welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : أُصول الحديث وأحكامه في علم الدّراية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

أُصول الحديث وأحكامه في علم الدّراية

صفحه 1
أُصول الحديث وأحكامه
في علم الدّراية

صفحه 2
هوية الكتاب
اسم الكتاب   أُصول الحديث وأحكامه
الموضوع:   علم الدّراية
المؤلّف:   جعفر السبحاني
الطبعة الثانية:   عام 1414 هـ
المطبوع:   3000 نسخة
المطبعة:   اعتماد ـ قم
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الصفّ والإخراج الفنّي:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
توزيع
مكتبة التوحيد
قم ـ ساحة الشهداء

صفحه 3
أُصول الحديث وأحكامه
في علم الدّراية
تأليف
الأُستاذ جعفر السّبحاني

صفحه 4

صفحه 5
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه الذي تواترت نعماؤه وتسلسلت واستفاضت آلاؤه، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين،وخاتم النبيين محمد وآله الطيبين الطاهرين صلاة موصولة لامقطوعة إلى يوم الدين.
أمّا بعد: فلمّا كان علم الحديث من أشرف العلوم وأوثقها وأكثرها نفعاً، لاتّصاله باللّه ورسله وخلفائه، عكف المسلمون ـ و في طليعتهم الشيعة الإمامية ـ على تدوينه وترصيفه و من ثمّ نقله إلى الأجيال، وبذلك أرسوا قواعد الشريعة، و أضفوا عليها سمة الخلودِ والدوام.
فقاموا بتدوين علوم الحديث خدمة للسنّة، فألَّفوا ـ أوّلاً ـ كتباً حول غريبه ومعضلاته، وبيّنوا مشاكله وغرائبه.
كما ألَّفوا ـ ثانياً ـ كتباً ورسائل في علم رجال الحديث، الكافل لتمييز الثقة من غيره، ومقبول الرواية من مردودها.
ثم عزّزوه بعلم ثالث، باسم: علم الدراية ،الذي يبحث عن العوارض الطارئة على الحديث من ناحية السند والمتن وكيفيّة تحمّله وآداب نقله.
إلى غير ذلك من العلوم التي قاموا بتدوينها خدمةً للسنّة النبويّة

صفحه 6
وأحاديث العترة الطاهرة.
وقد قمنا بتأليف كتاب حول الرجال باسم «كلّيات في علم الرجال» حافلاً ببيان قواعده الكلّية التي لاغنى للمستنبط عن التعرّف عليها، وقد تجاوب ـ بحمد اللّهـ وذوق أهل العصر ومشاعرهم، فصار محور الدراسة في الحوزة العلميّة.
وقد طلب منّي غير واحد من الفضلاء أن أردفه بكتاب ثان في علم الدراية، فنزلت عند رغبتهم، فوضعت هذا الكتاب على ضوء كتاب «البداية» للشهيد الثاني ـبعد ما ألقيت محاضرات على أساسه ـ واقتفيت أثره في أكثر المباحث، مكتفياً بالمهمّات من المسائل، ضارباً الصفح عن غيرها، محرّراً بعبارات واضحة، بعيداً عن الإيجاز والإطناب، وعن التعقيد والإغلاق، وسمّيته «أُصول الحديث وأحكامه» عسى أن يجعله سبحانه ذخراً ليوم المعاد، يوم تلتفّ الساق بالساق.
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
جعفر السبحاني

صفحه 7

مقدمة

في بيان أُمور:
1. أوّل من ألّف في علم الدراية
2. تعريف علم الدراية
3. ماهو موضوعه ومسائله وغايته؟
4. في تبيين بعض المصطلحات الرائجة:
السند، المتن، السنّة، الحديث، الخبر، الأثر، والحديث القدسي.

صفحه 8

صفحه 9

مقدمة

إنّ كتابنا هذا يشتمل على مقدمة وفصول.
أمّا المقدمة ففي بيان اُمور:

الأوّل: أوّل من ألَّف في علم الدراية:

1ـ إنّ أوّل من ألَّف من أصحابنا في علم الدرايـة ـ كما هو المشهور ـ هو جمال الدين أحمد بن موسى بن جعفر بن طاووس المتوفّى عام 673هـ، وهو والد عبد الكر يم بن أحمد بن موسى ابن طاووس، المتوفّى عام 693هـ، واُستاذ العلاّمة الحلّي (ت726هـ )، وابن داود الحلّي (ت707هـ ) وهو واضع للاصطلاح الجديد للإماميّة في تقسم الأحاديث ـ كما سيوافيك بيانه ، فالرجل من محقّقي علم الرجال والدراية، حتّى أنّ كتابه «حل الإشكال» مصدر لما جاء به العلاّمة الحلّي في خلاصته، وابن داود في رجاله، وصاحب المعالم في التحرير الطاووسي، وله كتب اُخرى تناهز الاثنين والثمانين مجلّـداً.(1)

1 . راجع في ترجمته: الطهراني: الأنوار الساطعة في المائة السابعة، ص 13 و14.

صفحه 10
نعم السيد ابن طاووس هو أوّل من ألَّف حسب ما عثرنا عليه ويمكن أن قد سبقه أعلام آخرون لم نقف عليهم.
نعم ذكر السيد الصدر: إنّ أوّل من ألَّف في دراية الحديث من الشيعة هو أبو عبد اللّه الحاكم النيسابوري الإمامي الشيعي، قال في كشف الظنون في باب حرف الميم ما نصّه:
«معرفة علوم الحديث أوّل من تصدى له الحاكم أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه الحافظ النيسابوري المتوفّى سنة 405هـ، وهو في خمسة أجزاء ومشتمل على خمسين نوعاً، وتبعه في ذلك ابن الصلاح، فذكر من أنواع الحديث خمسة وستّين نوعاً».(1)
أقول: لو كان الملاك في القضاء على كون الحاكم النيسابوري شيعيّاً،إماميّاً، هو كتابه المستدرك ـ الذي استدرك فيه أحاديث كثيرة فات ذكرها البخاري ومسلم مع وجود شروطهما فيها ـ فالحاكم شيعيّ بالمعنى الأعم، أي بمعنى أنّه مبغض لخصوم عليّ، ومحبّ لأهل بيته، حتى أنّه ألَّف كتاب «فضائل فاطمة الزهراء»(عليها السلام)و استدرك على الشيخين أحاديث كثيرة تعد من اُصول فضائل الإمام كحديث الغدير وحديث الطير المشويّ، ولا يظهر من ثنايا الكتاب تقديم عليّ (عليه السلام)على الخلفاء في الخلافة والولاية، وأنّه كان منصوصاً عليه من قبل النبي لقيادة الاُمّة بعده، وعلى ذلك فهو شيعيّ بمعنى أنّه محبّ لعلي ومبغض لأعدائه، لا أنّه شيعي بمعنى

1 . السيّد حسن الصدر:تأسيس الشيعة، ص294. و توجد منه نسخة في مكتبة اياصوفيا في استنبول برقم 4044 (لاحظ ريحانة الأدب لشيخنا المدرّس:5/ 278)، قد طبع أيضاً عام 1937م في القاهرة بتقديم الدكتور السيّد معظم حسين (راجع علم الحديث، ص100، كما في دراية الحديث للأُستاذ كاظممديرشانهچي، ص18).

