welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : البداء على ضوء الكتابِ والسنّة*
نویسنده :الأُستاذ جعفر الهادي*

البداء على ضوء الكتابِ والسنّة

1
   
    البداء على ضوء الكتابِ والسنّة
البداء
على
ضوء الكتابِ والسنّة

2

3
البداء
على
ضوء الكتابِ والسنّة
 
محاضرات
الأُستاذ المحقّق آية الله جعفر السبحاني
 
بقلم
الأُستاذ جعفر الهادي
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      البداء على ضوء الكتابِ والسنّة / جعفر السبحاني ; بقلم جعفر الهادي . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1392 .
      143 ص.    ISBN : 978 - 964 - 357 - 526 - 7
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
اين كتاب در سالهاى مختلف توسط ناشرين متفاوت منتشر شده است.
كتابنامه بصورت زيرنويس.
      1 . بداء. الف. هادى، جعفر، 1325 ـ ، گردآورنده. ب. موسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان.
4ب 2س44/ 218 BP    42 / 297
1392
اسم الكتاب:   … البداء على ضوء الكتابِ والسنّة
المحاضر:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
المؤلف:    …الأُستاذ جعفر الهادي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1392 هـ ش / 1434 هـ . ق / 2013 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   … 143 صفحة
القطع:    … رقعي
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:    …مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:785   تسلسل الطبعة الأُولى:406
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

5

6

7

   الفصل الأوّل

حقيقة البداء
عند الشيعة الإماميّة

8
 

حقيقة البداء عند الشيعة الإماميّة

النزاع في البداء لفظيٌّ لا معنويٌ.
1. في تفسير لفظة البداء
2. في نقل أقوال أئمة أهل البيت(عليهم السلام) حول علمه سبحانه
3. الكتاب والسنّة مليئان بالمجاز.
4. في إمكان النسخ وإبطال مزعمة اليهود.
5. في أنّ القدر ليس حاكماً على مشيئته وأفعاله سبحانه كما أنّه ليس حاكماً على حريّة الإنسان واختياره.
6. تغيير المقدّر والمصير بالأعمال.
   تأثير الأعمال الصالحة في مصير الإنسان .
   أحاديث وروايات أهل البيت(عليهم السلام) وتأثير العمل الإنساني في المصير.
   روايات أهل السنّة وتأثير العمل الإنساني في المصير.
   تأثير الأعمال الطالحة في تغيير المصير.
   البداء من المعارف العليا.
   إشكالان حول تأثير الدعاء.
7. الآثار البنّاءة للاعتقاد بالبداء.
حقيقة البداء على ضوء الكتاب والسنّة.
نصوص علماء الإماميّة في البداء.
فذلكة البحث

9
 

حقيقة البداءُ عند الشيعة الإماميّة

تحتلّ مسألة «البداء» في عقائد الشيعة الإماميّة مكانة مهمّة، ولا يخلو كتابٌ كلامي أو فلسفي عن بحث مفصّل أو مختصر حول هذه المسألة، وقد اتّبعوا في طرح هذه المسألة وتوضيحها القرآن الكريم والسنّة المطهّرة، ولأجل ذلك نجدهم أفردوا هذه المسألة برسائل ودوّنوا كتباً وأبحاثاً، بين ما يحمل اسم البداء واشتهر به، وبين ما ليس له اسم خاص، بل بحث ضمن بحث آخر، وكفى في ذلك أنّ شيخنا العلاّمة البحّاثة الطهراني «آغا بزرگ» في «الذريعة» قد ذكر ما يقرب من خمسة وعشرين نموذجاً من هذه الرسائل والأبحاث.(1)
بيد أنّ هذه المسألة العظيمة رغم ما أُلّف حولها من مؤلّفات ورسائل كثيرة كما عرفت تخفى ـ مع الأسف ـ على أعلام
أهل السنّة قديماً كالبلخي والإمام الأشعري والرازي وغيرهم،


1. لاحظ : «الذريعة إلى تصانيف الشيعة»: 3/ 53-57.

