welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : البداء على ضوء الكتابِ والسنّة*
نویسنده :الأُستاذ جعفر الهادي*

البداء على ضوء الكتابِ والسنّة

1
   
    البداء على ضوء الكتابِ والسنّة
البداء
على
ضوء الكتابِ والسنّة

2

3
البداء
على
ضوء الكتابِ والسنّة
 
محاضرات
الأُستاذ المحقّق آية الله جعفر السبحاني
 
بقلم
الأُستاذ جعفر الهادي
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      البداء على ضوء الكتابِ والسنّة / جعفر السبحاني ; بقلم جعفر الهادي . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1392 .
      143 ص.    ISBN : 978 - 964 - 357 - 526 - 7
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
اين كتاب در سالهاى مختلف توسط ناشرين متفاوت منتشر شده است.
كتابنامه بصورت زيرنويس.
      1 . بداء. الف. هادى، جعفر، 1325 ـ ، گردآورنده. ب. موسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان.
4ب 2س44/ 218 BP    42 / 297
1392
اسم الكتاب:   … البداء على ضوء الكتابِ والسنّة
المحاضر:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
المؤلف:    …الأُستاذ جعفر الهادي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:    …1392 هـ ش / 1434 هـ . ق / 2013 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   … 143 صفحة
القطع:    … رقعي
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:    …مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:785   تسلسل الطبعة الأُولى:406
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

5

6

7

   الفصل الأوّل

حقيقة البداء
عند الشيعة الإماميّة

8
 

حقيقة البداء عند الشيعة الإماميّة

النزاع في البداء لفظيٌّ لا معنويٌ.
1. في تفسير لفظة البداء
2. في نقل أقوال أئمة أهل البيت(عليهم السلام) حول علمه سبحانه
3. الكتاب والسنّة مليئان بالمجاز.
4. في إمكان النسخ وإبطال مزعمة اليهود.
5. في أنّ القدر ليس حاكماً على مشيئته وأفعاله سبحانه كما أنّه ليس حاكماً على حريّة الإنسان واختياره.
6. تغيير المقدّر والمصير بالأعمال.
   تأثير الأعمال الصالحة في مصير الإنسان .
   أحاديث وروايات أهل البيت(عليهم السلام) وتأثير العمل الإنساني في المصير.
   روايات أهل السنّة وتأثير العمل الإنساني في المصير.
   تأثير الأعمال الطالحة في تغيير المصير.
   البداء من المعارف العليا.
   إشكالان حول تأثير الدعاء.
7. الآثار البنّاءة للاعتقاد بالبداء.
حقيقة البداء على ضوء الكتاب والسنّة.
نصوص علماء الإماميّة في البداء.
فذلكة البحث

9
 

حقيقة البداءُ عند الشيعة الإماميّة

تحتلّ مسألة «البداء» في عقائد الشيعة الإماميّة مكانة مهمّة، ولا يخلو كتابٌ كلامي أو فلسفي عن بحث مفصّل أو مختصر حول هذه المسألة، وقد اتّبعوا في طرح هذه المسألة وتوضيحها القرآن الكريم والسنّة المطهّرة، ولأجل ذلك نجدهم أفردوا هذه المسألة برسائل ودوّنوا كتباً وأبحاثاً، بين ما يحمل اسم البداء واشتهر به، وبين ما ليس له اسم خاص، بل بحث ضمن بحث آخر، وكفى في ذلك أنّ شيخنا العلاّمة البحّاثة الطهراني «آغا بزرگ» في «الذريعة» قد ذكر ما يقرب من خمسة وعشرين نموذجاً من هذه الرسائل والأبحاث.(1)
بيد أنّ هذه المسألة العظيمة رغم ما أُلّف حولها من مؤلّفات ورسائل كثيرة كما عرفت تخفى ـ مع الأسف ـ على أعلام
أهل السنّة قديماً كالبلخي والإمام الأشعري والرازي وغيرهم،


1. لاحظ : «الذريعة إلى تصانيف الشيعة»: 3/ 53-57.

10
وحديثاً مع ورودها بجذورها وأُصولها وفروعها في الكتاب والسنّة.
فبقدر ما تحظى هذه المسألة من الاهتمام والعناية لدى علماء الشيعة الإماميّة ـ كما عرفت ـ تلقى نقداً لاذعاً وهجوماً عنيفاً من جانب علماء السنّة بحيث لا يمرّ عليها أحدٌ منهم إلاّ ويهاجمها بشدّة وقسوة.
فبينما تعتبر الشيعة الإماميّة الاعتقاد بالبداء أساساً لأكثر العقائد الإسلامية وأمراً يقابل معتقد اليهود والنصارى في مجال أفعال الله سبحانه، وفي مقابل عقيدة «القدريّة» الذين يتصوّرون القدر والتقدير إلهاً ثانياً قائماً على مشيئة الله وإرادته، فإنّه سبحانه لا يقدر أن يغيّر ما قدّر، ويبدّل ما قرّر، يعتبره علماء السنّة مبدأ هدّاماً للدين!!
فكيف يمكن أن تكون قضية واحدة موصوفة بوصفين متناقضين: بعض يعتبرها من صميم الدين وجوهره، وبعض آخر يعتبرها فكرة هدّامة للدين؟!
فهذا هو الإمام الفخر الرازي يختم كتابه «المحصّل» بقوله:
إنّ أئمة الرافضة وضعوا مقالتين لشيعتهم لا يظفر معهما أحدٌ عليهم:
الأُولى: القول بالبداء، فإذا قالوا: إنّه سيكون لهم قوّة وشوكة، ثمّ

11
لا يكون الأمر على ما أخبروه قالوا: بدا لله تعالى فيه(1).
وقد سبق الرازي «البلخي» في هذه المزعمة على ما حكاه وذكره شيخنا الأكبر شيخ الطائفة الطوسي (المتوفّى عام 480 هـ) في تبيانه إذ قال: وحكى البلخي في كتاب التفسير فقال: «قال قوم ـ ليس ممّن يعتبرون ولكنّهم من الأُمّة على حال ـ : إنّ الأئمّة المنصوص عليهم بزعمهم مفوّض إليهم نسخ القرآن وتدبيره، وتجاوَزَ بعضهم حتّى خرج من الدين بقوله: إنّ النسخ قد يجوز على وجه البداء وهو أن يأمر الله عزّ وجلّ عندهم بالشيء ولا يبدو له، ثمّ يبدو له فيغيّره، ولا يريد في وقت أمره به أن يغيّره هو ويبدّله وينسخه، لأنّه عندهم لا يعلم الشيء حتّى يكون إلاّ ما يقدّره فيعلمه علم تقدير، وتعجرفوا فزعموا أنّ ما نزل بالمدينة ناسخ لما نزل بمكّة».
ثم علّق شيخنا الطوسي (رحمه الله) على هذا الكلام بقوله: «وأظنّ أنّه عنى بهذا أصحابنا الإماميّة، لأنّه ليس في الأُمة من يقول بالنص على الأئمة(عليهم السلام)سواهم. فإن كان عناهم فجميع ما حكاه عنهم باطل وكذب عليهم لأنّهم لا يجيزون النسخ على أحد من الأئمة(عليهم السلام)ولا


1 . المحصّل: 365; نقد المحصَّل (تلخيص المحصّل) للمحقّق الطوسي: 421، نقله عن سليمان بن جرير الزيدي والأمر الثاني هو التقية ـ كما ستعرف.

12
أحد منهم يقول بحدوث العلم.(1)
نعم سبق الرازي الإمام الشيخ أبو الحسن الأشعري فقال: وكلّ الروافض إلاّ شرذمة قليلة يزعمون أنّه يريد الشيء ثم يبدو له فيه .
وفسّره المحقّق المعلّق: أي يظهر له وجه المصلحة بعد خفائه عليه فيغيّر رأيه (2). هذا وقال بعد صفحتين: افترقت الرافضة هل الباري يجوز أن يبدو له إذا أراد شيئاً أم لا؟ على ثلاث مقالات ثم فصّل المقالات.(3)
أقول: إنّ الإمام الأشعري لو كان واقفاً على عقيدة الشيعة الّتي دوّنها معاصره المحدّث الكليني المتوفّى عام 328 هـ أي قبل الشيخ الأشعري بسنتين، لمّا نسب تلك الأُكذوبة إلى الشيعة الإماميّة، مع أنّه ينسب البداء بالمعنى الباطل إلى كلّ الشيعة ويأتي بخلافه بعد صفحتين ويقول: «والفرقة الثانية منهم يزعمون أنّه لا يجوز وقوع النَّسخ في الأخبار، وأن يخبرالله سبحانه أنّ شيئاً يكون ثمّ لا يكون، لأنّ ذلك يوجب التكذيب في أحد الخبرين».
أضف إلى ذلك: أنّ شيخ السنّة يعبّر عن الشيعة بالرّوافض مع


1 . التبيان : 1 / 13 ـ 14، طبعة النجف عام 1376هـ .
2 . مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين للإمام أبي الحسن الأشعري (المتوفّى عام 330 هـ): 107 تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.
3 . المصدر السابق: 109.

13
انّه من أوضح مصاديق قوله سبحانه: (وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ )(1) .
وأسوأ من ذلك ما ذكره المعلّق في تعاليقه من اللعن على الرافضة وتقبيحهم ـ سامحه الله وغفر ذنوبه ـ ونحن نمرّ عليه مرور الكرام. وكيف اجترأ على لعن ثلث المسلمين أو ربعهم وهم مقتفون أثر الرّسول وأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
وسيوافيك إن شاء الله في سائر أبحاثنا الكلاميّة أنّ جلّ ما نسب إليهم الإمام الأشعري في كتابه هذا باطلٌ.
فإذا كان هذا حال أعلام أهل السنّة وشيوخهم فكيف بالإنسان المبتدئ ومن ليس له إلمام بالأبحاث الكلاميّة، ولا قدم راسخة في المسائل الاعتقاديّة؟!
وخلاصة القول: إنّ الإنسان ليحتار أشدّ الحيرة وهو يواجه هذا التناكر والاختلاف في أصل واحد، إذ كيف يمكن أن يكون أصل واحد بمعنى واحد آية توحيد الله وكماله في الخلق والإيجاد عند طائفة، وإنكاراً لعلمه سبحانه عند طائفة أُخرى.
هل يمكن أن يكون التفاوت إلى هذه الدرجة أمراً صحيحاً وطبيعيّاً؟! أم أنّ هذا يكشف عن أنّ الأمر قد دُرِسَ في جوّ من


1 . الحجرات: 11 .

14
التعصّب، وعدم التحقيق، ويكشف في نفس الوقت عن أنّ أكثر المسائل الخلافيّة نشأت من مثل هذا المنطلق، وعولجت في مثل هذا الجوّ الذي ينافي مصلحة التحقيق، والبحث الموضوعي في القضايا الفكريّة والاعتقادية.
غير أنّ القارئ الكريم إذا نظر إلى ما سيمرّ عليه في هذه الصحائف يقف على أنّ النزاع القائم على قدم وساق في هذا المجال، قد نشأ عن عدم تعمّق المخالف في مسألة البداء، وعدم وقوفه على نفس ما يدّعيه الطرف الآخر، ولو وقف على مراده ومقصده لاتّفق معه في هذه المسألة ولقال: إنّ البداء بهذا المعنى هو عين ما نطق به الكتاب العزيز، وتحدّثت عنه السنّة الطاهرة، وأذعن به جهابذة العلم من أهل السنّة.
وكم، وكم لهذه المسألة من نظير نشأ فيه النزاع والتشاجر بين الإخوة من الطائفتين لعدم الوقوف على ما يعتقده الطرف الآخر، ومنها المسألة الثانية الّتي جعلها الإمام الرازي تبعاً لسليمان بن جرير ممّا اخترعته الشيعة الإماميّة إذ قال:
   
«والثاني: التقيّة فكلّما أرادوا شيئاً تكلّموا به فإذا قيل لهم هذا خطأ، أو ظهر لهم بطلانه قالوا: إنّما قلناه تقيّة...»(1).


1 . المحصل: 365 ; نقد المحصل: 421 .

15

النزاع في البداء لفظيّ لا معنويّ

ولو أنّ القوم طرحوا هاتين المسألتين في جوّ هادئ، وبتجرّد عن الأهواء والعصبيّات واستمعت كلّ طائفة إلى ما تقوله الطائفة الأُخرى، لوقفوا على «وحدة العقيدة» في كلتا المسألتين، ولعرفوا أنّ النزاع لفظيّ لا معنويّ حقيقي.
ولقد أشار معلّم الشيعة الإماميّة الشيخ المفيد (رحمه الله) (338 ـ 413 هـ) إلى هذه الحقيقة، وأنّ النزاع بين الموافق للبداء والمخالف له لفظيّ لا معنويّ إذ قال: أمّا إطلاق لفظ البداء فإنّما صرت إليه بالسمع الوارد عن الوسائط بين العباد وبين الله عزّ وجلّ، ولو لم يرد به سمع أعلم صحّته لما استجزت إطلاقه، كما أنّه لولم يرد عليَّ سمعٌ بأنّ الله يغضب ويرضى ويحبّ ويعجب لما أطلقت ذلك عليه، سبحانه، ولكنّه لمّا جاء السمع به صرت إليه على المعاني الّتي لا تأباها العقول، وليس بيني وبين كافّة المسلمين في هذا الباب خلاف، وإنّما خالف من خالفهم في اللّفظ دون ما سواه، وقد أوضحت من علّتي في إطلاقه بما يقصر معه الكلام، وهذا مذهب الإماميّة بأسرها، وكلّ من فارقها في المذهب ينكره على ما وصفت من الاسم دون المعنى ولا يرضاه.(1)
ولا يفوتني أن أذكر أنّ أحد أعلام السنّة في مجلس الخبراء


1 . أوائل المقالات: 92 ـ 93 .

16
اجتمع معي، وسألني عن حقيقة «البداء» وقد شرحتُ له مغزى المسألة، واستمع لما قلته بهدوء وتفهّم فقال: لو كان البداء بهذا المعنى فهو ممّا يعتقده أهل السنّة أجمع غير أنّكم لا تريدون من «البداء» هذا، وإنّما تريدون معنى آخر يلازم جهله سبحانه وظهور الحقيقة له بعد الخفاء.
ثم قال: لو أتيتَ بكتاب من قدماء الشيعة يتبنّى هذه العقيدة كما شرحتها لصدّقت كلامك وآمنتُ بالبداء، ولأجل ذلك جئت له بكتاب «أوائل المقالات» و «شرح عقائد الصدوق» للعلاّمة الشيخ المفيد، فأخذ الكتاب وراح إلى بيته وطالعه وقلّبه ظهراً لبطن، وجاء بعد أيّام قائلاً: لو كان «البداء» بنفس المعنى الذي شرحه معلّم الشيعة الشيخ المفيد، فأهل السنّة متّفقون معه في هذه العقيدة من لدن ضرب الإسلام بجرانه في الأرض.
فلأجل ذلك نزلنا عند رغبةِ بعض الفضلاء لشرح هذه المسألة على وجه يزيل الإبهام عن حقيقتها حتّى يتّضح الواقع بأجلى مظاهره ويعرف الجميع أنّ النزاع في هذه المسألة لفظيّ لا معنويّ.
وقد قام بتحريرها الأُستاذ الفاضل: الشيخ جعفر الهادي تحريراً وافياً بالمراد، وموضحاً لرموزه فلله تعالى درّه وعليه سبحانه أجره.
وقبل الدخول في صلب الموضوع نذكر مقدّمات مهمّة.

17
 
الأُولى: في تفسير لفظ البداء
إنّ «البداء» في اللغة هو الظهور بعد الخفاء، قال الراغب في مفرداته (1): «بدا الشيء بُدواً، وبداءً أي ظهر ظهوراً بيّناً، قال الله تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا)(2).
وعلى ذلك، فلا يُطلَق «البَداء» في المحاورات العرفيّة إلاّ إذا ما بدا له رأي في الشيء لم يكن له ذلك الرأي سابقاً، بأن يتبدّل عزمه في العمل الذي كان يريد أن يصنعه، ويحدث عنده ما يغيّر رأيه وعلمه به، فيبدو له تركُه، بعد أن كان يريد فعلَه، أو بالعكس وذلك عن جهل بالمصالح والمفاسد.
هذا هو معنى «البداء» وعليه جرت اللغة والعرف، ومن المعلوم أنّه لا يمكن أن يُطلق «البداء» بهذا المعنى على الله سبحانه لاستلزامه حدوث علمه تعالى بشيء بعد جهله به، وهذا محال، ولا أظنّ أن يطلق مسلمٌ عارف بالكتاب والسنّة ملمّ بالمباحث الفلسفيّة والكلاميّة، البداء بهذا المعنى في حقّه سبحانه، ونسبته بهذا المعنى إلى الشيعة كما فعل البلخي والرازي وغيرهما ـ ناقلاً له عن سليمان بن جرير ـ ناشئة عن عدم معرفتهم بمعتقد الإماميّة في


1 . المفردات للراغب: 40، مادة «بدا».
2 . الزمر: 47 ـ 48 .

18
هذا المجال، وعدم رجوعهم إلى الأُصول المصنّفة بأيدي أقطابهم وعلمائهم والروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) في هذا المضمار.
وعلى ذلك فلابدّ أن يُطلَب للبداء معنى آخر في هذا المورد، سواء أكان استعمال ذلك اللفظ في هذا المعنى الآخر حقيقة أم مجازاً، إذ البحث يدور على صحّة المراد من هذه الكلمة، لا في صحّة الاستعمال، وإن كان الاستعمال أيضاً صحيحاً كما سيوافيك بيانه، ونقله بعض أئمة اللغة كابن الأثير في «النهاية».
وعلى الجملة فالإماميّة القائلة بـ «البداء» في حق الله سبحانه لا تريد منه ما نسبه سليمان بن جرير وأخذه عنه «الرازي» بلا تحقيق وادّعاه البلخيّ قبل ذلك، وإنّما تريد من تلك الكلمة معنى آخر كما سيوافيك بيانه، وإلى ذلك يشير المحقّق المجلسي حيث عقّب على كلام الرازي بعد نقله:
«انظر إليه كيف نسب إلى أئمة الدين ـ الذين لم يختلف مخالف ولا مؤالف في فضلهم وعلمهم وورعهم وكونهم أتقى الناس وأعلاهم شأناً و رفعة ـ الكذب والحيلة والخديعة»(1).
في نقل أقوال أئمة أهل البيت(عليهم السلام) حول علمه سبحانه    


1 . بحار الأنوار: 4 / 123 .

19
 
الثانية: في نقل أقوال أئمة أهل البيت(عليهم السلام) حول علمه سبحانه
اتّفقت الإماميّة ـ عن بكرة أبيهم ـ بأنّه سبحانه عالم بالأشياء والحوادث كلّها غابرها وحاضرها ومستقبلها، لا يخفى عليه شيء لا في الأرض ولا في السماء، قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ )(1).
وقال سبحانه: (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْء فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ )(2).
وقال سبحانه: (إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً)(3). إلى غير ذلك من الآيات المصرّحة بعموم علمه. ولا يشذّ معتقد أئمة الإمامية عن مفاد تلك الآيات قيد شعرة.
فقد قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا الصدد: «كُلُّ سِرٍّ عِنْدَكَ عَلاَنِيَةٌ، وَكُلُ غَيْب عِنْدَكَ شَهَادَةٌ»(4).
وقال (عليه السلام) أيضاً: «وَلاَ يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ وَلاَ نُجُومِ السَّمَاءِ، وَلاَ سَوَافِي الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ، وَلاَ دَبِيبُ الَّنمْلِ عَلَى الصَّفَا،


1 . آل عمران: 5 .
2 . إبراهيم: 38 .
3 . الأحزاب: 54 .
4 . نهج البلاغة: الخطبة 105، طبعة عبده.

20
وَلاَ مَقِيلُ الذَّرِّ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ. يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الاَْوْرَاقِ، وَخَفِيَّ طَرْفِ الاَْحْدَاقِ».(1)
وقال الإمام الباقر (عليه السلام): «إنّ الله نور لا ظلمة فيه، وعلم لا جهل فيه، وحياة لا موت فيه».(2)
وقال (عليه السلام)أيضاً: «كان الله ولا شيء غيره ولم يزل الله عالماً بما كوّن، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد ما كوّنه».(3)
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ الله علم لا جهل فيه، وحياة لا موت فيه، ونور لا ظلمة فيه».(4)
وقال الإمام الكاظم (عليه السلام): «لم يزل الله عالماً بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء»(5).
وعن يونس بن عبدالرحمن قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): روينا أنّ الله علم لا جهل فيه، حياة لا موت فيه، نور لا ظلمة فيه. قال: «كذلك هو»(6).


1 . نهج البلاغة: الخطبة 173، طبعة عبده.
2 . بحار الأنوار: 4 / 84 ، باب العلم وكيفيته والآيات الواردة فيه، الحديث 18 .
3 . المصدر نفسه: 86 ، الحديث 23 .
4 . المصدر نفسه: الحديث 16 .
5 . الكافي: 1 / 107، باب صفات الذات.
6 . بحار الأنوار: 4 / 84، الحديث 17 .

21
وقال الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)(1): «فكلّ أمر يريده الله فهو في علمه قبل أن يصنعه، ليس شيء يبدو له إلاّ وقد كان في علمه، إنّ الله لا يبدو له من جهل».(2)
وقال (عليه السلام)أيضاً: «مَن زعم أنّ الله عزّ وجلّ يبدو له في شيء لم يعلمه أمس فابرأوا منه»(3).
ومع هذه التصريحات من أئمة أهل البيت(عليهم السلام) كيف يصحّ أن يسند إلى هذه الطائفة ـ الساعية في تنزيه الله عن كلّ نقص وعيب، وجهل وعجز، أكثر ممّا تفعله غيرها من الطوائف والمذاهب ـ بأنّها تقول بـ «البداء» بالمعنى الملازم للظهور بعد الخفاء والعلم بعد الجهل، على الله سبحانه؟!
فهل يصحّ أن يسند إلى الإمام الصادق (عليه السلام)الذي يفسّر الآية المذكورة بما نقلناه، أنّه يقول بشيء يكون مضادّاً ومخالفاً لما فسّر به الآية، هذا من جانب ومن جانب آخر نرى أنّ أئمة الشيعة يقولون: «ما عبد الله بشيء مثل البداء» ويقولون: «ما عُظِّمَ الله عزّ وجلّ بمثل البداء» ويقولون: «ما بعث الله نبيّاً حتّى يأخذ عليه ثلاث


1 . الرعد: 39 .
2 . بحار الأنوار: 4 / 121، الحديث 63 .
3 . بحار الأنوار: 4 / 111، الحديث 30 .

22
خصال: الإقرار بالعبوديّة وخلع الأنداد، وأنّ الله يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء». ويقولون في حديث آخر: «ما تنبّأ نبيّ قط حتّى يقرّ لله تعالى بخمس: بالبداء والمشيئة...».
وفي حديث آخر: «ما بعث الله نبيّاً قط إلاّ بتحريم الخمر، وأن يقرّ له بالبداء».
ويقولون: «لو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه»(1).
فهل يصحّ أن يُنسَب إلى عاقل ـ فضلاً عن إمام الأُمّة، وصادقها وباقر علومها ومظهرها ـ بأنّ الله تعالى لم يعبَد ولم يعظَم إلاّ بالقول بظهور الحقائق له بعد الخفاء، والعلم بعد الجهل، مع أنّ فيه تعجيزاً لله سبحانه، وتنظيراً له للخلق؟!
كلّ ذلك يؤيد بأنّ المراد من «البداء» في كلمات هؤلاء أمر آخر سوى ما يفهمه المعترضون في عصر الأئمة(عليهم السلام) وما بعدهم، سواء أكان استعمال لفظ «البداء» فيه حقيقة أم كان من باب المجاز والمشاكلة، أو غير ذلك من الوجوه المصحّحة لاستعمال تلك الكلمة في حقّه سبحانه، الّتي سيمرّ عليك بيانها، كلّ ذلك حسب الكتاب والسنّة.


1 . راجع للوقوف على هذه الأحاديث: بحار الأنوار: 4 / 107 ـ 108، باب البداء، الأحاديث 19 و 20 و 21 و 23 و 24 و 25 و 26.

23
وأمّا العقل فلقد قامت الأدلّة والبراهين العقليّة ـ عند الإماميّة على أنّ علمه سبحانه عين ذاته لا زائداً عليه، وأنّه علم كلّه لا جهل فيه، وقدرة كلّه لا عجز فيه، وقد تأيّد كلّ ذلك بالبراهين الفلسفيّة والكلاميّة.
بعد هذا وذلك فإنّ تفسير «البداء» في كلام أئمتهم وعلمائهم بالمعنى الباطل ـ الذي لا يصحّ أن ينسب إلى شخص عاديّ، فضلاً عن الأئمة والعلماء ـ تجاف عن الحقيقة.
وبذلك يظهر أنّ ما نقله البلخي والرازي في تفسيرهما ناش عن عدم معرفتهما بعقائد الإماميّة، إذ قال الرازي في تفسير قوله سبحانه: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ):(1) قالت الرافضة: البداء جائز على الله تعالى، وهو أن يعتقد شيئاً ثمّ يظهر له أنّ الأمر بخلاف ما اعتقده، وتمسّكوا فيه بقوله: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) (ثم قال:) إنّ هذا باطل لأنّ علم الله من لوازم ذاته المخصوصة، وما كان كذلك كان دخول التغيير والتبدّل فيه محالاً».(2)
وما حكاه إنّما افتعله الأفّاكون الذين ينحتون الكذب لغايات وأغراض فاسدة، وأخذه الرازي حقيقةً راهنةً!!


1 . الرعد: 39 .
2 . تفسير الرازي: 5 / 216 .

24
والعجب أنّه يقول ما يقول رغم أنّ موطنه ومسقط رأسه (بلدة الريّ) كان مزدحم الشيعة ومركزهم، وكان هو يعيش بينهم وتجمع بينه وبين أقطاب من متكلّمي الشيعة، البيئة الواحدة ونخصّ بالذكر منهم: «محمود بن علي بن الحسين سديد الدين الحمصي الرازي» علاّمة الإماميّة في الأُصولين وصاحب كتاب «المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد»(1).
ولو كان الرازي رجلاً موضوعيّاً لرجع إليهم في أخذ عقيدة الشيعة الإماميّة، ولما تهجّم عليها وكال إليها التهم، ولم يكرّر في تفسيره ما ذكره في محصَّله.(2)
ما هكذا تورد يا سعدُ الإبلُ!!

الثالثة: الكتاب والسنّة مليئان بالمجاز

الكتاب والسنّة مليئان بالمجاز، في إمكان النسخ وإبطال مزعمة اليهود   
إنّ القرآن الكريم وكلمات البلغاء مليئة بالمجاز والمشاكلة. فترى القرآن ينسب إلى الله سبحانه، المكر والكيد والخديعة والنسيان والأسف إذ يقول: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا)(2)، ويقول: (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا )(3)، ويقول: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ


1 . راجع: كتاب الثقات العيون في سادس القرون: 295 .   2 . مرّ مصدره.
2 . الطارق: 15 ـ 16.
3 . النمل: 50 .

25
يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ )(1)، ويقول: (نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ )(2)، ويقول: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ )(3) إلى غير ذلك من الآيات والموارد.
وليس لأحد أن يغترّ بظواهر هذه الآيات والألفاظ فيثبت هذه الصفات لله سبحانه وهو أجلّ ممّا تعطيه ظواهر هذه الكلمات، بل لابدّ من التعمّق فيها حتّى يقف المرء على حقيقة مفادها.
ومن هذا القبيل لفظ «البداء» فلو وُصِف به سبحانه وتعالى في أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام) وكلمات العلماء فلابدّ من التعمّق في الأمر ولا يصحّ الاغترار بظاهر هذه اللفظة، وظواهر تلك الروايات والأخبار والكلمات، وسيوافيك توضيح ذلك في ما يأتي.

الرابعة: في إمكان النسخ وإبطال مزعمة اليهود

إنّ المعروف من عقيدة اليهود أنّهم يمنعون النسخ في الأحكام، بل يقولون باستحالته مطلقاً، سواء أكان في التكوين أم في التشريع.
وقد استدلّوا لذلك بوجوه مذكورة في الكتب الأُصوليّة من


1 . النساء: 142 .
2 . التوبة: 67 .
3 . الزخرف: 55 .

26
ذلك أنّ النسخ يستلزم عدم حكمة الناسخ، أو جهله بوجه الحكمة، وكلا الأمرين مستحيلان في حقّه سبحانه; وذلك لأنّ رفع الحكم الثابت لموضوعه إمّا أن يكون مع بقاء الحال على ما هو عليه من وجه المصلحة، وعلم ناسخه بها، وهذا ينافي حكمة الجاعل مع أنّه حكيم مطلقاً.
في إمكان النسخ وإبطال مزعمة اليهود   
وإمّا أن يكون من جهة «البَداء» وكشف الخلاف على ما هو الغالب في الأحكام والقوانين العرفيّة، وهو يستلزم الجهل منه تعالى .
وعلى ذلك فيكون وقوع النسخ في الشريعة محالاً، لأنّه يستلزم المحال .(1)
هذا هو دليلهم على امتناع النسخ في التشريع، وقد أجاب عنه علماء الإسلام بقولهم:
إنّ النسخ لا يلزم منه خلاف الحكمة، ولا ينشأ منه «البداء» المستحيل في حقّه سبحانه. ويكون الحكم المجعول حكماً حقيقيّاً، ومع ذلك ينسخ بعد زمان لا بمعنى أنّ الحكم بعد ثبوته


1 . راجع للوقوف على أدلّة الطرفين في امكان النسخ وامتناعه كتاب: «تلخيص المحصّل» للمحقّق الطوسي : 364 ـ 367 ; وأنوار الملكوت في شرح الياقوت والمتن لأبي إسحاق إبراهيم بن نوبخت أحد علماء الإماميّة والشرح للعلاّمة الحليّ; وإرشاد الطالبين: 317 ـ 321 ; و كشف المراد: 223 ـ 224، طبعة صيدا.

27
يرفع في الواقع، ونفس الأمر ومن رأس (كأن لم يكن حكماً) كي يكون مستحيلاً على الحكيم العالم بالواقعيّات، بل هو بمعنى أن يكون «الحكم المجعول مقيداً بزمان معلوم عند الله مجهول عند الناس» ويكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان لانتهاء أمده الذي قيِّد به وحلول غايته الواقعيّة الّتي أُنيط بها، ومن المعلوم أنّ للزمان دخالة في مناطات الأحكام، فيمكن أن يكون الفعل مشتملاًعلى مصلحة في سنين معيّنة ثمّ لا تترتّب عليه تلك المصلحة بعد انتهاء تلك السنين، وعندئذ ربما تقتضي المصلحة بيانَ الحكم على وجه الإطلاق مع أنّ المراد هو المحدود بالحدّ الزماني، فالنسخ بهذا المعنى تقييد لإطلاق الحكم من حيث الزمان، ولا يستلزم ذلك مخالفة الحكمة أو «البداء» بالمعنى المستحيل في حقّه تعالى.
هذا كلّه حول «النسخ في التشريع» .
وأمّا «النسخ في التكوين» فيراد منه أنّ الإنسان في حياته مخيّر غير مسيّر، وأنّ له تغيير مصيره إذا غيّر مسيره.
فالإنسان حرّ مختار طيلة حياته، له أن يجعل نفسه ـ في ما تبقى من حياته ـ من السعداء أو من الأشقياء، على خلاف ما ذهبت إليه اليهود، حيث زعموا: أنّ قلم التقدير والقضاء إذ جرى على الأشياء في الأزل، استحال ان تتعلّق المشيئة بخلافه.
وبعبارة أُخرى، ذهبوا إلى أنّ الله قد فرغ من أمر النظام وجفّ

28
القلم بما كان فلا يمكن لله سبحانه محو ما أثبت، وتغيير ما كتب أوّلاً.(1)
ويردّهم القرآن الكريم في مجال التشريع بقوله: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْر مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(2).(3)


1 . قال صاحب تفسير الكشّاف: إنّ عبدالله بن طاهر دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكّلتْ عليَّ ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي (ثمّ ذكر) قوله تعالى: (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن) الرحمن: 29. وقد صحّ أنّ القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة.
فقال الحسين:... وأمّا قوله: (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن) فإنّها شؤون يبديها لا شؤون يبتدئها» .
وهذه العبارة تكشف عن تسّرب عقيدة اليهود إلى بعض المسلمين، ولا شك أنّ ما ذكره الحسين باطل، لأنّه تعالى (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن) يحدث للأشياء ويبتدي بها، لا أنّه يبديها بعد ما ابتدأها في الأزل.
ويدلّ على هذا الأمر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «الحمدلله الذي لا يموت ولا ينقضي عجائبهُ لأنّه كُلَّ يَوْم هُوَ في شَأن من إحداث بديع لم يكن» فإنّه صريح في أنّ الله تعالى يحدث في كلّ وقت ما أراد إحداثه من الأشخاص والأحوال.
2 . البقرة: 105 ـ 106 .
3 . ويظهر من كثير من المفسّرين تفسير الآية بالشريعة المحمدية، وأنّه سبحانه يقول: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)ويفسّرون نسخ الآية بنسخ حكم الآية، وننسها بإزالة الآية من ذاكرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
ثمّ ضربوا يميناً وشمالاً محاولين توجيه النسيان، وعدم اجتماعه مع قوله سبحانه: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى) الأعلى: 6 .
وهذه التكلّفات ناشئة عن الغفلة عن هدف الآية، وأنّها راجعة إلى نسخ الشرائع السماويّة السابقة بواسطة الإسلام، والمراد من نسيانها نسيان تلك الكتب، والشرائع بحيث حرّفت وبدّلت حتّى صارت حقيقتها نسياً منسياً.
ونسبة الإنساء إلى الله نسبة مجازيّة، كما نسب إليه الإضلال باعتبار تمرّد المنتسبين حتّى خرجوا عن أهلية اللطف والتوفيق. لاحظ للتوسّع: آلاء الرحمن: 1 / 104 .

29
وإلى ما ذكرنا يشير كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في محاورته مع اليهود، فقد روي عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام)أنّه قال: «وجاء قوم من اليهود إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقالوا: يا محمّد هذه القبلة بيت المقدس قد صلّيت إليها أربع عشر سنة ثمّ تركتها الآن، أفحقّاً كان ما كنتَ عليه فقد تركته إلى باطل فإنّما يخالف الحق الباطلُ، أو باطلاً كان ذلك فقد كنت عليه طول هذه المدّة؟ فما يؤمننا أن تكون الآن على باطل؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : بل ذلك كان حقّاً وهذا حقّ يقول الله: (قُلْ للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)(1)إذا عرف صلاحكم يا أيّها العباد في استقبال المشرق أمركم به، وإذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب أمركم به، وإن عرف


1 . البقرة: 142 .

30
صلاحكم في غيرهما أمركم به، فلا تنكروا تدبير الله في عباده، وقصده إلى مصالحكم»(1).
كما أنّه سبحانه يرد عليهم في إمكان النسخ في مجال التكوين في الآية التالية إذ يقول:
(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيّ وَلاَ نَصِير)(2) ومفاده أنّ ملك السماوات والأرض لله، فله أن يتصرّف فيها كيف يشاء، وليس لغيره شيء من الملك حتّى يوجب ذلك انسداد باب من أبواب تصرّفه سبحانه، أو يكون مانعاً عن تصرّف من تصرّفاته، فلا يملك أيّ شيء شيئاً في قبال مالكيّته، فله أن يتصرّف فيكم وفي ما عندكم ما شاء وأراد من أنواع التصرّف .
كما يصرّح سبحانه في آية بل آيات أُخرى بأنّه سبحانه لم يفرغ من أمر الإيجاد والخلق والتكوين، وأنّه كلّ يوم هو في شأن، إذ يقول: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)(3) .
وعلى ذلك فإنّ الله سبحانه باسط اليدين في مجاليّ التكوين والتشريع، يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء، ويثبت ما يشاء ويمحو ما


1 . بحار الأنوار: 4 / 105 ـ 106، باب البداء.
2 . البقرة: 107 .
3 . الرعد: 39 .

31
يشاء، لا يمنعه عن ذلك مانع. وما تتخيّله اليهود وما انتحلوه من أنّ الله قد فرغ من الأمر وانتهى من الإيجاد والتكوين فصار مكتوف اليدين، مسلوب القدرة، إنّما هو أمر باطل تردّه البراهين الفلسفيّة، والآيات القرآنيّة والأحاديث الصحيحة.
فهذا هو القرآن الكريم يصرّح بكونه: (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن)وأنّه كما يقول سبحانه عن نفسه: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(1) والآية مطلقة غير مقيّدة بزمان دون زمان.
ولأجل ذلك ينسب إلى نفسه كلّ ما يرجع إلى الخلق والإيجاد في كثير من الآيات، ويبيّن ذلك بصيغ فعليّة استقباليّة دالّة على الاستمرار، وناصّة على أنّ الفيض والخلق والإيجاد والتدبير بعد مستمر.
يقول سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَال فِيهَا مِنْ بَرَد فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ )(2) .
فالأفعال المتعدّدة الواردة في هذه الآية أعني قوله: (يُزْجِي، و يُؤَلِّفُ، و يَجْعَلُهُ، و يَخْرُجُ، وَيُنَزِّلُ) يكشف عن كونه كلّ يوم هو في شأن، وأنّ أمر الخلق والإيجاد والتصرّف بعد مستمرّ ولم يفرغ


1 . الأعراف: 54 .
2 . النور: 43 .

32
سبحانه عن ذلك، كما تدّعيه اليهود.
نرى أنّه سبحانه مع أنّه يعترف بنظام العليّة والمعلوليّة في الكون، يصرّح بأنّ تأثير الشفعاء (العلل الطبيعيّة) يتحقّق بإرادته كما يقول: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ)(1) .
والمراد من الشفيع هو الوسيط المؤثّر من العلل التكوينيّة، وهو من الشفع بمعنى الزوج فكأنَّ نظام العلّية مؤثّر بالإنضمام إلى إرادة الله سبحانه ومشيئته.
ثمّ إنّ بعض المفسّرين يطرحون عقيدة اليهود في مجالىّ التشريع والتكوين في تفسير قوله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ )(2).
غير أنّ الآية واردة في سياق الإنفاق والبذل ويتّضح ذلك إذا ألقينا نظرة إلى مجموع الآية، إذ يقول سبحانه: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ)(3)، فعبارة (يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)تصريح بأمر آخر وهو مسألة الإنفاق وأنّ قولهم: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ)ناظر إلى غلق يديه في مقام الإنفاق لا غيرهُ ممّا يرجع إلى التشريع


1 . يونس: 3.
2 . المائدة: 64 .
3 . المائدة: 64 .

33
أو التكوين، ويؤيد ذلك قولُهم: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ)(1).
ومع ذلك كلّه يمكن جعل قوله تعالى: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ)مشيراً إلى عقيدتهم العامّة الكلّية حول الله تعالى، وقوله: (يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)رد على مورد خاص من تلك العقيدة الكلّية.
ولأجل ذلك نرى أنّ الإمام الصادق (عليه السلام)يفسّر الآية بقوله: إنّ (اليهود): قالوا قد فرغ من الأمر فلا يزيد ولا ينقص، فقال الله جلّ جلاله تكذيباً لقولهم: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ).(2)
وخلاصة القول: إنّ قول اليهود: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ)يعكس أصل عقيدتهم في حقّ الله، وأنّه مسلوب الإرادة تجاه كلّ ما كتب وقدّر أوّلاً، وكانت نتيجة تلك العقيدة عدم قدرته على الإنفاق زيادة على ما قدّر وقضى، فردَّ الله سبحانه عليهم بإبطال تلك العقيدة أوّلاً بقوله: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ)، وثانياً بقوله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ).


1 . آل عمران: 181 .
2 . التوحيد للصدوق: 167، الباب 25 .

34
في أنّ القدر ليس حاكماً على مشيئته وأفعاله سبحانه ولا على حرّية الإنسان   
 
الخامسة: في أنّ القدر ليس حاكماً
على مشيئته وأفعاله سبحانه ولا على حرّية الإنسان
روى الفريقان المجبّرة والمعتزلة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «القَدَريّة مجوس هذه الأُمّة»(1) وكلّ من الفريقين فسّر القدرية بخصمه.
فقالت المجّبرة: إنّ المراد هم المعتزلة القائلة بالاختيار وعدم القدر، معلّلين بأنّهم صوّروا غيره سبحانه وخصوصاً الإنسان كإله ثان، مختار في فعله، خالق لعمله، فهو عنده إله ثان، فشُبِّهوا بالمجوسيّة لاعتقادهم بالثنويّة في الخالق.
غير أنّ استعمال القدريّة في الذين ينفون القدر بعيد جداً، فإنّ القدريّة تطلق على القائل بالقدر، كما أنّ العدليّة تطلق على القائل بالعدل لاعلى نافيه، فإطلاق القدريّة وإرادة من ينفي القدر منه أشبه بإطلاق العدليّة، وإرادة من ينفي العدل.
وعلى كلّ تقدير، فإنّه ممّا لا شك فيه أنّ القدر أمر ثابت في الدين ولا يمكن إنكاره أبداً وقد جاء به القرآن الكريم، وصرّحت به الروايات الصريحة، غير أنّ الكلام إنّما هو في تحكيم القدر على أفعال الله تعالى ومشيئته المطلقة فيثبته المجبّرة وينكره الشيعة


1 . التوحيد للصدوق: 382 ح 29; مستدرك الوسائل: 12/317 ح 14190، الباب 36 من أبواب الأمر و النهي .

35
الإماميّة، إذ يقولون: إنّ لله مشيئة في ما قضى وقدّر، وإنّ التقدير لا يجعله مغلول اليدين ومكتوفهما.
فالمغالاة في القدر وتحكيمه على مشيئته، وإجرائه على أفعاله سبحانه، والقول بأنّه تعالى محكوم بقدره، ممّا تخالفه البراهين العقليّة، وتعارضه الآيات القرآنيّة مثل قوله سبحانه: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)، وما سبق من الآيتين حول النسخ والإنساء معلّلاً سبحانه جوازهما بوجهين، وقد أوضحنا حالهما.(1)
فالعقيدة الصحيحة عبارة عن عدم تحكيم قدره على إرادته ومشيئته.
كما أنّ تعلّق قدره بأفعال الإنسان يجب أن يكون على وجه لا يسلب الاختيار عنه، بل يكون الإنسان مختاراً في فعله وتركه وعمله ونيّته.
فتفسير القدر وإجراؤه في أفعاله سبحانه أوّلاً، وأفعال البشر ثانياً على الوجه اللائح من «القَدريّة» المستلزم لحكومته على أفعال الخالق والمخلوق وإرادتهما ومشيئتهما، يستلزم الجبر الباطل المحكوم بالعقل والنقل.


1 . لاحظ سورة البقرة: الآية 106 ـ 107 .

36
ومن المؤسف أنّ أهل السنّة نقلوا في ذلك روايات وأحاديث في صحاحهم ربّما يستفاد من ظواهرها حكومة «القدر» على مشيئته سبحانه، وأنّه محكوم بتقدير لا يتخلّف عنه قيد شعرة، كما يظهر منها حكومته على أفعال الإنسان، وأنّه مكتوف اليدين ومسيَّر في حياته يسير حسبما قدّر له وكتب القلم، ونحن نذكر تلك النصوص في كلا المجالين جازمين بأنّها لو صحّت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يجب أن تُؤوَّل على وجه يجتمع مع الآيات القرآنيّة والبراهين العقليّة.

الطائفة الأُولى

فما ورد في القسم الأوّل عبارة عن الأحاديث التالية:
1 . ما رواه الترمذي في باب القدر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «إنّ أوّل ما خلق الله القلم فقال: اكتب، فقال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد»(1).
ويبدو من هذا الحديث وكأنّ المخلوق الأوّل قد خلق ليعارض خالقه في سلطانه، ويمنع جفاف القلم عن أن يفعل سبحانه مايشاء في خلقه.
2 . وروى الترمذي أيضاً عن عبدالله بن عمر قال: سمعت


1 . صحيح الترمذي: 3 / 310 ، برقم 2244، الباب 16 من كتاب القدر.

37
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «قَدَّر اللهُ المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»(1).

الطائفة الثانية

وأمّا الطائفة الثانية من الأحاديث فهي عبارة عن :
ما روى البخاري عن أبي هريرة قال لي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «جفّ القلمُ بما أنت لاق»(2).
وقد رواه مسلم في صحيحه كذلك.
وينقل النووي في شرح هذا الحديث... «ويقول الملك الموكَّل بالنطفة: «يا رب أشقي أو سعيد، فيكتبان... ويكتب عمله وأثره، وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص».(3)
وفي حديث حذيفة: بعد ما يجعله الله سويّاً أو غير سوي «ثمّ يجعله الله شقيّاً أو سعيداً»(4).


1 . صحيح الترمذي: 3 / 311 برقم 2245، الباب 16 من كتاب القدر .
2 . صحيح البخاري: 8 / 122، باب فى القدر، باب جف القلم على علم الله...
3 . صحيح مسلم بشرح النووي: 16 / 193. وراجع صحيح مسلم: 8 / 45، طبعة محمد علي .
4 . نفس المصدر: 194 وراجع صحيح مسلم: 8 / 46، طبعة محمد علي صبيح .

38
وفي حديث علي (عليه السلام)عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «وما من نفس منفوسة إلاّ وكتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلاّ وقد كتبت شقيّة أو سعيدة».(1)
وفي صحيح البخاري :«احتجّ آدم وموسى فقال له موسى: يا آدم أنتَ أبونا خيّبتنا وأخرجتنا من الجنّة، قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه. وخط لك بيده أتلومني على أمر قدّر الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة».
وروى البخاري أيضاً عن زيد بن وهب عن عبدالله قال: حدّثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو الصادق المصدّق (إلى أن قال:)... ثمّ يبعث الله مَلَكاً فيؤمر بأربع: برزقه وأجله وشقيٌّ أو سعيد، فوالله إنّ أحدكم أو الرجل يعمل بعمل أهل النار حتّى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنّة فيدخلها، وإنّ الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتّى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النّار فيدخلها».
وروى أيضاً عن أنس بن مالك عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «وكّل الله بالرحم ملكاً (إلى أن قال:) أي ربّ ذكر أم أُنثى؟! أشقيّ أم سعيد؟


1 . صحيح مسلم: 8 / 47، طبعة محمد على صبيح ; شرح النووي على صحيح مسلم: 16/ 193.

39
فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أُمّه».
وروى أيضاً عن عمران بن حصين قال: قال رجل: يا رسول الله أيعرَف أهل الجنة من أهل النّار؟ قال: «نعم» قال: فلم يعمَل العاملون؟ قال: «كلّ يعمل لما خلِق له أو لما يُسّرَ له».(1)
وتقدير هذا القدر الجاف الجافي ليس إلاّ من متعنّت حنق قاس حقود على المساكين العاجزين بلا سبب ولا مبرّر، وبذلك شقي الكفّار والعصاة بشقاوة الأبد، ولا مجال ـ بعد ذلك ـ لرأفته ورحمته وإحسانه بل لقد قدّر كلّ ذلك لجماعة آخرين غرباء لا يهمّه أمرهم بلا جهة ولا سبب كما يقول الله تعالى ـ في زعمهم في بعض رواياتهم ـ : «خلقت هؤلاء للجنّة ولا أُبالي وخلقت هؤلاء للنار ولا أُبالي»(2).
وقال سراقة بن جُعشم: «يا رسول الله بيّن لنا ديننا كأنّا خلقنا الآن فيما العمل اليوم؟ أفيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: لا، بل فيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير»(3).
وهذه الأحاديث لو صحّت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يجب ـ كما


1 . صحيح البخاري: 8 / 122-127، باب في القدر .
2 . لاحظ كتاب: بحوث مع أهل السنّة والسلفيّة: 47 .
3 . صحيح مسلم: 8 / 44، طبعة محمدعلي صبيح; شرح صحيح مسلم: 16 / 196 .

40
أسلفنا ـ تأويلها بحيث تجتمع مع البراهين العقليّة، والآيات القرآنيّة، وسائر الأحاديث، وإلاّ فكيف يمكن تصديق ظواهرها، فإنّ التقدير لو كان يجري في أفعاله ولا يحيد عنها قيد شعرة يستلزم حكومة القدر على مشيئته وإرادته واختياره، وهو أعظم ظلم وتعدّ على ساحته وحقوقه، فكلّ من قال بهذه المسألة يشمله قوله سبحانه: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)(1) .
إذ عندما يكون سبحانه محجوراً عليه ممنوعاً من التصرّف بما يشاء، أزلاً وأبداً وفي كلّ وقت يفترض فيه أنّه قد حدث فيه التقدير، فإنّ القدر يكون سابقاً عليه قبل ذلك، فالقدر هو شريك الله في القدم، ولأجل ذلك يصير القائل بهذا المعنى كالمجوس في الثنويّة وتعدّد الآلهة.
وفي الختام نقول: إنّ المسلمين ـ تبعاً للقرآن الكريم والأحاديث الشريفة الصحيحة ـ متّفقون على التقدير في أفعاله سبحانه، وأفعال عباده غير أنّه لابدّ أن يفسَّر القدر على وجه لا يعارض سلطانه سبحانه، ولا يكون إلهاً ثانياً في مقابله كما لا يعارض حرّية الإنسان واختياره فيجعله مكتوف اليدين فعندئذ يكون توجيه الأمر والنهي إليه مثل حال من قيل في شأنه:


1 . المائدة: 64 .

41
ألقـاه فـي اليـمّ مكتوفـاً وقـال لـه *** إيّاك إيّاك أن تبتلّ بالماء
والظاهر من القرآن الكريم رسوخ عقيدة «الجبر» عند المشركين وقد حكى عنهم سبحانه قولهم بقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء نَحْنُ وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ)(1).
وبقوله سبحانه: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(2).
فالظاهر أنّ مرادهم بأمره سبحانه بها، هو إرادته وقدره.
والعجب أنّ القرآن مع تنديده بالجبر بأشدّ اللحون والعبارات، نرى أنّ معاوية ومن في حزبه دعا إلى الجبر وتجديد عقيدة المشركين، والغاية من ترويجه هو فرض حكومته على الناس وتصويرها بأنّها حكومة إلهيّة، قد قضاها الله وقدّرها.
والعجب من الذين يترحّمون عليه ويطلبون له الرضا من الله يقولون في حقّه: ولقد كان معاوية يعلن أثناء ولايته في عهد عثمان


1 . النحل: 35.
2 . الأعراف: 28 .

42
أنّ المال مال الله، لا مال المسلمين ليحتجن هذه الأموال
ويحتجزها لنفسه كما كان يستند في إقامة ملكه إلى آيديولوجيّة مستمدّة من نظريّة التفويض الإلهي والحق الديني للمملوك وكان في ذلك تشويه أي تشويه للسياسة الشرعيّة للمسلمين من حيث إنّه أراد أن يستغل الدين من أجل الملك، ويُخضع العقائد لأهواء الحاكم.(1)
وقد سبقه في ذلك الكاتب المصري أحمد أمين في «ضحى الإسلام»(2).
ولأجل ذلك نرى أنّ الحسن البصري الذي كان يذهب مذهب الاختيار خوّفه بعض أقربائه بالسلطان، وأنّه مخالف لما «تروّجه الحكومة الأمويّة»(2).
ولا يشك أحد ممّن راجع تاريخ الحكومة الأمويّة بأنّهم كانوا مروّجين لمذهب القدر والجبر، حتّى يستتب لهم الأمر ولا يكون لأحد مجال الاعتراض على تصرّفاتهم الظالمة.
هذا ويتبيّن من المحاورة بين الحسن البصري وتلميذه معبد أنّ عقيدة القدر والجبر كانت ذريعة بيد حكّام الجور والسلطات الغاشمة.


1 . نظرية الإمامة للدكتور أحمد محمود صبحي: 334.   2 . ضحى الإسلام:3/81 .
2 . طبقات ابن سعد: 7 / 122، كما في بحوث مع أهل السنّة والسلفية: 53.

43
سأل معبد يوماً من شيخه الحسن البصري: لماذا نرى بني أُميّة يتمسّكون بالقضاء والقدر كثيراً؟ فأجابه شيخه: هؤلاء أعداء الله يكذّبون على الله. وصار هذا سبب قتله.
وكلّما زادت الشكوى إلى معاوية أو زبانيته يرجعونهم إلى القدر ويتلون عليهم قوله سبحانه: (وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم)(1) ولمّا ضاق الخناق قام إليه يوماً أحد الأحرار (وهو أحنف بن قيس) وقال: إنّ الله قسّم رزقه بين عباده بالعدل ولكن حُلتم بينهم وبين أرزاقهم.(2)
ولسنا هنا بصدد التوسّع في هذا الموضوع فقد يجد القارئ الكريم لما ذكرنا شواهد في التاريخ.
ولأجل هذه الفكرة الأثيمة اجترأ عمر بن سعد بن أبي وقّاص على قتل الإمام السبط الطهر مبرّراً عمله بقوله: «كانت أُموراً قضيت من السماء وقد أعذرت إلى ابن عمّي قبل الوقعة فأبى إلاّ ما أبى»(3).


1 . الحجر: 21.
2 . تاريخ مصر للمقريزي: 352. نقله عنه شبلي النعماني في كتابه تاريخ علم الكلام: 12.
3 . طبقات ابن سعد: 5 / 110; كما في بحوث مع أهل السنّة والسلفية: 59 .

44
   

السادسة: تغيير المصير بالأعمال

لقد دلّت الآيات والأحاديث الصحيحة على أنّ الإنسان قادر على تغيير مصيره بحسن أفعاله، وصلاح أعماله، وتهذيب أخلاقه وسلوكه، مثل الصدقة والإحسان وصلة الأرحام وبرّ الوالدين، والاستغفار والتوبة، وشكر النعمة إلى غير ذلك من الأُمور المغيّرة للمصير، الموجبة لتبدّل القضاء السيِّئ إلى القضاء الحسن، كما أنّه قادر على تغيير مصيره الحسن إلى المصير السيِّئ بالأعمال الّتي تقابل تلك الأعمال فليس إلانسان محكوماً بمصير واحد ومقدّر عليه غير قابل للتغيير، ولا أنّه يصيبه ماقدّر له شاء أم لم يشأ،
بل المصير والمقدّر يتغيّر ويتبدّل بالأعمال الصالحة أو الطالحة، بشكر النعم أو كفرانها، وبالتقوى أو المعصية إلى غير ذلك من الأُمور.
وكلّ ذلك واضح لمن كان له أدنى إلمام بالكتاب والسنّة، فلو أنكر أحد ذلك فإنّما ينكره باللسان، وقلبه معترف به، وإليك في ما يلي نزراً من الآيات والأحاديث في هذا المجال.

تأثير الأعمال الصالحة في مصير الإنسان

1. قال الله سبحانه حاكياً عن شيخ الأنبياء نوح قوله: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا *

45
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)(1).
فإنّك ترى أنّه (عليه السلام)يجعل الاستغفار سبباً مؤثّراً في نزول المطر، وكثرة الأموال، وجريان الأنهار إلى غير ذلك من الآثار.
وأمّا كيفيّة تأثير العمل الإنساني كالاستغفار في الكائنات فبيانه خارج عن إطار بحثنا هذا، وإنكار التأثير أشبه بكلمات الملاحدة وموقفهم، فهذا الوحي الآلهي يدلّ على تأثير الدعاء والاستغفار في الكائنات، والعلل الطبيعيّة، وقد تواتر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمة أهل البيت(عليهم السلام)أنّ الدعاء وما شابهه من الأعمال ممّا يرد به القضاء.
2. وقال سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(2).
3. وقال سبحانه: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(2).
4. وقال سبحانه: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(3).


1 . نوح: 10 ـ 12.   2 . الرعد: 11.
2 . الأنفال: 53 .
3 . الأعراف: 96 .

46
5. وقال سبحانه: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ)(1).
6. وقال سبحانه: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)(2).
7. وقال سبحانه: (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ)(3).
8 . وقال سبحانه: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ إنِّي مَسَّني الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ )(4).
9. وقال سبحانه: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)(5).
أحاديث وروايات أهل البيت(عليهم السلام) وتأثير العمل الإنساني في المصير   
10. وقال سبحانه: (فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِين)(6).


1 . الطلاق: 2 ـ 3 .
2 . إبراهيم: 7 .
3 . الأنبياء: 76 .
4 . الأنبياء: 83 .
5 . الأنفال: 33.
6 . الصافات: 143 ـ 146 .

47
11. وقال تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)(1).
12. وقال تعالى: (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين)(2).
هذه طائفة من الآيات القرآنيّة الّتي ترتّب آثاراً معيّنة على الدعاء والاستغفار والإيمان والعمل الصالح، ممّا يكشف عن تأثير هذه الأعمال في الكائنات والحوادث الطبيعيّة وإليك ما جاء في هذا الصعيد من الأحاديث والأخبار.
وسنذكر أوّلاً ما وصل إلينا من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ثم نذكر الأخبار المؤيّدة التي وردت في مصادر أهل السنّة.

أحاديث وروايات أهل البيت(عليهم السلام)

وتأثير العمل الإنساني في المصير
روى الشيخ الطوسي في أماليه عن الإمام الباقر (عليه السلام)قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أفضل ما توسّل به المتوسّلون الإيمان بالله، وصدقة السرّ فإنّها تذهب الخطيئة، وتطفئ غضب الربّ، وصنائع


1 . الأنبياء: 88 .   2 . يونس: 98 .

48
المعروف فإنّها تدفع ميتة السوء وتقي مصارع الهوان».(1)
وروي الصدوق في «ثواب الأعمال» عن الإمام الصادق(عليه السلام): «الصدقة باليد تدفع ميتة السوء، وتدفع سبعين نوعاً من أنواع البلاء».(2)
وروى الصدوق في «الخصال» عن أمير المؤمنين (عليه السلام)قال: «الاستغفار يزيد في الرزق».(2)
وروى أيضاً عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أكثروا الاستغفار تجلبوا الرزق».(3)
وروى الحميري في «قرب الإسناد» عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ الدعاء يردّ القضاء، وإنّ المؤمن ليأتي الذنب فيحرم به الرزق».(4)
   
وقد عقد الكليني في «الكافي» باباً أسماه «إنّ الدعاء يردّ البلاء و القضاء» فعن حمّاد بن عثمان قال: سمعته يقول: «إنّ الدعاء يردّ القضاء ينقضه كما ينقض السلك وقد أُبرم إبراماً»(5).


1 . أمالي الطوسي: 216 ح 380، المجلس 8 .   2 . ثواب الأعمال: 142 و 143.
2 . الخصال: 505 ح 2، باب سبع عشرة خصلة تزيد في الرزق.
3 . الخصال: 615 ح 10، حديث الأربعمائة.
4 . قرب الإسناد: 32 ح 104; أمالي الطوسي: 135 ح 219، المجلس 5.
5 . الكافي: 2/469 ح 1. و لاحظ بحار الأنوار: 90/288-289 كتاب الذكر والدعاء، أبواب الدعاء الباب 16، ح 2، 3، 5 و ج 4: 121، باب البداء.

49
وروى عن أبي الحسن موسى(عليه السلام) أنّه قال: «عليكم بالدعاء فإنّ الدعاء لله، والطلب إلى الله يردّ البلاء وقد قدّر وقضى ولم يبق إلاّ إمضاؤه، فإذا دعي الله عزّوجل وسُئل صرفَ البلاء صرفه»(1).
وروى الكليني عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)قال: «يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقي من عمره ثلاث سنين فيصيّرها الله ثلاثين سنة، ويفعل الله ما يشاء»(2).
وروى أيضاً عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «صلة الأرحام تزكّي الأعمال، وتنمي الأموال، وتدفع البلوى، وتيسّر الحساب، وتنسئ في الأجل»(3).

روايات أهل السنّة وتأثير العمل الإنساني في المصير

لقد روى أهل السنّة، نظير هذه الروايات والأخبار ونكتفي هنا بذكر بعضها:
1. روى السيوطي عن علي (رضي الله عنه)أنّه سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عن هذه الآية: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ) فقال: «لأقُرّنَّ عينك بتفسيرها ولأقُرَّنَ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها: الصدقة على وجهها وبرّ


1 . الكافي: 2 / 470 ح8 .
2 . نفس المصدر: 150 ح3، باب صلة الرحم.
3 . نفس المصدر: 150 ح4، باب صلة الرحم.

50
الوالدين واصطناع المعروف، يحوّل الشقاء سعادة ويزيد في العمر، ويقي مصارع السوء»(1).
2. وأخرج الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما. قال: لا ينفع الحذر من القدر ولكنّ الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر(2).
3. أخرج ابن أبي شيبة في المصنّف وابن أبي الدنيا في الدعاء عن ابن مسعود (رضي الله عنه)قال: ما دعا عبد قط بهذه الدعوات إلاّ وسّع الله له في معيشته: يا ذا المنّ ولا يُمَنُّ عليه يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطول لا إله إلاّ أنت، ظهر اللاجين، وجار المستجيرين، ومأمن الخائفين، إن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب شقيّاً فامح عنّي اسم الشقاء وأثبتني عندك سعيداً، وإن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب محروماً مقتَّراً عليّ رزقي فامح حرماني ويسّر رزقي وأثبتني عندك سعيداً موفّقاً للخير فإنّك تقول في كتابك الذي أنزلت: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ).(2)
4. عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لا يردّ القضاء إلاّ الدعاء، ولا يزيد في العمر إلاّ البر»(3).


1 . تفسير الدر المنثور: 4 / 66 .   2 . تفسير الدر المنثور: 4 / 66 .
2 . تفسير الدر المنثور: 4 / 66 وروى في الجزء 6 / 143 من هذا التفسير ما يقرب من هذا فلاحظ.
3 . التاج الجامع للأُصول: 5/111 .

51
5. عن عبادة بن الصامت (رضي الله عنه)عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «ما على الأرض مسلمٌ يدعو الله بدعوة إلاّ آتاه الله إيّاها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم»(1).
6. وعن ابن عباس (رضي الله عنه)قال كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يعوّذ الحسن والحسين يقول: «اعيذكما بكلمات الله التامّة من كلّ شيطان وهامّة ومن كلّ عين لامّة ـ ثم يقول: ـ كان أبوكم يعوّذ بهما إسماعيل وإسحاق(عليهم السلام)». رواه أبو داود والترمذي بسند صحيح.(2)
7. روى أحمد في مسنده بسنده عن ثوبان قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الرجل ليُحرَم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يردّ القدر إلاّ الدعاء، ولا يزيد في العمر إلاّ البر»(3).
8 . روى الحاكم في المستدرك بسنده عن ثوبان قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يردّ القدر إلاّ الدعاء، ولا يزيد في العمر إلاّ البر، وإنّ الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه»(4). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد، ولم يخرّجاه.
9. وروى عن ابن عمر، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الدعاء


1 . التاج الجامع للأُصول: 5 / 110 .
2 . التاج الجامع للأُصول: 5 / 100 ـ 101، سنن الترمذي: 3/303 برقم 225.
3 . مسند أحمد: 5/277.
4 . مستدرك الحاكم 1/493.

52
ينفع ممّا نزل، وممّا لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء»(1).
10. وروى عن أبي سعيد أنّ النبي قال: «ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها مأثم ولا قطيعة رحم إلاّ أعطاه إحدى ثلاث: إمّا أن يستجيب له دعوته، أو يصرف عنه من السوء مثلها، أو يدّخر له من الأجر مثلها». قالوا: يا رسول الله إذن نكثر، قال: «الله أكثر».
هذا حديث صحيح الإسناد إلاّ أنّ الشيخين لم يخرّجاه عن علي بن علي الرافعي(2).
   

تأثير الأعمال الطالحة في تغيير المصير

ثمّ إنّه كما للأعمال الصالحة أثر في مصير الإنسان وحسن عاقبته وزيادة عمره وسعة رزقه كذلك للأعمال السيّئة أثر معاكس، فهي توجب في المقابل سوء العاقبة، والفقر، ونقصان العمر وما شاكل ذلك.
وتدلّ على هذه الحقيقة آيات عديدة من الكتاب العزيز، مثل قوله سبحانه: (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَان فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ )(2).


1 و 2 . مستدرك الحاكم: 1/493.
2 . النحل: 112 .

53
وقوله سبحانه: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْص مِنَ الَّثمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)(1).
وقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِين وَشِمَال كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُل خَمْط وَأَثْل وَشَيْء مِنْ سِدْر قَلِيل * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ)(2).
فقوله سبحانه: (وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ) بعد عرض القصة، نصّ في كونه ضابطة إلهيّة جارية في الأُمم جمعاء، وأنّ مجازاة الكفور هو أخذ النعمة وسلبها عن أصحابها.
كما دلّت على هذا الموضوع روايات وأخبار متضافرة ومستفيضة وردت في كتب الفريقين الروائيّة المعتبرة من ذلك ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام)حيث قال في خطبته: «أعوذ بالله من الذنوب التي تعجّل الفناء»، فقام إليه عبدالله بن الكوّاء اليشكري فقال: يا أمير المؤمنين أو تكون ذنوب تعجّل الفناء؟ فقال: «نعم ويلك قطيعة الرحم».


1 . الأعراف: 130.
2 . سبأ: 15 ـ 17 .

54
وقال(عليه السلام) أيضاً: «إذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار»(1).

البداء من المعارف العليا

وبذلك يظهر أنَّ البداء من المعارف العليا الّتي أرشدنا الله إليها عن طريق كتابه وسنّة نبيّه، وكلمات أئمته، وأنّ المراد من الإصرار عليه هو ردّ مزعمة الطائفتين التاليتين:
الأُولى: اليهود ـ خذلهم الله ـ حيث ذهبوا إلى أنّ الله سبحانه قد فرغ عن الأمر والإيجاد، وأنّ ما يتحقّق في الكون إنّما هو ظهور لتقديره وقضائه، وأنّه يستحيل تعلّق المشيئة بغير ما جرى عليه القلم، وأنّه ليس للعالم وللإنسان إلاّ مصير واحد، لا يمكن تغييره وتبديله، وأنّه لا ينال إلاّ ماقدّر له من الخير والشر، ولو صحّت تلك العقيدة لبطل الدعاء والتضرّع، كما بطل تأثير الأعمال الصالحة وغيرها في تغيير المسير الذي نصّ به الكتاب العزيز إذ قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(2).


1 . الكافي: 2 / 348، كتاب الإيمان والكفر، باب قطيعة الرحم، الحديث 7 ـ 8. ولاحظ أيضاً ما ورد في آثار ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك الدعاء والصلاة والبر وما شاكل ذلك.
2 . الرعد: 11 .

55

إشكالان حول تأثير الدعاء (1)

1. ربما يُنكر البعض تأثير الدعاء في نزول الأمطار والبركات محتجّين بأنّ الظواهر الطبيعيّة معاليل لأسباب الماديّة، فلو كانت أسبابها متهيّئة، تحقّقت مسبّباتُها من غير حاجة إلى الدعاء، وإن لم تتحقّق تلك الأسباب، فلا تتحقّق مسبّباتُها، تاب الإنسان أو لا، ابتهل أو لا، غير أنّه عزب عن هؤلاء المساكين الغارقين في لجج المادّية والمسجونين في سجون الطبيعة أنّ وراء هذا النظام نظاماً علويّاً ومعنويّاً يقود هذا النظام الماديّ، ويدبّر أمره، وينزل منه الوجود والفيض حسب ما تقتضيه المصلحة، والمشيئة الحكيمة، وليس النظام المادّي مستقلاًّ في التدبير معتمداً على نفسه في التأثير، وإنّما هو يدور مدار التدبير العلويّ وإليه يشير سبحانه بقوله: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا)(2)، وبقوله سبحانه: (وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم)(3).
فإذا كان عالم المادة بنظامه العلّي والمعلولي عنصراً متأثراً بالنظام العلويّ ونزول الفيض من ذلك العالم يرتبط بقدر قرب


1 . الفرق يبن السؤالين أو الإشكالين واضح، فإنّ الأوّل يوجّهه الماديّون المنكرون لما وراء الطبيعة، والثاني يوجّهه القدريّون القائلون بالتقدير القطعي المحتوم الذي لا يغيّر ولا يبدّل.
2 . النازعات: 5 .
3 . الحجر: 21 .

56
الناس من الله سبحانه وحسن أو سوء أفعالهم، ومقدار منزلتهم ومكانتهم عنده، فلو حسن حال العبد، وكملت معرفته لعرفانه وابتهاله وتضرعه شملته العناية الإلهية بإنزال البركات، ولو انعكست انعكس الأمر.
وإن شئت قلت: إنّ الدعاء وصالح الأعمال وطالحها ليست في عرض الأسباب المادية بل في طولها يقف على ذلك كلّ من له إلمام بالمعارف الإلهية، وعلى ذلك فالدعاء والابتهال والتضرع من الأسباب والعلل الّتي جاء بها الوحي، كما أنّ الفساد والظلم والانحراف من موانع نزول الفيض وجريانه. قال سبحانه: (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ)(1) فإذا خالط الإيمان روح الإنسان وكان جسمه حليف العمل الصالح، وأليف الفعل الخيّر، يكون مهبطاً لنزول الرحمة والفيض، ولأجل ذلك جاء في الحديث: «إنّ الله لا يستجيب دعاءً بظهر قلب ساه»(2).
2. ربّما يُتصوّر أنّ الدعاء لا يسمن ولا يغني في شفاء المريض وعافيته تمسّكاً بأنّه إن كان المقدّر هو شفاؤه وعافيته فهو يشفى سواء دعي له أو لا، وإن قدّر موته وهلاكه مات وهلك دعي


1 . الشورى: 26 .
2 . بحار الأنوار: 93 / 305 و 314 وفيه: «لا يقبل الله دعاء قلب لاه».

57
له أو لا، فالدعاء في كلتا الحالتين غير ناجع ولا مفيد.
و الجواب عن هذا الإشكال ـ كما فى الإشكال السابق ـ إمّا بالنقض أو بالحلّ.
أمّا بالنقض فلأنّه إن صحّ ما ذكروه جرى في المعالجة وشرب الدواء حرفاً بحرف.
وأمّا بالحلّ فلأنّ الدعاء من العلل والأسباب العلويّة المؤثّرة في النظام المادي. وقد عرفت أنّ النظام المادي غير مفوّض إلى نفسه، بل يقوده النظام العلويّ، ولأجل ذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الدعاء مكتوب عليه: الذي يردُّ به القضاء»(1).
والحاصل: أنّ القيام بالمعالجة أو الدعاء والابتهال من الأسباب والعلل، غير أنّ بعضها محسوس وملموس، والآخر محسوس غير وإنّما أخبر عنه الوحي الآلهي.
وإن شئت قلت: إنّ المقدّر هو بُرء المريض، إذا دُعيَ له، فالدعاء إيجاد للشرط المقدّر كما أنّ تركه ترك لشرطه.
الثانية: القَدَريّة القائلين بسلطان القدر على مشيئة الله سبحانه، وأنّ كلّ مقدّر كائن لا يتغيّر ولا يتبدّل فالله سبحانه محكوم بقدره وقضائه لا يقدر على تغييره ولا يغيّره الدعاء، ولا صالح الأعمال


1 . بحار الأنوار: 4 / 121.

58
وطالحها، وكأنّ القدر غلّ على عنق الإنسان لا يمكن حلّه والتخلّص منه حتّى بصالح الأعمال والتضرّع والإنابة.
ويقابله القول بالبداء وهو القول بإطلاق قدرة الله وحكومة مشيئته على تقديره، وأنّ القدر ليس بإله كبير ولا صغير، ولا يخرج الأمر عن يد الله، ولأجل ذلك نرى أنّ النبي يمثّل القدرية بالمجوس في القول بالثنوية.
وبذلك يُعلَم أنّ مفاد البداء هو الاعتراف بأنّ العالم تحت سلطان الله وقدرته في حدوثه وبقائه، وأنّ إرادة الله نافذة في الأشياء أبداً وأزلاً.
كما يُعلم سرّ إصرار أئمة أهل البيت(عليهم السلام)على مسألة البداء لصيانة شيعتهم عن النزوع إلى التقوّل بمقالة إحدى الطائفتين ويصوّرون عظمة هذه العقيدة بأقوالهم، إذ يقولون: «ما عُبِدَ الله عزّ وجلّ بشيء مثل البداء».(1) أو: «ما عُظِّمَ الله عزّ وجلّ بمثل البداء».(2) أو: «لو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه».(3) إلى غير ذلك من الكلمات الذهبية القيّمة.


1 و 2 و 3 . بحار الأنوار: 4 / 107 ـ 108، باب البداء، الحديث 19 و 20 و 26 .

59

السابعة: الآثار البنّاءَة للاعتقاد بالبداء

إنّ للاعتقاد بالبداء الذي يرجع مغزاه إلى تغيير المصير بحسن الأعمال وسوئها آثاراً بنّاءة أعظمها: أنّه يبعث «الرجاء» في قلوب المؤمنين، وينبت نبات الخير الكامنة في نفوسهم، ويوجب انقطاع العبد إلى الله وطلبه إجابة دعائه منه وكفاية مهمّاته، وتوفيقه للطاعة، وإبعاده عن المعصية، فإنّ إنكار البداء والالتزام بأنّ ما جرى به قلم التقدير كائن لا محالة دون استثناء، يلزمه يأس المعتقد بهذه العقيدة عن إجابة دعائه فيقول في نفسه: إن كان جرى قلم التقدير بإنفاذ حاجتي فهو كائن ولاحاجة إلى الدعاء والتوسّل، وإن كان قد جرى القلم بخلافه لم يقع أبداً، ولم ينفعه الدعاء ولا التضرّع، وإذا يئس العبد من إجابة دعائه ترك التضرّع فخالفه، وكذلك الحال في سائر أعمال البرّ والصدقات الّتي ورد عن المعصومين(عليهم السلام)أنّها تزيد في العمر، وتنسئ الأجل.
إنّ الاعتقاد بالبداء يضاهي العقيدة بقبول التوبة والشفاعة، وتكفير الصغائر بالاجتناب عن الكبائر، فإنّ الجميع يبعث الرجاء، ويبعث نوره في قلوب الناس أجمعين: العصاة والمطيعين حتّى لا ييأسوا من روح الله، ولا يتصوّروا أنّه إذا قدّر كونهم من الأشقياء وأهل النار فلا فائدة في السعي والكدح، بل يجب عليهم أن يعتقدوا بأنّ الله سبحانه لم يجف قلمه في لوح المحو والإثبات،

60
فله أن يمحو ما يشاء ويُثبِتُ ما يشاء، ويسعد من شاء ويشقي من شاء، حسب ما يتحلّى به العبد من مكارم الأخلاق وصالح الأعمال، أو يرتكب من طالح الأعمال، وليست مشيئته سبحانه جزافيّة غير تابعة لضابطة حكيمة، بل لو تاب العبد وعمل بالفرائض، وتمسّك بالعصم خرج من صفوف الأشقياء ودخل في عداد السعداء، وبالعكس.
وهكذا كلّ ما قدّر في حقّ الإنسان من الحياة والموت والصحّة والمرض، والغنى والفقر، والسعادة والشقاء يمكن تغييره بالدعاء، والصدقة، وصلة الرحم، وإكرام الوالدين، فالبداء يبعث نور الرجاء في قلوب هؤلاء.
وقال السيد مكّي في كتابه «عقيدة الشيعة في الإمام الصادق(عليه السلام) و سائر الأئمة(عليهم السلام)» في بيان فوائد البداء ولزوم الالتزام به: إنّ في البداء الإقرار بقدرته تعالى، وإنّ جميع الأُمور تحت سلطانه يتصرّف فيها كما يشاء على حسب ما تقتضيه المصالح الّتي يراها الله تعالى، وهو موجب لانقطاع العبد إلى ربّه عند طلب الحاجات والابتهال إليه تعالى بالدعاء في نجاح ما سأل، وفيه الاستكانة والتضرّع والخوف منه تعالى والرجاء منه مالا يرجى من غيره، وظهور العبد بمظهر العجز بين يدي من له الحول والقوّة، ولو كان كلّ ما جرى فيه التقدير كائناً حتماً ولا يكون أبداً لم ينفع

61
الدعاء والتوسّل ولحصل اليأس من إجابة الدعاء، ولكان ما ورد في الحثّ على الدعاء من الآيات والروايات ممّا لا محلّ له، وكان الحثّ عليه بلا فائدة، وكان الحثّ منه تعالى ومن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)على التصديق وفعل الخير والاستغفار والاستقالة من الذنوب بلا فائدة أيضاً، ولا يقول بهذا أحد من المسلمين فلابد من الالتزام بالبداء على النحو الذي فصّلناه آنفاً، ولابدّ لخصم الشيعة الإماميّة من أن يوافقهم في هذه العقيدة الّتي لا تمسّ شيئاً من العقائد الإسلامية إذا تأمّل وأنصف.(1)


1 . عقيدة الشيعة في الإمام الصادق(عليه السلام): 57 ـ 58 .

62

 

حقيقة البداء على ضوء الكتاب والسنّة

إذا عرفت هذه المقدّمات السبع الّتي تشكّل أساس مسألة «البداء» تقف على أنّ المراد من البداء ليس إلاّ تغيير المصير والمقدّر بالأعمال الصالحة أو الطالحة، فليس الإنسان في مقابل التقدير مسيَّر، بل هو ـ بعدُ ـ مخيّرٌ في أن يغيّر التقدير بصالح أعماله، أو بطالح أفعاله، وأنّ هذا (أي تمكّن الإنسان من تغيير المصير بعمله) هو أيضاً جزء من تقديره سبحانه.
فبما أنّه سبحانه (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن)(1)، وبما أنّ مشيئته حاكمة على قدره، وبما أنّ العبد مختار لا مسيَّر، حرّ لا مجبور، فله أن يغيّر مصيره ومقدّره بحسن فعله ويخرج نفسه من عداد الأشقياء ويدخلها في عداد السعداء كما أنّ له عكس ذلك، وبما أنّ (اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )(2) فإنّ الله سبحانه يغيّر قدر العبد بتغيير من العبد بحسن عمله أو سوء عمله، ولا يعدّ تغيير هذا القضاء الإلهي بحسن الفعل، وتغيير القدر بسوء العمل، معارضاً لتقديره الأوّل سبحانه بل هو أيضاً جزء من قدره وقضائه


1 . الرحمن: 29 .
2 . الرعد: 11.

63
تعالى وسننه، فالله سبحانه إذا قدّر لعبده شيئاً وقضى له بأمر لم يقدّر ولم يقض على وجه القطع والحتم بحيث لا يتغيّر ولا يتبدّل، بل قضاؤه، وقدره على وجه خاص، وهو أنّ القضاء والقدر يجريان على العبد ما لم يغيّر حاله ووضعه، فإذا غيّر حاله بحسن فعل أو سوء فعل تغيّر قدر الله في حقّه، وحلّ مكان ذلك القدر قدر آخر، ومكان ذلك القضاء قضاء آخر، والجميع (من القدر السابق والقدر اللاحق، قضاء وقدر لله لا غير).
وهذا هو «البداء» الذي تتبنّاه الإماميّة من مبدأ تاريخهم إلى هذا الوقت.
ولكي يقف القارئ على صدق هذا المقال ندرج في ما يأتي بعض النصوص من علمائهم:

نصوص علماء الإماميّة في البداء

1. قال الصدوق في «باب الإعتقاد في البداء»: إنّ اليهود قالوا: إنّ الله تبارك وتعالى قد فرغ من الأمر، قلنا بل هو تعالى: (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن) لا يشغله شأن عن شأن يحيي ويميت ويخلق ويرزق ويفعل ما يشاء، وقلنا: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ )(1).(2)


1 . الرعد: 39 .   2 . الاعتقادات في دين الإمامية: 40، دارالمفيد، بيروت ـ 1414هـ .

64
2. قال الشيخ المفيد في شرح عقائد الصدوق: وقد يكون الشيء مكتوباً بشرط فيتغيّر الحال فيه، قال الله تعالى: (ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ )(1) فتبيّن أنّ الآجال على ضربين; ضرب منها مشترط يصحّ فيه الزيادة والنقصان، ألاترى قوله تعالى: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّر وَلاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَاب)(2)، وقوله تعالى:
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)(2)، فبيَّن أنّ آجالهم كانت مشترطة في الامتداد بالبرّ والانقطاع عن الفسوق، وقال تعالى فيما أخبر به عن نوح (عليه السلام)في خطابه لقومه: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا)(3) إلى آخر آيات السورة، فاشترط لهم في
مدّ الأجل وسبوغ النعم، الاستغفار فلمّا لم يفعلوه قطع آجالهم
وبتر أعمالهم، واستأصلهم بالعذاب، فالبداء من الله تعالى يختصّ ما كان مشترطاً في التقدير وليس هو الانتقال من عزيمة إلى عزيمة، ولا من تعقّب الرأي، تعالى الله عمّا يقول المبطلون علواً كبيراً»(4).


1 . الأنعام: 2.   2 . فاطر: 11 .
2 . الأعراف: 96 .
3 . نوح: 10 ـ 11.
4 . شرح عقائد الصدوق: 25، باب معنى البداء وسيوافيك من الشيخ المفيد ومنّا وجه إطلاق البداء على الله سبحانه.

65
3. قال المفيد (رحمه الله) أيضاً في كتابه «أوائل المقالات»: أقول في معنى البداء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ وأمثاله من الإفقار بعد الإغناء، والإمراض بعد الإعفاء، والإماتة بعد الإحياء، وما يذهب إليه أهلُ العدل خاصّة، من الزيادة في الآجال والأرزاق والنقصان منها بالأعمال.(1)
4. قال الشيخ الطوسي في العدّة: البداء حقيقته في اللغة هو الظهور، ولذلك يقال: بدا لنا سُور المدينة، وبدا لنا وجه الرأي، وقال الله تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا )(2)، (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا )(3) ويراد بذلك كلّه: «ظهر» وقد يستعمل ذلك في العلم بالشيء بعد أن لم يكن حاصلاً، وكذلك في الظن، فأمّا إذا أُضيفت هذه اللفظة إلى الله تعالى فمنه ما يجوز إطلاقه عليه ومنه ما لا يجوز، فأمّا ما يجوز من ذلك فهو ما أفاد النسخ بعينه، ويكون إطلاق ذلك عليه على ضرب من التوسّع، وعلى هذا الوجه يحمل جميع ما ورد عن الصادقين (عليهما السلام)من الأخبار المتضمّنة لإضافة «البداء» إلى الله تعالى، دون ما لا يجوز عليه من: حصول العلم بعد أن لم يكن، ويكون وجه إطلاق ذلك فيه تعالى التشبيه وهو: أنّه إذا


1 . أوائل المقالات باب «القول في البداء والمشيئة»: 53 .
2 . الجاثية: 33.
3 . الزمر: 48 .

66
كان ما يدلّ على النسخ يظهر به للمكلّفين ما لم يكن ظاهراً لهم، ويحصل لهم العلم به بعد أن لم يكن حاصلاً لهم، أُطلق على ذلك لفظ البداء(1).
5. وقال الشيخ الطوسي أيضاً، في كتاب الغيبة: إنّه لا يمتنع أن يكون الله تعالى قد وقّت هذا الأمر (الحادثة المعيّنة) في الأوقات التي ذكرت فلمّا تجدّد ما تجدّد، تغيّرت المصلحة واقتضت تأخيره إلى وقت آخر، وكذلك في ما بعد، ويكون الوقت الأوّل، وكلّ وقت يجوز أن يؤخّر، مشروطاً بأن لا يتجدّد ما تقتضي المصلحة تأخيره، إلى أن يجيء الوقت الذي لا يغيّره شيء، فيكون محتوماً، وعلى هذا يُتأوّل ما روي في تأخير الأعمار عن أوقاتها والزيادة فيها عند الدعاء وصلة الأرحام، وما روي في تنقيص الأعمار عن أوقاتها إلى ما قبله عند فعل الظلم وقطع الرحم، وغير ذلك، وهو تعالى وإن كان عالماً بالأمرين، فلا يمتنع أن يكون أحدهما معلوماً بشرط، والآخر بلا شرط، وهذه الجملة لا خلاف فيها بين أهل العدل، وعلى هذا يُتأوّل أيضاً ما رُوي من أخبارنا المتضمّنة للفظ البداء، ويبيّن أنّ معناها النسخ على ما يريده جميع أهل العدل فيما يجوز فيه النسخ أو تغيّر شروطها، إن كان طريقها


1 . عدّة الأُصول للشيخ الطوسي: 2 / 29، وكان يريد أنّ إطلاق البداء لله سبحانه لأجل كون مورد البداء في أذهان الناس من قبيل ظهور ما خفي.

67
الخبر عن الكائنات(1).
هذا كلّه ممّا جاء في كتب علماء الشيعة الإماميّة القدامى، وأمّا ما كتبهُ المتأخّرون منهم فإليك نماذج منه:
6. قال السيد عبدالله شبر: للبداء معان بعضها يجوز عليه وبعضها يمتنع وهو ـ بالفتح والمد ـ أكثر ما يطلق في اللغة على ظهور الشيء بعد خفائه، وحصول العلم به بعد الجهل، واتّفقت الأُمّة على امتناع ذلك على الله سبحانه إلاّ مَن لا يُعتدّ به، ومن نسب ذلك إلى الإماميّة فقد افترى عليهم كذباً، والإماميّة برآء منه. وقد يُطلق على النسخ، وعلى القضاء المجدّد، وعلى مطلق الظهور، وعلى غير ذلك من المعاني الآتية.
ثمّ استشهد على هذا بما ورد من أنّ الصدقة والدعاء يغيّران القضاء إلى غير ذلك ممّا روي في هذا المضمار.(2)
7. قال الإمام شرف الدين في هذا المجال: وحاصل ما تقوله الشيعة هنا: إنّ الله ينقص من الرزق وقد يزيد فيه، وكذا الأجل والصحّة والمرض والسعادة والشقاء، والمحن والمصائب والإيمان والكفر وسائر الأشياء كما يقتضيه قوله تعالى: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)، وهذا مذهب: عمر بن


1 . الغيبة للشيخ الطوسي: 262 ـ 264، طبعة النجف.
2 . مصابيح الأنوار: 1 / 33.

68
الخطاب وابن مسعود وأبي وائل وقتادة، وقد رواه جابر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكان كثير من السلف الصالح يدعون ويتضرّعون إلى الله تعالى أن يجعلهم سعداء لا أشقياء، وقد تواتر ذلك عن أئمتنا في أدعيتهم المأثورة وورد في السنن الكثيرة، أنّ الصدقة على وجهها، وبر الوالدين، واصطناع المعروف يحوّل الشقاء، سعادة ويزيد في العمر، وصحّ عن ابن عباس أنّه قال: لا ينفع الحذر من القدر ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر.
هذا هو البداء الذي تقول به الشيعة، تجوّزوا في إطلاق البداء عليه بعلاقة المشابهة، لأنّ الله عزّوجلّ أجرى كثيراً من الأشياء الّتي ذكرناها على خلاف ما كان يظنّه الناس فأوقعها مخالفة لما تقتضيه الأمارات والدلائل، وكان مآل الأُمور فيها مناقضاً لأوائلها، والله عزّ وجلّ هو العالم بمصيرها ومصير الأشياء كلّها، وعلمه بهذا كلّه قديم أزليّ لكن لمّا كان تقديره لمصير الأُمور يخالف تقديره لأوائلها. كان تقدير المصير أمراً يشبه «البداء» فاستعار له بعض سلفنا الصالح هذا اللفظ مجازاً، أو كأنّ الحكمة قد اقتضت يومئذ هذا التجوّز، وبهذا ردّ بعض أئمتنا قول اليهود: إنّ الله قدّر في الأزل مقتضيات الأشياء، وفرغ الله من كلّ عمل إذا جرت الأشياء على مقتضياته، قال (عليه السلام): بأنّ لله عزّ وجلّ في كلّ يوم قضاءً مجدّداً بحسب مصالح العباد لم يكن ظاهراً لهم، وما بدا لله في شيء إلاّ

69
كان في علمه الأزلي، فالنزاع في هذه بيننا وبين أهل السنّة لفظي لأنّ ما ينكرونه من البداء الذي لا يجوز على الله عزّ وجلّ تبرّأ الشيعة منه، وممّن يقول به، براءتها من الشرك بالله ومن المشركين.
وما يقوله الشيعة من البداء بالمعنى الذي ذكرناه يقول به عامّة المسلمين، وهو مذهب عمر بن الخطّاب وغيره كما سمعت، وبه جاء التنزيل: (يَمْحُوا الله ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ)(1) ، و: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن)(2) ، أي كلّ وقت وحين يُحدث أُموراً ويجدّد أحوالاً من إهلاك وإنجاء وحرمان وإعطاء ، وغير ذلك كما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد قيل له: ما ذلك الشأن؟ فقال: «من شأنه سبحانه وتعالى أن يغفر ذنباً ويفرّج كرباً ويرفع قوماً، ويضع آخرين».
هذا هو الذي تقول به الشيعة وتسمّيه بداءً، وغير الشيعة يقولون به، لكنّهم لا يسمّونه بداءً، فالنزاع في الحقيقة إنّما هو في تسميته بهذا الاسم وعدم تسميته به، ولو عرف غير الشيعة أنّ الشيعة إنّما تُطلِق عليه هذا الاسم مجازاً لا حقيقة، لتبيّن ـ حينئذ ـ لهم أنّه لا نزاع بيننا و بينهم حتّى في اللفظ، لأنّ باب المجاز واسع عند العـرب إلى الغـاية، و مـع هـذا كلّه فإن أصرّ غيرنا على هذا


1 . الرعد:39.
2 . الرحمن:29.

70
النزاع اللفظي وأبى التجوّز بإطلاق البداء على ما قلناه، فنحن نازلون على حكمه فليبدل لفظ البداء بما يشاء «وليتّق الله ربّه» في أخيه المؤمن «ولا يبخس منه شيئاً» (ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشياءَهُمْ وَلا تَعْثَوا فِي الأَرضِ مُفْسِدينَ * بَقِيةُ الله خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنين)(1).(2)
8. وقال شيخنا العلاّمة آغا بزرگ الطهراني في موسوعته القيّمة «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» عن البداء: «البداء معناه في اللغة ظهور رأي لم يكن، واستصواب شيء عُلِمَ بعد أن لم يُعلَم; وهذا المعنى يحصل لعامّة أفراد البشر، ولكنّه يستحيل على الله تعالى شأنه، لاستلزام بدو الرأي بشيء لم يكن الجهل به أوّلاً، أو العجز عنه وهو تعالى منزّه عنهما، والإماميّة الذين ينزّهون الله تعالى عن كثير ممّا يجوّزه غيرهم من فرق الإسلام عليه تعالى ينزّهونه عن الجهل والعجز بالطريق الأولى، فنسبة القول بالبداء بهذا المعنى إلى الإماميّة من البلخي في تفسيره كما في أوّل التبيان، بُهتان عظيم.
إنّ البداء الذي يعتقده الإماميّة هو بالمعنى الذي لابد أن يعتقده كلّ مَن كان مسلماً في مقابل اليهود القائلين بأنّ الله تعالى قد فرغ


1 . هود: 85 ـ 86.
2 . أجوبة مسائل جار الله: 101ـ 103.

71
من الأمر وأنّه لا يبدو منه شيء: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ)أو من تبع أقاويل اليهود زاعماً أنّه تعالى أوجد جميع الموجودات وأحدثها دفعة واحدة لكنّها متدرّجات في البروز والظهور لا في الوجود والحدوث فلا يوجد منه شيء إلاّ ما أوجد أوّلاً (1)، أو كان معتقداً بالعقول والنفوس الفلكيّة قائلاً: إنّه تعالى أوجد العقل الأوّل وهو معزول عن ملكه يتصرّف فيه سائر العقول، إذ لابدّ لكلّ مسلم أن ينفي هذه المقالات ويعتقد بأنّه تعالى: (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن)يعدم شيئاً ويحدث آخر، يميت شخصاً ويوجد آخر، يزيد وينقص يقدّم ويؤخّر، يمحو ما كان ويثبت ما كان من الأُمور التكوينية، كما أنّه ينسخ ما يشاء من الأحكام التكليفية ويرفعه ويثبت غيره من سائر الأحكام .
وبما أنّ البداء منه تعالى بإحداث مالم يكن، وإظهار ما خفي من التكوينيّات، وكذا نسخه في التكليفيّات يجريان على ما اقتضته الحكمة الإلهية، وحسب ما أحاط به علمه من المصالح العامّة في محو شيء وإثبات شيء، وتغيير ما كان عليه أمر عمّا هو عليه تكويناً أوتكليفاً، فلا يبدو منه تعالى إحداث وتغيير فيما قضى في علمه في اللوح المحفوظ بعدم التغيير وجرى عليه ذلك في تقديره الأزلي، ولا يظهر منه تعالى فيما قضى عليه خلاف ما هو عليه.


1 . وهذا هو ما أشار إليه الحسين بن الفضل كما مرّ عليك في المقدّمة الرابعة.

72
والعلم بكون الشيء ممّا قضى عليه كذلك أو من غيره خاص بحضرته لا يطلع على غيبه أحد حتّى أنبياؤه(عليهم السلام)إلاّ أن يصرح في الوحي إليهم بأنّه من المقضي والمحتوم فهم يخبرون الأُمّة به كذلك كإخبارهم بظهور الحجّة (عليه السلام)وحدوث الصيحة في السماء والخسف بالبيداء قبل ظهوره.
في الآيات والأخبار المتكاثرة دلالات على ثبوت البداء منه تعالى بهذا المعنى الذي هو معتقد كلّ مسلم، ولا سيّما ما ورد في قصص نوح وإبراهيم وموسى وشعيب وعيسى(عليهم السلام)ودعاء نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم)على اليهودي، والأحاديث في أنّ الصدقة والدعاء يردّان القضاء»(1).
9. قال العلاّمة الشيخ فضل الله الزنجاني في تعليقاته على كتاب «أوائل المقالات» ما هذا نصّه: لفظ البداء يطلق على معنيين: الأوّل: هو الظهور وهذا هو الأصل في هذه اللفظة من حيث الوضع اللغوي. والثاني: هو الانتقال والتحوّل من عزم إلى عزم بحصول العلم أو الظن بشيء بعد مالم يكن حاصلاً. والبداء بهذا المعنى، ممّا لا يجوز إطلاقه في حقّ الباري لاستلزامه حدوث العلم وتجرّده ممّا دلّت الأدلّة القاطعة على نفيه عنه تعالى بحيث تضاف إليه هذه اللفظة، فالمراد منه هو ظهور أمر غير مترقّب أو حدوث


1 . الذريعة إلى تصانيف الشيعة: 3 / 51 ـ 53 .

73
شيء لم يكن في الحسبان حدوثه ووقوعه.
وهذا المعنى يحصل كلّ ما ورد إطلاقه في القرآن الكريم، والذي سوّغ إطلاق لفظة البداء عليه بهذا المعنى هو السمعيات من آيات الكتاب الكريم نحو قوله تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُون)،(1) وغيره من الآيات، ومن الأخبار الكثيرة المرويّة بالطرق الصحيحة في كتب الفريقين حملوها على ما يفيد معنى النسخ ونظائره وجعلوه مثابة النسخ في الأُمور التشريعيّة ممّا أطبق الكلّ على صحّته وجوازه ويصير الخلاف كخلاف لفظيّ(2).
وقال السيد حسين مكّي في كتابه: «عقيدة الشيعة في الإمام الصادق وسائر الأئمة»، الذي ألّفه في نقد ما كتبه الشيخ الأزهري أبو زهرة حول حياة الإمام الصادق (عليه السلام): البداء لغة وعرفاً ظهور الشيء بعد خفائه أو ظهور ما لم يكن بالحسبان، وهذا إنّما يتصوّر في حق المخلوقين الجاهلين الذين لم يحيطوا علماً بما كان وما سيكون وما هو كائن. وأمّا بالنسبة إلى الله تعالى شأنه، فيستحيل في حقّه البداء بهذا المعنى، وإنّما يكون البداء منه بمعنى أنّه تعالى يظهر لمن يشاء من خلقه ما كان قد أخفاه عنهم(3).


1 . الزمر:47.
2 . التعليقات على كتاب أوائل المقالات: 94.
3 . الإمام الصادق : 46 ـ 47، طبع دار الاندلس، بيروت.

74

فذلكة البحث

هذه بعض نصوص علماء الإماميّة قديماً وحديثاً أتينا بها هنا ليقف القارئ على أنّ البداء عقيدة مشتركة بين المسلمين، وإنّما يستوحش منه من يستوحش لأجل عدم وقوفه على معناه، ولتصوّره أنّ المراد منه هو ظهور الأمر لله بعد الخفاء عليه. وقد عرفت اتّفاق علمائنا تبعاً للقرآن والسنّة على امتناع إطلاقه على الله سبحانه، وإنّما المراد منه هو: «تغيير المقدّر بالأعمال الصالحة أو الطالحة».
وأمّا وجه إطلاق لفظة «البداء» على هذا المفهوم فسيوافيك بيانه فيما بعد، غير أنّه لابدّ أن ننبّه هنا إلى نكتة وهي تعيين موضع البداء بهذا المعنى، فنقول:

تعلّق البداء بالتقدير الموقوف دون التقدير المحتوم

إنّ البداء إنّما يتصوّر في التقدير الموقوف، وأمّا التقدير القطعي المحتوم فلا يتصوّر فيه البداء، وتوضيح ذلك بما يلي:
إنّ لله سبحانه قضائين: قضاءً قطعيّاً، وقضاءً معلّقاً.
فأمّا الأوّل، فلا يتطرّق إليه البداء ولا يتغيّر أبداً.
وأمّا الثاني فهو الذي يتغيّر بالأعمال الصالحة، والأفعال الطالحة.

75
وقد صرّح أئمتنا(عليه السلام) ـ في أحاديثهم ـ بهذا الأمر ونصّوا على فقد سئل أبو جعفر الباقر (عليه السلام)عن ليلة القدر؟ فقال: «تنزّل فيها الملائكة والكتبة إلى سماء الدنيا، فيكتبون ما هو كائن في أمر السنة وما يصيب العباد فيها، قال: وأمر موقوف لله تعالى فيه المشيئة يقدّم منه ما يشاء ويؤخّر ما يشاء ، وهو قوله: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)».(1)
وعن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)في قوله: (ثُمَّ قَضى أَجلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ)(2)، قال: «الأجل الذي غير مسمّى موقوف يقدّم منه ما شاء ويؤخّر منه ما شاء، وأمّا الأجل المسمّى فهو الذي ينزّل ممّا يريد أن يكون من ليلة القدر إلى مثلها من قابل، فذلك قول الله: (فَإِذا جاءَ أَجلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُون)».(3)
وعن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)أيضاً في قوله: (ثُمَّ قَضى أَجلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ) قال: «المسمّى ما سُمّي لملك الموت في تلك الليلة، وهو الذي قال الله: (فَإِذا جاءَ أَجلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُون) وهو الذي سُمّي لملك الموت في ليلة


1 . بحار الأنوار: 4 / 102، باب البداء، الحديث 14; نقلاً عن أمالي الطوسي: 60 ح 89 ، المجلس 2.
2 . الأنعام:2.
3 . بحار الأنوار: 40/116 الحديث 44; نقلا عن تفسير العياشي: 1/354 ح 5.

76
القدر; والآخر له فيه المشيئة إن شاء قدّمه، وإن شاء أخّره».(1)
وعن حمران قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن قول الله: (ثُمَّ قَضى أَجلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ)؟ قال: فقال: «هما أجلان: أجل موقوف يصنع الله ما يشاء، وأجل محتوم» .
وفي رواية حمران عنه(عليه السلام) : «أمّا الأجل الذي غير مُسمّى عنده فهو أجل موقوف يقدّم فيه ما يشاء ويؤخّر فيه ما يشاء، وأمّا الأجل المسمّى هو الذي يُسمّى في ليلة القدر»(2).
وعن الفضيل قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام)يقول: «من الأُمور أُمور محتومة كائنة لا محالة، ومن الأُمور أُمور موقوفة عند الله يقدّم منها ما يشاء ويمحو منها ما يشاء ويثبت منها ما يشاء، لم يطلع على ذلك أحداً ـ يعني الموقوفة ـ فأمّا ما جاءت به الرسل فهي كائنة لا يكذّب نفسه ولا نبيّه ولا ملائكتهُ».(3)
وفي حديث قال الرضا (عليه السلام)لسليمان المروزي: «يا سليمان إنّ من الأُمور أُموراً موقوفة عند الله تبارك وتعالى، يقدّم منها ما يشاء ويؤخّر ما يشاء»(4).


1 . بحار الأنوار: 4 / 116، الحديث 45; نقلا عن تفسير العياشي: 1/354 ح 6.
2 . بحار الأنوار: 4 / 116 ـ 117، الحديث 46; نقلا عن تفسير العياشي: 1/355 ح 7 و 8 .
3 . بحار الأنوار: 4 / 119، الحديث 58; نقلا عن تفسير العياشي: 2/217 ح 65.
4 . بحار الأنوار: 4 / 96، الحديث 2; نقلا عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 1/161 ح 1.

77
هذه بعض الأحاديث الّتي تصرّح بتقسيم المقدّرات إلى نوعين: موقوف، أي معلّق على شرط; وحتميّ غير معلّق على شرط.
وخلاصة القول: إنّ المراد من التقدير الحتمي ما لا يبدّل ولا يُغيَّر ولو دُعي بألف دعاء، فلا تغيّره الصدقة، ولا شيء من صالح الأعمال أو طالحها، فقد قضى سبحانه للشمس والقمر سيراً خاصاً وإلى أجل معين، كما قضى للنظام المادي عمراً محدداً، وقدّر في حق كلّ إنسان بأنّه فان، إلى غير ذلك من السنن المستمرة الحاكمة على الكون والإنسان .
والمراد من الثاني الأُمور المقدّرة على وجه التعليق فقدّر أنّ المريض يموت في وقت كذا، إلاّ إذا تداوى أو أُجريت له عملية جراحية، أو دعي له وتصدّق عنه، إلى غير ذلك من التقادير الّتي تتغيّر بإيجاد الشرائط والموانع، والله سبحانه يعلم كلا التقديرين.
وله نظائر في التشريع الكلّي، فإنّه سبحانه قضى في حقّ المسرفين بأنّ مردّهم إلى النار، (وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ وَ أَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ)(1).
غير أنّ هذا التقدير ليس تقديراً قطعياً غير قابل للتغيير بشهادة


1 . غافر: 43.

78
قوله سبحانه: (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ )(1) .
والهدف من الجميع تقوية حريّة الإنسان وتفهيمه بأنّ له الخيار في اختيار أي واحد من التقديرين.

مع أبي زهرة في موقفه من البداء

إذا عرفت ذلك فهلمّ معي الآن لنناقش ما كتبه الشيخ أبو زهرة المصري الأزهري، فإنّه رحمه الله بعد أن طرح مسألة البداء من وجهة نظر الشيعة الإماميّة، ونقل كلمات بعض أعلامهم كالشيخ فضل الله الزنجاني علّق عليه بكلمات، وها نحن نذكر مقالته وتعليقه في عدّة نقاط، وتحت أرقام، فقد قال ما يلي:
ألف: أنّ البداء بمعنى أن ينزل بالناس ما لم يحتسبوا ويقدّروا كالغنى بعد الفقر، والمرض بعد العافية فهذا موضع اتّفاق بين الشيعة والسنّة، ولكنّهم يقولون: من البداء الزيادة في الآجال، والأرزاق والنقصان منها بالأعمال، ولا شك أنّ الزيادة في الآجال إن أُريد بالزيادة ما قدّره الله تعالى في علمه الأزلي، والزيادة عمّا قدر، فذلك يقتضي تغيير علم الله، وإن أُريد الزيادة عمّا يتوقّعه الناس فذلك ممّا ينطبق عليه قول الله تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ


1 . الزمر: 53 .

79
يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ)(1).
وعلى ذلك نقول: إن كان البداء في ما يحتسبه الناس ويقدّرونه فيجيء الأمر على خلاف ما توقّعوا فإنّ ذلك موضع إجماع; وإن كان البداء هو التغيير في المقدور، فذلك ما لم يقله أحد من أهل السنّة; لأنّه تغيير لعلمه، وذلك لا يجوز .(2)

التغيير في التقدير لا يلازم التغيير في العلم

ولا يخفى ما في كلام أبي زهرة هذا من الضعف وذلك:
أوّلاً: أن ما يدّعيه الشيعة الإماميّة من زيادة الآجال والأرزاق والنقصان منها بالأعمال لا يتفرّدون به، بل هو ممّا رواه أهل السنة في جوامعهم الحديثية، فلاحظ الأحاديث المروية عن أهل السنّة الّتي مرّت.(3)
ومن العجيب: أن يغفل الأُستاذ أبو زهرة عن ما رواه أئمة الحديث في هذا المجال.
وثانياً: أنّ الزيادة في الآجال والأرزاق، وإن كانت توجب


1 . الزمر: 47 .
2 . الإمام الصادق لأبي زهرة: 238 ـ 239 .
3 . راجع ص 49 تحت عنوان: روايات أهل السنّة و تأثير العمل الإنساني في المصير.

80
التغيير في التقدير لكنّها لا توجب التغيير في علم الله سبحانه، ومنشأ الخلط بين الأمرين هو: جعل تقديره سبحانه نفس علمه تعالى، وتوهّم أنّ التغيير في الأوّل يوجب التغيير في الثاني.
وفيه ـ مضافاً إلى أنّ التقدير غير العلم الأزلي (كما سيوافيك) (1) ـ : أنّ تغيير التقدير الأوّل بالعمل ممّا لا إشكال فيه; وذلك لأنّ لله قضائين وتقديرين، ولكلّ واحد منهما شروط ومقتضيات.
فالعبد الفارغ من الدعاء والعمل الصالح التارك لهما قدّر له: قصر العمر، وقلّة الرزق، و... .
والعبد المقبل على الدعاء والعمل الصالح كتب له: طول العمر وسعة الرزق. وكلا التقديرين تقدير من الله سبحانه.
فلو كان الرجل في إبّان شبابه غير متفرّغ للدعاء والعمل الصالح فهو داخل تحت التقدير الأوّل بشرط أن يبقى على هذه الحالة، فقد قدّر في حقّه قصر الأجل ونقصان الأرزاق بشرط البقاء على تلك الحالة.
ولكنّه إذا تحوّل إلى حالة أُخرى في أُخريات حياته وأقبل


1 . حيث سترى أنّ التقدير، غير علمه الأزلي، وهذا: من أهمّ ما غفل عنه الكاتب المذكور.

81
على الدعاء والعمل الصالح انقلب التقدير الأوّل إلى خلافه وضدّه، فتكتب في حقّه الزيادة في الأجل والرزق، وغيرهما.
نعم هو سبحانه يعلم من الأزل أنّ أي عبد يختار أيّ واحد من التقديرين طول حياته، أو أن أيّ عبد ينتقل من تقدير إلى تقدير آخر، فليس هاهنا تقدير واحد، وقضاء فارد، لا ينفك عنه الإنسان ولا مناص له منه، وإن كان هناك علم واحد أزلي غير متغيّر.

وزان التقديرين وزان الأجلين

وهذا مثل قوله سبحانه: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِين ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ)(1) .
والمراد من الأجل الأوّل هو القابليّة الطبيعيّة لأفراد النوع الإنساني، والعمر الطبيعي لنوع الإنسان .
وأمّا الأجل المسمّى فهو الأجل القطعي الذي لا يتجاوزه الفرد، وإليه يشير سبحانه بقوله: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)(2).
نعم الأجل المسمّى كثيراً ما ينقص عن الأجل المطلق، فلو


1 . الأنعام: 2.
2 . النحل: 61 .

82
جعلنا مقدار الأجل المطلق لطبيعة الإنسان مائة وعشرين سنة فقلّما يتّفق أن يبلغ الإنسان إلى ذلك الحد من العمر، فإنّ هناك موانع وعراقيل تمنعه ـ في العادة ـ من الوصول إليه .
نعم قلّما يزيد هذا الأجل على الأجل المطلق إذا توفّرت لذلك مقتضيات وقابليات خارجة عن المتعارف تؤثر في طول العمر وامتداده.
وعلى كلّ فكما أنّ وجود الأجلين لا يوجب تغييراً في علم الله سبحانه، فهكذا وجود التقديرين.
وتغيير التقدير الأوّل بالتقدير الثاني مثل تغيير الأجل المطلق بالأجل المُسمّى في ناحيتي الزيادة والنقصان، بل لا معنى للأجلين إلاّ التقديرين.
ثم إنّ المراد من تغيير المقدّر هو تغيير المكتوب في لوحي المحو والإثبات فإنّ لله سبحانه لوحين:
الأوّل: اللوح المحفوظ وهو الذي لا يتطرّق إليه التغيير، وقد أشار إليه سبحانه بقوله: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) (1).
الثاني: لوح المحو والإثبات فيكتب فيه التقدير الأوّل وهو


1 . الحديد: 22 .

83
وإن كان بظاهره مطلقاً وظاهراً في الاستمرار إلاّ أنّه مشروط بشروط، فإذا تغيّرت الشروط انتهى أمر التقدير الأوّل، وحان وقت التقدير الثاني، وإلى هذا اللوح أشار سبحانه بقوله: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ )(1).
ومثل هذا التغيّر في التقدير لا يمسّ العلم الإلهي الأزلي أبداً.
والعجب أنّ الشيخ أبا زهرة قد استشهد على ما نسبه وعزاه إلى الشيعة الإماميّة من أنّ المراد من البداء هو تغيير ما قدر الله سبحانه، وأنّ تغيير التقدير مساوق لتغيير علم الله الأزلي بروايات سنذكرها في القسم الثاني من هذه الرسالة ـ أعني: البداء في مجال الإثبات ـ وسنوضح عدم صلتها بتغيير علمه سبحانه.
***
ب: ثم إنّه استشهد بما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام)أنّه قال في حقّ ولده إسماعيل: كان القتل قد كتب على إسماعيل مرتين فسألت الله في دفعه عنه فدفعه، وقد يكون الشيء مكتوباً بشرط فيتغيّر الحال فيه، قال الله تعالى: (ثُمَّ قَضى أَجلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ)(2) .


1 . الرعد: 39 .
2 . الأنعام:2.

84
ثم قال: إنّ هذا الخبر المنسوب إلى أبي عبدالله الصادق صريح في تغيير المقدّر الذي قدّره الله سبحانه وتعالى .(1)
نعم: أن الخبر صريح في تغيير المقدّر، ولكنّه ليس كلّ تغيير في المقدّر تغيير في علمه الأزلي لما عرفت من وجود اللوحين لله سبحانه حسبما نطق به الكتاب العزيز.
وإن شئت قلت: إنّ التقدير غير علمه الذاتي، فالتقدير فعله سبحانه الخارج عن ذاته وعلمه سبحانه نفس ذاته، فكيف يكونان شيئاً واحداً، وقد عرفت أنّ هناك تقديرين، ولكلّ تقدير شروط ومقتضيات.
فربما يكون الإنسان داخلاً تحت التقدير الأوّل إبّان حياته، ولكنّه سوف يتغيّر هذا التقدير بتغيير أفعاله، ويدخل تحت التقدير الثاني كما أنّ الجالس في ظل جدار مشرف على الانهيار له تقديران.
فلو بقي جالساً تحت ذلك الجدار كتب عليه الموت عند انهياره.
ولو قام وابتعد عنه كتب عليه النجاة من الموت ولذلك عندما تحوّل علي (عليه السلام)عن ظل الجدار المنهار إلى جدار آخر واعترض


1 . الإمام الصادق لأبي زهرة: 239 .

85
عليه أحد ممّن لا علم له بحقيقة التقدير قائلاً: اتفر من قضاء الله، قال (عليه السلام): «افرّ من قضاء الله إلى قدر الله»(1).
وبذلك يظهر أنّ مانقله من الأخبار مستشهداً بها على أنّ الإماميّة يريدون من البداء التغيير في التقدير صحيح، غير أنّ ما استنتجه من أنّ التغيير في التقدير يستلزم التغيير في علمه تعالى غير صحيح.
ولا نطيل البحث بنقل هذه الأخبار والروايات غير أنّ الكاتب يعيد كلامه إذ يقول:
وفي الحق أنّ البداء إذا كان للخلق كذلك بأن يقع مالم يحتسبوا فذلك ليس فيه ما يمسّ العقيدة الإسلامية، إذ لا يمسّ علم الله تعالى، وإن كان معنى البداء بالنسبة لله سبحانه وتعالى فإنّ ذلك يقتضي تغيير علم الله تعالى ولا شك أنّ ذلك نقص في علمه، وانّنا نبادر فننفي عن الإمام الصادق (عليه السلام)كلّ رواية تؤدّي إلى أنّ البداء معناه تغيير علم الله تعالى، لأنّ ذلك يؤديّ إلى نقص علمه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.(2)
وقد ظهر ممّا ذكرناه أنّ ما زعمه حقّاً ليس بحقّ، وأنّ البداء بكلا المعنيين لا غبار عليه ولا مانع منه.


1 . كتاب التوحيد للصدوق: 369 .
2 . الإمام الصادق: 340 .

86
فكما أنّ البداء بمعنى أن يقع مالم يحتسبه الناس ليس فيه ما يمس العقيدة الإسلامية، فهكذا البداء بمعنى تغيير التقدير والمصير بالأعمال الصالحة.
غير أنّ الكاتب لم يفرّق بين تغيير التقدير، والتغيير في العلم الأزلي الذاتي (وبالأحرى لم يفرّق بين التقدير الإلهي والعلم الإلهي).
فالتغيير في الأوّل لا يستلزم التغيير في الثاني فإنّ التقدير فعله سبحانه، وليس علمه الذاتي، وإن كان يتعلّق به العلم.
فتغيير المعلوم (أي المقدَّر) لا يستلزم تغيير العلم، فالعالم بجوهره وعرضه متغيّر متبدّل، وبهذا الوصف نفسه معلوم لله سبحانه، فوجود التغيّر في المعلوم لا يستلزم التغيّر في العلم.
وإن شئت قلت: إنّ التقدير لا يتجاوز عن كونه مكتوباً في لوح من الألواح الّتي لا يعلم حقيقتها إلاّ الله سبحانه.
فحدوث التغيّر في اللوح لا يستلزم التغيّر في العلم; لأنّه سبحانه كما هو عارف بالتقدير الأوّل كذلك عارف من الأزل بأنّه سيتبدّل هذا التقدير بتقدير آخر.
وربما يكون التقدير من الصفات القائمة بنفس الأشياء الخارجية، قال الله سبحانه: (بَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ

87
أَيَّام )(1)، وقال سبحانه أيضاً: (الذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالذِي قَدَّرَ فَهَدَى)(2) .
وبالجملة فالتقدير والقضاء لا يخرج عن كونه تقديراً في الألواح، أو تقديراً قائماً بالأشياء (أي أنّ الأشياء مخلوقة ومصنوعة بمقادير، ومقاييس خاصّة) والكلّ ليس داخلاً في ذاته سبحانه وتعالى.

تغيير التقدير لا يستلزم تغيير الإرادة

ج. وممّا ذكرناه يظهر وهن ما كتبه الشيخ المذكور معترضاً على الإماميّة حيث قال: إنّ البداء بمعنى التغيير في المقدّر، أي أنّ الله سبحانه وتعالى يقدر ويعلم ثم ينسخ ما قدّر وعلم بأمر كوني آخر، وبذلك تتغير إرادة الله سبحانه وتعالى، وتغيير إرادة الله عندهم جائز; لأنّ إرادة الله تعالى تنجيزيّة حادثة وليست أزلية قديمة، ولكن علم الله أزلي يعلم الأشياء قبل وجودها، ويعلم ما كان وما سيكون، وما يمكن أن يكون، وإذا كان علم الله أزليّاً فإنّه بلا ريب يتنافى مع التغيير في الكون لأمر يبدو له سبحانه.(3)


1 . فصّلت: 10 .
2 . الأعلى: 2 ـ 3 .
3 . الإمام الصادق: 241 .

88
لقد ظهر وهن هذا الكلام ممّا ذكرناه سابقاً إذ فيه:
أولاً: أنّ تفسير التقدير بالإرادة غلط كتفسير التقدير بالعلم الأزلي، كما أوضحناه سابقاً، إذ التقدير فعله، وهو يتحقّق إمّا بالكتابة في الألواح أو بخلق المخلوق بمقادير ومقاييس معينة ينتهي عمره عند بلوغه إلى تلك الأقدار.
وثانياً: أنّ ما نسبه إلى الإماميّة بأنّ إرادة الله عندهم تنجيزية حادثة وليست أزلية قديمة، كذب من أساسه.
فالإمامية بين مَن يقول بكون الإرادة من الصفات الذاتية ويفسّرها بعلمه بالأصلح، وقد عرفت أنّ طروء التغيير في التقدير لا يستلزم التغيير في العلم.
وبين مَن يرى الإرادة من صفات فعله بمعنى الإيجاد والإحداث، وأنّها تنتزع من نفس فعله كما تنتزع الرازقية والخالقية من خلقه ورزقه.
وتغيير الإرادة بهذا المعنى لا يستلزم إشكالاً أبداً.
وعلى كلّ حال فمن قال بكون الإرادة صفة للذات فسّرها بالعلم، فهما في القدم وعدم طروء التغيير عليهما سواء.
ومن جعله من صفات الفعل فطروء التغيير عليه لا إشكال فيه; لأنّ الفعل ملازم للحركة والتغيير.

89
وثالثاً: أنّ تغيير التقدير لا يلازم تغيير الإرادة إذا جعلناها من صفات ذاته، ولا تغيير العلم، حسبما أوضحناه.

البداء من شبيه النسخ في التشريع

د. ثمّ إنّ من الكلمات الدارجة بين الشيعة الإماميّة في توضيح البداء في التكوين: هو قياس البداء بالنسخ في الأحكام حيث قالوا: «إنّ البداء نسخ في الكونيّات كالنسخ في الأحكام».
وقد استثقله الكاتب المذكور حيث قال: «لا يصحّ أن يقاس تغيّر ما قدّره الله في الكون لأمر بدا له سبحانه، على نسخ الأحكام أو المعجزات، فإنّ الله سبحانه وتعالى قدّر في علمه الأزلي لكلّ حكم ميقاتاً وزماناً معلوماً، فإذا انتهى زمانه حل محلّه حكم آخر بأمره ونهيه سبحانه، فليس فيه تغيير لعلمه الأزلي، وكذلك قدّر الآيات والمعجزات وجعل معجزة زمنها في تقديره سبحانه، فتغيير المعجزات لا يقتضي تغيير علم الله تعالى; لأنّ كلّ شيء منها كان عند الله بمقدار»(1).
ولا يخفى أنّ ما ذكره الشيخ من التفريق غير فارق، فإنّ الحكم التشريعي المطلق وإن كان، ظاهراً في الاستدامة إلى يوم القيامة لكنّه محدود في نفس الأمر إلى ميقات وزمان معلوم، فهكذا


1 . الإمام الصادق: 241 .

90
التقدير فإنّه ظاهر في الاستدامة، ولكنّه محدود واقعاً إلى ميقات وزمان معلوم وهو الزمان الذي يتغيّر فيه وضع العبد حسب أفعاله وأعماله، ويحل التقدير الثاني محلّ التقدير الأوّل.
فكما أنّ لكلّ حكيم ميقاتاً وزماناً معلوماً في علمه الأزلي، فكذلك لكلّ تقدير ميقاتاً وزماناً معلوماً في علمه، فإذا انتهى زمانه حل محلّه تقدير آخر بأمره سبحانه، والتفريق بين التشريع والتكوين بالتجويز في الأوّل دون الثاني تفريق بلا فارق.
وبالجملة يعود خلط الشيخ أبي زهرة في بحثه عن البداء إلى النقاط التالية:
1. تصوّر أنّ التقدير هو نفس علمه الأزلي، فكما لا يجوز طروء التغيير على الثاني لا يجوز طروؤه على الأوّل، وقد ثبت أنّهما متغايران.
2. تصوّر أنّ التقدير عين إرادته سبحانه فيتحد حكمه مع حكمها في امتناع طروء التقدير، وقد ثبت أنّ الإرادة الّتي تعدّ من الصفات الذاتية يستحيل اتّصاف الذات بها بالمعنى الحقيقي منها، الذي لا ينفك عن التجدّد والحدوث، ولأجل ذلك يجب أن تفسّر الإرادة على هذا القول بمعنى العلم بالأصلح فيتّحد حكمها مع العلم. وإن جعلت من صفات الفعل فلا إشكال في طروء الحدوث عليها.

91
3. تصوّر أنّ لله سبحانه تقديراً واحداً مع أنّ القائل بالبداء يجعل لله سبحانه تقديرين ووزانهما كوزان الأجلين.
4. يتصوّر أنّه يجوز أن يكون لكلّ زمن حكم ولا يجوز أن يكون لكلّ زمن تقدير، ونحن نعتذر عن الكاتب الكبير الشيخ أبي زهرة لزلاّته بأنّه لم يدرس عقيدة الإماميّة دراسة شاملة، وإنّما راجع في ذلك بعض الكتب، ومن المعلوم أنّ الكتاب لا يقوم مقام الدراسة عند العلماء والحضور في صفوفهم، وأنديتهم العلميّة.
رحم الله الماضين من علمائنا وحفظ الله الباقين.

92

93

   الفصل الثاني

البــداء
في مجال الإثبات

94
 

البداء في مجال الإثبات

إخبارات غيبيّة في القرآن والحديث، لم تتحقّق.
تبيين الحال في هذه الإخبارات الغيبيّة.
أسئلة وأجوبتها.
   السؤال الأوّل: كيف ننسب البداء إلى الله تعالى؟
   السؤال الثاني: على ماذا يعوّل النبي أو الإمام في خبره الأوّل؟
   السؤال الثالث: كيف يخبر النبي بصورة القطع مع احتمال البداء؟
   السؤال الرابع: أليس في إخبار النبي بشيء مع عدم تحقّقه وصمة التقوّل   بالخلاف؟
   السؤال الخامس: ما هو الميزان في الأُمور المحتومة والموقوفة؟
   السؤال السادس: ماذا يترتّب على الأخبار الّتي يقع فيها البداء من الآثار؟
   السؤال السابع: كيف يحصل الاطمئنان للناس بخبر مع احتمال البداء فيه؟
   السؤال الثامن: ما الفرق بين الأخبار الّتي وقع فيها البداء وخبر الصادق في ابنه   إسماعيل؟
   السؤال التاسع: ما معنى قول الصادق (عليه السلام): كان هذا الأمر فيّ فأخّره الله ؟
   السؤال العاشر: كيف أخبر الإمام عليٌّ(عليه السلام) بحصول الرخاء مع عدم تحقّقه ؟
   خاتمة المطاف.

95
   

البداء في مجال الإثبات

ما بيّنّاه لك كان عبارة عن حقيقة مفهوم «البداء» في عالم الثبوت، ولا تتبنّى الشيعة الإماميّة إلاّ هذا المعنى، وما جاء في كلمات الأئمة منصرف إلى ما أوضحناه في الفصل السابق.
نعم هاهنا مسألة أُخرى لها صلة بمسألة «البداء» وليست نفس تلك المسألة، وإنّما يقوم حلُّها، وتوضيح حالها على القول بالبداء.
وهذه المسألة عبارة عن تفسير بعض الملاحم والمغيّبات الّتي وردت في لسان الأنبياء والأئمة، وأخبروا عن وقوعها ومع ذلك لم يتحقّق الوقوع (وإن دلّت القرائن على صدق مقالهم في ظرف الإخبار).
وهذه الإخبارات وإن كانت لا تتجاوز عدد الاصابع إلاّ أنّها موجودة في الكتاب والسنّة وعلى الفريقين السنّة والشيعة تبيين

96
حالها، وانّه كيف يجوز للنبي والوصي الإخبارُ بالشيء مع عدم وقوعه في المستقبل؟ وتلك المشكلة يجب على كلا الفريقين حلُّها، ولا يختصّ ذلك بالشيعة الإماميّة.
نعم قد قامت الإماميّة بحلّها وتوضيح حالها عن طريق مسألة «البداء» الّتي حرّرناها، وخرجنا عنها بالكمال والتمام، فلو لم يرتض السُّنّة هذا الحلّ، فيجب عليهم أن يقوموا بتوضيح حالها عن طريق آخر.
والغرض من هذا التفصيل هو أنّه يجب تفكيك القول بالبداء عن هذه المسألة المبتنية على «البداء» عند الشيعة الإماميّة، فحقيقته ـ بالمعنى الذي تعرّفت عليه ـ لا يختلف فيها اثنان، ولا يخالفها أحد ممّن يعتقد بالكتاب والسنّة.
وأمّا المسألة الثانية وهي علاج الإخبار بالمغيّبات من جانب الأنبياء مع عدم تحقّقه، فيلزم على كلّ مسلم يعتقد بالكتاب والسنّة، تحليلها، وتفسيرها على وجه يناسب عصمة النبي، وتنزيهه عن الكذب والخطأ، فالشيعة الإماميّة تبعاً لأئمتهم تعالج تلك الإخبارات عن طريق القول بالبداء، فإن كان عند إخواننا أهل السنّة حلّ آخر فنحن مستعدون للاستماع والتدّبر في مقالهم.
إذا عرفت هذا، فهلمّ نستوضح حال تلك الأخبار على الوجه الكلّي أوّلاً، ثم نشير إلى كلّ واحد واحد منها بنحو خاص.

97
أمّا توضيح هذه الأخبار على الوجه الكلّي فنقول:
الأوّل: أنّ الله سبحانه أخبر ـ في كتابه العزيز ـ عن ذبح إسماعيل على يدي أبيه إبراهيم(عليهما السلام)كما يقول سبحانه: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَم حَلِيم * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنيَّ إنِّي أَرى فِي الْمَنَامِ أنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)(1).
فقد رأى إبراهيم في المنام أنّه يذبح ولده إسماعيل «ورؤيا الأنبياء وحي» كما في «الدرّ المنثور»(2)، ولذلك فهي رؤيا صادقة، تحكي عن حقيقة ثابتة، وواقعيّة مسلّمة، وهو أمر الله لإبراهيم بذبح ولده أوّلاً، وتحقّق ذلك في عالم الوجود ثانياً، وكأنَّ قوله سبحانه: (إنِّي أَرى فِي الْمَنَامِ أنِّي أَذْبَحُكَ)يكشف عن أمرين:
1. الأمر بذبح الولد وهو أمر تشريعي.
2. الحكاية عن تحقّق ذلك في الواقع الخارجي.
فقد أخبر إبراهيم (عليه السلام)بذلك، بطريق من طرق الوحي وأخبر هو ولده بذلك، ومع ذلك كلّه لم يتحقّق، ونُسِخَ نسخاً تشريعيّاً، كما لم يتحقّق ذبح إبراهيم لإسماعيل في الخارج فكان نسخاً تكوينيّاً.


1 . الصافات: 101 ـ 102 .   2 . الدر المنثور: 5 / 280 .

98
ويحكي عن كلا الأمرين قوله سبحانه: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْح عَظِيم)(1) .
وعلى ذلك فيجب حلّ هذه المشكلة على كلّ مَن يعتقد بالكتاب والسنّة، لأنّه ينطرح سؤال في ذهن الإنسان المسلم وهو: كيف يجوز أن يخبر النبي بشيء من الملاحم، والمغيّبات ثم لا يتحقّق ولا يختصّ حلّ ذلك بطائفة من الطوائف الإسلاميّة دون أُخرى .
الثاني: ما جاء في قصّة «يونس» مع قومه حيث قال سبحانه: (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين)(2).
فعن جماعة من المفسّرين أنّ قوم يونس كانوا بأرض نينوى من أرض «الموصل» وكان يدعوهم إلى الإسلام فأبوا، فأخبرهم أنّ العذاب مصبحهم إلى ثلاث إن لم يتوبوا(2)، ولكن العذاب لم يأتهم .
ولكن يطرح هنا نفس السؤال السابق فيجب حلّه على ضوء الكتاب والسنّة.


1 . الصافات: 107.   2 . يونس: 98 .
2 . مجمع البيان: 3 / 135 .

99
الثالث: ما جاء في قصّة «موسى بن عمران» (عليه السلام)وقومه، حيث واعدهم أوّل الأمر أن يغيب عنهم ثلاثين ليلة، ولكنّه أُضيف إليه عشر ليال أُخر، إذ قال سبحانه عن ذلك: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْر فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ )(1).
وكان موسى قد أخبرهم بأنّه سيغيب عنهم ثلاثين ليلة كما عن ابن عباس حيث قال: «إنّ موسى قال لقومه: إنّ ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه، وأُخلفَ هارون فيكم فلّما فصل موسى إلى ربّه زاده الله عشراً فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله»(2).
هذه جملة الإخبارات الّتي أخبر بها أنبياء الله ولم تتحقّق بعد، فيطرح في الجميع نفس السؤال السابق، وإليك في ما يأتي، ما ورد من نفس تلك الإخبارات في كتب الأحاديث :
الرابع: ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام)من أنّه قال: «إنّ عيسى روح الله مرّ بقوم مُجلِبين، فقال: ما لهؤلاء؟ قيل: يا روح الله إنّ فلانة بنت فلانة تُهدى إلى فلان بن فلان في ليلتها هذه.
قال: يجلبون اليوم، ويبكون غداً، فقال قائل منهم: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: لأنّ صاحبتهم ميتة في ليلتها هذه، فقال القائلون


1 . الأعراف: 142 .
2 . تفسير الدرّ المنثور: 3 / 115 .

100
بمقالته: صدق الله وصدق رسوله، وقال أهل النفاق: ما أقرب غداً، فلمّا أصبحوا جاءُوا فوجدوها على حالها لم يحدث بها شيء، فقالوا: يا روح الله إنّ الّتي أخبرتنا أمس أنّها ميتة لم تمت! فقال عيسى على نبيّنا وآله وعليه السلام: يفعل الله ما يشاء فاذهبوا بنا إليها، فذهبوا يتسابقون حتّى قرعوا الباب فخرج زوجها، فقال له عيسى (عليه السلام): إستأذن لي على صاحبتك، قال: فدخل عليها فأخبرها أنّ روح الله وكلمته بالباب مع عدّة، قال فتخدّرت فدخل عليها، فقال لها: ما صنعت ليلتكِ هذه؟ قالت: لم أصنع شيئاً إلاّ وقد كنتُ أصنعه في ما مضى أنّه كان يعترينا سائل في كلّ ليلة جمعة فننيله ما يقوته إلى مثلها، وأنّه جاءني في ليلتي هذه وأنا مشغولة بأمري وأهلي في مشاغل فهتف فلم يجبه أحد ثم هتف فلم يُجب حتّى هتف مراراً; فلمّا سمعت مقالته قمت متنكرة حتّى نلته كما كنّا ننيله، فقال لها: تنحّي عن مجلسك فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة عاض على ذنبه، فقال (عليه السلام): بما صنعت صُرف عنك هذا».(1) فينطرح هنا نفس السؤال السابق، والجواب عن الجميع واحد كما سيوافيك تفصيله.
الخامس: جاء ملك الموت إلى داود (عليه السلام)وأخبره بأنّ الشاب الجالس عنده سيقضي بعد سبعة أيّام، فرحمه داود(عليه السلام)، ثمّ مضت


1 . بحار الأنوار: 4 / 94 .

101
الأيام السبعة ولم يمت الشاب فجاء ملك الموت وقال لداود: «يا داود إنّ الله تعالى رحمه برحمتك له فأخّر في أجله ثلاثين سنة»(1).
السادس: عرض الله عزّ وجلّ على آدم أسماء الأنبياء قال: وأعمارهم قال: فمرّ بآدم اسم داود النبي فإذا عمره في العالم أربعون سنة، فقال آدم: يا رب ما أقلّ عمر داود وما أكثر عمري، يا رب إن أنا زدت داود من عمري ثلاثين سنة أتثبت ذلك له؟ قال تعالى: نعم يا آدم، قال فإنّي قد زدته من عمري ثلاثين سنة... فأثبت الله عزّ وجلّ لداود في عمره ثلاثين سنة.(2)
السابع: أخبر الله نبياً من أنبيائه عن طريق الوحي بأن يخبر ملكاً بأنّه تعالى متوفّيه إلى كذا وكذا فأخبره بذلك، ولمّا دعا الله الملكُ قائلاً: يا رب أجلني حتّى يشب طفلي وأقضي أمري، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى ذلك النبي أن: ائت فلان الملك فأعلمه أنّي قد أنسيت (أي أخّرت) أجله وزدت في عمره خمسة عشرة سنة.(3)
الثامن: مرّ يهودي بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: السام عليك، فقال النبي


1 . بحار الأنوار: 4 / 112 / 102 و 95 .
2 . بحار الأنوار: 4/102 .
3 . بحار الأنوار: 4/95.

102
له: وعليك، فقال أصحابه: إنّما سلّم عليك بالموت فقال: الموت عليك؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): وكذلك رددتُ ثمّ قال (صلى الله عليه وآله وسلم)لأصحابه: إنّ هذا اليهودي يعضّه أسود في قفاه فيقتله، قال: فذهب اليهودي، فاحتطب حطباً كثيراً فاحتمله ثمّ لم يلبث أن انصرف فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ضعه، فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا يهودي ما عملت اليوم؟ قال: ما عملت عملاً إلاّ حطبي هذا حملته فجئت به، وكان معي كعكتان فأكلت واحدة وتصدّقت بواحدة على مسكين. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «بها دفع الله عنه (وقال:) إنّ الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان»(1).
تبيين الحال في الإخبارات الغيبية للأنبياء والأئمة (عليهم السلام)   
التاسع: عن عمرو بن الحمق قال: دخلت على أمير المؤمنين(عليه السلام)حين ضرب على قرنه فقال لي: يا عمرو إنّي مفارقكم ثم قال: سنة السبعين فيها بلاء ـ قالها ثلاثاً ـ فقلت: فهل بعد البلاء رخاء؟ فلم يجبني وأُغمي عليه فبكت أُمّ كلثوم فأفاق فقال: «يا أُمّ كلثوم لا تؤذيني فإنّك لو قد ترين ما أرى لم تبكي، إنّ الملائكة في السماوات السبع بعضهم خلف بعض، والنبيّون خلفهم، وهذا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول انطلق يا عليّ فما أمامك خير لك ممّا أنت فيه، فقلت: بأبي أنت وأُمّي قلت إلى السبعين بلاء، فهل بعد السبعين


1 . بحار الأنوار: 4 / 121 .

103
رخاء قال: «نعم يا عمرو أنّ بعد البلاء رخاءً (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)»(1).
***

تبيين الحال في هذه الإخبارات الغيبيّة

لاشك أنّ بعض هذه الملاحم أو كلّها قد صدرت من الأنبياء العظام وبالأخصّ ما ورد في الكتاب العزيز، فعندئذ ينطرح هنا سؤالان هما:
الأوّل: لماذا لم تقع هذه الإخبارات في الخارج؟
الثاني: كيف وقف النبي(صلى الله عليه وآله) على هذه الإخبارات مع عدم وقوعها؟
وبعبارة أُخرى: كيف وقف على جانب من القضيّة ولم يقف على الجانب الآخر منها؟
فنقول: أمّا الأوّل فقد ورد في تفسير هذه المأثورات أنّ عدم الوقوع إنّما هو لأجل فقد الشرط، أو لوجود المانع عن تأثير المقتضي.
وإن شئت قلت: إنّ العمل الصالح كالتوبة لقوم يونس،


1 . بحار الأنوار: 4 / 118 .

104
والصدقة في قصّة المسيح، والنبي الأكرم صلوات الله عليهما قد غيّر التقدير، فصار صالح الأعمال مغيّراً للمقدّر، وهذا بنفسه نفس البداء الذي قد شيّدنا برهانه.
هذا جواب السؤال الأوّل. وأمّا السؤال الثاني فخلاصة الجواب عنه: أنّ لله تبارك وتعالى لوحين: الأوّل اللوح المحفوظ، فهو اللوح الذي لا تغيير لما كتب فيه، ولا تبديل لما قدّر فيه، وهو مطابق لعلم الله تعالى.
الثاني: لوح المحو والإثبات فيكتب فيه شيء حسب وجود مقتضيه، ولكنّه لا يلبث أن يمحى لفقدان شرطه أو وجود مانعه، مثلاً: يكتب في هذا اللوح مقدار عمر زيد وانّه خمسون سنة، ومعناه أنّ المقتضي لعمره إلى ذلك الحين موجود. ومع ذلك فليس ذلك (أي المقتضي) علّة تامّة لذلك الحد من العمر، بل جزء علّة، أو علّة ناقصة ومقتض له، فيجوز فيه التبدّل والتغيّر بالزيادة والنقيصة فإذا وصل الرحم يتغيّر التقدير الأوّل، ويتبدّل إلى ستين كما أنّه إذا قطع الرحم يتبدّل الخمسون إلى الأربعين، فصالح الأعمال وطالحها مؤثّرة في تغيير التقدير الأوّل بالزيادة والنقيصة.
وليس هذا (أي الحكم حسب المقتضي) أمراً بدعاً، بل له نظائر في الحياة، فالطبيب الحاذق إذا اطّلع على مزاج شخص يقدّر عمره ستين سنة لكن هذا التقدير يتغيّر بالأعمال الصحيحة

105
وضدّها، فلو قام الشخص بالرياضة البدنية ربما زاد عمره إلى سبعين، كما أنّه لو شرب المشروبات المضرة تناقص عمره.
فحكم الطبيب حكم حسب المقتضي، ولكن هذا الحكم في يد التغيّر والتبدّل.
إذا عرفت هذا فإنّ الإخبارات الصادرة من الأنبياء لأجل اتّصالهم باللوح الثاني الذي في معرض التغيّر والتبدّل فيخبرون لمصالح حسب ما يقتضي المقتضي مع احتمال تغيّرها حسب توفّر الشروط وعدمها، أو الموانع وعدمها.
وفي هذا المجال يقول العلاّمة المجلسي في عالم الإثبات: إعلم أنّ الآيات والأخبار تدّل على أنّ الله خلق لوحين، أثبت فيهما ما يحدث من الكائنات:
أحدهما: اللوح المحفوظ الذي لا تغيّر فيه أصلاً وهو مطابق لعلمه تعالى، والآخر لوح المحو والإثبات فيثبت فيه شيئاً ثم يمحوه لحكم كثيرة لا تخفى على أُولي الألباب.(1)
وقال المحقّق الخراساني في هذا الصدد: إنّ الله تبارك وتعالى إذا تعلّقت مشيئته تعالى بإظهار ثبوت ما يمحوه لحكمة داعية إلى إظهاره ألهم أو أوحى إلى نبيّه أو وليّه أن يخبر به مع علمه بأنّه


1 . بحار الأنوار: 4 / 130 .

106
يمحوه أو مع عدم علمه به لما أُشير إليه من عدم الإحاطة بتمام ما جرى في علمه تعالى وإنّما يخبر به لأنّه ـ حال الوحي أو الإلهام لارتقاء نفسه الزكية واتصاله بعالم لوح المحو والإثبات ـ اطّلع على ثبوته، ولم يطّلع على كونه معلّقاً على أمر غير واقع، أو عدم الموانع، قال الله تبارك وتعالى: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ).
كيف يصحّ إطلاق البداء على الله مع أنّه بمعنى الظهور بعد الخفاء؟   
نعم من شملته العناية الإلهية واتّصلت نفسه الزكية بعالم اللوح المحفوظ الذي هو من أعظم العوالم الربوبية وهو أُمّ الكتاب، تنكشف عنده الواقعيات على ما هي عليها، كما ربّما يتّفق لخاتم الأنبياء، ولبعض الأوصياء، وكان عارفاًبالكائنات كما كانت وتكون. نعم مع ذلك ربّما يُوحى إليه حكم من الأحكام تارة بما يكون ظاهراً في الاستمرار والدوام مع أنّه في الواقع له غاية وأمد يعيّنها بخطاب آخر، وأُخرى بما يكون ظاهراً في الجد مع أنّه لا يكون واقعاً بجد، بل لمجرد الاختبار والابتلاء، كما أنّه يؤمر وحياً أو إلهاماً بالإخبار بوقوع عذاب أو غيره ممّا لا يقع لأجل حكمة في هذا الإخبار أو ذاك الإظهار، فبدا له تعالى بمعنى أنّه يُظهر ما أمر نبيّه أو وليّه بعدم إظهاره أوّلاً، ويبدي ما خفي ثانياً. وإنّما نسب إليه تعالى البداء مع أنّه في الحقيقة الإبداء، لكمال مشابهة إبدائه تعالى كذلك بالبداء في غيره، وفي ما ذكرنا كفاية.(1)


1 . كفاية الأُصول للمحقّق الآخوند الخراساني: 1 / 373 ـ 375 .

107
هذا هو الجواب الكليّ، وسيوافيك تفصيل الجواب في الأسئلة القادمة، كما أنّ هذا هو حقيقة «البداء» في مجال الإثبات.
وإن شئت قلت: هو استيضاح الإخبار بالمغيّبات الواردة في لسان الأنبياء والأولياء مع عدم وقوعها.
وأمّا تسميتها «بداءً» فسيوافيك بيان ذلك في ضمن الأسئلة التالية.

أسئلة وأجوبتها

وهاهنا أسئلة تطرح نفسها على القارئ الكريم لابدّ من الإجابة عليها، وها نحن نذكرها واحداً تلو الآخر ونجيب عنها سؤالاً بعد الآخر:
السؤال الأوّل: كيف يصحّ إطلاق «البداء» على الله سبحانه مع أنّه بمعنى الظهور بعد الخفاء؟
الجواب: هذا هو أحد الأسئلة التي صارت سبباً للتحامل على الشيعة الإماميّة لاعتقادهم بالبداء.
غير أنّ الجواب عنه واضح، فإنّ النزاع ليس في التسمية بل في المفاد والمسمّى، وقد عرفت أنّ حقيقة البداء في مجال الثبوت ممّا اتفقت عليه الأُمّة الإسلاميّة جمعاء وانّه لا يوجد بينهم أي خلاف، كما عرفت أنّ البداء بالمعنى الذي ذكر ممّا جاء به الكتاب العزيز

108
والسنّة المطهّرة وقد عرفت موارده.
فسواء أصحّت تسمية هذا المسمّى بالبداء أو لا، فما يرمي إليه الشيعة الإماميّة من هذه اللفظة ممّا لا غبار عليه، ولا عتب عليهم في استعمال هذه اللفظة بهذه العلاقة والمناسبة في هذا المعنى، فقد تبعوا في ذلك النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)في قوله ـ في حديث الأقرع والأبرص والأعمى ـ «بدا لله عزّ وجلّ أن يبتليهم» فبأيّ وجه فسّر به كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يُفسّر به كلام أوصيائه.
وإليك نص الحديث: روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة : أنّه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّ ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملَكاً فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحبّ إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، قد قذّرني الناس; قال: فمسحه فذهب عنه، فأُعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً، فقال: أيّ المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو قال: البقر ـ هو شك في ذلك أنّ الأبرص والأقرع، قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر ـ فأُعطي ناقة عُشراء، فقال: يبارك اللّه لك فيها.
وأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحبّ إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عنّي هذا قد قذّرني الناس، قال: فمسحه، فذهب، وأُعطي شعراً حسناً، قال: فأيّ المال أحب إليك؟ قال: البقر. قال: فأعطاه بقرة حاملاً، وقال: يبارك لك فيها.

109
وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد اللّه إليّ بصري، فأبصر به الناس، قال: فمسحه فردّ اللّه إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة والداً. فأُنتج هذان وولّد هذا، فكان لهذا واد من إبل، ولهذا واد من بقر، ولهذا واد من
الغنم.
ثمّ إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين تقطّعت بي الحبال في سفري، فلابلاغ اليوم إلاّ باللّه ثمّ بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيراً أتبلّغ عليه في سفري; فقال له: إنّ الحقوق كثيرة. فقال له: كأنّي أعرفك ألم تكن أبرص يقذّرك الناس، فقيراً فأعطاك اللّه؟ فقال: لقد وَرِثت لكابر عن كابر؟ فقال: إن كنتَ كاذباً فصيّرك اللّه إلى ما كنت.
وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا، فردّ عليه مثلما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك اللّه إلى ما كنت.
وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل وتقطّعت بي الحبال في سفري، فلابلاغ اليوم إلاّ باللّه، ثمّ بك، أسألك بالذي ردّ عليك بصرَك، شاةً أتبلّغ بها في سفري; فقال: قد كنت أعمى فرد اللّه بصري، وفقيراً فقد أغناني، فخذ ما شئت، فواللّه لاأجْحَدك اليوم بشيء أخذتَه للّه ، فقال: أمسك مالك فإنّما

110
ابتليتم فقد رضي اللّه عنك وسخط على صاحبيك.(1)
وأمّا وجه التسمية فثمّت وجوه ذكرها القوم، أوجهها وأولاها أنَّ هذه التسمية من باب «المشاكلة»، وهو باب واسع في كلام العرب، فإنّ الله سبحانه يعبّر عن فعل نفسه في مجالات كثيرة بما يعبّر به الناس عن فعل أنفسهم لأجل المشاكلة الظاهرية، ولكونه مقتضى المحاورة مع الناس، والتحدّث معهم، وقد ذكرنا نماذج من ذلك في ما سبق، وهناك وجوه أُخر في توجيه ذلك نذكرها واحداً بعد واحد:
1. إنّ البداء من حيث المعنى اللغوي، وإن كان هو الانتقال والتحوّل من عزم إلى عزم بحصول العلم أو الظن بشيء بعد ما لم يكن حاصلاً، ولكنّه إذا أُضيفت هذه اللفظة إلى الله سبحانه أُريد منه ظهور أمر غير مترقّب، أو حدوث شيء لم يكن في حسبان الناس حدوثه ووقوعه.
وإن شئت قلت: يراد منه الظهور بعد الخفاء بالنسبة إلى الناس وإن كان الكلّ في علمه سبحانه موجوداً بأجمعه.
وبعبارة أُخرى: فكلّ ما ظهر بعد الخفاء فهو بداء من الله للناس، وليس بداء لله وللناس، غير أنّه يتوسّع هنا كما يتوسّع في


1 . صحيح البخاري: 4 / 172 ، كتاب الأنبياء، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل.

111
كثير من الألفاظ ويطلق: بدا لله في هذه الحادثة.
ويُقرّب ذلك قوله تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ)(1) فلاشك أنّ ما ظهر كان «بداءً» من جانب الله للناس على وجه الحقيقة ولكنّه يتوسّع ويستعمل في حقّه سبحانه ويقال: «وبدا لله» تمشّياً لما في حسبان الناس وأذهانهم.
وخلاصة هذا الوجه ـ بعد هذا التفصيل ـ : إنّ نسبة البداء إليه، إنّما هو حسب حسبان الناس، وبقياس أمره سبحانه على أمرهم، ولا ضير في ذلك إذا كانت هناك قرينة في المجاز والمقايسة.
2. ما ذكره الشيخ المفيد وهو ـ ما حاصله ـ : انّ «اللام» هنا بمعنى «من»، يقول العرب: قد بدا لفلان عمل صحيح، وبدا له كلام فصيح كما يقولون: بدا من فلان كذا، فيجعلون «اللام» مقام «من»، ومعنى قول الإماميّة بدا لله في كذا: أي ظهر منه، وليس المراد تعقب الرأي، ووضوح أمر كان قد خفي، وجميع أفعاله تعالى الظاهرة، في خلقه بعد أن لم تكن، معلومة في مالم يزل، «وإنّما يوصف منها بالبداء مالم يكن في الحسبان ظهوره، وفي غالب الظن وقوعه»(2).(3)


1 . الزمر: 47 .
2 . ما بين الهلالين إشارة إلى الوجه الأوّل، مضافاً إلى ما أفاده من الوجه الثاني.
3 . لاحظ: تصحيح الاعتقاد: 65.

112
3. إنّ عمله سبحانه ينقسم إلى: علم ذاتي، وإلى علم فعلي. فعلمه الذاتي نفس ذاته، ولا يحصل فيه تغيّر وتبدّل; وأمّا علمه الفعلي فهو عبارة عن لوح «المحو والإثبات» والملائكة ونفوس الأنبياء والأولياء فإنّها مظاهر لعلم الله، فإذا قالوا: بدا لله في علمه، فمرادهم وقوع «البداء» في هذه العلوم، ونسبته إليه تعالى مجاز عقلي، لأنّهم حملة تلك العلوم ووسائطها.
وإن شئت قلت: إنّ مراتب علمه سبحانه مختلفة ومحالّها متعدّدة، فأوّلها وأعلاها: العلم الذاتي المقدّس عن التكّثر والتغيّر، وهو محيط بكلّ شيء، وكلّ شيء حاضر عنده بذاته; وغيره علمه الفعلي، أي أنَّ بعض أفعاله مظاهر علمه كلوح المحو والإثبات ونفوس الملائكة والأنبياء، فبما أنّ تلك النفوس لا تنتقش فيها الحوادث دفعةً واحدةً لجزئيتها، وعدم تناهي الحوادث، بل تطّلع عليها تدريجاً وشيئاً فشيئاً، فربّما تطّلع على شيء وسببه، ثم تطّلع على سبب آخر يقتضي عدمه (عدم ذلك الشيء) فيبدو لهم خلاف ما علموا أوّلاً، وحينئذ يقولون: بدا لله، أو بدا في علمه، فالمراد: البداء في علمه الفعلي لاعلمه الذاتي.
قال صدر المتألّهين: إنّ للأسماء الحسنى مظاهر ومجاري، ولله تعالى عباداً ملكوتيين، أفعالهم كلّها طاعة له سبحانه، وبأمره يفعلون ما يفعلون، ولا يعصون الله في شيء من أفعالهم وإرادتهم،

113
وكلّ من كان كذلك كان فعله فعل الحق، وقوله قول الصدق، إذ لا داعية في نفسه تخالف داعي الحق، بل يستهلك إرادته في إرادة الحق، ومشيئته في مشيئة الحق، ومثال طاعتهم لله سبحانه ولأمره، مثال طاعة الحواس فينا للنفس، حيث لا تستطيع خلافاً لها في ما شاءت النفس، ولا حاجة في طاعتها للنفس إلى أمر ونهي أو ترغيب وزجر، فهكذا طاعة الملائكة الواقعة في ملكوت السماوات لأنّهم المطيعون بذواتهم لأمره، المستمعون بأسماعهم الباطنيّة لوحيه، فقلوب هذه الملائكة كتاب المحو والإثبات، ويجوز في نقوشها المنقوشة في صدورها أن تزول وتتبدّل، لأنّ وجودها لاتأبى ذلك، والذي يستحيل فيه التغيّر والتبدّل هو ذات الله وصفاته الحقيقية.
وعلى هذا فقلوب الملائكة هي الألواح القدريّة وهي من مراتب علمه الفعلي، فإذا حصل فيه التغيّر والتبدّل صحّ أن يقال: بدا لله في علمه أي في علمه الفعلي.(1)
إلى هنا تبيّن أمران:
الأوّل: أنّ البحث إنّما هو في المحتوى والمسمّى لا في اللفظ والتسمية، فالمناقشة في صحّة التسمية لا يصح أن تجعل ذريعة للإيقاع في عقيدة «البداء»، وما أشبه المقام بقول القائل:


1 . الأسفار: 6 / 395 ـ 397، بتصرف منّا.

114
وكـم مـن عـائب قـولاً صحيحاً *** وآفتُه من الفهم السقيم
الثاني: أنّه يصح توصيفه بالبداء بأحد الوجوه المتقدّمة.
***
في مصادر إخبار النبي أو الوصي   
السؤال الثاني: لاشكّ أنّ النبيّ أو الإمام إذا أخبر بشيء ثمّ حصل البداء في تحقّقه فلابدّ أن يستند في خبره الأوّل إلى شيء يكون مصدراً لخبره، ومنشأ لاطّلاعه، فعلى ماذا يعوّل النبي أو الإمام في خبره الأوّل؟
الجواب: إذا وقفت على ما ذكرناه في حقيقة البداء في مجال الإثبات، وما ذكرناه في الجواب عن السؤال الأوّل من أنّ البداء هو حصول التغيّر في مظاهر علمه سبحانه، تسهل الأجابة عن هذا السؤال فنقول: إنّ لعلمه سبحانه مظاهر منها مالا يقبل ذلك، ومنها ما يقبل.
أمّا الأوّل: فهو المعبّر عنه باللوح المحفوظ تارة وبأُمّ الكتاب أُخرى، قال سبحانه: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْح مَحْفُوظ)(1).
وقال سبحانه: (وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيّ حَكِيمٌ)(2).


1 . البروج: 21 ـ 22 .
2 . الزخرف: 4 .

115
وقال سبحانه: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الأَرْضِ وَلاَ
فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ
)(1).
فاللوح المحفوظ، وأُمّ الكتاب، والكتاب الذي فيه ما يصيب الناس، ممّا لا يتطرّق إليه المحو والإثبات قيد شعرة، فلو أمكن لإنسان أن يتّصل به، لوقف على الحوادث على ما هي عليه بلا خطأ ولا تخلّف.
وأمّا الثاني: فهو لوح المحو والإثبات الذي أشير إليه بقوله: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ).
ومن هذا القسم قلوب ملائكته المطيعين، فالأحكام المنقوشة فيها أحكام معلّقة على وجود شرط، أو عدم مانع، فالتغيّر فيها لأجل عدم الشرط أو لوجود المانع.
ولأجل ذلك ربما يكتب فيها الموت لإنسان بالنظر إلى مقتضياته، ولكنّه يُمحى ويكتب مكانه الصحّة لفقدان ما هو الشرط لحصول الموت، أو طروء مانع عن تأثير المقتضي.
وبالجملة فهاهنا تقديران:
تقدير بالقياس إلى المقتضي وهو ما يوجب الموت.


1 . الحديد :22 .

116
وتقدير بالنسبة إلى جميع أجزاء علّته وهو ما يقتضي الصحّة والسلامة.
فإذا قيس الشيء إلى مقتضيه الذي لا يكفي في العليّة والمبدئية، ويتوقّف على وجود شرائط، وعدم موانع، يكون المقدّر ـ في المفروض ـ هو الموت.
وأمّا إذا قيس إلى مجموع أجزاء العلّة التامّة، أعني: وجود المقتضي منضمّاً إلى شرائطه، وعدم موانعه، يكون المقدّر ـ في المفروض ـ هو الصحّة والسلامة.
فلنفرض: إذا تناول إنسان السم المهلك فلاشكّ أنّ ذلك يقتضي هلاكه (لأنّ السم مقتضي الهلاك) ولكنّه مشروط بعدم تناول الترياق (المضاد للسم) أو إجراء عمليات طبية، أو جراحية.
فبالنسبة إلى نفس المقتضي فالمقدّر هو الموت، وإذا فرض أنّه تناول الترياق أو أُجريت له عمليات طبية يكون المقدّر هو الصحّة والسلامة.
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ المصدر لإخبار النبي الأوّل
الذي حصل فيه البداء هو وقوفه على وجود المقتضيات لا
العلة التامة، ولأجل ذلك صحّ له أن يخبر عن التقدير الأوّل
لأجل وجود المقتضي، كما يصح لنا أن نخبر عن هلاك شارب السم لأجل وجود المقتضي ونقول بأنّه سيهلك، ولا ينافي ذلك

117
وجدان صحّته مجدّداً لأجل تناول الترياق وإجراء العمليات الطبية له.
وإن شئت قلت: إنّ النبي والوصي ربّما يقفان على مقتضيات الحادثة لا على علّتها التامّة، وإلاّ لأخبرا بالتقدير الثاني، ولا بُعد في أن يخفى عليهما شرائط التقدير الأوّل، وموانعه لأجل مصالح يعلمها الله سبحانه.
وإلى ما ذكرناه من التقديرين يشير الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام)حينما سأله حمران عن قول الله عزوجل: (قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ )(1) قال: «هما أجلان: أجل محتوم، وأجل موقوف».(2)
وفي هذا الصدد كتب صدر المتألّهين يقول: إذا حصل للقوى العلوية (والمراد بها النفوس العلوية) العلم بموت زيد بمرض كذا في ليلة كذا لأسباب تقتضي ذلك، ولم يحصل لها العلم بتصدّقه الذي سيأتي به قبيل ذلك الوقت، لعدم اطّلاعها على أسباب التصدّق بعد، فيكون موته بتلك الأسباب مشروطاً بأن لا يتصدّق، فتحكم أوّلاً بالموت وثانياً بالبرء.
فاذا اتّصلت بتلك القوى نفس النبي أو الإمام فرأى فيها بعض


1 . الأنعام: 2.
2 . بحار الأنوار: 4 / 16، الحديث 64 .

118
تلك الأُمور فله أن يخبر بما رآه بعين قلبه، أو شاهده بنور بصيرته، أو سمعه بإذن قلبه(1).
***
كيف يخبر النبي أو الوصي بشيء مع احتمال حصول البداء فيه؟   
السؤال الثالث: كيف يخبر النبي أو الوصي بشيء بصورة البتّ والقطع مع أنّه يحتمل أن يكون ممّا يحصل فيه البداء؟
الجواب: أنّ الملاحم والمغيبات الّتي وردت في كلامهم على قسمين:
قسم لم يحصل فيه «البداء» فالإخبار فيه على وجه البتّ والقطع ممّا لا بأس فيه ولا ضير، إنّما الكلام هو في الإخبار الّذي حصل فيه «البداء» (وهو القسم الثاني) فنقول: إنّ الإخبار في هذا القسم كان على وجهين:
إمّا على وجه التعليق في اللفظ، كما في قصة يونس، حيث روي أنّه قال لقومه: إنّ العذاب مصبحهم بعد ثلاث إن لم يتوبوا.(2)أو في اللب كما إذا دلّت القرائن على كونه معلّقاً بالمشيئة وغيره.
وإمّا على وجه القطع والبت.
أمّا القسم الأوّل فلا يضرّ فيه التخلّف; لأنّ المفروض إنّ


1 . راجع شرح أُصول الكافي لصدر المتألّهين: 381; والوافي للفيض الكاشاني: 1/ 113; ونقله عنهما السيد عبدالله شبر في مصابيح الأنوار: 35 ـ 36 .
2 . مجمع البيان: 3 / 135 .

119
الإخبار على وجه التعليق، إنّما الكلام هو في ما إذا كان الإخبار على وجه القطع فنقول:
إنّ ما كان من الإخبارات على وجه القطع فهو بالنظر إلى المقتضى، فلو شرب الإنسان سماً صحّ لمن شاهد عمله أن يقول: إنّه سيهلك، أي بلحاظ المقتضي وبالنسبة إليه، وكذا يصحّ لمن يشاهد، مَن يقود سيارته في منطقة وعرة بتهوّر أن يقول: بأنّه سيقتل، ولا ينافي هذا الخبر القطعي إذا نجا الشخص الأوّل بتناول الترياق، أو نجا الثاني بتغيير أُسلوبه في قيادة سيارته.
وتلك سيرتنا في حياتنا اليومية والاجتماعية فأنّنا ربما نحكم على أشخاص بأحكام قطعية غير أنّ الإخبار إنّما هو حسب المقتضي.
والحاصل: أنّ الإخبار عن المغيّبات مع عدم تحقّقه يدور حول أمرين:
إمّا أنّ الإخبار معلَّق، ويدلّ على التعليق لفظ المتكلّم أو القرائن الحافّة بالكلام.
أو أنّه خبر قطعي ولكنّه حسب العلم بالمقتضي، ولا ينافيه عدم التحقّق لأجل فقدان الشرط ووجود المانع كما هو الرائج في حياتنا، فالإنسان يخبر بخبر غير قطعي بعد الوقوف على المقتضي ولاينافي عدم تحقّقه لأجل فقد الشرط أو لوجود المانع.

120
وإن شئت قلت: جعله من قبيل المطلق لباً أيضاً.
***
إخبار النبي بشيء مع عدم تحقّقه يدلّ على الكذب   
السؤال الرابع: أليس في إخبار النبي بشيء مع عدم تحقّقه في المستقبل رائحة الكذب ووصمة التقوّل بالخلاف، وبالتالي حصول الضعف في عقيدة المؤمنين بالنسبة إلى أئمتهم وزعمائهم.
الجواب: أنّ الإخبار الّذي وقع فيه «البداء» إنّما يوجب معرضية الأنبياء لوصمة الكذب والتقوّل بالخلاف إذا لم يتوفّق النبي للبرهنة على صدق مقاله وإراءة المقتضي للحادثة الّتي أخبر عنها، ولذلك نرى أنّ عيسى (عليه السلام)لمّا أخبر أصحابه بهلاك المرأة (العروس) ولم يقع الهلاك برهن على صدق مقاله عندما قال لها: تنحّي عن مجلسك، فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة عاض على ذنبه فقال (عليه السلام): «بما صنعت صرف عنك هذا». وقد مرّت القصة بكاملها فراجع.
ولا يختص هذا بقصّة المسيح (عليه السلام)بل يعمّ قصة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)في إخباره بهلاك اليهودي حيث أمره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود.
ونظيره قصة إبراهيم (عليه السلام)فإنّ الأمر بالفداء عن ولده بذبح عظيم دلالة على صدق ما أخبر به الخليل من الرؤيا.

121
كما أنّ الحال كذلك في قصة يونس حيث أخبر عن العذاب، وقد رأى القوم طلائعه فقال لهم العالم: إفزعوا إلى الله فلعلّه يرحمكم ويرد العذاب عنكم، فاخرجوا إلى المفازة، وفرّقوا بين النساء والأولاد وبين سائر الحيوان وأولادها ثم ابكوا وادعوا، ففعلوا فصرف عنهم العذاب.(1)
وبالجملة فبما أنّ الإخبار عن الشيء كان بعد ثبوت النبوة وشهود أعلام الرسالة لم يعدّ مثل هذا الإخبار تقوّلاً بلا دليل أو
أمراً يمسّ مسألة النبوة خاصّة إذا أثبتت الدلائل صدق مقاله
كما مرّ.
وبذلك يظهر مفاد ما ورد من الروايات من أنّ ما علّمه سبحانه ملائكته ورسله فإنّه سيكون، لا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله. روى الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام)يقول: «العلم علمان: فعلم عند الله مخزون لم يطلع عليه أحداً من خلقه، وعلم علّمه ملائكته ورسله، فما علمه ملائكته ورسله فإنّه سيكون، لا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله»(2).
وروى العياشي عن الفضيل قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام)يقول:


1 . مجمع البيان: 3 / 153 .
2 . الكافي 1 / 147، باب البداء، الحديث 6. ونظيره ما رواه الصدوق عيون اَخبار الرضا(عليه السلام): 1/161 ح 1; لاحظ: بحار الأنوار: 4 / 96 .

122
«من الأُمور أُمور محتومة جائية لا محالة، ومن الأُمور أُمور موقوفة عند الله يقدّم منها ما يشاء، ويمحو منها ما يشاء، ويثبت منها ما يشاء، لم يطلع على ذلك أحداً (يعني الموقوفة) فأمّا ما جاءت به الرسل فهي كائنة لا يكذب نفسه ولا نبيّه ولا ملائكته.(1)
فإنّ ظاهر هذه الأحاديث عدم وقوع البداء في ما علّمه سبحانه لأنبيائه، ووقوع البداء في ما لم يعلّمه لأحد من الناس، وهذا الظاهر لا يجتمع مع مانقلناه من الأخبار الّتي صدرت عن الرسل وعلموا بها مع وقوع البداء في علمهم وإخبارهم.
ووجه الجمع أحد أمرين:
الأوّل: أنّ هذه الروايات بقرينة قوله: «لا يكذّب نفسه ولا ملائكته ولارسله» مختصّة بما إذا صار البداء وسيلة لتكذيب الرسول، وأمّا إذا لم يكن كذلك كما إذا قدر النبي على البرهنة على صدق مقاله لأجل وجود المقتضي فيتحقّق فيه البداء، ولا تشمله تلك الروايات.
ما هو الميزان في الأُمور المحتومة والموقوفة؟   
الثاني: أنّ هذه الروايات منصرفة إلى ما سنذكره في الجواب عن السؤال الخامس من امتناع وقوع البداء في الأُمور الثلاثة ونظائرها.


1 . بحار الأنوار: 4 / 119، الحديث 58 .

123
ولعلّ قوله: «فأمّا ما جاءت به الرسل فهي كائنة» ناظر إلى الأقسام الآتية.
***
السؤال الخامس: أنّ المستفاد من الروايات هو أنّ الأُمور على قسمين: أُمور محتومة لا يحصل فيها «البداء»، وأُمور موقوفة يتحقّق فيها «البداء» فقد روى العياشي عن الفضيل قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام)يقول: «من الأُمور أُمور محتومة جائية لا محالة، ومن الأُمور أُمور موقوفة عند الله يقدّم منها ما يشاء ويمحو منها ما يشاء، ويثبت منها ما يشاء لم يطلع على ذلك أحداً (يعني الموقوفة)، فأمّا ما جاءت به الرسل فهي كائنة لا يكذب نفسه ولا نبيّه ولا ملائكته».(1)
وعندئذ يطرح هذا السؤال: ما هو الميزان في الأُمور المحتومة، والموقوفة.
والجواب: هو أنّه لا يمكن جعل الميزان للأُمور المحتومة والموقوفة وتحديدها، فإنّ التعيين يتوقّف على العلم بكلّ ما كتب في الألواح المحفوظة وغيرها، غير أنّه يمكن أن يقال: إنّ البداء لا يقع في الأُمور التالية ونظائرها:


1 . بحار الأنوار: 4 / 119، الحديث 58 .

124
1. ما يتعلّق بنظام النبوّة والولاية، وما يعدّ من فروعها كالخاتمية، فإنّ وقوع البداء فيه يوجب الاختلال في نظام الشرائع.
فإذا أخبر المسيح ـ مثلاً ـ بمجيء نبي بعده، أو أخبر النبي بكونه خاتماً، أو أخبر رسول الإسلام بأنّ الولاية ـ من بعده ـ لوصيّه أو أوصيائه المعيّنين، أو أنّه يخرج من أولاده مَن يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، لا يتحقّق فيه البداء; لأنّ احتمال «البداء» ناقض للحكمة، وموجب لضلال العباد، إذ لو كان باب هذا الاحتمال مفتوحاً لما وجب لأحد من البشر أن يقتفي أثر النبي، ولا أن يوالي الوصي المنصوص عليه، ولا أن يتلقى الناس النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)نبيّاً خاتماً، ولا ظهور المهدي أمراً مقضيّاً، بحجّة أنّ كلّ ذلك ممّا يمكن أن يطرأ عليه البداء، فإنّ فتح هذا الباب في المعارف والعقائد والأُصول والسنن الألهية مخالف للحكمة وموجب لضلالة الناس.
2. ما إذا كان الإخبار بشيء على سبيل الإعجاز كما ألمحنا
إليه في قصّة عيسى المسيح (عليه السلام)، حيث قال: (وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا
تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
)(1).
ما هي فوائد هذه الإخبارات مع عدم تحقّقها؟   
3. إذا كان الإخبار على وجه يُعدّ التخلّف وهناً للمخبر وموجباً لاتّهامه بالتقوّل، وطروء الخدشة في نزاهته وطهارته في القول


1 . آل عمران: 49 .

125
والفعل; كما في إخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بشهادة عليٍّ أمير المؤمنين بيد أشقى الأوّلين والآخرين، وشهادة سبطه الحسين في أرض كربلاء، والملاحم والمغيبات الراجعة إلى آخر الزمان.
فإنّ التخلّف في ذلك يوجب تكذيب الرسل في أقوالهم وأفعالهم، وقد تواترت الروايات عن الأئمة المعصومين أنّه سبحانه لا يكذب نفسه ولا نبيّه ولا ملائكته.
وعلى ذلك ينحصر مورد البداء في مجال الإثبات على موارد خاصّة لا يمكن تحديدها بحدود وضوابط عامّة.
***
السؤال السادس: ماذا يترتّب على هذه الإخبارات من الفوائد والآثار مع أنّها غير متحقّقة في الخارج؟
والجواب: أنّ الغرض من هذه الإخبارت إنّما هو إثبات ما قرّر من البداء في مجال الثبوت، فإنّ النبي إذا أخبر بشيء ثم لم يتحقّق ذلك الشي، وعمد النبي أو الوصي إلى ذكر وبيان المانع من وقوعه وثبت بأنّ عدم الوقوع مستند إلى ذلك العمل الحسن كالصدقة وما شابهها، وأنّك لأجل هذا العمل نجوت وصرف عنك العذاب ولم يتحقّق ما وعد في شأنك ممّا أخبر به، كان ذلك تجسيداً وتجسّماً للبداء في مقام الثبوت.

126
وليس شيء أوقع في النفس وأشد تأثيراً من أن يرى النبي ما أخبر به، فإنّ ذلك يورث الرجاء في قلوب المؤمنين إلى كلّ عمل وكلّ خير يرجى منه تغيير المصير.
وبالجملة ففي وقوع «البداء» في مجال الإثبات مع البرهنة على صدق الخبر بمعنى وجود المقتضي تأكيد وبرهنة على صحة البداء في مجال الثبوت ونوع إرجاع للناس إلى ذلك الأصل حتّى يقفوا على صحّته بعين القلب، ومشاهدة العيون.
***
ماهوالفرق بين إخبارات الأنبياء الّتي وقع فيها البداء وما ورد عن الصادق(عليه السلام)؟   
السؤال السابع: كيف يحصل للناس الاطمئنان إلى خبر مع أنّهم يحتملون أن يكون ممّا يقع فيه البداء؟
والجواب: أنّ البداء يتحقّق ويقع في غير الموارد الّتي استثنيناها سابقاً، وأمّا حصول الاطمئنان للناس فإنّما هو كمثل ما يحصل العلم بالشيء عند العلم بوجود المقتضي.
فمثلاً لو رأينا ناراً شبّت في بيت من البيوت، لعلمنا بأنّ البيت سيحترق ويتهدّم بالحريق غير أنّ هذا العلم حصل لنا من العلم بالمقتضي، وهو علم لا ينافي احتمال أن يعالج الحريق بوسائل الإطفاء، فكلّ ما أخبر به الأنبياء والأولياء يحصل العلم منه بالمقتضيات حسب العلم بالمقتضي وهذا العلم المعلّق لا ينافي تخلّفه عند فقدان الشرط أو حصول المانع، فكأنّ كلّ الإخبارات

127
والملاحم في الموارد الّتي يجوز فيها البداء معلّقة بهذا التعليق غير المنافي للعلم المعلَّق.
***
السؤال الثامن: ما الفرق بين ما تقدّم من الموارد الّتي وقع فيها البداء نظير قصة إبراهيم ويونس وموسى والمسيح(عليه السلام)والنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) وما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام)في حقّ ولده إسماعيل حيث قال: «ما بدا لله بداءٌ كما بدا له في إسماعيل ابني».(1)
الجواب: إنّ الفرق واضح بينهما، فإنّ القسم الأوّل من الأخبار قد أخبر الانبياء فيها بالحادثة ثم وقع فيها البداء، وفي هذه الرواية ـ على فرض صحّتها ـ إنّما حدّث الإمام بكلا الأمرين، ولأجل ذلك فصلنا هذه الرواية وما شابهها ممّا يأتي في قضية الإمام الحسن العسكري عمّا سبق.
وأمّا مفاد هذا الحديث فقد فسّره الصدوق بقوله: ما ظهر لله أمر، كما ظهر له في إسماعيل ابني إذا اخترمه ـ أي أهلكه ـ قبلي، ليُعلمَ بذلك أنّه ليس بإمام بعدي(2).
والبداء في هذا المورد ليس بمعنى أنّ الإمام الصادق (عليه السلام)كان قد أخبر بإمامة إسماعيل حتّى يكون موته بداءً بالنسبة إلى ما قال،


1 . توحيد الصدوق: 336، باب البداء، الحديث 10 .   2 . المصدر نفسه.

128
بل كان إسماعيل أكبر من أخيه موسى الكاظم وكانت الظروف والأحوال تشير إلى أنّه هو الإمام بعد أبيه مع وجود هذه الأرضية المستدعية لإمامته ويكون اخترامه بداءً منه سبحانه إلى الناس، أي ظهور ما كان خفي عليهم.
وهذه الرواية رواها الصدوق مرسلةً في توحيده.(1)
ثم إنّ هناك روايات موضوعة حول إسماعيل افتعلتها يد الجعل، ورويت بأسناد ضعيفة. فقد روى زيد النرسي عن عبيد بن زرارة عن أبي عبدالله (الصادق) (عليه السلام): أنّه قال: «إنّي ناجيت الله ونازلته في إسماعيل ابني أن يكون من بعدي فأبى ربي إلاّ أن يكون موسى ابني».(2)
وقد روى أيضاً عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «ما زلت أبتهل إلى الله في إسماعيل ابني أن يحييه لي، ويكون القيّم من بعدي، فأبى ربي ذلك، وإنّ هذا شيء ليس إلى الرجل منّا يضعه حيث يشاء، وإنّما ذلك عهد من الله عزّ وجلّ يعهده إلى من يشاء، فشاء الله أن يكون ابني موسى وأبى أن يكون إسماعيل».(3)
وحكى المحقّق الطوسي في «نقد المحصَّل» رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام)أنّه قال: جعل إسماعيل القائم مقامه بعده، فظهر من


1 . توحيد الصدوق: 336، باب البداء، الحديث 10 .
2 . أصل زيد النرسي: 49، ورواه في بحار الأنوار: 47 / 269 .   3 . المصدر نفسه.

129
إسماعيل ما لم يرتضه فجعل القائم مقامه موسى، فسئل عن ذلك؟ فقال: «بدا لله في إسماعيل» وأضاف المحقّق، وهذه رواية، وعندهم أنّ خبر الواحد لا يوجب علماً ولا عملاً.(1)
وهذه الروايات الثلاث الأخيرة لا تصحّ لوجهين:
أوّلاً: أنّه قد تواتر عن النبي والوصي أسماء الذين يتولّون الأمر من بعدهم بخصوصياتهم، ومع ذلك كيف يمكن أن يخبر الصادق (عليه السلام)بإمامة ولده إسماعيل ، ثم يخبر بأنّه بدا لله في ولده إسماعيل بداء.
أضف إلى ذلك: أنّ الإمامة عند أئمة الشيعة من أوّلهم إلى آخرهم تبعاً لنبيّهم الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)ليست أمراً انتخابياً، بل مقام إلهي يتوقّف على التنصيص كما تعرف ذلك من القصة التالية:
لمّا عرض الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)نفسه على بني عامر الذين جاءُوا إلى مكة في موسم الحج، ودعاهم إلى الإسلام قال له كبيرهم: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟
فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء».(2)


1 . نقد المحصَّل: 421.
2 . السيرة النبوية لابن هشام: 2/424ـ 425 وجاء نظيرها في طبقات ابن سعد: 1 / 262.

130
وثانياً: أنّ زيد النرسي لا يعتدّ به، ولا بأصله.
أمّا هو فلأنّه مجهول جداً ولم يدلّ على وثاقته غير رواية ابن عمير عنه، وقد اشتهر أنّه لا يروي إلاّ عن ثقة، ورواية الحسن بن محبوب عنه وهو من أصحاب الإجماع، غير أنّ الدليلين قاصران، لرواية ابن أبي عمير عن الثقة وغير الثقة، والقاعدة المعروفة غير صحيحة.
وأمّا رواية الحسن بن محبوب فلا تدلّ على شيء وكونه من أصحاب الإجماع لا يدل إلاّ على وثاقته هو لا وثاقة المروي عنه.
وأمّا أصله فقد قال الشيخ في فهرسته: لم يرو أصل زيد النرسي محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (خرّيت هذا الفن) وكان يقول: وضعه محمد بن موسى الهمداني.(1)
***
هل وقع البداء في تعيين بعض الأئمة(عليهم السلام)؟   
السؤال التاسع: ما معنى ما رواه محمد بن سنان عن أبي يحيى التمتام السلمي عن عثمان النوا قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «كان هذا الأمر فيّ فأخّره الله، ويفعل في ذريتي ما يشاء».
الجواب: هذه الرواية رواها محمد بن سنان، وهو ضعيف عن


1 . الفهرست: 97، باب زيد.

131
مجهول هو ابن يحيى التمتام، عن مجهول آخر هو عثمان النوا فلا تكون حجّة.
وبذلك يظهر معنى قوله: «السلام عليك يا من بدا لله في شأنه» كما في زيارة الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام).
فالمعنى: يا من ظهر في شأنه أمر يخالف ما في حسبان الناس حيث إنّ الناس كانوا يزعمون أنّ القائم مقام الصادق (عليه السلام)هو إسماعيل، فلمّا توفّي إسماعيل ظهر خلاف ما كان يتصوّره الناس ويحسبونه وعلموا أنّ الوسيلة هو أبو إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام).
فظهر لله (أي ظهر من الله للناس أو من باب المشاكلة أو غير ذلك ممّا مرّ) أمر على خلاف ما كان يحسبه الناس.
ومثل ذلك ما روي في حقّ أبي محمد الحسن بن علي العسكري فقد روى علي بن جعفر قال: كنت حاضراً أبا الحسن (أي الإمام الهادي) (عليه السلام)لمّا توفّي ابنه محمد فقال للحسن: «يا بني أحدث لله شكراً فقد أحدث فيك أمراً».(1)
ويعني الإمام الهادي(عليه السلام) من هذه الكلمة: أنّ وفاة محمد قد


1 . الكافي: 1 / 326 كتاب الحجّة، الحديث 4 و 5 وفي الحديث: فبكى الحسن (العسكري) واسترجع وقال: الحمد لله رب العالمين وإيّاه أشكر تمام نعمه علينا وإنّا لله وإنا إليه راجعون.

132
مهّدت الطريق لإمامته، إذ لو كان أخوه حيّاً ربّما حصل الاختلاف في تعيين الإمام بعد الإمام الهادي، ولكن استتب له الأمر بعد موت أخيه بلا شغب ولا مجادلة، ولأجل ذلك يأمره بالشكر.
ويدلّ على أنّ الناس كانوا يتصوّرون أنّ الإمامة بعد الهادي هي في ولده محمد، ما رواه علي بن عمرو العطّار قال: دخلت على أبي الحسن العسكري وابنه أبو جعفر في الأحياء وأنا أظن أنّه هو (أي أنّه هو الخلف من بعده) فقلت: جعلت فداك من أخصّ من ولدك؟ فقال: «لا تخصّوا أحداً (أي من ولدي) حتّى يخرج إليكم أمري»(1).
***
عدم تحقّق الرخاء الذي أخبر به أمير المؤمنين (عليه السلام)وتعليله   
السؤال العاشر: روى العياشي عن عمرو بن الحمق أنّ الإمام أمير المؤمنين وعد بالرخاء بعد البلاء في سنة السبعين، ولكنّ الرخاء لم يتحقّق، فعندئذ يطرح هذا السؤال وهو:كيف أخبر الإمام


1 . نفس المصدر ومراده من أبي جعفر هو السيد محمد المتوفّى في حياة أبيه الهادي، ويقصد من لفظة (في الأحياء) أي حال كونه حيّاً، والشاهد في الرواية هو جملة «وأنا أظنّ أنّه الخلف من بعده» الحاكية عن تصوّر الناس أنّه الإمام بعد الهادي (عليه السلام)ونقله الشيخ الأكبر محمد بن الحسن الصفّار (المتوفّى عام 290 هـ) صاحب بصائر الدرجات ص 473، ومعلّم الأُمّة الشيخ المفيد في إرشاده ص 315 ـ 316، والشيخ الطوسي في غيبته ص 130، إلى غير ذلك من المصادر القديمة والحديثة.

133
عليه السلام بالرخاء بعد سنة السبعين مع عدم تحقّقه في ذلك الوقت بل ومضيّه؟(1)
والجواب: هو أنّ هذا الإخبار كان مشروطاً بشروط لم تتحقّق ومن أهمها تحفّظ الأُمّة على ودائع الإمامة ونصر حججه والحفاظ عليهم والتكتم على أسرار الله، فلمّا لم تقم الشيعة بهذا الشرط وقع فيه البداء ولم يتحقّق الرخاء بعد السبعين.
وإلى ذلك ينظر قول أبي جعفر الباقر(عليه السلام)في جوابه عن سؤال أبي حمزة الثمالي حيث قال: قلت لأبي جعفر: إنّ عليّاً(عليه السلام)كان يقول: إلى السبعين بلاء، وبعد السبعين رخاء، فقد مضت السبعين ولم يرو رخاءً؟ فقال الباقر (عليه السلام): «يا ثابت إنّ الله كان قد وقّت هذا الأمر (أي الرخاء بعد الشدّة) في السبعين، فلمّا قتل الحسين اشتد غضب الله عزوجل على أهل الأرض فأخّره إلى أربعين ومائة سنة فحدّثناكم فأذعتم الحديث، وكشفتم قناع السر فأخّره الله ولم يجعل لذلك عندنا وقتاً، (ثم قال): (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)(2)».(2)


1 . بحار الأنوار:4/119، الحديث 60.   2. الرعد:39.
2 . بحار الأنوار: 4 / 120، الحديث 61 .

134
في أقسام الحوادث الّتي وقع فيها البداء   

خاتمة المطاف

ونقول في خاتمة هذا البحث: إنّ الحوادث الّتي وقع فيها البداء على قسمين:
الأوّل: الحوادث الّتي أخبر بها النبي أو الوصي قبل تحقّقها حتّى وقع فيها البداء سواء في الشرائع والأقوام السابقة أو في الشريعة الإسلاميّة .
الثاني: ما أخبر به النبي أو الوصي بعد وقوع البداء فيه ولم يكن هناك أي خبر منهما قبل وقوع البداء .
أمّا القسم الأوّل: فهو عبارة عن الموارد التالية:
1. إخبار النبي إبراهيم (عليه السلام)بذبح ولده وعدم تحقّق الذبح.
2. إخبار موسى الكليم (عليه السلام)قومه بغيبته عن قومه ثلاثين يوماً، وتمديد ذلك إلى أربعين.
3. إخبار يونس (عليه السلام)بهلاك قومه العصاة وعدم تحقّق الهلاك.
4. إخبار داود (عليه السلام)بموت الشاب الجالس عنده بعد سبعة أيام وتمديد عمره.
5. إخبار آدم (عليه السلام)بعمر داود وثبوت الزيادة فيه .
6. إخبار نبي من الأنبياء بموت ملك إلى يوم معيّن، وتمديده إلى أربعة عشر سنة.

135
7. إخبار المسيح (عليه السلام)بموت العروس وعدم تحقّق موتها.
8. إخبار النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بهلاك اليهودي وعدم تحقّق هلاكه.
9. ما أخبر به أمير المؤمنين (عليه السلام)من حصول الرخاء بعد سنة السبعين ولم يتحقّق ذلك.
هذه هي الموارد الّتي أخبر بها النبي أو الولي ثمّ وقع فيها البداء، وقد جاء بعض هذه الموارد في الكتاب العزيز وبعضها الآخر في السنّة المطهرة، وقد عرفت الجواب الكلّي فيها، والأجوبة التفصيلية على كلّ واحدة منها.
وأمّا القسم الثاني: فهو ما أخبر به النبي أو الوصي بعد وقوع البداء فيه، وذلك مثل ما ورد عن الصادق (عليه السلام)في حق ابنه الكاظم، وما ورد عن الإمام الهادي (عليه السلام)في شأن ولده الحسن العسكري.
هذا هو جلّ ما وقع فيه البداء في مجال الإثبات، أفبعد هذا يصحّ لمتشدّق أن يتكلّم بما لا يعلم و يقول: بأنّ أئمة الرافضة وضعوا القول بالبداء لشيعتهم؟ فإذا قالوا: إنّه سيكون لهم أمر وشوكة ثمّ لا يكون الأمر على ما أخبروا قالوا: «بدا لله تعالى» كما في المحصّل.(1)
وأين ما ادّعوا من وجود إخبارات كثيرة أخبر بها أئمة الشيعة


1 . المحصَّل للإمام الرازي نقلاً عن سليمان بن جرير: 421.

136
ثمّ حصل فيها البداء، في حين أنّ أكثر هذه الأخبار وردت في القرآن الكريم وهو ممّا يجب على كافّة المسلمين المعتقدين به أن يفسّروه ويعالجوه، وبعضها الآخر يرجع إلى الأنبياء والرسل السابقين، وقد ورد في قصص الأنبياء، وشأنها شأن سائر قصصهم، فلا يبقى إلاّ مورد واحد هو: إخبار عليّ (عليه السلام)بالرخاء بعد سنة السبعين ولم يتحقّق بعد مضيّه لحصول «البداء» فيه لأجل عدم تحقّق شروطه كما أشرنا إليه .
فأين هذا من ادّعاء الرازي وسليمان من وجود إخبار الأئمة بحوادث كثيرة وقع فيها البداء، وبذلك برّروا عدم تحقّق إخباراتهم الكثيرة لشيعتهم، أفهل يصلح مورد واحد للاستناد إليه في رمي أئمة الإماميّة بهذه التهمة وأنّهم اختلقوا عقيدة البداء لتبرير عدم تحقّق ما يخبرون به. والحال أنّ من ينظر إلى روايات البداء يرى أكثرها راجع إلى مسألة البداء في مجال الثبوت، وناظر إلى تبيين مفهوم البداء الذي يمكن فيه تغيير المقدّر وتحويل المصير بتغيير العمل والسلوك، والتحوّل من العمل الطالح إلى العمل الصالح كما يلاحظ ذلك من الحديث رقم 2 و 3 و 5 و 7 و 9 و 11 و 12 و 13 و 14 و 16 و 18 إلى غير ذلك، وأنّ هذه العقيدة كانت ردّاً على ما كان يعتقده اليهود والقدريّة من فراغ الله من الأمر وعدم قدرته أو قدرة الإنسان على تغيير التقدير وتبديل المقدّر مثل ما نراه في

137
الرواية 6 و 17 وغيرهما الّتي صرّحت بأنّ العقيدة جاءت في مقام الردّ على عقيدة اليهود القائلين بفراغه سبحانه عن الأمر واعتزاله عن كلّ شأن.
وفذلكة الكلام هو أنّ «البداء» الذي أصرّت على صحّته أئمة الشيعة الإماميّة وعلماؤها، وجاءت أحاديثه ورواياته في المجاميع الحديثيّة إنّما هو البداء في مجال الثبوت، أعني إمكان تغيير المصير بصالح الأعمال وطالحها.
وأمّا الإخبار بأمر ثمّ عدم تحقّقه لأجل حصول البداء فيه، فقد صدر عن النبي في مورد واحد وهو الإخبار بهلاك اليهودي، وعن أئمة الشيعة في مورد واحد وهو الإخبار عن الرخاء بعد سنة السبعين، ولم يكن ذلك إلاّ لتأكيد العقيدة بالبداء في مجال الثبوت، وتجسيده وتجسيمه ليروا كيف يتغيّر المقدّر بالأعمال والأفعال، وليس ذلك كثير النظير، بل هو عديم النظير أو قليله.
وفي الختام نقول: إنّ الظاهر من الروايات أنّ الله سبحانه استأثر لنفسه تمييز الموارد الّتي يقع فيها البداء عمّا لا يقع فيه، وقد عرفت ما رواه العيّاشي عن الفضيل حيث قال: «ومن الأُمور أُمور موقوفة عند الله، يقدّم منها ما يشاء ويؤخّر منها ما يشاء، ويمحو منها ما يشاء ويثبت منها ما يشاء، لم يُطلع على ذلك أحداً (يعني الموقوفة)».

138
وروى في «الكافي» عن الفضيل بن يسار قوله: «وعلم عنده مخزون يقدّم منه ما يشاء ويؤخّر منه ما يشاء ويثبت ما يشاء».(1)
وروى أبو بصير عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «إنّ لله علمين: علم مكنون مخزون لا يعلمه إلاّ هو، من ذلك يكون البداء، وعلم علّمه ملائكته ورسله وأنبيائه فنحن نعلمه»(2).
وروى جهم بن أبي جهمة مرسلاً عمّن حدّثه، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إنّ الله عزّ وجلّ أخبر محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)بما كان منذ كانت الدنيا، وبما يكون إلى انقضاء الدنيا، وأخبره بالمحتوم من ذلك واستثنى عليه في ما سواه(3).
ويؤيّد ذلك ما استفاض عن أمير المؤمنين (عليه السلام)أنّه قال: «لولا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة وهي هذه الآية (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)»(4).
وظاهر هذه الرواية هو أنّه سبحانه استأثر بعلم هذه الموارد.
نعم قد فسّر بعض الأجلّة ـ دام ظلّه ـ هذا الخبر الأخير بشكل


1 . الكافي: 1/147 ح 6، باب البداء.
2 . الكافي: 1/147 ح 8، باب البداء.
3 . الكافي: 1/148 ح 14، باب البداء.
4 . بحار الأنوار: 4 / 97، باب البداء، الحديث 4 .

139
آخر وهو أنّه لمّا كان نظام العالم مبنيّاً على التقديم والتأخير، مبنيّاً على تغيير المقدّرات بصالح الأعمال وطالحها، امتنع الوصي(عليه السلام)عن الإخبار بكل ما يقع وما هو واقع في العالم في نهاية الأمر، لأنّ الإخبار بالنتائج يخالف النظام الذي بني عليه هذا العالم، لأنّ الاطّلاع على النتائج يصدّ الناس عن القيام بالبرّ والصدقة، والتوبة والإنابة.
وفّقنا الله تعالى للتغيير بحسن الأعمال وجعل عاقبة أُمورنا خيراً.
هذا آخر ما استفدناه من محاضرات شيخنا
الأُستاذ حفظه الله من كلّ سوء وعاهة،
ونرجو منه سبحانه أن يجعل عواقب
أُمورنا خيراً بحق نبيه
وعترته الطاهرين
آخر شوال المكرّم 5 140 هـ
جعفر الهادي

140
   

141
فهرس المحتويات   
فهرس المحتويات
الموضوع     الصفحة
الفصل الأوّل:
حقيقة البداء عند الشيعة الإماميّة   7
البداءُ عند الشيعة الإماميّة   9
النزاع في البداء لفظيّ لا معنويّ   15
مقدّمات مهمة حول البداء   17
الأُولى: في تفسير لفظ البداء   17
الثانية: في نقل أقوال أئمة أهل البيت(عليهم السلام) حول علمه سبحانه   19
الثالثة: الكتاب والسنّة مليئان بالمجاز   24
الرابعة: في إمكان النسخ وإبطال مزعمة اليهود   25
الخامسة: في أنّ القدر ليس حاكماً على مشيئته وأفعاله ولا
            على حرّية الإنسان   34
   السادسة: تغيير المصير بالأعمال   44
      تأثير الأعمال الصالحة في مصير الإنسان   44
      أحاديث وروايات أهل البيت(عليهم السلام) وتأثير العمل

142
الموضوع    الصفحة
            الإنساني في المصير   47
      روايات أهل السنّة وتأثير العمل الإنساني في المصير   49
      تأثير الأعمال الطالحة في تغيير المصير   52
      البداء من المعارف العليا   54
      إشكالان حول تأثير الدعاء   55
   السابعة: الآثار البنّاءَة للاعتقاد بالبداء   59
   حقيقة البداء على ضوء الكتاب والسنّة   62
      نصوص علماء الإماميّة في البداء   63
      فذلكة البحث   74
      تعلّق البداء بالتقدير الموقوف دون التقدير المحتوم   74
      مع أبي زهرة في موقفه من البداء   78
      التغيير في التقدير لا يلازم التغيير في العلم   79
      وزان التقديرين وزان الأجلين   81
      تغيير التقدير لا يستلزم تغيير الإرادة   87
      البداء شبيه النسخ في التشريع   89
الفصل الثاني:
البداء في مجال الإثبات   93
البداء في مجال الإثبات   95

143
الموضوع    الصفحة
تبيين الحال في هذه الإخبارات الغيبيّة   103
أسئلة وأجوبتها   107
1. كيف يصحّ إطلاق البداء على الله سبحانه مع أنّه بمعنى
         الظهور بعد الخفاء؟   107
2. ما هي مصادر إخبار النبي أو الوصي ؟   114
3. كيف يخبر النبي أوالوصي بشيء مع احتمال حصول
         البداء فيه؟   118
4. أليس في إخبار النبي بشيء مع عدم تحقّقه دلالة
         على الكذب؟   120
5. ما هو الميزان في الأُمور المحتومة والموقوفة؟   123
6. ما هي فوائد الإخبارات الغيبية مع عدم تحقّقها؟   125
7. كيف يحصل للناس الاطمئنان إلى الإخبار مع احتمال
         حصول البداء فيه؟   126
8 . ما هو الفرق بين إخبارات الأنبياء الّتي وقع فيها البداء
         وما ورد عن الصادق
(عليه السلام)؟   127
9. هل وقع البداء في تعيين بعض الأئمة(عليهم السلام)؟   130
10. لماذا لم يتحقّق الرخاء الذي أخبر به أمير المؤمنين (عليه السلام)؟   132
خاتمة المطاف: في أقسام الحوادث الّتي وقع فيها البداء   134
فهرس محتويات الكتاب   141

144
Website Security Test