صفحه 11
تقديمه على غيره في الخلافة والولاية، والاقتفاء في الاُُصول والفروع بأئمّة أهل البيت (عليهم السلام).
ولو كان الملاك في القضاء على الحاكم في ذلك المجال ما ذكره أصحاب المعاجم في حقّه،فلا شكّ أنّه مرمي بالتشيّع، ومتّهم به عند بعضهم، فقد نقل الذهبي في «تذكرة الحفاظ» عن ابن طاهر أنّه قال: كان الحاكم يظهر التسنّن في التقديم والخلافة.(1)
وقد عدّ الشيخ الحرّ العاملي، كتاب تاريخ نيسابور من كتب الشيعة في آخر الوسائل وقال: إنَّه من تأليف الحاكم(2)، كما عدّه ابن شهر آشوب في معالم العلماء من مؤلّفي الشيعة وذكر له كتاب الأمالي وكتاب مناقب الرضا (عليه السلام)(3)، وعقد صاحب الرياض له ترجمة في القسم المختص بعلماء الشيعة(4).
ولأجل عدم وضوح الحال لايصحّ لنا عدّه ممّن ألَّف من الشيعة في هذا المضمار فضلاً عن كونه أوّل المؤلِّفين فيه، فالقدر المتيقّن أنّ أوَّل من ألَّف هو أحمد بن طاووس الحلّي، وإليك ما أُلّف بعده إلى القرن الحادي عشر.
2ـ علي بن عبد الحميد الحسيني الذي يروي عنه الشهيد الأوّل(ت 786هـ) وأبو العباس أحمد بن فهد (757 ـ 841هـ)، صاحب عدّة الداعي، فله كتاب شرح اُصول دراية الحديث نسبه إليه السيد الصدر في

1 . الذهبي: تذكرة الحفاظ:2/1045 برقم 961.
2 . الحر العاملي: وسائل الشيعة:20/48، ولم ينسبه إلى الحاكم بل ذكر اسم الكتاب مصدراً لكتابه، وانّه من الكتب الّتي روى عنها مع الواسطة.
3 . ابن شهر آشوب: معالم العلماء: ص133 برقم 903.
4 . عبد اللّه الأفندي: رياض العلماء: 5/477 ويصرّح بأنّ ما عنونه ابن شهر آشوب، هو هذا.

صفحه 12
تأسيس الشيعة(1).
3ـ الشيخ الشهيد زين الدين العاملي (911 ـ 966هـ) وهو ـ قدس اللّه سره ـ قد بذل جهده في ذلك العلم وألّف كتباً ثلاثة:

أ ـ البداية في علم الدراية.

ب ـ شرح البداية، وقد فرغ منه عام 959هـ وقد طبع هذا الكتاب تكراراً، وطبع أخيراً باسم «الرعاية في علم الدراية» محققة(2)، وأضفى محقّق الكتاب عليه ثوباً جديداً وعلّق عليه تعليقات نافعة رفعته وجعلته في مستوى عـال ـ شكر اللّه مساعيه ـ.
ج ـ غنية القاصدين في معرفة اصطلاحات المحدّثين، ألمح إليه في خاتمة شرح البداية، وقال: ومن أراد الاستقصاء فيها مع ذكر الأمثلة الموضحة لمطالبه فعليه بكتابنا «غنية القاصدين في معرفة اصطلاحات المحدّثين» فإنّه قد بلغ في ذلك الغاية.(3)
4ـ الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي (918 - 984هـ)، فله «وصول الأخيار إلى اُصول الأخبار» الذي طبع مرّتين و المرّة الثانية طبع محقّقاً.
5ـ الشيخ حسن بن زين الدين (ت1010هـ) المعروف بصاحب المعالم، فله أشواط في علمي الرجال والدراية، فألَّف «التحرير الطاووسي»

1 . تأسيس الشيعة،ص295.
2 . أثبت محقّق الكتاب ومصحّحه انّه الاسم الواقعي للكتاب، لاحظ ص168 ـ لذلك آثرناه عند التسمية.
3 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص404.

صفحه 13
و«منتقى الجمان» وفي كلا الكتابين من أُصول علم الدراية شيء كثير.
6ـ بهاء الدين العاملي (953 ـ 1030هـ) فله «الوجيزة» في علم الدراية، وهوالمتن الذي كان محور الدراسة طيلة أعوام، وقد شرحه السيد حسن الصدر وأسماه بنهاية الدراية، وهو مطبوع،و له أكثر من خمسة شروح كمانعرف، ولشيخنا بهاء الدين العاملي كتابا «الحبل المتين ومشرق الشمسين» وقد أدرج فيهما بعض ما يمت إلى علم الدراية بصلة.
7ـ السيد المحقق المعروف بـ«ميرداماد» (ت1041هـ) فقد أودع في كتابه «الرواشح السماوية» كثيراً من مسائل علم الدراية وأورد في مقدمته مصطلحات ذلك العلم.
هذه هي الكتب المؤلّفة إلى نهاية القرن العاشر أو بقليل بعده، ثم توالى التأليف بعد هؤلاء بين أصحابنا الإماميّة، فألّفوا كتباً ورسائل بين مختصر، ومتوسط، ومبسوط، ذكر أسماءها شيخنا المجيز الطهراني في ذريعته، وقد طبع قليل منها(1).
هذا وقد قام لفيف من المحقّقين بتأليف كتب قيّمة في العصر الحاضر، فيها بُغية الطالب وضالّة المحدّث، ونشير إلى كتابين قيّمين منها:
1ـ نهاية الدراية في شرح الوجيزة، لبهاء الدين العاملي، تأليف السيد حسن الصدر، (272 1ـ 1354هـ) فرغ منه عام 1314هـ، وطبع في الهند أوّلاً عام1324هـ هذا ما ذكره شيخنا في الذريعة وطبع أخيراً في إيران طبعة محققة.

1 . الطهراني: الذريعة:8/54 و 55.

صفحه 14
2ـ مقباس الهداية في علم الدراية، للعلاّمة الشيخ عبد اللّه المامقاني (1290ـ1351هـ) مؤلّف تنقيح المقال في علم الرجال. طبع في النجف عام1345هـ.
ثم طبع فى آخر المجلدالثالث من كتاب الرجال مع إضافات وزيادات منالمصنّف طاب ثراه.

الثاني: تعريف علم الدراية:

الدراية في اللغة بمعنى العلم والاطّلاع، ولعلَّها أخصّ من مطلق العلم، وهي عبارة عن العلم بدقّة وإمعان، قال سبحانه:( وَمَاتَدْرِي نَفْسٌ ماذَا تَكْسِبُ غداً وما تَدْري نَفْسٌ بِأَىِّ أرض تَمُوتُ إنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (لقمان/34)، وقال سبحانه: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاَ الإيمَان..)(الشورى/52).
وفي الإصطلاح عبارة عن العلم الذي يبحث فيه عن متن الحديث وسنده وطرقه، من صحيحها وسقيمها وعليلها، وما يحتاج إليه ليعرف المقبول منه من المردود.(1)
وعرّفه شيخنا بهاء الدين العاملي في وجيزته «بأنّه: علم يبحث فيه عن سند الحديث ومتنه وكيفيّة تحمّله وآداب نقله» (2).
وثاني التعريفين أولى من أوّلهما، لاشتماله على كيفيّة التحمّل وآداب نقل الحديث، وهما من مسائل هذا العلم أو من توابعه.
ولك أن تعرّفه بالنحو الثاني: «هو العلم الباحث عن الحالات العارضة

1 . الشهيد الثاني: شرح البداية، ص45، وقد سبق منّا أنّها طبعت باسم الرعاية في علم الدراية.
2 . بهاء الدين العاملي: الوجيزة: ص1.

صفحه 15
على الحديث من جانب السند أو المتن».
والمراد من السند، طريق الحديث جملة واحدة لا آحاد رواة الحديث على وجه التفصيل، وإنّما يبحث عن الأحوال العارضة على الآحاد في علم الرجال، وأمّا في علم الدراية فإنّما يبحث عن الأحوال العارضة على الحديث أو على السند بما أنّه طريق للحديث، والطريق هو المجموع لا كل واحد من الإفراد، ولأجل التوضيح نقول:
الأحوال العارضة على الحديث باعتبار طريقه، مثل ما يقال: إن كان رجال السند ثقات إِماميّين فالحديث صحيح، وإن كانوا ثقات غير إماميّين جميعهم أو واحداً منهم فالحديث موثّق، وإن كانوا إماميّين ممدوحين فالحديث حسن، وإلاّ فالحديث ضعيف، فهذه هي الأحوال العارضة على الحديث من جانب السندكلها يبحث عنها في علم الدراية.
ونظير ذلك الأحوال العارضة على الحديث من جانب المتن، مثل تقسيمه إلى النصّ والظاهر، أو المجمل والمبين، أو المحكم والمتشابه، أو المضطرب وغيره، فهذه المحمولات هي الأحوال العارضة للحديث من جانب المتن، وكل هذه العوارض هي من مسائل هذا العلم.
و ممّا ذكر يظهر النظر فيما ذكره شيخنا الطهراني في تعريف علم الدراية فقال:«هو العلم الباحث عن الأحوال والعوارض اللاحقة لسند الحديث أي الطريق إلى متنه، المتألّف ذلك الطريق من عدّة أشخاص مرتّبين في التناقل، يتلقّى الأوّل منهم متن الحديث عمّن يرويه له، ثمّ ينقله عنه لمن بعده حتى يصل المتن إلينا بذلك الطريق، فإنّ نفس السند المتألّف من هؤلاء المتناقلين، تعرضه حالات مختلفة مؤثّرة في اعتبار السند وعدمه، مثل كونه

صفحه 16
متّصلاً ومنقطعاً، مسنداً ومرسلاً، معنعناً، مسلسلاً، عالياً، قريباً، صحيحاً، حسناً، موثّقاً، ضعيفاً، إلى غير ذلك من العوارض التي لها مدخليّة في اعتبار السند وعدمه، فعلم دراية الحديث كافل للبحث عن تلك العوارض»(1).
ولقد أجاد فيما أفاد، لكنّه خصّ العوارض اللاحقة للحديث بجانب السند، وقد عرفت أنّها تعرض تارة من ناحيه السند، واُخرى من ناحية المتن وإن كان الغالب هو الأوّل.
وبذلك يظهر الفرق بين علمي الرجال والدراية، فإنّ علم الرجال يبحث عن آحاد رواة السند على وجه التفصيل جرحاً وتعديلاً، ووثاقةً وضعفاً، كما يبحث عن طبقة الراوي، وتمييزه عن مشتركاته في الاسم، وهذا بخلاف علم الدراية، فإنّه يبحث عن الأحوال الطارئة على الحديث باعتبار مجموع السند أو المتن.
وبعبارة اُخرى: البحث عن الأحوال الشخصيّة التي تعرض لأجزاء السند وأعضائه أي الأشخاص المرتّبين في التناقل، المعبّر عنهـم بـ : الرواة، والمزايا التي توجد في كلّ واحدمنهم من المدح والذم، وغير ذلك ممّا لها الدخل في جواز القبول عنهم وعدمه، فهو موكول إلى علم الرجال وهو فنّ آخر .
وبذلك يظهر ضعف ما ربّما يقال: من أنّ علم الرجال يبحث عن السند، والدراية عن المتن، أو غير ذلك من المميّزات، أو أنّ كليهما يبحثان عن سند الحديث لكنّ جهة البحث تختلف، فالدراية تبحث عن أحوال نفس السند، وعلم الرجال يبحث عن أحوال أجزائه، وأعضائه التي يتألّف

1 . الطهراني: الذريعة: 8/54.

صفحه 17
منها السند(1)،لاحظ وتأمّل فإنّ كلامه صحيح في غالب مسائل علم الدراية لا في جميعها كما عرفت .

الثالث: في موضوعه ومسائله وغايته:

قد ظهر من التعريف السابق أنّ موضوع هذا العلم هو سند الحديث ومتنه، وإن شئت قلت: هو الحديث باعتبار اشتماله على السند والمتن، فإنّ موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه وحالاته، والحالات الطارئة على الموضوع في هذا العلم كونه صحيحاً أو ضعيفاً، أو كونه محكماً أو متشابهاً، إلى غير ذلك من الطوارىء. نعم اتّصاف الحديث بهذه الحالات أمّا باعتبار سنده وطريقه، أو متنه ومضمونه، وقد عرفت التوضيح.
وبذلك عُلمتْ مسائله، فنفس تلك الأحوال ونظائرها من مسائله، فالكل يعرض الحديث أمّا من ناحية السند أو من ناحيه المتن.
وأمّا غايته فربّما يقال: إنّ غاية هذا العلم هي معرفة الاصطلاحات المتوقّفة عليها معرفة كلمات الأصحاب، واستنباط الأحكام، وتمييز المقبول من الأخبار ليعمل به، عن المردود ليجتنب عنه.(2)
والظاهر أنّ معرفة الإصطلاحات وكلمات الأصحاب غاية ثانويّة تترتّب على ذلك العلم، والغاية الاُولى الحقيقية هي ما جاء في آخر كلامه، وهي تمييز الروايات المعتبرة عن غيرها كما هي الغاية في علم الرجال أيضاً، غير أنّ الوصول إليها في علم الرجال يتحقّق بمعرفة آحاد رجال الحديث،

1 . الطهراني الذريعة: 8/54.
2 . عبد اللّه المامقاني: مقباس الهداية في علم الدراية: ص4.

صفحه 18
ولكنّه في علم الدراية يتحقّق بالتعرّف على ما يطرأ على الحديث من الطوارئ من جانب السند أو المتن، فكلا العلمين يخدمان علم الحديث ليعرف الإنسان الحجة ويميّزها عن غيرها، والمقبول عن المردود.

الرابع: في معرفة بعض الاصطلاحات الرائجة:

إنّ من الاصطلاحات الرائجة في هذا الفن هو: السند،والمتن، والسنّة، والحديث، والخبر، والأثر، وما شابه ذلك فلا بأس بتوضيحها وإن كانت واضحةً إجمالاً:
1ـ السند: هو طريق المتن، والمراد هنا مجموع من رووه واحداً عن واحد حتى يصل إلى صاحبه، و هو مأخوذ من قولهم فلان سند أي يستند إليه في الاُمور، ويعتمد عليه، فَسُمّي الطريق سنداً لاعتماد المحدّثين والفقهاء في صحّة الحديث وضعفه على ذلك.
وأمّا الإسناد، فهو ذكر طريقه حتى يرتفع إلى صاحبه.
وقد يطلق «الإسناد» على «السند» ويقال إسناد هذا الحديث صحيح أو ضعيف.(1)
2ـ المتن: هو في الأصل مااكتنف الصلب ،ومتن كل شي مايتقوّم به ذلك الشيء ويتقوّى به، كما أنّ الإنسان يتقوّم بالظهر ،ويتقوّى به ، وفي الاصطلاح «لفظ الحديث الذي يتقوّم به معناه ،وهومقول النبيّ،أو الأئمّة المعصومين» (2).

1 . حسين بن عبد الصمد العاملي: وصول الأخيار إلى أُصول الأخبار: ص90.
2 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص52.

صفحه 19
3 ـ السنّة: في اللغة هي الطريقة المحمودة أوالإسم منها، وفي الاصطلاح نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره، و بهذا المعنى ليس له إلاّ قسم واحد وهو الصحيح المصون عن الكذب والخطأ.
4 ـ الحديث: هو كلام يحكي قول المعصوم أو فعله أو تقريره، وبهذا الاعتبار ينقسم إلى الصحيح ومقابله، وبهذا علم أنّ ما لا ينتهي إلى المعصوم ليس حديثاً، وأمّا العامّة فاكتفوا فيه بالانتهاء إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أو أحد الصحابة و التابعين. ولأجل التمييز بين القسمين ربّما يسمّون ما ينتهي إلى الصحابة والتابعين بالأثر.
5 ـ الخبر: وهو في اصطلاح المحدّثين يرادف الحديث، وربّما يطلق في كثير من العلوم ويراد ما يقابل الإنشاء. ثم توصيف المحدّث بالأخباري إنّما هو بالمعنى الأوّل ـ أي من يمارس الخبر والحديث ويتّخذه مهنة ـ.
وربّما يستعمل الأخباري في مقابل الاُصولي، وذلك لأنّه لا يعتمد على بعض الاُصول التي يعتمد عليها الاُصولي، وعلى ضوء ذلك فتقسيم الفقهاء إلى الأخباري والاُصولي بهذا الملاك لا بالملاك الأوّل ـ أي من يمارس الخبر والحديث ويشتغلبهـ.
ويظهر من العلاّمة(1) وجود هذا الاصطلاح (الأخباري في مقابل الاُصولي) في عصره .

1 . العلاّمة الحلّي، النهاية في الأُصول (مخطوط) نقله عنه في المعالم عند البحث عن حجّية الخبر الواحد في ضمن الدليل الثالث، و إليك نصّ عبارته: أمّا الإماميّة فالأخباريون منهم لم يعوّلوا في اُصول الدين وفروعه، إلاّ على أخبار الآحاد المرويّة عن الأئمّة (عليهم السلام)، والأُصوليون منهم كأبي جعفر الطوسي وغيره وافقوا على قبول خبر الواحد.

صفحه 20
وأمّا الأثر:فربّما يخصّص بما ورد عن غير المعصوم من الصحابي أو التابعي، وربّما يستعمل مرادفاً للحديث وهو الأكثر.
6 ـ الحديث القدسي: هو كلام اللّه المنزل ـ لا على وجه الإعجاز ـ ، الذي حكاه أحد الأنبياء أو أحد الأوصياء، مثل ما روي أنّ اللّه تعالى قال: «الصوم لي وأنا اُجزي به»، ومن الفوارق بينه وبين القرآن: أنّ القرآن هو المنزّّل للتحدّي والإعجاز بخلاف الحديث القدسي.
إذ كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يلقي أحياناً على أصحابه مواعظ يحكيها عن ربّه عزّ وجلّ ولم يكن وحياً منزلاً حتى يسمّوها بالقرآن، ولا قولاً صريحاً يسنده(صلى الله عليه وآله وسلم)إسناداً مباشراً حتى يسمّوها حديثاً، وإنّما كانت أحاديث يحرص النبيّ على تصديرها بعبارة تدلّ على نسبتها إلى اللّه لكي يشير إلى أنّ عمله الأوحد فيها، حكايتها عن اللّه باُسلوب يختلف اختلافاً ظاهراً عن اُسلوب القرآن، ولكنّ فيه ـ مع ذلك ـ نفحة من عالم القدس ونوراً من عالم الغيب، وهيبة من ذي الجلال والاكرام، تلك هي الأحاديث القدسيّة التي تسمّى أيضا:ً إلهيّة، وربّانية.
مثلاً أخرج مسلم في صحيحه عن أبي ذر (رضي اللّه عنه)عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ـ فيما يرويه عن اللّه عزّ وجلّ ـ: «يا عبادي إنّي حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً فلا تظالموا....»(1).
إذا عرفت هذه الاُمور فلندخل في صلب الموضوع ونبحث عن اُمّهات المسائل و ذلك في فصول:

1 . مسلم: الصحيح ج8 كتاب البرّ، الباب 15، الحديث 1. و قد ألّف الشيخ الحرّ العاملي كتاباً باسم «الجواهر السنية في الأحاديث القدسيّة»

صفحه 21

الفصل الأوّل:

تقسيم الأخبار

1. تقسيم الخبر إلى المتواتر والآحاد.
2. تعريف الخبر المتواتر.
3. إمكان وقوعه وحصول العلم به.
4. كيفية العلم الحاصل بالتّواتر وأنّه ضروري أو نظريّ.
5. شروط الخبر المتواتر.
6. أقلّ عدد يتحقق به التواتر.
7. تقسيم المتواتر إلى اللفظي والمعنوي.
8. تقسيم آخر للتواتر.
9. التواتر التفصيلي والإجمالي.
10. تقسيم خبر الواحد إلى المستفيض والعزيز والغريب.
11. تقسيم خر الواحد إلى المحفوف بالقرائن وعدمه.

صفحه 22

صفحه 23

الفصل الأوّل:

تقسيم الخبر إلى المتواتر والآحاد

الخبر ينقسم إلى:
الخبر معلوم الصدق ضرورة أو نظراً.
أو معلوم الكذب كذلك.
أو ما لا يُعلَمُ صدقه ولا كذبه.
والقسم الأخير إمّا يظنّ صدقه، أو كذبه، أو يتساويان.
فهذه أقسام خمسة.
والملاك في هذا التقسيم هو مفاد الخبر ومضمونه، وبهذا الاعتبار ينقسم إلى متواتر وآحاد، والخبر المتواتر من أقسام معلوم الصدق دون الآحاد كما سيتّضح، وإليك البحث في كل واحد منهما.

الخبر المتواتر

وفيه مباحث:

المبحث الأوّل: في حدّ التواتر

«التواتر» في اللغة: هو مجيء الواحد بعد الآخر على وجه الترتيب، ومنه

صفحه 24
قولهسبحانه: (ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّما جاءَ اُمَّةً رَسولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُم بَعْضاً وجَعَلناهُمْ أحاديثَ فَبُعداً لِقَوم لا يؤْمِنون )(المؤمنون/44).
إنّ قوله «تترا» مصدر كدعوى و ذكرى و شورى، وهو من المواترة، وهي أن يتبع الخبر الخبر، والكتاب الكتاب، فلا يكون بينهما فصل كثير(1).
و أمّا في الإصطلاح فقد عرّف بوجوه:
أ ـ خبر جماعة يفيد بنفسه القطع بصدقه(2).
وإنّ قوله «بنفسه» يخرج ما أفاده اليقين بمعونة القرائن.
توضيحه:أنّ القرائن على قسمين:
الأوّل: القرائن الداخلية، وهي ما لا ينفك الخبر عن جميعها أو بعضها عادة، وهي:
إمّا تتعلّق بحال المخِبر ، ككونه موسوماً بالصدق و عدمه.
أو بالسامع ، ككونه خالي الذهن و عدمه.
أو بالمخبر به ، ككونه قريب الوقوع و عدمه.
أو نفس الخبر كالهيئات الواردة في الخبر كاشتماله على نون التأكيد والقسم ونحو ذلك.
الثاني: القرائن الخارجية الحافّة بالخبر، وهذا هو المسمّى بالخبر المحفوف بالقرينة، كما إذا جاء المخبر بموت أحد، وقورن بسماع النوح من بيته فذلك ممّا يفيد علمنا بصحّته.
قالوا: إنّ التقييد بقوله بـ «نفسه» لإخراج القسم الثاني من الخبر، فإنّه

1 . الطبرسي: مجمع البيان: 4/107.
2 . القمّي: قوانين الأُصول:1/420.

صفحه 25
ليس مفيداً للعلم بنفسه بل بمعونة القرائن.
يلاحظ على هذه التعريف: أنّه غير مطّرد، لصدقه على ما ليس بمتواتر، كما إذا أخبر ثلاثة بواقعة، وحصل العلم بها من جهة خصوص الواقعة لانصراف الدواعي عن تعمّد الكذب فيه وملاحظة مكانة المخبرين، وخلو ذهن السامع من الشبهة، فيلزم أن يكون مثل هذا الخبر متواتراً وليس منه بالضرورة.
ب ـ خبر جماعة يؤمن تواطؤهم على الكذب عادة وإن كان للوازم الخبر دخل في إفادة تلك الكثرة العلم(1).
ج ـ جمع بهاء الدين العاملي بين التعريفين وقال: فإن بلغت سلاسله في كل طبقة حدّاً يؤمن معه تواطؤهم على الكذب فتواتر. ويرسم بأنّه خبر جماعة يفيد بنفسه القطع بصدقه، وإلاّ فخبر آحاد(2).
ففي هذا التعريف رُكِّز على الكثرة وأنّه يجب أن يبلغ عدد المخبرين إلى حدّ من الكثرة يمنع عن تواطئهم على الكذب.
يلاحظ عليه: أنّ العلم بامتناع تواطئهم على الكذب أو العلم بعدم تواطئهم عليه لا يكون دليلاً على صدق الخبر وعدم تعمّد المخبرين الكذب، لأنّ للكذب أسباباً ودواعي اُخر غير التواطؤ عليه، فإنّ الحبّ والبغض في الأفراد ربّما يجرّان إلى التقوّل على الأفراد بكثرة من دون تواطؤ هناك، خصوصاً إذا كانوا أصحاب هوى ودعاية.
وهذه هي القوى الكبرى العالمية التي تلعب أيديها تحت الستار في

1 . المحقّق القمّي: قوانين الاُصول:1 /421.
2 . بهاء الدين العاملي: الوجيزة: ص2.

صفحه 26
مجال الإعلام العالمي، فربّما تنطق جماعة كثيرة في أرجاء مختلفة بكلام واحد بإشارة من السلطات، من دون أن يطّلع واحد منهم على الآخر. فمجرد علمه بعدم التواطؤ لا يكفي في رفع الشكّ في تعمّد الكذب، إلاّ أنّه يكفي التواطؤ بين أصحاب السياسة في البلدان و إن لم يكن التواطؤ موجوداً في دونها.
فالأولى أن يضاف إلى التعريف قولنا: يُؤمن معه من تعمّدهم الكذب، ويحرز ذلك بكثرة المخبرين ووثاقتهم، أو كون الموضوع(1)مصروفاً عنه دواعي الكذب أو غير ذلك.
و لنقتصر على ماذكرناه في تعريفه، و فيه مباحث شريفة و مفصّلة، وهي بعلم الأصول أحرى و أولى.

المبحث الثاني: في إمكان وقوعه وحصول العلم به:

لا يشكّ ذو مسكة في إمكانه و وقوعه. قال الغزالي :لا يستريب عاقل في أنّ في الدنيا بلدة تسمّى بغداد وإن لم يدخلها، ولايشكّ في وجود الأنبياء، والمخالف إنّما هو بعض الهنود المعروفين بـ «سمينة» الذين حصروا العلوم في الحواس وأنكروا هذا.

1 . ولقد وقف بعضهم على هذه النكتة وإن كانت عبارته ناقصة. قال الغزالي: «شرط قوم: أن لا يكونوا محمولين بالسيف على الإخبار»، ثمّ ردّ عليه بقوله: وهو فاسد، لأنّهم إن حملوا على الكذب لم يحصل العلم لفقد الشرط وهو الإخبار عن علم ضروريّ.   والظاهر أنّ الغزالي لم يقف على مغزى الكلام، لأنّ البحث فيما إذا احتمل حملهم على السيف بالكذب لا ما إذا علم حملهم عليه،فلا يرد قوله عليهم، لأنّهم إن حملوا على الكذب لميحصل العلم.

صفحه 27
هذا ما يذكره القدماء في إثبات إمكانه ووقوعه، وأمّا اليوم فنحن نسمع من أجهزة الإعلام العالميّة، أخباراً كثيرة علميّة واجتماعيّة وسياسيّة، نجزم بصحّة قسم خاصّ منها وهي ما إذا كانت بعيدة عن إطار دواعي الكذب فيها.
وكلّ إنسان منّا ربّما يواجه الخبر المتواتر طيلة عمره، خصوصاً في أوّل الشهور وآخرها، فربّما تتقاطر الأخبار من بلدان نائية من مختلف الطبقات، تحكي عن رؤية الهلال في اللّيلة المعيّنة، فيحصل العلم للقلوب السليمة، البعيدة عن الزيغ والانحراف.
ثمّ إنّ المحقّق القمّي اعترض على الإستدلال المعروف ـأعني الجزم بوجود البلدان النائية كالهند والصين والأُمم الخالية كقوم فرعون وقوم موسيـ بأنّ العلم هنا ليس من جهة التواتر لأنّا لانسمع إلاّ من أهل عصرنا، وهم لم يرووا لنا ذلك عن سلفهم أصلاً، فضلاً عن عدد يحصل به التواتر، وهكذا، بل حصول العلم من جهة أنّ أهل العصر مجمعون على ذلك قاطبة، أمّا بالتصريح أو بظهور أنّ سكوتهم مبنيّ على عدم بطلان هذا النقل(1).
ويلاحظ عليه: أنّا إذا وجدنا أهل زماننا متّفقين على الإخبار صريحاً أو التزاماً بوقوع واقعة مثلاً في سالف الزمان، فربّما نقطع بملاحظة العادة في تلك الواقعة أنّ اتّفاقهم على ذلك لا يكون إلاّ عن اتّفاق مثله على الأخبار بذلك، إلى أن تنتهي السلسلة إلى المشاهدين الّذين نقطع بمقتضى العادة في تلك الواقعة بلوغهم درجة التواتر، فيكون علمنا بالواقعة مستنداً إلى التواتر المتأخّر، الكاشف عن التواتر المتقدّم المعلوم لنا بطريق الحس(2).

1 . المحقّق القمّي: قوانين الأُصول: 1/421.
2 . محمّد حسين الاصفهاني: الفصول في الأُصول: ص270 ـ 271.

صفحه 28
وعلى كل تقدير ، فسواء صحّ ذلك الكلام أم لم يصحّ، فالمثال غير عزيز.
ثمّ إنّ للمنكرين شبهات واهية ربّما تبلغ ستّاً لا حاجة لنقلها، ذكر بعضها الغزالي كما ذكر أكثرها صاحب المعالم في مقدّمته والمحقّق القمّي في القوانين(1).

المبحث الثالث: في كيفيّة العلم الحاصل بالتواتر:

هل العلم الحاصل من التواتر علم ضرورىّّ ـ كما هو المشهور ـ، أو نظريّ كما نقل عن الكعبي وأبي الحسين البصري، والجويني،وإمام الحرمين؟ أو لا ضروري ولا نظري بل هناك واسطة بينهما؟ كما نقل عن الغزالي (وإن كان كلامه لايؤيّد تلك النسبة)؟ أو التوقّف فيه ـ كما نسب إلى السيد المرتضى ـ؟ أو التفصيل بين الاخبار عن البلدان وأمثالها فضروري وإلاّ فنظري ـ كما نسب إلى الشيخ في العدّة، واختاره المحقق القمّي ـ ؟ أقوال:

احتجّ المشهور بوجوه:

1 ـ لو كان نظرياً لتوقّف على توسط المقدّمتين واللازم منتف لأنّا نعلم علماً قطعياً بالمتواترات، مثل و جود مكّة والهند وغيرهما مع انتفاء ذلك.
2 ـ لو كان نظريّاً لما حصل لمن لا قدرة له على النظر، كالعوام

1 . الشيخ حسن: معالم الأُصول: ص177، المحقّق القمّي: قوانين الأُصول:ج1،ص421، وشبهاتهم لا تهدف إلى أمر واحد بل بعضها يهدف إلى إنكار حصول العلم من التواتر، وبعضها يهدف إلى إنكار كون العلم الحاصل من التواتر ضرورياً.

صفحه 29
والصبيان.
3 ـ لو كان نظريّاً للزم أن لا يعلمه من ترك النظر عمداً، إذ كل علم نظري فإنّ العالم به يجد نفسه أوّلاً شاكّاً ثمّ طالباً، ونحن لا نجد أنفسنا طالبين لوجود مكّة(1).
احتجّ القائل بكونه نظرياً بأنّه لو كان ضرورياً لما احتاج إلى توسط المقدّمتين، والتالي باطل لأنّه يتوقف على العلم بأنّ المخبر به محسوس، وأنّ هذه الجماعة لا يتواطؤون على الكذب.
وقد ناقش كلّ من الطرفين أدلّة الآخر، والكلام الحاسم للخلاف هو أن يقال:
إنّه إن اُريد من الضروري ما لا يحتاج إلى مقدّمة من المقدّمات على وجه الإجمال والتفصيل، فالعلم الحاصل من الخبر المتواتر ليس بضروريّ، لعدم استغنائه عن بعض المقدّمات الإجماليّة المخزونة في الذهن، ولكنّه لو كان هذا هو ملاك العلم الضروري، فقلّما يتّفق أن يتّصف خبر بالضروريّ حتّى قولنا الكلّ أعظم من الجزء، فإنّ التصديق بذلك متوقّف على القول بأنّ الكل يشتمل على الجزء وغيره، وما هو كذلك فهو أعظم.
وإن اُريد من الضروري ما هو أعمّ من ذلك وما يتوقّف حصول العلم فيه على بعض المقدّمات المخزونة في الذهن أو المترتبة فيه بالسرعة والإجمال، فالعلم الحاصل من التواتر ضروري، ولعلّه إلى ذلك يشير كلام الغزالي لا إلى القول بالواسطة. قال:

1 . المحقّق القمّي: قوانين الأُصول :1 /422، الغزالي: المستصفى1/132.

صفحه 30
فإن عنيتم بكونه نظرياً، أنّ مجرد قول المخبر لا يفيد العلم، ما لم تنتظم في النفس مقدّمتان:
إحداهما: أنّ هؤلاء مع اختلاف أحوالهم و تباين أغراضهم، ومع كثرتهم على حال لا يجمعهم على الكذب جامع، ولا يتّفقون إلاّ على الصدق.
وثانيهما: أنّهم اتّفقوا على الإخبار عن الواقعة فيبتني العلم بالصدق على مجموع المقدّمتين، فهذا مسلّم، ولا بدّ أن تشعر النفس بهاتين المقدّمتين حتّى يحصل لها العلم والتصديق، وإن لم تشكّل في النفس هذه المقدّمات بلفظ منظوم، فقد شعرت به حتّى حصل التصديق، وإن لم يشعر بشعورها...(1).
والحاصل أنّ الميزان في كون العلم نظرياً هو حاجة القضية إلى الإمعان، والدقّة والفكر والنظر، والاستدلال والبرهنة، وأمّا ما يحصل بعد الاخبار بسرعة»ـ وإن كان معتمداً على قضايا مسلّمة في الذهن من دون استشعار بها وبالإعتماد عليهاـ فهو ضروري.

المبحث الرابع: في شروط التواتر:

إنّ القوم ذكروا شروطاً للتواتر، ولكنّها ليست على نسق واحد، بل هي

1 . ذكر صاحب الفصول: إنّ ما يتوقّف عليه العلم هو المقدّمة الثانية وهي اتفاقهم على الإخبار عن هذه الواقعة، وأمّا المقدّمة الأُولى أعني لا يجمعهم على الكذب جامع فهو عين النتيجة أو في مرتبتها، فلا يتوقف العلم بها عليه، وليس مجرد إمكان تأليف قياس ينتج المطلوب ملاكاً لكون النتيجة نظريّة بل لا بدّ معه من كونه مستفاداً منها، وإلاّ لأمكن تأليفه في كل ضروري، كقولنا الكل مشتمل على الجزء وزيادة.

صفحه 31
بين ما هو شرط لتحقّق التواتر ويعد من مقدّماته، وما هو شرط لحصول العلم.
أمّا القسم الأوّل فذكروا له شروطاً(1):
1 ـ كون المخبرين بالغين في الكثرة حدّاً يمتنع معه في العادة تواطؤهم على الكذب، وقد عرفت أنّه غير كاف بل يجب أن يضاف إليه قولنا «يؤمن معه من تعمّدهم على الكذب» كما إذا نطقوا بشيء واحد وكانوا مختلفي الهوى، متباعدي المسلك والمشرب.
2 ـ كون علمهم مستنداً إلى الحسّ، فإنّه في مثل حدوث العالم لا يفيد قطعاً، لكثرة الإشتباه في المسائل النظريّة.
3 ـ استواء الطرفين و الوسط بمعنى أن يبلغ كلّ واحد من الطبقات حدّ الكثرة المذكورة، وذلك فيما لو حصل هناك أكثر من طبقة، وإلاّ فلا واسطة ولا تعدّد في الطبقات.
يلاحظ على هذا الشرط: أنّه إذا حصل التواتر في الطبقة الاُولى، ولكن و صل إلينا ذلك الخبر المتواتر بخبر الواحد المحفوف بالقرينة المفيدة للعلم، فيحصل العلم بلا حاجة إلى تحقّق التواتر في الطبقة الثانية وهكذا.
4 ـ كون إخبارهم عن علم، فلو أخبر أهل بغداد عن طائر أنّهم ظنّوه حماماً أو عن شخص أنّهم ظنّوه زيداً لم يحصل لنا العلم بكونه حماماً أو بكونه زيداً، وليس هذا معلّلاً بل حال المخبَر لا تزيد على حال المخبِر (2).

1 . لاحظ المستصفى: 1/134 للغزالي فقد اكتفى بشروط أربعة، وأضاف القمّي في قوانينه:1/424 و 425 شروطاً اُخر، فلاحظ.
2 . الغزالي: المستصفى:1 /134.

صفحه 32
واكتفى المحقّق القمّي بكون الباقين عالمين وإن كان بعضهم ظانّين.
يلاحظ على القولين: أنّه إذا صار كلّ واحد مبدءاً لحصول درجة من الظنّ، فربّما يحصل العلم، لأنّ العلم لا يحصل في التواتر دفعة واحدة، بل الخبر الأوّل يوجد ظنّاً ما، ثمّ يدعمه الثاني، والثالث إلى أن يتحوّل إلى العلم.
وأمّا القسم الثاني، أعني: ما هو شرط لحصول العلم منها:
فقالوا: يشترط كون السامع غيرعالم بما اُخبربه، لاستحالة تحصيل الحاصل، كما يشترط أن لا يكون قد سبق بشبهة أو تقليد إلى إعتقاد نفي موجب الخبر، ذكره السيد المرتضى، وبذلك يجاب عن كلّ من خالف الإسلام ومذهب الإماميّة في إنكارهم حصول العلم بما تواتر من معجزات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)والنص على الوصيّ، وكذلك كلّ من اُشرب قلبه حبّ خلاف ما اقتضاه المتواتر، فلا يحصل له العلم إلاّ مع تخلّيه عمّا شغله عن ذلك إلاّ نادراً(1).
وقد ذكر الغزالي في خاتمة بحثه بأنّه قد ذكر القوم للتواتر شروطاً أُخر وهي فاسدة و هي عبارة عن:
1 ـ أن لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد.
2 ـ أن تختلف أنسابهم فلا يكونون بني أب واحد، وتختلف أوطانهم.
3 ـ أن يكونوا أولياء مؤمنين.
4 ـ أن لا يكونوا محمولين بالسيف على الإخبار.

1 . المحقّق القمّي: قوانين الأُصول: 1/425 ـ 426، السيّد المرتضى: الذريعة:2/491.

صفحه 33
5 ـ أن يكون الإمام المعصوم في جملة المخبرين، قال: شرطه الروافض، ثم أورد على الأخير أنّ هذا يوجب العلم باخبار الرسول عن جبرئيل لأنّه معصوم، فأي حاجة إلى إخبار غيره؟ ويجب أن لا يحصل العلم بنقلهم على التواتر النصّ على عليّ(رض) إذ ليس فيهم معصوم(1).
و ممّا يؤخذ عليه هنا: أنّه تقوّل على الشيعة وليس في كتبهم أثر من هذا الشرط، ولو شرطوه، فإنّما شرطه بعضهم في حجيّة الإجماع على فتوى نظريّة مستنبطة من الكتاب والسنّة، وأين هذا من الخبر المتواتر عن أمر محسوس؟ وكم للقوم في كتبهم من تقوّلات على الشيعة، وهم يكتبون كل شيء عنهم ولا يعرفون عنهم إلاّ الشيء الضئيل.

المبحث الخامس: في أقل عدد التواتر:

اختلفوا في أقل عدد يتحقّق معه التواتر، والحق أنّه لا يشترط فيه عدد، فالمقياس هو إخبار جماعة يؤمن من تعمّدهم الكذب وهو يختلف و يتخلّف باختلاف الموارد، فربّ مورد يكفي فيه عدد إذا كان الموضوع بعيداً عن الهوى والكذب، وربّ موضوع لا يكفي فيه ذلك العدد، وبذلك يظهر أنّ تقديره بالخمسة أو العشرة أو العشرين أو الأربعين أو السبعين لاأساس له.(2)

1 . الغزالي: المستصفى: 1/139ـ140.
2 . و إليك الأقوال:
1 ـ فعن القاضي أبي بكر الباقلاّني: «يشترط أن يكونوا أزيد من أربعة، لعدم إفادة خبر الأربعة العدول الصادقين العلم، كما هو الحال في البيّنة على الزنا و غيرها، و توقف في الخمسة لعدم اطّراد الدليل المذكور فيها».
2 ـ و عن الاصطخري: إنّ أقلّه عشرة لأنّه أوّل جموع الكثرة.
3 ـ و عن جمع: إنّه اثنا عشر، عدد نقباء بني اسرائيل، لقوله سبحانه: (و بعثنا منهم اثنى عشر نقيباً)(المائدة/12).
4 ـ و عن أبي هذيل العلاّف: إنّ أقلّه عشرون لقوله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين)(الأنفال/65) خصّهم بذلك لحصول العلم بما يخبرون.
5 ـ إنّ أقلّه أربعون لقوله تعالى: (يا أيّها النبىّ حسبك اللّه و من اتبعك من المؤمنين) (الأنفال/64)، حيث نزلت في الأربعين.
6ـ إنّ أقلّه سبعون لقوله تعالى:(واختار موسى قومه سبعون رجلا لميقاتنا)(الأعراف/155)، وإنّما كان كذلك ليحصل اليقين باخبارهم أصحابهم ما يشاهدون من المعجزات.
7 ـ من أنّ أقلّه ثلاثمائة و بضعة عشر، عدد أهل بدر. (الرعاية في علم الدراية، ص62، ومقباس الهداية ص14).
و لايخفى سخافة هذه الأقوال و أيّ صلة بين هذه الآيات الواردة في مقامات خاصة و بين العدد الذي يؤمن معه من التعمّد على الكذب.
هذا، و انّ حصول العلم من العوارض النفسانيّة، فهو يختلف حسب اختلاف روحيات الأشخاص و نفسياتهم و حسب اختلاف الموضوعات الظروف مع وجود دواعي الكذب و عدمه، و كون المخبرين أصحاب هوى أم لا ، فلايصحّ لعاقل تحديد حصول العلم بشيء قطعيّ على وجه يطّرد في جميع المقامات بحيث لاينقص و لايزيد.

صفحه 34
وختاماً: ذكر النووي(1) في مبحث المتواتر: «ولا يذكره المحدّثون ،وهو قليل لا يكاد يوجد في رواياتهم ، وهو مانقله من يحصل العلم بصدقهم ضرورة عن مثلهم من أوّله إلى آخره، وحديث «من كذب عليّ متعمّداً فليََتَبوّأ مقعده من النار» متواتر لاحديث «إنّما الأعمال بالنيّات»(2).

1 . و في غلاف المطبوع «النواوي» و لعل لرعاية السمع في الاسم و إلاّ هو يحيى بن شرف بن حري الخراهي الشافعي النووي شيخ الإسلام محي الدين أبو زكريا ولد في «نوى» فنسب إليها: النووي و هي بلدة بحوران 631هـ ـ 676 هـ.
لاحظ طبقات الشافعية للسبكي 5/165، النجوم الزاهرة 7/278، الأعلام 9/185، أسماء الرجال الناقلين عن الشافعي: 68، طبقات النحاة و اللغويين: 529، معجم المؤلفين 13/202.
2 . النووي: التقريب والتيسير: 2/159 ـ 160 مع شرحه: تدريب الراوي.

صفحه 35

تقسيم المتواتر إلى اللفظي والمعنوي:

المتواتر على قسمين: لفظي ومعنوي.
فالأوّل: ما إذا اتّحدت ألفاظ المخبرين في أخبارهم، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما الأعمال بالنيّات» على القول بتواتره، وقوله: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»، وقوله: «إنّي تارك فيكم الثقلين» والفرق بين الأوّل وبين الثاني والثالث أنّ تمام الحديث في الأوّل متواتر، وفي الثاني و الثالث بعضه، لوجود اختلاف في النقل في سائر ألفاظهما الذي لم نذكره.
والثاني:ما إذا تعدّدت ألفاظ المخبرين ولكن اشتمل كلّ منها على معنى مشترك بينها بالتضمّن أو الالتزام وحصل العلم بذلك القدر المشترك بسبب كثرة الأخبار.
ثمّ إنّ اختلافهم في ألفاظ الحديث ربّما يكون في واقعة واحدة، كما إذا قال رجل: «ضرب زيد عمراً باليد»، وقال آخر: «ضربه بالدرّة»، وقال الثالث: «ضربه بالعصا»، وقال رابع: «ضربه بالرجل» إلى غير ذلك،فالكلّ يتضمّن صدور الضرب، واُخرى في وقائع متعدّدة كما في الأخبار الواردة في بطولة عليّ (عليه السلام)في غزواته التي تدلّ بالدلالة الالتزامية على شجاعته وبطولته.

تقسيم آخر للتواتر:

ثمّ إنّ المحقّق القمّي قسّم التواتر إلى أقسام لابأس بنقلها إجمالاً:
1 ـ أن تتواتر الأخبار باللفظ الواحد سواء كان المتواتر تمام الحديث أو

صفحه 36
بعضه.
2 ـ أن تتواتر بلفظين مترادفين أو ألفاظ مترادفة، مثل ما إذا ورد: «الهرّ طاهر» و «السنور طاهر» و«الهرّ نظيف».
3 ـ أن تتواتر الأخبار بدلالتها على معنى مستقلّ وإن كانت دلالة بعضها بالمفهوم والاُخرى بالمنطوق وإن اختلفت ألفاظها، كما إذا ورد: «الماء القليل ينجس بالملاقاة»، و ورد: «الأنقص من الكر ينجس بالملاقاة»، وفي ثالث: «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» فيدلّ الكلّ على نجاسة الماء القليل بملاقاة النجاسة.
ومثله ما إذا ورد: «لاتشرب سؤر الكلب إلاّ أن يكون حوضاً كبيراً يستسقى منه الماء»، وورد أيضاً قوله حين سئل عن التوضّؤ في ماء دخلته الدجاجة التي وطأت العذرة: «إلاّ أن يكون الماء كثيراً» فينتزع من الكلّ انفعال الماء القليل.
4 ـ أن تتواتر بدلالة تضمّنية على شيء،ويكون المدلول التضمّني قدراً مشتركاً بين تلك الآحاد، كما في المثال الذي عرفته من صدور الضرب من زيد.
5 ـ أن تتواتر الأخبار بدلالة التزاميّة، ويكون ذلك قدراً مشتركاً بينها ، مثل ما إذا نهانا الشارع عن التوضّؤ من مطلق الماء القليل إذا لاقته العذرة، وعن الشرب منه إذا ولغ فيه الكلب، وعن الإغتسال منه إذا لاقته الميتة، فالكلّ يدلّ على نجاسة الماء القليل بذلك.
6 ـ أن تتكاثر الأخبار بذكر أشياء تكون لوازم لملزوم واحد(1)، مثل

1 . و في المصدر تكون ملزومات للازم، والصحيح ما ذكرناه، نبّه عليه المحقّق السيّد علي القزويني.

صفحه 37
الأخبار الواردة في غزوات علي (عليه السلام).
ثمّ إنّه ـ قدّس سرّه ـ فصّل في ذلك بما لا حاجة لذكره(1).
ولا يخفى أنّ ما ذكره من تقسيم التواتر، إنّما يرجع إلى مطلق التواتر لاخصوص التواتر المعنوي كما صرّح به المحقّق المامقاني(2)، لوضوح أنّ القسم الأوّل والثاني من أقسام التواتر اللفظي.

التواتر التفصيلي والاجمالي:

ثمّ إنّ هناك تقسيماً آخر ربّما يعبّر عنه بالتواتر الإجمالي والتفصيلي، أمّا الثاني فقد عرفته، وأمّا الأوّل فهو إذا ما وردت أخبار متضافرة تبلغ حدّ التواتر في موضوع واحد تختلف دلالتها سعة وضيقاً، ولكن يوجد بينها قدر مشترك يتّفق الجميع عليه، فيؤخذ به، ومثِّل لذلك بالأخبار الواردة حول حجّية خبر الواحد،فقد اختلفت مضامينها من حيث كثرة الشرائط وقلّتها، فيؤخذ بالأخصّ دلالة لكونه المتّفق عليه وهو خبر العدل الإمامي الضابط الذي عدّله اثنان، وليس مخالفاً للكتاب والسنّة، وذلك لأنّا نعلم بصدور واحد من هذه الأخبار حول حجّية خبر الواحد، غير أنّا لا نعرفه، فالصادر إمّا الأعمّ مضموناً أو الأخصّ أو المتوسّط بينهما، وعلى كل تقدير فقد صدر منهم الأخص مضموناً باستقلاله أو في ضمن واحد منهما.
ثم إذا وجدنا بين هذه الأخبار رواية تجمع هذه الشروط، أي كان رواتها

1 . المحقّق القمّي: قوانين الأُصول:1/426 ـ427.
2 . عبد اللّه المامقاني: مقباس الهداية: ص16، قال: وربّما صوّر بعض المحقّقين التواتر المعنوي على وجوه.

صفحه 38
عدولاً إماميين صدّقهم العدلان، فيعمل بمضمون خبرهم، وربّما يكون مضمون خبرهم حجّية مطلق قول الثقة و إن لم يكن عدلاً إماميّاً مصدّقاً بعدلين، وربّما يكون مضمونه غيره.
وقد عالجنا الموضوع بهذا الترتيب في أبحاثنا الاُصوليّة حيث وقفنا على خبر اتّفق الكلّ على حجّية مثله بأن يكون جامعاً لكلّ الشرائط من حيث السند، ثمّ أخذنا بمضمونه كائناً ما كان.
هذا كلّه حول التواتر بأقسامه. بقي الكلام في المستفيض و خبر الواحد.

المستفيض والعزيز والغريب(1)

إذا كان المتواتر هو الخبر المفيد بنفسه العلم، فكلّ خبر لم يبلغ إلى هذا الحدّ فهو خبر واحد، غير أنّه إذا تجاوز عدد رواته عن ثلاثة فهو مستفيض، وما لا يرويه أقلّ من اثنين عن اثنين فهو عزيز ـ سمّي عزيزاً لقلّة و جوده، وأصبح عزيزاً لكونه قويّاًـ.
وأمّا الخبر الذي انفرد واحد بروايته (أيّ موضع وقع التفرّد في السند) فهو غريب وإن تعدّدت الطرق إليه، أو تعدّدت الطرق منه، وفسّره المحقّق

1 . ذكره الشهيد في المقام، كما ذكره في الفصل المختصّ ببيان ما تشترك فيه الأقسام الأربعة. ولعلّ وجه التكرار أنّ الغرض تعلّق في المقام ببيان درجات خبر الواحد، فلامحيص من بيانه لأنّ من درجاته: المستفيض، والعزيز، والغريب، ولكن الغرض في البحث الآتي تعلّق بتبيين ما هو المقبول و المرفوض ببيان ما تشترك فيه الأقسام الأربعة أو بعضها في الصفات والأحكام، ومن صفات خبر الواحد بأقسامه الأربعة كونه غريباً، كسائر صفاته من كونه مسنداً ، متّصلاً، مرفوعاً و...... فاقتضت تلك المناسبة تكراره.

صفحه 39
الداماد (ت1040هـ) بالرواية التي يرويها راو واحد في الطبقة الاُولى، واثنان في الطبقات اللاحقة(1).
ثمّ إن كان الإنفراد في أصل سنده فهو الفرد المطلق وإلاّ فالفرد النسبيّ لأنّ التفرّد حصل بالنسبة إلى شخص معيّن، مثال الأخير:
إذا روى الكليني تارة عن طريق أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن ابن محبوب، واُخرى عن طريق علي بن مهزيار، عن الحسن بن محبوب، وثالثة عن طريق إبراهيم بن هاشم عنه، فهذا الخبر غريب لأنّ الحسن بن محبوب الذي انتهت إليه المسانيد راو واحد، سواء نقل هو عن واحد أيضاً أو نقل عن الكثير، وبذلك ظهر معنى قولنا «وإن تعدّ د الطريق إليه ومنه».

تقسيم خبر الواحد إلى المحفوف بالقرينة وعدمه:

الخبر الذي لم يبلغ حدّ التواتر تارة يكون مجرّداً عن القرائن فلا يفيد العلم غالباً، واُخرى يكون محفوفاً بها كما إذا أخبر شخص بموت زيد، ثمّ ارتفع النياح من بيته وتقاطر الناس إلى منزله، فهو يفيد القطع و اليقين، وقد كثر النقاش في إفادته اليقين بما لا يرجع إلى محصّل، و كأنّ المناقشين بُعداء عن الأحوال الاجتماعيّة التي تطرأ علينا كلّ يوم، فكم من خبر تؤيّده القرائن فيصبح خبراً ملموساً لا يشكّ فيه أحد.
إلى هنا خرجنا ببيان أقسام الخبر من حيث هو خبر، فحان حين بيان اُصوله التي يدور عليها قبوله ورفضه، وهي الأربعة المعروفة.

1 . المحقّق الداماد: الرواشح السماويّة ص130.

صفحه 40
وذلك ببيان مقدّمة وهي: أنّ الخبر المنقول لا يخرج عن كونه مقبولاً أو مردوداً أو مشتبهاً، فما اجتمعت فيه شرائط الحجّية فهو المقبول، وأمّا ما لمتجتمع فيه شرائطها فإمّا أن يعلم فقدانه لها فهو مردود، وما لم يحرز حاله فهو المشتبه، وفي الحقيقة هذا القسم الأخير ملحق بالمردود.
ثم إنّهم اختلفوا في سعة الحجّية وضيقها، فمنهم من يعمل بالصحيح الأعلائيّ، و آخر يعمل بالصحيح فقط ، أو هو مع الحسن فقط، ومنهم من يعمل بهما وبالموثّق، ولذلك يجب علينا تبيين مفاهيمها وحقائقها حتى يتميّز كلّ قسم عن مقابله، والمعروف أنّ أحمد ابن طاووس (ت 673هـ ) هو واضع ذلك الإصطلاح، قال صاحب المعالم: «ولا يكاد يعلم وجود هذا الإصطلاح قبل زمن العلاّمة إلاّ من السيد جمال الدين ابن طاووس ـ رحمه اللّهـ»(1) ومنهم من ينسب التقسيم إلى العلاّمة، والحق إنّ هذا التقسيم على وجه الإجمال كان موجوداً بين محدّثي العامّة، فالحديث عندهم إمّا صحيح أو غير صحيح، غير أنّ التقسيم على وجه التربيع وتبيين خصوصيّة كلّ قسم منها حدث من زمان السيد ابن طاووس ودعمه تلميذاه: العلاّمة الحلّي وابن داود، وهذا يدفعنا إلى إفراد فصل لهذا.
نعم توجد بعض المصطلحات في كلمات الشيخ الصدوق و السيّد المرتضى في الذريعة، والطوسي في العدّة، و لعلّها صارت ذريعة للسيّد ابن طاووس للقيام بهذا التقسيم.

1 . حسن بن زين الدين: منتقى الجمان: 1/13.
Website Security Test