welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : إرشاد العقول / ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

إرشاد العقول / ج 2

إرشاد العقول
إلى
مباحث الأصول

يبحث عن الحجج الشرعيّة والأصول العملية

تقريراً لمحاضرات

العلاّمة المحقّق

آية الله جعفر السبحاني

تأليف

محمد حسين الحاج العاملي

المجلد الثاني


(2)

بسم الله الرحمن الرحيم

جميع الحقوق محفوظة

الطبعة الأولى

1421 هـ ـ 2001 م

دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع


(3)


(4)

مقدمة المحاضر:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الّذي أوضح لعباده سبل معرفته، وسهّل عليهم طاعته ببعث أنبيائه وسفرائه، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه وسيد أصفيائه محمد وعترته الطاهرة، والنجوم الزاهرة والحجج اللاّمعة.

أمّابعد:

فقد سرحت النظر في الجزء الثاني من كتاب «إرشاد العقول إلى مباحث الأُصول» لولدنا الروحي العلاّمة الحجة الفاضل الشيخ محمد حسين الحاج العاملي (حفظه الله) فوجدته كالجزء الأوّل حاوياً لما ألقيناه، وجامعاً لما أوضحناه، كيف وقد حضر بحوثنا الأُصولية والفقهيّة مدة لايستهان بها، فأشكره لما بذل من جهود مضنية في جمع شتات البحث، وترصيف أطرافه، ببيان رائق من غير إيجاز مخلّ ولا إطناب مملّ، فأسأله سبحانه أن يسدّد خطاه، ويوفِّقَه لما يحبُّه ويرضاه، ويجعله ذخراً للإسلام والمسلمين بفضله ومنّه.

جعفر السبحاني

8 ذي الحجة الحرام / 1420 هـ


(5)

مقدمة المؤلّف:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله كلّما وقب ليل ووسق، والحمدلله كلّما لاح نجم وخفق، والحمد لله غير مفقود الانعام ولا مكافأ الافضال.

والصلاة والسلام على أفضل سفرائه وأشرف بريتّه محمّد، الّذي بعثه لإنجاز عدته، وإتمام نبوّته وآله الذين هم موضع سرّه، وملجأ أمره، وعيبة علمه، وموئل حكمه، صلاة تامّة، مادامت السماء ذات أبراج، والأرض ذات فجاج.

أمّا بعد ; فلا شكّ في حاجة الفقه إلى الأُصول، لأنّ استنباط الحكم الشرعي من الكتاب والسنّة رهن قواعد كلّية يستند إليها الفقيه، وهذه القواعد لايبحث عنها إلاّ في علم الأُصول، ولأجل ذلك بادر علماء الأمصار وفضلاء الأعصار في كلّ دور من الأدوار، إلى تمهيد قواعده وتقييد شوارده، وتبيين ضوابطه، وترتيب فصوله، ليستسهل الأمر على المستنبط في مختلف المجالات.

وممّن خاض غمار هذا العلم، وسبر أغواره شيخنا الأُستاذ العلاّمة الحجّة آية الله الشيخ جعفر السبحاني (مدّ ظله) فقد جدّ وأجاد، وصنّف وأفاد، حتى تخرّج على يديه جيل كبير من روّاد العلم.

وكنت ممّن يتردّد على أندية دروسه للانتهال من نمير علمه، حتى حالفني


(6)

التوفيق بتحرير ما أفاده في الدورة الأُصولية الرابعة، فجاء ماأفاده فيما يُسمّى بالأُصول العقليّة متمثّلاً في هذين الجزءين، وقد سمّيته «إرشاد العقول إلى مباحث الأُصول».

وهذا هو الجزء الثاني يزفّه الطبع إلى الطلاّب الكرام من بغاة الفضيلة والاجتهاد، وقد أشرف شيخنا الأُستاذ «مدّ ظلّه» على ما حررته وكتبته، فجاء الجزءان كصحيفة كاملة في المباحث العقلية.

وفي الختام أتقدّم إليه بالشكر الجزيل وابتهل إلى الله سبحانه أن يطيل عمره، ويسدّد خطاه في سبيل نشر العلم والهدى، فانّه بذلك قدير وبالإجابة جدير.

