welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 28*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 28

صفحه 1
   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 28
(الجزء 28)

صفحه 2

صفحه 3
28   
تفسير الجزء 28
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني التبريزي. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1392 .
      30 ج.    ISBN 978 - 964 - 357 - 519 - 9(VOL.28)
ISBN 978 - 964 - 357 - 510 - 6(30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس.
مندرجات: ج . 28 . تفسير سوره مجادلة تا آخر سوره تحريم.
      1 . تفاسير شيعه ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP    179 / 297
1392
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 28
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1392 هـ ش / 1434 هـ . ق / 2013 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، ومكتبة التوحيد ـ قم
عدد الصفحات:   … 512 صفحة
القطع:    …وزيري
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:777   تسلسل الطبعة الأُولى:402
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
مقدّمة المؤلّف   
(الْحَمْدُ للهِ الذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً * قَيّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَ يُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً)1.
ثم الحمد لله الّذي جعل كتابه شفاءً للصدور، وربيعاً للقلوب، وهدىً للمؤمنين، وبشرى للعارفين.
والصلاة والسلام على نبيّه الخاتم الّذي بُعث بالكتاب المعجز والشريعة الخالدة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)وعلى آله الذين هم موضع سرّه وعيبة علمه وحبال دينه، صلاةً دائمةً ما دامت السماء ذات أبراج والأرض ذات فجاج.
أمّا بعد:
فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا التبست عليكم الفتن كالليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنّه شافع مشفَّع، وماحِلٌ مصدَّق، من جعله أَمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل، وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن،

1 . الكهف: 1 ـ 2 .

صفحه 8
فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أَنيق، وباطنه عميق، له نجوم وعلى نجومه نجوم، ] أو: له تخوم وعلى تخومه تخوم [ لا تُحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى، ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة، فليجلْ جال بصره، ولْيبلغ الصفة نظرَه، ينجُ من عطَب، ويتخلصْ من نشَب».1
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «القرآن هدىً من الضلالة، وتبيان من العمَى، واستقالة من العثرة، ونور من الظلمة، وضياء من الأَحداث، وعصمة من الهلكة، ورشد من الغواية، وبيان من الفتن، وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة، وفيه كمال دينكم، وما عدل أَحد من القرآن إلاّ إلى النار».2
وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «خَلَّفَ فيكم ] أي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) [كِتَابَ رَبِّكُمْ فِيكُمْ: مُبَيِّناً حَلاَلَهُ وَحَرَامَهُ، وَفَرَائِضَهُ وَفَضَائِلَهُ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، وَرُخَصَهُ وَعَزَائِمَهُ، وَخَاصَّهُ وَعَامَّهُ، وَعِبَرَهُ وَأَمْثَالَهُ، وَمُرْسَلَهُ وَمَحْدُودَهُ، وَمُحْكَمَهُ وَمُتَشَابِهَهُ، مُفَسِّراً مُجْمَلَهُ، وَمُبَيِّناً غَوَامِضَهُ، بَيْنَ مَأْخُوذ مِيثَاقُ عِلْمِهِ، وَمُوَسَّع عَلَى الْعِبَادِ فِي جَهْلِهِ»3.
وكم وكم من كلمات درّية وردتنا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمة أهل البيت(عليهم السلام)حول مكانة القرآن الكريم ولزوم الاهتمام البالغ به .
ثم من فضل الله ومنّته على عبده الفقير هو أنّي عشت مع القرآن الكريم

1 . الكافي: 2 / 599، كتاب فضل القرآن، ح2.
2 . الكافي: 2 / 601، كتاب فضل القرآن، ح8.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 1 .

صفحه 9
قراءة وتفسيراً، مدّة مديدة من عمري، منذ شبابي إلى هرمي، وقد ألّفت في تفسير القرآن موسوعتين باللغة العربية والفارسية، 1 كما فسّرت عدداً كبيراً من سور القرآن الكريم، وأمّا الآن فإنّي عازمٌ ـ بما يسنح به العمر ـ على تفسير أجزاء القرآن الكريم وسأبدأ موسوعتي هذه ـ بحول الله وقوته ـ بالأجزاء الثلاثة الأخيرة منها ـ أعني: الجزء الثامن والعشرين والتاسع والعشرين والثلاثين ـ وذلك لمزايا وخصائص جعلتني أُقدّمها على غيرها من سائر الأجزاء وهي:
1. اشتمالها على سبع وخمسين سورة من سور القرآن الكريم البالغة 114 سورة، فكأن هذه الأجزاء الثلاثة تتضمن قرابة نصف سور القرآن،

1 . للمؤلّف كتب عديدة في علوم القرآن الكريم ومعارفه وتفسيره، وهي كما يلي:
1. مفاهيم القرآن في عشرة أجزاء (تفسير موضوعي) .
2. تفسير السور المسبّحات الخمس وسورة الممتحنة.
3. النفاق والمنافقون في القرآن الكريم ويليه تفسير سورة الزمر.
4. تفسير سورة القيامة، ضمن الجزء الثامن من كتاب «رسائل ومقالات».
5. القصص القرآنية في جزأين.
هذا ما صدر باللغة العربية، وأمّا باللغة الفارسية، فقد صدر له:
6. منشور جاويد (تفسير موضوعي) 14 جزءاً.
7. تفسير سورة التوبة.
8 . تفسير سورة الرعد.
9. تفسير سورة لقمان.
10. تفسير سورة الحجرات.
11. تفسير سورة الصف.
12. تفسير سورة الجمعة.
13. تفسير سورة المنافقون.   الناشر