10
وحديثاً مع ورودها بجذورها وأُصولها وفروعها في الكتاب والسنّة.
فبقدر ما تحظى هذه المسألة من الاهتمام والعناية لدى علماء الشيعة الإماميّة ـ كما عرفت ـ تلقى نقداً لاذعاً وهجوماً عنيفاً من جانب علماء السنّة بحيث لا يمرّ عليها أحدٌ منهم إلاّ ويهاجمها بشدّة وقسوة.
فبينما تعتبر الشيعة الإماميّة الاعتقاد بالبداء أساساً لأكثر العقائد الإسلامية وأمراً يقابل معتقد اليهود والنصارى في مجال أفعال الله سبحانه، وفي مقابل عقيدة «القدريّة» الذين يتصوّرون القدر والتقدير إلهاً ثانياً قائماً على مشيئة الله وإرادته، فإنّه سبحانه لا يقدر أن يغيّر ما قدّر، ويبدّل ما قرّر، يعتبره علماء السنّة مبدأ هدّاماً للدين!!
فكيف يمكن أن تكون قضية واحدة موصوفة بوصفين متناقضين: بعض يعتبرها من صميم الدين وجوهره، وبعض آخر يعتبرها فكرة هدّامة للدين؟!
فهذا هو الإمام الفخر الرازي يختم كتابه «المحصّل» بقوله:
إنّ أئمة الرافضة وضعوا مقالتين لشيعتهم لا يظفر معهما أحدٌ عليهم:
الأُولى: القول بالبداء، فإذا قالوا: إنّه سيكون لهم قوّة وشوكة، ثمّ

11
لا يكون الأمر على ما أخبروه قالوا: بدا لله تعالى فيه(1).
وقد سبق الرازي «البلخي» في هذه المزعمة على ما حكاه وذكره شيخنا الأكبر شيخ الطائفة الطوسي (المتوفّى عام 480 هـ) في تبيانه إذ قال: وحكى البلخي في كتاب التفسير فقال: «قال قوم ـ ليس ممّن يعتبرون ولكنّهم من الأُمّة على حال ـ : إنّ الأئمّة المنصوص عليهم بزعمهم مفوّض إليهم نسخ القرآن وتدبيره، وتجاوَزَ بعضهم حتّى خرج من الدين بقوله: إنّ النسخ قد يجوز على وجه البداء وهو أن يأمر الله عزّ وجلّ عندهم بالشيء ولا يبدو له، ثمّ يبدو له فيغيّره، ولا يريد في وقت أمره به أن يغيّره هو ويبدّله وينسخه، لأنّه عندهم لا يعلم الشيء حتّى يكون إلاّ ما يقدّره فيعلمه علم تقدير، وتعجرفوا فزعموا أنّ ما نزل بالمدينة ناسخ لما نزل بمكّة».
ثم علّق شيخنا الطوسي (رحمه الله) على هذا الكلام بقوله: «وأظنّ أنّه عنى بهذا أصحابنا الإماميّة، لأنّه ليس في الأُمة من يقول بالنص على الأئمة(عليهم السلام)سواهم. فإن كان عناهم فجميع ما حكاه عنهم باطل وكذب عليهم لأنّهم لا يجيزون النسخ على أحد من الأئمة(عليهم السلام)ولا


1 . المحصّل: 365; نقد المحصَّل (تلخيص المحصّل) للمحقّق الطوسي: 421، نقله عن سليمان بن جرير الزيدي والأمر الثاني هو التقية ـ كما ستعرف.

12
أحد منهم يقول بحدوث العلم.(1)
نعم سبق الرازي الإمام الشيخ أبو الحسن الأشعري فقال: وكلّ الروافض إلاّ شرذمة قليلة يزعمون أنّه يريد الشيء ثم يبدو له فيه .
وفسّره المحقّق المعلّق: أي يظهر له وجه المصلحة بعد خفائه عليه فيغيّر رأيه (2). هذا وقال بعد صفحتين: افترقت الرافضة هل الباري يجوز أن يبدو له إذا أراد شيئاً أم لا؟ على ثلاث مقالات ثم فصّل المقالات.(3)
أقول: إنّ الإمام الأشعري لو كان واقفاً على عقيدة الشيعة الّتي دوّنها معاصره المحدّث الكليني المتوفّى عام 328 هـ أي قبل الشيخ الأشعري بسنتين، لمّا نسب تلك الأُكذوبة إلى الشيعة الإماميّة، مع أنّه ينسب البداء بالمعنى الباطل إلى كلّ الشيعة ويأتي بخلافه بعد صفحتين ويقول: «والفرقة الثانية منهم يزعمون أنّه لا يجوز وقوع النَّسخ في الأخبار، وأن يخبرالله سبحانه أنّ شيئاً يكون ثمّ لا يكون، لأنّ ذلك يوجب التكذيب في أحد الخبرين».
أضف إلى ذلك: أنّ شيخ السنّة يعبّر عن الشيعة بالرّوافض مع


1 . التبيان : 1 / 13 ـ 14، طبعة النجف عام 1376هـ .
2 . مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين للإمام أبي الحسن الأشعري (المتوفّى عام 330 هـ): 107 تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.
3 . المصدر السابق: 109.

13
انّه من أوضح مصاديق قوله سبحانه: (وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ )(1) .
وأسوأ من ذلك ما ذكره المعلّق في تعاليقه من اللعن على الرافضة وتقبيحهم ـ سامحه الله وغفر ذنوبه ـ ونحن نمرّ عليه مرور الكرام. وكيف اجترأ على لعن ثلث المسلمين أو ربعهم وهم مقتفون أثر الرّسول وأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
وسيوافيك إن شاء الله في سائر أبحاثنا الكلاميّة أنّ جلّ ما نسب إليهم الإمام الأشعري في كتابه هذا باطلٌ.
فإذا كان هذا حال أعلام أهل السنّة وشيوخهم فكيف بالإنسان المبتدئ ومن ليس له إلمام بالأبحاث الكلاميّة، ولا قدم راسخة في المسائل الاعتقاديّة؟!
وخلاصة القول: إنّ الإنسان ليحتار أشدّ الحيرة وهو يواجه هذا التناكر والاختلاف في أصل واحد، إذ كيف يمكن أن يكون أصل واحد بمعنى واحد آية توحيد الله وكماله في الخلق والإيجاد عند طائفة، وإنكاراً لعلمه سبحانه عند طائفة أُخرى.
هل يمكن أن يكون التفاوت إلى هذه الدرجة أمراً صحيحاً وطبيعيّاً؟! أم أنّ هذا يكشف عن أنّ الأمر قد دُرِسَ في جوّ من


1 . الحجرات: 11 .

14
التعصّب، وعدم التحقيق، ويكشف في نفس الوقت عن أنّ أكثر المسائل الخلافيّة نشأت من مثل هذا المنطلق، وعولجت في مثل هذا الجوّ الذي ينافي مصلحة التحقيق، والبحث الموضوعي في القضايا الفكريّة والاعتقادية.
غير أنّ القارئ الكريم إذا نظر إلى ما سيمرّ عليه في هذه الصحائف يقف على أنّ النزاع القائم على قدم وساق في هذا المجال، قد نشأ عن عدم تعمّق المخالف في مسألة البداء، وعدم وقوفه على نفس ما يدّعيه الطرف الآخر، ولو وقف على مراده ومقصده لاتّفق معه في هذه المسألة ولقال: إنّ البداء بهذا المعنى هو عين ما نطق به الكتاب العزيز، وتحدّثت عنه السنّة الطاهرة، وأذعن به جهابذة العلم من أهل السنّة.
وكم، وكم لهذه المسألة من نظير نشأ فيه النزاع والتشاجر بين الإخوة من الطائفتين لعدم الوقوف على ما يعتقده الطرف الآخر، ومنها المسألة الثانية الّتي جعلها الإمام الرازي تبعاً لسليمان بن جرير ممّا اخترعته الشيعة الإماميّة إذ قال:
   
«والثاني: التقيّة فكلّما أرادوا شيئاً تكلّموا به فإذا قيل لهم هذا خطأ، أو ظهر لهم بطلانه قالوا: إنّما قلناه تقيّة...»(1).


1 . المحصل: 365 ; نقد المحصل: 421 .

15

النزاع في البداء لفظيّ لا معنويّ

ولو أنّ القوم طرحوا هاتين المسألتين في جوّ هادئ، وبتجرّد عن الأهواء والعصبيّات واستمعت كلّ طائفة إلى ما تقوله الطائفة الأُخرى، لوقفوا على «وحدة العقيدة» في كلتا المسألتين، ولعرفوا أنّ النزاع لفظيّ لا معنويّ حقيقي.
ولقد أشار معلّم الشيعة الإماميّة الشيخ المفيد (رحمه الله) (338 ـ 413 هـ) إلى هذه الحقيقة، وأنّ النزاع بين الموافق للبداء والمخالف له لفظيّ لا معنويّ إذ قال: أمّا إطلاق لفظ البداء فإنّما صرت إليه بالسمع الوارد عن الوسائط بين العباد وبين الله عزّ وجلّ، ولو لم يرد به سمع أعلم صحّته لما استجزت إطلاقه، كما أنّه لولم يرد عليَّ سمعٌ بأنّ الله يغضب ويرضى ويحبّ ويعجب لما أطلقت ذلك عليه، سبحانه، ولكنّه لمّا جاء السمع به صرت إليه على المعاني الّتي لا تأباها العقول، وليس بيني وبين كافّة المسلمين في هذا الباب خلاف، وإنّما خالف من خالفهم في اللّفظ دون ما سواه، وقد أوضحت من علّتي في إطلاقه بما يقصر معه الكلام، وهذا مذهب الإماميّة بأسرها، وكلّ من فارقها في المذهب ينكره على ما وصفت من الاسم دون المعنى ولا يرضاه.(1)
ولا يفوتني أن أذكر أنّ أحد أعلام السنّة في مجلس الخبراء


1 . أوائل المقالات: 92 ـ 93 .

