welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : مصدر الوجود بين العلم والفلسفة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مصدر الوجود بين العلم والفلسفة

صفحه 1
   
    مصدر الوجود بين العلم والفلسفة
مصدر الوجود
بين
العلم والفلسفة

صفحه 2

صفحه 3
مصدر الوجود
بين
العلم والفلسفة
تأليف
العلاّمة المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني
نقله إلى العربية
الأُستاذ جعفر بهاء الدين
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
   مصدر الوجود بين العلم والفلسفة / تأليف جعفر السبحاني; مترجم جعفر بهاء الدين . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1392 .
   104 ص.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 527 - 4
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
اين كتاب در سالهاى مختلف توسط ناشرين متفاوت منتشر شده است.
كتابنامه بصورت زيرنويس.
   1 . خدا ـ ـ اثبات. الف. بهاء الدين، جعفر، ـ ، مترجم. ب. موسسه امام صادق(عليه السلام). ج. عنوان.
6م 2س2/ 217 BP    42 / 297
1392
اسم الكتاب:   … مصدر الوجود بين العلم والفلسفة
المؤلف:   … العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
نقله إلى العربية:   … الأُستاذ جعفر بهاء الدين
الطبعة وتاريخ الطبع:    …الأُولى 1392 هـ ش / 1434 هـ . ق / 2013 م
المطبعة والناشر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   … 104 صفحة
القطع:    …رقعي
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:794   تسلسل الطبعة الأُولى: 409
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7

المقدّمة

في الوقت الذي تسعى المدارس الإلحادية بشتّى صورها إلى بثّ أفكارها وفلسفتها السقيمة، وينحصر تحقيق غرضها بإبعاد شبابنا عن الدين، وجعلهم بعيدين عن كلّ قيد والتزام، وذلك بأقوالهم التي لا تبتني على أساس رصين; نشاهد فئةً من كبار المفكّرين والعلماء في مختلف العلوم الطبيعية يقدّمون أدلّتهم الكافية لإثبات وجود الخالق أوّلاً، ومن ثم ضرورة الدين لكافة البشر. فلولاهما لم تتحقّق للبشرية سعادتها واطمئنانها. فهم يذهبون في ذلك مذهب العقل باستدلالاتهم المنطقيّة، أضف إليهم علماء الدين الذين ينهجون في طريقهم هذا، النهج الفلسفي، وقوامه العقل أيضاً .
والكتاب الذي بين أيدينا ـ الذي يقع في أربعة عشر فصلاً ـ هو محاولة جادة لإثبات وجود الله جَلَّ وعلا على النهج الذي ذُكر آنفاً. وذلك بسرد مجموعة من الحقائق العلميّة الثابتة، ومن ثم

صفحه 8
تقديم الدلائل اللازمة، ليذعن الطرف الآخر إذعاناً صادقاً بأنّ الكون ليس حصيلة الصدفة العمياء كما يزعمه بعض المفكّرين، ويحاول المؤلّف أنّ يلم إلماماً كافياً بكلّ، فصل حتى يخلص إلى نتيجة قطعية.
آمل أن يقع الكتاب هذا موضع القبول والرضا لمن يروم الوصول إلى الحقيقة دون شبهة أو ترديد.
ونسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل، وأن يثّبت أقدامنا، والحمد لله أوّلاً وآخراً.
المترجم
جعفر بهاء الدين

صفحه 9

1

الفطرة خير دليل إلى التوحيد

منذ أن دوّن البشر أفكاره وخواطره، استطاع أن يسجّل ويحتفظ بأحاسيسه وأفكاره، وعواطفه تبعاً للوسائل المتوفرة في كلّ عصر، ومن خلال تلك الآثار، يلاحظ أنّه كان يعتقد بوجود خالق للكون، في جميع تلك الفترات والأدوار.
ولكنّه مع هذا كلّه، قد اشتبه عليه أحياناً تشخيص ضالّته. فكان يلتجئ تارة إلى الأجرام السماوية بما فيها من شموس ونجوم ويعتبرها هي الخالقة والمدبّرة، وأُخرى كان يستسلم ويخضع أمام الأصنام الخشبيّة أو المعدنّية. إلاّ أنّ هذا البحث والتنقيب المتلاحق طوال التأريخ البشري يهدينا إلى حقيقة معيّنة، هي: إنّ الإنسان مجبول بطبيعته وغريزته على العبودية لإله.
إنّ الإنسان ومن دون أن ينتمي إلى مدرسة، أو يتأثر بتعاليم

صفحه 10
الفلاسفة والمفكّرين ورسل السماء، نراه ـ من حيث يشعر أو لا يشعر ـ يتابع فكرة «العالم لابُدَّ له من خالق». فأحياناً كان يصل إلى الخالق الحقيقي، وتارةً وعلى إثر تفكيره الضيّق كان يستسلم إلى الوهم بدلاً من الحقيقة. ويعتقد بإلهه المصطنع عوضاً عن خالقه الواقعي. وكان يجاهد ويكافح في سبيل عقيدته، وكان يبدي ثباته على هذا الطريق، ويبذل المزيد من الأموال لغرض تكريم تلك العقيدة وتعظيمها. فتراه مستسلماً لعبادتها بمظهر من الخضوع والخشوع ملازماً لها في كل صباح ومساء.
ومن دون أن يتوجه إلى الأُسس الفلسفّية (والتي تقتضي بأن يكون لكلّ معلول علّة، أو أنّ كلّ ظاهرة تابعة لعوامل معيّنة هي سبب لوجودها)، ويعتقد بها، نجده ومن دون اختيار يشعر في نفسه بخالق يستحق العبادة ويعتقد بذلك. وكان يبحث عن هذا الموضوع في دائرة الفطرة والغريزة.
إنّ موضوع العلّة والمعلول هو موضوع نظري وفكري. فالعلماء بعد الخوض فيه يهتدون إلى وضع فرضيّة علميّة أو فلسفيّة لذلك. في حين أنّ التاريخ يرشدنا إلى أنّ معرفة الله وعبادته أقدم بكثير من ظهور العلم والفلسفة. وأنّ الاعتقاد بوجود خالق وعبادة غيره بشتّى الأشكال والصور تتصل بزمن بعيد جداً.
وقد شُوهد في الحفريات والتنقيبات التي أُجريت في بقاع

صفحه 11
مختلفة، أنّ أقواماً عاشت قبل ظهور العلم والمسائل الفلسفيّة، كانت تعتقد بوجود خالق للكون ومصدر للحوادث، وذلك من خلال الخطوط والنقوش والأصنام، التي كانت تعتبر مظهراً للعلاقة بين الله والبشر. والتي عثروا عليها في تلك الآثار.
كلّ هذه الشواهد تشير إلى أنّ الاعتقاد بوجود الله، خالق العالم وموجد الكون موضوع فطري في جميع الأدوار التي عاشها الإنسان. وهو لم يستعن في نهجه وسيره هذا بمعلم أو مرب. ويلاحظ أنّ البشر من دون أن يجلب انتباهه قانون العلّة والمعلول نجده يتّجه بحكم الفطرة والغريزة إلى هذا الاعتقاد.

ما هو المقصود من أنّ التوحيد أمر فطري؟

كي يتّضح الموضوع أكثر للقرّاء الأعزّاء، نبيّن بإيجاز ما هو المراد بفطرية بعض الأُمور. إنّ القصد من فطرية أي كائن حي، هو أنّ الدافع والمحرّك له لا يكون إلاّ من ذاته، لا من عامل خارجي يدفعه إلى إنجاز ذلك العمل. وعلى سبيل المثال، نشاهد الفتيات في صغرهنّ يبدين علاقتهن ورغبتهنّ الخاصة لحضانة الطفل وتربيته، ويلاحظ أنّ كلّ فتاة تصنع «دُميّة» لها وتعتقد وتتظاهر أنّها بنتها، وتصنع لها الملابس وتتظاهر بإرضاعها إلى غير ذلك.. وتبدي عنايتها بها وكأنّها الأُم حقيقةً. إنّ عملها هذا لم يكن سوى ما تقتضيه فطرتها.

صفحه 12

أمثلة أُخرى:

وممّا يلاحظ أنّ كلاًّ من الرجل والمرأة وفي سنين معيّنة يشعرون بتمايل أحدهم إلى الآخر فطرياً.
إنّ هذا التجاذب لا يتحقّق لولا الدافع الذاتي.
وكذلك الغرور والنخوة وحب الجاه والمقام مع اختلاف مراتبه يظهر في الإنسان وفي شروط خاصة.
إنّ صنع زنبور العسل خلية سداسية الشكل لا يتعدّى موضوع الفطرة.
وقس على ذلك النمل والعث وكثيراً من الحشرات عند سعيها لبناء بيوتها ومستقراتها بشكل يثير الغرابة.
إنّ هذه الظواهر وعشرات مثلها تعتبر من الأعمال الفطرية، ويمكنكم أن تلمسوا هذا الأمر في مسألة التوحيد (سواء أكان الشخص موحّداً أو ملحداً).
وخير دليل على ذلك عندما تنقطع السبل وتبطل جميع العلل والأسباب عن الحركة وتكون عاجزة عن العمل. في هذا الموقف المحرج نجد الإنسان ومن دون اختيار يطلب يد العون والمساعدة من نقطة مجهولة الكنه (غير معروفة) وهو على يقين من أنّ تلك القدرة وتلك الحقيقة المجهولة إذا أرادت أنّ تستنقذه

صفحه 13
من المأساة المترقّبة لاستطاعت.
وأحياناً يقع الإنسان في خطر بحيث تقترب المسافة بين الموت والحياة، ففي هذه اللحظة بالذّات ينبثق توجهٌ خاصٌ من ذات نفسه إلى قدرة غير متناهية يطلب منها العون والمساعدة. ولا فرق في ذلك بين الموحّد والملحد.
لنفترض أنّ جماعةً من قوميات وعقائد شتّى، استقرت في طائرة، وقد حَلَّقت على اليابسة والمحيطات، وبعد برهة ينفتح باب القيادة (قيادة الطائرة) بصورة مفاجئة، وتعلن المضيّفة وبوجهها الشاحب وأعصابها المتشنّجة وصوتها المختنق، تعلن عن الخطر المداهم للطائرة بسبب توّقف أحد الأجهزة الحساسة للطائرة عن العمل، ومتى لم يُبذل السعي اللازم والمساعدات الكافية من الخارج والداخل، فإنّ سقوط الطائرة وتحطمها أمر قطعي دون تردّد; ففي هذا الوقت يلاحظ أنّ حجب الغرور والنخوة قد زالت وحجب الأوهام والجهل قد انجلت عن الفطرة. وترى القلب مضطرب في ضرباته، ومن أوساط تلك الأوهام والحسرات تتجه النفس نحو مستقر لها لتطمئن إليه. وتعتقد أنّه يستطيع أن ينقذها من هذه المهلكة والخطر المحدق. وتستغيث بأن يخلّصها من الموت المحتَّم. وما هذا المستقر إلاّ الله جلّ وعلا.
إنّ ذلك الملجأ وتلك القدرة اللامحدودة التي يستعين بها

صفحه 14
الإنسان في هذه اللحظات هو ذلك الخالق للكون وللإنسان والذي تعرّف عليه بالفطرة معرفة كاملة. ومتى ما زالت هذه الحجب، كحجاب حب الذّات وغيره عن بصيرته تجلّت له تلك الحقيقة وتنّور بها القلب. ويبقى هكذا حتى يغفل ثانية بطغيانه، وبذلك تُسدَل الحجب ويُعاد الظلام ثانية إلى القلب.
إنّ التوحيد أمر فطري ويظهر ذلك جلياً من خلال أقوال أئمة المسلمين والعلماء العظام عند تعرضهم لهذا الموضوع.(1)
إنّ المفكّرين ومؤسّسي العلوم والمعارف، يعترفون صراحة بذلك.
يقول جان جاك روسو: إنّ معرفة الله سبحانه لم تكن لتقتصر على العقل والتشكيك والأوهام، فإنّ الشعور والإحساس الفطري خير سبيل لإثبات ذلك.
ويقول ماكس مولر: إنّ الإحساس اللامتناهي لإدراك قوة غير محدودة يهدينا إلى الاعتقاد بالدين (التوحيد الاستدلالي).

1 . إنّ القرآن الكريم يشير إلى مَن يركب السفينة حين تواجههم الأمواج المتلاطمة والتي أخذت تقذف بباخرتهم يمنة ويسرة تلاعبها كالورقة. قال تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) (العنكبوت: 65) أي كلّما ركبوا البحر لم يطلبوا العون إلاّ من الله، وما أن يصلوا إلى الساحل يعودون إلى كفرهم.

صفحه 15
ويقول أنشتاين: إنّ عقيدتي وعبادتي عبارة عن ثناء غير لائق بالنسبة إلى روح لائقة غير متناهية.
وممّا تقدّم يتّضح لنا أنّ موضوع عبادة الله أمر فطري، لم يكن الإنسان ليستمد إيمانه من أُسس فلسفية أو قوانين علمية مدوّنة، بخلاف التوحيد الاستدلالي الذي يدور على البراهين العقليّة والعلميّة، ولابد من التمييز بين هذين الموضوعين.

صفحه 16

2

الماديّة والنَّهج الفلسفي

إنّ البحوث العلميّة والفلسفيّة في كلّ الأدوار تشير إلى هذه الحقيقة: وهي أنّ المدرسة الماديّة لم تكن لتعتمد يوماً على نهج علمي فلسفي. وأنّ جميع المؤسّسين للمدارس الفلسفيّة، سواء في القرون الوسطى عند اليونان أم في العصر الإسلامي موحّدون على الإطلاق. ويمكن القول بأنّ في تلك الفترات لم تكن لتوجد فيها جمعية أو منظمة تتصف بالماديّة أو الإلحاد.
وهذا لا يعني عدم ظهور بعض المشكّكين الذين أعربوا عن عدم اقتناعهم بأدلّة الموحّدين والمؤمنين بالغيب، بل لا نتخطى الصواب لو قلنا عن هؤلاء بأنّهم كانوا في حالة تردّد لا إنكار، وما أقلّ ما يذكر لنا التأريخ عن وجود منكرين.
نعم، في ذلك اليوم الذي تحرّك فيه الغرب، بدأ التحقيق العلمي في جميع نقاط أُوربا، وتخلّص المفكّرون من نير استعمار

صفحه 17
الكنيسة، واستطاعوا أن يحطّموا القيود التي أوجدها «البابا» أمام المفكّرين والتي تمثّلت في دائرة تفتيش العقائد، ومن هنا وبمساعدة من علماء الطبيعة المدافعين عن هذه الفكرة ظهرت المدرسة المادية كرد فعل لهذه الأحاسيس التافهة.
ومن ثم اتّخذت صبغة فلسفية، فأصبح له دويّ وصدى في جميع أنحاء العالم. ووصل في القرن التاسع عشر الميلادي إلى أوج عظمته، ولم يمض زمن على بنائه الشامخ حتى هُدّمت أركانه وزلزلت أُسسه على يد المفكّرين وعلماء اليوم. وبذلك بطلت فكرة «عدم توافق العلم وعبادة الله» وقد ظهرت هذه الفكرة منذ القرن الثامن عشر واستمرت حتى أوائل القرن التاسع عشر، وانتهت إلى حيث لا رجعة لها، وبذلك اتضح جليّاً مدى توافق وتجاوب العلم مع الدين، والاعتقاد بالقوى الغيبيّة.
وإليكم أقوالاً لهؤلاء العلماء والمفكّرين:

1. رسالة من دارون

الكلّ يعرف العالم الشهير «دارون» وكان من أحد علماء الطبيعة في القرن التاسع عشر. وقد دَوّى صدى فرضيته حول تطوّر الأنواع في العالم. ومن المؤسف أنّ شبابنا اليوم يعتقدون بأنّ دارون من دعاة المادّية عندما أبدى نظريته هذه. في الوقت الذي

صفحه 18
نراه ـ كبقية العلماء والمفكّرين العظام ـ يقف خاضعاً أمام تلك القدرة اللامتناهية، وينقطع خاشعاً أمام خالق الأجرام السماوية، وأمام صانع هذا النظام البديع، الذي حيّر العقول بما أودعها من أسرار مكنونة.
إنّ تقدّم العلوم الطبيعية لم تقلّل من إيمانه واعتقاده الراسخ بإله الكون، بل أصبح إيمانه أكثر رسوخاً ورصانةً. وأُصول الإعتقاد عنده تشمل مجموعة من المقدّمات المتّفق عليها عقلاً.
فنراه حينما يحرّر رسالة إلى أحد زملائه من علماء الألمان في سنة 1873م، يشرح فيها اعتقاده وإيمانه بالله سبحانه بالشكل التالي:
لا توجد أية شبهة لدى العقل الرشيد والفكر السليم لينكر الخالق لهذا الكون الرحب، بما فيه من آيات وشواهد متقنة، وما يحتويه من نفوس ناطقة وأنّها وُجدت على إثر الصدفة العمياء. لأنّ الصدفة لم تكن بقادرة على إيجاد هذا النظام، وإنّما يدلّ دلالة واضحة على حكمة صانعه.

2. رسالة من باستور

يعتبر باستور من أبرز الروّاد لعلم الطب الحديث، وقد أسدى خدمة كبرى إلى الطب والمجتمع الإنساني باكتشافه أعدى

صفحه 19
أعداء الإنسان وهو الميكروب. وبعد أن رفع الستار عن أسرار العدوى في الأمراض، وعرض اكتشافه القيّم على ميدان العلم، نجده يشير إلى عقيدته الدينيّة بعبارة موجزة:
إنّ عقيدتي بالدين وعبادة الله قد ازدادت عمّا كنت عليه سابقاً.

3. ماذا يقول كبار علماء عصر الذرّة؟

الكلّ يعرف اسم العالم والمفكّر الشهير في عصر الذرّة، «أنشتاين» وقد استطاع بنظريته النسبيّة أن يحدث بعض التغييرات في علم الفيزياء، ويمكن التعرّف على مدى إيمانه بالله تعالى من خلال أقواله: منها:
من النادر أن نجد شخصاً ذا أفكار علميّة عميقة لم يكن لديه إحساسٌ دينيٌ خاصٌ، لكن اعتقاده هذا يختلف عمّا عليه عامّة الناس. إن إحساسه وشعوره الديني غالباً ما يكون بشكل ما نراه متحيّراً مستغرقاً في التفكير أمام وحدة القوانين الطبيعية، والوحدة هذه تدلّ على عقل مدبّر عظيم، وتعتبر جميع تأمّلات الإنسان وتفكيره وأعماله بالنسبة إلى عالم الوجود شيئاً تافهاً; ويضيف قائلاً: توجد في عالم الغيب قوّة عاقلة قادرة. والعالم دليل على وجودها.

صفحه 20

4. الدكتور الكسيس كارل

الحائز على جائزة «نوبل» يقول: إنّ العالم المادي على الرغم من سعته الفائقة يعتبر ضيّقاً جداً بالنسبة للإنسان، إذ أنّ محيطه الاجتماعي والاقتصادي لا يناسبه، علماً بأنّه قد تعرّف على كنه وحقيقة الإلكترونات من جانب، ورمى بطرفه نحو الأفلاك وعرف ما كان يجهله باكتشاف الكواكب والسيارات، وذلك بدقة عمله العلمي. فالإنسان وإن كان قد خلق متناسباً مع الجبال والمحيطات والأنهار التي على الأرض، إلاّ انّه مرتبط بعالم آخر خارج عن دائرة الزمان والمكان اللّذين يعيش فيهما.

5. سيرجيمز جينز

يقول جينز: إنّني أُشير إلى موضوع الخلقة بعنوان نظرية علميّة، إنّ عالمنا هذا من صنع ذكاء عظيم وقدرة ذكية في غاية من الذكاء ومنتهاه. ويظن أنّ الأفكار العلمية تسير نحو الرقي في هذا العالم.

6. لورد كلوين

ويعتبر من المبرّزين في علم الفيزياء، يقول: لو فكرتم مليّاً في علومكم، فسوف يقودكم هذا التفكير إلى الإيمان بالله.

صفحه 21
إكتشاف العلل الطبيعية للكائنات لا يتعارض ومعرفة الله   

3

إكتشاف العلل الطبيعية للكائنات

لا يتعارض ومعرفة الله

يعتقد الماديّون أنّ يد العلم والمعرفة قد أزالت جميع الحجب عن عالم المجهولات للبشرية، ولم تدع هناك بقعة ظلماء في عالم الكون إلاّ أضاءتها بنور العلم.
ومن هذه المقدّمة الخاطئة يستنتجون مقدّمة أُخرى، وهي: بعد أن اكتُشفت الخفايا المكنونة في الطبيعة لم تعد هناك حاجة إلى الله وإلى عالم ديني، وما وراء الطبيعة. إنّنا في وقت ما كنّا بحاجة إلى الإعتقاد بالله عندما كنّا نجهل العلل والحوادث في الطبيعة، أمّا اليوم وبفضل العلم وتقدّمه قد اكتشفنا تلك العلل واطلعنا عليها سواء الجوّية منها أو الأرضيّة.
واطّلعنا أيضاً على العامل الذي كان يسبّب الأمراض «الميكروب»، وعرفنا كذلك العوامل المسببة للزلزال والمطر وغيره.

صفحه 22
وبعد سياق هذه المقدّمات استنتجوا أنّ الإنسان بعد اكتسابه العلم والمعرفة لهذه العلل والأسباب تنتفي حاجته إلى الله تعالى.
إنّ الله كان يقوم مقام هذه العلل والأسباب في الأدوار السالفة وكان يُدعى بـ «العلل المجهولة»، هذه هي مقولتهم!

سلّم العلم قصير

وقبل أن نشرع بتفنيد النتيجة التي حصلوا عليها من هذه المقدّمات، ننقل، إليكم أقوال بعض المفكّرين والعلماء في عصرنا الحديث، كي يتّضح جليّاً أنّ علم الإنسان وإدراكه ضئيلٌ جداً بالنسبة إلى أسرار الطبيعة وخفاياها.
إنّ هذه المحيطات اللامتناهية من الأنظمة الطبيعية لا تزال في ظلمات أمام جهل الإنسان، ولم يستطع الإنسان بكل ما أُوتي من علم وقوة أن يغور فيها سوى بضع خطوات.
أ. سُئل العالم المعروف المعاصر «أنشتاين» ـ بعد كشفه عن أسرار الذرّة ـ ما هي نسبة معلوماتك إلى مجهولاتك؟ فأجاب وهو واقف بجانب سُلّم قصير في مكتبته، قائلاً:
إنّ النسبة تشابه نسبة هذا السُّلّم إلى فضاء العالم اللامتناهي، ويريد بذلك أنّه لم يرتق من سُلّم العلم عدا الشيء اليسير. ولم يخط في مضمار العلم سوى النزر اليسير.

صفحه 23
ب. يقول والتر اوسكار لندربرج: إنّ العلوم البشرية لا زالت في مراحلها الإبتدائية، إذ في الوقت الذي يقيس الإنسان حجمه مع حجم الأجرام السماويّة، والمسافات بين النجوم، يجد نفسه جرماً صغيراً، ونسبته هذه تافهةً للغاية كما هو واضح.
ج. وممّا حرّره يول كلارنس ابرسولد (المتخصّص في الفيزياء الذريّة والفيزياء الحياتية وخاصية الإشعاعات النيوترونية والإيزوتوبية) في مذكّراته:
كنت أعتقد في السابق أنّ العلم يوماً ما سوف يكتشف كلّ شيء. ولكن كلّما تقدّمت في دراستي، وأخذت استعرض الكائنات من الذرة إلى الأجرام ومن الميكروب إلى الإنسان، أيقنت أنّ هناك الكثير الذي لا يزال في عالم المجهولات.
إنّ العلماء باستطاعتهم دراسة كيفية وكمّية الأجسام، ولكن يستحيل عليهم أن يبيّنوا علّة وجودها وعلّة خاصيتها.
د. يقول العالم الطبيعي ايروينج ويليام نبلوج: إنّ العلم يسعى لإتمام فرضياته كي يقترب من الحقائق، ولكنّه يبدو كلّما حاول الإقتراب من الحقائق إزداد عنها بعداً. إنّ إدراكنا من هذا العالم يتمّ بواسطة حواسّنا الناقصة، وأدواتنا غير الدقيقة وغير الحسّاسة.
لا يستطيع العلم أن يحدّثنا عن جسم صغير جداً «الذرة»

صفحه 24
والتي يصعب رؤيتها حتى بالمجهر، من أين أتت، ولا يستطيع أيضاً أن يعيّن على أي قانون أو صدفة ترغم الذرات على أن تجتمع مع بعضها البعض كي ينشأ منها جسم حي.
نقتصر بما قلناه، ونعود بكلامنا إلى النتيجة التي حصلوا عليها من المقدّمات (على فرض صحّتها).

وجه الإشتراك بين الموحّد والملحد

على الرغم ممّا ينسبه الماديون إلى الموحّدين من أقوال سقيمة، فإنّ الموحّدين يحترمون آراء علماء الطبيعة، وإنّ معظم مؤسّسي العلوم الطبيعية موحّدون، وهم معتقدون بأنّ جميع التفاعلات والحوادث وغيرها من الظواهر الطبيعية تسير وفق مجموعة من القوانين الطبيعية، واستطاع الإنسان أن يحقّق آماله باكتشافاته وسيستمر في طريقه هذا بإزالة الحواجز والاطّلاع على أسرار الطبيعة.
وكلّ من المادّي والموحّد يعترف بأنّ كلّ جزء من عالمنا، بل وكلّ جزيئة تنطوي على نظام خاص، ولا تقل من حيث التعقيد في أجزائها عن المكائن الضخمة التي تنصب في المعامل، بل أكثر منها تعقيداً ودقة، وتعتبر كلّ ظاهرة في الحياة منشأ لظاهرة تليها، تحل محل الأُولى.

صفحه 25
ويستنتج ممّا تقدّم مدى توافق الطرفين. وأمّا اعتقاد الموحّد بقوى ما وراء الطبيعة لم يكن ناتجاً عن إنكاره وعدم توجّهه إلى العلوم الطبيعية والعلل المادّية، بل إنّه يعترف بكلّ ذلك أضف إليه اعتقاده وإيمانه بالله سبحانه.
ومن هنا ينشأ الاختلاف في الإجابة عن سؤال واحد، وتظهر بذلك مدرستان فلسفيتان ذات آراء متضادّة.

وجه الاختلاف بين الموحّد والملحد

بعد طرح السؤال التالي:
مَن هو المسبّب لهذه الظواهر الطبيعية؟ وما هي القدرة الخلاّقة لملايين الماكنات بمختلف أحجامها وأشكالها في عالم الأحياء؟ في حين أنّنا إذا شاهدنا ماكنة بسيطة من صنع البشر حكمنا بوجود صانع لها. إذن من هو الصانع لهذه المجاميع من الكائنات والتي تعتبر أكثر تعقيداً من تلك بآلاف المرات؟ ومن هو خالق الخليّة الحيوانيّة ذات الأجزاء والتراكيب المعقدة؟ مَن هو الموجد لعشرات الملايين من الأجرام السماوية والتغييرات الأرضيّة وفق محاسبة دقيقة ونظم خاصة؟
إنّ هذه الأسئلة وغيرها تطرح نفسها عند تصوّرنا لأيّة ظاهرة من الظواهر الكونيّة.

صفحه 26
وعند الإجابة عن السؤال المتقدّم، يتّضح مدى اختلاف كلّ منهما والنتائج التي يحصلون عليه.

جواب المادّيين عن السؤال المتقدّم

إنّ العالم حادث عن التقاء الذرات الأُولى مع بعضها البعض، والكون بأسره لم يكن سوى مظهر لالتقاء الجزئيات المختلفة بالصدفة. ولم يستعن بعقل مدبّر في أية ظاهرة منها، والصدفة هي وحدها التي أوجدت جميع ما في هذا الكون.
والمادّيون الذي عاشوا قبل باستور، وقبل أن توجد القاعدة العلميّة :«كلّ جسم حي لا يوجد من تلقاء نفسه ولا من جماد» كانوا يظهرون عقيدتهم هكذا:
«إنّ أوّل مادة جامدة في العالم خُلقت بعد تفاعل الغازات الحارّة بالشكل التالي: انبسطت الغازات المذكورة وبأحجام متزايدة في بداية الأمر، وبعدها ظهرت بصورة مبعثرة وحصلت من جراء ذلك صفوف منتظمة من الأجرام السماويّة، ومنذ ذلك الوقت وجدت الحياة على هذه الشاكلة.
فهذا برتراندرسل والذي يعتبر من زعماء المذهب المادي في العصر الحاضر، يلخّص اعتقاده بشأن الخلقة قائلاً:
إنّ البشر مولود وحاصل عن عوامل متعدّدة، ولم يُستخدم

صفحه 27
في تكوينه أي تدبير أو أية غاية. إنّ أصل الإنسان يشابه عواطفه، كالأمل والخوف والحب والعقيدة، وما هذه الأُمور إلاّ مظهراً من مظاهر التقاء الذرات المختلفة بالصدفة.
وخلاصة ما يذهب المادّيون إليه: أنّهم يلتجئون إلى الصدفة أو ظاهرة التصادف في حلّ هذه المشكلة، ويعتقدون أنّ العالم بأسره وليد الصدفة العمياء، كما أنّ النظم القائمة في عالم الطبيعة ناتجة عن خواص المادة وطاقتها، والحقائق بشكلها المبسّط ما هي إلاّ نتاج للعمل والطاقة والزمان والمكان.
ولكي تتّضح نظريتهم وعقيدتهم أكثر، إليكم المثالين التاليين:
1. إن حاسّة اللمس لدى الإنسان ما هي إلاّ اتّصال كهربائي حادث بين محلّ اللمس والمحرك الخارجي، وينتقل إلى المخ بواسطة الأعصاب، والمخ بذاته يعتبر شبكة كهربائية ومركزاً للجهاز العصبي.
2. حدوث «قوس قزح» في السماء ما هو إلاّ نتيجة لاحتراق أشعة الشمس وانكسارها من خلال قطرات المطر. وللمادّيين بعض التأويلات والتفسيرات للأُمور الأخلاقية والنفسيّة.

صفحه 28

جواب الموحّدين عن السؤال المتقدّم

إنّ البحوث العلميّة إلى وقتنا هذا والمتعلّقة بنظام الكون تدفعنا وبدون اختيار إلى عقيدة معيّنة، وهي أنّ النظم هذه لابدّ لها من موجد وخالق، ويستحيل على عامل الصدفة أن يُنشئ مثل هذا النظام البديع، والصدفة عاجزة عن أن تخلق خلية واحدة بما فيها من أجزاء معقّدة فكيف تستطيع أن تخلق الملايين من هذه الخلايا؟!
وإن كلّ جزء من عالمنا يشابه لوحة لرسام، استطاع بقدرته و مهارته أن يظهر لوحته بمظهر لائق ومتميّز.
إنّ في كلّ صفحة من صفحات كتاب الطبيعة، بل في كلّ سطر من أسطره الذهبيّة دلالة بارزة على وجود خالق قادر ماهر حيث استطاع بمنتهى الدقة أن يحرّر هذا الكتاب الكبير.
فهل الصدفة ياترى قادرة على أن تخلق مثل هذا الكتاب الحاوي على ملايين الأسرار والرموز؟!
وأمّا فرضية انفجار المادة الأُولى والتي يعتمد عليها المادّيون في أقوالهم، فيردّه أحد العلماء الموحّدين وهو البروفسور: «أدوين كونكلين» بقوله: إنّ هذا الافتراض لا يختلف عن قولنا: إنّ قاموساً لغوياً ضخماً أنتجته المطبعة إثر انفجار فيها.

صفحه 29
إنّ نظام الكون الدقيق يجعل العلماء يتنبّأون بحركة السيارات والأقمار الصناعية، ويعبّرون عن الظواهر الطبيعية بمعادلات رياضيّة.
إنّ وجود هذا النظم في الكون بدلاً من الفوضى، لدليل واضح على أنّ هذه الحوادث تجري وفق قواعد وأُسس معيّنة، وهناك قوّة عاقلة مهيمنة عليه.
ولا يستطيع كلّ من أُوتي حظاً من العقل أن يعتقد بأنّ هناك مادة جامدة فاقدة للحس والشعور، وعلى أثر الصدفة العمياء منحت نفسها النظام، وبقيت ولا تزال تحافظ عليه!!

أقوالٌ لبعض العلماء حول الإيمان بالله

قال العالم «كلودم هزاوي» مصمّم العقل الإلكتروني:
«طُلب منّي قبل عدّة سنوات بتصميم آلة حاسبة كهربائية، تستطيع أن تحل الفرضيّات والمعادلات المعقّدة ذات البعدين، واستفدت لهذا الغرض من مئات الأدوات واللوازم الالكتروميكانيكيّة، وكان نتاج عملي وسعيي هذا هو «العقل الالكتروني» وشرع بالعمل بعد أن وضع في غرفة صغيرة تابعة إلى اللجنة المشاورة للخطوط الجويّة الوطنية لمدينة «لنجى فيلد».
وبعد سنوات متمادية لإنجاز هذا العمل وتحمل شتّى

صفحه 30
المصاعب وأنا أسعى لصنع جهاز صغير، يصعب عليَّ أن أتقبّل هذه الفكرة وهو أنّ الجهاز هذا يمكن أن يوجد من تلقاء نفسه دون حاجة إلى مصمّم.
إنّ عالمنا مملوء بأجهزة متعدّدة، مستقلة لذاتها ومتعلّقة بغيرها في الوقت ذاته، وتعتبر كلّ واحدة منها أعقد بكثير من العقل الالكتروني الذي صنعته. وإذا استلزم أن يكون مصممٌ للعقل الالكتروني هذا، فكيف يمكننا إذن أن ننفي هذا القول بالنسبة إلى أجسامنا بما فيها من خواص حياتية وأعمال فيزياوية وتفاعلات كيماوية. فلابد من وجود مصمّم حكيم خالق لهذا الكون والذي أنا جزء حقير منه.
كلمة لأدموند كارل كورنفلد:
كلّما يزداد عملي وتزداد تجاربي في المختبر، يزداد إيماني رسوخاً وشدةً، في حين أُفكّر حائراً في بعض زملائي الذين ينكرون وجود الله، فإنّ اعتقادهم لا يزال لغزاً عندي، إذ كيف لا يعتقدون بالله مع ما يشاهدونه من الدلائل الجليّة، وعلى سبيل المثال، أفعال الخليّة الحيوانية، فهي في غاية من التعقيد ومثارة للإعجاب، فإذا ما طرأ عليها أدنى اختلال، أدّى ذلك إلى مرض الحيوان، والحقيقة يستحيل على خليّة حيوانية بما فيها من تعقيد أن تسيّر حياتها معتمدة في ذلك على نفسها.

صفحه 31
وفيما تقدّم اتّضح لنا فكرة كلّ من المدرستين المتضادتين، ويستلزم قبل التعرّض إلى موضوع النظام في الكون، الإشارة إلى ملاحظتين أساسيّتين:
الأُولى: هل أنّ أصل قانون العليّة والمعلوليّة أصل علمي دقيق؟
الثانية: ما هو الفرق بين الأعمال التي تحصل عن طريق العقل والتفكير، والأعمال التي تحدث عن طريق الصدفة؟

صفحه 32
هل لقانون العليّة أُسس علميّة وما هو الفرق بين الصدفة والتدبير؟   

4

هل لقانون العليّة أُسس علميّة
وما هو الفرق بين الصدفة والتدبير؟
نتطرّق إلى هذا الموضوع بعد أن أيقنّا بالأدلّة في موضوع التوحيد، بأن كلّ ظاهرة أو حادثة لابد لها من مسبّب، ويستحيل أن تنشأ دون موجد لها. وحتى الأطفال لا يكادون يهملون هذا الأمر. فمثلاً نلاحظ بعض الصغار يسألون آباءهم عن العلل الرئيسية للظواهر الطبيعية، وعلى سبيل المثال، عندما يشاهد الطفل غصناً مقطوعاً، يسأل عن سبب ذلك، أو أنّ الرعد والبرق لماذا يحدث وما هي مسبباتهما؟
وكذلك الحال في القبائل البدائية، عندما تسير في صحراء قد كساها الثلج، وتشاهد آثاراً لأقدام، تستطيع أن تميّز من الآثار الباقية بين أن يكون المار إنساناً أو غير إنسان.
ومن البديهي أّن وجود نظام وأقيسة دقيقة ـ بغض النظر عن

صفحه 33
المادة ذاتها ـ لابد وأن يكون له من علّة مسبّبة.
والعلّة قد تكون حادثة عن انفجار، والتقاء الذرات مع بعضها البعض عن طريق الصدفة، كما يدّعيه الماديون. أو أن تكون ناتجة بسبب قوة غير مرئية (غيبية) فهو العقل والقدرة المطلقة. والذي استطاع أن يوجد هذا النظام الدقيق، ولا يزال يراقبها.
وخلاصة ما تقدّم: أنّ قانون العليّة والمعلوليّة (لكلّ ظاهرة لابد من وجود علّة) لها مقامها ومنزلتها لدى كلّ من الموحّد والملحد، فهما متّفقان عليه، ولكنّهما يفترقان في إسناده إلى علّة خاصّة.

الفرق بين الصدفة والتدبير

إنّ الأعمال التي تمتاز بالنظام والمحاسبة الدقيقة لا بد وأن تكون حصيلة صانع عاقل، حيث استطاع بدّقته أن يوجد عمله هذا. والعكس صحيح، فالأعمال التي لم يراع فيها النظام والدّقة اللازمة تكون ناشئة عن طريق الصدفة، ووليدة عامل غير عاقل بلا شعور ولا تفكير. وإليكم بعض الأمثلة .
لو افترضنا أنّ مخزناً حاوياً على أطنان من مواد البناء بما فيه الحجر والحديد والاسمنت والجص والخشب والزجاج والأسلاك والأنابيب وغيرها من لوازم البناء، وضع نصفه تحت

صفحه 34
تصرّف أحد المهندسين لبناء عمارة ذات طوابق متعدّدة على أرض منبسطة.
وبعد فترة من الزمن يأتي سيل جارف، يجرف ما تبقى من المخزن من مواد الإنشاء ويتركها على شكل تل على وجه الأرض.
إنّ العمل الأوّل بناء «العمارة» قد نتج عن عمل وإرادة مهندس متعلّم، أمّا الثاني «التل» فقد حدث بالعمل الطبيعي للسيل دون إرادة.
فالعقلاء بمختلف مراتبهم وقومياتهم وعصورهم، يحكمون بتعقّل مَن بنى العمارة ومدى قوة إبداعه في البناء من وضع الأعمدة، وإكساء الجدار بالمرمر، والمحافظة على السقف من السقوط بوضع قطع حديدية لإسناده، ونصب الأبواب في مواضعها الخاصة، وربط الأسلاك، واتصال أنابيب المياه الحارة والباردة في الحمام والمغاسل، فكلّ هذه تابعة لهندسة خاصة دقيقة.
وعلى العكس من ذلك عندما نشاهد ما صنعه السيل، فالذي يكون شاهداً للعيان هو عدم النظام والدقة. فالحجر والمرمر قد اندثر تحت الطين والتراب، والقضبان الحديدية قد طُرحت إلى جانب، والأسلاك تراها مقطعة بين قطعات الآجر، والأبواب مرمية بين صحيحة ومحطّمة بأوضاع مختلفة. فخلاصة الكلام: أنّ

صفحه 35
المعدوم من هذا الحشد هو النظام والمحاسبة، إذ لا هندسة ولا تدبّر، فالذي يُستنتج أنّ المؤسس للبناء ذو عقل وحكمة، والمحدث للتل فاقد لهما، فالمهندس ذو إرادة والسيل فاقد لها، فالأوّل أنجز عمله وفق عقله وعلمه، والثاني عمل ناشئ عن تدّفق الماء وقوة حركته.
مثال آخر:
لو دخلنا غرفة، وشاهدنا شخصين جالسين أمام آلة الطابعة، يريدان طباعة قصيدة لأحد الشعراء. وكان الأوّل يحسن القراءة والكتابة ويعلم مواضع الحروف من آلة الطابعة، والآخر أُمّي بصير، يستطيع فقط أن يضغط بأصابعه على مواضع الحروف. فإذا شرعا بعملهما في لحظة واحدة. نشاهد أنّ الأوّل دقيق في عمله يضرب بأصابعه حسب الحروف الواردة في القصيدة دون أن يترك حرفاً أو كلمة منها إلاّ أتى بها على الوجه الصحيح.
أمّا الآخر ـ الأُمّي البصير ـ فيضرب على الآلة دون علم أو هدى ولا يستطيع أن يميّز العين من الغين، ولا السين من الشين. وكانت النتيجة هي تلف الأوراق وكان ناتج عمله هباءً، لا علاقة له بما أردناه.
فعمل الأوّل نتاج كاتب متعلّم، والثاني عمل جاهل لا علم له ولا خبرة. ولو أُعطي المجال للأُلوف ممّن كُفّ بصرهم وحُرموا

صفحه 36
لذة العلم والتعلّم أن يحرّروا نسخة صحيحة من ملايين النسخ التي يحرّرونها لاستحال ذلك، لأنّهم يفتقدون إلى ما هو العمدة والأساس.
ولعلّنا نشاهد في كلّ جزء من هذا الكون مثل تلك الصفحة والتي حرّرت فيها قصيدة الشاعر. وترانا ملزمين بالاعتراف بعلم ومعرفة وحسن أُسلوب كاتبها. ونجزم بأنّه بصير لم يكن فاقداً للعلم، ولم يكن مشابهاً بعمل صبي رأى نفسه في غرفة خالية، فشاء له أن يلهو ويلعب على آلة الطابعة كي ينتج تلك الصفحة من قصيدة الشاعر.
وبعد ذكر الأمثلة المتقدّمة يتّضح لنا الفرق بين الأعمال التي تصدر عن إرادة وتدبّر، والتي تحدث عن طريق الصدفة، إذ لا إرادة ولا تدبّر.
والآن وبعد هذه المقدّمة الموجزة يجدر بنا أن نتفحّص عالمنا بكلّ دقة، وسوف نستنتج في خاتمة المطاف بأنّ هذا القصر الشامخ وهذه الكائنات الأرضية والسماوية هل تماثل في صنعها صنع ذلك المهندس المعماري، أم تشابه ما صنعه السيل عند منحدره، وطرحه للمواد خارجاً بصورة عشوائية؟ وهل أنّ العالم قد وجد وفق نظام ومقاييس دقيقة، أم أنّه حادث عن انفجار المادة الأُولى، دون أن يخضع لنظام؟

صفحه 37
   

5

النظام البديع في الكون

لا يسعنا المجال للبحث عن محتويات الخليّة الحيوانيّة أو مركّبات الذرّة، وما تحويه كلّ منهما من نظام ودقّة. وإنّما نكتفي بتلخيص بعض المعلومات المذكورة في كتب الهيئة وعلم الحياة وعلم الحيوان وعلم التشريح مع حذف المصطلحات العلميّة المعقدّة.

معرفة النفس وسيلة إلى معرفة الله

ما أجمل هذه العبارة وما أبلغها، فهي من أقوال أئمة الدين. ولمّا كنّا نروم مشاهدة النظم في كوننا فلنبدأ أوّلاً وقبل كلّ شيء بالإنسان.

صفحه 38

المخ أو مركز القيادة العليا للجسم

إنّ لهذا العضو من الأفعال والإمكانيات ما يُدهش ويحيّر العقول. لقد توصّل العلماء إلى بعض مايقوم به هذا العضو من أعمال فيزياوية وكيمياوية من قبيل إرسال الشحنات المغناطيسية، ولكن هناك الكثير من أعماله لا تزال مجهولة. ويعتبر المسؤول الوحيد لكافّة الحركات في العضلات، وجميع الأفعال الرئيسية في الجسم والتي لها علاقة وثيقة بالحياة، مثل التنفس وضربات القلب فهما تابعان لإرادة المخ وعمله.
ويعتبر مركزاً للذاكرة، والحاوية على آلاف الصور الفكرية يستعيدها الشخص عند الضرورة واللزوم.
فهو من أهم الأعضاء إذ يعتبر القائد الأعلى للجسم.
أمّا مراكز الأعصاب في البدن فتتألف من الأجزاء الأربعة التالية:
1. المخ: وهو مركز الإرادة والإدراك، وعند حدوث خلل فيه، أو إزالة جزء منه، تختل بذلك إرادة الإنسان وإدراكه.
2. المخيخ: يبلغ وزنه في الإنسان العادي 150 غراماً. وهناك حاجز بين المخ والمخيخ يُدعى بـ «غشاء المخيخ»، وظيفة هذا العضو الاحتفاظ بتعادل حركات الجسم.

صفحه 39
3. بصل النخاع: وظيفته تنظيم ضربات القلب، ويعتبر أيضاً مركزاً لأعمال أُخرى.
4. النخاع الشوكي: يتصل من الأعلى ببصل النخاع، عمله القيام بالأفعال اللا إرادية، أي الأعمال التي يقوم بها الإنسان دون إرادته واختياره.
مثلاً: رجوع اليد فجأة عندما تلامس جسماً حاراً، فإنّ سببه انتقال الحرارة بواسطة الأعصاب إلى النخاع، فيصدر أوامره للعضلات بالانسحاب، ونتيجة لذلك ترتفع اليد عن مصدر الحرارة.
إنّ الخالق الحكيم لهذا الجهاز، وما أُودع فيه من
أعمال خطيرة قد وضعه في مستقر لائق صيانة من الأخطار الواردة، ومحاطاً بأغلفة مختلفة، فهناك عوامل تساهم في المحافظة عليه.
ولكي نكون على حذر من الموضوعات الغامضة في علم «الفيزيولوجية» نكتفي بهذا المقدار، ونختتم كلامنا في هذا
الباب بما قاله العالم الشهير، الحائز على جائزة نوبل «الكسيس كارل»:
بقدر ما تكون معلوماتنا وإمكانياتنا عاجزة عن درك الحقائق وفهمها بالنسبة إلى الكواكب والنجوم، فهي أعجز من أن تفهم ما

صفحه 40
لدى المخ من قدرة وقابلية، والذي حصل عليه عالم الطب هو الشيء اليسير. وليست لدينا أيّة وسيلة لمعرفة كيفية ارتباطه بإلارادة الناجمة عن الإنسان أو كيفية تأثره بالأعصاب، ومدى تأثّره بالحالات النفسيّة.
إنّنا لا زلنا نجهل علم الخلايا في المخ وكيفية تأثرها بالحوادث والوقائع، وكيف يستطيع أن يحتفظ بآثارها، كما نجهل التفاعلات التي تحدث فيه لكي تنبثق عن فكرة معينة أو اتّخاذ قرار معين.
إنّ معلوماتنا عنه تنحصر في كيفية تأثره بالأعمال الفكرية والانقباضات العضليّة.
والآن يحسن بنا أن نلقي هذا السؤال: لمّا كان مركز القيادة العليا للجسم هو «المخ» بما فيه من تعقيد وما له من عظمة، والذي يعتبر أشد تعقيداً من ذلك البناء، والنظام الذي يمتاز به، ألم تكن معبرة عن قدرة وعظمة صانعها؟ وهل تستطيع الصدفة أن تخلق الملايين من خلايا المخ، بحيث يحتوي كلّ منها على ما لا نهاية من الأسرار.
واليك مثال آخر:
عندما تنظر إلى ساعة جداريّة، تشاهد أنّ حركة عقاربها في أوقات مختلفة تشير إلى زمان معين، تحكم بأنّ هناك عقل مدبّر

صفحه 41
استطاع أن يصنع عتلاتها وأدواتها بصورة دقيقة وفق قوانين خاصة.
وبعد هذا كلّه نعود إلى أنفسنا لنعترف حقاً بإله قادر حكيم خالق مبدع قد صوّرنا وركّبنا بحيث يستطيع كلّ فرد أن يمارس الحياة بما أودعه الخالق في أبداننا من أجهزة مختلفة، وأعضاء شتى.
ويصف «بالي» و هو أحد العلماء الموحّدين، بداية معرفته بالله تعالى:
وفي ذات يوم وأنا في طريقي إلى البيت، شاهدت ساعة يدوية مطروحة على الأرض، فأخذت أقلّبها يمنة ويسرة وأتفحّص الأجهزة المستخدمة فيها. حيث توصّلت إلى الاستدلال بها على صانع وخالق لهذا الكون، وقلت في نفسي: إنّ الأجهزة المعقّدة المستخدمة في هذه الساعة هي أبسط بكثير ممّا في المراكز العصبيّة في بدني، وعلى هذا لو قدّر لهذه الساعة أن تتناسل لكان عملها هذا أبسط من تناسل الإنسان أو الحيوان.

القلب ونظام الطبيعة

يمتاز القلب بضرباته المنتظمة طوال الحياة، ويساعد بقية الأعضاء بإيصال الغذاء «الدم» إليها، وإذا ما تقطعت أعصابه،

صفحه 42
يستطيع أن يستمر في ضرباته لبرهة من الزمن.
ويتألف جهاز الدوران في جسم الإنسان من الأقسام التالية:
1. القلب. 2. الشرايين. 3. الأوردة. 4. الشعيرات الدمويّة.
إنّ القلب في عمله يشابه آلة لا تقف عن الحركة في اليقظة والمنام. ويقدر عدد ضربات القلب في الدقيقة الواحدة بـ «60 ـ 70» مرة، وبها يصل الدم النقي الحامل للأُوكسجين والمواد الغذائية إلى أقصى نقطة في الجسم، وتنقل الأوردة الدم المثقّل بثاني أُوكسيد الكاربون من الأنسجة إلى الرئتين لغرض التنقية، وبعد أن يصفّى الدم تماماً يعود إلى الأنسجة عن طريق الشرايين.
إنّ مجموع كميّة الدمّ الموجودة في جهاز الدّوران ما يقارب الخمسة ألتار. والقلب يأخذ هذه الكمية في ثلاثين ضربة ـ أي في نصف دقيقة ـ وتعتبر دورة كاملة للدم. وبعبارة أُخرى: أنّ كلّ خلية من خلايا الجسم تحصل على المواد الغذائية والأُوكسجين خلال دقيقة أو أقل من ذلك.
وبالنظر إلى الدور الخطير الذي يقوم به القلب في جسم الإنسان فقد استقر في قلعة محكمة (القفص الصدري) وتحت الثدي الأيسر، للحفاظ عليه ممّا يصيب الجسم من طوارئ وحوادث خارجية.

صفحه 43
إنّ الطبيعة العمياء إن كانت عاجزة عن صنع بيت من الطين، كيف تستطيع أن تخلق مثل هذا الجهاز، والذي حارت عقول العلماء المتخصّصين في عجائبه وغرائبه، وظلّوا حيارى أمام صنعه وصانعه؟!

النظم في سائر أقسام الجسم

يعتبر منشأ الإنسان من تلك الخليّة الصغيرة التي تنمو في رحم الأُم، وبعد أن تمر بمراحل معينة يتكوّن الجنين ومن ثم يصير طفلاً ويأخذ طريقه في النمو ليصبح إنساناً عاقلاً. وبعد تكامله نجده يحتوي على الأُلوف من الأجهزة المعقّدة، ومن ثم تصبح له القدرة على أن يخترق طريقه إلى الأفلاك، ويشق الجبال والأنهار.
لو نتأمل جيداً وننظر بإتقان إلى أجهزة الجسم ونظمه بما فيها من أسرار خفية، مثل الرئتين، الأعصاب، جهاز الهضم، كريات الدم، مقلتي العين، السمع، البصر، حاسة اللمس، حاسة الشم، الذائقة وغيرها ـ بغض النظر عن سائر الكائنات الحيّة ـ ترانا نعترف صدقاً بأنّها لم تكن حصيلة الصدفة ولا وليدة من اجتماع ذرّات من تلقاء نفسها.

صفحه 44

النظم في جهاز الباصرة «العين» و غيرها

كيف يمكننا القول بأنّ الصدفة قد لعبت دورها في إيجاد مثل هذا الجهاز، فهو يستطيع وفي أوقات متفاوتة أن يعمل عمل الميكروسكوب تارة، وعمل التلسكوب تارة أُخرى.
أو أن نستسلم بأنّ الصدفة استطاعت أن تحدث المفاصل وتمنحها السهولة والراحة في الانبساط والانقباض.
وهل تستطيع الصدفة أن تنشئ عمل التناسل وتوليد المثل بما فيها من أسرار، والّتي لا تزال معظمها مجهولة لدى المتخصّصين؟!

مختبر الجسم الكيمياوي

يجدر بنا أن نشير إلى كلمة «كرسي موريسن» بالنسبة إلى أضخم مختبر كيمياوي عالمي (جهاز الهضم) فهو يقول: ... إذا أردنا أن نعتبر جهاز الهضم لدى الإنسان يماثل مختبراً كيمياوياً، والمواد الغذائية الّتي تنقل إليه بمثابة المواد الخام لذلك المختبر. عندئذ تجدنا حيارى أمام عملية الهضم الّتي تتمّ بأدق صورة، والّتي تستطيع أن تهضم المواد الغذائية بشتى أنواعها.
إنّ الإنسان يدّخر في معدته ما شاء له أن يدّخر من مواد غذائية، دون التفاتة منه إلى عملها ومراحل الهضم فيها، وكيفية

صفحه 45
حركتها، وكيف تتم عمليات الهضم بتفاعلاتها الكيمياوية. فهو يتناول اللحم والخضروات والفواكه والخبز ويختمها بالماء، وأحياناً يتناول بعض العقاقير المعقّدة والحاوية على مواد كبريتية وعصير النباتات، وغيرها. وبعد أن تبدأ المعدة بعملها وبعد الإفرازات الهضميّة المتكررة، تجعل من الجميع عجينة، ومن ثم تدفع الفضلات وتتبدّل الخميرة إلى مواد بروتينية أبسط تركيباً كي يتسنّى لخلايا الجسم الاستفادة منها بعد أن تنقل بواسطة الدم.
إنّ جهاز الهضم له القدرة والقابلية اللازمة على تشخيص المواد النافعة والمفيدة للجسم، حيث يقوم بامتصاصها، كالكالسيوم والكبريت، والحديد و... وبذلك يبدي عنايته الكافية للاستفادة منها إلى أبعد الحدود، دون أن تهمل أو تعدم. وتجعلها تحت تصرف الهورمونات المسيطرة على الأعمال الحياتية في الجسم. ويدّخر الجسم المواد الغذائية، للاستفادة منها عند الحاجة.
يقدّر عدد خلايا جسم الإنسان بعدّة مليارات، أي أنّها تضاهي أكثر من مجموع سكان الكرة الأرضيّة، فكلّها بحاجة إلى مواد غذائية، ولكلّ خلية غذاؤها الخاص، كخلايا العظام والعضلات، والأظافر، والشعر والعين، فإنّها تمتصّ من المواد الغذائية ما يناسب عملها.
وممّا يبدو أنّ المواد المنتجة من هذا الجهاز أكثر من المواد

صفحه 46
المستحضرة في المختبرات الكيمياوية لدى البشر.
إنّ شبكة الارتباطات والطريقة المستفادة لنقل المواد الغذائية إلى خلايا الجسم دقيقة للغاية، ولم يستطع البشر أن ينشئ ما يشابهها في عالمه.
إنّ هذا المختبر «جهاز الهضم» لا يكاد أن يخطأ منذ حداثة السن وحتى الكبر، وفي الوقت ذاته تقدّر أنواع المواد المنتجة فيها بأكثر من مليون نوع، ومعظمها من المواد السامّة المهلكة. وعلى مر السنين تتلف الأجهزة الناقلة للمواد الغذائية ويقل نشاطها على أثر الاستعمال، وبذلك تقل قدرة الإنسان وحيويته، فتؤدّي به إلى الانهيار والعدم.
وكلّ خلية من خلايا الجسم عندما تمتص المواد الغذائية تحاول أن تبدّل هذه المواد إلى طاقة وحرارة، وذلك بالاحتراق الداخلي الذي يتم في داخل الخلية. فتحتاج في عملها إلى الأُوكسجين ويكون الناتج من هذه العملية هو ثاني أُوكسيد الكاربون الذي ينقل إلى الرئتين بواسطة الأوردة تخلّصاً منه. ويقدّر غاز ثاني أُوكسيد الكاربون الذي يدفعه الجسم خارجاً بـ «كيلو غراماً واحداً» لكلّ فرد يومياً.
فكلّ كائن حي يحتاج في عملية الهضم إلى مواد كيمياوية خاصة، تجدها مخزونة في جسمه. ويلاحظ أنّ تركيب الدم لكلّ

صفحه 47
نوع من الحيوانات يختلف عن النوع الآخر، اختلافاً كبيراً.
وعند مواجهة الجسم لعدوه «الميكروب» يستعد هذا الجهاز للدفاع بكريات الدم البيض، والقضاء عليه. ويخلّص الجسم من الموت والهلاك.
وبعد كلّ ما تقدّم:
هل تستطيع الصدفة أن تخلق مثل هذا الجهاز المدهش للعقول بما فيه من نظام ودقة عمل؟!
أو هل هي قادرة على حَلّ هذه الرموز؟!

صفحه 48

6

النظام في عالم النبات

يعتبر شكل خلايا النباتات المختلفة (الكروية، البيضوية، السداسية، والاسطوانية) من المسائل المهمة في حياة النبات، أضف إلى ذلك تركيب الأوراد والأوراق. فهذه الأُمور ممّا تتعلّق بعلم النبات ولسنا بحاجة إلى المزيد من التوضيح، وممّا هو جدير بالذكر، أنّ تعقيد التركيب في كلّ خليّة نباتيّة، والاختلاف القائم بين الملايين منها، لدليل واضح وبرهان قاطع على أنّ خالقها قد استخدم نظاماً كاملاً ومحاسبة دقيقة.
ولمزيد من الاطّلاع نحيلكم إلى كتب النبات الموسّعة للوقوف على هذا النظام والدقّة في الأعمال الحيوية التي تتم في خلايا النبات مثل: النمو، توليد المثل، انقسامات الخلايا، وغيرها، ممّا تقودنا إلى الاعتراف بقدرة وعظمة صانعها وعلمه.

صفحه 49
إنّ جمال السيقان والأوراق والأوراد، والذي يعجز عن الإتيان به أي رسام مهما أُوتي من الموهبة وقدرة الإبداع، لحجة دامغة على علم وقدرة صانعها. والتعقيد الذي تمتاز به كلّ خليّة، يستحيل أن ينشأ عن طريق الصدفة العمياء.
وأمّا عملية التكاثر والتوليد فإنّها تابعة لمحاسبات دقيقة للغاية.
وتختلف من نبات لآخر، إذ يمتاز كلّ صنف منها بطريقة خاصة تناسبه.

التلقيح في النباتات

يعتبر التلقيح في معظم النباتات من آيات الله الباهرات، فتارةً يتم التلقيح بواسطة الذباب، وتارة بالزنبور، وإليكم بحثاً مجملاً عن بعض النباتات.

نبات اليوكا «Yucca»

يظهر هذا النبات في أمريكا الجنوبيّة، وتكون زهرته متدلية إلى الأسفل بحيث تقع المدقّة تحت الأسدية، كما أنّ وضع المدقّة يختلف عمّا عليه باقي النباتات، إذ لا يمكن أن ينفذ اللقاح تلقائياً، ويتم انتقال اللقاح بواسطة الذباب بعد غروب الشمس إلى المدقّة،

صفحه 50
وذلك بأن يحمل الذباب بعض اللقاح بفمه ومن ثم ينتقل إلى وردة أُخرى ويشق مبيضها، ويضع عدداً من حبوب اللقاح المحمّلة فيها، وبعدها يغطي المنطقة تغطية تامة.
وكلّ وردة من أوراد هذا النبات تنتج بذوراً كثيرةً، فمعظمها تصبح طعمة لما يتولد حديثاً من الذباب ويقتات عليها. أمّا القسم الآخر فيستمر في عمله الطبيعي لانتاج أوراد جديدة.
ويُستنتج ممّا ذكرناه، مدى العلاقة الفطرية بين الذباب وهذا النبات، وتوجد علاقة أُخرى مماثلة بين التين الأمريكي التجاري، وعدد من أنواع النحل. فإنّ أغصان هذا التين على قسمين:
القسم الأوّل: يحتوي على أوراد تحمل أعضاء الذكر والأُنثى.
والقسم الثاني: يحتوي على أوراد تحمل أعضاء الأُنثى فقط.
وممّا يجلب الانتباه أنّ جميع هذه الأوراد يتم تلقيحها بواسطة أُنثى النحل، ولم تكن هذه العملية بسيطة وسهلة، بل أنّ أُنثى النحل تعاني في عملها هذا بعض المصاعب، مثلاً:
عندما تقتحم الأُنثى مدخل الورد، تفقد أجنحتها بتمزّقها بواسطة الأغشية الموجودة في المدخل.
فإذا كانت الوردة هذه تحتوي على أعضاء الذكر والأُنثى معاً،