غير أنّ الأوّل علم والثاني اسم جنس يعمّ الآلهة المزعومة وغيرها. (فَأَنّى تُصْرَفُونَ): أي كيف تصرفون عن طريق الحق بعد هذا البيان وبعد ما علمتم من الدلائل الواضحة على توحيده في الخلق والتدبير؟ وهو نظير قوله: (فَأَنى تُؤْفَكُونَ)2.
7. (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللّهَ غَنيٌّ عَنْكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ):
لمّا دلّت الآيات السابقة ـ تلويحاً ـ على إصرار المشركين على كفرهم وشركهم، عاد البيان القرآني لبيان أنّ كفرهم ـ وإن أصرّوا عليه ـ لا يضرّ الله وإنّما يضرّهم، فبيّن ذلك بقوله: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللّهَ غَنيٌّ عَنْكُمْ)ثم

1 . مجمع البيان:4/491.
2 . الأنعام: 95 .

صفحه 51
بيّن بعد ذلك أنّهم إن رجعوا إلى التوحيد وشكروا الله سبحانه يرضَ هذا الرجوع وهذا الشكر منهم ويجازيهم سبحانه كما قال: (وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)، فالأصل في (يَرْضَهُ)هو (يرضاه) فلمّا صار مجزوماً لكونه جواب الشرط، حذفت الألف وبقيت الهاء بلا إشباع تبعاً للأصل.
إلى هنا تمّ تفسير الجملتين الشرطيتين الّتي يقع كلّ منهما في مقابل الأُخرى .
بقي الكلام في الجملة المعترضة بين القضيتين الشرطيتين أعني قوله: (وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)فهي تنفي رضى الله سبحانه بكفر العباد، ومن المعلوم أنّه سبحانه خلق الإنسان لنيل السعادة لا الشقاء، فلا يرضى لعباده الكفر.
ثم إن هذه الفقرة صارت ذريعة لقول بعضهم بخروج أفعال العباد، كالكفر والإيمان، عن متعلّق إرادة الله، زاعمين بأن الرضى بالشيء نفس إرادته تعالى له، فلو لم يرضَ بكفر الكافر فيلازم أنّه لا يريد كفر الكافر.
وحصيلة الإشكال: أنّ الجمع بين القول بسعة إرادته لكلّ الأشياء والقول بضيق نطاق الرضى وعدم تعلّقه بكفر العباد الذي هو جزء من الأشياء، ممّا لا يجتمعان.
ولقد أشار إلى هذا الإشكال صدرالمتألّهين بقوله: إنّ الرضى بالكفر والفسق، كفر وفسق، وقد ورد عن الأئمّة(عليهم السلام) أنّ الرضى بالكفر كفر، وقال تعالى: (وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ).1

1 . الأسفار: 8 / 380 .

صفحه 52

مسلك الأشاعرة والمعتزلة في حلّ الإشكال

وللقوم في حلّ الإشكال مسالك مختلفة:
1. ذهب الغزالي والفخر الرازي ـ وهما من القائلين بسعة إرادته لكلّ شيء ـ إلى أنّ الكفر مقضيّ لا قضاء، لأنّه متعلّق القضاء فلا يكون نفس القضاء، فنحن نرضى بالقضاء لا بالمقضيّ.
وقد نقد المحقّق نصير الدين الطوسي هذا الجواب بقوله: إنّ قولهم بأنّ الكفر ليس نفس القضاء وإنّما هو المقضيّ، ليس بشيء، فإنّ قول القائل: رضيت بقضاء الله، لا يعني به رضاه بصفة من صفات الله، وإنّما يريد قضاء الله بما يقتضي تلك الصفة وهو المقضيّ.1
2. أنّ المراد من العباد في قوله: (وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)هم الصالحون من عباده، فهؤلاء هم الذين لا يرضى لهم الكفر، وأمّا غيرهم فلا، فكما تعلّقت إرادته بما يصدر منهم من الكفر، فهكذا تعلّق به رضاه فلم يكن فصل بين الإرادة والرضى. والدليل على ذلك هو أنّ الوارد في الآية (لِعِبَادِهِ)المضاف إلى ضمير راجع إلى الله، فيراد منه الصالحون، نظير قوله سبحانه: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللّهِ)(2).
وهذا هو الذي نقله صاحب الكشاف بقوله: ولقد تمحّل بعض الغواة ليثبت لله تعالى ما نفاه عن ذاته من الرضى لعباده الكفر، فقال: هذا من العام الذي أُريد به الخاص وما أراد إلاّ عباده الذين عناهم في قوله: (إِنَّ عِبَادِي

1 . لاحظ : الأسفار: 8/381.   2 . الإنسان: 6 .

صفحه 53
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)1 فيريد المعصومين، كقوله تعالى: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللّهِ).2
يلاحظ عليه: أنّ سياق الآيات يردّ هذا الجواب، لأنّ الآية بصدد التنديد بشرك المشركين، ففي هذا الصدد يقول: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللّهَ غَنيٌ عَنْكُمْ وَ لاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)فالمراد من العباد مطلق عباد الله سبحانه.
3. ما اختاره المعتزلة على مسلكهم من ضيق نطاق إرادة الله سبحانه وأنّ أفعال العباد، خارجة عن تعلّق مشيئة الله وإرادته حفظاً لعدله وفراراً من الجبر، فالله سبحانه كما لا يرضى لعباده الكفر فلا يريد منهم الكفر أيضاً، وبالعكس.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكروه مبنيّ على خروج أفعال العباد عن مورد مشيئته، فلا يلزم الإشكال لاتحاد الإرادة والرضى في عدم التعلّق. لكن لازم ذلك غنى الإنسان أيضاً عن الله سبحانه; لأنّ الغني في فعله غني في ذاته، إذ لا يعقل أن يكون فقيراً في الذات وغنياً في الفعل.
4. التفريق بين الإرادة التكوينية والتشريعية، فالإرادة والرضى التكوينيان تعلّقا بأفعال العباد الصادرة عن أصحابها عن إرادة واختيار، وأمّا الإرادة التشريعية بأن يأمر بالكفر أو ينهى عن الإيمان فالله سبحانه منزّه عن ذلك، ومن ثم لا يرضى لهم الكفر.
وهذا هو الظاهر من السيد الطباطبائي قال: وإذ كان فعله قسمين

1 . الحجر: 42 .
2 . تفسير الكشّاف: 3/25، طبعة مصر.

صفحه 54
تكويني وتشريعي انقسم الرضى منه أيضاً إلى تكويني وتشريعي، فكل أمر تكويني وهو الذي أراد الله وأوجده فهو مرضيّ له رضىً تكوينياً بمعنى كون فعله وهو إيجاده عن مشيّة ملائماً لما أوجده، وكلّ أمر تشريعي وهو الذي تعلّق به التكليف من اعتقاد أو عمل كالإيمان والعمل الصالح، فهو مرضيّ له رضىً تشريعياً بمعنى ملاءمة تشريعه للمأتي به.
وأمّا ما يقابل هذه الأُمور المأمور بها ممّا تعلّق به نهي فلا يتعلّق بها رضى البتة، لعدم ملاءمة التشريع لها كالكفر والفسوق كما قال تعالى: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللّهَ غَنيٌ عَنْكُمْ وَ لاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)، وقال: (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)1.(2)
ويمكن أن يقال: إنّ المنفي هو رضاه بكفر عباده مباشرة من دون توسّط إرادتهم بأن يقدّر لهم الكفر وأراد تحقّقه، سواء أراد العباد أم لا، وهذا هو الجبر المنفيّ بالعقل والكتاب والسنّة، لأنّه يستلزم لَغوية بعث الأنبياء وتشريع الأحكام، ولا ينسجم مع عدله.
وأمّا إذا أراد العبد الكفر باختياره وأعرض عن دعوة الأنبياء وصفح عنها فلا مجال تتعلّق به إرادته لانتهاء كلّ ممكن إلى واجب (وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللّهُ)2. والله العالم.
ثم إنّ مقتضى كونه سبحانه غير راض بكفر الإنسان هو أن يتحمّل كلٌّ مسؤولية ما يرتكبه من آثام دون أن يتحمّلها شخص آخر وإلى ذلك أشار بقوله: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى).

1 . التوبة: 96 .   2 . الميزان في تفسير القرآن: 17 / 241 .
2 . الإنسان: 30 .

صفحه 55
والآية من شؤون عدله سبحانه حيث لا تحمل نفس يوم القيامة وزر أُخرى، وهي نظير قوله: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئًا)1، إنّما الكلام في وجه المناسبة لإيراد هذه الفقرة في ثنايا الآية، ويمكن أن يقال: إنّه كان في زمان نزول الآية فكرة خاصّة بين القبائل، وهي أنّه إذا كان بينهم مؤمن وكافر فيتشاركون في الوزر، والله سبحانه يردّ تلك الفكرة.
نعم هنا سؤالان:
1. كيف يقول سبحانه: (وَ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)مع أنّ العاقلة تحمل دية الصبيّ إذا ثبتت الجناية بالبيّنة لا بالإقرار؟
2. كيف يقول سبحانه: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)مع أنّ الولد الأكبر يجب عليه قضاء ما فات من أبيه من الصلوات؟
أمّا المورد الأوّل: فلا صلة له بتحمّل أحد وزر الآخر، بل هو مبنيّ على نوع من التعاون بين أفراد الأُسرة والقبيلة، فإنّ الدية غرامة فادحة ربّما لا يتحمّلها شخص واحد، فلذلك تقسّط بين العصبة ليخفّف الأمر. يقول ابن قدامة: قد جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)دية عمد الخطأ على العاقلة، والمعنى في ذلك: أنّ جنايات الخطأ تكثر ودية الآدمي كثيرة، فإيجابها على الجاني في ماله يجحف به، فقضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل والإعانة له، تخفيفاً عنه إذا كان معذوراً في فعله، وينفرد هو بالكفّارة.2
ويقول الشهيد الثاني: وربّما شبّه إعانة الأقارب بتحمّل الدية، بإعانة

1 . البقرة: 48 .
2 . المغني لابن قدامة:9/497.

صفحه 56
الأجانب الذين عزموا لإصلاح ذات البين بصرف سهم من الزكاة إليهم، وأُحيلت على العاقلة نظراً، لهم ليتحمّلوا ما تحمّلوا في مدّة الأجل، فلا يشقّ عليهم أداؤه.1
وأمّا المورد الثاني: أي قيام الولد بقضاء ما فات من الوالد من العبادات فليس من قبيل تحمّل الوزر، وإنّما هو نوع أداء شكر من الولد الذي ربّاه الوالد من صغره إلى كبره، فلا يعدّ مثل ذلك تحمّلاً للوزر.
ولمّا ظهر من فقرات هذه الآية أنّه سبحانه غنيّ عن إيمان من يؤمن ولا يضرّه كفر من يكفر، أشار هنا إلى أنّ مرجع الجميع من مؤمن وكافر إليه وقال: (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
فيه تنبيه للمشركين بأنّهم سوف يحشرون إلى الله سبحانه فيجزي كلّ إنسان بما عمل بعد تنبيهه على ما عمل، ولعلّ الخطاب يعمّ الناس جميعاً من المشركين والمؤمنين.
ثم إنّ قوله تعالى: (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) تعليل للفقرة المتقدّمة، أي كيف ينبّئ سبحانه يوم القيامة بما عمل الإنسان؟ فعلّله بقوله:(إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)، والمراد بالصدور القلوب الّتي ينسب إليها الفهم والإدراك والهداية والغواية في كثير من الآيات، يقول سبحانه: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا) 2، وقال سبحانه: (فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ التي فِي الصُّدُورِ).3

1 . مسالك الأفهام :15/50.
2 . الأعراف:179.
3 . الحج:46.

صفحه 57
وقد أجرى سبحانه في نسبة الأُمور الروحية إلى القلب مجرى ما اعتاد عليه الناس حيث ينسبون كلّ هؤلاء إلى القلب مع أنّها من آثار النفس والروح، لكن لمّا كان القلب بين الأعضاء أوّل عضو يتأثّر بالأُمور الروحية ـ فإنّ كلاًّ من آثار الخوف والوجل والفرح والسرور تظهر في القلوب قبل ظهور آثارهما في سائر الأعضاء ـ فنسب إلى القلب ما هو للنفس والروح، ولذلك يصح أن يقال: «ضاق صدري» وغير ذلك.

الآيتان: الثامنة والتاسعة سورة الزمر: الآيتان 8 و9

(وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ للّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ * أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ) .

المفردات

ضُرٌّ: الضُر كلّ أذىً أو محنة أو ضرر يصيب الجسم أو الروح.
خوّله: التخويل: الإعطاء والتمليك دون قصد عوض.
نسي: النسيان: ذهول الحافظة عن الأمر المعلوم سابقاً.
أنداداً: جمع نِدّ، وهو الكُفء.
تمتّع: التمتّع هو الانتفاع المؤقّت.

صفحه 58
بكفرك: الباء للتعدية، ومتعلّق «تمتّع» محذوف.
أمّن: مركّبة من كلمتين «أم» و «مَن» أُدغمت الميمان فصارت: «أمّنْ»، والهمزة همزة التسوية متضمّنة معنى الإنكار.
قانت: يقول الراغب: القنوت: لزوم الطاعة بعد الخضوع .
الآناء: جمع آن، كالأمعاء جمع مِعَى، بمعنى الساعات والأوقات.

التفسير

8 . (وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ للّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ):
لمّا ذكر سبحانه في الآية السابقة كفران المشركين لنعم الله سبحانه وإعراضهم عنه ولجوءهم إلى الأصنام، استدرك هنا بأنّ الإنسان ليس كفوراً بالذات، بل هو موحّد في هذه المرتبة بشهادة أنّه إذا مسّه القحط والمرض يرجع إلى الله ويتذلّل إليه ويسأله كشف كربه، وهذا دليل على أنّ الإنسان موحّد بالفطرة وإنّما يعرض له الكفر بسبب البيئة التي يعيش فيها. وقد دلّت التجارب القطعية على أنّ الإنسان عندما يواجه أحد المخاطر يتوجّه من فوره وبصورة تلقائية فطرية إلى الله، وتحدث لديه حالة عرفانية قلبية يطلب فيها من الله سبحانه الخلاص والنجاة.
ولنأت بمثال يوضح التوحيد الفطري الذي خُلق عليه الإنسان:

صفحه 59
نفترض أنّ جماعة من قوميات وعقائد شتّى، استقرّت في طائرة، وبعد مدّة من التحليق ينفتح باب القيادة (قيادة الطائرة) بصورة مفاجئة، وتعلن المضيّفة، بوجهها الشاحب وأعصابها المتشنّجة وصوتها المختنق، تعلن عن الخطر الّذي يدهم الطائرة بسبب توقّف أحد أجهزتها الحسّاسة عن العمل، ومتى لم يُبذل السعي اللازم والمساعدات الكافية من الخارج والداخل، فإنّ سقوط الطائرة وتحطّمها سيكون أمراً قطعيّاً ودون تردد.
وهنا.. في تلك اللحظة الّتي أُعلن فيها النبأ، ترى أنّ حجب الغرور والصلافة والتكبّر قد زالت، وضباب الأوهام والجهل قد انجلى عن الفطرة، وترى القلب مضطرباً واجفاً، ومن أوساط تلك الأوهام والحسرات تتجّه النفس نحو مستقر لها لتطمئن إليه، وتعتقد أنّه يستطيع أن ينقذها من هذه المهلكة والخطر المحدق، وتستغيث به ليخلّصها من الموت المحتَّم، وما هذا المستقر سوى الله عزّ وعلا.
وقد أُشير في العديد من الآيات إلى هذا النوع من التوحيد الفطري، نقتصر على ذكر واحدة منها، وهي قوله سبحانه: (وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)1.
وبهذا تجلّى معنى الآية (وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ ) من مرض أو جوع (دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ): أي مستغيثاً به. هذا هو حال الإنسان إذا ناله الضرّ، لكنّه إذا كُشف عنه الضرّ ونُجّي من البلاء نسي الله كما يقول: (ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ) وملّكه ووهبه من غير عوض، وظن أنّه خلص ممّا كان يدعو لأجله

1 . يونس:12.

صفحه 60
(نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ)والمراد من «ما» الموصولة في قوله: (مَا كَانَ)هو الضرّ أي نسي الضرّ الّذي كان يدعو الله ليكشفه عنه، والشاهد على ذلك قوله سبحانه في الآية السابقة حيث جاء فيها (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرّ مَسَّهُ). وهذا هو المعنى الظاهر، وقيل في «ما» الموصولة معنى آخر، وما ذكرناه هو الراجح.
ثمّ إنّ ما ذكر في الآية من تلوّن الإنسان وتقلُّبه من حال إلى حال إنّما هو شأن إنسان قصير النظر، فلذلك يلتجئ إلى الله سبحانه عند البلاء، ويتنكّر له عند انكشافه، وأمّا الإنسان ذو الأُفق الواسع فلا يتأثر بالأحوال التي تحيط به، بل يذكر الله سبحانه في كلّ الظروف، في السرّاء والضرّاء، والشدّة والرخاء.
ولا يكتفي هذا الإنسان بنكران الفضل والإحسان، بل زاد عليه بأن جعل لربّه شركاء في العبادة والطاعة، فيؤول ذلك إلى إضلال الناس وعدولهم عن سبيل الحقّ، كما قال: (وَجَعَلَ للّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ)، فاللام في قوله: (لِيُضِلَّ)لام العاقبة .
ثم قال سبحانه متوعّداً: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ): أي تمتع أيّها الكافر بالنعم التي فزت بها، فما هو إلاّ تمتع قليل ووراءه عذاب أليم مستقرّ، كما يقول سبحانه: (إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)التي لا تدفع ولا تهدأ.
9. (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ

صفحه 61
يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ):
(أمَّنْ): مركّب من كلمتين: «أم» و «من»، أُدغمت الميمان فصار (أمّن). والهمزة همزة التسوية متضمّنة معنى الإنكار، وتقدير الآية: أهذا الذي ذكرناه خير أم مَن هو قانت آناء الليل؟ فحذفت الجملة المعادلة لمضيّ مضمونها فيما تقدّم من الآية، أعني قوله: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَليلاً إنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّار)فصار بمنزلة قوله: «أذلك خير أمّن هو قانت آناء الليل»، ونظير قوله سبحانه:(أذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنّةُ الْخُلْدِ التَّي وُعِدَ الْمُتَّقُون)1، ولفظة «ذلك» إشارة إلى الجحيم وأهلها الواردة في الآيتين المتقدّمتين وهما قوله سبحانه: (بَل كَذّبُوا بِالسّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذب بالسّاعَةِ سَعيراً* إذا رَأتْهُمْ مِنْ مَكان بَعيد سَمِعُوا لَها تَغيُّظاً وَزَفيراً)2، ونظير الآية مفاداً ومضموناً قوله سبحانه: (أَفَمَنْ يَمْشي مُكِبّاً عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أمَّنْ يَمْشي عَلى صِراط مُسْتَقيم)3.
يقول ابن مالك:
وأم بها اعطفْ بعد همز التسوية *** أو همزة عن لفظ أيّ مغنية
وبعد أن عرفت معنى قوله (أمّن) فاعلم أنّه سبحانه وصف عباده بصفات، وهي:

1 . الفرقان:15.
2 . الفرقان:11ـ12.
3 . الملك:22.

صفحه 62
1. (قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ): أي يعبده ساعات الليل، وتخصيص الليل بالعبادة يدلّ على أمرين:
أوّلاً: أنّ الليل ظرف للاستراحة والسبات، فالقيام فيه للعبادة يدلّ على إيمان قويٍّ وإخلاص شديد لله سبحانه، حيث يبدّل النوم ـ مع الرغبة فيه ـ بالتجافي عن المضجع لعبادة الله سبحانه، قال تعالى: (تَتَجافى جُنُوبهُمْ عَنِ الْمَضاجِعَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوفاً وَطَمَعاً).1
الثاني: أنّ العبادة بالليل أبعد عن الرياء وأقرب إلى الإخلاص، فمهما كان الإنسان مرائياً لا يتمكّن من الرياء أثناء ظلمات الليل.
2. (سَاجِدًا) .
3. (قَائِمًا). والصلاة تشتمل على السجود والقيام، بل معظم أجزائها هو السجود والقيام.
4. (يَحْذَرُ الآخِرَةَ): أي عقابها.
5. (يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ)فهو يعبده رغباً ورهباً، نظير قوله سبحانه: (إنّهم كانُوا يسارِعُونَ في الخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً)2، ولم يقيّد الرحمة بالآخرة خلافاً للعقاب والعذاب; لأنّ رحمة ربّه تعمّ الدنيا والآخرة.
والمعنى كما مرّ: أهذا الكافر الذي جعل لله أنداداً وكُتب عليه العقاب في الآخرة خير أم مَن هو قانت لله سبحانه في آناء الليل ساجداً في صلاته تارة، قائماً فيها أُخرى، يحذر عذاب الآخرة ويرجو رحمة ربّه؟

1 . السجدة:16.
2 . الأنبياء:90.

صفحه 63

أُسلوب المقابلة في القرآن الكريم

من الأساليب التي اتّخذها القرآن في التعليم والتذكّر أُسلوب المقابلة، أي مقابلة الضدّ مع الضد، نظير قول يوسف(عليه السلام): (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)1، وعلى هذا جرى في المقام حيث قال:(أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَ قَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ)أي لا يستوي هذان، فإنّ الأوّل شاكر لله وأنعمه يُجزى جزاء حسناً، بخلاف الثاني فإنّه منكر لنعم ربّه وكافر بها فيجزى بذلك.
ثمّ إنّه سبحانه يشبّه عدم استوائهما بعدم استواء العالم والجاهل الذي هو من القضايا البديهية حيث يقول: (قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذينَ لا يَعْلَمُونَ).

مكانة العلم والعلماء في الإسلام

وتفسير الآية بمطلق العلم حتى العلوم المادّية والطبيعية لا يلائم ظاهر الآية، وإن كان عدم التسوية مطلقاً أمراً واضحاً جليّاً.
إنّ للعلم والعلماء مكانة خاصّة في الإسلام، ويكفي في مكانتهما ورود مادّة العلم بالصيغ المختلفة في الكتاب العزيز قرابة (779) مرّة. ومَن راجع الأحاديث التي جمعها العلاّمة المجلسي في الجزء الأوّل والثاني من «بحار الأنوار» يقف على أحاديث كثيرة في تفضيل العلم والعلماء، وقد نقل الطبرسي في كتاب «الاحتجاج» عن الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام)ما

1 . يوسف:39.

صفحه 64
يدلّ على تفضيل الإمام العالم على العلويّين وعامّة بني هاشم.
نُقل أنّ رجلاً من فقهاء الشيعة كلّم بعض النصّاب فأفحمه بحجّته حتى أبان فضيحته، فدخل على علي بن محمد(عليهما السلام) وفي صدر مجلسه دست عظيم (أي وسادة) منصوب، وهو قاعد خارج الدست وبحضرته خلق من العلويّين وبني هاشم، فما زال يرفعه حتى أجلسه في ذلك الدست وأقبل عليه، فاشتدّ ذلك على أُولئك الأشراف، فأمّا العلوية فأجلوه عن العتاب، وأمّا الهاشميون فقال له شيخهم: يابن رسول الله هكذا تؤثر عاميّاً على سادات بني هاشم من الطالبيّين والعباسيّين؟
فقال(عليه السلام): «إيّاكم وأن تكونوا من الذين قال الله تبارك وتعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ)1 أترضون بكتاب الله عزّ وجلّ حكماً؟» قالوا: بلى.
قال: «أو ليس قال الله عزّ وجلّ:(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)فكيف تنكرون رفعي لهذا لمن رفعه الله؟ إن كسر هذا لفلان الناصب بحجج الله التي علّمه إيّاها، لأفضل له من كلّ شرف في النسب». وفي هذا الحديث شيء حذفناه وهو مذكور عند قوله تعالى: (يَرْفَعِ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات)2.3
ثم إنّ ما ذكر في الآية من حديث عدم التسوية بين العالِم والجاهل،

1 . آل عمران: 23 .
2 . المجادلة: 11.
3 . الاحتجاج: 2 / 259 ; تفسير نور الثقلين: 4/479.

صفحه 65
فيه إشارة إلى أنّ هذا الأمر لا يعرفه إلاّ ذوو العقول، كما قال : (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ).
وهذا يدلّ على أنّ العلم والعقل يمشيان جنباً إلى جنب في الأُصول والمعارف، فمن أراد فصل العقل عن إدراك المعارف فقد خسر وأخسر مَن تبعه. وللاحتجاج بالعقل في مجال المعارف شروط مذكورة في محلّها.
بقيت هنا كلمة وهي أنّ مَدْح القرآن الكريم للقانت الّذي يقطع الليل ساجداً وقائماً، مشروط ببقاء القائم إلى نهاية عمره بهذا الوصف، وأمّا لو انحرف عن الصراط المستقيم في أثناء عمره أو أواخره فلا يفيده قيام الليل وصيام النهار أيام شبابه، وقد روي عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: «وإنّما الأعمال بخواتيمها».1
روى المجلسي عن «إرشاد القلوب» للديلمي أنّه خرج أمير المؤمنين(عليه السلام) ذات ليلة من مسجد الكوفة متوجّهاً إلى داره وقد مضى ربع من الليل ومعه كميل بن زياد(رحمه الله)وكان من خيار شيعته ومحبّيه، فوصل في الطريق إلى باب رجل يتلو القرآن في ذلك الوقت ويقرأ قوله تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيلِ...) بصوت شجيّ حزين فاستحسن كميل ذلك في باطنه وأعجبه حال الرجل من غير أن يقول شيئاً، فالتفتَ (صلوات الله عليه) إليه وقال: «يا كميل لا تعجبك طنطنة الرجل، إنّه من أهل النار وسأُنبئك فيما بعد»، فتحيّر كميل لمكاشفته له على ما في باطنه ولشهادته بدخول هذا

1 . بحار الأنوار:9/330.

صفحه 66
الرجل النار مع كونه في هذا الأمر وتلك الحالة الحسنة.
ومضت مدّة متطاولة إلى أن آلَ حال الخوارج إلى ما آل وقاتلهم أمير المؤمنين(عليه السلام)وكانوا يحفظون القرآن كما أنزل، فالتفتَ أمير المؤمنين(عليه السلام)إلى كميل وهو واقف بين يديه والسيف في يده يقطر دماً ورؤوس أُولئك الكفرة الفجرة محلقة على الأرض، فوضع رأس السيف على رأس من تلك الرؤوس وقال: «يا كميل: (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ) »، أي هو ذلك الشخص الذي كان يقرأ القرآن في تلك الليلة فأعجبك حاله، فقبّل كميل قدميه(عليه السلام)واستغفر الله.1
هذا، وقد روى البخاري بإسناده عن أبي سعيد الخدري أنّه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «يخرج فيكم قوم تَحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرأون القرآن لا يُجاوز حناجرَهم، يَمرُقون من الدين كما يَمرُق السَّهم من الرميّة...»2.
وروى البخاري نحوه من طريق آخر عن أبي سعيد الخدري، وفيه: قال أبو سعيد: فأشهد أنّي سمعت هذا الحديث من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأشهد أنّ علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه...3

الآيات: العاشرة إلى العشرين سورة الزمر: الآيات 10ـ 20

(قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ

1 . بحار الأنوار:33/399.
2 . صحيح البخاري: 3 / 360، كتاب فضائل القرآن، الباب 36، برقم 5058.
3 . صحيح البخاري: 2 / 439، كتاب المناقب، الباب 24، برقم 3610.

صفحه 67
الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب * قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم * قُلِ اللّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِيني * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ * وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبَابِ * أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ * لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللّهِ لاَ يُخْلِفُ اللّهُ الْمِيعَادَ).

المفردات

ظُلل: جمع ظُلّة، كغُرف جمع غرفة، وقِرب جمع قربة، والظّلة كل ما غطّى وستر من سحاب أو جبل.

صفحه 68
الطاغوت: مشتق من طغى، يقال: طغى طغياناً أي تجاوز الحدّ في العصيان، والطاغوت عبارة عن كلّ معتد وكلّ معبود من دون الله، ويستعمل في الواحد والجمع .1
وقال في «الكشّاف»: إنّ الطاغوت على وزن فعلوت من الطغيان كالملكوت والرحموت، ثمّ قدّم لام الفعل ـ أعني: الواو ـ على عين الفعل ـ أي: الغين ـ فأصبحت طوغوت ثم قلب الواو ألفاً فصارت (طاغوت).(2)
وليس ذلك ببعيد فإنّ لفظة الجاه مشتقّة من الوجه؟ فيقال: الوجيه بين الناس، فقدّم عين الفعل ـ أعني: الجيم ـ على فاء الفعل ـ أعني: الواو ـ فصار جوه، ثم قلبت الواو ألفاً، فصار: جاه.

التفسير

من لطائف هذه الآيات أنّه سبحانه يأمر نبيه الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يقول للناس الأُمور التالية:
1. (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ...)
2. (قُلْ إنِّي أُمِرْتُ...).
3. (قُلْ إنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي...).
4. (قُلِ اللّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِيني...).
5. (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ).

1 . المفردات للراغب: 305، مادة «طغى».   2 . تفسير الكشّاف: 4 / 343، بتوضيح منّا.

صفحه 69
وهذه الأوامر المتضافرة تدلّ على أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) هو المبلّغ عن الله سبحانه أوامره ونواهيه دون أن يتدخّل فيها بنقص أو زيادة، فما يتقوّل به بعض من ليس له قدم راسخ في المعارف القرآنية، من أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ما تسنّم منصّة النبوة وتمتع بالروح القدسية، هو الذي يشرّع ويأمر وينهى، والقرآن هو خطاباته وكلامه، يردّه صريح هذه الآيات الّتي تأمره بأن يقول كذا وكذا وكذا.
10. (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب):
إنّ في خطاب الله سبحانه للمؤمنين بلفظ: (يَا عِبَادِ)كرامة ليس فوقها كرامة، وهذا ما يتجلّى بوضوح في ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام)في دعائه، فقد روى أبو بصير عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «كان من دعاء أمير المؤمنين صلوات الله عليه: إلهي كفى بي عزّاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً »1.
فإذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تفسير فقرات الآية واحدة بعد الأُخرى:
أ. (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا)، الكسرة في آخر (عِبَادِ) تدلّ على حذف المضاف إليه وهو الياء، أي: قل يا عبادي، نظير قوله سبحانه في هذه السورة:(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ)، فالمضاف إليه فيه غير

1 . كنز الفوائد: 181 .

صفحه 70
محذوف ، ولم يعلم وجه الفرق في حذف الياء في هذه الآية وتثبيتها في الآية الأُخرى1، وقد جاء الاختلاف من جانب القرّاء، وإلاّ فالقرآن واحد نزل من عند الله الواحد.
ب. (الّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا ربَّكُمْ).
يخاطب سبحانه عباده المؤمنين ويأمرهم بالتقوى، وهي جُنّة المؤمن الّتي تصدّه عن الذنوب، فالتقوى من الوقاية، ولولا هذا الدرع لما نجى المؤمن من الزيغ والانحراف، فالورع من محارم الله هو الركن الركين في الحياة الأُخروية وهو نتيجة التدرّع بالتقوى.
ج. (لِلَّذينَ أَحْسَنُوا في هذِهِ الدُّنْيا حَسَنة).
فقوله: (في هذِهِ الدُّنْيا)متعلّق بـ(أَحْسَنُوا) وليس متعلّقاً بـ(حَسَنة)حتى تختصّ حسنة الله سبحانه بالمؤمنين في الدنيا، بل المحسن في هذه الدنيا تعمّه الحسنة في الدنيا والآخرة; وأمّا الكافر فهو محروم من تينك الحسنتين، وكأنّه سبحانه يقول:«للذين أحسنوا في هذه الدنيا، حسنة في الدنيا والآخرة» أمّا الآخرة فواضحة حيث إنّ المحسن في الجنّة، والمسيء في النار، وأمّا الدنيا فللمؤمن المحسن في هذه الدنيا طيب النفس، وسلامة الروح، وصون النفوس عمّا يتقلّب فيه الكفّار من تشوّش البال وتقسّم القلب وغلّ الصدر والخضوع للأسباب الظاهرية، وفقد من يُرجى في كلّ

1 . قال ابن عاشور: وقد يوجّه هذا التخالف بأنّ المخاطبين في هذه الآية هم عباد الله المتّقون، فانتسابهم إلى الله مقرّر، فاستُغني عن إظهار ضمير الجلالة في إضافتهم إليه، بخلاف الآية التالية، فليس في كلمة (يَا عِبَادِيَ)إلاّ وجه واحد باتّفاق العشرة ـ يعني أصحاب القراءات ـ ، ولذلك كتبها كتّاب المصاحف بدون ياء بعد الدال. التحرير والتنوير: 24 / 40.

صفحه 71
نائبة، وينصر عند طروق الطارقة، ويطمأن إليه في كلّ نازلة، وفي الآخرة سعادة دائمة، ونعيم مقيم.1
د. (وَأَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ).
لمّا وعد سبحانه بأنّ للمؤمن المحسن حسنة في الدنيا، صار ذلك سبباً لدعوة المسلمين المقيمين في مكة الممنوعين من القيام بالحسنة خصوصاً في أثناء النهار وفي المسجد الحرام، فأشار سبحانه بأنّ هؤلاء أيضاً يتمكّنون من القيام بالحسنة بالهجرة من مكّة، ثمّ أتى بقوله: (وَأَرْضُ الله واسِعَة)الذي صار مثلاً معروفاً.
إنّ الهجرة من أرض الكفر إلى أرض للذّود عن الدين، والقيام بواجباته، وتبليغ أحكامه، سنّة إلهية عمل بها غير واحد من أصحاب الرسالات السماوية، فهذا هو إبراهيم الخليل (عليه السلام)بعدما نجّاه الله سبحانه من كيد الكافرين قال:(إنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ)2، وتبعه ابن أخيه النبي لوط(عليه السلام)، قال سبحانه حاكياً عنه: (إنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)3، وهذا هو موسى(عليه السلام) فلمّا أُخبر بأنّ الملأ يأتمرون ليقتلوه، قال عنه سبحانه:(فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّني مِنَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ
)4.
وقد أكّد سبحانه على الهجرة في ظروف خاصّة حتى لو أدركه

1 . الميزان في تفسير القرآن:17/ 243 ـ 244 .
2 . الصافات: 99.
3 . العنكبوت:26.
4 . القصص:21.

صفحه 72
الموت في طريق هجرته فأجره على الله، قال: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّهِ)1.
وبما أنّه قد يتوهّم الإنسان أنّه لو ترك بيته في وطنه وخرج منه ربما تتعسر بوجهه الحياة، فالله سبحانه يردّ على هذا التوهّم فيقول الله:(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)2، وقال تعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً)3.
وعلى هذا تجب على المؤمن الهجرة، إذا أحسّ أنّه في بيئة لا يتمكّن فيها من إقامة الفرائض والانتهاء عن المحرّمات، والله سبحانه هو الّذي يُكرمه ـ كما وعد ـ بالحسنى في الدنيا.
والعجب أنّ أصحاب الكهف بعدما هاجروا من وطنهم ولم يجدوا ملجأ إلاّ الكهف، خاطب بعضهم بعضاً فقالوا: (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا)4 فقد استشعروا بالسنّة الإلهية بفطرتهم الصافية.
وفي كلام الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) دعوة إلى الهجرة في ظروف خاصّة قال: «لن تنقطع الهجرة ما قوتل الكفّار».5 وقال تلميذه أمير البيان والإيمان(عليه السلام): «وَالْهِجْرَةُ قَائِمَةٌ عَلَى حَدِّهَا الاَْوَّلِ. مَا كَانَ لِلّهِ فِي أَهْلِ الاَْرْضِ

1 . النساء:100.
2 . النحل:41.
3 . النساء:100.
4 . الكهف:16.
5 . جامع الأُصول:12/261.

صفحه 73
حَاجَةٌ مِنْ مُسْتَسِرِّ الاِْمَّةِ وَمُعْلِنِهَا».1
وهذا هو المحقّق الحلّي يقول في «الشرائع»: وتجب المهاجرة عن بلد الشرك على مَن يضعف عن إظهار شعائر الإسلام مع المكنة، الهجرة باقية مادام الكفر باقياً.2
هـ . (إنّما يوفّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب).
وصلة هذه الفقرة بما قبلها يمكن أن يكون بهذا الوجه، وهو أنّ في ترك الوطن والهجرة مصاعب ومتاعب، وأنّ الله سبحانه يعدهم بالأجر والثواب ويقول:(إنّما يوفّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَاب). قوله: (بِغَيْرِ حِسَاب) حال من قوله: (أَجْرَهُمْ)وهي كناية عن كثرة الأجر وفي الوقت نفسه وصف للموصول المحذوف، أي إعطاء بغير حساب، أو أجراً بغير حساب، فالصابرون لا يحاسبون على أعمالهم.
وروى الطبرسي في «المجمع» عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا نشرت الدواوين ونصبت الموازين، لم ينصب لأهل البلاء ميزان، ولم ينشر لهم ديوان: ثم تلا هذه الآية: (إنّما يُوفّى الصابِرُونَ أجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَاب).3
إنّ الصبر من الأُصول الأخلاقية التي دعا إليها الكتاب العزيز وحثّ عليها النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته(عليهم السلام) إذ لا يراد بها إلاّ الثبات على طريق الحق، ولولاه لما نال أحد أي هدف من أهدافه، وناهيك في بيان شرفه

1 . نهج البلاغة: الخطبة 189. ومعنى (الإمّة): الحالة.
2 . شرائع الإسلام:1/234، كتاب الجهاد.
3 . مجمع البيان:8/492.

صفحه 74
ومنزلته من الإيمان، قول الإمام علي(عليه السلام): «وعليكم بالصبر فإنّ الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس معه ولا في إيمان لا صبر معه».1
وممّا يشهد على أنّ الصبر الذي دعا إليه الإسلام هو بمعنى الثبات على طريق تحقيق الهدف السامي، أنّه سبحانه عندما يأمر بالمرابطة يقدّم عليها الأمر بالصبر ويقول:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صَابِرُوا وَ رَابِطُوا)(2) فالمرابطة في ساحات القتال هي لأجل حفظ الثغور من اختراق العدو لحدود البلاد الإسلامية، وهو رهن كون المجاهد صابراً وموصى بالصبر، فعند ذلك يسهل عليه البقاء في الثغور التي لا تخلو عن مخاوف ومنغّصات.
وأحسن كلمة حول الصبر ودوره في حياة الإنسان قول لقمان لابنه: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ).2
11 ـ 14. (قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم * قُلِ اللّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِيني):
إنّ في هذه الآيات الأربع رجوع إلى ما ورد في صدر السورة، وهو الأمر بالإخلاص في عبادة الله سبحانه وتنزيهه عن الشرك وعبادة غيره، فقد أمر في هذه الآيات بأُمور أربع وإن كان الأمر الرابع تأكيداً للأوّل:

1 . نهج البلاغة: الخطبة 82 .   2. آل عمران:200.
2 . لقمان:17.

صفحه 75
1. أمره ربّه بالإخلاص في العبادة والطاعة. ثمّ إنّ متعلّق (أُمِرْتُ)في الآية الثانية عشرة محذوف، لدلالة قوله في الآية المتقدّمة(أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ): أي أُمرت بالإخلاص في العبادة لأكون أوّل المسلمين.
2. أمره ربّه أن يكون أوّل المسلمين، وفي هذا نوع إبهام، فإنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) كان أوّل المسلمين في أُمّته، فأيّ معنى لكونه أوّل المسلمين؟ وقد ذكر في «الكشّاف» في معنى ذلك وجوهاً أربعة أوضحها الوجه الثالث، وهو: أن أكون أوّل من دعا نفسه إلى ما دعا غيره لأكون مقتدىً في قولي وفعلي جميعاً، ولا تكون صفتي صفة الملوك الذين يأمرون بما لا يفعلون.1
وذكر ابن عاشور وجهاً آخر قائلاً: بأنّ لفظ أوّل هنا مستعمل في مجازه، إذ ليس المقصود من الأوّلية مجرّد السبق في الزمان، فإنّ ذلك حصل فلا جدوى في الإخبار به، وإنّما المقصود أنّه مأمور بأن يكون أقوى المسلمين إسلاماً بحيث أنّ ما يقوم به الرسول من أُمور الإسلام أعظم ممّا يقوم به كلّ مسلم.2
3. أمره أن يقول للناس: إنّه يخاف عصيان ربّه، لأنّ فيه عذاب يوم عظيم. وفي هذه الفقرة دليل على ما نقل عن مقاتل أنّ كفّار قريش قالوا للنبي(صلى الله عليه وآله): ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به؟ ألا تنظر إلى ملّة أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزّى؟3 فقد أُمر النبي(صلى الله عليه وآله) بردّ

1 . تفسير الكشّاف:3/342.
2 . التحرير والتنوير:24/44.
3 . تفسير مقاتل بن سليمان: 3 / 129 .

صفحه 76
اقتراحهم وأن يقول: (قُل إنّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبّي عَذابَ يَوم عَظيم)، بل يمكن أن تكون الآية المتقدّمة أيضاً ردّاً لاقتراحهم.
4. ثمّ إنّه أُمر مّرة رابعة بما هو أساس دينه، بل أساس عامّة الشرائع، أعني قوله: (قُلِ اللّهَ أعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِيني)ففيه حصران:
1. تقديم المفعول على الفعل: (اللّهَ أعْبُدُ).
2. تقديم مخلصاً وهو حال:(مُخْلِصًا لَهُ دِيني).
والناظر في هذه الآيات وما تقدّمها يقف على أنّ التوحيد أُسّ الشريعة وأساس عامّة الشرائع، ولا يمكن لأيّ نبي أو مصلح أن يعدل عنه إلى غيره، ولذلك أمر سبحانه نبيّه الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بدعوة أهل الكتاب إلى أصل مشترك بين عامة الشرائع وقال: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ).1
15. (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) :
هذه الآية بمنزلة خير ختام لما بُدئ به من صدر السورة إلى هنا، فالأمر (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ)للتهديد بمعنى أنّه سبحانه قد أتمّ الحجّة على عباده، المؤمن منهم والمشرك، فمن شاء فليعبد ما شاء، وهو نظير

1 . آل عمران: 64.

صفحه 77
قوله سبحانه: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)1، أمّا من عبد غير الله فقد خسر نفسه وأهله الذين يتّبعونه بتبعية الأولاد للآباء، فالمشرك ضالٌّ ومُضلّ، خاسر ومُخسر، وليس هذا إلاّ الخسران المبين; وكونه مبيناً لأنّ خسران الدنيا منقطع بخلاف خسران الآخرة، وهل قرية وراء عبّادان؟!
والخسر والخسران: انتقاص رأس المال، وينسب ذلك إلى الإنسان فيقال: خسر فلان، وإلى الفعل فيقال: خسرت تجارته.2 وأي خسران أكبر من صرف العمر الذي هو رأس مال الإنسان دون أن يكتسب به شيئاً يفيده في الحياة الأُخروية، فيذهب رأس ماله دون عوض؟ ولهذا قال سبحانه: (إنّ الإنْسانَ لَفي خُسْر* إلاّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات)3، فلولا الإيمان والعمل الصالح لأصبح كلّ إنسان في خسر، ولذلك قال سبحانه : (إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ).
وبعد أن أوعد سبحانه المشركين في هذه الآية عاد البيان القرآني إلى توصيف عذابهم وجزائهم في الآخرة، وقال :
16. (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ):
هذه الآية بصدد بيان نوع من صور الخسران التي تحيط بالمشرك،

1 . الكهف: 29 .
2 . المفردات للراغب:147، مادة «خسر».
3 . العصر:2ـ3.

صفحه 78
وهو أنّه يعيش بين طابقَين من نار.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهذَا الْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ، فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ، فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا. أَفَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، وَالْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ، وَ الرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ؟ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَار، ضَجِيعَ حَجَر، وَقَرِينَ شَيْطَان!؟»1
واستعمال الظلّة في المقام لا يخلو من التهكّم، حيث إنّ الإنسان يتّقي بالظلل حرّ الشمس، ويأوي إليها للراحة والتبرّد، ولكنّ الأمر هناك على العكس، وبهذا ظهر معنى قوله: (لَهُمْ منْ فَوقِهِمْ ظُللٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُللٌ). وهذه خُلقت لأهل الشرك وعبدة الأصنام، وأمّا (غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ) فهي لأهل التوحيد والإيمان، فيا بشرى لمن ربح في حياته ولم يخسر.(ذلِكَ يُخوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ). اسم الإشارة في صدر الفقرة إشارة إلى ما مرّ من وصف مستقرّ المشرك (يُخوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ) حتى يتعقّلوا وينسلكوا في عداد الموحّدين، والغرض من هذا التخويف يشبه الغرض الذي يستهدفه الحاكم من ذكر العقوبات التي تلحق بمن يخالف القانون ويدوسه. وفي الحقيقة أنّ هذا التخويف والتهديد لطف من الله سبحانه بعباده لكي لا يكون المصير المشؤوم حليفهم، فالعقوبات المجعولة من جانب الحاكم على ناقض الحقوق والقوانين ـ وإن كانت حسب الظاهر عقوبة ـ لكنّها في الحقيقة رحمة إذا تعقّل وتفكّر وارتدع عن خرق القوانين.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 183 .

صفحه 79
ومن القول المبتذل عن بعضهم من أنّ ما ذكره سبحانه وتعالى من العواقب المؤلمة للمشركين إنّما هو من باب التخويف دون أن تلاحقهم تلك العواقب يوم القيامة، نظير ما تخوّف الأُمّ به طفلها الصغير بأنّه لو فعل كذا لقطعت يده وقلعت عينه مع أنّها لا تقوم بذلك لو خالف.
أقول: كيف يتفوّه بذلك، والله سبحانه يقول: (إنّ الله لا يُخْلِفُ الميعاد)1، ويقول: (ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ)2، فالوعد في الآية يُراد به الوعيد بقرينة قوله: (بِالعذابِ).
قوله تعالى: (يا عِبادِ فَاتَّقُون): الكسرة في آخر العباد تدلّ على حذف المضاف إليه، أي يا عبادي، وقدّم المنادى على النداء لأنّ المقام مقام إنذار وتحذير.
17 و 18. (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبَابِ):
بعد أن أنذر سبحانه المشركين وهدّدهم، أعقب ذلك بذكر ما يتلقّاه المؤمنون من البشارة بالنجاة، مقابلةً لإنذار المشركين، وأبان أنّ هذه البشارة إنّما ينالها من يجتمع فيه الأمران التاليان:
أ. (اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ).

1 . آل عمران:9.
2 . الحج:47.

صفحه 80
ب. (أَنَابُوا إِلَى اللّهِ).
وإليك تفسير الفقرتين:
الأُولى: أعني قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا):
المراد بالطاغوت هنا هو الأصنام المعبودة بقرينة سياق الآيات، وقد اتّخذ القرآن في هذه الآية أُسلوب المقابلة، حيث إنّه لمّا أوعد عبدة الطاغوت والأصنام في الآية السابقة بقوله: (لَهُمْ مِنْ فَوقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّار)، نراه يزفّ البشرى في هذه الآية لمن يعبد الله سبحانه ويجتنب عبادة الطاغوت. بقوله: (لَهُمُ الْبُشْرى)، كما سيوافيك.
الثانية: أعني قوله تعالى: (وَأَنَابُوا إِلَى اللّهِ ).
الإنابة غير التوبة، فالتوبة هي الرجوع من العصيان، والإنابة بمعنى التوجّه إلى الله سبحانه والميل الشديد إليه، يقول سبحانه: (وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ)1.
والفقرة تشير إلى أنّ مجرّد ترك عبادة الطاغوت غير كاف في سعادة الإنسان في الآخرة، فإنّ قسماً من المنكرين لما وراء الطبيعة لا يعبدون الله سبحانه ولا غيره من الأصنام، ومع ذلك فهم والمشركون سواء، فلذلك عطف على ترك عبادة الطاغوت الإنابة إلى الله .
ثم إنّه سبحانه بشّر هؤلاء المؤمنين المنيبين بقوله:(لَهُمُ الْبُشْرى): أي البشارة بالنجاة والفوز برضوان الله تعالى .
ثم وصف سبحانه أُولئك الذين يستحقّون تلك البشارة، فقال :

1 . ص: 24.

صفحه 81
(الَّذينَ يَسْتَمعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ).
الآية تصف المبشّرين بالتدقيق فيما يستمعون فيميّزون بين الحسن وغيره. قال السيد الطباطبائي: إنّ المراد بأحسن القول أرشده في إصابة الحقّ وأنصحه للإنسان. والإنسان إذا كان ممّن يحبّ الحسن وينجذب إلى الجمال كان كلّما زاد الحسن زاد انجذاباً، فإذا وجد قبيحاً وحسناً مال إلى الحسن، وإذا وجد حسناً وأحسن، قصد ما هو أحسن، وأمّا لو لم يمل إلى الأحسن وانجمد على الحسن، كشف ذلك عن أنّه لا ينجذب إليه من حيث حسنه، وإلاّ زاد الانجذاب بزيادة الحسن. فتوصيفهم باتّباع أحسن القول معناه أنّهم مطبوعون على طلب الحقّ وإرادة الرشد وإصابة الواقع. فالحقّ والرشد هو مطلوبهم، ولذلك يستمعون القول ولا يردّون قولاً بمجرّد ما قرع سمعهم اتّباعاً لهوى أنفسهم من غير أن يتدبّروا فيه ويفقهوه.1
وفي الآية دعوة لإحياء التفكير والتعقّل ورفض الجمود والتحجّر. والمراد من القول مطلق ما تناط به سعادة الإنسان، وما عن بعض المفسّرين من أنّ المراد استماع القرآن واتّباع أوامره، هو من باب تطبيق الكلّي على الفرد الكامل.
ومن غرر الآيات في المقام قوله سبحانه:(فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)، حيث يصف عباده بأنّهم يجرِّدون أنفسهم عن كلّ تعصّب وتحزّب، فيستمعون كلام المتكلّم بذهن منفتح وعقل نيّر،

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن: 17 / 250 .

صفحه 82
ويضعونه موضع البحث والتدبّر، فإذا وجدوه حقّاً اتّبعوه.
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الإسلام دعا إلى التفكّر والتعقّل في كلّ ما يتّبعه الإنسان سواء أتعلّق بحياته الدنيوية أم الأُخروية، فالمعيار كون الكلام حسناً مطابقاً للفطرة والمعايير العقلية سواء أكان على طريقة الآباء أم خالفها، ولذلك أوجب الفقهاء على المكلّفين الاجتهاد في الأُصول والعقائد وحرمة اتّباع آثار الآباء وتقاليدهم وأعرافهم، فالنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)هو المنادي بحرية التفكير قبل أربعة عشر قرناً يوم كان الإنسان لا يفكّر في هذا الموضوع ونظائره.
وقد وصف الله سبحانه هؤلاء بوصفين:
الأوّل: (أُولئِكَ الذِينَ هَداهُمُ الله):
وفيه إشارة إلى أنّ اتّباع الأحسن ورفض الباطل هداية تكوينية جعلها الله في خلقته، فالإنسان بطبعه يميل إلى الحقّ ويرفض الباطل لولا غلبة الأهواء.
الثاني: (أُولَئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبَابِ ):
أي هؤلاء الذين يتّبعون أحسن القول هم ذوو العقول، فإنّ عقولهم ترشد إلى الحقّ.
19. (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ) :
قد مرّ فيما سبق أنّ من الأساليب التي اتّخذها القرآن في مقام الهداية أُسلوب المقابلة بين المتضادّين، وذكرنا بعض الأمثلة ومنها المقام، فقد تحدّث سبحانه في الآية السابقة عن عباده ووصفهم بأنّهم هم الذين

صفحه 83
يتّبعون أحسن القول، وأنّهم هم الذين هداهم الله سبحانه، وأنّهم هم أُولو الألباب، فلزم مَن ذلك أنّ من تنكّب عن هذه الطريقة التي هي مقتضى الفطرة ولم يستمع إلى قول الأنبياء أو استمع ولكن لم يتّبع، فهو الذي حقّت عليه كلمة العذاب كما قال: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ) وأمّا ما هو المراد من تلك الكلمة فالظاهر أنّه أُريد بها قوله: (لأملأنّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهُم أَجْمَعين)1، ثمَّ إنّ حتمية إنزال العذاب بهؤلاء لا تحمل أيّ طابع إجباري وإنّما هي نتيجة إعراضهم عن استماع الكلام الحق، وتبعيّتهم للشيطان.
وثمّة وجهان في تفسير الآية:
الأوّل: القول بحذف الجملة المعادلة لدلالة الكلام عليها، فكأنّه قال: (أفَمَنْ حَقَّ عَليهِ كَلِمَةُ العذابِ) كمن وجبت له الجنة، ثم يختم بقوله: (أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ).2
الثاني: أن يقال: أفمن حقّت عليه كلمة العذاب، ينجو منه (أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ).3
أو يقال: أفمن حقّت عليه كلمة العذاب أفأنت تخلّصه ؟ (أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) .
وعلى جميع الوجوه فـ «مَن» في قوله: (أَفَمَنْ)موصولة لا شرطية، وهو مبتدأ خبره إحدى الجمل المقدّرة .

1 . ص: 85 .
2 . مجمع البيان:9/494.
3 . الميزان في تفسير القرآن:17/251.

صفحه 84
وربّما يقال إنّ قوله: (مَنْ فِي النَّارِ) يحكي عن حلولهم بالنار في هذه الدنيا، وإن كان غير شاعر به، ويشهد لذلك قوله: (وإنّ جهنّم لَمُحيطةٌ بِالكافِرين)1، وأمّا كيفية الإحاطة فهي غير معلومة لنا، ويمكن أن تكون من باب أنّها محقّقة الوقوع، كما في قوله سبحانه:(إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ)(2).
وعلى كلّ تقدير، فإنّ هؤلاء الذين يتمادَون في العصيان، ويعيثون في الأرض فساداً، حتى تنغلق قلوبهم فلا ينفذ إليها نور الهداية والإيمان، فإنّ هؤلاء هم الذين حقّت عليهم كلمة العذاب، والذين ورد في حقّهم قوله تعالى: (خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ).2
20. (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللّهِ لاَ يُخْلِفُ اللّهُ الْمِيعَادَ):
لمّا خاطب الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في الآية السابقة بقوله:(أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ)ناسب أن يبشّر النبي بأنّ للذين (اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ)، وبذلك صار الإنذار مقروناً بالتبشير، وقد مرّ أنّ الآية تقابل قوله تعالى فيما سبق: (لَهُمْ مِنْ فَوقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ)، كلّ هذا من أساليب المقابلة.
ثمّ إنّ الآية تدلّ على أنّ من سنن الله تعالى عدم إخلاف وعده، حيث قال: (وَعْدَ اللّهِ لاَ يُخْلِفُ اللّهُ الْمِيعَادَ).

1 . التوبة:49.   2 . الواقعة: 1 .
2 . البقرة:7.

صفحه 85

الآيات: الحادية والعشرون الى السادسة والعشرين سورة الزمر: الآيات 21ـ 26

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا
ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الأَلْبَابِ * أَفَمَنْ شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلاَل مُبِين * اللّهُ نَزَّلَ
أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللّهِ
ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ
مِنْ هَاد * أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ * كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * فَأَذَاقَهُمُ اللّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).

المفردات

ينابيع: جمع ينبوع وهو الموضع الذي ينبع منه الماء، يقال: نبع الماء من موضع كذا إذا فار منه.

صفحه 86
زرعاً: الزرع: ما ينبت على غير ساق، والشجر ما له ساق وأغصان، والنبات يعمّ الجميع.
وقوله في: «ما ينبت على غير ساق» ناظر إلى النباتات التي تنبت على الأرض، وإلاّ فالحنطة والشعير وأمثالهما له ساق نحيف بخلاف الشجر فإنّ له ساقاً قويّاً.
يَهيج: من هاج النبت، يهيج هيجاً إذا جفّ وبلغ نهايته في اليبوسة.
حطاماً: الحُطام: فُتات التِّبن والحشيش، والحَطْم: الكسر للشيء اليابس، ومنه سمّيت جهنّم حُطَمة، لأنّها تكسر كلّ شيء. 1
شرح: الشَّرْح: أصله بسط اللحم ونحوه يقال: شرحت اللحم وشرّحته ومنه شرح الصدر: أي بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله وروح منه، قال تعالى: (رَبِّ اشْرَحْ لي صَدْري)2، (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)3.4
وفي اختيار كلمة (شَرَحَ) دلالة على أنّ المسلم يكتسب ضمن تعاليم الإسلام فرحاً بحاله ومسرّة يرضى بها حتى أنّه يستخف بالمصاعب والكوارث.
القاسية: القسوة: غلظة القلب، وأصله من حجر قاس، فكأنّ قلوب الكافرين حجر صلب لا يقبل شيئاً.

1 . مجمع البيان:8/494.
2 . طه: 25 .
3 . الشرح: 1 .
4 . المفردات للراغب:258، مادة «شرح».

صفحه 87
الحديث: الخبر، ووصف القرآن به لأنّ فيه نبأً عظيماً، يقول سبحانه: (فَليْأْتُوا بِحَدِيث مِثْلِهِ)1 فهو من أحسن الحديث.
متشابهاً: يشبه بعض أجزائه بعضاً.
مثانيَ: جمع مثنى بمعنى المردّد والمكرّر.
تقشعرّ: من اقشعرّ جِلده بمعنى تقبّض، في مقابل لانَ.

التفسير

21. (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الأَلْبَابِ):
لقد شبّه الله سبحانه الحياة الدنيا في غير واحدة من الآيات بالنبات الذي يهيج ثم يصفرّ ثم يكون حطاماً، وإليك ذكر المواضع التي ورد فيها هذا المضمون في غير هذه السورة:
1. قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْث أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ).(2)
2. قوله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ

1 . الطور: 34 .   2. الحديد:20.

صفحه 88
بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ)1.
3. قوله تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء مُقْتَدِرًا)(2).
والظاهر أنّ الآيات الأربع ذات موقف واحد، وهو يستهدف أمرين:
الأوّل: وحدة التدبير وأنّ الخالق هو المدبّر وأنّه هو الذي ينزل المطر من السماء فينبت به النبات على ألوان مختلفة ثم يذوي ويصفرّ ويصير فُتاتاً متكسّراً، ولا يقوم بهذا التدبير إلاّ الله سبحانه لا الأصنام المزعومة.
الثاني: التحذير من الاغترار بالدنيا، وتشبيه حالها بحال النبات وأنّها ليست متاعاً باقياً، وقد يراد بها تشبيه حياة الإنسان بحياة النبات، فيوماً يكون طفلاً ثم صبيّاً ثم شاباً ثمّ كهلاً ثم هرماً، وقد يُردّ إلى أرذل العمر حتى لا يعقل شيئاً، ثم يموت فيُقبَر ويصير تراباً.
ولعلّ الأوّل هو الأنسب في المقام، كما أنّ الثاني أنسب لما ورد في سورتي الحديد ويونس، وقد مرّ أنّ الهدف الأقصى في هذه السورة هو تأكيد وحدة المدبّر وأنّ الخالق هو المدبّر.
فعلى هذا فمعنى الآية (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ): أي أدخله ونظمه ينابيع في الأرض عيوناً وآباراً، فالمطر إذا

1 . يونس:24.   2. الكهف:45.

صفحه 89
نزل من السماء تمتصّه الطبقة الأُولى من الأرض وينزل إلى نقطة غير قابلة للنفوذ ويجتمع فيها ثم يخرج من داخل الأرض بصورة البئر أو العين، ولو لم تكن للأرض طبقة ثانية غير قابلة للنفوذ لانعدمت العيون والآبار بنفوذ الماء إلى أعماق الأرض بحيث لا يتمكّن الإنسان من استخراجه.
ثم إنّ للماء المخزون في الأرض دوراً في خروج الزرع كما يقول: (ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُختلفاً أَلْوَانُهُ).
ولفظة (ثُمَّ) لبيان التراخي بين نزول المطر وخروج الزرع. و «الألوان» جمع لون وهي كيفية على ظاهر الجسم تتبيّن عند الضوء، وبما أنّ لكلّ زرع لوناً معيّناً، فاختلاف الزرع في الألوان مع وحدة الماء والأرض يدلّ على أنّ هناك قدرة قاهرة تخرج من الماء والأرض المتّحدين ألواناً مختلفة، وقد أشار إليه سبحانه أيضاً في آية أُخرى بقوله: (وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَاب وَ زَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَان يُسْقَى بِمَاء وَاحِد وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْض فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ)1.
وعلى كلّ تقدير فلا يبقى الزرع على حالة واحدة، كما يقول سبحانه: (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا). والهياج هو ثورة الإنسان أو الحيوان، واستعير لشدة الشيء من غيرالحيوان، فكأنّ النبات إذا تمّ جفافه جاز له أن يثور من منابته. وعند جفافه نراه يصفرّ بعد خضرته ونضارته (ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا): أي فُتاتاً متكسِّراً.

1 . الرعد:4.

صفحه 90
ثم أشار إلى مَن ينجع فيهم ما ذُكر آنفاً، فقال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الأَلْبَابِ): أي فيه دلالة لأصحاب العقول السليمة على التدبير العالي المستند إلى الله سبحانه.

سيّد قطب وتوضيح التمثيل

وقد كتب سيّد قطب في تفسيره «في ظلال القرآن» من أجل توضيح التمثيل ما هذا لفظه: ورؤية النبتة الصغيرة وهي تشقّ حجاب الأرض عنها; وتزيح أثقال الركام من فوقها; وتتطلّع إلى الفضاء والنور والحرية; وهي تصعد إلى الفضاء رويداً رويداً.. هذه الرؤية كفيلة بأن تملأ القلب المفتوح ذكرى; وأن تثير فيه الإحساس بالله الخالق المبدع الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى، والزرع المختلف الألوان في البقعة الواحدة،بل في النبتة الواحدة، بل في الزهرة الواحدة إن هو إلاّ معرض لإبداع القدرة; يُشعر الإنسان بالعجز المطلق عن الإتيان بشيء منه أصلاً !1

إيضاح التمثيل بوجه آخر

ثمّ إنّ لبعض المفسّرين بياناً آخر لهذا التمثيل وحاصله: تشبيه حالة إنزال القرآن واهتداء المؤمنين به بحالة إنزال المطر ونبات الزرع به واكتماله. وهذا التمثيل قابل لتجزئة أجزائه على أجزاء الحالة المشبّه بها: فإنزال الماء من السماء تشبيه لإنزال القرآن لإحياء القلوب، وإسلاك الماء ينابيع في الأرض تشبيه لتبليغ القرآن للناس، وإخراج الزرع المختلف الألوان تشبيه لحال اختلاف الناس من طَيِّب وغيره، ونافع وضار، وهياج

1 . في ظلال القرآن: 7/135.

صفحه 91
الزرع تشبيه لتكاثر المؤمنين بين المشركين. وأمّا قوله تعالى: (ثُمَّ يَجْعَلهُ حُطاماً) فهو إدماج للتذكير بحالة الممات واستواء الناس فيها من نافع وضار.1
وقريب من هذا المعنى ما جاء في تفسير «الأمثل»: أنّ القرآن والوحي السماوي هما كقطرات المطر التي تهطل على الأرض، وكما أنّ الأرض التي لها الاستعداد هي التي تستفيد من قطرات المطر، فكذلك القلوب التي هي في ظل لطف الله والمستعدة لبناء ذاتها والمضيّ بها نحو الكمال، هي ـ فقط ـ التي تستفيد من آيات الله، وذلك طبقاً لقوله تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ للإسلامِ فَهُوَ عَلى نُور مِنْ رَبِّه).2
والأساس لما ذكروه هو ما «في ظلال القرآن» لسيّد قطب يقول: إنزال الماء من السماء يشير إلى الكتاب المنزل من السماء كذلك لتحيا به القلوب... .3
يلاحظ على هذه التمثيلات بأنّها ممّا يستحسنها الذوق ولكنّها لا تنسجم مع ذيل الآية، أعني: (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا )، فإنّ هذا الفقرات لا تناسب الوحي الإلهي، فليس له غاية حتى يصبح مصفرّاً فينزل للحصاد ثم يُجعل حطاماً وقد استوفى أجله وأدّى دوره. نعم لولا هذا الذيل لكان التمثيل صحيحاً. وعلى هذا فاللازم أن يقال: إنّ الغاية من التمثيل هو الإيعاز إلى أنّ متاع الحياة الدنيا متغيّر زائل بائد، كما مرّ بيانه.

1 . التحرير والتنوير: 24/59.
2 . الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل:15/56.
3 . في ظلال القرآن: 7 / 134.

صفحه 92
22 . (أَفَمَنْ شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلاَل مُبِين):
لمّا تقدّم قوله سبحانه: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)ودلّ على حسن مصير هؤلاء لأجل اتّباع القول الأحسن، فرّع عليه هذه الآية وقال: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ)، ومن المعلوم أنّ الله سبحانه لا يشرح صدر إنسان للإسلام إلاّ بعد أن تتحقّق فيه أرضية صالحة لقبوله بأن يكون ممّن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، ولا تستبدّ بهم نوازع المكابرة والعناد، فعند ذلك يشرح صدره للإسلام، فمن طلب معرفة الحقّ للعمل به أخذ الله سبحانه بيده وأرشده إلى بغيته وجعله على بيِّنة من أمره. كما يقول: (فَهُوَ عَلى نُور مِنْ رَبِّهِ). الضمير راجع إلى الموصول والنور كناية عن الهدى ووضوح الحق. وقوله: (عَلى نُور مِنْ رَبِّه ) كناية عن أنّهم على نور خاص من الله سبحانه حيث إنّه يهدي من ينيب.

أُسلوب المقابلة

تقدّم منّا أنّ من أساليب القرآن أُسلوب المقابلة بين الحق والباطل، وبين الكافر والمؤمن، وبين الضالّ والمهتدي، إلى غير ذلك من الأُمور المتقابلة التي تكفّل القرآن بعرضها. وهذا الأُسلوب نجده في هذه الآية لكن بحذف القرين، قال تعالى:(أَفَمَنْ شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبِّهِ)، فقد حذف قرينه وهو على فرض: كمن قسى قلبه، ويدلّ عليه قوله تعالى:(فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللّهِ)، وتقدّم نظير ذلك في الآية التاسعة عشرة من هذه السورة، قال تعالى: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ)

صفحه 93
فقد حذف قرينه وهو على تقدير: كمَن وجبت له الجنّة .1
ثمّ إنّه سبحانه يصف قلوبهم بالقسوة ويقول: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ)، ومن المعلوم أنّ أثر القسوة هو عدم نفوذ نور الهداية إلى القلوب القاسية.
ثمّ إنّ للقسوة أسباباً أهمها: معاشرة الفاسقين الذين لا يذكرون الله طيلة حياتهم، والتمادي في اقتراف المعاصي حتى تصبح مألوفة لدى صاحبها، وقد ينتهي الأمر إلى نكران الله تعالى، يقول عزّ وجلّ:(ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوآى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللّهِ)،2 فالآية تشير إلى وجود الصلة بين إساءة العمل وتكذيب آيات الله.
23. (اللّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللّهِ ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد) :
هذه الآية تفريع ـ أيضاً ـ على قوله: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)ومن الواضح أنّ القرآن الكريم أحسن الكلام، وقد وصفه سبحانه بصفات هي:
1. كتاباً. 2. متشابهاً .3. مثانيَ. 4. تقشعرّ منه الجلود من خشية الله. 5. ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.

1 . وقد مضى أنّ تقدير المحذوف، قد يكون: ينجو منه، أو: أفأنت تخلّصه؟
2 . الروم:10.

صفحه 94
كونه أحسن الحديث واضح; لأنّ ما فيه خال عن الكذب والمَين، صادر عن خالق السماوات والأرض الذي لا يخفى عليه شيء، فأخباره أفضل الأخبار، وتشريعاته أفضل التشريعات، وألفاظه من أفصح الألفاظ، ومعانيه في القمة من البلاغة، وإليك شرح هذه الصفات.
كونه «كتاباً»: أي مكتوباً مجموعاً وقد كتب في عصر الرسول قال سبحانه: (إنَّهُ لَقَرآنٌ كَريم* في كتاب مَكْنُون)1، وقال: (لا تُحَرِّك بِهِ لِسانَكَ لِتَعجَلَ بِهِ* إنّ عَلَيْنا جَمْعهُ وَقُرآنَه* فإذا قَرأْناهُ فَاتبَع قُرآنه* ثمَّ إنّ عَلَيْنا بَيانهُ).2
وكونه «متشابهاً» بمعنى يشبه بعض أجزائه بعضاً، فألفاظه متشابهة في الفصاحة، ومعانيه في البلاغة، والنظم الذي يسود كلامه تعالى يشبه بعضه بعضاً على وجه صار به جميع الكتاب في القمة من سموّ المبنى والمعنى، وعلى نحو يعجز الإنسان أن يباريه.
يُذكر أنّ المتشابه في هذه الآية غير المتشابه الوارد في تقسيم الآيات إلى محكم ومتشابه في قوله سبحانه: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)3، فالمقصود منه في الأخير ما اشتبه المقصود النهائي بغيره.
وكونه «مَثانيَ» بمعنى أنّه متكرّر المضمون، وقد تكرّر فيه وعده ووعيده، وقصصه وأخباره، لكن في كلّ تكرار تجد نكتة لا تجدها في

1 . الواقعة:77ـ78.
2 . القيامة:16ـ 19.
3 . آل عمران:7.

صفحه 95
الموضع الآخر، على أنّ التكرار ـ حسب ما ذكره في «الكشّاف» ـ يوجب رسوخ الفكرة في المخاطب حيث يقول: النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة، فما لم يكرر عليها عوداً من بدء، لم يرسخ فيها ولم يعمل عمله.1
وكونه «تقشعر منه الجلود» بمعنى تنقبض من سماع وعيده وتهديده، ومن ثم يرتعش قلب المستمع، لكن ذلك يزول بعد فترة. كما يقول: (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ) إذا ذكروا رحمته ومغفرته، وعندئذ يزول عنهم ما كان من ارتعاش القلب وانقباض الجلود.(وَ) عندئذ تطمئن (قُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللهِ).
وقد أتى بكلمة (إلى) مع أنّ الأنسب هو الباء، لإفادة كونه موجباً لسكون قلوبهم واطمئنانهم من العذاب.
ثمّ إنّه سبحانه جمع في الليونة بين الجلود والقلوب فقال: (ثُمَّ تَلينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللهِ) مع أنّه اكتفى في الاقشعرار بالجلود وحدها وقال: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذينَ يَخْشَونَ رَبّهُمْ)، وذلك لأنّ وصف الاقشعرار مختصّ بالجلود ولا توصف به القلوب، وأمّا اللين فتوصف به القلوب والجلود .
فعندئذ فليعلم طالب الهداية أنّ: (ذلِكَ هُدى الله يَهْدي بِهِ مَنْ يَشاء وَمَنْ يُضللِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هاد)، فهدايته سبحانه تصل إلى القلب المفتوح المستعدّ لتلقّي ذلك النور، والاستنارة بهداية الله سبحانه، ومن فقد ذلك الاستعداد يفقد هذه الهداية، وعلى ذلك فالمشار إليه بقوله:(ذلِكَ)هو ما يأخذ المؤمنين من اقشعرار الجلود من سماع القرآن ثم سكون جلودهم

1 . تفسير الكشّاف:3/395.

صفحه 96
وقلوبهم إلى ذكر الله، وهذا هو (هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاء)، وليست هدايته اعتباطية وإنّما تتبع استحقاق الطرف لها، فقوله: (يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاء) ناظر إلى من لم يبطل استعداده للاهتداء، كما أنّ قوله: (وَمَنْ يُضللِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هاد)ناظر إلى مَن فقد ذلك الاستعداد.
وبذلك يظهر أيضاً معنى قوله سبحانه:(فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ).1
فليست إرادته سبحانه إرادة ـ والعياذ بالله ـ اعتباطية بلا ملاك ولا سبب، فمن كان من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه يشرح صدره للإسلام حيث جعل نفسه في مهبّ ريح الهداية، وأمّا من ضاقت نفسه عن استماع القول الحسن وأخرج نفسه عن مهبّ ريح الهداية يجعل صدره ضيّقاً كأنّما يصعّد في السماء.
24. (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) :
الآية نظير ما سبقها من الآيات من مقولة المقارنة، فكأنّه سبحانه يقول: أفمن يتّقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة كمن هو في أمان من العذاب أو في نعمة وعزّة؟ وقد تكررت هذه الصيغة في هذه السورة غير مرّة حيث يذكر أحد المتقابلين دون الآخر لكونه معلوماً من القرينة، وقد جرى هذا في قوله: (أَمَّنْ هُو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ...) .

1 . الأنعام:125.

صفحه 97
ثم إنّه سبحانه خصّص الاتّقاء من العذاب بالوجه وقال: (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)مع أنّ الإنسان في هذه الدنيا يقي وجهه من أن يصيبه شيء ولا يتّقي به؟ فالوجه ـ كما هو معلوم ـ أعزّ الأعضاء على الإنسان وأشرفها، وهو يفدي كلّ شيء لصيانة وجهه، ولكن العذاب في يوم القيامة على نحو من الهول والإحاطة، بحيث صار يتقي بوجهه العذاب عن نفسه، وهذا كناية عن شدّة العذاب وفقدان الأمان، وأنّه لا مخلص للظالمين من العذاب كما قال سبحانه: (وَقيلَ لِلظّالِمينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُون)، فما يصيب الإنسان ليس إلاّ حصاداً لما زرع ونتيجة لما فعل (يَومَئِذ يَتَذَكَّرُ الإنْسان ما سَعى).1
25 و 26. (كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * فَأَذَاقَهُمُ اللّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ):
لمّا ذكر سبحانه في الآية السابقة بأنّ عذاب المشركين يوم القيامة من الهَول والشمول بحيث يتّقيه المشرك بوجهه، استأنف في هاتين الآيتين بيان عذابهم في الحياة الدنيا أيضاً ومجيء العذاب من حيث لا يشعرون، كما قال: (كَذَّبَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) الضمير يرجع إلى مشركي قريش الذي يدلّ عليه الموصول في قوله: (أَفَمَنْ يَتَّقِي)، (فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ)فعذّبهم الله سبحانه بألوان العذاب فجأة، قال سبحانه: (فَكلاًّ

1 . النازعات:35.

صفحه 98
أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أخَذَتْهُ الصيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بهِ الأرضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكن كانوا أَنفسَهُم يَظْلِمُون).1
ثم إنّه سبحانه يعذبهم مرّتين، تارة في هذه الدنيا، وأُخرى فى الآخرة، كما يقول:
(فَأذاقَهُمُ الله) سبحانه الإهانة و(الْخِزْيَ فِي الحياةِ الدُّنيا) غير أنّ تعذيبهم في الدنيا أهون من تعذيبهم يوم القيامة(وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُون) فالتعذيب الدنيوي مؤقت لا يستغرق إلاّ بضع دقائق، ولكنّ العذاب الأُخروي مستمر لا نفاد له.
وفي الآيتين إنذار لمشركي عصر الرسالة بأنّهم في مظنّة أن يصيبهم العذاب من حيث لا يشعرون، وقد أصابهم ـ فعلاً ـ يوم بدر، فقُتل من صناديد قريش ورؤسائهم مَن قُتل وأُسر سبعون منهم، ورجع الباقون بالخزي والهوان.

الآيات: السابعة والعشرون إلى الحادية والثلاثين

(وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَج لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُل هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ).

1 . العنكبوت:40.

صفحه 99

المفردات سورة الزمر: الآيات 27ـ 31

عِوَج: الانحراف عن الحق .
متشاكسون: الشكس: السيِّئ الخلق، يقال: شركاء متشاكسون، أي متشاجرون لشكاسة خُلقهم.
سَلَماً: أي خالصاً لا يملكه إلاّ شخص واحد ولا يخدم إلاّ إيّاه.

التفسير

27 و 28. (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَج لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ):
دلّت غير واحدة من الآيات القرآنية على أنّ القرآن مشتمل على الأمثال، وأنّه سبحانه ضربها للناس للتفكير والعبرة، قال سبحانه: (لَوْ أَنْزَلْنا هذا الْقُرآنَ عَلى جَبل لَرَأيْتَهُ خاشِعاً مُتَصدِّعاً مِنْ خَشْيَة اللهِ وَتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفكَرون)1، إلى غير ذلك من الآيات التي تدلّ على وجود الأمثال في القرآن، وأنّ الروح الأمين نزل بها.
هذا هو المستفاد من الآيات.
ومن جانب آخر أنّ المثل عبارة عن كلام أُلقي في واقعة لمناسبة اقتضت إلقاء ذلك الكلام، ثم شاع وكثر استعماله عبر الزمان في الوقائع

1 . الحشر:21.

صفحه 100
التي هي على غرارها، كما هو الحال في عامّة الأمثال العالمية.
وعلى هذا فالمثل بهذا المعنى الذي يطلق على المثل السائر
غير موجود في القرآن الكريم، لما ذكرنا من أنّ قوام الأمثال هو
تداولها على الألسن وسريانها بين الشعوب1، وهذه الميزة غير
متوفّرة في الآيات القرآنية.
كيف وقد سمّاه سبحانه مَثَلاً عند النزول قبل أن يعيه النبي(صلى الله عليه وآله) ويقرأه للناس ويدور على الألسن، فلا مناص من تفسير المثل في القرآن بمعنى آخر، وهو التمثيل القياسي الذي تعرّض إليه علماء البلاغة في علم البيان، وهو قائم بالتشبيه والاستعارة والكناية والمجاز، فعامّة ما ورد في القرآن الكريم من الأمثال فهو من قبيل التمثيل لا المثل المصطلح.
قوله تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل).
لمّا وصف الله سبحانه القرآن بكونه أحسن الحديث أشار إلى قسم منه وهو التمثيل الذي يتكفّل ناحية عظيمة من بلاغته، وقد تكرّر مضمون الآية في آيات أُخرى نظير قوله: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا)2، وقوله: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا

1 . وقد ألف أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري المعروف بالميداني (المتوفّى518هـ) موسوعة أسماها بمجمع الأمثال، لأنّها تحتوي على عظيم ما ورد من أمثال العرب وهي ستة آلاف ونيف.
والمثل السائر بهذا المعنى غير موجود في القرآن، نعم ربما صار بعض آياته عبر تلاوتها سنين متمادية كأمثال متداولة، أوضحنا حالها في كتابنا «الأمثال في القرآن الكريم».
2 . الإسراء:89 .

صفحه 101
الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل).1
ثمّ إنّ الغاية من التمثيل ما أشار إليه بقوله: (لَعَلَّهُمْ يَتذَكَّرون): أي يتّعظون بتذكّر ما ضربنا لهم من أنواع التمثيل.
ثم إنّه سبحانه أكد ما بيَّنه (لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ)، بقوله: (قُرآناً عَرَبِيًّا)، قوله: (قُرآناً) هو حال مؤكّد من القرآن من الآية السابقة.
و(عَرَبيًّا) حال بعد حال أو صفة للحال المتقدّم، فهو قرآن عربي لا إغراب فيه ولا تعقيد (غَيْرَ ذِي عِوَج) صفة أُخرى للقرآن، أي ليس فيه انحراف عن الصراط المستقيم، وتعاليمه وإرشاداته منسجمة مع الفطرة (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون) الله وينبذون الشرك وألوان العصيان.
وحصيلة الكلام: أنّه سبحانه أتى في القرآن الكريم بتمثيلات مختلفة تشتمل على معاني سامية لو تدبّر فيها المشركون بصورة مجرّدة عن عقيدتهم السابقة لتركوا الشرك ولجأوا إلى التوحيد. ثم إنّه سبحانه أتى في الآية التالية بمثل من هذه التمثيلات .
29. (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُل هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) :
الآية تمثل حال المؤمن، ففي قوله تعالى: (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُل)مشبّه ومشبّه به، أي: ضرب الله مثلاً

1 . الروم:58.

صفحه 102
لتبيين حال المشرك والموحّد، فمثّل للأوّل بعبد (فيه شُرَكاء مُتَشَاكِسُون)، أي يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضاً فيه، فلكلّ منهم فيه توجيه، ولكلّ منهم عليه تكليف، وهو بينهم حائر موزَّع الفكر لا يستقرّ على نهج، ولا يستقيم على طريق، ولا يملك أن يرضي أهواءهم المتنازعة المتشاكسة; ومثّل للثاني بقوله: (وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُل) أي ورجلاً آخر يملكه سيد واحد، فهو يعلم ما يطلبه منه ويكلّفه به، وهو مستريح مستقرّ على منهج واحد صريح (هَلْ يَسْتَويان)هذان في حُسن الحال (مَثَلاً) كلا ولا، فهكذا أيضاً حال المؤمن والمشرك، فالمؤمن لا يعرف إلاّ مصدراً واحداً للحياة والرزق والنفع والضُّر فيستمد منه حاجاته، ومن ثم يخدم سيداً واحداً; وهذا بخلاف المشرك فله أسياد حسب تعدّد الأصنام المنصوبة على جدار الكعبة.
ولعلّ هذه الآية تشير إلى قوله سبحانه: (وَلَوْ كانَ فِيهِما آلهَةٌ إلاّ الله لَفَسَدَتا فَسُبحانَ اللهِ رَبّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ)1، وقوله سبحانه: (أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ القَهّار).(2)
30 و 31. (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ):
إنّ محور الآيات من صدر السورة إلى هنا هو التنديد المُفحم بالشرك والدعوة إلى التوحيد بألوان البيان، وشتّى الحجج والبراهين، الّتي وقف المشركون إزاء ردّها عاجزين، ويبدو أنّهم لجأوا إلى أمر آخر وهو قولهم:

1 . الأنبياء:22.   2 . يوسف:39.

صفحه 103
إنّ الدعوة المحمدية تموت بموته، ونحن نتربّص به حوادث الدهر والهلاك، كما يحكي عنهم سبحانه: (أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَربَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُون)1، وكأنّ هذا التمنّي آخر ما لجأوا إليه، ولعلّ هذه الآية (إنّك مَيِّتٌ وَإنَّهُمْ مَيِّتُون) ردُّ عليهم بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)سيموت وأنّهم سيموتون، إذ لم يكتب البقاء لأحد في هذه الدنيا إلاّ لله سبحانه، ولكن بموته(صلى الله عليه وآله) وموت المشركين لا تختم حلقة الدعوة بل يتبعه موقف الخصومة والتقاضي في يوم القيامة، كما يقول سبحانه: (ثُمَّ إنَّكُمْ يَومَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ).
والاختصام هو ردّ كلّ واحد من الاثنين ما أتى به الآخر على وجه الإنكار عليه.2 ولعلك تسأل: هل الاختصام يقع بين النبي والمشركين، أو بين الموحّدين والمشركين؟
الثاني هو الأرجح ، بل يمكن أن يقال: إنّ التخاصم يقع بين كلّ محقّ ومبطل، وظالم ومظلوم، وإن كانا مسلمَيْن.
وفي «المجمع»: كان أبو العالية يقول: الاختصام يكون بين أهل القبلة. قال ابن عمر: كنّا نرى أنّ هذه الآية فينا وفي أهل الكتابين، وقلنا: كيف نختصم نحن ونبينا واحد وديننا واحد حتّى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعلمت أنّها فينا نزلت. وقال أبو سعيد الخدريّ في هذه الآية: كنّا نقول: ربّنا واحد ونبيّنا واحد، فما هذه الخصومة؟ فلمّا كان يوم صفين وشدّ بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: نعم هو هذا.

1 . الطور:30.
2 . التبيان في تفسير القرآن: 9 / 24.

صفحه 104
وقال ابن عباس: الاختصام يكون بين المهتدين والضالين، والصادقين والكاذبين.1
ثمّ إنّ أوّل تخاصم ظهر بين المسلمين بعد رحلة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)هو الاختلاف في موت النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه هل توفّي أم أنّه رجع إلى ربّه وسيعود، قال ابن إسحاق: لما تُوفّي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قام عُمر بن الخطاب، فقال: إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قد تُوفّي، وإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ما مات، ولكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، والله ليرجعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مات. ثم قال: وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر، وعمر يكلّم الناس، فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)... إلى أن قال: ثم خرج وعمر يكلّم الناس، فقال: على رِسْلك يا عمر، أنصت، فأبى إلاّ أن يتكلّم، فلمّا رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلمّا سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر.2

الآيات: الثانية والثلاثون الى السابعة والثلاثين سورة الزمر: الآيات 32ـ 37

(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللّهِ وَ كَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ * وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَ

1 . مجمع البيان:8/497.
2 . السيرة النبوية:2/656.

صفحه 105
يَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * أَلَيْسَ اللّهُ بِكَاف عَبْدَهُ وَ يُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * وَمَنْ يَهْدِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلّ أَلَيْسَ اللّهُ بِعَزِيز ذِي انْتِقَام) .

المفردات

مثوى: أي مقاماً، من: ثوى في المكان: إذا أقام به .
الصدق: الصادق من النبأ وهو الدين الإلهي الّذي جاء به الرسول بقرينة قوله: (إِذْ جَاءَهُ) .
والذي جاء بالصدق: أُريد بالموصول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
وصدّق به: أُريد الإيمان به.
أسوأ الذي عملوا: أُريد به المعاصي.
يجزيهم: أي يثيبهم على الطاعات.
بكاف: يكفيه عن كيد المشركين.

التفسير

32 ـ 35. (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللّهِ وَ كَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ * وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ

صفحه 106
ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَ يَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) :
لمّا تقدّم في الآية السابقة أنّ المحقّ والمبطل يختصمان عند الله، خصّ بالذكر طائفتين تختصم كلٌّ مع الأُخرى.
أمّا الطائفة الأُولى فهم أظلم الناس، لأنّهم كذبوا على الله بنسبة الشركاء إليه والبنات، وكذّبوا بما جاء على لسان نبيّه المبعوث بالبيّنات، كما يقول: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللّهِ)بنسبة الشركاء إليه ، وفي الوقت نفسه كذّبوا بالدين الحقّ الّذي جاء به نبيّه (وَكَذّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءهُ) وما جاء به الرسول من عند الله يجسّد الصدق.
أمّا من يجسّد الكذب فمأواه جهنم كما يقول سبحانه ـ مستفهماً بالاستفهام التقريري ـ : (ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثوىً لِلْكافِرين).
هذه هي الطائفة الأُولى وتقابلها الطائفة الثانية وهم الذين جاءوا بالصدق، أعني: النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ومن صدّق به، كما قال سبحانه: (وَالَّذي جاءَ بالصِّدقِ وَصدّقَ بِهِ) وإفراد الفعل باعتبار الفريق وإلاّ فإنّ المصدّق ليس واحداً بل عامّة المؤمنين، ويدلّ على ذلك ذيل الآية: (أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ).
قد سبق في تفسير قوله: (وَالَّذي جاءَ بالصِّدقِ وَصدّقَ بِهِ)أنّ المراد بالصدق هو الدين الإلهي، والمصدِّق به هو النبي وفريق المؤمنين، لكن هذا الفريق ذو درجات مختلفة من حيث التصديق به. ولاشكّ في أنّ أوّل من أناب إليه وصدّقه هو الفرد الأمثل لهذه الآية، وهو أمير المؤمنين (عليه السلام)، الّذي صرّح بقوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ، وَسَمِعَ وَأَجَابَ، لَمْ يَسْبِقْنِي إِلاَّ

صفحه 107
رَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)بِالصَّلاَةِ»1.
وروى الطبراني والصدوق وغيرهما (باختلاف يسير) عن أبي ذرّ وسلمان وابن عباس وأبي ليلى الغفاري أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: وقد أشار بيده إلى عليّ: «إنّ هذا أوّل من آمن بي، وأوّل من يصافحني يوم القيامة، وهذا الصدّيق الأكبر، وهذا فاروق هذه الأُمّة يفرّق بين الحق والباطل».2
وعن أبي إسحاق السَّبيعي، قال: سألت قُثَم بن العباس: كيف ورث عليّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)دونكم؟ قال: لأنّه كان أوّلنا به لحوقاً، وأشدّنا به لزوقاً.3
وأمّا جزاؤهم فقد بيّنه بقوله: (لَهُمْ ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلكَ جَزاءُ الْمُحْسِنين) فهذه الآية تقابل ما تقدّم في مورد المشركين: (ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثوىً لِلْكافِرينَ) فإذا كان جزاء الكافرين هو ما ذكر، فجزاء الموحّدين ما ذكره بقوله: (لَهُمْ ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ)، وهو تعبير جامع يشمل كلّ ما يخطر للنفس المؤمنة من رغائب، مضافاً إلى إقامتهم في جوار رب العالمين بشهادة قوله: (لَهُمْ ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلكَ جَزاءُ الْمُحْسِنين).
ثمَّ إنّه سبحانه يخبر أنّه لا يعاملهم بالعدل، إذ مقتضى العدل حساب الحسنات والسيئات ثم إيفاء الجزاء، بل يعاملهم بالفضل الذي يتجلّى بقوله: (لِيُكَفِّرَ اللّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الذِي عَمِلُوا)، فإذا كفّر عنهم أسوأ الذي عملوا،

1 . نهج البلاغة: الخطبة 131 .
2 . المعجم الكبير للطبراني: 6 / 269 ; أمالي الشيخ الصدوق: 274 ; أُسد الغابة: 5 / 287 .
3 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 125. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأورده الذهبي في تلخيصه معترفاً بصحّته.

صفحه 108
كالشرك قبل إيمانهم، كفّر عنهم ما دونه من سيئّات أعمالهم، فتكون النتيجة: أنّه سبحانه يكفّر عنهم جميع ما عملوا من سيئات، ولذلك يقول: (ويَجزيهِمْ أجرَهُمْ بِأحْسنِ الّذي كانُوا يَعْمَلُونَ) فيجازيهم في أحسنها جزاءه اللائق به، وفي غير الأحسن يجازيهم جزاء الأحسن، والباء للمقابلة، فتكون النتيجة جزاء الأحسن به وجزاء الحسن بالأحسن وعندئذ تزيد حسناتهم وترجُح في الميزان.
36 و 37. (أَلَيْسَ اللّهُ بِكَاف عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * وَمَنْ يَهْدِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلّ أَلَيْسَ اللّهُ بِعَزِيز ذِي انْتِقَام):
يظهر من الآيتين أنّ مشركي مكّة كانوا يخوّفون النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)بأصنامهم ومعبوداتهم ولم يكن ذلك أمراً بدعاً، بل أنّ عبدة الأصنام ـ في الشرائع السابقة ـ كانوا أيضاً يهدّدون الأنبياء بآلهتهم، فهؤلاء قوم هود قد خوّفوا نبيّهم بقولهم:(إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوء).1
فردّ سبحانه زعمهم بأنّه يكفي رسولَه شرّ الآلهة ومَن يعبدونها، فقال:
(أَلَيْسَ اللهُ بِكاف عَبْدَهُ وَيُخَوفُونَكَ بِالذِينَ مِنْ دُونِهِ)الهمزة للتقرير، والضمير في قوله: (مِنْ دُونِهِ)يرجع إلى الله سبحانه، وقد قدّم قوله:(أَلَيْسَ اللّهُ بِكَاف عَبْدَهُ)على قوله: (وَيُخَوفُونَكَ بِالذِينَ مِنْ دُونِهِ)ومع أنّ سياق

1 . هود:54.

صفحه 109
الكلام يقتضي تأخيره، وذلك لتعجيل مسرّة الرسول بأنّ الله يقيه من كلّ شرّ يُراد به، كما يقول في آية أُخرى: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ)1، ومعنى الآية: ويخوّفونك بالذين مِنْ دونِ الله والله كاف لك.
ومن عجيب القول ما ورد في بعض التفاسير من أنّ سبب نزول هذه الآية هو خبر توجيه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خالد بن الوليد إلى هدم العُزّى وأنّ سادن العُزّى قال لخالد: أُحذركها يا خالد فإنّ لها شدّة لا يقوم لها شيء، فعمد خالد إلى العُزّى فهشم أنفها حتى كسرها بالفأس، فأنزل الله هذه الآية.2وقد نقل الطوسي هذا الرأي بصورة (قيل) مشعراً بضعفه.3 وهو باطل لأنّ السورة مكيّة، وخالد بن الوليد أسلم بعد الهجرة ـ حوالي السنة السابعة ـ فكيف تكون الآية نازلة في حقّه؟!

الله ومسألة الهداية والضلالة

ثمّ إنّه سبحانه عطف على ما ذكره، بيان حال المشركين والموحّدين وقال: (وَمَنْ يُضْللِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هاد * ومن يَهدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلّ)فالآيتان ضابطتان متعاكستان لا تتخلّفان، وحاصل الفقرتين: أنّ الضلالة والهداية كلتيهما من الله سبحانه، من أضلّه فلن يهتد أبداً، ومن هداه فلن يضلّه أحد.
وظاهر الآية ـ مع قطع النظر عن سائر الآيات ـ يوهم الجبر، وكأنّ العبد مكتوف اليدين في اختيار الهداية والضلالة، والله سبحانه هو الذي

1 . البقرة:137.
2 . لاحظ: تفسير البيضاوي: 5 / 68 .
3 . التبيان في تفسير القرآن: 9 / 28 .

صفحه 110
يلبسه ثوب الهداية والضلالة، ولكن الرأي القاطع في موضوع الهداية والضلالة رهن جمع كلّ ما ورد في القرآن الكريم في هذا الصدد حتى يفسّر بعضه بعضاً، ولذلك نأتي هنا بمختصر القول، والتفصيل موكول إلى التفسير الموضوعي. فنقول: الهداية تنقسم إلى قسمين:

الأُولى: الهداية التكوينية

الهداية التكوينية عبارة عن الفطرة التي خلق الله الناس عليها، بل فطر كلّ ذي حياة عليها، ونخصّ هنا بالذكر فطرة التوحيد التي أودعها الله سبحانه في كلّ إنسان ما لم تمسخها التربية في البيئات المشركة يقول سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللّهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).1
روى البخاري أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ما من مولود إلاّ ويولد على الفطرة ثم أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه» ثم قال(صلى الله عليه وآله وسلم):(فِطْرَةَ اللّهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا).2
ولذلك كشف علماء التربية عن البعد الرابع للإنسان وهو البعد (أو الشعور) الديني الذي يعبّر عنه بالتوجّه إلى ما وراء الطبيعة مقابل سائر الأبعاد الأُخرى، كغريزة حبّ الاستطلاع، وغريزة حبّ الخير، وغريزة حبّ

1 . الروم:30.
2 . صحيح البخاري: 2 / 97، باب إذا أسلم الصبي فمات، وج 6 / 20، كتاب التفسير، سورة الروم، باب لا تبديل لخلق الله... والفطرة الإسلام ; التاج الجامع للأُصول:4/180; تفسير البرهان:3/261، الحديث5.

صفحه 111
الجمال المتجلّي في الفنون المستظرفة وغيرها.
وهذا النوع من الهداية نعمة كبيرة منحها الله سبحانه لجميع عباده على السواء رغم اختلافهم في الزمان والمكان والمكانة الاجتماعية وحتى الطواغيت والفراعنة والنماردة.
إنّ الهداية التكوينية لا تختص بالإنسان فقط بل أنّ كلّ ذي حياة يعرف مسير حياته من دون أن يتعلّم شيئاً من غيره، ولذلك نرى أنّ كلّ حيوان يولد يعرف كيفية تغذيته وتنظيف بدنه من الأوساخ، وقد أشار سبحانه إلى هذا النوع من الهداية في غير الإنسان إذ ذكر عن النحل قائلاً: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكَ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ).1 فكلّ ما يقوم به النمل والنحل وغيرهما من الدواب والطيور والحشرات كلّها وحي تكويني وهداية إلهية وضعها سبحانه في خلقتها تكويناً، فهي تنجز أعمالها طول حياتها من دون أن تضلّ أو تنقطع، فالنحل ـ مثلاً ـ يطير لعدّة كيلومترات بعيداً عن الخليّة ثم يرجع إلى خليّته محمّلاً بالرحيق وحبوب اللّقاح من دون خطأ ولا تحيّر. وقد أشبع علماء الحيوان البحث في هذا الموضوع وألّفوا كتباً في هدايته وأعماله العجيبة.

الثانية: الهداية التشريعية

وهي تختصّ بذوي العقول وتتحقّق بإرسال الرسل وإنزال الكتب

1 . النحل:68ـ 69.

صفحه 112
السماوية ودعوات المصلحين والوعاظ والمبلغين. وهذه أيضاً تشمل عامّة المكلّفين من غير فرق بين المؤمن والكافر، ولذلك نرى الأنبياء(عليهم السلام)قد نهضوا بمسؤولية دعوة الناس جميعاً إلى الله تعالى ـ اعتماداً على وجود فطرة التوحيد فيهم ـ واستماتوا في هدايتهم وإرشادهم، فهذا هو القرآن الكريم يتحدّث عن إرسال موسى إلى فرعون ودعوته إلى التزكية والخشية: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى)1، وهذا هو الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)يخاطب المجتمع الإنساني ويقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا)(2)، إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على عالمية رسالة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).
فكلّ من بُلّغ وكان يمتلك الاستعداد لفهم الخطاب وتحمّل التكليف، فقد شملته هذه الهداية التشريعية إذا أراد الانتفاع بها، مضافاً إلى تعزيز دعوة الأنبياء بالبراهين العقلية والحجج المنطقية التي تعزّز رسالة السماء، وتتماشى مع الوحي جنباً إلى جنب.

الثالثة: الهداية الخاصّة

ثمّ إنّ الناس أمام هذه الهداية على صنفين:
الصنف الأوّل: وهم من سمع القول فاتّبع أحسنه ولبّى دعوة الأنبياء.
والصنف الثاني: وهم من أعرض عن ذكر الله ولم يستمع أحسن القول الّذي جاء به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل وقف بوجهه وقام بإيذائه واتّهامه(صلى الله عليه وآله وسلم).
فالصنف الأوّل تشملهم هداية تكوينية ثالثة، وهي أنّه سبحانه

1 . النازعات: 17 ـ 19.   2 . الأعراف:158.

صفحه 113
يزيدهم من لدنه هدىً وتوفيقاً للطاعة وهَجْر المعصية بل صعوداً إلى الدرجات العالية، ولذلك يقيّد في بعض الآيات هذا النوع من الهداية بالإنابة والرجوع إلى الرب طالباً ألطافه الخفيّة، كما يقول: (وَيَهْدي إليهِ مَنْ أَناب)1، ويصف أهل الكهف بقوله: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)2، فقوله سبحانه: (آمَنُوا بِرَبِّهِمْ)يشير إلى أنّهم استناروا بالهداية التشريعية، وقوله: (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى )يشير إلى الهداية التكوينية الثانية والتوفيق الّذي وهبه لهم لنيل الدرجات العليا.
ونقرأ في سورة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)،3 فقوله: (وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا) يدلّ على استظلالهم بظلال الهداية التشريعية، ومن ثم وافتهم هداية ثانية، كما في قوله: (زَادَهُمْ هُدًى وَ آتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ).
وأمّا الصنف الثاني من الناس وهم الذين لم ينتفعوا بنداء الأنبياء وأعرضوا عن دعوات المصلحين بل قاموا بتكذيبهم، فهؤلاء هم الذين حُرموا من الهداية التكوينية الثانية، وحرمانهم منها يرجع إلى عدم صلاحية أنفسهم لتلقّي نور الهداية، الأمر الّذي يستتبع إضلال الله إيّاهم بمعنى قطع الهداية الثانية عنهم.
ويشير إلى ما ذكرنا ـ وهو أنّ حرمانهم رهن عملهم في حياتهم ـ عدّة من الآيات:

1 . الرعد:27.
2 . الكهف:13.
3 . محمد:17.

صفحه 114
1. قال سبحانه: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ).1
والزيغ بمعنى الميل عن الحق، فانحرافهم عن الحق صار سبباً لإزاغة الله سبحانه قلوبهم بمعنى حرمانهم من الهداية الثانية التي يعبّر عنها بالتوفيق، أي الرفق في الأُمور لكي تصعد إلى الدرجات العليا.
2. قال سبحانه: (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ).2
3. قال سبحانه: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ).3
فليس إضلال الله ولا هدايته أمراً اعتباطياً غير مرهونين بشيء، بل الهداية مرهونة بإنابة الإنسان، والضلالة مرهونة بإسرافه وارتيابه.
إذا علمت ذلك فسوف يتجلّى لك معنى الآية: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * وَمَنْ يَهْدِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلّ) فالمراد من الهداية والضلالة في هاتين الفقرتين هو الهداية والضلالة الثالثة التي قد عرفت أنّ كلاًّ منهما تابع لوجود أرضية في نفس المهتديّ أو الضال، فالإنسان المنتفع بهداية الأنبياء والأولياء تشمله هداية كبرى، والمعرض عن ذكر ربّه والمولّي عن أنبيائه تُركسه ضلالة أُخرى، وليست الضلالة أمراً وجودياً، بل هي عبارة عن انقطاع الفيض والتوفيق الإلهي.
هذا بعض ما يمكن ذكره في المقام.
أمّا قوله : ( ألَيْسَ اللهُ بِعَزِيز ذِي انْتِقَام) فالظاهر أنّ الفقرة تعليل لقوله:

1 . الصف:5.
2 . التوبة:127.
3 . غافر:34.

صفحه 115
(أَلَيْسَ اللّهُ بِكَاف عَبْدَهُ)، ويمكن أن تكون تعليلاً للفقرتين أعني: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * وَمَنْ يَهْدِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلّ)، ويمكن أن تكون تعليلاً للجميع. وكونه عزيزاً ذا انتقام يقتضيان أن ينتقم ممّن جحد الحقّ وأصرّ على كفره.

الآيات: الثامنة والثلاثون إلى الثانية والأربعين

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ أَرَادَنيَ اللّهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَني بِرَحْمَة هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبيَ اللّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ * قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ * إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل * اللّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرى إِلَى أَجَل مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ) .

المفردات سورة الزمر: الآيات 38ـ 42

بِضُرّ: الضُرّ: سوء الحال، إمّا في نفسه لقلّة العلم والفضل والعفّة، وإمّا

صفحه 116
في بدنه لعدم جارحة أو نقص، وإمّا في حالة ظاهرهِ من قلّة مال وجاه.
كاشفات: الكشف: الإزالة. وفي «المفردات»: كشف الثوب عن الوجه وغيره، ويقال: كشف غمّه.1
مُمسكات: قال الراغب: يقال: أمسكت عنه كذا أي منعته.2
مكانتكم: المكانة: مأخوذة من الكون وهي بمعنى المكان المعروف ولكن تستعار للمنزلة، وعلى هذا فالميم ليست أصلية. وفي «لسان العرب» أنّها مأخوذة من تمكّن، أعني: المُكنة التي هي بمعنى القدرة والاستطاعة.
فعلى المعنى الأوّل يصبح المراد بالمكانة الطريقة والحالة التي عليها، وعلى المعنى الثاني يكون المراد بها الطاقة والجهد.
يتوفّى: التوفّي: قَبْض الشيء على وجه الإيفاء والإتمام، يقال: توفّيت حقّي من فلان واستوفيته.3
وقال الراغب: الوافي: الذي بلغ التمام، قال تعالى: (وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ)4.5 والتوفّي ليس بمعنى الموت بشهادة أنّه سبحانه جمع بين التوفّي والتي لم تمت في منامها، فيكون المراد هو الأخذ وقبض الشيء، ومنه يُعلم أنّه لا تنافي بين قوله تعالى: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ)6 وبين حياة المسيح (عليه السلام)وعدم موته، لما

1 . المفردات للراغب:432، مادة «كشف»; مجمع البيان:8/499.
2 . المفردات للراغب: 468ـ469، مادة «مسك».
3 . مجمع البيان:8/500.
4 . الإسراء: 35.
5 . المفردات للراغب: 528، مادة «وفى» .
6 . المائدة: 117.

صفحه 117
عرفت من أنّ التوفّي بمعنى قبض الشيء وأخذه، وقد أخذه الله سبحانه حين أرادوا قتله وصلبه، وأمّا أنّه أماته فلا يدلّ عليه.

التفسير

38 ـ 40. (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ أَرَادَنيَ اللّهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَني بِرَحْمَة هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبيَ اللّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ * قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ) :
إنّ مشركي عصر الرسالة كانوا يقرّون بتفرّده تعالى بأمر الخلق وأنّه خالق السماوات والأرض، ومع ذلك عاد البيان القرآني لأخذ الاعتراف منهم بذلك، وقال: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ)، ثم إنّه سبحانه جعل هذا الاعتراف منهم وسيلة للتنديد بهم في جعل غيره سبحانه شريكاً معه في أمر التدبير، فخاطبهم بقوله: (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ أَرَادَنيَ اللّهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَني بِرَحْمَة هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ)وحاصله: إنّكم إذا اعترفتم بأنّ الله هو خالق السماوات والأرض فيجب أن تعترفوا بأنّه المدبّر، ولا تدبير في الكون ولا في حياة الإنسان إلاّ منه، للملازمة بين الخلق والتدبير، إذ التدبير لا ينفك عن الخلق

صفحه 118
والإيجاد فكلّ يوم هو في شأن، واستشهد على التوحيد في التدبير بأنّه سبحانه إن أراد العبد بضرّ، فهل تستطيع هذه الأصنام كشف ضرّه، وبالعكس فلو أراده سبحانه برحمة فهل تستطيع منع رحمته عنه؟
فإذا كانت هذه مكانة الأصنام، فكيف تعبدونها بزعم أنّ لها تأثيراً في حياة الإنسان وبيدها مصيره؟!
وبعد أن أتمّ عليهم الحجّة أمره سبحانه أن يقول: (حَسْبي اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ)، وحسْب يستعمل في معنى الكفاية، وحذف المتعلّق لغاية إفادة العموم، وهذا هو شعار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وشعار الموحّدين كما في قوله تعالى: (وَقالُوا حَسْبُنا الله وَنِعْمَ الْوَكيل).1
والمراد من التوكّل كون الإنسان متوكّلاً على الله (لا جعله وكيلاً)، مع التمسّك بالأسباب التي جعلها الله سبحانه سبباً للوصول إلى الغرض. كما سيوافيك معنى المتوكّل في سورة الطلاق الآية 3 .
نعم يُتمسّك بالأسباب ولكنّها أسباب إعدادية وليست أسباباً تامّة، إذ ربّما تظهر الموانع وتحول بين الإنسان وأُمنيته، ففي ذلك يوكّل الأمر إلى الله حتى يزيل كلّ ما يكون عائقاً في طريق غرضه.
لمّا أتمّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)الحجّة عليهم صار بصدد تحدّيهم فقال: (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ): أي على الطريقة التي كنتم عليها، أو بالقدرة التي تتمتّعون بها (إنِّي عَامِلٌ)بما هداني الله إليه، فأمّا النتيجة (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ)، ومن هو في بحبوحة

1 . آل عمران:173.

صفحه 119
الرحمة وراحة ودعة وجنّة خالدة، ونظيره قوله سبحانه: (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى).1
41. (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل):
لمّا دلّت الآيات السابقة على أنّ كلاًّ من الموحّد والمشرك يعمل على طريقته وسوف يصل إلى جزائه في الحياة الأُخروية، عاد يركّز على تلك الفكرة بقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ) فقوله: (لِلنَّاسِ)متعلّق بالإنزال، وأمّا قوله:(بِالْحَقِّ)فيمكن أن يكون متعلّقاً به أو يكون متعلّقاً بالكتاب، والباء للملابسة أي الكتاب الملابس للحقّ في أُصوله ومعارفه، في تشريعاته وأحكامه، في قصصه ومواعظه، ولكن الكلمة القاطعة هي التي مرّت في الآيتين السابقتين2 وتكرّرت هنا في قوله: (فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا)، ففي هذه الآية تصريح بضلال المشركين على خلاف السابقتين اللتين خلتا عن التصريح.
ثمّ أشار سبحانه بأنّه ليس للنبي إلاّ التبليغ والدعوة، وهو ليس مأموراً بإلزامهم على الاهتداء، وإنّما هو مأمور بالتبليغ كما قال: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل).
42. (اللّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا

1 . طه:135.
2 . الزمر: 36ـ37 .

صفحه 120
فَيُمْسِكُ التي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرى إِلَى أَجَل مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ):
تستهدف هذه الآية بيان وحدة التدبير والمدبّر وأنّه سبحانه هو الذي خلق الإنسان ومدّ حياته إلى أجل معلوم ثم هو الذي يميته بقبض نَفْسِه، فالخالق والمدبّر واحد. والآية تدلّ على أنّ للإنسان نَفْساً وجسداً، وهو سبحانه الذي يأخذ الأنفس ويترك الأبدان. والمراد بموتها في قوله: (اللّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) موت الأجساد. ثم أشار إلى قسمين ممّن يأخذ أنفسهم وأّرواحهم في المنام غير أنّ قسماً منهم لا يردّ أرواحهم إلى أجسادهم وقسماً يردّها، قال: (وَالتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا): أي التي أخذها لا أخذاً تامّاً منقطعاً عن البدن كما هو الحال في النوم، فهو سبحانه تارة (فَيُمْسِكُ التي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ)قضاءً باتاً وتكون نتيجة النوم هي الموت، وأُخرى لا يمسك ما أخذ بل يرسلها لتعود إلى جسدها عند اليقظة، كما يقول: (وَ يُرْسِلُ الأُخْرى إِلَى أَجَل مُسَمًّى).
فالفرق بين قبض النوم وقبض الموت أنّ قبض النوم يضادّ اليقظة، وقبض الموت يضادّ الحياة، وقبض النوم تكون الروح معه في البدن، وقبض الموت يخرج الروح منه عن البدن.1
وبعبارة أُخرى: الموت سلب الحياة عن البدن وبقائه كالجماد، وحالة النوم سلب بعض الحياة عن البدن حتى يكون كالميّت وما هو بميّت، ثم تُردّ الحياة إليه إلى أن يأتي إبان سلبها.

1 . التبيان في تفسير القرآن: 9 / 32.

صفحه 121
والله سبحانه هو المتوفّي في جميع الحالات، أي هو القابض من غير فرق بين من قبض روحه في غير حالة النوم فلا يرجع إلى البدن أصلاً، ومن قبض روحه في حالة النوم لكن لفترة خاصّة ثم إرسالها إلى إبّان قبضها قبضاً تامّاً.
وكونه سبحانه هو المتوفّي لا ينافي نسبة التوفّي إلى الملائكة في غير واحدة من الآيات، قال سبحانه: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ)1، وقال: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ)(2)،
وقال:(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ).2
وهذا النوع من النسبة كثير في القرآن الكريم، فهناك فعل واحد وهو أخذ الروح بالمباشرة وهو فعل الملائكة، وبما أنّها من جنود الله لا يعصون ربّهم ويفعلون ما يؤمرون، فهو فعله سبحانه بالتسبيب.
روى الشيخ المفيد في «الإرشاد»، قال: لمّا عُرض على عبيد الله بن زياد (لعنه الله) علي بن الحسين(عليهما السلام)، قال له: من أنت؟ فقال: «أنا علي بن الحسين»، فقال: أليس قد قتل الله علي بن الحسين؟ فقال له علي(عليه السلام): «قد كان لي أخ يُسمّى عليّاً قتله الناس»، فقال ابن زياد: بل الله قتله، فقال علي ابن الحسين(عليه السلام): (اللّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)، فغضب ابن زياد (لعنه الله).3
وروى علي بن إبراهيم بسنده عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قال: «إذا قمت

1 . الأنعام:61.   2 . النحل:28.
2 . النحل:32.
3 . الإرشاد: 2 / 116، مسير السبايا إلى الكوفة ; تفسير نور الثقلين:4/487.

صفحه 122
بالليل من منامك فقل: الحمد لله الذي ردّ عليّ روحي لأحمده وأعبده».1
قال الشريف الرضي (رحمه الله): قوله تعالى: (اللّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)فيه استعارة خفيّة، وذلك لأنّ معنى (يَتَوَفَّى) يقبضها، (وَالتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا)منسوق عليه، وظاهر الخطاب أنّه سبحانه يتوفّى الأنفس الّتي لم تمت في منامها أيضاً. ونحن نجد أمارة بقاء نفس النائم في جسده بأشياء كثيرة منها ظهور التنفّس والحركة وغير ذلك ممّا يجري مجراه، فيكون معنى توفّي النفس النائمة هاهنا اقتطاعها عن الأفعال التمييزية والحركات الإرادية، كالعزوم والقصود وترتيب القيام والقعود.2

الآيات: الثالثة والأربعون إلى السادسة والأربعين سورة الزمر: الآيات 43ـ 46

(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ * قُلْ للّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * قُلِ اللهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).

1 . أُصول الكافي: 2 / 538 ح 12، باب الدعاء عند النوم والانتباه ; تفسير نور الثقلين:4/488.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 238 .

صفحه 123

المفردات

اشمأزّت: نفرت وانقبضت.
يستبشرون: يفرحون ويسرّون، ويظهر السرور في وجوههم.
فاطر: من فطر أي شقّ، كأنّ خالق السماوات والأرض قد شقّ العدم وأخرج منه السماوات والأرض.

التفسير

43 ـ 45. (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ * قُلْ للّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ):
ركّزت الآيات المتقدّمة على التنديد بعقائد المشركين، وهذه الآيات تركّز على إبطال معاذيرهم ومزاعمهم، وذلك لأنّهم كانوا يحتجّون على عبادتهم الأصنام بأنّها شفعاؤهم عند الله سبحانه، ويقولون إنّما نعبدها حتى تشفع لنا عنده في حوائجنا.
قال: (أَمِ اتَّخذوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ) فردّ عليهم سبحانه بأنّ الشفاعة مشروطة بأمرين:

صفحه 124
الأوّل: أن يملك الشفيع شيئاً من الشفاعة، ويسمح له بها، والحال أنّ هذه الأصنام لا تملك شيئاً، قال: (قُل أوَلَو كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً): أي من الشفاعة، بل يمكن أن يقال: لا يملكون شيئاً من الأشياء. والاستفهام للتوبيخ.
الثاني: أن يكون الشفيع عاقلاً يعرف المشفوع له ويعرف المشفوع لديه، وهذه الأصنام أجسام جامدة ليس لها شيء من التعقّل فقال: (ولا يَعْقِلُون).
وقد مرّ في تفسير قوله سبحانه: (ما نَعْبدهُمْ إلاّ لِيُقرِّبُونا إلى اللهِ زُلْفى)تكذيب دعواهم، وأنّهم لا يعبدون الأصنام بمجرد أنّها شفعاء، بل يعبدونها بما أنّ بأيديها العزّ والانتصار وإنزال المطر ومصير الإنسان.
ثمّ إنّه سبحانه يستدلّ على بطلان أن يكون لها شيء من الشفاعة قائلاً بأنّ الشفاعة ـ بمعنى الإذن لها ـ لله سبحانه، فقال: (قُلْ لله الشَّفاعَةُ جَميعاً)، ومن المعلوم أنّه سبحانه ليس شفيعاً، فالمراد أنّ بيده حقّ الشفاعة الذي هو حقّ مطلق لله سبحانه.
ثم يذكّر بأنّه سبحانه لا يملك مقام الشفاعة وحسب، بل هو مالك الكون كلّه، المتصرّف فيه، فقال: (لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض ثُمَّ إِلَيْهِ تُرجَعُون)فالشفاعة إنّما يملكها من إليه مصير الخلق، وبيده الحساب والجزاء، وهي تنفع أُولئك الذين يخلصون العبادة لله وحده، وأمّا عبدة الأصنام فهم لا يعتقدون بالبعث، فلا ينتفعون بالشفاعة أصلاً.
وهنا يظهر تناقض المشركين بين فعلهم وما اعتذروا به من أنّ عبادتهم للأصنام لأجل كونها شفعاء عند الله، إذ معنى ذلك أنّهم يجلّون الله

صفحه 125
ويعظّمونه وأنّ له مكانة كبرى في قلوبهم، حتى أنّ الأصنام عندهم شفعاء عند الله، ولكن عندما يسمعون كلمة «الله» وحدها تراهم يشمئزّون ويظهرون العداوة والنفور بأجلى مظاهرهما، كما قال: (وإذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشمَأزَّتْ قُلُوبُ الّذينَ لا يُؤْمِنُونَ بالآخرَةِ)، ونظير ذلك قوله سبحانه: (وَ إِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا).1 وهذا هو عين التناقض بين القول والفعل، فإذا كانت كلّ الأُمور منتهية إليه فما معنى هذه النفرة عندما يُذكر «الله» مجرّداً عن آلهتهم، والاستبشار والانبساط في الوجوه عندما تُذكر أصنامهم ؟، كما قال: (وإذا ذُكر الَّذينَ مِنْ دُونِهِ إذا هُمْ يَسْتَبْشِرُون)والاستبشار هو إظهار الفرح، كما في قوله: (وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ).2

في علامة الموحّد والمشرك

ويستفاد من هذه الآيات أمران:
الأوّل: أنّ علامة الموحّد هو أنّه إذا سمع كلمة «الله» يستبشر، وأمّا المشرك فعلامته هو أنّه إذا سمع كلمة «الله» مجردةً عن آلهته يشمئز، فإذا كان هذا هو القياس، فما هو سبب تكفير الوهابيّين عامّة المسلمين، بمجرد أنّهم يزورون قبور الأنبياء والأولياء، أو يحترمون أضرحتهم ومشاهدهم، مع أنّهم من الذين إذا ذُكر الله وحده يستبشرون ولا يشمئزّون؟!
إنّ تكفير المسلمين بحجّة القيام بهذه الأعمال الّتي درجوا عليها من

1 . الإسراء:46.
2 . الحجر:67.

صفحه 126
عهد الرسالة إلى يومنا هذا، إنّما يأتي في إطار مشروع جهنّمي لأعداء الإسلام لتكريس التفرقة بين المسلمين، وتأجيج الصراع بينهم، بغية ضعضعة قواهم، ونشر الخراب والدمار في بلدانهم، وإلاّ فإنّ هذه المسائل التي اختلفت فيها الآراء لا تسوّغ التكفير، ولا تبرّر تعبئة النفوس بالحقد والعداء.
الثاني: أنّ مفاد الآية ربما يتجسّد في حياتنا الحاضرة، في سلوك بعض مَن يعدّون أنفسم من أهل التجديد، فإنّهم إذا ما دُعوا إلى المنهج الّذي يرسمه الإسلام وما يزخر به من قوانين وتشريعات ونظم أخلاقية، تراهم يولّون بوجوههم عنه.
وأمّا إذا ذكرت المناهج الغربية والقوانين الوضعية التي وضعها الإنسان الماديّ المحكوم بدوافعه الذاتية، وإمكاناته المحدودة في العلم وفي إدراك التجربة الاجتماعية، أو ذُكرت الآداب والمراسم السائدة في الغرب، تراهم يعجبون لها ويستبشرون بها، فعند ذلك يظهر أثر الإيمان بالوحي السماوي في المؤمن وخلو القلب عن الإيمان به، بل التوغّل في المسالك الغربية عند المنافق.
46. (قُلِ اللهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) :
لمّا كشفت الآيات السابقة عن حال المشركين وشديد إصرارهم على ما كانوا عليه من الشرك، وانقباض نفوسهم عن التوحيد وبقاء الاختلاف بينهم وبين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على قدم وساق، أراد سبحانه هنا تسلية

صفحه 127
النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وتطمينه بأنّ ربّه سوف يفصل بينهم يوم القيامة، فقال: (قُلِ اللهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضِ)إشارة إلى قدرته (عَالِمَ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ) وما يفعله عباده من حسنات وسيئات وما عليه الموحّدون من عبادة الله وما يعمله المشركون من عبادة الأصنام(أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ): أي لا غيرك; لأنّ القضاء العدل فرع القدرة التامّة وفرع العلم بما اكتسبه الفاعل، وهذان الشرطان لايتوفران إلاّ فيه سبحانه.

الآيات: السابعة والأربعون إلى الثانية والخمسين سورة الزمر: الآيات 47ـ52

(وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ) .

صفحه 128

المفردات

لافتدوا: الفِدَى والفِداء: حفظ الإنسان عن النائبة بما يبذله عنه... يقال: فدَيتُه بمال، وفديتُه بنفسي.1
بدا: ظهر لهم ممّا أعدّ الله لهم من العذاب الذي لم يكونوا
يظنونه.
يحتسبون: الاحتساب: مبالغة في الحساب، ومعنى يحتسبون أي كانوا يظنون.
سيئات: جمع سيئة، أُضيف إلى الموصول، أعني: «ما» أي مكسوباتهم السيئات.
حاق: من الحَوْق بمعنى الإحاطة، أي أحاط بهم، فلم ينفلتوا منه.
ضُرٌّ: سوء الحال.
خوّلناه: أعطيناه.

التفسير

47 و 48. (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ

1 . المفردات للراغب: 374، مادة «فدى».

صفحه 129
مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ):
تقدّم في الآية السابقة أنّ الله يحكم بين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)والمشركين، أو بين الموحّدين والمشركين، ولم يذكر نتيجة حكمه ولا إلى أين ينتهي حال المشركين وأين هم صائرون؟ وهذه الآية تتضمّن نتيجة الحكم وهو شمول الشقاء لعامّة المشركين، وأيّ حال أشقى من حال هؤلاء الظالمين بشركهم وهم يتمنَّون ـ وقد سيقوا إلى العذاب الوبيل وشاهدوا نتائج ما اكتسبوا من الآثام ـ أن يكون لهم مُلك ما في الأرض ومثله معه حتى يفتدوا به أنفسهم من شدّة ذلك العذاب؟! كما قال: (وَ لَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).

في تجسّم الأعمال ونتائجها

ثمّ إنّه يظهر للمشركين ومَن هو على شاكلتهم ما خفي من سوء أعمالهم على نحو لا يظنونه في الحياة الدنيا، كما قال (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ )فالآية تدلّ على وجود نتائج الأعمال قبل يوم القيامة، وإنّما تظهر لصاحب الأعمال في يوم الجزاء، وفي بعض الآيات إشارة إلى ذلك، قال سبحانه: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَة مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ).1
وربما تكون الآية شاهداً لتجسّم الأعمال، فالذي يصدر عن المجرم من الأعمال الإجرامية له وجود مادّي ووجود أُخروي، فالإنسان يشاهده بالوجود الدنيوي فإذا قامت القيامة يشاهد نفس العمل بالوجود المناسب

1 . ق:22.

صفحه 130
لهذا اليوم، ويشهد لذلك قوله: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُم وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ).1
فقوله: (هَذَا) يشير إلى ما تُكوى به الأعضاء الثلاثة وليس هو إلاّ النار وأنّها نفس ما كنزوه لأنفسهم، غير أنّه يتجلّى في الدنيا مثلاً بصورة (صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ)2 وفي يوم الجزاء بصورة نار تكوى بها الأعضاء الثلاثة.
والذي يشير إلى ما ذكرنا في الآية الكريمة قوله «وبدا» أي ظهر (لهم مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ): أي ما لم يكونوا يظنون. وظهور الشيء فرع وجوده قبله.
وربما يكون مصيرهم السيِّئ أكثر من ذلك، وهو أنّ العذاب يحيط بهم كما في قوله : (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ).
49 ـ 52. (فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ

1 . التوبة: 34 ـ 35.
2 . البقرة: 69 .

صفحه 131
هَؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ):
وصف سبحانه المشرك ـ فيما سبق ـ بأنّه يشمئز وتنقبض نفسه حين يُذكر «الله» وحده، ويستبشر ويفرح حين تُذكر آلهته، وهنا أراد أن يبيّن أنّ ذلك هو حال الإنسان الّذي رانَ على فطرته الهوى وأبطرته النعمة، فإنّه حينما يصيبه الضرّ يتوجّه إلى الله سبحانه، وكأنّ الضرّ يرفع الستر عن التوحيد الفطري الذي فُطر عليه كلّ إنسان، قال: (فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا).
ولكن الإنسان كفور، فإذا أنعم عليه وحباه نعمة كبيرة نسي الله سبحانه وعاد إلى غيره، كما يقول: (ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا ) نسي مبدأ النعمة ومعطيها و (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم)فهو يزعم أنّه ملك هذا المال بعلمه وقدرته، تماماً مثل قارون الذي كان يزعم أنّه إنّما أُوتي تلك الكنوز بفضل مهارته ومعرفته بطرق الكسب وأنّه المبدأ لذلك، قال سبحانه حاكياً عنه: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم عِنْدِي).1
ثم ذكر سبحانه أنّ الأمر ليس كما يزعم الإنسان المنحرف الفطرة من أنّه أوتي ذلك لعلمه وفطنته، بل إنّ النعمة إنّما يخوّلها اللهُ الإنسان ليختبر بها حاله، كما قال : (بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ): أي بلية واختبار يبتليه الله بها لتبيّين أيشكر أم يكفر؟ أيتّخذها أداة للفساد والإفساد والتطاول على الناس، أم

1 . القصص:78.

صفحه 132
يستثمرها في موارد الخير والإحسان وبناء الحياة القويمة؟ (وَ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)أنّ النعم من الله أو أنّ النعم الدنيوية ممّا يُمتحَن بها العبد.
ثمّ إنّه سبحانه يستنكر تلك الفكرة الخاطئة بوجهين:
1. إنّ هذه الفكرة ليست ظاهرة جديدة بل كانت ـ أيضاً ـ في الأُمم السابقة، فقال: (قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)ولعله أُريد به (قارون)1 (فَمَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، أي لم ينفعهم ما كانوا يجمعونه من الأموال، بل صارت وبالاً عليهم (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا)ولعلّه إشارة إلى ما وقع لقارون وكنوزه حيث قال: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَ بِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَة يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَ مَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ)2. ثمّ إنّه سبحانه توعّد الذين كذّبوا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بقوله: (وَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَ مَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ): أي أنّ مصير هؤلاء الظالمين من قوم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)سيكون مثل مصير مَن سبقهم، وأنّه سيصيبهم سيّئات كسبهم، وليس يفوتون الله.
وبما أنّا لم نعثر في كتب السير والتاريخ على إصابة مشركي عصر الرسالة بمثل ما أُصيب به قارون، فيكون المراد بالإصابة: عقابهم في الآخرة، ولذلك فسّر الطبرسي قوله: (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا )بقوله: أي أصابهم عقاب سيئاتهم، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه.3
2. قوله: ( أَوَ لَمْ يَعْلَمُوا أنّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرْ)كان الجواب

1 . لاحظ: القصص: 78 .
2 . القصص:81.
3 . مجمع البيان:8/503.

صفحه 133
الأوّل جواباً نقضيّاً بأنّ فكرتهم مسبوقة من غيرهم، وأصاب صاحب الفكرة ما أصابه، وسيصيب هؤلاء وبال ما اكتسبوا في الآخرة، وأمّا هذا الجواب فهو جواب من طريق المعارضة وهو أنّه سبحانه هو الذي يبسط رزق الناس أو يضيّق عليهم الرزق، مشيراً إلى أنّ سعي الإنسان ـ وإن بلغ من العلم ما بلغ ومن السعي نهايته ـ ليس سبباً تامّاً للرزق، فكم من طالب يرجع خائباً، وكم من ساع لا يحصل على شيء.
وأنّ توفّر الرزق رهن ظروف خاصّة تؤثر في سعة الرزق وضيقه، فقول الإنسان :(إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم) ناشئ عن ضيق الفكر وخفّة الرأي (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ). وإنّما خصّ المؤمنين بالذكر، لأنّهم هم الذين يتدبّرون الآيات، وينتفعون بالحجج، ويعلمون أنّ سعة الرزق قد تكون استدراجاً، وأن تقتيره قد يكون إعظاماً.1

الآيات: الثالثة والخمسون إلى الخامسة والخمسين سورة الزمر: الآيات 53 ـ55

(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ) .

1 . انظر: تفسير القرطبي: 15 / 267 .

صفحه 134

المفردات

أسرفوا: السَّرَف: تجاوز الحدّ في كلّ فعل يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر، قال تعالى:(وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا)1، وقال:(وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا)2.3
تقنطوا: القنوط: اليأس من الخير، قال تعالى: (فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ)4 أي من اليائسين.
أنيبوا: النَّوْب: رجوع الشيء مرّة بعد أُخرى، والإنابة إلى الله تعالى الرجوع إليه بالتوبة وإخلاص العمل، قال: (وَخَرَّ رَاكِعًا وَ أَنَابَ ) وقال: (وَ إِلَيْكَ أَنَبْنَا)5.
بغتة: البَغْت: مفاجأة الشيء من حيث لا يحتسب، قال تعالى: (لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً)6.

التفسير

بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السابقة ما يرجع إلى الوعيد والعذاب الشديد، نظر في هذه الآيات إلى ذكر مغفرته لمعاصي العباد، وإيوائهم في

1 . الفرقان: 67 .
2 . مفردات الراغب:230، مادة «سرف».
3 . النساء: 6 .
4 . الحجر: 55 .
5 . الممتحنة: 4 .
6 . الأعراف: 187 .

صفحه 135
حظيرة الغفران، فالآيات السابقة كانت تمثّل مشهد العذاب والزجر والعقاب، وهنا مشهد الرجاء والغفران، فالله تبارك وتعالى يتجلّى ـ تارة ـ باسم العزيز المنتقم فيوعد عباده ، ويأخذهم بسيئات أعمالهم، وأُخرى يتجلّى باسم الغفور الرحيم فيخاطب عباده العُصاة من المشركين وغيرهم بقوله:
53. (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ):
وتعدية الإسراف بلفظ «على» بدل «في» إشارة إلى أنّ الإسراف في الأعمال وإكثارها تتحمّله النفس وتثقل به، كما يقال في مَن كلّم شخصاً مرّة بعد أُخرى يقال له: أكثرت على فلان، والمعنى أكثروا من الذنوب والمعاصي فتحمّلوها، فهؤلاء مع وصفهم هذا ليس لهم القنوط من رحمة الله، وذلك(إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
إنّ سبب المغفرة أمران:
1. التوبة       2. الشفاعة.
فالأُولى تشمل عامّة الذنوب حتى الشرك.
والثانية لا تشمل الشرك لقوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ).1
ولفظ «جميعاً» في الآية دليل على أنّ الطريق إلى نيل المغفرة هو

1 . النساء:48.

صفحه 136
التوبة، فالآية تدعو إلى الرجاء وعدم القنوط . وأمّا ما هي وسيلة غفران الذنوب فهذا هو الذي تكفّلت ببيانه الآيتان التاليتان، قال:
54 و 55 . (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ):
أمر سبحانه عباده بشيئين:
1. الرجوع إلى الله بالتوبة، والتسليم له والانقياد لما أمر به ونهى عنه.
وقد أمرهم سبحانه بالإنابة والتسليم مخافة أن يأتي يوم لا ينفعهم فيه الندم، كما قال: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ).
2. اتّباع الأحسن، كما قال: (وَاتَّبِعُوا)أي القرآن الكريم الذي وصفه بقوله: (أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ).
والمعنى أنّه يجب عليهم اتّباع القرآن والعمل بما ورد فيه من الأوامر والنواهي (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَ أَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ).
ومن هنا يظهر أنّ الدعوة الإلهية دعوة مزيجة من الرهبة والرغبة، فإنّ الرهبة المجردة عن الرغبة تورث اليأس، والرغبة المجردة عن الرهبة تبعث على الطغيان، فإذا ما انضمّت الرهبة إلى الرغبة تكون الدعوة دعوة متكاملة مؤثرة، منسجمة مع فطرة الإنسان.

شبهة المخالف لتشريع التوبة والإجابة عنها

بقي هنا شيء وهو أنّه ربما يتصوّر بعض من ليس له قدم راسخة في

صفحه 137
المعارف القرآنية، أنّ تشريع التوبة وقبولها من قبل الله تعالى، يدفع الإنسان إلى العصيان أكثر فأكثر ; لأنّه يرى الله سبحانه قد وعد عباده بقبول التوبة، فقال: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ)، فهو في أيام شبابه يعصي الله سبحانه ويتعدّى حدوده، وفي أواخر عمره يتوب توبة نصوحاً، فيقبل الله منه ويعفو عنه.
وبذلك تكون التوبة منه سبحانه كالضوء الأخضر، يُبيح للإنسان سلوك طريق المعصية.
وأنت خبير بأنّ الشبهة ضعيفة جدّاً.
أمّا أوّلاً: فإنّ التوبة لو لم تشرّع، لعاش الذين يؤمنون باليوم الآخر في أجواء خانقة، ولاستبدّ بهم الشعور بالقلق والاضطراب، لأنّنا لا نجد على أديم الأرض إنساناً ملتزماً بطاعة الله كلّ أيام عمره إلاّ من عصم الله سبحانه، فإذا ما ارتكب الإنسان المؤمن باليوم الآخر خطيئة، واعتقد بأن الله سيحاسبه عليها يوم يحكم بين عباده بالعدل، فإنّه سيُصاب ـ لو لم يفتح له باب التوبة ـ بخيبة الأمل، وبألم روحي بعد اقترافه لها. وقد تنشأ عن الشعور المستمر بالإثم عقدة نفسية لدى المذنب، وعند ذاك تصبح حياته حياةً مؤلمة غير طيّبة، فتشريع التوبة يزيل العقدة من أصلها، ويهيّئ جوّاً روحياً طيّباً، مبعثه ثقة الإنسان بربّه الكريم الّذي لا يتعاظمه غفران الذنب العظيم.
وأمّا ثانياً: فلو لم تشرّع التوبة لكثر العصيان واشتدّ، فالشاب إذا أيقن بأنّ ربّه لا يقبل توبته وأنّه سيعذَّب بالنار نتيجة عصيانه، فسوف يفكّر في نفسه: إذا كنت إنساناً عاصياً والجحيم بانتظاري فما جدوى ترك المعاصي

صفحه 138
في بقية عمري؟ فإنّ ترك المعاصي وعدمه سيّان في مصيري ـ إذ أنّ مصيره في كلتا الحالتين: (ترك المعاصي في بقية العمر وعدمه) سيّان ـ وهذا بخلاف ما لو سمع قوله تعالى:( لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ)وعَلم أنّه سبحانه يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيّئات، فإنّه قد يُقبل نحو ربّه مستغفراً، ويهجر المعاصي، ويُقلع عن ارتكاب الذنوب.
ثمّ إنّ بعض الناس ذهب إلى أنّ أرجى آية في القرآن الكريم هي قوله سبحانه:(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ). ويأتي في تفسير سورة «والضحى» ما هو الأرجى عند أئمة أهل البيت فانتظر.

استصلاح الفاسد بالتوبة

ومن المستحسن أن ننقل، هنا، فقرات من دعاء سيّد العابدين 1علي بن الحسين(عليهما السلام)، تلقي مزيداً من الضوء على الموضوع الّذي نحن بصدده.
قال (عليه السلام): سبحانك لا أيأسُ منك وقد فتحت لي باب التوبة إليك، بل أقولُ مقالَ العبد الذليل الظالم لنفسه المستخفّ بحرمة ربّه، الّذي عَظُمت ذنوبه فجلّت، وأدبرتْ أيامه فولّت، حتّى إذا رأى مدّة العمل قد انقضت وغاية العمر قد انتهت، وأيقن أنّه لا محيص له منك، ولا مهرب له عنك

1 . روى ابن عساكر عن جابر الأنصاري (رحمه الله)، قال: كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فدخل عليه الحسين بن عليّ فضمّه إليه وقبّله وأقعده إلى جنبه، ثم قال: «يولد لابني هذا ابن يقال له عليّ، إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: ليقم سيّد العابدين، فيقوم هو». تاريخ مدينة دمشق: 41/ 370، وج 54 / 276 .

صفحه 139
تلقّاك بالإنابة، وأخلص لك التوبة، فقام إليك بقلب طاهر نقيٍّ، ثم دعاك بصوت حائل خفيٍّ.. يدعوك بـ : يا أرحم الراحمين...
يا مَن تحمَّد إلى خلقه بحسن التجاوز، ويا مَن عوّد عباده قبولَ الإنابة، ويا مَنِ استصلَحَ فاسدَهم بالتوبة، ويا مَن رَضيَ بفعلهم باليسير، ويا مَن كافأ قليلَهم بالكثير، ويا مَن ضَمِن لهم إجابة الدعاء، ويا مَن وعَدَهم على نفسه بتفضّله حُسنَ الجزاء، ما أنا بأعصى من عصاكَ فغفرت له، وما أنا بألْوَمِ مَنِ اعتذر إليك فقبلتَ منه، وما أنا بأظلمِ مَن تاب إليك فعُدْتَ عليه. أتوب إليك في مقامي هذا توبة نادم على ما فَرَط منه، مشفق ممّا اجتمع عليه، خالصِ الحياء ممّا وقع فيه، عالم بأنّ العفو عن الذنب العظيم لا يتعاظَمُكَ، وأنّ التجاوزَ عن الإثمِ الجليل لا يستصعِبُك... 1.

الآيات: السادسة والخمسون إلى الحادية والستينسورة الزمر: الآيات 56 ـ61

(أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَاني لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي

1 . الصحيفة السجادية الكاملة: دعاؤه (عليه السلام)في الاعتراف.

صفحه 140
اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) .

المفردات

حسرتى: الحَسْرة: الغمّ على ما فاته والندم عليه، كأنّه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه. والأصل فيها يا حسرتي.
فرّطت: التفريط: إهمال ما يجب أن يتقدّم فيه حتّى يفوت وقته، ومثله التقصير.
جنب: الجنب: الجارحة وجمعه جُنوب، ويستعمل في الناحية، والمراد به هنا أمره وزجره سبحانه وحدُّه الذي حدَّه.
كرّة: الكرّ: العطف على الشيء، والمراد بها هنا: العَودة.
مثوى: الثواء: الإقامة مع الاستقرار، يقال: ثوى، يثوي، ثواءً، كما قال عزّ وجلّ: (وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ)1 أي مقيماً، والمثوى: المقام.
مفازة: المفازة: المنجاة، والظفر بالبُغية.

التفسير

56. (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ):
لمّا أمر الله سبحانه ـ في الآيات السابقة ـ العصاة المسرفين في

1 . القصص: 45 .

صفحه 141
الموبقات من المشركين وغيرهم بالإنابة إلى ربهم والتسليم له قبل فوات الفرصة، بيّن هنا الغرض من ذلك، وهو دحض مقولاتهم الثلاث الآتية ، فقوله: (أَنْ تَقُولَ)بمعنى: لئلاّ تقول، وقد حذفت «لا» النافية بعد «أن»، وذلك شائع في القرآن الكريم، قال سبحانه: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ).1
وأمّا المقولات الثلاث التي يقولها الغارق في الكفر والعصيان، في يوم القيامة، فهي:
أنّه يصف نفسه بالتقصير في إطاعة أمر الله سبحانه، وأنّه كان من المستهزئين بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وكتابه المجيد، كما قال: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ).
والحسرة هي الندامة الشديدة، والألف في آخرها بدل ياء المتكلّم، أي: يا حسرتي، فكأنّه ينادي ندامته الشديدة.
وأمّا ما هو المراد بالجنب في قوله: (فِي جَنْبِ اللهِ) فقد قال الشريف الرضي (رحمه الله): قوله تعالى: (عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ): استعارة، وقد اختلف في المراد بالجنب هاهنا، فقال قوم: معناه في ذات الله، وقال قوم: معناه في طاعة الله وفي أمر الله، إلاّ أنّه ذكر الجنب على مجرى العادة في قولهم: هذا الأمر صغير في جنب ذلك الأمر أي في جهته، لأنّه إذا عبّر عنه بهذه العبارة دلّ على اختصاصه به من وجه قريب من معنى صفته، وقال بعضهم معنى في جنب الله أي في سبيل الله أو في الجانب الأقرب إلى مرضاته بالأوصل

1 . هود:46.

صفحه 142
إلى طاعاته، ولمّا كان الأمر كله يتشعّب إلى طريقين: إحداهما هدىً ورشاد، والأُخرى غيٌّ وضلال، وكلّ واحد منهما مجانب لصاحبه أي هو في جانب والآخر في جانب، وكان الجنب والجانب بمعنى واحد، حسنت العبارة هاهنا عن سبيل الله بجنب الله على النحو الذي ذكرناه.1
57. (أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَاني لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) :
ثم يعلّل سوء مصيره بعدم إرادته سبحانه هدايته، ولو أراد هدايته لكان من المتّقين، قال: (أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَاني لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)وهذه هي فكرة الجبر التي كانت سائدة بين المشركين عامّة كما يظهر من بعض الآيات، قال سبحانه: (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ).2
58. (أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) :
أنّه لمّا رأى سيئات أعماله المتجسّدة في نار جهنم، يتمنّى الفرار من العذاب والرجوع إلى الدنيا حتى يكون من المحسنين، قال: (أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرى الْعَذَابَ) أي لئلاّ تقول حين رؤية العذاب (لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).
59. (بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ):

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:238ـ239.
2 . الزخرف:20.

صفحه 143
ذكر بعض المفسّرين أنّ المقولات الثلاث المنقولة عن المجرمين مرتبة على ترتيب صدورها عن المجرم يوم القيامة، فإذا قامت القيامة ورأى المجرمون أنّ اليوم يوم الجزاء بالأعمال وقد فرّطوا فيها وفاتهم وقتها، تحسّروا على ما فرّطوا ونادوا بالحسرة على تفريطهم (يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ)قال تعالى:(حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا)،1 ثم إذا حوسبوا وأُمر المتقون بدخول الجنّة وقيل: (امْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ)2 تعلّلوا بقولهم: (لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَاني لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ).
ثم إذا أُمروا بدخول النار فأوقفوا عليها ثم أُدخلوا فيها تمنّوا الرجوع إلى الدنيا ليُحسنوا فيها فيسعدوا(أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً) قال تعالى:(وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)3، وقال حاكياً عنهم: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ).4
60 و 61. (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ):

1 . الأنعام: 31 .
2 . يس: 59.
3 . الأنعام:27.
4 . المؤمنون:107.

صفحه 144
هاتان الآيتان هما نهاية المطاف في الكلام حول الكاذبين على الله وحول المتّقين المصدِّقين.
أمّا الطائفة الأُولى فيُحشَرون ووجوههم مسودّة، إمّا من الغمّ والحزن، أو بسبب لفح الجحيم، ويمكن أن يكون السواد علامة للكاذبين الذين نسبوا إلى الله جواز عبادة الأصنام، ومن المعلوم أنّ مقام هؤلاء الذين تكبّروا عن طاعة الله وعصَوا رُسلَه، هو الجحيم، كما قال: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ)بنسبة جواز عبادة الأصنام إليه (وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ). وأيّ كذب أكبر من قولهم: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ )1.
هذا هو مشهد الكاذبين على الله، وهو مشهد مفزع ومروّع.
وأمّا الطائفة الثانية ـ أعني: المتّقين ـ فلهم مشهد آخر، فهؤلاء بسبب اجتنابهم المعاصي وقيامهم بالأعمال الصالحة ينجَون من عذاب الله ولا يمسّهم السوء، كما قال: (وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ )والباء للملابسة أو السببية، فالذي يكون سبباً لإنجاء الله سبحانه هو فوزهم وظفرهم بالأعمال الصالحة. ثمّ إنّه سبحانه يفسّر نجاتهم بقوله:(لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)، وبهذا المضمون جاء قوله سبحانه: (إنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ)2.

1 . الأعراف: 28 .
2 . المؤمنون:111.

صفحه 145

حكم الكذب على الأنبياء والأئمة حكم الكذب على الله

إنّ الظاهر من بعض الروايات أنّ الكذب على الأنبياء والأئمة المعصومين(عليهم السلام) حكمه حكم الكذب على الله. روى العياشي بإسناده عن خيثمة قال: سمعت أبا عبد الله ] الصادق[(عليه السلام)يقول: «من حدّث عنّا بحديث فنحن سائلوه عنه يوماً، فإن صدق علينا فإنّما يصدق على الله وعلى رسوله، وإن كذب علينا فإنّما يكذب على الله وعلى رسوله، لأنّا إذا حدّثنا لا نقول: قال فلان وقال فلان إنّما نقول: قال الله وقال رسوله» ثم تلا هذه الآية: (وَيَومَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ)الآية، ثمّ أشار خيثمة إلى أُذنيه فقال: صمّتا إن لم أكن سمعته.1
وروى الطبرسي عن سَورة بن كُليب قال: سألت أباجعفر ]الباقر [(عليه السلام)عن هذه الآية ]يعني قوله تعالى: (وَيَومَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ) [فقال: «كلّ إمام انتحل إمامة ليست له من الله». قلت: وإن كان علوياً؟ قال(عليه السلام): «وإن كان علوياً». قلت: وإن كان فاطمياً؟ قال(عليه السلام): «وإن كان فاطمياً».2

الآيات: الثانية والستون إلى السابعة والستين سورة الزمر: الآيات 62ـ67

(اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ *

1 . مجمع البيان:8/505.
2 . مجمع البيان: 8 / 505. وروى نحوه الكليني بإسناده عن سورة بن كليب عن الباقر (عليه السلام). الكافي: 1 / 372، كتاب الحجّة، باب من ادّعى الإمامة وليس لها بأهل، برقم 1 .

صفحه 146
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).

المفردات

مقاليد: جمع مقلاد: الخزانة، أو جمع إقليد (على غير قياس) وهو: المفتاح، وقيل: المقاليد: المفاتيح، ولا مفرد له من لفظه .
ليحبطن: الحبط: هو البطلان، يقال: أحبط الله أعماله أي أبطلها ولم يؤجر عليها، لأنّ استحقاق الثواب مشروط بالموافاة.
مطويّات: من طوى، قال الراغب: طويتُ الشيء طيّاً وذلك كطيّ الدَّرْج، وعلى ذلك قوله تعالى:(يَومَ نَطْوي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجلِّ لِلكُتُبِ) 1ومنه: طويت الفلاة، يقال: طوى الله عمره. وقوله: (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)يصحّ أن يكون من الأوّل، وأن يكون من الثاني بمعنى: المُهلَكات.2
قبضته: القبضة: القبض: تناول الشيء بجميع الكفّ، يقال: القبضة من الشيء: ملء الكف منه، والقبضة: ما قبضت عليه، قال تعالى: (فَقَبَضْتُ

1 . الأنبياء: 104 .
2 . انظر : المفردات للراغب: 313 ، مادة «طوى».

صفحه 147
قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا).1

التفسير

62. (اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء وَكِيلٌ):
رجع سبحانه في هذه الآية وما بعدها إلى ما هو الهدف الأقصى في هذه السورة، وهو التوحيد في الربوبية وأنّه لا مدبّر إلاّ هو سبحانه، وقال: (اللهُ خالِقُ كُلّ شَيْء) وهذا ممّا لا ينكره المشركون على ما مرّ، وإنّما ذكره ليرتّب عليه قوله: (وَهُوَ عَلى كُلّ شَيْء وَكيل)فإنّ الوكيل هو المتصرّف، فليس في الكون متصرِّف على وجه الاستقلال إلاّ هو، ولو كان ثمّة ملائكة تقوم بتدبير بعض الأُمور في هذا الكون، كما يدلّ عليه قوله: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا)2 فبأمره سبحانه، وما هم إلاّ جنود لسلطان الكون يفعلون ما يؤمرون، ولا ينافي هذا التوحيد في الربوبية.
63. (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) :
لمّا أشار سبحانه بقوله: (وَهُوَ عَلى كُلّ شَيْء وَكيل) إلى أنّه المتصرّف، القائم بتدبير كلّ شيء، أكّد ذلك بقوله: (لَهُ مَقاليدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرض): أي خزائن السماوات، كما يدلّ عليه قوله سبحانه: (وَإنْ مِنْ شَيْء إلاّ عِنْدَنا

1 . طه:96.
2 . النازعات:5.

صفحه 148
خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلْهُ إلاّ بِقَدَر مَعْلُوم)1، وقوله: (وللهِ خَزائِنُ السمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلكنّ المنافِقينَ لا يَفْقَهُون).2 أو مفاتيح ما في الكون بيده، فيصبح كناية عن كونه المدبّر ولا موجود في عرضه.
يقال: مفتاح هذا الأمر بيدي أي حلّه وعقده قائم بي.
قال الشريف الرضي في قوله تعالى: (لَهُ مَقاليدُ السَّمَاوَاتِ): هذه استعارة أي له مفاتح خيراتهما ومعادن بركاتهما من إدرار الأمطار وإيراق الأشجار وسائر وجوه المنافع وعوائد المصالح، وقد وصف تعالى السماء في عدّة مواضع بأنّ لها خزائن وأبواباً، فحسن على مقتضى الكلام أن توصف بأنّ لها مقاليد وأغلاق.3
ثمّ إنّه سبحانه لمّا ذكر دلائل وحدانيّته في الخلق والتدبير بقوله: (اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء...)عطف عليه قوله: (والّذينَ كَفَروا بِآياتِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرون) لإلفات النظر إلى أنّ خسارة المشار إليهم إنّما هي بسبب جحودهم تلك الدلائل.

إيضاح الكفر بآيات الله

الكفر بآيات الله يكون على وجهين:
1. إنكار دلالة الصور البديعة للأنواع والبناء العظيم لها، على مصوّرها وبانيها، وعلى هذا تكون الآية ناظرة للملاحدة الذين ينكرون وجود

1 . الحجر:21.
2 . المنافقون:7.
3 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 239 .

صفحه 149
الصانع، والظاهر أنّ الآية سيقت لغير هذا الغرض، لأنّ الخطاب من أوّل السورة إلى هنا موجّه إلى المشركين الذين لا ينكرون وجود الصانع ـ أعني: خالق الصور ومكوّن الأكوان ـ فتعيّن المعنى التالي.
2. الذين يكفرون بتوحيده سبحانه في مقام الربوبية مع مشاهدة هذه الآيات والحجج الدالّة على عظمة المدبّر ووضوح كون الأصنام غير قادرة على تدبير أيّ أمر ولو كان صغيراً، فهؤلاء هم الذين كفروا بآيات الله ولم يذعنوا لها، ومن ثم عرّضوا أنفسهم للخسران، كما قال: (أُولئك هُمُ الخاسِرون)، وأي خسران أكبر من صرف العمر في هذه الدنيا دون أن يحصل الإنسان على ما ينتفع به في الحياة الأُخروية؟
ويظهر من غير واحد من كتب السير أنّ قريشاً حاولت تطميع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)حتى يتنازل عمّا يدعو إليه، فقد وفدوا عليه وقالوا له: لقد شتمت الآباء، وعيّبت الدين، وسببت الآلهة، وسفّهت الأحلام، وفرّقت الجماعة... إلى قولهم: فإن كنت إنّما جئت بهذا الحديث تطلب مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنّما تطلب الشرف فينا فنحن نسوِّدك ونشرِّفك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك تابعاً من الجنّ قد غلب عليك، بذلنا أموالنا في طبّك.
فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لعمّه أبي طالب ليكلّمهم بأنّه يريد من قريش كلمة واحدة، فعندئذ فرح القرشيّون لكلمته وقوله، فقالوا له: نعم وأبيك عشراً، فقال لهم: قُولُوا لا إلهَ إلاّ الله.
ففزعوا ينفضون ثيابهم ويقولون: (أجعلَ الآلهةَ إلهاً واحداً إنّ هذا

صفحه 150
لَشيْءٌ عُجابٌ)1.2
64. (قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ):
ولأجل هـذه المفاوضات بين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وقريش الذين كانوا يدعونه لعبادة أصنامهم قال سبحانه: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُـونَ)والآية تبيّن أنّ مبدأ الوثنية هو الجهل بواقع الكون وأنّ الخالق هو المدبِّر.
ومن عجيب الأمر أنّ الجاهل يصرّ على العالِم أن يتبع موقفه...
65. (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ):
إنّ من لوازم التوحيد في الخالقية والربوبية هو التوحيد في العبادة وأن لا يُعبد إلاّ إيّاه، ولذلك صار التوحيد في العبادة هو الأصل المشترك بين عامّة الشرائع من غير فرق بين شريعة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وسائر الشرائع، فقد أمر سبحانه نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بالتوحيد في العبادة كما أمر به سائر الأنبياء، قال سبحانه: (وَلَقَدْ أُوحيَ إليكَ وَإلى الَّذِينَ مِنْ قَبلِكَ)، فالموحى هو التوحيد في العبادة النابع عن التوحيد في الخالقية والربوبية، ولم يقتصر سبحانه بنفس الأمر بالتوحيد بل ذكر نتائج الشرك وقال: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ): أي يترتّب على شركك أمران:

1 . ص: 5 .
2 . تاريخ الطبري:2/65ـ 66; السيرة الحلبية:1/488، دار المعرفة، بيروت ـ 1400 هـ .

صفحه 151
1. (لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)بمعنى عدم قبول الأعمال وعدم ترتّب الثواب ; وذلك لأنّ قلب المشرك كالأرض السبخة لا ينبت فيها شيء.
2. (وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) وأي خسران أعظم من صرف العمر في الدنيا دون أن يتَّجر به شيئاً ينتفع به في الآخرة.
نعم، يستحيل على النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يشرك بالله طرفة عين وكذلك سائر الأنبياء، ولكن هذا النوع من الخطاب فيه تهديد للآخرين، فإذا كان هذا حال الأنبياء، إن أشركوا، فكيف حال الآخرين؟
ويظهر من تفسير عليّ بن إبراهيم أنّ قوله:(لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)إنّما هو خطاب للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنّ المعنى موجّه إلى أُمّته، وهو ما قاله الصادق(عليه السلام): «إنّ الله عزّ وجلّ بعث نبيّه بإيّاك أعني واسمعي يا جارة، والدليل على ذلك قوله عزّ وجلّ في الآية اللاحقة: (بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) وقد علم الله أنّ نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يعبده ويشكره، ولكن استعبد نبيه بالدعاء إليه تأديباً لأُمّته».1
ومع ذلك يمكن أن يقال: إنّ الآية من باب فرض المحال، ومن المعلوم أنّ فرض المحال ليس بمحال، إذا ترتّب عليه شيء من المعارف، كقوله تعالى: (لَوْ كانَ فِيهِما آلهَةٌ إلاّ الله لَفَسَدَتا).2
وعلى هذا فالمراد: لو أشرك النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ على سبيل فرض المحال ـ فإنّه لا يخلو من العاقبتين: بطلان العمل، والخسران في الآخرة.

1 . انظر: تفسير القمّي: 2 / 251 ; تفسير نور الثقلين:4/498.
2 . الأنبياء:22.

صفحه 152
66. (بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) :
ثمّ إنّه سبحانه أكّد على التوحيد ونبذ الشرك بعد ذلك التهديد، فقال: (بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ)وتقديم لفظ الجلالة لإفادة الحصر، فعلى كلّ مؤمن أن يعبد الله وحده، ويؤدّي الشكر له تعالى حيث وفّقه لصرف النعمة في محلّها، فعبَد الله دون الأصنام.
67. (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ):
إنّ هؤلاء الذين يشركون بالله غيره ويعبدون الأصنام ويسجدون لها ويطلبون منها حوائجهم، لا يحملهم على هذا العمل إلاّ الجهل بعظمة الله سبحانه، فلو عرفوا مكانته وما له من القدرة والعزّة والجمال والكمال، وأنّ جمال الغير فرع جماله، لما عدلوا عن عبادته إلى عبادة غيره، كما يقول: (وَما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ).
ولمّا أخبر سبحانه عن جهل المشركين بعظمته وهيبة جلالته وقدرته، ذكر بعض دلائل تلك العظمة والقدرة فقال: (وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ): أي أنّ الأرض كلّها مع عظمها كالشيء الذي يقبض عليه القابض بكفّه، وهذا تفهيم لنا على عادة التخاطب فيما بيننا لأنا نقول: هذا في قبضة فلان أو في يد فلان، إذا هان عليه التصرّف فيه وإن لم يقبض عليه.

صفحه 153
فكما أنّ الأرض مع عظمها في قبضته أي كالشيء المقبوض، فالسماوات أيضاً (مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)أي يطويها بقدرته كما يطوي أحدنا الشيء المقدور له طيّه بيمينه.1
لقد تحدّث سبحانه عن قدرته بأمرين:
1. الأرض كالشيء المقبوض.
2. السماوات مطويات بيمينه.
وقوله: (بيمينه) بمعنى اليد اليمنى، وهي كناية عن القدرة. والجملتان تشيران إلى بطلان الأسباب الأرضية والسماوية، وفشل العلل الطبيعية والمادية يوم القيامة، وأنّه لا يكون في الكون مؤثر إلاّ الله سبحانه.
فإن قلت: إنّ كون الأرض في قبضته سبحانه لا يختصّ بيوم الآخرة، بل يعم الدنيا أيضاً، فالله سبحانه في عامّة الأحوال حاكم أي قابض على ما خلق.
قلت: إنّ ظهور هذه القدرة في يوم القيامة أجلى وأوضح، ولذلك خصّه بالذكر، وعلى هذا يجب على الناس تنزيهه سبحانه عن الشركاء كما قال: (سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ).
قال الشريف الرضي في قوله تعالى: (وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ): هناك استعارتان، ومعنى ( قَبْضَتُهُ)هاهنا أي مُلك له خالص، قد ارتفعت عنه أيدي المالكين من بريَّته، والمتصرِّفين فيه من خليقته، وقد ورث تعالى عباده ما كان ملّكهم في دار الدنيا من ذلك

1 . انظر: مجمع البيان: 8 / 459 .

صفحه 154
فلم يبق مُلك إلاّ انتقل ولا مالك إلاّ بطل.
قوله: (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ): أي مجموعات في ملكه، ومضمونات بقدرته، واليمين هنا بمعنى الملك، يقول القائل: هذا ملك يميني. وليس يريد اليمين الّتي هي الجارحة، وقد يعبّرون عن القوّة أيضاً باليمين، فيجوز على هذا التأويل أن يكون معنى قوله تعالى: (مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ): أي يجمع أقطارها ويطوي انتشارها بقوّته.1

الآيات: الثامنة والستون إلى السبعين

(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ).

المفردات سورة الزمر: الآيات 68ـ 70

الصُّور: هو مثل قَرن يُنفخ فيه، فيجعل الله سبحانه ذلك سبباً لعود الصُّوَر والأرواح إلى أجسامها.2 وهو البُوق أيضاً يُنفخ فيه للاجتماع أو الرحيل أو النزول.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 240 .
2 . المفردات للراغب:290، مادة «صور».

صفحه 155
صعق: قال في الصحاح: صعق الرجل صعقاً وتصاعقاً أي غُشي عليه، وأصعقه غيره.1

التفسير

68. (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ):
لمّا ذكر سبحانه في الآيات المتقدّمة عظمة قدرته يوم القيامة، انتقل في هذه الآيات إلى تفصيلها بما فيه من تهويل فقال: (وَنُفِخَ فِي الصُّور)، وقد استعمل صيغة الماضي لأنّه متحقّق الوقوع، (فَصَعِقَ مَنْ فِي السمَاوَاتِ وَمَنْ في الأرْضِ)أي خرّوا مغشيّاً عليهم غَشَياناً انتهى بهم إلى الموت.

في موت الملائكة ومَن استثناه

والمراد بقوله: (مَنْ في السمَاوَات) هم الملائكة، ولعلّ موتهم هو انفصال أرواحهم عن أبدانهم البرزخية، إلاّ مَن شاء الله عدم صعقه وموته.
وعلى هذا فأهل السماء لا يبقون، وأهل الأرض يموتون (إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ) أي من استثناه من الموت.
وهل المستثنى هو عامّة الملائكة؟ وهذا لا يناسب قوله: (مَن في

1 . صحاح الجوهري: 4 / 1507، مادة «صعق».

صفحه 156
السمَاوَات)الذي يتبادر منه ملائكة الله، ولذلك قيل:إنّ المستثنى هما جبريل وإسرافيل. وقيل: هما مع حملة العرش، والله أعلم بما أراد.
(ثمّ نُفِخَ فيهِ أُخرى فإذا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرونَ) والضمير في قوله:(فيهِ)يرجع إلى الصُّور، و(أُخرى)صفة لموصوف محذوف أي نفخة أُخرى، و(قِيَامٌ)جمع قائم و(يَنْظُرونَ) إمّا بمعنى الإبصار وهذا كناية عن الحياة، أو بمعنى ينتظرون.
هذا ما يرجع إلى تحليل الآية حسب فقراتها ومفرداتها، وأمّا ما هو حاصل الآية؟ ففيها دلالة على أُمور:

الأوّل: الصُّور لغةً واصطلاحاً

إنّ الصُّور في اللغة ـ كما ذكرنا ـ هو آلة تشبه القَرن، أو هو البوق ينفخ فيه للاجتماع أو الرحيل أو النزول، ولكنّ العبارة في الآية كناية عن واقعة مستورة علينا، وهي انطلاق صيحة تعمّ السماوات والأرض على وجه تُدخل الخوف والفزع في القلوب والأرواح على نحو ينتهي إلى موت الجميع، وهذا ليس أمراً بعيداً، فإنّ الأمواج الصوتية إذا اخترقت حاجز الصوت تولّد صوتاً مرعباً وأمواجاً مدمّرة تنتهي إلى تحطّم زجاج النوافذ وهزّ البيوت والعمارات، وهذا ما نشاهده حينما تمرّ الطائرات التي تخترق حاجز الصوت.
فما بالك بالصُّور الذي ينفخ فيه إيذاناً بنهاية العالم، لإماتة مَن في السماء والأرض؟ لا شكّ في أنّنا لا يمكننا تصوّر قوّة هذا الصوت ومقدار ذبذبات أمواجه.

صفحه 157
إنّ الألفاظ التي ابتكرها الإنسان إنّما تتعلّق ببيان أغراضه من الأُمور الدنيوية جواهرها وأعراضها،ولكنّها قاصرة عن بيان حقيقة ما يتعلّق بالآخرة من النفخ والصُّور بل كلّ ما يحكيه القرآن الكريم ممّا يتحقّق في يوم القيامة. فالقرآن الكريم يعبّر عن تلك الحقائق العليا بما يقرب فهمه لأذهان الناس، فإذا كانت الأدوات قاصرة عن بيان الحقيقة فالسبب يرجع إلى قصور ألفاظنا وفهمنا، والله وحده هو الذي يعلم واقع الصُّور والنفخ وكيفية الإماتة.

الثاني: عدد النفخات في الصّور

يظهر من الآية أنّ هناك نفختين، نفخة للصعق والإماتة، ونفخة لأجل الإحياء، فإلى الأُولى أشار بقوله:(فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَ مَنْ فِي الأَرْضِ )، وإلى الثانية أشار بقوله:(ثُمّ نُفخِ فيهِ أُخرى).
وربما يقال: بأنّ النفخ يتكرر ثلاث مرّات:
1. نفخة الفزع الواردة في قوله: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ).1
2. نفخة الصعق والإماتة، وهي ما أشار إليها بقوله: (وَنُفِخَ فِي الصور فصَعِقَ مَن...).
3. نفخة البعث، وإليها أشار تعالى بقوله:(ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ).2

1 . النمل:87.
2 . التفسير الكاشف:6/232.

صفحه 158
والظاهر وحدة النفختين الأُوليين، أي أنّ نفخة الفزع هي نفخة الصعق والإماتة، فالمعروف من معنى الصعق هو الغشية (الإغماء)، وقد مرّ قول الجوهري: (صعق الرجل صعقاً وتصاعقاً أي غُشي عليه)، فإنّ الغشية نتيجة الفزع، والجميع مقدّمة للموت.

الثالث: في علّة استثناء بعض الملائكة من الموت

قد مرّ أنّهم اختلفوا في المستثنى بين تفسيره بالملَكين: جبريل وإسرافيل، أو تفسيره بهما وبحمَلة العرش، وهناك احتمال آخر وهو أنّ الاستثناء لبيان قدرة الله تبارك وتعالى وأنّ الأمر بيده، وأنّ نفخ الصور لا يحدّ من مشيئته المطلقة، وإرادته النافذة، فلو شاء أن يحفظ حياة أحد، أمضى مشيئته ولم يعجزه شيء. وهذا المعنى هو المتبادر من قوله سبحانه عند كلامه عن خلود الكافرين في النار. قال سبحانه: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ).1 ونظيره قوله في (الَّذِينَ سُعِدُوا)حيث جاء في حقّهم:(فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ)(2).
فليس المراد من الاستثناء خروج الأشقياء من النار أو خروجهم من الجنة، لأنّ ذلك ينافي قوله: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ)، بل الاستثناء لبيان حكمهم بالخلود لا يعني سلب القدرة عن الله بحيث يعجز عن إخراج الشقيّ والسعيد من مقامهما.

1 . هود:106 ـ 107.   2 . هود:108.

صفحه 159

الرابع: في انتظار حكم الله بعد النفخة الثانية

إنّ المراد من قوله: (قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) هو أنّهم ينتظرون حكم الله فيهم، قال الإمام عليّ(عليه السلام): «وَيُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَتَزْهَقُ كُلُّ مُهْجَة، وَتَبْكَمُ كُلُّ لَهْجَة، وَتَذِلُّ الشُّمُّ الشَّوَامِخُ، وَالصُّمُّ الرَّوَاسِخُ، فَيَصِيرُ صَلْدُهَا سَرَاباً رَقْرَقاً، وَمَعْهَدُهَا قَاعاً سَمْلَقاً، فَلاَ شِفِيعٌ يَشْفَعُ، وَلاَ حَمِيمٌ يَنْفَعُ، وَلاَ مَعْذِرَةٌ تَدْفَعُ».1
ويؤيد ما ذكرنا الآية التالية التي تشرح أوضاع القيامة بأُمور ستة، كما سيوافيك.

الخامس: ما هي المدّة الزمنية بين النفختين ؟

إنّ الفصل بين النفختين من حيث الزمان غير معلوم، والذي تدلّ عليه الآية وجود فاصل زماني بين النفختين بحكم العطف بـ (ثمّ) الّتي تفيد التراخي، والله يعلم ما هو مقدار الفاصل.
وقد ورد في بعض الروايات تعيين مقداره بأربعين سنة،2 ولكنّه غير معلوم هل أُريد به السنين الدنيوية أو السنين الربوبية؟
69. (وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) :

1 . نهج البلاغة: الخطبة 195. (تزهق: تهلك. وتبكَم: تخرس. والقاع: الأرض الخالية. والسَّمْلق: القاع المستوي، ليس بعضه أرفع وبعضه أخفض).
2 . تفسير نور الثقلين:4/503، الحديث 119.

صفحه 160
استعرض سبحانه ما يقع بعد إحياء مَن في السماوات والأرض، وهي أُمور ستة:
الأوّل: (وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ) بمعنى أضاءت الأرض يوم القيامة بنور الله سبحانه، قال الزمخشري: المراد: (وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ)بما يقيمه فيها من الحق والعدل، ويبسطه من القسط في الحساب، ووزن الحسنات والسيئات.
وإضافة النور إلى اسمه استعارة لأنّه هو الحق والعدل، وإضافة اسمه إلى الأرض لأنّه يزينها حيث ينشر فيها عدله وينصب موازين قسطه ويحكم بالحقّ بين أهلها، ولا ترى أزين للبقاع من العدل، ولا أعمر لها منه.1 ولا يخفى أنّه تفسير ذوقي.
ويمكن أن يقال: إنّ السماوات إذا أصبحت مطويّات بيمينه، فيطوى القمر والشمس وغيرهما فلا يبقى ما ينوّر أرض المحشر، والله سبحانه يضيئها بالنور الخاص، ولأجل شرافته نسب إلى الربّ.
وللسيد الطباطبائي تفسير آخر للآية، يقول: لا يبعد أن يراد ـ والله أعلم ـ من إشراق الأرض بنور ربّها ما هو خاصّة يوم القيامة من انكشاف الغطاء وظهور الأشياء بحقائقها، وبدو الأعمال من خير أو شر أو طاعة أو معصية أو حق أو باطل للناظرين، وإشراق الشيء هو ظهوره بالنور، ولا ريب أنّ مظهرها يومئذ هو الله سبحانه، إذ الأسباب ساقطة دونه، فالأشياء مشرقة بنور مكتسب منه تعالى.

1 . تفسير الكشّاف:3/357.

صفحه 161
وهذا الإشراق وإن كان عامّاً لكلّ شيء يسعه النور، لكن لمّا كان الغرض بيان ما للأرض وأهلها يومئذ من الشأن خصّها بالبيان، فقال: (وَأشْرَقَتِ الأرضُ بِنُورِ رَبّها)، وذكره تعالى بعنوان ربوبية الأرض تعريضاً للمشركين المنكرين لربوبيته تعالى للأرض وما فيها.1
الثاني: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ): أي أُحضرت صحائف الأعمال، والكتاب اسم جنس فيؤدي معنى الجمع. وقد وصُف هذا الكتاب في آية أُخرى بأنّه: (لاَ يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا).2
الثالث: (وَجِيءَ بِالنَّبِيينَ ) لغاية السؤال عن أدائهم لمهمة الرسالة، قال سبحانه: (وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ).(3)
الرابع: (وَالشُّهَدَاءِ )فهل المراد بهم شهداء الأعمال الذين يشهدون على أعمال الناس؟ وإذا كان المراد بهم شهداء الأعمال، فهل هم الحفظة من الملائكة، كما يشير إليه قوله تعالى: (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْس مَعَهَا سَائِقٌ وَ شَهِيدٌ )3 أو هم أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، الذين رُوي في الخبر أنّ أعمال العباد تُعرض عليهم ـ كما تُعرض على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ فيعرفونها4، وأنّهم(عليهم السلام)هم المعنيّون بقوله: (وَالمُؤْمنونَ)في قوله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرسُولُهُ وَالمُؤْمنونَ).5

1 . الميزان في تفسير القرآن: 17/295ـ296.
2 . الكهف:49.   3 . الأعراف:6.
3 . ق: 21 .
4 . انظر: تفسير العيّاشي: 1 / 259، برقم 1892 و 1893 ; والتبيان في تفسير القرآن: 5 / 295 .
5 . التوبة:105.

صفحه 162
ويحتمل أن يكون المراد بالشهداء: النوّاب عن الأنبياء في تبليغ رسالتهم وسننهم إلى الناس.
فيشهد الأنبياء على نوابهم بأنّهم قد بلّغوا الأُمّة وعلّموها على أكمل وجه، كما يشهد النواب على الناس بتبليغ ما أُمروا بتبليغه، وبذلك تتم الحجّة على الناس.1
الخامس: (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ): أي يحكم بينهم (بين الناس) بالعدل فيما اختلفوا فيه .
70. (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ):
السادس: (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ) أي تُجزى كلّ نفس حسب عملها، إن خيراً فخير، وإنْ شرّاً فشرّ مع أنّ علمه سبحانه محيط بما عمله الإنسان خيره وشرّه من دون حاجة إلى طيّ هذه المراحل، وإنّما هو لأجل إتمام الحجّة على الإنسان، والحال: (وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ)، إذ يعلم دقائق الأعمال وبواطنها.
وحاصل ما ورد في الآية هو: أنّ الله تعالى يمثّل لنا محكمة أشبه ما تكون بالمحاكم المعروفة في الأُمم المتحضّرة، فكلّ محكمة يجب ألا تخلو عن أركان ثلاثة:
1. الإضبارة التي تشتمل على نتيجة تحقيق المحقّق وإقرار المتَّهم وغيرها من الأدلّة التي لا يمكن القضاء إلاّ بالاستناد إليها.

1 . انظر: التفسير الكاشف: 6 / 433 .

صفحه 163
2. الشهود الذين يشهدون على ارتكاب المتَّهم للجريمة أو ينفونها عنه.
3. القاضي الذي يصدر الحكم ثم يقرأه على المتَّهم.
فمحكمة العدل الإلهي ـ كما تصوّرها الآية ـ لا تخلو عن هذه الأركان ففيها:
1. الكتاب وهو ما تُكتب فيه أعمال الإنسان.
2.الشهود وهم الأنبياء والشهداء (وقد مرّ بيان المراد بهم).
3. القاضي، وهو ربّ العالَمين، قال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)1.
نعم ما ذكرنا تمثيل وتنزيل لما يأتي يوم القيامة، والله أعلم بحقيقة هذه المحكمة والكتاب والشهود وصدور الحكم، إذ أنّا لا نفهم ما موجود هناك إلاّ بتشبيهه بما عندنا الآن.

الآيتان: الحادية والسبعون والثانية والسبعون سورة الزمر: الآيتان: 71 و 72

(وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) .

1 . يونس: 93 .

صفحه 164

المفردات

سيق: السَّوق: الحثّ على السير، ويستعمل غالباً فيما إذا لم يكن للمسوق رغبة في السير.
زمراً: الزُّمَر: جمع زُمرة، وهي الجماعة التي لها صوت كصوت المزمار لأنّ اجتماعهم ومحادثتهم تبعث صوتاً كصوت المزمار.
وجواب «إذا» في قوله: (إِذَا جَاءُوهَا) قوله: (فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا).
مثوى: المثوى: الثَّواء: الإقامة مع الاستقرار، فيكون المثوى بمعنى المأوى.

التفسير

71. (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ):
لمّا أخبر سبحانه في الآية المتقدّمة بأنّ الأحكام قد صدرت ـ بعد تلك المحاكمة العادلة ـ في حقّ الناس جميعاً، وأنّ كلّ واحد منهم قد أُعطي جزاء ما عمل، أخذ في هذه الآية ببيان عملية تنفيذ تلك الأحكام الّتي جعلتهم فريقين: الكافرين، وحول المتقين، وابتدأ بذكر مصير الفريق الأوّل، فقال: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَراً)، والظاهر أنّ الملائكة هم

صفحه 165
الذين يسوقونهم إلى جهنم (زُمَراً )أي بشكل زرافات وجماعات.
وظاهر الآية أنّ المجرمين يساقون إلى جهنم فوجاً فوجاً، ولعلّ كلّ فوج يتميّز عن الفوج الآخر من حيث نوع الجريمة التي ارتكبوها، فلكلّ فوج باب خاص كما يظهر من كونها ذات أبواب كما في قوله:(حَتّى إذَا جاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوابُها)، والفقرة تشير إلى أنّ أبواب الجحيم كانت مغلقة إلى حين وصول الكافرين إلى أبوابها، وهذا هو نظير أبواب السجون في الدنيا فإنّها مغلقة في وجوه الناس، ولا تفتح إلاّ بمجيء المجرم برفقة السجّان. ولذلك جعل جواب مجيئهم إليها قوله: (فُتِحَتْ أَبْوابُها )، وعند دخول الكافرين من أبواب جهنم يتلقّاهم خزنة جهنم بالتقريع والعتاب بدل الترحيب والتكريم، كما قال:(وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا): أي يسألونهم عن مجيء الرسل الذين قاموا بأمرين:
1. تلاوة آيات الله التي فيها تكاليفهم وواجباتهم.
2. إنذارهم بلقاء يومهم هذا وأنّ الحياة الدنيوية كمقدّمة للحياة الأُخروية.
وعند ذلك لم يجد الكفّار محيصاً إلاّ الإقرار بالتقصير والاعتراف بذنوبهم(قالُوا بَلى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الكافِرينَ)، ولعلّ المراد من كلمة العذاب هي الوعيد به على ألسنة الرسل، نظير قوله: (فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ).1

1 . الصافات:31.

صفحه 166
ومعنى الآية: وجب العذاب على مَن كفر بالله تعالى، لأنّه أخبر بذلك وأنذر بمصيره، فلمّا كفروا به فيكونون مستحقّين للعذاب، فإنّ الناس مجزيّون بأعمالهم إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ.
72. (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) :
فلمّا وصلوا إلى أبواب جهنم واستُقبلوا بالتقريع والملامة، أُمروا بدخول جهنم من أبوابها المختلفة حسب اختلاف جرائمهم، كما يقول: (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرينَ). فالكافرون يخاطبون على وجه التهجين لهم والتوبيخ تارة قبل الدخول وأُخرى حين الدخول، وفي لفظ المتكبرين دلالة على أنّهم إنّما لاقوا هذا المصير المشؤوم لأجل كبرهم على الله سبحانه، واستعلائهم، وعدم انقيادهم لدلائل الحق.

الآيات: الثالثة والسبعون إلى الخامسة والسبعين سورة الزمر: الآيات 73 ـ 75

(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ

صفحه 167
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

المفردات

نتبوّأ: تبوّأ من باء بمعنى رجع، وسُمّي المنزل مباءة لكون صاحبه يرجع إليه إذا خرج منه، قوله تعالى: (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)1: أي لنبوّئنّهم مباءة حسنة، وعلى هذا فالتبوّأ اتّخاذ المنزل، وقوله: (تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ)(2): أي تسوّي وتهيِّئ لهم، وقوله: (نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ): أي ننزل منازل الجنّة حيث نهوى.
حافّين: مطيفين بحافتيه أي جانبيه. 2 والحفّ هو الاستدارة.

التفسير

73. (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ):
دلّت الآيات السابقة على أنّ المبعوثين يوم القيامة فريقان: كافرون، ومتّقون، وقد سبق ذكر مصير الكافرين في الآية السابقة، وبقي الكلام في مصير المتّقين فهم يُساقون إلى الجنّة زُمَراً كما قال: (وسيقَ الَّذينَ اتَّقوا ربَّهُمْ

1 . النحل: 41 .   2 . آل عمران: 121 .
2 . المفردات للراغب : 123، مادة «حفّ» .

صفحه 168
إلى الجَنَّةِ زُمَراً)، وقد مرّ أنّ السوق يستعمل فيما إذا لم تكن للمسوق فيه رغبة لسوء المسوق إليه، وعلى ذلك فما وجه استعمال اللفظ نفسه في سَوق المتّقين إلى الجنّة زمراً؟ والظاهر أنّ الوجه هو المشاكلة التي هي من المحسّنات البديعية، ومنها قوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).1

في كيفية سوق المتّقين إلى الجنّة

ثمّ إنّ كيفية سوقهم إلى الجنّة تختلف عن كيفية سَوق المجرمين إلى الجحيم، بالأمرين التاليين:
1. أنّ أبواب جهنم كانت مغلقة إلى زمان مجيء الكافرين، فإذا وصلوها فُتحت في وجوههم; بخلاف أبواب الجنّة فإنّها كانت مفتوحة قبل مجيء المتّقين تكريماً وتجليلاً لهم، حيث قال: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)، والظاهر أنّ (إِذَا) ظرفية مجردة عن معنى الشرطية، أي يساقون إلى الجنة إلى زمان مجيئهم إليها، والحال أنّ الأبواب مفتوحة.
2. إنّ خزنة جهنم يستقبلون الكافرين بالتقريع واللوم كما مرّ، وأمّا هنا فخزنة الجنّة يستقبلون المتّقين بالترحيب والتكريم (وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ): أي أنتم في سلام مطلق لا يلقاكم إلاّ ما ترضون (طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدينَ)فقوله:(طِبْتُم)إنشاء لا إخبار، وهو إنشاء تكريم ودعاء.
فأين التقريع الذي يُستقبل به الكافرون، من هذا الترحيب الذي يُستقبل به أهل الجنّة؟!

1 . آل عمران:54.

صفحه 169

نكتة أدبية: في «واو الثمانية» و «واو الحالية»

ذهب غير واحد من أهل الأدب إلى أنّ «الواو» في قوله: (وفُتِحَتْ)هي واو الثمانية، وذلك أنّ من عادة قريش أنّهم يعدّون من الواحد فيقولون خمسة ستة سبعة وثمانية، فإذا بلغوا السبعة قالوا وثمانية. قاله أبو بكر بن عياش، قال الله تعالى:(سَخَّرَها عَليهِم سَبْعَ لَيال وَثَمانيةَ أيّام)1 وقال: (اَلتَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ) 2 ثم قال في الثامن: (وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ)3 وقال: (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ)4 وقال: (ثَيِّبَات وَأَبْكَارًا)5.6
ثمّ إنّ لابن هشام بحثاً وافياً حول «واو» الثمانية في «مغني اللبيب» فمن أراد فليرجع إليه، ولكن الذي نريد أن نركّز عليه هنا: أنّ «الواو» في قوله: (وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) ليست من تلك المقولة، وإنّما هي واو الحال، وبغير ذلك لم تُفد الغرض المطلوب، فإنّ الغرض من هذه الجملة هو إفادة أنّ أبواب الجنّة كانت مفتوحة من ذي قبل، أي قبل أن يصل المتقون إلى أبوابها، ولو قيل: (فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)مع حذف الواو لما أفادت المعنى المقصود.

1 . الحاقّة: 7 .
2 . التوبة: 112 .
3 . التوبة: 112.
4 . الكهف: 22.
5 . التحريم: 5 .
6 . تفسير القرطبي:15/285.

صفحه 170

في فضل الجهاد والمجاهدين

روى الشيخ الطوسي بسنده عن الإمام محمد بن علي الباقر(عليهما السلام)قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «للجنّة باب يقال له باب المجاهدين يمضون إليه، فإذا هو مفتوح وهم متقلِّدون بسيوفهم، والجمع في الموقف، والملائكة تزجر، فمن ترك الجهاد ألبسه الله ذُلاًّ وفقراً في معيشته ومَحْقاً في دينه. إنّ الله أعزّ أُمّتي بسنابك خيلها ومراكز رماحها».1
وممّا يؤيد هذه الرواية قول الإمام علي(عليه السلام)، في «نهج البلاغة»: «فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ. وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوى، وَدِرْعُ اللهِ الْحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ الْبَلاَءُ، وَدُيِّثَ بِالصِّغَارِ وَالْقَمَاءَةِ».2
74. (وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) :
ولمّا كان أداء الشكر للنعمة أمراً مطلوباً يحكم به العقل، نرى أنّ أهل الجنّة عندما حلّوا فيها أظهروا الشكر أداءً لحقه وقالوا: (الْحَمْدُ للهِ الذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ)، والمراد بالوعد ما تكرّر في آيات القرآن من وعد المتّقين بالجنّة، قال تعالى: (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ)3، وقال: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ).(4)

1 . تهذيب الأحكام: 6 / 123 ح 8، باب فضل الجهاد وفروضه ; تفسير نور الثقلين:4/506.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 27.
3 . آل عمران: 15 .   4 . القلم:34.

صفحه 171
ويحتمل أن يكون المراد من الوعد ما وعد الله سبحانه عباده الخاصّين بالجنة حيث قال: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). 1
وعلى هذا يكون قوله: (وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ ): أي أرض الجنّة، تفسيراً لقوله: (صَدَقَنَا وَعْدَهُ).
وأمّا كيفية وراثتهم فليس على نحو المشاع حتى يتوقّف تصرّف أحد الورثة على إذن الآخر، بل على وجه المتّسع، كما قال: (نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ).
لكنّ هذه النعم إنّما أُفيضت عليهم لكونهم عاملين للصالحات، عاملين بأحكام الله في الحياة الدنيا، كما قال: (فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ).
75. (وَتَرى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ):
بعد أن تمّ بيان مصير الكافرين والمتّقين وكيفية القضاء بينهم بالكتاب والشهداء، وكون الناس على صنفين: مسوقاً إلى جهنم ومسوقاً إلى الجنّة، أشار سبحانه في هذه الآية إلى عظمته بعد فناء الدنيا، وبعد الفراغ من حساب الناس، وتحديد مصيرهم، يقول:(وَتَرى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ)فعرشه سبحانه هو المقرّ الذي تصدر منه الأوامر الإلهية التي يدبّر بها الوجود، فالملائكة يحفّون بالعرش مطيفين

1 . المؤمنون: 10 ـ 11.

صفحه 172
به دائرين حوله مستعدّين لسماع أوامره ونواهيه فيما يرجع إلى التدبير، وهم ينزّهون الله سبحانه ويحمدونه، وعند ذلك يُختم الموقف: (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ).
ولعلّ المراد من القضاء بينهم هو القضاء بين الناس من حين قيامهم من النفخة الثانية إلى وقت حلول أهل الطاعة في الجنّة وأهل المعصية في النار، فكأنّه سبحانه يؤكّد بالنتيجة على أنّ مجموع ما سبق قضاء بالحق، الّذي لا يشوبه ظلم.
وعلى هذا، فالفرق بين هذا القضاء، وبين القضاء الّذي تقدّم ذكره في الآية التاسعة والستين: (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ)، هو أنّ القضاء المتقدّم راجع إلى بعض القضايا، وهذا يرجع إلى المجموع.1
(وَقِيلَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، الظاهر أنّ القائل هم المتّقون، لقوله تعالى في صفة أهل الجنّة: (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).2
***
تمّ تفسير سورة الزمر

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن: 17 / 299 .
2 . يونس:10.

صفحه 173
 

سورة غافر

(حَم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ * مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلاَدِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّة بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ * وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْن الَّتي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ

صفحه 174
الْعَظِيمُ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوج مِنْ سَبِيل * ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ للهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ * فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيم وَلاَ شَفِيع يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ * وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْء إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاق * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ

صفحه 175
قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَان مُبِين * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَل * وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُوني أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ * وَقَالَ مُوسَى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّر لاَ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ * وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ * وَقَالَ الّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوح وَعَاد وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِم وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ

صفحه 176
يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ * الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبَّار * وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَاب * وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب * وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَني إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَني لأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلاَ فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْري إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ * وَإِذْ

صفحه 177
يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ * وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَل * إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ * هُدًى وَذِكْرى لأُولِي الأَلْبَابِ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ * إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلاَ الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ * إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ * اللهُ الَّذِي جَعَلَ

صفحه 178
لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ * ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْء لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ * كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ * اللهُ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * هُوَ الْحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * قُلْ إنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمَّا جَاءَنيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ أَنّى يُصْرَفُونَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكَافِرِينَ * ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ

صفحه 179
تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ * ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَة إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ * اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ * وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللهِ تُنْكِرُونَ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ الَّتي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ).

صفحه 180

خصائص السورة خصائص السورة

تسمية السورة

لهذه السورة، في المصاحف، تسميتان مشهورتان:
الأُولى: سورة «غافر» لورود هذا اللفظ في الآية الثالثة منها.
والثانية: سورة «المؤمن» لورود قصة مؤمن آل فرعون فيها على وجه التفصيل.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آيات السورة خمس وثمانون في عدّ الكوفي، وأربع وثمانون في عدّ الحجازي، واثنتان وثمانون في عدّ البصري. وقد ذكر في «مجمع البيان» وجه اختلافهم في العدّ.1
والسورة مكيّة وتدلّ على ذلك مضامينها وسياق آياتها.
وربّما يقال بأنّ قوله سبحانه: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ)2مدني، لأنّها نزلت في فرض الصلوات الخمس وأوقاتها.
وهو ضعيف، لأنّ الصلوات الخمس فرضت بمكّة، كما هو محرّر في محلّه.

1 . مجمع البيان: 8 / 465.
2 . غافر:55.

صفحه 181
وهذه السورة هي أوّل سور (آل حم)، أعني: السور السبع الّتي استفتحت بـ «حم». يقول الكميت:
قرأنا لكم في آل حاميم آيةٌ *** تأوَّلها منّا تقيٌّ ومُعرِبُ
يعني قوله سبحانه: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)1.
وربّما يطلق مكان «آل حم» لفظة الحواميم، كما يطلق على السور المفتتحة بكلمة «طس» أو «طسم»: طواسين.
وهل هذا النوع من الجمع مطابق للقواعد، أو لا؟ فيه كلام، يُطلب من مظانّه.

أغراض السورة

تمتاز هذه السورة عن سائر السور بأنّها تتحدّث عن موقف مؤمن آل فرعون، وهو مشهد من مشاهد قصة موسى (عليه السلام)، ولم تتحدّث عنه سوى هذه السورة. وفي قصته عبر ونكات حيث استطاع رجل مؤمن أن يحتل في بلاط فرعون مكانة مرموقة، وأن يحافظ على دينه، ويدافع عن نبيّ زمانه موسى (عليه السلام)ويحميه ـ بمشيئة الله تعالى ـ من سطوة الطاغية. ولعلّ القصّة تشير إلى وجود بعض المسلمين ممّن آمن برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وفي نفس الوقت حافظ على علاقاته مع المشركين، وما هذا إلاّ لدفع الضرر عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه.

1 . الشورى: 23.

صفحه 182
وعلى رأس هؤلاء أبو طالب رضوان الله تعالى عليه، عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، الّذي كان موقفه شبيهاً بموقف مؤمن آل فرعون. ومع قطع النظر عن هذه القصّة فالسورة افتتحت بذكر صفات الله تعالى المتردّدة بين الإنذار والبشارة، والشدّة والرحمة، وعلى هذا المنوال سيقت الآيات إلى آخر السورة.

الآيات: الست الأُولى

(حَم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ * مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلاَدِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّة بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ * وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ) .

المفردات سورة غافر: الآيات 1ـ6

ذي الطَّوْل: ذي النِّعم على عباده.
يجادل: الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، والمراد في المقام: شدّة اللَّدد في الخصومة.
تقلُّبهم في البلاد: تصرُّفهم فيها. وهو كناية عن التنعّم والاستمتاع في حياتهم.

صفحه 183
الأحزاب: الجماعات الذين تحزّبوا واجتمعوا على أمر واحد. وهو في المقام معاداة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
همّت: عزمت.
ليأخذوه: أي ليقتلوه ويعذِّبوه.
ليُدحضوا: ليُزيلوا.
حقَّتْ: وجَبتْ.
كلمة ربك: (أُريد بها هنا): حكمه بالإهلاك.

التفسير

1. (حَم):
ابتدأ سبحانه كلامه في عدّة من السور، بحروف مقطّعة، كما ابتدأ في المقام بـ «حم» وقد اختلفت كلمة المفسّرين في تفسيرها والذي يمكن أن يقال: إنّ في الابتداء بها إشارة إلى أنَ القرآن مؤلّف من هذه الحروف، فإن كنتم تزعمون أنّه من صنع نبيّنا وأنّه قام بتأليفه، فليقم منكم جماعة عارفون بأساليب اللغة العربية ونكاتها فليأت بسورة من سور القرآن الكريم، قال سبحانه: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ)1 .
وسيوافيك تفصيل ذلك عند تفسير سورة (الأحقاف)، فانتظر.
نعم هناك أقوال أُخرى لم تُدعم بدليل، وما ذكرناه تؤيّده الآيات

1 . البقرة: 23.

صفحه 184
الواردة بعد هذه الحروف، حيث جاء في أكثرها، ذكر الكتاب العزيز تصريحاً أو تلويحاً.
وهناك احتمال آخر وهو أن تكون هذه الحروف رمزاً لأسمائه سبحانه، وقد ورد في كتب المغازي أنّه كان شعار المسلمين في بعض الغزوات، قولهم: «حم، لا ينصرون».1
2. (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ):
قوله: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ)مصدر من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الكتاب المنزل (مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)وقد جاء هذا التعبير في صدر ثلاث سور أُخرى، وهي: الزمر، والجاثية، والأحقاف، لكن باختلاف في آخر الآية، ففي المقام: (الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) وفي تلك السور: (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ).
ثم إنّ تقييد التنزيل بقوله: (مِنَ اللهِ )للردّ على المشركين الذين كانوا يزعمون أنّ القرآن كذب اختلقه محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)بمعاونة آخرين، ونسبه إلى الوحي، إلى غير ذلك من المزاعم الواهية.
ثم إنّه سبحانه وصف نفسه جلّ شأنه بوصفين:
1. (الْعَزِيزِ).
2. (الْعَلِيمِ).
وأمّا ما هو وجه تخصيصهما بالذكر في الآية، فنقول: إنّ السورة لمّا كانت تتكلّم حول جحد الجاحدين، كما يقول: (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللهِ إِلاَّ

1 . المغازي للواقدي: 1 / 8 ; السيرة النبوية: 2 / 226 ; تاريخ القرآن للزنجاني: 73 .

صفحه 185
الَّذِينَ كَفَرُوا) ومجادلتهم في آيات الله بالباطل جهلاً وهم يحسبونه علماً ويعتزّون به، كما حكى ذلك عنهم في خاتمة السورة بقوله: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) فعندئذ وصف سبحانه نفسه بأنّه عزيز لا يُغلب، فلا يخاف من استعلائهم واستكبارهم. كما أنّ وصْف : (الْعَلِيمِ) يرشد إلى أنّ كلامه سبحانه لا يداخله جهل، بخلاف ما يدّعون من العلم فإنّه جهل محض.1
وحاصل الكلام: أنّ المجادل ـ كما سيأتي في الآية التالية ـ يتكلّم بمنطق الاستعلاء والاستكبار وكأنّه عزيز لا يُغلَب، كما أنّه يدّعي لنفسه العلم بما يجادل كما في آخر السورة، فالله سبحانه يقابله بقوله: (الْعَزِيزِ): أي الغالب الّذي لا يغلب، المنيع بقدرته وسلطانه، (الْعَلِيمِ) الّذي لا يشوب علمَه جهل، ومن ثمّ يتراءى المجادل على حقيقته مقهــوراً مغلـوباً جاهلاً.
3. (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ):
أردف سبحانه الوصفين المتقدّمين في الآية السابقة بصفات أربع:
1. (غَافِرِ الذَّنْبِ).
2. (قَابِلِ التَّوْبِ).
3. (شَدِيدِ الْعِقَابِ).
4. (ذِي الطَّوْلِ).

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن: 17 / 303 .

صفحه 186
ثم ختم الآية بقوله: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ).
وممّا يلفت النظر أنّه عطف الوصف الثاني على الأوّل، دون أن يعطف الرابع على الثالث، وسيوافيك وجهه.
بدأ سبحانه بذكر كونه غافراً للذنوب، وقابلاً للتوبة، لإقرار مبدأ الترغيب في خطابه وأُسلوبه، وذكر اسم الفاعل بدل أن يذكر الفعل (أي لم يقل: يغفر الذنب) للإشارة إلى أنّ من شأنه الغفران في كلّ آن، فلا يزال سبحانه يغفر ذنوب عباده ويقبل توبتهم.
وإنّما عطف الثاني على الأوّل لأنّ الوصفين كليهما شيء واحد، فقبول التوبة يوجد أرضية صالحة لغفران الذنوب، وإنّما قدّم الغفران لترغيب عباده.
وأمّا الثالث ـ أعني: (شَدِيدِ الْعِقَابِ) ـ : فهو ترهيب بعد الترغيب، وهذه هي سنّة الله سبحانه في الجمع بين الترغيب والترهيب، فإنّ الترغيب مجرّداً عن الترهيب يبعث على التقصير والإهمال، والترخّص في حدود الله تعالى، كما أنّ الترهيب مجرّداً عن الترغيب يورث اليأس والقنوط، ويغلق أبواب الرجاء أمام العصاة، الراغبين في استصلاح أنفسهم.
وقد جمع سبحانه في المقام بين الأمرين، وهو الطريق الوسط لكي لا ييأس العبد من رحمة الله، ولا يعتمد على مغفرة الله وعفوه، فيترك الطاعات. وبهذا يعيش المؤمن، وهو بين الرغبة والرهبة، التوازنَ في شعوره وفي حركته وعمله، ومن هنا قال الإمام أبو عبدالله الصادق (عليه السلام): «ارجُ الله رجاءً لا يُجرِّئك على معاصيه، وخفِ الله خوفاً لا يؤيسك من

صفحه 187
رحمته»1.
وأمّا الرابع ـ أعني: (ذِي الطَّوْلِ): أي ذي التفضّل على المؤمنين، قال الطبرسي: إنّما ذكر (ذِي الطَّوْلِ)عقب قوله: (شَدِيدِ الْعِقَابِ) ليعلم أنّ هلاك العاصي من قبل نفسه وإلاّ فنعمه سابغة عليه ديناً ودنياً،2 (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ): أي لا مدبّر في الكون إلاّ هو، ولا مستحقّ للعبادة إلاّ هو (إِلَيْهِ الْمَصِيرُ): أي المرجع، فيواجه كلٌّ نتائج عمله يوم العرض عليه تعالى .
وكأنّ هذه الصفات الأربع الّتي وصف بها سبحانه نفسه أساس دعوة الأنبياء والأولياء، فالموحِّد من الناس القائم بالطاعات، يتظلّل بالوصفين الأوّلين : (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ)فيكون من السعداء، وأمّا المشرك والعاصي وغير المحسن من المؤمنين فسيجد الله بهذا الوصف: (شَدِيدِ الْعِقَابِ)، ومع ذلك فالله سبحانه (ذِي الطَّوْلِ): أي صاحب النعم الوسيعة، وإنّما العبد العاصي هو الذي يحرم نفسه منها، فالقصور من القابل لا من المفيض.
4. (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلاَدِ) :
كان المشركون يخاصمون في القرآن بالطعن فيه، فتارة يصفونه بالسحر، وأُخرى بالشعر، وثالثة بأساطير الأُوّلين، ورابعة بالكهانة، وكلّها رجماً بالغيب، والله سبحانه يقول في حقّهم: (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللهِ): أي

1 . الأمالي للصدوق: 65، ح 5، المجلس الرابع.
2 . مجمع البيان: 8 / 468 .

صفحه 188
في القرآن (إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)ورسخ الكفر في قلوبهم بحيث لا يرجى زواله، فهؤلاء هم الذين يخاصمون في القرآن ويجادلون فيه، ولو تراهم متنعّمين في حياتهم سالمين، فلا يغرّنّك ما تشاهد من حالهم هذا، كما قال: (فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلاَدِ) فالله سبحانه يُمهلهم ولا يُهملهم، ولا يفوتونه، وسوف يؤاخذهم بما ظلموا. وقد جاء هذا المعنى في قوله تعالى: (لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)1.
5. (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّة بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ) :
بعد أن نهى الله سبحانه نبيّه الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، في الآية السابقة، عن الاغترار بتنعّم الكفّار وسلامتهم، ذكّره أنّ ذلك ليس أمراً ثابتاً بل سوف تُسلب عنهم هذه النعم، كما سُلبت عمّن سبقوهم من الأقوام الماضين، الذين واجهوا أنبياءهم، بمثل ما واجهك به قومك، بالتكذيب والجدال بالباطل، وأرادوا بهم السوء ، بَيْد أنّنا أهلكناهم جميعاً، كما قال: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ): أي قبل مشركي عصر الرسالة (قَوْمُ نُوح وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ)كعاد وثمود، وأصحاب الأيكة، وقوم فرعون، فكلّ منهم كان حزباً يشارك غيره في الاعتقاد أو العمل (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّة بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ): أي قصدت كلّ

1 . آل عمران: 196 ـ 197 .

صفحه 189
أُمّة أن ينالوا رسولهم بسوء، من القتل وغيره (وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ): أي وخاصموهم بشيء باطل، كقولهم ما أنتم إلاّ بشر مثلنا (لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ): أي يبطلوا به الحق ويزيلوه (فَأَخَذْتُهُمْ)بالعقاب وأهلكتهم (فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ): أي انظر إلى عقابي لهم.
ويظهر من الآية أنّ الهمّ بالرسول كان أمراً رائجاً في الأُمم السابقة، وأنّ كلّ أُمّة كانت بصدد إيذاء الرسول أو قتله وإهلاكه، ويدلّ عليه قوله سبحانه في قوم ثمود حيث تآمروا على نبيّهم صالح (عليه السلام)وهمّوا بقتله كما قال عزّ وجلّ: (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)1 .
وتوضيح هذه الآية هو أنّهم (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ): أي قالوا فيما بينهم: احلفوا بالله (لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ): أي لنطرقنّهم ليلاً ونقتلهم جميعاً (ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ): أي لذوي رحم صالح، إذا سُئلنا عن صالح وأهله: (مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ): أي ما قتلناهم، وما ندري مَن قتلهم ومن أهلكهم؟ (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)في هذا القول، وكان هذا مكراً مكروه والله سبحانه كشف مكرهم وأبطله.
وليس التآمر على قتل صالح (عليه السلام)أمراً مختصّاً به، بل أيضاً تآمروا على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في دار الندوة، بأحد الأُمور الثلاثة كما يقول سبحانه: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ)2. وهكذا كان مصير كلّ مصلح يريد تغيير الأوضاع الفاسدة في المجتمع، حيث كان الطغاة المترفون والأشرار المفسدون يفعلون في حقّه ما ذكره سبحانه في هذه

1 . النمل: 49 .
2 . الأنفال: 30 .

صفحه 190
الآية، وهو:
1. المجادلة بالباطل لدحض الحق.
2. إرادة السوء به كإخراجه أو التآمر على قتله.
كلّ ذلك يدلّ على جهلهم وعنادهم واستكبارهم، والآية نوع تطييب لنفس النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)حتى لا يحزنه تقلُّب هؤلاء في الأرض، وكأنّهم باقون على حالتهم تلك، فإنّ الحكم السائد فيهم هو أنّ الله يُمْهِل ولا يُهْمِل.
6. (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ) :
الآية تأكيد لما ورد في الآية السابقة وبيان لمصير الكفّار، فقوله: (وَكَذَلِكَ): أي كما حلّ عذاب الاستئصال بالأقوام المكذّبة لأنبيائهم (حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ)والمراد بها العذاب (عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا)ومنهم قومك ـ الذين كانوا كالأُمم السابقة في المجادلة بالباطل لإزالة الحقّ وفي التنكيل بالرسول ـ فسوف يكون مصيرهم (أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ): أي أنّهم لا ينفكّون عن النار وسوف يدخلونها.

الآيات: السابعة إلى الثانية عشرةسورة غافر: الآيات 7ـ12

(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنِ التي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ

صفحه 191
صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوج مِنْ سَبِيل * ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالحُكْمُ للهِ العليِّ الكَبيرِ) .

المفردات

العرش: السرير الذي يجلس عليه المَلِك لتدبير أُمور البلاد، وكنِّي به عن أحد الأمرين، كما سيوافيك.
قِهِم: قِ: فعل أمر من وقى يقي، أي احفظهم.
السيّئات: الجزاء المترتّب على السيّئة. وأُطلق السبب وأُريد به المسبَّب.
مقت: المقت: أشد البغض.

التفسير

لمّا تقدّم أنّ المجادلين في آيات الله بالباطل والمتآمرين على أنبياء الله كلّهم من أصحاب النار، ذكر سبحانه أنّه إذا كان هذا مصير المكذّبين فليُعلم أنّ المؤمنين بفضل إيمانهم وعملهم بالشريعة، سوف يصلون إلى

صفحه 192
مرتبة يستغفر لهم معها حملة العرش ومن حوله، فانظرْ كم هو الفرق بين مصير هاتين الطائفتين، قال سبحانه:
7. (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ):
فالموصول ـ أعني: (الَّذِينَ) ـ مبتدأ، والجملة ليست وصفاً لما سبقها، لبطلان الوصل، ولذلك يُعدّ المقام من الوقف اللازم (يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ)وهناك أمران يجب إيضاحهما بشكل موجز:
1. ما هو المراد بالعرش؟
2. مَن هم حملة العرش والحافّون به؟

أمّا الأوّل ـ أعني المراد بالعرش ـ  فنوضحّه بالبيان التالي:

لقد ورد لفظ العرش في القرآن المجيد (22) مرّة، وأُضيف إليه الربّ ست مرّات، إنّما الكلام في المراد بالعرش، حتى تتعرّف بعده على حملته والحافّين به.
أقول: هناك أقوال:
1. أنّ لله سبحانه عرشاً كعروش الملوك يستقر عليه ويدبّر العالم منه. وهذا هو قول الحشوية من أصحاب الحديث، ومَن يدّعون اتّباع السلف، وعلى رأسهم ابن تيمية.

صفحه 193
يقول الرحالة المعروف ابن بطوطة: وكان بدمشق من كبار فقهاء الحنابلة «تقي الدين ابن تيمية» كبير الشام يتكلّم في فنون، إلاّ أنّ في عقله شيئاً.. فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: (إنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا)، ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامّة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً حتى سقطت عمامته..1.
وهذا المعنى مردود عقلاً ونقلاً، وقد فصّلنا الكلام فيه وفي سائر كلماته الّتي تدلّ على التجسيم والتشبيه، عند مناقشتنا له في كتابنا «ابن تيمية فكراً ومنهجاً» 2.
2. العرش هو الفلك التاسع أو فلك الأفلاك الذي هو محدّد الجهات، وهو الظاهر عن المحقّق الداماد، نقله عنه المجلسي في «بحار الأنوار».3
3. أنّ العرش عبارة عن عالم الوجود وصحيفة الكون، وأنّ استيلاء الله عليه عبارة عن قيامه بتدبير أُموره تشبيهاً بعرش الملوك إذا جلسوا على عروشهم واستقرّوا عليها وحولهم الوزراء والعمال، فعندئذ يأخذون بتدبير أُمور الرعية وإصدار الأوامر والنواهي، وشبّهت صحيفة الوجود بعرش الملوك، وتدبيره سبحانه للعالم الإمكاني أشبه باستيلاء الملوك على

1 . الرحلة لابن بطوطة: 112، طبع دار الكتب العلمية. وانظر: الدرر الكامنة لابن حجر: 1 / 154، الترجمة 409 .
2 . ابن تيمية فكراً ومنهجاً: 47 ـ 99 .
3 . بحار الأنوار: 58 / 5 .

صفحه 194
عروشهم، وعلى هذا فليس للعرش واقعية سوى الوجود الإمكاني كلّه، كما أنّه ليس للاستيلاء حقيقة إلاّ كون التدبير بيده.
ويمكن تقريب هذا المعنى بنحو آخر وهو: أنّ للعرش حقيقة تكوينية كما أنّ للاستيلاء حقيقة كذلك، غير أنّه ليس شيئاً خاصّاً سوى مجموع الكون وصحيفة الوجود فهو عرشه سبحانه، فالعالم بمجرّده ومادّيه وظاهره وباطنه، عرشه، وعليه تدبيره، ويكون عطف (رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)على قوله: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ)1 من باب عطف العام على الخاص، فالله سبحانه مستول على ما خلق استيلاء حقيقياً ولا يحتاج في إدارة الكون وتدبيره إلى غيره، فلو كان هناك نظام الأسباب والمسبّبات والعلل والمعلولات فهو من جنوده في عالم الكون، قال سبحانه: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ)2، وقال تعالى: (وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)3.
وللسيد الطباطبائي رأي آخر في تفسير العرش، من أراد التعرف عليه فليرجع إلى ما كتب .4 هذا كلّه حول العرش .
وسيوافيك توضيح أكثر حول كلمة العرش خلال تفسيرنا لسورة الحاقة، أعني قوله تعالى فيها: (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذ ثَمَانِيَةٌ)5.

1 . المؤمنون: 86 .
2 . المدثر: 31.
3 . الفتح: 4.
4 . الميزان في تفسير القرآن: 14 / 139 ـ 140 .
5 . الحاقة: 17 .

صفحه 195

وأمّا الثاني ـ أعني مَن هم حملة العرش والحافّون به ـ فنقول فيه:

الظاهر أنَ حملة العرش هم من الملائكة، وإن لم يصرّح بها، قال سبحانه: (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذ ثَمَانِيَةٌ)1.
وأمّا الحافّون به فهم أيضاً من الملائكة لصريح قوله: (وَتَرى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ)2.
إنّما الكلام فيما هو المراد بحمل العرش ؟
أقول: المراد به تدبيرهم أمر العالم بتوكيل وأمر من الله تعالى، قال سبحانه: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا)3 فإذا كان العرش محلاًّ للتدبير فحملته حملة التدبير، كلّهم بإذن من الله سبحانه. ثم إنّ حملة العرش وراء كونهم موكلين من الله سبحانه بتدبير العالم يشاركون مع من حوله بالتسبيح والتحميد والاستغفار للمؤمنين.
والله سبحانه يصف هؤلاء الملائكة بأوصاف هي:
الأوّل: (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ): أي ينزّهونه عن كلّ قبيح مع وصفه بكل محمدة، فتسبيحهم مقرون بالحمد، والتسبيح والحمد إشارتان إلى الأوصاف السلبية والثبوتية.
الثاني: (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ): أي إيماناً بتوحيده، يوحّدونه في تدبير العالم، خلافاً للمشركين الذين يقولون بالشرك في التدبير، ولعلّ قوله: (يُؤْمِنُونَ

1 . الحاقّة: 17 .
2 . الزمر: 75 .
3 . النازعات: 5 .

صفحه 196
بِهِ) ردّ على المشركين حيث يعدّون الملائكة المقربين، شركاء لله في ربوبيته فيتّخذونهم أرباباً.
الثالث: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا)وهذا يدلّ على أنّ المؤمن ينتفع بدعاء الآخرين له، سواء أكان إنساناً أو ملكاً .
الرابع: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَعِلْمًا)وكأنّ هذه الفقرة بيان لكيفية استغفارهم الذي تقدّم في قوله: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا)فبدأوا كلامهم بالتوسّل بأحد أسمائه وهو الربّ وأضافوه إلى أنفسهم، فقالوا: (رَبَّنَا) ثم أثنوا عليه بالرحمة والعلم وقالوا: (وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَعِلْمًا)وفي خطابهم بقولهم: (رَبَّنَا)طلب التلطّف بعباده حيث يخاطبون الله سبحانه بأنّه ربّهم وصاحبهم، والصاحب أَولى بالشيء من غيره في رفع حاجاته. ثم إنّهم ذكروا وصفَي الرحمة والعلم، وما ذلك إلاّ لأنّه سبحانه بعلمه يعرف حاجات العباد وبرحمته ينعم عليهم، وإنّما قدّم ذكر الرحمة على العلم مع أنّها مترتّبة عليه لأجل إظهار الشوق للرحمة، وفي هذه الفقرة نوع تأديب للعباد وتعليم لكيفية الدعاء وهو أنّه يجب أن يقدِّموا قبل طلبهم، التوسّل بأحد أسمائه الحسنى وصفاته العليا، ثم يذكروا ما يطلبون.
قال الشريف الرضي، حول الآية: ]وفيها[ استعارة، لأنّ حقيقة السعة إنّما توصف بها الأوعية والظروف، التي لها أجسام ولها أقدار ومساحات، والله سبحانه يتعالى عن ذلك، والمراد ـ والله أعلم ـ أنّ رحمتك وعلمك وسعا كلّ شيء، فنقل الفعل إلى الموصوف على جهة المبالغة، كقولهم: طبتُ بهذا الأمر نفساً، وضقتُ بهذا ذرعاً، أي طابت نفسي، وضاق ذَرعي، وجعل العلم موضع المعلوم، كما جاء قوله سبحانه: (وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء

صفحه 197
مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ )1: أي بشيء من معلومه .2
إلى هنا اتّضح أنّ هذه الفقرة جاءت كمقدّمة لدعائهم للمؤمنين الذي يشتمل على الأُمور الأربعة التالية:
أ. (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا)ورجعوا إليك عن الشرك في التدبير والعبادة (وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ): أي الشريعة التي نزّلت إليهم، فامتثلوا الفرائض بالإتيان، واجتنبوا المناهي بالترك.
ب. (وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)والوقاية من عذابها تتحقّق بغفران الذنوب، وإنّما تكرّر ذكر ذلك لأنّ دلالة الأوّل على طلب الوقاية من العذاب بالدلالة الالتزامية، ودلالة هذه الفقرة بالدلالة المطابقية.
8 ـ ج. (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْن الّتي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) :
أعاد الملائكة النداء وقالوا: (رَبَّنَا)دلالة على زيادة التضرع، وقد طلبوا في الآية السابقة وقاية المؤمنين من العذاب، وفي هذه الآية طلبوا إدخالهم جنّات الخلود كما قال: (وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنِ)ثم وصفوها بقوله: (التي وَعَدْتَهُمْ)ومعنى ذلك هو طلب الوفاء بالوعد، وأمّا أنّه سبحانه أين وعد بدخول هؤلاء الجنّة، فلعله ناظر إلى قوله تعالى: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ)3. ثم إنّ الملائكة

1 . البقرة: 255 .
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 241 .
3 . آل عمران: 194 .

صفحه 198
لم يكتفوا بطلب دخول المؤمنين الجنّات بل أردفوه بقولهم: (وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ)فألحقوا بالمؤمنين الطوائف الثلاث وهم: العمودان والأولاد والأزواج، فالفقرة تقسم من تشملهم رحمة الله تعالى وغفرانه إلى طائفتين:
الطائفة الأُولى: المؤمنون.
الطائفة الثانية: التابعون لهم.
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الطائفة الأُولى هم الكاملون في الإيمان والعمل، والذي يحكي عنه قولهم: (لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ)، وأمّا الطائفة الثانية فهم دونهم في الإيمان والعمل، ولكنّهم لانتسابهم إلى الطائفة الأُولى تشملهم رحمة الله والوقاية من عذاب الجحيم، ومن ثمّ يفوزون بالجنّة.
وقد أُشير إلى هاتين الطائفتين في موضع آخر، أعني قوله تعالى في سورة الطور: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْء)1 غير أنّ دلالة آيتنا في المقام أوسع حيث تشمل ـ مضافاً إلى الذرّية ـ الآباء والأزواج أيضاً، بخلاف آية سورة الطور فإنّها تختص بالذرّية.
ثم إنّ الملائكة خاطبوا الله سبحانه بقولهم: (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)مع أنّ الظاهر في بادئ النظر أن يقال: «إنّك أنت الغفور الرحيم» وما شابه، فما وجه ذلك؟

1 . الطور: 21.

صفحه 199
لعلّ الوجه في ذلك هو أنّ العزيز عبارة عمّن لا يُغلب، فهو سبحانه مختار يعطي مَن يشاء ويمنع مَن يشاء، وهذا هو مقتضى كونه سبحانه عزيزاً، ولكنّه في الوقت نفسه حكيم، ومقتضى الحكمة هو معاملة المحسن بالإحسان، ولازم ذلك شمول رحمتك لهم وذلك بإدخال الجميع جنات الخلود.
وإلى ما ذكرنا يشير صاحب الكشّاف ويقول: (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): أي الملك الذي لا يُغلَب، وأنت مع مُلكك وعزّتك لا تفعل شيئاً إلاّ بداعي الحكمة، وموجب حكمتك أن تفي بوعدك .1
9 ـ د. (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ):
هذا هو الدعاء الرابع، والمراد بالسيئات هو العقوبات، ذكر السبب وأراد المسبَّب، ويمكن أن يقال بتقدير لفظة الجزاء أي: جزاء السيئات، فعلى هذا يقع الكلام في ما هو الوجه في تكرار هذا الدعاء، لأنّه سبحانه لمّا وسعتهم رحمته فغفر لهم فقد وقاهم السيئات بمعنى العقوبات أو جنّبهم جزاء السيئات. وقد حاول المراغي أن يرفع التكرار، فقال: ثم عمّموا في الدعاء لهم بأن يمنع عنهم العقوبات الدنيوية والأُخروية فقالوا: (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ) 2. وفيه أنّ التعميم هنا مخالف لظاهر الآية لقوله: (وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذ فَقَدْ رَحِمْتَهُ)، فالظرف (يَوْمَئِذ)يُراد به يوم القيامة، ومعه

1 . تفسير الكشّاف:3/417، طبع مصر ـ 1385هـ .
2 . تفسير المراغي: 24 / 48 .

صفحه 200
لا معنى لوقايتهم من العقوبات الدنيوية.
ويمكن أن يقال: إنّ ما سبق من الآيات يركّز على مغفرة الذنوب ورفع العقاب لا كلّ مكروه قد يتعرض له الإنسان يوم القيامة، فلعلّ التكرار لغاية التعميم، بمعنى أنّه لا يلمّ بهم ما يزعجهم. وعلى هذا فالمؤمنون في بحبوحات الجنّات لا تصيبهم عقوبة ولا شيء يزعجهم، بل هم في كمال الفرح والسرور من عامّة الجهات (وَذَلِكَ): أي كونهم في جنّات النعيم (هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ): وأيّ ظَفَر أعظم منه، و (قَدْ أُمِنَ الْعَذَابُ، وَانْقَطَعَ الْعِتَابُ; وَزُحْزِحُوا عَنِ النَّارِ، وَاطْمَأَنَّتْ بِهِمُ الدَّارُ، وَرَضُوا الْمَثْوَى وَالْقَرَارَ)1؟
10. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ) :
ممّا تعارف عليه الناس أنّهم إذا ركبوا شيئاً بجهالة ونزولاً لرغبات النفس وطاعة للهوى، ثم انتبهوا ورأوا بأُمّ أعينهم فساد ما ارتكبوه وضرر ما اقترفوه، صاروا يلومون أنفسهم ويبغضونها، ومثال ذلك أنّه سبحانه يحكي عمّن كان يحاكم إبراهيم (عليه السلام)بعد كسره لأصنامهم، حيث سألوه: (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِألِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ)2، فأجابهم (عليه السلام) : (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ)3 فنزل جواب إبراهيم (عليه السلام)هذا على رؤوسهم كالصاعقة وتنبّهوا إلى أنّهم يعبدون شيئاً لا ينطق، ولم يجدوا بُدّاً من الاعتراف بفساد

1 . نهج البلاغة: الخطبة 190 .
2 . الأنبياء: 62 .
3 . الأنبياء: 63 .

صفحه 201
عقولهم كما قال: (فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ)،1 هذا هو حال كلّ إنسان إذا وقف على المصير السيّئ لما ارتكبه جهلاً، وكأنّ الكفّار يوم القيامة يواجهون هذه الحالة فيمقتون أنفسهم وعند ذاك يوافيهم نداء من الله سبحانه بأنّ مقت الله لكم أكبر من مقتكم لأنفسكم، كما يقول: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ): أي يناديهم الملائكة تبليغاً عن ربّ العزة (لَمَقْتُ اللهِ): أي أُقسم بالله أنّ مقت الله إيّاكم في الدنيا (أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ)اليوم وذلك لأنّكم (تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ)في الدنيا (فَتَكْفُرُونَ)وهذا تعليل لقوله: (لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ)، فقد دعاكم الله سبحانه على لسان رسله إلى الإيمان فأبيتم إلاّ كفوراً. وقريب من هذه الآية قوله سبحانه: (وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتًا )2، وقوله سبحانه: (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا )3 .
11. (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوج مِنْ سَبِيل).
لمّا تقدّم في الآية السابقة أنّ المشركين يُنادَون بهذا النداء: (لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ)، جاءت هذه الآية كأنّها جواب منهم عن النداء الذي نودوا به، فحكى الله مقالتهم على نحو

1 . الأنبياء: 64. لكنّهم ما لبثوا أن تنكّروا لعقولهم ورجعوا إلى سيرتهم الأُولى، كما قال: (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنْطِقُونَ). الأنبياء: 65 .
2 . فاطر: 39 .
3 . الأعراف: 38 .

صفحه 202
أنّهم يعترفون بذنوبهم ليكون اعترافهم كوسيلة لخروجهم من العذاب. ومن تأمّل في الآية يقف على أنّ الغاية من اعترافهم بالإماتتين والإحياءتين هو الاعتراف بالذنوب الّتي اقترفوها حتى يخرجوا من جهنم.
لكن اختلفت كلمة المفسّرين في بيان ما هو المراد بالإماتتين والإحياءتين، وقبل بيان ما هو المتبادر من الآية نلفت نظر القارئ إلى نكتة وهي أنّ هؤلاء يعترفون بالإماتة لا الموت وبالإحياء لا الحياة، فلابدّ أن يركّز التفسير على الفعلين (الإماتة والإحياء) وبذلك يعلم أنّه لا صلة لآيتنا بقوله سبحانه:(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)1، لأنّ هذه الآية تركّز على الموت وتقول أمواتاً، لا على الإماتة كما في آيتنا في المقام، فالخلط بين الآيتين صار سبباً للاشتباه في تفسير الآية.
وإليك بعض آراء المفسّرين في اللفظين:
1. قال الزمخشري: أراد بالإماتتين خلقهم أمواتاً أوّلاً وإماتتهم عند انقضاء آجالهم، وبالإحيائتين: الإحياءة الأُولى وإحياءة البعث، وناهيك تفسيراً لذلك قوله تعالى:(وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ).2
يلاحظ عليه: بأنّ مورد الآية هو الإخبار عن الإماتة، وما ذكره ليس إماتة بل عدم الحياة الذي يعبّر عنه بالموت.
ثمّ إنّ صاحب الكشّاف لمّا وقف على هذا الإشكال أجاب عنه بوجه

1 . البقرة:28.
2 . تفسير الكشّاف:3/336.

صفحه 203
لا طائل تحته، فمن أراد الوقوف عليه فليراجع تفسيره.
وقد تبعه ابن عاشور عند تفسيره الآية في هذا الرأي وقال: المراد بالإحياءتين; الإحياءة الأُولى عند نفخ الروح في الجسد بعد مبدأ تكوينه، والإحياءة الثانية التي تحصل عند البعث، وهذا معنى قوله تعالى: (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).1
ولو صحّ ما ذُكر لكانت الإحياءات ثلاثاً، الأُولى عند نفخ الروح في الجسد، والثانية الإحياء في البرزخ، والثالثة عند البعث.
وأمّا جواب ابن عاشور عن مسألة الحياة في القبر، فغير تامّ، لأنّه أقامه على أساس الاعتقاد بأنّها حياة مؤقتة بمقدار السؤال، واستناداً إلى ذلك قال: قد يُتأوّل سؤال القبر بسؤال روح الميت عند جسده أو بحصول حياة بعض الجسد، ومن ثمّ فهي حياة لا يُعتدّ بها.2
ونحن نقول بأنّ المسألة ليست مسألة حياة مؤقّتة في القبر بمقدار السؤال، وإنّما هناك إحياء في البرزخ، تمتدّ فيه الحياة البرزخية من الموت إلى ما قبل البعث. وهذا الإحياء هو الّذي تحدّثت عنه الآية (كما ترى)، وتحدّثت عنه أيضاً الآيات الأُخرى الدالّة على الحياة البرزخيّة، والتفصيل في كمّها وكيفيتها في محلّه.
2. إنّ الإماتة الأُولى في الدنيا بعد الحياة، والثانية بعد الحياة البرزخية (قبل البعث)، والإحياءة الأُولى في البرزخ، والثانية في الحشر.

1 . التحرير والتنوير:24/159.
2 . التحرير والتنوير: 24 / 159 .

صفحه 204
فإن قلت: لماذا لم يتعرّض للحياة الدنيا إذ معها تكون الإحياءات ثلاثاً.
قلت: قد اعتذر عن ذلك السيد الطباطبائي بقوله: لأنّ مرادهم ذكر الإحياء الذي هو سبب الإيمان بالمعاد، وهو الإحياء في البرزخ ثمّ في القيامة، وأمّا الحياة الدنيوية فإنّها وإن كانت إحياءً لكنّها لا توجب بنفسها يقيناً بالمعاد، فقد كانوا مرتابين في المعاد وهم أحياء في الدنيا.1
ويمكن أن يجاب عنه بأنّ الحياة الدنيوية حياة وليس إحياء، فالمتبادر من الإحياء من كان حيّاً ثمّ مات ثم أُحيي، لا من نُفخت فيه الروح من بدء الأمر.
وبما أنّ هذا القول هو الأقرب فنحن نقتصر على بيانه وبيان ما سبقه، ولا نتعرض لذكر غيرهما. وعلى ذلك فتفسير الآية هو كالتالي:
قوله تعالى: (رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ) في الحياة الدنيا وفي البرزخ، وأمّا في الحياة الدنيا فبقبض الأرواح، وأمّا في البرزخ فعند النفخة الأُولى، قال سبحانه: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ)2، وأمّا قوله:(وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) فالمراد بالأُولى هو الإحياء في البرزخ، وهذه الحياة هي نفس حياة الشهداء، قال سبحانه: (بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)3 ولا تختصّ بالشهداء بل تعمّ رؤوساء الكفر، قال سبحانه

1 . الميزان في تفسير القرآن:17/314.
2 . الزمر:68.
3 . آل عمران:169.

صفحه 205
في مورد الفراعنة:(النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)1. والمراد بالثانية هي الإحياء عند النفخة الثانية كما قال سبحانه:(ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ).2
ثمّ قالوا: (فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا) التي اقترفناها في الدنيا، ولا ذنب أكبر من إنكار البعث. ثم إنّهم جعلوا هذا الاعتراف ضرباً من التوبة التي تسوّغ لهم تمنّي الخروج من النار والخلاص من العذاب، ولذا قالوا:(فَهَلْ إِلَى خُرُوج مِنْ سَبِيل)فهؤلاء ندموا حيث لا ينفع الندم، وكأنّ تنكير (خُرُوج) و (سَبِيل)لأجل طلب أدنى تخلّص لهم، وفي الوقت نفسه تُعدّ العبارة من عبارات اليائس، قال الزمخشري: هذا كلام مَن غلب عليه اليأس والقنوط، وإنّما يقولون ذلك تعلّلاً وتحيّراً.3
ثمّ إنّ قولهم: (فَهَلْ إِلَى خُرُوج مِنْ سَبِيل)ليس هو الطلب الوحيد في المقام بل أنّهم طلبوا الخلاص من العذاب في مرّات أُخرى، قال سبحانه: (أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)4.
وقال (حكاية عنهم): (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ)،5إلى غير ذلك من الآيات.
ثمّ إنّه سبحانه أجابهم في الآية التالية، وقال:

1 . غافر:46.
2 . الزمر:68.
3 . تفسير الكشّاف:3/418، طبع مصر.
4 . الزمر:58.
5 . المؤمنون:107.

صفحه 206
12. (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ للهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ):
الآية تشير إلى سبب انقطاع السُّبُل بهم للخروج، وهو كفرهم وشركهم فقال: (ذَلِكُمْ)وهو مركّب من اسم إشارة وضمير خطاب، فقوله: «ذا» إشارة إلى الحالة التي هم عليها، وضمير«كم» أُريد به المخاطبون (إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ): أي هذه الحالة التي أنتم عليها لأجل أنّه إذا دُعي الله وحده كفرتم وأنكرتم أن تكون العبادة لله تعالى ولكن: ( وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ) في الدعاء والعبادة تؤمنوا، فأنتم كفرتم بتوحيده وآمنتم بالشركاء، فهذا هو سبب ما تلاقونه من العذاب (فَالْحُكْمُ) يوم القيامة حيث حكَم عليكم بالعذاب (للهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ)، وهذان الوصفان يدلاّن على عظمته وكبريائه، وأنّ حكم مثله لا يُنقض ولا يُردّ.
بقي هنا أمران:
الأوّل: إنّ صاحب الكشّاف ذكر أنّ الحرورية أخذوا قولهم: «لا حكم إلاّ لله» من هذه الآية (فَالْحُكْمُ للهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ).1
والعجب أنّه لم يعلّق على كلام الحرورية بشيء، والحال أنّ مورد الآية هو يوم القيامة ولا صلة لها بالحياة الدنيا. نعم قوله سبحانه في سورة يوسف: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ)2، يعمّ الدنيا والآخرة، ولكن كون الحكم لله غير كون الإمرة لله، فالحكم تشريعاً وتكويناً بيد الله سبحانه، وأمّا

1 . انظر: تفسير الكشّاف:3/364.
2 . يوسف:67.

صفحه 207
إجراء الحكم فهو بيد أنبيائه وأوصيائه.
يقول ابن عاشور: وبهذه الآية تمسّك الحرورية يوم حروراء حين تداعى جيش الكوفة وجيش الشام إلى التحكيم، فثارت الحرورية على عليّ بن أبي طالب وقالوا: لا حكم إلاّ لله (جعلوا التعريف للجنس والصيغة للقصر) وحدّقوا إلى هذه الآية وأغضوا عن آيات جمّة، فقال عليّ لما سمعها: «كلمة حق أُريد بها باطل» .1
وكان أبو موسى الأشعري2 قد انخدع بالمكيدة الّتي حاكها عمرو بن العاص، فخلع عليّاً (عليه السلام)عن الخلافة على أن يخلع عمرو بن العاص معاوية عن الحكم، ولكنّ عمرو بن العاص خالف الشرط الّذي اتّفقا عليه، وقال: إنّ هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية فإنّه وليّ عثمان بن عفّان، والطالب بدمه، وأحقّ الناس بمقامه، فقال أبو موسى: ما لك لا وفّقك الله غدرت وفجرت إنّما مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث .
قال عمرو: إنّ مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً .3
وقد علّق الكاتب الشهير عباس العقاد على كلام هذين المُتشاتمَين بالقول: كلب وحمار فيما حكما به على نفسيهما غاضبَين، وهما يقضيان

1 . التحرير والتنوير:24/162.
2 . قال ابن عبدالبّر: وكان ] أبو موسى [ منحرفاً عن عليّ. وقال أيضاً: روي فيه لحذيفة
كلام كرهتُ ذكره، والله يغفر له، الاستيعاب: 4 / 1764، الترجمة 3193، و 3 / 980، الترجمة 1639.
3 . لاحظ: تاريخ الطبري:4/51ـ52.

صفحه 208
على العالم بأسره ليرضى بما قضياه.. وانتهت المأساة بهذه المهزلة، أو انتهت المهزلة بهذه المأساة.1
ثمّ إنّ الإمام علي(عليه السلام) قد بيّن موقفه من شعار المارقين (الخوارج) المتقدّم، حيث قال : «كلمة حق يراد بها باطل! نعم إنّه لا حُكم إلاّ لله، ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلاّ لله، وإنّه لابدّ للناس من أمير بَرٍّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويُبلِّغ الله فيها الأجلَ، ويُجمَع به الفيء، ويُقاتَل به العدو، وتأمن به السُّبُل، ويؤخذ به للضعيف من القويّ، حتى يستريح بَرٌّ، ويُستراح من فاجر».2
الثاني: إنّ الله سبحانه عرّف لنا المشرك بهذه الآية بأوضح تعريف وقال:(ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا)، وقال سبحانه في آية أُخرى:(إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ)3، وفي موضع ثالث: (وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)4. وعلى ضوء هذه الآيات الثلاث يميّز المشرك من الموحّد، والكافر من المؤمن، فمن دُعي عنده الله وحده فأعرض عنه أو استكبر، وإذا دُعي غيره استقبل ذلك برحابة صدر واستبشر، فهو المشرك.
والآن هلمّ معي إلى تطبيق هذا المبدأ القرآني على المسلمين كافّة،

1 . عبقرية عليّ: 70 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 40.
3 . الصافات:35.
4 . الزمر:45.

صفحه 209
فهم بعامّة طوائفهم إذا دُعي الله وحده فرحوا واستقبلوا ذلك برحابة صدر، فهم كلّهم موحّدون غير مشركين، فمن أراد أن ينسب الشرك لطائفة معيّنة فقد خالف صريح القرآن الكريم وتعدّاه. وعلى هذا فما هو المبرر الذي تتمسّك به هذه الفئة المستحدثة، أعني: أتباع محمد بن عبدالوهاب الذين يصفون أنفسهم فقط بالتوحيد ويتّهمون بقية الطوائف الإسلامية بالشرك؟! الحق أنّهم لا يستهدفون سوى بثّ الفتنة والفرقة بين المسلمين، والقضاء على عزّهم وشوكتهم وهدم كيانهم، خدمة لمآرب الطغاة والمستكبرين.
وكان القلم يجري على هذه الصفحات في الوقت الذي نشرت وكالات الأنباء أنّ هؤلاء الوهابيّين الغلاظ القلوب قد هدموا ضريح الصحابي الجليل حُجر بن عَديّ الكنديّ، ولم يقتصروا على ذلك بل عمدوا إلى نبش قبره الشريف!!! فلو كان هذا هو التوحيد، وهؤلاء هم الموحّدون، فعلى التوحيد والموحّدين السلام، وإلى الله المشتكى، وكأنّه سبحانه يخاطب هؤلاء بقوله:(هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)1.2

الآيات: الثالثة عشرة إلى العشرينسورة غافر: الآيات 13ـ 20

(هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ * فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ

1 . الكهف:103 ـ104.
2 . وقعت هذه الجريمة النكراء في يوم الخميس 21 جمادى الآخرة 1434هـ .

صفحه 210
الْكَافِرُونَ * رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيم وَلاَ شَفِيع يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ * وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْء إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).

المفردات

الروح: أُريد به هنا: الوحي أو القرآن الكريم، إذ بهما حياة القلوب.
التلاق: لقاء الله، أو لقاء الناس بعضهم ببعض.
بارزون: ظاهرون، لا يسترهم جبل ولا أَكَمة، أو خارجون من القبر.
الآزفة: يوم القيامة سمّيت بذلك لقربها، يقال: أزِف السفر أي قرُب.
الحناجر: جمع حَنْجَرة، وهي قسم من مجرى الهواء في الحلق، يقع في موضع بين مؤخّرة اللسان والقصبة الهوائية، وكلّ نَفَس يدخل أو يخرج من الرئتين يمرّ عبرها.
كاظمين: الكاظِم (للشيء): المُمسك على ما فيه، فيكون المعنى:

صفحه 211
ممسكين أنفسهم على قلوبهم لئلاّ تخرج.
حميم: الحميم: القريب الّذي تهتمّ بأمره.
خائنة الأعين: الأعين الخائنة إذا نظرت إلى ما لا يحلّ، ويحتمل أن تكون مصدراً أي خيانة الأعين، وسيوافيك توضيحه.
ما تخفي الصدور: ما تُكنّه الضمائر.

التفسير

13.(هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ):
لمّا ذكر سبحانه مجادلة الكافرين في التوحيد، بدأ في هذه الآية ببيان دليل واضح حتى ينتفع به من رجع إلى الله سبحانه ويقف على أنّه المدبّر واللائق بالعبادة دون غيره، فذكر بعض آياته التكوينية التي بها حياة الإنسان، كالمطر، فقال: (هُوَ الذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ)الآفاقية التي ملأت العالم، ويذكر منها ماء الحياة قائلاً: (وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا) وفسّروه بالمطر لأنّ المطر سبب الرزق، ولكن إطلاق الآية يعمّ نور الشمس الذي به حياة الكائنات وهو قوامها، فالجميع ينزل من السماء أي النقطة المرتفعة، وقد روي عن ابن عباس أنّه قال: «كلّ ما علاك وأظلّك فهو سماء»، والتعبير بصيغة المضارع ـ أعني: (يُريِكُمْ)و (يُنَزِّلُ) ـ لغاية الدلالة على استمرار إراءة الآيات واستمرار نزول الرزق من السماء.

صفحه 212
وبما أنّ الآية تركّز على رؤية الناس لتلك الآيات، من غير فرق بين المؤمن والكافر فهو قرينة على أنّ المراد من الآيات هي الآيات الآفاقية والنفسية لا الآيات التشريعية كآيات القرآن الكريم، لأنّ الكافر يضرب عنها صفحاً ولا يسمعها ويصدّ عن سماعها ويصمّ أُذنيه عنها. فإذا كان الله سبحانه هو مدبّر حياة الإنسان فليُعبد هو. ومن المعلوم أنّه لا يستفيد من هذه الآيات بالتدبّر فيها إلاّ من أناب إلى الله كما قال: (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ): أي رجع إلى الله وتفكّر في بديع ما خلق وترك التقليد واتّباع الهوى، حتى تشمله الهداية الثانية التي توصل العبد إلى المقصود.
14.(فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ):
لمّا عُلم من الآية السابقة لزوم عبادته تقديراً لنعمه، رتّب على هذا توحيد عبادته وطاعته وقال: (فَادْعُوا اللهَ): أي اعبدوا الله، فالدعاء في هذه الآية وأمثالها بمعنى العبادة، بشهادة قوله سبحانه في هذه السورة:(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ).
قوله تعالى: (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ): أي الطاعة (وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرونَ)عبادتكم وطاعتَكم لله وحده، لأنّهم يُشركون الأصنام معه في العبادة، بل ربما يتركون عبادة الله ويخصّون الأصنام بالعبادة والطاعة. والغاية من الأمر بالإخلاص مع أنّ المؤمنين كانوا مخلصين في العبادة، هو أن يثبتوا ويستمروا على ما كانوا عليه ولا يتأثّروا بالبيئة المحدقة بهم، ولا يكترثوا لموقف الكارهين لذلك.

صفحه 213
فحاصل الآيات: أنّه سبحانه هو الذي هيّأ أسباب الحياة وجعلها في متناولكم، فهو، إذاً، المستحقّ للعبادة والطاعة، المؤهَّل للإخلاص له فيها.
15. (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ):
تضمّنت الآية أوصافاً ثلاثة لله تعالى، كلّها تدلّ على جلالته وعظمته، وفي الوقت نفسه فيها إنذار للعباد، وهذه الصفات عبارة عن:
أ. (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ).
ب. ( ذُو الْعَرْشِ).
ج. (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ).
وإليك تبيين هذه الصفات.
قوله تعالى: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ) فاللام في (الدَّرَجَاتِ) عوض عن المضاف إليه، والتقدير: رفيعة درجاته، كما يقال: فلان حَسَن فعلُه، والفقرة خبر لمبتدأ محذوف وهو اسم الجلالة، والغرض من ذكر هذا الوصف تخصيص الطاعة والعبادة به، فإنّ من وصف بهذا الوصف الدالّ على المجد والعظمة لائق بالعبادة وحده دون غيره، لكونه مجمعاً للكمالات.
إنّما الكلام فيما هو المراد من قوله:(رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ)؟ الظاهر هو أنّه يرفع درجات العباد، بشهادة قوله:(يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات)1 فالله سبحانه رافع درجات الأنبياء والأولياء في الدنيا

1 . المجادلة: 11.

صفحه 214
والآخرة، كما أنّ الأنبياء تختلف درجات بعضهم عن بعض، قال سبحانه: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض)1 ويحتمل أن يكون قوله: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ) كناية عن علوّه تعالى وعظمته، حيث يطلق هذا اللفظ (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ) على المتعالي بين أقرانه وأمثاله، ويشهد لذلك، الوصف الثاني الذي يحكي عن عظمته وجلالته وهو ( ذُو الْعَرْشِ)، وقد تقدّم معنى العرش عند تفسيرنا الآية السابعة من هذه السورة.
والظاهر أنّ اللفظ كناية عن استيلائه على العرش وأنّ العالم الإمكاني الذي هو عرشه تحت قدرته واستيلائه، فكونه سبحانه مالكاً لهذا العرش أفضل دليل على رفعة درجته وسموّ مقامه.
وأمّا الوصف الثالث أعني:(يُلْقِي الرُّوحَ): أي ينزل الوحي أو القرآن (مِنْ أَمْرِهِ): أي بأمره حيث إنّ لفظة «من» هنا بمعنى «الباء»، وأمّا قوله :(عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)فليس بمعنى أنّه يلقي الروح على كلّ مَن يشاء سواء أكان فيه ملاك حمل الرسالة والوحي أم لا، بل بما أنّه حكيم فلا ينزله ولا يلقيه إلاّ على مَن يعلم منه الاستعداد لحمل هذا العبء الثقيل.
ثمّ إنّ الغاية من إرسال الأنبياء وإنزال الكتب هي ما يذكره في قوله: (لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ): أي لينذر الوحيُ أو صاحبُ الرسالة الناسَ ويحذّرهم عذاب يوم القيامة.
وقد سمّي يوم القيامة بيوم التلاقي، إمّا لكون ذلك اليوم هو يوم لقاء الله، كما في قوله سبحانه: (إنّهم مُلاقوا ربّهم)(2)، وقوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ)(3)، ومن المعلوم أنّ المُراد

1 . البقرة:253.      2 . هود:29.   3 . الانشقاق:6.

صفحه 215
باللقاء رفع الحجب وظهور أنّ الله هو الحقّ المبين، ومع ذلك فالذات في حجاب ذاتيّ لا تُرى ولا تُمسّ، ولكن لأجل تجلّيه سبحانه في ذلك اليوم بظهور آياته وأمره فيه، عُدّ ذلك التجلّي لقاءً.
ويحتمل أن يكون المراد لقاء الخلائق بعضهم بعضاً.
16.(يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ):
لمّا كان في قوله تعالى:(يَوْمَ التَّلاَقِ) نوع إبهام، رفعه بقوله:(يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ): أي ظاهرون لله الواحد القهّار كما يقول سبحانه:(يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)،1 ويحتمل أن يراد بروز ظواهرهم وبواطنهم وحقيقتهم على ما كانوا عليه، خلافاً للدنيا فإنّهم ربّما يحجبون باطنهم بظاهرهم ويُخفون ما انطوت عليه سرائرهم، ولذلك يقول: (لا يَخفى عَلى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ)وفي هذه الفقرة إنذار ليس فوقه إنذار إذ تظهر البواطن وترتفع الأستار وتنكشف الأعمال الخفية والنيات الفاسدة، وعندئذ يخاطب مَن في المحشر بهذا السؤال: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوم)الاستفهام هنا تقريري حتى يُقِرّ الطغاة ويشهدون على أنفسهم حيث كانوا يتصوّرون أنّ المُلك لأصنامهم وآلهتهم، فعندئذ يوافيهم الجواب على نحو يسمعه أهل المحشر:(للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)فوصفه بـ (الْوَاحِدِ)لبيان أنّه لا نظير له ولا مثيل. كما أنّ وصفه بـ (الْقَهَّارِ)للدلالة على ظهور ملكه وسلطانه، إذ قَهَرَ كلّ شيء وصار العالم الإمكاني خاضعاً له.

1 . إبراهيم:48.

صفحه 216
وما أجمل كلام الإمام علي(عليه السلام) في المقام حيث يصف الساعة ويقول: «وَإِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ، يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ لاَ شَيْءَ مَعَهُ. كَمَا كَانَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا، كَذلِكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا، بِلاَ وَقْت وَلاَ مَكَان، وَلاَ حِين وَلاَ زَمَان. عُدِمَتْ عِنْدَ ذلِكَ الاْجَالُ وَالاَْوْقَاتُ، وَزَالَتِ السِّنُونَ وَالسَّاعَاتُ. فَلاَ شَيْءَ إِلاَّ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الَّذِي إِلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ الاُْمُورِ».1
ثمّ بما أنّه واحد قهّار، فهو يجزي كلّ إنسان بما عمل كما يقول:
17. (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ):
قد تكرّر لفظ «اليوم» في الآيات السابقة خمس مرات، كما أنّه وصف بالأوصاف التالية:
1. (يَوْمَ التَّلاَقِ).
2. (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ).
3. (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ).
4. (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ).
5. (لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ).
6. سرعة الحساب في ذلك اليوم.
وما ذلك إلاّ تأكيداً لوحدة هذا اليوم وأنّ كافّة هذه الحوادث ستقع في ذلك اليوم فهو يوم التلاقي، ويوم بروز الحقائق، ويوم ظهور سلطانه

1 . نهج البلاغة: الخطبة 186.

صفحه 217
وملكه، ويوم جزاء الناس بما كسبوا كما يقول: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ)والباء في قوله:(بِمَا) للسببية أي تُجزى بسبب ما كسبت جزاء مناسباً لعملها، لا يُبخس أحد ما استوجبه من أجر عمله.
ولمّا كانت هناك مظنّة وهمين وهما:
أ. طروء الاشتباه والخلط في محاسبة الأوّلين والآخرين.
ب. طول الحساب.
ردّ سبحانه ـ دفعاً للتوهّم ـ الأوّل بقوله: (لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ) وكيف يطرأ الخلط وهو محيط بكافّة الموجودات، ولدفع التوهّم الثاني قال:(إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)، ولتقريب المعنى نقول: إنّ الله هو الذي منح الإنسان القدرة على إنجاز كافّة العمليات الرياضية المعقّدة وغير ذلك من جوانب العلم بواسطة الحاسوب، فهو قادر على أن يحاسب هذه الجموع من البشر بسرعة تتجاوز سرعة الحواسيب، بل أنّ سرعة هذه الأخيرة لا تقارن بسرعة حسابيّته عزّ وجلّ.
قـال الطبرسي: وفـي الحديث أنّ الله تعالى يقول: أنا الملك أنا الديّان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنّة أن يدخل الجنّة، ولا لأحـد مـن أهـل النـار أن يدخل النـار وعنـده مظلمة، حتى أقصّهـا منـه، ثم تلا هـذه الآية: (لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ): أي لا ظلم لأحد على أحد، ولا ينقص من ثواب أحد، ولا يزاد في عقاب أحد(إنّ اللهَ سَريعُ الْحِسَاب)لا تشغله محاسبة واحد عن محاسبة غيره.1

1 . مجمع البيان:8/475.

صفحه 218
18. (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيم وَلاَ شَفِيع يُطَاعُ):
لمّا تقدّم قوله سبحانه: (لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ) وأنّ الغاية من إنزال الوحي هي إنذار يوم التلاقي، عاد البيان القرآني إلى التأكيد على الإنذار، فأمر سبحانه نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بالقيام بهذه المهمة، وقال: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ) أي القريبة، والظاهر أنّه وصف لموصوف مقدّر أي الساعة القريبة، ووجه قربها ما ذكره سبحانه في موضع آخر، أعني قوله: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا)1.
ثمّ إنّه سبحانه يصف أهوال هذا اليوم أوّلاً، وأوصاف الحاكم فيه ثانياً، بأُمور كلّها تكشف عن إحاطة الهمّ والغمّ بالظالم في يوم الحشر، أمّا ما يرجع إلى أوصاف الظالم المحشور فهي:
أ. (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ) والمراد بالقلب في المقام هو القلب الصنوبري إذ هو أوّل عضو في جسم الإنسان يتأثر بالانفعالات كالفرح والحزن والخوف والغضب، فترى ـ مثلاً ـ البشاشة في الوجه والسعة في القلب إذا سمع خبراً سارّاً، كماترى الانقباض في الوجه واضطراب القلب إذا سمع خبراً محزناً أو واجه مشهداً مخيفاً، وقد يزداد خفقان القلب وتتسارع دقّاته إلى درجة أن ينخلع القلب فيها عن مكانه، ويبلغ الحنجرة، والجملة كناية عمّا يتملّك الظالمين من خوف شديد يكاد يسدّ عليهم مجرى النَّفَس .

1 . المعارج: 6 ـ 7.

صفحه 219
ب. (كَاظِمِينَ) من كظَم الشيء: اذا أمسك على ما فيه، وكأنّ الخوف والغمّ يملأ قلب الإنسان على نحو يضيق به ويحبس نَفَسه، ولا يستطيع إظهاره. ولو أُطلق الكظم على من امتلأ غيظاً، ولم يستطع أن يظهره فهو من هذا الباب، فتارة يحيط الخوف بالإنسان فلا يستطيع أن يظهره، وأُخرى الغضب، والمراد به هنا هو المعنى الأوّل.
ج.(مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيم وَلاَ شَفِيع يُطَاعُ) ربّما يتوسّل الإنسان بقريب له حتى يعينه، أو بشفيع يشفع له عند الحاكم، فالإنسان الظالم في هذا اليوم لا يجد حميماً يحميه لقربه، إذ(فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ )1، كما لا يجد شفيعاً يطاع، لأنّ الشفاعة بيده سبحانه، وقوله:(يُطاع)ليس قيداً احترازياً; بل قيداً توضيحياً إذ ليس للظالمين يومئذ أي شفيع مطلقاً، مطاعاً كان أو غير مطاع.
19. (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ):
ذكرت الآية السابقة أوصاف الظالمين المحشورين يوم القيامة، المصابين بالخوف والفزع من أهوال ذلك اليوم، وأمّا هذه الآية فأشارت إلى وصف الحاكم يوم القيامة الذي تقدّم ذكره في آية سابقة بقوله سبحانه: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، فهذا الحاكم:
أ. (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ) والظاهر أنّ (خَائِنَةَ ) مصدر كالخيانة، نظير: «كاذبة» و «لاغية» بمعنى الكذب و اللغو، أي يعلم خيانة الأعين، وأُريد بها المعاصي التي لا تظهر للغير كمسارقة النظر إلى ما لا يجوز النظر إليه.

1 . المؤمنون:101.

صفحه 220
ويؤيده ما رواه الشيخ الصدوق بإسناده إلى عبد الرحمن بن مسلمة الجريري قال: سألت أبا عبد الله ]الصادق [(عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ:(يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ) فقال: «ألم تر إلى الرجل ينظر إلى الشيء وكأنّه لا ينظر إليه ، فذلك خائنة الأعين».1
ب. (وَ) يعلم(مَا تُخْفِي الصُّدُورُ) من النوايا والعزائم التي يضمرها صاحبها في نفسه، ويطوي عليها قلبه.
كيف يخفى عليه شيء وهو القائل جلّت عظمته: (لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّة فِي السَّمَاوَاتِ وَ لاَ فِي الأَرْضِ)2، والقائل : (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ)(3).
إنّ مَن يتدبّر هذه الآيات ـ ووقف على أنّه ما من صغير ولا كبير إلاّ ويحاسب به الإنسان ويُجزى به، وأنّ الحاكم يوم القيامة يعلم رَمَزات الألحاظ وما تُكنّه الصدور من أسرار وخفايا ـ لابدّ أن يجدِّد النظر في أعماله وسلوكه ـ اذا استشعر رقابة الله هذه وسعة إحاطته ـ ويمتنع عن ممارسة الأعمال الطالحة، ويُقبل على الحسنات.
20 . (وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْء إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ):
لمّا سبق أنّه سبحانه هو المالك والحاكم في يوم القيامة ولا مالك ولا حاكم غيره، بيّن في هذه الآية كيفية حكمه وقضائه في حقّ العباد، وذكر أنّ

1 . معاني الأخبار: 147 ; تفسير نور الثقلين:4/517.
2 . سبأ:3.   3 . البقرة:284.

صفحه 221
أساس حكمه هو الحقّ وقال:
ج. (وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ): أي يفصل بين الخلائق بالحقّ وفق أعمالهم، فيوصل كلّ ذي حقٍّ إلى حقّه، وكيف لا يقضي سبحانه بالحقّ وهو العليم الذي لا يخفى عليه شيء، والغنيّ الذي لا يحتاج إلى شيء، فإنّ من يقضي بالجور والباطل إمّا أن يكون جاهلاً بقبحه أو محتاجاً، والله جلّ جلاله منزّه عنهما .
هذا كلّه حول صفات الحاكم يوم القيامة، وبما أنّ المشركين كانوا يعبدون الأصنام بزعم أنّ لهم مقاماً سامياً وحكماً قاطعاً، عاد البيان القرآني إلى تفنيد هذه المزعمة، وقال: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ): أي يدعونهم من الآلهة المكذوبة من الأصنام والأوثان والمعبودات السماوية (لاَ يَقْضُونَ بِشَيْء)حتى الباطل فضلاً عن الحقّ، لما قلنا سابقاً من أنّ الله سبحانه هو الحاكم يومئذ وهو الواحد القهّار الذي له الملك وحده، بالإضافة إلى أنّ هذه الآلهة فاقدة للروح والتعقّل، فإنّ عدم قضائهم أشبه بانتفاء الموضوع.
ولمّا تقدّم قوله:إنّه سبحانه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ختم هذه الآية بوصفين يناسبهما، فقال:(إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، ويمكن أن يكون هذان الوصفان سبباً لقوله:(يَقْضِي بِالْحَقِّ)لأنّ العالم بكلّ شيء، الّذي يحكي عنه الوصفان، لا يخطئ في أحكامه.

الآيتان: الحادية والعشرون والثانية والعشرونسورة غافر: الآيتان 21 و 22

21 ـ 22.( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي

صفحه 222
الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاق * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ).

التفسير

لمّا أمر سبحانه نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بإنذارهم عذاب الآخرة وقال: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ)عاد هنا إلى إنذارهم وتحذيرهم من أن يحلّ بهم عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة كما حلّ بالأُمم السابقة، فذكر في هاتين الآيتين أُمماً كانوا أكثر تحضّراً وشوكة من المشركين، ولكن لمّا كذّبوا رسلهم وخالفوهم عمّهم العذاب، وبذلك يدعو مشركي مكّة وغيرهم ممّن يعاندون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى السير في الأرض حتى ينظروا إلى آثار تلك الأقوام عن كثب، ويروا عاقبة أمرهم بأُمّ أعينهم وبذلك يتمّ الإنذار بكلا قسميه: عذاب الآخرة وعذاب الدنيا، كما قال: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ)من المكذّبين من الأُمم لرسلهم. ثم بدأ بالمقارنة بين هذه الأقوام وبين مشركي قريش، فقال: (كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) في أنفسهم(وَآثَارًا فِي الأَرْضِ): أي أكثر عمارة، ومع ذلك فلم تغنهم قوتهم وآثارهم من عذاب الله، كما قال: (فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ)وأهلكهم بسبب أعمالهم، و (أَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُمْ هَامِدَةً، وَرِيَاحُهُمْ رَاكِدَةً، وَأَجْسَادُهُمْ بَالِيَةً، وَدِيَارُهُمْ خَالِيَةً) 1،(وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاق): أي دافع يدفع عنهم

1 . نهج البلاغة: الخطبة 226 .

صفحه 223
عذابه، إذ لا دافع لإرادته وقضائه القاطع.
وبعد أن أشار إلى أنّه سبحانه أخذهم بذنوبهم ولم يبين ماهية ذنوبهم، فسّر ذلك بقوله:(ذَلِكَ): أي أخْذهم وإهلاكهم (بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) والدلائل الواضحة ومع ذلك خالفوهم (فَكَفَرُوا)ولمّا تمّت الحجّة عليهم (فَأَخَذَهُمُ اللهُ) بذنوبهم ولم يمنع من إهلاكهم واستئصالهم مانع، وذلك (إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ): أي شديدٌ عقابه، وقد وقعت لام التعريف في العقاب محل المضاف إليه، فالقويُّ لا يعجزه شيء، وكونه شديد العقاب لأنّهم قد بلغوا في الكفر والإنكار الدرجة القصوى، فهمّوا برسل الله وأرادوا قتلهم، فاستحقّوا العقاب الشديد.

الآيات: الثالثة والعشرون إلى السابعة والعشرين سورة غافر: الآيات 23ـ 27

( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَان مُبِين * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَل * وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُوني أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ * وَقَالَ مُوسَى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّر لاَ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ).

صفحه 224

المفردات

سلطان: حجّة وبرهان.
فرعون: كان لقباً للملوك المتأخرين لمصر القديمة.
هامان: وزير فرعون.
قارون: كان أغنى رجل في زمان موسى(عليه السلام)، مع أنّه كان من بني إسرائيل.
عذتُ: اعتصمتُ وتحصّنتُ.
متكبِّر: أي مستكبر عن اتّباع الحق.

التفسير

لمّا أشار سبحانه في الآيات السابقة إلى العاقبة الأليمة للأقوام الماضين الّذين كذّبوا رسلهم ، دون أن يذكر مصداقاً لهم، بيّن في هذه الآيات مصير قوم منهم وهم قوم فرعون، أقباط مصر، وذكر ثالوث الكفر والطغيان، أعني: فرعون وهامان وقارون، لأنّهم كانوا أُصول الفساد، والملأ الذين حولهم كانوا تابعين لهم،وقال:
23. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَان مُبِين):
ويعني بالآيات: المعجزات الباهرات والدلائل الواضحات التي أخبر، في آية أُخرى، أنّها تسع، قال سبحانه (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَات).1

1 . الإسراء:101. ولاحظ : النمل:12.

صفحه 225
والظاهر أنّ المراد بالسلطان المبين، هو قلب العصا حيّة، وخصّها بالذكر لأنّها أكبر آياته عليه وأظهرها، ولذلك يركّز عليها في بعض السور، قال سبحانه:(وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا)1، وقال سبحانه (حكاية عن موسى (عليه السلام)وهو يحاور فرعون): (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْء مُبِين * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ)2 وكأنّ السلطان بمعنى الحجّة لأنّ موسى بسببه يتسلّط عقلياً على خصمه.
24. ( إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ):
وهؤلاء هم ثالوث الكفر وأساس الفساد، وفرعون هو الضلع الأكبر في ذلك الثالوث، وقد ذُكر اسمه في القرآن أربعاً وسبعين مرّة، وأمّا هامان فهو وزير فرعون، وقد ورد اسمه ست مرّات، وأمّا قارون فيقال: إنّه ابن عمّ موسى (عليه السلام)، وقد جاء اسمه أربع مرّات. وكان للأوّلَين السلطة، سلطة القمع والقتل، وللآخر الثروة الطائلة والخزائن، تلك الثروة التي أحدثت في نفسه الزهو والغرور فبغى على قومه وتطاول عليهم واستأثر بالأموال وسخّرها لأهوائه وشهواته وأغراضه الشريرة، قال سبحانه في حقّه: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَ آتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)3، والعجب أنّ ثالوث الطغيان والفساد كلّهم قد رمَوْا موسى(عليه السلام)، فيما أتى به من الحجج

1 . النساء:153.
2 . الشعراء: 30 ـ 32.
3 . القصص:76.

صفحه 226
الباهرة، بالسحر والكذب (فقالوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ).
25. (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَل):
شاءت إرادة الله سبحانه تحرير بني إسرائيل من أسر فرعون وإتمام الحجّة على ثالوث الفساد، فبعث إليهم رسوله بالآيات الواضحة، كما قال: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا)، وعندئذ بدأ فرعون وقومه بمواجهة موسى (عليه السلام)بأسلوبين:
الأوّل: الحرب النفسية (الشائعات الكاذبة)، أي اتّهامه بأنواع التُّهم، ولمّا كان موسى(عليه السلام)معروفاً بالطهارة والصدق، ولم يجدوا في صحيفة حياته ما يتهمّونه به حتى يسقطونه في أعين الناس، أخذوا يرمونه بالسحر والكذب (وقد مرّ في الآية السابقة)، ولمّا رأوا أنّ هذا الأسلوب غير مجد في إسقاطه في أعين الناس خصوصاً بعد أن بهر سلطانه، وظهرت حجّته، وغلب بمعجزاته سحرَ الساحرين، إلى حدٍّ آمن به هؤلاء السحرة الذين جاء بهم فرعون لمواجهته(عليه السلام) والذين كانوا يمجِّدون فرعون، حتى قالوا له قبل المباراة: ( إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ)1، فعند ذلك لجأ فرعون إلى الأسلوب الثاني.
الثاني: مواجهة موسى(عليه السلام) بالعنف والتصفية الجسدية. وهنا أمر

1 . الأعراف:113.

صفحه 227
بشيئين:
أ. (قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) فأصدر أمراً بقتل أبناء الذين آمنوا به، وليس هذه أوّل مرّة، يأمر فيها بقتل أبناء بني إسرائيل، فقد أصدر أمره من قبل بذبحهم ليمنع ولادة مَن يزيل مُلكه. ولمّا ظهر موسى ولم ينفع فرعون كيده الأوّل، أمر بقتل الأبناء لئلاّ يزداد عدد المؤمنين به، وعلى هذا فمعنى (اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ): أي أعيدوا ممارسة أُسلوب القتل ضدّهم. ثمّ إنّ استخدام لفظ (مَعَهُ) بدلاً عن «آمنوا به» لعلّه إشارة إلى مظاهرتهم ومؤازرتهم موسى (عليه السلام)في دعوته.
ب. (وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ) استبقاءً للخدمة، وقد مارس فرعون هذه الخطّة الخبيثة قبل ولادة موسى(عليه السلام)، قال سبحانه: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ).1
وهل تمكّن من تنفيذ ما أمر به من قتل أبناء الّذين آمنوا به؟ فيه احتمالان:
الأوّل: قد نجح في ذلك، بشهادة قوله سبحانه حكاية عن قوم موسى(عليه السلام) بعد إرساله إلى فرعون، (قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَ مِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)2.
الثاني: أنّه سبحانه منعهم عن تلك الجريمة الخبيثة بإرسال الدم

1 . القصص:4.
2 . الأعراف:129.

صفحه 228
والطوفان والجراد والقمّل، كما ورد في غير واحدة من الآيات، وشغلهم عن إنفاذه ما حلّ بهم من الكوارث.
ولعلّ الثاني هو الأظهر بشهادة قوله سبحانه في نفس الآية:(وَ مَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَل): أي الكيد الذي دبّروه، حيث أخذ الله على أيديهم فلم يجدوا لإنفاذه سبيلاً، وعلى هذا يكون المراد بما مرّ من سورة الأعراف، المضايقات الروحيّة.
26. (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُوني أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ):
لقد أمر رأس الثالوث بقتل أبناء من آمن بموسى (عليه السلام)واستحياء نسائهم، ولم يذكر شيئاً عن مصير موسى(عليه السلام)، وهذه الآية تتضمّن أنّه قد أمر بقتل موسى حتى يستتبّ له الأمر ولا يكون له منازع في سلطانه، كما يقول سبحانه:(وَ قَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُوني أَقْتُلْ مُوسَى وَ لْيَدْعُ رَبَّهُ)فقوله:(ذَرُوني) يدلّ على أنّ ثمّة في البلاط مَن يشير بعدم قتل موسى، والشاهد عليه تعبيره بـ (ذَروني): أي اتركوني.
ثمّ إنّ طاغية مصر شفع وعيده بقتل موسى(عليه السلام) بالتحدّي الأجوف والجرأة على الله، كما قال: (ولْيَدعُ ربَّهُ): أي ليخلّصه من القتل.
ثمّ إنّ فرعون برّر توعّده بقتل موسى بوجهين:
أ. (إنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ): أي أن يبدّل عبادة الأصنام إلى عبادة الله، والظاهر أنّ هذه خسارة دينية لهم.
ب. (أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ): أي أن يتقوّى ويكثر أنصاره فيتمرّدوا عليكم فيسلبوا عنكم الأمن والراحة، وهذه خسارة دنيوية.

صفحه 229
لقد أراد شيطان مصر وطاغيتها أن يوهم الملأ أنّهم سيُمنَون بخسارتين كبيرتين على زعمه إذا بقي موسى (عليه السلام)حيّاً، يمارس نشاطه في الدعوة إلى الله تعالى: إحداهما دينية، والأُخرى دنيوية، وكلّ واحدة منهما كافية في إقناع الملأ بوجوب قتله.
ولمّا بلغ موسى (عليه السلام) توعُّد فرعون له بالقتل المقترن بالجرأة على ربّ العالمين، ردّ عليه بقوله:
27. (وَقَالَ مُوسَى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّر لاَ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ):
أي التجأت إلى ربّي وربّكم، فعطف على قوله: (ربِّي) قوله:(ربِّكم)مشعراً بأنّ ربّ الجميع واحد، وأنّ ربّ موسى هو ربّ فرعون وقومه، ومن هنا يمكن أن يكون بعض الملأ من قوم فرعون قد أبلغه إرادة الشرّ به، فردّ عليه موسى بهذا القول .
ثم إنّه (عليه السلام)بيّن مورد الاستعاذة، فقال: (مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّر)كفرعون الذي (لاَ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ): أي من اجتمع فيه وصفان خطيران:
أ. كونه متكبّراً. ولا شكّ في أنّ الأنانية ـ التي هي نتيجة الاستكبار ـ تُعمي وتُصمّ، وتُصوِّر للمتكبّر أنّ وجوده هو مركز العالم الإمكاني وأنّ الآخرين خدّامه.
ب. (لاَ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ) فمن لم يؤمن بيوم الجزاء، يعمل ما يشاء إذ لا حساب ولا كتاب. ومن عجيب الأمر أنْ يصرّح موسى(عليه السلام)، وهو وحيد أعزل إلاّ من سلاح الإيمان، بمثل هذا الكلام ويعرِّض بفرعون، في

صفحه 230
تلك الأجواء الإرهابية التي كانت سائدة في مصر، وفي ظلّ سياسة القتل والبطش التي يمارسها فرعون، فأيّ شجاعة أعظم من ذلك؟!
***

حوار مؤمن آل فرعون مع قومه

دلّ قوله في الآية السابقة: (ذَرُوني أَقْتُلْ مُوسَى) أنّه كان بين الملأ مَن يشير بأن لا يُقتل موسى (عليه السلام)، وأمّا مَنْ هو هذا المشير؟ فلم يذكر صريحاً، ولكن يستفاد من الآيات التالية أنّه كان بين الملأ رجل مؤمن بموسى(عليه السلام)يكتم إيمانه ويخفيه، وكان يعينه في مواضع حساسة، وهذا الرجل هو الذي بدأ بالكلام بشجاعة أدبية لا مثيل لها في بلاط الطاغية، وهذا الرجل هو الذي يليق أن تُسمّى هذه السورة بلقبه، أعني: المؤمن، فأصبح ناصراً لموسى، مدافعاً عنه، وقد جرت بينه وبين فرعون أو بينه وبين الملأ حوارات متعدّدة تعرب عن إيمان قويّ، واعتقاد راسخ، ومعرفة بتاريخ الطواغيت، وها نحن نذكر تلك الحوارات، واحداً بعد الآخر.

الحوار الأوّلسورة غافر: الآيتان28 و 29

الآيتان: الثامنة والعشرون والتاسعة والعشرون

(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ

صفحه 231
لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ).

المفردات

رجُلٌ مؤمن: الظاهر من الآيات أنّه كان من قرابة فرعون وخاصّته. وقيل : إنّه ابن عمّ فرعون. وهو الذي نجّى ـ بمشيئة الله تعالى ـ موسى(عليه السلام)من القتل، كما سيأتي تفصيله.
البيّنات: جمع البيّنة التي تشهد على صدق المدَّعي.
مُسرف: المسرف: المقيم على المعاصي المستكثر منها.
كذّاب: الكذّاب: المفتري.
ظاهرين: غالبين، عالين على بني إسرائيل.
ما أُريكم إلاّ ما أرى: أي ما أُعلِّمكم إلاّ ما أَعلم من الصواب.

التفسير

ثمّة شخصان من آل فرعون قد آمنا بدعوة موسى (عليه السلام)، وكان لهما دور مؤثّر فيما جرى من أحداث، وهما: زوجته آسية، وأحد أقربائه المعروف بمؤمن آل فرعون، وكان يُبطن الإيمان ويظهر الكفر عملاً بالتقية، لأنّه لو أظهر الإيمان لقُتل، ومن المعلوم أنّه لو بقي حيّاً لانتفع بوجوده موسى(عليه السلام)والمؤمنون أكثر، وهذه هي التقية التي جاء بها القرآن

صفحه 232
الكريم وأفتى بها الفقهاء صيانة للنفس والنفيس.
وقد عمل بها مؤمن آل فرعون، وذكر القرآن قصته ليكون أُسوة للآخرين.
28. (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ):
لمّا عزم فرعون على قتل موسى(عليه السلام) حاول مؤمن آل فرعون دفع الشرّ عنه، وعرض مقاله بصورة النصح لفرعون وملئه: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) وهنا قد وصف القرآن الرجل بوصفين:
أ. أنّه من آل فرعون لا من بني إسرائيل.
ب. أنّه يكتم إيمانه، ليحقّق بذلك مأربه، قال: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ) والاستفهام إنكاري يريد أن يفهم أنّه لا يجوز في منطق العقل قتل إنسان بحجّة إيمانه بالله، خصوصاً إذا كان إيمانه مقروناً بالدلائل والبيّنات، كما قال:(وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) التي تدلّ على صدق دعواه (مِنْ رَبِّكُمْ).
وأضاف أنّه لو افترضنا أنّه كاذب في دعوته، فوَبال ذلك عليه وحده، كما قال: (وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ)، وقدّم هذا الاحتمال على الاحتمال الآخر للتلطُّف، لا أنّه كان شاكّاً في صدقه. ثم أضاف بأنّه في الوقت نفسه يحتمل أن يكون الرجل صادقاً في دعوته، كما يقول: (وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذِي يَعِدُكُمْ) وهذا القول مبالغة منه في التحذير، فإنّه إذا

صفحه 233
حذّرهم من بعض العذاب أفاد أنّه مُهلكٌ مَخوف، فما بال كلّه؟! ثمّ إنّ ترديد الأمر بين الأمرين إظهار للإنصاف وعدم التعصّب.1
ونظير هذا النوع من التلطّف قول النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)مخاطباً المشركين كما حكاه القرآن المجيد: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَل مُبِين)2.
ثمّ إنّه عقّب كلامه السابق بقوله:(إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ)والظاهر أنّه يرجع إلى الشقّ الأوّل من كلامه ـ أعني:(وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ) ـ فهو يريد أن يبيّن أنّ الله لا يترك في هذه الدنيا المسرف المتجاوز الحدّ في المعصية والكذب على ربّه، فلو كان موسى كاذباً في ادّعاء نبوّته فقد تجاوز الحدّ، وعندئذ يفضحه الله تعالى لتجاوزه الحدّ، نظير قوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ)3 فالكاذب إذا تجرّد عن خوارق العادات التي تجذب النفوس إلى الداعي، ربّما لا يأخذه سبحانه في الدنيا ويكون حسابه على الله يوم القيامة، وأمّا إذا تسلّح بالمعجزات والبيّنات فمقتضى حكمة الله سبحانه أن يفضحه ويقطع وتينه لئلاّ يغرّر بالناس ويضلّهم.
وحصيلة نصح مؤمن آل فرعون أنّ أمر موسى (عليه السلام) لا يخلو عن وجهين:
1. لو كان صادقاً يصبكم وعيده.

1 . انظر: تفسير المراغي: 24 / 65 .
2 . سبأ:24.
3 . الحاقّة:44ـ 46.

صفحه 234
2. وإن كان كاذباً يفضحه سبحانه.
فالتسرّع في قتله ليس لصالحنا، ولا يقبله العقل السليم.
ويظهر من السيد الطباطبائي أنّه راجع إلى الفقرة الثانية، قال: والمعنى: (إن يكُ كاذباً)كفاه كذبه، (وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذِي يَعِدُكُمْ) لأنّكم حينئذ مسرفون متعدّون طوركم، كذّابون في نفي ربوبية ربّكم واتّخاذ أرباب من دونه والله لا يهدي من هو مسرف كذّاب، وأمّا على تقدير كذبه فلا ربوبية لمن اتّخذه ربّاً حتّى يهديه أو لا يهديه.1
29. (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ):
ثمّ إنّ مؤمن آل فرعون أكّد كلامه السابق بتعبير آخر، وهو أنّه لا تغرّنكم عظمتكم وملككم فإنّ الملك أمر زائل لا يردّ عذاب الله إذا جاء، كما قال: (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ): أي غالبين في أرض مصر (فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللهِ): أي فمن يردّ عذاب الله(إِنْ جَاءَنَا)، فإنّ بأس الله لا يُردّ، وغلَبتكم على بني إسرائيل لا تكون دليلاً على غلبة تقدير الله إذا جاء .
وبعين الله أنّ حجّة مؤمن آل فرعون كانت حجّة قوية ونصيحة رصينة لأنّه رسم للقوم مستقبل أمرهم، وهو أنّ المستقبل لا يخلو عن أحد

1 . الميزان في تفسير القرآن:17/329.

صفحه 235
أمرين: إمّا فضح موسى من جانب الله سبحانه لو كان كاذباً، أو نزول العذاب علينا وإبادة ملكنا لو كان صادقاً، فالعقل الحازم يحكم بترك التعرّض له.
إنّ هذا الأُسلوب الهادئ الحكيم في التحذير من مغبّة تكذيب موسى(عليه السلام) وقتله، يثير تساؤلات عن صحّة موقف فرعون وملئه من موسى، وطريقتهم في معالجة هذه القضية، وهذا هو منطق مؤمن آل فرعون وهو منطق صحيح مقنع، وبهذه الحجّة الباهرة احتجّ الإمام الرضا(عليه السلام) على الزنديق المنكر للبعث والمعاد، فقال: إذا لم يكن هناك بعث وحساب وجزاء وعقاب، فنحن وإيّاكم أمام هذا الواقع سواء لم يضرّنا ما عبدنا، وأمّا لـو كان هنـاك حساب وكتاب فنحن الناجون وأنتم الهالكون1، فهذا الاحتمال يكفي في أن يبحث الإنسان عن واقع الأمر ويحتاط عند الشكّ.
وكان على فرعون أن يتّعظ بهذه الحجّة الباهرة، ولكنّه قابل احتجاج هذا الرجل بجملتين نابعتين عن الغرور والاستكبار، وهما:
1.(قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرى): أي ما أشير عليكم إلاّ بما أراه صواباً وأرضاه لنفسي.
2. (وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ): أي ما أرشدكم إلاّ إلى ما هو طريق الصواب والرَّشاد (عندي) وهو قتل موسى والتكذيب به، واتخاذ فرعون إلهاً وربّاً.
فالطاغية قابل قوّة المنطق بمنطق القوّة، كما هو شأن المستكبرين.
ثمّ إنّ مؤمن آل فرعون لمّا سمع هاتين الجملتين من فرعون وأحسّ أنّ كلامه لم يؤثّر في طاغية مصر استمرّ في النصيحة وردّ العادية عن موسى(عليه السلام) بما يلي:

1 . لاحظ: عيون أخبار الرضا:1/120، الباب 11، برقم 28.

صفحه 236

الحوار الثاني

الآيات: الثلاثون إلى الخامسة والثلاثين

(وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوح وَعَاد وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِم وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ * الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبَّار).

المفرداتسورة غافر: الآيات 30ـ 35

الأحزاب: الأقوام الذين تحزّبوا على أنبيائهم وكذّبوهم.
دأْب: الدّأْب: العادة، الشأن.
يوم التناد: يوم القيامة، وإنّما سمّي بذلك لأنّ الناس ينادي فيه بعضهم بعضاً للاستغاثة.

صفحه 237
عاصم: مانع.
مُرتاب: شاكّ في دينه.
سلطان: السلطان. الحجّة، بحيث صار السلطان علَماً للحجّة.
يطبع: الطبع: الختْم.
مقتاً: المقْت: أشدّ البُغض.

التفسير

إنّ كلام الطاغية الأخير وهو: أنّ اللازم على الملأ والناس أن يأخذوا بما يراه هو حقّاً (يعني قتل موسى وتكذيب رسالته)، كلام يورث الخوف والرعب في الناصح، ومع ذلك نرى أنّ مؤمن آل فرعون أبدى من الحكمة والشجاعة، ما يليق أن يوصف بأنّه من أشجع الرجال وأحكمهم في التاريخ.
30 و 31. ( وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوح وَعَاد وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ):
فقد أخذ هذا المؤمن بكلام يعرب عن شفقته على قومه فحذّرهم بأس الله تعالى في الدنيا بإلفات نظرهم إلى مَن استأصلهم الله، كما قال: (وَقَالَ الذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ)وهم الجماعات التي تحزّبت على أنبيائها بالتكذيب (مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوح وَعَاد وَثَمُودَ وَالَّذِينَ

صفحه 238
مِنْ بَعْدِهِمْ)فالجملة عطف بيان على (يَوْمِ الأَحْزَابِ)، والآية تدلّ على أنّ قوم فرعون كانوا عالمين بما حلّ بقوم نوح، الذين أُهلكوا بالطوفان المعروف، وما حلّ بقوم عاد وثمود لقرب دارهم من البلاد المصريّة، فقد عمّهم العذاب لا ظلماً واعتداءً عليهم، بل جزاءً لأعمالهم وإشراكهم بالله وتكذيبهم لأنبياء الله. وبعد هذا التحذير من المصير القاتم الّذي قد يلاقونه في الدنيا، انتقل هذا المؤمن إلى تحذير قومه من عذاب الآخرة، وقال:
32. (وَيَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ):
أي يوم النشر والحساب، وإنّما سمّي بيوم التناد، لأنّ الظالمين ينادي بعضهم بعضاً بالويل والثبور، وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار، وأصحاب النار أصحاب الجنة، حسب ما ورد في سورة الأعراف.1
33.( يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِم وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد):
ثم شرع مؤمن آل فرعون في بيان يوم التناد، فوصفه بقوله: ( يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ)والتولّي هو عبارة عن رجوع الإنسان إلى الطريق الذي أتى منه هارباً ممّا واجهه فيها، ولكنْ لا ينفعهم الإدبار.
وحاصل تحذيره: أنّكم إذا رأيتم عذاب الله أمامكم يوم القيامة، نكصتم على أعقابكم فزعاً، ولكن لا مَنجى لكم منه، ولا محيص عنه ، لماذا؟ لقوله: (مَا لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِم): أي مانع من عذاب الله(وَمَنْ يُضْلِلِ

1 . لاحظ :الأعراف:44.

صفحه 239
اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد) فمن لم يتدبّر آيات الله ولم يعتبر بما حلّ بالأقوام البائدة المشركة، لا يكون مستحقّاً للهداية.
والآية هذه بمنزلة قوله سبحانه: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَ اللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)1، فإضلاله سبحانه كناية عن عدم هدايته نتيجة فسقهم وإعراضهم عن بيّناته، فالله سبحانه لم يُزغ قلوبهم إلاّ بعد أن زاغت ومالت عن الحقّ، ولم يُضلّهم إلاّ بعد أن فسقوا وخرجوا عن الطاعة، فمثل هؤلاء لا يستحقّون الهداية.
34. ( وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ):
ثمّ بيّن أنّ موقفهم السيِّئ من موسى (عليه السلام)هو استمرار لموقف أسلافهم المصريّين من يوسف (عليه السلام)، حيث ارتابوا في أمره ولم يصدّقوا دعوته على الرغم من وضوح الحجج والبراهين التي جاء بها، كما قال: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ). ثمّ إنّكم قد زيّنت لكم أهواؤكم فقلتم إنّ الرسل قد انقطعوا بموته كما قال: (حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً)يدعو إلى عبادة الله وحده ونبذ الشرك وإلى الإيمان باليوم الآخر.
وقد قالوا هذه المقالة على سبيل التشهّي والتمنّي من غير حجّة ولا

1 . الصف:5.

صفحه 240
برهان، ليكون لهم أساس في تكذيب مَن بعده، وليس إقراراً منهم برسالته، بل هو ضمٌّ إلى الشكّ في رسالته التكذيب برسالة مَن بعده.1
وليس هذا الصدود عن الحقّ بأمر عجيب، فبمثل هذا الخذلان والارتكاس في الضلالة يخذل الله كلّ مسرف مرتاب كما قال:(كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ) منهمك في المعاصي، شاكٌّ في التوحيد والنبوّة.
35. (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبَّار):
لمّا أخبر مؤمن آل فرعون أنّه سبحانه يضلَّ المسرفين المرتابين، حاول وصفهم على نحو ينطبق على آل فرعون، فوصفهم بقوله: (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ): أي يريدون إبطالها (بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ): أي بغير حجّة ظاهرة لهم (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا): أي كبر ذلك الجدل بغضاً لدى الله ولدى المؤمنين، فمقت الله إيّاهم يستتبع سوء العذاب، ومقت المؤمنين تظهر آثاره في هجرهم إيّاهم، فالله سبحانه، وكذلك المؤمنون، يبغضون المجادلين بالباطل أشدّ البغض (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبَّار) وهذه الفقرة نظير قوله: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ)والفقرتان ترتضعان من ثدي واحد، وهو أنّ إضلال الله ليس بلا سبب ولا جهة ولا هو فوضى، وإنّما يتبع عمل العبد، فمن وضع قدميه

1 . تفسير المراغي: 24 / 69 .

صفحه 241
على طريق الهداية تشمله هداية الله، وأمّا مَن أعرض عن الله وارتاب في أدلّة وحدانيّته، أو تكبّر وتجبّر، فلا تشمله هداية الله تعالى.
ما أبلغ كلام هذا المؤمن وما أروع حجّته، ولكن الحجّج العقلية إنّما تؤثر في أصحاب القلوب الصافية، وأمّا من رانت المعاصي على قلوبهم، فيلجأون إلى أُسلوب التمويه والتزوير، كما فعل فرعون، على ما يأتي.
هذا، ولو حاول الجبريّ أن يستدلّ بهذه الآيات على عقيدته، فقد غفل عن مفاد الآية، فإنّ تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلّيّة، فالإضلال في الفقرة الأُولى لأجل كون الطرف مسرفاً مرتاباً وليس بصدد رفع الريب والشكّ عن نفسه، كما أنّ الطبع والختم على القلوب المانع من نفوذ نور الهداية لكون الطرف متكبّراً جبّاراً لا يريد أن يخضع لآيات الله وحججه ورسله، فمثل هذه الأصناف محرومون من هداية الله تعالى، فلو كان هناك ذمٌّ فإنّما هو للقابل لا للمفيض، ونظير الفقرتين قوله سبحانه: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَ اللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)1.

الآيتان: السادسة والثلاثون والسابعة والثلاثون سورة غافر: الآيتان36 و37

(وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَاب).

1 . الصف:5.

صفحه 242

المفردات

هامان: وزير فرعون.
صَرحاً: الصرح: القصر الشامخ المنيف.
الأسباب: جمع سبب، وهو ما يُتوصَّل به إلى شيء، من حبل وسُلَّم وطريق.
تباب: خسران وهلاك.

التفسير

36. (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ) :
لقد لجأ فرعون ـ بعد نصح المؤمن من آل فرعون ـ إلى سياسة تزوير الحقائق، وحاول أن يموّه على الحاضرين ببطلان دعوة موسى إلى إله العالمين وذلك بعد الاستماع إلى حوار مؤمن آل فرعون معه، فطلب من وزيره هامان أن يبني له بناءً مرتفعاً يصعد به إلى السماء، لينظر إلى إله موسى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ). ثم فسّر تلك الأسباب، بقوله:
37. (أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَاب):

صفحه 243
والأسباب جمع السبب: وهو ما يُتوصّل به إلى مكان بعيد، فأطلق السبب على الطريق، فأراد فرعون بالوقوف على الصرح المشيّد أن يتعرّف على طرق السماوات حتّى تنكشف له خفايا السماء وينتهي الأمر إلى إله موسى، فيرى هل هو موجود فيها أو لا؟!
ولكنّه قبل أن يبنى الصرحُ، ويُشرفَ عليه، أصدر حُكمَه في إله موسى، فقال: (وَإنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا)!! وهذا هو ديدن كلّ متكبّر، ينقاد لِهَواهُ ولإغواء الشيطان، إذ يزيّنان له أعماله السيئة، فيتمادى في طغيانه وفساده، ويُعرض عن طريق الخير والفلاح، ولم يكن فرعون بِبِدْع في ذلك (وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ).
ثم أرشد سبحانه إلى أنّ ما اقترحه على وزيره من بناء الصرح حتّى يطّلع إلى إله موسى، كان كيداً يريد به التلبيس على أفكار مَن حوله وخداعهم كما يقول: (وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَاب): أي في هلاك وخسار مقطوع لا ينفعه.
إنّ سياسة فرعون في التمويه على البسطاء واستغفالهم، ممّا اتّبعها الظالمون على مرّ العصور، والتاريخ يعيد نفسه، فهذا هو «خروشوف» يسأل رائد الفضاء الأوّل«غاغارين» بعد عودته من الرحلة الفضائية، واستقباله له، يسأله ساخراً: هل رأيت الله في السماء؟ فأجاب غاغارين بالنفي. والسائل والمسؤول هناك يعلمان (كفرعون) بأنّ إله العالمين ورب السماوات والأرض ليس جسماً ولا جسمانياً (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء)1 حتّى

1 . الشورى: 11 .

صفحه 244
يكون في السماوات أو الأرض، ويستدلّ بعدم مشاهدته على عدم وجوده، ولكن حاول السائل (كسلفه فرعون) خداع الناس، وتلبيس الأمر عليهم، ويا للأسف اقتنع بقول رائد الفضاء مَن كان حوله من الساسة والعسكريين، أتباع الاتجاه المادّي.
وممّا يثير الأسف والدهشة أنّ القائلين بأنّ الله في السماوات جالس على عرشه، يستدلّون بطلب فرعون أن يُبنى له صرح، زاعمين أنّ أساس طلبه هو ما سمعه من موسى بأنّ الله في السماء!!1 ونحن لا نعلّق على هذا الاستدلال الثاني بشيء، لوضوح سخافته لدى القارئ اللّبيب.

الحوار الثالث سورة غافر: الآيات 38ـ 46

الآيات: الثامنة والثلاثون إلى السادسة والأربعين

(وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب * وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَني إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَني لأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ

1 . بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية: 1 / 526 .

صفحه 245
دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلاَ فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْري إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ).

المفردات

الرَّشاد: ضد الغيّ والضلال.
متاع: ما يستمتع به أياماً قلائل.
دار القرار: دار البقاء والدوام.
النجاة: أُريد بها الإيمان بالله الذي ثمرته النجاة من عذاب الله.
النار: أُريد بها عبادة غير الله التي عاقبتها دخول النار.
ما ليس لي به علم: لم يقم برهان على كونه مستحقّاً للعبادة.
لا جَرم: هو مركب من «لا» القسم، و«جرم» على وزن حَرَم، بمعنى: القطع، ويستخدم بمعنى حتماً.
دعوة: أريد بها الاستجابة أو إرسال الداعي إليه.
مردّنا: مرجعنا.
المسرفين: المتوغلين في الشر، المتعدّين على الحدود.

صفحه 246
فستذكرون: أي يذكر بعضكم بعضاً حين دخول النار.
وقاه: حفظه.
أُفوّض: أُسلّم أمري إلى الله وأتوكّل عليه.

التفسير

تقدم الحواران لمؤمن آل فرعون وكانا مؤثّرين إلى حدٍّ حاول معهما فرعون أن يمنع من تأثير كلام المؤمن في نفوس قومه، وذلك بطلبه من هامان ـ وزيره ـ أن يبني له صرحاً لعله يطّلع إلى إله موسى، من خلال الفحص والتجسّس في أطراف السماوات. ومن المعلوم أنّه كان اقتراحاً تافهاً يقصد به التمويه والتلبيس على قومه، لأنّ موسى(عليه السلام)كان يدعو إلى إله منزَّه عن المكان والجهة، ولكنّه موّه في كلامه وحمله على موسى، وعند ذلك رأى مؤمن آل فرعون أنّ الوقت مناسب للاستدلال على صحّة دعوة موسى بشكل أصرح، ولذلك نرى أنّ الحوار الثالث أوضح وأقرب إلى تحقيق الهدف من الحوارين السابقين، فقال:
38. (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ):
ابتدأ مؤمن آل فرعون كلامه بذكر أمر تطيب له النفوس وتتشوّق إليه الأسماع:(يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ) وهذا أمر يستحسنه كلّ إنسان، سواء كان موحِّداً أم مشركاً، ولكنّه وضعه في هذا الإطار وهو إنّ سبيل الرشد عبارة عما في قوله:

صفحه 247
39. (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ):
إنّ سبيل الرشد هو عبارة عن عدم الاعتداد بالحياة الدنيا. لماذا؟ لأنَّ ما فيها يُستمتع به قليلاً كما قال: (إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ) قليل يتمتع به الإنسان أياماً قلائل ثم يزول، وأمّا النعم الباقية والمستقرة فهي نعم الحياة الأُخروية، كما قال: (وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ).
وهذا المعنى أشار إليه الإمام عليٌّ(عليه السلام) بقوله: «أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَجَاز، وَالاْخِرَةُ دَارُ قَرَار، فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ».1
ويعجبني أن أذكر شيئاً ممّا جادت به قريحة شاعر الولاية السيد حيدر الحليّ(رحمه الله) في وصف الدنيا، قال:
اليوم ترشف زهوَها *** وغداً تعالج داءَها
ما إن حمدتَ صباحها *** إلاّ ذممتَ مساءها
يا ناعماً حتى كأنّـ *** ـك لم تخف بأساءها
لا تطلبنّ بها البقا *** ءَ فقد عرفتَ فناءها2
40. (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب):

1 . نهج البلاغة: الخطبة 203.
2. ديوان السيد حيدر الحلي:2/65.

صفحه 248
ما تضمّنته هذه الآية من معان غزيرة ومواعظ شافية يعرب عن أنّ الرجل كان على مكانة سامية من إدراك المعارف التي جاء بها الأنبياء، فمن أين اكتسبها وأخذها واختزنها في نفسه عبر سنين، مع أنّه كان يعيش في بلاط فرعون؟!
لقد ذكر مؤمن آل فرعون أنّ الإنسان في فوزه وسعادته وفي خسرانه وشقائه في دار القرار رهن عمله في هذه الدنيا، ولكن (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا)لأنّ الجزاء بالمثل هو مقتضى العدل الإلهي حيث لا يظلم ولا يجور:(وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى) مشيراً إلى أنّه لا فرق عند الله بين الرجل والمرأة (وَهُوَ مُؤمِنٌ) لأنّ العمل بلا إيمان لا ثمرة له (فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب)، فقد أشار بكلامه هذا إلى أمرين:
أ. الإيمان أساس السعادة، والكفر أساس الشقاء.
ب. أنّ الله سبحانه يجزي المسيء بمقدار عمله، وأمّا المحسن فيجزيه أضعافاً مضاعفة وبلا حساب، قال تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَ مَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَ هُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)1، وهذا يدلّ على أنّ أُصول المعارف والاعتقادات كانت أمراً واحداً في كافّة الشرائع، وأنّ مؤمن آل فرعون يمكن أن يكون قد وقف عليها عن طريق صحف إبراهيم(عليه السلام) أو غيرها.
ثم أخذ هذا المؤمن يتدرّج في إبداء مقاصده ويصرّح أكثر بدعواه، فيؤكّد أنّ مآل التوحيد هو النجاة، ومآل الشرك هو النار، وقال:

1 . الأنعام:160.

صفحه 249
41. (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَني إِلَى النَّارِ):
إنّه يتعجّب من قومه ويأسى عليهم فيقول:(وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ)إلى الإيمان بالله خالق السماوات والأرض ومدبّرها، الّذي هو السبيل (إِلَى النَّجَاةِ) من عذاب الله (وَ)لكنّكم (تَدْعُونَني إِلَى النَّارِ): أي الشرك بالله الذي نتيجته دخول النار؟!
ولأجل أن يوضّح لقومه مغزى الدعوتين، قال لهم:
42. (تَدْعُونَني لأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ):
أي أنّكم (تَدْعُونَني لأَكْفُرَ بِاللهِ) ولا أعبده (وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ): أي أشارك ما لم يقم دليل وبرهان على صلاحيته للعبادة، مع الله في العبادة، فقوله:(مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ) نوع تلطّف، وأراد به الإشارة إلى أنّها ليست آلهة بطريق الكناية. هذه نتيجة دعوتكم ( وَ) أمّا (أَنَا) فـ (أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ)وقد أتى بوصفين لإشعارهم بأنّه سبحانه عزيز غالب لا يُقهر مهما تمرّدوا عليه، ولكنْ لو رجعوا إليه لغفر ذنوبهم، ففي الوصف الأوّل ترهيب وإنذار، وفي الوصف الثاني ترغيب وبشارة.
ثمّ بيّن لهم الفارق بين الدعوتين بشكل أصرح ممّا سبق، وقال:
43. ( لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلاَ فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ):

صفحه 250
ركّز مؤمن آل فرعون في خطابه هذا لقومه على بيان الفارق بين الدعوتين بالقول: إنّكم تدعونني إلى عبادة صنم أو وثن أو جرم سماوي، إمّا لا يستجيب أو ليس له داع إلى عبادته وربوبيته، كما قال: (لاَ جَرَمَ ): أي حتماً (أَنَّمَا تَدْعُونَني إِلَيْهِ) يعني عبادة الأصنام ( لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا): أي لا يستجيب دعوة الداعي،أو لم يُعهد أن يرسل نبيّاً إلى الناس ويدعوهم إلى عبادته (وَلاَ فِي الآخِرَةِ) إذ لا رجوع إليه.
وإنّما المرجع والمردّ إلى الله سبحانه كما قال: (وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ)، ثمّ أشار إلى أنّ الدعوة إلى عبادة الأصنام والأوثان التي لا تستجيب وليس لها دعاة، إسراف وتعدّ على حدود الله، فقال: ( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ): أي سيدخلون النار. ومن لطيف القول أنّ منطق مؤمن آل فرعون هو ممّا أمضاه القرآن الكريم واستدلّ به على بطلان عبادة غير الله، قال تعالى: (إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَ لَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ)1.
44. (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْري إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ):
ختم هذا المؤمن حواره مع قومه بأمرين:
الأوّل: أنّه قال لهم واعظاً ومحذّراً، بعد أن يئس من استجابتهم:

1 . فاطر:14.

صفحه 251
(فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ): أي أنّ ما قلتُه لكم ستذكرونه ويذكّر بعضكم بعضاً به، عندما يحلّ بكم العذاب وتحدق بكم الأهوال، وستعلمون أنّي كنت ناصحاً لكم وإن لم أجد أسماعاً صاغية.
الثاني: بما أنّ هذه الحوارات وخاصّة الثالث، كان مظنّة أن يثير حفيظة فرعون فيأمر بقتله واستئصاله ذكّر بأنّه قد سلّم أمره إلى الله ولجأ إلى كنفه، كما قال:(وَأُفَوِّضُ أَمْري إِلَى اللهِ) فهو حسبي ونعم الوكيل (إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ).
وكأنّ الطاغية وأعوانه أرادوا به سوءاً، فأخبر سبحانه بأنّه نجّاه من تآمرهم عليه، وقال:
45.(فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ):
والله سبحانه أنعم عليه بأمرين:
الأوّل:(فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا): أي شرّ آل فرعون ; لأنّه أظهر إيمانه بموسى (عليه السلام)، وكان عليهم أن يقتلوه أو يصلبوه كما صلبوا زوجة فرعون المؤمنة.
الثاني: نجّاه من المصير الذي أحاق بآل فرعون كما قال:(وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) وهو في الدنيا الغرق، وفي الآخرة النار.
46.(النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ):

صفحه 252
لمّا ذكر سبحانه بأنّه أحاط بآل فرعون سوء العذاب، أمّا في الدنيا فقد تبين أنّهم أُهلكوا بالغرق، بقي الكلام في كيفية تعذيبهم بعد مفارقتهم الدنيا، فأشار بأنّ لآل فرعون بعد الغرق، عذابين:
الأوّل: عذاب في البرزخ، وهي الحياة المتوسطة بين الحياة الدنيا وحياة الآخرة، ففيها يعرضون على النار صباحاً ومساءً كما يقول:(النارُ)وهو بدل من قوله: (سُوءُ العذابِ)، (يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا): أي على النار لينالهم من ألمها والغمّ بالمصير إليها (غُدُوًّا وَعَشِيًّا) صباحاً ومساءً. والعرض على النار أخفُّ عذاباً من دخولها، فإنّ الثاني أعدّ لهم يوم القيامة، كما قال: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)والخطاب هنا للملائكة وهم الموكَّلون بجهنّم.
إلى هنا تمّت حوارات الرجل المؤمن من آل فرعون والتي بدأت بالآية الثامنة والعشرين إلى الآية السادسة والأربعين، وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ اهتمام الذكر الحكيم بإيراد هذه الحوارات بالتفصيل يدلّ على سموّ معانيها وقوّة براهينها وتأثيرها على نحو الإجمال في قلوب الطغاة حيث منعهم من قتل موسى، وقتل الأولاد وغير ذلك، وفيها دروس وعبر نشير إليها، فنقول:

دروس وعبر

إنّ التدبّر في هذه الآيات، يعلّمنا دروساً وعبراً لا غنى للداعية والمبلِّغ الناجح عن الاستضاءة بها، وها نحن نشير إلى بعضها:

صفحه 253

الأوّل: كتمان العقيدة مؤقّتاً

من قرأ شيئاً من التاريخ، سواء أكان راجعاً إلى ما قبل الإسلام أم بعده يجد أنّ الضعفاء عبر القرون كانوا يتقنّعون بهذا السلاح المعنوي لصيانتهم من الأضرار الجسيمة التي تتوجّه إليهم، ولم يستثن منهم إلاّ الأنبياء الذين لم تُكتب عليهم التقيّة، لأنّها لا تنسجم مع دعوى النبوّة حيث إنّهم بُعثوا لكسر الأصنام وتصحيح عقائد الناس ودعوتهم إلى التوحيد والاعتقاد بالدار الآخرة، ونشر المعروف وهجر المنكر، وأمّا غيرهم فالتقيّة في حقّهم تنقسم إلى تقية واجبة ومستحبّة ومكروهة ومحرّمة.
وهذا هو مؤمن آل فرعون يعرّفه سبحانه بقوله: (يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) ومع ذلك كان يتّخذ من التقيّة غطاءً وقناعاً ليقول ما يريد حيثما تسنح له الظروف، قال سبحانه:(وَ قَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللهُ)1 فهو كان يتظاهر معهم في العقيدة والعمل، ولكنّه يعتقد خلاف ما يتظاهر به.
وإذا مررنا على تاريخ الأُمّة الإسلامية نرى أنّ العلماء الصادقين كانوا يعملون بالتقيّة في الظروف الحرجة.
والتاريخ بين أيدينا يحدّثنا بوضوح عن لجوء عدد من كبار المسلمين إلى التقيّة في ظروف عصيبة أوشكت أن تقضي عليهم وعلى ما يملكون، وخير مثال على ذلك ما أورده الطبري عن محاولة المأمون دفع وجوه القضاة والمحدّثين في زمانه إلى الإقرار بخلق القرآن قسراً حتى وإن

1 . غافر:28.

صفحه 254
استلزم ذلك قتل الجميع من دون رحمة، ولمّا أبصر أُولئك المحدّثون حدّ السيف مشهراً عمدوا إلى مصانعة المأمون في دعواه وأسرّوا معتقدهم في صدورهم، ولمّا عوتبوا على ما ذهبوا إليه من موافقة المأمون، برّروا عملهم بعمل عمّار بن ياسر حين أُكره على الشرك وقلبه مطمئن بالإيمان.1
والقصة صريحة في جواز التقيّة التي دأب البعض على التشنيع فيها على الشيعة، وكأنّهم هم الذين ابتدعوها من بُنات أفكارهم دون أن تكون لها قواعد وأُصول إسلامية ثابتة ومعلومة. وبهذا يعلم أنّ التقيّة أصل إسلامي دلّت عليه الآيات والروايات وسيرة المسلمين، وقد روي
عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «التقيّة ترس المؤمن، والتقيّة حرز المؤمن».2
ولسنا في مقام سرد أدلّة التقيّة، وإنّما نشير هنا إلى إشكال يجتره أكثر من يريد الإزراء بالشيعة والتشنيع عليهم.

شمول الأدلّة للتقية من المخالف والمؤالف

ربّما يتصوّر أنّ أدلّة التقيّة في الكتاب العزيز تختصّ بالتقيّة من الكافر فقط كما هو مورد آياتها الدالّة عليها، ولا تشمل التقيّة من المخالف، فكيف عن الشيعي المؤالف؟
والجواب: أنّ ما ذكر نتيجة جمود على مورد الآيات مع غضّ النظر عن الغاية التي شُرّعت لأجلها التقيّة، وإلاّ فالملاك هو صيانة النفس

1 . تاريخ الطبري:7/195ـ 206.
2 . الوسائل:11، الباب 24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 6.

صفحه 255
والنفيس عن الاعتداء، سواء أكان المعتدي كافراً، أم مخالفاً، أم مؤالفاً، فإذا ابتلي المسلم بأخيه المسلم الذي يخالفه في بعض الفروع ولا يتردّد في إيذائه إذا عرف ذلك منه، ففي تلك الظروف يحكم العقل بصيانة النفس والنفيس عن المخالف، وذلك عن طريق كتمان العقيدة، واستعمال التقيّة. ولو كان هناك وِزر فإنّه يتوجّه إلى من يُتّقى منه لا على المتّقي، إذ لو سادت الحرية جميع أبناء المذاهب الإسلامية واحتمل أتباعُ كلّ مذهب عقائد أتباع المذهب الآخر، واستقبلوها بصدر رحب، لما اتّقى أحد إلى يوم القيامة، ولذلك نرى أنّ جمعاً من علماء أهل السنّة قد أفتى بجواز التقيّة من السلطان السنّي إذا كان جائراً، كما أنّ جمعاً منهم صرّحوا بعموم أدلة التقيّة وشمولها للمسلم وغيره، والذي يشهد على العموم أنّ أكثر المحدّثين عملوا بالتقيّة عندما جاءت رسالة المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم (رئيس الشرطة ببغداد) فأحضر لفيفاً من المحدّثين والذين يربو عددهم على ستة وعشرين محدّثاً، فقرأ عليهم رسالة المأمون مرّتين حتى فهموها ثم سأل كلّ واحد عن رأيه في خلق القرآن.
وقد كانت عقيدة المحدّثين على أنّ القرآن غير مخلوق أو غير حادث، فلمّا شعروا بالخطر وقُرئت عليهم رسالة المأمون ثانياً وأمره بالتضييق عليهم وأن توثق أيديهم ويرسلوا إليه، أجاب القوم الممتنعون كلّهم وقالوا بخلق القرآن إلاّ أربعة، وهم: أحمد بن حنبل، وسجّادة، والقواريري، ومحمّد بن نوح، فلمّا كان من الغد أظهر سجّادة الموافقة، وقال بأنّ القرآن مخلوق وخلّي سبيله، ثم تبعه بعد غد القواريري وقال بأنّ القرآن مخلوق، فخُلّي سبيله، وبقي أحمد بن حنبل ومحمّد بن نوح،

صفحه 256
وللقصة تكملة ذكرنا تفصيلها في كتابنا «بحوث في الملل والنحل»1.
وهذا أكبر شاهد على أنّ أربعة وعشرين محدّثاً قد عملوا بالتقيّة في مقابل السلطان الجائر المسلم.
وكان المحدّث الكبير علي ابن المديني (المتوفّى 234 هـ) ممّن أجاب إلى القول بخلق القرآن تقيّة، فقد روي عنه أنّه قال: ما في قلبي ممّا قلت وأجبت إليه شيء، ولكنّي خفتُ أن أُقتل.2
قال الذهبيّ، وهو يردّ على عثمان بن سعيد الدارمي قوله: (قد نويتُ أنْ لا أُحدّث عن أحد أجاب إلى خلق القرآن)، قال: مَن أجاب تقيّة فلا بأس عليه، وترك حديثه لا ينبغي.3
وكان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة ]يعني كتابة الحديث [ عن أبي نصر التمّار، ولا عن يحيى بن مَعين، ولا عن أحد ممّن امتُحن ] يعني بخلق القرآن[ فأجاب، فقال الذهبيّ معلِّقاً على هذا الرأي: هذا أمر ضيِّق، ولا حرج على مَن أجاب في المحنة، بل ولا على من أُكره على صريح الكفر عملاً بالآية. وهذا هو الحقّ. وكان يحيى (رحمه الله) من أئمة السنّة، فخاف من سطوة الدولة، وأجاب تقيّة.4
ولذا فلا فرق في الاتّقاء بين المخالف والمؤالف إذا صودرت الحريّات ولم يكن للشيعي إلاّ إظهار الموافقة لصيانة نفسه ونفيسه.وها

1 . لاحظ : بحوث في الملل والنحل:3/605ـ614.
2 . تهذيب الكمال: 21 / 30، الترجمة 4096 .
3 . سير أعلام النبلاء: 13 / 322، الترجمة 148 .
4 . سير أعلام النبلاء: 11 / 87 ، الترجمة 28 .

صفحه 257
نحن نقتصر على ثلاث كلمات لأقطاب التفسير:
1. يقول الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه:(إلاّ أنْ تتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً) 1 ظاهر الآية على أنّ التقيّة إنّما تحلّ مع الكفّار الغالبين، إلاّ أنّ مذهب الشافعي(رضي الله عنه): أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين، حلّت التقيّة محاماة عن النفس.
وقال: التقيّة جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله(صلى الله عليه وآله): «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«من قتل دون ماله فهو شهيد».2
2. قال ابن الوزير اليماني (المتوفّى 840 هـ) في كتابه «إيثار الحقّ على الخلق» ما هذا نصه: «وزاد الحق غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف العارفين ـ مع قلّتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقيّة عند ذلك بنصّ القرآن، وإجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ، ولا برح المحقّ عدوّاً لأكثر الخلق، وقد صحّ عن أبي هريرة أنّه قال، في ذلك العصر الأوّل: «حفظت من رسول الله(صلى الله عليه وآله)وعاءين، أمّا أحدهما فبثثته في الناس، وأمّا الآخر فلو أبثّه لقُطع هذا البلعوم».3

1 . آل عمران: 28 .
2 . تفسير الرازي: 8 / 13، في تفسير الآية.
3 . إيثار الحق على الخلق: 141 ـ 142، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، 1407 هـ . ومعنى ذلك: أنّ أبا هريرة اتّقى وترك الواجب، أي بثّ حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تقيّة وحفظاً لنفسه. وقد روى البخاري هذا القول عن أبي هريرة في الصحيح: 1 / 38، كتاب العلم، باب حفظ العلم.

صفحه 258
3. وقال المراغي في تفسير قوله سبحانه:(مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إيمانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمان)1: ويدخل في التقيّة مداراة الكفرة والظلمة والفسقة، وإلانة الكلام لهم، والتبسّم في وجوههم، وبذل المال لهم; لكفّ أذاهم وصيانة العرض منهم، ولا يعدّ هذا من الموالاة المنهىّ عنها، بل هو مشروع، فقد أخرج الطبراني قوله(صلى الله عليه وآله): «ما وَقَى المؤمن به عرضَه فهو صدقة».2

الثاني: التدرّج في التبليغ

يقتضي الأمر إذا واجه الداعي أُناساً معاندين للحقّ، أن يعالج هذا الداء بنحو تدريجي، فيبدأ بالأهون فالأهون إلى أن يصير إلى الأشدّ فالأشدّ، فربّ كلام صحيح يجدر بالمبلّغ أن يجهر به، لكن بعد أن يهيّئ النفوس لتقبُّله، وأن يخلق الأرضية المناسبة لبذره في نفوس المخاطبين. وهذا هو الأُسلوب الذي اتّبعه مؤمن آل فرعون، فنراه قد بدأ بإظهار التردّد والشكّ في دعوة موسى(عليه السلام) وإن كان في صميم قلبه ليس شاكّاً ولا متردّداً، وقال:(وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذِي يَعِدُكُمْ) ولكنّه في الحوار الثالث رفع الستر عن عقيدته، وصرّح بها أكثر فقال: ( يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ)، وأي كلمة أصرح من ذلك في أنّ ما يدعو إليه الفراعنة هو سبيل الغيّ والضلال؟ إلى غير ذلك ممّا ورد في ثنايا الحوار الثالث من التصريح بالحق وذكر يوم القيامة وأنّكم تدعون إلى النار وأنا أدعوكم إلى الجنة.

1 . النحل: 106 .
2 . تفسير المراغي: 3 / 136.

صفحه 259

الثالث: خروج الموعظة من القلب يدخلها القلب

من الثابت أنّ الموعظة إذا خرجت من القلب وكان الواعظ عاملاً بما يقول، فسوف تؤثّر في السامع إمّا بتمامها أو بشيء منها، وإلى ذلك يشير قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب».1
وهذا ما شاهدناه في موعظة مؤمن آل فرعون لقومه، وهي وإن لم تؤثّر في هداية القوم لكنّها كسرت شوكتهم وأبطلت مؤامرتهم حيث انصرفوا عن قتل موسى، وقتل الأولاد، وإنّما تركوهم على حالهم.

الرابع: حفظ الله للداعي ونصره له

إنّ الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا اعتصم بالله وحده وابتغى مرضاته، فإنّ سبحانه سيقيه ويحفظه ويدفع عنه كيد الظالمين. ويشهد لذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَإِنَّ الاَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَخُلُقان من خُلق الله سبحانه، وإنهما لاَ يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَل، وَلاَ يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْق».2
نعم ربّما يصيب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ضررٌ ما، وقد يُقتل، ولكنّ هذا استثناء في سنّة الله تبارك وتعالى، ولأجل مصالح خافية

1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 20 / 287 برقم 279، باب الحكم المنسوبة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام).
2 . نهج البلاغة: الخطبة 156. وروي نحوه عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)، كما في الوسائل:11، الباب1 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 24.

صفحه 260
علينا، ولكن السنّة جرت على صيانتهم وحفظهم. وسيوافيك توضيح أكثر في تفسير قوله تعالى:(إنّا لَننصر رُسلنا والّذينَ آمنوا...).
وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراتب، وفي وجوبهما شروط وأحكام، تكفّلت بذكرها كتب الفقه، فمن أحبّ أن يقف عليها، فليرجع إليها.
ومن تلك الشروط أن لا تكون فيه مفسدة، وأن لا يؤدي إلى القتل، وأمّا استدلال بعضهم بقوله تعالى: (وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ)1 على جواز إنكار المنكر مع خوف القتل، فغير صحيح، والوجه في قوله تعالى الآنف الذكر، هو مَن غلَب على ظنّه أنّ إنكاره لا يؤدّي إلى مفسدة، فحسُن منه ذلك بل وجب، وإنْ تعقّب ـ فيما بعد ـ القتل، لأنّه ليس من شرطه أن يعلم ذلك، بل يكفي فيه غلَبَة الظنّ.2

الخامس: التأكيد على الحياة البرزخية

دلّ قوله سبحانه: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)على أنّ بين الحياتين: (الدنيوية) و(الأُخروية) حياةً متوسطة بينهما، وهذا ما يسمّى بالحياة البرزخية، فآل فرعون قد غرقوا في البحر وماتوا، ثم هاهم في هذا العالم القائم بين الدنيا والآخرة يعذّبون فيه بعرضهم على النار غدوّاً وعشيّاً، فإذا قامت القيامة يدخلون أشدّ العذاب.

1 . آل عمران: 50 .
2 . انظر: التبيان في تفسير القرآن: 2 / 422 ـ 423 .

صفحه 261
وليست الحياة البرزخية من خصائص الطواغيت وأتباعهم بل هي تعمّ الشهداء، وقد دلّت الآيات القرآنية على أنّ للشهداء حياة ولها آثار، قال سبحانه:(وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ *فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَة مِنَ اللهِ وَ فَضْل وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ).1 فقد أثبتت هذه الآيات للشهداء آثار الحياة الواقعية من الرزق والفرح والاستبشار بالذين لم يلحقوا بهم، كلّ ذلك يدلّ على وجود حياة بين الحياتين، وأمّا ما هي حقيقتها فهي خافية عنّا.

الحياة البرزخية في القرآن الكريم

البرزخ: الحاجز والحدّ بين الشيئين، قال تعالى:(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ)2.
والمراد بالحياة البرزخية: الحياة الواقعة بين الموت والحياة الأُخروية، وعلى هذا فللإنسان حياة دنيويّة، وحياة برزخية، وحياة أُخروية، ولكلّ خصائصها.
وبمـا أنّ البحث قـرآني فلنقتصر على ما يستفاد من الآيات الكريمة، وهي:

1 . آل عمران:169ـ 171.
2 . الرحمن:19 ـ 20.

صفحه 262

1. الإحياء الأوّل إحياء في البرزخ

قال سبحانه: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوج مِنْ سَبِيل).1
وقد مرّ ـ عند تفسير الآية ـ أنّ الموضوع في هذه الآية هو الإحياء والإماتة، لا الموت والحياة، وعلى هذا فالظاهر أنّ المراد هو ما يلي:
الإماتة الأُولى هي الإماتة عن الحياة الدنيا.
والإحياء الأوّل هو الإحياء في البرزخ، وتستمر هذه الحياة إلى نفخ الصور الأوّل.
والإماتة الثانية، عند نفخ الصور الأوّل، يقول سبحانه: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَنْ فِي الأَرْضِ).2
والإحياء الثاني، عند نفخ الصور الثاني، يقول سبحانه:(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ)3.

2. دخول العصاة النار قبل يوم القيامة

قال سبحانه: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصَارًا).4
وهذه الآية تدلّ على أنّ أُمّة نوح دخلوا النار بعد الغرق بلا فصل،

1 . غافر:11.
2 . الزمر:68.
3 . يس:51.
4 . نوح:25.

صفحه 263
لوجود الفاء في قوله:(فَأُدْخِلُوا)، ولو كان المراد هو نار يوم القيامة لكان اللازم الإتيان بـ«ثمّ» أوّلاً، وارتكاب التأويل في قوله: (فَأُدْخِلُوا)، حيث وضع الماضي مكان المستقبل لأجل كونه محقّق الوقوع، وهو خلاف الظاهر، ثانياً.

3. العرض على النار قبل يوم القيامة

قال سبحانه:(النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَ عَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ).1
وهذه الآية تحكي عرض آل فرعون على النار صباحاً ومساءً، قبل يوم القيامة، بشهادة قوله بعد العرض: (وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ)، ولأجل ذلك عبّر عن العذاب الأوّل بالعرض على النار، وعن العذاب في الآخرة، بإدخال آل فرعون أشدّ العذاب، حاكياً عن كون العذاب في البرزخ، أخفّ وطأً من عذاب يوم الساعة.

4. الدخول في الجنة قبل يوم القيامة

قال سبحانه: (إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ).2
كان سبحانه قد بعث ثلاثة رُسل إلى إحدى القرى ليدعو أهلها إلى الحقّ، غير أنّ أهلها كذّبوا هؤلاء الرسل، وهمّوا بقتلهم، فلمّا سمع بذلك أحد المؤمنين (وكان يسكن في أطراف تلك القرية) جاء مسرعاً إليهم

1 . غافر:46.
2 . يس:25ـ 27.

صفحه 264
لينصر المرسَلَين، وقد ذكر سبحانه كيفية نصره، حيث قال:(اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَ هُمْ مُهْتَدُونَ)1 إلى آخر ما ذكر، ولكنّ القوم قتلوه، فالله سبحانه يحكي عن حاله بعد أن فاضت روحه الطاهرة، بقوله :(قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ): أي خوطب بالدخول في الجنّة، وعندئذ: (قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ)2، فما هي تلك الجنّة التي دخل فيها بعد الاستشهاد؟ ما هي إلاّ الجنّة البرزخية في ذلك العالَم الّذي يقع بين الموت والبعث، بشهادة أنّه تمنّى أن يعلم قومه بما مَنّ الله تعالى عليه من المغفرة وجزيل الثواب ليرغبوا في مثله.
هذا غيض من فيض من الآيات الدالّة على وجود حياة بعد الموت وقبل القيامة لقسم من الناس، أو لعامّتهم، وإذا أُضيف إلى تلك الآيات ما دلّ على حياة الشهداء ورزقهم عند ربّهم يتجلّى الموضوع بأجلى مظاهره، ولا يبقى شكّ في وجود الحياة البرزخية. علماً أنّ الأُمّة الإسلامية أجمعت على وقوع المساءلة في القبر.3

تكلّم رسول الله(صلى الله عليه وآله) مع قتلى قريش في القليب

روى البخاري: عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة أنّ نبيّ الله(صلى الله عليه وآله) أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش فقذفوا في طويٍّ من أطواء بدر خبيث مُخْبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرْصة ثلاث ليال،

1 . يس:21.
2 . يس:27.
3 . انظر: عقائد الصدوق:81; كشف المراد:266; إرشاد الطالبين:425; السنّة لأحمد بن حنبل:47; الإبانة للأشعري:27.

صفحه 265
فلمّا كان ببدر اليوم الثالث، أمر براحلته فشدّ عليها رَحلها ثم مشى وتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلاّ لبعض حاجته، حتى قام على شَفَة الرَّكيّ فجعل يُناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسرّكم أنّكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقّاً، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقّاً؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله ما تُكلّم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «والذي نفس محمّد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم».1

الآيات: السابعة والأربعون إلى السادسة والخمسين سورة غافر: الآيات47ـ 56

( وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ * وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَل * إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ *

1 . صحيح البخاري:971، برقم 3976، كتاب المغازي; ولاحظ: السيرة النبوية لابن هشام:1/639، باختلاف يسير.

صفحه 266
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ * هُدًى وَذِكْرى لأُولِي الأَلْبَابِ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ* إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ).

المفردات

يتحاجّون: المحاجّة: المجادلة والخصام بين اثنين وأكثر.
الضعفاء: أُريد بهم هنا الأتباع.
الذين استكبروا: السادة وأُولو القوّة.
تبَعاً: جمع تابع، كخدَم جمع خادم، وهو الذي يعمل حسب ما يأمره به السادة.
مُغْنون: دافعون.
نصيباً: قسطاً وجزءاً.
خَزَنة جهنّم: جمع خازن، وهم القائمون بتعذيب أهل النار.
ضلال: ضياع وخسار.
يوم يقوم الأشهاد: أُريد به يوم القيامة، والأشهاد: جمع شهيد بمعنى الشاهد.
الهُدى: ما يُهتدى به من المعجزات والصحف.

صفحه 267
العَشيّ: من نصف النهار إلى آخره.
الإبكار: عكس العشيّ، أي من أوّل النهار إلى نصفه.
كبُر: عظُم وتكبّر.

التفسير

47. (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ):

حوار بين الضعفاء والمستكبرين

لمّا تضمّنت الآية السابقة أنّ آل فرعون يُعرَضون على النار قبل قيام الساعة ثم يدخلون في النار بعدها، ذكرت هذه الآية حصول مخاصمة وجدال بين الضعفاء والمستكبرين وهم في النار، كما يقول:(وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ) فعندئذ (فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا) في الدنيا، ومعنى ذلك أن تنصرونا في الشدائد ولا شدّة أشدّ ممّا نحن فيه(فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ): أي قسطاً من العذاب لا جميعه.
وكأنّ هذه الفكرة نبعت ممّا رسخ في نفوسهم في الدنيا من الالتجاء إلى الكبراء والرؤساء في الشدائد، ولكنّهم غفلوا عن أنّ المُلك يومئذ لله وحده، فكيف يمكن أن ينصروا هؤلاء؟ ولذلك أجابهم الرؤساء بما في الآية التالية:

صفحه 268
48. (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ):
فيجيبهم الرؤساء بقولهم: (إِنَّا كُلٌّ فِيهَا): أي نحن وأنتم في النار، فكيف نقدر على دفع جزء من العذاب الّذي أنتم فيه ؟ كيف و (إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ) وحُكم الله لا يُردّ ولا يبعّض، فكلٌّ مجزيٌّ بعمله.
وتؤكّد بعض الآيات على أنّ المرؤوسين يحمّلون رؤساءهم مسؤولية أوزارهم وأعمالهم الآثمة بحجّة أنّهم كانوا تبَعاً لهم، وعند ذلك يتبرّأ الرؤساء من تحمّل مسؤولية إضلالهم، حيث تنفصم يومذاك كلّ العلاقات والأواصر الّتي كانت تربط بينهم كما يقول سبحانه: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذَابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ).1
وفي آية أُخرى: (قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاَءِ أَضَلُّونَا فآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ).2
وفي الآية تحذير لمشركي مكّة الذين اقتفوا أثر رؤسائهم وقادتهم في الضلال، وأطاعوا أمرهم في نشر الفساد ومناهضة المصلحين، فعليهم أن يعلموا أنّهم لا يغنون عنهم يوم القيامة شيئاً، وأنّ قوّتهم وعدّتهم سوف تفنى.
49. (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ):

1 . البقرة:166.
2 . الأعراف:38.

صفحه 269

حوار بين أهل النار وخزنتها

هذا حوار لأهل النار مع خزنتها من الملائكة، يسألونهم فيها أن يدعوا ربّهم في تخفيف العذاب عنهم، وقد التجأوا إليهم بعد أن يئسوا من نصر رؤسائهم وكبرائهم الّذين قالوا لهم: (إِنَّا كُلٌّ فِيهَا)وعندئذ خاطبوا خزنة جهنم كما قال: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ) وهم الملائكة الموكّلون بما فيها من النار والوقود والمعذبين (ادْعُوا رَبَّكُمْ)وقد أُضيف الربّ إلى المخاطبين تلميحاً إلى أنّ لكم عند ربّكم مقاماً، فلو دعوتموه لاستجاب لكم، فاستشفعوا بهم إلى الله تعالى أن يخفف عنهم شيئاً من العذاب، حيث قالوا: (يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ)، ولعلّ اليوم كناية عن القلّة بعد أن يئسوا من رفع العذاب من رأسه.
وعندئذ وافاهم الجواب من قبل خزنة جهنّم بصورة استفهام تقريري أُريد به التنديد بهم، كما قال سبحانه: (قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ): أي أتَمّوا الحجّة عليكم بالحجج والبيّنات الباهرة وأنّ وراء هذه الدنيا داراً أُخرى يحاسب فيها الإنسان حسب أعماله، فأجابوا بقولهم: (قَالُوا بَلَى): أي جاءت رسلنا بالحجج والبيّنات، وأتمّوا الحجّة، وعندئذ ردّ عليهم خزنة جهنم في استهزاء وسخرية وقالوا: (قَالُوا فَادْعُوا): أي اسألوا مهما تمكّنتم ولكن(وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَل): أي في ضياع لا ينجيكم من شيء.
وإضافة الدعاء إلى الكافرين مشعر بالعلِّيّة لأنّكم كفرتم بأنعم الله بترك عبادته فصرتم مستحقّين لضلال دعائكم وضياعه.
فإن قلت: لو أخذنا بظاهر الآية وهو أنّ الله لا يستجيب دعاء

صفحه 270
الكافرين، تكون بظاهرها منافية لاستجابة دعائهم في مواضع خاصّة من الدنيا، يقول سبحانه: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)1.
قلت: الظاهر أنّ استجابة دعاء هؤلاء لوجود التحوّل في أرواحهم حيث يتركون الأصنام آيسين منها في تلك الحالة ويتوجّهون إلى ربّ العالمين، فهؤلاء في هذه الحالة موحّدون استجيبت دعوتهم، ولذلك يقول:(فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ): أي يعدلون من التوحيد إلى الشرك.
51. ( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ):
لمّا تقدّم أنّه سبحانه حمى مؤمن آل فرعون ونجّاه من شرّ فرعون وزبانيته، وقلب الأمر عليهم، أخبر سبحانه في هذه الآية عن سنّة عامّة لله وهي أنّه يُعين رسله وأتباعَهم المؤمنين في كلتا الحياتين كما قال: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ)وهو كناية عن يوم القيامة، وإنّما كنّي به لأجل شهادة الرسل على الذين كفروا بهم، فهم قد كفروا في الدنيا بالرسل وهؤلاء يشهدون عليهم يوم القيامة بالكفر.
ويقول سبحانه في آية أُخرى:(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَ إِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ).2
وقد تسأل: تدلّ الآية على أنّ الله ينصر رسله دائماً، مع أنّه سبحانه قد

1 . العنكبوت:65.
2 . الصافات:171ـ 173.

صفحه 271
أخبر في غير واحدة من الآيات عن قتلهم على يد الأشقياء، كما في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم)1، فكيف يمكن الجمع بين الأمرين ؟
والجواب: إنّ النصر، أي المعونة على العدوّ، تارة يكون بالحجّة والبرهان، وأُخرى بالغلَبة في القتال؟2
أمّا النصر الأوّل (أعني بالحجّة) فثابت لجميع الرسل لأنّهم مبعوثين من الحقّ جلّ شأنه بالحقّ، وإنّهم لعلى جادّة الحقّ، ويصدعون بالحقّ، ولا يخالفونه في قول أو فعل.
أمّا النصر بالغلَبة في القتال، فثابت أيضاً للرسل الّذين واجهوا أعداءهم عسكرياً، وخاضوا إلى رضوان الله غمرات الجهاد في ساحات الوغى، قال تعالى. (كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) 3.
ومن قُتل من الأنبياء، فإنّما قُتل على يد الأشقياء في غير جهاد ومقاتلة.4
ويمكن أن يقال: إنّ المراد بالنصر، هو انتشار رسالاتهم وأخذ الناس بمعالمها وأحكامها يوماً بعد يوم على نحو يصبح فيه الأعداء أذلاّء صاغرين.

1 . آل عمران:21.
2 . انظر: التبيان في تفسير القرآن: 9 / 85 .
3 . المجادلة: 21 .
4 . انظر: أضواء البيان: 1 / 228 .

صفحه 272
فلو كان هذا هو معنى النصر فالأنبياء جميعاً حتى الذين قُتلوا منهم في طريق دعوتهم، هم جميعاً منتصرون، وها هو العالم بين موسويّ وعيسويّ ومحمديّ إلى غير ذلك من الطوائف المنتسبة إلى الأنبياء عبر التاريخ.
ولعلّه إلى ذلك يشير قوله سبحانه:(قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ)1 فقد وصف سبحانه الهزيمة الظاهرية ـ أعني: الشهادة ـ بأنّها إحدى الحسنيين، وذلك لأنّ دماء الشهداء التي تراق على الأرض لها تأثير في انتشار العقيدة ورسوخها.
وللكاتب الإسلامي سيد قطب كلام جميل عند تفسير هذه الآية، يقول فيه (ضمن كلام مبسوط): «والناس كذلك يقصرون معنى النصر على صور معيّنة معهودة لهم، قريبة الرؤية لأعينهم، ولكن صور النصر شتّى، وقد يتلبّس بعضها بصور الهزيمة عند النظرة القصيرة... إبراهيم(عليه السلام) وهو يُلقى في النار فلا يرجع عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها... أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة؟ ما من شك ـ في منطق العقيدة ـ أنّه كان في قمّة النصر وهو يُلقى في النار. كما أنّه انتصر مرّة أُخرى وهو ينجو من النار.
هذه صورة وتلك صورة. وهما في الظاهر بعيد من بعيد. فأمّا في الحقيقة فهما قريب من قريب... والحسين ـ رضوان الله عليه ـ وهو يستشهد في تلك الصورة العظيمة من جانب، المفجعة من جانب، أكانت هذه نصراً أم هزيمة؟ في الصورة الظاهرة وبالمقياس الصغير كانت هزيمة.

1 . التوبة:52.

صفحه 273
فأمّا في الحقيقة الخالصة وبالمقياس الكبير فقد كانت نصراً. فما من شهيد في الأرض تهتز له الجوانح بالحب والعطف، وتهفو له القلوب وتجيش بالغيرة والفداء كالحسين رضوان الله عليه يستوي في هذا المتشيّعون وغير المتشيّعين من المسلمين، وكثير من غير المسلمين.
وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عام، كما نصرها باستشهاده. وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة، ويحفِّز الألوف إلى الأعمال الكبيرة، بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه، فتبقى حافزاً محرّكاً للأبناء والأحفاد. وربّما كانت حافزاً محرّكاً لخطى التاريخ كلّه مدى أجيال.1

الإسلام محمّديّ الحدوث حسينيّ البقاء

غرس النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) شجرة الإسلام في أرض الحجاز وسقاها بدماء شهداء بدر وأُحد وخيبر وسائر المشاهد ...، أُولئك المجاهدون الأبطال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وجادوا بأرواحهم وأموالهم في سبيل الله، ونصرة الإسلام. وهذا أمر معروف عند كلّ مَن تصفّح تاريخ عصر الإسلام، ولكن ما إن ارتحل النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى تصدّى للحكم مَن ليس من شأنه قيادة الأُمّة، ثم دالت الأيام حتى استبدّ بالحكم أُغيلمة بني أُمية فاتّخذوا عباد الله خولاً وماله دولاً، وعادت الفضائل والقيم الإيمانية والسنن النبوية منسيّة أمام عودة الأعراف الجاهلية التي أصبحت ظاهرة سائدة، وشيوع الظلم والجور والفساد، وانتشار البدع والمحدثات.

1 . في ظلال القرآن:7/189ـ190.

صفحه 274
في خضمّ هذه الأوضاع المنحرفة والظواهر المرّة أحسّ أبو الشهداء الإمام الحسين بن علي(عليهما السلام) أنّ من واجبه إرواء هذه الشجرة التي أوشك أن يذبل عودها، بدمه ودماء آله وأصحابه الطاهرة، حتى يوقظ النفوس، ويثير العواطف، وينبّه الأفكار إلى مخاطر تلك الشجرة الخبيثة التي أُنبتت، حتى تُقلع من أساسها.
وقد صار عمل الحسين (عليه السلام)وتضحيته أُسوة للآخرين، حيث تفجّرت الثورات بعده والانتفاضات، إلى أن تمّ اجتثاث تلك الشجرة بقتل آخر ملوكهم المعروف بمروان الحمار، وبذلك صار الإسلام يوصف بأنّه حسينيّ البقاء.
***
52. ( يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ):
عرّف سبحانه ذلك اليوم الذي يقوم فيه الأشهاد بأُمور ثلاثة:
أ. (يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ) فلو اعتذروا من كفرهم فلا يقبل منهم، وإن تابوا لن تنفعهم التوبة، وهذا من خصائص يوم القيامة، فإنّ المعذرة والتوبة تقبل في الحياة الدنيا، لأنّها دار العمل خلافاً ليوم القيامة، فإنّه يوم الجزاء.
ب. (وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ): أي الابتعاد عن رحمة الله تعالى. وأي ابتعاد أوضح من عدم قبول المعذرة والتوبة.
ج. (وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) وهي دار جهنم.

صفحه 275
53 و 54. (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ * هُدًى وَذِكْرى لأُولِي الأَلْبَابِ):
لمّا تقدّم في قوله سبحانه:(إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا) أنّ الله سبحانه ينصر رسله، أتى لذلك بمثال، تجسّد في نصر موسى (عليه السلام)على طاغية عصره وإيتائه ما فيه الهدى من البيّنات والدلائل، وإيراث قومه الكتاب، كما قال: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى) حيث زوّده بالبيّنات وأوحى إليه شريعة تلائم أحوال الأُمّة التابعة إلى أن يصير الأمر إلى زمان شريعة خاتمة، قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ)1.
وأمّا إيراث الكتاب، فقد أشار إليه سبحانه بقوله: (وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ) حيث توارثوا التوراة خلفاً عن سلف كتوارث الأموال بلا عناء وتعب، وإن فرّطوا فيها.
ثمّ إنّه سبحانه وصف الكتاب الذي ورثته بنو إسرائيل بوصفين:
أ. (هدىً) لقومه.
ب. (وَذِكْرى لأُولِي الأَلْبَابِ).
أمّا كونه هدىً فلأنّهم يتعلّمون منه أحكام دينهم ومعالم شريعتهم، وأمّا كونه (ذكرى)فلأنّهم يتذكّرون به ما أوجبه الله عليهم أو ما نهاهم عنه عند الرجوع إليه، وإنّما خصّ العقلاء منهم بذلك، لأنّهم هم الّذين يحرصون على الانتفاع به دون غيرهم.
والفرق بين الهداية والذكرى، واضح، فإنّ الهداية تكون في مبدأ

1 . المائدة:43.

صفحه 276
الأمر، وأمّا التذكير فإنّما يتحقّق في ثنايا العمل ومنتهاه إذا ستره النسيان.
55.(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ):
بعد ما بيّن سبحانه رسالة موسى وما أُوتي من الهدى، أوصى نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) بأُمور كأنّها كانت وصايا لعامّة الأنبياء، وكأنّ هذه الأُمور أساس الانتصار.
أ.(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ) والصبر عبارة عن الثبات في طريق تحقيق الهدف، ولولا الاستقامة لما أدرك الإنسان أُمنيته، ثم يذكر بعد الأمر بالصبر ( إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ) ولعلّ المراد من الوعد هو النصر الذي تقدّم في الآية المتقدّمة من نصر الرسل. وليس من شكّ أنّ الله سبحانه قد نصره على أعدائه بالحجج والبيّنات، وفي جهاده ضدهم في ميادين القتال، حتى طهّر أرض الجزيرة العربية من براثن الأصنام والأوثان، بعد ما كان فريداً وحيداً مهاجراً عن أرضه ووطنه إلى ديار غريبة عليه.
ب. (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)أمر سبحانه نبيّه بالاستغفار لما يُعد بالنسبة إليه ذنباً، وإن لم يكن ذنباً بالمعنى المصطلح وهو مخالفة الأمر المولوي أو النهي كذلك.
وسيوافيك توضيح أكثر في تفسير سورة الفتح عند قوله سبحانه:(لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ).1 فإنّ الذنب في الأصل ـ كما قال الراغب ـ الأخذ بذنَب الشيء، يقال: ذَنَبتَهُ، أصبت ذنبه، ويستعمل

1 . الفتح:2.

صفحه 277
في كلّ فعل تستوخم عقباه اعتباراً بذنب الشيء، ولهذا يُسمّى الذنب تبعة اعتباراً كما يحصل من عاقبته، سواء أكان أمراً دنيوياً أو أُخروياً.
نعم غلب استعمال هذا اللفظ في مصطلح العلماء على مخالفة الأمر المولوي، ومن المعلوم أنّ أفعال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ليست على نمط واحد وإن كان الجميع أمراً مشروعاً لا غبار عليه. فكلّ فعل شغله عن ذكر الرب فهو أمر مباح، لكنّه بالنسبة إليه ذنب، ولذا يقال:«حسنات الأبرار سيّئات المقرَّبين».
ج. (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ) فلو كان الاستغفار تخلية للنفس عن غبار الأعمال، فتنزيه الرب مقروناً مع حمده تحلية لها، فأمره(صلى الله عليه وآله وسلم) بهما في أوّل الوقت وآخره، كما يقول: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ).
وبهذه التعاليم الثلاثة يرتقي الإنسان إلى ذروة الكمال المقدَّر له، ويقطف ثمار أُمنيّاته، فالتحمّل والاستقامة في طريق الهدف، ثم تطهير النفس عمّا لا يليق بها، ثم تحليتها بالتسبيح والتحميد يقوّي روح الإنسان، ويشدّ من عزيمته.
56. (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ):
لمّا تقدّم في الآية الرابعة من هذه السورة حديث جدال قوم قد كفروا، حيث قال: (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) ثمّ نهى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

صفحه 278
عن اغتراره حين يرى تقلّبهم في البلاد، وأتى بأمثلة لهؤلاء المجادلين المتقلّبين في البلاد والّذين شملهم عذاب الله، عاد البيان القرآني إلى تطييب روح النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في أنّ مجادلي عصره كمجادلي القرون الغابرة، فأخبر عن أمرين:
أ. (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ): أي أنّ هؤلاء يُحاجّونك ويخاصمونك فيما أتيتهم به من البيّنات دون أن يمتلكوا شيئاً من الحجّة، وأمّا ما هو الدافع للمحاجّة مع عدم وجود دليل وحجّة بأيديهم، فهو الأمر الثاني.
ب. (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ) أي ما في صدورهم شيء من السلطان والحجّة، وإنّما هو الكبْر والتجبّر، وهذا الكِـبْر هو الّذي يدعوهم إلى الجدال والعناد، وهذا التجبّر هو الّذي يدفعهم إلى التمرّد على الحقيقة، حيث يتصوّر صاحبه أنّه أعلم من غيره، فلا يرضى بمساواته.
ج. (مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ): أي لا يبلغون مقاصد كبرهم، بناءً على أنّ الضمير يرجع إلى الكِبْر، ومن المعلوم أنّ الغاية من الكبر هو الافتخار على الغير، ولكنّ الله سوف يُلبس هؤلاء ثوب الذلّ والهوان، فلا يبلغون تلك الغاية.
ويحتمل أن يرجع الضمير إلى الجدال، ومن المعلوم أنّ الغاية من الجدال إبطال دعوى الخصم، وهنا ينقلب السحر على الساحر; لأنّ حججهم واهية وحجّة الله غالبة، قال سبحانه: (قُلْ فَللهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ).1

1 . الأنعام:149.

صفحه 279

الآيات: السابعة والخمسون إلى الستين سورة غافر: الآيات 57ـ 60

(لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلاَ الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ * إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ).

المفردات

ادعوني: من الدعوة والطلب.
داخرين: صاغرين، أذلاّء.

التفسير

تقدّم أنّ المشركين يجادلون في آيات الله بغير سلطان ولا حجّة، وكان أكثر جدالهم في إمكان البعث، وكانوا يسألون في إنكار وتعجّب (مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ)1 فوافاهم الجواب:
57. (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ

1 . يس:78.

صفحه 280
أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ):
يُراد بالسماوات والأرض مجموع العالم، فخلق العالم أكبر وأعظم من خلق الناس، ابتداءً وإعادة، غير أنّ (أَكْثَرَ النَّاسِ): أي المشركين النافين لإمكان البعث (لاَ يَعْلَمُونَ) وبهذا تبيّنت صلة الآية بما قبلها.
ويظهر من السيد الطباطبائي وجه آخر لها، وهو: أنّ هؤلاء المشركين ليسوا ببالغي بغيتهم وليسوا بمعجزين فإنّ الله الذي قدر على خلق مجموع العالم ولم يعجزه ذلك على ما فيه من العظمة، ليس يُعجزه جزء يسير منه وهو الناس المخلوقون الذين هم أهون عليه، ولكن أكثر الناس جاهلون، يظنون بجهلهم أنّهم يعجزون الله بجدال يجادلونه أو كيد يكيدونه،1 إلاّ أنّ الوجه الأوّل أظهر.
58. (وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلاَ الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ):
تضمّنت الآية السابقة نسبة الجهل إلى أكثر الناس، فدلّت بمفهومها على أنّ قليلاً من الناس واقفون على الحقيقة، فأشارت هذه الآية إلى عدم المساواة بين هاتين الطائفتين أمام الله، فعبّر سبحانه عن الجاهل بالأعمى والمسيء، وعن العالم بالبصير والمؤمن، فقال: (وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) حيث إنّ الأوّل لا يتأمّل في حجج الله بل ينكرها ويأخذ في الجدال فيها بالباطل، بخلاف البصير فهو يتأمّل في دلائل التوحيد فيتّبعها

1 . الميزان في تفسير القرآن:17/342.

صفحه 281
ويهتدي بأضوائها. وفي الحقيقة ليس ثمّة عمى وبصر في العين وإنّما هما في القلب. ثم عبّر عن تلك الطائفتين بتعبير آخر، فقال : (وَ) لا يستوي(الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلاَ الْمُسِيءُ): أي ولا العاصون (قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ) لما تقدّم من أنّ أكثر الناس لا يعلمون.
وقد عبّر سبحانه عن تلكما الطائفتين في مواضع أُخرى بوجه آخر وقال: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَ الْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ).1
ويستفاد من هذه الآية أنّ الإيمان المقرون بالعمل الصالح ينوّر القلب ويجلو البصر، وأنّ الكفر المصحوب بالعمل الطالح، يُظلم القلب، ويُعشي البصر، وهذه حقيقة واضحة ولكن (قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ)، والخطاب هنا ـ كما في الآية المتقدّمة ـ لأكثر الناس، وقد عدل عن الغيبة إلى الخطاب للتقريع والتوبيخ.
59. (إِنَّ السَّاعَةَ لاَتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ):
أخبرت الآية عن وقوع الساعة أي القيامة في مستقبل الزمان بتأكيدات مختلفة، وهي: (إنّ)، ولام التأكيد في (لاَتية)، وجملة: (لا رَيْبَ فيها)، فلماذا كلّ هذه التأكيدات؟ والجواب: هو لبيان أهمّية قضية البعث والحساب والجزاء، والّتي لولاها لانتفت الحكمة من خلق الإنسان، ولَكان وجوده عبثاً.

1 . الرعد:16.

صفحه 282
وبما أنّ جدال الكافرين كان يدور على إنكار البعث، أكّد سبحانه في المقام وقوعه وقال:(إِنَّ السَّاعَةَ) وهي ساعة البعث وزمانه (لاَتِيَةٌ) أي متحقّقة، واستخدام هذه الصيغة إشارة إلى قربها وكأنّها متحقّقة فعلاً (لاَ رَيْبَ فِيهَا): أي الساعة، فلا يرتاب فيها من تأمّل في دلائلها ولا يعتدّ بتشكيك الجاحدين، كما يقول: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) لغفلتهم عنها وجهلهم بدلائلها.
60. (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ):
كان المشركون يطلبون حوائجهم من أصنامهم وأوثانهم، ويدعونها في قضاء طلباتهم ونيل مقاصدهم، وكانوا يجادلون الأنبياء وعلى رأسهم النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك متذرّعين بقولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى)1 فوافتهم الآية ردّاً على عملهم بأنّ المجيب هو الله سبحانه ودعاء الغير عند طلب الحوائج أمر لغو لا يترتّب عليه أثر، ولذلك قال: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُوني)في طلب حوائجكم في الحياة الدنيا، واعلموا أنّكم إنْ دعوتموني (أَسْتَجِبْ لَكُمْ) في قضائها. وفيه وعد بإجابة دعوة الداعي إذا دعاه سبحانه، كما أنّ إضافة الربّ إلى ضمير المخاطب ـ أعني: (رَبُّكُمُ) ـ نوع تشريف للداعي، بمعنى أنا ربّكم، وصاحبكم وصاحب الشيء يُؤمّن حوائجه. ولعلّ الآية ردّ على سلوك المشركين الذي يحكيه عنهم سبحانه بقوله في الآية الثانية عشرة من هذه السورة:(ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ

1 . الزمر: 3 .

صفحه 283
كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا). وبهذا ظهر أنّ الدعاء في المقام بمعنى النداء والطلب، لا بمعنى العبادة عن طريق الصلاة والصوم ونحوهما. نعم نداء الله سبحانه عبادة، ولكنّه مصداق للعبادة لا أنّه في الآية بمعناها، خلافاً لمن فسّر الآية بقوله: اعبدوني أُثبكم على عبادتكم إياي1، والظاهر أنّ تفسير الآية بما ذُكر، هو للتخلّص ممّا يثار حول الآية من أنّه كيف يخبر سبحانه عن الملازمة بين دعائه والطلب منه وبين الاستجابة، مع أنّه كثيراً ما يدعو الإنسان ولا يستجاب له، وسيوافيك الكلام فيه.
نعم إنّ من يتوجّه إلى الله سبحانه ويطلب منه حوائجه يعلم بأنّه ليس في العالم الإمكاني مجيب للدعوة إلاّ هو (كيف أرجو غيرك؟ والخير كلُّه بيدك، وكيف أُؤَمِّل سواك؟ والخَلْق والأمر لك)2، وأمّا الذين أشركوا به فهؤلاء يستكبرون عن دعائه كما قال:(إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي)ويتوجّهون إلى الآلهة المكذوبة سوف يلقَون جزاءهم، وهو أنّهم (سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ): أي أذلاّء صاغرين، وهذا جزاء من تكبّر وتَعظّم بغير حق.
وممّن أخذ بتفسير الدعاء هنا بالعبادة، صديقنا المرحوم الشيخ محمد جواد مغنية(رحمه الله)، حيث قال: قال بعض المفسّرين: معناه اعبدوني أُثبكم، واستدلّ بأنّ القرآن يستعمل كلمة الدعاء في العبادة، ومن ذلك قوله تعالى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا)3، ونحن مع هذا القائل في هذه الآية

1 . انظر: تفسير المراغي:24/86.
2 . الصحيفة السجادية الكاملة:406، مناجاة الراجين.
3 . النساء:117.

صفحه 284
بالذات، لأنّ السياق يرجّح هذا المعنى على غيره، حيث قال تعالى بلا فصل:(إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)فقوله:(يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي) بيان وتفسير لـ(ادْعُوني).1
وفي كلامه خلط بين المفهوم والمصداق، والحقّ ما ذكرناه من أن قوله: (ادْعُوني) بمعنى النداء والطلب، وهو من مصاديق العبادة.
بقي هنا سؤال وهو شيوع التخلّف بين الدعاء والاستجابة؟
ذكر السيد الطباطبائي في وجه عدم استجابة كلّ دعاء، عند تفسير قوله سبحانه: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)2 ما هذا لفظه: فما لا يستجاب من الدعاء ولا يصادف الإجابة فقد فقدَ أحد أمرين وهما اللّذان ذكرهما بقوله: (دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ). فإمّا أن يكون لم يتحقّق هناك دعاء، وإنّما التبس الأمر على الداعي التباساً كأن يدعو الإنسان فيسأل ما لا يكون وهو جاهل بذلك، أو ما لا يريده لو انكشفت ] له[ حقيقة الأمر، مثل أن يدعو ويسأل شفاء المريض لا إحياء الميّت، ولو كان استمكنه ودعا بحياته كما كان يسأله الأنبياء لأُعيدت حياته ولكنّه على يأس من ذلك، أو يسأل ما لو علم بحقيقته لم يسأله، فلا يستجاب له فيه.
وإمّا أنّ السؤال متحقّق لكن لا من الله وحده، كمن يسأل الله حاجة من حوائجه وقلبه متعلّق بالأسباب العادية، أو بأُمور وهمية توهّمها كافية في أمره أو مؤثّرة في شأنه فلم يخلص الدعاء لله سبحانه، فلم يسأل الله

1 . التفسير الكاشف:6/464.
2 . البقرة:186.

صفحه 285
بالحقيقة، فإنّ الله الذي يجيب الدعوات هو الذي لا شريك له في أمره، لا من يعمل بشركة الأسباب والأوهام، فهاتان الطائفتان من الدعاة السائلين لم يخلصوا الدعاء بالقلب وإن أخلصوه بلسانهم.1
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره معنى دقيق عرفاني لا يقوم به إلاّ الأمثل فالأمثل، ومعنى ذلك أنّه سبحانه وعد الاستجابة للمخلصين من عباده، الذين لا يدعون إلاّ الله وينسون كلّ الأسباب.
والذي يمكن أن يقال: إنّ الاستجابة مقرونة بالدعاء لكنّها مشروطة بشروط غير موجودة في موارد التخلّف. هذا هو الذي يستفاد من غير واحدة من الروايات، فإنّ لاستجابة الدعاء شروطاً منها:
الأوّل: أن يكون الدعاء مقروناً ببذل الجهد والوسع من قبل الإنسان، فإنّ الدعاء لا يكون بديلاً عن العمل، فمن ترك العمل واكتفى بالدعاء لا يستجاب دعاؤه، وها هو الإمام الصادق(عليه السلام) يذكر في كلام له أنّ أربعة لا تستجاب لهم دعوة:«رجل جالس في بيته يقول: اللّهم ارزقني، فيقال له: ألم آمرك بالطلب؟ ورجلٌ كانت له امرأة فدعا عليها، فيقال له: ألم أجعل أمرها إليك؟ ورجل كان له مال فأفسده، فيقول: اللّهم ارزقني، فيقال له: ألم آمرك بالاقتصاد؟ ألم آمرك بالإصلاح؟ ورجل كان له مال فأدانه بغير بيّنة، فيقال له: ألم آمرك بالشهادة؟».2
الثاني: أن لا يكون الطلب على خلاف السنن الكونية، مثلاً الله سبحانه لم يكتب الخلود لأحد من الناس حتى لأفضل البشر(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث

1 . الميزان في تفسير القرآن:2/33.
2 . الكافي:2/511، باب من لا تستجاب له دعوة، الحديث2.

صفحه 286
قال في حقّه:(إنّك مَيّتٌ وَإنَّهُم مَيِّتُون)1، وقال سبحانه: (وَما جَعَلْنا لِبَشر مِنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ أفَإنْ متَّ فهُمُ الخالِدُون).2
فلو طلب أحد الخلود في الحياة الدنيا فلا يستجاب دعاؤه.
الثالث: أن يؤمن بالرحمة الإلهية غير المتناهية ويطمئن إلى استجابة دعائه، على نحو يتوجّه إلى الله من صميم قلبه، وكلّه أمل ورجاء بأنّ الله سيستجيب له. ولعلّه إلى هذا الشرط يشير الإمام الصادق(عليه السلام) بقوله: «ما ضعف بدن عمّا قويت عليه النيّة».3
وفي رواية أُخرى قال(عليه السلام):«إذا دعوت فأقبل بقلبك وظنّ حاجتك بالباب».4
ولذلك نقرأ في دعاء أبي حمزة الثمالي قول الإمام زين العابدين(عليه السلام):«اللهم إنّي أجد سبل المطالب إليك مشرعة، ومناهل الرجاء إليك مترعة».5
الرابع: أن لا يكون الطلب على خلاف التشريع، كأن يدعو الله تعالى على قطع الرحم أو عمل آخر حرام شرعاً، فإنّ هذا النوع من الدعاء لا يستجاب، وبذلك يعلم أنّ من شرائط استجابة الدعاء، الانسجام بين التكوين والتشريع.

1 . الزمر:30.
2 . الأنبياء:34.
3 . الوسائل:1، الباب6 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث14.
4 . الكافي:2/473، باب الاقبال في الدعاء، الحديث3.
5 . مصباح المتهجد:583; إقبال الأعمال:1/157.

صفحه 287
الخامس: أن يكون ما يطلب منسجماً مع قدراته وإمكاناته، فمن لا يتمكّن من إدارة بيته، لا يصحّ له أن يطلب من الله أن يجعله رئيساً لحكومة بلاده، فهذا ممّا لا يستجاب دعاؤه.
السادس: أن يطهّر نفسه من التبعات والمظالم التي تخصّ الناس، وقد ورد في الحديث:«إذا أراد أحدكم أن يستجاب له فليطيّب كسبه وليخرج من مظالم الناس، وإنّ الله لا يُرفع إليه دعاء عبد وفي بطنه حرام أو عنده مظلمة لأحد من خلقه».1
السابع: أن لا يكون المطلوب على خلاف صلاح الداعي وكلامه، فربما ينطلق الداعي من خلال رغباته وعواطفه فيطلب الشيء بتصوّر أنّ له فيه مصلحة، والواقع خلاف ذلك، وهذا الشرط هو الذي صرّح به الشيخ الطوسي في تفسير قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ) حيث قال: (أَسْتَجِبْ لَكُمْ) يعني إذا اقتضت المصلحة إجابتكم، ومن يدعو الله ويسأله فلابدّ أن يشترط المصلحة، إمّا لفظاً أو إضماراً، وإلاّ كان قبيحاً، لأنّه إذا دعا بما يكون فيه مفسدة، ولا يشترط انتفاءها، كان قبيحاً.2
وهناك شروط أُخرى للدعاء لا يسع المقام ذكرها، تطلب من محالّها، خاصّة المجامع الحديثية في أبواب الدعاء.

الآيات: الحادية والستون إلى الثامنة والستين سورة غافر: الآيات 61ـ68

(اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللهَ

1 . بحارالأنوار:90/221.
2 . التبيان في تفسير القرآن: 9 / 89 ـ 90 .

صفحه 288
لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ * ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْء لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ * كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ * اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * هُوَ الْحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * قُلْ إنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمَّا جَاءَني الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * هُوَ الذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).

المفردات

لتسكنوا: لتستريحوا فيه.
مبصراً: أُريد منه مجازاً ما يبصر فيه.
تؤفَكون: تُصرَفون.
قراراً: مستقرّاً.
بناءً: بناءً مرتفعاً فوق الأرض.

صفحه 289

التفسير

وعد سبحانه في الآية (13) من هذه السورة ـ أعني قوله تعالى: (هُوَ الذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ) ـ بأنّه سوف يُري آياته التكوينية الدالّة على أنّه الخالق المدبّر، ولا خالق ولا مدبّر سواه، وكان هذا هو محطّ الجدال بين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)والمشركين، فقام البيان القرآني بإراءة قسم من آياته التكوينية ليحتجّ بها على المشركين الذين تمسّكوا بالأوثان والأصنام، قال سبحانه:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)1، فبدأ سبحانه بذكر شيء من آياته الكبرى، وقال:
61.(اللهُ الذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ):
ذكر سبحانه في هذه الآية الشريفة آيتان تكوينيتان:
أ. خلق الليل مظلماً لأجل السكون والاستراحة، وقال: (اللهُ الذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ) خلقه مُظلماً (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) وتستريحوا من الحركة والتردّد في طلب المعاش.
ب. خلق (النَّهَارَ مُبْصِرًا) مضيئاً للسعي وطلب الحاجات، وفي نسبة الإبصار إلى النهار مجاز واضح، فالمبصر هو الإنسان وضوء النهار هو ما يبصر به.
ولولا هاتان النعمتان، لتعرقلت حياة الإنسان، ولذلك عدّهما سبحانه

1 . يس: 74 .

صفحه 290
في المقام من فضله وقال: (إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ) بشهادة أنّهم لا يعبدونه، وإنّما يعبدون الآلهة المكذوبة، فلو وقف الإنسان المشرك على أنّ مبدأ الحياة بيد الله سبحانه وهو الذي جعل الليل سكناً والنهار معاشاً لعدل عن عبادة غيره إلى عبادته سبحانه، غير أنّ الجهل المطبق أو التعصّب للآباء حال بينه وبين معرفته، ومن ثمّ شكره.
وقد أشار سبحانه إلى هاتين النعمتين في موضع آخر من القرآن الكريم وقال:(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْل تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ).1
فالحركة والحياة لكلّ ما على وجه الأرض من النباتات والحيوانات رهن النور أوّلاً، وتناوب الليل والنهار ثانياً.
62. (ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْء لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ):
أشارت الآية السابقة إلى أنّ ظاهرَتَي الليل والنهار من صنع الله سبحانه وتدبيره، وأشارت هذه الآية إلى أنّ هذا المدبّر هو الخالق وحده; لأنّ التدبير لا ينفكّ عن الخلق، فهو الخالق المربّي، كما يقول: (ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْء)فإذا كان هو المربّي وحده فهو الخالق وحده (لاَ إِلَهَ إِلاَّ

1 . القصص:71ـ 72.

صفحه 291
هُوَ)فحصر الألوهية في الله سبحانه يلازم حصر الخالقية والربوبية به، وسيوافيك في تفسير سورة المجادلة (الجزء الثامن والعشرين) أنّ الإله ليس بمعنى المعبود، وإنّما المعبودية من لوازم معناه، بل هو ولفظ الجلالة بمعنى واحد غير أنّ لفظ الجلالة علَم والإله كلّي. فإذا كان هو الخالق والمربّي (فَأَنّى): أي إلى أين أو كيف(تُؤْفَكُونَ): أي تُصرَفون عن هذا الحقّ، وتتنكّبون عن الجادّة المستقيمة، وتتركون عبادة الله إلى عبادة الأصنام؟
63. (كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ):
الآية بصدد تطييب نفس النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقول: إنّ الصرف عن عبادة الله تعالى الذي هو نتيجة الجحد بآيات الله سبحانه، لا يختصّ بمشركي مكّة بل هو أثر الجحد بآيات الله من غير فرق بين مشركي مكّة وغيرهم، كما قال:(كَذَلِكَ): أي كما صُرف هؤلاء عن الحقّ وعن عبادة الله وطاعته، فهكذا (يُؤْفَكُ الَّذِينَ): أي يُصرف الذين (كانُوا بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ)فالجحد بآيات الله والغفلة عنها سبب الانصراف عن مدار التوحيد إلى غيره، فهؤلاء هم الذين صُرفوا عنه، والصارف هم رؤساؤهم وكبراؤهم الذين يسيطرون على آرائهم وأفكارهم.
64. (اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ):
أبرز سبحانه في الآية المتقدّمة ثلاثاً من آياته الدالّة على تدبيره، وأمّا

صفحه 292
في هذه الآية فقد أبرز أربعاً أُخرى من آياته التي لكلّ منها دور هامّ في حياة الإنسان، ولو كان الإنسان عارفاً بمبدأ هذه الآيات ومنشئها، لما صرف نفسه عن طاعته وعبادته، وأمّا ما هي هذه الآيات الأربع، فإليك بيانها:
أ. (اللهُ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا): أي مستقَرّاً و فراشاً ومهداً، لكي تصلح لحياتكم وممارسة نشاطاتكم المختلفة، وتتصرّفون فيها وتمشون في مناكبها.
ب. (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) والبناء هو ضمّ الأجزاء المتفرّقة بعضها إلى بعض. والفقرة تشير إلى إحكام نسج السماء، وقوّة ترابط ما تشتمل عليه من كواكب ونجوم ومجرّات، وأنّها ليست فراغاً، كما كان يُعتقد. وبالرغم من تباعد المجرّات بعضها عن بعض بسرعات مذهلة تقترب من سرعة الضوء، فإنّ المادّة تُخلق في المسافات البينيّة الجديدة عن هذا التباعد المستمر، وبطريقة لا يعلمها إلاّ الله تعالى.1
ج. (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ): أي خلق الإنسان في أحسن خلقة وأدقّها شدّة وقواماً، وزوّده بطاقات وقدرات يستغل بواسطتها ثروات الأرض ومنافع السماء.
د. (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) من المطاعم والمشارب(ذَلِكُمُ): أي الموصوف بهذه الصفات أيّها المخاطب (اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ): أي كثرت بركات(اللهُ) الذي هو (رَبُّ الْعَالَمِينَ) فإنّ التوحيد في الربوبية أو الخالقية عبارة عن الاعتقاد بمبدأ واحد في الإيجاد والتربية، فهذه النعم العظيمة التي

1 . انظر: من آيات الإعجاز العلمي.. السماء في القرآن الكريم، للدكتور زغلول راغب النجّار: 51.

صفحه 293
تنسجم مع حياة الإنسان تكشف عن وحدة الخالق والمدبر وإلاّ لاختلّ النظام.
65. (هُوَ الْحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ):
ما وصف الله به نفسه والآيات التي استعرضها كلّها تدلّ على أنّ مُنشئها وخالقها حيّ مستجمع للكمال وأنّ حياته حياة أبديّة غير منقطعة، وسيوافيك فيما يأتي أنّ حياة الإنسان حياة منقطعة حتى مَن يبلغ عمر الشيخوخة، قال سبحانه: (هُوَ الْحَيُّ) فالحياة مقصورة عليه وكأنّه هو حيّ لا غيره، كما هو مقتضى تقديم الضمير على الحيّ، وذلك لأنّ حياته عين ذاته وحياة الآخرين نابعة عن مُنشئهم وخالقهم، (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) كأنّه نتيجة لما ذكره من حصر الحياة في نفسه ونفيها عن غيره، فلو صحّ هذا فالحيّ هو الإله دون غيره، ومن ثمّ هو اللائق بالعبادة لا غيره (فَادْعُوهُ): أي فاعبدوه (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ): أي حاصرين الطاعة والعبادة له وحده سبحانه. ثم عقّب على كلّ ذلك بقوله (الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)وهذه الفقرة إنشاءٌ للثناء على الله بتقدير كلمة، أي اعبدوه قائلين:(الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) .
66. (قُلْ إنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمَّا جَاءَنيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ):
بعد أن أكّدت الآيات السابقة على أنّ الله سبحانه هو المتفرّد بالخلق والتدبير والحياة الدائمة، وأنّه ـ نتيجة لكلّ ذلك ـ هو المعبود الحقّ الذي لا

صفحه 294
ندّ له ولا شريك، فمعنى ذلك أنّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)ومن آمن به لا يعبدون إلاّ الله ولا يدعون غيره. وبما أنّ بين المشركين من كان يطمع في حلٍّ توافقيّ يضع حدّاً للصدام بين النبيّ وبين وجهاء قريش، وذلك بأن يشترك (صلى الله عليه وآله وسلم)معهم في عبادة أصنامهم حتى يشاركه هؤلاء في عبادة الله، جاءت هذه الآية ردّاً لهذه الفكرة التافهة، فإنّ التوحيد هو الخط الأحمر للأنبياء ورسالات السماء وكأنّهم لم يُبعثوا إلاّ لهذا، قال سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).1
لقد أمر سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يعلن عن موقفه من عبادة غير الله بهذا الوضوح: (قُلْ إنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ): أي الأصنام والأوثان، وما ذلك إلاّ (لَمَّا جَاءَنيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي)التي منها ما أراه سبحانه من الآيات والدلائل الّتي تثبت تفرّده بمقام الأُلوهيّة والربوبيّة، ومن ثمَّ (وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) من الناس والملائكة والجنّ.
67. (هُوَ الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ):
بعد أن فتح سبحانه ـ في الآيات المتقدّمة ـ نافذة للإنسان لينظر فيها إلى ما أشار إليه سبحانه من بعض مشاهد الكون وظواهره الدالّة على عظمته وقدرته ووحدانيّته، من خلق الليل مظلماً، والنهار مبصراً، أو جعل

1 . النحل:36.

صفحه 295
الأرض قراراً، والسماء بناءً، وجعل صورة الإنسان من أحسن الصور، ورزقه ما لا يُحصى من الطيبات، رتّب على ذلك أمرين:
أ. أنّه هو الحيّ لا إله هو، فإنّ القائم بهذه الأُمور لا يمكن أن يكون غير حيّ.
ب. أنّه هو الّذي خلق الإنسان ونقله من مرحلة إلى مرحلة في تكوينه وفي حياته، كما قال: (هُوَ الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب) وهذا هو الذي يجب أن يتأمّل فيه كلّ إنسان، أي ينظر إلى المراحل والأطوار الّتي يمرّ بها من بدء وجوده إلى ختامه، وهي :
الأُولى: (هُوَ الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب) وهو المادّة الأُولى لتكوين البشر، فإنّ المواد الغذائية التي الّتي تتخلّق منها نطفة الإنسان كلّها مأخوذة من التراب.
الثانية: (ثُمَّ مِنْ نُطْفَة) وهي كأصل ثان لتكوين البشر، عدا اثنين منهم، وهما: آدم وحواء.
الثالثة:(ثُمَّ مِنْ عَلَقَة) وهي المرحلة الّتي تأخذ فيها الخلية (المؤلّفة من نطفة الرجل وبويضة المرأة) بالتشكّل والتغيّر، ثم التحوّل إلى قطعة من الدم الغليظ الرطب (علقة)، ثم إلى... ثم إلى...، فإذا تمّت هذه المرحلة تأتي المرحلة التالية.
الرابعة: (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً) وهي مرحلة خروج الإنسان من بطن أُمّه إلى صعيد الحياة الدنيوية. ومن المعلوم أنّ حياة الإنسان وهو طفل مرتضع رهن قدرات منحها الله سبحانه له قبل خروجه إلى الدنيا من أُمّ حنون،

صفحه 296
وصدر سخيّ باللبن، وهو يشبّ في تلك المرحلة إلى أن يبلغ مرحلة أُخرى.
الخامسة: (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) وقد بلغ من النمو وتصلّب العظام إلى مرحلة يُسمّيها سبحانه ببلوغ الأشدّ، أي اشتداد عوده، وفي هذه المرحلة يتم تكامل الإنسان شيئاً فشيئاً ثمّ يبدأ بالهبوط والنزول إلى مراتب سفلى كما يقول:
السادسة: (ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا) بعد ذلك.
ثمّ إنّ الناس قبل وصولهم هذه المرحلة على صنفين: أوّلهما ما في قوله: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ):أي قبل أن يصير شيخاً، ولم يذكر الثاني لاستغنائه بقوله:(لِتَكُونُوا شُيُوخًا). وعلى كلّ تقدير فقد قضى سبحانه أن يصل كلّ إنسان في مراحل حياته إلى الأجل الذي قُدّر له كما قال: (وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى): أي يبلغ كلّ واحد منكم ما سمّي له من الأجل الذي يموت عنده.
ثمّ إنّ الغاية القصوى من طرح مراحل الخلق والحياة هي أن يفكّر الإنسان فيها، وكيف أنّه تطوّر وتدرّج من مرحلة ضعيفة إلى مرحلة قويّة إلى أن صار بشراً سوياً؟ ثمّ كيف رُدّ إلى مرحلة أومراحل سافلة؟ وهذا التفكّر قد يقوده إلى تعقّل ما وراء ذلك من غايات وحِكَم سامية لا يبصرها الجاحدون، وهذا هو الذي يشير إليه بقوله:(وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، فالجميع متحقّق بتدبير الله سبحانه.
ويُشار إلى أنّه سبحانه قد ذكر في سورة أُخرى مرحلة رابعة وهي أرذل العمر الذي يكون بعد الشيخوخة وقال: (وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَ

صفحه 297
مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْم شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ).1
68. (هُوَ الذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ):
أخذ سبحانه في الآيات السابقة ببيان أوصاف الإله، حتى يحقّق ما وعد به في صدر السورة حيث قال: (هُوَ الذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ)ففي إراءة الآيات تعريف وتنزيه وتحميد للرب، فوصفه:
أوّلاً بقوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ...).
ثانياً بقوله:(ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْء...).
ثالثاً بقوله: (اللهُ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا...).
رابعاً بقوله:(هُوَ الْحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ...).
وهذه الآية هي الوصف الخامس حيث تعرّفه سبحانه بأنّه: (هُوَ الذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)يحيي في الدنيا بخلق الإنسان حيّاً ويميت في الآخرة، ويحتمل أن يكون المراد يُحيي بعد الإماتة ويميت في الدنيا، والثاني أظهر لأنّ عمله سبحانه في الدنيا ليس إحياء بل خلق الموجود حيّاً، ويؤيد الثاني أيضاً قوله:(فَإذا قضى أمراً): أي أراد إيجاد شيء(فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)بلا معاناة ولا كلفة، فقوله: (فَإذا قضى أمراً) ناظر إلى الإيجاد الأوّل الّذي يشمل خلق الإنسان حيّاً، ومعه لا وجه لحمل قوله: (يُحْيِي) على الإحياء بعد الإماتة.

1 . النحل:70.

صفحه 298
إلى هنا تمّ تفسير الآيات التي أراها سبحانه لعباده، والمتدبّر فيها يهتدي إلى وجود خالق قادر عليم، فيوحّده بالطاعة والعبادة، والغافل عنها إمّا يشرك وإمّا يلحد أو ينكر.

الآيات: التاسعة والستون إلى السابعة والسبعين

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ أَنّى يُصْرَفُونَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكَافِرِينَ * ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ * ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ).

المفردات سورة غافر: الآيات69ـ 77

الأغلال: جمع غُلّ، وهو طَوق يُجعل في العنق للذلّ والألم. ويطلق على الخيانة: الغُلول لأنّها تصير كالغُلّ في عنق صاحبها.
السلاسل: جمع سلسلة وهي الحلق المنتظمة في جهة الطول مستمرة.

صفحه 299
يُسحبون: من السحب، وهو جرّ شيء على الأرض.
يسجرون: من السجر، وهو إلقاء الحطب في موضع النار، كالتنّور الذي يسجر بالوقود.
ضلّوا: غابوا.
تفرحون: الفرح: انشراح الصدر بلذة عاجلة، وأكثر ما يكون ذلك في اللّذات البدنية.
تمرحون: المرَح: شدّة الفرح والتوسّع فيه.
مثوى: منزل.

التفسير

69.(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ أَنّى يُصْرَفُونَ):
تركّز السورة في غير واحدة من الآيات على إبطال جدل الذين يجادلون في آيات الله، وقد تكرّر ذلك في هذه السورة غير مرّة، كما في قوله:
1. (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا).1
2. (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ).2
3. (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ).3

1 . غافر: 4.
2 . غافر: 35.
3 . غافر: 56.

صفحه 300
ثمّ هذه الآية. كما أنّ موضوع المجادلة غالباً ما يكون أحد أمرين:
أ. الدعوة إلى التوحيد وإبطال الشرك.
ب. الدعوة إلى الإيمان بالحياة الأُخروية والبعث من جديد.
وهذان الأمران هما اللّذان يجرّان المشركين إلى المجادلة .
فأشار سبحانه في هذه الآية إلى المشركين الذين يتركون آيات الله وراء ظهورهم ويجادلون فيها مع وجود الدلائل المشرقة على أنّها من الله تبارك وتعالى!! والآية خطاب للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بصورة التعجّب، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ): أي ألم تنظر (إِلى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ)ويسعَون في إبطالها (أنّى يُصرفون): أي إلى أين يُصرفون وأين يذهبون، بناءً على أنّ (أنّى)بمعنى إلى أين.
فلو رأى أحدُنا إنساناً عاقلاً قد انحرف عن جادّة الحق مع وجود الدلائل المشرقة الهادية إليها، يخاطب بعضنا بعضاً ونقول: ألم تر إلى هذا الإنسان الذي تنكّب عن الجادّة، إلى أين يذهب؟ وإلى أين يُصرف عنها؟
70. (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ):
إنّه سبحانه يصف الذين يجادلون بأمرين:
أ. (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ): أي القرآن، فالذي يخاصم إنّما يخاصم القرآن الكريم.
ب. (وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا): أي الكتب السماوية الأُخرى،

صفحه 301
فالمشركون في عصر الرسالة يكذّبون بالقرآن، وأمّا المشركون في العصور السابقة فيكذّبون بشرائع الأنبياء، قال سبحانه: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوح الْمُرْسَلِينَ)1. وفي آية أُخرى:(إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَر مِنْ شَيْء)2فهؤلاء يتصوّرون أنّهم يُتركون سُدى، لكنّه سبحانه يقول:(فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) عند البعث، وتجديد الحياة، أنّ ما جاء به الرسول الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)والرسل الذين تقدّموا عليه، كلّه حقّ.
ثمّ إنّه سبحانه عيّن وقت علمهم بصحّة ما كذّبوا به، في الآية التالية:
71 و 72. (إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ):
أي سيعلمون (إذ) أي حين (الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ) وقد عبّر بـ(إذ) مكان ـ إذا ـ تحقيقاً ولكونه أمراً متيقَّناً، وعندئذ(يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ): أي يُجرّون ـ إذلالاً لهم وتحقيراً ـ في الحميم وهو الماء الحار أشدّ الحرارة (ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ) شُبّه دخولهم في النار بإلقاء الحطب في معظم النار وكأنّهم حطب جهنّم. والآية تتضمّن أمرين:
أ. مصير إنكارهم وأنّهم سوف يعلمون نتيجة مجادلتهم.
ب. كيفية تعذيبهم وأنّهم يحضرون في المحشر والأغلال في أعناقهم والسلاسل في أيديهم وأرجلهم، فيُسحبون في الماء الحار الشديد الحرارة، ثم يُقذفون في النار كقذف الحطب في التنّور المشتعل، وكأنّهم

1 . الشعراء:105.
2 . الأنعام:91.

صفحه 302
وقود النار، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).1
73 و 74 . (ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكَافِرِينَ):
وعندما زال الحجاب عن أعين المشركين، حيث إنّهم كانوا في غفلة عن هذا الأمر كما يقول سبحانه:(لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَة مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)2، فعندئذ يسألون ـ على وجه التقريع والتوبيخ ـ عن آلهتهم الّتي كانوا يعبدونها، كما قال: (ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ) هكذا بصيغة الماضي لتأكيد وقوعه، وكأنّه قيل بالفعل:(أينَ ما كُنْتُم تشركون من دون الله)؟ أي أين الآلهة المكذوبة التي كنتم تعبدونها مكان عبادة الله، فلينقذوكم ممّا أنتم فيه من البلاء والعذاب، فعندئذ يجيبون بأمرين:
الأوّل: (قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا): أي غابوا عنّا وتركونا في هذا البلاء.
الثاني: (بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا) وهذه الفقرة تحتمل أُموراً ثلاثة:
أ. يقولون ما كنّا ندعو في الدنيا شيئاً يُعتدّ به، نظير قولك: حسبت أنّ فلاناً شيء فإذا هو ليس بشيء، إذا خبرتَه فلم تر عنده خيراً.

1 . التحريم:6.
2 . ق:22.

صفحه 303
ب. أنّهم بسبب الاضطراب ينكرون شركهم، وهذا ليس أمراً بديعاً لأنّ الاضطراب والفزع يورث الخلل في التفكير.
جـ . أنّهم يكذّبون في نفي شركهم وعبادة غيره سبحانه، وهو عجيب مع ظهور الحقائق وانكشاف البواطن يوم القيامة، وما هذا إلاّ لاستقرار ملكة الكذب والإنكار في نفوسهم، ويشهد لذلك قوله: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ) 1، وقوله: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) .2
ثمّ إنّه سبحانه يشير إلى إجمال نتيجة المجادلة ويقول: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكَافِرِينَ).
والآية تفيد ضابطة كلّية وهي: أنّ سنّة الله تعالى في جميع الكافرين واحدة، من غير فرق بين هؤلاء المجادلين وغيرهم، فكما أبطل أعمال هؤلاء المجادلين ولم ينتفعوا بعبادتهم الآلهة المكذوبة، فهكذا يبطل أعمال سائر الكافرين. وعلى هذا فالإضلال هو الإبطال وعدم الانتفاع. وبما أنّه ربما يتوهّم منه الجبر بيّن سبحانه في الآية التالية أنّ الإضلال والإبطال لأجل أعمالهم الإجرامية، وقال:
75.(ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ):

1 . المجادلة: 18 .
2 . الأنعام: 23 .

صفحه 304
فاسم الإشارة «ذا» إشارة إلى الإضلال من الله المتجسّد في العذاب، أي هذا (المصير السيّئ) لأجل كونكم:
أوّلاً: تفرحون في الأرض بغير الحق. وقيّد الفرح هنا به لأنّه قد يكون بحقّ، كما في قوله سبحانه: (وَيَوْمَئِذ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ)1. نعم الفرح بغير الحق بَطر وزَهْو بما يتمتّع به الإنسان من مال أو قوة أو سلطان، وهو المراد هنا، وفي قوله تعالى في حقّ قارون، حكاية عن قومه : (إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)2.
ثانياً: لأجل كونكم تفرطون في الفرح والنشاط حتّى آل إلى التبختر والاختيال، وإلى الانسياق وراء اللّهو والعبث، وإلى نسيان الآخرة، كما قال : (وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ) .
76. (قِيلَ ادْخُلْوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ):
الظاهر أنّ الآية راجعة إلى كلّ متكبّر يفرح بغير الحقّ ويمرح ويختال ويترفّع على الناس، فالخطاب متوجّه إليهم لا إلى خصوص المجادلين، وعلى ذلك يخاطبون بقوله: (ادْخُلْوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا)والجملة بدل من قوله: (ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ) ثم فرّع عليه قوله: ( فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ): أي مأواهم ومنزلهم.
ويمكن أن يقال: إنّ المراد هم المجادلون، فإنّ جدالهم نابع عن

1 . الروم:4و5.
2 . القصص:76.

صفحه 305
كبرهم بشهادة قوله في هذه السورة:(إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ).1
والتعبير بقوله:(ادْخُلْوا) كأنّه لإعطاء الضابطة لكلّ مجادل في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وغيره.
77. (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ):
الآية تطييب لنفس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ودعوة له بالصبر على أذاهم وتكذيبهم، وتَعدُه بأنّه ربما يرى جزاء أعمالهم في هذه الدنيا، وربّما يؤخَّر إلى يوم القيامة، قال سبحانه: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ): أي يوم البعث والعواقب المرّة للمجادلين (حَقٌّ)، وأنّه سبحانه إمّا يُريك ما يحلّ بهؤلاء من العقاب في هذه الدنيا كما قال:(فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذِي نَعِدُهُمْ) كالأسر والقتل يوم بدر (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ): أي نقبضك إلينا (فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ)فنجازيهم وننتقم منهم على النحو الذي مرّ من قولنا: (إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ).

الآيات: الثامنة والسبعون إلى الحادية والثمانين سورة غافر: الآيات 78ـ 81

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَة إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ * اللهُ

1 . غافر: 56 .

صفحه 306
الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ * وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللهِ تُنْكِرُونَ).

المفردات

أمر الله: أُريد به هنا عذابه، إمّا في الدنيا أو في الآخرة.
المبطلون: الذين يبطلون الحقّ ويتعاملون معه معاملة الباطل.
الأنعام: جمع النَّعم على وزن القلم، وتطلق على: الإبل، والبقر، والغنم. ومن العرب من يقول للإبل إذا كثرت: الأنعام، والأناعيم.1
والمراد بها هاهنا ـ كما قال جماعة ـ الإبل خاصّة.

التفسير

78.(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَة إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ):
تتضمّن هذه الآية أُموراً ثلاثة:

1 . تهذيب اللغة للأزهري: مادة «نعم».

صفحه 307
أ. أنّه سبحانه أرسل رسلاً كثيرة لهداية الناس، منهم مَن قصّ الله خبره في القرآن الكريم على نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنهم مَن لم يقصص عليه فيه.
ب. أنّ المعجزات والكرامات بيد الله تعالى لا بيد الناس ولا بيد الأنبياء، فإنّ ما يأتي به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فهو بإذن الله وإرادته ولولاه لما تمكّن من الإتيان به.
ج. إذا تمّت الحجّة على الناس ولكن تمادوا في الغيّ والعناد، قضي عليهم بالعذاب حقّاً وعندئذ يخسر المبطلون.
هذه هي الأُمور الثلاثة التي تتحدّث عنها الآية وإليك تبيينها.
الأمر الأوّل: تعلّقت سنّة الله تبارك وتعالى على هداية الناس عن طريق إرسال الرسل من جنسهم لا من الملائكة ولا من غيرهم حتى يبلغوا الغاية التي خلقوا لأجلها، ولولا الأنبياء لما حصلت تلك الغاية، قال سبحانه:(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ)،1وهذا نبي الله إبراهيم(عليه السلام) يدعو الله سبحانه أن يبعث في ذريته رسولاً منهم للتعليم والتزكية، ويقول: (رَبَّنَا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).(2)
وقد ثبت في محلّه أنّ الفطرة الإنسانية وإن كانت رسولاً من الباطن تبعث الإنسان على الخير وتمنعه من الشر، ولكنّها لا تكفي في البلوغ إلى الغاية المتوخّاة من خلق الإنسان، فلابدّ أن يزوّد هذا الرسول الباطني برسول ظاهري يُرغّب ويُرهّب، وهذا هو التاريخ يحكي لنا ظهور الأنبياء

1 . الحديد:25.   2 . البقرة:129.

صفحه 308
واحداً بعد الآخر في المناطق التي عمّها العمران والحضارة.
ومن المعلوم أنّ في دراسة حياتهم ومناظراتهم ومواقفهم الّتي تفصح عن إيمانهم وإخلاصهم وشجاعتهم دروساً وعبراً، ولذلك صارت قصص الأنبياء تشكّل ثلث القرآن الكريم.
ثمّ إنّ الذكر الحكيم قصّ حياة عدد من الأنبياء دون الكل كما يقول:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) ولعلّ الذكر الحكيم اكتفى بذكر الأنبياء العظام، الّذين قاوموا الخصوم الألدّاء وثبتوا في وجه أعتى المحن والخطوب، وترك غيرهم.
إنّ عدد الأنبياء الذين جاءت أسماؤهم في الذكر الحكيم هو خمسة وعشرون نبياً، وهم: آدم، ونوح، وإدريس، وصالح، وهود، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويوسف، ولوط، ويعقوب، وموسى، وهارون، وشعيب، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وداود، وسليمان، وإلياس، واليسع، وذوالكفل، وأيوب، ويونس، ومحمّد (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).
روى الشيخ الصدوق بإسناده عن دارم بن قبيصة، عن الإمام علي الرضا، عن آبائه(عليهم السلام)، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: «خلق الله عزّ وجلّ مئة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي أنا أكرمهم على الله ولا فخر، وخلق الله عزّوجلّ مئة ألف وصيّ وأربعة وعشرين ألف وصي، فعليّ أكرمهم على الله وأفضلهم».1

1 . الخصال: 2 / 641 (ما بعد الألف)، برقم 18. ورواه أيضاً (تحت الرقم 19) بإسناده عن زيد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه، عن أمير المؤمنين، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).

صفحه 309
وفي رواية أُخرى عن أبي عبد الله(عليه السلام) الصادق قال: «قال أبوذر: يا رسول الله كم بعث الله من نبي؟ قال: ثلاثمائة ألف نبي وعشرين ألف نبي».1
وقد اختلفت الروايات في عدد الأنبياء المبعوثين.
قال الطبرسي: اختلفت الأخبار في عدد الأنبياء، فروي في بعضها أنّ عددهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وفي بعضها أنّ عددهم ثمانية آلاف نبي أربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلاف من غيرهم.
وعلى كلّ تقدير لا يمكن الاعتماد في عدد الأنبياء على هذه الروايات، فإنّ أكثرها مراسيل أو ممّا لا يعوَّل على أسانيدها، كما أنّه يجب الإيمان برسالة جميع الأنبياء الذين بعثوا من الله سبحانه لهداية الناس، سواء علمنا عددهم أم لا.
غير أنّ الذي يُهمنا في المقام هو صلة هذا الأمر بالأمر الثاني، الّذي يظهر أنّ الأمر الأوّل مقدّمة له، وسيتّضح ذلك ببيانه.
وأمّا الأمر الثاني: أعني أنّ المعاجز والكرامات التي يعبَّر عنها بالآيات كلّها بيد الله سبحانه وهو الذي يمكّن نبيّه من التصرّف في الكون (كأنْ يقلب العصا ثعباناً، أو يُخرج من الجبل ناقة)، فيدلّ عليه قوله: (وَمَا كَانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَة إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ). نعم كان هناك من المعاندين من يقترح معاجز أُخرى، كما هو الحال في مشركي قريش الّذين اقترحوا أن يبعث الله معه (صلى الله عليه وآله وسلم)مَلكاً بحجّة أنّ القرآن الكريم لم يقنعهم، كما قال: (لَوْلاَ أُنْزِلَ

1 . بحار الأنوار:11/59ـ60.

صفحه 310
عَلَيْهِ مَلَكٌ)1 فالله سبحانه يردّ عليهم بأنّ التصرّف في الكون بيد الله سبحانه، والأنبياء إنّما يتصرّفون بإقدار منه، وعلى ذلك فما جاء به النبيّ من المعجزات فهو بإذنه، وما لم يأت به فإنّما هو لعدم إذنه.
وكان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يجيب على اقتراحاتهم بقوله: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً)2 بَيد أنّهم كانوا لا يقتنعون بخطابه، بل يصرّون على الإتيان بآيات أُخرى، كتلك الّتي وردت في سورة الإسراء.3
ثمّ إنّ صلة الأمر الأوّل بالثاني واضحة وهي أنّ الله سبحانه ذكر الأمر الأول كالمقدّمة للثاني، وحاول بذلك تطييب نفس النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ موقف أُمّتك منك، كموقف سائر الأُمم ممّن سبقك من أنبياء الله تعالى، وقد واجه كلّ منهم ما تواجهه أنت اليوم فصبروا وكان حليفهم النصر وانهزام المكذّبين المجادلين بالباطل.
ثمّ إنّ الغاية من تأييد الأنبياء بالمعاجز والكرامات هو لأجل إثبات صلتهم بالله سبحانه، ويكفي في ذلك كونه مؤيّداً ببعض الآيات، ولا يجوز أن يستسلم النبيّ أمام مقترحاتهم، لتماميّة الحجّة عليهم، وإلاّ لأصبحت المعجزة أُلعوبة بيد هؤلاء الجهّال.
وأمّا الأمر الثالث: فإذا تمّت الحجّة على الناس ودلّت الآيات الباهرات على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مبعوث من جانب الله سبحانه، فمن آمن تشمله رحمة الله، ومن عاند فيُقضى عليه بالعدل ويهلك ويُستأصل، كما

1 . الأنعام:8.
2 . الإسراء:93.
3 . لاحظ: الإسراء:90ـ 93.

صفحه 311
يقول:(فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللهِ) وقضاؤه الحتمي(قُضيَ) على المجرمين (بِالْحَقِّ): أي بالعدل الّذي لا يشوبه حَيف ولا جَور (وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ) الذين يتعاملون مع الحقّ معاملة الباطل.
وهل المراد من أمر الله هو العذاب الدنيوي أو العذاب الأُخروي؟ يؤيّد الوجه الأوّل الآيات الثلاث الواردة في سورة هود حيث أُشير بها إلى المعنى الأوّل، قال سبحانه: (لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ)1وأُريد به الطوفان، وقال سبحانه: (يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ)2، وأُريد به استئصال قوم لوط.
وقال سبحانه: (لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ مَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيب)3 وأُريد به استئصال فرعون بالغرق وغيره.
نعم يؤيّد القول الثاني، قوله سبحانه :(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ)4.
وجه الاستدلال هو الإخبار عن خسران المبطلين في كلتا الآيتين في يوم واحد، ولكن لا مانع من الجمع بينهما.
79. ( اللهُ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ):
التدبّر في آيات هذه السورة من أوّلها إلى آخرها يثبت بأنّ محورها

1 . هود:43.
2 . هود:76.
3 . هود:101.
4 . الجاثية:27.

صفحه 312
يدور حول الغرض الرئيس وهو الاحتجاج على المشركين بأُسلوب التقرير، حيث عرضت السورة مشاهد من آيات الله في الكون وفي الأنفس، لإثبات وحدانيته سبحانه في الخلق والإيجاد والتدبير،
ومن ثم ترشد هؤلاء المشركين إلى سلوك طريق التوحيد وتجنّب مزالق الشرك، ولذلك جاء في صدر السورة قوله: (هُوَ الذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ)
واحتجّ بها آية بعد آية، فهذه الاحتجاجات يجمعها شيء واحد، وهو أنّ الخالق المدبّر للعالم واحد، وأنّ انسجام هذه النعم والبركات والارتباط الوثيق بينهما أفضل دليل على وحدانية المدبّر، وفي هذا الإطار تأتي هذه الآية لتلفت الأنظار إلى خلق الأنعام التي أُريد بها هنا ـ كما تقدّم ـ
الإبل خاصّة، فذكر انتفاع الإنسان بها في السفر والحضر، وذكر من آثارها أُموراً أربعة:
الأوّل: ما أشار إليه بقوله:(اللهُ الذِي جَعَلَ لَكُمُ): أي خلق لكم (الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا): أي من بعضها، ولفظة «من» للتبعيض، وأُشير به إلى الجمال فإنّها فُلك البَرّ، كما أنّ السفينة فُلك البحر.
الثاني: ما أشار إليه بقوله:(وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)، فهي مصدر للغذاء لطيب لحومها.
80 . (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ):
الثالث: (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ) وراء أكل لحومها، وهو الانتفاع بأوبارها وألبانها وأثمانها وأعواضها.

صفحه 313
الرابع:(وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ) عطف على قوله: (لِتَرْكَبُوا مِنْهَا)، ولعلّ الفرق بين المعطوف والمعطوف عليه أنّه أُريد بالمعطوف ـ أعني(لِتَرْكَبُوا) ـ الركوب لغاية الانتقال من مكان إلى مكان آخر، وأمّا المعطوف عليه فأُريد به ما يحقّق به الإنسان (من اقتنائها وتربيتها وتمثيرها) من آمال ورغائب في صدره، فيقتني من ثمنها ما يشاء من أثاث ومتاع1، بالإضافة إلى أنّها وسيلة تسلية ورياضة في الاحتفالات والسباقات.
ثم ذكر سبحانه منفعة أُخرى للأنعام، وقرن بها الفلك، فقال : (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ)وهي إشارة إلى حمل الأثقال والناس، فجعل الأنعام عديلة للسُّفن في البحر.2 وعندئذ حقّ لله سبحانه أن يقول:
81. (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللهِ تُنْكِرُونَ):
ولعلّ الآية ناظرة إلى جميع الآيات التي احتجّ بها الله سبحانه في هذه السورة على المعاندين. ثم إنّ الشيخ الطوسي ذكر وجه إعراضهم عن آيات الله، وعزاه لأُمور ثلاثة:
1. اتّباع الهوى، ودخول الشبهة التي تغطّي على الحجّة، حتى لا يكون لها في النفس منزلة.

1 . انظر: التفسير القرآني للقرآن: 12 / 1274 .
2 . سيأتي الكلام حول الأوصاف الّتي أودعها الله في الإبل، وجعلتها قادرة على طيّ المسافات الطويلة في الصحاري الرَّمضَة، عند تفسير الآية (17) من سورة الغاشية، أعني قوله تعالى: (أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) .

صفحه 314
2. التقليد لمن ترك النظر في الأُمور.
3. السبق إلى اعتقاد فاسد لشبهة، فيمنع ذلك من توليد النظر للعلم.1

الآيات: الثانية والثمانون إلى الخامسة والثمانين

( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ الَّتي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) .

المفردات سورة غافر: الآيات 82ـ 85

حاق: أحاط.
بأسنا: البأس: الشدّة في المكروه. والمراد به هنا: العذاب.
السنّة: الطريقة المستمرّة.
خلَت: مضت.

1 . التبيان في تفسير القرآن: 9 / 100 .

صفحه 315

التفسير

أكّد سبحانه في هذه السورة على الاعتبار بحال الأُمم السابقة، فتارة ذكرهم على الوجه الكلّي، قال: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ)، 1 وأُخرى ذكر قصتهم على وجه التفصيل، كما هو الحال في قصة فرعون وهامان 2، وما هذا إلاّ لأنّ في التدبّر في حياة الأُمم السابقة ـ خصوصاً الهالكة ـ بعد إتمام الحجّة، دروساً وعبراً، وقد أكّد على هذا في غير واحدة من الآيات منها آيتنا في المقام، وقال:
82. (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ):
تحمل هذه الآية تهديداً ووعيداً للمشركين الذين ينكرون آيات الله الدالّة على توحيده، وتحذّرهم من مغبة الإصرار على التكذيب ومناهضة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ السنن الإلهية في التاريخ قد تحكمهم كما حكمت الأُمم السالفة المكذّبة الّتي حلّ بها البلاء والعذاب، وهم قد ساروا في البلاد فلِمَ لم ينظروا نظر اعتبار إلى الآثار الباقية من تلك الأُمم؟ وقد كانوا أكثر منهم قوّة وآثاراً، فلمّا نزلت بهم النقم لم يدفع عنهم ذلك شيئاً، كما يقول:(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) فقد كانوا ذا

1 . غافر: 5 .
2 . لاحظ : غافر: 24 ـ 45 .

صفحه 316
حضارة وقدرة كما قال: (كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً)في أنفسهم (وَآثَارًا فِي الأَرْضِ): أي أكثر عمارة، ومع ذلك (فَمَا أَغْنى عَنْهُمْ)من عذاب الله (مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ): أي المهارات والتجارب التي اكتسبوها في عامّة المجالات، فأنتم أيّها المشركون اعتبروا بأحوالهم.
83. (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ):
تشرح الآية كيفية تعاملهم مع الأنبياء وتلخصها في أمرين:
الأوّل: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ): أي اغترّوا بما عندهم من العلم، وزعموا أنّ ما حصلوه من العلم أفضل ممّا جاء به الأنبياء من البينات!! إنّما الكلام فيما هو المراد بالعلم؟
هناك احتمالان:
أ. الشبهات الواهية التي زعموها علماً فكانوا يجابهون دعوة الأنبياء بقولهم: (مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)1، وأُخرى يجابهونها بقولهم: (أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد)(2)، إلى غير ذلك من الشُّبه التي تُغري العوامّ وتصدّهم عن اتّباع الحق.
ب. العلم التجريبي الّذي يتّصل بمعاشهم وسعيهم في الحياة. وهذا العلم هو الّذي دفعهم إلى الغرور ومن ثمّ الاستخفاف بالمعارف الّتي جاءتهم بها رسلهم، تماماً مثل قارون الّذي ردّ على قومه الّذين نصحوه

1 . يس:78.   2 . السجدة:10.

صفحه 317
بعدم الاغترار بما آتاه الله من مال وأن يبتغي به الدار الآخرة.. ردّ عليهم بقوله: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم عِنْدِي).1 وقد غاب عنهم أنّ ما جاء به الأنبياء وحي لا يمسّه جهل، وأمّا ما عندهم من العلم فهو إمّا جهل أو مشوب بالجهل.
وعلى كلّ تقدير فأوّل شيء كانوا يقابلون به الأنبياء هو الاعتماد على الأوهام والظنون أو العلوم الناقصة .
الأمر الثاني: الذي كانوا يقابلون به دعوة الأنبياء المقرونة بالآيات والبيّنات هو الاستهزاء، فكلّما كان الأنبياء ينذرونهم من بأس الله وعذابه كانوا يستهزئون بهم ويسخرون منهم، وربما قالوا لهم ائتوا بما شئتم، ولذلك قال سبحانه:(وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ).
نعم كانوا مغرورين بأوهامهم وترّهاتهم إلى الحدّ الذي لمسوا فيه اقتراب العذاب، فعند ذلك ارتفع حجاب الجهل والغرور عن أعينهم وعقولهم، فحاولوا الإيمان بما كفروا به طيلة حياتهم، كما يقول سبحانه:
84.(فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ):
قوله: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا): أي عذابنا النازل بهم (قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ)فخرجوا من الشرك بالربوبية إلى التوحيد فيها، (وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ)من الأصنام والأوثان، وهذه هي شيمة الجاهل المغرور، حيث يُمعن في غروره حتى يصطدم بالعذاب فيضطرّ إلى التراجع عمّا كان عليه ، وعندئذ

1 . القصص:78.

صفحه 318
يُطرح هذا السؤال: هل هذا الإيمان النابع من رؤية العذاب يكون نافعاً وموجباً لرفع العذاب؟ هذا ما يجيب عنه الذكر الحكيم في الآية التالية، فيقول:
85 . (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ):
الآية تجيب عن السؤال المتقدّم قائلة: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا): أي لا ينفعهم عند رؤيتهم بأس الله وعذابه لأنّهم يصيرون عند ذلك مضطرّين، وفعل المضطرّ لا يستحقّ عليه المدح، وأنّ المدح والثواب على فعل المختار.
ثمّ أشار سبحانه إلى أنّ هذه سنّة مستمرة لله سبحانه في الأقوام الخالية كما يقول:(سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ)وخسرانهم هو استئصالهم في الدنيا ودخولهم النار في الآخرة.
ويدلّ على أنّ ذلك من سنن الله تعالى في الأُمم الماضية قصة إيمان فرعون بعد أن أيقن بالهلاك، وأخذت الأمواج تتقاذفه من جانب إلى جانب، فعندئذ قال ـ كما يحكي عنه سبحانه ـ: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)فهل نفعه إيمانه هذا؟ لا بشهادة قوله سبحانه: (آلآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)1 فهذه الآية ـ أعني قوله سبحانه: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ) ـ

1 . يونس:91.

صفحه 319
من آيات الأحكام التي غفل عن ذكرها بعض مَن ألّف في هذا الموضوع.
روى الكليني بإسناده عن جعفر بن رزق الله قال: قُدّم إلى المتوكّل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحد فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: قد هدم إيمانُه شركَه وفعله، وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، وقال بعضهم: يفعل به كذا وكذا، فأمر المتوكّل بالكتاب إلى أبي الحسن الثالث(عليه السلام) 1 وسؤاله عن ذلك، فلمّا قرأ ](عليه السلام) [ الكتاب كتب: يُضرب حتى يموت، فأنكر يحيى بن أكثم وأنكر فقهاء العسكر ذلك، وقالوا: يا أمير المؤمنين يُسأل عن هذا فإنّه شيء لم ينطق به كتاب ولم تجئ به سنّة، فكتب إليه: إنّ فقهاء المسلمين قد أنكروا هذا وقالوا: لم يجئ به سنّة ولم ينطق به كتاب فبيّنْ لنا لِمَ أوجبت عليه الضرب حتى يموت؟ فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ)، قال: فأمر به المتوكّل فضُرب حتى مات.2
***
تمّ تفسير سورة غافر

1 . هو الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام)(المتوفّى 254 هـ) .
2 . الكافي:7/238، كتاب الحدود، باب ما يجب على أهل الذمة من الحدود، برقم 2 ; وتهذيب الأحكام:10/38، باب في حدود الزنى، برقم 135.

صفحه 320

صفحه 321
 

سورة فصّلت

 
(حَم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْم يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّة مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ * قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * اَلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون * قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّام سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا

صفحه 322
بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَاد وَثَمُودَ * إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّام نَحِسَات لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لاَ يُنْصَرُونَ * وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لجُلُوِدِهمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْء وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّة وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبوُا فَمَا هُمْ

صفحه 323
مِنَ الْمُعْتَبِينَ * وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرَوُا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ *فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ * إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتْي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ *نُزُلاً مِنْ غَفُور رَحِيم * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّني مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيم * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمِنْ آيَاتِهِ الْلَيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ

صفحه 324
وَاسْجُدُوا للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَُمحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد * مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة وَذُو عِقَاب أَلِيم * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَاَعْجَمِيٌّ وَعَرَبيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَان بَعِيد * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكّ مِنْهُ مُرِيب * مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ * إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَات مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيد * وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ

صفحه 325
مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيص *لاَ يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤسٌ قَنُوطٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَاب غَلِيظ * وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنـَا بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيض * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاق بَعِيد * سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ * أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَة مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء مُحِيطٌ).

صفحه 326
 
خصائص السورة خصائص السورة

تسمية السورة

هذه السورة هي ثانية الحواميم السبع المكّيّة، وتأتي بعد سورة غافر، وقد تميّزت عن أخواتها بوجود سجدة واجبة (من سجود القراءة) في إحدى آياتها، فهي إحدى العزائم الأربع الّتي تجب السجدة عند استماع آيتها، ولذلك أُضيفت «حم» إلى السجدة، فسُمّيت السورة بـ«حم السجدة»، خلافاً لسورة السجدة التي ابتدأت بـ «الم» ولكن سُمّيت بـ«سورة السجدة» مجرّدة من دون إضافة.
وفي الوقت نفسه سُمّيت هذه السورة في كثير من التفاسير بسورة «فصّلت» لوقوع هذا اللفظ في الآية الثالثة منها.
ولا مشاحّة في التسمية حتى قيل أنّها تُسمّى بسورة المصابيح ; لقوله تعالى في الآية الثانية عشرة: (وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ).

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها أربع وخمسون آية في عدّ الكوفي، وثلاث وخمسون آية في عدّ الحجازي، واثنتان وخمسون في عدّ البصري.
ومن مواضع الاختلاف، قوله:(حم) فهو آية في عدّ الكوفي دون عدّ الآخرين.
وأمّا محل نزولها فهي مكّيّة وتشهد لذلك مضامين آياتها، حيث إنّها

صفحه 327
تندّد بالمشركين والكافرين لأجل إعراضهم عن القرآن، ثمّ تهدّدهم بحلول العذاب بهم كما حلّ بعاد وثمود.
ويؤيّد كون السورة مكّيّة ما رواه غير واحد من المفسّرين وأصحاب السِّير، من أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قرأ هذه السورة إلى قوله: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ) على الوليد بن المغيرة، الذي وصف القرآن بكلمة لعلّها أوّل كلمة من العدو قيلت في حقّ القرآن، وإليك ما ذكره الطبرسي في «إعلام الورى».
قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) لا يكفّ عن عيب آلهة المشركين ويقرأ عليهم القرآن فيقولون: هذا شعر محمد، ويقول بعضهم: بل هو كهانة، ويقول بعضهم: بل هو خطب.
وكان الوليد بن المغيرة شيخاً كبيراً، وكان من حكّام العرب يتحاكمون إليه في الأُمور وينشدونه الأشعار، فما اختاره من الشعر كان مختاراً.... وكان من المستهزئين برسول الله(صلى الله عليه وآله) وكان عمّ أبي جهل بن هشام، فقالوا له: يا أبا عبد شمس ما هذا الذي يقول محمّد أسحر أم كهانة أم خطب؟ فقال: دعوني أسمع كلامه.
فدنا من رسول الله وهو جالسٌ في الحِجْر فقال: يا محمد أنشدني من شعرك.
فقال: «ما هو شعر ولكنّه كلام الله الذي به بعث أنبياءه ورسله».
فقال: اُتل عليّ منه.
فقرأ عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله):(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
فلمّا سمع (الرَّحْمَنِ)، استهزأ فقال: تدعو إلى رجل باليمامة يسمّى الرحمان.

صفحه 328
قال: «لا ولكنّي أدعو إلى الله وهو (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
ثم افتتح (حم السجدة) فلمّا بلغ إلى قوله: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَاد وَثَمُودَ)فلمّا سمعه اقشعرّ جلده وقامت كلّ شعرة في رأسه ولحيته، ثمّ قام ومضى إلى بيته ولم يرجع إلى قريش، فقالت قريش: يا أبا الحكم (كنية أبي جهل) صبا أبو عبد شمس إلى دين محمد، أما تراه لم يرجع إلينا وقد قبل قوله ومضى إلى منزله؟ فاغتمّت قريش من ذلك غمّاً شديداً وغدا عليه أبو جهل فقال: يا عمّ نكست برؤوسنا وفضحتنا.
قال: وما ذلك يابن أخي؟
قال: صبوتَ إلى دين محمّد.
قال: ما صبوتَ وإنّي على دين قومي وآبائي ولكنّي سمعت كلاماً صعباً تقشعرّ منه الجلود.
قال أبو جهل: أشعر هو؟
قال: ما هو بشعر.
قال: فخطب هي؟
قال: لا إنّ الخطب كلام متّصل وهذا كلام منثور، لا يشبه بعضه بعضاً، له طلاوة.
قال: فكهانة هو؟! فكأنّه هي.
قال: لا.
قال: فما هو؟
قال: دعني أُفكّر فيه.

صفحه 329
فلمّا كان من الغد، قالوا: يا أبا عبد شمس ما تقول؟
قال: قولوا: هو سحرٌ فإنّه أخذ بقلوب الناس، فأنزل الله تعالى فيه:(ذَرْني وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُودًا* وَبَنِينَ شُهُودًا)إلى (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ)1.2

أغراض السورة

لو قلنا بأنّ لكلّ سورة غرضاً واحداً تدور عليه سائر الآيات، فالحقّ أنّ روح هذه السورة هو التأكيد على القرآن الكريم والتنديد بإعراض المشركين عنه، ويشهد لذلك الآيات التالية:
1. قوله سبحانه:(تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
2. قوله سبحانه:(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرَوُا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ).
3. قوله سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا).
4. قوله سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ).
5. قوله سبحانه:(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ).
فالمبتدأ هو الحثّ على القرآن الكريم وتقريع المُعرضين عنه، كما هو المنتهى بالوعيد والتهديد لمَن كفر بما جاء من عند الله.
نعم، في ثنايا السورة أُمور وبحوث أُخرى، لكن المحور هو ما ذكرنا.

1 . المدثر: 11ـ 30.
2 . إعلام الورى بأعلام الهدى:1/112; بحار الأنوار:17/211 ح17.

صفحه 330

الآيات: الثمان الأُولى

(حَم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْم يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّة مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ * قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * اَلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون).

المفردات سورة فصّلت: الآيات 1ـ8

لا يسمعون: لا يقبلون، من قولهم: تشفّعت إلى فلان فلم يسمع قولي: أي لم يقبله.
أكنّة: قال الراغب: الكنّ ما يحفظ فيه الشيء، ثم قال: الكنان: الغطاء الذي يُكنّ فيه الشيء، والجمع أكنّة، نحو غطاء وأغطية.1
وقر: الوقر: الثقل في السمع.
ممنون: مقطوع من قولهم مننت الجبل إذا قطعته.

1 . المفردات للراغب:442، مادة «كن».

صفحه 331

التفسير

1.(حَم):
هذه السورة هي السورة الثانية من الحواميم السبع، وقد مرّ الكلام في تفسير (حَم) في سورة غافر، وسيوافيك توضيح أكثر فيما يأتي من السور.
وهي آية مستقلّة في عدّ الكوفي.
2. (تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ):
(تَنزيلٌ)خبر ـ بمعنى منزل ـ لمبتدأ محذوف، نظير: هذا أو القرآن منزل (مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)نسب نزوله إلى الوصفين لوجهين:
أوّلاً: أنّ الكتاب من الرحمان الرحيم لا من النبيّ ولا من غيره، خلافاً لمزاعم قريش التي مرّ ذكرها في قصة الوليد.
ثانياً: أنّه سبحانه بما أنّه رحيم تختصّ رحمته بالمؤمنين، وبما أنّه رحمان فرحمته تعمّ المؤمن والكافر، وفيهما ترغيب لمطلق السامعين من المؤمنين والكافرين، وأنّه سبحانه يغفر ما تقدّم من الأعمال غير الصالحة .
ولعلّه ذكر الرحمان لوجه آخر، وهو أنّ العرب في العصر الجاهلي ما كانت تعرف وصف الرحمان، يقول سبحانه: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ)1، حتى أنّ مندوب قريش في صلح الحديبية

1 . الفرقان:60.

صفحه 332
أنكر كتابة الرحمان، وذلك أنّه عندما أراد عليٌّ(عليه السلام) أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم بأمر من النبي(صلى الله عليه وآله)، رفض سهيل بن عمرو ذلك، ولكنّ النبي(صلى الله عليه وآله)لمصلحة يعلمها، أمر عليّاً بأن يكتب ما قاله ممثّل قريش وهو: باسمك اللهمّ.1
3. (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْم يَعْلَمُونَ):
قوله تعالى: (كِتَابٌ) خبر بعد خبر، أي هذا منزل من الله، كتاب له أوصاف أربعة:
أ. (فُصِّلَتْ آيَاتُهُ).
ب. (قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْم يَعْلَمُونَ).
وسيأتي الوصفان الآخران في الآيات التالية.
أمّا الوصف الأوّل ـ أعني قوله:(فُصِّلَتْ) ـ فالظاهر أنّ المراد بالتفصيل هو التبيين، وأنّ القرآن واضح الآيات، بيّن الجمل والكلمات، خال عن الإغلاق والتعقيد.
ويحتمل أن يراد بالتفصيل هو ما يقابل الإحكام لقوله سبحانه في سورة هود: (الرَ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيم خَبِير).2ففي مرحلة الإحكام لم يكن قرآناً يُقرأ، ولا عربياً يُعرب، بل كان له وجود إجمالي جمعي في اللوح المحفوظ، وأمّا مرحلة التفصيل فيُراد بها إنزاله إلى مرتبة البيان، بحيث يتمكّن السامع العارف بأساليب البيان من فهم

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 317 .
2 . هود:1.

صفحه 333
معانيه وتعقّل مقاصده.
وأمّا الوصف الثاني وهو كونه :(قُرْآنًا عَرَبِيًّا) فهو حال من (كِتَابٌ)، قوله: (قُرآناً)والقرآن هو الكلام المقروء المتلوّ (عَرَبِيّاً): أي بلسان عربي وهما من صفات كماله ; لأنّه سهل الحفظ، سهل التلاوة(لِقَوْم يَعْلَمُونَ): أي عارفون باللسان الذي نزل به، أو لقوم لهم علم وتعقّل. بَيْدَ أنّ كونه كتاباً لأبناء اللغة العربية لا يدلّ على اختصاصه بهم; لأنّ الدعوة، في سيرها، مرّت بمراحل، فقد كلّف اللهُ رسولَه، أوّلاً، بإنذار عشيرته، كما قال: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)1، ثمّ كلّفه بدعوة قومه، كما يشير إليه قوله سبحانه: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)(2)، ثم كلّفه بدعوة عامّة البشر كما قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا).(3) وعلى ضوء ما تقدّم
يكون معنى قوله: (لِقَوْم يَعْلَمُونَ): لقوم لهم علم ومعرفة وتعقّل وتفكّر، ويؤيد ذلك قوله سبحانه: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)2، وقوله: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ).(5)
4. (بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ):
قوله: (بَشِيرًا وَنَذِيرًا) حال بعد حال، وهذان هما الوصفان: الثالث والرابع للكتاب المنزل، فالقرآن قد جمع بين التبشير والإنذار; لأنّ التبشير المجرّد عن الإنذار يورث الجرأة، كما أنّ الإنذار المجرّد عن التبشير يوجب اليأس. ومَن استمع القرآن وتأمّل في آياته ومضامينه فإنّه سيهتدي

1 . الشعراء:214.      2 . الحجر:94.   3 . الأعراف:158.
2 . يوسف:2.   5 . العنكبوت:49.

صفحه 334
به، وأمّا مَن استمع إليه برأي مسبق كالشرك فلا يؤمن به فيعرض عنه، كما قال سبحانه:(فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ)عمّا في القرآن من هدى (فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ)إمّا لأنّهم لا يلقون أسماعهم للقرآن أو يلقونها ولكن لا يتدبّرونه.
قال الإمام علي (عليه السلام) في وصف المتّقين: «وَقَفوا أسماعَهُم عَلَى العِلْمِ النّافِعِ لَهُمْ».1
5. (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّة مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ):
ثمّ إنّ هؤلاء المعرضين عن الانتفاع بالقرآن والاهتداء به علّلوا وجه إعراضهم وعدم الأخذ به بوجوه ثلاثة:
أ. (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّة مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ): أي أنّ قلوبنا مغلّفة لا ينفذ إليها شيء ممّا تدعونا إليه، فإنّ القلب هو مركز المعرفة والإدراك، والحواس الخمس طرق إليه، وقلوبنا تلفّها أغطية وأغلفة، تحجب عنها كلماتك، ويمنعها مَن تفهّم ما تدعونا إليه!!
ونظير هذا، قول اليهود للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما حكاه عنهم سبحانه بقوله:(وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ).2
ومثله قول الإمام علي (عليه السلام) في وصف معاوية الّذي أبى أن يذعن للحقّ، فنازعه الأمر (وليس هو من أهله ولا في معدنه)، وفرّق جماعة الأُمّة:

1 . نهج البلاغة: الخطبة 193.
2 . البقرة:88.

صفحه 335
«وَإِنَّكَ وَاللهِ مَا عَلِمْتُ الاَْغْلَفُ الْقَلْبِ، الْمُقَارِبُ الْعَقْلِ».1
ب. ( وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ): أي في أسماعنا ثقل، فإنّ القلب إنّما يصل إليه المسموع عن طريق السمع إذا كان سالماً، ولكن أسماعنا صمّاء.
فقد تذرّعوا بأمرين: تارة بأنّ مركز الإدراك مقفل، وأُخرى بأنّ أدوات الإدراك (أي السمع) فيها صمم، والأصمّ لا يسمع.
ج. (وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ): أي حاجز يحجزنا عنك فلا نجتمع معك على شيء، وكأنّهم أرادوا بذلك أنّهم على ضفَّة الشرك وأنّ النبيّ على ضفة التوحيد فلا التقاء بينهما، فإنّ لكلّ اعتقاده ومنهجه الخاص، وبذلك آيسوا النبيّ(صلى الله عليه وآله) تمام الإياس.
ثمّ ختموا كلامهم الكاشف عن غاية التعصّب والعناد، بهذا التهديد.
د. (فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ): أي اعمل ما تقدر عليه كما نحن نعمل ما نقدر عليه، وهذا نظير قوله سبحانه: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).(2)
فقولهم: (إِنَّنَا عَامِلُونَ)ظاهر في التهديد.
هذه الفقرات تصوّر لنا طبيعة أُولئك الّذين صدّوا عن دعوة الله، وواجهوا الدعوة النبوية بتلك التعلاّت الّتي لا يلجأ إليها إلاّ الحمقى البعداء عن المنطق، وهي تكشف عن إصرارهم على عدم الاستماع لصوت الحقّ والإيمان، والخضوع للدليل والبرهان، ولو كانوا أُناساً عقلاء لكان لهم موقف آخر، وهو النظر إلى معجزة النبي(صلى الله عليه وآله)ودعوته ثم التدبّر فيها، فإذا

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 64 .   2 . فصّلت:40.

صفحه 336
كانت حقّاً اعتنقوها وإن كانت باطلة تركوها.
ومهمّة الرسول هي أن ينصب لهم العلامات على طريق الهدى، وأن يرشدهم إليه، فإذا أغمضوا أعينهم عن تلك العلامات، وأبَوا السير فيه، فليس في مقدوره (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يحملهم عليه قسراً، وأنّ ذلك خارج عن حدود مهمّته، كما قال:
6.(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ):
لمّا مرّ تذرّع المشركين بتلك التعلاّت الواهية: (قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّة مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ)، نزل الوحي الإلهي على النبي(صلى الله عليه وآله) يعلّمه كيف يجيبهم، فبدأ بالجواب بوصفه أنّه بشر مثلهم وقال: (قُلْ) يا رسول الله في مقام الإجابة (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)، ومن المعلوم أنّ طاقة البشر محدودة جدّاً فلا أملك تقليب قلوبكم وفتحها، كما أنّي لست ملكاً حتى يكون بيني وبينكم حجاب، وإنّما امتاز عنكم بأنّني (يوحَى إلَيَّ)فأنا لست إلاّ مبيّناً لما نزل إليّ من الوحي من الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك، كما قال: (أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) فلفظة «الإله» قائمة مقام الخالق، المدبّر، إلى غير ذلك من صفات الجمال، فإذا كان الخالق المدبّر واحداً فعلى كلّ عاقل أن يتوجّه إليه كما قال:(فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ): أي لا تميلوا عن سبيله كما يقال: استقم إلى منزلك، أي لا تعدل عنه إلى غيره (وَاسْتَغْفِرُوهُ)من الشرك الذي أنتم فيه، فأُريد من الثاني التخلية ومن الأوّل التحلية، فطهِّروا أنفسكم من الشرك بالاستغفار ثمّ زيّنوها بالتوجّه إليه وعدم الميل

صفحه 337
عنه، (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) فلو كان في قوله: (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ)ترغيب ففي قوله: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ)ترهيب وتحذير أي دعاء عليهم بالهلاك. ثمّ ذكر سبحانه وصفاً من أوصاف هؤلاء المعرضين عن كتاب الله ووحيه، وقال:
7. (اَلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ):
وصفهم سبحانه في هذه الآية بأمرين:
أ. (اَلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) أُريد بها الإنفاق في سبل الخير، ودفع خلّة الفقراء، وإنقاذ الّذين يتضوّرون من ألم الجوع .
وقد خصّ الزكاة بالذكر إزراءً بهم على بخلهم وحرصهم الشديد على جمع الأموال.
قال الدكتور جبرائيل سليمان جبّور: وفي تاريخ العرب بوجه عام والبداة منهم بوجه خاص أنّ شرّ ما يُهجى به المرء هو البخل، فليس أقبح عنده من أن يعيَّر به، وأنّ خير ما يمدح به الكرم.1
وأنت ترى أنّه سبحانه جعل الخسّة والبخل معرّفاً لهم وقال: (لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) ووجه ذلك واضح; لأنّ مَن لا يعتقد باستمرار الحياة ويرى الموت هو الفناء المطلق فهو لا يجد في صميم ذاته داعياً إلى إنفاق المال الذي كابد في جمعه وتحصيله، بخلاف المؤمن بالحياة الأُخروية الذي يعتقد بأنّ ما ينفقه سيعود إليه بأضعاف مضاعفة وهو عندئذ يستقبل الأمر بالإنفاق برحابة صدر.

1 . البدو والبادية: 250 .

صفحه 338
فإن قلت: إنّ السورة مكّيّة والزكاة (أعني: الفريضة المالية عند بلوغ المال نصاب خاصّ) فرضت في السنة الثانية من الهجرة، فماذا أُريد بالزكاة هنا؟
قلت: المراد بالزكاة هنا مطلق الإنفاق لا الإنفاق الخاص.
وربما يفسّر إيتاء الزكاة بتزكية النفس وتطهيرها من أوساخ الذنوب، ولكنّه بعيد لعدم صحّة التعبير عنه بالإيتاء.
ب. (وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)وهذا هو الوصف الآخر للمشركين، فإنّ محور النزاع بين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)والمشركين يتركّز على أمرين:
أوّلاً: التوحيد تدبيراً وعبادة.
ثانياً: البعث والحياة بعد الموت.
ولذلك يقول:(وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ).
8 . (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون):
جرت سنّة الله تعالى في الذكر الحكيم على التقابل في ذكر الكافر والمؤمن، فبعدما ذكر شيئاً من أحوال الكافرين عاد إلى ذكر أحوال المؤمنين، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ): أي قرنوا الإيمان بالعمل، فالإيمان لا يتمّ ما لم يثمر أعمالاً صالحة، بل الأعمال تكشف عن الإيمان، (وَبِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الاِْيمَانِ)1، والمؤمن لا يكون مؤمناً حقّاً حتّى يُحسن العمل في حياته في شتّى المجالات.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 156 .

صفحه 339
ثمّ إنّه سبحانه وعد هؤلاء بقوله: (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون): أي غير مقطوع، فأجرهم في مقابل إيمانهم وعملهم الصالح وإنفاقهم في سبيل الله، فالأجر الموعود غير مقطوع ولا محدّد، والآية دليل على دوام الأجر، كما أنّها دليل على الخلود في الجنّة.

الآيات: التاسعة إلى الثانية عشرة سورة فصّلت: الآيات9ـ 12

(قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ <