welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : المبسوط في أُصول الفقه/ج3- مصححه*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المبسوط في أُصول الفقه/ج3- مصححه

1
المبسوط في أُصول الفقه / ج 3
3

2

3
الجزء الثالث

4
السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ق ـ
      المبسوط في أُصول الفقه / تأليف جعفر السبحاني. ـ ] ويراست 2 [. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1389 .
      4 ج. ISBN 978 - 964 - 357 - 544 - 1(VOL. 3)
ISBN 978 - 964 - 357 - 313 - 3 (4 VOL. SET)
      فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه بر صورت زيرنويس.
چاپ دوم; 1393 .
      1. اصول فقه شيعه ـ ـ قرن 14. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
2م 2س/ 8/159 BP 312 / 297
1393
اسم الكتاب: … المبسوط في أُصول الفقه
الجزء: …الثالث
المؤلف: … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الطبعة: … الثانية ـ منقحة ومزيدة
تاريخ الطبع: … 1435 هـ . ق
المطبعة: … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر: … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع: …وزيري
عدد الصفحات: …656 صفحة
التنضيد والإخراج الفني: … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
         تسلسل النشر:839                  تسلسل الطبعة الأُولى:420
مركز التوزيع
قم المقدسة / ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?7745457; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

5

6

7
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلقه وبريّته وخاتم رسله وأنبيائه أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد: فهذا هو الجزء الثالث ـ ويليه الجزء الرابع بإذن الله تبارك وتعالى ـ من كتابنا الموسوم بـ «المبسوط في أُصول الفقه» ونطرح فيهما الحجج العقلية والشرعية.
والمعروف بين الإمامية أنّ الأدلّة منحصرة في أربعة: الكتاب العزيز، السنّة المطهّرة، إجماع الفقهاء، والعقل. وكان اللازم على الأُصوليّين خصوصاً على الشيخ الأنصاري ـ رائد علم الأُصول في القرن الثالث عشر ـ أن يخصَّ مقصداً بكلّ دليل، أو يفتح لكلٍّ، فصلاً حتّى يكون القارئ على بصيرة تامّة بالنسبة إلى الأدلّة الأربعة.
ولكنّه (قدس سره)ـ وتبعه المتأخّرون ـ لم يفتح لكلّ منها باباً خاصاً، بل أدخل حجّية العقل في مبحث القطع بالحكم الشرعي، كما أدخل البحث في حجّية الكتاب العزيز في فصل «حجّية الظواهر مطلقاً» كتاباً كانت أو سنّة، كما أدرج البحث عن حجّية الإجماع المحصّل الّذي عبّرنا عنه بإجماع الفقهاء في البحث عن الإجماع المنقول، وأقحم البحث عن حجّية السنّة في البحث عن حجّية الخبر الواحد; وهذا النوع من البحث يورث التشويش في ذهن القارئ.

8
وبما أنّ الدارج في الحوزات العلمية هو النظام السابق لم يكن لنا بدّ عن اتّباعه والسير على منهاجه، ومع ذلك لم يفتنا تخصيص فصل لكلّ من الأدلّة الأربعة، وبذلك صارت محاضراتنا مزيجة ممّا أشرنا وما عليه مشاهير الأُصوليّين.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ كتابنا هذا يشتمل على مقاصد، وقد فرغنا من المقاصد الخمسة ضمن الجزأين الأوّل والثاني، وحان البحث في المقصد السادس الّذي خصّه المحقّق الخراساني لبيان الحجج الشرعية وجعل البحث عن أحكام القطع كتمهيد للبحث عنها، غير أنّا نخصّ المقصد السادس لبيان أحكام القطع، وحجّية العقل حفظاً لمكانة العقل في الاستنباط، ونخصّ المقصد السابع لبيان الحجج الشرعية. والثامن لبيان الأُصول العملية، والتاسع لتعارض الأدلّة الشرعية، وبذلك يتجاوز عدد المقاصد من الثمانية إلى التسعة وخصّصنا الخاتمة لبيان الاجتهاد والتقليد فتدبّر.

9
المقصد السادس
في أحكام القطع وأقسامه، وحجّية العقل
في مجالات خاصّة

10

11
ونخصّ هذا المقصد ببيان أمرين:
الأوّل: في أحكام القطع سواء أتعلّق بالموضوع أم بالحكم.
الثاني: حجّية العقل في مجالات خاصّة.

الأمر الأوّل:

في القطع وأحكامه وأقسامه

وقبل الشروع في بيان أحكام القطع سواء أتعلّق بالموضوع أم بالحكم، نأتي بمقدّمات تمهيدية لها تأثير في دراسة أحكام القطع، وقد ذكرها الشيخ وغيره في ديباجة كتبهم.

الأُولى: تقسيم حالات المجتهد عند الالتفات إلى الحكم

قَسّم الشيخ الأعظم حالات المجتهد عند الالتفات إلى الحكم الشرعي إلى أقسام ثلاثة، اشتهرت بالتقسيم الثلاثي.

التقسيم الثلاثي في كلام الشيخ

قال: اعلم أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي، فإمّا أن يحصل له القطع، أو الظن، أو الشكّ; فإن حصل له الشك فالمرجع هي القواعد الشرعية الثابتة للشاكّ في مقام العمل، وتسمّى بالأُصول العملية.
وقد وقع التقسيم محلاًّ للنقاش:

12
منها: أنّ الحالات الثلاث من خصائص المجتهد دون المكلّف.
ومنها: أنّه أطلق الحكم ولم يقيده بالفعلي مع أنّ الأحكام المترتّبة على الحالات الثلاث إنّما تترتّب إذا تعلّق القطع وما يليه، بالفعلي دون الإنشائي; أعني: ما تمّ تشريعه ولم يبيّن أو بُيّن ولم يصل إلى يد الأُمّة. ومثل هذا لا يكون موضوعاً لحكم من الأحكام.
ومنها: وجود التداخل في الأقسام، لأنّ الظن إن قام الدليل على حجّيته فيدخل تحت القطع أي القطع بالحكم الظاهري، وإن لم يدلّ دليل على حجّيته يكون نظير الشك في عدم الحجّية. فلا يكون الظن قسماً مستقلاً للقطع والشك.
ومن حاول أن يحتفظ بالتقسيم الثلاثي كان عليه أن يقرّر حالات المجتهد بالنحو التالي:
إنّ المستنبط إذا التفت إلى حكم شرعي فعلي إمّا أن يحصل له القطع بالحكم الواقعي، أو لا. فعلى الثاني إمّا أن يقوم عنده طريق معتبر،(1) أو لا. فالمرجع على الأوّل هو القطع، وعلى الثاني هو الطريق المعتبر، وعلى الثالث، هو الأُصول العملية.

التقسيم الثنائي في كلام المحقّق الخراساني

عدل المحقّق الخراساني بسبب بعض ما مرّ من المناقشات إلى التقسيم الثنائي فقال:

1 . قيل طريق معتبر دون أن يقال: دليل معتبر لئلاّ يشمل الأُصول العملية لأنّها ليست طرقاً معتبرة وإن كانت أدلّة معتبرة.

13
إنّ البالغ إذا وضع عليه القلم إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري متعلّق به أو بمقلّديه، فإمّا أن يحصل له القطع به، أو لا.
وعلى الثاني لابد من انتهائه إلى ما استقلّ به العقل من اتّباع الظن لو حصل له، وقد تمّت مقدّمات الانسداد على تقدير الحكومة، وإلاّ فالرجوع إلى الأُصول العقلية من البراءة والاشتغال والتخيير.(1)
وبما أنّه عمّم متعلّق القطع إلى حكم واقعي وظاهري، فقد أدخل فيه الأُمور التالية:
1. القطع الوجداني بالحكم.
2. القطع بالحكم بقيام الأمارة.
3. القطع بالحكم الظاهري عن طريق الأُصول العملية الشرعية، كالبراءة والتخيير الشرعيّين والاستصحاب.
فدخل الجميع تحت قوله: «يحصل له القطع به» كما دخل في قوله: «أو لا» المعذرات العقلية الّتي ليس في موردها حكم شرعي مجعول. أعني:
ألف: الظن الانسدادي إذا قلنا بحكومة العقل (لا لكشفه عن جعل الشارع الظن حجّة إذ عندئذ يدخل في القطع بالحكم الشرعي) بلزوم الإطاعة الظنّية وتقديمها على الإطاعة الشكّيّة والوهمية من دون أن يكون المظنون حكماً شرعياً مجعولاً.
وأمّا على القول بالكشف، وأنّ العقل يكشف عن أنّ الشارع جعل الظن عند الانسداد حجّة شرعية فيكون المظنون حكماً شرعياً ظاهرياً داخلاً في القسم الأوّل: القطع بالحكم الظاهري، والفرق بين الحكومة والكشف نفس

1 . كفاية الأُصول: 2 / 3.

14
الفرق بين الحلية العقلية، والحلية الشرعية، فهي على الوجه الأوّل ترخيص عقلي ليس بشرعي بخلافها على الوجه الثاني فإنّها حكم شرعي.
ب: الأُصول العملية العقليّة من البراءة والاشتغال والتخيير فإنّ مبنى الأوّل قبح العقاب بلا بيان، والثاني لزوم الخروج عن عهدة التكليف على وجه القطع، والثالث لزوم الخروج عن عهدة التكليف بالمقدار الممكن. والجميع معذّرات دون أن يكون فيها حكم شرعي مجعول.
وحصيلة الكلام: أنّ المحقّق الخراساني أقحم القطع بالحكم الشرعي والحجج الشرعية كالأمارات والأُصول الشرعية تحت الشق الأوّل، كما أدخل الحجّج العقلية كالظن الانسدادي على القول بالحكومة والأُصول العقلية في الشق الثاني.
ولا يخفى أنّ التقسيم الثلاثي أولى من التقسيم الثنائي:
أوّلاً: أنّه تقسيم طبيعي في كلّ موضوع يقع في مجال الفكر من غير اختصاص بالحكم الشرعي.
وثانياً: أنّه كديباجة للمباحث الثلاثة، الّتي كتب الشيخ فيها ثلاث رسائل حيث ألّف رسالة في القطع، وثانية في الظن، وثالثة في الشك، وبذلك اشتهر كتابه بـ «الرسائل».
وثالثاً: أنّ المحقّق الخراساني أدخل الأمارات والأُصول الشرعية تحت القسم الأوّل مع أنّ القول به فرع وجود حكم شرعي في مجال الأمارات والأُصول الشرعية، بمعنى أنّه إذا أخبر العادل بوجوب شيء أو قام الاستصحاب على استمرار الوجوب، فللشارع هنا حكم شرعي مجعول على وفق مضمون الأمارة والأُصول، سواء أوافقت الواقع أم خالفت; لكن هذا أمر

15
غير ثابت بل ثبت خلافه.
إذ ليس للشارع دورٌ فيها إلاّ إمضاء ما بيد العقلاء. بمعنى أنّه إن أصاب يكون منجّزاً (دون أن يكون في مورد الأمارة جعل حكم شيء مماثل)، وإن أخطأ يكون معذّراً دون أن يكون فيه حكم شرعي ظاهري على خلاف الواقع.
نعم يستثنى من ذلك الإباحة الشرعية الّتي دلّت على جعل الحلّية عند الشك نظير قوله: كلّ شيء حلال حتّى تُعلم أنّه حرام. فإنّ المتبادر من دليلها، جعل حلية ظاهريّة.
وبذلك تعلم أفضلية التقسيم الثلاثي على الثنائي بشرط إجراء الإصلاحات على النحو الّذي عرفت.
***

المقدّمة الثانية: انحصار الأُصول العملية بالأربعة استقرائي

اعلم أنّ الأُصول العملية بين ما يخصّ بباب كأصالة الطهارة والحلية، وبين ما يجري في عامّة الأبواب، وهي أربعة حسب الاستقراء أعني: البراءة والاشتغال والتخيير والاستصحاب، إذ لم يجد الفقيه أصلاً عاماً غير هذه الأربعة.
نعم إذا قطعنا النظر عن الاستصحاب يمكن أن يكون الحصر فيما عداه عقلياً أيضاً، لأنّه إمّا لا يراعى فيه التكليف المحتمل فهو البراءة، أو يراعى بوجه وهو التخيير، أو يراعى بكلّ وجه وهو الاحتياط.

16

المقدّمة الثالثة: حصر مجاري الأُصول في أربعة حصر عقلي

قد عرفت أنّ حصر الأُصول العملية في الأربعة استقرائي لكن حصر مجاريها في الأربعة حصر عقلي دائر بين النفي والإثبات، وقد اختلفت كلمات الشيخ في بيان المجاري فقرّرها في متن الفرائد على وجه، وفي هامشها على وجه آخر، وقد وقعا مجالاً للنقض والإبرام، ولعلّه لذلك عدل عنهما في أوّل رسالة البراءة والاشتغال إلى بيان ثالث، ونحن نأتي به، لخلوّه عن الإشكال فقال: إنّ حكم الشك إمّا أن يكون ملحوظاً فيه اليقين السابق عليه، أو لا يكون كذلك، سواء لم يكن يقين سابق عليه، أو كان ولم يلحظ; فالأوّل مورد الاستصحاب، والثاني إمّا أن يكون الاحتياط فيه ممكناً، أو لا; والثاني مورد التخيير، والأوّل إمّا أن يدلّ دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول أو لا; والأوّل مورد الاحتياط، والثاني مورد البراءة.(1)
فقد بيّن مجرى كلّ من الأُصول الأربعة بالنحو التالي:
1. مجرى الاستصحاب: وهو ما كانت الحالة السابقة ملحوظة.
2. مجرى التخيير: وهو ما لا تكون الحالة السابقة ملحوظة إمّا لعدمها أو لعدم حجّيتها، وكان الاحتياط غير ممكن، سواء أكان الشك من سنخ الشك في التكليف، كما إذا تردّد حكم شيء معيّن في وقت محدّد بين الوجوب والحرمة، أم كان من قبيل الشك في المكلّف به، كما لو علم بوجوب البيتوتة إمّا في هذا البلد أو في بلد آخر، فأصالة التخيير تجري في كلا الموردين بملاك عدم إمكان الاحتياط.
3. مجرى البراءة بعد إمكان الاحتياط، وهو ما إذا لم ينهض دليل على

1 . الفرائد: 2 / 14 طبعة تحقيق تراث الشيخ الأنصاري. وكلّ ما نقلنا منها، فالمرجع هذه الطبعة.

17
العقاب، بل على عدمه من العقل: كقبح العقاب بلا بيان، أو الشرع كحديث الرفع.
4. مجرى الاشتغال بعد إمكان الاحتياط، وهو ما إذا نهض دليل على العقاب لو خالف الواقع.
أمّا حال التقريرين الموجودين في متن الفرائد وهامشها وما فيهما من الإشكال من حيث تداخل مجاري الأُصول بعضها في بعض فراجع في ذلك الصدد إلى التقريرين: إرشاد العقول أو المحصول في الأُصول.
إذا عرفت هذه المقدّمات الثلاث فلندخل في صلب الموضوع أي القطع بالموضوع أو الحكم، وذلك ضمن البحث في جهات سبع بإذن الله سبحانه.

18

الجهة الأُولى

في أحكام القطع

إنّ للقطع بمعنى اليقين الجازم والعلم الحاسم، أحكاماً ذكرها الأُصوليوّن في كتبهم نشير إليها:

1. وجوب متابعة القطع

قال الشيخ الأعظم: لا إشكال في وجوب متابعة القطع والعمل على وفقه ما دام موجوداً لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع.
وقال المحقّق الخراساني: لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلاً ولزوم الحركة على طبقه جزماً.
يلاحظ عليه: أنّه إن أراد بمتابعة القطع هو متابعة نفس القطع ـ أعني: الصورة العلمية الحاصلة عند النفس ـ فهي مغفول عنها وغير ملحوظة، فكيف تجب متابعتها. وإن أراد من القطع، المقطوع كالوجوب والحرمة فهو، وإن كان غير مغفول عنه لكن الموضوع لوجوب الطاعة هو ذات الأحكام بما هي هي لا الوجوب المقطوع أو الحرمة المتيقّنة، نعم لا يمكن امتثال الحكم الواقعي إلاّ إذا تعلّق به العلم أو قامت الحجّة عليه، فالعلم به من شرائط تنجّز الطاعة وليس قيداً لوجوبها مضافاً إلى عدم اختصاص الحكم بالقطع بل يعم الأمارات والحجج.
فالأَولى أن يقال: تجب متابعة الأحكام المنجّزة بالقطع أو بالحجّة الشرعية.

19

2. هل الطريقية للقطع أمر ذاتي؟!

المعروف أنّ طريقية القطع أمرٌ ذاتي له وليس بجعل جاعل فهي غنية عن الجعل.
توضيحه: أنّ الجعل ينقسم إلى جعل بسيط وهو إيجاد الشيء كالجسم، وإلى تأليفي كجعل شيء شيئاً مثل جعل الجسم أبيض.
ثم إنّ الجعل التأليفي ينقسم إلى حقيقي كجعل الجسم أبيض، وإلى مجازي كجعل الأربعة زوجاً، والملاك في وصف الجعل بالحقيقي هو ما إذا كان إيجاد الموضوع غير كاف في جعل المحمول كما في جعل الجسم أبيض حيث لا يكفي إيجاده في كونه أبيض بخلاف الجعل المجازي فهو عبارة عن كون إيجاد الموضوع كافياً في جعل المحمول من دون حاجة إلى جعلين كجعل الأربعة زوجاً. فإنّ جعل الأربعة وإيجادها بنفسها يغني عن جعل الزوجية ثانياً. ومع ذلك تصحّ نسبة الجعل إلى اللازم أيضاً مسامحة.
إذا عرفت ذلك فنقول في تقرير نظرية المشهور: إنّها لا تخلو عن أحد احتمالين:
1. الطريقية من ذاتيات القطع بمعنى أنّها نفس القطع كالحيوان الناطق الّذي هو نفس الإنسان، فالطريقية بهذا المعنى بحاجة إلى الجعل البسيط شأن كلّ ممكن محتاج إلى علّة فيحصل العلم واليقين في لوح النفس بعد إمعان النظر.
2. الطريقية من لوازم وجود القطع فالجعل التأليفي الحقيقي بين الملزوم واللازم غير ممكن، لأنّ مناط الجعل هو الفقر والحاجة وهو منتف، لأنّ جعل الملزوم لا ينفك عن جعل لازمه.

20
نعم لا بأس بالجعل التأليفي المجازي كجعل الأربعة زوجاً بمعنى أنّ الجعل يتعلّق حقيقة بالأربعة، ومجازاً بالزوجية. فتحصّل أنّ الطريقية إذا كانت نفس القطع فهي بحاجة إلى الجعل البسيط. وإذا كانت من لوازمه فلا يعقل فيها الجعل التأليفي الحقيقي، نعم لا بأس به مجازاً.
يلاحظ عليه: بأنّه ليست الطريقية من ذاتيات القطع أي جنساً له أو فصلاً أو نوعاً، كما هو المحتمل الأوّل ولا من لوازمه الذاتية الّتي لا تنفك، وإلاّ لزم كون كل قطع مطابقاً للواقع وكاشفاً عنه.
والقول بأنّ المراد، هو الطريقية عند القاطع فهو كما ترى، لأنّ الأمر الذاتي لا يكون أمراً نسبياً لشخص دون شخص.
ثم إنّ غناء القطع عن جعل الطريقية (على فرض القول بها) ليس ما ذكروه من كونها من ذاتيات القطع أو لوازمه، بل الوجه هو: أنّ المراد من الجعل هنا هو الجعل الاعتباري الّذي هو فعل النفس، والجعل الاعتباري يتعلّق بالأُمور الاعتبارية كالجزئية والشرطية والملكية والمملوكية، وأمّا الطريقية أي إراءة القطع وجه الواقع وكشف الستر عن الحقيقة فهو أمر تكويني غير خاضع للجعل والاعتبار، فتلخّص من ذلك أنّ الطريقية لا تقبل الجعل لا لما ذكروه من كونها من ذاتيات القطع أو لوازمه، بل لأجل كونها فوق الجعل والاعتبار.
ومن ذلك يعلم أنّ ما هو المشهور بين تلامذة المحقّق النائيني من أنّ المجعول في مورد الأمارات هو الطريقية لا محصّل له، كما أنّ ما عليه سيدنا الحجة الكوهكمري من أنّ دور الشارع في الأمارات هو تتميم الكشف ليس بتام فهؤلاء خلطوا بين التكوين والاعتبار، وبين الطريقية والحجّية، فالأُولى لا تقبل الجعل، بخلاف الثانية.

21

3. هل حجّية القطع أمر ذاتي له؟!

هذا كلّه حول الطريقية وأمّا الحجية فربّما يقال: إنّ الحجّية أمر ذاتي للقطع غير قابل للجعل بأن يجعل الشارع مثلاً القطع حجةً.
أقول: تطلق الحجّية ويراد منها أحد المعاني الثلاثة:
1. الحجّة العقلائية أو اللغوية.
2. الحجّة المنطقية.
3. الحجّة الأُصولية.
أمّا الحجّة العقلائية ـ وإن شئت قلت ـ: الحجّة اللغوية فهي عبارة عمّا يحتجّ به المولى على العبد وبالعكس. وبعبارة أُخرى: ما يكون قاطعاً للعذر إذا أصاب الواقع، ومعذراً إذا أخطأ.
إنّ الحجّية بهذا المعنى من المستقلاّت العقلية حيث يستقل العقل عند قطع المكلّف بحكم، بمنجزيته عند الإصابة ومعذريته عند المخالفة، وهذا من أحكام العقل إذا لاحظ حال العبد وهو قاطع، نظير استقلال العقل بحسن العدل وقبح الظلم إذا لاحظ العدل والظلم بنفسهما فيحكم بحسن الأوّل وقبح الثاني.
والحاصل: أنّ الحجّية بهذا المعنى ممّا يستقل به العقل عند دراسة حال العبد، فإذا وجده قاطعاً بأمر المولى ونهيِه يحكم على قطعه بالمنجزية إذا وافق الواقع، والمعذرية إذا خالفه; وليس هذا الحكم عزيزاً في أحكام العقل فإنّه أيضاً يستقل بحسن فعل وقبح فعل آخر إذا لاحظ الفعلين بأنفسهما متجرّدَين عن كلّ شيء سواهما، وهذا كالعدل والظلم فالأوّل محكوم بالحسن لكونه موافقاً للفطرة والوجدان، كما أنّ الثاني محكوم بالقبح لمنافرته معهما.
هذا ما عندنا، وأمّا المحقّق الخراساني ومن تبعه فقد جعلوا الحجّية

22
بمعنى العقلائية من لوازم وجود القطع نظير الإحراق بالنسبة إلى النار، والزوجية بالنسبة إلى الأربعة.
وقالوا: إنّ الجعل التأليفي الحقيقي غير ممكن بين الشيء ولازمه، وذلك لأنّ جعل الملزوم وإيجاده (كالنار والأربعة) كاف في وجود اللازم (الإحراق والزوجية) ومعه يستغني اللازم عن الجعل المستقل.
يلاحظ عليه: بأنّ فيه خلطاً بين حكم العقل ولازم القطع، فإنّ الحجّية ممّا يستقل بها العقل والقطع موضوع لحكم العقل، لا أنّ الحجّية من لوازمه، وأوضح شاهد على ذلك أنّ الإنسان ربّما يلتفت إلى العلم والقطع ولكنّه يغفل عن الحجّية، وما هذا إلاّ لكونها من أحكام العقل لا من لوازم القطع.
فإن قلت: ما الفرق بين الإمكان الّذي هو من لوازم ذات الممكن وبين الحجّية، إذ لقائل أن يقول: ليس الإمكان من لوازم ذات الممكن، بل من الأحكام العقلية الثابتة له عند ملاحظته بنفسه. حيث يرى ذاته بالنسبة إلى الوجود والعدم سواء.
قلت: فرق بينهما، إذ ليس للممكن المتصوّر حيثية سوى الفقر والتدلّي وليس شيئاً عرض له الفقر، وإلاّ يلزم أن يكون غنيّاً بالذات لكن عرضه الفقر وهو أمر محال، فيصحّ أن يعد من لوازم الممكن(1)، وهذا بخلاف القطع، فإنّ حقيقته كشف الستر عن الواقع، لا الحجّية لاختصاصها بدائرة المولوية والعبودية، لا في كلّ مورد.
ثم إنّه ربّما يستدلّ على امتناع جعل الحجّية له باستلزامه التسلسل، لأنّ

1 . بل لو فسّر الإمكان بسلب الضرورتين يقع في مرتبة الذات كما هو المحقّق في محلّه. لاحظ: الأسفار بحث الإمكان.

23
الجاعل إمّا أن يكون القطع أو الظن أو الشك، والأخيران أنزل من أن يكونا مبدأ لحجّية القطع فينحصر بالقطع، فينقل الكلام إليه فعندئذ إمّا يتسلسل أو يتوقّف في مورد، تكون الحجّية له هنا أمراً ذاتياً.
يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى أنّه تبعيد للمسافة ـ أنّ غناءه عن جعل الحجّية لا يلازم كونها من ذاتياته، لاحتمال أن يكون ذلك من أحكام العقل عند ملاحظة القطع في مجال المولوية والعبودية، وهذا الاحتمال يكفي في إبطال الاستدلال مع أنّك عرفت أنّه ليس احتمالاً، بل أمراً قطعياً.
***
وأمّا الحجّة المنطقية: فهي عبارة عمّا إذا كان الحدّ الوسط في القياس المنطقي علّةً لثبوت الأكبر للأصغر أو معلولاً لثبوته له، والأوّل كالتغير الّذي هو علّةٌ لإثبات الحدوث للعالم، والثاني كالحمى الّذي هو معلولٌ لطروء الاختلال على المزاج، وصورة القياس في كلا الموردين واضحة.
إذا علمت ذلك: فاعلم أنّ القطع الطريقي الّذي لا دور له في ترتّب الحكم على الموضوع إلاّ الكشف عن الواقع لا يوصف بالحجّية بالمعنى المنطقي، مثلاً إذا حرّم الشارع الخمر بما هو هو وقال: الخمر حرام، فالموضوع للحرمة هو الخمر، سواء أقطع به أم لم يقطع، غير أنّه إذا قطع به يكون الحكم منجّزاً، فعلى ذلك لا يصحّ ترتيب القياس كقولنا: هذا مقطوع الخمرية، وكلّ مقطوع الخمرية حرام، فهذا حرام. وذلك لما عرفت من أنّ الحرام هو الخمر نفسه قطع به، أو لا.
فتكون الكبرى حينئذ قضية كاذبة، إذ ليس مقطوع الخمرية حراماً، بل الخمر بما هو هو حرام.

24
نعم إذا كان القطع موضوعاً للحرمة ـ تمام الموضوع أو بعضه ـ يصحّ إطلاق الحجّة المنطقية عليه، إذ عندئذ يكون القطع واسطة لثبوت الأكبر على الأصغر، ويصحّ تأليف قياس منطقي منه فيقال: «هذا مقطوع الخمرية وكلّ مقطوع الخمرية حرام»، فهذا حرام، والكبرى عندئذ صادقة بخلاف ما إذا كان القطع طريقاً لا دخيلاً في الموضوع.
ومن هنا يعلم حكم الظن كالخبر الواحد وسائر الأمارات، فلو كان الظن طريقاً إلى الموضوع أو إلى الحكم فلا يقع وسطاً في القياس، وهذا كالمثال السابق، مثلاً إذا قيل: هذا مظنون الخمرية، وكلّ مظنون الخمرية حرام، لما عرفت من كذب الكبرى.
نعم لو أخذ الظن في موضوع الحكم، سواء أكان تمام الموضوع أو بعضه يصحّ إطلاق الحجّة المنطقية عليه، مثلاً لو رتّب الشارع الحرمة على مظنون الضرر أو حرمة السفر على مظنون الخطر يصح أن يقال: هذا مظنون الضرر، وكلّ مظنون الضرر يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه.
وبذلك يعلم وجود الخلط في كلام الشيخ في «الفرائد» حيث فرّق بين القطع والظن فقال لا يحتج بالقطع على ثبوت الأكبر للأصغر بخلاف الظن أو البينة أو فتوى المفتي فيصح أن يقال: هذا الفعل ما أفتى به المفتي أو قامت البيّنة على كونه محرماً فهو حرام (1).
يلاحظ عليه: بأنّ القطع والظن من باب واحد، والطريقي منهما لا يحتج، أي لا يقع كبرى للصغرى، فلا يقال: هذا مظنون الخمرية وكلّ مظنون الخمرية حرام، لأنّ الحرام ذات الخمر لا المظنون به وهكذا القطع; بخلاف الموضوعي منهما، فإنّه يقع كبرى للصغرى. ولعلّ منشأ الاشتباه هو الخلط بين الحجّة

1 . الفرائد: 1 / 30.

25
المنطقية والحجّة الأُصولية، فإنّ التفكيك بين القطع والظن يصحّ على الثانية دون الأُولى.
***
أمّا الحجّة الأُصولية: فهي عبارة عمّا لا يحكم العقل بالاحتجاج بها، غير أنّ الشارع اكتفى في مقام الاحتجاج بها، وذلك لمصالح كامنة في اعتبار الظن، وعندئذ يصحّ جعل الحجّية بهذا المعنى لكلّ الأمارات والظنون حيث إنّ الشارع ـ طلباً لسهولة الأمر على الأُمّة ـ أضفى لها الحجّية، وبهذا يعلم أنّ القطع بما أنّه كاشف تام عند القاطع ويستقل العقل بصحّة الاحتجاج به يكون غنياً عن جعل الحجّية الأُصولية له بخلاف الأمارات والظنون، فهي لأجل أنّ كشفها غير تام صالح لجعل الحجّية، إذ لولاه لما صحّ لأحد الطرفين الاحتجاج به.

4. القطع والنهي عن العمل به

هل يجوز للشارع التصرّف في القطع بأن يمنع عن العمل به في مورد دون مورد؟ فيه تفصيل، لأنّه لو كان الحكم مترتّباً على واقع الشيء كالحرمة بالنسبة للخمر وقطع المكلّف بمثل هذا الموضوع فليس للشارع منعه عن العمل به، وذلك لاستلزامه التناقض في الجعل، فمن جانب رتّب الحرمة على واقع الخمر، والمفروض أنّ المقطوع خمر في الواقع ومن جانب آخر يمنع عن العمل به، وهذا أشبه بالأمر بالمتناقضين.
نعم لو كان للقطع دور في ترتّب الحكم بحيث لولا القطع لما ترتّب الحكم على الموضوع ففي مثله يجوز للشارع التصرّف في موضوع الحكم بأن يمنع عن بعض أفراد القطع دون البعض الآخر، كما هوالحال في القطع الحاصل من العلوم الغريبة بالنسبة إلى أحكام الموضوعات حيث لا يعتدّ به،

26
وذلك لأنّ الموضوع قلّة وكثرة في يد الشارع فله أن يُطلق ويشمل كلّ القطع، وله أن يُحدِّد ويخرج بعض الأقسام، كما هو الحال في القطع الحاصل بالحكم الشرعي من الرمل والجفر.

5. مراتب الحكم وأحكام القطع

ذكر الأُصوليّون أنّ للحكم مراتب أربع:
1. مرتبة الاقتضاء كالمصالح والمفاسد وتسميتها بالحكم نوع من التوسّع والمجاز، وإلاّ فهما من مبادئه ومقدّماته.
في التجرّي
2. مرتبة الإنشاء والتصويب قَبْل الإعلام للمكلّفين.(1)
3. مرتبة الفعلية، صدور البيان من المولى وجعله في مظان بيان التكليف.
4. مرتبة التنجيز إذا وقف عليه المكلّف، ووصل إليه .
إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ ما ذكر من آثار القطع وأحكامه الّتي من أبرزها التنجيز عند الإصابة، والتعذير عند المخالفة، فهي من آثار الحكم الفعلي الّذي أتمّ المولى الحجّة على العبد وبيّن ماهي وظيفته، غاية الأمر لا يتنجّز إلاّ بالقطع أو بما جعله الشارع حجّةً.
ثم إنّ المحقّق الخراساني أشار في المقام إلى مشكلة الجمع بين الحكم الواقعي الفعلي والظاهري الفعلي مع أنّه طرحها عند البحث في حجّية الظنون والأمارات، ونحن نطرح المسألة في ذلك المحلّ فلا داعي إلى التكرار.

1 . هذا على القول المختار عندنا في تفسير إنشائيّة الحكم وفعليته خلافاً للقوم فإنّهم فسّروها بمن لم يجتمع عنده شرائط التكليف من العلم والقدرة وتقابلها الفعلية. فلاحظ.

27
 
الجهة الثانية

في التجرّي

وقبل الورود في صلب الموضوع نذكر أُموراً:

1. التجرّي لغة واصطلاحاً

التجرّي في اللغة مطلق إظهار الجرأة، فإذا كان المتجرّى عليه هوالمولى فيتحقّق التجرّي بالإقدام على خلاف ما قطع بوجوبه أو بحرمته بترك الأوّل وارتكاب الثاني من دون فرق بين كون قطعه مصيباً للواقع أو مخالفاً له، ولكن ليس هذا هو المقصود في المقام، بل ما هو المصطلح، أعني: الإقدام على خلاف ما قطع به في مجال إطاعة المولى شريطة أن يكون قطعه مخالفاً للواقع. كما إذا أذعن بوجوب شيء أو حرمته، فترك الأوّل وارتكب الثاني فبان خلافهما، وعندئذ تسمّى مخالفة القطع المصيب بالمعصية.
ومنه يظهر حال الانقياد فهو لغة: الإقدام على وفق ما قطع، سواء أكان في قطعه مصيباً أم لا، لكن المراد هنا هو القسم الخاص، أعني: ما إذا عمل على وفق قطعه لكن تبيّن خطئُه.
ومنه يعلم أنّ التجرّي والانقياد بالمعنى المصطلح لا يختصّان بالقطع، بل يعمّان الحجج الشرعية من الأمارات والأُصول، فلو خالف البيّنة أو الأصل العملي ثم ظهر عدم إصابتهما للواقع يسمّى تجرّياً، ومثله الانقياد فهو لا يختصّ بالقطع، بل يعمّ الحجج الشرعية أيضاً.

28

2. هل المسألة فقهية أو أُصولية أو كلامية؟

الظاهر أنّ المسألة فقهية ومصب البحث فيها كون نفس التجرّي حراماً أو لا، فلو ثبتت الحرمة ربّما تصبح قاعدة فقهية يستدلّ بها في عامّة أبواب الفقه.
فإن قلت: إنّ القائل بالحرمة يستدلّ عليها بكون التجرّي أمراً قبيحاً، وهو ملازم للحرمة شرعاً فتكون المسألة كلاميّة.
قلت: إنّ الاستدلال على حرمة التجرّي عن طريق قبحه عند العقل يرجع إلى إقامة الدليل على الحكم الشرعي لا أن يكون البحث عن قبحه مطلوباً بالذات، كما أنّ البحث في ترتّب العقاب على التجرّي بحث عن نتيجة الحكم الشرعي.
وإن شئت قلت: إنّ في المقام أُموراً ثلاثة:
1. ذات المسألة ونفسها وهي حرمة التجرّي وعدمها.
2. ما هو الدليل على أحد الأمرين (قبحه عند العقل)؟
3. ما هو أثر الحرمة على فرض الثبوت (العقاب)؟
نعم ذهب شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري إلى إمكان عقد مسائل ثلاث في المقام:
في حكم نفس التجرّي
كلامية لأجل البحث عن العقوبة وعدمها.
أُصولية لأجل البحث في قبحه وعدمه.
فقهية لأجل البحث في حكم التجرّي شرعاً (1).
يلاحظ عليه: بأنّه خلط بين نفس المسألة وغايتها ودليلها، فلاحظ.

1 . درر الفوائد: 2 / 11.

29

3. أقسام التجرّي

قسّم الشيخ الأنصاري التجرّي إلى أقسام ستة نذكر منها ثلاثة:
أ. إذا نوى ارتكاب المحرّم من دون ارتكاب مقدّماته فضلاً عن ارتكاب ما يراه حراماً ثم ارتدع.
ب. إذا نوى وارتكب بعض المقدّمات ثم ارتدع.
ج. إذا ارتكب ما يراه محرّماً ثم بان كونه مباحاً.
ومحلّ البحث هو القسم الثالث للاتّفاق على عدم حرمة القسمين الأوّلين.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّه يقع الكلام في موضعين:
1. في حكم نفس التجرّي أي العنوان المنتزع من مخالفة المكلّف الحجّة العقلية أو الشرعية.
2. في حكم المتجرّى به، أعني: نفس العمل الخارجي، كشرب الماء الّذي به يتحقّق التجرّي ويقوم به.
والفرق بين البحثين واضح فأنّ مصبّ البحث في الأوّل في حكم نفس التجرّي (الارتكاب) القائم بشرب ما اعتقده خمراً فهل هو حرام أو لا؟ ولكن مصبّه في الثاني هو حكم نفس الشرب في هذه الحالة مع قطع النظر عن تحقّق التجرّي به أو عدمه. وإليك الكلام فيهما واحداً تلو الآخر.

الموضع الأوّل: في حكم نفس التجرّي

إذا ارتكب المكلّف ما يراه معصيةً أو قامت الحجّة على كونه كذلك ثم بان الخلاف فهل مخالفة ما يراه معصية حرامٌ، أو لا؟ ففيه أقوال ثلاثة:

30
1. الحرمة واستحقاق العقاب، وهو خيرة المحقّق الخراساني.
2. عدم الحرمة وبالتالي عدم استحقاق العقاب، وهو خيرة الشيخ الأنصاري، وإنّما يستحقّ اللوم والذم.
3. القول بهما إلاّ إذا اعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة فأتى به فلا يبعد عدم استحقاق العقاب. ومرجعه إلى القول الأوّل غاية الأمر تتدارك الجهة القبيحة، بالجهة المحسِّنة الواقعية، وهو خيرة صاحب الفصول.

أدلّة القائل بالحرمة

استدلّ القائل بالحرمة بوجوه غير ناجعة.
منها: الإجماع على الحرمة بشهادة أنّهم أفتوا بحرمة سلوك طريق مخطور وإن لم يكن مخطوراً واقعاً، كما أفتوا بوجوب الإتمام عليه وإن لم يكن في الواقع كذلك.
يلاحظ عليه: أنّ المسألة ليست معنونة في أكثر الكتب الفقهية، فكيف يمكن ادّعاء الإجماع فيها، وعلى فرض ثبوته فلعلّ المجمعين اعتمدوا على الدليل العقلي الّذي سيوافيك.
وأمّا حرمة سلوك الطريق المخطور فلأجل أنّ الموضوع ليس هو المخطور الواقعي، بل الموضوع هو الخوف وهو موجود، ومعه لا يكون السلوك تجرّياً بل معصية.
ومنها: بناء العقلاء. ولكن الظاهر أنّ بناءهم على ذمّ الفاعل ولومه لاعقابه فيوصف بالقبح الفاعلي لا القبح الفعلي.
فالمهم بين الأدلّة هو الدليل العقلي، وقد قرّره الشيخ على وجه،

31
والمحقّق الخراساني على وجه آخر، وقرّره الآخرون بوجه ثالث، وإليك صور التقرير:

التقرير الأوّل: للشيخ الأنصاري

إذا فرضنا أنّ اثنين قصدا شرب الخمر، فصادف أحدهما الواقع دون الآخر، فإمّا أن نقول بصحّة عقوبتهما معاً، أو عدم عقوبتهما، أو عقوبة المخطئ دون المصيب أو بالعكس; والأوّل هو المطلوب، والثاني والثالث خلاف المتّفق عليه، وأمّا الرابع فيلزم أن يكون العقاب والثواب منوطين بأمر خارج عن الاختيار.
وقد أجاب عنه الشيخ قائلاً: بأنّا نختار عقاب المصيب دون المخطئ، ولكن القبيح هو إناطة العقاب بأمر خارج عن الاختيار، وأمّا إناطة عدم العقاب بأمر خارج عن الاختيار فليس بقبيح.
وحاصله: أنّ سبب العقاب هو المخالفة عن عمد، وهذا متحقّق في المصيب دون المخطئ ولو بلا اختيار.

التقرير الثاني: للمحقّق الخراساني

وحاصل هذا الدليل استنطاق الوجدان وتصديقه بصحّة مؤاخذة المتجرّي على تجرّيه وهتك حرمة مولاه وخروجه عن رسم العبودية وكونه بصدد الطغيان والعزم على العصيان، كما يشهد الوجدان على صحّة مثوبته على قيامه بما هو قضية عبوديته من العزم على موافقة القطع والبناء على إطاعته(1).

1 . كفاية الأُصول: 2 / 11.

32
يلاحظ عليه: أنّ المستدلّ خرج عمّا هو موضوع البحث ومحوره فإنّه منصب على من ارتكب ما رآه معصية لغلبة الهوى على العقل مع استيلاء الخوف على المرتكب من الله سبحانه فهل مثل هذا النوع من التجرّي حرامٌ أو لا؟
وأمّا ضم العناوين الأُخرى إلى ذلك كالهتك والتمرّد ورفع علم الطغيان فالجميع أجنبي عن محط البحث، إذ لا شك أنّه لو ارتكب ما رآه معصيةً بقصد التمرد والهتك والطغيان وإظهار الجرأة فهو يستحقّ العقاب.
وحصيلة الكلام: أنّ المؤمن ربّما يرتكب ما يراه معصيةً لأجل عدم السيطرة على هوى النفس مع الخوف من الله سبحانه في صميم وجوده، ولعلّ في دعاء الإمام السجاد (عليه السلام)في بعض مناجاته إشارة إلى هذا النوع من العمل، قال (عليه السلام): «إلهي لم أعصك حين عصيتُك وأنا بربوبيتك جاحد، ولا بأمرك مستخف، ولا لعقوبتك متعرّض، ولا لوعيدك متهاون، لكن خطيئة عرضت وسوّلت لي نفسي، وغلبني هواي، وأعانني عليها شقوتي، وغرّني سترك المرخى عليّ».

التقرير الثالث: للمحقّق الاصفهاني

إنّ ملاك العقاب في المعصية يحتمل أن يكون أُموراً أربعة:
1. ذات المخالفة لأمر المولى ونهيه.
2. تفويت غرض المولى.
3. ارتكاب مبغوض المولى.
4. كونه هتكاً لحرمة المولى وجرأة عليه. وان شئت قلت: المخالفة

33
الاعتقادية، ولا تصلح الثلاثة الأُولى ملاكاً للعقاب، لوجودها في الجاهل المعذور إذا ارتكب مبغوض المولى، فتعيّن الرابع.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الملاك للعقاب في المعصية أمر خامس غير موجود لا في المخالفة عن جهل، ولا في التجرّي، وهو مخالفة أمر المولى واقعاً عن عمد بلا عذر، وهو مختصّ بالعصيان، وأمّا غيره فالجزء الأوّل أي المخالفة في التجرّي غير موجود، والمخالفة للواقع وإن كانت موجودة في الجاهل المعذور، لكن القيد الثاني (بلا عذر) منتف.

التقرير الرابع: للمحقّق النائيني

إنّ المناط في حكم العقل باستحقاق العقاب هو جهة البغض الفاعلي وحيثيّة صدور الفعل الّذي يعلم بكونه مبغوضاً للمولى من دون دخل للواقع، فإنّ الإرادة الواقعية ممّا لا أثر لها عند العقل إلاّ بعد الوجود العلمي، وهذا المعنى مشترك بين العاصي والمتجرّي.
وإن شئت قلت: إنّ المناط عند العقل في استحقاق العقاب هو البغض الفاعلي الناشئ عن العلم بالمخالفة والمعصية، وهذا بعد ما كان العلم من باب الطاعة والمعصية موضوعاً عند العقل واضح.(2)
يلاحظ عليه: بعد تسليم كون المناط هو البغض الفاعلي، أنّ الملاك هو البغض الفاعلي المتزامن مع القبح الفعلي، وهذا يختصّ بالمعصية.
وأمّا التجري فالقبح الفاعلي فيه ليس متزامناً مع القبح الفعلي لفرض أنّه شرب الماء دون الخمر، فلا يصحّ قياس الثاني بالأوّل؟

1 . نهاية الدراية: 2 / 8 . 2 . فرائد الأُصول: 2 / 13.

34

نكتة مهمة

إنّ الاستدلال بالحسن والقبح على الحكم الشرعي إنّما يصحّ إذا وقع الحسن والقبح في سلسلة علل الأحكام، كحسن ردّ الأمانة، وقبح الخيانة، أو حسن الوفاء بالعهد وقبح نقضه، أو حسن تكريم المنعم وقبح الإساءة إليه، ففي هذه الموارد يكشف الحسن والقبح عن الحكم الشرعي.
وأمّا إذا وقع الحسن والقبح في سلسلة مداليل الأحكام فلا يكشف كلّ منهما عن الحكم الشرعي، وإلاّ لزم عدم انتهاء جعل الحكم الشرعي إلى حدّ.
مثلاً إنّ العقل يستقلّ بحسن الطاعة وقبح المعصية لكن كلاًّ من عنواني الطاعة والمعصية يتوقّف على وجود أمر أو نهي قبلهما حتّى يقال طاعته حسنة وعصيانه قبيح، وهذا ما يقال: إنّ حسن الطاعة وقبح المعصية أُمور في سلسلة معاليل الأحكام وآثارها، فلولا الحكم الشرعي المتقدّم لما صدق حسن طاعة الأمر ولا قبح مخالفته.
ولكن مثل هذا الحسن أو القبح لا يكشف عن حكم شرعي ثان، ولو كشف عن حكم شرعي آخر، صار هذا الحكم الشرعي موضوعاً لحكم العقل بحسن طاعته وقبح معصيته، ولو كشف هذا الحكم العقلي عن حكم شرعي ثالث يكون موضوعاً أيضاً لحكم العقل بحسن طاعته وقبح معصيته، ولو كشف هذا الحكم الفعلي أيضاً عن حكم شرعي رابع، لتسلسلت الأحكام الشرعية.
ولذلك ذهب المشهور إلى أنّ الأمر في (وأَطِيعُوا اللهَ وَ رَسُولَهُ)(1) أمر إرشادي لا مولوي. ولو كان مولوياً، لوجب إطاعته بأمر مولوي آخر، وهكذا.
وبهذا يظهر أنّ الحكم العقلي بقبح التجرّي وحسن الانقياد لا يكشف

1 . الانفال: 1.

35
عن حكم شرعي متعلّق بحرمة الأوّل ووجوب الثاني، ولو كشف لاستقلّ العقل عندئذ أيضاً بحسن طاعة الحكم المكشوف وقبح مخالفته، وعندئذ تتسلسل الأحكام الشرعية المكشوفة كما مرّ بيانه ولا تتوقّف عند حدّ.

تفصيل لصاحب الفصول

قد عرفت أنّ التجرّي بما هو مخالفة الحجّة ليس بقبيح لكنّ صاحب الفصول ذهب إلى قبحه، إلاّ أنّه إذا تحقّق التجرّي في ضمن واجب غير مشروط بالقربة فعندئذ تقع المزاحمة بين قبح التجرّي وحسن المتجرّى به، كما إذا عثر على إنسان قطع أنّه عدو المولى فلم يقتله فبان أنّه ابنه.
وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّه لا وجه لهذه المزاحمة، لأنّ المفروض عدم علمه بأنّه ابن المولى ولا يكاد أن يؤثر شيئاً بدونه حيث لا يكون حينئذ بهذا الوجه اختيارياً، والحسن والقبح من صفات الأفعال الاختيارية.(1)
وحاصله: أنّ الفعل إنّما يوصف بالحسن والقبح إذا التفت الفاعل إلى حسن الفعل وقبحه، ومن المعلوم أنّه ترك قتل الرجل بعنوان أنّه عدو المولى لا أنّه ابنه، فكيف يكون الأخير ـ غير الملتفت إليه ـ مورثاً للحسن ويكون مزاحماً لقبح التجرّي.
وبما ذكرنا اتّضح أنّه لا دليل على حرمة التجرّي بما هو هو إذا لم يقترن بعنوان التمرّد والهتك ورفع علم الطغيان. نعم يذمّ الفاعل لكشفه عن سوء سريرته وضعف إيمانه.

1 . تعليقة المحقّق الخراساني على الفرائد: 16.

36

الموضع الثاني: في حكم المتجرّى به

قد عرفت حكم التجرّي الذي هو أمر منتزع من مخالفة المكلّف الحجّة العقلية والشرعية، بقي الكلام في بيان نفس العمل الّذي به يتحقّق التجرّي، ويقع الكلام فيه في قسمين:
الأوّل: في قبحه وعدمه.
في قبح الفعل المتجرّى به
الثاني: في حرمته وعدمها.

القسم الأوّل: في قبح الفعل المتجرّى به

ذهب المحقّق الخراساني إلى عدم قبحه، وأنّ الفعل باق على ما هو عليه في الواقع من المحبوبية والمبغوضية، وقرّره بوجوه ثلاثة:
1. أنّ القطع بالحسن أو القبح لا يكون من الوجوه والاعتبارات الّتي بها يصير الشيء حسناً وقبيحاً ولا ملاكاً للمحبوبية والمبغوضية، فقتل ابن المولى مبغوض وإن قتله بعنوان أنّه عدوه، وقتل عدوّه حسن وإن قتله بعنوان أنّه ابنه.
2. أنّ الفعل المتجرّى به بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون اختيارياً، فإنّ القاطع لا يقصده إلاّ بما قطع أنّه عليه من عنوانه الواقعي الاستقلالي، لا بعنوانه الطارئ الأوّل، بل يكون غالباً بهذا العنوان ممّا لا يلتفت إليه.
3. أنّ المتجرّي قد لا يصدر عنه فعل اختياري أصلاً، فمن شرب الماء باعتقاد الخمرية لم يصدر منه ما قصده. وما صدر منه لم يقصده بل ولم يخطر بباله.(1)

1 . تعليقة المحقّق الخراساني على الفرائد: 13.

37
يلاحظ على الأوّل: أنّ العنوان المقبِّح في كلامهم ليس هو القطع بالقبح حتّى يقال: إنّه ليس من الوجوه الّتي بها يصير الشيء قبيحاً، بل العنوان المقبِّح هو الجرأة والتمرّد والطغيان والظلم المنطبقة على الفعل.
ويلاحظ على الثاني: بأنّا لو افترضنا أنّ العنوان المقبِّح هو القطع لكنّه ليس بمغفول عنه أصلاً، بل مورد التفات إجمالاً.
ويلاحظ على الثالث: أنّ إنكار صدور فعل اختياري في المقام عجيب جداً، وذلك أنّه يكفي في صدور كون الجامع بين الخمر والماء ـ وهو شرب الماء ـ مورداً للالتفات. وإلاّ يلزم أن لا يبطل صوم المتجرّي إذا شرب الماء بنية أنّه خمر.
هذا ما يرجع إلى مناقشة دليل المحقّق الخراساني، وقد عرفت عدم تماميته، ولكنّ الحق معه نتيجة لا دليلاً، وذلك لأنّ العناوين المقبِّحة في المقام لا تتجاوز عن خمسة، ثلاثة منها قائمة بالجنان كالجرأة والعزم على المعصية والطغيان، ومن المعلوم أنّه لا يسري قبحها إلى الفعل الخارجي، فإنّ الفعل كاشف عن هذه الحالات الروحية دون أن تنطبق على الفعل الخارجي.
واثنان منها ـ أعني: الظلم والهتك ـ وإن كانا قائمين بالفعل لكن موردهما هو المعصية فالظلم على المولى يتحقّق بنقض قانونه والمفروض عدمه، والهتك بمعنى خرق الستر فإنّه من خصائص المعصية.
إلى هنا تم الكلام في القسم الأوّل ـ أعني: قبح الفعل وعدمه ـ وإليك الكلام في القسم الثانية.

38
في حرمة الفعل المتجرّى به

القسم الثاني: في حرمة الفعل المتجرّى به

فهل الفعل المتجرّى به حرام شرعاً لا لاستكشاف حرمته من قبحه، لما عرفت من عدم قبحه، بل من طريق آخر، وربّما يقال بحرمته للوجهين التاليين:

1. حرمته بالعنوان الأوّلي

ربّما يدّعى شمول الخطابات الأوّلية له، بادّعاء أنّ متعلّق الخطابات الأوّلية ليس هو شرب الخمر الواقعي، بل القدر الجامع بين مصادفة القطع للواقع، ومخالفته له، بأن يقال: إنّ الحرام تحريك العضلات نحو شرب ما أحرز أنّه خمر، فيكون المتجرّي عاصياً حقيقة.
والدليل عليه: أنّ متعلّق التكليف يجب أن يكون مقدوراً، والمصادفة والمخالفة ليستا تحت الاختيار، حتى يتعلّق التكليف بالمصادف دون المخالف، فيجب أن يكون متعلقّه إرادة ما أحرز أنّه من مصاديق الموضوع، إذ هو الفعل الاختياري، فتكون نسبته إلى المطابق والمخالف على حدّ سواء.(1)
أقول: إنّ الأحكام الشرعية تتعلّق بموضوع ذي مصلحة والمفسدة، ومن المعلوم أنّ المفسدة قائمة بشرب الخمر لا مطلق الشرب حتّى تكون متعلّقاً للحكم الشرعي، وأمّا قوله: إنّ المصادفة والمخالفة خارجتان عن الاختيار، فمنظور فيه، فإنّ الإصابة داخلة تحت الاختيار، فمن شرب الخمر عن علم بلا أكراه ولا اضطرار فقد شرب عن اختيار.
نعم الخطأ وعدم الإصابة خارجٌ عن الاختيار، وقد مضى الكلام فيه فلاحظ.

1 . فوائد الأُصول: 3 / 38 ـ 39.

39

2. حرمته بالعنوان الثانوي

ربّما يتصوّر حرمته بالعناوين الثانوية كالجرأة والطغيان والتمرّد والظلم والهتك، وقد عرفت أنّ الثلاثة الأُول من أحوال النفس ولا صلة لها بالفعل، وأمّا الآخران فيختصّان بالمعصية، أضف إلى ذلك: أنّ الهتك إنّما يتحقّق إذا تظاهر بالتجرّي لا ما عمله خفاءً.

تكملة

إنّ التجرّي بمعنى مخالفة الحجّة وإن لم يكن قبيحاً ولا حراماً، لكن ممارسته وتكراره يكون كاشفاً عن زوال ملكة العدالة، فلا يُؤتمَّ به ولا يُطلّق عنده. وللمحقّق الخراساني تفصيل، ذكره في تعليقته على الفرائد.(1)
ثم إنّ الشيخ الأنصاري أكمل البحث عن حكم التجرّي بدراسة بعض الآيات والروايات، وقد أشبعنا الكلام فيهما في التقريرين،(2) فلاحظ.

1 . تعليقة المحقّق الخراساني على الفرائد: 17.
2 . أي تقريرات محاضراتنا الأُصولية المطبوعة ضمن دورتين أُصوليتين، وهما: المحصول في علم الأُصول للسيد الجلالي، وإرشاد العقول إلى علم الأُصول للشيخ محمد حسين الحاج العاملي، حفظهما الله تعالى.

40

الجهة الثالثة

في تقسيم القطع إلى طريقي وموضوعي

اشتهر تقسيم القطع من زمان الشيخ الأعظم (قدس سره)إلى أقسام خمسة:
1. القطع الطريقي المحض.
القطع الموضوعي. وينقسم إلى قسمين:
2. الموضوعي الطريقي.
3. الموضوعي الوصفي.
وكلّ منهما ينقسم إلى قسمين:
4. إمّا أن يكون القطع جزء الموضوع.
5. أو يكون القطع تمام الموضوع. فيصير الجميع خمسة. وإليك توضيح الأقسام وحالها من الأحكام ضمن أُمور سبعة:

1. الفرق بين الطريقي والموضوعي

الحكم الشرعيّ تارة يترتّب على ذات الموضوع، سواء أكان معلوماً للمكلّف أم لم يكن، كقولنا: الخمر حرام، ويكون القطع عندئذ طريقاً إلى الموضوع وبالتالي طريقاً إلى الحكم الشرعي المتعلّق به، ويُسمّى هذا النوع من القطع، القطع الطريقي.
وأُخرى يترتّب الحكم على الموضوع بما أنّه مقطوع ومعلوم بحيث يكون للقطع مدخلية في ترتّب الحكم كما هو الحال في الأمثلة التالية: