welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 28*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 28

صفحه 1
   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 28
(الجزء 28)

صفحه 2

صفحه 3
28   
تفسير الجزء 28
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني التبريزي. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1392 .
      30 ج.    ISBN 978 - 964 - 357 - 519 - 9(VOL.28)
ISBN 978 - 964 - 357 - 510 - 6(30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس.
مندرجات: ج . 28 . تفسير سوره مجادلة تا آخر سوره تحريم.
      1 . تفاسير شيعه ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP    179 / 297
1392
اسم الكتاب:   … منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 28
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1392 هـ ش / 1434 هـ . ق / 2013 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، ومكتبة التوحيد ـ قم
عدد الصفحات:   … 512 صفحة
القطع:    …وزيري
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:777   تسلسل الطبعة الأُولى:402
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7
مقدّمة المؤلّف   
(الْحَمْدُ للهِ الذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً * قَيّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَ يُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً)1.
ثم الحمد لله الّذي جعل كتابه شفاءً للصدور، وربيعاً للقلوب، وهدىً للمؤمنين، وبشرى للعارفين.
والصلاة والسلام على نبيّه الخاتم الّذي بُعث بالكتاب المعجز والشريعة الخالدة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)وعلى آله الذين هم موضع سرّه وعيبة علمه وحبال دينه، صلاةً دائمةً ما دامت السماء ذات أبراج والأرض ذات فجاج.
أمّا بعد:
فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا التبست عليكم الفتن كالليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنّه شافع مشفَّع، وماحِلٌ مصدَّق، من جعله أَمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل، وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن،

1 . الكهف: 1 ـ 2 .

صفحه 8
فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أَنيق، وباطنه عميق، له نجوم وعلى نجومه نجوم، ] أو: له تخوم وعلى تخومه تخوم [ لا تُحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى، ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة، فليجلْ جال بصره، ولْيبلغ الصفة نظرَه، ينجُ من عطَب، ويتخلصْ من نشَب».1
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «القرآن هدىً من الضلالة، وتبيان من العمَى، واستقالة من العثرة، ونور من الظلمة، وضياء من الأَحداث، وعصمة من الهلكة، ورشد من الغواية، وبيان من الفتن، وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة، وفيه كمال دينكم، وما عدل أَحد من القرآن إلاّ إلى النار».2
وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «خَلَّفَ فيكم ] أي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) [كِتَابَ رَبِّكُمْ فِيكُمْ: مُبَيِّناً حَلاَلَهُ وَحَرَامَهُ، وَفَرَائِضَهُ وَفَضَائِلَهُ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، وَرُخَصَهُ وَعَزَائِمَهُ، وَخَاصَّهُ وَعَامَّهُ، وَعِبَرَهُ وَأَمْثَالَهُ، وَمُرْسَلَهُ وَمَحْدُودَهُ، وَمُحْكَمَهُ وَمُتَشَابِهَهُ، مُفَسِّراً مُجْمَلَهُ، وَمُبَيِّناً غَوَامِضَهُ، بَيْنَ مَأْخُوذ مِيثَاقُ عِلْمِهِ، وَمُوَسَّع عَلَى الْعِبَادِ فِي جَهْلِهِ»3.
وكم وكم من كلمات درّية وردتنا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمة أهل البيت(عليهم السلام)حول مكانة القرآن الكريم ولزوم الاهتمام البالغ به .
ثم من فضل الله ومنّته على عبده الفقير هو أنّي عشت مع القرآن الكريم

1 . الكافي: 2 / 599، كتاب فضل القرآن، ح2.
2 . الكافي: 2 / 601، كتاب فضل القرآن، ح8.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 1 .

صفحه 9
قراءة وتفسيراً، مدّة مديدة من عمري، منذ شبابي إلى هرمي، وقد ألّفت في تفسير القرآن موسوعتين باللغة العربية والفارسية، 1 كما فسّرت عدداً كبيراً من سور القرآن الكريم، وأمّا الآن فإنّي عازمٌ ـ بما يسنح به العمر ـ على تفسير أجزاء القرآن الكريم وسأبدأ موسوعتي هذه ـ بحول الله وقوته ـ بالأجزاء الثلاثة الأخيرة منها ـ أعني: الجزء الثامن والعشرين والتاسع والعشرين والثلاثين ـ وذلك لمزايا وخصائص جعلتني أُقدّمها على غيرها من سائر الأجزاء وهي:
1. اشتمالها على سبع وخمسين سورة من سور القرآن الكريم البالغة 114 سورة، فكأن هذه الأجزاء الثلاثة تتضمن قرابة نصف سور القرآن،

1 . للمؤلّف كتب عديدة في علوم القرآن الكريم ومعارفه وتفسيره، وهي كما يلي:
1. مفاهيم القرآن في عشرة أجزاء (تفسير موضوعي) .
2. تفسير السور المسبّحات الخمس وسورة الممتحنة.
3. النفاق والمنافقون في القرآن الكريم ويليه تفسير سورة الزمر.
4. تفسير سورة القيامة، ضمن الجزء الثامن من كتاب «رسائل ومقالات».
5. القصص القرآنية في جزأين.
هذا ما صدر باللغة العربية، وأمّا باللغة الفارسية، فقد صدر له:
6. منشور جاويد (تفسير موضوعي) 14 جزءاً.
7. تفسير سورة التوبة.
8 . تفسير سورة الرعد.
9. تفسير سورة لقمان.
10. تفسير سورة الحجرات.
11. تفسير سورة الصف.
12. تفسير سورة الجمعة.
13. تفسير سورة المنافقون.   الناشر

صفحه 10
فتفسيرها يعني أنّه قد تمّ تفسير نصف سور القرآن.
2. أنّ أكثر سور هذا الجزء وأغلبها مكّيّة نزلت في بدء البعثة أو قريباً منه، فهي تعكس لنا الثقافة السائدة بين المشركين في مكّة وما حولها، وتبيّن لنا كيف واجه الذكر الحكيم هذه العقائد الباطلة والأفكار المنحرفة، وكيف دحضها وزيّفها بشتّى الأساليب القائمة على الدليل والبرهان، فبتفسير هذه الأجزاء نتعرّف على الحوادث الّتي حاقت بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)في بدء البعثة في مكّة المكرّمة.
3. تمتاز هذه السور ـ لقصرها ووحدة موضوعها ـ بأنّ من يطّلع على تفسيرها، فإنّه يستطيع تعليمها لغيره، ولذلك وقع على بعضها اختيارنا في محاضراتنا الرمضانية في تفسير القرآن الكريم الّتي ألقيناها على طلاب العلوم الدينية في جامعة المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)العالمية .
4. أنّ لآيات هذه السور ـ لقرب فواصلها ـ أنغاماً خاصّة، وإيقاعات فريدة ومن ثم فإنّها تهزّ النفوس، وتأسر القلوب، وللقارئ الكريم أن يحفظ هذه السور، ثم يتعلّم مفاهيمها عن طريق ما سنقدّمه إليه في هذين الجزأين.
وإنّي لأعتبر ذلك جهداً متواضعاً في هذا الصعيد، راجياً أن ينتفع به طلاب الحقيقة وعشّاق القرآن الكريم. وسمّيته بـ «منية الطالبين في تفسير القرآن المبين».
وقد سلكت في عملي مسلك الإيجاز، وأعرضت عمّا لا يمتّ إلى توضيح الآيات بصلة إلاّ ما دعت الضرورة إليه، ولقد اجتهدت أن يكون التفسير واضحاً خالياً من التعقيد، موضّحاً لمقاصد الآية، مواكباً للغة العصر،

صفحه 11
فلو أصبت في ذلك فهو من فضل الله سبحانه، وإلاّ فهو من قصوري وتقصيري.
وفي الختام: أشكر الإخوة الأعزّة محقّقي مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)حيث ساعدوني في إنجاز هذا العمل، تصحيحاً وإخراجاً وقراءة وضبطاً، وأخصّ بالذكر: الأُستاذ حيدر محمدعلي البغدادي الطحّان حيث نفعنا كثيراً بآرائه وملاحظاته، شاكرين للجميع جهودهم وإخلاصهم.
والحمد لله ربّ العالمين
جعفر السبحاني
قم المقدّسة/ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 12

صفحه 13

سورة المجادلة

( قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَ تَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ الْلاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَ زُورًا وَ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتََماسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتََماسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ وَ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ قَدْ أَنْزَلْنَا آيَات بَيِّنَات وَ لِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ

صفحه 14
وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَ لاَ خَمْسَة إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَ لاَ أَدْنى مِنْ ذَلِكَ وَ لاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَ إِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَ تَنَاجَوْا بِالْبِّرِ وَ التَّقْوَى وَ اتَّقُوا اللهَ الذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الَْمجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَ إِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات وَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَ آتُوا الزَّكَاةَ وَ أَطِيعُوا اللهَ وَ رَسُولَهُ وَاللهُ

صفحه 15
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَ لاَ مِنْهُمْ وَ يَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * اِتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * لَنْ تُغْنيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَ لاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ *اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللهُ لاََغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ * لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

صفحه 16
خصائص سورة المجادلة   
 
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت بسورة المجادلة ـ بكسر الدال ـ أخذاً من قوله سبحانه: (تُجَادِلُكَ) وكأنّها وصف للمرأة التي كانت تجادل النبي وتحاوره فتكون اسمَ فاعل، وأمّا المجادَلة ـ بالفتح ـ فهي مصدر ; والأوّل أظهر ـ كما مرّ ـ وربّما تُسمّى بـ «سورة الظهار»، كما في مصحف أُبيّ بن كعب.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

وهي اثنتان وعشرون آية في عدّ الكوفي والبصري والمدني الأوّل، وإحدى وعشرون في المدني الأخير.
وهي مدنية كما هو الظاهر من مضامينها وصياغتها، ويدلّ عليه شأن نزولها أيضاً.

أغراض السورة

تضمّنت السورة عدداً من الأُمور، منها:

صفحه 17
1. حكم الظهار وأنّه كان من طلاق الجاهلية، ألغاه الإسلام وعالجه بالكفّارة.
2. اطّلاع الله على السرائر، وأنّه ما من نجوى إلاّ والله سبحانه عالم بها، ثم ينهى عن النجوى إلاّ إذا كانت بالبِرّ والتقوى.
3. آداب المجالس، وأنّ على المؤمن أن يفسح لأخيه المؤمن.
4. تقديم الصدقة قبل مناجاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) .
5. كشف دسائس الذين تولّوا قوماً غضب الله عليهم وهم المنافقون.

شأن النزول

ونذكر في المقام روايتين:
1. روى الطبريّ بإسناده عن عطيّة العوفيّ، عن ابن عباس في قوله:(قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) وذلك أنّ خولة1 امرأة من الأنصار ظاهر منها زوجها، فقال: أنت عليَّ مثل ظهر أُمّي، فأتت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقالت: إنّ زوجي كان تزوجني وأنا أحَبّ (الناس إليه) حتى إذا كبرت ودخلت في السن قال: أنت عليَّ كظهر أُمّي، فتركني إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول الله تنعشني وإيّاه بها فحدِّثني بها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما أُمرتُ في شأنك بشيء حتى الآن، ولكن ارجعي إلى بيتك، فإن أُؤمر بشيء لا أغمِمْه عليك إن شاء الله»، فرجعت إلى بيتها، وأنزل الله على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الكتاب رخصتها ورخصة زوجها: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التي

1 . اختُلف في اسمها ونسبها، فقيل: خولة بنت ثعلبة، وخويلة بنت ثعلبة، وخويلة بنت خويلد، وخويلة بنت الصامت، وخويلة ابنة الدليج.

صفحه 18
تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)إلى قوله:(وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) فأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى زوجها، فلمّا أتاه قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما أردتَ إلى يمينك التي أقسمتَ عليها؟»، فقال: وهل لها كفّارة؟ فقال: «هل تستطيع أن تعتق رقبة؟»، قال: إذن يذهب مالي كلّه، الرقبة غالية وأنا قليل المال، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا والله، لولا أنّي آكل في اليوم ثلاث مرات لكلّ بصري، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «هل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟» قال: لا والله، إلاّ أن تعينني على ذلك بعون وصلاة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي معينك بخمسة عشر صاعاً، وأنا داعِ لك بالبركة». فأصلح ذلك بينهما.1
وروى الطبريّ بإسناده عن أبي معاوية (محمد بن خازم)، ويحيى بن عيسى ] الرملي[، وأبي عبيدة عبدالملك بن معن المسعودي، وجرير ] بن عبدالحميد [ جميعاً، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة بن الزبير، قال ] واللفظ لأبي عبيدة [: قالت عائشة: تبارك الذي وسعَ سمعه كلّ شيء، إنّي لأسمع كلام خولة ابنة ثعلبة، ويخفى عليّ بعضه 2، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي تقول: يا رسول الله، أكل شبابي، ونثرتُ له بطني، حتى إذا كبر سنّي، وانقطع ولدي، ظاهرَ منّي، اللّهم إنّي أشكو إليك، قالت: فما برحت حتى نزل جبرئيل (عليه السلام)بهؤلاء الآيات: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التي

1 . جامع البيان (تفسير الطبري): 14 / 7، رقم 33721. وروى نحوها باسناده عن قتادة، ص 6، رقم 33718، و 33719; الدر المنثور:8/72.
2 . وفي لفظ أبي معاوية: قالت عائشة: لقد جاءت المجادِلة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول.

صفحه 19
تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) قال: زوجها أوس بن الصامت.
أقول: وهذه الرواية الصحيحة الإسناد تنقض ما ورد في رواية أبي العالية 1 المرسلة، من أنّ عائشة كانت تغسل رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عند مجيء المجادلة!!
كما ورد في رواية أبي العالية أيضاً أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال للمجادلة ـ قبل نزول الآيات فيها ـ : «حَرُمْتِ عليه»، وهذا القول فيه ما فيه، اذ كيف يقضي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في أمر لم ينزل فيه الوحي؟
ومن هنا يكون قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)للمجادِلة: «ما أُمرتُ في شأنك بشيء»، كما ورد في رواية ابن عباس المتقدّمة، هو الأحقّ بالقبول، والأنسب بمقام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

1 . جامع البيان (تفسير الطبري): 14 / 10، الأرقام 33728 ـ 33731 .
ورواه ابن ماجة من طريق أبي عبيدة. سنن الترمذي: كتاب الطلاق، باب الظهار، برقم 2063.

صفحه 20
تفسير البسملة   

التفسير

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ):
وفي تفسيرها مباحث:

1. البسملة جزء من السورة

إنّ البسملة جزء من سورة الحمد الّتي تبلغ آياتها سبع آيات، وهذا أمر اتّفق عليه المسلمون في سورة الحمد; وأمّا في غيرها، فالإمامية على أنّها جزء من كلّ سورة وهي الآية الأُولى منها، خلافاً لأكثر الجمهور حيث لا يعتبرونها آية من كلّ سورة، ويصفون الآية المتأخّرة عنها بأنّها هي الآية الأُولى، ولذلك يختلف عدد آيات السور وأرقامها وفقاً لهذين القولين.
وقد ورد في بعض الروايات قول الإمام الصادق (عليه السلام) : «قاتلهم الله عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله فزعموا أنّها بدعة إذا أظهروها، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم».1

2. تفسير الباء

الباء في قوله «بسم الله» للاستعانة، مثل قولك: كتبت بالقلم. وكأنّ المؤمن يستعين باسم الله الّذي هو جامع للأسماء. ويشهد على ذلك قوله سبحانه في ثنايا سورة الحمد: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، ويؤيده أيضاً قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «كلّ أمر ذي بال لم يبتدأ ببسم الله فهو أبتر».2

1 . مجمع البيان: 1 / 19 عند تفسير البسملة في سورة الفاتحة.
2. وسائل الشيعة:7، الباب17 من أبواب الذكر، الحديث4; كنز العمال:1/555 برقم 2491.

صفحه 21
وجه الدلالة: أنّ المؤمن الواعي الّذي ينظر بعين المعرفة، يعلم أنّ لكلّ شيء أسباباً وعللاً، فهو يهيِّئها وعندما يبدأ بالعمل يستفتحه بقوله: «بسم الله الرحمن الرحيم»، أي أستعين باسمك في إنجاز عملي باستعمال هذه المقدّمات والأسباب للحصول على مرادي .

3. سبب حذف الهمزة عند الكتابة

قد دخل حرف الجر على الاسم، والهمزة فيه همزة وصل تسقط عند التلفّظ، ولكنّها تكتب شأن كلّ همزة وصل; فعلى ذلك يجب أن تكتب بالنحو التالي: باسم الله الرحمن الرحيم، كما هو الحال في قوله: (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ)1، وقوله: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)(2).
ولذلك نرى أنّ الأُدباء يكتبون البسملة عند تجرّدها عن الرحمن الرحيم بالنحو التالي: «باسمه تعالى»، وأمّا غيرهم فيكتبون «بسمه تعالى»، فالتلفّظ عند الفريقين واحد، والإملاء مختلف.
وقد اعتذر عن حذف الألف عند الكتابة في التسمية بوجهين:
الأوّل: أنّ كثرة استعمال تلك الآية المباركة فوق كلّ رسالة، وبداية كلّ عمل، صار سبباً لحذف الهمزة كتابة مثل حذفها تلفّظاً، ولذلك نرى أنّ سليمان (عليه السلام)كتب إلى بلقيس ملكة سبأ بالنحو التالي: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)2.
الثاني: أنّه لو كان متعلّق الجار مذكوراً تكتب الهمزة، كما في قوله:

1 . العلق: 1 .   2 . الواقعة: 74 .
2 . النمل: 30 .

صفحه 22
(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) 1، وقوله (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)(2); حيث إنّ الجار متعلّق بـ «سبّح» أو «إقرأ» .
وأمّا إذا كان متعلّق الجار محذوفاً، كما في المقام، فتحذف الهمزة تلفّظاً وكتابة، والمفروض أنّ الجار في الآية متعلّق بالمحذوف، نحو: أستعين، وأشباهه.

4. كيف نستعين بالاسم لا بالذات

هنا سؤال وهو: كيف نستعين باسم الله ، مع أنّ المستعان هو الله سبحانه لا اسمه، فيجب على كلّ مسلم أن يلتجئ إليه لا إلى اسمه، كما يدلّ عليه قوله سبحانه: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ )2، فالمسؤول هو ذاته لا اسمه؟
ربّما يقال في الجواب عن ذلك: أنّ لفظة اسم زائدة، فكأنّ القارئ يقول: بالله أستعين، مكان: باسم الله استعين.
يلاحظ عليه: أنّ القول باشتمال القرآن على الحروف الزائدة أمر غير صحيح حتّى في قوله سبحانه: (لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) 3 ـ كما حقّق في محله ـ ،4 فكيف القول باشتماله على كلمة زائدة وهي «اسم»؟!
ويمكن أن يجاب بأنّ الاسم على قسمين:

1 . الواقعة: 96 .   2 . العلق: 1 .
2 . البقرة: 186 .
3 . البلد: 1 .
4 . راجع: آلاء الرحمن في تفسير القرآن للعلاّمة البلاغي: 1 / 38 ـ 39، طبعة صيدا.

صفحه 23
1. علَم للشخص إذا أُطلق ينتقل الذهن منه إلى المسمّى الخارجي دون أن يدلّ على أمر زائد. مثلاً إذا سُمّي رجل باسم حسن أو جميل، فإذا أُطلق يتبادر منه نفس المسمّى، سواء أكان حسناً، جميلاً أم لا. والغاية كون الاسم سبباً للانتقال إلى الفرد الخارجي.
2. علَم للشخص وفي الوقت نفسه بمنزلة الوصف الّذي يحكي عن صفات الجمال والجلال، لأنّه لم يوضع للذات فقط بل للذات الجامعة للصفات العليا، فإذا قلنا (باسم الله) فكأنّا قلنا: باسم العالِم القادر السميع البصير، إلى غير ذلك من الصفات العالية، فهذا النوع من الاسم الّذي هو الوصف الحاكي عن صفات الجلال والجمال، قابل للاستعانة به; لأنّ الاستعانة به، كأنّها استعانة بالذات، فكأنّ الإنسان يستعين بالموصوف بصفات الجلال والجمال.
وبالجملة الاسم بالمعنى الأوّل علَم محض لا دور له سوى إحضار المسمّى في ذهن المخاطب.
وبالمعنى الثاني اسم، لكنّه في الوقت نفسه لا يفتقد معنى الوصفية، ولذلك يحكي عن الصفات الجمالية والجلالية المندرجة تحت ذلك الوصف. فالاستعانة بهذا الاسم استعانة بذاته تبارك وتعالى.
نعم: السؤال والجواب متعلّقان بما إذا قلنا بأنّ الباء للاستعانة والمتعلّق هو «أستعين» دون ما إذا كان الجارّ متعلقّ بـ (أبتدئ)، وتقدير الكلام: أبتدئ قراءتي بتسمية الله أو أقرأ مبتدئاً بتسمية الله، قال الطبرسي: هذا القول أقرب للصواب، لأنّا أُمرنا أن نفتتح أُمورنا بتسمية الله كما أُمرنا بالتسمية على الأكل

صفحه 24
والشرب والذبائح، ألا ترى أنّ الذابح إذا قال: بالله، ولم يقل: باسم الله، لكان مخالفاً لما أُمر به.1
فالمؤمن في كلّ حال يذكر الله سبحانه بخلاف المنافق، قال سبحانه: (نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ)(2) .

5. معنى «الإله» في الذكر الحكيم

المشهور أنّ «الله» أصله «إله» فحذفت همزته وأُدخل عليه الألف واللام، فخُصّ بالباري، ولتخصُّصه به قال تعالى: (رَبُّ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا)2 .
والمهم هنا، هو تفسير لفظ الإله، وتبيين معناه، وقد فُسّر بوجوه سبعة، إليك بيانها:
1. مشتق من الأُلوهية التي هي العبادة، فإن التألّه، هو التعبّد. يقال: فلان متألّه، أي متعبِّد، قال رؤبة :
لله درّ الغانيات المُدّهِ3 *** لمّا رأين حليي المُموَّهِ
سبّحن واسترجعن من تألّهي
أي من تعبّدي. ويقال: ألِه الله فلانٌ إلاهةً، كما يقال: عبده عبادة 4. فعلى هذا يكون معناه: الّذي يحقّ له العبادة .

1 . مجمع البيان: 1 / 21 .   2 . الحشر: 19 .
2 . مريم: 65 .
3 . المُدَّه، جمع مادِه، وهو المادح .
4 . التبيان في تفسير القرآن: 1 / 28 .

صفحه 25
2. مشتق من الوله وهو التحيّر، يقال: أَله يأله إذا تحيّر.
3. مشتق من قولهم: ألَهْتُ إلى فلان أي فَزِعتُ إليه ، لأنّ الخلق يألهون إليه، أي يفزعون إليه في حوائجهم.
4. مشتق من ألهِتُ إليه أي سكنت إليه، لأنّ الخلق يسكنون إلى ذكره .
5. مشتق من لاه أي احتجب. والمعنى أنّه سبحانه المحتجب بالكيفية عن الأوهام، الظاهر بالدلائل والأعلام.1
6. مشتقّ من ألِه الفصيل إذا ولع بأُمّه. والظاهر أنّه يرجع إلى التفسير الثالث، أي أنّه مشتق من أَلَهَ بمعنى «فزع».
7. مشتق من «لاه» إذا ارتفع، والله سبحانه وتعالى هو المرتفع عن مشابهة الممكنات ومناسبة المحدثات.(2)
والحق أنّه لا صلة لهذه الوجوه والمعاني لما وضع له لفظ «إله» وإنّما هي من لوازم المعنى، لا نفسه ولا جزءه بل لازماً له; لأنّ من كان إلهاً ـ بالمعنى الّذي نذكره ـ للعالمين، يُعبد وتتحيّر العقول في درك كنهه، وتسكن إليه النفس ويُحتجب عن الأوهام وإن كان وجوده ظاهراً بالدلائل والبرهان.

ما هو المختار؟

إنّ لفظ الجلالة وما يعادله في عامّة اللغات موضوع لما يتبادر في عامّة الأذهان بصورة إجمالية من كونه مصدر الخلق والكون الّذي يعبّر عنه في لسان الحكماء والمتكلّمين بواجب الوجود، أو الذات الجامعة لصفات

1 . مجمع البيان: 1 / 19 .   2 . تفسير الرازي: 1 / 158 ـ 161 .

صفحه 26
الجمال والجلال، إلى غير ذلك من الكلمات الّتي هي تعبير تفصيلي لما هو المتبادر عند عامّة الشعوب.
ثمّ إنّ الوثنيين اخترعوا لله سبحانه أنداداً وأشباهاً على درجات مختلفة من الكمال والجمال، وتفويض الأُمور إليهم، وإن كانت هي مجرّد أسماء ليس لها من الأُلوهية شيء سوى الاسم، يقول سبحانه : (إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَ آبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان)1.
فإذا حاول العرب أن يشيروا إلى هذه الآلهة المزعومة مع ما لها من درجات ومراتب مختلفة من القرب والبعد عن الله سبحانه يطلقون عليها لفظ الآلهة، وعلى هذا فلفظ الجلالة علم لمصداق كامل لمفهوم الإله، ولكن لفظ الإله موضوع لمعنى كلّي يشمله وسائر الآلهة المزعومة الّتي ليست على درجة واحدة من الكمال والجمال. فربما يكون إلهاً ولا يكون خالقاً ورازقاً، بل يكفي في كونه معزّاً أو ناصراً أو غافراً للذنوب أو مفوّضاً له شيء من أفعاله سبحانه.
وقد جاء في «قاموس الكتاب المقدّس»: يوجد في العهد القديم باللغة العبرية ثلاث مترادفات رئيسية لاسم الجلالة وهي: «الوهيم» و «يهوه» و «ادوناي»، فالاسم الأوّل يدلّ على صفة الله كالخالق العظيم... وأمّا الاسم الثاني يدلّ على علاقة الله مع بني إسرائيل وهو إله تابوت العهد، وإله الرؤيا والإعلان، وإله الفداء.2

1 . النجم: 23 .
2 . قاموس الكتاب المقدس: 107 .

صفحه 27
والقرآن الكريم إذا أراد أن يشير إلى الفرد المعيّن من الكلّي يستعمل لفظ الجلالة «الله»، وإذا أراد أن يشير إلى المعنى الكلّي الشامل لهذا الفرد وغيره، الذي يعتقد به المشركون والّذي له عندهم درجات ومراتب، يستعمل لفظ «إله»، كما يقول سبحانه ـ ناطقاً عن لسان المشركين ـ : (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)1.
ولذلك نرى أنّه في بعض اللغات العالمية يفرّقون بين مفاد لفظ الجلالة، ومفاد «الإله» ويعبّرون عن المعنيين بلفظ واحد إلاّ أنّهم يفرّقون بينهما في الكتابة ، فعندما يشيرون إلى «الله» يكتبونها بالشكل التالي: (God)، وعند الإشارة إلى المعنى الكلّي لهذا الفرد يكتبونها بالنحو التالي: (god).
هذا هو المدّعى ،والدليل عليه من وجوه:

الأوّل: مادة اللفظين واحدة

إنّ مادة اللفظين واحدة فكيف يفترقان في المعنى؟ والدليل على ذلك قولهم: إنّ «الله» مشتق من لفظ «إلاه».
قال سيبويه في تفسير لفظ الجلالة: إنّ أصله «إلاه» على وزن فعال، فحذفت الفاء الّتي هي الهمزة وجعلت الألف واللام عوضاً لازماً عنها، بدلالة استجازتهم قطع هذه الهمزة الداخلة على لام التعريف في خصوص النداء في نحو قوله: «يا الله اغفر لي»، ولو كانت غير عوض لم تثبت الهمزة في الوصل كما لم تثبت في غير هذا الاسم.(2)

1. سورة ص: 5 .   2 . لاحظ: مجمع البيان: 1 / 19 .

صفحه 28
فإذا كانت المادة واحدة فيكون لفظ الجلالة بالمعنى الموجود في مادته علماً للشخص. ومن المعلوم أنّ لفظ الجلالة حاك عن الصفات الجلالية والجمالية أو ما أشبه ذلك، فيجب أن تكون مادته حاكية عن هذه المعاني كلّها لا عن معنى المعبود أو غيره من المعاني السبعة فقط.

الثاني: الاحتجاج بعدم وجود إله غير الله

إنّه سبحانه حينما يستدلّ على التوحيد وأنّه لا إله إلاّ الله فإنّه يستخدم كلمة الإله ويقول:
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْل تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ)1.
ترى أنّه سبحانه يعدُّ تدبير العالم على نحو يعيش الإنسان فيه عيشاً رغيداً من شؤون الإله، ولذلك يقول: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء)، أو يقول: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْل) فهذا تصريح بأنّ التصرّف في الكون من شؤون الإله، ثم يردّ على المشركين بأنّ التصرّف في الكون وإن كان من شؤون الإله إلاّ أنّه لا إله إلاّ الله.
فلو وضعنا «الخالق البارئ» وغيرها ممّا يعدّ تفسيراً للمعنى الإجمالي للإله، مكانه: لانسجم معنى الفقرة ، بأن يقال: لا خالق ولا بارئ ولا مدبّر غير الله، لانسجمت.

1 . القصص: 71 ـ 72 .

صفحه 29
وأمّا لو جعلنا المعبود مكانه، لاختلّت بلاغة الآية، كأن نقول: هل معبود إلاّ الله يأتيكم بالنهار أو بالليل، إذ ليس التصرّف في الكون على النحو البديع من شؤون المعبود، وما أكثر المعبودين ولكنّهم لا ينفعون ولا يضرون.
وبعبارة أُخرى: إنّ التصرّف في الكون وتنظيم أسباب الحياة من شؤون من بيده الكون ومصير الإنسان، فكأنّه سبحانه يقول: لو اختلّ النظام بأنْ دام النهار أو دام الليل فأيّ إله (من بيده الكون) يأتي بالضياء بعد الليل، أو به بعد النهار، وليس هو إلاّ الله، وأمّا لو قلنا بأنّه بمعنى المعبود يكون المعنى كالتالي: فأي معبود يأتي بالضياء بعد الليل أو العكس. ومن المعلوم أنّ التصرّف في الكون ليس من شؤون مطلق المعبود. وإنّما هو من شؤون من بيده الكون إيجاداً وتدبيراً. فيكون الإله في الآيتين بمعنى المتصرّف في الكون والمدبّر وما يرادفه.

الثالث: الاستدلال على التوحيد بلزوم الفساد عند تعدّد الآلهة

استدلّ سبحانه على التوحيد في الربوبية بآيات منها:
1. قوله تعالى: (لَو كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسدَتا)1 .
فإنّ البرهان على نفي تعدّد الآلهة لا يتمّ إلاّ إذا فُسّر «الإله» في الآية بالمتصرّف، المدبّر، أو من بيده أزمّة الأُمور أو ما يقرب من هذين. ولو جعلنا الإله بمعنى المعبود لانتقض البرهان، لبداهة تعدّد المعبود في هذا العالم، مع عدم الفساد في النظام الكوني، و قد كانت الحجاز يوم نزول هذه الآية

1 . الأنبياء: 22.

صفحه 30
مزدحمة بالآلهة، و مركزاً لها و كان العالم منتظماً، غير فاسد.
و عندئذ يجب على مَن يجعل «الإله» بمعنى المعبود أن يقيّده بلفظ «بالحق»، أي لو كان فيهما معبودات ـ بالحق ـ لفسدتا، و لمّا كان المعبود بالحقّ مدبِّراً و متصرّفاً، لزم من تعدّده فساد النظام، وهذا كلّه تكلّف لا مبرّر له. والدليل على ذلك عدم خطوره عند سماعه.
2. قوله سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَد وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِله إذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعضُهُمْ عَلى بَعْض)1.
ويتمّ هذا البرهان أيضاً إذا فسّرنا الإله بما ذكرنا من أنّه كلّيّ ما يطلق عليه لفظ الجلالة.
و إن شئت قلت: إنّه كناية عن الخالق، أو المدبّر، المتصرّف، أو من يقوم بأفعاله و شؤونه. والمناسب في هذا المقام هو الخالق. و يلزم من تعدّده ما رتّب عليه في الآية من ذهاب كلّ إله بما خلق و اعتلاء بعضهم على بعض.
و لو جعلناه بمعنى المعبود لانتقض البرهان، لأنّه لايلزم من تعدّده أي اختلال في الكون. وأدلّ دليل على ذلك هو المشاهدة. فإنّ في العالم آلهة متعدّدة، و قد كان في أطراف الكعبة المشرّفة ثلاثمائة و ستون إلهاً و لم يقع أيُّ فساد و اختلال في الكون.
فيلزم على مَن يفسّر (الإله) بالمعبود ارتكاب التكلّف بما ذكرناه في الآية المتقدِّمة. وما ربّما يتصوّر من غلبة استعمال الإله في المعبود بالحق فلا

1 . المؤمنون: 91.

صفحه 31
حاجة إلى تقديره، مدفوع باستعماله ـ كثيراً في غيره ـ كقوله: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا)1.
3. قوله سبحانه: (قُل لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابتغَوْا إلى ذِي الْعَرْش سَبِيلاً) 2.
فإنّ ابتغاء السبيل إلى ذي العرش من لوازم تعدّد الخالق أو المدبّر المتصرّف أو من بيده أزمّة أُمور الكون أو غير ذلك ممّا يرسمه في ذهننا معنى الأُلوهية، و أمّا تعدّد المعبود فلا يلزم ذلك إلاّ بالتكلّف الذي أشرنا إليه فيما سبق.

الرابع: الملازمة بين الأُلوهية وعدم ورود النار

قوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حصبُ جهَنّمَ أنتُمْ لها وارِدُونَ* لَوْ كانَ هؤلاءِ آلهةً ما وَردُوها)3.
والآية تستدلّ بورود الأصنام و الأوثان في النار على أنّها ليست آلهة، إذ لو كانوا آلهة ما وردوا النار.
والاستدلال إنّما يتمّ لو فسّرنا الآلهة بما أشرنا إليه، فإنّ خالق العالم أو مدبّره و المتصرّف فيه أو من فوّض إليه أفعال اللّه، أجلّ من أن يُحكَم عليه

1. سورة ص: 5. لاحظ المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم الّذي وضعه محمّد فؤاد عبدالباقي المصريّ، فقد استعمل في كثير من الآيات في مورد المعبود الباطل، لو سلّمنا وضعه للمعبود. ولذلك قلنا في «مورد المعبود الباطل» لا في معناه .
2 . الإسراء: 42.
3 . الأنبياء: 98ـ 99.

صفحه 32
بالنار أو أن يكون حصبَ جهنّم.
وهذا بخلاف ما إذا جعلناه بمعنى المعبود ، إذ لا ملازمة بين كونها معبودات وعدم كونها حصب جهنم، وعندئذ لا يتمّ البرهان إلاّ إذا قُيّد المعبود بقيد أو قيود ترفعه إلى حدّ القداسة المطلقة، وهذا تكلّف واضح، ولو أمعنت في الآيات التي ورد فيها لفظ الإله و الآلهة لقدرت على استظهار ما اخترناه.

الخامس: لزوم اختلال المعنى لو فسّر بالمعبود

قوله سبحانه: (فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وبَشِّرِ المُخْبِتينَ)1.
فلو فسّر الإله في الآية بالمعبود لزم عدم صحّة المعنى، إذ المفروض تعدّد المعبود في المجتمع البشري، و لأجل دفع هذا ربّما يقيّد الإله هنا بلفظ «الحقّ»، أي المعبود الحقّ إله واحد. ولو فسّرناه بالمعنى الإجمالي الذي له آثار في الكون من التدبير والتصرّف، و إيصال النفع ، و دفع الضرّ على نحو الاستقلال، لصحّ حصر الإله ـ بهذا المعنى ـ في واحد، بلا حاجة إلى تقدير كلمة بيانية محذوفة، إذ من المعلوم أنّه لا إله في الحياة الإنسانية والمجتمع البشري يتّصف بهذه الصفات التي ذكرناها إلاّ اللّه سبحانه.
ولا نريد أن نقول: إنّ لفظ «الإله» بمعنى الخالق المدبّر المحيي المميت الغافر على وجه التفصيل، إذ لا يتبادر من لفظ «الإله» إلاّ المعنى الإجمالي، بل هذه الصفات عناوين تشير إلى المعنى الذي وضع له لفظ الإله. و معلوم أنّ

1 . الحج: 34.

صفحه 33
كونَ هذه الصفات عناوين مشيرة إلى ذلك المعنى الإجمالي، غيرُ كونها معنى موضوعاً له اللّفظ المذكور، كما أنّ كونه تعالى ذو سلطة على العالم كلّه أو سلطة مستقلة غير معتمدة على غيره، وصف نشير إليه بالمعنى الإجمالي الذي نتلقّاه من لفظ «اللّه»، لا أنّه نفس معناه.

السادس: استعمال أحد اللفظين مكان الآخر

ربّما يستعمل لفظ الجلالة مكان الإله، ويتجرّد عن معنى العلَمية ويبقى فيه معنى الوصفية، فلذلك يصح استعماله مكان الإله، وإليك بعض موارده:
قال سبحانه: (وَ هُوَ اللهُ فِي السَّموَاتِ وَ فِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ وَ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ )1، فالآية تشير إلى أنّ إله السماء هو إله الأرض، وليس هناك آلهة بحسب الأنواع والأقوام، فالضمير «هو» مبتدأ ولفظ الجلالة خبر، والمعنى هو المتفرد بالإلهيّة في السماوات، فوزانها وزان قوله سبحانه: (وَ هُوَ الذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَ فِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ)(2).
فإنّ اللفظين في الآيتين بمعنى واحد، وهو أنّ لفظ الجلالة في الآية الأُولى خرج عن العلَمية وعاد إلى الكلّية والوصفية، ولذلك صحّ جعله مكان الإله في الآية الأُولى، وجيء بنفس لفظ الإله في الآية الثانية.

السابع: معنى «الإله» في تثليث النصارى

حكى القرآن الكريم عقيدة النصارى في الله سبحانه، وهي ما تُعرف

1 . الأنعام: 3 .   2 . الزخرف: 84 .

صفحه 34
بعقيدة التثليث، وتتلخّص في وجود ثلاثة أقانيم، هي: الأب، والابن، والروح القدس; أي أنّ هناك إلهاً أباً وإلهاً ابناً وإلهاً باسم: الروح القدس .
وهذا القول لا يخلو من أمرين: إمّا أن يكون كلّ واحد من هذه الأقانيم الثلاثة جزءاً يشكّلُ وجوده سبحانه وعندئذ تَصبح له شخصية واحدة ذات أجزاء، أو أن يكون كُلّ واحد منها ذا شخصية مستقلة . وعلى كل تقدير فالجميع عندهم إله، يقول سبحانه: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَ قَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَ مَأْوَاهُ النَّارُ وَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار)1، ثم قال سبحانه: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَ مَا مِنْ إِلَه إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لََيمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(2).
ففي الآية الأُولى يحكي عنهم قولهم: إنّ الله هو المسيح ابن مريم، فالمسيح عندهم هو الله المتجسّد.
وردّ عليهم في نفس الآية بأنّه كيف يصحّ ذلك مع أنّ المسيح لا يأمر الناس بعبادته، بل بعبادة غيره، وذلك بقوله: (اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ) ؟
وفي الآية الثانية يحكي سبحانه عنهم اعتقادهم بالآلهة الثلاثة، فكلّ من الأب والابن والروح القدس عندهم إله، ويردّ عليهم بأنّه لا إله إلاّ إله واحد.
أمّا كيفية الاستدلال على أنّ الإله في هذه الآيات وما يليها ليس بمعنى المعبود أو غيره من المعاني السبعة، بل أُريد به ما يُراد من لفظ الجلالة بتجريده عن العلَمية، فواضحة لدى التدبّر، بشرط أن نقف على مغزى

1 . المائدة: 72 .   2 . المائدة: 73 .

صفحه 35
الاختلاف بين الموحّدين وأهل التثليث، إذ ليس مصبّ الاختلاف بينهم، وحدة المعبود أو تعدّده، وإنّما هو لازم نزاع آخر يرجع إلى وحدة ذات الواجب أو تعدّدها، فإذا قال سبحانه: (إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) 1، فلا يريد أنّه معبود واحد ليس له ولد، وإنّما يُريد بساطة ذات الله ووحدتها .
وإذا قالت النصارى: إنّ الله ثالث ثلاثة، فمرادهم أنّه ثالث الآلهة وأنّ الواجب جلّ اسمه أو ما يشار إليه بلفظ الجلالة، آلهة ثلاثة لا إله واحد، فإذا ردّ عليهم سبحانه بقوله: (وَ مَا مِنْ إِلَه إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ) يُريد وحدة الذات وبساطتها.
فالإله في كلام كلّ من الطرفين يشير إلى تلك الذات المقدّسة فيكون مرادفاً للفظ الجلالة، لكن بشرط تجريدها عن العلَمية .
ولو فُسِّر لفظ (الإله) في هذه الموارد بوحدة المعبود أو كثرته، لزم غض النظر عمّا هو موضع النزاع لبّاً عبر قرون.
ومنه يظهر مفاد الإله في الآية التالية، إذ لا محيص من تفسيره بالمعنى المختار الّذي يعبّر عنه بواجب الوجود، الخالق، البارئ، إلى غير ذلك من الصفات.
قال سبحانه: (وَ إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَ لاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ

1 . النساء: 171 .

صفحه 36
الْغُيُوبِ)1، وذلك أنّ علماء النصارى يتبنّون التثليث وينسبونه إلى عيسى بن مريم وأنّه دعا إلى إلهين آخرين من دون الله وهما نفسه وأُمُّه.
ومن المعلوم أنّ النفي والإثبات يردان على موضوع واحد وهو ادّعاء النصارى أنّ ثمّة إلهين وراء الله سبحانه هما: المسيح وأُمّه، وردّ سبحانه على تلك المزعمة بأنّ الإله واحد لا غير.
فعندئذ لا يمكن تفسير الإله بمعنى المعبود، إذ الكلام يتعلّق بمقام الذات وأنّه كثير أو واحد لا بموضع المعبودية.
ونظيرها الآية التالية قال سبحانه: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَ رُسُلِهِ وَ لاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ وَ كَفَى بِاللهِ وَكِيلاً)2 .
وحصيلة الكلام هو أنّ الاختلاف والنزاع بين أهل التوحيد وأهل الكثرة راجع إلى وحدة ما يشار إليه بلفظ الجلالة أو تعدّده. وأنّه هل هوهوية بسيطة واحدة أو هي مركبة أو متعدّدة يعبّر عنها بالإله الأب، والإله الابن، والإله الروح القدس.
فحقيقة النزاع عبارة عن دراسة مسألة فلسفية غامضة، وهي أنّ جوهر الذات هل هي شيء واحد أو هي أشياء؟ فمن السذاجة أن نعبّر عن واقع

1 . المائدة: 116 .
2 . النساء: 171 .

صفحه 37
النزاع بوحدة المعبود وتعدّده، فإذا قيل: الإله الواحد، أو ثالث الآلهة، فلا يُراد عندئذ إلاّ ما يُشار إليه بلفظ الجلالة الّذي يشير إلى الذات المستجمعة لصفات الجمال والجلال ولكن بقيد تجريده عن العلَمية.

الثامن: وقوع قوله (لا إله إلاّ هو) تعليلاً لحصر الشؤون

قد وقع قوله:«لا إله إلاّ هو» في الآيات التالية تعليلاً لحصر الرازقية، وربوبية المشرق والمغرب، ومالكية السماوات والأرض في الله سبحانه ولا يصح كونه علّة للحصر المذكور إلاّ إذا أُريد به المعنى الإجمالي الملازم للخالقية والرازقية والربوبية والمالكية، فعندئذ يصلح أن يقع تعليلاً، لما تقدّمه من حصر الأُمور المذكورة في الله.
1. (هَلْ مِنْ خَالِق غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَ الأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)1 .
فصدر الآية ينفي أي خالق غير الله يرزق الناس، وذيلها أعني قوله: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) بمنزلة التعليل له ولا يصح تعليلاً إلاّ إذا أُريد به ذلك المعنى السامي الملازم للشؤون، فكأنّه يقول:إذا لم يكن إله ـ بهذا المعنى ـ فلا خالق يرزق الناس إلاّ الله.
2. (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً)2.
إنّ صدر الآية يصفه سبحانه بكونه (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ)، أي رب عالم الشهادة، ثم يأتي بقوله: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) تعليلاً لما تقدّم، ولا يصحّ ذلك إلاّ بتفسير الإله بالمعنى السامي الّذي يدلّ عليه لفظ الجلالة، لكن مجرّداً عن

1 . فاطر: 3 .
2 . المزمل: 9 .

صفحه 38
العلَمية فيكون المعنى: إذا لم يكن خالق مدبر و...، إلاّ الله، فهو رب السماوات والأرض و...ثم عطف عليه قوله: (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً); لأنّ اتخاذ الوكيل بمعنى إيكال الأُمور إليه من شؤونه سبحانه.
3. (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمواتِ وَ الأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَ يُمِيتُ)،1وكيفية الاستظهار هي نفس ما تقدّم في الآيتين المتقدّمتين، فلا يصلح قوله: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)تعليلاً لما سبق، إلاّ إذا أُريد بإلاله المعنى الإجمالي السامي الملازم للخالقية والرازقية والربوبية وغيرها، فإذا كانت هذه الشؤون منحصرة في الله سبحانه فله ملك السماوات والأرض.

التاسع: مفهوم الإله عند الوثنيين

يظهر من بعض الآيات أنّ الإله عند المشركين عبارة عمّن ينصر عُبّادَه في الشدائد والملمّات، ويورث لهم عزّاً في الحياة.
قال سبحانه حاكياً عن عقيدتهم: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)2.
وقال عزّ من قائل: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)3.
وكانوا يسوّون بين الله والإلهة، يقول سبحانه حاكياً عن قولهم يوم القيامة: (تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)4.

1 . الأعراف: 158 .
2 . يس: 74 .
3 . مريم: 81 .
4 . الشعراء: 97 ـ 98 .

صفحه 39
فإذا كانت الآلهة المزعومة عند المشركين هي الناصرة في الشدائد وواهبة العزّة، وفي مستواه سبحانه، فلا يراد بها عند الإطلاق إلاّ ما يراد من لفظ الجلالة مجرّدة عن العلَمية.
ولذلك يردّ عليهم سبحانه في غير واحد من الآيات بأنّ الآلهة لا يملكون من شؤونه سبحانه شيئاً، ويقول: (وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَ هُمْ يُخْلَقُونَ)1.
والآية تدلّ على أنّ من شؤون الإله هو الخلق، والأصنام فاقدة له .
ويقول: (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَ لاَ هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ)(2).
والآية تدلّ على أنّ من شؤون الإله: القدرة والدفاع عن نفسه وعمّن يعبده، وآلهتهم تفقد هذه اللوازم والشؤون.
فالآيتان تدلاّن على أنّه كلّما أُطلق الإله لا يتبادر منه إلاّ مَن يملك هذه الشؤون لا مجرد كونه معبوداً ـ ولذلك ردّ الوحي الإلهي وصفهم أو أصنامهم بالأُلوهية، بعدم وجود هذه الشؤون فيها.

انتقال هُبَل إلى مكة

ويوضح مكانة الأوثان عندهم ما نقله ابن هشام في سيرته يقول: إنّ عمرو بن لحَيّ خرج من مكة إلى الشام في بعض أُموره، فلمّا قدم مآبَ في أرض البَلْقاء، رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام الّتي أراكم

1 . الفرقان: 3 .   2 . الأنبياء: 42 .

صفحه 40
تَعبْدون؟ قالوا له: هذه أصنْام نعبدها، فنَسْتمطرها فتُمْطرِنا، ونَسْتَنْصرها فتَنْصرنا ; فقال لهم: أفلا تُعْطُونني منها صَنماً، فأسيرَ به إلى أرض العرب، فيعبدوه؟ فأعْطَوْه صَنماً يقال له هُبَل، فقدم به مكَّة، فَنَصَبه وأمَر الناس بعبادته وتعظيمه .1
فإذا كان الإمطار عند الجفاف والإنصار في الحروب والشدائد من شؤون الإله المزعوم، فيكون المتبادر منه هو نفس ما يتبادر من لفظ الجلالة، مجرّداً عن العلَمية.

العاشر: الإله في كلام الإمام علي (عليه السلام)

وممّا يؤيد ما ذكرناه من عدم الفرق بين الإله، ولفظ الجلالة إلاّ بالكلّية والجزئية، كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في نقد كون كلامه سبحانه قديماً، بأنّه لو كان كذلك، لكان إلهاً ثانياً. وإليك نصّه:
«يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ: (كُنْ فَيَكُونُ)، لاَ بِصَوْت يَقْرَعُ، وَلاَ بِنِدَاء يُسْمَعُ; وِإِنَّمَا كَلاَمُهُ سُبْحانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَمَثَّلَهُ، لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذلِكَ كَائِناً، وَلَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلهاً ثَانِياً».(2)
أي لو كان قديماً، لكان واجب الوجود، أو ما يفيد ذلك، ولا معنى لتفسير الإله بالمعبود، أي لكان إلهاً معبوداً ثانياً.
وفي بعض كلماته أيضاً، إشارة إلى ما ذكرنا، حيث قال:
«أَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا إِلَى إِلهِكَ».2

1 . السيرة النبوية:1/50، قصة عمرو بن لحَيّ وذكر أصنام العرب.   2. نهج البلاغة: الخطبة 186.
2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 31 .

صفحه 41
وقال في موضع آخر:
«وَابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذلِكَ بِالاِْسْتِعَانَةِ بِإِلهِكَ».1

حصيلة البحث:

1. ليس للإله إلاّ معنى واحد، وهو نفس ما يفهم من لفظ الجلالة لكن مجرّداً عن العلَمية.
2. أنّ تفسير الإله بالمعاني السبعة أو الأكثر تفسير باللوازم والآثار للإله، لنفس معناه.
3. لفظ الإله ليس بمعنى الخالق المدبّر المحيي المميت الغافر، إذ لا يتبادر من لفظ الإله إلاّ المعنى البسيط، بل هذه الصفات عناوين تشير إلى المعنى الموضوع له لفظ الإله، ومعلوم أنّ كون هذه الصفات عناوين مشيرة إلى ذلك المعنى البسيط، غير كونها معنى موضوعاً للفظ المذكور. فتدبّر.

تفسير الرحمن الرحيم

قوله: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كلاهما من صفات الله سبحانه، وأسمائه الحسنى، والكلام يأتي في معنى الرحمة، فالظاهر من الطبرسي أنّها بمعنى النعمة، فقال عند تفسير البسملة وبيان لغتها: «الرحمن الرحيم» اسمان وضعا للمبالغة واشتقا من الرحمة وهي النعمة إلاّ أنّ (فعلان) أشد مبالغة من (فعيل).2

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 31 .
2 . مجمع البيان: 1 / 20، ط صيدا.

صفحه 42
وعلى هذا فكلا اللفظين بمعنى المنعم مع تفاوت بينهما، كما سيوافيك.
وأمّا على القول بأنّ الرحمة بمعنى رقة القلب وتأثّره بما يطرأ عليه من الحوادث المؤلمة، كما لو سمع ببكاء يتيم جائع فيرقّ له قلبه ويقوم بإطعامه، والإنعام عليه، فلو كان هذا اللفظ بمعنى رقّة القلب فلا يمكن وصف الله سبحانه به; لأنّ رقّة القلب وتأثّره بالحوادث محال على الله سبحانه لتنزّهه عن الانفعال.
ونظير ذلك وصفه سبحانه بالغضب، فإنّ الغضب عبارة عن فوران الدم في القلب يوجب تشنّجاً في أعضاء الإنسان تهيّؤاً للانتقام، والله سبحانه فوق ذلك; لأنّ الانفعال من صفات المادّة، والله فوقها.
ومع ذلك فقد ورد في الذكر الحكيم قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ)1.
والجواب عن الموردين ـ الرحمة بمعنى رقّة القلب، والغضب بمعنى فوران الدم ـ ونظائرهما واحد، وهو ما يقال: خذ الغايات واترك المبادئ.
توضيحه: أن رقّة القلب تكون مبدأً للتفضّل والإحسان، كما أنّ الغضب يكون سبباً لإيقاع العقوبة والتعذيب، فوصفه سبحانه بهما لأجل الغايات، وهو أنّه متفضّل بالإحسان بالنسبة إلى عباده أو آخذ بالعقوبة لمن خالفه وجادله .
فكلّ وصف يكون فيه مبدأٌ مادّي وانفعالي ومع الوصف يكون له غاية

1 . الممتحنة: 13.

صفحه 43
تناسب الله تبارك وتعالى، فوصفه به إنّما هو لأجل النتيجة لا لأجل المبدأ.
ومنه يُعلم الجواب عن كثير من الأوصاف الّتي هي من شؤون الإنسان كالمكر والمخادعة والاستهزاء، ولا يمكن وصفه بها سبحانه ، ومع ذلك فقد أُطلقت عليه سبحانه في غير واحدة من الآيات منها:
قوله سبحانه: (وَمَكَرُوا وَ مَكَرَ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)1.
وهكذا قوله: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ)(2).
وقوله سبحانه حاكياً عن المنافقين: (قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ* اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)(3).
ومن المعلوم أنّ المكر والخديعة حرفة العاجز، والاستهزاء عمل النَّوكى، غير أنّ وجه وصفه سبحانه بهذه الأفعال إنّما هو لأحد أمرين:
1. إمّا رعاية للمشاكلة في الكلام، حيث إنّ القائل وصف عمله مكراً واستهزاءً، والله يعبّر عن ردّ مكرهم وإبطال استهزائهم بنفس عبارة القائل ، وهذا من المحسِّنات الكلامية، قال الشاعر:
قالوا اقترح شيئاً نُجد لك طبخُهُ *** قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا2
حيث عبّر عن خياطة الجبّة بالطبخ رعاية للمشاكلة في الكلام.

1 . آل عمران: 54.    2 . النساء: 142 .   3 . البقرة: 14 ـ 15 .
2. هذا البيت لأبي حامد أحمد بن محمد الأنطاكي، المعروف بأبي الرقعمق، نادرة الزمان وجملة الإحسان، وممّن تصرّف بالشعر الجزل في أنواع الجد والهزل، وأحرز قصب الفضل، وهو أحد المداحين المجيدين والفضلاء المحسنين، وهو بالشام كابن الحجّاج في العراق، وكان شاعراً فكهاً، وأقام بمصر طويلاً يمدح ملوكها ووزراءها، وتوفّي فيها سنة 399هـ . لاحظ:يتيمة الدهر للثعالبي:1/379; سير أعلام النبلاء:17/77 برقم 42; الأعلام:1/210; وفيات الأعيان:1/131 برقم 54; أعيان الشيعة:3/76 برقم 282; الغدير:4/113.

صفحه 44
2. ما تقدّم منّا حول وصف فعله سبحانه بالمكر والغضب، وهو حذف المبادئ والأخذ بالغايات، فإذا مكر المنافقون فالله سبحانه يجعل فعلهم عقيماً من حيث لا يشعرون، ولذا وصف فعله بالمكر أخذاً بالغايات دون المبادئ، وهكذا الاستهزاء فإنّ المستهزئ يريد الحطّ من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والمؤمنين في أعين الناس، والله سبحانه يجعل فعله بلا أثر على نحو يكون المستهزئ ذليلاً في أعين الناس.

ما هوالفرق بين الرحمن والرحيم؟

إذا كان الوصفان مشتقين من الرحمة فما هو الفرق بينهما، خصوصاً على القول بأنّ كليهما على وزان صيغة المبالغة، نظير فعلان وفعيل؟
أُجيب عن ذلك بوجوه، نذكر منها وجهين:
1. أنّ الرحمن من صفاته المختصّة به سبحانه، ولا يستعمل في حق الغير، فلا يصحّ أن يقال: زيد رحمان بل الصحيح عبدالرحمن، بخلاف الرحيم فيمكن أن يوصف به غيره سبحانه، قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)1.
2. أنّ الرحمن أوسع من الرحيم، وذلك أنّ (فعلان) أشد مبالغة من (فعيل)، ولعل وجه الأشدّية هو أنّ كثرة المباني تكون غالباً دليلاً على كثرة المعاني، فالرحمن يعم جميع الخلق والرحيم بالمؤمنين خاصّة.
ووجه عموم الرحمن بجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، برّهم وفاجرهم،

1 . التوبة: 128 .

صفحه 45
هو إنشاؤه إياهم، وجعلهم أحياء قادرين، ورزقه إيّاهم.
ووجه خصوص الرحيم بالمؤمنين، هو ما فعله بهم في الدنيا من التوفيق، وما يفعله بهم في الآخرة من الجنة والإكرام وغفران الذنوب; وإليه يشير ما روي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «الرحمن اسم خاص بصفة عامّة، والرحيم اسم عام بصفة خاصّة».1
فقوله (عليه السلام): «الرحمن اسم خاص»، لأنّه لا يطلق إلاّ على الله سبحانه، وقوله: «بصفة عامّة»: أي تعمّ رحمته الكافر والمؤمن.
وقوله: «الرحيم اسم عام»، لأنّه يطلق على غيره سبحانه، وقوله: «بصفة خاصّة»، لأنّه يختصّ بالمؤمن فقط.

سؤال وإجابة

لماذا تقدّم وصف الرحمن على الرحيم، مع أنّ الضابطة في الكلام البليغ هو التدرّج من الضعيف إلى القوي، ومن القليل إلى الكثير، فيقال: فلان عالم بالفقه بل مجتهد، أو يقال: إنّ هذا المسجد يكفي لألف مصلٍّ بل لألفين، وعلى هذا فالمناسب أن يقول: الرحيم الرحمن؟
وأمّا الجواب عن ذلك فهو أنّه يمكن أن يقال: بما أنّ الرحمن يختصّ بالله سبحانه وشاع استعماله في ذاته القدسيّة، فقد خرج عن معنى الوصفية وأصبح اسماً له سبحانه، فلفظ الجلالة اسم والرحمن اسم آخر، وبما أنّه اسم فلا يُشعر بشيء من المعاني، على خلاف لفظ (الرحيم) فإنّه باق على وصفيته.

1 . مجمع البيان: 1 / 21.

صفحه 46
ومهما يكن، فإنّ مفاد البسملة، هو : أنّ الإنسان الضعيف غير القادر على شيء إلاّ بعون الله عزّوجل، يجب أن يستعين على جميع أُموره بالله سبحانه، وأن يبتدئ جميع أُموره باسم الله، ولا يغفل عن الله سبحانه حتّى لا يكون ممّن: (نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ)1.
***
سورة المجادلة: الآيات 1 ـ 4   

الآيات: الأربع الأُولى

(قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَ تَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَ اللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ الْلاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَ زُورًا وَ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتََماسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتََماسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ وَ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

1 . الحشر: 19 .

صفحه 47

المفردات

سمع: من السماع وهنا بمعنى استجاب كما يظهر من القرائن، بخلاف قوله:(سَميعٌ بَصير)فالسمع هنا بمعناه اللغوي.
تجادلك: المجادلة هي المحاورة، ويدلّ على ذلك قوله: (يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) والتحاور التراجع وهي من المحاورة، يقال: «حاوره محاورة» أي راجعه الكلام، وتحاورا.
تشتكي: من الاشتكاء وهو إظهار ما بالإنسان من مكروه، والشكاية إظهار ما صنعه به غيره من المكروه.1
يظاهرون: أي مَن شبّه ظهر زوجته بظهر أُمّه، وقال:«أنتِ عليّ كظهر أُمّي» وكانوا يقولون هذا في الجاهلية يريدون به تحريم نكاحها وبتَّ عصمته. وهو مشتق من الظهر ضد البطن، لأنّ الذي يقول لامرأته: أنتِ عليّ كظهر أُمّي يُريد بذلك أنّه حرّمها على نفسه، كما أنّ أُمّه حرام عليه.
ولعلّ جعل الموضوع هو الظهر لأجل أنّ المقام من قبيل الاستعارة بالكناية وهو أنّه شبّه المرأة في حالة الاستمتاع بالراحلة، وحذف المشبّه به وأثبت شيئاً من لوازمه ـ أعني: الظهر ـ للمشبَّه ـ أعني: الزوجة ـ وقال: ظهرك كظهر أُمّي، فلم يذكر إلاّ المشبّه مع بعض آثار المشبّه به.
يتماسّا: المسّ كناية عن المواقعة وهو ظاهر في غير واحدة من الآيات، قال سبحانه:(وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ).2

1 . مجمع البيان:9/456.
2 . البقرة:237.

صفحه 48
 
التفسير
1. (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَ تَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ):
قد مرّ أنّ الظهار كان أحد أنواع الطلاق في الجاهلية، وهل كان شائعاً في الجزيرة العربية أو كان مختصّاً بالبيئات التي يوجد فيها اليهود؟ لعلّ الثاني هو الأقرب، وقد مرّ أنّ خولة جاءت إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأظهرت ما في نفسها من الألم، وأصرّت على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحلّ مشكلتها، فالله سبحانه يذكر أنّه استجاب طلبها، ويقول:( قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَ تَشْتَكِي إِلَى اللهِ).
والدليل على أنّ «سَمِعَ» هنا بمعنى استجاب، ما يأتي في الآية الثانية من بيانه الحلّ لهذه المشكلة.
وأمّا أنّه كيف حلّ مشكلة المرأة وما كانت تعاني منه فهو أنّه أبطل الظهار من رأس، وقال: إنّ التشبيه واقع في غير محلّه، وإنّ المرأة بهذا الكلام لا تحلّ محلّ أُم الزوج ; لأنّ الأُمّهات عبارة عمّن ولدنهم لا من شُبِّه بهنّ، كما يقول سبحانه:
2. (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ الْلاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ):

صفحه 49
يذكر في هذه الآية، أنّ الزوجة بمجرد تشبيهها بالأُمّ لا تصير أُمّاً.
ثمّ إنّه سبحانه أبطل في سورة الأحزاب أُموراً ثلاثة، منها: الظهار، فقال:
1. (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ).
2. (وَ مَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ).
3. (وَ مَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ).1
فالفقرة الأُولى وإن كانت ناظرة إلى أمر تكويني وأنّه ليس لرجل واحد قلبان، لكنّها كناية عن النفاق وردٌّ على المنافقين حيث كانوا يؤمنون في الظاهر ويكفرون في الباطن، فردّ عليهم بأنّه لا يمكن أن يكون لرجل قلبان في جوفه.
ثمّ إنّه سبحانه وصف قول المظاهر بوصفين، وقال:(وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَ زُورًا):
أ. أنّه منكر من القول أي ينكره الشرع ولم يعتبره.
ب. أنّه زور وكذب لا يوافق الواقع .
والفقرتان تدلاّن على أنّه حرام لا يحل إيقاعه، ولكنّه حرام مغتفر كما يقول:(وَ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) والعفو هو عدم المؤاخذة بالفعل، والغفران، الصفح عن فعل من شأنه أن يعاقب عليه.
فلو وصف عمل المظاهر بوصفين: منكر وزور، فقد وصفه سبحانه نفسه بقوله:(عَفُوٌّ غَفُورٌ)، وبذلك وقعت المشاكلة في الكلام.
إنّ خصال الكفّارة على قسمين: تارة يكون المكفّر مخيّراً بين إحداها

1 . الأحزاب:4.

صفحه 50
كما في كفّارة الحلف، يقول سبحانه:(لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَ لَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَة فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّام ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ).1
وأُخرى تكون متعيّنة بمعنى أنّه لا تصل النوبة إلى النوع الثاني إلاّ بعد العجز عن الأوّل، كما في كفّارة الظهار حيث يقيّد الصيام بمن لم يجد تحرير رقبة، أو يقيّد إطعام ستين مسكيناً بمن لم يستطع صيام شهرين متتابعين.
3 و 4. (وَ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتََماسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتََماسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ وَ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَ لِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ):
ومضمون الآيتين واضح إلاّ أنّ الكلام في تفسير قوله:(ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا)، فقد اختلف المفسّرون في تفسيره، وأخذ أهل الظاهر بظاهره قائلين بأنّ المراد العود إلى الظهار ثانياً، وكأنّ الظهار الأوّل غير مؤثر لا في الحرمة ولا في الكفّارة، إلاّ إذا عاد إليه ثانياً.
ولكنّهم غفلوا عن أنّ الجملة كناية عن نقض ما تقوّلوا وكأنّه يقول: ثم يعودون لنقض ما قالوا. والدليل على ذلك قوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتََماسَّا) فإنّ

1 . المائدة:89.

صفحه 51
تعيين الكفّارة قبل التماسّ دليل على أنّ المظاهر يريد المواقعة فيُمنع عنها قبل التكفير، فيكون المراد من قوله: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا)هو النقض، وعلى حدّ تعبير ابن عباس: ثم ندموا عمّا قالوا.
فعلى هذا فمعنى قوله: (ثُمَّ يَعُودُونَ) أي يريدون العود، كما في قوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)1 أي إذا أردتم القيام، فيكون المراد يريدون العود إلى ما حرّموه على أنفسهم فعليهم الكفّارة.
ثمّ إنّه سبحانه يعلِّل إبطال الظهار وإيجاب الكفّارة بقوله:(ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ) أي لتصدِّقوا بما أتى به الرسول بعملكم وتصدِّقوا بأنّ الله أمر به، ومن ثمّ تؤمنوا إيماناً كاملاً بالامتثال بما أمركم الله ورسوله.
(و)اعلموا (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَ لِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ)أي للجاحدين المتعدّين حدود الله، والرادّين لأحكام الله، والآخذين بسنّة الجاهلية في الظهار، فلهم(عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي مؤلم في الآخرة.
وعلى هذا فلو أراد المظاهر الوطء يجب عليه التكفير ثم يجامع، فإذا ترك الوطء والتكفير فإن صبرت المرأة على ترك الزوج وطْأها، فلا اعتراض، وإن لم تصبر رفعت أمرها إلى الحاكم المعدّ لأمثال ذلك، فإذا أحضره خيّره بين التكفير والرجعة وبين الطلاق، وأنظره للتكفير ثلاثة أشهر من حين المرافعة.2
قال الشيخ الطوسي في «الخلاف»: إذا تظاهر وعاد لزمته الكفّارة،

1 . المائدة:6.
2 . جواهر الكلام:33/166.

صفحه 52
ويحرم عليه وطؤها حتى يكفّر، فإنّ ترك العود والتكفير أُجّل ثلاثة أشهر ثم يطالب بالتكفير أو الطلاق مثل المؤلي بعد أربعة أشهر.1
والظهار أحد أبواب الفقه المهمّة، بل هو كتاب مستقل له أحكامه وفروعه والتفصيل في مسائله موكول إلى محلّه، غير أنّ لبعض الفقهاء فتاوى في المقام لا تنسجم مع ظاهر الكتاب العزيز، ولبيان ذلك نتعرض لذكر بعضها:
1. قوله سبحانه: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ) ظاهر أو صريح في أنّ المظاهَر منها، يجب أن تكون متزوّجة ولا تصحّ المظاهَرة قبل الزواج، خلافاً لمالك وأبي حنيفة حيث قالا بالصحّة.
قال الشيخ في «الخلاف»: لا يصحّ الظهار قبل التزويج. وبه قال الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: يصحّ. ثم استدلّ على ما أفتى به بقوله: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) وهذه ليست من نسائه.2
2. ظاهر قوله سبحانه: (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) اعتبار العدد ولا يكفي إطعام شخص واحد ستين مرّة، غير أنّ أبا حنيفة قال: إن أعطى مسكيناً واحداً كلّ يوم حق مسكين في ستين يوماً حق ستين مسكيناً أجزأه.3 وكأنّه اجتهاد في مقابل النصّ.
3. ظاهر قوله سبحانه: (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) كفاية الإطعام وجعل

1 . الخلاف: 4/528، المسألة7.
2 . الخلاف:4/531، المسألة11; ولاحظ: بداية المجتهد:2/107، المغني لابن قدامة:8/578.
3 . الخلاف:4/559، المسألة 59، الهداية للمرغيناني:3/243.

صفحه 53
الطعام في متناولهم وأكلهم من دون حاجة إلى قوله: ملَّكتكم أو أعطيتكم، غير أنّ الشافعي قال: إن أطعمهم لا يجزي لأنّه لم يملِّكهم.1 وهذا غريب.
4. ظاهر قوله سبحانه: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتََماسَّا)وجوب الإتيان بإحدى خصال الكفّارة على وجه الترتيب قبل الجماع مطلقاً، وعلى هذا فلو تمكّن من تحرير رقبة أو إطعام ستين مسكيناً في يوم واحد، حلّ له الوطء في نفس اليوم بعد الفراغ عن التكفير.
وأمّا إذا لم يتمكّن إلاّ من صيام شهرين متتابعين، فظاهر الآية حرمة الوطء قبل مضي صيام الشهرين متتابعين، وعلى هذا فلا يمسّ زوجته حتى يُتمّ الشهرين متتابعين، فإن مسّها في خلال الشهرين ليلاً أو نهاراً أثم ووجب عليه إعادة الشهرين.
ومن عجيب القول ما نقل عن الشافعي أنّه قال: إذا كان الوطء ليلاً لم يبطل التتابع; لأنّ الليل ليس محلاًّ للصوم.2
ولكن خفي عليه أنّ جواز الوطء مقيّد بصيام شهرين متتابعين، فمن لم يتم الشهرين ولم يحصل الشرط لا يحلّ له الوطء، وكون الليل ليس محلاًّ للصيام وإن كان صحيحاً، لكنّه لايوجب تجويز الوطء لأنّه مشروط بصيام شهرين متتابعين والمفروض أنّه لم يحصل.
ولذلك ردّ عليه ابن العربي بكلام فيه قسوة، وقال: إنّه كلام من لم يذق طعم الفقه، لأنّ الوطء الواقع في خلال الصوم ليس بالمحلّ المأذون فيه

1 . الخلاف:4/562، المسألة 65; ولاحظ كتاب الأُم:5/285
2 . نقله ابن عاشور عن الشافعي، لاحظ : التحرير والتنوير:22/20.

صفحه 54
بالكفّارة، فإنّه وطء تعدٍّ، فلابدّ من الامتثال للأمر بصوم لا يكون في أثنائه وطء.
سورة المجادلة: الآيتان 5 و 6    
هذه بعض الفتاوى الشاذّة عن ظواهر الكتاب.

الآيتان: الخامسة والسادسة

(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ قَدْ أَنْزَلْنَا آيَات بَيِّنَات وَ لِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَ نَسُوهُ وَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ ).

المفردات

يحادّون: المحادّة، المشاقّة والمعاداة. واشتقت المحادّة من الحدّ، فكأنّ كلُّ واحد من المتعاديين في حدٍّ مخالف للحدّ الآخر، ويمكن أن تكون مشتقة من الحدّ بمعنى المنع، وكأنّ كلّ واحد يدفع الآخر ويمنعه. واشتقت المشاقّة من الشقة كأنّ كلّ واحد من المتعاديين في شِقّ غير شِقّ الآخر.
كبتوا: من الكبت وهو الخزي والإذلال.

صفحه 55

التفسير

5. (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ قَدْ أَنْزَلْنَا آيَات بَيِّنَات وَ لِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ):
لما تقدّم في الآية السابقة أنّ ما ذكره سبحانه من وجوب التكفير قبل الوطء هو من حدود الله تعالى، وهدّد مَن يتجاوز حدود الله بالعذاب الأليم (وقد مرّ أنّ المراد من الكفر هنا هو ردّ أحكام الله والأخذ بسنن الجاهلية) فصحّ أن يهدّدهم سبحانه بهاتين الآيتين ويصفهم بأنّهم من المحادّين والمشاقّين لله ولرسوله، ويقول:
(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ) كتب عليهم الخزيَ والإذلال كما هو الحال في غزوة الأحزاب، فقد اجتمع جنود الشيطان من اليهود والمشركين والمنافقين، ومع ذلك فقد قتل منهم من قتل، وتولّى الجميع عن الحرب مخذولين، كما يقول:
(كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ولا يصحّ لإنسان واع بعد سماع سنّة الله وحكمه في الظهار أن يكفر بحدود الله، إذ يستحق العذاب المهين، كما يقول:
(وَ قَدْ أَنْزَلْنَا آيَات بَيِّنَات وَ لِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ)فليس للجاحدين بعد بيان الآيات المبيّنات، إلاّ أن يذوقوا عذاباً يهينهم ويخزيهم .
فالله سبحانه يهدّد الجاحدين المنكرين حدود الله أوّلاً بالكبت والإذلال في هذه الدنيا.

صفحه 56
6. (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَ نَسُوهُ وَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ):
وثانياً: هددهم بالعذاب المهين يوم البعث كما يقول: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا)فقوله(يَوْمَ) ظرف لما تقدّم في الآية السابقة من قوله: (وَ لِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ).
ثمّ إنّه سبحانه يحتجّ عليهم يوم القيامة بأعمالهم كما يقول:(فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا) فالجزاء على وفق الأعمال، غير أنّ الجاحدين وأكثر المذنبين ينمحي عن ذاكرتهم ما ارتكبوا من الجرائم عبر حياتهم ويصوّرون أنفسهم أنقياء السريرة، لنسيانهم الجرائم، فيردّه الله سبحانه بقوله:
(أَحْصَاهُ اللهُ وَ نَسُوهُ) والجملة حال من قوله: (بِمَا عَمِلُوا).
ثم يدلّل سبحانه على علمه بكلّ ما اقترفوه بقوله: (وَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ)لحضوره في كلّ زمان ومكان، لأنّ الموجودات الإمكانية فقيرة ذاتاً متعلّقة وقائمة بالله، فكيف يمكن أن يغيب عن الله شيء؟
ثمّ إنّ السيد الطباطبائي: فسّر الشهيد في قوله سبحانه:(أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ)1، بقوله:
سورة المجادلة: الآيات 7 ـ 10    
أو لم يكف في تبيين الحق كون ربك مشهوداً على كلّ شيء، إذ ما من شيء إلاّ وهو فقير من جميع جهاته إليه متعلّق به وهو تعالى قائم به قاهر فوقه، فهو تعالى معلوم لكلّ شيء وإن يعرفه بعض الأشياء.(2)

1 . فصلت:53.   2 . الميزان في تفسير القرآن:17/405.

صفحه 57
ما ذكره إنّما يتمّ في تفسير تلك الآية، ولكن الظاهر أنّ الشهيد في المقام بمعنى الحاضر.

الآيات: السابعة إلى العاشرة

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَ لاَ خَمْسَة إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَ لاَ أَدْنى مِنْ ذَلِكَ وَ لاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ *أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَ يَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَ إِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَ تَنَاجَوْا بِالْبِّرِ وَ التَّقْوَى وَ اتَّقُوا اللهَ الذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَ عَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).

صفحه 58

المفردات

النجوى: من نجا، ينجو نجواً ومناجاة، ونجاءُ الرجل: سارّه بما في فؤاده من الأسرار والعواطف، يقال: تناجى القوم تناجياً: تسارّوا .
الإثم: العمل الذي له أثر سيّئ لا يتعدّى نفس العامل، كترك الصلاة.
العدوان: العمل الذي فيه تجاوز على الغير ممّا يتضرّر به الناس.
معصية الرسول: فيه احتمالات:
1. كونها مجمعاً للإثم والعدوان وليست شيئاً برأسها.
2. المراد مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أنّه سائس وآمر وحاكم، كأوامره في تجنيد الجنود وغزو الأعداء إلى غير ذلك.

التفسير

لا يخفى أنّ النجوى ظاهرة اجتماعية لا يخلو منها مجتمع فربما تكون النجوى خالية عن الإثم والعدوان محقِّقة لمصلحة المجتمع، وربما على عكس ذلك فتكون منطَلقاً للإثم والعدوان وإخافة المؤمنين، وزعزعة أمن المجتمع واستقراره، ولذلك لا يُحكَم عليها بحكم واحد، وإنّما يتبع الهدف والغرض من النجوى، وما يُقصَد بها من خير أو شرّ.
إنّ المنافقين في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا يتناجون فيما بينهم ليوقعوا بذلك الوحشة والفزع بين المسلمين، وذلك من وجهين:
1. يتناجون ليظهروا بذلك أنّهم كتلة متماسكة، أمرهم واحد وكلمتهم

صفحه 59
واحدة، حتى يوجدوا بذلك خوفاً في قلوب المسلمين لو بدرت منهم بادرة تشعر بنفاقهم حتى لا يُنالوا بأذىً، لأنّ لهم بطانة قوية.
2. كان المسلمون يومذاك مهدّدين من جانب الأعداء، كالروم وغيرهم، وكان قسم منهم قد شاركوا في السرايا المبعوثة من قبل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لقتال الأعداء، فكانت نجوى المنافقين تثير الخوف والقلق بين المسلمين، وتوحي إمّا بأنّ العدو على عتبة المدينة، أو أنّ السريّة قد اندحرت، بعد أنّ قتل فيها مَن قتل.
7. (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَ لاَ خَمْسَة إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَ لاَ أَدْنى مِنْ ذَلِكَ وَ لاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ):
ومن هنا نهى الله سبحانه عن نجوى المنافقين نهياً شديداً .
ولأجل تثبيت أنّ نجواهم غير خافية عن الله تعالى يستشهد عليه بأمرين:
1. علمه سبحانه بما في السماوات والأرض، قال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ) فالتناجي والتظاهر بالأمر عنده سبحانه سواء، لا فرق بينهما.
2. أنّ كلّ مجتمع سواء أكان صغيراً أم كبيراً هو حاضر عندهم كما يقول سبحانه: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَ لاَ خَمْسَة إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ)

صفحه 60
ولم يقل: «ولا أربعة إلاّ هو خامسهم» حذراً من التكرار، لأنّه إذا كان في الثلاثة هو رابعهم فطبع الحال يقتضي أن يكون في الأربعة هو خامسهم.
ثمّ إنّه سبحانه يذكر ضابطة كلية وهو حضوره في عامّة المجتمعات ـ أدنى ممّا مثل ـ كما في نجوى الاثنين، أو أكثر كما في نجوى السبْع، فالله سبحانه معهم، كما قال: (وَ لاَ أَدْنى مِنْ ذَلِكَ وَ لاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) ، ويترتّب على ذلك أنّه سبحانه ينبئ المتناجين بما عملوا يوم البعث، لكونه حافظاً لكلّ ما صدر منهم صغيراً كان أو كبيراً ثم قال:(ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، ولأجل التأكيد على علمه الوسيع وأنّه لا يخفى عليه شيء يتمّ الآية بقوله:(إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ)من غير فرق بين النجوى وغيرها.

بقي في الآية أمران:

1. أنّه سبحانه صِرْف الوجود لا يشوبه شيء من الحدود، فهو وجود محض، وما كان كذلك لا يثنّى ولا يتكثّر، لأنّ التكثّر فرع دخول الغير والمفروض أنّه ليس هنا غير، حتى يوجب تكثّره، فالماء الموجود في الإناء ماء واحد، وإنّما يتكثّر بدخول الغير بصبه في إناءين أو غير ذلك، فالله سبحانه واحد بمعنى ليس له ثان، واحد أي لا يتكثّر، يقول الحكيم السبزواري:
و ما له من تكثّر قد حصلا *** ففيه ما سواه قد تخلّلا
إنّ الوجود ما له من ثانِ *** ليس قرى وراء عبادان1

1 . شرح المنظومة:333.

صفحه 61
وعلى هذا فقوله سبحانه:(مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ) يريد حضوره في المجتمع لا بمعنى أنّه موجود واحد عددي مثلهم، ولذلك يردّ سبحانه على النصرانية في قولهم: (إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَ مَا مِنْ إِلَه إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ).1
2. أنّ أكثر المفسّرين مالوا إلى أنّ المراد من قوله:(إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَ لاَ خَمْسَة إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ) علمه سبحانه بنجوى الثلاثة أو الخمسة وهذا أمر صحيح ولكن الواقع فوق ذلك وهو حضوره سبحانه في مجموع العوالم حضوراً لائقاً بساحته كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام):«مَعَ كُلِّ شَيْء لاَ بِمُقَارَنَة، وَغَيْرُ كُلِّ شَيْء لاَ بِمُزَايَلَة».(2)
ويشهد لذلك قوله في نفس الآية:(وَهُوَ مَعَهُمْ أيْنَ ما كانُوا) فإنّ المعيّة هنا معيّة ليست علمية فقط بل معيّة قيّوميّة، بمعنى أنّه لا حاجز بينه سبحانه، وبين مخلوقه، ومع ذلك لا حلول على الإطلاق، وذلك لكون المخلوق فقيراً من عامّة الجهات، والله سبحانه هو الغنيّ المطلق، ولا يتقوّم الفقير إلاّ بالغنيّ، كما يشير إليه قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَ اللهُ هُوَ الْغَنيُ الْحَمِيدُ)2.
وقد ثبت في محلّه أنّ الفاعل الإلهي يقوم به ما وجد به، قيامَ المعنى الحرفي بالاسمي، وكقيام الصور المرتسمة بالنفس وإن كان بين المثال و الممثّل بون شاسع.

1 . المائدة:73.   2 . نهج البلاغة: الخطبة1.
2 . فاطر:15.

صفحه 62
والذي يوضح ذلك أنّه سبحانه أكّد على هذا في سورة الحديد وقال: (هُوَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).1
روى الكليني في «الكافي»، قال: سئل علي بن الحسين(عليهما السلام) عن التوحيد، فقال:«إنّ الله عزّ وجلّ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون فأنزل الله تعالى:(قل هو الله) والآيات من سورة الحديد إلى قوله:(عليمٌ بذات الصُّدور)فمن رام وراء ذلك فقد هلك».2
ثمّ إنّ الجماعة الموصوفة بالسلفية وفي مقدّمتهم الوهابيون لما اعتقدوا بأنّ الله سبحانه فوق السماء جالس على عرشه وهو يئط أطيط الرَّحل وربما يقصر سريره عن وجوده، لمّا واجهوا هذه الآيات أصرّوا على أنّ المراد علمه سبحانه بنجوى المتناجين لا حضوره لئلاّ ينافي معتقدهم بالتجسيم والتشبيه، كما أنّ الفرقة المتطرّفة ربما حملت الآية على حلوله سبحانه في الأشياء، والجاهل إمّا مفْرِط أو مفَرِّط.
8 . (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَ يَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَ إِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلاَ

1 . الحديد:4.
2 . تفسير نور الثقلين:5/231.

صفحه 63
يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ):
الآية تتعرض لأُمور:
1. عودة المنهيين عن النجوى، إليها.
2. تناجيهم بأُمور ثلاثة: الإثم، والعدوان، ومعصية الرسول.
3. تحيّة الرسول بما لم يحيّه الله به عدواناً.
4. إنكارهم الرسالة بقولهم: لولا يعذبنا الله بما نقول.
5. دفع توهّمهم، بحسبهم جهنم.
أمّا الأوّل: فظاهر قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ) أنّه سبق منه سبحانه النهي عن التناجي والمسارّة، ومع ذلك لم يتناهوا وعادوا لما نهوا عنه، فكانوا يتناجون مرّة بعد أُخرى كما يدلّ عليه قوله:(ثُمَّ يَعُودُونَ)، والآية تخاطب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مكان مخاطبتهم تحقيراً لأمرهم وإبعاداً لهم عن شرف المخاطبة.
وأمّا كيف سبق النهي عن النجوى فغير معلوم، ولم نعثر على آية تدلّ على سبق النهي، وعلى كلّ تقدير فهذا يدلّ على أنّ المنهيّين هم المنافقون لا اليهود، لأنّ النهي عن تناجيهم مع تكذيبهم الرسالة بصورة خطاب شخصي أمر غير مألوف.
ثمّ إنّه سبحانه قال:(يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ) ولم يقل: يعودون إليها، ليدلّ على سبب الذمّ وهو مساءة العود إلى الأمر المنهيّ عنه.
وأمّا الثاني: فأشار إليه بقوله: (وَ يَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ) فالإثم عبارة عن فعل شيء يرجع ضرره إلى الفاعل كترك الصلاة

صفحه 64
والصوم، وأمّا العدوان فهو التناجي بما يرجع ضرره إلى الإسلام والمسلمين، وقد مرّ ذكر كيفية تناجيهم بشكل يورث الشكّ والظنّ بين المسلمين في أمر الحرب وغير ذلك. وأمّا معصية الرسول ; وذلك لأنّه نهاهم عن النجوى فعصوه.
وأمّا الثالث ـ أعني: تحيتهم بما لم يحيّي الله به الرسول ـ : فأشار إليه بقوله:(وَ إِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ) فإنّ الله سبحانه حيّا نبيه بقوله:( إِنَّ اللهَ وَ مَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيًما)1، ولكنّهم إذا جاءوا إلى النبي يحيّونه بتحية الجاهلية ويقولون: أنعم صباحاً، متظاهرين بأنّهم لا يحبون أن يتركوا عادات الجاهلية. وربما يقال: بأنّ اليهود كانوا يأتون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيقولون: السام عليك، والسام هو الموت في لغتهم، وهم يوهمونه بأنّهم يقولون: السلام عليك، وكان(صلى الله عليه وآله وسلم)يردّ على من قال ذلك ويقول: وعليك.(2)
لكنّه بعيد لما عرفت من أنّ مورد الخطاب عن طريق النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هم الذين نهوا عن النجوى وليس هؤلاء إلاّ المنافقون لا اليهود، فلا وجه لإدخال اليهود في المقام، اللّهم إلاّ إذا أخذ المنافقون هذه التحية المشؤومة عن اليهود وجاءوا يسلّمون على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بما سلّم به اليهود.
وأمّا الرابع: أي شكّهم في الرسالة بل إنكارهم لها فإنّهم بعد ما يُحيُّون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بتحية اليهود ـ أعني: وعليكم السام ـ التي هي بمعنى الموت، فعندئذ كان المنافقون يردّدون أمرين في أنفسهم:

1 . الأحزاب:56.   2 . مجمع البيان: 9 / 415 .

صفحه 65
1. لو كان نبيّاً لعذبنا الله سبحانه بما نقول في حقّه:(لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ).
2. لو كان نبيّاً لاستجاب دعاءه فينا، حيث إنّه أيضاً يقابلنا بنفس التحية ويقول: وعليكم السام، أي الموت، فلماذا لا نموت، وهذا دليل على أنّه ليس نبياً.
وأمّا الخامس: أنّه سبحانه يجيب على ما يقولون في أنفسهم، أي إمّا في سرائرهم أو فيما بينهم، وبأنّ الله سبحانه يمهل ولا يهمل، فيكفي في إذلالهم (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ) وكافيهم عذابها (يَصْلَوْنَهَا): أي يحترقون فيها (فَبِئْسَ الْمَصِيرُ).
إنّ كثيراً من الناس يزعم أنّه يجب على الله سبحانه أن يأخذ الظالم حين يظلم ولا يمهله، والله سبحانه يفسّر وجه إمهاله بأنّ إفاضة النعم الواحدة بعد الأُخرى وإن كانت حسب الظاهر تصبّ في نفع وصلاح الكافر ولكنّها، على الحقيقة، في ضرره، حيث بعد ما أتمّ نعمه عليه سيأخذه من حيث لا يعلم وتبقى حسرة النعم تكوي قلبه يقول سبحانه: (وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ).1
قال الإمام علي(عليه السلام) في هذا الصدد: «ولئن أمهلَ الظالمَ فلن يفوت
أخذُهُ، وهو له بالمرصاد، على مجاز طريقه، وبموضع الشَّجا من مَساغِ ريقِهِ».2

1 . الأعراف:182ـ 183.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 97. والشَّجا: ما يعترض في الحلق من عظْم وغيره.

صفحه 66
9. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَ تَنَاجَوْا بِالْبِّرِ وَ التَّقْوَى وَ اتَّقُوا اللهَ الذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ):
لمّا وجه التوبيخ إلى المنافقين لأنّهم كانوا يتناجون لغايات فاسدة نهى المؤمنين عن مثل ذلك وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ) ولا تفعلوا كفعل المنافقين، ومع ذلك سوّغ التناجي بالخير، وقال: (وَ تَنَاجَوْا بِالْبِّرِ وَ التَّقْوَى) .
أمّا البرّ فهو في دعوة المؤمنين إلى التناجي والتسارّ في أفعال الخير ، وأمّا التقوى فهي الدعوة إلى التناجي في صيانة النفس ووقايتها من المعاصي، ومن ثمّ من عذاب الله وسخطه.
ثم أكّد على ما قال بقوله: (وَ اتَّقُوا اللهَ الذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)، وهذا يدلّ على أنّ التناجي ليس أمراً محرّماً بالذات وإنّما يتبع حكمه بما يُتناجى به، إذ ربما تبعث المصلحة الفردية أو الجماعية على المسارّة فلا إشكال فيه.
ويلحق بالنجوى ـ حكماً ـ التكلّم بلغة مع شخص لا يعرفها الحاضرون في المجلس، ففيه مفسدة النجوى ، لأنّه يورث سوء الظن وغير ذلك.
سورة المجادلة: الآيات 11 ـ 13    
10. (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَ عَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ):
عدّ سبحانه النجوى من عمل الشيطان وقال:(إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ

صفحه 67
الشَّيْطَانِ)أي من وساوسه وإغوائه حتى يقوم المتناجي بهذا العمل الذي يسيء للآخرين.
إنّ النجوى الآثمة لا تضرّ المؤمنين ولا تؤذيهم إلاّ بإذن الله ومشيئته كما أنّ الشيطان لا يضرّ إلاّ بإذن الله، قال:(وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ)فهل الضمير في قوله:(لَيْسَ) يرجع إلى التناجي أي تناجي المنافقين، أو يرجع إلى الشيطان؟ احتمالان.
وعلى كلّ تقدير فلا ظاهرة في عالم الوجود إلاّ ويكون تأثيرها مشروطاً بمشيئة الله تعالى وإرادته، وهذه الفقرة تزرع الثقة في نفوس المؤمنين بالله تعالى، وتُبعدهم عن الوساوس الشيطانية، فعلى المؤمنين أن يتجهّزوا بجهاز الدفاع في مقابل العدوان، متوكّلين ومعتمدين على الله سبحانه، فإنّه سينصرهم في دفع شر الأعداء، كما قال: (وَ عَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).
***

الآيات: الحادية عشرة إلى الثالثة عشرة

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَ إِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات وَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ

صفحه 68
وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَ اللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).

المفردات

التفسُّح: هو التوسُّع، فإذا قيل: تفسَّحْ: أي وسِّع المكان للغير أيضاً حتى يجلس إلى جانبك.
النشوز: الارتفاع عن الشيء بالذهاب عنه، ويقال للمرأة غير المطيعة:«الناشزة»، لأنّها تجعل رأيها فوق رأي الزوج، وتفارقه.

التفسير

11. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَ إِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات وَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ):
بُعث النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بمكارم الأخلاق ومن شقوقها تبيين آداب المعاشرة، وتأديب الناس بالمثل العليا، فذمّ، أوّلاً، النجوى وعدّها من وساوس الشيطان وإغوائه، ثم عاد لبيان أدب آخر للمعاشرة وذكر أمرين:
1. إذا كان ثمّة مجلس واجتمع الناس فيه لاستماع كلام من يتحدّث فيه فورد مؤمن ولم يجد مكاناً، فعلى المؤمنين أن يوسّعوا له في المجلس ترحيباً وترغيباً حتى يأخذ مكانه فيه. وقد ذُكر في شأن النزول أنّ المسلمين كانوا يتنافسون إلى مجلس رسول الله، فإذا رأوا من جاءهم مقبلاً ضنّوا

صفحه 69
بمجلسهم عند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأمرهم أن يفسح بعضهم لبعض.
2. إذا كان المجلس غاصّاً بأهله لكن ورد عليهم من يُعدّ أفضل منهم في الإيمان والتقوى أو العلم لاستماع كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يجد مكاناً فإذا قيل لبعضهم انشزوا واتركوا مكانكم ليجلس فيه شخص آخر، فعليهم امتثال ذلك ، فإنّ الجالس لا يؤمر بترك مكانه إلاّ إذا كان الثاني أفضل منه وأسمى درجة.
ثمّ إنّه سبحانه يدلّل على الأمر الوارد في قوله:(انْشُزُوا) بقوله: (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات)، والجملة جزاء للشرط المقدّر بشهادة كون (يرفع) مجزوماً، أي إذا نشز المؤمن وترك مكانه وحلَّ الفاضل مكانه فالله سبحانه بهذا العمل يرفع درجة طائفتين، وهما:
أ. المؤمنون، ب. الذين أُوتوا العلم، فإنّ النشوز عن المجلس وإقامة الغير مكانه تجسيد لرفع مقام المؤمن والعالم، وربما يكونان هما شخصاً واحداً أي مؤمناً وعالماً، وهذا هو ظاهر الآية.
قالوا: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء أُناس من أهل بدر، وفيهم ثابت بن قيس بن شمّاس، وقد سبقوا في المجلس، فقاموا حيال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالوا: السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته، فردّ عليهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم سلّموا على القوم بعد ذلك، فردّوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسّع لهم، فلم يفسحوا لهم، فشقّ ذلك على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر: قم يا فلان، قم يا فلان، بقدر النفر الذين كانوا بين يديه من أهل بدر، فشقّ

صفحه 70
ذلك على من أُقيم من مجلسه، وعرفت الكراهية في وجوههم، وقال المنافقون للمسلمين: ألستم تزعمون أنّ صاحبكم يعدل بين الناس؟ فو الله ما عدل على هؤلاء، إنّ قوماً أخذوا مجالسهم، وأحبّوا القرب من نبيهم، فأقامهم وأجلس من أبطأ عنهم مقامهم، فنزلت الآية.1
وفي الآية دليل على تعظيم أمر العلماء ورفع قدرهم ما لا يخفى، وأكّد ذلك بقوله في ذيل الآية: (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)2.
وتجيء الآية الكريمة في إطار تأكيد المقياس الحقيقي للتفاضل الذي يريد القرآن أن يقرّره في نفوس المؤمنين، وهو المقياس القائم على اعتبار الإيمان والعلم، وهما ملاكا الفضل والفضيلة، وليس المال والثروة، أو الجاه والمنصب، أو غير ذلك من الاعتبارات الزائفة التي تعتمدها المقاييس المادّية.
روى الطبرسي في الاحتجاج عن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) أنّه وصل إلى أبي الحسن علي بن محمد العسكري (عليهما السلام) أنّ رجلاً من فقهاء شيعته كلّم بعض النُّصّاب فأفحمه بحجّته حتى أبان عن فضيحته، فدخل على علي بن محمد(عليهما السلام) وكان بحضرته خلق من العلويين وبني هاشم فما زال يرفعه حتى أجلسه]قربه[ وأقبل عليه، فاشتدّ ذلك على أُولئك الأشراف فأمّا العلويّون فأجّلوه عن العتاب، وأمّا الهاشميون فقال له شيخهم: يابن رسول الله، هكذا تؤثر عامِّيّاً على سادات بني هاشم من الطالبيين والعباسيين؟

1 . مجمع البيان:9/466ـ467.
2 . البقرة: 234 .

صفحه 71
فقال(عليه السلام):«إيّاكم وأن تكونوا من الذين قال الله تعالى عنهم:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَ هُمْ مُعْرِضُونَ)1 أترضون بكتاب الله عزّ وجلّ حكماً؟ قالوا: بلى، قال: أليس الله يقول:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الَْمجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ) إلى قوله:(وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات)فلم يرض للعالم المؤمن إلاّ أن يُرفَع على المؤمن غير العالم كما لم يرض للمؤمن إلاّ أن يُرفَع على من ليس بمؤمن... إلى أن قال: فكيف تنكرون رفعي لهذا لما وفّقه الله؟! إن كسر هذا فلانَ الناصب بحجج الله التي علّمه إيّاها لأفضل له من كلّ شرف في النسب... والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.2
نعم الأدب الإسلامي يقتضي أن يترك بعضهم مكانه لذوي الإيمان والعلم ولكن ليس من حقّ القادم ـ ولو كان أفضل ـ أن يقيم الجالس من مكانه ويجلس بدله، روى الكليني في «الكافي» عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا دخل منزلاً قعد في أدنى المجلس إليه حين يدخل. وفيه عنه(عليه السلام): «من رضي بدون الشرف من المجلس لم يزل الله عز وجلّ وملائكته يصلّون عليه حتى يقوم».3
وأخرج البخاري ومسلم عن عمر أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسّحوا وتوسّعوا» .4

1 . آل عمران:23.
2 . تفسير نور الثقلين:5/263، عن الاحتجاج: 2 / 259 .
3 . الفرقان في تفسير القرآن:27/206.
4 . الدر المنثور:6/81 .

صفحه 72
12. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ):
قال مقاتل بن حيّان: إنّ الآية نزلت في الأغنياء ; وذلك أنّهم كانوا يأتون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فيكثرون من مناجاته فأمر الله سبحانه بالصدقة قبل المناجاة، فلمّا رأوا ذلك انتهوا عن مناجاته.1
ذكر سبحانه مسألة النجوى في الآيات المتقدّمة ثم تعرّض لآداب المعاشرة في المجالس ثم عاد إلى بيان حكم النجوى مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً، فما هو الوجه في فصل ذلك عمّا تقدم؟
والجواب: أنّ القرآن بصدد بيان آداب المعاشرة التي تنبئ عن التحظَّر، فذكر حرمة النجوى إلاّ إذا كانت لمصالح، ثم ذكر من آداب المعاشرة، التفسُّح في المجالس والنشوز عنها.
كلّ ذلك كان راجعاً إلى حكم المجتمع من المؤمنين والمؤمنات، وأمّا المقام فيختلف عمّا ورد في الآيات المتقدّمة حيث رخّص لهم مناجاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بشرط تقديم الصدقة إلى الفقراء، وذلك لأنّ مناجاة الأغنياء كانت تأخذ من وقت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً كثيراً، أوّلاً، وكانت تسبّب عدم ارتياح المستضعفين لغلَبة الأغنياء على مجلسه (صلى الله عليه وآله وسلم)ثانياً، فجاء الوحي الإلهي لعلاج هذه المشكلة بإعطاء الفرصة للجميع بشرط التصدّق على الفقير قبل النجوى.

1 . مجمع البيان:9/467; وتفسير الرازي: 29 / 271 .

صفحه 73
وبعد نزول هذا الأمر توقّف الأثرياء عن مناجاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وخلا مجلسه من أي سائل وسامع منهم، وما ذاك إلاّ لأنّ الصدقة ولو بدرهم كان عندهم أكثر قيمة من مناجاتهم مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ومحاورته.
وهذا إن دلّ فإنّما يدلّ على أمرين:
أ. أنّ ما كانوا يتناجون به لم يكن أمراً مهماً يسوّغ شَغْلَ وقت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذلك كفّوا عن مناجاته (صلى الله عليه وآله وسلم)لامتناعهم من التصدّق.
ب. لم يكن أكثر الصحابة على درجة رفيعة بحيث يغتنم مجلس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وسماع كلامه، بدفع الصدقة على فقراء المدينة. وإذا لم تكن هذه الضابطة منطبقة على أكثرهم، فهي تنطبق على كثير منهم، وهذا يعني أنّ محبّة المال أقوى عندهم من محبّة استماع كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ومناجاته.
ثمّ إنّ هذا الحكم ـ أعني: وجوب الصدقة قبل المناجاة ـ كان حكماً امتحانياً مؤقّتاً ليعلم مبلغ تعلّق هؤلاء الرجال بنبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم)هذا من جانب، ومن جانب آخر كان خلو مجلس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من السؤال والإجابة، يعود بالضرر على المجتمع المسلم ويفوِّت عليه فرصة التعلّم.
ولذا جاء الوحي الإلهي بنسخ ذلك الحكم بعد أن عُمل به لمدة قصيرة، وقد روى الطبرسي في «الاحتجاج» عن أمير المؤمنين(عليه السلام) حديثاً طويلاً يقول فيه للقوم بعد موت عمر بن الخطاب: أنشدكم بالله هل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية: (إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً)فكنت أنا الذي قدّم الصدقة، غيري؟ قالوا: لا.1

1 . تفسير نور الثقلين:5/264، نقلاً عن الاحتجاج: 1 / 205 .

صفحه 74
وروى الصدوق في «الخصال» في مناقب أمير المؤمنين(عليه السلام) وتعدادها، قال: وأمّا الرابع والعشرون فإنّ الله أنزل على رسوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً)، فكان لي دينار فبعته بعشرة دراهم فكنت إذا ناجيت رسول الله أتصدق قبل ذلك بدرهم، فوالله ما فعل هذا أحد من أصحابه قبلي ولا بعدي فأنزل الله عزّ وجلّ:(أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ) الآية، فهل تكون التوبة إلاّ عن ذلك؟1
وروى الطبرسي في «مجمع البيان» عن علي(عليه السلام) أنّه قال: «بي خفّف الله عن هذه الأُمّة، لم تنزل في أحد قبلي ولم تنزل في أحد بعدي».(2)
وأخرج الحاكم وصحّحه، وابن المنذر، وعبد بن حُميد وغيرهم عن عليّ (عليه السلام)أنّه قال: «إنّ في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، آية النجوى...».2
وروى الطبريّ بإسناده عن مجاهد، في قوله: (فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً)، قال: نُهوا عن مناجاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حتى يتصدّقوا، فلم يناجهِ إلاّ عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)، قدّم ديناراً فتصدّق به، ثم أُنزلت الرخصة في ذلك.3
وعلى الرغم من وضوح اختصاص الإمام علي (عليه السلام) ـ من دون الصحابة ـ بهذه الفضيلة، التي كان (عليه السلام)يفخر بها أمام الملأ، إلاّ أنّ بعضهم، أبت عليه

1 . الخصال: 574 .   2 . مجمع البيان:9/467.
2 . مستدرك الحاكم: 2 / 482 ; روح المعاني للآلوسي: 28 / 31. وانظر: جامع البيان (تفسير الطبري): 14 / 28، برقم 33794 .
3 . جامع البيان: 14 / 27، برقم 33791 ـ 33793.

صفحه 75
عاطفته المذهبية إلاّ أن ينكر دلالتها على فضله على الخلفاء الثلاثة، ولو في هذا المورد!!
نقل الفخر الرازي عن القاضي أنّه قال: والأكثر في الروايات أنّه (عليه السلام)تفرّد بالتصدّق قبل مناجاته. ثم قال القاضي: وهذا لا يدلّ على فضله على أكابر الصحابة، لأنّ الوقت لعلّه لم يتّسع للعمل بهذا الغرض.
ويبدو أنّ الفخر الرازيّ لم يرَ هذا الاعتذار (لكبار الصحابة) كافياً، فقرّر ما يلي: على تقدير انّ أفاضل الصحابة وجدوا الوقت وما فعلوا ذلك، فهذا لا يجر إليهم طعناً، وذلك الإقدام على هذا العمل ممّا يضيق قلب الفقير الذي لا يجد شيئاً وينفّر الرجل الغنيّ، ولم يكن في تركه مضرّة، لأنّ الذي يكون سبباً للأُلفة أَولى ممّا يكون سبباً للوحشة.
وأضاف قائلاً، وبئس ما قال:
وأيضاً الصدقة عند المناجاة واجبة، أمّا المناجاة فليست بواجبة ولا مندوبة!! بل الأَولى ترك المناجاة لما بيّنا من أنّها كانت سبباً لسآمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)!1
وقد كفانا أحد علماء السنّة، وهو نظام الدين الحسن بن محمد النيسابوري، مؤونة الردّ عليه، حيث قال:
هذا الكلام لا يخلو عن تعصّب ما، ومن أين يلزمنا أن نثبت مفضولية علي (رضي الله عنه)في كلّ خصلة؟ ولمَ لا يجوز أن يحصل له فضيلة لم توجد لغيره من أكابر الصحابة؟ ثم قال:
وهل يقول منصف: إنّ مناجاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نقيصة؟ على أنّه لم يرد في

1 . تفسير الرازي: 29 / 272 .

صفحه 76
الآية نهي عن المناجاة، وإنّما ورد تقديم الصدقة على المناجاة، فمن عمل بالآية حصل له الفضيلة من جهتين: سدّ خلّة بعض الفقراء، ومن جهة محبّة نجوى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ففيها القرب منه، وحلّ المسائل العويصة، وإظهار أنّ نجواه أحبّ إلى المناجي من المال.1
13. (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَ آتُوا الزَّكَاةَ وَ أَطِيعُوا اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ اللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ):
أي خفتم الفاقة وبخلتم بالصدقة قبل مناجاتكم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبما أنّ هذا العمل كان غير صحيح فالله سبحانه عفا عنهم وقال:(فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ): أي رجع عليكم بالرحمة في عملكم هذا.
ثمّ إنّه سبحانه دعاهم إلى المثابرة على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة الله ورسوله لأهميتها وقال:(فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَ آتُوا الزَّكَاةَ وَ أَطِيعُوا اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ اللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
قيل: وإنّما اعتبرت المثابرة، لأنّ المأمورين مقيمون للصلاة ومؤتون للزكاة، وعدل عن (فصلّوا) إلى: (فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ)ليكون المراد المثابرة على توفية حقوق الصلاة ورعاية ما فيه كمالها، لا على أصل فعلها فقط.2

1 . غرائب القرآن ورغائب الفرقان: 10 / 489 ـ 490 .
2 . روح المعاني: 28 / 31.

صفحه 77

وقوع النسخ في القرآن الكريم

ذهب أكثر المفسّرين إلى وقوع النسخ في القرآن الكريم غير أنّ كثيراً منهم لم يفرّقوا بين التخصيص والنسخ، فالنسخ عبارة عن رفع الحكم بعامّته فيما بقي من الزمان بعد العمل به في فترة خاصّة، ومن المعلوم أنّ النسخ بهذا المعنى قليل جدّاً، ولا يعدو عن موردين أو أكثر بقليل، وهما:
1. ما ورد في هذه السورة، حيث شرّع الشارع جواز المناجاة مع النبي بتقديم الصدقة، ثم نسخه بآية تالية بعد العمل به، فقد روي عن مقاتل بن حيّان أنّه كان ذلك ليال عشر ثم نسخت بما بعدها وكانت الصدقة مفوضة إليهم غير مقدّرة على وجه عرفت تفصيله.
2. قوله سبحانه: (وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاج).1
فإنّ تعريف الحول باللام إشارة إلى الحول الرائج بين العرب قبل الإسلام، قال المحقّق القميّ: الآية دالّة على وجوب الإنفاق عليها في حول وهو عدّتها ما لم تخرج، فإن خرجت فتنقضي عدّتها ولا شيء لها.(2)
ولكن هذه الآية نسخت بآية أُخرى وهي قوله تعالى:(وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَ عَشْرًا).2
ثمّ إنّ اليهود أحالوا جواز النسخ قائلين بأنّه يلزم صيرورة الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، لأنّ الأمر به آية الحسن، ورفعه آية القبح.

1 . البقرة:240.   2 . قوانين الأُصول:2/94.
2 . البقرة:234.

صفحه 78
يلاحظ عليه: بأنّ الدليل أخصّ من المدّعى، فإنّ لازم ما ذكر امتناع تطرّق النسخ إلى الحسن والقبيح بالذات، كحسن العدل وقبح الظلم، أو حسن الوفاء بالعهد وقبح نقضه، وأمّا الأُمور التي ليست في حدّ ذاتها حسنة أو قبيحة ـ وإنّما تختلف بالوجوه والاعتبارات ـ فلا مانع من تطرّق النسخ إليها، كما مرّ في الآيتين السابقتين.
ولهم دليل آخر تعرضنا له في كتابنا «المناهج التفسيرية»، فلاحظ.1
***
سورة المجادلة: الآيات 14 ـ 22    

الآيات: الرابعة عشرة إلى الثانية والعشرين

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ وَ يَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * اِتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * لَنْ تُغْنيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَ لاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ * اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ * إِنَّ

1 . المناهج التفسيرية: 245 .

صفحه 79
الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللهُ لاََغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ * لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

المفردات

جُنّة: السترة التي تقي البليّة، ومنها المِجَنّ: الترس.
الاستحواذ: الاستيلاء على الشيء.
الروح: مبدأ الحياة الذي تترشح منه القدرة والتصوّر.

التفسير

14. (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَ لاَ مِنْهُمْ وَ يَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ):
لمّا سبق ـ في ما مرّ من الآيات ـ تناجي المنافقين بعضهم مع بعض بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وأنّهم إذا جاءوا إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يُحيّونه بما يريدون به السوء، عاد في هذه الآيات إلى ذكر مؤامراتهم مع اليهود ضد النبي

صفحه 80
والمسلمين وافتخارهم بكثرة الأموال والأولاد وقال:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ) وهؤلاء هم اليهود، لقوله سبحانه في حقّهم:(مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنَازِيرَ وَ عَبَدَ الطَّاغُوتَ).1
فقوله: (أَلَمْ تَرَ) نوع تعجُّب من تولّيهم اليهود، ووجه التعجُّب هو قوله: (مَا هُمْ مِنْكُمْ وَ لاَ مِنْهُمْ): أي ليس المنافقون من المسلمين ولا من اليهود، وكانوا يتولَّونهم لاشتراكهم في هدف واحد، وهو إيذاء النبي والمسلمين، ومع ذلك كلّما بانت أفعالهم السيئة بالنسبة إلى الإسلام والمسلمين، يحاولون تغرير المسلمين بالحلف الكاذب، كما قال تعالى: (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)والحلف الكاذب علامة النفاق.
15. (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ):
إنّ المنافقين بحلفهم الكاذب ربما يفلتون من ملاحقة المسلمين وعقوبتهم لهم، لكنّهم لا يستطيعون الإفلات من عذاب الله يوم القيامة كما قال: (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) ولكن تعذيب الله سبحانه بملاك سوء أعمالهم، قال: (إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
16. (اِتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ):
إنّ النفاق عبارة عن مخالفة اللسان مع ما في الضمير، فهم في ضمائرهم محكومون بالعمل السيِّئ، ولكن لأجل تغرير المسلمين يحلفون

1 . المائدة:60.

صفحه 81
على الكذب ليدفعوا بذلك بعض الملاحقات كما يقول سبحانه: (اِتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً) وليست الآية وحيدة في هذا الموضوع، بل أُشير إليه أيضاً في سورة المنافقين :(اِتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُون).1
قال الشريف الرضي (رحمه الله): وهذه استعارة، والكلام وارد في شأن المنافقين، والمراد أنّهم جعلوا إظهار الإيمان الذي يبطنون ضدّه، جنّة يعتصمون بها، ويستلئمون فيها نفوذاً، بظاهر الإسلام الذي يسع من دخل فيه ويعيذ من تعوّذ به.(2)
إنّهم في الوقت الذي وقَوا أنفسهم بالأَيمان الكاذبة، وشعروا فيه بالأمن، يسعون إلى صدّ الناس عن طريق الحقّ، كما قال تعالى: (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ الله) أي منعوا الناس عن سبيل الله; ويحتمل أن يراد: أعرضوا عن سبيل الله، والمعنى الأوّل أقرب، وفيه إشارة إلى عظمة جريمتهم وسوء عملهم حيث يمنعون الناس من الإيمان خفاءً.
17. (لَنْ تُغْنيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَ لاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ):
كان المنافقون يتبجّحون بكثرة الأموال والأولاد ، ولذلك
وصفوا أنفهسم بأنّهم أعزّاء والمؤمنين أذلاّء، حتى قال رأس المنافقين
عبد الله بن أُبيّ بن سلول: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا

1 . المنافقون:2.   2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 283 .

صفحه 82
الأَذَلَّ)1، ولكنّه كان زعماً باطلاً وفكراً واهماً، فإنّ قدرة الله فوق قدراتهم الواهية، ولذلك قال: (لَنْ تُغْني عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَ لاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
أي فلن تغني عنهم أموالهم التي جمعوها، ولا أولادهم الذين خلفوهم، من عذاب الله شيئاً، فقد كتب عليهم أنّهم أصحاب النار يخلدون فيها، فإنّ الذي ينجي الإنسان من عذاب الله هو الإيمان والعمل الصالح لا الأموال والأولاد التي يتركها في الدنيا وراءه.
18. (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ):
إنّ الملكات الفاضلة أو الدنيّة تتركّز في الإنسان بالممارسة من غير فرق بين الملكات العلمية، أو العملية، ولمّا كان النفاق عند المنافقين ملكة راسخة في طبائعهم، فتظهر آثاره في يوم القيامة أيضاً، وما هذا إلاّ لتوغّلهم في النفاق، ولذلك نرى أنّهم يحلفون كذباً يومذاك، ويظهر ذلك في غير موضع من آيات الذكر الحكيم، منها قوله في المقام:
(يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ) أي يقسمون لله كذباً يوم ذاك، كما كانوا يقسمون لكم في الدنيا.
(وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ) أي يحسبون أنّهم على دليل قاهر يغرّ الله تبارك وتعالى، ولكنّهم غفلوا عن أنّ الله يعلم السرّ وما

1 . المنافقون:8.

صفحه 83
يخفى، كما يقول:(إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ) .
إنّ الحلف على الكذب يوم القيامة الذي تنكشف فيه الحقائق وتظهر البواطن وتشهد فيه على أعمال الإنسان شهود تبلغ العشرة، يحكي عن الصلف السافر، فالله سبحانه يذكر حلفهم يوم القيامة على أنّهم لم يكونوا مشركين حيث يقول: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَ اللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ).1
19. (اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ):
إنّ قضاء الفطرة هو الصدق ورفض النفاق، والخضوع للحق والانقياد له، ولكن الفطرة تكون مغلوبة من قبل هوى النفس والرغبات الشيطانية لها، فيورث ذلك نسيان الله ونسيان ما جاء به أنبياؤه كما يقول:(اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ) ونتيجة ذلك (فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ) ومن المعلوم أنّ إنساء الله ذكره رأس كلّ بليّة وخطيئة كما أنّ ذكره هو الحصن الحصين من كل شرٍّ وبلية (أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)2 وهو يحصِّن النفوس عن الذنوب، فمن يذكر الله دوماً فهو من حزب الله، ومن نسي الله سبحانه فأنساه الله سبحانه ذكره فهو من حزب الشيطان، والنجاة للأوّل يوم القيامة، والخسران للثاني، كما يقول: (أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ).

1 . الأنعام:23.
2 . الرعد:28.

صفحه 84
20. (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ):
قد مرّ في تفسير قوله سبحانه:
(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ كُبِتُوا) أنّه سبحانه حكم عليهم بالإذلال في الدنيا والآخرة، فعاد سبحانه إلى الموضوع بقوله:(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ)وما هذا إلاّ لأنّ العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين، كما في قوله تعالى: (وَللهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)،1 فتكون الذلّة للطرَف المقابل، فليس لمن حادّ الله وشاقّه إلاّ الذلّة.
21. (كَتَبَ اللهُ لاََغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) :
الكتابة بمعنى القضاء والحكم القاطع كما في قوله:(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)(2)، والآية تحكي عن أنّه سبحانه قضى بأنّ الغلبة تكون له ولرسله، وقال: (كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي)، وعلّل ذلك بقوله: ( إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)، قوة ليس فوقها قوة، وعزّة لا تتناهى، فكيف لا تكون العزّة له ولرسله.
هذا على حسب الوحي وقد صرّح به في آية أُخرى وقال: (وَ إِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)2، وكيف لا تكون الغلبة لهم، وهذا هو شيخ الأنبياء نوح قد غلب على قومه الذين سخروا منه بالطوفان كما غلب هود وصالح ولوط أقوامهم بالصاعقة والزلازل وغير ذلك، كما أنّ المسلمين انتصروا في عامّة

1 . المنافقون:8 .   2 . البقرة:183.
2 . الصافات:171.

صفحه 85
الغزوات على الشرك والكفر، ولو صارت الهزيمة نصيبهم في غزوة أُحد، فبسبب تخلّفهم عن وصايا رسول الله وتعليماته.
نعم أنّ للانتصار قيمة يجب أن يبذلها صاحبه، إذ لم يُظفَر بهذه الانتصارات إلاّ بعد استشهاد عدد من المسلمين، وهذا هو قضاء الله سبحانه ومن سننه تبارك وتعالى.
وفي مقابلة الحق مع الباطل في أرض كربلاء انتصر الحسين(عليه السلام) وكان الانتصار حليفاً له، إذ ليس معنى الانتصار حصوله عقب الشهادة فوراً، فإنّ الغاية من نهضة سيد الإباء هو تحريض المسلمين وإيقاظهم من السبات، فكانت الثورة الحسينية سبباً لإيقاظ المسلمين ومن ثمّ تتابعت ثوراتهم على الظلم إلى أن اجتثت الشجرة الأموية الخبيثة من الأرض ولم يبق منها إلاّ الاسم.
روى الطبرسي أنّ المسلمين قالوا لمّا رأوا ما يفتح الله عليهم من القرى: ليضمّنَ الله علينا الروم وفارس، فقال المنافقون: أتظنون أنّ فارس والروم كبعض القرى التي غلبهم عليها، فأنزل الله هذه الآية.1
22. ( لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ

1 . مجمع البيان:9/472.

صفحه 86
اللهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ):
لمّا تقدّم في قوله سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ) عاد سبحانه في هذه الآية إلى التأكيد على أنّ الإيمان بالله واليوم الآخر لا يجتمع مع موادّة من حادّ الله ورسوله وموالاته، وقال: (لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَ رَسُولَهُ)، وذلك لأنّ الله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه، فلا يجتمع حب الرسول مع حبّ من يشتم الرسول ويؤذيه، حتى لو كان هذا المبغض أباً للمؤمن أو ابناً أو أخاً أو أحد أفراد عشيرته، كما قال تعالى:(وَ لَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) مع أنّ حبّ هؤلاء ربما يكون راسخاً في قلب المؤمن إلاّ أنّه يجب أن تكون العلاقة الإيمانية مقدّمة على علاقة النسب والسبب.
إنّ موادّة المؤمنين لمَن حادّ الله وشاقّه وشاقّ رسوله تورث التماسك والتعاون بين الفريقين، وربما يؤدّي هذا التعاون إلى كسر شوكة المسلمين، ولذلك حكم بقطع العلاقات الودّية بينهم، نعم عبّر القرآن الكريم بالموادة، ولكن المنهي عنه هو مودّة المؤمن للكافرين لا مودة الكافر للمؤمن، ومع ذلك عبّر بالمفاعلة اعتباراً بأنّ من شأن الودّ أن يجلب ودّاً من المودود إلى الوادّ.
نعم المعاشرة وحسن السلوك مع هؤلاء خصوصاً إذا كانوا ممّن بينهم وبين المؤمن أواصر القربى والرحم، ليس أمراً محرّماً بل ربما يكون أمراً حسناً يورث ميلهم إلى الحقّ وتخفيف الوطء.

صفحه 87
وليست هذه الآية هي الآية الوحيدة في القرآن الكريم، بل ورد مضمونها في آيات أُخرى، قال سبحانه:(بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعًا).1
قال النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم):«أوثق عُرى الإيمان الحبّ في الله والبغض في الله».2
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ أيضاً ـ : «اللّهم لا تجعل لفاجر عندي يداً ولا نعمة فيودّه قلبي فإنّي وجدت فيما أوحيت إليّ: (لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَ رَسُولَهُ).3
وقال الإمام علي(عليه السلام) واصفاً أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «وَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم) ; نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا وَأَعْمَامَنَا: مَا يَزِيدُنَا ذلِكَ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً».4
نعم استثني من هذا الحكم فيما لو عاش المؤمن في مجتمع لا مناص له من أن يتّقي صوناً لنفسه ودينه، قال سبحانه: (لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْء إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً).5 ومن المعلوم أنّ الاستثناء في قوله:(إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)استثناء

1 . النساء:138ـ 139.
2 . الدر المنثور:8/87 .
3 . الدر المنثور:8/87 .
4 . نهج البلاغة: الخطبة 56.
5 . آل عمران:28.

صفحه 88
منقطع لأنّ التقية لا تلازم المودّة القلبية، نعم يكفي التظاهر بها.
حتى أنّه سبحانه أجاز للمسلمين أن يقيموا علاقات طيبة، وعلى أساس العدل والقسط، مع الذين لم يقاتلوهم، قال تعالى: (لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).1
إنّ هذه الآية تؤكّد على حرمة الموادّة القلبية للمحادّ، لكن الروايات تضمّنت حرمة تمنّي بقاء الظالم حتى يستوفي الدائن منه ديونه، فلذلك مُنع صفوان الجمال من إكراء جماله للظالم إذا كانت الأُجرة غير حالّة.
روى الكشي بسنده عن صفوان الجمّال أنّ أبا الحسن موسى ] الكاظم [(عليه السلام) قال له: «كلّ شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً»، قلت: أي شيء؟ قال: «إكراؤك جمالك من هذا ـ يعني هارون ـ إلى أن قال: يا صفوان، أيقع كراؤك عليهم؟» قلت: نعم، قال: «أتحبّ بقاءهم حتى يخرج كراك؟» قلت: نعم، قال: «فمن أحبّ بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم فقد ورد النار»، قال صفوان: فذهبت فبعت جمالي عن آخرها...2
وقد تبيّن أنّ الموادّة القلبية وتعزيز العلاقات الروحية مع المنافقين أمر محرّم يورث تقوية النفاق وضعف الإيمان، وهذا أمر لا يسمح به الإسلام في كلّ حال، وأمّا الجائز فهو عبارة عن حسن السلوك مع هؤلاء، فالتعايش

1 . الممتحنة:8 .
2 . رجال الكشي:2/740، برقم 128; الوسائل: ج 11، الباب37 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث7.

صفحه 89
السلمي شيء والموادّة القلبية شيء آخر، فالأوّل لا يضرّ بالإيمان، والثانية لا تجتمع مع الإيمان.
ولأجل الاهتمام بقطع العلاقات الودّية مع المحادّين، يصف سبحانه المؤمنين الذين أخلصوا المودّة لله ولرسوله ولم يؤثروا عليهما أحد، بقوله:(أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ) أمّا الكتابة فهي كناية عن ثبات الإيمان في قلوبهم بحيث لا تزول والكاتب هو الله سبحانه، وفيه تكريم لهم، وأمّا تأييدهم بروح منه فمعناه قوّاهم الله بروح من جنس الإيمان تحيا بها قلوبهم، وقد عرفت أنّ الروح مبدأ الحياة، وعلى ذلك فمن كتب في قلبه الإيمان وأُيّد بروح من الله يقابل المنافقين دون أن يتزعزع أو يتأثر بأوامر القرابة.
روى علي بن إبراهيم بسند صحيح عن جميل، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: قلت: (وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ) قال: هو الإيمان.1
ويحتمل أن يراد من الروح درجة سامية من الإيمان بحيث يكون قادراً على التفريق بين الحقّ والباطل، قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا)2
هذا حال المؤمنين الصامدين في وجه النفاق في الدنيا، وأمّا مصيرهم في الآخرة فيصفه سبحانه بقوله:(وَ يُدْخِلُهُمْ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ

1 . تفسير نور الثقلين:5/269.
2 . الأنفال:29.

صفحه 90
الْمُفْلِحُونَ)، وشتّان بين الحزبين فحزب الله كتب لهم الفلاح، وحزب الشيطان كتب عليهم الذلّ والخسران، كما قال:(أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ).
***
تمّ تفسير سورة المجادلة

صفحه 91
سورة الحشر    

سورة الحشر

(سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ * وَلَوْلاَ أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ مَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَة أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ * وَ مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَ لاَ رِكَاب وَ لَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللهُ

صفحه 92
عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَللهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لذِي الْقُرْبي وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَ مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ اتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَ رِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَ الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَ لاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَ لاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَ إِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَ اللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَ لَئِنْ قُوتِلُوا لاَ يَنْصُرُونَهُمْ وَ لَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ * لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ * لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرى مُحَصَّنَة أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُر بَأْسُهُمْ

صفحه 93
بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَ قُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ * كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إنِّي بَريءٌ مِنْكَ إنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَ ذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتقَّوُا اللهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَد وَ اتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَ لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ * لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَل لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَ تِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

صفحه 94

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت هذه السورة في المصاحف وأغلب كتب التفسير بسورة «الحشر» لوجود لفظ الحشر في الآية الثانية منها، حيث قال: (هُوَ الذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لاَِوَّلِ الْحَشْرِ).
وربّما يطلق عليها سورة «بني النضير» لورود قصّتهم فيها حيث أُخرجوا من المدينة قهراً، وغادروها إلى بلاد الشام إلى أريحا وأذرعات.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها أربع وعشرون، هي مدنية بالاتّفاق نزلت في السنة الرابعة بعد الهجرة; لأنّ بني النضير أُخرجوا في تلك السنة.
سورة الحشر: الآيات 1 ـ 5    

أغراض السورة

الغرض المهم ـ بعد ذكر تسبيح ما في السماوات وما في الأرض لله سبحانه ـ هو بيان شمول الخزي والهوان، لطائفة من اليهود القاطنين في المدنية، إثر نقضهم الميثاق الّذي اتّفقوا عليه مع النبي الخاتم، عُقْبَ وروده المدينة، وقد كشف فيها سبحانه مؤامرة منافقي المدينة واتّفاقهم مع اليهود على استئصال الإسلام والمسلمين، ولكن عمّهم الجبن وتفرّق الكلمة فلم

صفحه 95
ينصروا اليهود مع الوعود المؤكّدة الّتي اغترّ بها اليهود.
وفي ختام السورة يذكر سبحانه عظمة القرآن الكريم وجلائل أسماء الله الحسنى على نسق رائع لا نرى له نظيراً في سائر السور.

التفسير

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )
مرّ تفسير البسملة وما فيها من الأسماء الثلاثة لله سبحانه في سورة المجادلة، فلاحظ .

الآيات: الخمسة الأُولى

(سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ * وَلَوْلاَ أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ مَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ *

صفحه 96
مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَة أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) .

المفردات

اللينة: النخلة وأصله من اللُّون، قلبت الواو ياءً لكسر ما قبلها، وجمعها لينان.

التفسير

1. (سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمواتِ وَما في الأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ):
وفي تفسير هذه الآية بحوث:
1. ما هو المراد من تسبيح ما في السماوات وما في الأرض؟
2. لماذا أتى بالموصول مرة ثانية مع أنّه سبحانه لم يكرّره في سورة الحديد، حيث قال: (سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمواتِ وَ الأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)1؟
3. لماذا ختم الآية بالاسمين ( الْعَزِيزُ) و (الْحَكِيمُ)، دون سائر الأسماء، وقد أتى بهما أيضاً في الآية الأخيرة من هذه السورة مع تكرار مضمون الآية الأُولى؟

1 . الحديد: 1 .

صفحه 97
أمّا الأوّل ـ أعني: المراد من التسبيح ـ : فقد اختلفت أقوال المفسّرين في معنى تسبيح الكائنات، فمنها: إنّ تسبيحها هو دلالتها الكونية على أنّ صانعها عليم قادر حكيم.
أقول: إنّ ذلك المعنى وإن كان صحيحاً، ولكنّه ليس معنى منحصراً للآية، لأنّ قسماً من الآيات يدلّ على أنّ تسبيحها تسبيح خاصّ، نابع عن شعور، قال سبحانه: (وَ إِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)1، ويؤيّده سريان العلم في كافّة الموجودات، وأنّ كلّ موجود ـ حسب درجة وجوده ـ له شعور وإدراك بالنسبة لصانعه، فيسبّحه بمقدار ما أُوتي من الشعور. قال سبحانه: (وَ إِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَ مَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ)2 إلى غير ذلك من الآيات.
وأمّا الثاني ـ أعني: تكرار الموصول في قوله: (وَمَا فِي الأَرْضِ) ـ فهو:
إنّ فاتحة سورة الحديد قد تضمّنت الاستدلال على عظمة الله تعالى وصفاته وانفراده بخلق السماوات والأرض، فكان دليل ذلك هو مجموع ما احتوت عليه السماوات والأرض، من أصناف الموجودات، وجمع ذلك كلّه في اسم واحد، وهو «ما» الموصولة الّتي صلتها قوله: (فِي السَّمواتِ وَ الأَرْضِ). وذكر الأرض بلا إعادة موصول.
وأمّا فاتحة سورة الحشر فقد سيقت للتذكير بمنّة الله تعالى على

1 . الإسراء: 44.
2 . البقرة: 77 .

صفحه 98
المسلمين في حادثة أرضية، وهي خذلان بني النضير ومصادرة أموالهم وتقسيمها بين المهاجرين فناسب فيها أن يخصّ أهل الأرض باسم موصول خاصّ بهم، وهو «ما» الموصولة الثانية الّتي صلتها (فِي الأَرْضِ). وعلى هذا المنوال جاءت فواتح سورة الصف والجمعة والتغابن.1
وأمّا الثالث ـ أعني: اختتام الآية بالعزيز الحكيم ـ فوجهه:
إنّ العزيز يدلّ على القدرة، فإنّ إخراج قسم من أهل الكتاب من قلاعهم الّتي كانوا متحصّنين فيها، إنّما هو عمل نابع عن العزة والقدرة، كما أنّه نابع عن حكمة بالغة، وعلم بوجه الصواب في التدبير; لأنّ تواجد اليهود في عاصمة الدولة الإسلامية، مع ما جُبلوا عليه من خبث ومكر ونقض للعهود، يشكّل خطراً على المسلمين وعلى دولتهم الفتيّة.
ثم إنّه سبحانه ابتدأ السورة بالتسبيح وختمها به، كما سيوافيك، ولعلّه لأجل الإشارة إلى تنزيهه سبحانه عن الظلم والتعدّي بالنسبة إلى أهل الكتاب، فإنّه سبحانه لم يُجلِ بني النضير من المدينة بأيدي المسلمين بلا سبب، بل لأجل خيانتهم وغدرهم.
***
2. (هُوَ الذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ

1 . التحرير والتنوير: 28 / 58 .

صفحه 99
فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ):
نزل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يثرب وكان يسكنها طائفتان من العرب وهما: الأوس والخزرج، وثلاث قبائل من اليهود، وهم : بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، فكتب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كتاباً بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهود ، وعاهدهم وأقرّهم على دينهم وأموالهم واشترط لهم واشترط عليهم.
وقد نقل ابن هشام في سيرته نصّ الكتاب 1، فمن أراد فليرجع إليه.
ثم إنّه كتب بين الطوائف الثلاث لليهود كتاباً نقله علي بن إبراهيم في تفسيره وقال: وجاءته اليهود: قريظة والنضير، وقينقاع، فقالوا: يا محمد إلى مَ تدعو؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّي رسول الله، وأنّي الّذي تجدونني مكتوباً في التوراة، والّذي أخبركم به علماؤكم، أنّ مَخْرجي بمكة ومهاجري في هذه الحرّة. ثم ذكر رسول الله شيئاً من أوصافه الّتي سمعتها اليهود من أحبارهم، فقالوا: قد سمعنا ما تقول، وقد جئناك لنطلب منك الهدنة على أن لا نكون لك ولا عليك، ولانعين عليك أحداً، ولا نتعرّض لأحد من أصحابك، ولا تتعرّض لنا ولا لأحد من أصحابنا، حتّى ننظر إلى ما يصير أمرك وأمر قومك. فأجابهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ذلك، وكتب بينهم كتاباً ألاّ يعينوا على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا على أحد من أصحابه بلسان ولا يد ولا بسلاح ولا بكراع في السرّ والعلانية لا بليل ولا بنهار، والله بذلك عليهم شهيد، فإن فعلوا فرسول الله في حلّ من سفك دمائهم وسبي ذراريهم

1 . السيرة النبوية: 1 / 501 ـ 504 .

صفحه 100
ونسائهم، وأخذ أموالهم. وكتب لكلّ قبيلة منهم كتاباً على حدة.
وكان الذي تولّى أمر بني النضير حُييّ بن أخطب، فلمّا رجع إلى منزله قال له إخوته ـ جُديّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب ـ : ما عندك؟ قال: هو الّذي نجده في التوراة، والّذي بشّرنا به علماؤنا، ولا أزال له عدوّاً، لأنّ النبوّة خرجت من ولد إسحاق وصارت في ولد إسماعيل، ولا نكون تبعاً لولد إسماعيل أبداً.
وكان الّذي ولي أمر بني قريظة: كعب بن أسد، والّذي ولي أمر بني قينقاع: مخيريق وكان أكثرهم مالاً وحدائق، فقال لقومه: تعلمون أنّه النبيّ المبعوث، فهلمّوا نؤمن به ونكون قد أدركنا الكتابين; فلم يجبه قينقاع إلى ذلك .1

إجلاء بني قينقاع

ثم إنّ اليهود معروفون بنقض العهود، وأوّل من نقضها من هذه الطوائف هم بنو قينقاع، وذلك أنّه لمّا انتصر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة بدر، أظهروا له الحسد بما فتح الله عليه، ونقضوا ما بينهم وبينه، وأخذوا يتآمرون على المسلمين، فجمعهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بسوقهم فقال: يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنّكم قد عرفتم أنّي نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم. قالوا: يا محمد: إنّك ترى أنّا كقومك، لا يغرنّك أنّك لقيتَ قوماً لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم

1 . إعلام الورى: 1 / 158 ; وبحار الأنوار: 19 / 110 ـ 111 .

صفحه 101
فرصة، إنّا والله لئن حاربناك لتعلمنّ أنّا نحن الناس .1
هذا هو كلامهم، وهو يدلّ على صَلَفهم، واستعدادهم للحرب، ونقض العهد الّذي عقدوه مع رسول الله .
ومع ذلك تركهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بحالهم، غير أنّ حادثة مؤلمة دعت النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أن يُجليهم عن المدينة المنورة، وهي أنّ امرأة من العرب قدمت بجلَب لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعَمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلمّا قامت انكشفت سَوْءتها، فضحكوا منها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهودياً، وشدَّت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.
فحاصرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى نزلوا على حكمه بمغادرة المدينة.2
***

إجلاء بني النضير

كان بنو النضير يسكنون في ضواحي المدينة المنوّرة في قلاع محكمة ورفيعة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد وادع اليهود حين قدم المدينة مهاجراً، وعندما انتصر المسلمون يوم بدر على مشركي قريش، غمر الحزن زعيمَهم كعب بن الأشرف، وأقدموا على الخيانة ونقض العهد، وذلك بوجهين:

1 . السيرة النبوية: 2 / 47 ; وتاريخ الطبري: 2 / 172 .
2 . السيرة النبويّة: 2 / 48.

صفحه 102
1. أنّ كعب بن الأشرف قدم مكة فنزل على المطلب بن أبي وَداعة بن ضبيرة السهمي، وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أُميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، فأنزلته وأكرمته، وجعل يحرّض على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وينُشد الأشعار، ويبكي أصحاب القليب من قُريش، الذين أُصيبوا ببدر.1
وقد روى الطبرسي القصة على وجه التفصيل وقال: فركب كعب بن الأشرف في أربعين راكباً من اليهود إلى مكة وأتوا قريشاً وحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم دخل أبو سفيان في أربعين وكعب في أربعين من اليهود، المسجد وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الأستار والكعبة، ثم رجع كعب بن الأشرف وأصحابه إلى المدينة ونزل جبرائيل، فأخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بما تعاقد عليه كعب وأبو سفيان.2
2. كان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فلمّا قتل عمرو بن أُمية الضمري نفرين من بني عامر ذهب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى قلاع بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر، فلمّا أتاهم(صلى الله عليه وآله وسلم): قالوا: نعم يا أبا القاسم، نُعينك على ما أحببت، ممّا استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنّكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ـ ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد ـ فمَنْ رجلٌ يعلو على هذا البيت، فيُلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، أحدُهم، فقال: أنا لذلك، فصعد ليُلقي عليه صخرة كما قال، ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . السيرة النبوية: 2 / 51 ـ 52 .
2 . مجمع البيان: 9 / 386 .

صفحه 103
في نفر من أصحابه. فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعاً إلى المدينة. فلمّا استلبث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أصحابه، قاموا في طلبه فلقوا رجلاً مقبلاً من المدينة، فسألوه عنه; فقال: رأيته داخلاً المدينة. فأقبل أصحاب رسول الله، حتّى انتهوا إليه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأخبرهم الخبر، بما كانت اليهود أرادت من الغَدْر به، وأمرَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالتهيّؤ لحربهم، والسير إليهم .
ثمّ سار (صلى الله عليه وآله وسلم) بالناس حتّى نزل بهم في شهر ربيع الأوّل، فحاصرهم ست ليال وتحصنوا في الحصون; ثم إن عبدالله بن أبي سلول وجماعة من المنافقين قد بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنّعوا فإنّا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم، فتربّصوا ذلك من نَصرهم، فلم يفعلوا. وقذف الله في قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أنّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلاّ الحلْقة،1ففعل فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف 2 بابه، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام .3
وقد نقلنا القصة بطولها لأنّها توضح وتفسّر الآيات التالية:
قال سبحانه: (هُوَ الذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) يعني يهود بني النضير بعدما عرفوه; لقوله سبحانه: (وَ لَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ

1 . الحلْقة: السلاح كله، أو خاص بالدروع .
2 . النجاف: على وزن كتاب، العتبة الّتي بأعلى الباب .
3 . السيرة النبوية: 2 / 190 ـ 191 .

صفحه 104
مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَ كَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ)1 .
وقوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) بيانية; لأنّ المراد خصوص اليهود ولا يعمّ المشركين ـ على ما عرفت ـ (مِنْ دِيَارِهِمْ) حيث سلّط المؤمنين على قلاعهم وحصونهم وأوطانهم (لأَوَّلِ الْحَشْرِ)، والحشر في اللغة بمعنى الجمع، والجملة متعلّقة بـ (أَخْرَجَ) .
وفسّره السيد الطباطبائي بإخراج الجماعة بإزعاج، فقوله: (لأَوَّلِ الْحَشْرِ)من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف أي الحشر الأوّل، واللام بمعنى «في» كقوله: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)2 أي في دلوك الشمس، والمعنى: الله الّذي أخرج بني النضير من اليهود من ديارهم في أوّل إخراجهم من جزيرة العرب .3
يلاحظ عليه: بأنّه لوكان أوّل إخراج لليهود، ففيه أنّه ليس أوّل إخراج لهم من جزيرة العرب، فقد أخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بني قينقاع قبلهم، كما مرّت قصتهم، فكيف يكون هذا الإجلاء إجلاءً أوّلاً، مع أنّ المنقول أنّ بني قينقاع غادروا المدينة إلى وادي القرى ومنها إلى أذرعات الّتي هي جزء من أرض الشامات، وذلك من غير فرق بين أن يُفسَّر الحشر بمعنى الجلاء أو بمعنى الاجتماع في أرض الشام؟
فالأوّل هو المنقول عن البلخي، حيث قال: لأنّهم أوّل من أُجلي من

1 . البقرة: 89 .
2 . الإسراء: 78 .
3 . الميزان في تفسير القرآن: 19 / 201 .

صفحه 105
أهل الذمة من جزيرة العرب ثم أُجلي إخوانهم من اليهود.
والثاني عن ابن عباس، حيث قال: أوّل حشر اليهود إلى الشام (أي إجتماعهم فيها)، ثم يحشر الناس يوم القيامة إلى أرض الشام أيضاً، وذلك هو الحشر الثاني.1 وذلك أنّ الطائفة الأُولى اجتمعوا في أرض الشام، قبل بني النضير .
والصواب: أنّ المقيس عليه ليس خصوص بني قينقاع، بل الطوائف الثلاث لأجل اشتراكهم في أُمور، فصاروا مجتمعاً واحداً، فالأوّل وصف للجميع حتّى بني قريظة، وإنّما المقيس عليه يهود فلسطين حيث أجلوا مرتين: مرة في زمن «بختنصر»، ومرة في زمن طيطس سلطان الروم، وسلم بنو النضير ومن معهم من بني قينقاع وقريظة من الجلاء مرتين بل أُجلوا مرة واحدة. والله العالم.2
قوله سبحانه: (مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ)يشير سبحانه إلى أمرين:
1. إنّ المسلمين ما كانوا يتوقّعون أن يخرج بنو النضير من قلاعهم لما هم عليه من القوة والشدة والمنَعة.
2. كان بنو النضير يعتقدون أنّ معاقلهم الحصينة تمنعهم ممّا ينزل بهم من بلاء على يد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، (فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ)، أي فأتاهم عذاب الله سبحانه من حيث لم يتوقعوه ولم

1 . مجمع البيان: 9 / 387 .
2 . التحرير والتنوير: 28 / 62 .

صفحه 106
يتصوّروه، وذلك بإلقاء الخوف الشديد في قلوبهم، وكان سيدهم كعب بن الأشرف قد قُتل قبل محاصرتهم .1 فقوله: (فَأَتَاهُمُ اللهُ) إشارة إلى أنّهم حسبوا لكلّ شيء واستعدوا له ، ولكنّهم لم يحسبوا لقدرة الله الغالبة، وإرادته النافذة. وقوله: (قَذَفَ)يدلّ على حصول الخوف في قلوبهم دفعة واحدة فأسرعوا إلى الاستسلام، كما في قوله: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)2 .
(يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ)، وهذا من عجائب الأُمور حيث إنّ القلاع الّتي بنوها لأنفسهم لتكون مأوى لهم راحوا يهدمونها بأيديهم حتّى لا ينتفع بها المسلمون بعد خروجهم منها، وفي الوقت نفسه كان المسلمون يهدمونها من الخارج ليصلوا إلى داخل قلاعهم.
ومن هنا عمّ الدمار جميع قلاعهم وحصونهم بأيديهم وبأيدي المسلمين .
وبعد أن كشف سبحانه عن هذا المصير القاتم لهؤلاء الغادرين الخائنين، أمر عامّة الناس بالاعتبار بهم، فقال: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ)، والاعتبار هو العبور من شيء إلى شيء آخر والنظر في دلالة الأشياء على لوازمها وعواقبها.
والمراد أن يتّخذوا درساً وموعظة أو دروساً ومواعظ من هؤلاء الذين لم تنفعهم قلاعهم عمّا حاق بهم من الضرر والخسران، وذلك لأنّ الأُمور

1 . السيرة النبوية: 2 / 51 ـ 55، وقد ذكرت فيها كيفية قتله .
2 . آل عمران: 151 .

صفحه 107
المادّية والأسباب الطبيعية، معدات ومقتضيات وليست عللاً وأسباباً قطعية لنيل الأمان .
نعم، إنّ الضابطة هي غلبة من له منعة وقوة وأدوات وسلاح، وهم يتدرعون بحصونهم وقلاعهم، ولكن الضابطة قد انقلبت رأساً على عقب، حيث إنّ المسلمين لم يكن عندهم من العدد والعدّة ولا من القلاع والحصون ما لعدوهم ومع ذلك تغلّبوا عليهم بمحاصرتهم ستة أيام، وما ذلك إلاّ لأنّ إرادة الله سبحانه هي الإرادة النافذة في الأشياء الّتي تدلّ على أنّ الغادر ليس له أمان في النهاية، حيث إنّ القوم تهيّؤوا لقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)غدراً.
وربّما يستدلّ بقوله سبحانه: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ) على حجيّة القياس، وذلك لأنّ الاعتبار عبارة عن دراسة حادثة بما لها من الأضرار والآثار، فيقاس عليها حادثة أُخرى تشترك معها في جوهرها وعرضها.
فإذا جاز ذلك في عالم التكوين فليجز في عالم التشريع، بأن نستنبط حكماً غير منصوص من المسائل من حكم المنصوصة منها.
يلاحظ عليه: أوّلاً: بأنّ تفسير الاعتبار بالقياس ـ لو صحّ ـ فإنّما يكون مفاده في التكوين سلبياً لا إيجابياً بمعنى أنّه إذا رأى حادثة ترتّبت عليها أضرار وخسائر، فعليه أن يجتنب مثلها في حياته، وهذا هو المراد من أنّ القياس في التكوين سلبي، وهذا بخلاف القياس المصطلح في علم الأُصول، فإنّه فيه إيجابي بمعنى استنباط حكم مسألة غير منصوصة من مسألة منصوصة، كاستنباط حكم الفقاع من حكم الخمر، فالقياس إيجابي .
وثانياً: أنّ غاية ما تدلّ عليه الآية هو جواز القياس في التكوين،

صفحه 108
وتجاوز ذلك إلى القول بجواز القياس في التشريع نوع قياس لا يعتمد عليه إلاّ أن يثبت القياس خارجاً قبل تفسير الآية، فالاستدلال دوري لأنّ جواز القياس في التشريع فرع جواز قياس التشريع على التكوين، وثبوت ذلك موقوف على ثبوت القياس تكويناً وتشريعاً .
***
3. (وَ لَوْلاَ أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ):
لفظة (لَوْلاَ) في الآية امتناعية، وجوابها (لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا) ومفاد الآية: أنّ هؤلاء القوم مجرمون أمام الله سبحانه لأنّهم نقضوا عهد الله، فعليه أن يعذّبهم وينكّل بهم بأحد الأمرين.
1. بإجلائهم عن أراضيهم، وحرمانهم من مزارعهم وعملهم .
2. تعذيبهم بمقاتلة المسلمين إيّاهم.
ولكنّه سبحانه كتب وفرض عقوبتهم بالإجلاء لا بقتلهم وهلاكهم بأيدي المسلمين لمصلحة اقتضتها حكمته، وهي أن يتغلّب المسلمون على أراضيهم وديارهم من دون إتلاف وإراقة دم، خصوصاً وأنّ الواقعة كانت بعد غزوة أُحد الّتي استشهد فيها سبعون نفراً من صحابة الرسول، ولو دق الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) باب الجهاد والقتال وانتصر عليهم، لكن لا ينفك عن استشهاد فريق من صحابته ولعلّه يورث في نفوسهم ضعفاً في المستقبل، فتقديم الجلاء على الحرب كان لمصلحة المسلمين لا تكريماً لليهود .

صفحه 109
ثم إنّ في انتخاب خيار الجلاء على القتل فائدة أُخرى، وهي أنّ هؤلاء سوف تستعر قلوبهم حرقة وألماً إلى آخر حياتهم بما تركوا من أراض وديار ومزارع للمسلمين، وهو ليس أمراً هيّناً على اليهود.
ومن هنا يُعلم أنّ قوله: (لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا) هو قتلهم وإبادتهم بأيدي المسلمين، وذلك لا يخلو من أضرار تصيب المؤمنين أيضاً.
وتوهُّم أنّ هناك طريقاً ثالثاً وهو إهلاكهم بالصاعقة والزلزال، مدفوع بأنّه سبحانه جعل الرسول ما دام في الدنيا أماناً، قال سبحانه: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ مَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)1 .
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «كَانَ فِي الاَْرْضِ أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَقَدْ رُفِعَ أَحَدُهُمَا، فَدُونَكُمُ الاْخَرَ فَتَمَسَّكُوا بِهِ: أَمَّا الاَْمَانُ الَّذِي رُفِعَ فَهُوَ رَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وَأَمَّا الاَْمَانُ الْبَاقِي فَالاِْسْتِغْفَارُ. قَالَ اللهُ تَعَالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)».2
ثم إنّه ربّما يتصوّر أنّ جزاءهم كان هو الإبادة فقط، لكنّه سبحانه يردّ ذلك الوهم بأنّ لهم وراء الجلاء عذاب أليم في الآخرة.
4. (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَ رَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ):
يشير سبحانه في هذه الآية إلى سبب الأحداث الّتي مرّت على بني

1 . الأنفال: 33 .
2 . نهج البلاغة: قسم الحكم برقم 88 .

صفحه 110
النضير حيث أُجلوا عن ديارهم، وخرِّبت بيوتهم، واستحقّوا العذاب في الآخرة، وأنّ السبب هو أنّهم شاقّوا الرسول وعادوه وخاصموه، وجزاء مَن يخاصم الله ورسوله العقاب الشديد.
وعلى هذا فعطف اسم الرسول على اسم الجلالة، لأجل تعظيم شأن الرسول ليعلم أنّ طاعته طاعة الله ومشاقّته مشاقّة الله، نظير قوله سبحانه: (وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ)1.
واقتصر في العطف على تلك الجملة دون الجملة التالية ـ أعني قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) للاستغناء بذكره في الجملة المتقدّمة.
ثم إنّه تظهر من بعض الآيات أنّ مشاقّة الله ورسوله من المعاصي الكبار، يقول سبحانه: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سَاءَتْ مَصِيرًا) (2).
ثم إنّ الفعل المضاعف يجوز فيه وجهان: الإدغام والإظهار، فأدغم في المقام وقال: (شَاقُّوا) و (يُشَاقِّ)، ويجوز الإظهار، كما في قوله (يُشَاقِقِ الرَّسُولَ) .
5. (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَة أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ):
ظاهر الآية أنّ اللينة نوع من النخل، وقد كانت بساتين القوم ومزارعهم

1 . التوبة: 74 .   2 . النساء: 115 .

صفحه 111
خارج القلاع والحصون، ولمّا حاصرهم المسلمون التجأوا إلى قلاعهم وأغلقوا عليهم الأبواب فصارت البساتين والمزارع تحت يد جيش المسلمين.
ويظهر من الآية ومن كتب السيرة أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بقطع بعض النخيل، فأغاظ ذلك اليهود في قلاعهم، فنادَوه: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على مَن صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟1
ولمّا وقع ذلك موقع شك في قلوب بعض أفراد الجيش ـ مع أنّ المقطوع لم يتجاوز نخلتين أو ست نخلات ـ نزلت هذه الآية بأنّ ما قطع وما لم يقطع كان بأمر من الله سبحانه، وذلك لأنّ الضابطة عند التزاحم هي تقديم الأهم على المهم مطلقاً، سواء أكانت في الأُمور الاجتماعية أو السياسية أو العسكرية، فإنّ الغاية الأهم (القصوى) هي استسلامهم بلا إراقة دم من الطرفين، لأنّه قد قتل من المسلمين في غزوة أُحد قرابة سبعين شهيداً وجرح عدد كبير منهم، فالقيادة الحكيمة قرّرت حفظ دماء المسلمين في تلك الفترة، ولذلك قام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)لأجل إنزال اليهود من قلاعهم، بقطع بعض نخيلهم، لرغبتهم فيه واهتمامهم الزائد به، لأنّ اليهود معروفون بحب المال والحرص عليه.
ولهذا نزل الوحي لإزالة الشبهة عن قلوب البعض، وأكّد أنّ ما قطع وما لم يقطع من النخيل إنّما كان بإذن الله سبحانه.
نعم من آداب الجهاد ا لتي أمر بها لا تقطعوا شجرة مثمرة ولاتحرقوا

1 . السيرة النبوية:2/191.

صفحه 112
زرعاً 1 ولكن هذا الحكم حكم أوليّ فلربّما جاز قلع الشجر لمصلحة أقوى كما هو الحال في المقام، حيث إنّ الغرض هو إيجاد الخوف والهول في قلوب بني النضير لغاية الاستسلام، فإن قلع عدد قليل من الأشجار ثم غرس أشجار أُخرى محلها ليس بمهمّ في مقابل استسلام اليهود وتركهم أراضيهم لصيانة المؤمنين من شرورهم.
هذا أوّلاً، وثانياً أنّ في هذا العمل نوع إجزاء لليهود حيث يرون كرائم أموالهم بين مقطوع من أصله ومسلوب بيد المسلمين، وفي هذا عزّة للمسلمين وذلّة للكافرين.
ثمّ إنّ قوله: «بإذن الله» عام يشمل مورد الآية وغيره، وأنّ كلّ ما يقع في الكون، سواء أصدر من الإنسان أم من غيره، فهو بإذنه سبحانه، ولولاه لما تحقّق، إذ يمتنع أن يتحقّق في الكون أمرٌ خارج عن إرادته وسلطانه، ولا يستلزم ذلك الجبرَ لتوسط إرادة الإنسان واختياره بين إرادة الله والفعل.
وهناك مَن يخص دائرة الإذن والإرادة بغير فعل الإنسان وأنّ ما في الكون يتحقّق بإذنه وإرادته دون فعل الإنسان، وما هذا إلاّ فرار من الجبر، وهؤلاء بهذا التفسير وإن ابتعدوا عن الجبر وحاولوا تنزيهه سبحانه عن الظلم، ولكنّهم وقعوا في ورطة الشرك حيث صار الإنسان سلطاناً مستقلاً لفعل ما أراد وإيجاد ما قصد، دون أن يكون لله سبحانه وراء فعله إرادة وسلطان.
سورة الحشر: الآيتان 6 و 7   
وأمّا وجه عدم استلزامه الجبر، فإنّه سبحانه يريد وجود كلّ ما في

1 . الوسائل: 12، الباب 15 من أبواب جهاد العدو، الحديث 13 .

صفحه 113
الكون، ولكن على وجهين: تارة يريد صدور شيء عن الفاعل جبراً بلا إرادة واختيار، كإحراق النار. وأُخرى يريد صدوره من الفاعل عن إرادة واختيار كفعل الإنسان، وبذلك يخرج فعل الإنسان عن وقوعه جبراً، ولو صدر منه بلا اختيار وإرادة للزم تخلّف إرادته سبحانه عن مراده; لأنّه أراد أن يكون الإنسان فاعلاً مختاراً، لا فاعلاً مجبوراً، والتفصيل في محلّه.
قوله: (لِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) عطف على قوله: (فَبِإِذْنِ اللهِ) وأقام اسم الظاهر (الفاسقين) مكان الضمير إعلاناً عن فسقهم وخروجهم عن طاعة الله سبحانه، والمعنى: أنّه سبحانه أراد خزي هؤلاء الفسقة من بني النضير، والفسق بمعنى الخروج عن الطاعة، وهو يجتمع مع الكفر بلا إيمان ومع العصيان معه.
***

الآيتان: السادسة والسابعة:

(وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلاَ رِكَاب وَ لَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَللهِ وَلِلرَّسُولِ وَلذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).

صفحه 114

المفردات

الفيء والغنيمة: يُستعملان فيما يغنمه الإنسان، ولكن ما كان بلا قتال فهو الفيء، وما كان معه فهو الغنيمة.
ثمّ إنّ الفيء في الأصل بمعنى الرجوع واستعماله فيما يفوز به الإنسان من غير إيجاف، لأجل أنّه تبارك وتعالى خلق العالم والأموال للصالحين من عباده دون الكافرين، فإذا استولى عليه غير الصالحين فقد استولوا على ما لا يصلح لهم، فإذا أُخذ منهم بالرعب وغيره فكأنّه قد رجع الشيء إلى محلّه...
ولذلك يطلق على الظل العارض بعد الظهر بالفيء، وذلك لنقص الظل قبل الظهر شيئاً فشيئاً وأمّا بعده فيزداد، ويطلق عليه الفيء وكأنّ الظل المعدوم قد رجع .
ثم إنّ معنى قوله:(أفاء) أي أعطى الفيء.
وقوله: (وَمَا أَفَاءَ اللهُ) مبتدأ خبره (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ )، وإنّما دخلت الفاء على الخبر لتضمّن (ما) الموصولة معنى الشرط.
وهناك احتمال آخر وهو أن تكون الجملتان من قبيل الشرط والجزاء.
والإيجاف: هو تسيير الخيل أو الركاب، وإن شئت قلت: سوقهما إلى المقصد، غير أنّ الخيل هي الفرس، والركاب اسم جمع يطلق على الإبل، و (من) في قوله:(مِنْ خَيْل) ليست زائدة بل لإفادة الاستغراق، أي ما سقتم على حيازته شيئاً من خيل ولا ركاب هذا ما يرجع إلى لغة الآية وإعرابها.
قوله: (مِنْ أَهْلِ الْقُرى) اللام للعهد، والظاهر أنّ المراد: القرى التي

صفحه 115
استسلم أهلها بلا إيجاف خيل ولا ركاب، والتي منها: قريظة وفدك وقرى عُرينة وينبع ووادي القُرى والصفراء، كلّها فتحت في عهد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بلا عنوة، وحُكم الجميع واحد.
الدُولة: بضم الدال، ما يتداوله الناس، والتداول التعاقب في التصرّف.
وأمّا الدَولة بفتح الدال فهو بمعنى النوبة في الملك.
وقوله: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ) يحتمل أن يكون بمعنى: أعطاكم الرسول، ولكنّ الظاهر أنّه بمعنى: أمركم به الرسول، بقرينة ما بعده أي قوله: (وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا). أمّا استعمال الإيتاء في مورد الأمر فكأنّه إشارة إلى جعل تشريع الرسول وتبليغه كإيتاء الشيء باليد، كما في قوله سبحانه: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّة)1 والآية خطاب لبني إسرائيل حتى يأخذوا بما يأمر به موسى بتمام القوة.

التفسير

6. (وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلاَ رِكَاب وَ لَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ):
غادر بنو النضير أرض المدينة وأخذوا من أموالهم ما استقلّت به الإبل، وبقيت بساتينهم وأراضيهم تحت يد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فقسّمها على المهاجرين

1 . البقرة:63.

صفحه 116
الأوّلين دون الأنصار باستثناء سهل بن حنيف، وأبي دجانة سماك بن خرشة، والحارث بن الصمّة. ولم يُسلم من بني النضير إلاّ رجلان: يامينُ بن عُمير: أبو كعب بن عمرو بن جحاش; و أبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها.1
وقد أثار ذلك التقسيم هذا التساؤل لدى الأنصار: لماذا لم يقسّمه رسول الله بين جميع الغزاة، كما فعل ذلك في غزوة بدر، حيث أخذ الخمس وقسّم الباقي بين المهاجرين والأنصار الذين شاركوا في الجهاد؟
وكأنّ الآية أجابت عن هذا التساؤل عن وجود الفرق بين ما أُخذ في غزوة بدر من أموال، وبين ما أُخذ منها في غزوة بني النضير، فالمسلمون في غزوة بدر قد أوجفوا على ذلك بخيل وركاب وقاتلوا وقُتل منهم، فلذلك استحقوا أربعة أخماس الغنيمة; وأمّا في غزوة بني النضير فلم يوجفوا على ذلك بخيل ولا ركاب، ولم يتحمّلوا أعباء القتال، وإنّما سلّطهم الله سبحانه عليه بإلقاء الرعب من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قلوب اليهود ، فلم يروا بدّاً من الاستسلام والنزول على حكمه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يكن للجيش إلاّ ضئيل دور من محاصرة القلاع وقطع اللينة، فصار ذلك سبباً بأن تختصّ الغنيمة بالرسول يضعها حسب ما يراه من المصلحة، أو بما يُوحى إليه.
قال الكلبي: إنّ هذه الآية نزلت في رؤساء المسلمين، قالوا له: يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خذ صفيك والربع ودعنا والباقي، فهكذا كنا نفعل في الجاهلية وأنشدوا:

1 . السيرة النبوية:2/1012.

صفحه 117
لك المِرباعُ مِنها والصّفايا *** وحُكْمُك والنَّشيطة والفضولُ1
فـ «المرباع»: رُبع المغانم كان يستأثر به قائد الجيش.
و«الصفايا»: النفيس من المغانم الذي لا نظير له فتتعذر قسمته، كان يستأثر به قائد الجيش، وأمّا «حكمه» فهو ما أعطاه العدو من المال إذا نزلوا على حكم أمير الجيش.
و «النشيطة»: ما يصيبه الجيش في طريقه من مال عدوّهم قبل أن يصلوا إلى موضع القتال.
و«الفضول»: ما يبقى بعد قسمة المغانم ممّا لا يقبل القسمة على رؤوس الغزاة مثل بعير وفرس.2
فالآية بصدد إلفات نظر المسلمين إلى أنّ ما أُخذ من أموال بني النضير يختلف عمّا أُخذ من أموال المشركين في معركة بدر، وعلى أساس هذا الاختلاف قُسِّمت الأموال هناك على جميع المقاتلين، ولم تُقسَّم هنا كذلك، وإنّما قسّمها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حسب ما تقتضي المصلحة.
***
7. (مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَللهِ وَلِلرَّسُولِ وَلذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ

1 . مجمع البيان:392.
2 . التحرير والتنوير:28/76.

صفحه 118
عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ):
اختلف المفسّرون في تفسير الآية اختلافاً شديداً والذي يمكن أن يؤخذ به أحد الأمرين التاليين:
الأوّل: إنّ هذه الآية تتضمّن حكماً غير الحكم الذي تضمّنته الآية المتقدّمة. فإنّ الأُولى من الآيتين تتضمّن حكم أموال بني النضير وأنّها تختصّ برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يضعها حسب المصلحة كما قال سبحانه:(وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ)، وأمّا هذه الآية فهي بصدد بيان ما هو الحكم الشرعي في الأفياء مطلقاً، أي التي حصلت بعد غزوة بني النضير، كبني قريظة (سنة 5) وفدك(سنة7) وأنّها ليست مختصّة بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل يقسمها حسب ما جاء في الآية، حيث جعل مطلق الفيء مصروفاً إلى ستة مصارف، وهذا هو الذي جعله الطبرسي القول الثاني، وقال: إنّ الآية الأُخرى بيان لأموال بني النضير خاصّة لقوله: (وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ).
وأمّا الآية الثانية فهي لبيان الأموال التي أُصيبت بغير قتال، وهذا هو الذي اختاره صديقنا الراحل الشيخ محمد جواد مغنية، قال: والذي ذكرناه من تخصيص الآية الأُولى بأموال بني النضير والآية الثانية بالفيء غير أموال بني النضير هو أرجح التفاسير في رأينا. والله أعلم بما أراد.1
والذي يُبعد هذا الرأي هو اتصال الآيتين والاشتراك في التعبير حيث إنّه سبحانه ابتدأ الآية الأُولى بقوله:(وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ) والآية الثانية بقوله:(مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ)، فكيف يمكن تخصيص الآية الأُولى ببني

1 . التفسير الكاشف: 7/286.

صفحه 119
النضير والثانية بمطلق الفيء؟!
ثمّ إنّ هذا القول يتوقّف على وجود الفاصل الزماني بين نزول الآيتين حتى تُحمَل الأُولى على مورد خاص، والثانية على مطلق الموارد.
الثاني: أنّ الآيتين تهدفان إلى معنى واحد، غير أنّ الآية الأُولى أجملت بيان المصارف واقتصرت على قوله: (عَلَى رَسُولِهِ)، وأمّا الآية الثانية فقد فصّلت مصارف الفيء فهي بيان لحكم المال الذي ذكره في الآية الأُولى.
والناظر في الآيتين يقف على صحّة ذلك بلا تكلّف، فقوله: (عَلَى رَسُولِهِ)في الأُولى، لا يعني أنّه للرسول لا للأصناف الستة، بل يعني أنّه للرسول دون أفراد الجيش والمشاركين في محاصرة بني النضير. ولمّا كان في قوله«للرسول» إجمال إذ لا معنى أن تكون الأموال الطائلة لشخص الرسول، رفعه بالآية الثانية.
ثم إنّه ربما يقال: إنّ مقتضى كون الآية الثانية بياناً للآية التي قبلها، أن تكون أموال بني النضير ممّا يخمّس، ولم يرو أحد أنّ رسول الله خمّسها بل ثبت ضدّه.
وعلى هذا يكون حكم أموال بني النضير حكماً خاصاً، أو تكون هذه الآية ناسخة للآية التي قبلها إن كانت نزلت بعدها بمدّة.1
يلاحظ عليه: ليس في الآية الثانية أي شاهد على لزوم التخميس حتى يلزم ـ من كونها بياناً للآية الأُولى ـ وجوب التخميس في أموال بني النضير، بل ظاهر الآية الثانية أنّ الفيء بأجمعه للأصناف الستة. والذي أوجب

1 . التحرير والتنوير:28/73.

صفحه 120
الاشتباه هو وجود الأصناف الستة في آية الغنيمة، قال سبحانه: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)،1 دون لفظ التخميس.
ولكن الفارق بين المقامين واضح، وهو وجود لفظ الخمس في سورة الأنفال دونه في آية الفيء.
فالغنيمة تُخمّس، والخمس للطوائف الست والأرباع الباقية للمجاهدين، بخلاف المقام.
ثمّ إنّه سبحانه ذكر مصارف الفيء فجعلها على أصناف:
1. سهم الله سبحانه (يُصرَف في سبيل الله).
2. سهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ما يصرفه في حاجاته الشخصية وما يحتاج إليه مقامه.
3. سهم ذوي القربى، ولا شك أنّ المراد قربى الرسول، لا مطلق أقرباء المسلمين، لأنّ اللام في القربى للعهد أي قرباه من بني هاشم، وذلك لحرمانهم من الزكاة.
وتوهُّم أنّ المراد أقرباء الناس جميعاً، مدفوع، لأنّه يستلزم شموله جميع المسلمين، لأنّ الناس بعضهم أقرباء بعض، ويدلّ على ذلك تقدّم الرسول، فاللام في «القربى» إشارة إليه أي قربى الرسول، والضابطة في تفسير ذي القربى في القرآن، رعاية ما سبقه، فلو كان المتقدّم هو الرسول أو النبي، فالمراد أقرباؤه، وإن كان غيره نظير: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبى)(2)

1 . الأنفال:41.   2 . النساء:36.

صفحه 121
فالمراد من يمتّ إلى الوالدين بصلة، والظاهر أنّ المراد من القربى مطلق القربى; وذلك لأنّ الإنفاق عليهم بملاك انتسابهم إلى النبي لا بملاك الفقر، بخلاف الأخيرين.
4ـ 6. سهم اليتامى، وسهم المساكين، وسهم أبناء السبيل. والسؤال: هل المراد أيتام بني هاشم ومساكينهم وأبناء سبيلهم، أو مطلق الأيتام والمساكين وأبناء السبيل؟
الظاهر هو الثاني، لأنّ سهم ذي القربى يعمّ كلّ مَن له وشيجة بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، سواء أكان يتيماً أو لا، مسكيناً أو لا، ابن سبيل أو لا، فتكون الأسهم الثلاثة الأخيرة لمطلق المسلمين.
وقال الشيخ الطوسي: إنّ المراد بهم الأيتام من أهل بيت رسول الله ومساكينهم وابن سبيلهم، لأنّ تقديره: ولذي قرباه ويتامى أهل بيته وابن سبيلهم، لأنّ الألف واللام تعاقب الضمير .1
وأمّا الروايات فهي مختلفة، فقد روى المنهال بن عمرو عن علي بن الحسين(عليه السلام) قال: قلت: قوله:(وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)قال: «هم قُربانا، ومساكيننا، وأبناء سبيلنا»، بينما روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر ]الباقر [(عليه السلام) أنّه قال: كان أبي يقول: «لنا سهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وسهم ذي القربى، ونحن شركاء الناس فيما بقي».2
قوله تعالى: (كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ).

1 . التبيان في تفسير القرآن: 9 / 564 .
2 . مجمع البيان:9/431.

صفحه 122
قد سبق أن قلنا: إنّ الدُولة ـ بالضم ـ ما يتداوله المتداولون، والدَولة ـ بالفتح ـ النوبة في الغلبة والملك، فتداول المال بين الناس من مقولة الدُولة ـ بالضم ـ و تداول الملك والرئاسة بين ملك أو رئيس وآخر،من قبيل الدَولة ـ بالفتح ـ .
هذه الفقرة تعليل لما قبلها، وهو تخصيص الفيء بالأصناف الستة، دون الأغنياء من الأنصار، كما هو ظاهر قوله: (بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) .
وتداول الأموال بين الناس وعدم اختصاصها بطائفة دون طائفة من مقاصد الشريعة، فمن أمعن في الفقه الإسلامي يجد ذلك بسهولة، فعناوين المعاملات تكشف أنّ غرض التشريع الإسلامي بالنسبة للأموال، هو انتفاع كلّ منها حسب استعداده وكفاءته، فقد شرّع عقود المعاملات إمّا بمبادلة مال بمال، أو مبادلته بالانتفاع بالعين، أو كون المال من طرف والعمل من طرف آخر، كالمضاربة والمساقاة، وفي الوقت نفسه حرّض على العمل وجعل في أموال الأغنياء حقوقاً للفقراء من الزكوات والأخماس والكفّارات وجعل للمواريث حدوداً وضوابط، كلّ ذلك لأجل انتفاع أبناء المجتمع من تداول الأموال، دون أن ينقسم المجتمع إلى طبقة ثرية تملك كلّ شيء، وطبقة فقيرة تفتقر إلى كلّ شيء . قال أمير المؤمنين علي(عليه السلام): «إنّ الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء: فما جاع فقير إلاّ بما مُتِّعَ به غنيّ، والله تعالى سائلهم عن ذلك».1
والآية تهدف إلى أنّه يجب أن تكون الأموال بنحو يتناولها الأغنياء

1 . نهج البلاغة: قصار الحِكم، برقم 328.

صفحه 123
والفقراء معاً وأن تسود العدالة في المجتمع.
ومن الغريب تفسير الآية بإلغاء المُلكية الفردية وإقرار المُلكية الجماعية، مع أنّ الآية لا صلة لها بهذه النظرية التي ثبت بطلانها بانهيار الشيوعية و(الاتحاد السوفياتي)، فإنّ في إلغاء المُلكية الفردية وتفويض المُلكية للدولة، إماتة للبواعث والحوافز الداخلية التي تبعث الإنسان نحو العمل والإنتاج والحصول على المال.
نعم من له نزعة اشتراكية يفسر الآيات وفق نزعته.
وهنا نكتة يجب إلفات نظر القارئ إليها، وهي أنّ الاتحاد السوفياتي كان يمثّل المعسكر الشرقي، في قبال المعسكر الغربي الذي تتزعّمه أمريكا، وكانت هاتان الدولتان الكبريتان تناطح إحداهما الأُخرى، وتتسابقان في كلّ المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية وغيرها.
ومع ذلك نرى أنّ الاتحاد السوفياتي قد انهار في أواخر القرن العشرين تماماً واستقلت الجمهوريات الّتي كان يتشكّل منها، بعد سيطرة الحكومة المركزية عليها لسنوات طوال، والأسباب الّتي أدت إلى هذه النتيجة عديدة، من أهمّها:
الأوّل: الانغماس في الجوانب المادية، وإلغاء التوجّهات الروحية، وقد أدّى ذلك إلى تنكّر الشعب للفضائل الأخلاقية، والأُسس الّتي تُبنى عليها الحضارة الإنسانية الواقعية، ومن ثم طغيان الفساد والشرور والآثام، واندحار المُثل والقيم الإنسانية.
وهذا ما اعترف به الدكتور غورباتشوف، آخر رؤساء الاتحاد السوفياتي .

صفحه 124
الثاني: السعي إلى إلغاء الملكية الفردية وتأميم كلّ وسائل الإنتاج، استناداً إلى قاعدة (من كلٍّ حسب طاقته ولكل حسب عمله) المقرّرة في المرحلة الاشتراكية، وقاعدة (من كل حسب طاقته ولكلّ على حسب حاجته) المقرّرة في المرحلة الشيوعية، وقد أدّى ذلك إلى قتل الحوافز الذاتية، والدوافع الشخصية نحو بذل المزيد من الجهد في العمل، وزيادة الانتاج.
ومن المعلوم أنّ محاولة تطبيق هاتين القاعدتين في المجتمع، قد أفضت إلى ضعف الهمم وخمود العزائم باتجاه العمل وزيادة الانتاج، ومن هنا عانى الاتحاد السوفياتي ـ مثلاً ـ من انخفاض الإنتاج الزراعي، الأمر الّذي اضطر الحكومة إلى استيراد الحنطة من الدول الغربية، ممّا صار يولّد ضغطاً سياسياً على الاتحاد السوفياتي، وقد استغل المعسكر الغربي حاجة هذا المنافس القوي بفرض شروط قاسية آلت بالأخير إلى انهيار النظام السياسي، وتفكّك البلاد بأكملها.
قوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) قد مر أنّ المراد من الإيتاء هو الأمر، أي إيتاء التشريع الإلهي إلى الناس.
والآية تدلّ على أنّه يجب على المسلم التسليم أمام تشريع السماء الذي يبلّغه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وليس له أن يعترض عليه; وذلك لأنّ معنى الإسلام هو التسليم أمام تشريع الله، قال سبحانه:(فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيًما).1

1 . النساء:65.

صفحه 125
وفي هذه الفقرة تعريض بمن استنكر عمل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في تقسيم أموال بني النضير على المهاجرين فقط، وذلك لأنّه لم يكن نابعاً عن وشيجة قبلية، وإنّما هو بأمر من الله سبحانه حيث كان المهاجرون يعيشون في فقر مدقع، وبما أنّ الفقر هو الملاك، دفع(صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً من الأموال لعدد من الأنصار الذين كانوا كالمهاجرين في الفقر والحاجة.
قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) .
أمر بالاتّقاء من مخالفة الله سبحانه، فإنّ مخالفته تنتهي إلى عقوبته وهو شديد العقاب.
وممّا يجدر ذكره في المقام أنّ (قرية فدك) هي إحدى القرى المثمرة في أطراف المدينة، وقد استسلم أهلها بعد سقوط قلاع خيبر للجيش الإسلامي، الّذي بدأ يفتح القرى والقلاع واحدة بعد أُخرى، فاصطلحوا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)على النصف، أي تكون أراضيهم وبساتينهم نصفاً لهم ونصفاً لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)على أن يقوموا هم بزراعة ما لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في مقابل أجر. فلمّا نزل قوله سبحانه: (فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ)1 أعطى رسول الله (فدكاً) لفاطمة (عليها السلام).
وفي الدر المنثور: أقطع رسول الله فاطمة فدكاً.2
وقد كانت هذه القرية فَيئاً بيد بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وفيها أموالها، ولمّا ارتحل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)صودرت حسب ما يقول الإمام علي(عليه السلام): «بلى، كانت

1 . الروم:38.
2 . الدر المنثور:4/177.

صفحه 126
في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السماء، فشحّت عليها نفوس قوم، وسَخَتْ عنها نفوس قوم آخرين، ونعمَ الحَكَم الله»1.
نعم رافقت قصة فدك أحداث مؤلمة حيث غصبت في فترة من الفترات، ثم أُرجعت إلى أبناء علي في فترة أُخرى، وهكذا كانت تتنقل بين أخذ وردّ، فصار القبض والإرسال أمراً سياسيّاً، لا لغاية مالية بعد ما كانت كذلك في الصدر الأوّل، لأنّ الدولة ملكت بفضل الفتوحات الأموال الطائلة، ونالت زخارف الدنيا وزينتها، والتفصيل في محلّه.
سورة الحشر: الآيات 8 ـ 10   
***

الآيات: الثامنة إلى العاشرة:

(لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَ لإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ).

1 . نهج البلاغة: الكتاب رقم 45.

صفحه 127

المفردات

تبوّأ (المكان): حلّ فيه، والمراد بالدار هنا: المدينة المنورة، والمعنى: الذين عمروا المدينة وسكنوها.
الحاجة: يراد بها المعنى المصدري، أي الاحتياج وأُخرى المحتاج إليه، وقد تفسّر هنا بالغيظ، وهو تفسير باللازم كما سيوافيك .
قوله: «والإيمان» عطف على الدار، والعامل فيه محذوف بمعنى: آثروا الإيمان، نظير قوله: علفتها تبناً وماءً بارداً.
ويحتمل أن تكون الواو للمعيّة، ويكون الإيمان مفعولاً معه، أي اتّخذوا المدينة سكناً ومأوىً مع الإيمان، نظير قوله: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكَاءَكُمْ).1
ويظهر من السيد الرضي أنّ عطف الإيمان على الدار عطف حقيقي وأنّ التبوُّء يصدق عليهما على نهج سواء، من دون حاجة إلى تقدير فعل قبل الإيمان. قال بعد ذكر الآية: «وهذه استعارة، لأنّ تبوُّء الدار هو استيطانها والتمكّن فيها ولا يصحّ حمل ذلك على حقيقة في الإيمان، فلابدّ إذن من حمله على المجاز والاتّساع، فيكون المعنى أنّهم استقرّوا في الإيمان كاستقرارهم في الأوطان، وهذا من صميم البلاغة ولباب الفصاحة، وقد زاد اللفظ المستعار هاهنا معنى الكلام رونقاً، ألا ترى كم بين قولنا استقروا في الإيمان وبين قولنا تبوّءُوا الإيمان، وأنا أقول أبداً أن الألفاظ خدم للمعاني،

1 . يونس:71.

صفحه 128
لأنّها تعمل في تحسين معارضها وتنميق مطالعها» 1.
الإيثار: ترجيح شيء على غيره مع الحاجة إليه، أو تقديم الغير على النفس.
الخصاصة: الفقر والحاجة، قال الراغب: خصاص البيت فرجه، وعبّر عن الفقر الذي لم يُسدّ بالخصاصة، كأنّ الفقر فرج في حياة الإنسان.
يُوق: فعل مضارع مجهول من الوقاية أي الحفظ.
الشُّحّ: بخل مع حرص على ما في يد الغير، بخلاف البخيل فإنّه يبخل بما في يده دون حرص على مال الغير. وفي مجمع البيان: لا يجتمع الشُّح والإيمان في قلب رجل مؤمن، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف رجل مسلم 2.
الغِلّ ـ بكسر الغين ـ :الحقد والغشّ.
قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ جَاءُوا) عطف على قوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)، والضمير في (مِنْ بَعْدِهِمْ ) يرجع إلى الفريقين المهاجرين والأنصار. ومن المحتمل أن يكون: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) كلاماً مستأنفاً، والموصول مبتدأ خبره: (مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ).

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن : 285، مطبعة عالم الكتب، بغداد، 1406 هـ ـ 1986 م .
2 . مجمع البيان: 9 / 393 .

صفحه 129
 
التفسير
8 . (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ):
قوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ) بدل ممّا ورد في الآية السابقة، وهناك احتمالات خمسة:
1. أن يكون بدلاً من قوله «فلله» في:(مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَللهِ).
2. أن يكون بدلاً من الأصناف الأربعة المذكورة في قوله:(وَلذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ).
3. أن يكون بدلاً من الأصناف الثلاثة الأخيرة، وعلى كلّ تقدير فاللام في قوله:«للفقراء» متعلّقة بقوله:(مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ) فكأنّه قال: «ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله...وللفقراء والمهاجرين» وأُعيدت اللام مع أنّ مقتضى البدل عدم تكرارها، وذلك لوجود فصل طويل بين البدل والمبدل منه.
4. أن تكون جملة ابتدائية على حذف المبتدأ والتقدير: «ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله... وللفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم».

صفحه 130
5. أن تكون الجملة معطوفة بحذف حرف العطف على طريقة التعداد، كأنّه قيل: فلله وللرسول ـ إلى آخره ـ وللفقراء المهاجرين.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى مناقشة الوجوه الخمسة:
أمّا الأوّل، أي أنّه بدل من قوله تعالى: (فَللهِ...) فالمراد به سبيل الله، وتقسيم الغنائم بين المهاجرين من مصاديق سبيل الله أي ما فيه رضاه، وعلى ذلك لا يكون المهاجرون من سهماء الفيء بل من مصاديق سهم واحد وهو سبيل الله.
وأمّا الوجه الثاني ـ أي جعله بدلاً من الأصناف الأربعة ـ فمعنى ذلك اشتراط الفقر فيهم، ولكنّه أمر غير صحيح إذ لا يشترط الفقر في ذوي القربى; لأنّ الله سبحانه علّق الاستحقاق بالقرابة، بخلاف الثلاثة الأخيرة حيث علّقه بعناوين تلازم الفقر، كاليتامى والمساكين وابن السبيل.
وأمّا الوجه الثالث ـ أي يكون بدلاً من الثلاثة الأخيرة ـ فلا إشكال فيه، غير أنّ لازم الوجهين الأخيرين كون المهاجرين الفقراء أحد السهماء في الفيء بحذف القول الأوّل فهم من مصاديق أحد السهام، أعني في سبيل الله.
وأمّا الوجه الرابع والخامس، فيكون فقراء المهاجرين مصارف مستقلة للفيء، وهذا خلاف الظاهر لما تقدّم من أنّ المراد من اليتامى والمساكين وابن السبيل كلّ من صدقت عليه هذه العناوين، والفقراء المهاجرين من مصاديق أحد هذه العناوين الثلاثة.
وعلى كلّ تقدير فهذه الآية تعدّ الفقراء من المهاجرين ممّن يجوز صرف الفيء فيهم، سواء أكانوا مصارف مستقلة أو من مصاديق في سبيل الله، أو فروعاً من العناوين الثلاثة.

صفحه 131
ثم إنّه سبحانه وصف المهاجرين الذين خُصّوا بأموال بني النضير بالأُمور التالية:
1. كونهم فقراء.
2. أُخرجوا من ديارهم وأموالهم.
3. ابتغاؤهم فضلاً من الله، أي رزقاً من الله. ويمكن أن يراد به الثواب.
4. يبتغون رضواناً من الله.
5. ينصرون الله ورسوله في الغزوات وغيرها.
6. أُولئك هم الصادقون.
وهؤلاء الذين شُرّدوا من ديارهم وأموالهم رغبة في مرضاة الله وثوابه ونصرة الإسلام، أولى بالفيء والزكاة لفقرهم، وجهادهم.
ولا شك أنّ المهاجرين كانوا عند نزول هذه الآية على الأوصاف التي ذكرها الله سبحانه في كتابه، ولكن النجاة والفوز رهن بقائهم على هذه الصفات حتى يلاقوا ربهم سبحانه، فربَّ إنسان كان عابداً عالماً مهتدياً، ثمَ يزيغ عن سبيل الهدى، ويتّبع الهوى، ويرتكس في الضلال، قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا).1

1 . الأعراف: 175 ـ 176.

صفحه 132
فهذا الرجل كان قد بلغ من القداسة درجة آتاه الله معها آياته، كما يدلّ عليه قوله سبحانه: (آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا ) ولكنّه انسلخ، بعد ذلك، من الآيات ومن الإيمان، وصار تابعاً للشيطان، ومن هنا لا يمكن الحكم بصلاح الإنسان بمجرد كونه في فترة من عمره على صلاح وفلاح، ولذلك فتح البخاري في صحيحه باباً باسم: «باب الأعمال بالخواتيم».
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ العبد ليعمل فيما يرى الناس عمل أهل الجنة وإنّه لمن أهل النار، ويعمل فيما يرى الناس عمل أهل النار وهو من أهل الجنّة، وإنّما الأعمال بخواتيمها».1
وهذا هو قارون بني إسرائيل كان يقرأ التوراة بصوت حسن، ولكنّه ساء سلوكه فخسف سبحانه به وبداره وكنزه.(2)
وعلى ضوء ذلك، فما مرّ من الآيات التي تُثني على فئات من الصحابة لا يُحتجّ بها على صلاحهم إذا ثبت بالأدلّة القطعية انحرافهم عن الطريق المهيع، واقترافهم المعاصي، ومجانبتهم للحق والحقيقة.
وممّا لا شكّ فيه وقوع التشاجر بين الأصحاب، كما دارت بينهم معارك دامية، قُتل على أثرها لفيف من البدريين والأُحديين وغيرهم من المسلمين الأبرياء وعندئذ يقال: إنّما العبرة بخواتيم الأعمال، وإن ثناء القرآن عليهم إنّما كان بحسب ملابساتهم وأحوالهم يوم ذاك، فكانوا من الصلحاء وليس من المستحيل أن ينسلخ بعضهم من تلك الأحوال كما انسلخ غيرهم.
***

1 . صحيح البخاري:7/188، كتاب الرقاق.   2 . لاحظ سورة القصص:81 .

صفحه 133
9. (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ):
كانت الآية السابقة واردة في وصف المهاجرين، وهذه الآية تتبنى بيان صفات من سكن المدينة قبل نزول المهاجرين فيها وعمَروها في حال كونهم مؤمنين، وبذلك صارت مهيّأة لنزول المهاجرين وسكناهم فيها.
وقد وصفهم سبحانه بالأوصاف التالية:

1. (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)

أي من المسلمين; وذلك لأنّ الإسلام جعل الجميع أُخوة، نعم من شأن القبائل أن يتحرّجوا من الذين يهاجرون إلى ديارهم، ولكن هؤلاء لا يتحرّجون بل يحبون من يهاجر إليهم لوجود العلقة الدينية التي هو أقوى من العلقة النسبية، يقول سبحانه: (وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ).1

2. (وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا)

الضمير المتصل في (أُوتُوا) يرجع إلى المهاجرين، والمعنى أنّ الأنصار لا يجدون في نفوسهم رغبة إلى أخذ شيء ممّا أُوتي المهاجرون من

1 . الأنفال:74.

صفحه 134
أموال بني النضير، فالفقرة ثناء على الأنصار; لأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خصّ المهاجرين بأموال بني النضير. ومع أنّ طبيعة هذا العمل من شأنها تثير الحقد والغيظ في نفوس الآخرين ، ولكن الأنصار كانوا على خلاف ذلك، لأنّهم كانوا في غنى فرضوا بذلك، بينما كان المهاجرون في حاجة، لأنّهم كانوا غرباء.

3. (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)

لقد بلغ الأنصار في فضائل الأخلاق درجة أقدموا معها على تقديم المهاجرين على أنفسهم حتى لو كانت عندهم حاجة، وهذه الفقرة قد عرّفتهم بدرجة أعلى من الفقرة السابقة، حيث وصفتهم أوّلاً بأنّهم لا يجدون في نفوسهم رغبة في ما أُوتي المهاجرون، أو غيظاً وغلاًّ من ذلك.
ثم وصفتهم هذه الفقرة بالإيثار على أنفسهم حتى لو كانوا في فاقة، وكانت لديهم حاجة إلى ما أُوتي المهاجرون، وذلك من أسمى درجات التضحية .

4. (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)

أي فمن وقي شحّ نفسه، فأُولئك هم الفائزون بثواب الله ونعيم جنته، ويظهر من بعض الآيات أنّ الشحّ لا يفارق الإنسان ولكن الناجح هو من يلجمها،قال سبحانه:(وَ أُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ)1، فكأنّ الشحّ حاضر مع الإنسان لا يفارقه، فمن تمكّن من السيطرة عليها فهو الفالح الناجح.
إلى هنا تمّ وصف الأنصار بهذه الأوصاف العالية، والمفسّرون ـ حسب

1 . النساء:128.

صفحه 135
ما حضرني من التفاسير ـ يحملون الآية على الإخبار بمعنى أنّه سبحانه يخبر عن أحوالهم وأنّهم كذلك، ولكن من المحتمل أن يكون غير الوصف الأوّل (التبوُّء) بصدد الإنشاء، أي يليق أن يكونوا على وفق هذه الأوصاف، فالآية بصدد التحريض على اكتساب هذه الصفات.
والإخبار بصدد الإنشاء كثير في كلام العرب، حيث يقول الوالد للولد: ولدي يصلّي، والمعنى : صلِّ... .
وعلى ذلك تكون الآية بصدد حثّ الأنصار على أن يَتحلَّوا بهذه الصفات ويكتسبوا هذه المحامد.
نعم، لا يمكن إنكار وجود أرضية صالحة عندهم للتسامي إلى هذه الدرجات الرفيعة، والذي يدلّ على ذلك ـ أي أنّهم ربّما كانوا يجدون في أنفسهم حاجة نابعة من تخصيص النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الغنائم لغيرهم ـ ما ذكره ابن هشام في أمر أموال هوازن وسباياها،قال: لمّا أعطى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجَد هذا الحيُّ من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت منهم القالة1، حتى قال قائلهم: لقي والله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قومَه، فدخل عليه سعد بن عُبادة، فقال: يا رسول الله، إنّ هذا الحىّ من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم، لما صنعتَ في هذا الفيء الذي أصبت، قَسَمْت في قومك، وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء.
ثمّ إنّ سعداً قد جمع الأنصار للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وحضروا عنده، فخطب(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . القالة: الكلام الرديء .

صفحه 136
فيهم، قائلاً: «يا معشر الأنصار، ما قالةٌ بلغتني عنكم، وجِدَة وجدتموها علىّ في أنفسكم، ألم آتكم ضُلاّلاً فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداءً فألف الله بين قلوبكم...» إلى آخر ما ذكره.
فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قَسْماً وحظّاً. ثم انصرف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وتفرّقوا.1
وما ذكرناه من الاحتمال ـ والله أعلم ـ يأتي في قوله سبحانه:(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا...).(2)
فالآية كما تحتمل الإخبار عن أوصاف صحابة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) تحتمل ـ أيضاً ـ أن تكون إخباراً بقصد الإنشاء، أي يجب أن يكونوا على هذه الصفات العالية : خصماء للكفّار، رحماء بينهم، ناشدين لمرضاة الله تعالى. والّذي يقوّي هذا الاحتمال أنّ قسماً منهم لم يكونوا بهذه الصفات في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يكونوا كذلك بعد رحيله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويشهد لذلك ما وقع بينهم من نزاع وشقاق، ومن معارك دامية أُريقت فيها دماء الآلاف من الأبرياء، وحسبك من ذلك معركة الجمل الّتي خاضها الناكثون ضد الإمام والخليفة الشرعي.
نعم، لو قلنا باختصاص الآية بحياة الصحابة في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)لتعيّن القول بأنّ الآية بصدد الإخبار عن الصفوة منهم.
***

1 . السيرة النبوية لابن هشام:2/498ـ500.   2 . الفتح:29.

صفحه 137
10. (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَ لإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ):
ذكر سبحانه في الآيتين الثامنة والتاسعة أوصاف المهاجرين والأنصار، وذكر في هذه الآية أوصاف طائفة ثالثة، وهم التابعون (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) أي من بعد المهاجرين والأنصار معهم، ولم تعنِ الآية التابعين بالمصطلح الرجالي، أي من لم ير الرسول بل رأى من رآه. بل إنّ المراد بهم كلّ من جاء من بعد الطائفتين وسار بسيرتهم إلى يوم القيامة.
والأوصاف التي ذكرت في الآية ، هي:
1. (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَ لإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ).
أي أنّهم يدعون ويستغفرون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان.
2. (وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا) فهم يسألون الله سبحانه أن يزيل الغشّ والحقد والعداء عن قلوبهم، إذ يستحيل أن يجتمع الإيمان مع الغلّ على الأخ في قلب المؤمن; لأنّ الحقد على المؤمن حقد على النفس، والمؤمنون كالجسد الواحد....
3. (رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ): أي يسألونه سبحانه بما أنّه رؤوف رحيم أن ينزّه قلوبهم من الغلّ والنفاق.
وهذه الأدعية الثلاثة تختلف مضموناً، فهم في الدعاء الأوّل يسعون في إصلاح أنفسهم ويطلبون العفو والرحمة من الله لتلك الغاية، وفي الدعاء

صفحه 138
الثاني يطلبون العفو والمغفرة من الله لإخوانهم، وفي الدعاء الثالث يركّزون على تصفية نفوسهم من الرذائل والضغائن لمن سبقهم في الإيمان.
وفي هذه الأدعية الثلاثة مقابس نور لعامّة المسلمين، ولكلّ الأجيال ينبغي أن يستضيئوا بها في سلوكهم وتعاملهم مع إخوانهم بالصفاء والأُخوّة.
ومن المعلوم أنّ مجرد الدعاء غير كاف لاستجابته، بل يجب على الداعي السعي في مقدّمات استجابة دعوته وتهيئة النفس لنزول البركات من الله سبحانه وزوال الرذائل.
وممّا يدلّ على ما ذكرنا من الاحتمال من أنّ الآية بصدد الإنشاء لا الإخبار عن الواقع المحقّق، هو أنّ مضمون هذه الآية يشمل كلّ من وجد ويوجد من المسلمين إلى يوم القيامة، مع أنّ الجميع لم يكونوا على وتيرة واحدة، فكم من مسلم ينغِل قلبُه على أخيه المسلم، وكم من طائفة تحمل الحقد والعداء لطائفة أُخرى.
والتاريخ حافل بالحروب الدامية الّتي وقعت بين المسلمين، ومن أوضحها دلالة على أنّ إحدى الطائفتين المتقاتلتين كانت منقادة لغلّها وحقدها، تلك الحروب الّتي خاضها الناكثون والقاسطون والمارقون مع الإمام علي(عليه السلام)، لأنّ الحق كان مع إحدى الطائفتين. وعلى هذا، فمن الغريب جداً ما ذكره ابن عاشور في تفسيره حول هذا الأمر، حيث قال: وأمّا ما جرى بين عائشة وعلىّ من النزاع والقتال، وبين عليّ ومعاوية من القتال، فإنّما كان انتصاراً للحق في كلا رأيَي الجانبين، وليس ذلك لغلّ أو تنقّص، فهو كضرب القاضي أحداً تأديباً له، فوجب إمساك غيرهم من التحزّب لهم بعدهم، فإنّه

صفحه 139
وإن ساغ ذلك لآحادِهم لتكافؤ درجاتهم أو تقاربها... إلخ.1
ولا أدري كيف يقول ذلك، وقد ملأ أسماع الخافقين إخبار رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) للإمام علي(عليه السلام)بأنّه سيقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين؟!
قال الحافظ ابن كثير : قال الحاكم: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن دُحيم الشيباني، حدثنا الحسين بن الحكم الحبري، حدثنا إسماعيل بن أبان، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الأزدي، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: أمرنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فقلت: يا رسول الله! أمرتنا بقتال هؤلاء، فمع مَنْ؟ فقال: «مع علي بن أبي طالب معه يقتل عمار بن ياسر».2
وقال: قال الحافظ: حدثنا الإمام أبو بكر أحمد بن الحسن الفقيه، أنا الحسن بن علي، حدثنا زكريا بن يحيى الخراز المقرئ، حدثنا إسماعيل بن عباد المقرئ، حدثنا شريك، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأتى منزل أُمّ سلمة، فجاء علىّ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا أُمّ سلمة هذا والله قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين من بعدي».3
وروى الحاكم بإسناده عن أبي أيوب: أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.4

1 . التحرير والتنوير:28/87ـ88.
2 . البداية والنهاية: 7 ـ 8/317.
3 . البداية والنهاية: 7 ـ 8/317 .
4 . المستدرك على الصحيحين:3/139 .

صفحه 140
وروى النَّسائي بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري، قال: كنّا جلوساً ننظر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فخرج إلينا قد انقطع شسع نعله، فرمى به إلى علي(عليه السلام)، فقال: إنّ منكم رجلاً يقاتل الناس على تأويل القرآن، كما قاتل على تنزيله، قال أبو بكر: أنا؟ قال: لا، قال عمر: أنا؟ قال: لا، ولكن خاصف النعل .1
فإذا اتّضح الحق بنصّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهل يكون فعل المقابل انتصاراً له؟! ثمّ كيف يسوّغ ابن عاشور لبعضهم ذلك النزاع، بقوله «لتكافؤ درجاتهم أو تقاربها»؟! وهل تكون درجة من خالفت نصّ القرآن الكريم، الذي أمر نساء النبي بقوله:(وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)2 متكافئة أو متقاربة مع من قال فيه (صلى الله عليه وآله وسلم): «عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ، لن يتفرّقا حتّى يردا عليَّ الحوض» .3
***
سورة الحشر: الآيات 11 ـ 14    

الآيات: الحادية عشرة إلى الرابعة عشرة

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لاَ يَنْصُرُونَهُمْ

1 . خصائص أمير المؤمنين: 134، الحديث 152. وانظر: المستدرك على الصحيحين: 3 / 122 ـ 123، وفيه:(إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله).
2. الأحزاب:33.
3 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 124، وصححّه الحاكم، وأقرّه الذهبي.

صفحه 141
وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ * لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ * لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرى مُحَصَّنَة أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُر بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ):

التفسير

11. (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ):
تضمّنت الآيات السابقة ما يرجع إلى أوصاف الطوائف الثلاث: المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وأمّا هذه الآية فتعرّضت لذكر المنافقين الذين يُظهرون الإيمان ويُبطنون الكفر، وكان يرأسهم عبد الله بن أُبيّ بن سلول الأوسي. وعدّهم سبحانه إخواناً لليهود لاشتراكهم معهم في المقصد والمأرب، وهو معاداة الرسول ومن آمن به، فصار ذلك وسيلة لارتباطهم وتوافقهم، حيث قال:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ).
روى السيوطي في «الدر المنثور» عن ابن عباس: أنّ رهطاً من بني

صفحه 142
عوف ابن الحارث منهم عبد الله بن أُبي بن سلول، ووديعة بن مالك، وسويد، وداعس، بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنّعوا فإنّا لا نُسلِمكم وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم.1
وسياق الآيات والمأثورات يدلّ على أنّ المراد من قوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا)هم بنو النضير، لا بنو قينقاع، لأنّهم شُرّدوا من قبل، ولا بنو قريظة الذين سار إليهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بجيشه عقيب غزوة الأحزاب في السنة الخامسة للهجرة.
ثمّ إنّ المنافقين وعدوهم بالوعود التالية، بعد أن أرفقوها بالقسم (حيث إنّ قولهم «لئن» موطئة للقسم):
1. (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ)، أي نحن لا نفارقكم في الخروج، وكأنّه كناية عن النصر، فإنّ المنافقين لا يفارقون بلادهم.
2. (وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا)، أي لا نُصغي أبداً لقول أيّ إنسان يشير علينا بمفارقتكم.
3. (وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ )، أي نُعينكم في القتال.
ثمّ إنّه سبحانه يصف أصحاب هذه الوعود بالكذب، ويقول في توكيد شديد:(وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)،.. فوعودهم إذن خاوية، لا تثبت عند الامتحان، وسيفضحها واقع الأحداث، كما بيّن ذلك سبحانه في الآية التالية.
***

1 . الدر المنثور:8/115.

صفحه 143
12. (لَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لاَ يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ):
في هذه الآية أخبار غيبية ثلاثة، حيث إنّ الضمائر في قوله: (أُخْرِجُوا)و (مَعَهُمْ)، و (قُوتِلُوا) وغيرها، تعود إلى الذين كفروا من اليهود، فالله سبحانه يكذّب المنافقين في أقوالهم ووعودهم، ويخبر أنّهم لا يوفون بها، وأنّ مواقفهم ستكون على هذه الأنحاء:
1. (لَئِنْ أُخْرِجُوا ] اليهود [ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ).
2. (وَلَئِنْ قُوتِلُوا لاَ يَنْصُرُونَهُمْ).
3. ثم يرتقي في تكذيبهم على ما وعدوا به إخوانهم ويقول : (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ) ـ على فرض المحال ـ (لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ)، أي يفرون ولا يثبتون مع اليهود بل يسلمونهم إلى مصيرهم المجهول.
يُشار إلى أنّه لا منافاة بين الإخبار بعدم نصرهم إذا قوتلوا وبين قوله: (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ)، فإنّ الفقرة الثانية وردت فرضاً، أي لو فُرض أنّهم ينصروهم، فإنّ ذلك لا ينفعهم، وسوف ينهزمون من فورهم هذا، ويتركون الساحة ولا يثبتون في ميدان الدفاع.
ثمّ إنّ بعض المفسّرين قالوا بأنّ الآية ناظرة إلى الذين لم يخرجوا ولم يقاتلوا وهم بنو قريظة وأهل خيبر، وأمّا بنو النضير فقد أُخرجوا قبل ]نزول [هذه السورة، فهم غير معنيّين بهذا الخبر المستقبل، والمعنى: لئن أُخرجت بقية اليهود في المستقبل لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا في المستقبل لا ينصرونهم.1

1 . التحرير والتنوير:28/90.

صفحه 144
يلاحظ عليه: أنّه يلزم من ذلك، التفكيك في سياق الآيتين ومضمونهما، فإنّ الوعود الكاذبة الّتي وردت في الآية الحادية عشرة ، قد صدرت من المنافقين في حق بني النضير، وقد مرّ أنّ رئيس النفاق مع صحبه وعدوا بني النضير بتلك الوعود.
فإذا كانت هذه الآية ناظرة إلى بني النضير، تكون الآية بعدها (والتي هي بصدد تكذيبهم) ناظرة إليهم أيضاً، ولا دليل على نزول الآيات بعد نزوح بني النضير وخروجهم من المدينة، ولعلّ الآيتين نزلتا أيام الحصار الّذي دام خمساً وعشرين ليلة.1
نعم بالنظر إلى صدر السورة ـ أعني قوله:(هُوَ الذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ) ـ يبدو القول بنزول هذه الآيات بعد خروجهم وجلائهم من المدينة; لأنّ الآية تخبر عن خروجهم قبل نزول هذه الآيات، ومع ذلك لا يمكن الاعتماد على هذا، لاحتمال نزول الآيتين قبل نزول أوّل هذه السورة، والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بوضعهما في مكانهما هذا من السورة.
وعلى كلّ تقدير فقد اشتملت الآية على أخبار غيبية ثلاثة.
والقرآن الكريم يشتمل على أخبار غيبية أُخرى من غير فرق بين خبر غيبي كوني حول السماء و الأرض أو في المجتمع، نظير قوله سبحانه: (غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ).2

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 3 / 246، دار إحياء التراث العربي.
2 . الروم: 2 ـ 3 .

صفحه 145
وقد قمنا بجمع ما ورد من الأخبار الغيبية في الذكر الحكيم في موسوعتنا «مفاهيم القرآن».1
***
13. (لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ):
هل الضمير في قوله (صُدُورِهِمْ) يعود إلى الذين نافقوا أو يعود إلى الذين كفروا، أو يرجع إليهما معاً؟
وبعبارة أُخرى: هل يرجع إلى المنافقين أو إلى اليهود من بني النضير أو إلى الجميع؟ في ذلك وجوه، والمُختار في «التبيان» وغيره أنّه يعود إلى المنافقين.(2)
وعلى كلّ تقدير، فالآية تعليل لقوله:(لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ)، وكأنّ سائلاً يسأل عن وجه فرار المنافقين أو عدم انتصار بني النضير، فأُجيب بأنّهم يخافون من المؤمنين ويرهبونهم أشدّ من خوفهم من الله سبحانه، ولذلك يقول: لأنتم ـ أيّها المسلمون ـ أشدّ رهبة وخوفاً في صدور هؤلاء من رهبة الله وخوفه، مع أنّ المفروض أن يكون العكس، إذ أين التراب من ربّ الأرباب؟! وأين قوة الإنسان من قوة الخالق وقدرته؟ وأمّا هذا الخوف والهلع من المسلمين فهو نابع من (أَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ) أي أنّهم لا يعرفون الله وقدرته وشدة عقابه، لغلبة الأفكار المادية على عقولهم، وهذا شأن كلّ جاهل

1 . انظر: مفاهيم القرآن: 3/349ـ 394.   2 . التبيان في تفسير القرآن: 9 / 568 .

صفحه 146
بعظمة الله، فترى أنّ بعض العصاة يخافون الشرطة أكثر ممّا يخافون من الله سبحانه، استناداً إلى أنّ عقاب الأوّل عقاب عاجل، وعقاب الله عقاب آجل.
***
14. (لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرى مُحَصَّنَة أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُر بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ):
تكشف هذه الآية الكريمة عن صفة راسخة لدى اليهود، وهي الجُبن والخوف من خوض القتال مع خصومهم وجهاً لوجه، والدليل على ذلك أمران:
1. (لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرى مُحَصَّنَة )، أي قرى ممنوعة ومحكمة.
2. (أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُر)، وجدر جمع جدار.
وحاصل المعنى: أنّهم يخافونكم أشدّ الخوف بشهادة أنّهم لا يواجهونكم في ساحات القتال، بل يتحصّنون إمّا بقرى محصنة، أو بأسوار القرى.
فلو كانت عندهم شجاعة روحية وإرادة نضالية لخرجوا من القرى ومن وراء الجدر للدفاع عن دورهم وأفنيتهم بالقتال والحرب، ولكنّهم غلب عليهم الخوف والجبن، ولذلك يرمونكم بالنبل والحجارة من داخل القرى أو من وراء السور.

صفحه 147
وهذه الصفة، صفة الجبن، الّتي لزمتهم، إنّماهي نتيجة طبيعية لتفكيرهم الماديّ، وحرصهم الشديد، وحبّهم الجمّ للدنيا، فهم يحرصون على البقاء في هذه الحياة، حتى وإن كانت حياة تافهة لا عزّة فيها ولا كرامة (وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاة )1، وهم يكرهون الموت ويخشَون مواجهته بما قدّمت أيديهم من شرور وجرائم، وبما اكتسبت نفوسهم من معاص وآثام.
واليهود اليوم في حاضرهم، لا يختلفون عن يهود الأمس في ماضيهم، فكما أنّهم كانوا يستترون كالفئران في القلاع ووراء الجدر، تجدهم اليوم، في فلسطين المحتلّة، يقيمون (جدار الفصل العنصري) فيها، خوفاً من أن ترصدهم عيون المجاهدين والمناضلين، وفراراً من أن تنال منهم سواعدهم القوية. وهم يسعَون إلى حيازة أكثر الأسلحة تطوّراً في العالم لهذا الغرض، فيلوذون بدبّاباتهم الّتي أُثقل هيكلها الحديديّ المتين بأكوام أُخرى من الحديد!!! ويصبّون حُمم أحقادهم على الأبرياء العُزّل من طائراتهم الّتي تحلِّق من دون طيّار، وترى أحدهم إذا ما أُصيب بجرح في أثناء المعركة، يصرخ باكياً، ويولول مذعوراً، وقد شاهد أبناء هذا الكوكب من خلال (القنوات الفضائية) صوراً من هذا المشهد الّذي حدث غير مرّة، لاسيّما أثناء تغطيتها لحرب تموز الّتي شنّها الكيان الصهيوني على رجال (حزب الله) في لبنان، وهُزم فيها الصهاينة شرّ هزيمة رغم تفوّقهم العسكريّ الهائل، والدعم الدولي لهم .
وهنا نكتة التفت إليها مؤلف التحرير والتنوير قال: إنّ عملهم هذا كناية

1 . البقرة: 96 .

صفحه 148
عن مصيرهم إلى الهزيمة، إذ ما حورب قوم في عقر دارهم إلاّ وقد ذلّوا كما قال علي(رضي الله عنه).1
نعم قاله علي(عليه السلام) في إحدى خطبه حيث يندد بالقاعدين عن القتال ويقول: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ ... إلى أن قال: أَلاَ وَإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلى قِتَالِ هؤُلاَءِ الْقَوْمِ لَيْلا وَنَهَاراً، وَسِرّاً وَإِعْلاَناً، وَقُلْتُ لَكُمُ: اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ، فَوَاللهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلاَّ ذَلُّوا. فَتَوَاكَلْتُمْ وَ تَخَاذَلْتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ، وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الاَْوْطَانُ». 2
سورة الحشر: الآيات 15 ـ 17   
ثمّ إنّه سبحانه يدعم ما ذكره حول هزيمة بني النضير بدليل آخر، وهو أنّهم وإن كانوا أقوياء في عددهم وعدتهم، ولكن الأهواء فرّقت بينهم فصارت (قُلُوبُهُمْ شَتَّى).
ولعل المراد أنّ بينهم إحَناً وعداوات، فلا يتعاضدون، فالآية بصدد تشجيع المسلمين على قتالهم والاستخفاف بجماعتهم، ومن ثمّ إلفات نظرهم إلى ضابطة جهادية وهي أنّ كثرة القوة والعدد لا توجب النصر، إلا إذا كانت الضمائر متّفقة، ولو تفرقت الآراء لم تنفع العدة والعدد.
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله:(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ )، ولكنّه أتمّ الآية السابقة بقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ)، فما هو الوجه في انتخاب «لا يعقلون» على «لا يفقهون»؟ والجواب: أنّ الآية الأُولى تذكر أنّ خوف اليهود

1 . التحرير والتنوير:28/94.
2 . نهج البلاغة، الخطبة 27.

صفحه 149
من المسلمين أشدّ من خوفهم من الله، وإنّما صاروا كذلك لأنّهم قوم لايفقهون حق الفهم بأنّ الأمر إلى الله تعالى، وليس لغيره من الأمر شيء سواء في ذلك المسلمون أو غيرهم، ولا يقوى غيره تعالى على القيام بعمل ما، خيراً كان أو شراً، نافعاً أو ضارّاً، إلاّ بحول منه وقوة، فلا ينبغي أن يُرهب إلاّ هو عزّ وجلّ.
وأمّا الآية التالية، فهي تتكلم في أمر اتّفق عليه العقلاء ، وهو أنّ التشتّت في الرأي يوجب الهزيمة وتفكّك القوى، فلو عقلوا لفهموا، ولكنّهم لا يعقلون.   ***

الآيات: الخامسة عشرة إلى السابعة عشرة

(كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إنِّي بَريءٌ مِنْكَ إنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ):

المفردات

كَمَثَلِ: المثل في الذكر الحكيم، يراد به بيان الحال ووصف المقام، يقول سبحانه:(وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا).1 حيث وصفوا النبي، بكونه رجلاً مسحوراً. ويقول سبحانه في ردّه:(اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ

1 . الفرقان: 8 .

صفحه 150
الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً)1، أي انظر كيف وصفوك بأمر باطل، فضلّوا في وصفك مع أنّك رسول كريم، تنطق بالوحي.
وَبَالَ: الوبال: العاقبة السيئة، وهو مأخوذ من «الوابل» بمعنى المطر الغزير; لأنّه يكون مخيفاً وربما يكون ذا عاقبة مريرة، كجريان السيول الخطرة التي تخرّب المزارع، وتهدم الأبنية.
قريباً: قائم مقام الظرف، أي في مقام قريب.

التفسير

15. (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ):
قوله: (كَمَثَلِ الَّذِينَ) خبر لمبتدأ محذوف، أي حال هؤلاء اليهود الذين نصبوا العداء لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ).
ذكر سبحانه في هذه الآية مثلاً، وفي الآية التالية لها مثلاً آخر. وقد عرفت أنّ المثل في الذكر الحكيم ليس بالمعنى المصطلح بل بمعنى بيان الحال.
والمثل الأوّل يرجع إلى بيان حال بني النضير وأنّ مثلهم كحال من نصبوا العداء للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قبلهم، ولكن خسروا في صفقتهم هذه وذاقوا وبال

1 . الفرقان:9.

صفحه 151
أمرهم، يعني الخزي في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة.
هذا هو معنى الآية، إنّما الكلام في بيان ما هو المشبّه به؟ هنا قولان:
1. أنّ المراد به طائفة بني قينقاع إحدى الطوائف الثلاث الذين سكنوا المدينة ونصبوا العداء للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فعمّهم الخزي وأُجلوا من المدينة إلى أذرعات. وبما أنّ قصة هؤلاء حدثت بعد غزوة بدر عبّر عنهم بـ : ( الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ); لأنّ الفاصل الزماني لم يكن بكثير، فحال بني النضير كحال بني قينقاع، اغترّوا بعُدتهم وعددهم، فلم تنفعهم أمام إرادة الله سبحانه في خذلان من نصب العداء للحق والحقيقة.
2. أنّ المراد من المشبَّه به، الذي أُشير إليه بقوله:(الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) هم مشركو مكة وكفّار قريش، الذين خاضوا القتال ضد المسلمين في معركة (بدر)، مغترّين بماعندهم من القدرات، فلم تنفعهم وذاقوا مرارة الهزيمة في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة.
والقول الأوّل هو الأقرب إلى الذهن لوجود مشتركات بين القبيلتين، مثل كونهما على ملة واحدة، وذاتا مصير واحد، حيث شُرِّدتا من المدينة وأُخرجتا منها ذليلتين.
وأمّا مشركو مكة فلم يُشرَّدوا من ديارهم، وإنّما قُتل منهم من قُتل وسُبي منهم من سُبي، فالمشتركات المسوّغة للتشبيه في القول الأوّل أكثر وأظهر.
***

صفحه 152
16. (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إنِّي بَريءٌ مِنْكَ إنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ):
كان التمثيل الأوّل لبيان حال بني النضير وأنّ مثلهم كمثل طائفة (بني قينقاع)عادوا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فكان الخذلان مصيرهم، وأمّا هذه الآية فبصدد تمثيل حال المنافقين بالنسبة إلى بني النضير، وأنّ مثلهم بالنسبة إليهم كمثل الشيطان، الّذي يُغري الإنسان بالكفر، فإذا كفر تبرّأ منه قائلاً (إنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ).
فهنا مقامان:
الأوّل: بيان أنّ المنافقين بالنسبة إلى بني النضير كمثل الشيطان بالنسبة إلى الإنسان، حين يغريه بالكفر، والوجه واضح، وذلك أنّ المنافقين أغرَوا بني النضير بالتمنّع من محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وشجّعوهم على الثبات في موقفهم المتعنّت منه، ووعدوهم بمؤازرتهم في كلا الحالتين: الجلاء، أو القتال، فلّما استبدّ بهم الخوف، وتزلزلت نفوسهم، وانهارت مقاومتهم، اختفى المنافقون، وخمد صوتهم، ونسَوا وعودهم، فتركوهم في ساحة الخزي دون أن يرشقوا لصالحهم بسهم أو يضربوا بسيف، فصاروا كالشيطان الّذي يحرّض الإنسان على المخالفة والعصيان، ويعده بالعون والحماية، ولكنّه لا يفي به عند الحاجة، كما سيأتي شرحه في المقام الثاني.
الثاني: بيان حال الشيطان مع الإنسان الذي صار موضع التشبيه، فهنا وجوه:
1. أنّ المراد من الإنسان مطلقه دون إنسان خاص، وكأنّ الشيطان

صفحه 153
يسعى بأحابيله وبوعوده الكاذبة لإضلال الإنسان، وسَوقه إلى الشرك والطغيان، فإذا وقع الإنسان في شِباك ضلاله، وكُتب عليه دخول النار، يتبرأ منه ويقول:(إنِّي بَريءٌ مِنْكَ إنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ).
2. المقصود من الإنسان هو الإنسان الخاص، كأبي جهل وأتباعه، حيث إنّ الشيطان غرّهم في غزوة بدر بوعوده الكاذبة فاغتروا بإضلالاته، فلمّا انهزموا نكص على عقبيه وتبرّأ منهم، وهذا ما يرويه بعض المفسّرون في تفسير قوله سبحانه: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ).1
فقد روي أنّ قريشاً لمّا أجمعت المسير ـ إلى بدر ـ ذكروا الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناف ابن كنانة من الحرب وكاد ذلك أن يثنيهم، فجاء إبليس في جند من الشيطان فتبدّى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جشعم الكناني ثم المدلجي وكان من أشراف كنانة، فقال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس وإنّي جار لكم، أي مجير لكم من كنانة، كما قال الشاعر:
يا ظالمي أنّى تروم ظلامتي *** والله من كل الحوادث جاري
فلمّا رأى إبليس الملائكة نزلوا من السماء وعلم أنّه لا طاقة لهم بهم نكص على عقبيه، وقيل: إنّه لما التقوا كان إبليس في صفّ المشركين (بصورة سراقة) آخذاً بيد الحارث بن هشام فنكص على عقبيه، فقال له الحارث: يا سراقة أيْن؟ أتخذلنا على هذه الحالة؟ فقال له: إنّي أرى ما لا

1 . الأنفال:48.

صفحه 154
ترون، فقال: والله ما نرى إلاّ جعاسيس1 يثرب فدفع في صدر الحارث وانطلق وانهزم الناس، فلمّا قدموا مكة قالوا: هزم الناسَ سراقةُ، فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم، فقالوا: إنّك أتيتنا يوم كذا، فحلف لهم، فلمّا أسلموا علموا أنّ ذلك كان الشيطان.2
وروى ابن هشام في سيرته أنّه: لمّا أجمعت قريش المسير ذكرت الذي كان بينها و بين بني بكر(من كنانة)، فكان ذلك يثنيهم، فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جشعم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم:أنا جارٌ لكم من أن تأتيكم كنانةُ من خلفكم بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعاً.3
3. إنّ الآية تشير إلى قصة راهب من بني إسرائيل، فقد أخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان، وابن مردويه، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن عبيد بن رفاعة الدارمي يبلغ به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: كان راهب في بني إسرائيل، فأخذ الشيطان جارية فخنقها فألقى في قلوب أهلها أنّ دواءها عند الراهب، فأُتي بها الراهب، فأبى أن يقبلها، فلم يزالوا به حتى قبلها، فكانت عنده، فأتاه الشيطان فوسوس له وزيّن له، فلم يزل به حتى وقع عليها، فلمّا حملت وسوس له الشيطان فقال: الآن تفتضح يأتيك أهلها فاقتلها، فإن أتوك، فقل: ماتت، فقتلها ودفنها، فأتى الشيطان أهلها فوسوس إليهم، وألقى في قلوبهم أنّه أحبلها ثم قتلها، فأتاه أهلها فسألوه فقال: ماتت، فأخذوه فأتاه الشيطان

1 . جعس: تغوط، تجعس: تقذّر، كناية عن الفحش في الكلام.
2 . مجمع البيان:3ـ4/844.
3 . السيرة النبوية:1/612.

صفحه 155
فقال: أنا الذي ألقيت في قلوب أهلها، وأنا الذي أوقعتك في هذا، فأطعني تنجُ، واسجد لي سجدتين فسجد له سجدتين فهو الذي قال الله فيه: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ)1.
ولكن الأنسب بين هذه الوجوه الثلاثة هو الوجه الأوّل، حيث إنّه هو الضابطة الكلّية بين العدو المخادع والإنسان المخدوع. وأمّا الموردين الثاني والثالث ـ أعني: تمثُّل الشيطان في غزوة بدر، أو تمثُّل الشيطان في قصة الراهب ـ فهما من مصاديق الضابطة التي أشرنا إليها .
ثمّ إنّ خوف المنافقين من الله سبحانه خوف من نزول العذاب في الدنيا، لأنّهم كانوا معتقدين بالله دون الآخرة.
وأمّا خوف الشيطان فلا شك أنّه يعتقد بالله واليوم الآخر، فخوفه يشمل كلا الموطنين، إلاّ أنّ هواه واستكباره يغلب على اعتقاده.
***
17. (فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ):
الظاهر أنّ الضمير يرجع إلى الشيطان والإنسان المخدوع الذي وقع في شباكه، ويعود حسب الملاك إلى المنافقين وبني النضير أيضاً، فإنّ الجميع ينتظمون في سلك واحد; وذلك لأنّ مصير الشيطان الغَرور والإنسان

1 . الدر المنثور: 8/ 118; شُعب الإيمان: 4 / 372 برقم 5449، ورواه مختصراً (برقم 5450) بإسناده عن حميد بن عبدالله السلولي، عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) .

صفحه 156
المغترّ بأمانيّه، مصير واحد، وكذا مصير المنافق والكافر ، وهو الخلود في النار في الآخرة جزاءً لظلمهم.
فقوله: «الظالمين» كأنّه تعليل لخلودهم في النار، حيث إنّ الجميع اشتركوا في إضلال أنفسهم وغيرهم.
***
سورة الحشر: الآيات 18 ـ 20   

الآيات: الثامنة عشرة إلى العشرين

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتقَّوُا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَد وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ):

التفسير

18. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتقَّوُا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَد وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ):
الآية تتضمن أُموراً ثلاثاً:
1. الأمر بالتقوى مرتين .
2. والأمر بالنظر إلى ما يقدِّمه لغد .

صفحه 157
3. وعلمه سبحانه بما يعمل الإنسان. وإليك شرح هذه المضامين الثلاثة:
أمّا الأمر الأوّل ـ أعني: قوله: (اتقَّوُا اللهَ)ـ فيظهر وجهه بما يلي:
وقد مرّ بيان مصير بني النضير وأنّهم لأجل نصب العداء لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كتب عليهم الخذلان، فتركوا مزارعهم وبساتينهم في يد المسلمين، ودفع شرّهم بإيجاد الرعب في قلوبهم من دون أن يشارك المسلمون في قتالهم، إلى غير ذلك من النعم التي غمرتهم، جاء الأمر بالتقوى ـ الذي هو الورع عن محارم الله ـ شكراً لما منحوا من النعم الطائلة. وهنا وجه آخر للأمر بالتقوى، هو تنبيه المؤمنين على أنْ لا يأمنوا من شر الشيطان فإنّه لم يزل ولا يزال يسعى لإضلال الناس بأنواع الحيل، كما أضلّ الآخرين، فليأخذوا من التقوى وقاية في مقابل شروره.
ثم إن أكثر المفسرين فسّروا التقوى بالاجتناب عن المعاصي أو عن مخالفة الله، والظاهر أنّه تفسير باللازم فإن التقوى مأخوذة من «وقيَ، وقاية» والوقاية عبارة عن اتخاذ شيء يتقي به الإنسان عن الشر كالدرع في الحروب، والبرنس للرأس، وعلى هذا فالتقوى عبارة عن تجهيز النفس بصيانة خاصّة لا يغلب عليه الهوى، ولا تملكه الأطماع الدنيوية والغرائز الحيوانية، بل هو الذي يملكها ومثل هذا يكون أمراً وجودياً قائماً بالنفس ولا يحصل إلاّ بالتمارين.
وأمّا الأمر الثاني، وهو قوله :(وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَد) فيعني أن لا ينسى الإنسان حياته الأُخروية، فكما أنّه يحتاج في هذه الدنيا إلى ما يعيش

صفحه 158
به، فهكذا يحتاج في آخرته إلى ما يريحه فيها، وما ذلك إلاّ الأعمال الصالحة التي يقوم بها في الدنيا، وهي ذخيرته ليوم معاده.
وأتى بالنكرة في قوله: «نفس» للاستغراق من غير فرق بين نفس ونفس. وأشار بكلمة «قدّمت» لبيان أنّ ما يقوم به من الأعمال الصالحة، كأنّه يقدّمها ويرسلها إلى دار الآخرة. وأتى بكلمة (لغد) إمّا لأنّه كناية عن المستقبل وإن كان بعيداً، أو لقربها عند الله دون غيره لقوله:(إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا)1; ثم أمر بالتقوى ثانياً وقال: (واتقوا الله)، وهذا إمّا للتأكيد كقوله تعالى: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى).2 ويحتمل أيضاً أن يراد من الأمر الثاني الدوام على التقوى والاستمرار عليها.
ومن عجيب الأمر أنّ الإنسان قبل أن يموت قدّم شيئاً لحياته الأُخروية، وهذا هو الذي يحكي عنه قوله: (مَا قَدَّمَتْ لِغَد)فلو أعطى فقيراً ديناراً أو دنانير فهو في نفس ذلك اليوم قدّم ذخيرة لحياته الآخروية وربّما يلحق به بعد موته عبر قرون لايعلم وقت بلوغه إلاّ الله سبحانه.
وأمّا الأمر الثالث: وهو قوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) فيعني أنّه خبير بمقدار اجتهاداتكم في تحصيل التقوى والاستمرار عليها...
وأخيراً : الآية تأمر بمحاسبة النفس حتى تقدّم لحياتها الأُخروية ما تعيش به.
***

1 . المعارج:6ـ7.
2 . القيامة: 34ـ 35.

صفحه 159
19. (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ):
الآية السابقة تأمر بمحاسبة النفس والتفكير في مستقبل أمرها، وهذه الآية تأمر بالمراقبة حتى لا يغفلوا عن أنفسهم وينسَونها بترك أسباب فلاحها، ونجاتها من الهلاك، لأجل نسيان الله سبحانه، فنسيان الخالق البارئ المميت، الباعث يوم القيامة، يلازم نسيان النفس والغفلة عنها ، وذلك لوجوه:
1. أنّ نسيانه تعالى بمعنى نسيان أسمائه الحسنى وصفاته العليا التي بها ترتبط صفات الإنسان الذاتية من الذلة والفقر والحاجة، فيتوهّم الإنسان نفسه مستقلة في الوجود، ويُخيّل إليه أنّ لنفسه حياة وقدرة وعلماً وسائر ما يتراءى له من الكمال، وعند ذلك يعتمد على نفسه، مع أنّه كان عليه أن يعتمد على ربّه; ويرجو ويخاف الأسباب الظاهرية، مع أنّه كان عليه أن يرجو ربّه ويخافه; ويطمئنّ إلى غير ربّه مع أنّه كان عليه أن يطمئنّ إلى ربّه.
وبعبارة أُخرى: ينسى ربه، والرجوع إليه، ويُعرض عنه بالإقبال على غيره، وبالتالي ينسى نفسه فإنّ الذي يخيل إليه من نفسه أنّه موجود مستقل الوجود، ليس هذا واقع الإنسان بل واقعه شيء آخر، إذ هو موجود متعلّق الوجود، جهلٌ كلّه، ذلٌّ كلّه، فقرٌ كّله، وهكذا. وماله من الكمال كالوجود والعلم والقدرة والعزة والغنى فإنّما هو لربه، وإلى ربه انتهاؤه.1
2. أنّ معرفة الله تبارك وتعالى أمر فطري جُبلت عليه فطرة الإنسان

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن: 18/219ـ 220.

صفحه 160
وخلقته، والشاهد على ذلك أنّ علم النفس قد أثبت أنّ للنفس الإنسانية غرائز وأحساسيس أربع:
أ. غريزة حُبّ الاستطلاع، وهذه الغريزة تدفع الإنسان إلى اكتشاف المجهولات، وفكّ الرموز، وفي ظلها توسّعت المعارف وتطوّرت العلوم وتقدّمت، ولولاها لتوقّف تطوّر الحياة البشرية.
ب. غريزة حُبّ الخير، وهي منشأ ظهور الأخلاق، وهي التي تدفع الإنسان إلى إقامة العدل ومكافحة الظلم، ولذلك يجد الإنسان من صميم ذاته الميل إلى الأخلاق النبيلة والسجايا الحميدة.
ج. غريزة حبّ الجمال، وهي منشأ الفنون الجميلة قديماً وحديثاً، وسبب ظهور الأعمال السنيّة المختلفة.
د. غريزة التديّن أو الشعور الديني، وهي البعد الرابع في النفس الإنسانية وتعني أنّ كلّ فرد من أبناء الإنسان يميل بشكل فطري إلى الله سبحانه والاعتقاد به، وينجذب عفوياً إلى معرفة ماوراء الطبيعة والقوة الحاكمة على هذا الكون، وقد أوجد اكتشاف هذا الشعور حركة عظيمة في الأوساط العلمية وفي الوقت نفسه قد حطّ كثيراً من غرور الماديين في القرن الغابر.
ولقد أشار الذكر الحكيم إلى هذا البعد قبل أربعة عشر قرناً، وقال: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).1
فإذا كانت معرفة الله هي فطرة الإنسان، فالغفلة عن الله غفلة عن النفس

1 . الروم:30.

صفحه 161
وما فيها، فيكون نسيان الله بمنزلة نسيان النفس.
وبذلك يُعلم أنّ ما يجترّه الماركسيون من أن تعلّق الإنسان بالله تبارك وتعالى وعبادته، تعلّق بالغير وخروج عن التعلّق بالذات، فلابد أن يتعلّق الإنسان بنفسه ويخرج كلّ تعلّق بغيره حتى الله والأموال، أمر باطل، فإذا كان التوجّه إلى الله وماوراء الطبيعة أحد الأبعاد الأربعة والغرائز الموجودة في صميم الإنسان، فالتعلّق بالله ليس خروجاً عمّا تقتضيه النفس، بل إجابة لبعض متطلبات الفطرة، وتكون الغفلة عنه خروجاً عن التعلّقات الذاتية والغرائز الدفينة.
3. إنّ نسيان الله يؤدي إلى انغماس الإنسان في اللذات المادية والشهوات الحيوانية، من جهة، ومن جهة أُخرى ينسى خالقه، وخالقه يغفل عن إدخار ما يحتاجه في الحياة الأُخروية .1
هذه وجوه ثلاثة يمكن أن يُحمل عليها قوله سبحانه: (نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ).
ثم إنّ المراد بالموصول في قوله: (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ) هو المنافقون، وإن كان يحتمل أن يكون المراد بني النضير، ويشهد على الوجه الأوّل قوله تعالى: (نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).2
نعم يوجد فرق بين الآيتين، ففي هذه السورة جعل نسيان الله سبباً لنسيانهم أنفسهم، وفي سورة التوبة جعل نسيان الله سبباً لنسيان الله إياهم، ومن المعلوم أنّ المراد من نسيان الله لهم هو عدم شمول رحمته لهم

1 . الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل :18/199.
2 . التوبة:67.

صفحه 162
وهدايته، فصاروا من مصاديق قوله سبحانه: (خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).1
بقي الكلام في قوله: (فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ) فقد نسب الذكر الحكيم نسيانهم أنفسهم إليه سبحانه، وما هذا إلاّ أنّ نسيان النفس. متفرّع على إنساء الله تفرع المسبّب على سببه، والمعلول على علّته. وجه عدم استلزامه الجبر: أنّ العبد نسي الله عن اختيار، فأعقب ذلك مؤاخذة الله، وهو إنساء الله أنفسهم، ولو أنّ العبد لم يقم بنسيان ربّه، لم يُنسهم الله أنفسهم، فلو عوقب العبد بفعل الله، فلأجل تقصير العبد وتفريطه، نظير قوله سبحانه: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)2، فكأنّ فعله سبحانه جزاء لعملهم وفعلهم، وبذلك يُعلم أنّ قوله سبحانه:(فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ) لا يستشم منه القول بالجبر; وذلك لأنّ الفاعل المختار إذا أوجد العلّة يترتّب عليه معلوله.
وختمت الآية بقوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) وقد وصفتهم بصورة حصر وقصر ادّعائي غير حقيقي، كأنّه ليس في الساحة فاسق غيرهم، والفسق هو الخروج عن الطاعة بالأعمال السيئة والعقائد الباطلة.
***
20. (لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ):

1 . البقرة:7.
2 . الصف:5.

صفحه 163
إنّ الله سبحانه يستعرض في هذه الآية طائفتين:
الأُولى: الطائفة المؤمنة المطيعة لله، المعتقدة بالبعث والحياة الأُخروية، المقدّمة لها ما يريحها فيها.
الثانية: الطائفة الكافرة الغافلة عن الحياة الأُخروية الواردة إليها بلا زاد ولا ذخيرة. ومن المعلوم أنّ الطائفة الأُولى هم الفائزون، والثانية هم الخاسرون، ولا يستوي الخاسر مع الفائز; لأنّ أصحاب الجنة لا يتساوون مع أصحاب النار في الدنيا والآخرة.
وقد تكرّر نفي الاستواء بين الطائفتين في القرآن كثيراً، قال سبحانه: (هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَ الْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَ النُّورُ)1.
وقال سبحانه:(وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ).2
وقال سبحانه:(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ).3
إلى غير ذلك من الآيات النافية للاستواء بين طائفتين، تفقد إحداهما الكمال تماماً، وفي الوقت نفسه تجده الأُخرى كذلك.
وكأنّ هذه الآية تشير إلى نتيجة ما تقدّمها من آيات، وأنّ المسلمين هم الفائزون والمنافقين وبني النضير وكلّ من هو في خطّهم هم الخاسرون.
ثمّ إنّ هنا سؤالاً، وهو: ما هو السرّ في طرح هذه القضايا الواضحة الّتي لا تخفى على ذي لبّ، فإنّ الناس قاطبة يذعنون بعدم استواء الأعمى

1 . الرعد:16.
2 . فصلت:34.
3 . الزمر:9.

صفحه 164
والبصير والظلمات والنور، والعالم والجاهل، وهكذا ما في المقام من عدم استواء من في النار ومن في جنة النعيم؟
والجواب: أنّ هذه قضايا واضحة ولكن تستنبط منها قضايا نظرية هي المقصودة واقعاً، وهي نفي الاستواء بين الكافر والمؤمن على وجه الإطلاق، ويبين ذلك ضمن تمثيلات.
توضيحه: أنّ الكافر كالأعمى عند الله، والمؤمن كالبصير، فالكافر لأجل خلوده إلى الأرض وعدم تجاوزه الماديات، لا يؤمن بما وراء الطبيعة كعالم البرزخ والقيامة، فصار مثله مثل الأعمى لايذعن إلاّ بما تلمسه يداه، أو تسمعه أُذنه، وأمّا المؤمن فمثله كمثل البصير يذعن بما لا يذعن به الأعمى.
ومنه يظهر حال نفي الاستواء بين النور والظلمة، فالإيمان نور يهدي به الله الإنسان إلى مدارج السعادة، والكفر ظلمة لا يهتدي بها إلى شيء، فإذا قال سبحانه: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) فإنّه يريد العالمين بما وراء هذا العالم من نظام كامل يدبّره، كما يريد ممّن لا يعلمون كلّ جاهل بذلك.
وأمّا المقام ـ أعني: نفي الاستواء بين أصحاب النار وأصحاب الجنّة ـ فهو إلماع إلى أنّ الكفرة كاليهود والمنافقين هم من أصحاب النار، وأنّ المؤمنين من أصحاب الجنة، فعلى طالب الكمال أن ينضمّ إلى أصحاب الجنة وينفر من أصحاب النار، فإنّ الفوز والسعادة هي من نصيب الفئة الأُولى لا الثانية.
سورة الحشر: الآية 21   
روى الشيخ الطوسي في أماليه بإسناده إلى محدوج بن زيد الذهلي

صفحه 165
وكان في وفد قومه أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تلا هذه الآية: (لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ )قال: فقلنا: يا رسول الله من أصحاب الجنة؟ قال: «من أطاعني وسلّم لهذا من بعدي». قال: وأخذ
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بكف عليّ(عليه السلام)وهو يومئذ إلى جنبه فرفعها، وقال: «ألا إنّ علياً منّي وأنا منه، فمن حادّه فقد حادّني، ومن حادّني فقد أسخط الله عز وجل»...1
وغير خفيّ أنّ هذه الرواية من باب تطبيق الضابطة الكلّية على أحد مصاديقها.
***

الآية الحادية والعشرون:

(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَل لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).

المفردات

الخشوع: الخضوع ، وأكثر ما يستعمل فيما يوجد على الجوارح، على عكس الضراعة، فإنّ أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب، وقد روي: إذا ضرع القلب خشعت الجوارح.
التصدّع: التفرّق بعد التلاؤم.

1 . الأمالي: 485 ـ 486، المجلس السابع عشر، الحديث 1063 / 32 .

صفحه 166
الخشية : الخوف، قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ)1.
وعن المحقّق الطوسي: الفرق بين الخوف والخشية، الخوف: تألُّم النفس من العقاب المتوقع من ارتكاب المنهيّات، والخشية، حالة تحصل عند الشعور بعظمة الحق، وهذه حال لا تحصل إلاّ لمن اطّلع على حال الكبرياء، وذاق لذة القرب، قال سبحانه: (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)2، فالخشية خوف خاص، والخوف المطلق يحصل لأكثر الناس.3
المَثَل: قد مرّ منّا أنّ المثل في القرآن الكريم لا يراد به المعنى المصطلح الذي هو قسم من الحِكَم يرد في واقعة لمناسبة اقتضت وروده فيها، ثم يتداوله الناس في غير واحدة من الوقائع التي تشابهها دون أدنى تغيير لما فيه من وجازة ودقة في التصوير، ولذلك يقول الشاعر:
ما أنت إلاّ مثل سائرُ *** يعرفه الجاهل والخابرُ
وأمّا المثل الوارد في القرآن الكريم فالمراد به توصيف الحال، وتشبيه شيء بشيء.
وإن شئت قلت: هو عبارة عن التمثيل القياسي الذي تعرّض له علماء البلاغة في علم البيان، وهو قائم بالتشبيه والاستعارة والكناية والمجاز.

1 . المؤمنون: 57 .
2 . فاطر: 28 .
3 . مجمع البحرين، مادة «خشى» .

صفحه 167
 
التفسير
21. (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَل لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ):
إنّ للمفسرين في تفسير الآية قولين:
الأوّل: إنّ الكلام قد ورد على مجرد فرض دلّت عليه كلمة «لو»، والغرض منه بيان عظمة القرآن، وأنّ له من قوة التأثير ما لو أُنزل على جبل لخشع.
وبعبارة أُخرى: لو كان له فهم وشعور بالنسبة لما ورد فيه من المعارف والحِكم، لتصدّع مع عظمته وصلابته وتماسكه، فما بال قلب هذا الإنسان الضعيف لا يتأثر به؟ فقلبه في الواقع أقسى من الجبل وأشدّ تماسكاً
منه.1
وعلى هذا لو أُنزل هذا القرآن على جبل ـ لو كان يتمتع بشعور وإدراك ـ لتصدّع وتأثّر من خشية الله، مع ما له من الغلظة والقسوة، وكبر الجسم وقوة المقاومة. فالإنسان الشاعر العارف أَولى بأن يخشع إذا تليت عليه آيات الله.
ويظهر من السيد الرضي أنّه اختار هذا القول، حيث قال بعد نقل الآية:
«هذا القول على سبيل المجاز، والمعنى أنّ الجبل لو كان ممّا يعي القرآن ويعرف البيان، لخشعَ لسماعه، ولتصدّع من عظم شأنه، على غلظ

1 . انظر: التفسير الكاشف: 7 / 294 .

صفحه 168
أجرامه وخشونة أكتافه، فالإنسان أحقّ بذلك منه إذ كان واعياً لقوارعه وعالماً بصوادعه».1
الثاني: إنّ الآية تحكي عن حقيقة كونية، وهي أنّ كلّ ذي وجود له حظّ من الشعور والمعرفة حسب درجة وجوده وحسب قربه من الكمال، فعلى هذا فالجبل له شعور بعظمة الله حسب ما أُعطي من الوجود بشهادة أنّ الأحجار تهبط من خشية الله، قال سبحانه:(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَ إِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَ مَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ).(2)
فعلى هذا، فالآية تهدف إلى بيان أنّه لو أنزل هذا القرآن وخوطب به الجبل حسب ما أُعطي من الشعور، لتأثّر به وتصدّع بسببه، فما بال هذا الإنسان لا يتأثر بخطابات القرآن وعتاباته؟
قوله:(وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).
«ضرب المثل» يراد من الضرب هنا: سَوْقُه، كأنّه يقول: نحن نسوق هذا المثل والغاية من سوقه التعريف بالقرآن لعلّ الناس يتفكّرون فيه.
سورة الحشر: الآيات 22 ـ 24    
ويحتمل أن يكون ضرب المثل بمعنى وصف الشيء، كما في قوله سبحانه: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا * اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً)2، أي انظر كيف وصفوك.

1 . تلخيص البيان: 285.   2 . البقرة:74.
2 . الإسراء:47ـ 48.

صفحه 169
وربّما يستعمل الضرب ويراد به الوضع،يقال: ضرب بيتاً، أي وضعها وبناها، ولكن الظاهر هو المعنيان الأوّلان، ولعلّ الثاني أظهر.

الآيات: الثانية والعشرون إلى الرابعة والعشرين:

22 ـ 24. (هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم * هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَ الأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ):

التفسير

بما أنّ الآيات الثلاث الأخيرة بصدد بيان أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وما بينها من صلة وثيقة، فقد اقتضى هذا تفسيرها مجتمعة غير متفرّقة.
وقبل الخوض في تفسير ما ورد فيها من الأسماء والصفات، نشير إلى أُمور:
الأوّل: إنّ الآيات الثلاث اشتملت على ثمانية عشر اسماً أو صفة.

صفحه 170

ففي الآية الأُولى:

1. لا إله إلاّ هو، مشيراً إلى توحيده ذاتاً وصفاتاً.
2. عالم الغيب والشهادة.
3. الرحمن.
4. الرحيم.

وفي الآية الثانية:

5. المَلك.
6. القدّوس.
7. السلام.
8. المؤمن.
9. المهيمن.
10. العزيز.
11. الجبار.
12. المتكبّر.

وفي الآية الثالثة:

13. الخالق.
14. البارئ.
15. المصوّر.
16. له الأسماء الحسنى.

صفحه 171
17. المسبح في السماوات والأرض.
18. الحكيم.
وقد تكرّر «العزيز» فيها أيضاً.
الثاني: أنّه سبحانه سرد هذه الأسماء والصفات على نظام خاص.
ففي الآية الأُولى: تكلّم عن أعمّ أسمائه ذاتاً وصفاتاً، أعني: التوحيد والعلم والرحمة.
وفي الآية الثانية: تكلّم عن خالقيته وحاكميته (الملك) وما له من الشؤون،فذكر: الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبّر.
وفي الآية الثالثة: تكلّم عن خالقيته وما يتبعه من تصوير الإنسان في الأرحام، وكونها على وجه العزّة والحكمة، ولذا ذكر: الخالق، البارئ، المصوّر، العزيز، الحكيم.
الثالث: أنّ ما جاء في هذه الآيات الثلاث هو من أظهر صفاته وأسمائه ولكن له أسماء وصفات أُخرى، أشار إليها سبحانه في الآية الأخيرة بقوله: (لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنى ) مشيراً إلى عدم انحصارها فيما ذُكر.
الرابع: أنّ هذه الآيات الثلاث نزلت في السنة الثالثة أو الرابعة من الهجرة في بيئة غارقة في الجهل والضلالة، ولم يكن لهم علم بالمعارف العليا، وبالأخصّ ما يرجع إلى معرفة أسمائه وصفاته، ففي هذه الظروف بزغت شمس الهداية إلى معرفة الله سبحانه بهذه الأسماء والصفات الباهرة التي تنزّهه بصورة ليس فوقها شيء. ففيها التنزيه عن التجسيم والتشبيه

صفحه 172
والتوحيد في الأُلوهية، وسعة علمه بالغيب والشهادة، والإشارة إلى كمال فعله وجماله.
فالنبي الأُمّيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يدرس عند أحد ولم يمارس الكتابة، وعاش بين ظهراني قوم وثنيين، فمن أين له ـ إن لم يكن يوحى إليه ـ بهذه المفاهيم السامية التي لا يدركها إلاّ الأوحدي من أساتذة الكلام والفلسفة، وفي الوقت نفسه تغذّي عامة النفوس وإن لم يكن لهم حظ في المسائل العقلية، وهذا ـ أيضاً ـ وجه من وجوه إعجاز الكتاب العزيز.
الخامس: عرّف سبحانه نفسه بهذه الصفات، لأجل بيان أنّ ما وقع من إذلال بني النضير وإخراجهم من قلاعهم لم يقع إلاّ بإذن من له العظمة والكبرياء، ولذلك هدمت قلاعهم وصودرت بساتينهم في يوم واحد وسلّط عليها المسلمون، كلّ ذلك بقدرة من الله سبحان.
وبعد بيان هذه الأُمور التمهيدية الخمسة نعود إلى تفسير الآيات الثلاث، فنقول: أمّا قوله تعالى: (هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) من الآية الثانية والعشرين فالضمير في صدر الفقرة ـ أعني: «هو» ـ ضمير الشأن يؤتى به لإلفات المخاطب إلى ما يأتي بعده، كما هو الحال في قوله: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)، وربّما يحتمل أنّ الضمير يرجع إلى لفظ الجلالة الوارد في الآيات المتقدّمة1، وهو بعيد جدّاً لاستلزامه وحدة المبتدأ والخبر; لأنّ خبر الضمير هو الله الموصوف بـ«لا إله إلاّ الله» فالأَولى ما ذكرنا، ثم إنّ قوله: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)إشارة إلى وحدانيته وأنّه لا إله (واجب الوجود، خالق الكون، أو ما يمكن أن

1 . التحرير والتنوير:28/105.

صفحه 173
يُفسَّر به) إلاّ هو. وفي الآية دلالة واضحة على «الإله» ليس بمعنى المعبود، لأنّها ليست بصدد توحيد العبودية، بل بصدد توحيد الذات، وأنّه لا مثل له ولا ضد ولا ندّ، وأنّه بذاته واحد لا كثير.
وفيها تأييد لما قلنا من أنّ الإله كلّي، ولفظ الجلالة إشارة إلى مصداق منه، وليس بمعنى المعبود.
قوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) لعلّ المراد من الغيب ما لا يُدرك بالحواس بخلاف الشهادة، وعلى ذلك فالمجرّدات، وهكذا العوالم الموجودة بعد الموت قبل البعث كلّها غيب، فالغائب عن إحساس الناس ومشاهداتهم وما حضر عندهم عند الله سواء، ولعل فيه ردّ لما يُروى عن الإغريقيين بأنّه سبحانه عالم بالكلّيات دون الجزئيات، وهو باطل، إذ كيف يكون خالقاً، ولا يكون عالماً. وليس علمه سبحانه إلاّ حضور المخلوق عنده، بوجوده العيني لا بصورته، على خلاف علوم البشر، لأنّ علمنا بالأشياء ـ غير النفس والصور القائمة بها ـ حصولي، بمعنى حضور صورة الشيء الخارجي في النفس، لا بعينه.
وفي كلام الإمام علي(عليه السلام) إلماع إلى سعة علمه سبحانه، قال: «وَلاَ يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ وَلاَ نُجُومِ السَّمَاءِ، وَلاَ سَوَافِي الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ، وَلاَ دَبِيبُ الَّنمْلِ عَلَى الصَّفَا، وَلاَ مَقِيلُ الذَّرِّ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ. يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الاَْوْرَاقِ، وَخَفِيَّ طَرْفِ الاَْحْدَاقِ».1
ثمّ إنّ تخصيص عالم الغيب والشهادة بصورة الحصر، لا ينافي علم

1 . نهج البلاغة: الخطبة178.

صفحه 174
الإنسان بالشهادة وعلم أنبيائه وأوليائه بالغيب; وذلك لأنّ علمه سبحانه بهما ذاتي لا اكتسابي وليس له حدّ، بخلاف علم غيره بالشهادة وعلم أنبيائه وأوليائه بالغيب، فإنّ علمهم زائد على ذواتهم ومكتسب من الله سبحانه، وفي الوقت نفسه محدود متناه.
وبما أنّ المسألة محررة في موضعها نكتفي في توضيح ما ذكر بما يلي:
إنّ العلم بالغيب على ضربين:
أحدهما: ما هو مختص باللّه سبحانه لا يشاركه فيه غيره، ولا يتجاوز إلى سواه، وأنّ ما جاء في الذكر الحكيم من الإشارة إلى علم الغيب، لا يراد منه إلاّ هذا، فقوله سبحانه: (قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَالأرْضِ الغَيْبَ إِلاّ اللّهُ)1 لا يراد منه إلاّ هذا المعنى المختصّ به تعالى كسائر أوصافه ونعوته.
ثانيهما: ما يوصف به غيره سبحانه من ملائكته ورسله ومن يظهره على غيبه، وهذا لا يصح إطلاقه على اللّه سبحانه، وهذا الانقسام كما يجري في علم الغيب كذلك يجري في سائر نعوته وصفاته من قدرته وحياته و ... فما يجري منها على الواجب سبحانه لا يمكن تشريك الغير فيه، ولا يصح إطلاقه عليه، وما يجري على من سواه لا يصح إطلاقه عليه سبحانه، ولا يطلق إلاّ على غيره من المخلوقين .
هذا وقد ورد في غير واحد من الآيات والروايات إخبار الأنبياء عن الغيب بتعليم من الله سبحانه .
وهذا هو نوح يخبر عن مستقبل قومه وأولادهم ويقول: (وَقَالَ نُوحٌ

1 . النمل: 65 .

صفحه 175
رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا)1.
أو ليس هذا إخباراً عن عواقب حياتهم.
وهذا هو صالح يخبر عن عواقب قومه وأنّ العذاب سيعمّهم بعد ثلاثة أيّام ويقول: (فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّام ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب)2.
وقد أخبر يعقوب عن المغيّبات عن مستقبل ولده يوسف يقول سبحانه:
(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لاَِبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ القَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِـلإنْسَانِ عَدُوٌ مُبِينٌ * وَ كَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)3.
كما يخبر يوسف عن الغيب في الآيات التالية:
(وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِينَ * ... يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَ أَمَّا الآخَرُ

1 . نوح: 26 ـ 27 .
2 . هود: 65 .
3 . يوسف : 4ـ 6.

صفحه 176
فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَان)1.
وأمّا الروايات، فقد تنبّأ النبي والوصي وسائر الأوصياء (عليهم الصلاة والسلام) في غير مورد على وجه لا يمكن إنكار تواترها، فلاحظ الموسوعات الروائيّة.
قوله:(هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) أُتي بضمير الفصل لقصر الرحمة عليه تعالى; لأنّ رحمة الغير مأخوذة ومقتبسة منه، فهو يرحم عباده عند استحقاقهم الرحمة.
***
وأمّا قوله: (هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) من الآية الثالثة والعشرين فقد مضى الكلام في الضمير ومفاد الفقرة، والفقرة هذه تأكيد للتوحيد الذي مضى ذكره في الآية المتقدّمة.
5. قوله:(المَلِك): إمّا بمعنى الحاكم في الناس، أو بمعنى المالك إذ له ملك السماوات والأرض.
والمعنى الأوّل أنسب، لما في الصفة التالية.
6. (القدّوس): المنزّه عن النقائص، ولعلّ تعقيب الملك بالقدوس، إشارة إلى تنزيهه عمّا اشتهر به الملوك من الظلم والفساد والاسترسال في الشهوات، لقوله تعالى: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ).2 ولقوله أيضاً: (وَ كَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة

1 . يوسف: 36 ـ 41.
2 . النمل: 34.

صفحه 177
غَصْبًا).1 فكأنّه لا شؤون للملك على الإطلاق أو على الأغلب إلاّ الإفساد في الأرض، وجعل الأعزاء أذلاّء، وغصب أموال الفقراء.
ومع ذلك كلّه يمكن أن يكون وصف القدّوس، إشارة إلى نزاهته وتعاليه عن كلّ ما لا يناسب ساحته، فيندرج تحته الصفات السلبية وهي:
أ. واحد ليس له مثيل ولا نظير.
ب. ليس له جسم ولا هو في جهة ولا في محل، ولا حالٌّ ولا متّحد.
ج. ليس محلاًّ للحوادث.
د. لا تقوم اللذة والألم بذاته.
هـ.. لا تتعلّق به الرؤية.
و. ليست حقيقته معلومة لغيره بكُنهه، ومن ثمّ ليس جوهراً ولا عَرَضاً.
وقد أقام المتكلّمون البراهين على هذه الصفات.2
7. (السَّلاَمُ): هناك احتمالان:
1. أن يكون المراد منه أنّه ذو السلام، ووصف به مبالغة في وصف كونه سليماً من النقائص والآفات كما يقال: رجل عدل.
2. أن يكون المراد منه كونه معطياً للسلامة، وهو تعالى خلق الخلق سويّاً وقال: (مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُت)3، وقال:(رَبُّنَا الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى).(4)

1 . الكهف:79.
2 . الإلهيات:2/109ـ144، محاضراتنا بقلم الشيخ الفاضل حسن مكي العاملي.
3 . الملك:3.   4 . طه:50.

صفحه 178
8 . (الْمُؤْمِنُ): اسم فاعل من آمن والهمزة فيه للتعدية فيكون جعل غيره آمناً، وعلى هذا فالمؤمن يستعمل تارة لازماً، وأُخرى متعدّياً; والمراد هنا هو الثاني، أي بمعنى: معطي الأمان لعباده، حيث يؤمنهم من العذاب في الدنيا والآخرة، قال سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)1.
ومع ذلك يحتمل أن يكون بمعنى المصدِّق، كقول أبناء يعقوب:(وَ مَا أَنْتَ بِمُؤْمِن لَنَا).(2) والله سبحانه يصدِّق أولياءه بالمعاجز والكرامات.
9. (الْمُهَيْمِنُ): الفائق المسيطر على الشيء، وعلى ذلك فالله سبحانه هو الفائق المسيطر على العباد، كما أنّ القرآن مسيطر على الكتب السماوية عامّة، إذ به يعرف صدق ما في الكتب السماوية الأُخرى، قال سبحانه: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيـلَ أَكْثَـرَ الذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)2، وقال: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَـدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ).(4)
ولعلّ الوجه لإتيان وصف المهيمن هنا، هو أنّه سبحانه لمّا وصف نفسه بالأوصاف الأربعة: ملك، قدوس، سلام، مؤمن، ربّما يتصوّر بأنّ معاملته العباد بالعدل والسلامة بسبب ضعفه، فذكر أنّه مع كونه موصوفاً بهذه الصفات، فهو مهيمن مسيطر غالب على ما في السماوات والأرض، وأيّد ذلك بالوصف التالي:

1 . فصلت:30.   2 . يوسف:17.
2 . النحل:76.   4 . المائدة:48.

صفحه 179
10. (الْعَزِيزُ): وهو الغالب الذي لا يغلبه شيء، فهو غالب لا يعجزه شيء وأُتبعت هذه الصفة بالصفة التالية:
11. (الْجَبَّارُ): أي نافذة إرادته، ويحتمل أن يراد العالي الذي لا يُنال.
12. (الْمُتَكَبِّرُ): الذي تلبّس بالكبرياء وظهر بها، فإذا كان الكبْر هو الحالة التي توجب إعجاب المرء بنفسه ورؤية ذاته أكبر من غيره، لاترى لذلك الوصف حقيقة إلاّ في ذاته سبحانه، حيث له الكبرياء والعظمة دون غيره.
(سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ): فهو منزّه عن الشريك والصاحبة والولد.
13 ـ 15 . (هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارئُ الْمُصَوِّرُ) في الآية الرابعة والعشرين فالكلام في الضمير، هو ما سبق بيانه. وقد ذكر سبحانه في هذه الفقرة أوصافاً ثلاثة كلّها مترتّبة في الخارج:
فهو «خالق» موجد للأشياء من العدم، و «بارئ» أي مميِّز للأشياء، ممتازاً بعضها عن بعض، و «مصوِّر» ومعط الصور للأشياء. والأسماء الثلاثة تتضمّن معنى الإيجاد باعتبارات مختلفة، فهو بما أنّه موجد من العدم، خالق; وبما أنّه مميِّز لما خلق، بارئ; وبما أنّه معط للصور، مصوّر، كما قال: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ).1
وقال تعالى:(وَ لَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ).2

1 . آل عمران: 6.
2 . الأعراف:11.

صفحه 180
وقال أيضاً:(وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ).1
ثم إنّ حصر الخالقيّة في الله ليس بمعنى نفي سببية الأسباب والعلل، فإنّ خالقيّة غيره إنّما هي بالتَّبَع لو صحّت تسمية العلل الطبيعية بالخلقة، ولذلك نرى أنّه سبحانه يخاطب المسيح بقوله:(وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي)2، ويصف نفسه بكونه (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).
وما ذلك إلاّ لأنّ بين كونه خالقاً وكون المسيح خالقاً بُعد المشرقَين، فالأوّل مستقل في إيجاد ما خلق، والثاني يستمدّ من قدرته سبحانه فيما يخلق من الصور للطين.
16. (لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنى): أي لا تنحصر صفاته فيما ذكر.
17. المسبَّح في السماوات والأرض: (يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ)فكلّ موجود يسبِّح الله سبحانه إمّا بلسان المقال أو بلسان الحال على وجه، أو يسبِّح الكلّ بلسان المقال على القول بسريان الشعور في عامّة الموجودات.
الْعَزِيزُ: الغالب غيرالمغلوب وقد مرّ ذكره في الآية الثالثة والعشرين .
18. الْحَكِيمُ: المُتقن الفعل، نظير قوله: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم )3، أو البريء عن العبث واللغو، نحو قوله سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ)4 أتى بهذين الاسمين لشدّة صلتهما بأمر الخلقة ثم

1 . غافر: 64 .
2 . المائدة:110.
3 . الدخان: 4 .
4 . المؤمنون: 115 .