صفحه 10
فتفسيرها يعني أنّه قد تمّ تفسير نصف سور القرآن.
2. أنّ أكثر سور هذا الجزء وأغلبها مكّيّة نزلت في بدء البعثة أو قريباً منه، فهي تعكس لنا الثقافة السائدة بين المشركين في مكّة وما حولها، وتبيّن لنا كيف واجه الذكر الحكيم هذه العقائد الباطلة والأفكار المنحرفة، وكيف دحضها وزيّفها بشتّى الأساليب القائمة على الدليل والبرهان، فبتفسير هذه الأجزاء نتعرّف على الحوادث الّتي حاقت بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)في بدء البعثة في مكّة المكرّمة.
3. تمتاز هذه السور ـ لقصرها ووحدة موضوعها ـ بأنّ من يطّلع على تفسيرها، فإنّه يستطيع تعليمها لغيره، ولذلك وقع على بعضها اختيارنا في محاضراتنا الرمضانية في تفسير القرآن الكريم الّتي ألقيناها على طلاب العلوم الدينية في جامعة المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)العالمية .
4. أنّ لآيات هذه السور ـ لقرب فواصلها ـ أنغاماً خاصّة، وإيقاعات فريدة ومن ثم فإنّها تهزّ النفوس، وتأسر القلوب، وللقارئ الكريم أن يحفظ هذه السور، ثم يتعلّم مفاهيمها عن طريق ما سنقدّمه إليه في هذين الجزأين.
وإنّي لأعتبر ذلك جهداً متواضعاً في هذا الصعيد، راجياً أن ينتفع به طلاب الحقيقة وعشّاق القرآن الكريم. وسمّيته بـ «منية الطالبين في تفسير القرآن المبين».
وقد سلكت في عملي مسلك الإيجاز، وأعرضت عمّا لا يمتّ إلى توضيح الآيات بصلة إلاّ ما دعت الضرورة إليه، ولقد اجتهدت أن يكون التفسير واضحاً خالياً من التعقيد، موضّحاً لمقاصد الآية، مواكباً للغة العصر،

صفحه 11
فلو أصبت في ذلك فهو من فضل الله سبحانه، وإلاّ فهو من قصوري وتقصيري.
وفي الختام: أشكر الإخوة الأعزّة محقّقي مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)حيث ساعدوني في إنجاز هذا العمل، تصحيحاً وإخراجاً وقراءة وضبطاً، وأخصّ بالذكر: الأُستاذ حيدر محمدعلي البغدادي الطحّان حيث نفعنا كثيراً بآرائه وملاحظاته، شاكرين للجميع جهودهم وإخلاصهم.
والحمد لله ربّ العالمين
جعفر السبحاني
قم المقدّسة/ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 12

صفحه 13

سورة المجادلة

( قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَ تَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ الْلاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَ زُورًا وَ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتََماسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتََماسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ وَ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ قَدْ أَنْزَلْنَا آيَات بَيِّنَات وَ لِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ

صفحه 14
وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَ لاَ خَمْسَة إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَ لاَ أَدْنى مِنْ ذَلِكَ وَ لاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَ إِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَ تَنَاجَوْا بِالْبِّرِ وَ التَّقْوَى وَ اتَّقُوا اللهَ الذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الَْمجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَ إِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات وَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَ آتُوا الزَّكَاةَ وَ أَطِيعُوا اللهَ وَ رَسُولَهُ وَاللهُ

صفحه 15
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَ لاَ مِنْهُمْ وَ يَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * اِتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * لَنْ تُغْنيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَ لاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ *اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللهُ لاََغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ * لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

صفحه 16
خصائص سورة المجادلة   
 
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت بسورة المجادلة ـ بكسر الدال ـ أخذاً من قوله سبحانه: (تُجَادِلُكَ) وكأنّها وصف للمرأة التي كانت تجادل النبي وتحاوره فتكون اسمَ فاعل، وأمّا المجادَلة ـ بالفتح ـ فهي مصدر ; والأوّل أظهر ـ كما مرّ ـ وربّما تُسمّى بـ «سورة الظهار»، كما في مصحف أُبيّ بن كعب.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

وهي اثنتان وعشرون آية في عدّ الكوفي والبصري والمدني الأوّل، وإحدى وعشرون في المدني الأخير.
وهي مدنية كما هو الظاهر من مضامينها وصياغتها، ويدلّ عليه شأن نزولها أيضاً.

أغراض السورة

تضمّنت السورة عدداً من الأُمور، منها:

صفحه 17
1. حكم الظهار وأنّه كان من طلاق الجاهلية، ألغاه الإسلام وعالجه بالكفّارة.
2. اطّلاع الله على السرائر، وأنّه ما من نجوى إلاّ والله سبحانه عالم بها، ثم ينهى عن النجوى إلاّ إذا كانت بالبِرّ والتقوى.
3. آداب المجالس، وأنّ على المؤمن أن يفسح لأخيه المؤمن.
4. تقديم الصدقة قبل مناجاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) .
5. كشف دسائس الذين تولّوا قوماً غضب الله عليهم وهم المنافقون.

شأن النزول

ونذكر في المقام روايتين:
1. روى الطبريّ بإسناده عن عطيّة العوفيّ، عن ابن عباس في قوله:(قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) وذلك أنّ خولة1 امرأة من الأنصار ظاهر منها زوجها، فقال: أنت عليَّ مثل ظهر أُمّي، فأتت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقالت: إنّ زوجي كان تزوجني وأنا أحَبّ (الناس إليه) حتى إذا كبرت ودخلت في السن قال: أنت عليَّ كظهر أُمّي، فتركني إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول الله تنعشني وإيّاه بها فحدِّثني بها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما أُمرتُ في شأنك بشيء حتى الآن، ولكن ارجعي إلى بيتك، فإن أُؤمر بشيء لا أغمِمْه عليك إن شاء الله»، فرجعت إلى بيتها، وأنزل الله على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الكتاب رخصتها ورخصة زوجها: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التي

1 . اختُلف في اسمها ونسبها، فقيل: خولة بنت ثعلبة، وخويلة بنت ثعلبة، وخويلة بنت خويلد، وخويلة بنت الصامت، وخويلة ابنة الدليج.

صفحه 18
تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)إلى قوله:(وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) فأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى زوجها، فلمّا أتاه قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما أردتَ إلى يمينك التي أقسمتَ عليها؟»، فقال: وهل لها كفّارة؟ فقال: «هل تستطيع أن تعتق رقبة؟»، قال: إذن يذهب مالي كلّه، الرقبة غالية وأنا قليل المال، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا والله، لولا أنّي آكل في اليوم ثلاث مرات لكلّ بصري، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «هل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟» قال: لا والله، إلاّ أن تعينني على ذلك بعون وصلاة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي معينك بخمسة عشر صاعاً، وأنا داعِ لك بالبركة». فأصلح ذلك بينهما.1
وروى الطبريّ بإسناده عن أبي معاوية (محمد بن خازم)، ويحيى بن عيسى ] الرملي[، وأبي عبيدة عبدالملك بن معن المسعودي، وجرير ] بن عبدالحميد [ جميعاً، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة بن الزبير، قال ] واللفظ لأبي عبيدة [: قالت عائشة: تبارك الذي وسعَ سمعه كلّ شيء، إنّي لأسمع كلام خولة ابنة ثعلبة، ويخفى عليّ بعضه 2، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي تقول: يا رسول الله، أكل شبابي، ونثرتُ له بطني، حتى إذا كبر سنّي، وانقطع ولدي، ظاهرَ منّي، اللّهم إنّي أشكو إليك، قالت: فما برحت حتى نزل جبرئيل (عليه السلام)بهؤلاء الآيات: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التي

1 . جامع البيان (تفسير الطبري): 14 / 7، رقم 33721. وروى نحوها باسناده عن قتادة، ص 6، رقم 33718، و 33719; الدر المنثور:8/72.
2 . وفي لفظ أبي معاوية: قالت عائشة: لقد جاءت المجادِلة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول.

صفحه 19
تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) قال: زوجها أوس بن الصامت.
أقول: وهذه الرواية الصحيحة الإسناد تنقض ما ورد في رواية أبي العالية 1 المرسلة، من أنّ عائشة كانت تغسل رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عند مجيء المجادلة!!
كما ورد في رواية أبي العالية أيضاً أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال للمجادلة ـ قبل نزول الآيات فيها ـ : «حَرُمْتِ عليه»، وهذا القول فيه ما فيه، اذ كيف يقضي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في أمر لم ينزل فيه الوحي؟
ومن هنا يكون قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)للمجادِلة: «ما أُمرتُ في شأنك بشيء»، كما ورد في رواية ابن عباس المتقدّمة، هو الأحقّ بالقبول، والأنسب بمقام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

1 . جامع البيان (تفسير الطبري): 14 / 10، الأرقام 33728 ـ 33731 .
ورواه ابن ماجة من طريق أبي عبيدة. سنن الترمذي: كتاب الطلاق، باب الظهار، برقم 2063.

صفحه 20
تفسير البسملة   

التفسير

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ):
وفي تفسيرها مباحث:

1. البسملة جزء من السورة

إنّ البسملة جزء من سورة الحمد الّتي تبلغ آياتها سبع آيات، وهذا أمر اتّفق عليه المسلمون في سورة الحمد; وأمّا في غيرها، فالإمامية على أنّها جزء من كلّ سورة وهي الآية الأُولى منها، خلافاً لأكثر الجمهور حيث لا يعتبرونها آية من كلّ سورة، ويصفون الآية المتأخّرة عنها بأنّها هي الآية الأُولى، ولذلك يختلف عدد آيات السور وأرقامها وفقاً لهذين القولين.
وقد ورد في بعض الروايات قول الإمام الصادق (عليه السلام) : «قاتلهم الله عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله فزعموا أنّها بدعة إذا أظهروها، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم».1

2. تفسير الباء

الباء في قوله «بسم الله» للاستعانة، مثل قولك: كتبت بالقلم. وكأنّ المؤمن يستعين باسم الله الّذي هو جامع للأسماء. ويشهد على ذلك قوله سبحانه في ثنايا سورة الحمد: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، ويؤيده أيضاً قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «كلّ أمر ذي بال لم يبتدأ ببسم الله فهو أبتر».2

1 . مجمع البيان: 1 / 19 عند تفسير البسملة في سورة الفاتحة.
2. وسائل الشيعة:7، الباب17 من أبواب الذكر، الحديث4; كنز العمال:1/555 برقم 2491.

صفحه 21
وجه الدلالة: أنّ المؤمن الواعي الّذي ينظر بعين المعرفة، يعلم أنّ لكلّ شيء أسباباً وعللاً، فهو يهيِّئها وعندما يبدأ بالعمل يستفتحه بقوله: «بسم الله الرحمن الرحيم»، أي أستعين باسمك في إنجاز عملي باستعمال هذه المقدّمات والأسباب للحصول على مرادي .

3. سبب حذف الهمزة عند الكتابة

قد دخل حرف الجر على الاسم، والهمزة فيه همزة وصل تسقط عند التلفّظ، ولكنّها تكتب شأن كلّ همزة وصل; فعلى ذلك يجب أن تكتب بالنحو التالي: باسم الله الرحمن الرحيم، كما هو الحال في قوله: (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ)1، وقوله: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)(2).
ولذلك نرى أنّ الأُدباء يكتبون البسملة عند تجرّدها عن الرحمن الرحيم بالنحو التالي: «باسمه تعالى»، وأمّا غيرهم فيكتبون «بسمه تعالى»، فالتلفّظ عند الفريقين واحد، والإملاء مختلف.
وقد اعتذر عن حذف الألف عند الكتابة في التسمية بوجهين:
الأوّل: أنّ كثرة استعمال تلك الآية المباركة فوق كلّ رسالة، وبداية كلّ عمل، صار سبباً لحذف الهمزة كتابة مثل حذفها تلفّظاً، ولذلك نرى أنّ سليمان (عليه السلام)كتب إلى بلقيس ملكة سبأ بالنحو التالي: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)2.
الثاني: أنّه لو كان متعلّق الجار مذكوراً تكتب الهمزة، كما في قوله:

1 . العلق: 1 .   2 . الواقعة: 74 .
2 . النمل: 30 .

صفحه 22
(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) 1، وقوله (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)(2); حيث إنّ الجار متعلّق بـ «سبّح» أو «إقرأ» .
وأمّا إذا كان متعلّق الجار محذوفاً، كما في المقام، فتحذف الهمزة تلفّظاً وكتابة، والمفروض أنّ الجار في الآية متعلّق بالمحذوف، نحو: أستعين، وأشباهه.

4. كيف نستعين بالاسم لا بالذات

هنا سؤال وهو: كيف نستعين باسم الله ، مع أنّ المستعان هو الله سبحانه لا اسمه، فيجب على كلّ مسلم أن يلتجئ إليه لا إلى اسمه، كما يدلّ عليه قوله سبحانه: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ )2، فالمسؤول هو ذاته لا اسمه؟
ربّما يقال في الجواب عن ذلك: أنّ لفظة اسم زائدة، فكأنّ القارئ يقول: بالله أستعين، مكان: باسم الله استعين.
يلاحظ عليه: أنّ القول باشتمال القرآن على الحروف الزائدة أمر غير صحيح حتّى في قوله سبحانه: (لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) 3 ـ كما حقّق في محله ـ ،4 فكيف القول باشتماله على كلمة زائدة وهي «اسم»؟!
ويمكن أن يجاب بأنّ الاسم على قسمين:

1 . الواقعة: 96 .   2 . العلق: 1 .
2 . البقرة: 186 .
3 . البلد: 1 .
4 . راجع: آلاء الرحمن في تفسير القرآن للعلاّمة البلاغي: 1 / 38 ـ 39، طبعة صيدا.

صفحه 23
1. علَم للشخص إذا أُطلق ينتقل الذهن منه إلى المسمّى الخارجي دون أن يدلّ على أمر زائد. مثلاً إذا سُمّي رجل باسم حسن أو جميل، فإذا أُطلق يتبادر منه نفس المسمّى، سواء أكان حسناً، جميلاً أم لا. والغاية كون الاسم سبباً للانتقال إلى الفرد الخارجي.
2. علَم للشخص وفي الوقت نفسه بمنزلة الوصف الّذي يحكي عن صفات الجمال والجلال، لأنّه لم يوضع للذات فقط بل للذات الجامعة للصفات العليا، فإذا قلنا (باسم الله) فكأنّا قلنا: باسم العالِم القادر السميع البصير، إلى غير ذلك من الصفات العالية، فهذا النوع من الاسم الّذي هو الوصف الحاكي عن صفات الجلال والجمال، قابل للاستعانة به; لأنّ الاستعانة به، كأنّها استعانة بالذات، فكأنّ الإنسان يستعين بالموصوف بصفات الجلال والجمال.
وبالجملة الاسم بالمعنى الأوّل علَم محض لا دور له سوى إحضار المسمّى في ذهن المخاطب.
وبالمعنى الثاني اسم، لكنّه في الوقت نفسه لا يفتقد معنى الوصفية، ولذلك يحكي عن الصفات الجمالية والجلالية المندرجة تحت ذلك الوصف. فالاستعانة بهذا الاسم استعانة بذاته تبارك وتعالى.
نعم: السؤال والجواب متعلّقان بما إذا قلنا بأنّ الباء للاستعانة والمتعلّق هو «أستعين» دون ما إذا كان الجارّ متعلقّ بـ (أبتدئ)، وتقدير الكلام: أبتدئ قراءتي بتسمية الله أو أقرأ مبتدئاً بتسمية الله، قال الطبرسي: هذا القول أقرب للصواب، لأنّا أُمرنا أن نفتتح أُمورنا بتسمية الله كما أُمرنا بالتسمية على الأكل

صفحه 24
والشرب والذبائح، ألا ترى أنّ الذابح إذا قال: بالله، ولم يقل: باسم الله، لكان مخالفاً لما أُمر به.1
فالمؤمن في كلّ حال يذكر الله سبحانه بخلاف المنافق، قال سبحانه: (نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ)(2) .

5. معنى «الإله» في الذكر الحكيم

المشهور أنّ «الله» أصله «إله» فحذفت همزته وأُدخل عليه الألف واللام، فخُصّ بالباري، ولتخصُّصه به قال تعالى: (رَبُّ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا)2 .
والمهم هنا، هو تفسير لفظ الإله، وتبيين معناه، وقد فُسّر بوجوه سبعة، إليك بيانها:
1. مشتق من الأُلوهية التي هي العبادة، فإن التألّه، هو التعبّد. يقال: فلان متألّه، أي متعبِّد، قال رؤبة :
لله درّ الغانيات المُدّهِ3 *** لمّا رأين حليي المُموَّهِ
سبّحن واسترجعن من تألّهي
أي من تعبّدي. ويقال: ألِه الله فلانٌ إلاهةً، كما يقال: عبده عبادة 4. فعلى هذا يكون معناه: الّذي يحقّ له العبادة .

1 . مجمع البيان: 1 / 21 .   2 . الحشر: 19 .
2 . مريم: 65 .
3 . المُدَّه، جمع مادِه، وهو المادح .
4 . التبيان في تفسير القرآن: 1 / 28 .

صفحه 25
2. مشتق من الوله وهو التحيّر، يقال: أَله يأله إذا تحيّر.
3. مشتق من قولهم: ألَهْتُ إلى فلان أي فَزِعتُ إليه ، لأنّ الخلق يألهون إليه، أي يفزعون إليه في حوائجهم.
4. مشتق من ألهِتُ إليه أي سكنت إليه، لأنّ الخلق يسكنون إلى ذكره .
5. مشتق من لاه أي احتجب. والمعنى أنّه سبحانه المحتجب بالكيفية عن الأوهام، الظاهر بالدلائل والأعلام.1
6. مشتقّ من ألِه الفصيل إذا ولع بأُمّه. والظاهر أنّه يرجع إلى التفسير الثالث، أي أنّه مشتق من أَلَهَ بمعنى «فزع».
7. مشتق من «لاه» إذا ارتفع، والله سبحانه وتعالى هو المرتفع عن مشابهة الممكنات ومناسبة المحدثات.(2)
والحق أنّه لا صلة لهذه الوجوه والمعاني لما وضع له لفظ «إله» وإنّما هي من لوازم المعنى، لا نفسه ولا جزءه بل لازماً له; لأنّ من كان إلهاً ـ بالمعنى الّذي نذكره ـ للعالمين، يُعبد وتتحيّر العقول في درك كنهه، وتسكن إليه النفس ويُحتجب عن الأوهام وإن كان وجوده ظاهراً بالدلائل والبرهان.

ما هو المختار؟

إنّ لفظ الجلالة وما يعادله في عامّة اللغات موضوع لما يتبادر في عامّة الأذهان بصورة إجمالية من كونه مصدر الخلق والكون الّذي يعبّر عنه في لسان الحكماء والمتكلّمين بواجب الوجود، أو الذات الجامعة لصفات

1 . مجمع البيان: 1 / 19 .   2 . تفسير الرازي: 1 / 158 ـ 161 .

صفحه 26
الجمال والجلال، إلى غير ذلك من الكلمات الّتي هي تعبير تفصيلي لما هو المتبادر عند عامّة الشعوب.
ثمّ إنّ الوثنيين اخترعوا لله سبحانه أنداداً وأشباهاً على درجات مختلفة من الكمال والجمال، وتفويض الأُمور إليهم، وإن كانت هي مجرّد أسماء ليس لها من الأُلوهية شيء سوى الاسم، يقول سبحانه : (إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَ آبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان)1.
فإذا حاول العرب أن يشيروا إلى هذه الآلهة المزعومة مع ما لها من درجات ومراتب مختلفة من القرب والبعد عن الله سبحانه يطلقون عليها لفظ الآلهة، وعلى هذا فلفظ الجلالة علم لمصداق كامل لمفهوم الإله، ولكن لفظ الإله موضوع لمعنى كلّي يشمله وسائر الآلهة المزعومة الّتي ليست على درجة واحدة من الكمال والجمال. فربما يكون إلهاً ولا يكون خالقاً ورازقاً، بل يكفي في كونه معزّاً أو ناصراً أو غافراً للذنوب أو مفوّضاً له شيء من أفعاله سبحانه.
وقد جاء في «قاموس الكتاب المقدّس»: يوجد في العهد القديم باللغة العبرية ثلاث مترادفات رئيسية لاسم الجلالة وهي: «الوهيم» و «يهوه» و «ادوناي»، فالاسم الأوّل يدلّ على صفة الله كالخالق العظيم... وأمّا الاسم الثاني يدلّ على علاقة الله مع بني إسرائيل وهو إله تابوت العهد، وإله الرؤيا والإعلان، وإله الفداء.2

1 . النجم: 23 .
2 . قاموس الكتاب المقدس: 107 .

صفحه 27
والقرآن الكريم إذا أراد أن يشير إلى الفرد المعيّن من الكلّي يستعمل لفظ الجلالة «الله»، وإذا أراد أن يشير إلى المعنى الكلّي الشامل لهذا الفرد وغيره، الذي يعتقد به المشركون والّذي له عندهم درجات ومراتب، يستعمل لفظ «إله»، كما يقول سبحانه ـ ناطقاً عن لسان المشركين ـ : (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)1.
ولذلك نرى أنّه في بعض اللغات العالمية يفرّقون بين مفاد لفظ الجلالة، ومفاد «الإله» ويعبّرون عن المعنيين بلفظ واحد إلاّ أنّهم يفرّقون بينهما في الكتابة ، فعندما يشيرون إلى «الله» يكتبونها بالشكل التالي: (God)، وعند الإشارة إلى المعنى الكلّي لهذا الفرد يكتبونها بالنحو التالي: (god).
هذا هو المدّعى ،والدليل عليه من وجوه:

الأوّل: مادة اللفظين واحدة

إنّ مادة اللفظين واحدة فكيف يفترقان في المعنى؟ والدليل على ذلك قولهم: إنّ «الله» مشتق من لفظ «إلاه».
قال سيبويه في تفسير لفظ الجلالة: إنّ أصله «إلاه» على وزن فعال، فحذفت الفاء الّتي هي الهمزة وجعلت الألف واللام عوضاً لازماً عنها، بدلالة استجازتهم قطع هذه الهمزة الداخلة على لام التعريف في خصوص النداء في نحو قوله: «يا الله اغفر لي»، ولو كانت غير عوض لم تثبت الهمزة في الوصل كما لم تثبت في غير هذا الاسم.(2)

1. سورة ص: 5 .   2 . لاحظ: مجمع البيان: 1 / 19 .

صفحه 28
فإذا كانت المادة واحدة فيكون لفظ الجلالة بالمعنى الموجود في مادته علماً للشخص. ومن المعلوم أنّ لفظ الجلالة حاك عن الصفات الجلالية والجمالية أو ما أشبه ذلك، فيجب أن تكون مادته حاكية عن هذه المعاني كلّها لا عن معنى المعبود أو غيره من المعاني السبعة فقط.

الثاني: الاحتجاج بعدم وجود إله غير الله

إنّه سبحانه حينما يستدلّ على التوحيد وأنّه لا إله إلاّ الله فإنّه يستخدم كلمة الإله ويقول:
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْل تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ)1.
ترى أنّه سبحانه يعدُّ تدبير العالم على نحو يعيش الإنسان فيه عيشاً رغيداً من شؤون الإله، ولذلك يقول: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء)، أو يقول: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْل) فهذا تصريح بأنّ التصرّف في الكون من شؤون الإله، ثم يردّ على المشركين بأنّ التصرّف في الكون وإن كان من شؤون الإله إلاّ أنّه لا إله إلاّ الله.
فلو وضعنا «الخالق البارئ» وغيرها ممّا يعدّ تفسيراً للمعنى الإجمالي للإله، مكانه: لانسجم معنى الفقرة ، بأن يقال: لا خالق ولا بارئ ولا مدبّر غير الله، لانسجمت.

1 . القصص: 71 ـ 72 .

صفحه 29
وأمّا لو جعلنا المعبود مكانه، لاختلّت بلاغة الآية، كأن نقول: هل معبود إلاّ الله يأتيكم بالنهار أو بالليل، إذ ليس التصرّف في الكون على النحو البديع من شؤون المعبود، وما أكثر المعبودين ولكنّهم لا ينفعون ولا يضرون.
وبعبارة أُخرى: إنّ التصرّف في الكون وتنظيم أسباب الحياة من شؤون من بيده الكون ومصير الإنسان، فكأنّه سبحانه يقول: لو اختلّ النظام بأنْ دام النهار أو دام الليل فأيّ إله (من بيده الكون) يأتي بالضياء بعد الليل، أو به بعد النهار، وليس هو إلاّ الله، وأمّا لو قلنا بأنّه بمعنى المعبود يكون المعنى كالتالي: فأي معبود يأتي بالضياء بعد الليل أو العكس. ومن المعلوم أنّ التصرّف في الكون ليس من شؤون مطلق المعبود. وإنّما هو من شؤون من بيده الكون إيجاداً وتدبيراً. فيكون الإله في الآيتين بمعنى المتصرّف في الكون والمدبّر وما يرادفه.

الثالث: الاستدلال على التوحيد بلزوم الفساد عند تعدّد الآلهة

استدلّ سبحانه على التوحيد في الربوبية بآيات منها:
1. قوله تعالى: (لَو كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسدَتا)1 .
فإنّ البرهان على نفي تعدّد الآلهة لا يتمّ إلاّ إذا فُسّر «الإله» في الآية بالمتصرّف، المدبّر، أو من بيده أزمّة الأُمور أو ما يقرب من هذين. ولو جعلنا الإله بمعنى المعبود لانتقض البرهان، لبداهة تعدّد المعبود في هذا العالم، مع عدم الفساد في النظام الكوني، و قد كانت الحجاز يوم نزول هذه الآية

1 . الأنبياء: 22.