16
اجتمع معي، وسألني عن حقيقة «البداء» وقد شرحتُ له مغزى المسألة، واستمع لما قلته بهدوء وتفهّم فقال: لو كان البداء بهذا المعنى فهو ممّا يعتقده أهل السنّة أجمع غير أنّكم لا تريدون من «البداء» هذا، وإنّما تريدون معنى آخر يلازم جهله سبحانه وظهور الحقيقة له بعد الخفاء.
ثم قال: لو أتيتَ بكتاب من قدماء الشيعة يتبنّى هذه العقيدة كما شرحتها لصدّقت كلامك وآمنتُ بالبداء، ولأجل ذلك جئت له بكتاب «أوائل المقالات» و «شرح عقائد الصدوق» للعلاّمة الشيخ المفيد، فأخذ الكتاب وراح إلى بيته وطالعه وقلّبه ظهراً لبطن، وجاء بعد أيّام قائلاً: لو كان «البداء» بنفس المعنى الذي شرحه معلّم الشيعة الشيخ المفيد، فأهل السنّة متّفقون معه في هذه العقيدة من لدن ضرب الإسلام بجرانه في الأرض.
فلأجل ذلك نزلنا عند رغبةِ بعض الفضلاء لشرح هذه المسألة على وجه يزيل الإبهام عن حقيقتها حتّى يتّضح الواقع بأجلى مظاهره ويعرف الجميع أنّ النزاع في هذه المسألة لفظيّ لا معنويّ.
وقد قام بتحريرها الأُستاذ الفاضل: الشيخ جعفر الهادي تحريراً وافياً بالمراد، وموضحاً لرموزه فلله تعالى درّه وعليه سبحانه أجره.
وقبل الدخول في صلب الموضوع نذكر مقدّمات مهمّة.

17
 
الأُولى: في تفسير لفظ البداء
إنّ «البداء» في اللغة هو الظهور بعد الخفاء، قال الراغب في مفرداته (1): «بدا الشيء بُدواً، وبداءً أي ظهر ظهوراً بيّناً، قال الله تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا)(2).
وعلى ذلك، فلا يُطلَق «البَداء» في المحاورات العرفيّة إلاّ إذا ما بدا له رأي في الشيء لم يكن له ذلك الرأي سابقاً، بأن يتبدّل عزمه في العمل الذي كان يريد أن يصنعه، ويحدث عنده ما يغيّر رأيه وعلمه به، فيبدو له تركُه، بعد أن كان يريد فعلَه، أو بالعكس وذلك عن جهل بالمصالح والمفاسد.
هذا هو معنى «البداء» وعليه جرت اللغة والعرف، ومن المعلوم أنّه لا يمكن أن يُطلق «البداء» بهذا المعنى على الله سبحانه لاستلزامه حدوث علمه تعالى بشيء بعد جهله به، وهذا محال، ولا أظنّ أن يطلق مسلمٌ عارف بالكتاب والسنّة ملمّ بالمباحث الفلسفيّة والكلاميّة، البداء بهذا المعنى في حقّه سبحانه، ونسبته بهذا المعنى إلى الشيعة كما فعل البلخي والرازي وغيرهما ـ ناقلاً له عن سليمان بن جرير ـ ناشئة عن عدم معرفتهم بمعتقد الإماميّة في


1 . المفردات للراغب: 40، مادة «بدا».
2 . الزمر: 47 ـ 48 .

18
هذا المجال، وعدم رجوعهم إلى الأُصول المصنّفة بأيدي أقطابهم وعلمائهم والروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) في هذا المضمار.
وعلى ذلك فلابدّ أن يُطلَب للبداء معنى آخر في هذا المورد، سواء أكان استعمال ذلك اللفظ في هذا المعنى الآخر حقيقة أم مجازاً، إذ البحث يدور على صحّة المراد من هذه الكلمة، لا في صحّة الاستعمال، وإن كان الاستعمال أيضاً صحيحاً كما سيوافيك بيانه، ونقله بعض أئمة اللغة كابن الأثير في «النهاية».
وعلى الجملة فالإماميّة القائلة بـ «البداء» في حق الله سبحانه لا تريد منه ما نسبه سليمان بن جرير وأخذه عنه «الرازي» بلا تحقيق وادّعاه البلخيّ قبل ذلك، وإنّما تريد من تلك الكلمة معنى آخر كما سيوافيك بيانه، وإلى ذلك يشير المحقّق المجلسي حيث عقّب على كلام الرازي بعد نقله:
«انظر إليه كيف نسب إلى أئمة الدين ـ الذين لم يختلف مخالف ولا مؤالف في فضلهم وعلمهم وورعهم وكونهم أتقى الناس وأعلاهم شأناً و رفعة ـ الكذب والحيلة والخديعة»(1).
في نقل أقوال أئمة أهل البيت(عليهم السلام) حول علمه سبحانه    


1 . بحار الأنوار: 4 / 123 .

19
 
الثانية: في نقل أقوال أئمة أهل البيت(عليهم السلام) حول علمه سبحانه
اتّفقت الإماميّة ـ عن بكرة أبيهم ـ بأنّه سبحانه عالم بالأشياء والحوادث كلّها غابرها وحاضرها ومستقبلها، لا يخفى عليه شيء لا في الأرض ولا في السماء، قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ )(1).
وقال سبحانه: (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْء فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ )(2).
وقال سبحانه: (إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً)(3). إلى غير ذلك من الآيات المصرّحة بعموم علمه. ولا يشذّ معتقد أئمة الإمامية عن مفاد تلك الآيات قيد شعرة.
فقد قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا الصدد: «كُلُّ سِرٍّ عِنْدَكَ عَلاَنِيَةٌ، وَكُلُ غَيْب عِنْدَكَ شَهَادَةٌ»(4).
وقال (عليه السلام) أيضاً: «وَلاَ يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ وَلاَ نُجُومِ السَّمَاءِ، وَلاَ سَوَافِي الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ، وَلاَ دَبِيبُ الَّنمْلِ عَلَى الصَّفَا،


1 . آل عمران: 5 .
2 . إبراهيم: 38 .
3 . الأحزاب: 54 .
4 . نهج البلاغة: الخطبة 105، طبعة عبده.

20
وَلاَ مَقِيلُ الذَّرِّ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ. يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الاَْوْرَاقِ، وَخَفِيَّ طَرْفِ الاَْحْدَاقِ».(1)
وقال الإمام الباقر (عليه السلام): «إنّ الله نور لا ظلمة فيه، وعلم لا جهل فيه، وحياة لا موت فيه».(2)
وقال (عليه السلام)أيضاً: «كان الله ولا شيء غيره ولم يزل الله عالماً بما كوّن، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد ما كوّنه».(3)
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ الله علم لا جهل فيه، وحياة لا موت فيه، ونور لا ظلمة فيه».(4)
وقال الإمام الكاظم (عليه السلام): «لم يزل الله عالماً بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء»(5).
وعن يونس بن عبدالرحمن قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): روينا أنّ الله علم لا جهل فيه، حياة لا موت فيه، نور لا ظلمة فيه. قال: «كذلك هو»(6).


1 . نهج البلاغة: الخطبة 173، طبعة عبده.
2 . بحار الأنوار: 4 / 84 ، باب العلم وكيفيته والآيات الواردة فيه، الحديث 18 .
3 . المصدر نفسه: 86 ، الحديث 23 .
4 . المصدر نفسه: الحديث 16 .
5 . الكافي: 1 / 107، باب صفات الذات.
6 . بحار الأنوار: 4 / 84، الحديث 17 .

21
وقال الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)(1): «فكلّ أمر يريده الله فهو في علمه قبل أن يصنعه، ليس شيء يبدو له إلاّ وقد كان في علمه، إنّ الله لا يبدو له من جهل».(2)
وقال (عليه السلام)أيضاً: «مَن زعم أنّ الله عزّ وجلّ يبدو له في شيء لم يعلمه أمس فابرأوا منه»(3).
ومع هذه التصريحات من أئمة أهل البيت(عليهم السلام) كيف يصحّ أن يسند إلى هذه الطائفة ـ الساعية في تنزيه الله عن كلّ نقص وعيب، وجهل وعجز، أكثر ممّا تفعله غيرها من الطوائف والمذاهب ـ بأنّها تقول بـ «البداء» بالمعنى الملازم للظهور بعد الخفاء والعلم بعد الجهل، على الله سبحانه؟!
فهل يصحّ أن يسند إلى الإمام الصادق (عليه السلام)الذي يفسّر الآية المذكورة بما نقلناه، أنّه يقول بشيء يكون مضادّاً ومخالفاً لما فسّر به الآية، هذا من جانب ومن جانب آخر نرى أنّ أئمة الشيعة يقولون: «ما عبد الله بشيء مثل البداء» ويقولون: «ما عُظِّمَ الله عزّ وجلّ بمثل البداء» ويقولون: «ما بعث الله نبيّاً حتّى يأخذ عليه ثلاث


1 . الرعد: 39 .
2 . بحار الأنوار: 4 / 121، الحديث 63 .
3 . بحار الأنوار: 4 / 111، الحديث 30 .

22
خصال: الإقرار بالعبوديّة وخلع الأنداد، وأنّ الله يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء». ويقولون في حديث آخر: «ما تنبّأ نبيّ قط حتّى يقرّ لله تعالى بخمس: بالبداء والمشيئة...».
وفي حديث آخر: «ما بعث الله نبيّاً قط إلاّ بتحريم الخمر، وأن يقرّ له بالبداء».
ويقولون: «لو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه»(1).
فهل يصحّ أن يُنسَب إلى عاقل ـ فضلاً عن إمام الأُمّة، وصادقها وباقر علومها ومظهرها ـ بأنّ الله تعالى لم يعبَد ولم يعظَم إلاّ بالقول بظهور الحقائق له بعد الخفاء، والعلم بعد الجهل، مع أنّ فيه تعجيزاً لله سبحانه، وتنظيراً له للخلق؟!
كلّ ذلك يؤيد بأنّ المراد من «البداء» في كلمات هؤلاء أمر آخر سوى ما يفهمه المعترضون في عصر الأئمة(عليهم السلام) وما بعدهم، سواء أكان استعمال لفظ «البداء» فيه حقيقة أم كان من باب المجاز والمشاكلة، أو غير ذلك من الوجوه المصحّحة لاستعمال تلك الكلمة في حقّه سبحانه، الّتي سيمرّ عليك بيانها، كلّ ذلك حسب الكتاب والسنّة.


1 . راجع للوقوف على هذه الأحاديث: بحار الأنوار: 4 / 107 ـ 108، باب البداء، الأحاديث 19 و 20 و 21 و 23 و 24 و 25 و 26.

23
وأمّا العقل فلقد قامت الأدلّة والبراهين العقليّة ـ عند الإماميّة على أنّ علمه سبحانه عين ذاته لا زائداً عليه، وأنّه علم كلّه لا جهل فيه، وقدرة كلّه لا عجز فيه، وقد تأيّد كلّ ذلك بالبراهين الفلسفيّة والكلاميّة.
بعد هذا وذلك فإنّ تفسير «البداء» في كلام أئمتهم وعلمائهم بالمعنى الباطل ـ الذي لا يصحّ أن ينسب إلى شخص عاديّ، فضلاً عن الأئمة والعلماء ـ تجاف عن الحقيقة.
وبذلك يظهر أنّ ما نقله البلخي والرازي في تفسيرهما ناش عن عدم معرفتهما بعقائد الإماميّة، إذ قال الرازي في تفسير قوله سبحانه: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ):(1) قالت الرافضة: البداء جائز على الله تعالى، وهو أن يعتقد شيئاً ثمّ يظهر له أنّ الأمر بخلاف ما اعتقده، وتمسّكوا فيه بقوله: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) (ثم قال:) إنّ هذا باطل لأنّ علم الله من لوازم ذاته المخصوصة، وما كان كذلك كان دخول التغيير والتبدّل فيه محالاً».(2)
وما حكاه إنّما افتعله الأفّاكون الذين ينحتون الكذب لغايات وأغراض فاسدة، وأخذه الرازي حقيقةً راهنةً!!


1 . الرعد: 39 .
2 . تفسير الرازي: 5 / 216 .

24
والعجب أنّه يقول ما يقول رغم أنّ موطنه ومسقط رأسه (بلدة الريّ) كان مزدحم الشيعة ومركزهم، وكان هو يعيش بينهم وتجمع بينه وبين أقطاب من متكلّمي الشيعة، البيئة الواحدة ونخصّ بالذكر منهم: «محمود بن علي بن الحسين سديد الدين الحمصي الرازي» علاّمة الإماميّة في الأُصولين وصاحب كتاب «المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد»(1).
ولو كان الرازي رجلاً موضوعيّاً لرجع إليهم في أخذ عقيدة الشيعة الإماميّة، ولما تهجّم عليها وكال إليها التهم، ولم يكرّر في تفسيره ما ذكره في محصَّله.(2)
ما هكذا تورد يا سعدُ الإبلُ!!

الثالثة: الكتاب والسنّة مليئان بالمجاز

الكتاب والسنّة مليئان بالمجاز، في إمكان النسخ وإبطال مزعمة اليهود   
إنّ القرآن الكريم وكلمات البلغاء مليئة بالمجاز والمشاكلة. فترى القرآن ينسب إلى الله سبحانه، المكر والكيد والخديعة والنسيان والأسف إذ يقول: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا)(2)، ويقول: (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا )(3)، ويقول: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ


1 . راجع: كتاب الثقات العيون في سادس القرون: 295 .   2 . مرّ مصدره.
2 . الطارق: 15 ـ 16.
3 . النمل: 50 .