محمد حسين الحاج العاملي

26 / رمضان المبارك من شهور عام 1420 هـ


(7)

الأصل الرابع من الأُصول العملية

الاستصحاب

قد تقدّم أنّ حصر الأصول العملية الكلية في الأربعة حصر استقرائي; وقد تقدّم الكلام في الأُصول الثلاثة: البراءة، والاشتغال، والتخيير; وبقي الكلام في الاستصحاب، ومجراه هو وجود الحالة السابقة ولحاظها واعتبارها.(1)

ونذكر أُموراً تمهيدية:

الأمر الأوّل: في تعريف الاستصحاب

عرّف الاستصحاب بوجوه مختلفة، نذكر منها ما يلي:

أ: ما ذكره الشيخ بهاء الدين العاملي:إثبات الحكم في الزمان الثاني تأويلاً على ثبوته في الزمن الأوّل.(2)

وقد أشار في تعريفه إلى ركني الاستصحاب، أعني: اليقين والشك، بقوله: «تأويلاً على ثبوته في الزمن الأوّل» حيث إنّ ثبوته في الزمان الأوّل، لأجل قيام


1. قيد اللحاظ أو الاعتبار لأجل انّه ربّما تكون هناك حالة سابقة ولا تكون ملحوظة ومعتبرة كما في الشكّ في المقتضي عند الشيخ، أو الحكم الشرعي الكلي عند المحقّق النراقي ومن تبعه كالسيد المحقّق الخوئي.
2. زبدة الأُصول: 87 .


(8)

الحجّة عليه أي «اليقين»، وإثباته في الزمان الثاني تأويلاً عليه، يدل على عدم الدليل عليه فيه سوى ثبوته في الزمان الأوّل وهو يلازم الشك. فما أورد على هذا التعريف بأنّه لم يُشر إلى ركني الاستصحاب كما ترى.

ب: ما ذكره المحقّق القمي: كون حكم أو وصف يقينيّ الحصول في الآن السابق، مشكوك البقاء في الآن اللاحق.(1)

ج: ما أفاده الشيخ الأعظم: إبقاء ما كان .وقال: بأنّه أسدّ التعاريف وأخصرها.(2)

وأورد عليه المحقّق النائيني، بأنّ لليقين والشك دخلاً في حقيقة الاستصحاب، ولو باعتبار كون اليقين طريقاً إلى المتيقن، كما أنّ للشكّ في البقاء دخلاً فيه.

د:ذكره المحقّق النائيني: عدم انتقاض اليقين السابق المتعلّق بالحكم أو الموضوع من حيث الأثر والجري العملي بالشك في بقاء متعلّق اليقين.(3)

يلاحظ عليه: أنّه تعريف للشيء بنتيجته، فانّ عدم الانتقاض نتيجة الاستصحاب لا نفسه، فحكم الشارع بحرمة نقضه يُنتج عدمَ الانتقاض.

هـ : ما ذكره به المحقّق الخراساني: الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقائه.(4)

والحقّ انّ تعريف الاستصحاب يختلف حسب اختلاف المباني في حجية الاستصحاب، فانّ في كيفية حجيته آراء ثلاثة:


1. قوانين الاصول :2/53.
2. الفرائد: 318، ط رحمة اللّه.
3. فوائد الأُصول: 4/307.
4. كفاية الأُصول: 2 / 273 .


(9)

1. انّه أمارة عقلائية لكشف حال الشيء في الآن اللاحق، واليقين السابق أمارة ظنية لبقائه في ظرف الشك. وليس المراد من الشكّ هو تساوي الطرفين حتى ينافي الظن بالبقاء، بل المراد احتمال الخلاف الجامع مع الظن، وبعبارة أُخرى المراد الشك الأُصولي لا الشكّ المنطقي.

2. انّه أصل عملي اعتبر لصيانة الواقع وحفظه، فكما أنّ المولى يحتفظ بمطلوبه بإيجاب الاحتياط في أطراف الشبهة المحصورة تحريمية كانت أو إيجابية، فهكذا يحتفظ به في إيجاب العمل على وفق الحالة السابقة، لأنّ الغالب على ما كان، هو البقاء.

3. انّه أصل عملي تعبدي محض كأصالتي الطهارة والحلية وليس ناظراً إلى صيانة الواقع.

فعلى الرأي الأوّل، يدخل الاستصحاب في عِداد الأمارات العقلائية التي تفيد الاطمئنان بمفاده، وليست الأمارة إلاّ كون حكم أووصف يقينيّ الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق، فعندئذ يصبح تعريفُ المحقّق القمي أحسنَ التعاريف، وإن وصفه الشيخ بأنّه من أزيفها. ويكون تعريفه بالإبقاء تعريفاً بعيداً عن حقيقة الاستصحاب. وتسمية كون الشيء «يقيني الحصول» بالاستصحاب من باب تسمية الشيء بنتيجته فانّه إذا عمل بالأمارة فكأنّه استصحب شيئاً من الماضي إلى الآن اللاحق.

وأمّا على الرأيين الأخيرين ـ أعني: كونه أصلاً شرعياً صيانة للواقع، أو تعبدياً محضاً ـ فأحسن التعاريف ما ذكره المحقّق الخراساني، ولكن أقربها إلى النص هو«النهي عن نقض اليقين السابق المتعلّق بالحكم الشرعي أو بموضوع ذي أثر، بالشك اللاحق نقضاً تشريعياً لا تكوينياً».


(10)

الأمر الثاني: الاستصحاب مسألة أُصولية لا قاعدة فقهية

ذهب الشيخ الأنصاري إلى أنّ الاستصحاب الجاري في الشبهات الحكمية مسألة أُصولية، والجاري في الموضوعية ـ كعدالة زيد ونجاسة ثوبه ـ قاعدة فقهية كأصالة الطهارة وقاعدة الفراغ.

وجهه: هو اختصاص تطبيق المسألة الأُصولية على صغرياتها بالمجتهد دون القاعدة الفقهية، فانّ تطبيقها يعمّ المجتهد والمقلّد. والاستصحاب في الشبهات الحكمية رهن شروط كالفحص عن الدليل الاجتهادي وغيره، ولا يقوم به إلاّ المجتهد، دون الشبهات الموضوعية، واختاره المحقّق النائيني وقال: إنّ نتيجة المسألة الأُصولية إنّما تنفع المجتهد ولا حظّ للمقلِّد فيها، وإنّ النتيجة في القاعدة الفقهية تنفع المقلِّد.(1)

وما ذكره من التفصيل وإن كان صحيحاً، ولكن الفرق بين المسألة الأُصولية والقاعدة الفقهية أمر آخر، لانتقاض ما ذكراه بكثير من القواعد الفقهية التي لا يقوم بتطبيقها إلاّ المجتهد، نظير: قاعدة ما يُضمن وما لا يُضمن،وقاعدة الإلزام،وقاعدة الخراج بالضمان، إلى غير ذلك من القواعد التي لا يستفيد منها إلاّ المجتهد.

ويمكن التفريق بين المسألة الأُصولية والقاعدة بوجهين:

1. ما قدمناه في صدر الجزء الأوّل وهو أنّ المحمول في المسألة الأُصولية ليس حكماً شرعياً عملياً كقولنا: خبر الواحد حجّة، والظواهر حجّة، والأمر يدل على المرة أو التكرار. وهذا بخلاف القواعد الفقهية فالمحمول فيها حكم شرعي


1. فوائد الأُصول: 4/309.


(11)

مأخوذ من نفس الشرع كقوله ـ عليه السلام ـ : «إذا شككت ودخلت في غيره فشكّك ليس بشيء»، أو حكم شرعي منتزع من الأحكام الشرعية الكلية كما في قولنا: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، فإنّه حكم شرعي كلّي منتنزع من الحكم بالضمان في أبواب البيع والإجارة والمزارعة والمساقاة، والدليل على الضمان في هذه الموارد هو قاعدة الإقدام، أو قاعدة على اليد، فهذه القاعدة الكلية منتزعة من حكم الشرع في كلّ من هذه الموارد بالضمان.

ومن هنا يعلم أنّ نتيجة المسألة الأُصولية ـ بعد التطبيق ـ لا تكون حكماً شرعياً بل تكون حكماًجزئياً من سنخ المسألة الأُصولية كقولنا: هذا قول الثقة، وقول الثقة حجّة، فينتج هذا حجّة.

بخلاف القاعدة الفقهية فانّ نتيجتها تكون حكماً شرعياً، كقولنا: هذا مشكوك الطهارة، وكلّ مشكوك الطهارة طاهر، فينتج هذا طاهر.

2. انّ إعمال المسألة الأُصولية من قبيل الاستنباط ، بخلاف القاعدة الفقهية فانّ إعمالها من قبيل التطبيق، والفرق بين الاستنباط والتطبيق واضح، وهو أنّ الأوّل يكشف عن حكم شرعي مجهول لم يكن معلوماً له قبل الإعمال، لا إجمالاً ولا تفصيلاً، بخلاف الثاني فليس فيه كشف عن حكم شرعي مجهول غير معلوم، بل تبديل للعلم الإجمالي إلى التفصيلي، ولنذكر مثالاً:

قول الثقة حجّة مطلقاً، مسألة أُصولية، فإذا طبّق على مورده، يقف الإنسان على حكم شرعي لم يكن معلوماً لا إجمالاً ولا تفصيلاً وهو وجوب السورة في الصلاة، أو حرمة ذبيحة الكافر الكتابي، إذ ليس الحكمان مندرجين في الكبرى الأُصولية«قول الثقة حجّة » لا إجمالاً ولا تفصيلاً بخلاف القاعدة الفقهية، أعني : كلّ شيء طاهر، فقد كان العلم بطهارة الثوب المشكوك مندرجاً فيه إجمالاً


(12)

لاتفصيلاً، وليس للتطبيق دور سوى انّه ينحل به العلم الإجمالي إلى التفصيلي.

والحاصل: انّ الحكم الشرعي المستنبط لم يكن موجوداً في الكبرى الكلية الأُصولية لا إجمالاً ولا تفصيلاً، بخلاف الحكم الشرعي في القاعدة الفقهية، فانّه كان موجوداً إجمالاً في الكبرى الكلية الفقهية غير انّه يبدل بالتطبيق إلى العلم التفصيلي.

وبذلك يعلم أنّ قوله: «لا تنقض اليقين بالشك» مسألة أُصولية، لأنّ النتيجة بعد التطبيق على المورد ـ أعني: وجوب صلاة الجمعة، أو نجاسة الماء المتغيّر الذي زال تغيّره بنفسه ـ لم تكن مندرجة في الكبرى.

وهذا هو الفرق بين المسألة الأُصولية والقاعدة الفقهية.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ الاستصحاب من المسائل الأُصولية، أمّا إذا قلنا بأنّه من الأمارات العقلائية، فلأنّ مآل البحث إلى حجّية الظن وعدمها. ومن الواضح أنّ المحمول حكم غير شرعي ويحصل من تطبيقه على مورده علم جديد بالنسبة إلى الحكم الشرعي.

وأمّا إذا قلنا بأنّه من الأُصول الشرعية لحفظ الواقع، أو للتعبّد، فهو أيضاً من المسائل الأُصولية، لأنّ المحمول ـ أعني: حرمة نقض اليقين بالشك ـ ليس حكماً شرعياً نظير الأحكام الخمسة، وآية ذلك أنّ الإنسان إذا خالف الاستصحاب ولم يعمل بمقتضى الوجوب في الزمان السابق لا يعاقب مرّتين، وهذا يكشف عن أنّ حرمة النقض أشبه بإعطاء الحجية لليقين السابق حتى في زمان الشك، كما أنّه لا يلازم العلم به العلم بالنتيجة لا تفصيلاً ولا إجمالاً.

هذا كلّه إذا كان المورد حكماً شرعياً كلياً، وأمّا إذا كان المورد موضوعاً جزئياً


(13)

كطهارة ثوب زيد أو عدالته، فعلى ما ذكره الشيخ من اشتراط كون النتيجة حكماً كلياً يصبح قاعدة فقهية، لأنّ النتيجة حكم جزئي.

وأمّا على ما ذكرنا فالشرطان ـ كون المحمول حكماً غير شرعي، والنتيجة غير مندرجة في الكبرى ـ و إن كانا موجودين، لكن شأن المسألة الأُصولية وقوعها مقدمة لاستنباط الحكم الشرعي الكلي، وبما انّ النتيجة حكم جزئي، فلا يقع في عداد المسائل الأُصولية بل في عداد القواعد الفقهية التي ربما تكون نتيجتها أمراً جزئياً.

الأمر الثالث: أركان الاستصحاب

يشترط في الاستصحاب من حيث اليقين و الشكّ أُمور ثلاثة:

1. اجتماع اليقين والشكّ سواء اجتمعا في النفس معاً، أو كان اليقين متقدماً والشكّ متأخراً، أو بالعكس.

فإن قلت: كيف يجتمع اليقين والشكّ في زمان واحد، مع أنّ الشكّ ينقض اليقين تكويناً، فلا يقين مع الشكّ؟

قلت: هذا إذا كان متعلّق اليقين والشكّ واحداً بالذات، والزمان، وأمّا إذا كان متعلّقهما واحداً بالذات، مختلفاً زماناً فلا مانع من اجتماعهما ، كما إذا أذعن بعدالة زيد يوم الجمعة، وشكّ في عدالته يوم السبت، فالمسوغ لاجتماعهما هو اختلاف المتعلّقين زماناً، وإن كانا متحدين ذاتاً.

2. سبق زمان المتيقّن على زمان المشكوك، وهو مورد الروايات لا العكس، كما يأتي في الاستصحاب القهقري.


(14)

3. وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة ذاتاً، كأن تكون العدالة بما هي هي متعلّقاً لليقين والشكّ معاً، وإلاّ فلو كان المتعلّق مختلفاً لكان خارجاً عن الاستصحاب وداخلاً تحت قاعدة المقتضي والمانع كما ستوافيك،وبذلك علم أنّه يشترط في الاستصحاب أُمور ثلاثة:

1. اجتماع اليقين والشكّ أو فعليتهما.(1)

2. سبق زمان المتيقّن على زمان المشكوك.(2)

3. وحدة متعلّق الشك واليقين.(3)

وكلّ واحد من هذه القيود الثلاثة يميز الاستصحاب عن القواعد الثلاث التي سنبيّنها.

الأمر الرابع: في القواعد الثلاث

قد عرفت حقيقة الاستصحاب وتعريفه، وهناك قواعد أُخرى يجب التعرّف عليها، وبيان الفرق بينها و بين الاستصحاب.

أ: قاعدة اليقين أو الشكّ الساري

إنّ قاعدة اليقين أو الشكّ الساري تقارب قاعدة الاستصحاب، وإنّما يختلفان في أمرين:

الأمر الأوّل: انّ متعلّق اليقين والشكّ يتّحدان ذاتاً ويختلفان زماناً في


1. خرجت قاعدة اليقين.
2. خرج الاستصحاب القهقري.
3. خرجت قاعدة المقتضي والمانع، كما سيوافيك تفصيله.


(15)

الاستصحاب، بخلاف قاعدة اليقين فيتحدان ذاتاً وزماناً. مثلاً إذا كان متيقّناً بعدالة زيد يوم الجمعة وشكّ في بقائها يوم السبت، فهذا ينطبق على الاستصحاب; وأمّا إذا شكّ في نفس عدالته يوم الجمعة على وجه سرى الشك إلى اليقين فتنطبق عليه قاعدة اليقين.

الأمر الثاني: لمّا كان الحدوث في الاستصحاب أمراً متيقّناً، والبقاء مشكوكاً، يكون الشكّ واليقين فعليّين لعدم التزاحم بينهما، وهذا بخلاف قاعدة اليقين حيث إنّ المتعلّقين كانا متّحدين ذاتاً وزماناً يزول اليقين بعد عروض الشك. ويقع الكلام في صحّة الأعمال التي أُتي بها في ظرف اليقين بعد طروء الشك. وإلى هذا يرجع كلامهم: الشكّ في الاستصحاب شكّ في البقاء بعد الفراغ من ثبوته حدوثاً، وفي قاعدة اليقين شكّ في الحدوث دون نظر إلى البقاء على فرض الحدوث.

وبذلك يعلم أنّ اليقين والشكّ من الحالات النفسية التي لا تجتمع في النفس أبداً ولكن المسوِّغ اجتماعهما في المقام هو اختلاف متعلّقي اليقين والشكّ من حيث الزمان في الاستصحاب، واختلاف ظرفي اليقين والشكّ في قاعدة اليقين، فالذي يزيل المشكلة هو وجود المغايرة إمّا في المتعلّق أو في ظرف حدوث اليقين والشكّ.

ويترتب على ذلك أنّ اللازم في الاستصحاب تقدم متعلّق اليقين على متعلّق الشك، وأمّا اليقين والشكّ فيمكن أن يحصلا معاً، أو لا يحصلا إلاّ بالترتب سواء قُدِّم اليقين أو قُدّم الشك، فالمعيار التغاير بين المتيقّن والمشكوك من حيث الزمان، وتقدّم الأوّل على الثاني، وأمّا قاعدة اليقين فبما أنّ حلّ المشكلة كان رهن اختلاف اليقين والشكّ زماناً فلا مناص من تقدّم زمان اليقين على زمان الشكّ وحصولها مترتبين.


(16)

ب: قاعدة المقتضي والمانع

إذا تعلّق اليقين بشيء والشكّ بشيء آخر يغايره ذاتاً وزماناً، كما إذا أيقن بصب الماء على اليد، وشكّ في وجود المانع عن وصول الماء إلى البشرة، فهذا هو مورد القاعدة المعروفة بقاعدة المقتضي والمانع، فالمقتضي هو صبّ الماء الذي يقتضي غسلَ البشرة، والمانع هو احتمال وجود عائق عن وصول الماء إلى البشرة، كاللون، ففي المقام اختلف متعلقا اليقين والشكّ لا زماناً بل جوهراً.

وعلى ضوء ذلك تقف على الفرق الواضح بين الاستصحاب والقاعدتين المذكورتين في ناحية المتعلّق.

ما يتّحد متعلّقا اليقين والشكّ ذاتاً وزماناً، فهو مجرى لقاعدة اليقين.

ما يتّحد متعلّقا اليقين والشكّ ذاتاً لا زماناً، فهو مجرى لقاعدة الاستصحاب.

ما يختلف متعلّقا اليقين والشكّ ذاتاً، فهو مجرى لقاعدة المقتضي والمانع.

فعلى حجّية قاعدة المقتضي والمانع إذا شككنا في وجود العائق عن وصول الماء، نقول: المقتضي موجود والمانع مرفوع بالأصل.

ج: الاستصحاب القهقري

الاستصحاب القهقري نفس الاستصحاب الرائج، غير أنّ الفرق بينهما تقدّم زمان المتيقن على زمان المشكوك في الاستصحاب المتعارف، وأمّا إذا انعكس فصار زمان المتيقن متأخراً زماناً، والمشكوك متقدماً زماناً، فهذا مورد للاستصحاب القهقهري، كما إذا علمنا أنّ الصلاة والصوم كانا حقيقة في لسان الصادقين في الماهيات العبادية، وشككنا في كونهما كذلك في عصر الوصي أو


(17)

النبي، فهل يصحّ لنا إطالة عمر اليقين وجره تعبّداً إلى الزمان السابق حتى يثبت بذلك كونهما حقيقتين في الماهيات العبادية في عصرهما أيضاً، على وجه لو وردا في كلامهما يحمل على هذه المعاني الشرعية لكونهما حقيقة في لسانهما في المعنى الذي صار حقيقته فيه في عصر الصادقين عليمها السَّلام ؟

وبما أنّ أدلّة الاستصحاب ظاهرةً فيما إذا كان المقتضي متقدماً زماناً والمشكوك متأخراً زماناً على عكس الاستصحاب القهقري فلا تشمله أدلّته.

نعم ربّما يتمسك في إثبات وحدة المعنى في العصرين بوجه آخر غير الاستصحاب القهقهري وهو أصالة عدم النقل وهو من سنخ الاستصحابات الدارجة، فتثبت بها وحدة المعنى في العصرين، وإلاّ يلزم النقل وهو منفيّ بالأصل.

وسيوافيك الكلام في حجّية الأُصول اللفظية ولوازمها عند البحث في الأصل المثبت.

وأمّا شمول أدلّتها القاعدة المقتضي والمانع، فالمتبادر من الأدلّة وحدة المتعلّقين ذاتاً، على خلاف مورد قاعدة المقتضي والمانع.

الأمر الخامس: في تقسيمات الاستصحاب

ينقسم الاستصحاب، حسب المستصحب تارة، والدليل الدال على حكمه أُخرى، ومنشأ الشك ثالثة، وإليك بيان الجميع على وجه الإيجاز.

أمّا التقسيم باعتبار المستصحب: فإنّه تارة يكون أمراً وجودياً، وأُخرى أمراً عدمياً.


(18)

وعلى التقدير الأوّل قد يكون حكماً شرعياً، وأُخرى موضوعاً لحكم شرعي.

ثمّ الحكم الشرعي قد يكون كلياً، وقد يكون جزئياً، وعلى كلا التقديرين قد يكون من الأحكام التكليفية، وأُخرى من الوضعية، وأمثلة الكل واضحة.

وأمّا التقسيم باعتبار الدليل الدال عليه: فتارة يكون دليله نقلياً كالكتاب والسنّة، وأُخرى لبيّاً كالإجماع والعقل.

وأمّا التقسيم من جهة الشكّ المأخوذ فيه: فالشكّ تارة يكون في مقدار استعداد المستصحب للبقاء، ويسمى بالشكّ في المقتضي كالحيوان المردّد بين طويل العمر وقصيره، وكنجاسة الماء المتغيّر إذا زال تغيّره بنفسه، فمرجع الشكّ إلى استعداد المستصحب للبقاء، ونظيره استصحاب الليل والنهار، فالشكّ في بقاء النهار يرجع إلى الشكّ في قابلية بقائهما في الفترة المشكوكة.

وأُخرى يكون استعداده للبقاء أمراً محرزاً لكن يحتمل طروء رافع يرفع المقتضي، كالطهارة فهي قابلة للبقاء ما لم يعرض هناك عارض ورافع كالنوم والبول. أو كعقد النكاح فالعلقة المنشأة قابلة للبقاء ما لم يطرأ رافع. فإذا شككنا في أنّ قولنا: «أنت خلية» رافع لحكم المقتضي أو لا، يكون الشكّ من قبيل الشكّ في الرافع.

ثمّ إنّ الشكّ في الرافع على أقسام، لأنّ الشكّ تارة يتعلّق بأصل وجود الرافع كالحدث بعد الوضوء، وأُخرى برافعية الأمر الموجود، وهو على أقسام لأنّ منشأ الشكّ في رافعية الأمر الموجود أحد الأُمور التالية:

1. تردّد المستصحب بين ما يكون الموجود رافعاً له، وما لا يكون رافعاً له، كشغل الذمّة المستصحب يوم الجمعة بعد الإتيان بصلاة الظهر، فانّ الشكّ في


(19)

رافعية الأمر الموجود(صلاة الظهر) لأجل عدم تعيّن المستصحب وتردّده بين كون الواجب هوالظهر أو الجمعة، فعلى الأوّل ارتفع الاشتغال بالذمّة دون الثاني.

2. الجهل بحكم الموجود، كالمذي الخارج عن الإنسان، فهل هو رافع شرعاً للطهارة مثل البول، أو لا؟

3. الجهل بمصداقيته لرافع معلوم المفهوم كالبول، كالبلل المردّد بين البول والوذي.

4. أو الجهل بمصداقيته لرافع مجهول المفهوم كالتيمّم على الحجر، المجهول كونه مصداقاً للصعيد المجهول المفهوم.

وقد وقع الخلاف في حجّية الاستصحاب في هذه الموارد.

هذه التقسيمات الرئيسيّة ذكرناها تمهيداً.