صفحه 30
مزدحمة بالآلهة، و مركزاً لها و كان العالم منتظماً، غير فاسد.
و عندئذ يجب على مَن يجعل «الإله» بمعنى المعبود أن يقيّده بلفظ «بالحق»، أي لو كان فيهما معبودات ـ بالحق ـ لفسدتا، و لمّا كان المعبود بالحقّ مدبِّراً و متصرّفاً، لزم من تعدّده فساد النظام، وهذا كلّه تكلّف لا مبرّر له. والدليل على ذلك عدم خطوره عند سماعه.
2. قوله سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَد وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِله إذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعضُهُمْ عَلى بَعْض)1.
ويتمّ هذا البرهان أيضاً إذا فسّرنا الإله بما ذكرنا من أنّه كلّيّ ما يطلق عليه لفظ الجلالة.
و إن شئت قلت: إنّه كناية عن الخالق، أو المدبّر، المتصرّف، أو من يقوم بأفعاله و شؤونه. والمناسب في هذا المقام هو الخالق. و يلزم من تعدّده ما رتّب عليه في الآية من ذهاب كلّ إله بما خلق و اعتلاء بعضهم على بعض.
و لو جعلناه بمعنى المعبود لانتقض البرهان، لأنّه لايلزم من تعدّده أي اختلال في الكون. وأدلّ دليل على ذلك هو المشاهدة. فإنّ في العالم آلهة متعدّدة، و قد كان في أطراف الكعبة المشرّفة ثلاثمائة و ستون إلهاً و لم يقع أيُّ فساد و اختلال في الكون.
فيلزم على مَن يفسّر (الإله) بالمعبود ارتكاب التكلّف بما ذكرناه في الآية المتقدِّمة. وما ربّما يتصوّر من غلبة استعمال الإله في المعبود بالحق فلا

1 . المؤمنون: 91.

صفحه 31
حاجة إلى تقديره، مدفوع باستعماله ـ كثيراً في غيره ـ كقوله: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا)1.
3. قوله سبحانه: (قُل لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابتغَوْا إلى ذِي الْعَرْش سَبِيلاً) 2.
فإنّ ابتغاء السبيل إلى ذي العرش من لوازم تعدّد الخالق أو المدبّر المتصرّف أو من بيده أزمّة أُمور الكون أو غير ذلك ممّا يرسمه في ذهننا معنى الأُلوهية، و أمّا تعدّد المعبود فلا يلزم ذلك إلاّ بالتكلّف الذي أشرنا إليه فيما سبق.

الرابع: الملازمة بين الأُلوهية وعدم ورود النار

قوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حصبُ جهَنّمَ أنتُمْ لها وارِدُونَ* لَوْ كانَ هؤلاءِ آلهةً ما وَردُوها)3.
والآية تستدلّ بورود الأصنام و الأوثان في النار على أنّها ليست آلهة، إذ لو كانوا آلهة ما وردوا النار.
والاستدلال إنّما يتمّ لو فسّرنا الآلهة بما أشرنا إليه، فإنّ خالق العالم أو مدبّره و المتصرّف فيه أو من فوّض إليه أفعال اللّه، أجلّ من أن يُحكَم عليه

1. سورة ص: 5. لاحظ المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم الّذي وضعه محمّد فؤاد عبدالباقي المصريّ، فقد استعمل في كثير من الآيات في مورد المعبود الباطل، لو سلّمنا وضعه للمعبود. ولذلك قلنا في «مورد المعبود الباطل» لا في معناه .
2 . الإسراء: 42.
3 . الأنبياء: 98ـ 99.

صفحه 32
بالنار أو أن يكون حصبَ جهنّم.
وهذا بخلاف ما إذا جعلناه بمعنى المعبود ، إذ لا ملازمة بين كونها معبودات وعدم كونها حصب جهنم، وعندئذ لا يتمّ البرهان إلاّ إذا قُيّد المعبود بقيد أو قيود ترفعه إلى حدّ القداسة المطلقة، وهذا تكلّف واضح، ولو أمعنت في الآيات التي ورد فيها لفظ الإله و الآلهة لقدرت على استظهار ما اخترناه.

الخامس: لزوم اختلال المعنى لو فسّر بالمعبود

قوله سبحانه: (فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وبَشِّرِ المُخْبِتينَ)1.
فلو فسّر الإله في الآية بالمعبود لزم عدم صحّة المعنى، إذ المفروض تعدّد المعبود في المجتمع البشري، و لأجل دفع هذا ربّما يقيّد الإله هنا بلفظ «الحقّ»، أي المعبود الحقّ إله واحد. ولو فسّرناه بالمعنى الإجمالي الذي له آثار في الكون من التدبير والتصرّف، و إيصال النفع ، و دفع الضرّ على نحو الاستقلال، لصحّ حصر الإله ـ بهذا المعنى ـ في واحد، بلا حاجة إلى تقدير كلمة بيانية محذوفة، إذ من المعلوم أنّه لا إله في الحياة الإنسانية والمجتمع البشري يتّصف بهذه الصفات التي ذكرناها إلاّ اللّه سبحانه.
ولا نريد أن نقول: إنّ لفظ «الإله» بمعنى الخالق المدبّر المحيي المميت الغافر على وجه التفصيل، إذ لا يتبادر من لفظ «الإله» إلاّ المعنى الإجمالي، بل هذه الصفات عناوين تشير إلى المعنى الذي وضع له لفظ الإله. و معلوم أنّ

1 . الحج: 34.

صفحه 33
كونَ هذه الصفات عناوين مشيرة إلى ذلك المعنى الإجمالي، غيرُ كونها معنى موضوعاً له اللّفظ المذكور، كما أنّ كونه تعالى ذو سلطة على العالم كلّه أو سلطة مستقلة غير معتمدة على غيره، وصف نشير إليه بالمعنى الإجمالي الذي نتلقّاه من لفظ «اللّه»، لا أنّه نفس معناه.

السادس: استعمال أحد اللفظين مكان الآخر

ربّما يستعمل لفظ الجلالة مكان الإله، ويتجرّد عن معنى العلَمية ويبقى فيه معنى الوصفية، فلذلك يصح استعماله مكان الإله، وإليك بعض موارده:
قال سبحانه: (وَ هُوَ اللهُ فِي السَّموَاتِ وَ فِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ وَ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ )1، فالآية تشير إلى أنّ إله السماء هو إله الأرض، وليس هناك آلهة بحسب الأنواع والأقوام، فالضمير «هو» مبتدأ ولفظ الجلالة خبر، والمعنى هو المتفرد بالإلهيّة في السماوات، فوزانها وزان قوله سبحانه: (وَ هُوَ الذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَ فِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ)(2).
فإنّ اللفظين في الآيتين بمعنى واحد، وهو أنّ لفظ الجلالة في الآية الأُولى خرج عن العلَمية وعاد إلى الكلّية والوصفية، ولذلك صحّ جعله مكان الإله في الآية الأُولى، وجيء بنفس لفظ الإله في الآية الثانية.

السابع: معنى «الإله» في تثليث النصارى

حكى القرآن الكريم عقيدة النصارى في الله سبحانه، وهي ما تُعرف

1 . الأنعام: 3 .   2 . الزخرف: 84 .

صفحه 34
بعقيدة التثليث، وتتلخّص في وجود ثلاثة أقانيم، هي: الأب، والابن، والروح القدس; أي أنّ هناك إلهاً أباً وإلهاً ابناً وإلهاً باسم: الروح القدس .
وهذا القول لا يخلو من أمرين: إمّا أن يكون كلّ واحد من هذه الأقانيم الثلاثة جزءاً يشكّلُ وجوده سبحانه وعندئذ تَصبح له شخصية واحدة ذات أجزاء، أو أن يكون كُلّ واحد منها ذا شخصية مستقلة . وعلى كل تقدير فالجميع عندهم إله، يقول سبحانه: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَ قَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَ مَأْوَاهُ النَّارُ وَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار)1، ثم قال سبحانه: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَ مَا مِنْ إِلَه إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لََيمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(2).
ففي الآية الأُولى يحكي عنهم قولهم: إنّ الله هو المسيح ابن مريم، فالمسيح عندهم هو الله المتجسّد.
وردّ عليهم في نفس الآية بأنّه كيف يصحّ ذلك مع أنّ المسيح لا يأمر الناس بعبادته، بل بعبادة غيره، وذلك بقوله: (اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ) ؟
وفي الآية الثانية يحكي سبحانه عنهم اعتقادهم بالآلهة الثلاثة، فكلّ من الأب والابن والروح القدس عندهم إله، ويردّ عليهم بأنّه لا إله إلاّ إله واحد.
أمّا كيفية الاستدلال على أنّ الإله في هذه الآيات وما يليها ليس بمعنى المعبود أو غيره من المعاني السبعة، بل أُريد به ما يُراد من لفظ الجلالة بتجريده عن العلَمية، فواضحة لدى التدبّر، بشرط أن نقف على مغزى

1 . المائدة: 72 .   2 . المائدة: 73 .

صفحه 35
الاختلاف بين الموحّدين وأهل التثليث، إذ ليس مصبّ الاختلاف بينهم، وحدة المعبود أو تعدّده، وإنّما هو لازم نزاع آخر يرجع إلى وحدة ذات الواجب أو تعدّدها، فإذا قال سبحانه: (إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) 1، فلا يريد أنّه معبود واحد ليس له ولد، وإنّما يُريد بساطة ذات الله ووحدتها .
وإذا قالت النصارى: إنّ الله ثالث ثلاثة، فمرادهم أنّه ثالث الآلهة وأنّ الواجب جلّ اسمه أو ما يشار إليه بلفظ الجلالة، آلهة ثلاثة لا إله واحد، فإذا ردّ عليهم سبحانه بقوله: (وَ مَا مِنْ إِلَه إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ) يُريد وحدة الذات وبساطتها.
فالإله في كلام كلّ من الطرفين يشير إلى تلك الذات المقدّسة فيكون مرادفاً للفظ الجلالة، لكن بشرط تجريدها عن العلَمية .
ولو فُسِّر لفظ (الإله) في هذه الموارد بوحدة المعبود أو كثرته، لزم غض النظر عمّا هو موضع النزاع لبّاً عبر قرون.
ومنه يظهر مفاد الإله في الآية التالية، إذ لا محيص من تفسيره بالمعنى المختار الّذي يعبّر عنه بواجب الوجود، الخالق، البارئ، إلى غير ذلك من الصفات.
قال سبحانه: (وَ إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَ لاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ

1 . النساء: 171 .

صفحه 36
الْغُيُوبِ)1، وذلك أنّ علماء النصارى يتبنّون التثليث وينسبونه إلى عيسى بن مريم وأنّه دعا إلى إلهين آخرين من دون الله وهما نفسه وأُمُّه.
ومن المعلوم أنّ النفي والإثبات يردان على موضوع واحد وهو ادّعاء النصارى أنّ ثمّة إلهين وراء الله سبحانه هما: المسيح وأُمّه، وردّ سبحانه على تلك المزعمة بأنّ الإله واحد لا غير.
فعندئذ لا يمكن تفسير الإله بمعنى المعبود، إذ الكلام يتعلّق بمقام الذات وأنّه كثير أو واحد لا بموضع المعبودية.
ونظيرها الآية التالية قال سبحانه: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَ رُسُلِهِ وَ لاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ وَ كَفَى بِاللهِ وَكِيلاً)2 .
وحصيلة الكلام هو أنّ الاختلاف والنزاع بين أهل التوحيد وأهل الكثرة راجع إلى وحدة ما يشار إليه بلفظ الجلالة أو تعدّده. وأنّه هل هوهوية بسيطة واحدة أو هي مركبة أو متعدّدة يعبّر عنها بالإله الأب، والإله الابن، والإله الروح القدس.
فحقيقة النزاع عبارة عن دراسة مسألة فلسفية غامضة، وهي أنّ جوهر الذات هل هي شيء واحد أو هي أشياء؟ فمن السذاجة أن نعبّر عن واقع

1 . المائدة: 116 .
2 . النساء: 171 .

صفحه 37
النزاع بوحدة المعبود وتعدّده، فإذا قيل: الإله الواحد، أو ثالث الآلهة، فلا يُراد عندئذ إلاّ ما يُشار إليه بلفظ الجلالة الّذي يشير إلى الذات المستجمعة لصفات الجمال والجلال ولكن بقيد تجريده عن العلَمية.

الثامن: وقوع قوله (لا إله إلاّ هو) تعليلاً لحصر الشؤون

قد وقع قوله:«لا إله إلاّ هو» في الآيات التالية تعليلاً لحصر الرازقية، وربوبية المشرق والمغرب، ومالكية السماوات والأرض في الله سبحانه ولا يصح كونه علّة للحصر المذكور إلاّ إذا أُريد به المعنى الإجمالي الملازم للخالقية والرازقية والربوبية والمالكية، فعندئذ يصلح أن يقع تعليلاً، لما تقدّمه من حصر الأُمور المذكورة في الله.
1. (هَلْ مِنْ خَالِق غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَ الأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)1 .
فصدر الآية ينفي أي خالق غير الله يرزق الناس، وذيلها أعني قوله: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) بمنزلة التعليل له ولا يصح تعليلاً إلاّ إذا أُريد به ذلك المعنى السامي الملازم للشؤون، فكأنّه يقول:إذا لم يكن إله ـ بهذا المعنى ـ فلا خالق يرزق الناس إلاّ الله.
2. (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً)2.
إنّ صدر الآية يصفه سبحانه بكونه (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ)، أي رب عالم الشهادة، ثم يأتي بقوله: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) تعليلاً لما تقدّم، ولا يصحّ ذلك إلاّ بتفسير الإله بالمعنى السامي الّذي يدلّ عليه لفظ الجلالة، لكن مجرّداً عن

1 . فاطر: 3 .
2 . المزمل: 9 .

صفحه 38
العلَمية فيكون المعنى: إذا لم يكن خالق مدبر و...، إلاّ الله، فهو رب السماوات والأرض و...ثم عطف عليه قوله: (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً); لأنّ اتخاذ الوكيل بمعنى إيكال الأُمور إليه من شؤونه سبحانه.
3. (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمواتِ وَ الأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَ يُمِيتُ)،1وكيفية الاستظهار هي نفس ما تقدّم في الآيتين المتقدّمتين، فلا يصلح قوله: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)تعليلاً لما سبق، إلاّ إذا أُريد بإلاله المعنى الإجمالي السامي الملازم للخالقية والرازقية والربوبية وغيرها، فإذا كانت هذه الشؤون منحصرة في الله سبحانه فله ملك السماوات والأرض.

التاسع: مفهوم الإله عند الوثنيين

يظهر من بعض الآيات أنّ الإله عند المشركين عبارة عمّن ينصر عُبّادَه في الشدائد والملمّات، ويورث لهم عزّاً في الحياة.
قال سبحانه حاكياً عن عقيدتهم: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)2.
وقال عزّ من قائل: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)3.
وكانوا يسوّون بين الله والإلهة، يقول سبحانه حاكياً عن قولهم يوم القيامة: (تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)4.

1 . الأعراف: 158 .
2 . يس: 74 .
3 . مريم: 81 .
4 . الشعراء: 97 ـ 98 .

صفحه 39
فإذا كانت الآلهة المزعومة عند المشركين هي الناصرة في الشدائد وواهبة العزّة، وفي مستواه سبحانه، فلا يراد بها عند الإطلاق إلاّ ما يراد من لفظ الجلالة مجرّدة عن العلَمية.
ولذلك يردّ عليهم سبحانه في غير واحد من الآيات بأنّ الآلهة لا يملكون من شؤونه سبحانه شيئاً، ويقول: (وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَ هُمْ يُخْلَقُونَ)1.
والآية تدلّ على أنّ من شؤون الإله هو الخلق، والأصنام فاقدة له .
ويقول: (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَ لاَ هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ)(2).
والآية تدلّ على أنّ من شؤون الإله: القدرة والدفاع عن نفسه وعمّن يعبده، وآلهتهم تفقد هذه اللوازم والشؤون.
فالآيتان تدلاّن على أنّه كلّما أُطلق الإله لا يتبادر منه إلاّ مَن يملك هذه الشؤون لا مجرد كونه معبوداً ـ ولذلك ردّ الوحي الإلهي وصفهم أو أصنامهم بالأُلوهية، بعدم وجود هذه الشؤون فيها.

انتقال هُبَل إلى مكة

ويوضح مكانة الأوثان عندهم ما نقله ابن هشام في سيرته يقول: إنّ عمرو بن لحَيّ خرج من مكة إلى الشام في بعض أُموره، فلمّا قدم مآبَ في أرض البَلْقاء، رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام الّتي أراكم

1 . الفرقان: 3 .   2 . الأنبياء: 42 .

صفحه 40
تَعبْدون؟ قالوا له: هذه أصنْام نعبدها، فنَسْتمطرها فتُمْطرِنا، ونَسْتَنْصرها فتَنْصرنا ; فقال لهم: أفلا تُعْطُونني منها صَنماً، فأسيرَ به إلى أرض العرب، فيعبدوه؟ فأعْطَوْه صَنماً يقال له هُبَل، فقدم به مكَّة، فَنَصَبه وأمَر الناس بعبادته وتعظيمه .1
فإذا كان الإمطار عند الجفاف والإنصار في الحروب والشدائد من شؤون الإله المزعوم، فيكون المتبادر منه هو نفس ما يتبادر من لفظ الجلالة، مجرّداً عن العلَمية.

العاشر: الإله في كلام الإمام علي (عليه السلام)

وممّا يؤيد ما ذكرناه من عدم الفرق بين الإله، ولفظ الجلالة إلاّ بالكلّية والجزئية، كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في نقد كون كلامه سبحانه قديماً، بأنّه لو كان كذلك، لكان إلهاً ثانياً. وإليك نصّه:
«يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ: (كُنْ فَيَكُونُ)، لاَ بِصَوْت يَقْرَعُ، وَلاَ بِنِدَاء يُسْمَعُ; وِإِنَّمَا كَلاَمُهُ سُبْحانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَمَثَّلَهُ، لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذلِكَ كَائِناً، وَلَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلهاً ثَانِياً».(2)
أي لو كان قديماً، لكان واجب الوجود، أو ما يفيد ذلك، ولا معنى لتفسير الإله بالمعبود، أي لكان إلهاً معبوداً ثانياً.
وفي بعض كلماته أيضاً، إشارة إلى ما ذكرنا، حيث قال:
«أَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا إِلَى إِلهِكَ».2

1 . السيرة النبوية:1/50، قصة عمرو بن لحَيّ وذكر أصنام العرب.   2. نهج البلاغة: الخطبة 186.
2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 31 .
Website Security Test