25
يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ )(1)، ويقول: (نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ )(2)، ويقول: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ )(3) إلى غير ذلك من الآيات والموارد.
وليس لأحد أن يغترّ بظواهر هذه الآيات والألفاظ فيثبت هذه الصفات لله سبحانه وهو أجلّ ممّا تعطيه ظواهر هذه الكلمات، بل لابدّ من التعمّق فيها حتّى يقف المرء على حقيقة مفادها.
ومن هذا القبيل لفظ «البداء» فلو وُصِف به سبحانه وتعالى في أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام) وكلمات العلماء فلابدّ من التعمّق في الأمر ولا يصحّ الاغترار بظاهر هذه اللفظة، وظواهر تلك الروايات والأخبار والكلمات، وسيوافيك توضيح ذلك في ما يأتي.

الرابعة: في إمكان النسخ وإبطال مزعمة اليهود

إنّ المعروف من عقيدة اليهود أنّهم يمنعون النسخ في الأحكام، بل يقولون باستحالته مطلقاً، سواء أكان في التكوين أم في التشريع.
وقد استدلّوا لذلك بوجوه مذكورة في الكتب الأُصوليّة من


1 . النساء: 142 .
2 . التوبة: 67 .
3 . الزخرف: 55 .

26
ذلك أنّ النسخ يستلزم عدم حكمة الناسخ، أو جهله بوجه الحكمة، وكلا الأمرين مستحيلان في حقّه سبحانه; وذلك لأنّ رفع الحكم الثابت لموضوعه إمّا أن يكون مع بقاء الحال على ما هو عليه من وجه المصلحة، وعلم ناسخه بها، وهذا ينافي حكمة الجاعل مع أنّه حكيم مطلقاً.
في إمكان النسخ وإبطال مزعمة اليهود   
وإمّا أن يكون من جهة «البَداء» وكشف الخلاف على ما هو الغالب في الأحكام والقوانين العرفيّة، وهو يستلزم الجهل منه تعالى .
وعلى ذلك فيكون وقوع النسخ في الشريعة محالاً، لأنّه يستلزم المحال .(1)
هذا هو دليلهم على امتناع النسخ في التشريع، وقد أجاب عنه علماء الإسلام بقولهم:
إنّ النسخ لا يلزم منه خلاف الحكمة، ولا ينشأ منه «البداء» المستحيل في حقّه سبحانه. ويكون الحكم المجعول حكماً حقيقيّاً، ومع ذلك ينسخ بعد زمان لا بمعنى أنّ الحكم بعد ثبوته


1 . راجع للوقوف على أدلّة الطرفين في امكان النسخ وامتناعه كتاب: «تلخيص المحصّل» للمحقّق الطوسي : 364 ـ 367 ; وأنوار الملكوت في شرح الياقوت والمتن لأبي إسحاق إبراهيم بن نوبخت أحد علماء الإماميّة والشرح للعلاّمة الحليّ; وإرشاد الطالبين: 317 ـ 321 ; و كشف المراد: 223 ـ 224، طبعة صيدا.

27
يرفع في الواقع، ونفس الأمر ومن رأس (كأن لم يكن حكماً) كي يكون مستحيلاً على الحكيم العالم بالواقعيّات، بل هو بمعنى أن يكون «الحكم المجعول مقيداً بزمان معلوم عند الله مجهول عند الناس» ويكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان لانتهاء أمده الذي قيِّد به وحلول غايته الواقعيّة الّتي أُنيط بها، ومن المعلوم أنّ للزمان دخالة في مناطات الأحكام، فيمكن أن يكون الفعل مشتملاًعلى مصلحة في سنين معيّنة ثمّ لا تترتّب عليه تلك المصلحة بعد انتهاء تلك السنين، وعندئذ ربما تقتضي المصلحة بيانَ الحكم على وجه الإطلاق مع أنّ المراد هو المحدود بالحدّ الزماني، فالنسخ بهذا المعنى تقييد لإطلاق الحكم من حيث الزمان، ولا يستلزم ذلك مخالفة الحكمة أو «البداء» بالمعنى المستحيل في حقّه تعالى.
هذا كلّه حول «النسخ في التشريع» .
وأمّا «النسخ في التكوين» فيراد منه أنّ الإنسان في حياته مخيّر غير مسيّر، وأنّ له تغيير مصيره إذا غيّر مسيره.
فالإنسان حرّ مختار طيلة حياته، له أن يجعل نفسه ـ في ما تبقى من حياته ـ من السعداء أو من الأشقياء، على خلاف ما ذهبت إليه اليهود، حيث زعموا: أنّ قلم التقدير والقضاء إذ جرى على الأشياء في الأزل، استحال ان تتعلّق المشيئة بخلافه.
وبعبارة أُخرى، ذهبوا إلى أنّ الله قد فرغ من أمر النظام وجفّ

28
القلم بما كان فلا يمكن لله سبحانه محو ما أثبت، وتغيير ما كتب أوّلاً.(1)
ويردّهم القرآن الكريم في مجال التشريع بقوله: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْر مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(2).(3)


1 . قال صاحب تفسير الكشّاف: إنّ عبدالله بن طاهر دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكّلتْ عليَّ ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي (ثمّ ذكر) قوله تعالى: (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن) الرحمن: 29. وقد صحّ أنّ القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة.
فقال الحسين:... وأمّا قوله: (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن) فإنّها شؤون يبديها لا شؤون يبتدئها» .
وهذه العبارة تكشف عن تسّرب عقيدة اليهود إلى بعض المسلمين، ولا شك أنّ ما ذكره الحسين باطل، لأنّه تعالى (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن) يحدث للأشياء ويبتدي بها، لا أنّه يبديها بعد ما ابتدأها في الأزل.
ويدلّ على هذا الأمر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «الحمدلله الذي لا يموت ولا ينقضي عجائبهُ لأنّه كُلَّ يَوْم هُوَ في شَأن من إحداث بديع لم يكن» فإنّه صريح في أنّ الله تعالى يحدث في كلّ وقت ما أراد إحداثه من الأشخاص والأحوال.
2 . البقرة: 105 ـ 106 .
3 . ويظهر من كثير من المفسّرين تفسير الآية بالشريعة المحمدية، وأنّه سبحانه يقول: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)ويفسّرون نسخ الآية بنسخ حكم الآية، وننسها بإزالة الآية من ذاكرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
ثمّ ضربوا يميناً وشمالاً محاولين توجيه النسيان، وعدم اجتماعه مع قوله سبحانه: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى) الأعلى: 6 .
وهذه التكلّفات ناشئة عن الغفلة عن هدف الآية، وأنّها راجعة إلى نسخ الشرائع السماويّة السابقة بواسطة الإسلام، والمراد من نسيانها نسيان تلك الكتب، والشرائع بحيث حرّفت وبدّلت حتّى صارت حقيقتها نسياً منسياً.
ونسبة الإنساء إلى الله نسبة مجازيّة، كما نسب إليه الإضلال باعتبار تمرّد المنتسبين حتّى خرجوا عن أهلية اللطف والتوفيق. لاحظ للتوسّع: آلاء الرحمن: 1 / 104 .

29
وإلى ما ذكرنا يشير كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في محاورته مع اليهود، فقد روي عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام)أنّه قال: «وجاء قوم من اليهود إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقالوا: يا محمّد هذه القبلة بيت المقدس قد صلّيت إليها أربع عشر سنة ثمّ تركتها الآن، أفحقّاً كان ما كنتَ عليه فقد تركته إلى باطل فإنّما يخالف الحق الباطلُ، أو باطلاً كان ذلك فقد كنت عليه طول هذه المدّة؟ فما يؤمننا أن تكون الآن على باطل؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : بل ذلك كان حقّاً وهذا حقّ يقول الله: (قُلْ للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)(1)إذا عرف صلاحكم يا أيّها العباد في استقبال المشرق أمركم به، وإذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب أمركم به، وإن عرف


1 . البقرة: 142 .

30
صلاحكم في غيرهما أمركم به، فلا تنكروا تدبير الله في عباده، وقصده إلى مصالحكم»(1).
كما أنّه سبحانه يرد عليهم في إمكان النسخ في مجال التكوين في الآية التالية إذ يقول:
(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيّ وَلاَ نَصِير)(2) ومفاده أنّ ملك السماوات والأرض لله، فله أن يتصرّف فيها كيف يشاء، وليس لغيره شيء من الملك حتّى يوجب ذلك انسداد باب من أبواب تصرّفه سبحانه، أو يكون مانعاً عن تصرّف من تصرّفاته، فلا يملك أيّ شيء شيئاً في قبال مالكيّته، فله أن يتصرّف فيكم وفي ما عندكم ما شاء وأراد من أنواع التصرّف .
كما يصرّح سبحانه في آية بل آيات أُخرى بأنّه سبحانه لم يفرغ من أمر الإيجاد والخلق والتكوين، وأنّه كلّ يوم هو في شأن، إذ يقول: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)(3) .
وعلى ذلك فإنّ الله سبحانه باسط اليدين في مجاليّ التكوين والتشريع، يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء، ويثبت ما يشاء ويمحو ما


1 . بحار الأنوار: 4 / 105 ـ 106، باب البداء.
2 . البقرة: 107 .
3 . الرعد: 39 .
Website Security Test