صفحه 181
إنّ قوله: (يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَ الأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) من قبيل ردّ العجز إلى الصدر; لأنّ صدر السورة مشتمل عليه، وهو من المحسِّنات البديعية.
وفي الختام، نودّ أن نشير إلى أنّ البحث حول هذه الأسماء والصفات تمّ بإيجاز هنا، وقد بسطنا الكلام فيه في موسوعتنا القرآنية:«مفاهيم القرآن»1، فراجعه إن أحببت.
***
تمّ تفسير سورة الحشر

1 . لاحظ مفاهيم القرآن: 6 / 110 ـ 500، وسيجد القارئ أن تفسير هذه الاسماء جاء مرتباً حسب الحروف الهجائية.

صفحه 182

صفحه 183
   

سورة الممتحنة

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ قَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَ مَا أَعْلَنْتُمْ وَ مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَ لاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَ مِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَ بَدَا بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَ الْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَ مَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْء رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَ إِلَيْكَ أَنَبْنَا وَ إِلَيْكَ

صفحه 184
الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ اغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَ الْيَوْمَ الآخِرَ وَ مَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَني الْحَمِيدُ * عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَ اللهُ قَدِيرٌ وَ اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَ ظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَات فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِاِيَمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَات فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَ لاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَ آتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَ لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَ لاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَ اسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَليَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَ اللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَ إِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَ اتَّقُوا اللهَ الذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ * يَا أَيُّهَا النَّبي إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَ لاَ يَسْرِقْنَ

صفحه 185
وَ لاَ يَزْنِينَ وَ لاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَ لاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَان يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَ أَرْجُلِهِنَّ وَ لاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوف فَبَايِعْهُنَّ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ).

صفحه 186
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت هذه السورة بالممتحنة تارة، وبالمودّة أُخرى.
فعلى الأوّل: فإن كانت بصيغة اسم الفاعل يكون إسناد الامتحان إلى السورة مجازاً; لأنّ السورة ليست ممتحِنة حقيقةً إلاّ مجازاً، لما ورد فيها من الأمر بالامتحان.
ولو كانت بصيغة اسم المفعول، فهي وصف لموصوف محذوف، وهي المرأة الممتحَنة. وأوّل امرأة امتحنت هي أُم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط زوجة عبد الرحمن بن عوف.
وعلى الثاني ـ أي تسميتها بالمودّة ـ : فلأجل ورود النهي عن إسرار المودّة لأعداء الله وأعداء المسلمين، فيها.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

إنّ عدد آيات هذه السورة ثلاث عشرة آية، لكنّها آيات طوال. وهي مدنية لما سيتّضح في أسباب النزول.

أغراض السورة

خصائص سورة الممتحنة   
الغرض من السورة هو تحذير المؤمنين من اتّخاذ الكافرين أولياء مع وجود الصلة والقرابة بينهم، وقد ورد في ثنايا السورة شيء من أحكام النساء

صفحه 187
المهاجرات وبيعة المؤمنات. وابتدأت السورة بالنهي عن المودة واختتمت بنفس المضمون وهو النهي عن تولّي الكافرين والمشركين الذين غضب الله عليهم. وترسم للمسلمين الخطّ العام لعلاقاتهم مع الكافرين والّذي يتحدّد على أساس موقفهم من الإسلام ومعتنقيه .

أسباب النزول

سبب نزول السورة، هو أنّ بعض المؤمنين من المهاجرين قام بإفشاء سرّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وإخبار أهل مكة بما عزم عليه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من التهيّؤ لفتح مكة، وقد قام بذلك ليحمي من بقي من أرحامه في مكة المكرمة، فنزلت السورة في هذا الشأن، وإليك التفصيل:
ذكر ابن إسحاق أنّه: لمّا أجمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)المسير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش يُخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة، زعم محمـد بن جعفر أنّها من مزينة، وزعم لي غيره أنّها سارَة مولاةٌ لبعض بني عبد المطلب، وجعل لها جُعلاً على أن تبلِّغه قريشاً، فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قُرونها، ثم خرجت به، وأتى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الخبرُ من السماء بمـا صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام، فقال: أدركا امرأة قد كتب معها حاطبُ بن أبي بلتعة بكتاب إلى قريش، يحذّرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم.
فخرجا حتى أدركاها بالخُليفة، خليفة بني أبي أحمد، فاستنزلاها، فالتمسا في رحلها، فلم يجدا شيئاً، فقال لها علي بن أبي طالب: إنّي أحلف بالله ما كُذب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا كُذبنا، ولتخرِجنّ لنا هذا الكتاب أو

صفحه 188
لنكشفَنّك، فلمّا رأت الجدّ منه، قالت: أعرض، فأعرض، فحلّت قُرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه، فأتى به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فدعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)حاطباً، فقال: يا حاطب،ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله، أما والله إنّي لمؤمنٌ بالله ورسوله، ما غيّرتُ ولا بدّلتُ، ولكنّي كنت امرأً ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهلٌ فصانعتهم عليه.1
سورة الممتحنة: الآيات 1 ـ 3    
ونقل القصة الشيخ الطبرسي على وجه التفصيل، وممّا جاء فيها ـ ولم يذكره ابن هشام ـ : إنّ سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هشام أتت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من مكة إلى المدينة بعد بدر بسنتين فقال لها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أمسلمة جئت؟ قالت: لا، قال: أمهاجرة جئت؟ قالت: لا، قال: فمن جاء بك؟ قالت: كنتم الأصل والعشيرة والموالي وقد ذهب موالىّ واحتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني. قال: فأين أنت من شبّان مكة وكانت مغنية نائحة. قالت: ما طلب مني بعد وقعة بدر. فحثّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عليها بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وأعطوها نفقة، وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يتجهّز لفتح مكة، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وكتب معها كتاباً إلى أهل مكة وأعطاها عشرة دنانير، عن ابن عباس، وعشرة دراهم، عن مقاتل بن حيان، وكساها بُرداً على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة وكتب في الكتاب: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أنّ رسول الله يريدكم فخذوا حذركم... إلى آخر القصة.2 ثم إنّ الآية العاشرة من هذه السورة لها قصة أُخرى وشأن

1 . السيرة النبوية لابن هشام:2/398ـ399. وللرواية صلة يأتي الكلام فيها .
2 . مجمع البيان:9ـ10/405.

صفحه 189
نزول خاصّ بها سنذكره في محلّه قبال تفسير تلك الآية.

الآيات: الأُولى إلى الثالثة

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَ مَا أَعْلَنْتُمْ وَ مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ):

المفردات

تُلْقُونَ: الإلقاء: رمي ما في اليد على الأرض، قال الشاعر:
ألقـى الصحيفـة كي يخفّـف رحلَـه *** والزاد حتى نعله ألقاها
ويستعمل في صدور فعل من غير تدبُّر.
إنّ في قوله (بِالْمَوَدَّةِ) وجهين:

صفحه 190
الأوّل: الباء للإلصاق، لتأكيد اتّصال الفعل بمفعوله، نظير: (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الْتَّهْلُكَةِ)1، وذلك تصويراً لقوة مودّتهم لهم.2
الثاني: أنّ الباء، للسببية; ومفعول الفعل (تُلْقُونَ) محذوف. والمعنى، تُلقون أخبار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى المشركين بسبب المودة الموجودة بينكم وبين المشركين.
وقوله: (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ)، حال من الضمير المتصل في (لاَ تَتَّخِذُوا).
وقوله: (وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) حال من الضمير في وقوله:(إِلَيْهِمْ).
وقوله: (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ) حال من نفس الضمير.
وقوله:(إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ) قيد لصدر الآية، أي لا تتّخذوا عدوي أو عدوكم أولياء إن كنتم خرجتم... الخ.
يَثْقَفُوكُمْ: أي يظفروا بكم، يقال: ثقفتُ الرجلَ، إذا ظفرتَ به، نظير قوله:(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ).3
وربما يستعمل في الفطنة والذكاء، يقال: غلام ثقِف، أي ذو فطنة وذكاء.

1 . البقرة: 195 .
2 . التحرير والتنوير:28/120.
3 . البقرة:191.

صفحه 191

التفسير

1. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَ مَا أَعْلَنْتُمْ وَ مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ):
إنّ قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)وإرداف (عَدُوِّي)بـ (عَدُوَّكُمْ)جاءا لشدة الترهيب من اتّخاذ أعداء الله وأعداء المؤمنين أولياء، فإذا كان المشرك عدواً لله وعدواً لكم فلا مسوّغ في منطق العقل اتّخاذهم(أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ).
قال السيد الشريف الرضي (رحمه الله): وهذه استعارة على أحد التأويلين وهو أن يكون المعنى: تلقون إليهم بالمودّة ليتمسّكوا بها منكم كما يقول القائل: ألقيت إلى فلان بالحبل ليتعلّق به .1
قوله: (وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) جملة حالية، وهي سبب ثان للنهي عن اتّخاذهم أولياء، وعلى هذا فقد ذُكر للنهي سببان:
1. كونهم عدواً لله وعدواً لكم.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 286 .

صفحه 192
2. كونهم كافرين بما جاءكم من الحق.
ثم أضاف سبباً ثالثاً وهو قوله:(يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ)، أي كيف تُلقون إليهم بالمودة مع أنّهم أخرجوا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من بلده، كما أخرجوكم منه، لأجل إيمانكم بالله ورسالة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
والإتيان بصيغة المضارع (يُخْرِجُونَ) مع أنّهم أخرجوه مع المؤمنين من مكة قبل سنوات لتصوير الحال التي كانوا عليها حين صدر منهم هذا الفعل.
والمراد من الإخراج هو تمهيد مقدّماته وإيجاد أسبابه، بالتضييق على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)واضطهاد المؤمنين به حتى اضطروهم إلى مغادرة موطنهم.
قوله: (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي) والجملة قيد للنهي الوارد في قوله:(لاَ تَتَّخِذُوا) وقد شكّلتا جملة شرطية وجزائية، وعلّقت النهي عن اتخاذ الأولياء وإلقاء المودة إليهم بخروجهم جهاداً في سبيل الله، مع أنّ النهي عن اتخاذ الأولياء مطلق في عامة الحالات، سواء خرجوا جهاداً في سبيل الله أم لا.
ومع ذلك فالتعليق صحيح، جاء للتأكيد وتبيين أنّ ما خرجتم إليه من الجهاد في سبيل الله لا ينسجم مع اتخاذ الكافرين أولياء، فالمجاهد في سبيل الله يبتغي مرضاة الله لا مرضاة الناس، فلا يمكن الجمع بينهما. فلا مفهوم للجملة الشرطية حتّى يجوز اتخاذهم أولياء إذا لم يخرجوا للجهاد في سبيل الله. نظيرها في التأكيد وفقدان المفهوم في الذكر الحكيم قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى

صفحه 193
وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ).1 فالشرط تأكيد لما تقدّم وليس قيداً واقعياً. والمراد أنّ الإيمان بالله وما أُنزل على الرسول يبعثكم إلى قبول تشريعاته وأنّ ما حازه المجاهدون يقسّم بين الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والمجاهدين أخماساً، فالخمس للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والباقي للمجاهدين... .
قوله: (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَ مَا أَعْلَنْتُمْ) الجملة تفسير لقوله: (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ)، حيث تبيّن كيفية الإلقاء إليهم بالمودة وذلك بالإخبار عن أحوال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)في السرّ بسبب المودة بينكم وبينهم. ومفعول الفعل (تُسِرُّونَ) محذوف: أي تخبروهم بأحوال المسلمين سرّاً، وعلى هذا فمفعول الفعل (تُسِرُّونَ)محذوف هو: أحوال المسلمين .
ويحتمل أن يكون المراد أنّكم تعلمونهم بالسرّ أنّ بينكم وبينهم مودّة. تقومون بذلك مع أنّه سبحانه أعلم بالخفاء والعلن، قال سبحانه:(إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ)2، وقال سبحانه: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)3.
ثمّ إنّه سبحانه وصف مَن اتخذ عدو الله أولياء بقوله: (وَ مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) أي عدل عن طريق الحق وسبيل الرشد.

1 . الأنفال:41.
2 . آل عمران:5.
3 . الحديد: 4.

صفحه 194
وفي الآية دليل على أنّ مرتكب الكبيرة ليس بكافر، حيث إنّ حاطب بن أبي بلتعة ارتكب الكبيرة وهي اتخاذ عدو الله ولياً مع أنّه لم يكفر، ولم يرتد عن الدين، وقد روي أنّ عمر بن الخطاب طلب من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يقتله، فأبى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) .1
***
2. (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ):
سبق منّا أنّ قوله تعالى: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً) بمعنى: إن يظفروا بكم عن طريق الحيلة والفطنة والذكاء لا يرحمونكم، أي يتعاملون معكم بأُمور أربعة:
1. (يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً)، ولعلّ المراد إظهار العداء المكنون، ولذلك عبّر بصيغة المضارع، مشعراً بأنّ عداوتهم قديمة مستمرة تظهر عند الظفر بكم.
2. (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ) أي يوقعون بكم ما يقدرون عليه من القتل والأذى.
3.ويبسطوا (أَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ)أي يذكرونكم بكلّ قبيح من الشتم واللعن وتشويه السُّمعة.
4. (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) أي يودّون رجوعكم من الحق إلى الضلال،

1 . السيرة النبوية:2/399.

صفحه 195
وهذه هي أُمنيّة الشيطان حيث لا يريد من الإنسان إلاّ الضلال حدوثاً وبقاءً.1
وهذا الأمر الرابع يعدّ من أشدّ الآثار السلبيّة المترتبة على تولّي الكافرين، لأنّه يفضي إلى انهيار بناء المجتمع الإسلامي الفتىّ، القائم على العقيدة الجديدة.
وقد تجسّد ذلك بعد قرون في المغرب الإسلامي ـ أعني: الأندلس ـ الّتي كان من أكبر أسباب ضياعها، وانهيار حكم المسلمين فيها ، هو مهادنة الأعداء المحاربين، والتحالف والتعاون معهم، والحرص على إرضائهم وكسب مودّتهم على حساب المبادئ والمصلحة الإسلامية العليا، وقد وصل الأمر ببعض ملوكها (كعبد الله الصغير) إلى التزوّج ببنات الأعداء (الإسبان)، وإطلاعهنّ على أسرار البلاط، وأسرار المملكة، ومن ثم إيصالها إلى الإسبان، الأمر الّذي أتاح لهم التدخل في شؤون المملكة، والكيد لها.2
قال الدكتور عبدالمجيد نعنعي، وهو يتحدث عن أوضاع طليطلة في عام (1079م) وما بعده: الطليطليون الذين استدعوا المتوكّل، وأمّلوا الخلاص على يديه، أُصيبوا بخيبة أمل مريرة من ممارسته، وأُولئك الداعون للتعاون والسلام مع الإسبان النصارى وجدوا في تصرّفاته مبرّرات إضافية

1 . وثمة نكتة بلاغية أوردها نظام الدين محمد بن الحسن القمي النيسابوري في كتابه «غرائب القرآن»، قال: قال علماء المعاني: إنّما عطف قوله (وودّوا) وهو ماض لفظاً على ما تقدّمه وهو مضارع، تنبيهاً على أنّ ودادهم كفركم أسبق شيء عندهم، لعلمهم أنّ الدين أعزّ على المؤمنين من الأرواح والأموال، وأهمّ شيء عند العدوّ أن يقصد أعزّ شيء عند صاحبه. غرائب القرآن ورغائب الفرقان:10/521.
2 . انظر: رجال من التاريخ، لعلي الطنطاوي:317ـ323.

صفحه 196
تدعم وجهة نظرهم. في هذا الوقت كان القادر ينظم أُموره بالتعاون مع (ألفونسو السادس) ويوثّق تحالفه معه، استعداداً لمهاجمة العاصمة طليطلة واحتلالها.
بعد الاتفاق بين الملكين، جمع (ألفونسو السادس) جيشاً كبيراً، وانطلق يباشر غزو أراضي مملكة طليطلة، يخرّب أراضيها وينشر الرُّعب بين أهلها. وعندما تسرّبت هذه الأخبار إلى المتوكّل الأفطسي، وأدرك قوة الخطر الإسباني وعجزه عن ردّ الغزاة خان الطليطليين، وفرّ تاركاً إياهم لمصيرهم السيء. ألقى (ألفونسو السادس) حصاراً قوياً على طليطلة، ]ممّا [جعل الطليطليين يفتحون أبواب مدينتهم ويُدخلون ملكهم السابق ]القادر[.
وفى القادر بتعهده، وقدّم إلى (ألفونسو السادس) كل ما وجده في القصر الملكي من تحف وثروات ومن أموال ذي النون، وقد اعتبر(ألفونسو السادس)ما قُدّم له قليلاً واتّهم القادر بأنّه قد أخفى الكثير ممّا وجده في المدينة، ولذا طالب بأن يُعطى بالمقابل، كرهينة، حصن (قتالش) الهامّ!!
منذ ذلك الوقت صار سقوط طليطلة ]بيد الإسبان[ يعتبر وكأنّه أمر واقع ومؤكّد، وما كانت عودة القادر ابن ذي النون إليها وإعادة تتويجه على عرشها بالنسبة لألفونسو السادس إلاّ أموراً آنية ومؤقتة. وانطلاقاً من هذه القناعة دخل الملك الإسباني في مباحثات مع قداسة البابا لإعادة كرسي رئيس أساقفة إسبانيا إلى طليطلة، تلك الرئاسة الّتي افتقدتها الأُسقفيات الإسبانية منذ زمن طويل.1
***

1 . الإسلام في طليطلة: 280ـ291.

صفحه 197
وعلى أي تقدير، فالآية الثانية بعامة فقراتها تعليل لذيل الآية الأُولى ـ أعني: (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ) ، والدليل على هذا أنّه لو سنحت الفرصة لهم، لتعاملوا معكم بهذه الأُمور.
أفهل يجوز في منطق العقل التعامل معهم معاملة الصديق مع الصديق؟
***
3. (لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ):
لا شكّ أنّ أواصر القربى تنفع الإنسان في الحياة الاجتماعية الدنيوية، والآية تدلّ على عدم نفعها يوم القيامة لانفصال كل اتصال يومئذ، كما قال سبحانه:(يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئ مِنْهُمْ يَوْمَئِذ شَأْنٌ يُغْنِيهِ )1، فإذا كان حال الإنسان مع أولاده وأرحامه يوم القيامة هكذا، فلا يصحّ لمؤمن بما أُنزل على الرسول، أن يخون الله ورسوله بإفشاء سرّه إلى الأعداء وموادّتهم، لأجل أن تكون له يد عندهم، يدفع بها عن أهله وأولاده، بل يجب أن تكون آصرة العقيدة عنده أقوى من كلّ آصرة. وكأنّ الآية ردّ على حاطب بن أبي بلتعة في اعتذاره عن عمله التجسسي بأنّه لم يكن أحد من المهاجرين إلاّ وله قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم، وأنّه كان غريباً في قريش، فخشي على أهله، فأراد أن يتخذ عندهم يداً.
هذا ما يرجع إلى تفسير قوله: (لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ

1 . عبس:34ـ37.

صفحه 198
الْقِيَامَةِ) لانقطاع وشيجة الأنساب، فلا ينتفع ذوقرابة من قرابته شيئاً.
بقي تفسير قوله:(يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) الظاهر أنّ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ)ظرف لكلا الفعلين: عدم النفع، والفصل بينكم وإن كان الظاهر أنّه ظرف للفعل الثاني، لكنّه ظهور بدئي، لأنّ الإنسان ينتفع بالأرحام والأولاد في الحياة الدنيوية، فلا محيص من تخصيص عدم النفع بيوم القيامة وجعله ظرفاً لكلا الفعلين، إنّما الكلام فيما هو المقصود من الفصل، فقد ذُكرت هنا وجوه:
1. انقطاع روابط الأنساب، فلا خبر عنها يوم القيامة، ولعله إلى هذا يشير قوله سبحانه:(وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ)1.
2. إنّ الله يفرّق بينهم، فيفرّ المرء من أخيه وأُمّه وبنيه وصاحبته.
3. إنّ الله يميّز بينهم بإدخال أهل الإيمان الجنة، وأهل الكفر النار.
4. إنّ الله يقضي بينكم يوم القيامة.
والظاهر هو المعنى الأوّل، لعدم تناسب سائر المعاني مع سياق الآية.
***
سورة الممتحنة: الآيات 4 ـ 6    

الآيات: الرابعة إلى السادسة

(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ

1 . البقرة:166.

صفحه 199
وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْء رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ اغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَ الْيَوْمَ الآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنيُّ الْحَمِيدُ):

المفردات

أُسْوَةٌ: الأُسوة: القدوة.
بُرَآءُ: جمع بريء.
الْبَغْضَاءُ: نفرة النفس والكراهية الظاهرة على الجوارح، كما في قوله سبحانه: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ).1

التفسير

1 . (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ

1 . آل عمران:118.

صفحه 200
اللهِ مِنْ شَيْء رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ):
إنّ من أساليب التربية الناجعة ـ في مجال تهذيب النفوس ـ هو عرض نماذج من البشر بلغوا الغاية في السموّ الإيماني والأخلاقي وفي الطهارة والنزاهة، وحضّ الآخرين على التأسّي والاقتداء بهم في الحياة. وهذا المنهج قد اتُّبع في القرآن الكريم فيذكر هنا، مثلاً، إبراهيم(عليه السلام)ذلك النبي الكبير الذي كانت حياته كلّها طاعة لله وجهاداً في سبيله، فيقول سبحانه في حقّه: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ).
كما أشار القرآن الكريم إلى أُسوة أُخرى، أعني: النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي تمحّضت نفسه للطاعة والإخلاص، وكُرّست حياته للجهاد في سبيل الله والعمل بمرضاته، يقول سبحانه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ )1.
ولم يقتصر الأمر على الرجال، في عرض أُسوة حسنة أمام أعين المسلمين، بل أشار إلى امرأتين متّقيتين، بلغتا في التقوى والنزاهة مبلغاً لا يُدرك شأوهما، فيذكر من باب المثال امرأة فرعون ويقول:(وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ)(2) ويذكر بعدها مريم ويقول:(وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا).2
إنّ إبراهيم(عليه السلام) كان أُسوة في مجالات مختلفة.. في إخلاصه وحبّه لله تبارك وتعالى.. في نضاله وجهاده مع المشركين الّذي بلغ حدّاً لم يأبه فيه

1 . الأحزاب: 21 .   2 . التحريم:11.
2 . التحريم:12.

صفحه 201
للقتل والإحراق، إلى غير ذلك من وجوه الكمال، ولكن المراد هنا هو اتخاذه ومن معه أُسوة في ترك مُوالاة المشركين، وذلك بالصور التالية:
1. (إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) فتبرّؤوا من قومهم وأصنامهم التي يعبدونها من دون الله.
2. (كَفَرْنَا بِكُمْ ) أي كفرنا بجمعكم، والمراد من الكفر هو كفر البراءة من جمعهم.وهذا غير كفرهم بما يعبدونه. وما في المجمع من تفسيره بجحد دينهم وإنكار معبودهم1، يستلزم التكرار لوروده في الفقرة الأُولى.
3. (وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا) أي ظهرت العداوة والبغضاء اللتين نشأتا في القلب، على الجوارح والألسن، فلا جامع بيننا، ولا صلة تربطنا بكم، أنتم أعداؤنا ما دمتم عاكفين على الأصنام وعبادة الكواكب، ولا تنقلب هذه العداوة إلى موالاة، والبغضاء إلى محبّة إلاّ في صورة واحدة، وهي:
4. (حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) أي تصدّقوا بوحدانية الله وإخلاص التوحيد والعبادة له.
إنّ الهدف من هذا الخطاب، هو الحثّ على الاقتداء بالموقف الشجاع، والقرار الحازم الّذي اتخذه (إبراهيم(عليه السلام) ومن آمن معه) من قومهم حتى يقطع المسلمون كل الروابط والوشائج الاجتماعية مع أقوامهم الكافرين، وهو في الوقت نفسه يتضمّن تنديداً بعمل حاطب بن أبي بلتعة، فإنّه تخلف عن هذا المنهج المتوارث عن إبراهيم(عليه السلام)والمؤمنين به.

1 . مجمع البيان:9/406.

صفحه 202
وهنا يُطرح السؤال التالي، وهو أنّه سبحانه حين تحدّث عن دعوة إبراهيم قومه إلى التوحيد، قال:
(فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).1
فالظاهر من هذه الآية أنّه لم يؤمن له إلاّ لوط، فكيف يقول سبحانه: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ والذين معه).
والجواب هو أنّ ذكر اسم لوط هنا، لا يدل على عدم إيمان غيره، فلعلّه سبحانه قد خصّه بالذكر لأجل منزلته الرفيعة وكونه نبيّاً من أنبيائه، على أنّ ابن الأثير يذكر في تاريخه: أنّ قوماً آمنوا به وفارقوا المشركين بالهجرة من وطنهم، قال: ثم إنّ إبراهيم والذين اتّبعوا أمره أجمعوا على فراق قومهم.(2) ويمكن أن يكون الجمع للتعظيم وافتراض فرد كالأُمّة، كما في قوله سبحانه: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً).2
قوله تعالى:(إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْء).
اختلفت كلمة المفسرين في تفسير هذا الاستثناء، ومع قطع النظر عنه فمعنى الفقرة واضح حيث إنّ إبراهيم(عليه السلام)وعد أباه أن يستغفر له ومع ذلك نبّه بأنّ استغفاره مشروط بقبول الله سبحانه، فإنّ الأمر كلّه بيد الله وحده. وقد ذُكرت في تفسير الاستثناء وجوهٌ:
1. أنّ الاستثناء جملة معترضة بين قوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ

1 . العنكبوت:26.   2 . الكامل في التاريخ:1/57 .
2 . النحل:120.

صفحه 203
حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ)إلى قوله: (حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) وبين مقال إبراهيم ومن معه(رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً، والاستغفار مغايراً للتبرّي1، ويمكن أن يكون نظر القائل لما سنذكره في الوجه الثالث.
2. أنّه استثناء من قوله: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ ) فهو أُسوة في جميع المجالات إلاّ في استغفاره لأبيه، فليس للمؤمنين الاقتداء به في ذلك، وهذا الوجه غير صحيح جدّاً، فإنّ القرآن الكريم وصف بطل التوحيد بصفات كثيرة ربما تصل إلى خمسة عشر صفة، وقد توفرت فيه العصمة والصفات الكمالية، فكيف يمكن أن يخالف ربّه في الاستغفار، مع أنّه كان يجب عليه التبرّي في عامّة الجهات ولا يستثني هذه الجهة؟
3. أنّ الظاهر من مجموع ما ورد من الآيات حول تبرّي إبراهيم من أبيه واستغفاره له، أن تبرّيه كان بعد الوعد وبعد أن تبيّن عداءه لله سبحانه، يقول سبحانه: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ).(2)
فالآية ظاهرة في أنّه(عليه السلام) وعد أباه بالاستغفار، حيث كان يترقّب منه الإيمان وترك عبادة الأصنام، فلمّا تبيّن أنّه ثابت على الوثنية التي هي تعبير آخر عن كونه عدواً لله، فعند ذلك تبرّأ منه.
وعلى هذا فلو كان الاستغفار بعد التبرّي، يرد الإشكال في أنّه كيف حفظ هذا القسم من التولّي وترك الأقسام الأُخرى، وهو نبي معصوم؟

1 . التحرير والتنوير:8/130.   2 . التوبة:114.

صفحه 204
وأمّا على ما ذكرنا بأنّ الاستغفار كان قبل التبرّي، حيث إنّه ظنّ أنّه سيهتدي ويترك عبادة الأصنام، ولمّا تبيّن أنّه مستمر على ضلاله تبرّأ منه، فلا يكون استثناء الاستغفار المذكور في الآية منافياً للتبرّي لوقوعه قبله .
وعلى هذا، فكأنّ الاستثناء جواب لسؤال معلوم من سياق الآية، وهو أنّه سبحانه حينما وصف إبراهيم ومن آمن معه بالتبرّي الكامل من المشركين (حسب ما عرفت) دار في ذهن المخاطب: أنّه إذا كان بهذه المنزلة، فكيف استغفر إبراهيم لأبيه، وهو أمر لا ينسجم مع التبرّي؟
فأجاب سبحانه: بأنّ هذا الاستثناء قد تم تحت شروط خاصّة، ولم يكن لأغراض دنيوية ولا لمصلحة وقتية، وإنّما كان الوعد بزعم أنّه سيرجع إلى حظيرة التوحيد، فوعده(عليه السلام)بالاستغفار. وقد عرفت أنّه كان قبل التبرّي، ولم يمكن الاستغفار مضاداً للتبرّي ولا بمعنى التولّي، وإنّما هو استثناء في حياة بطل التوحيد حيث وعد في وقت مناسب بزعم وجود المصلحة، فلمّا تبيّن عدمها تركه ولم يستغفر، وعلى هذا فكأنّ هنا جملة محذوفة، وهي: إنّكم تقتدون بإبراهيم في كل شيء بلا استثناء، وأمّا الاستغفار فإنّما هو أمر خارج عن موضوع التولّي والتبرّي، وكان وعداً لمصلحة دينية لا شخصية، فلا يعتبر وعد الاستغفار، دليلاً على وجود الصلة وعدم التبرّي الكامل.
فلفظة «إلاّ» استثناء في حياة الخليل، أو هي بمعنى أمّا، أي أمّا قول إبراهيم، والجواب محذوف أي لمصلحة خاصّة، فلمّا تبيّن موقف الأب، تركه ولم يستغفر له، ولعلّه هذا مراده من جعل الفقرة جملة معترضة بين صدر الآية وذيلها.

صفحه 205
بقي هنا بحث وهو:

ظهور الآية في كون أبي إبراهيم مشركاً

يستفاد من الآية الرابعة أنّ أبا إبراهيم كان من المشركين بدليل قوله: (إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ) مع أنّ الإمامية اتّفقوا على أنّ آباء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)كلّهم موحِّدون، قال المفيد: واتّفقت الإمامية على أنّ آباء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطلب مؤمنون بالله عزّ وجلّ موحِّدون.1
فلو كان أبو إبراهيم مشركاً فكيف ادّعى الشيخ المفيد إجماع الإمامية على أنّ آباء الرسول إلى آدم كلّهم موحّدون؟
هذا هو الإشكال، وقد أُثير قبل قرون ولكن دراسة الآيات الواردة حول إبراهيم(عليه السلام) تدلّ على أنّ المراد من الأب هنا هو غير الوالد، إمّا أن يكون عمّاً أو خالاً، وإليك توضيح ذلك.
لا شك أنّه إذا أطلق الأب يتبادر منه المعنى المتعارف، أي من خُلق من مائه الولد، ولو استعمل في مورد في معنى العمّ فإنّما هو بقرينة دالة على خلاف الظاهر كما في قوله: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)2، ولا شك أنّ إبراهيم كان جد يعقوب، وإسحاق كان والده، وأمّا إسماعيل فهو عمّه، ومع ذلك أُطلق عليهم

1 . أوائل المقالات:12، ط. تبريز.
2 . البقرة:133.

صفحه 206
جميعاً الآباء وهذا الاستعمال مقرون بقرينة.
وعلى هذا فلا يمكن صرف الآية في المقام عن الوالد إلى العمّ أو الخال بمجرد استعمال الأب في العم بقصة يعقوب، بل يجب أن يوجد هنا دليل قاطع على صرف الأب عن الوالد إلى غيره، ومن حسن الحظ وجود هذه القرينة، وذلك:
أنّ المتبادر من الآية الواردة في سورة التوبة، هو أنّ إبراهيم تبرّأ من أبيه أيام إقامته في بابل وهي أيام شبابه حيث قال:(وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ)1، وهذا يدل على انقطاع الصلة بينه وبين من يُعبّر عنه بالأب عندما كان إبراهيم في بابل وهو فتى يافع، وتدلّ الآيات الواردة في سورة الشعراء أنّه قد استغفر له وهو في بابل أيام شبابه حيث يذكر قصة إبراهيم(عليه السلام)بقوله:(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ)(2) ثم يذكر قوله: (وَ اغْفِرْ لاَِبي إِنَّهُ كَانَ مِنَ
الضَّالِّينَ
)2.
وعلى ذلك فالدعاء له ثم التبرّي منه، كلّ ذلك تحقّق أيام إقامته في بابل قبل أن يغادرها إلى فلسطين ومنها إلى مصر ومنها إلى الحجاز، هذا من جانب.
ومن جانب آخر نجد إبراهيم(عليه السلام) لما طُعن في السنّ وبنى البيت الحرام

1 . التوبة:114.   2 . الشعراء :69ـ71.
2 . الشعراء: 86 .

صفحه 207
ورُزق بولدين صالحين، نجده يدعو لوالديه بالمغفرة، وإليك الآيات:
(الْحَمْدُ للهِ الذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَوةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ).1
فالمستغفَر له والمتبرَّأ منه بعد ذلك في أيام شبابه والذي سمّي بالأب، هو غير الذي دعا له في أُخريات حياته وسمّاه بالوالد.
وهذه قرينة واضحة على أنّ تسمية آزر بالأب، إنّما هو لوجود صلة قوية بينه وبين إبراهيم(عليه السلام)ككونه عمّه أو خاله، فقد دعا له بالمغفرة ثم تبرّأ منه.
وأمّا الوالد الحقيقي فقد دعا له ولم يتبرّأ منه لحظة واحدة.
وهذا هو السرّ في أنّه عبّر عن آزر بالأب، وعن غيره بالوالد.
قوله تعالى : (رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، يُعدّ تتمّة لتبرّي إبراهيم ومن معه من المشركين، ويتضمن ثلاث جمل:
1. (رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا)... والتوكّل على الله تفويض كلّ الأُمور إليه ثقةً بحسن تدبيره.
2. (وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا) أي رجعنا إلى طاعتك وتبنا إليك.
3. (وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)،... أي وإليك مرجع كلّ شيء، وهو تعبير عن الإيمان الراسخ بالآخرة.
***

1 . إبراهيم:39ـ41.

صفحه 208
5. (رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ اغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ):
تطلق الفتنة ويراد بها أحد المعاني التالية:
1. الخصومة والحرب بين رئيسين ضالّين يدعوان كلاهما إلى ضلالة، كفتنة عبدالملك وابن الزبير، وفتنة مروان والضحاك، وفتنة الحجاج وابن الأشعث، ونحو ذلك، فإذا كان أحدهما صاحب حق فليس ثمّة فتنة كالجمل وصفين ونحوهما، بل يجب الجهاد مع صاحب الحق، وسلّ السيف والنهي عن المنكر. 1
وإلى هذا المعنى يشير الإمام علي(عليه السلام) بقوله: «كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لاَ ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلاَ ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ».2
وقال (عليه السلام): «اخمل نفسك أيّام الفتنة، وكن ضعيفاً مغموراً بين الناس لا تصلح لهم بنفسك ولا بمالك، ولا تنصر هؤلاء وهؤلاء».3
2. الكفر والضَّلال والمعصية: وبه فُسِّر قوله تعالى:(ألا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا)(4) أي وقعوا في الكفر والمعصية، وقوله تعالى:(وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَة)(5) يعني هاهنا الكفر. قال الشيخ الطوسي: وإنّما سمّي الكفر فتنة،

1 . انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 18 / 82 .
2 . نهج البلاغة: قسم الحكم، برقم 1. وفيه: ابن اللّبون: ولد الناقة الذكر إذا استكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة، واللّبُون من الإبل والشاة: ذات اللَّبن. وابن اللَّبون لا يكون قد كمل وقوي ظهره على أن يُركب، وليس بأُنثى ذات ضرع فيُحلب وهو مطّرَح لا يُنتفع به.
3 . شرح نهج البلاغة : 18 / 83 .   4. التوبة:49.   5 . البقرة:193.

صفحه 209
لأنّ الكفر يؤدي إلى الهلاك كما تؤدي الفتن إلى الهلاك، ولأنّ الكفر إظهار الفساد عند الاختبار، والفتنة إنّما هي الاختبار.1
3. العذاب والبليّة: وبه فُسِّر قوله سبحانه: (إنّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنينَ وَالمُؤْمِناتُ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا)(2)، وقوله جلّ من قائل: (يَوْمَ هُمْ عَلى
النّارِ يُفْتَنُونَ
)2 أي يُحرقون بالنّار ويُعذّبون فيها. وأصل الفتنة تخليص الذهب بإحراق الغُشّ الّذي فيه، فهؤلاء يُفتنون بالإحراق كما يُفتن الذهب.(4)
4. الامتحان والاختبار: وهذا هو المراد من قوله تعالى: (أحَسِبَ النّاس أنْ يُتركُوا أنْ يَقُولُوا آمنّا وَهُمْ لا يُفتَنُون)3، وقوله سبحانه: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ)(6) أي محنة وابتلاء وشدّة في التكليف عليكم، وشغل عن
أمر الآخرة، فإنّ الإنسان بسبب المال والأولاد يقع في الحرام4، يقول الإمام علي(عليه السلام): «لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفِتْنَةِ» لاَِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فِتْنَة، وَلكِنْ مَنِ اسْتَعَاذَ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلاَّتِ الْفِتَنِ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ).(8) وَمَعْنَى ذلِكَ أَنَّهُ
يَخْتَبِرُهُمْ بِالاَْمْوَالِ وَالاَْوْلاَدِ» .5
قال ابن أبي الحديد: وعندي أنّ أصل اللفظة (يعني الفتنة) هو الاختبار

1 . التبيان في تفسير القرآن:2/147.                      2 . البروج: 10.
2 . الذاريات: 13.   4 . التبيان في تفسير القرآن: 9/382.
3 . العنكبوت:2.                                  6 . التغابن: 15.
4 . مجمع البيان:9/452.                               8 . الأنفال: 28.
5 . نهج البلاغة: قسم الحكم، برقم 93 .

صفحه 210
والامتحان، وأنّ الاعتبارات الأُخرى راجعة إليها، وإذا تأمّلت علمت صحّة ما ذكرناه.1
ومهما يكن، فالظاهر أنّ المراد في قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذينَ كَفَرُوا): لا تجعلنا سبب فتنة لصالح الكافرين بأن يتسلّطوا علينا ويحملونا على ما يريدون، فلا تسلّطهم علينا فيفتنونا عن دينك.
وقيل في تفسير الآية وجوه ذكرها الطبرسي، والظاهر ما ذكرناه، وهو خيرة السيد الطباطبائي، قال: الفتنة ما يُمتحَن به، والمراد بجعلهم فتنة للذين كفروا:تسليط الكفار عليهم ليمتحنهم فيُخرجوا ما في وسعهم من الفساد، فيؤذوهم بأنواع الأذى أن آمنوا بالله ورفضوا آلهتهم وتبرّؤوا منهم وممّا يعبدون.(2)
والظاهر أنّ الآية جزء من دعاء إبراهيم(عليه السلام) ومن معه ولذلك ختموا هذا الدعاء بدعاء آخر، قالوا:(وَ اغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا) ما سلف من ذنوبنا (ربّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أي الغالب الذي لا يُغلَب، والحكيم الذي لا يفعل إلاّ عن حكمة.
سورة الممتحنة: الآيات 7 ـ 9   
وفي هذا تعليم للمسلمين أن يدعوا الله سبحانه بهذا الدعاء، وكأنّ الإتيان بوصف العزيز هنا تعليل لما مرّ من توكلهم على الله والإنابة والمصير إليه، فهذه الأُمور إنّما تُطلب ممن يوصف بالعزة والقدرة والحكمة. ولو كان علّة لطلب المغفرة، لكان من المناسب أن يقول: إنّك أنت الغفور الرحيم.
***

1 . شرح نهج البلاغة:18/249.   2 . الميزان في تفسير القرآن: 19/233.

صفحه 211
6. (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنيُّ الْحَمِيدُ):
الآية تكرار لما مرّ في الآية الرابعة، حيث قال: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ).
وقد أُعيد المضمون لأجل التأكيد على اتّخاذهم أُسوة.
قوله:(لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَ الْيَوْمَ الآخِرَ) بدل من الضمير في (لَكُمْ)أُتي به للتعميم، وأنّ اتّخاذهم أُسوة لا يختص بالمهاجرين الذين كان لهم أقارب في مكة المكرمة، فأعلن أن ما مرّ من الأمر بالتبرّي من العدو واتخاذ إبراهيم ومن معه قدوة، يعمّ كلّ من آمن بالله واليوم الآخر.
قوله:(وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَني الْحَمِيدُ)، أي من يتولّى الكافرين بابتغاء المودة إليهم فلا يضرّ الله، لأنّه هو الغني الحميد.
وفسّره في المجمع بالإعراض وقال: ومن يعرض عن هذا الاقتداء بإبراهيم والأنبياء والمؤمنين والذين معه فقد أخطأ حظ نفسه وذهب عمّا يعود نفعه إليه.1   ***

الآيات: السابعة إلى التاسعة

(عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ

1 . مجمع البيان:9/408.

صفحه 212
يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ):

التفسير

7. (عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ):
لمّا أمر الله تعالى المسلمين في عصر الرسالة بعدم موالاة أقاربهم وأرحامهم وأولادهم المشركين وأن لا يقيموا أيّة صلة معهم، وغير خفي أنّ قطع الصلة مع ذوي القربى ليس أمراً سهلاً، عاد سبحانه يسلّيهم ويُطمعهم رجاء عودة المودة بينهم وبين الذين قطعوا معهم الصلة، وذلك بأن يتشرّفوا بالإيمان والإسلام ويكون الجميع متحابين ومتوادّين، وقد تحقّق ذلك بفتح مكة، وإسلام المشركين ودخولهم حظيرة الإسلام. فقوله في أوّل الآية: (عَسَى اللهُ)بمعنى رجاء المسلمين ذلك من الله، لارجاء الله، وبذلك يُعلم أنّ الآية ليست ناسخة لوجوب التبرّي، وإنّما هي من قبيل تبدّل الموضوع، أي إسلام الكافر وإيمانه، وبذلك يصير كالآخرين.
***

صفحه 213

ما هو معنى خطاب الله لأهل بدر: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ )1؟

قد روى كثير من المحدّثين وعلى رأسهم البخاري2 ومسلم في صحيحيهما، أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كلّم حاطب بن أبي بلتعة في ما صدر عنه، فاعتذر بعذر مرّ نقله، وعندئذ قال عمر للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم): دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّه شهد بدراً، وما يدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ونزلت الآية:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ...)فيه. نقله في «الدر المنثور» وقال: أخرجه، أحمد، والحميدي، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو عوانة، وابن حبان، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، وأبو نعيم معاً في الدلائل3.
ولا تصح المناقشة في السند، لأنّه مروي في الصحيحين ـ على رأي القوم ـ وغيرهما من كتب الحديث ولا محيص من دراسة مضمونه على ضوء الكتاب والسنّة المتواترة والعقل الحصيف.
ومن المعلوم أنّ ردّ الرواية، ليس بمعنى ردّ قول النبىّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّه كفر وإلحاد وإنّما هو ردّ لمن يروي الحديث. وقد قال أبو حنيفة:أُكذّب هؤلاء ولا يكون تكذيبي لهؤلاء وردّي عليهم تكذيباً للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، إنّما يكون التكذيب لقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): أن يقول الرجل أنا مكذّب لقول نبي الله(صلى الله عليه وآله وسلم); فأمّا إذا قال

1 . فصلت: 40 .
2 . صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن برقم 4890، وكتاب الجهاد والسير برقم 3007.
3 . الدر المنثور:9/125.

صفحه 214
الرجل: أنا مؤمن بكلّ شيء تكلّم به النبي، غير أنّ النبي لا يتكلّم بالجور، ولم يخالف القرآن، فإنّ هذا القول منه هو التصديق بالنبي والقرآن، وتنزيه له من الخلاف على القرآن، ولو خالف النبي القرآن وتقوَّلَ على الله غير الحق، لم يدعه اللهُ حتى يأخذه باليمين، ويقطع منه الوتين كما قال الله عزّ وجل:(وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالَْيمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد عَنْهُ حَاجِزِينَ)1، ونبي الله لا يخالف كتاب الله تعالى، ومخالفُ كتاب الله لا يكون نبي الله.2
إذا عرفت ذلك فلندرس مضمون الرواية على ضوء المقاييس الثلاثة التي ذكرناها:
أمّا على ضوء القرآن الكريم، فأوّلاً: إنّ ظاهر آيات سورة الممتحنة أنّ كاتب الرسالة ـ أعني: حاطب بن أبي بلتعة ـ كان مستحقاً للجزاء غير أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عفا عنه بحجة أنّه بدري، فلو أباح سبحانه للبدريين اقتراف المحرّمات، فلا مبرّر لتوجيه اللوم والذمّ إليه إلى حدّ طلب عمر من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يضرب عنقه!! وهذا دليل على أنّ جزاءه كان هو القتل أو نحوه، ولم يردّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)على عمر ويقول له: إنّه لا يستحقّ الجزاء، بل إنّه عفا عنه.
وثانياً: كيف يمكن القول بأنّ الله أباح لهم المحرّمات وأضاء لهم الضوء الأخضر لاقترافها، مع أنّه يذمّهم في مورد الأسرى ويقول: (مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ

1 . الحاقة:44ـ47.
2 . العالم والمتعلم:100ـ101.

صفحه 215
الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)1؟
فإنّ الآية الأُولى خطاب لمن هو دون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من المؤمنين الذين رغبوا في أخذ الفداء من الأسرى قبل أن تضع الحرب أوزارها، رغبوا في الحرب لأجل الغنيمة قبل أن يثخنوا في الأرض، حيث إنّ أخذ الفداء قبل الإثخان في الأرض وقبل تمكّن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن معه من التسلّط التام على الخصم، أمر مرغوب عنه على نحو أنّه لولا (كتاب من الله سبق) لعمّهم العذاب.
فلو كان البدريون مرفوعة عنهم التكاليف، فما معنى هذا التنديد بهم؟!
وأمّا على ضوء السنّة الشريفة، فإنّ مِسْطَح بن أثاثة كان بدرياً، وقد جلده النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في قصة الإفك، يقول الجزري: «شهد مسطح بدراً وكان ممّن خاض في الإفك على عائشة فجلده النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فيمن جلد، وكان أبو بكر ينفق عليه فأقسم أن لا ينفق عليه، فأنزل الله تعالى:(وَلاَ يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ السَّعَةِ)(2) فعاد أبو بكر ينفق عليه.(3)
فلو كان البدريون ـ ومنهم مسطح ـ مخاطبين بقوله:اعملوا ما شئتم، لأصبحوا أحراراً في قولهم وعملهم، فلماذا جلد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مسطحاً فيمن جلد في ذلك؟!
وأمّا العقل الحصيف، فإنّ لازم ذلك عدم قبول رواية أي بدري منهم، لأنّه سبحانه تبارك وتعالى أباح لهم اقتراف الكبائر ومنها الكذب،

1 . الأنفال:67ـ68.            2. النور: 22 .   3 . أُسد الغابة في معرفة الصحابة:4/355.

صفحه 216
والمفروض أنّهم ليسوا بمعصومين فإذا حدّثوا بحديث وتطرّق احتمال الكذب إليه، فلا يمكن الأخذ به.
وما ربما يقال: «إنّ الله سبحانه يحفظ هؤلاء عن اقتراف المعاصي والذنوب، وإن كان غفر له لو اقترف» غير صحيح، فمن أين يقال: إنّه سبحانه يحفظهم من هذه المعاصي، وهذا هو مسطح لم يحفظه من الإفك الذي هو من أكبر المعاصي؟ وهذا هو حاطب بن أبي بلتعة قد تجسّس لصالح الكفّار ولم يحفظه الله سبحانه؟
وبذلك ظهر أنّ الحديث مهما صحّت أسانيده لا يمكن الأخذ بمضمونه، لأنّه يغاير المعايير الثلاثة.
***
8 و 9. (لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ):
أمر الله سبحانه المؤمنين، في الآيات السابقة، أن لا يتّخذوا الكافرين أولياء للأسباب التي تقدّم ذكرها، ثم خاطبهم في هذه الآيات ليرشدهم إلى النهج الذي عليهم أن يسلكوه في تعاملهم معهم، والذي يتحدّد ـ كما قلنا ـ على أساس موقفهم، أي موقف الكافرين من الإسلام وأهله، ولذا ميّز هنا بين فريقين منهم: فريق ناصبهم العداء ومارس ضدهم سياسة القتل والقمع

صفحه 217
والتضييق ليصدُّوهم عن عقيدتهم، وفريق تجنّب الدخول معهم في صراع ونزاع دموي، ولم يتسبّب في إبعادهم عن ديارهم، فقال عزّ من قائل:
(لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ)أي لأجل إيمانكم بالله ورسوله، و(لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ)بإيجاد التضييق لمغادرة الديار، ولذلك صاروا مستحقّين لأمرين:
1. (أَنْ تَبَرُّوهُمْ) بحسن المعاملة معهم.
2. (وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) أي أن تتحرّوا العدل في علاقاتكم معهم تعاملوهم بمثل ما يعاملونكم، حيث (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)من غير فرق في إجرائه على المسلم والكافر.
وتسأل: هل الآية تعمّ الكافر الذميّ والمشرك المعاهد والمشرك غير المعاهد إذا لم ينصبوا العداء للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والمؤمنين ولم يقاتلوهم، ولم يضيّقوا عليهم حتى يضطروهم إلى مغادرة ديارهم؟
أو أنّ الآية تختص بالقسمين، الذميّ والمشرك المعاهد، ولا تعمّ غيرهما؟
الظاهر هو الأوّل؟ واختار السيد الطباطبائي (رحمه الله) القول الثاني، وتظهر الثمرة في منسوخية الآية في غير المُعاهد، حيث أمر سبحانه بقتل المشرك غير المعاهد في قوله: (فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد).1 إلى أن قال: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ)(2).

1 . التوبة:5.   2 . التوبة: 7 .

صفحه 218
فلو قلنا بعموم الآية وشمولها للمشرك غير المعاهد، للزم القول بنسخ العموم بما في سورة التوبة، ولو قلنا بعدم الشمول لم يلزم النسخ. لكن النتيجة على كلا القولين واحد.
وحصيلة الكلام: أنّ الآية تقسّم الكفّار إلى قسمين: بين مَن يرخّص الإحسان إليهم وحسن المعاشرة والمعاملة بإجراء القسط والعدل الذي هو من مظاهر الحب والودّ غير المضرّ بالدين، وبين مَنْ لا يجوز تولّيهم وحبهم وودادهم على نحو لو تولاهم يكون هو الظالم، حيث يعتدي على حقوق الله وحقوق المسلمين.
هذا هو المفهوم من الآيتين عندنا، والعلم عند الله.
هذا وقد دُعيت لإلقاء محاضرة حول التشيع والأُصول المشتركة بين الفريقين خلال زيارتنا إلى المملكة الأُردنية، وكان الحضور واسعاً، وبعد نهاية المحاضرة بدأت المناقشة، فقام أحد الحاضرين وقال: ما رأيكم في الصلح مع إسرائيل؟
فأجبت: بأنّ الله سبحانه قد بيّن لنا مَن يجوز لنا الصلح معه في آيتين من سورة الممتحنة ثم قرأت الآيتين، ومن المعلوم أنّ العدو الصهيوني من أوضح مصاديق الآية الثانية حيث أخرجوا المسلمين رجالاً ونساءً وأطفالاً من ديارهم وقاتلوهم، فهم أحق بأن يقاتلوا حتى يتركوا الديار لأهلها، ولأنّهم لا يؤمنون إلاّ بمنطق القوة، ولا يقابل هذا المنطق إلاّ بمثله.
تلك الديار المقدسة أُخذت بالنار والحديد والحرب، فلا تعود إلاّ بالنار والحديد والحرب، ففكرة الصلح إضاعة للوقت وإعطاء فرصة للخصم،

صفحه 219
ليفرض سيطرته أكثر على الأرض، ويمدّ جذوره إلى كل مكان. وحتى لو أقدم هذا العدو على توقيع معاهدة مع الآخرين، فإنّها كفّ يهودية لم تلبث أن تغدر وتنقض العهد ما إن تعلو وتشعر بالقوة، كما يشهد لذلك تاريخهم الأسود.
لا شكّ أنّ القرآن الكريم حثّ على الصلح وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)1، كما حثّ على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وقال: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)(2)، لكن كلّ ذلك مع من يؤمن بالسلام الحقيقي وبالتعايش السلمي بين الناس، ومع مَن يحترم العهود والمواثيق لا مع من يعاهد عهداً في يوم وينبذه في يوم آخر.
وهنا كلام للأُستاذ خالد محمد خالد نقله صديقنا الشيخ محمّد جواد مغنية (رحمه الله) في تفسيره الكاشف، نقتبس منه ما يلي:
قال: والآن فلنسأل أنفسنا وسكان الأرض جميعاً: مَن من الدول يقاتلنا في ديننا، ويخرجنا من ديارنا، ويظاهر على إخراجنا؟ مَن الذين شرّدوا عرب فلسطين، وانتهبوا منهم أموالهم وأرضهم وعرضهم وديارهم...، مَن الذين مكّنوا إسرائيل وزوّدوها بالمال والعتاد، وقالوا لها كوني شوكة الجنب للعرب...؟ مَن الذين قتلوا ولا يزالون يقتلون الكهول والولدان والنساء؟ مَن الذين حبسوا عنّا السلاح وسرقوا أقواتنا؟... مَن الذين يقفون في المحافل الدولية ضد حقوقنا، ويناصرون علينا أعداءنا.(3)
***

1 . البقرة:208.               2 . النحل:125.   3 . التفسير الكاشف:28/304.

صفحه 220
سورة الممتحنة: الآيتان 10 ـ 11    

الآيتان: العاشرة والحادية عشرة:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَات فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَات فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَ ليَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللهَ الذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ):

المفردات

العصمة في اللغة: المنع، قال تعالى:(لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ)والعِصَم جمع العصمة وهو ما يعتصم به من عقد وسبب، والمعنى لا تتمسّكوا بنكاح الكافرات، وسمّي النكاح عصمةً لأنّ المرأة بالنكاح ممنوعة من غير زوجها.1
(الْكَوَافِرِ): جمع الكافرة.

1 . مجمع البحرين: مادة «عصم».

صفحه 221
(مُهَاجِرَات): حال من قوله: (الْمُؤْمِنَاتُ ).
(مُؤْمِنَات): مفعول ثان لـ(عَلِمْتُمُوهُنَّ ).
قوله: «فلا ترجعوهن»بمعنى لا تردّوهنّ، بشهادة تعدّيه بـ «إلى».

التفسير

10. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَات فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَات فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَ ليَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) :
قبل البدء في تفسير الآية نذكر شأن نزولها حيث إنّها نزلت بعد صلح الحديبية، فقد عقد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)مع المشركين صلحاً يشتمل على مواد وبنود نذكر منها ما يلي:
1. وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس، ويكفّ بعضهم عن بعض.
2. أنّه مَن أتى محمداً من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء

صفحه 222
قريشاً ممّن مع محمد لم يردّوه عليه.
3. أنّه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.
وعلى ضوء الفقرة الثالثة، دخلت خزاعة في عقد رسول الله وعهده، ودخل بنو بكر في عهد قريش وعهدهم.
ولما تمّت المعاهدة رأى سهيل بن عمرو(وهو المفاوض عن جانب قريش لعقد المعاهدة) ابنه أبا جندل يرسُف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلابيبه ثم قال: يا محمد لقد لجّت القضية (أي تمّت) بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال: صدقت، فأخذ يجرّه ليردّه إلى قريش.1
ثم إنّ هذه المعاهدة صارت سبباً لهجرة المؤمنات من نساء المشركين إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، يقول ابن هشام: وهاجرت إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أُم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فخرج أخواها عُمارة والوليد ابنا عقبة حتى قدما على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يسألانه أن يردّها عليهما بالعهد الذي بينه وبين قريش في الحديبية، فلم يفعل، أبى الله ذلك.2
ويظهر من غير واحد ممّن ذكر القصة أنّ المهاجرات كنّ أكثر من واحدة، فقد ذكر الطبرسي أنّه: جاءت سُبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمةً بعد الفراغ من الكتاب والنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بالحديبية، فأقبل زوجها (مسافر بن

1 . انظر: السيرة النبوية:2/318.
2 . السيرة النبوية:2/325ـ326.

صفحه 223
مخزوم) في طلبها وكان كافراً، فقال: يا محمد أُردد علىّ امرأتي، فإنّك قد شرطت لنا أن تردّ علينا، وهذه طينة الكتاب لم تجف، فنزلت الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ ...).
وممن فررنَ من مكّة (أميمة بنت بشر) كانت عند (ثابت بن الدحداحة) وهو يومئذ كافر، فجاءت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فزوّجها من (سهل بن حنيف) إلى غير ذلك من النساء.
والظاهر من صلح الحديبية هو ردّ الرجال دون النساء، وقد نُقل أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «الشرط بيننا في الرجال لا في النساء» و يشهد على ذلك أنّ المرأة إن أسلمت لم تحلّ لزوجها الكافر فكيف تُردّ عليه.1
وبعد بيان سبب النزول نعود إلى تفسير الآية فنقول: لمّا نهى سبحانه عن موادّة الكفّار الذين وصفهم بكونهم أعداءً لله وللمؤمنين، بيّن في هذه الآية والآية اللاحقة حُكم النساء اللاّئي يفارقن أزواجهنّ ويخرجن إلى بلد العدوَ، وهنّ على قسمين:
فتارة تهاجر المرأة من دار الشرك إلى دار الإسلام وتفارق زوجها المشرك لأجل إسلامها، وأُخرى ترتدّ المسلمة وتفارق زوجها المسلم وتلحق بدار الشرك، فالآية تتضمن حكم كلا القسمين، من غير فرق بين من هاجرت إلى الإسلام أو ارتدّت عنه، كما تتضمن أحكاماً كلّها تكشف عن تبنّي العدالة في الموارد كلّها، وأن التبرّي من الشرك لم يدفع الحاكم إلى الخروج عن حدّ العدالة. ويظهر ذلك من دراسة الأحكام الواردة في الآية واحداً بعد الآخر.

1 . مجمع البيان:9ـ10/411.

صفحه 224

1. امتحان المهاجرات من مكة

يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَات فَامْتَحِنُوهُنَّ) حتى يتبين أنّهن معتقدات بالإسلام، والامتحان دليل على كونهن مسلمات في الظاهر، وأمّا الواقع فـ(اللهُ أَعْلَمُ بِإِيَمَانِهِنَّ)وحقيقة الأمر.
والآية دليل على أنّ من أظهر الإسلام ولم تدل القرائن على نفاقه فهو محكوم بالإسلام، ونحن مكلّفون بالظاهر دون الواقع.
وأمّا كيفية امتحانهن، فهو ما روي عن ابن عباس: أنّ امتحانهن أن يحلفن ما خرجن إلاّ للدين والرغبة في الإسلام ولم يخرجن لبغض أزواجهن ولا لالتماس دنيا.
وربما قيل في وجه الامتحان قولان آخران غير ظاهرين.1

2. حرمة ردّهن إلى أزواجهنّ

إذا ثبت إيمانهنّ فلا يحلّ ردّهنّ إلى أزواجهنّ الكفّار، وقد سبق أنّ ما تعهّد به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)من ردّ مَنْ جاء من دار الشرك إلى دار الإسلام لا يشمل النساء، ولذا قال: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَات فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ)وعبّر عن الأزواج بالكفّار تعليلاً للحكم وأنّ كفر الأزواج هو المانع من ردّهنّ.
ثم علّله بوجه آخر وقال: (لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ) فإسلام المرأة يقطع صلتها مع زوجها، والفقرة الثانية كأنّها لتأكيد الفقرة الأُولى; وذلك لأنّه إذا لم تحلّ النساء المؤمنات لأزواجهنّ المشركين، لم يحلّ أزواجهنّ

1 . مجمع البيان:9ـ10/411.

صفحه 225
الكفّار لهنّ; لأنّ حرمة أحد الطرفين يلازم حرمة الطرف الآخر، ولهذا النوع من الكلام الظاهر في التأكيد نظير في الكتاب العزيز، كقوله سبحانه: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)1، وقوله:(أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى).2

3. ردّ ما أُخذ من المهور إلى أزواجهنّ

إنّ المرأة المسلمة إذا تركت زوجها المشرك والتحقت بالإسلام والمسلمين، وانقطعت الصلة بينهما يتوجه ضرر إلى زوجها المشرك، لأنّه نكحها بمهر تمّ تسليمه لها.
فلأجل ذلك أمر سبحانه بردّ المهر الذي بذله لها(وآتُوهُمْ ما أنْفَقُوا). والقائم بهذا الأمر هو الحاكم الإسلامي فيدفع من بيت المال ما يساوي مهرها. وفي التعبير عن المهر بـ(مَا أَنْفَقُوا)دلالة على انقطاع الصلة بينهما، فلم يسمِّه«مهراً» بخلاف الفقرة اللاحقة حيث سمّاه فيها«أجراً».

4. جواز نكاحهنّ مع المهر

فإذا أسلمت الزوجة المشركة والتحقت بدار الإسلام فهي بحاجة إلى مَن يحميها بنكاح وإنفاق، والله سبحانه يسوّغ للمسلمين تزويج هؤلاء بشرط جعل المهر لها حتى لا تتصوّر المرأة بخلو نكاحها عن المهر فقال: (وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)فلا يتصوّر أنّ ما دفع

1 . البقرة:187.
2 . القيامة:34.

صفحه 226
للزوج السابق مُسقط لاستحقاق المرأة المهر من الزوج الثاني، أو أنّ ما أخذته المرأة من زوجها السابق مسقط لأخذ المهر من الزوج الثاني. نعم يجوز نكاحهنّ مع جعل المهر بعد الاستبراء وانقضاء العدة من المشرك إذا كان قد دخل بها.

5. حرمة بقاء الكوافر في عصمة المسلمين

لمّا نهى سبحانه عن إبقاء الصلة بين المسلمة والكافر، كان ثمة رجال قد أسلموا وهاجروا إلى المدينة، بينما بقيت نساؤهم على الكفر في قلة، فجاءت الآية لبيان تكليف هؤلاء الأزواج، فقال سبحانه: (وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)أي لا تمسكوا بنكاح الكافرات من غير فرق بين كونها كافرة أو ذمّية، وإن كان نزول الآية في مورد المشركات لكن المعيار إطلاق الآية.
قال الشريف الرضي (رحمه الله): وهذه استعارة والمراد بها: لا تقيموا على نكاح المشركات وخلاط الكافرات، فكنّى سبحانه عن العُلق التي بين النساء والأزواج بالعصم، وهي هاهنا بمعنى الحبال لأنّها تصل بعضهم ببعض وتربط بعضهم إلى بعض، وإنّما سُمّيت الحبال عصماً لأنّها تعصم المتعلّق والمتمسّك بقوتها.1
وعلى أي تقدير فالآية تنهى عن إبقاء النكاح إذا كانت الزوجة مشركة كما هو مفاد قوله:(ولا تمسكو بعصم الكوافر)، وأمّا العكس ـ أعني: إذا أسلمت الزوجة وكان الزوج مشركاً ـ فحكمه يُعلم من قوله: (ما هُنَّ حلٌّ لَهُمْ

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 287 .

صفحه 227
ولا هُمْ يحلّون لهنّ)، ويترتب على ذلك أنّه لو كان الزوجان مشركين وأسلم هو من دونها حرمت عليه لانقطاع العصمة بينهما، وكذلك العكس إذا أسلمت هي من دونه، وهكذا في صورة ثالثة أعني: إذا كان مسلمين وارتدّ أحدهما عن الإسلام، ففي هذه الصور الثلاث يصدق قوله سبحانه: (وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ).

6. إعطاء ما عليه وأخذ ما له

قوله: (وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَ ليَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا)تتميم لقوله: (وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ); وذلك لأنّ المرأة إذا أسلمت والتحقت بدار الإسلام، يكون ذلك ضرراً للزوج المشرك، حيث إنّه دفع مهرها عند زواجه منها. وهكذا العكس فإذا أسلم الزوج والتحقت الزوجة بدار الكفر يتضرر الزوج المسلم، وذلك لأنّه تزوجها بمهر مسلّم إليها.
ففي هذه الفقرة يأمر سبحانه كل زوج أن يسأل عمّا أنفق، وقدّم حكم الصورة الثانية ـ أعني: إذا التحقت الزوجة المسلمة بدار الكفر ـ وقال: (وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ) كما بيّن حكم الصورة الأُولى وقال: (وَ ليَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا )، ومعنى الفقرتين أنّهم إذا أَعطوا ما عليهم، أعطُوهم ما عليكم.
ثمّ إنّه سبحانه يشير إلى أنّ هذه الأحكام هي مقتضى العدل بين الفريقين ويقول: (ذَلِكُمْ)أي: ذا، إشارة إلى الأحكام الماضية والضمير المتصل«كم» خطاب للمؤمنين، أي ما ذكر أيها المؤمنون (حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ)وحكمه ناشئ عن علم وحكمة، ولذلك قال: (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
***

صفحه 228
11. (وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللهَ الذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ):
الآية تتحدّث عن الزوجات المسلمات اللاتي ارتددن والتحقن بدار الكفر، ويعبّر عن تلك الحالة (فرار الزوجة إلى الكفّار) يعبر بلفظ (الفوت) فقوله: (وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ )كناية عن أنّ فرارها من قبيل الفوت فلا ينتفع بها، والفوت هنا كناية عن الفرار بقرينة تعدّيه بلفظ «إلى»، وحاصله أنّه لو فات شيء من المؤمنين بفرار زوجاتهم، فعلى المؤمنين أن يعطوا لأخوانهم ما يماثل مهور زوجاتهم، والمخاطب عموم المسلمين قال سبحانه: (فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ)والقائم بذلك هو الحاكم; ومعنى (شيء) أحد، أي إن فرّ أحد من أزواجكم إلى الكفّار فغزوتم وأصبتم من الكفار عُقبى (أي إذا غنمتم)، فأعطوا الزوج الذي فاتته امرأته من رأس الغنيمة، ما أنفقه من مهرها، وهذا هو المشهور من معنى الآية، ولا يخفى أنّ صدر الآية مشتمل على إيجاز وحذف شديد، يعلم مفاده من ملاحظة الآية مع ما سبقها.
سورة الممتحنة: الآية 12   
نقل الطبرسي عن الزهري أنّه قال: فكان جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين، راجعات عن الإسلام ست نسوة:1. أُم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شدّاد الفهري،2. فاطمة بنت أبي أُميّة بن المغيرة أُخت أُم سلمة، كانت تحت عمر بن الخطاب فلما أراد عمر أن يهاجر أبت وارتدّت، 3. بروع بنت عقبة، كانت تحت شماس بن عثمان، 4. عبدة بنت عبد العزى بن فضلة، وزوجها عمرو بن عبدود، 5. هند بنت أبي

صفحه 229
جهل بن هشام، كانت تحت هشام بن العاص بن وائل، 6. كلثوم بنت جرول، كانت تحت عمر، فأعطاهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)مهور نسائهم من الغنيمة.1
***

الآية الثانية عشرة:

12. (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَان يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوف فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ):
هل هذه الآية تكملة لامتحان النساء الذي تقدّم ذكره في قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَات فَامْتَحِنُوهُنَّ)، أو أنّها آية مستقلة لا صلة لها بالنساء المهاجرات إلى المدينة، بل نزلت في مكة المكرمة عند فتحها في مورد النساء المشركات اللائي أردن الدخول في حظيرة الإسلام؟
ظاهر الروايات هو الثاني، ويؤيده أنّ النساء المهاجرات كنّ غنيّات عن البيعة بعد امتحانهنّ، كما أنّ الرجال أيضاً كانوا أغنياء عن البيعة عندما أسلموا، وإنّما يبايعون في الظروف الحرجة، كما في غزوة الحديبية أو في العقبة، حيث بايعوا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تحت الشجرة أو في العقبة.

1 . مجمع البيان:9ـ10/413.

صفحه 230
وأمّا النساء المتظاهرات بالإسلام بعد فتح مكة، فبما أنّهنّ أظهرن الإسلام دون أن يُمتحنّ فصار اللازم أخذ البيعة منهن لتحلّ البيعة مكان الامتحان.
وعلى كلّ تقدير، فقد بايعت النساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على أُمور بعضها مشترك بين الرجال والنساء والبعض الآخر يختصّ بهن، وإليك تفسيرها:
قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ) فالجملة قضية شرطية جوابها ما يأتي بعد بيان شروط البيعة، أعني قوله: (فَبَايِعْهُنَّ).
وعلى هذا فجملة: (يُبَايِعْنَكَ) جملة حاليّة، أي إذا جاءتك المؤمنات وهن مستعدّات للبيعة، فبايعهنّ على الأُمور التالية:
1.(عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا) من عبادة الأصنام والأوثان وغيرها.
2. (وَلاَ يَسْرِقْنَ) لا من أزواجهنّ ولا من غيرهم، وخاصة في الحالة الثانية.
3. (وَلاَ يَزْنِينَ) ولعلّه كناية عن اتخاذ الأخدان والزنا سرّاً.
4. (وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ ) على وجه من الوجوه لا بالوأد، ولا بالإسقاط.
5. (وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَان يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ )، ولعلّه كناية
عن اقترافهنّ الزنا، وبالتالي حصول الحمل في أرحامهنّ ونسبته إلى
الزوج.
ويؤيد هذا المعنى أنّ الولد إذا وضعته أُمه سقط بين يديها ورجليها، وهذا الشرط غير الشرط المتقدّم، أعني:(وَلاَ يَزْنِينَ)، فهو يؤكد على
التجنب عن الزنا، من دون نظر إلى ما يتولّد منه، بخلاف هذا الشرط فإنّه ناظر

صفحه 231
إلى ما يحصل من هذا الأمر الشنيع من الولد، وربما يفسّر بالتقاط المولود وإلحاقه بزوجها، وذلك بعيد إذ ليس ذلك بهتاناً مفترى بين أيديهن وأرجلهن.
6.(وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوف) أي جميع ما يوصف بالمعروف عند العقل والشرع، ولكن نسبة العصيان إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يكون قرينة على خصوص ما ورد في الكتاب والسنة من المعروف كالصلاة والزكاة، فلا يعمّ ما هو المعروف عقلاً.
قوله سبحانه: (فَبَايِعْهُنَّ) أي على الشروط المذكورة.
قوله سبحانه:(وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، أمر رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)بالاستغفار لهنّ لِما اقترفن من المعاصي أيام الجاهلية فاستحقنّ العقاب بعد إتمام الحجة ببعثة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبلوغ دعوته إليهن. وأتمّ سبحانه الآية بقوله: (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وكأنّه تعليل لاستجابة دعائه وشمول مغفرته سبحانه لهنّ.
هذا ما يستفاد من الآية، وفي الروايات بيان لكيفية المبايعة، نذكر منها ما يلي:
روى البخاري عن ابن عباس قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فنزل فأقبل حتى أتى النساء فقال: (يَا أَيُّهَا النَّبي إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ)حتى فرغ من الآية كلّها، ثم قال حين فرغ: أنتنّ على ذلك؟ قالت امرأة: نعم.1

1 . لاحظ : صحيح البخاري برقم 7213، باب بيعة النساء. ولاحظ : الدر المنثور:8/139.

صفحه 232
وروى السيوطي في «الدر المنثور» عن الشعبي قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يبايع النساء، ووضع على يده ثوباً، فلمّا كان بعد، كان يخبر النساء فيقرأ عليهنّ هذه الآية: (يَا أَيُّهَا النَّبي إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ)فإذا أقررن قال: قد بايعتكن، حتى جاءت هند امرأة أبي سفيان، فلما قال:(وَلاَ يَزْنِينَ)قالت: أوَ تزني الحرّة؟ لقد كنّا نستحي من ذلك في الجاهلية فكيف بالإسلام؟ فقال: (وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ)قالت: أنت قتلت آباءهم وتوصينا بأبنائهم، فضحك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: (وَلاَ يَسْرِقْنَ)فقالت: يا رسول الله إنّي أصبت من مال أبي سفيان، فرخّص لها.1
وقال الصدوق: وفي رواية ربعي بن عبدالله (أنّه لما بايع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)النساء وأخذ عليهنّ، دعا بإناء فملأه ثم غمس يده في الإناء، ثم أخرجها، فأمرهنّ أن يدخلن أيديهنّ فيغمسن فيه).2
وروي عن عائشة أنّها قالت: كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يبايع النساء بالكلام وبهذه الآية: (أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً...) و ما مسّت يد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يد امرأة قط إلاّ امرأة يملكها.3
***
سورة الممتحنة: الآية 13   

1 . الدر المنثور:8/140.
2 . من لا يحضره الفقيه:3/469، كتاب النكاح، باب النوادر(456)، الحديث 4637.
3 . تفسير نورالثقلين: 8/309، وقال: رواه البخاري في الصحيح.

صفحه 233

الآية الثالثة عشرة:

13. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ):
بعد أن نهى الله سبحانه المؤمنين عن إلقاء المودة إلى المشركين، واستقصى كيفية التعامل معهم وهم بين مُعاد ومعاهد، عاد مرّة ثانية لبيان حكم قسم من الكفار غير المشركين وهم اليهود وقد وصفهم في الآية بقوله: (غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ).
وقد تكرر هذا الوصف في كلامه سبحانه بالنسبة إليهم، قال سبحانه: (وَ بَاءُوا بِغَضَب مِنَ اللهِ).1
فنهى عن تولّيهم، وما هذا إلاّ لأجل الصلة والاتفاق بينهم وبين المشركين على عداء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
فقد كان اليهود يحرّضون المشركين على قتال المسلمين، وربما يموّلونهم، حتى أنّ كعب الأشرف(رأس اليهود في بني النضير) ذهب إلى مكة المكرمة واتّفق معهم على القتال2، وعلى هذا فالآية تنهى عن موادّة المشركين، وعن موالاة اليهود، وكأنّ هاتين الطائفتين وجهان لعملة واحدة، ولذلك قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ). ثم إنّه سبحانه وصفهم بقوله: (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ)، وبما أنّ اليهود غير منكرين

1 . البقرة:61.
2 . مرّت عليك قصّته في تفسير سورة الحشر.

صفحه 234
للبعث فالمراد عدم اهتمامهم بالآخرة، فإعراضهم عن العمل بها بمنزلة كونهم آيسين منها.
ثمّ إنّه سبحانه شبّه اليهود بالكفّار وقال: (كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) يريد من الكفّار المشركين، فيأسهم بمعنى عدم الاعتقاد به.
وهنا سؤال يطرح نفسه: وهو وجود الاختلاف بين اليأسين، فاليهود كانوا معتقدين بالآخرة لكن غير مهتمين بها، لتوغّلهم في الماديات والدنيا، بخلاف المشركين فقد كانوا غير معتقدين بالحياة الأُخروية، فيأسهم من أصحاب القبور عبارة عن إنكار البعث بعد الموت، فكيف يصح التشبيه؟
والجواب: أنّ اليأس عبارة عن عدم توقع الشيء، فتارة ينطبق على عدم الاهتمام به كما هو الحال في يأس اليهود، فصاروا كأنّهم غير معتقدين بوجود الآخرة، وأُخرى بعدم الاعتقاد به كما هو الحال عند المشركين فصحّ تشبيه أحد اليأسين بالآخر لجامع بينهما، وهو اليأس من أصحاب القبور.
***
تمّ تفسير سورة الممتحنة

صفحه 235
سورة الصف   

سورة الصف

(سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ * إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ * وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَني وَ قَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَ اللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ * وَ إِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَ مُبَشِّرًا بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَ هُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلاَمِ وَ اللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ

صفحه 236
اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَ اللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم * تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ يُدْخِلْكُمْ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَ مَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْن ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِينَ مَنْ أَنْصَاري إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ كَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ).

صفحه 237
سورة الصف: الآيات 1 ـ 4    
خصائص السورة

تسمية السورة

سمّيت هذه السورة باسم سورة الصف لقوله تعالى فيها: (إنّ اللهَ يُحِبُّ الّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبيلِهِ صَفّاً).
وربّما تسمّى بـ (سورة عيسى) لقوله تعالى فيها: (وَإذْ قالَ عيسى ابنُ مَرْيَمَ)، وثالثة تسمّى بـ (سورة الحواريين) لقوله تعالى: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَواريِّينَ).
فلو كانت تسمية السور توقيفية، فيجب أن لا تسمّى السورة إلاّ باسم يتّصل بزمان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإلاّ فيجوز تسميتها بالأسماء الثلاثة.

عدد آياتها ومحل نزولها

آياتها أربعة عشرة آية بلا خلاف، وهي مدنية يشهد على ذلك صياغة آياتها ومضامينها.

أغراض السورة

السورة ترغب المؤمنين وتحرّضهم على الجهاد في سبيل وقتال الأعداء، ثم يبشرهم بسطوع هذا الدين وانتشاره في أرجاء الدنيا، وأنّ من يريد إطفاء نوره فهو خائب.
ثم إنّ السورة ترشد المؤمنين إلى تجارة تنجيهم من عذاب أليم ألا

صفحه 238
وهي الجهاد في سبيل الله بالأنفس والأعمال وليقتدوا بذلك بحواريي عيسى بن مريم (عليه السلام).

الآيات: الأربع الأُولى

(سَبّحَ للهِ ما فِي السَّمواتِ وَما فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ * يا أيُّها الّذينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ * إنّ اللهَ يُحِبُّ الّذينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبيلِهِ صَفّاً كأنّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ):

المفردات

الصفّ: عدد من أشياء متجانسة منتظمة الأماكن، كصف المصلّين، وصفّ الجيش في ميدان القتال، وهو هنا كناية عن الانتظام وكونهم كيد واحدة.
المرصوص: من رصّ يرصُّ رصّاً، الشيء: ألصق بعضه ببعض وضمّه فهو مرصوص، يقال: تراصّ القوم: تضامّوا وتلاصقوا.

التفسير

1. (سَبّحَ للهِ ما فِي السَّمواتِ وَما فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ) :

صفحه 239
بدأ سبحانه هذه السورة بذكر تسبيح ما في السماوات وما في الأرض له تعالى، ثم وصف نفسه بوصفين هما: العزيز والحكيم، وفي هذين الوصفين إشارة إلى أنّه سبحانه هو ولي المسلمين القادر على نصرهم على الأعداء في معترك الجهاد، وأنّ الأمر بالجهاد إنّما صدر عن حكمة، وليست الغاية تغليب قوم على قوم، بل الغاية نشر التوحيد ورفض الثنوية. وبما أنّا استوفينا الكلام في تسبيح الكائنات لله سبحانه خلال تفسيرنا لسورة الحشر، فلا حاجة لإعادة الكلام فيه.
2 و 3. (يا أيُّها الّذينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ):
ندّد الله سبحانه في هاتين الآيتين بمن يقول ويَعِد بأمر، ثم تضعف إرادته وتقعد به همّته عن الوفاء بذلك، ومثل هذا الشخص ممقوت عند الله إذ يقول ما لا يفعل، وينكص عمّا وعد، و«المقت» هنا هو البغض الشديد، وقد ذكر المفسّرون في شأن نزول الآية أنّها نزلت في قوم كانوا يقولون: إذا لقينا العدو لم نفرّ ولم نرجع عنهم، ثم لم يفوا بما قالوا: وانفلّوا يوم أُحد حتى شُجّ وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وكُسرت رَباعيَتُه. وقيل في شأن نزول الآية غير ذلك.
وفي هذا المعنى، يأتي قول الإمام عليّ، مخاطباً المتثاقلين والمتخلّفين عن القتال معه:
«أيّها الناس، المجتمعةُ أبدانُهم، المختلفةُ أهواؤهم، كلامُكم يوهي الصُمّ الصِّلاب، وفِعلُكُم يُطمِعُ فيكمُ الأعداءَ.

صفحه 240
تقولون في المجالس: كَيْتَ وَكَيْتَ، فإذا جاء القتالُ قلتم: حِيدي حَيادِ!»1.
يخاطبهم(عليه السلام) فيقول لهم: متكلّمون بما هو في الشدّة والقوة يُضعف (يُوهي) الجبال الصُمّ الصُّلبة، وعند الحرب يظهر أنّ ذلك الكلام لم تكن له ثمرة.
تقولون في المجالس: سنفعل ونفعل (كيتَ وكيتَ)، فإذا جاء القتال فررتم وقلتم الفِرار الفِرار(حِيدي حَيادِ).(2)
لا شكّ في أنّ العالم غير العامل بعلمه أكبر ممقوت عند الله، ذلك أنّ دعوة الناس إلى الجهاد والإنفاق ومواساة الناس، وإلى التحرّز عن الغيبة والكذب وغير ذلك من رذائل الأعمال، توجِد عند الناس رغبة في الإقدام على صالح الأعمال والتحلّي بمكارم الأخلاق، لكن تخلّفه عن العمل بما يأمر به الناس، قد يولّد في نفوس الناس تأثيراً سلبياً، وتزلزلاً في الإيمان والعقيدة.
ولأجل أنّ لتخلّف القول عن العمل أثراً سلبياً في نظر الناس، عدّ الإمام علي(عليه السلام)العالم المتهتك من قواصم الظهر، وقال: «قصم ظهري اثنان: جاهل متنسّك، وعالم مُتهتِّك; فالجاهل يغشّ الناس بتنسّكه، والعالم يغرّهم بتهتّكه».2
وقد نُسب إلى السيد المسيح(عليه السلام) أنّه قال:«أشقى الناس من هو معروف

1 . نهج البلاغة: الخطبة29.   2 . شرح نهج البلاغة :2/112.
2 . بحارالأنوار:2/111. ويلاحظ : شرح نهج البلاغة: 20 / 283 .

صفحه 241
عند الناس بعلمه، مجهول بعمله».1
وبهذا يظهر سرّ قوله سبحانه: (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ).
وليست هذه الآية فريدة في موضوعها، بل قد ورد النهي عن القول بلا عمل في آيات عديدة نشير إليها، يقول سبحانه: (أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ).2
وقد ذمّ الله سبحانه الشعراء لأنّ أكثرهم يقولون مالا يفعلون، قال سبحانه: (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ في كُلِّ واد يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ).3
فالشعر بما هو شعر موهبة إلهية فلو استخدمها الإنسان في الدعوة إلى المثل والقيم وجهاد الأعداء لكان استخداماً للموهبة (النعمة) في محلّها، وأمّا لو استعملها في المجون والفساد والتشبيب، لكان استخداماً للموهبة في غير محلّها ويعد عمله كفراً بالنعمة. وهذه الآية تذمّ الشعراء من حيث إنّهم يتّبعون الهوى، فيمدحون ويذمّون بالباطل، ومن حيث إنّهم يقولون ويحثّون على أشياء لا يفعلونها هم، وينهون عن أشياء يرتكبونها4، ولذا استثنى سبحانه منهم المؤمنين المجاهدين، وقال: (إلاّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثيراً وَانْتَصَروا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا...).5

1 . بحارالأنوار:2/278.
2 . البقرة:44.
3 . الشعراء:224ـ 226.
4 . انظر: التبيان في تفسير القرآن:8/70ـ71.
5 . الشعراء:227.

صفحه 242
وفي آية ثالثة يخاطب الله سبحانه علماء اليهود بأنّهم لا يرتقون إلى درجة الرَّبّانية إلاّ إذا عملوا بالكتاب وبما يدرسون به الناس، قال سبحانه: (وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ).1
وأخيراً، فإنّ الموصوفين بالهداية وأنّهم أصحاب العقول على الحقيقة، هم الذين يستمعون قول الله تعالى ويستجيبون له بالعمل والاتّباع، قال سبحانه: (فَبَشِّرْ عِبادِ* الَّذينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنه* أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبابِ).2
وأوضح دليل على أنّ القول المجرد عن العمل لا يؤثر في مسير الإنسان أنّه سبحانه قرن الإيمان في كثير من الآيات بالعمل، وقال: (إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ) وقال: (إنّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ)...
إنّ تخلّف المرشد عن العمل يعرب عن عدم اعتقاده الراسخ، كما يقول سبحانه: (إنَّما يَخْشى اللهَ مِنْ عِبادِه العُلَماءُ).3
فكأنّه سبحانه يقول: إنّما يخشى الله من عباده العلماء العاملون بعلمهم; وذلك لأنّ الخشية التي هي خضوع قلبي للمولى سبحانه لا تنفكّ عن العمل، فتكون النتيجة هي أنّ من لم يعمل بعلمه فليس بعالم، وإلى ذلك يشير الإمام الصادق(عليه السلام) بقوله: «العالم من صدّق قوله فعله، ومن لم يُصدِّق قوله فعله فليس بعالم».

1 . آل عمران:79.
2 . الزمر:17ـ 18.
3 . فاطر:28.

صفحه 243

الدعوة العملية أكثر تأثيراً

الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال واجتناب الرذائل ومساوئ الأخلاق، تقوم على دعامتين:
1. البيان الواضح والخطاب المفهوم لدى المخاطبين.
2. الالتزام العملي بما يدعو إليه الناس.
فإنّ لكلّ منهما تأثيراً، لكن الثاني أعظم تأثيراً، حيث إنّ العمل يحكي عن الاعتقاد الراسخ والثبات عليه لدى الداعي بما يدعو إليه.
وأفضل وسيلة لنشر الفضائل والقيم والأخلاق الحسنة، هي دعوة الناس بغير اللسان، ولذا ورد عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) قوله: «كونوا دعاة للناس بالخير بغير ألسنتكم ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع».1 فإذا لم يكن الفعل موافقاً للقول، فإنّ أثره في النفوس يضعف، بل تبدّد في الهواء، وإلى هذا يشير الإمام الصادق(عليه السلام) بقوله: «إنّ العالم الذي لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن القلوب كما يزلّ المطر عن الصفا».2

النبىّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الأُسوة

القرآن الكريم يعدّ نبي الإسلام أُسوة في كافّة المجالات، قال سبحانه: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثيراً).3

1 . أُصول الكافي:2/105، الحديث11.
2 . أُصول الكافي:1/44، الحديث3.
3 . الأحزاب:21.

صفحه 244
فكان(صلى الله عليه وآله وسلم) يعمل بما يأمر قبل كلّ مسلم، ويطبّق ما يأمر به بأحسن وجه وأتمّه، فإذا خاطب الناس بقوله: (إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبارَ) كان هو الباسل المقدام في المعارك إلى حدّ وصفه الإمام علي(عليه السلام)بقوله: «كنّا إذا احمرّ البأس اتّقينا برسول الله، فلم يكن أحد منّا أقرب إلى العدو منه».1
وفي رسالته إلى معاوية قال(عليه السلام): «وكان رسول الله إذا احمرّ البأس وأحجم الناس قدّم أهل بيته فوقى بهم أصحابه حرّ السيوف والأسنّة، فقُتل عبيدة بن الحارث يوم بدر، وقُتل حمزة يوم أُحد، وقُتل جعفر يوم مؤتة».(2)
وبما أنّ للعمل تأثيراً بالغاً في نفوس الناس يقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «من نصب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه».2
قلنا: بأنّ التبليغ عملاً آكد من التبليغ لفظاً،وهذا ما نراه في كيفية تعامل الإمام(عليه السلام) مع الذميّ الذي أدّى بالأخير إلى اعتناقه الإسلام.
روى مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله(عليه السلام) عن آبائه(عليهم السلام): «أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)صاحب رجلاً ذمّياً، فقال له الذمّىُّ: أين تريد يا عبد الله؟ فقال: أُريد الكوفة، فلمّا عدل الطريق بالذميّ عدل معه أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال له الذمّي: ألست زعمت أنّك تريد الكوفة؟ فقال له: بلى، فقال له الذمّيّ: فقد تركت الطريق؟ فقال له: قد علمتُ، قال: فلم عدلتَ معي وقد علمت ذلك؟

1 . نهج البلاغة، الكلمات القصار، برقم 9.   2 . نهج البلاغة، الرسالة رقم 9.
2 . نهج البلاغة، قسم الحكم، برقم 73.

صفحه 245
فقال له أمير المؤمنين(عليه السلام): «هذا من تمام حسن الصحبة أن يشيّع الرجل صاحبه هنيئة إذا فارقه، وكذلك أمرنا نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)» فقال له الذمّي: هكذا قال؟ قال: نعم، قال الذميّ: لا جرم إنّما تبعه من تبعه لأفعاله الكريمة، فأنا أُشهدك أنّي على دينك. ورجع الذمّىّ مع أمير المؤمنين(عليه السلام) فلمّا عرفه أسلم».1
4 . (إنّ اللهَ يُحِبُّ الّذينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبيلِهِ صَفّاً كأنّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ):
إنّ جهاد العدو ـ المانع من نشر الإسلام ـ يُعدّ من التكاليف الإلهية التي حثّت عليها الشريعة الإسلامية، وتسأل: ما هي فلسفة الجهاد؟ وهل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ مصلح كسائر المصلحين وفلاسفة العالم، ما عليه إلاّ أن يطرح فكرته وتعاليمه على الناس، والناس مختارون في قبولها أو رفضها؟ ولذلك نرى أنّ المصلحين في مشارق الأرض ومغاربها طرحوا مبادئ الصلح والصفاء والتعايش والسلام ولم يتوسّلوا لأجل تطبيق فكرتهم بالقوة وقد تركوا الناس أحراراً في الأخذ بها أو الرفض.
هذا السؤال هو الذي يكرره كثير من شباب أُمّتنا ملتقطين تلك الشبهة من المستشرقين ومقلّديهم، من الذين قالوا بأنّ الإسلام انتشر بالسيف.
ولكن الحق هو وجود الفرق بين المصلح (الأرضي) والمصلح (السماوي)، فالأوّل تنبع فكرة الإصلاح من ذهنه دون أن يكون مأموراً من الله سبحانه بتطبيق فكرته على صعيد الحياة.

1 . أُصول الكافي:2/670، كتاب العشرة.

صفحه 246
وأمّا النبي فهو ملهم من الله سبحانه ومأمور من قبله بدعوة الناس إلى العمل بما بُعث به من التشريعات السماوية، فليس له أن يقتصر على نشر الفكرة دون أن يعمل على إيصالها إلى البشر ونشرها بينهم جميعاً، وأن يستخدم القوة ـ إذا اقتضى الأمر ـ لرفع الموانع والحواجز التي تحول دون نشر رسالته ودعوته، ودون تمكينها من بسط العدل، ونشر الخير والصلاح.
إذ لا شك في أنّ دعوة الأنبياء تتعارض مع مصالح الجبابرة والطواغيت الذين أخذوا برقاب الناس واستعبدوهم، فيغلقون الأبواب أمام إشاعة الدعوة ويمنعون من وصولها إلى الناس في البلاد التي يحكمونها ويستبدّون بمقدّراتها. ولذلك كانت حياة الأنبياء مقرونة دائماً بمعارضة المستكبرين لهم، إلى حدّ ترى أنّ قتل الأنبياء هو من صفات بعض الأقوام، قال سبحانه واصفاً بني إسرائيل بقتلهم الأنبياء: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ فَقيرٌ وَنَحْنُ أَغْنياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الأنْبياءَ بِغَيْرِ حَقّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَريقِ).1
وفي آية أُخرى قال سبحانه: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبياءَ بِغَيْرِ حَقِّ).2
حتى أنّ الكتاب المقدّس عندهم ينصّ على قتل الأنبياء، فقد جاء في سفر نحميا، الإصحاح 9 الآية 26 ما نصّه: وعصوا وتمردوا عليك ـ أي على الله ـ وطرحوا شريعتك وراء ظهورهم وقتلوا أنبياءك الذين أشهدوا عليهم

1 . آل عمران:181.
2 . النساء:155.

صفحه 247
ليردوهم إليك، وعملوا إهانة عظيمة».1
وعلى ضوء هذا، فهل يجوز لنبي مبعوث من الله سبحانه لأجل تطبيق رسالته بين الناس أن ينعزل جانباً ويجلس في بيته ويترك العدو على حاله ولا يؤسّس قوة تحميه من أذى الأعداء وتساعده على إزاحة الموانع عن طريق تبليغ الرسالة؟!

العقيدة القلبية لا تخضع للإكراه

ويشهد على ما ذكرنا من أنّ الجهاد لم يُفرض لإكراه الناس على اعتناق دين الإسلام، بل لرفع الحواجز عن نشر الدعوة وتوفير الأمن للمؤمنين وحمايتهم من العدوان، أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وبأمر من الله سبحانه ترك أتباع الديانات السماوية على دينهم فمن شاء يبقى على دينه ومن شاء يدخل في الإسلام، قال سبحانه: (لا إكراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها).2 وما هذا إلاّ لأنّ الدين عبارة عن الالتزام القلبي وهذا غير خاضع للإكراه، وما هو خاضع للإكراه، هو تطبيق الجوارح على وفق الشريعة وهو لا ينفع دون أن يكون هناك التزام قلبي.
وحصيلة الكلام: إنّ لدعوة الأنبياء حساباً آخر يفارق دعوة المصلحين من الفلاسفة وغيرهم، فالطبقة الثانية غير ملزمين بالنشر والدعوة بخلاف الأنبياء فهم مكلّفون بذلك، فلمّا قاموا بتبليغ الشريعة ودعوة الناس إلى دين

1 . الكتاب المقدّس: العهد القديم:769.
2 . البقرة:256.

صفحه 248
الله حالت بينهم وبين الناس قوى الكفر والطغيان فصاروا يصدّون الناس عن سبيل الله ويقتلون المؤمنين ودعاة الإصلاح، فلا محيص في تلك الحالة من مواجهة الأعداء بقوّة قادرة على إزالة ما يضعونه من حواجز وموانع، لكي تمهّد الأرض أمام مسيرة التبليغ، وعندئذ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

فلسفة الجهاد الابتدائي

وهنا سؤال آخر وهو أنّ ما ذُكر من البيان إنّما يكفي لتصحيح الجهاد الدفاعي، وأمّا الجهاد الابتدائي الذي أقرّه الإسلام فلا يمكن تبريره بذلك البيان، فإنّ المسلمين في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وبعدها قد قاموا بالجهاد الابتدائي وفتحوا البلدان، من دون أن تكون هناك معارضة من قبل قوى الشر والكفر، فما هو المبرر لذلك؟
والجواب: إنّ الأصل الأساسي في الشريعة الإسلامية هو دعوة الناس إلى عبادة الله سبحانه ومنعهم من عبادة المخلوق، وكان شعار المجاهدين (ما لَكُمْ مِنْ إله غَيْرُهُ)1، أو قوله سبحانه: (وَهُوَ الّذِي فِي السَّماءِ إلهٌ وَفي الأَرْضِ إلهٌ).2
وعلى ضوء ذلك فلم يكن بدّ من مواجهة الوثنية والوثنيين، فإنّ الشريعة السماوية لم تعترف بهذا النوع من التفكير. أضف إلى ذلك: أنّ الوثنيين بعبادتهم الأوثان قد خسروا أنفسهم وضلّوا حتى خضعوا للجماد والحيوان، فدفْعُهم عن عبادة الأوثان دفاع عن حقوق الله سبحانه أوّلاً،

1 . الأعراف:59.
2 . الزخرف:84 .

صفحه 249
وإخراج لهم من حياة ذميمة إلى حياة عزيزة، فلا يُعدّ مثل هذا النوع من الجهاد ـ وإن كان على خلاف ذوق الكافرين ومصالحهم ـ إضراراً بهم بل هو تكريم وإعزاز لهم، وها نحن نوضح ذلك بمثال:
لو انتشر مرض الطاعون في أحد البلدان بحيث أصبح يهدّد الصحة العامة، ففي تلك الحال تقوم الحكومة بإجبار المواطنين على أخذ اللقاح المضادّ لهذا المرض، فلو امتنع شخص عن ذلك لأُجبر عليه، لكي لا يصبح مصدراً لنشر العدوى، وهذا النوع من العمل من قبل الحكومة يُعتبر خدمة لحياة المجتمع وبالتالي لحياة الفرد، وإن كان مرّاً أو مؤذياً للأفراد.
ويشير إلى ما ذكرنا ـ من أنّ نشر التوحيد والمنع من عبادة غيرالله هو الأصل الأساسي بين الشرائع السماوية ـ أنّ الله تعالى أمر نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخاطب قساوسة النصارى الذين وفدوا على المدينة للاحتجاج والمناظرة، أمره أن يخـاطبهـم بأصل متفق عليه بين أصحاب الشرائع السماوية وقال: (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتـابِ تَعـالَوا إلى كَلِمَـة سَواء بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ).1
وبما ذكرنا ظهر سرّ كلا النوعين من الجهاد، الدفاعي والابتدائي، أمّا الأوّل فلإزالة العقبات التي تحول دون تبليغ المبلغين ونشر الدعوة السماوية، وأمّا الثاني فإنّما هو لأجل إنقاذ الناس من الوثنية وعبادة غير الله وهذا هو الركن الأساسي في كافّة الشرائع السماوية. ولذلك نرى أنّ رستم

1 . آل عمران:64.

صفحه 250
قائد جيش الدولة الفارسية، حينما سأل رسول قائد الجيش الإسلامي عن السبب الذي جاء بهم إلى هنا قد أُجيب بقوله: لإخراج عباد الله من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.1
مضافاً إلى ما عرفت من أنّ في هذا النوع من الجهاد إخراجاً لهم من حياة ذميمة إلى حياة عزيزة.
إنّ من يعتقد بأنّ مجرد البيان والخطابة كاف لنشر الدعوة الإلهية وأنّ من سلمت فطرته يستقبل الدعوة ولا يواجه الداعي في مسير دعوته أي نزاع وعراك، فمن زعم ذلك لم يقرأ تاريخ الأُمم ولا تاريخ الدعوة الإسلامية، وها نحن نذكر هنا بعض ما قام به المشركون من أعمال عدائية ضدّ الدعاة الذين أرسلهم رسول الله لتبيلغ رسالته:
قال ابن هشام: قدم على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أُحد رهط من عَضَل والقارة فقالوا: يا رسول الله إنّ فينا إسلاماً فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقّهوننا في الدين، ويُقرئوننا القرآن، ويعلِّموننا شرائع الإسلام. فبعث رسول الله نفراً ستة من أصحابه وأمّر على القوم مرثد الغنوي. فخرج مع القوم حتى إذا كانوا على الرجيع، تبيّن أنّ هناك مؤامرة فأحاط المشركون بالدعاة يريدون أسرهم فقام المبلغون بالدفاع عن أنفسهم، وانتهى الأمر بقتل أربعة منهم وأسر اثنين.(2)
ولم تقف خدع المشركين عند هذا الحدّ فقد كانت لهم خدعةٌ أُخرى

1 . الكامل في التاريخ:2/341.   2 . انظر: السيرة النبوية لابن هشام:2/168ـ 171.

صفحه 251
هي أمرّ وأقسى من الأُولى، وهي حادثة بئر معونة حيث إنّه في شهر صفر من السنة الرابعة للهجرة قدم أبو براء العامري المدينة فدعاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الإسلام فلم يسلم، ولكنّه قال للنبىّ: يا محمّد إنّي أرى أمرك حسناً، فلو بعثتَ رجالاً من أصحابك إلى أهل «نجد» فدعوهم إلى أمرك رجوتُ أن يستجيبوا لك، فإن هم اتّبعوك فما أعزّ أمرك.
فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي أخشى عليهم أهل نجد.
قال أبو براء: لا تخف، أنا لهم جارٌ، فابْعَثْهُمْ فليَدعو الناس إلى أمرك.
فبعث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أربعين رجلاً من خيار المسلمين من أصحابه ممّن حفظوا القرآن وعرفوا أحكام الإسلام، وأمّر عليهم «المنذر بن عمرو»، فساروا حتى نزلوا ببئر معونة وهي بين أرض بني عامر وحرّة بني سليم، وهم يحملون من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كتاباً إلى عامر بن الطفيل أحد زعماء«نجد»، وكلّف أحد المسلمين بإيصال ذلك الكتاب إلى عامر، فلمّا أتاه الكتاب لم ينظر فيه حتى عدا على الرجل(حامل الكتاب) فقتله، ثم استصرخ بني عامر على المبلّغين، فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: لن ننقض عهد أبي براء، وقد عقد لهم عقداً وجواراً.
فاستصرخ عليهم قبائل بني سُليم، فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتى نزلوا حيث نزل جماعة الدعاة، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلمّا رأوهم أخذوا سيوفهم، ثم قاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم بعد أن أبدوا مقاومة كبرى، وبسالة عظيمة، ولم يكن يتوقّع منهم غير ذلك.
فإنّ مبعوثي النبىّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكونوا مجرد رجال فكر وعلم فقط، بل كانوا رجال حروب، وأبطال معارك، ولذا رفضوا الاستسلام للمعتدين، واعتبروا

صفحه 252
ذلك عاراً لا يليق بالمسلم الحرّ الأبىّ، فقاتلوهم حتى استشهدوا جميعاً إلاّ كعب بن زيد، فإنّه جرح فعاد بجراحه إلى المدينة، وأخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بما جرى لأصحابه على أيدي قبائل بني سليم المشركة الغَدَرة.
فحزن رسول الله والمسلمون جميعاً لهاتين الحادثتين، المفجعتين أشد الحزن، بل ولم يجد على قتلى مثل ما وجد عليهم، وبقي رسول الله يذكر شهداء بئر معونة ردحاً من الزمان.1

ما هو قضاء القرآن في جهاد الكفار؟

ما ذكرناه من التحليل ليس أمراً بدعيّاً، بل له جذور في القرآن الكريم، فإذا أمعنا النظر في آيات الجهاد وما فيها من العلل للأمر بالقتال، يظهر أنّ ما ذكرناه من التحليل مطابق للذكر الحكيم.
إنّ الآيات الآمرة بالجهاد على أصناف:

الأوّل: قتال الكفّار والمشركين بلا قيد ولا شرط

إنّ قسماً من الآيات يأمر بقتال هذين الصنفين اللّذين لا يعترف بهما الذكر الحكيم ماداما في شرك ونفاق، ولا يتحمّلهما المجتمع الإسلامي، يقول سبحانه: (يا أَيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأواهُم جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصيرُ).(2)
والمراد من الكفّار هم المشركون الثنويون اللذين لا تعترف بهم الشرائع السماوية.

1 . انظر: السيرة النبوية:2/183ـ187; إمتاع الأسماع: 1/170ـ173.   2 . التوبة:73.

صفحه 253
والمنافقون هم المشركون واقعاً المتظاهرون بالإسلام، وقد سبق أنّ الأصل الأساسي للشرائع السماوية هو رفض الثنوية بلا هوادة.

الثاني: قتال أهل الكتاب إلى حدّ خاص

هناك آيات تضع حدّاً لقتال أهل الكتاب ألا وهو دفع الجزية والعمل بشرائطها والخضوع للحكومة الإسلامية، يقول سبحانه: (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَد وَهُمْ صاغِرُونَ).1
وهذه الآية تتضمّن بيان سبب قتالهم وهو:
1. أنّهم (لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِاليَوْمِ الآخِرِ) مع أنّهم يدّعون أنّهم من أتباع الشرائع السماوية، ولكن إيمانهم ليس إيماناً خالصاً.
ففي مجال التوحيد، يعتقدون بوجود الابن لله سبحانه كعُزير عند اليهود، والمسيح عند النصارى.
كما أنّ اعتقادهم بالمعاد مشوب بالخرافات كقولهم: (لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إلاّ أيّاماً مَعْدُودَةً)، أو كون المعاد غير جسماني، كلّ ذلك على خلاف ما نزلت عليه الشرائع السماوية.
2. (وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ)، فقد حلّلوا الخمر والربا إلى غير ذلك من المحرّمات.
3. (وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ) الذي هو الإسلام.

1 . التوبة:29.

صفحه 254
فلأجل هذه الأُمور حدّد الإسلام جهادهم إلى أن يخضعوا لأحكام الذمّة حيث قال: (حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَد وَهُمْ صاغِرُونَ) بشرط عدم التظاهر بالمحرّمات.

الثالث: قتال مَن يقاتل المسلمين

يدلّ قسم من آيات الذكر الحكيم على وجوب قتال من يقاتل المسلمين، ومن المعلوم أنّ قتال هؤلاء دفاع عن النفس والنفيس وهو ممّا يستحسنه العقل، قال سبحانه:(وَقاتِلُوا في سَبيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).1
فقوله في ذيل الآية: (ولا تعتدوا) أوضح دليل على أنّ الجهاد في الإسلام مبني على رعاية العدل وعدم تجاوزه بالإسراف في القتل، قال سبحانه: (فَلا يُسْرِفْ في الْقَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنْصُوراً).2

الرابع: قتال الناكثين

أمر قسم من الآيات بقتال قوم أعطوا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) العهد على السلم والسلام وعدم التعرّض للمسلمين ولمن له ميثاق معهم، ومع ذلك نكثوا أيمانهم في مواضع خاصة، قال سبحانه: (فَإذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فاقْتُلُوا الْمُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد ...)إلى أن قال:(كَيْفَ وَإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ

1 . البقرة:190.
2 . الإسراء:33.

صفحه 255
بِأفْواهِهِمْ وَتأبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ...)إلى أن قال: (لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِن إلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ).1
والذي يشهد على احترام الإسلام للعهود والمواثيق، قوله سبحانه: (إلاّ الَّذين عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللهَ يُحبُّ الْمُتَّقينَ)(2)، وقوله سبحانه: (إلاّ الَّذينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقيمُوا لَهُمْ إنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقينَ).2

الخامس: القتال لتحرير المستضعفين

وهناك قسم من الآيات يأمر بقتال المستكبرين لتحرير المضطهدين وإنقاذهم من سطوتهم، وهذا هو بيت القصيد في الجهاد الإسلامي، فالإسلام ربما يقاتل قوماً لم يتعرّضوا له بالسوء، ولكنّهم يضطهدون أُمة ضعيفة أو مستضعفة ويصادرون حرّية أبنائها وينتهكون حقوقهم، فالقتال مع هؤلاء ليس إلاّ لأجل الدفاع عن حقوق الإنسان، ورفع الظلم عنه، فلو كان هناك مصداق واضح لصيانة حقوقه، فهذا هو المصداق الواضح طوال تاريخ الإنسان، قال سبحانه: (وَمَا لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ في سَبيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالوِلْدانِ الَّذينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً).3ترى أنّه سبحانه

1 . التوبة:5، 8 و10.   2 . التوبة:4.
2 . التوبة: 7.
3 . النساء:75.

صفحه 256
يحثُّ على القتال في سبيل الله وفي سبيل تحرير المستضعفين من الرجال والنساء الذين اضطهدوا وعذِّبوا على أيدي المستكبرين، فلم يكن لهؤلاء من مخلّص إلاّ دعاء الله سبحانه حتى يخرجهم سبحانه من ظلم أهل ذلك البلد الذي يعيشون فيه (الظالم أهلها)، ويدعونه سبحانه أن يجعل لهم من لدنه ولياً ونصيراً.
فالجهاد الابتدائي ـ الذي اتّخذه المستشرقون ذريعة لنقد الإسلام وأنّه استولى على البلاد بقوة السيف ـ لم يكن إلاّ دفاعاً عن حقوق الإنسان غير القادر على مواجهة الظالمين، فكان الجهاد لغاية تحريرهم من أذى المستكبرين، وما اشتهر بين السياسيين أنّ لكلّ بلد وقوم حدّاً وسياسة لا يجوز لقوم آخرين التدخّل في أُمورهم أشبه بالمهزلة، إذ لم يدلّ دليل مقنع على هذه الضابطة لولا أنّ العقل الحصيف يوجب على الإنسان القوي صب قوّته في تعزيز الإنسان وتكريمه وإخراجه من ذلّ المستكبرين.

صفحة مشرقة من الجهاد العلمي

إذا كان الجهاد من أُصول الإسلام بألوانه المختلفة، إلاّ أنّه ليس أصلاً وحيداً ولا أصلاً يُبدأ به قبل غيره. بل يتقدّم عليه الجهاد العلمي ونشر الدعوة بالدليل والبرهان، قال سبحانه:(ادْعُ إلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدينَ).1
سورة الصف: الآيتان 5 و 6   
فلا يقاتل الإسلام قوماً قبل أن يُتمّ الحجّة ويبيّن معالم دينه، ويتّضح

1 . النحل:125.

صفحه 257
الحق ويتحقّق قوله سبحانه: (وَقُلْ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ)1 على أنّ الإسلام كما دعا إلى الجهاد والقتال دعا إلى الصلح والسلم فقال سبحانه (وإنْ جَنَحُوا للسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها)2، وقال أيضاً: (فَإنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبيلاً).3
ما ذكرناه إلمامة عابرة حول الجهاد، ومن المعلوم أنّ ما ذكرناه نزر يسير، ومن أراد التوسّع فعليه دراسة آيات الجهاد في القرآن الكريم بأجمعه، وما ورد حولها من السنن والأحاديث التي تتضمّن حدوده وخصوصياته.
***

الآيتان: الخامسة والسادسة

(وَإذْ قالَ مُوسى لِقَومِهِ يا قَومِ لِمَ تُؤْذُونَني وقَدْ تَعْلَمُونَ أنّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أزاغَ الله قُلُوبَهم وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقينَ * وَإذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَني إسْرائيلَ إنّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ مُصدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُول يأتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جاءَهُمُ بالبَيِّنات قالُوا هذا سِحْرٌ مُبينٌ).

1 . الكهف:29.
2 . الأنفال:61.
3 . النساء:90.

صفحه 258
 
التفسير
5. (وَإذْ قالَ مُوسى لِقَومِهِ يا قَومِ لِمَ تُؤْذُونَني وقَدْ تَعْلَمُونَ أنّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أزاغَ الله قُلُوبَهم وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقينَ):
تركّز هذه الآية على أمرين:
أ. إيذاء بني إسرائيل نبيهم موسى(عليه السلام).
ب. أنّ إضلاله سبحانه رهن وجود أرضية لدى الإنسان.
وإليك شرح الأمرين:
أمّا الأوّل فيقول سبحانه: (وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَني وَقَدْ تَعْلَمُونَ أنّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ).
ولعلّ وجه المناسبة بين هذه الآية وما تقدّمها من الآيات أنّه سبحانه أنكر على من فارق قوله عمله، ولم يعمل بعلمه، فناسب الحال أن يأتي بمثال له، وهذا المثال هم بنو إسرائيل الذين كانوا على علم بأنّ موسى(عليه السلام) هو نبي الله ورسوله إليهم، وقد رأوا معاجز الله وآياته بأُمّ أعينهم تجري على يده، ومع هذه الدلائل والبيّنات كانوا يَعرضون عن الحقّ ويخالفون عن أمره(عليه السلام)منذ أن جاوزوا البحر، وقد كان لإيذائهم موسى صور كثيرة نذكر منها ما يلي:
1. أنّ الفطرة الإنسانية تقتضي، وقد عبر بهم البحر، تكريمَ موسى واتّباعَ شريعته المبنيّة على توحيد العبادة لله سبحانه، ولكنّهم خالفوا وقالوا:

صفحه 259
(اجْعَلْ لَنا إلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ).1
2. لمّا أمرهم الكليم بقتال المستكبرين في الأراضي المقدّسة، وقال: (يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرينَ).(2) فكان اللازم قتال المستكبرين وإخراجهم عن أراضيهم، ولكن كان جوابهم هو قولهم: (قالُوا يا مُوسَى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبداً مادامُوا فِيها فاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهنا قاعِدُونَ).2
3. أنّ الله سبحانه قد أطعم بني إسرائيل المنّ والسلوى، ولكنّهم اعترضوا على موسى(وَقالُوا لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعام واحد فَادْعُوا لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأَرْض مِنْ بَقْلِها وَقِثّائِها وفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها) فأجابهم موسى بقوله: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ).(4)
4. وأخيراً اتّهموه بعلاقة له مع امرأة فاسقة، وما ذلك إلاّ لمخطط وضعه قارون للتهرّب من إعطاء الزكاة، ولكن الله سبحانه برّأه ممّا اتّهموه به، قال تعالى: (يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا لا تَكُونُوا كالَّذينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً)،3 إلى غير ذلك من المحن والكوارث التي واجهها موسى في رسالته، من عبادة العجل وغير ذلك.
ويظهر من بعض الآيات أنّ كثيراً من الأنبياء قد تعرّضوا لمحن وابتلاءات من قبل أقوامهم قال تعالى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا

1 . الأعراف:138.   2 . المائدة:21.
2 . المائدة:24.   4 . البقرة:61.
3 . الأحزاب:69.

صفحه 260
عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذوا حَتى أتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ وَلَقَدْ جاءَكُمْ مِنْ نَبَأ الْمُرْسَلينَ).1
والتاريخ الصحيح يشهد على أنّ المصلحين ـ من غير الأنبياء ـ قد مشوا على هذا الخط، غير أنّهم كانوا يقابلون المؤذين لهم بالصفح عنهم أو بذل النصيحة لهم، ومن أعظم الشواهد على أنّ المصلحين ـ غير الأنبياء ـ من الأوصياء والعلماء الواعين كانوا مبتلين بالجماعات المؤذية، كلمة للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ألقاها عند ما وصل إليه الخبر بأنّ جيش معاوية قد أغار على حدود العراق، فخطب في أهل الكوفة وقال: «أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهي الصمّ الصّلاب، وفعلكم يُطمع فيكم الأعداء، تقولون في المجالس كيت وكيت، فإذا جاء القتال قلتم: حيدي حياد».2
ثم إنّ في قوله تعالى:(وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُم)، دلالة على أنّ العلم يدعو إلى العمل وأنّ طبيعته هو الجرّ إليه إلاّ أنّه قد تكون الدواعي الصارفة أقوى من الدواعي إلى العمل، قال الإمام الصادق(عليه السلام):«العلم مقرون إلى العمل، فمن علم عمل، ومن عمل علم، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلاّ ارتحل عنه».3
تمّ الكلام حول الأمر الأوّل.
الأمر الثاني: إضلال الله سبحانه للمكلّف رهن وجود أرضية للضلال

1 . الأنعام:34.
2 . نهج البلاغة:1/73، الخطبة 29.
3 . الكافي:1/44، كتاب فضل العلم، باب استعمال العلم، الحديث2.

صفحه 261
لديه، قال سبحانه: (فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ).
الزَّيغ: هو الميل عن الحق إلى الباطل، والآية صريحة في أنّه سبحانه لا يزيغ (لا يُضلّ) أحداً إلاّ إذا زاغ هو بسوء اختياره، فما لم يكن في نفس العبد ميل إلى الباطل، فلا يصدر منه سبحانه أي عمل سلبي بالنسبة إلى العبد، وبذلك تقيّد الآية الدالة على نسبة الإضلال إلى الله بمشيئته سبحانه. قال تعالى:(كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ)1، والآية وإن كانت مطلقة ولكن الآيات الأُخرى تفسّرها بأنّ مشيئته إنّما تتعلّق بهداية من أناب، قال سبحانه:(إنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاء وَيَهْدِي إليهِ مَنْ أنابَ)2، وبإضلال من أسرف وارتاب قال سبحانه: (وَكَذلِكَ يُضِلُ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ).3
ونظير الآية الواردة في المقام قوله سبحانه:(ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُم).4
هذا وفي الآيات الأُخرى دلالة واضحة على أنّ هداية الله وإضلاله لا يأتيان بلا سبب، وإنّما يوجدان بمن أحدث سبباً لأحد الأمرين، وإليك قسماً من الآيات التي تركّز على ذلك:
قال سبحانه: (إنّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ). فالآية ضابطة كلّية في مجالي الضلالة والهداية، أمّا في مجال الضلالة فمن اقترف المعاصي وتوغّل في الذنوب، فقد أوجد أرضية مناسبة لإضلال الله سبحانه.

1 . المدثر:31.
2 . الرعد:27.
3 . غافر:34.
4 . التوبة:127.

صفحه 262
كما أنّ من تاب من المعاصي وأناب إلى الله سبحانه تصل إليه أنوار الهداية، ولذلك يقول سبحانه: (في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً)،1ويقول أيضاً: (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبّار)2.
وأمّا في مجال الهداية فالله سبحانه يهدي إليه من أراد الهداية وسعى لها، قال سبحانه عن أصحاب الكهف:(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهُمْ بِالْحَقِّ إنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً)3، فكأنّ إيمانهم بربّهم أوجد أرضية صالحة في نفوسهم لزيادة الهدى من الله سبحانه إضافة إلى الهداية الأُولى التي يدلّ عليها الإيمان. ويقول سبحانه: (وَالَّذِينَ اهْتَدُوا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ)،4 فصارت الهداية الأُولى نواة لهداية أُخرى، يصل بها الإنسان إلى الكمال المطلوب.
ثمّ إنّه سبحانه جعل مركز الزيغ هو القلب، فقال: (فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُم)والمراد منه هو النفس والروح الإنسانية، وبعبارة أُخرى العقل والفكر، وذلك لوجهين:
1. قال سبحانه: (إنَّ في ذلكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وَهُوَ شَهيدٌ)5، فإنّ تقييد القلب بقوله: (لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ) لا ينطبق على القلب المادي، إذ كلّ إنسان له ذلك العضو، والآية تصنّف الإنسان إلى مَن لهم قلب

1 . البقرة:10.
2 . غافر:35.
3 . الكهف:13.
4 . محمد:17.
5 . سورة ق:37.

صفحه 263
ومَن ليس لهم قلب، فلا محيص من أنّ المراد به العقل والوعي.
2. أنّ القلب ربّما يستعمل في معنى العقل.1
3. وهنا وجه ثالث لنسبة الأُمور الروحية إلى القلب الصنوبري في كثير من الآيات، وهو أنّ القلب مركز علامات الحياة والموت، فإذا كان خفاقاً فهو حىّ ولولا ذلك لحكم عليه بالموت، حتى أنّ أثر السرور والحزن والخوف يظهر في القلب الصنوبري قبل سائر الأعضاء فيجد في نفسه انبساطاً عند السرور وانقباضاً عند الحزن، حتى شاع بين الناس نسبة الآثار النفسانية للقلب، فيقول الإنسان ضاق قلبي حين يحزن.
وفي نهاية المطاف ننقل ما ذكره السيد الشريف الرضي (رحمه الله) في تفسير قوله تعالى: (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا )2 ـ الذي هو نظير قوله تعالى في هذه السورة: (فَلَمَّا زاغُوا أزاغَ)ـ قال: فزيغ القلوب ميلها عن الطاعة والعدول عن طريق المرضاة .3
6. (وَإذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَني إسْرائيلَ إنّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ مُصدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُول يأتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جاءَهُمُ بالبَيِّنات قالُوا هذا سِحْرٌ مُبينٌ):

1 . المنجد:648، مادة «قلب».
2 . آل عمران: 8 .
3 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 291 .

صفحه 264
هذه الآية عطف على الآية المتقدّمة يجمعهما أن المرسل إليهم قد آذوا رسولهم، أمّا في مورد الكليم(عليه السلام) فقد علمتَه، وأمّا في مورد المسيح(عليه السلام)فيكفي أنّهم قد وصفوا كتابه بأنّه سحر مبين.
والآيتان كلاهما أوضح شيء لمن يعلم ولا يعمل، والذي ورد في قوله سبحانه: (لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ).
وأمّا المحتوى، فالآية تهدف أوّلاً إلى أنّ عيسى بن مريم من رسل الله سبحانه إلى بني إسرائيل.
وثانياً: أنّه كان مصدّقاً لما نزل قبله من التوراة وقد قال ذلك في بدء دعوته.
وثالثاً: إنّه المبشِّر برسول يأتي من بعده، وإليك دراسة الجميع.
أمّا الأوّل، فقال سبحانه: (وَإذْ قالَ عيسى ابنُ مَرْيَمَ يا بَني إسْرائيلَ إنّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ). فالآية ظاهرة في اختصاص نبوته ببني إسرائيل، كما أنّ الآية المتقدّمة ظاهرة في أنّ الكليم قد أُرسل إلى بني إسرائيل وأنّ مناظرته مع الفراعنة لتحرير بني إسرائيل ولم يكن نبيّاً مرسلاً لهدايتهم، وهذا هو أحد القولين في نبوّتهما.
إنّ المسيح بعث مثل موسى بخصوص بني إسرائيل غير أنّه أُمر بتحليل بعض المحرمات، كما يقول سبحانه: (وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوراةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآية مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ).1

1 . آل عمران:50.

صفحه 265
وهناك قول آخر بأنّ الكليم والمسيح هما من أُولي العزم من الأنبياء، وفُسّر أُولو العزم بمن كانت شريعته عالمية، وهذا القول هو المشهور بين العلماء، وقد أوضحنا الحال في كتابنا «مفاهيم القرآن»1 عند البحث عن أُولي العزم من الرسل.
وأمّا الثاني ـ أي كونه مصدِّقاً لما بين يديه من التوراة ـ : فيذكره بقوله: (مُصدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ)، وكلامه هذا لا ينافي ما سبق من قوله:(وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ); لأنّ التصديق تصديق جملي أي لا أُغيّر أركان العقيدة والشريعة، فأنتم باقون على ما كنتم عليه، ولكن تختلفون مع السابقين في بعض الفروق، وهذا دليل على جواز النسخ الذي تأباه اليهود، حيث إنّهم يتمسّكون بشريعتهم بحجة بطلان النسخ عقلاً وشرعاً، والتحقيق في محلّه.
وبذلك يُعلم جواب السؤال الذي ربّما تواجهه الآية ونظائرها وهو: كيف أنّ المسيح يقول: (وَمُصدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ )، مع أنّ الموجود بين يديه منها كان محرّفاً غير مقبول؟
وقد أُجيب بوجهين:
1. أنّ المراد من قوله: (بَيْنَ يَدَيَّ)أي ما تقدّم من كتاب، فلا يشمل إلاّ التوراة الصحيحة التي نزلت على الكليم بلا تحريف.2
2. أنّ المراد هو تصديق التوراة تصديقاً إجمالياً ـ أعني: الأُصول

1 . مفاهيم القرآن:3/78ـ101.
2 . الرحلة المدرسية للبلاغي:239.

صفحه 266
والكلّيات الواردة فيه غير المحرَّفة ـ وتصديق الكتاب بإجماله لا ينافي تطرق التحريف إلى بعض موارده.
وبذلك يُعلم الجواب عن تصديق النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لما بين يديه من التوراة والإنجيل، قال سبحانه: (وَالّذي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ...).1
فإنّ المراد هو تصديق الكتب بإجمالها وأنّ كل نبي لم يُبعث لتبديل ما أُوحي إلى النبي السابق من جذوره.
وأمّا الثالث ـ أي التبشير بالرسول الموعود ـ : فقد جاء في كلامه: (وَمُبَشِّراً بِرَسُول يأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد).
وحاصله: أنّ الرسول المنتظر(صلى الله عليه وآله وسلم) يأتي من بعدي ولست هو أنا، ولعظمة هذا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)ذكر سبحانه علائمه ودلائله في الكتب السماوية على نحو يعرفون هذا النبي كما يعرفون أبناءهم، قال سبحانه: (اَلَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإنَّ فَريقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).(2)
وقد صارت دلائل وجوده وشريعته وصلته بالله واضحة لا يشك فيها هؤلاء كما لا يشكّون في معرفة أولادهم، ومع ذلك كلّه فقد عرفوه وأنكروه.
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله:(فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبينٌ)، فهل الضمير في قوله:(جاءَهُمْ) يرجع إلى «عيسى»، لقوله سبحانه: (وإذْ كَفَفْتُ بَني إسرائيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهُمْ بِالبَيِّناتِ فَقالَ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إنْ هذا

1 . فاطر:31.   2 . البقرة:146.

صفحه 267
إلاّ سِحْرٌ مُبينٌ).1 أو يرجع إلى النبي المبشر به وقد وصف بالسحر كثيراً في لسان المشركين. وجهان ولعلّ الثاني أظهر.
بقي هنا أمران:
1. أنّ المعروف أنّ اسم النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) هو محمد، فهل كان له اسمان، محمد وأحمد؟
2. التبشير برسول اسمه أحمد ووجود اسمه في الأناجيل.
وإليك دراسة الأمرين:

الأمر الأوّل: التبشير بأحمد لا بمحمد

ربّما يطرح في بعض الأندية السؤال التالي: إنّ المسيح بشّر بمجيء رسول اسمه أحمد، مع أنّ اسم نبينا محمد، فكيف تنطبق هذه البشارة على نبينا(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
والجواب من جهات: الأُولى: روى الحلبي في سيرته أنّ عبد المطلب أسمى نبينا بـ«محمد» ولكن أُمّه سمّته «أحمد».(2) كما أنّ عمّه أبا طالب الذي تكفّل برعايته بعد وفاة جدّه وهو في عمر ثمان سنين، أسماه في بعض قصائده(أحمد)، وإليك ما قاله في هذا المجال:
إن يكن ما أتى أحمد اليوم *** سناء وفي الحشر دينا
وقال:
وقوله لأحمد أنت امرؤ *** خلوف الحديث ضعيف النسب(3)

1 . المائدة:110.            2 . السيرة الحلبية:1/93ـ 100.   3. ديوان أبي طالب:19، 25.

صفحه 268
وقال:
وإن كان أحمد قد جاءهم به *** حقّ ولم يأتهم بالكذب1
وروى الآخرون عنه الأبيات التالية:
أرادوا قتل أحمد ظالموه *** وليس بقتلهم فيهم زعيم(2)
وقال:
لقد أكرم الله النبي محمداً *** فأكرم خلق الله في الناس أحمدُ2
وقال:
لعمري لقد كلّفت وجداً بأحمد *** وأحببته حبّ الحبيب المواصلِ(4)
وقال:
فأصبح فينا أحمد في أرومة *** تقصّر عنه سورة المتطاولِ3
وأمّا شاعر صدر الإسلام حسّان بن ثابت، فقد أنشد قائلاً:
مفجّعة قد شقّها فقدُ أحمد *** فظلّت لآلاء الرسول تعدِّدُ
أطالت وقوفاً تذرف الدمع جهدَها *** على طلل القبر الذي فيه أحمدُ4

1 . ديوان أبي طالب:29.                                     2 . نفس المصدر.
2 . تاريخ ابن عساكر:1/275; تاريخ الخميس:1/254.   4 . سيرة ابن هشام:1/279.
3 . سيرة ابن هشام:1/280.
4 . ديوان حسان بن ثابت:59، طبع بيروت، تحقيق عزت نصرت الله.

صفحه 269
وقال أيضاً:
فمن كان أو من يكون كأحمد *** نظام لحق أو نكال لملحد1
هذه نماذج من الأشعار التي ذكر فيها اسم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بـ«أحمد»، والمتتبع يجد أكثر ممّا ذكرناه.2
الثانية: أنّ بعض البطارقة أو القساوسة، قد زاروا النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة المنورة، خصوصاً في أمر المباهلة ولم يعترضوا عليه بأنّ ما بشر به الإنجيل هو أحمد، وهذا يدل على أنّ النبي كان كبعض الأنبياء ذا اسمين، وليس هذا أمراً بديعاً، إذ يوجد من الأنبياء من لهم اسمان، كيعقوب، والمسيح، ويونس، فلكلّ اسم آخر(على الترتيب): إسرائيل، وعيسى، وذو النون.
الثالثة: روى الشيخ الطوسي في التبيان: عن الإمام علي(عليه السلام): سمّى الله تعالى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن بسبعة أسماء.3
وروى الصدوق في خصاله4 أنّ لرسول الله عشرة أسماء: خمسة منها في القرآن، وخمسة ليست في القرآن. فأمّا التي في القرآن: محمد، أحمد، عبد الله، يس، ن; وأمّا التي ليست في القرآن: فالفاتح، الخاتم، الكاف، المقفّي، الحاشر.

1 . ديوان حسان بن ثابت:56.
2 . لاحظ المصادر التالية: مجمع البيان:3/387، بحارالأنوار:2/259; بلوغ الإرب:2/284; مفاهيم القرآن:3/509ـ516.
3 . التبيان:2/475.
4 . الخصال:2/48.

صفحه 270
روى الصفّار بسنده عن الكلبيّ1 عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال لي: كم لمحمد اسم في القرآن؟ قال: قلت: اسمان أو ثلاثة، فقال:«يا كلبيّ له عشرة
أسماء(وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، و(مُبَشِّرًا بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)، و(لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا)، و(طَهَ * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)، و(يَس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)، و(ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون)، و(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ)، و(يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ)، و(قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ)، فالذكر اسم من أسماء محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، ونحن أهل الذكر، فسل يا كلبيّ عمّا بدا لك».
ومفهوم الحديثين واضح فإنّ المراد من الاسم فيها أعمّ من الصريح والمؤوّل ومن العلَم والوصف، فإنّ بعض ما عدّ اسماً له(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعدو عن كونه وصفاً له، كالمدّثّر والمزّمّل، كما أنّ عدّ الحروف المقطّعة علَماً له، إنّما هو بالتأويل المخصوص علمه لهم(عليهم السلام). فلاحظ.
***

الأمر الثاني: وجود البشارة بمجيء أحمد في الإنجيل

الآية الكريمة تدلّ بصراحة على أنّ المسيح بشّر بمجيء نبيٍّ اسمه «أحمد»، وعندئذ يُطرح هذا السؤال: هل هذه البشارة موجودة في الأناجيل الرائجة؟

1 . بصائر الدرجات:2/470، الحديث1828، طبعة دار جواد الأئمة، 1428هـ .

صفحه 271
الجواب: إنّ البشارة موجودة في إنجيل يوحنّا، ونحن ننقل ما جاء في الترجمة العربية:
ففي الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنّا، جاء ما يلي:
15. إن كنتم تحبّونني فاحفظوا وصاياي.
16. وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر ليثبت معكم إلى الأبد.
17. روح الحق الذي لن يطيق العالم أن يقبله، لأنّه ليس يراه ولا يعرفه، وأنتم تعرفونه لأنّه مقيم عندكم وهو ثابت فيكم.
26. وفارقليط روح القدس الذي يرسله الأب باسمي، هو يعلمكم كل شيء وهو يذكّركم كلّ ما قلته لكم.
29. لقد أنبأتكم قبل الآن بالأمر قبل حدوثه حتّى إذا حدث تؤمنون.
وفي الباب الخامس عشر من إنجيل يوحنّا، ورد ما يلي:
26. إذا جاء فارقليط الذي أرسله إليكم من لدن أب روح الحق المنبثق من الأب فهو يشهد لي.
27. وأنتم تشهدون لأنكم معي من الابتداء.
وفي الباب السادس عشر من إنجيل يوحنّا، ورد ما يلي:
7. لكني أقول لكم الحق أنّه خير لكم أن أنطلق، لأنّي إن لم أنطلق لم يأتكم فارقليط، فأمّا إن انطلقت أرسلته إليكم.
8. فإذا جاء ذاك فهو يوبخ العالم على خطيئة والبرّ والدينونة .
9. أمّا على الخطيئة فلأنّهم لم يؤمنوا بي.

صفحه 272
10. وأمّا على البرّ فلأني منطلق إلى الأب ولستم ترونني بعد.
11. وأمّا على الدينونة فإن سيد 1هذا العالم قد دين.
12. وإن لي كلاماً كثيراً أقوله لكم، ولكنكم لستم تطيقون حمله الآن.
13. وإذا جاء روح القدس ذاك فهو يعلمكم جميع الحق، لأنّه ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بكل ما يسمع ويخبركم بما سيأتي.
14. وهو يمجّدني لأنّه يأخذ ممّا هو لي ويخبركم.
15. جميع ما هو للأب فهو لي، فمن أجل هذا قلت: إنّ جميع ما هو للأب فهو لي، ولذلك قلت لكم: إنّه يأخذ مما لي ويخبركم به.2

كيفية الدلالة

قد أثارت هذه الآيات مناظرات بين المسلمين والمسيحيين، وقد قام غير واحد من محقّقي المسلمين بدراسة هذه الجمل وإثبات دلالتها على البشارة بأحمد، وعلى رأسهم المحقق (رحمة الله بن خليل الهندي)مؤلف «إظهار الحق»، وهو من الكتب الممتعة و«فخر الإسلام» في كتابه: «أنيس الأعلام» ونحن نقتبس مما ذكره الهندي.
قال: وجه الاستدلال بهذه العبارات ببيان أمرين:

1 . وفي ترجمة أُخرى: اركون هذا العالم.
2 . هذه الجمل مأخوذة عن الإنجيل المترجم باللغة العربية المطبوع سنة 1821م وسنة 1831م وسنة1844م، ولما كانت بعض المواضع غير واضحة صحّحنا الترجمة بما ورد في الكتاب المقدس المطبوع في دار المشرق ببيروت 1988م.

صفحه 273

الأوّل: أهل الكتاب وترجمة الأسماء

إنّ أهل الكتاب سلفاً وخلفاً عادتهم أن يترجموا الأسماء غالباً، (مع أنّ حق الترجمة حفظ الأسماء بأُصولها)، ثم إنّ عيسى(عليه السلام) كان يتكلم باللغة العبرية لا باليونانية، فعلى هذا فقد قام المترجمون بترجمة اسم المبشَّر به (أحمد) باليوناني بحسب عادتهم، وسيوافيك ما هو الأصل في اللغة اليونانية. ثم مترجمو العربية عرّبوا اللفظ اليوناني بـ(فارقليط)، وعندئذ يقع الكلام ما هو الأصل للفظ فارقليط في اللغة اليونانية.
إنّ في اللغة اليونانية لفظين متقاربين في الكتابة والقراءة هما:
1. پاراكلتوس.
2. پيركلتوس.
فيطلق الأوّل ويراد به الشخص الممتدح ويعادل لفظ محمد وأحمد.
ويطلق الثاني ويراد به المسلّي.
فعندئذ يقع الكلام في أنّ فارقليط هل هو معرّب اللفظ الأوّل أو معرب اللفظ الثاني؟ والقرائن الآتية تدل على أنّه معرَّب اللفظ الأوّل .1
وقبل بيان القرائن المعيّنة، نذكر ما جاء في دائرة المعارف الفرنسية المترجمة: محمد مؤسس الإسلام ورسول الله وخاتم الأنبياء، إنّ معنى كلمة (محمد) تعني المحمود كثيراً وهي مشتقة من (الحمد) والتي هي بمعنى التجليل والتمجيد، وتشاء الصدفة العجيبة أن يذكر له اسم آخر من نفس

1 . إظهار الحق:2/287ـ280.

صفحه 274
الأصل (الحمد) ترادف لفظ (محمد) يعني(أحمد) ويحتمل احتمالاً قوياً أنّ مسيحيي الحجاز كانوا يطلقون لفظ (أحمد) بدلاً عن (فارقليطا).1
وعلى كلّ تقدير فقد فسّر غير واحد من علماء اللاهوت فارقليط بمعنى الروح النازل على تلاميذ عيسى(عليه السلام) يوم الدار الذي جاء ذكره في الباب الثاني من كتاب الأعمال.2، وهذا هو المراد من ترجمته بالمسلّي أو المعزّي، ولكن القرائن القاطعة تدل على أنّ المراد النبيّ المبشَّر به، وإليك تلك القرائن.

الثاني: القرائن الدالّة على أنّ المراد به هو الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)

وهذه القرائن، هي:
1. أنّ هذا الروح متّحد بالأب مطلقاً، وبالابن اتّحاداً حقيقياً فلا يصدق في حقّه (فارقليط آخر) الذي ورد ذكره في الباب الرابع عشر.(الآية 16) بخلاف النبي المبشر به فإنّه يصدق في حقّه هذا القول بلا تكلّف.
2. إنّ عيسى(عليه السلام) قال: «هو يذكّركم كل ما قلت لكم »3 ولم يثبت من أنّ الحواريين قد نسوا ما قاله عيسى(عليه السلام) وهذا الروح النازل يوم الدار ذكرهم إيّاه.

1 . دائرة المعارف الكبيرة الفرنسية:23/4176.
2 . جاء في كتاب أعمال الرسل تحت عنوان نزول روح القدس على الرسل:
   ولما أتى اليوم الخمسون كانوا مجتمعين كلهم في مكان واحد فانطلق من السماء بغتة دويّ كريح عاصفة فملأ جوانب البيت الذي كانوا فيه وظهرت لهم ألسنة كأنّها من نار قد انقسمت فوقف على كل منهم لساناً فامتلأوا جميعاً من الروح القدس وأخذوا يتكلمون بلغات غيرلغتهم على ما ذهب لهم الروح القدس أن يتكلم. لاحظ الكتاب المقدس، أعمال الرسل،الباب الثاني، ص376.
3 . الباب الرابع عشر، الآية 26.

صفحه 275
3. أنّ عيسى(عليه السلام) قال: هو يشهد لي.1
ومن المعلوم أنّ تلاميذه كانوا مستغنين عن أن يشهد روح القدس لصالح عيسى، إذ لم تكن أي فائدة في شهادته لهم، بخلاف ما إذا أُريد به النبي المبشَّر به، فإنّه يشهد لأجل المسيح وصدقه وبراءته من ادّعاء الألوهية وغير ذلك ممّا يشهد له.
4. أنّ عيسى(عليه السلام) قال: إن لم أنطلق لم يأتكم فارقليط، فأمّا إن انطلقت أرسلته إليكم.2
فقد علّق مجيء المبشَّر به بذهابه مع أنّ الروح عندهم نزل على الحواريين قبل صعود المسيح لما أرسلهم إلى البلاد الإسرائيلية، فلم يكن نزوله مشروطاً بذهابه، بخلاف ما إذا أُريد به النبي المبشَّر به، فإنّ مجيئه مشروط بذهاب المسيح لأنّ وجود رسولين ذوي شريعتين مستقلتين في زمان واحد غير جائز.
5. أنّ عيسى(عليه السلام) قال: يوبخ العالم3 فهذا القول بمنزلة النص الجلي على أنّ المبشر به نبي من الأنبياء وليس إلاّ رسول الإسلام لأنّه وبخ العالم لا سيّما اليهود على عدم إيمانهم بعيسى توبيخاً لا يشك فيه أحد، بخلاف الروح النازل يوم الدار، فإنّه لم يوبخ أحداً لأنّه نزل على الحواريين وهو رسل عيسى إلى الدعوة بلسان الترغيب والوعظ.

1 . الباب الخامس عشر، الآية 26.
2 . الباب السادس عشر: الآية 7.
3 . الباب السادس عشر، الآية 8 .

صفحه 276
6. قال عيسى(عليه السلام): أمّا على الخطيئة فلأنّهم لم يؤمنوا بي.1 وهذا يدلّ على أنّ فارقليط يظهر على منكري عيسى موبّخاً لهم على عدم الإيمان به، والروح النازل يوم الدار لم يظهر على الناس.
7. أنّ عيسى(عليه السلام) قال: ليس ينطق من عنده بل يتكلّم بكلّ ما يسمع.2وهذا يدلّ على أنّ فارقليط يكذبه بنو إسرائيل ولذلك قام المسيح يقرر صدقه، ولا مجال لمظنة التكذيب في حق الروح النازل يوم الدار، وكأنّ تلك الجملة تشير إلى ما قاله سبحانه في حق النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):(وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى* إنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحى).3
ونقل مؤلف «إظهار الحق» ما يلي: قال الفاضل حيدر علي القرشي في كتابه المسمّى بـ «خلاصة سيف المسلمين» الذي هو بلسان أردو في الصفحة 63 و 64:(إنّ القسيس أوسكان الأرمني ترجم كتاب أشعيا باللسان الأرمني في سنة ألف وستمائة وست وستين، وطبعت هذه الترجمة في سنة ألف وسبعمائة وثلاث وثلاثين في مطبع انتوني پورتولي ويوجد في هذه الترجمة في الباب الثاني والأربعين هذه الفقرة: (سبّحوا الله تسبيحاً جديداً وأثر سلطنة4 على ظهره واسمه أحمد) انتهت وهذه الترجمة موجودة عن الأرامن فانظروا فيها). انتهى كلامه.5

1 . الباب السادس عشر، الآية 9.
2 . الباب السادس عشر، الآية 13.
3 . النجم:3ـ4.
4 . الظاهر سلطنته أي أثر النبوة.
5 . إظهار الحق:2/295.

صفحه 277
قد صدرنا في بيان هذه القرائن عن كتاب «إظهار الحق» بتلخيص وتصرّف يسير، وقد ذكر المؤلف قرائن أُخرى لم نذكرها لأجل الإيجاز في الكلام.
ثمّ إنّ مؤلف«أنيس الأعلام» أعني فخر الإسلام الذي كان من القساوسة ثم تشرّف بالإسلام قد ذكر وجه رجوعه عن المسيحية إلى الإسلام وقال: بعد بحث طويل وعناء كبير وتجوال في المدن عثرت على قسيس كبير متميز في زهده وتقواه، كان يرجع إليه الكاثوليك بما فيهم سلاطينهم، تعلمت عليه زمناً مذاهب النصارى، وكان له طلاب كثيرون، ولكنّه كان ينظر إليّ من بينهم نظرة خاصة، وكانت كل مفاتيح البيت بيدي، إلاّ مفتاحاً واحداً لغرفة صغيرة، احتفظ به عنده....
وفي يوم اعتلّت صحة القسيس، فقال لي: قل للطلاب إنّي لا أستطيع التدريس اليوم. حينما جئت الطلاب وجدتهم منهمكين في نقاش حول معنى «فارقليطا» في السريانية، و «پريكلتوس» في اليونانية.. واستمر بينهم النقاش، وكل كان يدلي برأيه.
بعد أن عدت إلى الأُستاذ سألني عمّا كان يدور بين الطلاب، فأخبرته، فقال لي: وما رأيك؟
قلت: اخترت الرأي الفلاني.
قال القسيس: ما قصّرت في عملك، ولكن الحقّ غير ذلك; لأنّ حقيقة هذا الأمر لا يعلمها إلاّ الراسخون في العلم، وقليل ما هم. أكثرت في الإلحاح عليه أن يوضِّح لي معنى الكلمة. فبكى بكاءً مرّاً وقال: لم أخفِ عليك شيئاً..

صفحه 278
إنّ لفهم معنى هذه الكلمة أثراً كبيراً، ولكنّه إن انتشر فسنتعرض للقتل! فإن عاهدتني أن لا تفشيه فسأُخبرك... فأقسمت بكلّ المقدّسات أن لا أذكر ذلك لأحد، فقال: إنّه اسم من أسماء نبي المسلمين، ويعني «أحمد» و «محمد».
ثم أعطاني مفتاح الغرفة وقال: افتح الصندوق الفلاني، وهاتِ الكتابين اللّذين فيه، جئت إليه بالكتابين، وكانا مكتوبين باليونانية والسريانية على جلد، ويعودان إلى عصر ما قبل الإسلام.
الكتابان ترجما «فارقليطا» بمعنى أحمد ومحمّد، ثم أضاف الأُستاذ: علماء النصارى كانوا مجمعين قبل ظهوره أنّ «فارقليطا» بمعنى «أحمد ومحمّد»، ولكن بعد ظهور محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، غيّروا هذا المعنى، حفظاً لمكانتهم ورئاستهم وأوّلوه، واخترعوا له معنى آخر لم يكن على الإطلاق هدف صاحب الإنجيل.
سألته عما يقوله بشأن دين النصارى؟ قال: لقد نسخ بمجيء الإسلام، وكرر ذلك ثلاثاً، ثم قلت:
ما هي طريقة النجاة والصراط المستقيم في زماننا هذا؟ قال: إنّما هي باتّباع محمد(صلى الله عليه وآله وسلم).
قلت: وهل التابعون له ناجون؟
قال: أي والله، وكرر ذلك ثلاثاً.
ثم بكى الأُستاذ وبكيت كثيراً ثم قال: إذا أردت الآخرة والنجاة فعليك بدين الحق... وأنا أدعو لك دائماً، شرط أن تكون شاهداً لي يوم القيامة أنّي كنت في الباطن مسلماً، ومن أتباع محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)... وما من شك أنّ الإسلام هو

صفحه 279
دين الله اليوم على ظهر الأرض».1
وكما يلاحظ فإنّ هذه الوثيقة الهامة تصرّح بما فعله علماء أهل الكتاب بعد ظهور نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) من تحريف لتفسير اسم النبي وعلاماته، تحقيقاً لمصالحهم الشخصية.
لما قدّم الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)على المأمون أمر الفضل بن سهل أن يجمع له أصحاب المقالات، مثل: الجاثليق، ورأس الجالوت ورؤساء الصابئين والهربذ الأكبر وأصحاب زردشت ونساطس الرومي والمتكلّمين، ليسمع كلامه وكلامهم، فجمعهم الفضل بن سهل ثم أعلم المأمون باجتماعهم، فقال: ادخلهم عليّ، ففعل فرحبّ بهم المأمون ثم قال لهم:
إنّما جمعتكم لخير وأحببت أن تناظروا ابن عمي هذا المدني القادم عليَّ، فإذا كان بكرة فأغدوا عليَّ ولا يتخلّف منكم أحد.
فقالوا: السمع والطاعة يا أمير المؤمنين نحن مبكرون إن شاء الله.
ثم ذكر صاحب الاحتجاج احتجاج الرضا (عليه السلام)مع هؤلاء، ومن العجب أنّ الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)احتجّ على نبوة نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّ المسيح (عليه السلام)بشّر به، فقال ما هذا نصّه: ثم قال (عليه السلام)للجاثليق: يا نصراني! كيف علمك بكتاب شعيا؟ قال: أعرفه حرفاً حرفاً.
قال لهما: أتعرفان هذا من كلامه؟ يا قوم إنّي رأيت صورة راكب

1 . نقلاً باختصار عن «الهداية الثانية» مقدمة كتاب «أنيس الأعلام»:2/161.

صفحه 280
الحمار لابساً جلابيب النور، ورأيت راكب البعير ضوؤه مثل ضوء القمر؟
فقال: قد قال ذلك شعيا.
قال الرضا (عليه السلام): يا نصراني! أهل تعرف في الإنجيل قول عيسى: إنّي ذاهب إلى ربكم وربي، و(البارقليط) 1 جائي هو الذي يشهد لي بالحق كما شهدت له، وهو الذي يفسّر لكم كل شيء، وهو الذي يبدي فضائح الأُمم، وهو الذي يكسر عمود الكفر؟
فقال الجاثليق: ما ذكرت شيئاً من الإنجيل إلاّ ونحن مقرّون به.
فقال (عليه السلام): أتجد هذا في الإنجيل ثابتاً؟ قال: نعم .2
***
سورة الصف: الآيات 7 ـ 9    

الآيات: السابعة إلى التاسعة

(وَمَنْ أظْلَمُ مِمَّن افْتَرى عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إلى الإسلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَومَ الظّالِمينَ * يُريدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ * هُوَ الّذي أرْسَلَ رَسُولهُ بِالهُدى وَدينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).

1 . خ ل: في التوحيد: الفارقليطا .
2 . الاحتجاج: 2 / 411 .

صفحه 281

التفسير

تقدّم في الآية السادسة أنّ أهل الكتاب وصفوا دلائل نبوة نبينا(صلى الله عليه وآله وسلم)وبيّناته بالسحر المبين، كما قال: (فَلمّا جاءَهُم بالبيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبينٌ)كذباً وعناداً للفرق الواضح بين السحر والمعجزة.
ومن المعلوم أنّ اتّهام الأنبياء بالسحر أسهل ذريعة للمعاند لتبرير كفره وتكذيبه، ولذلك جاءت الآية السابعة تندّد بهؤلاء وتوبّخهم وأنّهم بتكذيب نبي الإسلام يفترون على الله الكذب، قال سبحانه:
7. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إلى الإسْلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَومَ الظّالِمينَ):
وأمّا أنّهم أظلم الناس، فلأجل أنّهم ظلموا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أوّلاً، والله سبحانه ثانياً، والناس ثالثاً.
أمّا ظلمهم لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث وصفوا عمله بالسحر ونعتوا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ذاته بالساحر، ولم ينظروا إلى معجزاته وبيّناته حتى يستضيئوا بنورها.
وأمّا ظلمهم لله سبحانه، فلأنّه تعالى هو الذي أعطاه الحجج والبيّنات، وهؤلاء نسبوها إلى غيره، كما هو مقتضى كونه ساحراً.
وأمّا ظلمهم الناس، فلأنّهم بإخفاء البشارات الواردة في العهدين حالوا بينها وبين الناس، وبذلك صاروا مستحقين للحرمان من هداية الله سبحانه، كما يقول سبحانه عنهم: (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمينَ).

صفحه 282
نعم الآية لا تختصّ بأهل الكتاب الذين بقوا على ديانتهم ولم يؤمنوا بالإسلام بل تعمّ المشركين، فإنّهم أيضاً افتروا على الله افتراءات كثيرة، حيث قال سبحانه:(وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَر مِنْ شَيْء)1.
ثم إنّ قوله سبحانه: (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ) واضح لأنّهم هم السبب لعدم الاستضاءة من إضاءة الله سبحانه، فما لم يكن في الإنسان استعداد ورغبة نفسية إلى الاستضاءة ولم يضع نفسه في مهب رياح الرحمة والهداية لا يستضيء من نورها ولا يتمتع بهداية الله سبحانه.
وحاصل الكلام: أنّ هؤلاء المكذّبين ـ مضافاً إلى أنّهم لا يستضيئون بنور النبوة ـ كانوا سبباً لمنع الناس عن طريق الحق، بتكذيب الآيات الإلهية، وهذا هو الظلم الكبير، فهو يظلم نفسه وفي الوقت ذاته يمنع الناس عن الاستضاءة واعتناق الدين الصحيح.
8 . (يُريدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ):
قد ورد مضمون هذه الآية في مورد آخر، هو قوله سبحانه: (يُريدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْواهِهمْ وَيَأْبَى اللهُ إلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرونَ).(2) والفرق بين الآيتين هو تعلّق إرادة الكافرين بنفس الإطفاء في سورة التوبة، كما قال:(يُريدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا)، أي يريدون الإطفاء، بينما في المقام تعلّقت إرادة الكافرين بشيء ينتهي إلى الإطفاء وإن شئت قلت بمقدماته، بشهادة قوله:

1 . الأنعام:91.   2 . التوبة:32.

صفحه 283
(يريدون ليطفئوا) فالإطفاء غاية للإرادة المتعلّقة بشيء، وإلى ما ذكرنا يُنظَر قول الراغب: والفرق بين الموضعين أنّهم في قوله: (يُريدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا )يقصدون إطفاء نور الله، وفي قوله: (ليطفئوا نور الله) السبب الموصل إلى الإطفاء، وهو النفخ بالأفواه والإطفاء غرض وغاية. وكأنّهم زعموا أنّ نور الله سبحانه كشمعة تُطفأ بأدنى نفخة، ولذلك رموه بالسحر وانقطاع صلته بالله ولكنّهم أخطأوا، فنور الله لا يُطفأ، فعملهم، نظير عمل من يريد إطفاء نور الشمس بنفخة في الهواء، وهذا يكشف عن حمقهم.
أمّا لفظ النور فقد أُضيف إلى الله سبحانه، فقال: (اللهُ نُوْرُ السَّمواتِ وَالأَرْضِ).1
وأمّا في غير هذا المورد، فتارة يُطلق ويراد به الإيمان والإسلام، ويُراد من الظلمة الكفر، يقول سبحانه: (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أولياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إلَى الظُّلُماتِ).(2)
وأُخرى يُطلق ويراد به القرآن الكريم، قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إلَيْكُمْ نُوراً مُبيناً).2
وثالثاً يطلق ويراد به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال سبحانه: (قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ).3

1 . النور:35.   2 . البقرة:257.
2 . النساء:174.
3 . المائدة:15.

صفحه 284
وعلى هذا فيمكن أن يريد سبحانه من قوله: (يُريدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ)الدعوة النبوية للإسلام، ويُحتمل أن يراد به القرآن، بشهادة أنّه أُشير إليه في الآية المتقدّمة: (قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ) فإنّ المُشار اليه هو القرآن... ويحتمل أيضاً أن يراد به النبي الأكرم بشهادة الآية التاسعة حيث قال سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدْى وَدِينِ الحَقِّ).
فكلّ من الإسلام والإيمان والقرآن والذكر الحكيم نور والنبي الأعظم نور، وهذه الأنوار الإلهية تبقى مدى الدهر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ثمّ إن لفظ النور موضوع للنور الحسّي وإطلاقه على الموارد الثلاثة من باب الاستعارة لوجود أثر النور الحسّي فيها، أوضحها هو أنّ الإنسان بفضل الأنوار المادية يستطيع السير بسلامة في طرقه، ولولا هذه الأنوار لسقط في الهاوية وهلك، وهكذا نور الله المتجلّي في دينه وكتابه ونبيه، يُري نهجَ السعادة في الحياة الدنيا والآخرة للإنسان ويجعله يسير عليه، فلا يسقط الإنسان في مهاوي الشقاء.
وهناك وجه آخر وهو أنّ قُطّاع الطريق يخرجون من أوكارهم في ظُلَم الليل، دون نور النهار وهكذا شياطين الجن والإنس يستغلون البيئات التي ليس فيها أثر من الدين والكتاب وأخبار النبوة، فينشرون أفكارهم السامة بين الناس وبالأخصّ بين الشباب، إلى غير ذلك من الآثار المادية للنور الحسّي المتجلّية في الموارد الثلاثة بصور أُخرى. ومع هذه العراقيل الواقعة أمام نور الله، فإنّ (اللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ).

صفحه 285
والكافر وإن كان يعمّ المشرك وأهل الكتاب ولكن المراد به في المقام أهل الكتاب بقرينة قوله في الآية التالية:(وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)تخصيصهم بالذكر يدلّ على المراد من الكافرين في المقام أهل الكتاب وتكون النتيجة أنّ الكفار بعامّة فرقهم كارهين لإتمام النور وظهور الدين الإلهي.
وهذه الفقرة، من الأخبار الغيبية في القرآن الكريم حيث يخبر سبحانه أنّه سيتم نوره، ولعل المراد انتشار دينه في البلدان عامّة (وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ )وأقاموا السدود أمام انتشار النور. فكراهتهم لا تؤثر أمام إرادته النافذة.
9. (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ):
لمّا ذكر سبحانه في الآية المتقدمة أنّه سيتم نوره عاد إلى تأكيد مضمونه بقوله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ) ردّاً لزعم الكافرين أنّه ليس مرسلاً من الله سبحانه، أرسله (بِالْهُدى وَدِينِ الحَقِّ)لا بالسحر والكهانة والإضافة في (دِينِ الحَقِّ)بيانية أي: الدين الحق.(لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ) الظاهر أنّ المراد من الدين كل سبيل مسلوك غير سبيل الله الذي هو الإسلام، والغاية من إرسال النبي الخاتم هو ذاك: (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) من عبدة الأوثان.
وبما ذكرنا تظهر أُمور:
1. أنّه سبحانه مع أنّه حصر الدين في الإسلام ونفى عن تسمية غيره ديناً وقال : (إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلام)1، إلاّ أنّ قوله: (عَلى الدِّينِ

1 . آل عمران:19.

صفحه 286
كُلِّهِ)تضمّن الإقرار بوجود دين غيره، وعندئذ يكون المراد بالدين فيه كلّ سبيل مسلوك غير سبيل الله، وإنّما أُطلق عليه لفظ الدين من باب المجاز، فالنازل من الله سبحانه دين واحد وهو دين الإسلام.
ولا يطلق على غيره لفظ الدين إلاّ مجازاً، فليس له سهم من الدين إلاّ اللفظ; كما قال سبحانه في حق الآلهة المزعومة: (أَتُجادِلُونَني في أَسْماء سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّل اللهُ بِها مِنْ سُلْطان)1، وقال سبحانه: (إنْ هِيَ إلاّ أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطان)2، فليس لهم من الألوهية إلاّ الاسم.
نعم المراد بالإسلام هو التسليم أمام الله سبحانه الذي هو الأصل المشترك بين عامّة الشرائع السماوية فالدين بمعنى التسليم أمام الله سبحانه أمر مشترك لا يختلف فيه أحد من أصحاب الشرائع، ولو كان هناك اختلاف فإنّما هو في الشريعة، فالدين مطلقاً واحد والشرائع مختلفة، ويظهر ذلك من التأمّل في قوله سبحانه:(لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً)(3). فالأنبياء كلّهم ينهلون من منهل واحد، وإنّما الاختلاف في الشريعة والطريقة.
2. قوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ) وفيه احتمالات:
أ. الظهور هو الغلبة بالدليل والبرهان الذي يقلع كلّ شبهة عن ذهن الإنسان ويثبت أنّ الدعوة المحمدية دعوة إلهية.

1 . الأعراف:71.
2 . النجم:23.   3 . المائدة:48 .

صفحه 287
ب. الظهور هو انتشار الدين في الجزيرة العربية وغلبته على الوثنية، وهذا قد صار محقّقاً قبل رحلة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
ج. الظهور هو انتشاره في أرجاء العالم من غير أن يختصّ بالجزيرة العربية.
والظاهر هو الثالث لقوله:(عَلى الدِّينِ كُلِّهِ)، أي لا يبقى دين إلاّ ويخفت نوره وينطفئ بنور دين الإسلام، وهذا ما لم يتحقّق بعد.
فإذا كان المراد غلبة دين الإسلام على كافّة الأديان فالظاهر من الروايات أنّه يتحقّق عند ظهور الإمام المهدي(عليه السلام).
روى علي بن إبراهيم في تفسيره قال: حتى إذا خرج يظهره الله على الدين كلّه حتى لا يُعبَد غير الله، وهو قوله: «يملأ الله الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً».1
ثمّ إنّ سيطرة الإسلام بعد ظهور الإمام المهدي(عليه السلام) لا تتمّ بمنطق القوة والإكراه والسيف ـ وإن كان لها دور في بعض الموارد ـ وإنّما السبب الأساسي لإيمان الناس هو تسرُّب اليأس إلى نفوسهم من الأنظمة الوضعية التي لا تخدم إلاّ الشيطان وأذنابه من الظلمة.
وفي تلك الظروف التي يغلب فيها على الأُمم اليأسُ من كلّ نظام غير سماوي، تتحفّز النفوس لاستقبال الدعوة التي يطلقها الإمام المهدي(عليه السلام)بجدّ وحماسة، ولن يقف في وجهها إلاّ القليل من الذين لا يقيمهم إلاّ السيف.
وبتعبير السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره): أنّ ظهور المهدي(عليه السلام)

1 . تفسير نور الثقلين:5/317.

صفحه 288
يُفترض أن يكون في أعقاب فراغ كبير، يحدث نتيجة نكسة وأزمة حضارية خانقة. وذلك الفراغ يتيح المجال للرسالة الجديدة أن تمتد، وهذه النكسة تُهيِّئ الجو النفسي لقبولها، وليست هذه النكسة مجرد حادثة تقع صدفة في تاريخ الحضارة الإنسانية، وإنّما هي نتيجة طبيعية لتناقضات التاريخ المنقطع عن الله سبحانه وتعالى، التي لا تجد لها في نهاية المطاف حلاًّ حاسماً، فتشعل النار التي لا تُبقي ولا تذر، ويبرز النور في تلك اللحظة ليطفئ النار، ويقيم على الأرض عدل السماء.1
3. ثم إنّه سبحانه خصّ المشركين بالكراهة وقال:(وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون)لأنّهم أكثر الناس كراهة، وهذا دليل على أنّ المراد بالكافرين في الآية المتقدّمة هم أهل الكتاب كما مرّ.
***
سورة الصف: الآيات 10 ـ 13    

الآيات: العاشرة إلى الثالثة عشرة

(يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذاب ألِيم * تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ في سَبيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنّات تَجْري مِنْ تَحْتِها الأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْن ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظيمُ * وأُخرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَريبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنينَ) .

1 . بحث حول المهدي:64، المجموعة الكاملة لمؤلفات السيد محمد باقر الصدر، ج11.

صفحه 289
 
التفسير
10. (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذاب ألِيم ):
الآية بمنزلة الإجابة لسؤال ربما يثار وهو: ما الأمر الذي يُنجي الإنسان من عذاب الله يوم القيامة، فوافاه الجواب بقوله(يا أيها الذين آمنوا) الخ.
التجارة: هي التصرف في رأس المال طلباً للربح، ولا يوجد في كلام العرب، تاءٌ بعده جيم إلاّ هذه اللفظة.1 والآية تحثّ على الجهاد الذي هو الهدف الرئيسي في تلك السورة كما مرّ، فقال: (إنّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبيلِهِ صَفّاً كأنّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ).(2)
والفرق بين الآيتين هو أنّ التحريض والترغيب إلى الجهاد في هذه الآية أكثر من الآية المتقدّمة. ثمّ إنّ قوله: ( تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذاب ألِيم ) يدلّ على أنّ تارك الجهاد يشمله العذاب ولا نجاة له إلاّ بسلوك هذا الطريق.
11. (تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ في سَبيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ):
وبما أنّ التجارة كما مرّ تقوم بالتصرف في رأس المال، فرأس المال الذي يتّجر به المؤمنون عبارة عن أمرين:
1. (تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ)، أي إيماناً خالصاً يعبدون الله وحده

1 . المفردات للراغب، مادة «تجر».   2 . الصف:4.

صفحه 290
ويطيعون رسوله. والإيمان بالله يوجد أرضية صالحة للاتّجار بالنفس والنفيس.
2. (وَتُجاهِدُونَ في سَبيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ). نعم ربما يتّجر بالنفس دون النفيس لفقره، أو بالمال، لعدم تمكّنه من المشاركة في الجهاد البدني، وفي الآية إشارة إلى ذينك الأمرين ولا نجاة له إلاّ ببذلهما.
وعلى كلّ تقدير فالآية تصوّر لنا عرضاً رائعاً، وهو أنّ قوام التجارة بأُمور أربعة: البائع، والمشتري، والبضاعة، والثمن; فالبائع هو المؤمن، والمشتري هو الله سبحانه، والبضاعة هي النفس والمال، والثمن هو المغفرة ودخول الجنة; إلى غير ذلك ممّا يأتي في الآية السابعة، فأيّة تجارة أربح من ذلك. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
(ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُم) فيه اسم إشارة ـ أعني : ذا ـ وضمير ـ أعني: كم ـ فاسم الإشارة يشير إلى العمل الذي يقوم به الإنسان المؤمن، وفي الضمير(كم) التفات إلى المخاطبين، أي إنّ هذا ـ أيّها المؤمنون ـ خير لكم، إن كنتم تعلمون.
***
12 و 13. (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنّات تَجْري مِنْ تَحْتِها الأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْن ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظيمُ * وأُخرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَريبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنينَ) :

صفحه 291
إنّ التجارة قائمة على أمرين:المبيع، والثمن.
فالبائع يقوم بعرض مبيعه ودفعه إلى المشتري وتمليكه له، والمشتري يقوم بتقييم المبيع ودفع ثمنه إلى البائع.
فالله سبحانه يشبِّه عمل المؤمن المجاهد بالبائع الذي يعرض نفسه ونفيسه في سبيل الله ويشتريه الله سبحانه بثمن مؤلَّف من أُمور أربعة:
1.(يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) والفعل مجزوم لشرط مقدّر مفهوم من الآية السابقة، وهي: إن آمنتم وجاهدتم في سبيل الله: (يَغْفِرْ لَكُم...). ولولا المغفرة لما أمكن دخول الجنة التي هي الجزء الثاني للثمن.
2. (وَيُدْخِلْكُمْ جَنّات تَجْري مِنْ تَحْتِها الأَنْهارُ)، وقد وعد به سبحانه المؤمنين في غير واحدة من الآيات.
3. (وَمَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْن)، والمراد بالمساكن: القصور، وإنّما خصّ المساكن بالذكر لأنّ المجاهدين سيفارقون مساكنهم، فوعدهم الله سبحانه أنّ لهم مساكن في الجنة، يقول سبحانه: (قُلْ إنْ كانَ آباؤكُمْ وَأَبْناؤكُمْ وَإخْوانُكُمْ وَأزواجُكُمْ وَعَشيرَتُكُم...) إلى قوله: (وَمَساكِنَ تَرْضَونَها أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهاد فِى سَبِيلِهِ).1
ثمّ إنّه يصف هذه الأجزاء الثلاثة بقوله: (ذلكَ الفَوْزُ الْعَظيمُ)، فإنّ السعادة الأُخروية سعادة عظيمة لا يعادلها شيء، ولكنّ الإنسان الدنيوي ربّما لا ترضى نفسه بهذه الوعود; لأنّه غارق في الدنيا لا يرى ما وراءها من الأثمان الثلاثة المتقدّمة، ولذلك ضمّ إليها سبحانه جزاءً(ثمناً) رابعاً.

1 . التوبة:24.

صفحه 292
4. (وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَريبٌ).
فقوله: (وأُخرى) صفة حُذف موصوفها، أي ولكم نعمة أُخرى تحبّونها وما هي إلاّ (نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَريبٌ) عاجل.
ووجه الحب أنّها نعمة عاجلة، والثلاثة الأُولى نَعَم آجلة.
وطبيعة البشر هي الرغبة في العاجلة أكثر من الآجلة، إلاّ من فتح الله عينه على الأُمور الأُخروية فهم لا يقدّرون النعم الدنيوية بشيء مثلما يقدّرون النعم الأُخروية.
والظاهر أنّ المراد من الفتح هو فتح مكة الذي قرّت به عيون المهاجرين والأنصار.
والآية تتضمّن معجزة غيبية، وهي أنّ أمام المسلمين فتح قريب إلى حدّ أمر سبحانه نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنينَ).
وهل المبشّر به هو الجزاء المؤلَّف من الأُمور الأربعة، أو أنّه فقط الأمر الرابع؟
سورة الصف: الآية 14   
يمكن القول بالأوّل، لقوله سبحانه: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنّ لَهُمْ جَنّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرة رِزْقاً قالُوا هذا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأوتُوا بِهِ مُتَشابِهاً...).1
وقوله في سورة التوبة: (إنّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ...) إلى أن قال:(فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ).2

1 . البقرة:25.
2 . التوبة:111.

صفحه 293
ومع ذلك يحتمل أن يكون المبشَّر به الفتح العاجل، لوجود الرغبة الشديدة في العاجل من النِّعم.
***

الآية: الرابعة عشرة

(يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسى ابنُ مَرْيَمَ لِلْحوارِيِّين مَنْ أَنْصاري إلى اللهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَني إسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طائِفةٌ فأيّدْنا الّذينَ آمَنُوا على عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرينَ):

المفردات

الحَواريّون: جمع حواري ـ بفتح الحاء وتخفيف الواو ـ و هي كلمة معرّبة عن الحبشية (حواري) وهو الصاحب الصفي، وليست عربية الأصل ولا مشتقة من مادّة عربية، وقد عدّها الضحاك في جملة الألفاظ المعرّبة، لكنّه قال:إنّها نبطية، ومعنى الحواري: الغسّال.1
وفي «المقاييس»: حور: ثلاثة أُصول: أحدها لون، والآخر الرجوع، وفي الثالث أن يدور الشيء دوراً; فأمّا الأوّل فالحور شدّة بياض العين في شدّة سوادها، وأمّا الثاني قال تعالى:(إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ)، وأمّا الثالث: المحور: الخشبة التي تدور فيها المحالة.(2)

1 . الإتقان للسيوطي:1/434، دار ابن كثير، طبع عام (1407هـ).   2 . المقاييس:2/115ـ117.

صفحه 294
وعلى ما ذكره فاللفظ عربي.
وفي «مجمع البيان» سمّي حواري عيسى لبياض ثيابهم، وقيل: لأنّهم كانوا قصّارين.1
وعلى كلّ تقدير فالحواريون اسم أطلقه القرآن على أصحاب المسيح الاثني عشر. وهؤلاء كانوا من تلامذة المسيح(عليه السلام) الذين آمنوا به من أعماقهم وكانوا اثني عشر رجلاً، وهؤلاء هم: سمعان بطرس، واندراوس، ويعقوب بن زبدي، ويوحنا أخوه، وفيلبس، وبرثولماوس، وتوما،ومتى العشار، ويعقوب بن حلفي، ولباوس الملقّب تداوس (ويسمى أيضاً يهوذا ابن حلفي)، وسمعان القانوي(وهو الغيور)،ويهوذا الاسخريوطي.2

الحواريون في الإنجيل

إنّ الذكر الحكيم يصف حواري المسيح بأوصاف جليلة ويمدحهم ـ كما سيوافيك ـ بخلاف إنجيل متى، فإنّه يذكر بعضهم بالذم، وإليك مواضع الذم:

أحد الحواريين يأخذ الرشوة ليسلّم المسيح إلى أعدائه

1. ذهب أحد الاثني عشر، ذاك الذي يقال له«يهوذا الاسخريوطي» إلى عظماء الكهنة وقال لهم: ماذا تعطوني وأنا أُسلّمه إليكم فجعلوا له ثلاثين من الفضة، وأخذ من ذلك الحين يطلب فرصة ليسلّمه.

1 . مجمع البيان:10/423.
2 . قاموس الكتاب المقدّس: 403، مادة «رسول».

صفحه 295
2. وفي موضع آخر:
ولمّا كان الفجر عقد جميع عظماء الكهنة وشيوخ الشعب مجلس شورى في أمر (يسوع) ليحكموا عليه بالموت، ثم أوثقوه وسلّموه إلى الحاكم بيلاطس، ولما رأى يهوذا، الذي أسلمه قد حكم عليه، ندم وردّ الثلاثين من الفضة إلى عظماء الكهنة والشيوخ، وقال: أخطأت إذ أسلمت دماً بريئاً، فقالوا له: وما لنا ولهذا الأمر أنت وشأنك فيه، فألقى الفضة عند المقدس وانصرف، ثم ذهب فشنق نفسه.1
فهذا النصّ يدلّ على أنّ يهوذا ـ من حواري المسيح ـ هو الذي سلّم المسيح في مقابل (30) درهم فضة.

أحد الحواريين كان سارقاً

3. ويظهر من إنجيل يوحنا أنّه كان سارقاً، قال: وقبل الفصح بستة أيام جاء يسوع إلى بيت عنيا، حيث كان لَعازر الذي أقامه من بين الأموات. فأُقيم له عشاء هناك، وكانت مَرْتا تخدم، وكان لعازَر في جملة الذين معه على الطعام. فتناولت مريم حُقَّة طيب من الناردين الخالص الغالي الثمن، ودهنتْ قدمي يسوع ثم مسحتهما بشعرها. فعبق البيت بالطيب. فقال يهوذا الاسخريوطي أحد تلاميذه وهو الذي أوشك أن يسلّمه: لماذا لم يُبع هذا الطيب بثلاثمائة دينار، فتُعطى للفقراء، ولم يقل هذا لاهتمامه بالفقراء، بل لأنّه كان سارقاً وكان صُندوق الدراهم عنده، فيختلس ما يُلقى فيه.2

1 . الكتاب المقدس انجيل متى، الباب26، الجملة14.
2 . الكتاب المقدس، انجيل يوحنا، الباب27، الجمل 1ـ 6.

صفحه 296

نوم الحواريين ليلة الهجوم على المسيح

4. فقـال لهـم يسـوع: «سأكون لكم جميعاً حجر عثرة في هذه الليلة ـ إلى أن قال: ـ ثم جاء يسـوع معهم إلى ضيعة فقال للتلاميذ امكثوا هنا، ريثما أمضي وأُصلّي هناك... امكثـو هنا واسهـروا معي ـ إلى أن قال:ـ ثم رجع إلى التلاميذ فوجدهم نائمين فقال لبطرس: أهكذا لم تقووا على السهر معي ساعة واحدة؟ اسهروا وصلّوا لئلا تقعوا في التجربة، الروح مندفع وأمّا الجسم فضعيف ـ إلى أن قال: ـ ثم رجع فوجدهم نائمين لأنّ النعاس أثقل أعينهم فتركهم ومضى مرة أُخرى وصلّى ثالثة فردّد الكلام نفسه، ثم رجع إلى التلاميذ وقال لهم: ناموا الآن واستريحوا قد اقتربت الساعة التي يسلم فيها ابن الإنسان إلى أيدي الخاطئين قـومـوا ننطلق! ها قد اقترب الذي يسلمني.1
مـا ذكـرناه شـيء من شمائل الحواريين كما وردت في الإنجيل، فلنرجع إلى القرآن الكـريم لنرى أنّه يصفهـم بأنّهم أنصار الله وأنّه سبحانه قد أنزل عليهم مائدة من السماء بدعاء المسيح(عليه السلام)، وهذا ما ورد في الآيات التالية:
قال سبحانه: (فَلَمّا أحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ* رَبَّنَا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدينَ).2

1 . الكتاب المقدس، انجيل متى، الباب26، الجمل 36ـ 46، بتلخيص.
2 . آل عمران:52ـ53.

صفحه 297
وقال سبحانه: (وإذْ أوحَيْتُ إلى الحَواريّينَ أنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولي قالُوا آمَنّا وَاشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ* إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائدةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ* قالُوا نُريدُ أنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَّقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيها مِنَ الشّاهِدينَ* قالَ عِيسى ابنُ مَرْيَمَ اللّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عيداً لأوّلِنا وَآخِرِنا وَآيةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقينَ* قالَ اللهُ إنّي مُنزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإنّي أُعَدِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أحداً مِنَ الْعالَمينَ).1
ترى أنّ الذكر الحكيم يحكي عن الحواريين أنّهم قالوا بأنّهم هم أنصار الله،(آمَنّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ ) وقد بلغوا من الكمال مرتبة نزلت عليهم المائدة السماوية. فقد عرّف المسيح ذلك اليوم التي تنزل فيه المائدة عيداً للنصارى، وما هذا إلاّ لأنّ نزول المائدة تعبير عن نزول الرحمة والبركة فيناسب أن يتّخذه ذلك الشعب عيداً لإظهار الفرح والسرور.
وأمّا قوله تعالى:(اتّقوا اللهَ) فليس توبيخاً لهم، بل الأمر بالتقوى كناية عن تقويمها في القلوب، كما أنّ تقييد الأمر بالتقوى بالإيمان، أعني قوله: (إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ) لأجل الدعوة إلى ترسيخ الإيمان في القلب.
هذا وقد ورد في الروايات نظير ما ورد في الذكر الحكيم، حيث إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال للنفر الذين بايعوه من الأنصار في العقبة: «أخرجوا إليّ اثني عشر رجلاً منكم يكونوا كفلاء على قومهم كما كفلت الحواريون لعيسى بن مريم».(2)

1 . المائدة:111ـ 115.   2 . كنز العمال:1/103 برقم 465; الدر المنثور:6/214.

صفحه 298
وروي أيضاً أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال للنقباء:«أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل قومي»، قالوا: نعم.1

التفسير

قوله سبحانه في هذه السورة: (يا أيُّها الذينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللهِ كَما قال عِيسى ابنُ مَرْيَمَ للْحَواريِّينَ مَنْ أَنْصاري إلى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ) أدلّ دليل على تنزيههم واستعدادهم للتضحية في طريق الدين. ثمّ إنّه سبحانه قسّم بني إسرائيل إلى قسمين فقال: (فآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَني إسرائيلَ وَكَفَرَتْ طائِفةٌ) فالمؤمنون هم الحواريّون ومن كان على خطّهم، والكفّار أكثرهم.
ثم إنّه سبحانه يقول: (فَأيَّدْنا الَّذينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرينَ) فهل المراد بالظهور هو الظهور بالبرهان كما عليه بعض المفسرين حيث يقول: المراد بظاهرين، الغالبون بالحجّة والبرهان، والمعنى أنّ بني إسرائيل اختلفوا في عيسى، وهو منهم; فمنهم من قال: هو عبد الله ورسوله، وقال آخرون: هو إله، وقال اليهود: ساحر وابن زنا، فأيّد الله سبحانه بالحجة والبرهان القائلين هو رسول الله على الجاحدين والمؤلّهين. وفي رسائل يوحنا: أنّ ضد المسيح هو من أنكر التجسّد واتّحاد لاهوت المسيح بناسوته. أمّا القرآن فيقول: إنّ أعداء المسيح هم الغالون فيه والقالون له.(2)
والظاهر أنّ المراد وراء الظهور بالحجة والبرهان هو الانتصار في نشر

1. كنز العمال:12/20 برقم 33779; الدر المنثور:6/214.   2. التفسير الكاشف:7:319ـ 320.

صفحه 299
الدين وتلبية الناس لشريعة المسيح، فأصبحت الأقلية المسيحية بعد ما كانوا مستخفين مضطهدين أصبحوا ظاهرين منتصرين وحكاماً على البلاد، وفي الآية تلويح إلى أنّ أُمّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يجري فيهم ما جرى في أُمّة عيسى(عليه السلام)تؤمن منهم طائفة وتكفر طائفة، فإن أجاب المؤمنون استنصاره ـ و قد قام هو تعالى مقامه في الاستنصار إعظاماً لأمره وإعزازاً له ـ أيّدهم الله على عدوهم فيصبحون ظاهرين كما ظهر أنصار عيسى والمؤمنون به.
بقي الكلام في كيفية التشبيه في قوله تعالى: (يا أيُّها الذينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللهِ كَما قال عِيسى ابنُ مَرْيَمَ للْحَواريِّينَ مَنْ أَنْصاري إلى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ). ففي الآية تشبيه، فالمشبه قوله: كونوا أنصار الله، وبطبع الحال يجب أن يكون المشبه به هو كما قال عيسى ابن مريم (عليه السلام)للحواريين: مَنْ أَنْصاري إلى اللهِ، وعندئذ كيف يصح التشبيه؟
ولكن الواقع هو أنّ الآية تحثّ المسلمين على أن يلبّوا دعوة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وينصروه، كما أنّ الحواريين لبّوا دعوة عيسى ونصروه، وعلى هذا فيكون طرفي التشبيه بالشكل التالي:
يا أيّها الذين آمنوا لبّوا دعوة النبي عند دعوته كما لبّى الحواريون دعوة عيسى، عندما قال: مَنْ أَنْصاري إلى اللهِ.
فالفرض هو تشبيه دعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بدعوة المسيح، واستجابة المسلمين باستجابة الحواريين...
***
تمّ تفسير سورة الصف

صفحه 300

صفحه 301

سورة الجمعة

(يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * هُوَ الذِي بَعَثَ فِي الأُمِّييِّنَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَل مُبِين * وَ آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَ اللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَ اللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ للهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَ لاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الذِي تَفِرُّونَ

صفحه 302
مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَ اذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَ تَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجَارَةِ وَ اللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).

صفحه 303
سورة الجمعة: الآيات 1 ـ 4   
خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت هذه السورة بـ(الجمعة) لورود هذا اللفظ فيها، وهو قد يطلق على اليوم السابع من أيام الأُسبوع، كما يطلق على نفس الصلاة المشروعة فيها بحذف المضاف، أي صلاة .

عدد آياتها ومحل نزولها

وآياتها إحدى عشرة آية بالإجماع، وهي مدنيّة بالاتفاق لقضية ورود العير من الشام وترك المصلّين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وتوجّههم إلى البيع.

أغراض السورة

تتلخّص أهداف السورة في الأُمور التالية:
1. وصفه سبحانه ـ بعد ذكر تسبيح ما في السماوات وما في الأرض له ـ بأوصاف أربعة: الملك، القدّوس، العزيز، الحكيم.
2. التنبيه على بعث الرسول من بين الأُميّين، ولكن رسالته عالمية فهو رسول إليهم وإلى غيرهم.
3. ذمّ اليهود والتنديد بهم حيث تركوا التوراة وراء ظهورهم، وأكبّوا على الدنيا ووصفوا أنفسهم بأنّهم أولياء الله كذباً.
4. الدعوة إلى إقامة صلاة الجمعة والسعي إليها عند النداء.

صفحه 304

الآيات: الأربع الأُولى

(يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * هُوَ الّذي بَعَثَ فِي الأُمّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبين * وَآخَرينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ * ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ العَظيمِ).

المفردات

الأُميّين: قال ابن فارس: الأُميّ في اللغة المنسوب إلى ما عليه جِبِلّة الناس لا يكتب، فهو في أنّه لا يكتب على ما وُلد عليه.1
يقول الزمخشري في تفسير قوله تعالى:(وَمِنْهُمْ أُمِّيّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلاّ أمانيَّ وَإنْ هُمْ إلاّ يَظُنُّونَ)2 بأنّهم لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحقّقوا ما فيها .3
وقال الطبرسي: ذكروا للأُميّ معان:
أوّلها: أنّه الذي لا يكتب ولا يقرأ.

1 . المقاييس: 1/28، مادة «أُمّ».
2. البقرة:78.
3 . تفسير الكشاف:1/291.

صفحه 305
ثانيها: أنّه منسوب للأُمّة والمعنى أنّه على جبلّة الأُمّة قبل استفادة الكتابة.
ثالثها: أنّه منسوب إلى الأُمّ والمعنى: أنّه على ما ولدته أُمّه قبل تعلّم الكتابة.1 وعلى هذا فمعنى الأُميّين هو الجماعة الذين غلبت عليهم الأُميّة والبقاء على ما خلقوا من عدم التعرف على القراءة والكتابة.
وربما يقال بأنّ الأُمّيّ منسوب إلى أُمّ القرى، أعني: مكّة. ذكره غير واحد من المفسّرين، ولكنّه غير صحيح إذ الصحيح عند النسبة إلى أُمّ القرى هو القروي لا الأُميّ، يقول ابن مالك:
وانسُب لصدر جملة وصدر ما *** رُكِّب مزجاً، ولِثان تمّما
إضافةً مبدوّة بابن وأبْ *** أو ما له التعريف بالثاني وجبْ
فيما سوى هذا انسبنْ للأوّلِ *** ما لم يُخفْ لُبسٌ كعبد الأشهلِ
قال ابن عقيل في شرحه: إذا نسب إلى الاسم المركّب فإن كان مركّباً تركيب جملة أو تركيب مزج، حذف عجزه وأُلحق صدره ياء النسب، فتقول في تأبط شرّاً: تأبطي، وفي بعلبك: بعلي; وإن كان مركّب إضافة فإن كان صدره ابناً أو أباً أو كان معروفاً بعجزه، حذف صدره وأُلحق عجزه ياء النسبة، فتقول في ابن الزبير: زبيري، وفي أبي بكر: بكري، و في غلام زيد: زيدي.2
والاقتصار على الابن والأب من باب المثال، وإلاّ فإنّ هذا الحكم يعمّ الأُم والأخ والابنة والأُخت، لاشتراك الجميع معهما في المناط والملاك وهو

1 . مجمع البيان:4/373.
2 . شرح ابن عقيل:2/391.

صفحه 306
كونها مركبة تركيب إضافة وحصول الالتباس لو أُلحقت بصدرها.
و«إن» في قوله:(وإنْ كانُوا من قَبْلُ لَفي...) مخفّفة من الثقيلة وليست شرطية، ولهذا لزمها حرف اللام في خبر «كان» لئلاّ تلتبس بـ :«إن» النافية، والمراد كانوا من قبل بعثة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في ضلال مبين.

التفسير

1. (يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ):
قد مرّ ما هو المراد من تسبيح ما في السماوات وما في الأرض لله في السور السابقة، بقي الكلام في أوصافه الأربعة. فقد وصف نفسه تعالى بـ (الْمَلِكِ) حتى يكون دليلاً على جواز تصرّفه بالتكوين والتشريع، فتكون الدعوة إلى صلاة الجمعة والتأكيد على إقامتها ناشئاً عن كونه ملكاً بيده التشريع.
ثمّ إنّه وصف نفسه تعالى بـ(الْقُدُّوسِ)، أي المنزّه عمّا لا يليق، حتى لا يُتصوَّر أنّه ملك كسائر الملوك الذين (إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا)1، ويأخذون كلّ سفينة غصباً.
ثمّ إنّه وصف نفسه بـ(العزيز) الذي لا يُقهر، والغالب الذي لا يُغلَب .
وأخيراً وصف نفسه بـ(الحكيم)وأنّ تصرفاته في كلا الحقلين

1 . النمل: 34.

صفحه 307
(التكوين والتشريع) مبنيّة على الحكمة.
2. (هُوَ الّذي بَعَثَ فِي الأُمّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبين):
قوله سبحانه: (هُوَ الّذي بَعَثَ فِي الأُمّيّينَ رَسولاً مِنْهم)، أي رسولاً من العرب الأُمّيّين.
قوله:(يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِه)، أي يقرأ عليهم القرآن الكريم وبالتلاوة يبلغهم رسالات ربّه.
قوله: (وَيُزَكِّيهِم)، أي يطهّر نفوسهم من الشرك وعقولهم من الجهل وأعمالهم من القبائح والآثام.
قوله: (وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ) والمراد بالكتاب هو القرآن الكريم، وبالحكمة كلّ ما يهدي الإنسان إلى الخير في العقيدة والسلوك.ويتجلّى ذلك في سنّته(صلى الله عليه وآله وسلم) قولاً وفعلاً وتقريراً.
قوله سبحانه: (وإنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفي ضَلال مُبين)، أي غارقين في الشرك ورذائل الأخلاق، من وأد البنات والإغارة على الأموال.
بقي هنا كلام وهو أنّه سبحانه أنزل حول بعثة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) آيات ثلاث:
إحداها: ما في هذه السورة التي وقفتَ على لفظها وتفسيرها.
والثانية: في سورة آل عمران حيث قال: (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلى الْمُؤْمِنينَ إذْ

صفحه 308
بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفي ضَلال مُبين).1
والثالثة: في سورة البقرة حاكياً دعاء إبراهيم(عليه السلام) حيث قال: (رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أَنْتَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ).2
وظاهر الآية أنّ الخليل(عليه السلام) طلب من الله سبحانه أن يبعث من ذرّيته رسولاً يعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم، والشاهد على ذلك قوله: (وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ)، وليس هذا إلاّ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّه الرسول الوحيد الذي بُعث من ذرية إبراهيم وإسماعيل كليهما، وأمّا غيره من الرسل فإمّا أنّهم ليسوا من ذرية إسماعيل ـ وإن كانوا من ذرية إبراهيم ـ كأنبياء بني إسرائيل، أو ليسوا من ذريتهما كهود وصالح، فعلى هذا فالآيات الثلاث تشير إلى بعثة نبي الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعندئذ يُطرح هذا السؤال: ما هو سبب تقديم التزكية على التعليم في الآيتين الأُولتين وتقديم التعليم على التزكية في الثالثة، فما هو الوجه في ذلك؟
والذي يمكن أن يجاب به على هذا السؤال هو أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتّبع في دعوته الأُسلوب المؤثر والناجح، فإنّ المجتمعات مختلفة، فتارة تكمن المصلحة في تقديم التزكية على تعليم الكتاب والحكمة وذلك عن طريق مناظرة المدعوّين ومحاججتهم، فإذا خلصت النفوس من إدران الشرك وظلم

1 . آل عمران:164.
2 . البقرة:129.

صفحه 309
المعاصي يقوم بتعليم الكتاب والحكمة بكلماته الجامعة التامّة، وفي ذلك تكون التخلية متقدّمة على التحلية.
وتارة أُخرى تكمن المصلحة في تقديم التعليم على التزكية، فيقوم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بمهمّة التزكية عن طريق تعليم الكتاب، ومن هنا كان النبي الخاتم يقوم بعملين مختلفين:
فتارة يدعو المشركين وينصحهم ويحاججهم حتى يخلي نفوسهم، ثم يقوم بتعليمهم الكتاب والحكمة. ويظهر ذلك في مناظرته مع مشركي قريش وغيرهم.1 وأُخرى يبتدئ بتلاوة الكتاب وتعليم الحكمة.
كلّ ذلك مشاهد في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كما في كيفية دعوة النبي لأسعد بن زرارة حيث دعاه إلى الإسلام بتلاوة آيات ثلاث من سورة الأنعام، أعني قوله سبحانه: (قُلْ تَعالَوا أتْلُ ما حَرَّمَ الله رَبّكُمْ...).2، اقرأ قصتها في كتاب «سيد المرسلين».3
3 . (وَآخَرينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ):
قوله:(وَآخَرينَ مِنْهُمْ)، ففي مرجع الضمير وجوه:
1. الضمير في(مِنْهُمْ) يرجع إلى الأُميّين فيكون (آخَرينَ)معطوفاً على (الأُمّيِّين)، ويكون الاختلاف في اللحوق بالزمان، فيكون دليلاً على أنّ رسالته تشمل عامّة الأُميين، سواء أكانوا موجودين في عصر البعثة أو

1 . الاحتجاج:1/24ـ 43، احتجاجه(صلى الله عليه وآله وسلم) على جماعة من المشركين.
2 . الأنعام:151ـ153.
3 . سيدالمرسلين:1/50ـ52 .

صفحه 310
اللاحقين لهم في عمود الزمان، وعلى هذا تكون «من» تبعيضية، فيكون المعنى: بعث رسوله في الأُميين وفي آخرين منهم يلُونَهم في المستقبل.
2. أن يعود الضمير في(مِنْهُمْ) إلى المؤمنين المفهوم من الآية، وعلى هذا يكون (آخَرينَ)معطوفاً على (الأُمّيِّين)أيضاً، وعندئذ يكون معنى الآية: بعث في الآخرين من المؤمنين أعم من أن يكونوا أُميّين أو غيرهم، ويكون ذلك دليلاً على سعة شريعته وكونها عالمية، من غير فرق بين العرب وغيرهم.
وهذا الوجهان على القول بأنّ «آخرين» معطوف على قوله: (فِي الأُمّيِّينَ) .
3. أنّ (آخَرينَ)معطوف على الضمير في (يُعَلِّمُهُمُ) أي يعلّمهم الكتاب كما يعلم آخرين منهم. وعلى ذلك فلو أُريد من الضمير في قوله: (مِنْهُمْ)الأُميّين يتّحد هذا الوجه مع الوجه الأوّل في المعنى، وإن أُريد به المؤمنون يتّحد مع الوجه الثاني.
وعلى ما ذكرنا يكون معنى قوله: (لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ)، أي لم يلحقوا بهم في الزمان وسوف يلحقون. واحتمال أنّ المراد من عدم الإلحاق في الفضل والفضيلة، خلاف ظاهر الآية.
قوله سبحانه: (وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ) جيء بهما لرفع التعجب من بعث النبي الأُمي من بين الأُميين وانتشار دعوته، فهو سبحانه عزيز لا يُغلَب، وحكيم لا يفعل إلاّ عن حكمة مطلقة.
ويؤيد الوجه الثاني ـ أي عود الضمير (في) إلى المؤمنين ـ ما رواه

صفحه 311
السيوطي في «الدرّ المنثور» عن كثير من المحدّثين عن أبي هريرة، قال: كنّا جلوساً عند النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حين أُنزلت سورة الجمعة فتلاها،فلمّا بلغ (وآخَرينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) قال له رجل: يا رسول الله من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟ فوضع يده على رأس سلمان الفارسي وقال:«والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء».1
4. (ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ العَظيمِ):
الظاهر أنّ المشار إليه في (ذلك) جميع ما تقدّم في الآيتين: الثانية والثالثة، وهو أنّ إرسال رسوله للتزكية والتعليم والهداية من الضلال ثم لحوق آخرين بهم من الأُمّيين أو من غيرهم ـ على اختلاف في مرجع الضمير ـ كلّ ذلك من فضل الله (يُؤتيهِ مَنْ يَشاءُ) وبذلك إرغام للأُنوف المتكبّرة وهي أُنوف اليهود، حيث كانوا يردّون بعثة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بين الأُميّين ويقولون، كما ذكر سبحانه: (وَلا تُؤْمِنُوا إلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) (هذا مقال اليهود) فردّ عليهم سبحانه بقوله:(قُلْ إنّ الهُدى هُدى اللهِ أنْ يُؤتى أحدٌ مِثْلَ ما أُوتيتُمْ أوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسعٌ عَليمٌ).2
فله أن يبعث رسلاً من بني إسرائيل أو يبعث رسولاً من الأُميين، وكأنّ هذه الآية مقدمة لما سيوافيك من الحديث عن اليهود في الآيات التالية.
***

1 . الدر المنثور:8/153. وانظر: روح المعاني للآلوسي:28/94.
2 . آل عمران:73.

صفحه 312
سورة الجمعة: الآيات 5 ـ 8   

الآيات: الخامسة إلى الثامنة

(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التّوراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمينَ * قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكُمْ أوْلياءُ للهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ * وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَداً بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمينَ * قُلْ إنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُردُّونَ إلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).

المفردات

«المَثَل»: بمعنى الوصف والحال.
التحميل: بمعنى التكليف والأمر بالشيء يقال: حمّلت فلاناً أمراً كذا فاحتمله، وربما يؤمر ولا يحتمل، قال سبحانه: (إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّمواتِ وَالأرْضِ وَالجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها).1
الكاف في قوله: (كمثل) للتأكيد.
الأسفار: مفرده السفر، وهو بالفتح والسكون بمعنى كشف الغطاء، يقال: أسفر عن وجهه أي كشف الغطاء عنه، وبالكسر والسكون بمعنى الكتاب] الكبير[، أُطلق عليه لأنّه يُسفر عن الحقيقة.(2)

1 . الأحزاب:72.   2 . المفردات للراغب:233، مادة «سفر».

صفحه 313
(هادوا) يقال: هاد يهود هوداً، إذا تاب ورجع إلى الحق، ومنه قول بعضهم: يا صاحب الذنب هُدْ هُدْ، وقيل: هدنا إليك أي سكنّا إلى أمرك، ومنه قوله سبحانه: (وَاكْتُبْ لَنا في هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً إنّا هُدْنا إلَيْكَ)ثم صار الفعل مستعملاً في خصوص اليهود، فمعنى (ياأيُّها الَّذينَ هادُوا)بمنزلة يا أيها اليهود، ويا أيها الذين تهوّدوا .1
الزعم: هو القول عن ظن أو علم، والمراد هنا الاعتقاد.
الأولياء: جمع الولي والمراد به هنا المحبوب، حيث ادّعى اليهود أنّهم أبناء الله وأحبّاؤه، قال سبحانه: (وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأحِبّاؤهُ).2
الغيب: ما غاب عن الحسّ، ويقابله الشهادة، وهما أمران نسبيان إلينا، وإلاّ فالجميع بالنسبة إلى الله شهود.

التفسير

5. (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التّوراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمينَ):
شبّه تبارك وتعالى اليهود ـ الذين كُلِّفوا بالعمل بالتوراة ولكنّهم نبذوها

1 . مجمع البحرين، مادة «هود».
2 . المائدة:18.

صفحه 314
وراء ظهورهم ولم يستضيئوا بنورها1 ـ بالحمار الذي يحمل أسفاراً ولا ينتفع بما فيها من الحكم والعلوم. والآية من مقولة تشبيه المعقول بالمحسوس، حيث إنّ حمل الحمار أسفاراً أمر محسوس وحمل اليهود التوراة أمر معقول.
وفي الآية تحذير للمسلمين من أن يكونوا مثل اليهود، بأن يقتنعوا بتلاوة القرآن دون العمل به أو بدون التفكّر بما فيه من المعارف والقيم وأسرار الخلقة.
وأمّا صلة الآية بما قبلها فواضحة لما تقدّم من أنّه سبحانه أنزل مع النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كتاباً ليخرجهم من الضلال إلى الهداية، ثم ذكر هذا المثل تحذيراً لهم من أن يكون مَثَلهم في النهاية مثل اليهود.
ويؤيد ذلك أنّه سبحانه أشار في آخر السورة إلى الحالة التي أصابت المسلمين الذين كانوا جلوساً يستمعون إلى خطبة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل صلاة الجمعة، فعندما دخلت القافلة التجارية المدينة وسمعوا أجراس العير غادروا المسجد وتركوا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قائماً، واستهانوا بأعظم المناسك الدينية ولم يقدّروها حق قدرها، فصار عملهم هذا منبئاً عن مستقبل مظلم، فحذّرهم الله سبحانه بهذا المثل.
قوله سبحانه: (بِئْسَ مَثَلُ الْقَومِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ).
(بئس): من أفعال الذم، والمذموم هو حال القوم لما عرف من أنّ «مَثَل» بمعنى الحال والوصف، فيكون معنى الآية: بئس حال القوم الذين

1 . قال: (وأنزلنا التوراة فيها نور وهدى). المائدة:44.

صفحه 315
كذّبوا بآيات الله، فيكون المخصوص بالذم هو نفس مثل الذين كذّبوا وهم اليهود لأنّهم كذبوا بالقرآن، بل حتى بالتوراة، لأنّهم لم يؤمنوا بالبشارات التي وردت فيها، والتي بلغت حدّاً يقول عنه سبحانه: (الّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإنّ فَريقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).1
قوله: (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمينَ) وذلك لظلمهم أنفسهم سدّوا طريق الهداية، فلا يستضيئون بنورها، وإنّما يستضيء بنور الهداية من يعشو إليه ويستشفي به.
***
6. (قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكُمْ أوْلياءُ للهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ ):
كان اليهود يتبجّحون ويفتخرون بأنّهم أولياء الله وأحباؤه وأنّهم شعب الله المختار، وأنّ الجنة خالصة لهم ولا تمسّهم النار إلاّ أياماً معدودة، فجاءت هذه الآيات ردّاً عليهم بأنّهم كاذبون في هذا الزعم والاعتقاد، والشاهد على ذلك أنّ الحبيب يحب لقاء حبيبه، في حين أنّهم يكرهون الموت ويفرّون منه، وهذا دليل على كذبهم في هذا القول.
7. (وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَداً بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمينَ):
يبيّن سبحانه سبب كراهتهم للموت وفرارهم منه، بقوله: (وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ

1 . البقرة:146.

صفحه 316
أَبداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) إشارة إلى الجرائم والمظالم التي ارتكبوها.
يقول الشريف الرضي: والمراد لا يتمنون الموت أبداً خوفاً ممّا فرط منهم من الأعمال السيّئة والقبائح المجترمة، ونسب تعالى تلك الأفعال إلى الأيدي لغلبة الأيدي على الأعمال وإن كان فيها ما يعمل بالقلب واللسان 1.
وقوله(قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) كناية عن كلّ ما صدر عنهم من الجرائم سواء أكانت باليد أو بغير اليد، غير أنّهم ربما يزعمون أنّه تخفى أعمالهم عن الله سبحانه، فيقول: (وَاللهُ عَليمٌ بِالظّالِمينَ)، ثمّ إنّه سبحانه يذكِّرهم بأنّ الموت سنّة قطعية على الأُمم جمعاء وبعده الحساب والجزاء، حسب الأعمال ولذلك لا فائدة في فرارهم، فإنّ الموت سيلاقيهم ثم يُجزَون الجزاء الأوفى كما في الآية التالية:
8 . (قُلْ إنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) :
أي تعملون في الدنيا من المعاصي والجرائم والموبقات، ومن الدسائس والمكائد والمؤمرات، التي تستهدف إثارة الفتن ونشر الفساد بين الأُمم، لا سيما بين أبناء الأُمّة الإسلامية .
سورة الجمعة: الآيات 9 ـ 11   
والمراد من تمنّي الموت هو التمنّي الحقيقي الذي يكشف عنه عمل الإنسان وإلاّ فالتمنّي اللفظي العاري عن الحقيقة ربما يصدر من أكثرهم ولكنّهم يتمنون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 291 .

صفحه 317
وعلى ذلك فقوله: (فَتَمَنَّوا الْمَوْتَ) أمر تعجيزي، كما في قوله: (فَأتُوْا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ).1
***

الآيات: التاسعة إلى الحادية عشرة

(يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوا إلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا في الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإذا رَأَوْا تِجارَةً أوْ لَهْواً انْفَضُّوا إلَيْها وَتَركُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرّازِقينَ):

المفردات

«الجُمُعة»: والجُمْعة لغتان وجمعها جُمَع وجُمْعات.
وضم الميم لغة جمهور العرب، وسكونها لغة عُقيل، والمراد من ذكر الله صلاة الجمعة بقرينة أنّ النداء في ظهرها لإقامتها.
واختلفت كلمتهم في تسمية اليوم السابع من الأُسبوع بالجمعة، فربما يقال: إنّ الأنصار جمّعوا الجمعة قبل أن يقدم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة، فقالوا

1 . البقرة:23.

صفحه 318
لليهود يوم يجتمعون فيه كلّ سبعة أيام، وللنصارى يوم أيضاً مثل ذلك، فلنجعل يوماً نجتمع فيه، فنذكر الله عزّ وجل ونشكره فاجعلوه يوم العَروبة فاجتمعوا إلى أسعد بن زُرارة، الذي أسلم قبل ورود النبي المدينة فصلّى بهم يومئذ وذكرهم، فسمّوه يوم الجمعة.1
ولكن الظاهر أنّه كان للعرب قبل البعثة ـ كسائر الأُمم ـ يوم خاص للاجتماع، إذ من البعيد أن لا يكون لأُمّة عريقة يوم كيوم الجمعة يجتمعون فيه ويستريحون.
قُضيت: بمعنى فرغتم من الصلاة.
فضل الله: هو ابتغاء أسباب المعاش بقرينة النهي في الآية السابقة عن البيع، والأمر ليس للإيجاب بل لرفع الحظر المستفاد من قوله:(وَذَرُوا الْبَيْعَ)وقد ثبت في الأُصول أنّ الأمر بعد الحظر أو بعد توهُّمه لا يدلّ على الوجوب.
الانفضاض: من باب الانفعال مطاوع فضّه، إذا فرّقه فتفرّق، نظير قولهم: كسرته فانكسر.
اللَّهو: في الآية هنا بمعنى ضرب الطبل، والضمير في إليها يرجع إلى التجارة.
وبما أنّهم ينفضّون إلى كلا الأمرين: التجارة واللهو، في الآية تقدير: فإذا رأوا تجارة انفضّوا إليها، وإذا رأوا لهواً انفضّوا إليه.

1 . مجمع البيان:9/431.

صفحه 319

التفسير

9. (يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوا إلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ):
تحثّ الآية على أداء هذه الفريضة بأفضل وجهها وتؤكّد عليها، ولذلك يقول: (فَاسْعَوا إلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)، أي امشوا إليها مشياً سريعاً وذروا كلّ ما يلهيكم عن ذكر الله، وذكر البيع من باب المثال الغالب.
ثم أشار إلى ما في تلك الفريضة من الخير والبركة بقوله: (ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
فقوله: (نُودي) بصيغة المجهول كناية عن عدم اختصاص النداء بمناد خاص أو نيابة عنه، بل في كلّ زمان قام إنسان بالنداء مع اجتماع سائر شرائطه يجب السعي إليها.
ثمّ إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أقام صلاة الجمعة لأوّل مرّة في مسيره من قبا إلى المدينة، قال ابن هشام: فأدرك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاّها في المسجد الذي في بطن الوادي، فكانت أوّل جمعة صلاّها بالمدينة.1
والمراد بالمدينة أي حواليها. وقد نقل في «مجمع البيان» الخطبة التي

1 . السيرة النبوية لابن هشام:1/499.

صفحه 320
خطبها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فيها، فقال: «الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأؤمن به ولا أكفره، وأُعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور...».1
روي في «الوسائل» أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال في إحدى خطبه في يوم الجمعة ونقلها المخالف والمؤالف: «إنّ الله تبارك وتعالى فرض عليكم الجمعة فمن تركها في حياتي أو بعد موتي استخفافاً بها أو جحوداً لها، فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حجّ له، ألا ولا صوم له، ألا ولا برّ له حتّى يتوب».2
وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «من ترك الجمعة ثلاثاً من غير علّة طبع الله على قلبه».3
وهذه النصوص وغيرها التي وردت في المجاميع الحديثية تكشف عن أنّ صلاة الجمعة ليست عبادة عادية، بل لها المكانة الخاصة في صميم التشريع:
إنّها عبادة جماعية تهذّب النفوس وتصقلها، وتدفع الإنسان إلى التقوى وتجنّبِ المحرّمات وتدعوه إلى الانقطاع عن الدنيا والتشبّث بالآخرة .
إنّها مظهر الإخاء والتماسك والوحدة والتآلف; إذ تجسّد ترابط

1 . مجمع البيان:9/432.
2 . وسائل الشيعة:5، الباب1 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث28.
3 . وسائل الشيعة:5، الباب1 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث20.

صفحه 321
المسلمين وانشدادهم بعرى الإيمان وإن كانوا من قوميات شتّى.
إنّها مظهر من مظاهر السياسة الإسلامية العامّة، حيث يقف فيها المسلمون على أهمّ الأحداث والمواقف والقضايا التى تهمّهم وتتصل بحاضرهم ومستقبلهم حتّى يكونوا على بصيرة من أمر دنياهم كما هم على بصيرة من أمر دينهم.
ومن هنا، يفترض بخطيب الجمعة أن يكون ذا وعي ومعرفة بما يمتُّ إلى المسلمين من أُمور سياسية واقتصادية مختلفة وما يحوكه الأعداء ضدهم من مؤامرات.
ففريضة هذه مكانتها في الكتاب، ومنزلتها في السنّة وأحاديث العترة; وهذه آثارها البنّاءة، ونتائجها المشرقة، لهي جديرة بالسعي إليها وأدائها كما فرض الله تعالى.
وقد ورد في أحاديث العترة(عليهم السلام) ما يشير إلى هذه الآثار والمنافع الكثيرة لصلاة الجمعة.
يقول الإمام الرضا(عليه السلام):
«إنّما جعلت الخطبة يوم الجمعة، لأنّ الجمعة مشهد عام، فأراد أن يكون للأمير سبب إلى موعظتهم وترغيبهم في الطاعة وترهيبهم من المعصية، وتوقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم ودنياهم; ويخبرهم بما ورد عليهم من الآفاق(و) من الأهوال التي لهم فيها المضرّة والمنفعة...».1
إنّ صلاة الجمعة عبادة سياسية، أمّا كونها عبادة فواضح إذ مضافاً إلى أنّ

1 . وسائل الشيعة: 5، الباب25 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث6.

صفحه 322
نفس صلاة الجمعة عبادة كسائر العبادات، فإنّ الإمام يعظ الناس ويأمرهم بالتقوى ويعلّمهم الأحكام ويرشدهم إلى القيم والأخلاق.
وأمّا كونها سياسية، فلأنّ الإمام في خطبته يركّز على توعية الناس بالأحداث السياسية والاجتماعية، ويأمرهم بالتعاون والوحدة، ويحذرهم من التشرذم والتفرق، فلذلك لا تجب هذه الصلاة إلاّ تحت شروط خاصة، بخلاف سائر الصلوات فإنّها تقام فرادى وجماعة دون شروط محددة .
إنّ هذه الصلاة ليست بمسألة هيّنة حتى يقوم بها كلّ فرد وفي كلّ بلد، دون أن يخيّم عليه سلطان أو فقيه يرجع إليه الناس، ومن هنا اشتُرط أن تقام في كلّ بلد صلاة واحدة إلاّ إذا كان بين مكاني الصلاتين مسافة فرسخ. وهذه الأهمية ينبغي أن تبعث المسلمين على أن يستثمروا هذا المؤتمر الأُسبوعي المتجسّد في ذلك الاجتماع الباهر الذي يحضره المدني والبدوي، والقريب والبعيد، حتى تعمّ التوعية ويقف الجميع على المشاكل السائدة وكيفية رفعها وعلاجها، والتاريخ يشهد على أنّ صلاة الجمعة كانت في عامة القرون بمثابة سلّم للنهضات السياسية والثورات الإسلامية، حيث إنّ الخطباء يدعون الناس من على منبر الجمعة إلى التحرك نحو هدف خاص.

كيفية إقامة صلاة الجمعة

اتّفق الفقهاء على أنّه يشترط في صلاة الجمعة ما يشترط في غيرها من الطهارة والستر والقبلة، وأنّ وقتها من أوّل الزوال إلى أن يصير ظل كلّ شيء مثله، وربما قيل أقل من هذا، واتّفقوا على أنّها تجب على الرجال دون النساء وأنّ من صلاّها تسقط عنه الظهر. واختلفوا في العدد الذي تنعقد به الجمعة،

صفحه 323
فقال الإمامية: خمسة مع الإمام، والخطبتان شرط في انعقاد الجمعة، وأنّ مكانهما قبل الصلاة، على القول المشهور.
ويجب في كلّ خطبة حمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وآله(عليهم السلام)والوعظ وقراءة شيء من القرآن، وأن يزيد في الخطبة الثانية الاستغفار والدعاء للمؤمنين والمؤمنات، ويجب على الخطيب أن يفصل بين الخطبتين بجلسة صغيرة، وليست العربية شرطاً في الخطبة.
وأمّا الصلاة فهي ركعتان كصلاة الصبح ويستحب أن يقرأ في الركعة الأُولى سورة الجمعة وفي الثانية المنافقون، بعد الحمد في كلّ من الركعتين.
وفيها قنوتان: أحدهما قبل ركوع الركعة الأُولى، والثاني بعد ركوع الركعة الثانية. وفي الحديث عن الإمام الرضا(عليه السلام)«إنّما جعلت الخطبة يوم الجمعة في أوّل الصلاة وجعلت في العيدين بعد الصلاة، لأنّ الجمعة أمر دائم وتكون في الشهر مراراً وفي السنة كثيراً، وإذا كثر ذلك على الناس ملّوا وتركوا ولم يقيموا عليه وتفرّقوا عنه، فجعلت قبل الصلاة ليحتبسوا على الصلاة ولا يتفرّقوا ولا يذهبوا; وأمّا العيدين فإنّما هو في السنة مرّتين، وهو أعظم من الجمعة، والزحام فيه أكثر، والناس فيه أرغب، فإن تفرّق بعض الناس بقي عامّتهم، وليس هو كثيراً فيملّوا ويستخفّوا به».1
قال الزمخشري: وروي عن بعضهم: قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث:
افتخروا بأنّهم أولياء الله وأحباؤه فكذبهم في قوله: (فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقينَ).

1 . وسائل الشيعة:5، الباب15 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث4.

صفحه 324
2. افتخروا بأنّهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم، فشبَّههم بالحمار يحمل أسفاراً.
3. افتخروا بالسبت، وأنّه ليس للمسلمين مثله فشرّع الله لهم الجمعة.
ويظهر من غير واحدة من روايات أهل السنة أنّ إقامة الجمعة من شؤون الإمام، حيث رووا أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لا جمعة ولا تشريق ولا فطرة ولا أضحى إلاّ في مصر جامع» والمراد من المصر الجامع ما أُقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام.
ورووا أيضاً أنّه قال: فمن تركها وله إمام عادل أو جائر...:ورووا أيضاً: أربع إلى الولاة: الفيء والصدقات والحدود والجمعات.
والمسألة فقهية، والتفصيل في محله.
***
10. (فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا في الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ):
أي إذا صلّيتم الجمعة وفرغتم منها،(فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ)، أي تفرّقوا (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ)، أي الرزق في البيع والشراء وغير ذلك.
وفي الوقت نفسه(وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً)، أي غير منكبّين على طلب المال والرزق بل تطلبونه بذكر الله كثيراً (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فإنّ الفلاح هو في الجمع بين طلب الدنيا وطلب الآخرة. والآية دليل على وجوب رعاية التوازن بين طلب الدنيا والآخرة.

صفحه 325
11. (وَإذا رَأَوْا تِجارَةً أوْ لَهْواً انْفَضُّوا إلَيْها وَتَركُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرّازِقينَ):
اتّفق المفسّرون على أنّ الآية نزلت في عير وردت المدينة بضرب الطبل والنبي يخطب، فتركوا المسجد متوجهين إلى التجارة واللهو.
روى البخاري عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: أقبلت عير يوم الجمعة ونحن مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فثار الناس إلاّ اثنا عشر رجلاً فأنزل الله:(وَإذا رَأَوْا تِجارَةً أوْ لَهْواً انْفَضُّوا إلَيْها)1.
وروى أيضاً عن معاوية بن عمرو، قال: حدثنا زائدة، عن حصين، عن سالم بن أبي جعد، قال: حدّثنا جابر بن عبد الله، ثم ذكر الرواية.2
قال السيوطي: أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن مقاتل بن حيّان قال:بينا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يخطب الناس في الجمعة أقبل شاءٌ (3) وشيء من سمن، فجعل الناس يقومون إليه، حتى لم يبق إلاّ قليل، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لو تتابعتم لتأجّج الوادي ناراً».3
وقال أيضاً: أخرج عبد بن حُميد عن قتادة قال: ذُكر لنا أنّ نبي الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قام يوم الجمعة فخطبهم ووعظهم وذكّرهم، فقيل: جاءت عير، فجعلوا يقومون حتى بقيت عصابة منهم فقال: كم أنتم؟ فعدّوا أنفسكم، فإذا اثناعشر رجلاً وامرأة، ثم قام الجمعة الثانية فخطبهم ووعظهم وذكّرهم، فقيل: جاءت

1 . صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، تفسير سورة الجمعة، رقم 4899.
2 . صحيح البخاري، رقم 936.   3 . شاء: جمع شاة، وهي الواحدة من الغنم للذكر والأُنثى.
3 . الدر المنثور:8/167.

صفحه 326
عير، فجعلوا يقومون حتى بقيت عصابة منهم، فقال: كم أنتم؟ فعدّوا أنفسكم، فإذا اثنا عشر رجلاً وامرأة، فقال: «والذي نفس محمد بيده لو اتبع آخركم أوّلكم، لالتهب الوادي عليكم ناراً» وأنزل الله فيها (وإذا رَأوْا تِجارَةً).1
والآية توضح مقدار إيمانهم وإخلاصهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ودينه حيث إنّ كثيراً ممّن كان في مجلسه(صلى الله عليه وآله وسلم) قد انفضّ إلى التجارة أو اللّهو، وتركوا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قائماً يخطب لصلاة الجمعة.
ثم إنّه سبحانه أمر نبيه بتذكير المؤمنين بأنّ ما عند الله خير من التجارة التي انفضوا إليها، قائلاً: (قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَة).
فإنْ كان الانفضاض وترك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب لأجل الرزق (فإنّ اللهَ خَيْرُ الرّازِقينَ).
ويظهر أنّ السورة قد نزلت بعد غزوة خيبر التي وقعت في السنة السابعة من الهجرة، فقد روى البخاري عن أبي هريرة قال: كنّا جلوساً عند النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فأُنزلت عليه سورة الجمعة.2 ومن المعلوم أنّ أبا هريرة قدم إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو بخيبر بعد أن فتحت.
فالآية تحكي عن حال الصحابة بعد سنوات طويلة من جهاد النبي في تربية الصحابة والسموّ بهم إلى مستويات رفيعة من الإيمان والورع، ومع ذلك فقد آثر كثير ممّن كان منهم حول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، آثر التجارة واللهو على سماع الخطبتين، وقدّم متاع الدنيا على تكريم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)!!

1 . الدر المنثور:8/167.
2 . صحيح البخاري:كتاب تفسير القرآن، تفسير سورة الجمعة، برقم 4897.

صفحه 327
فكيف يدّعى، بعد ذلك، أنّ الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم عدول يؤخذ منهم العلم والحديث بلا فحص وتدقيق عن وثاقتهم وعدالتهم، وكأنّهم برحيل النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) عنهم قد تطهّروا جميعاً بمياه العدالة والتقوى؟
***
تمّ تفسير سورة الجمعة

صفحه 328
سورة المنافقون   

صفحه 329

سورة المنافقون

(إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اِتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ * وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَة عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنى يُؤْفَكُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ * هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَللهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَللهِ الْعِزَّةُ

صفحه 330
وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَني إِلَى أَجَل قَرِيب فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
سورة المنافقون: تمهيد   

صفحه 331
تمهيد
نرى من الضروري قبل الدخول في بيان خصائص السورة وتفسير آياتها ـ أن نذكر شيئاً عن تاريخ النفاق ودوره السلبي في حياة المسلمين، وما تركه من آثار هدّامة على المجتمع الإسلامي الذي عانى وقاسى الأمرّين من سلوك هذه الفئة الضالّة الّتي كانت تتربّص بالمسلمين الدوائر.
بُعث النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)في مكة المكرمة وأمضى فيها قرابة ثلاثة عشر عاماً داعياً إلى توحيد الله سبحانه وإلى رسالته والإيمان بيوم الجزاء، وكان يتلو على الناس آيات الله لغاية التزكية والتعليم.
وقد دخلت فئة من قريش في الإسلام وقبلوا دعوته، وهم بين مجاهر في إسلامه، ومَن هو مستتر غير مجاهر به، ولم يكن يومذاك في مهبط الوحي إلاّ صنفان: مؤمن وكافر.
وبعد ما هاجر (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ تحت ضغط المشركين ـ إلى المدينة المنورة بعد أن لبّت الطائفتان المعروفتان باسم الأوس والخزرج دعوته على نحو غلب الإسلام الشرك، بقي المشركون في ضعف على نحو لم يجدوا بدّاً إلاّ التظاهر بالإسلام وإن كانوا غير مؤمنين به في الباطن، عند ذاك نشأت ظاهرة النفاق أي من يظهر الإسلام ويبطن الكفر. فعندما صار أغلب الناس هم من الذين يؤمنون بالإسلام ويؤيّدونه ويبلّغونه إلى سائر الطوائف، وأصبحت المدينة المنوّرة أُمّ القرى للإسلام وعاصمة دولته، عند ذلك لم يجد المشرك إلاّ

صفحه 332
الالتجاء إلى ظاهرة النفاق حتّى يحتفظ بعقيدته باطناً، ويسلم على شأنه وشؤونه بالتظاهر بالإسلام .
فالمنافق في لغة القرآن الكريم ليس مطلق مَن خالف قولُه عقيدتَه أو خالف ظاهرُه باطنَه، بل أخصّ من ذلك، وهو: مَن يبطن الكفر ويظهر الإسلام، كما يظهر ذلك من غير واحدة من الآيات.
إنّ ظاهرة النفاق رهن وجود أقلّية ضعيفة ـ في مقابل أكثرية ساحقة ـ لا تستطيع الجهر بعقيدتها وفكرها خوفاً من أن يصيبها ضرر من الطائفة المتغلّبة، فالنفاق بهذا المعنى وإن كان يعمّ كلّ مَن لم يوافق لسانه قلبه حتّى أنّ المؤمن إذا عاش بين الكافرين الحاقدين على الإسلام فأظهر الكفر وستر الإسلام يوصف بالنفاق لغة، ولكنّ مصطلح القرآن في المنافق ليس بهذه السعة، بل يختصّ بمَن ستر كفره بالتظاهر بالإسلام فقط، وأمّا إذا ستر إيمانه بالتظاهر بالكفر فهو من مقولة التقيّة .
وعلى ضوء هذا فمؤمن آل فرعون 1 الّذي كتم إيمانه وأظهر الموافقة للملأ، لم يكن عمله من شعب النفاق في مصطلح القرآن، كما أنّ عمل عمّار بن ياسر حين تبرّأ من الإسلام لساناً وقلبه مطمئن بالإيمان، لا يُعدّ نفاقاً بل هو تقية، ولا مانع من أن يكون للقرآن المجيد مصطلح خاصٌّ في معنى النفاق وإن كان أخصّ من المعنى اللغوي، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ)(2).

1 . سيوافيك تفصيله فانتظر.   2 . المائدة: 41 .

صفحه 333
وقال سبحانه: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَ اللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)1 .
فقد وصفهم سبحانه بالكذب، لا لأجل كون قولهم: (إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ)مخالفاً للواقع، بل هو مطابق له تماماً، وإنّما وصفهم بالكذب لتظاهرهم بأنّ ما يقولونه في ألسنتهم مطابق لما في قلوبهم مع أنّه مخالف له مائة بالمائة حيث أبطنوا الكفر وأظهروا الإسلام .
وحصيلة الكلام: أنّ في القرآن الكريم أمرين:
1. النفاق.
2. التقية.
فالقرآن يخصّ الأمر الأوّل بمَن أبطن الكفر وأظهر الإسلام، والثاني بمَن أبطن الحق سواء أكان في المعارف أو في الفروع وأظهر الموافقة للباطل، خوفاً من ضغط الأكثرية الحاكمة، فمَن زعم أنّ التقية من شعب النفاق فإنّما أخذ بالمعنى اللغوي المتروك (للنفاق).

النفاق لغة واصطلاحاً

إنّ استعمال لفظ المنافق في مَن لم يطابق قوله عقيدته، أو في مَن أبطن الكفر وأظهر الإسلام، إنّما هو مصطلح إسلامي لم يكن له استعمال سابق بين العرب، وذلك لأنّ النفق في اللغة هو سرب في الأرض مشتق إلى موضع آخر، وفي التهذيب له مخلص إلى مكان آخر.

1 . المنافقون: 1 .

صفحه 334
والنفقة والنافقاء جحر الضب واليربوع، سُمّي به لأنّه إذا أُتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فخرج، فتكون النافقاء مستورة غير معلومة، وإنّما تعلم بخروج اليربوع، يقال: نفق اليربوع خرج منه. وسمّي المنافق منافقاً لأنّه يدخل في الإسلام من وجه ثم يخرج من غير الوجه الّذي دخل فيه.
   
وقد تكرر في الحديث ذكر النفاق وما تصرف منه اسماً وفعلاً وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به وهو الّذي يستر كفره ويظهر إيمانه 1
وحصيلة الكلام: أنّ المنافق في اللغة هو مَن يدخل من باب ويخرج من باب آخر، واستعير هذا في مصطلح القرآن لمَن يكتم الكفر ويظهر الإيمان كأنّه يدخل من باب ـ أي لسان ـ ويخرج من باب آخر; أو أنّ له وجهين: وجه ظاهر وهو لسانه، ووجه مستور وهو قلبه ; كجحر اليربوع حيث إنّ له بابين: ظاهر يدخل منه، ومستور يخرج منه.

نشأة النفاق في المدينة

قلنا: إنّ بيئة مكة كانت خالية من ظاهرة النفاق، وإنّما هي ظهرت في المدينة المنورة بواسطة رجلين:

1. عبد الله بن أُبيّ

إنّ أوّل من تلبّس بهذه الظاهرة هو عبدالله بن أُبيّ بن سلول العوفي،

1 . لسان العرب: 10 / 359، مادة «نفق».

صفحه 335
فقد كان قومه قد نظموا له الخرز ليتوّجوه ثم يملّكونه عليهم، فجاءهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والأوس على تلك الفكرة، فلمّا انصرف قومه عنه إلى الإسلام أظهر العداوة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث رأى أنّه قد استلبه ملكاً، فلمّا رأى قومه قد أبوا إلاّ الإسلام دخل فيه كارهاً، مصرّاً على نفاق وضغن.1
ولذلك ربما تبدر منه كلمات تدلّ على عدائه وعناده وحقده لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث زعم أنّ ورود الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة قد سلبه كلّ ما كان يتوخّاه.
ويشهد على ذلك ما رواه ابن إسحاق عن أُسامة بن زيد بن حارثة، قال: ركب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى سعد بن عبادة يعوده من شكو أصابه، على حمار، وأردفني خلفه، فمرّ بعبدالله بن أُبي وهو في ظل مزَاحم وحوله رجال من قومه، فلمّا رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)استنكف رسول الله من أن يجاوزه حتّى ينزل، فنزل فسلّم ثم جلس قليلاً فتلا القرآن، ودعا إلى الله عزوجل وذكّر بالله وحذّر، وبشّر وأنذر، وعبدالله بن أُبي ساكت لا يتكلّم، حتّى إذا فرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من مقالته قال: يا هذا إنّه لا أحسن من حديثك هذا، إن كان حقّاً فأجلس في بيتك فمَن جاءك له فحدّثه إيّاه، ومَن لم يأتك فلا تغُتَّه به، ولا تأته في مجلسه بما يكره منه.
ولمّا كان هذا الكلام إهانة من الرجل بالنسبة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم); وذلك لأنّ نزول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من مركبه كان تكريماً واحتراماً له ولمن عنده، ولكنّ المنزل عليه قابله بهذه الكلمات القاسية، وكان في المجلس عبدالله بن رواحة مع

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 585.

صفحه 336
رجال من المسلمين، فخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بكلام جميل أزال به غبار الغم الّذي كان على وجه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا رسول الله فاغشنا به وآتنا في مجالسنا ودورنا وبيوتنا، فهو والله ممّا نحب وممّا أكرمنا الله به وهدانا له.
فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من مجلسهم ودخل على سَعد بن عبادة، وفي وجهه ما قال عدوّ الله ابن أُبيّ، فقال: والله يا رسول الله إنّي لأرى في وجهك شيئاً لكأنّك سمعت شيئاً تكرهه، قال: أجل، ثم أخبره بما قال ابن أُبي، فقال سعد: يا رسول الله، أرفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإنا لننظِمُ له الخرز لنتوِّجه، فو الله إنّه ليرى أن قد سلبته ملكاً .1

2. أبو عامر الراهب

الرجل الثاني الّذي تلبّس بالنفاق ولم يكتف حتّى أسّس عصابة من المنافقين بعد فراره من المدينة، هو أبو عامر الراهب، قال ابن هشام: وأمّا أبو عامر فأبى إلاّ الكفر والفراق لقومه حين اجتمعوا على الإسلام، فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حين قَدِم المدينة، قبل أن يخرج إلى مكة، فقال: ما هذا الدين الّذي جئت به؟ فقال: جئت بالحنيفية دين إبراهيم، قال: فأنا عليها; قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّك لست عليها، قال: بلى قال: إنّك أدخلت يا محمد في الحنيفية ما ليس منها، قال: ما فعلت، ولكنّي جئت بها بيضاء نقية، قال: الكاذب أماته الله طريداً غريباً وحيداً ـ يعرّض برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ أي إنكّ جئت بها كذلك. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أجل، فمن كذب ففعل الله تعالى ذلك به.
فكان هو ذلك عدوّ الله، خرج إلى مكة ، ببضعة عشر رجلاً مفارقاً

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 588 .

صفحه 337
للإسلام ولرسوله، فلمّا افتتح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مكة خرج إلى الطائف. فلمّا أسلم أهل الطائف لحق بالشام. فمات طريداً غريباً وحيداً 1.
وروي في الجوامع أنّ بني عمرو بن عوف لمّا بنوا مسجد قباء وصلّى فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً نصلِّي فيه ولا نحضر جماعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فبنوا مسجداً إلى جنب مسجد قباء وقالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو يتجهّز إلى تبوك: إنّا نحبّ أن تأتينا فتصلّي لنا فيه، فقال: إنّي على جناح سفر؟ ولمّا انصرف من تبوك نزل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا... )2، فأرسل مَن يهدم المسجد ويحرقه وأمر أن يتّخذ مكانه كناسة يُلقى فيه الجيف والقمامة.
ويظهر من الآية التالية أنّهم بنوه على قصد أن يؤمّهم فيه أبو عامر إذا قدم من دمشق، وأبو عامر هو المعنيّ بقوله تعالى: (وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَ كُفْرًا وَ تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ)يعني أبا عامر الراهب .3
وهكذا ما سيوافيك بيانه في ذكر بناء مسجد ضرار وردّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عليه في موضعه إن شاء الله .

يُخرج الحيّ من الميّت

ومن عجيب الأمر أنّ حنظلة بن أبي عامر التحق بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 585 ـ 586 .
2 . التوبة: 107 .
3 . تفسير الصافي: 2 / 374 ـ 375 .

صفحه 338
وفارق أباه فصار من سادات المسلمين وفضلائهم، وهو المعروف بغسيل الملائكة، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لقومه: «إنّ صاحبكم لتغسّله الملائكة» فسألوا أهله ما شأنه فسُئلت صاحبتُه، فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهايعة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لذلك: غسّلته الملائكة، وكفى بذلك شرفاً ومنزلة عند الله.
ولمّا كان حنظلة يقاتل يوم أُحد التقى هو وأبو سفيان بن حرب، فاستعلى عليه حنظلة وكاد يقتله، فأتاه الشدّاد ابن أسود فأعانه على حنظلة فخلّص أبا سفيان وقتل حنظلة، ولذلك اشتهر حنظلة بغسيل الملائكة .1
تغلغل المنافقين في صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   
ويظهر من كتب السير أنّه تزوّج ببنت عبدالله بن أُبيّ بن سلول، ودخل بها في الليلة الّتي كانت صبيحتها حرب أُحد، واستأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يقيم عندها، فأذن له رسول الله فدخل حنظلة بأهله ووقع عليها، فأصبح وخرج وهو جنب فحضر القتال، فبعثت امرأته إلى أربعة نفر من الأنصار لمّا أراد حنظلة أن يخرج من عندها وأشهدت عليه أنّه قد واقعها. فقيل لها: لم فعلتِ ذلك ؟
قالت: رأيت في هذه الليلة في نومي بأنّ السماء قد انفرجت، فوقع فيها حنظلة ثم انضمّت، فعلمت أنّها الشهادة، فكرهت أن لا أشهد عليه ; فحملت منه.2
فالمورد من مظاهر اسمه سبحانه (مخرج الحيّ من الميّت) فالأبوان ـ

1 . أُسد الغابة: 2 / 59 ـ 60 .
2 . بحار الأنوار: 20 / 57 .

صفحه 339
أي أبو عامر وعبدالله بن أُبي ـ من رؤوس النفاق والوَلّدان ـ أي حنظلة وبنت عبدالله ـ من سادات المسلمين وسيداتهم.

تغلغل المنافقين في صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

لقد اهتم القرآن الكريم بأمر المنافقين في كثير من السور، فقد جاء ذكرهم في السور التالية: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنفال، التوبة، الحج، العنكبوت، الأحزاب، الفتح، الحديد، المجادلة، الحشر، المنافقون، والتحريم.
فلو كان حزب النفاق وأعضاؤه أقلّية غير مؤثرة لم يهتم القرآن بأمرهم في هذا العدد من السور، وهذا دليل على كثرتهم وعظم خطرهم واختراقهم صفوف المجتمع الإسلامي، على وجه يقول سبحانه: (وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)1 .
ومن العجيب أنّ حزب النفاق كان له دور في تضعيف معنويات المسلمين في الغزوات والحروب، وكانوا يقومون بالتجسس وأيصال أسرار المسلمين إلى أعدائهم إلى نهاية حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

المثلث المشؤوم

ومن أبرز ظواهر تحرّكهم ضد الإسلام هو تأسيسهم مثلثاً مشؤوماً يشكل أحد أضلاعه حزب النفاق في المدينة.

1 . التوبة: 101 .

صفحه 340
والضلع الثاني يهود المدينة وخيبر، إذ كانت المدينة موطناً لطوائف ثلاث من اليهود، أعني: يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، مضافاً إلى يهود خيبر.
والضلع الثالث هم مشركو قريش، فقد كان المنافقون يتآمرون لأجل القضاء على الإسلام وذلك بالتجسس ونقل أخبار تحرّكات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وجيشه إلى المشركين. ويظهر ذلك لمن قرأ أحداث غزوتي أُحد والأحزاب وفتح مكّة.
ثم إنّ حزب النفاق قد مات اسماً وحركة بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وجلوس الخلفاء على منصّة الخلافة، فلا يذكر لنا التاريخ حركة منهم ضدّ الخلافة الإسلامية، وكأنّهم ذابوا في المجتمع لغرض تأمين مصالحهم بأُسلوب جديد وثوب جديد، وهذا ما تؤكّده الأحداث المتلاطمة الّتي عصفت بالمسلمين بعد وفاة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).
ويظهر من العلاّمة الطباطبائي أنّ اختفاء ظاهرة النفاق بعد رحيل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)يحتمل أن يكون لأحد وجوه ثلاثة:
1. أنّ المنافقين شملهم التوفيق الإلهي فأسلموا وأخلصوا الإيمان عن آخرهم وتأثّرت قلوبهم من موت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ما لم تتأثر بحياته.
2. أنّهم صالحوا أولياء الحكومة الإسلامية على ترك المزاحمة بأن يسمح لهم ما فيه (تحقيق) أُمنيتهم، مصالحة سرّية.
   
3. أنّه وقع هنالك تصالح اتفاقي بينهم وبين المسلمين فوردوا جميعاً

صفحه 341
في مشرعة سواء، فارتفع التصاكّ والتصادم .1
وهناك احتمال رابع وهو أنّ موت زعيم النفاق ـ أعني: عبدالله بن أُبيّ ـ شتّت شملهم وفرّق جماعتهم، فلم يستطيعوا إدارة الحزب، فتفرّقوا تفرّق أيادي سبأ .
ثم إنّه يظهر منه (قدس سره) أنّه كانت لظاهرة النفاق جذور في مكّة المكرّمة ولكن بلون آخر، أي لا لغرض التخريب بل لغاية أُخرى حيث يقول: فمن الجائز عقلاً أن يكون بعض من آمن به يتبعه في ظاهر دينه طمعاً في البلوغ بذلك إلى أُمنيته وهي التقدّم والرئاسة والاستعلاء، والأثر المترتّب على هذا النوع من النفاق ليس هو تقليب الأُمور وتربّص الدوائر على الإسلام والمسلمين وإفساد المجتمع الديني، بل تقويته بما أمكن وتفديته بالمال والجاه لتنتظم بذلك الأُمور ويتهيّأ لاستفادته منه واستدراره لصالح شخصه. نعم يمكر مثل هذا المنافق بالمخالفة والمضادّة فيما إذا لاح من الدين مثلاً ما يخالف أُمنية تقدّمه وتسلّطه إرجاعاً للأمر إلى سبيل ينتهي إلى غرضه الفاسد.(2)

الفرق بين النفاق والتقيّة

قد علمت أنّ النفاق مصطلح إسلامي ليس له سبق في اللغة، وهو يختصّ بمن أبطن الكفر وأظهر الإسلام، ولا يطلق على كلّ مَن يخالف عمله معتقده وإن لم يمتّ للدين بصلة، وبهذا يظهر وجود الفرق بين النفاق

1 . الميزان في تفسير القرآن: 19 / 290 .   2 . الميزان في تفسير القرآن: 19 / 289 .

صفحه 342
والتقيّة، فإنّ الأوّل ـ كما مرّ ـ استبطان الكفر وإظهار الإسلام، ولكنّ التقيّة على العكس، فهي من مقولة استبطان الإيمان وإظهار الكفر، فمؤمن آل فرعون اتّقى من قومه وأظهر الكفر وأبطن الإيمان، وفي ظل تلك الواجهة نصحهم وأنذرهم وقال للملأ الذين اتّفقوا على قتل موسى: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللهُ وَ قَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَ إِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذِي يَعِدُكُمْ )1 .
سورة المنافقون: خصائص السورة   
كما أنّ عمّار بن ياسر لما أُخذ وعذّب وأشرف على الموت، أظهر الكفر وأبطن الإيمان، وفي حقّه نزل قوله سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ )2، فعلى هذا ففي البيئات الّتي صودرت فيها الحريات، ولم يسمح للناس إلاّ العمل بفقه الإمام أحمد أو نظيره ، فمعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)لا محيص له إلاّ التقيّة أي التظاهر في مقام العمل بفقه أحمد، ولكن يبقى اعتقاده على ما عليه مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وهؤلاء أيضاً يبطنون ما هو الحق عندهم، وفي الوقت نفسه يتظاهرون بغيره.
***

1 . غافر: 28 .
2 . النحل: 106 .

صفحه 343
 
خصائص السورة

تسمية السورة

اسمها «سورة المنافقون» وإضافة السورة إليه مع المحافظة على رفع «المنافقون»، من باب حكاية اللفظ الواقع في أوّله، أعني: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ)، وربما يقال: «سورة المنافقين» إعمالاً للإضافة.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها إحدى عشرة آية وهي مدنية بالاتّفاق .

أغراض السورة

من أهم أغراض السورة أمران:
أحدهما: كشف حقيقة المنافقين، وفضح أمرهم، وبيان شدّة عدائهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وتحذير المؤمنين من شرورهم.
الثاني: النهي عن الاشتغال بالأموال والأولاد عن ذكر الله تعالى، ثم الأمر بالإنفاق ممّا رزقهم الله قبل الموت، حتّى لا يندم الإنسان يوم القيامة على تقصيره في الإنفاق وعمل الخيرات.

شأن النزول

نزلت السورة بعد غزوة بني المصطلق الّتي وقعت في السنة الخامسة

صفحه 344
بعد الهجرة، بشهادة قول عبدالله بن أُبي: (لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ)1الّذي قاله في تلك الغزوة، وقد كان للمنافقين إلى هذه السنة قدرة وشوكة، وسيوافيك ما روي حول شأن نزول الآية السادسة والثامنة عند تفسيرهما.
***
سورة المنافقون: الآيات 1 ـ 4   

الآيات: الأربع الأُولى

(إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَ اللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اِتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ * وَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَة عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنى يُؤْفَكُونَ).

المفردات

الجُنّة: قال الراغب: الجَّن بمعنى ستر الشيء عن الحاسّة، يقال: جنّه الليل أي ستره، والجنان: القلب لكونه مستوراً عن الحاسّة، والمجنّ: التُّرس الّذي يجنّ صاحبه، والجنّة: كلّ بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض.(2)

1 . المنافقون: 8 .   2 . مفردات الراغب: 98، مادة «جن» .

صفحه 345
والمراد بها هنا «الترس» والدرع الّذي يحمي الإنسان من ضربات العدوّ.
الطبع: هو الختم، (وَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)1 أي: ختم عليها، والطبع أيسر من الإقفال والإقفال أشدّ من ذلك 2، كما في قوله تعالى: (أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا)3. ومعنى الآية: (وَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) أي ختم عليها وغشّاها حتّى لا يدخل فيها شيء ولا يخرج منها شيء.
المسنّدة: المعتمدة .
يؤفكون: من الإفك وهو كلّ مصروف عن وجهه الّذي يحق أن يكون عليه.

التفسير

1. (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَ اللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) 4:
هذه الآية مؤلّفة من فقرات ثلاث:
1. كلام المنافقين.

1 . التوبة: 93.
2 . مجمع البحرين: مادة «طبع».
3 . محمد: 24 .
4 . المنافقون: 1 .

صفحه 346
2. كلامه سبحانه.
3. تكذيب من الله سبحانه لقول المنافقين.
أمّا الفقرة الأُولى فقد كان المنافقون يتظاهرون برسالة الرسول ويقولون: نشهد إنّك لرسول الله في غير واحد من المجالس حتّى يستروا بها كفرهم ويتّخذونها جُنّة، كما سيأتي.
والفقرة الثانية ـ أعني قوله: (وَ اللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ)ـ وقعت جملة معترضة بين الفقرتين، فما وجه ذلك ؟
وأي حاجة إلى إقحام هذه الشهادة في المقام؟ فالله سبحانه شهد على رسالته في غير واحدة من الآيات في سور أُخرى.
ولعلّ وجه ذلك هو أنّه سبحانه أكذبهم في الفقرة الثالثة وقال: (وَ اللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ).
ولأجل أن لا يتوهم إنسان أنّهم كاذبون في قولهم: (إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ)بمعنى كون قولهم غير مطابق للواقع، ركّز على رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لدفع هذا التوهّم، وهو أنّهم غير كاذبين في مفاد الخبر، بل هم كاذبون من حيث المخبرية.
توضيح ذلك : أنّ الكذب تارة يقع وصفاً للخبر، فيكون الخبر كاذباً، كما إذا قال: السماء تحتنا، وهذا كذب خبري .
وأُخرى يكون وصفاً للمخبِر بمعنى أنّ ذات الخبر صحيح ولكن القائل يكذب حيث إنّه يتظاهر بشيء غير معتقد به قلباً، فهم في قولهم: (إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ)كاذبون لا من حيث الخبر، بل من حيث المخبرية، حيث إنّهم

صفحه 347
كانوا منكرين رسالته من الله.
وبذلك يُعلم أنّ الميزان في الصدق والكذب هو كون الخبر مطابقاً للواقع، فقولهم: (إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) من هذه الناحية صادق لمطابقته للواقع، وإنّما وصف بالكذب من ناحية أُخرى وهو ادّعاؤهم أنّ ما يقولونه بألسنتهم نفس ما في قلوبهم، والله يؤكد أنّهم: (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ)1.
وفي آية أُخرى يقول: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواآمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ)2.
وممّا ذكرنا يظهر بطلان ما نسب إلى النظّام حيث جعل ملاك الصدق والكذب مطابقة الخبر لما في النفس دون الواقع واستشهد، بالفقرة الثالثة، أعني قوله: (وَ اللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)، فمع كون قولهم مطابق للواقع وصفه بالكذب لوجود المخالفة بين القول والمعتقد.
وجه الضعف: أنّك عرفت أنّ الكذب تارة يقع وصفاً للخبر وأُخرى وصفاً للمخبر. فالميزان في الأوّل هو مطابقة الكلام للواقع، وعدمها; وفي الثاني فالميزان هو مطابقة الكلام لما هو المعتقد، وقد خلط النظّام بين الوجهين.3

1 . آل عمران: 167.
2 . المائدة: 41 .
3 . المطوّل: 32، الطبعة الحجرية قال: صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر ولو كان ذلك الاعتقاد خطأ، وكذب الخبر عدمها.

صفحه 348
2 . (اِتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ):
الأيمان: جمع اليمين، بمعنى القسم، ولربما قُرئ إيمانهم بكسر الألف، ولكنّ المشهور هو الأوّل. يحكي سبحانه أنّ المنافقين اتّخذوا أيمانهم المتكرّرة جُنّة عن لحوق أي أذى بهم من جانب المؤمنين .
فإنّ الأقلّيات الّتي تختلف عن الأكثرية في العقيدة خصوصاً إذا كانوا يتآمرون على الأكثرية، يخافون من أن تنكشف نواياهم وأعمالهم الإجرامية، فلذلك يلتجئون إلى الأيمان المغلّظة أنّهم منهم وأنّهم لا يحيكون أي مؤامرة ضد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
فالظاهر أنّهم كانوا يأتون ويقسمون عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على عدم ارتكاب أي جريمة أو عمل على خلاف مصالح المسلمين، ولذلك كانوا يذبّون عن أنفسهم آثار التهم، فعبّر سبحانه عن ذلك بقوله: (اِتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً).
ولكن الظاهر من «الكشّاف» أنّه حمل الأيمان على شهادتهم برسالة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: يجوز أن يُراد أن قولهم: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) يمين من أيمانهم الكاذبة ; لأنّ الشهادة تجري مجرى الحلف في ما يراد به من التوكيد .1
ولكن الظاهر هو الأوّل; لأنّ المسلمين كشفوا في غير مورد من الموارد عن مؤامراتهم وأخبروا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك فطلبهم، فجعلوا يقسمون

1 . تفسير الكشاف: 4 / 100 .

صفحه 349
بأنّهم ما فعلوا ذلك، كما سيأتي تفسير ذلك في قوله سبحانه في هذه السورة: (لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ)1 .
وقد ذكر المفسّرون في تفسير قوله سبحانه: (وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْر لَكُمْ...)(2) ما يؤيد ما ذكرنا، فلاحظ.
قوله: (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ): أي أعرضوا عن سبيل الله، ويحتمل صدّوا الناس عن سبيل الله، وفي هذا التعبير إشارة إلى عظم عملهم الإجرامي حيث يمنعون الناس عن الإيمان خفاءً ويظلمونهم مضافاً إلى ضلالهم.
قوله: (إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ): أي أسوأ الناس أعمالاً حيث ضلّوا وأضلّوا.
3 . (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ):
قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا)، تعليل لقوله: (سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وقوله: (ذَلِكَ)إشارة إلى ما سبق من كونهم أسوأ الناس أعمالاً، ثم علّل ذلك بقوله: (بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ)أي مرّوا بمراحل:
1. آمنوا برسول الله يوم دخل المدينة وقد استقبلوه استقبالاً حافلاً.
2. كفروا، وهذا يدلّ على وجود فاصل زماني بين إيمانهم وكفرهم، وهذا قرينة على أنّ إيمانهم كان إيماناً حقيقياً لا صورياً، وهذا ينطبق على غير رؤوساء النفاق كعبد الله بن أُبي وأبي عامر الراهب.
وأمّا أنّهم لماذا كفروا فيمكن أن يكون السبب هو العصبية الداعية إلى

1 . المنافقون: 8 .   2 . التوبة: 61 .

صفحه 350
الاقتداء بالآباء، كما يمكن أن يكون السبب هو تأثير المشركين في أفكارهم وما عُقد بينهم من الوعود والمعاهدات، إلى غير ذلك من أسباب العدول إلى الكفر، غير أنّ أكثر المفسّرين حملوا العبارة على الإيمان الصوري، قالوا: آمنوا ظاهراً عند النبي والمسلمين، ثم كفروا إذا خلوا بالمشركين 1 .
وقال الشيخ مغنية: المراد بآمنوا أنّهم عرفوا بين الناس بالإيمان... وإلاّ فإنّ المنافقين لم يؤمنوا بالله طرفة عين، وقوله تعالى: (ثُمَّ كَفَرُوا)أي ثم عرفهم الناس بأنّهم كانوا يظهرون الإيمان ويضمرون الكفر.(2)
فصارت نتيجة ذلك قوله تعالى: ( فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ)والطبع على القلوب، كناية عن غلق أي نافذة في قلوبهم فلا يمكن دخول شيء فيها أو الخروج، تشبيهاً بقناني المشروبات الغازية الّتي أُغلق رأسها بإحكام ليمنع تسرّب الغاز منها، وهذا يعرب عن سدّ كلّ منفذ فيها.
فالقلب المطبوع، المختوم عليه غير قابل للهداية ، لأنّ المفروض صيرورته مغلقاً لا ينفذ منه شيء، نعم لم يكن الطبع على قلوبهم من الله أمراً ابتدائياً غير مسبوق بسبب، وإنّما هو نتيجة جرائمهم، قال سبحانه: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبَّار )2 .
فتوصيفهم بالوصفين دليل على أنّ الطبع على القلب نتيجة اتّصافهم بهذين الأمرين، ولولاهما لما كان هناك طبع وختم .
وبعبارة أُخرى: أنّ التكبّر يورث التعالي على الغير، فيرى المتكبّر نفسه

1 . مجمع البيان: 5 / 529 .   2 . تفسير الكاشف: 7 / 331 .
2 . غافر: 35 .

صفحه 351
متعالياً وغيره ذليلاً، فعندئذ يستحيل في هذه الحالة أن يتأثر بكلام غيره فيصبح ممّن (لاَ يَفْقَهُونَ)أي لا يميزون الحق من الباطل، وذلك لوجود الساتر بينهم وبين الحق .
4. (وَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَة عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنى يُؤْفَكُونَ):
لمّا كان المنافقون مستترين بأيمانهم لا يتميزون عن المؤمنين في بداية الأمر، أراد سبحانه أن يذكر علائمهم ومميزاتهم الّتي يعرفون بها، فذكر أُموراً خمسة:
أ. (وَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ) بحسن منظرهم وتمام خلقتهم وجمال بزتهم، نقل أنّ عبدالله بن أُبيّ كان رجلاً جسيماً، صبيحاً، فصيحاً، ذلق اللسان; وقوم من المنافقين في مثل صفته وهم رؤوساء المدينة، وكانوا يحضرون مجلس رسول الله فيستندون فيه ولهم جاهرة المناظر وفصاحة الألسن، فكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ومن حضر يُعجبون بهياكلهم ويسمعون إلى كلامهم1، ولعلّ هذه الخصيصة تختصّ بمنافقي عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ ليس كل منافق هو ممّن يعجب الإنسان منظره، نعم يمكن أن يكون الباقي وصفاً لعامّة المنافقين.
ب. (وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ)لفصاحة لسانهم وذلاقة ألسنتهم، فإنّ

1 . تفسير الكشاف: 4 / 110 .

صفحه 352
حزب النفاق يجند أُناساً لإضلال الناس ويعلمهم كيفية الدخول في الموضوع والخروج منه، ولأجل هذه الممارسة يصبحون ذلقي اللسان فصيحي الكلام.
جـ . (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ)والخُشُب جمع خشبة، والمسنّدة عبارة عن الخشبة المعتمدة على حائط ونحوه، فتكون في الظاهر غليظة طويلة قوية لكنّها في الباطن نخرة متآكلة لا ينتفع بها، فكذلك المنافق ظاهره سليم وباطنه لئيم لا خير فيه .
ويمكن أن يكون المراد أنّهم إذا احتجّ عليهم ببعض الآيات والدلائل ينظرون في وجه الإنسان دون أن يبدو على وجوههم أي تأثر وردّة فعل، ولذلك شبّهوا بالخشب المسنّدة.
د . (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَة عَلَيْهِمْ)بما أنّ الخائن خائف فهؤلاء يعيشون في خوف ووجل حذراً من أن تكشف نواياهم وأحوالهم الإجرامية، فكلّ ما سمعوا صوتاً وإن لم يكن لهم علاقة به، يحسبونه موجّهاً لهم، مثلاً: إذا نادى مناد في العسكر للرحيل أو للنزول أو أنشد إنسان ضالّته، يتصوّرون في بادئ الأمر أنّ ذلك موجّه إليهم، فالغش والخيانة في صدورهم جعلهم مصداقاً للقول المعروف: المريب خائف.
هـ . (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) العدو يطلق على الواحد والجمع، وقدّم الضمير لإفادة الحصر، وكأنّ العداء منحصر فيهم دون غيرهم، ووجه ذلك أنّ العدو على قسمين:
1. عدو معروف ومشخّص .

صفحه 353
2. عدو ولكنّه متظاهر بالمحبّة فهو صديق في الظاهر وعدو في الباطن.
فالإنسان بما أنّه يعرف الصنف الأوّل من الأعداء يكون على حذر منه في كلّ الأوقات.
وأمّا الصنف الثاني فبما أنّه يبدو كالصديق الحميم لذا يتعامل معه الإنسان معاملة الصديق، غافلاً عن أنّه يتربص به الدوائر، فيكون ضرره أشد من الصنف الأوّل ولذلك قال سبحانه: (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ)، فكأنّ المنافق هو العدو الوحيد.
وللإمام علي (عليه السلام)كلام حول النفاق قال فيه: «فَلَو عَلِمَ النَّاسُ أنَّهُ منافقٌ كاذِبٌ لَمْ يَقْبَلوا مِنْهُ ولَمْ يُصَدِّقوا قَوْلَهُ، ولكِنَّهُمْ قالُوا: صاحِبُ رَسُولِ اللّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)رَآهُ، وَسَمِعَ مِنْهُ، وَلَقِفَ عَنْهُ، فَيَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ...»1 .
وقد أصابت الإسلام خسارات فادحة من قبل المنافقين لم يصب مثلها من غيرهم، فهؤلاء الأُمويّون وعلى رأسهم أبو سفيان، آمنوا ظاهراً وأبطنوا الكفر، وبتظاهرهم بالإسلام تسنّموا منصّة الخلافة قرابة ثمانين عاماً نال فيها الإسلام والمسلمون خسارة لا تجبر وويلات لا تُحصى، وها نحن نذكر هنا ما يدلّ على عدم إيمانهم بالإسلام، وكذبهم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
فهذا ابن أبي الحديد المعتزلي يقول:
قال أبو جعفر: وقد روي أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتّى يروي أنّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب: (وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ يُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَ

1 . نهج البلاغة: الخطبة 205 .

صفحه 354
إِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَ اللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ)1، وأنّ الآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى: (وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ)2، فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف درهم فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل، وروى ذلك .
وقال (أبو جعفر): وقد صحّ أنّ بني أُمية منعوا من إظهار فضائل علي (عليه السلام)وعاقبوا على ذلك الراوي له، حتّى إنّ الرجل إذا روى عنه حديثاً لا يتعلّق بفضله بل بشرائع الدين لا يتجاسر على ذكر اسمه، فيقول: عن أبي زينب.
وروى عطاء عن عبدالله في شدّاد بن الهاد، قال: وددت أن أُترك فأُحدِّث بفضائل علي بن أبي طالب (عليه السلام)يوماً إلى الليل، وأنّ عنقي هذه ضربت بالسيف.
قال: فالأحاديث الواردة في فضله لو لم تكن في الشهرة والاستفاضة وكثرة النقل إلى غاية بعيدة، لانقطع نقلها للخوف والتقية من بني مروان مع طول المدّة، وشدّة العداوة.
ولولا أنّ لله تعالى في هذا الرجل سرّاً يعلمه من يعلمه، لم يُروَ في فضله حديث، ولا عرفت له منقبة، ألاترى أنّ رئيس قرية لو سخط على واحد من أهلها، ومنع الناس أن يذكروه بخير وصلاح لخَمل ذكره ونسي

1 . البقرة: 204 ـ 205 .
2 . البقرة: 207 .

صفحه 355
اسمه، وصار وهو موجود معدوماً، وهو حي ميّتاً!
هذه خلاصة ما ذكره شيخنا أبو جعفر في هذا المعنى في كتاب التفضيل .1
وهكذا نرى أنّ بني أُمية قد استمالوا بأموالهم سماسرة الأهواء ليكذبوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويسندوا له ما لم يقله، وهذا ما أشار إليه بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تكذبوا عليّ، فإنّ من كذب عليّ فليلج في النار ».2
وهاك شاهداً آخر وهو ما ذكره ابن أبي الحديد المعتزلي ـ أيضاً ـ في تولية عثمان، قال: قال الشعبي: فلمّا دخل عثمان رحله دخل إليه بنو أُمية حتّى امتلأت بهم الدار، ثم أغلقوها عليهم، فقال أبو سفيان بن حرب: أعندكم أحد من غيركم؟ قالوا: لا، قال: يا بني أُمّية، تلقّفوها تلقّف الكرة، فوالّذي يحلف به أبوسفيان، ما من عذاب ولا حساب، ولا جنة ولا نار، ولا بعث ولا قيامة! قال: فانتهره عثمان، وساءه بما قال، وأمر بإخراجه .
وقال ابن أبي الحديد في موضع آخر: وهذا كفر صراح يلحقه اللعنة3، قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَ كَانُوا يَعْتَدُونَ )4 .
قوله تعالى: (قَاتَلَهُمُ اللهُ): أي أخزاهم ولعنهم، وقيل: إنّه دعاء عليهم بالهلاك. (أَنّى يُؤْفَكُونَ) و «أنّى» هنا اسم استفهام عن المكان، ويكون كناية

1 . شرح نهج البلاغة: 4 / 63 ـ 73 .
2 . صحيح البخاري: 1 / 35; ولاحظ: فتح الباري: 1 / 199، برقم 38 .
3 . شرح نهج البلاغة: 9 / 54 .
4 . المائدة: 78 .

صفحه 356
عن: كيف، مثل قوله: (أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى) 1، أي: كيف يعدلون عن الحق، لأجل جهلهم وضلالتهم.
***
سورة المنافقون: الآيات 5 ـ 8   

الآيات: الخامسة إلى الثامنة

(وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ * هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَ للهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ لَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَ للهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ).

المفردات

لَوَّوْا: من اللي: فتل الحبل، يقال: لويته ليّاً، ولوى يده ولوى رأسه، وبرأسه: أماله، ويقال: لوى لسانه بكذا: كناية عن الكذب.

1 . الدخان: 13 .

صفحه 357

التفسير

5. (وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ):
ذكر المفسّرون في شأن نزول الآية: إنّه لمّا بان كذب عبدالله بن أُبّي ـ كما سيأتي بيانه في الآية الثامنة ـ قيل له: قد نزلت فيك آيٌ شِداد، فاذهب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يستغفر لك، فلوى رأسه، ثم قال: أمرتموني أن أُومن، فآمنت، أمرتموني أن أُزكّي مالي، فزكّيت، فما بقي إلاّ أن أسجد لمحمد، فنزلت: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ)1.
وحاصل الآية: أنّ من علامات المنافقين ـ بما أنّهم لا يؤمنون بالله ورسوله ـ إذا قيل لهم: (تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُول