welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : مشكاة المصابيح في شرح آية النور*
نویسنده :الحكيم المتأله محمد مؤمن بن أبي محمد المياموي*

مشكاة المصابيح في شرح آية النور

1

2

3
مشكاة المصابيح

4
 

5
مشكاة المصابيح
 
في شرح آية النور
 
تأليف
الحكيم المتأله
محمد مؤمن بن أبي محمد المياموي
(المتوفّى1306هـ.)
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

6
الميامي البسطامي، محمد مؤمن بن ابي محمد، 1260 ـ 1306 ق .
مشكاة المصابيح / تأليف محمد مؤمن بن أبي محمد المياموي البسطامي; تقديم واشراف العلاّمة جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1432 ق. = 1389 .
74 ص 8 ـ 462 ـ 357 ـ 964 ـ 978 ISBN
1. تفسير (سورة النور) . الف. السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ق. المشرف. ب. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ج. العنوان.
5م9م/55/102 BP 18/297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيimamsadiq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :
اسم الكتاب: مشكاة المصابيح
المؤلف : محمد مؤمن الميامي البسطامي
تقديم وإشراف: آية الله جعفر السبحاني
تحقيق: اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعة : الأُولى
تاريخ الطبع: 1389 هـ ش / 1432 هـ
المطبعة : مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد النسخ: 1000 نسخة
القطع : رقعي

7

مقدّمة المشرف

آية النور في الذكر الحكيم
دلّت غير واحدة من الآيات على أنّ القرآن مشتمل على الأمثال، وأنّه سبحانه ضرب بها مثلاً للناس للتفكير والعبرة، قال سبحانه: (لَوْ أنْزَلْنا هذا الْقُرآنَ عَلَى جَبَل لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون).(1)
وقد أفرد الكثير من المحققين كتاباً في أمثال القرآن ذكرنا تفصيلها في كتابنا «الأمثال في القرآن الكريم».(2) وقد ناهز عددها إلى أربعة عشر كتاباً مضافاً إلى ما صدر منّا في دراسة مبسوطة عام 1420هـ .
ومن الأمثال الدارجة ما ورد في سورة النور وهو قوله سبحانه: (اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاة فِيها مِصْبَاحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجَاجَة الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوكَبٌ دُرّىٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرة مُباركة زَيْتُونَة لا شَرْقِية وَلا غَرْبِية يَكادُ زَيْتُها يُضيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُور يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ

1. الحشر:21.
2.الأمثال في القرآن الكريم، 26.

8
لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم).(1)
وقد اختلف المفسّرون في تفسير هذه الآية إلى أقوال ربما ناهز عددها العشرة، وقد ذكرناها على وجه الإيجاز في كتابنا «الأمثال في القرآن الكريم»، والحقيقة أنّ هـذه الأقوال ليست أقـوالاً مختلفة، وإنّما هي تطبيقات للمثل على مـوارده، فتطبيق المثـل على الموارد ليس من مقولة الخلاف، بل من مقولة بسط التفسير وتحليله.
وممّن بذل جهده في تفسير الآية وأناط وأفاد الشيخ العلاّمة الفاضل المتكلّم البارع الشيخ محمد مؤمن الميامي البسطامي(نحو 1260ـ 1306هـ) فقد جدّ واجتهد في تفسير الآية واستشهد بأقوال المحقّقين.
ألفه عام 1299 هـ وأهداه إلى عالم كبير كانت له الرئاسة التامة في منطقة آذربايجان، أعني العلاّمة الحجة ميرزا جواد المعروف بالمجتهد(المتوفّى: 1313هـ)، وقد كان للمهدى إليه دور كبير في ترويج فتوى المجدد الشيرازي حول تحريم التنباكو.(2)
وها نحن ننشر هذا الكتاب تقييماً لجهود المؤلف الذي مضى على تأليفة قرابة 132سنة، وإليك ترجمة المؤلف حسب ما وقفنا عليه.

1.النور: 35.
2. اقرأ حياة الميرزا جواد المجتهد في شهداء الفضيلة:383ـ 386، و مفاخر آذربايجان:1/184ـ191.

9

ترجمة المؤلف

هو محمد مؤمن بن أبي محمد الميامي البسطامي، ولد في قرية «ميامي» من قرى بسطام نحو سنة 1260هـ.
درس لمدة أربع عشرة سنة في سبزوار ومشهد الرضا(عليه السلام)، فكان في المشهد لمدة تسع سنوات مقيماً في المدرسة الباقرية، دخلها في الحادي والعشرين من ربيع الأوّل سنة 1290هـ ، وأقام بها حتى اليوم التاسع من شوال سنة 1300هـ ، وهو تاريخ تأليف كتابه: «عقائد الناصرية»، وألّف أيضاً كتباً أُخرى.
يبدو من مجموع ما كتبه في ترجمة نفسه أنّه كان يعيش في منتهى العسر والفقر، ولم يتزوّج لحين تأليف الكتاب المذكور للفقر الشديد الذي كان يعانيه.
ذكره محمد حسن خان اعتماد السلطنة في «المآثر والآثار» قائلاً: ملا محمد مؤمن بن ملا أبو محمد الملقّب بشيخ الإسلام، كان من علماء خراسان، سكن ميامي، وكان له مقاماً سامياً في المعقول والمنقول.(1)
كان أديباً شاعراً يجمع أطراف العلم والفضل.
تأليفاته ومصنّفاته
له مصنّفات كثيرة في علوم شتّى، منها:
1. «عقائد الناصرية»: فارسي في الكلام.كتبه باسم ناصر الدين

1. المآثر والآثار:1/230.

10
شاه القاجار بمناسبة زيارة الشاه لمشهد الرضا(عليه السلام).
2. «كفاية المؤمنين لدفع المخالفين»: وهو حاشية على شرح القوشجي على التجريد.
3. «نتائج الحكمة وينابيع الرحمة».
4. «منتخب الحساب»: وهو حاشية على خلاصة الحساب للشيخ البهائي.
5. «أوصاف الأشراف».
6. «خواص الخواص».
7. «الدرة البهية»: وهي منظومة في المنطق.
8. تعليقة على حاشية المولى عبد الله.
9. الرد على الشيخية.
10. الرسالة الأخلاقية: رسالة فارسية تشتمل على مسائل متفرّقة أخلاقية، غير مرتّبة على الأبواب والفصول إلاّ فصل في أواسط الكتاب يشتمل على الكلم القصار الأخلاقية مرتّبة على الحروف الهجائية. ألّفها باسم والي خراسان محمد تقي ميرزا ركن الدولة أخ السلطان ناصر الدين شاه. توجد نسخة بخط المؤلّف في مكتبة (الملك)، وعلى النسخة تقريظ الشيخ محمد تقي الأردكاني الصغير (المتوفّى حدود 1329هـ) وصف المؤلّف فيها بصاحب التصانيف الكثيرة.(1)
11. «مشكاة المصابيح»: في تفسير آية النور، وهي هذه

1. الذريعة: 7/55 برقم 294، و ج11/45ـ46برقم276.

11
الرسالة الّتي يزّفها الطبع للقرّاء الكرام، رتّبها على مقدّمة وعشرة مصابيح، أودع فيها مباحث حكمية وكلامية، ألّفها باسم الحاج ميرزا جواد آقا المجتهد التبريزي(المتوفّى 1313هـ)، وفرغ منها في شهر رمضان سنة 1299هـ .(1) وتوجد عندنا نسخة بخط المؤلّف وكانت أساس عملنا هذا.

وفاته

توفّي في الخامس عشر من محرم الحرام سنة 1306هـ في قصبة ميامي.(2)
النسخة المعتمدة
اعتمدت اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) في عملية التحقيق على النسخة الخطيّة المكتوبة بخط المؤلّف والمحفوظة في مكتبة مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) قسم المخطوطات، برقم 46، وتمّ الانتهاء من كتابتها في شهر رمضان من سنة 1299هـ ، على صفحتها الأُولى تملّكنا لهذه النسخة النفيسة بتاريخ 17رمضان 1366هـ في تبريز، ويوجد ختم بيضوي للمؤلف عليه نقش خاتمه: (المؤمن في الدارين) في الصفحة الأُولى

1. الذريعة:21/61 برقم 3956.
2. المآثر والآثار: 1/230; تراجم الرجال للسيد الحسيني:1/334ـ 335، نشر مكتبة المرعشي، قم ـ 1414هـ .

12
والأخيرة من النسخة، وكذلك يوجد ختم آخر باسمه (محمد مؤمن) في الصفحة الأخيرة. والنسخة تقع في 32صفحة، كلّ صفحة تتكون من 15سطراً، ذات أبعاد 18×11سم.

منهج التحقيق

1. بعد تهيئة النسخة ومقابلتها، قمنا بتقويم نصّ الكتاب وضبطه وتنقيحه.
2. إعراب الآيات القرآنية وتخريجها.
3. تخريج الأحاديث والروايات.
4. تخريج أقوال العلماء واستعراض آرائهم.
5. كتابة بعض التعاليق الضرورية وشرح بعض المفردات الغامضة.
هذا وفي الختام نشكر اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسستنا على تحقيقها هذا السفر القيّم وإخراجه بهذه الحلّة القشيبة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
1 ـ ذوالقعدة الحرام ـ 1431هـ

13
صورة الصفحة الأُولى من نسخة المؤلّف المحفوظة
في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

14
صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المؤلّف المحفوظة
في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

15
بسم الله الرّحمن الرّحيم
أحمدك يا نور النّور، احتجبت دون خلقك، فلا يدرك نورك نور، يا نور النور، قد استنار بنورك أهل السماوات، واستضاء بنورك أهل الأرض، يا نور كلّ نور حامد(1) لنورك كل نور، صلّ على أنوارك المقدّسة، ولا سيّما النور القاهر الصادر الأوّل الباهر وآله السابقون(2) اللاحقون مادامت السماوات والأرضون.
وبعد فيقول المفتاق إلى رحمة المهيمن الصمد الغني العلاّم، محمد مؤمن بن أبي محمد المياموي من قرى بسطام: كثيراً ما كان يعجبني أن أشرح آية النور، على ما تيسّر لي من كلمات المفسّرين وأقوال الحكماء الإلهيين، وممّا خطر بخاطري القاصر، وفكري الفاتر(3) في مفرداتها مع ضيق باعي، وقصر ذراعي، وتشتت أحوالي، وتفاقم أحزاني، خصوصاً في ذلك الزمان، رفعها الله عنّي وعن جميع الأخوان، بحق صاحب الزمان عليه صلوات الله

1. هذه الخطبة مقتبسةٌ من الأدعية النبويّة ويجوز أن يقرأ خامد ـ بالخاء المعجمة ـ كما في نسخة: «خامد بنورك» فيكون الباء بدلاً من اللاّم(منه).
2. أي هم السابقون ووجه القطع التأكيد.(منه)
3.فتر: ضعُفَ. المنجد مادة «فتر»; ونهاية ابن الأثير، ج3، ص 408، باب الفاء مع التاء، طبع المكتبة العلمية، بيروت.

16
الرحمن.
فجاء بحمد الله مشكاة لمصابيح الأنوار، مشرق على رياض الأزهار، لامع على الحياض والأنهار، لم يسمع بمثله قريحة في الأدوار، ولا عيب فيه غير أنّه عزيز الوجود، عزيز المعنى، قليل الحجم، وإلى الله أتضرّع أن ينفع به الّذين هم للحق طالبون، وعن طريق العناد ناكبون.
في بيان معاني مفردات الآية
ونسمّيه بـ«مشكاة المصابيح»، مرتّب على مقدّمة ومصابيح، وجعلته تحفة للسدة السنية، والحضرة العلّية ـ أعني: سدة مولانا الأكرم وسيّدنا الأعظم، شمس سماء الأعالي، قمر فلك المعالي، الثمرة اليانعة من نخيل المكرمات، والدوحة النابعة في بستان المسألات، ذو النفس الأبيّة، والشمائل الأدبية، بيضاء الأيمان والدين، بهاء الإسلام والمسلمين، أبي الأيتام والمساكين، مظهر العدل والإحسان، مروّج شريعة الرسول المنان، مشوق أهل العلم في الزمان، الملجأ والمطاع في إيران، زائر سلطان خراسان، قدوة فقهاء العرب والعجم، زبدة علماء الترك والديلم، حجة الإسلام وقبلة الأنام، جامع المعقول والمنقول، حاوي الفروع والأُصول، طائف بيت الله الحرام، زائر المشعر والمقام، فخر من حج واعتمر، ولبّى وسعد وكبّر ـ الحاج ميرزا جواد آقا التبريزي، أدام الله أظلاله العالي على رؤوس الأداني والأعالي، ما دامت الأيّام واللّيالي، اللّهم أعزه وأنصاره وضاعف اقتداره وزد ترويجه.

17
من قال آمين أبقى الله مهجته *** فان هذا دعاء يشمل البشرا

أمّا المقدمة: ففي بيان معاني مفرداتها

قال الله تبارك وتعالى:(اللهُ نُورُ السَّمواتِ وَالأرْض مَثَلُ نُورهِ كَمِشْكوة فِيها مِصْباحٌ المِصْباح فِي زُجاجَة الزُّجاجَة كَأنّها كَوكَبٌ دُرّي يُوقَدُ مِنْ شَجَرَة مُبارَكة زَيْتُونة لا شَرقِيَة وَلا غَرْبِيَة يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُور يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ الله الأمْثال لِلنّاسِ وَالله بِكُلِّ شَىْء عَلِيم).(1)

في بيان الأقوال في اشتقاق لفظ الجلالة وعدمه

أقول: في اشتقاق لفظ الجلالة وعدمه أقوال:
فالمختار عند جماعة من النحاة، كالخليل(2) وأتباعه، وعند أكثر الأُصوليين والفقهاء، إنّ لفظ الجلالة اسم علم ليس بمشتق واستدلوا بوجوه ضعيفة:
أحدها: أنّه لو كان مشتقاً لكان معناه معنى كليّاً لا يمنع نفس مفهومه من وقوع الشركة فيه، وحينئذ لا يكون قولنا: لا إله إلاّ الله موجباً للتوحيد المحض، ولا الكافر يدخل به في الإسلام، كما يقول: لا إله إلاّ الرحيم أو الملك بالإتّفاق.

1. النور:35.
2. العين، ج4، ص 90ـ 91، باب (إلهَ).

18
ويرد عليه: أنّه يجوز أن يكون أصله الوصفية إلاّ أنّه نقل إلى العلمية.
والثاني: أنّ الترتيب العقلي يقتضي ذكر الذات ثم تعقيبه بذكر الصفات نحو زيد الفقيه الأُصولي النحوي، ثم إنّا نقول الله الرحمن الرحيم ولا نقول بالعكس، فنصفه ولا نصف به، فدلّ ذلك على أنّ الله اسم علم.
ويرد عليه: أنّ هذا لا يستلزم العلمية لجواز كونه اسم جنس أو صفة غالبة تقوم مقام العلم في كثير من الأحكام(1).
وسائر الوجوه يطلب من مظانّه. وعن سيبويه: انّه مشتقٌ، وأصله إله دخلت عليه الألف واللام فبقى الإله، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللاّم، وسقطت فبقى الله، فأُسكنت اللام الأُولى، وأُدغمت وفخم تعظيماً، لكنّه ترفق مع كسرة ما قبله.
وقيل: اشتقاقه من إله بالفتح الهة، أي عبد عبادة وانّه اسم جنس، يقال على كل معبود، ثم غلب على المعبود بالحق، وأمّا الله بحذف الهمزة فمختص بالمعبود الحق، ولم يطلق على غيره، ولأجل ذلك ذهب من ذهب إلى علميته.
وقيل: اشتقاقه من الهت إلى فلان، أي سكنت فإنّ النفوس لا تسكن إلاّ إليه، والعقول لا تقف إلاّ لديه، لأنّه غاية الحركات

1. شرح أُصول الكافي لملا صدرا، ص 236 في شرح حديث 2 من كتاب التوحيد، باب المعبود.

19
ومنتهى الأشواق والطلبات، كما برهن عليه في الحكمة الإلهية; ولأنّ الكمال محبوب لذاته، ألا بذكر الله تطمئن القلوب.
وقيل: مَن أله في الشيء إذا تحير فيه، لأنّ العقل وقف بين الإقدام على إثبات ذاته نظراً إلى وجود مصنوعاته، والتكذيب لنفسه لتعالي ذاته عن ضبط وهمه ودركه.
وقيل: من الوله وهو ذهاب العقل.
وقيـل: مـن لاه بمعنـى ارتفـع، وهـو تعـالى مـرتفـع عـن شـوب مشـابهـة الممكنات، متعال عن وصمة(1) مناسبة المحدثات.
وقيل: من لاه يلوه، إذا احتجب، لأنّه بكنه صمديته محتجب عن العقول، فإنّه إنّما يستدلّ على كون الشعاع مستفاداً من الشمس بدورانها معها وجوداً وعدماً وطلوعاً وأُفولاً وشروقاً وغروباً، ولو كانت الشمس ثابتة في كبد السماء لما حصل اطمئنان بكون الشعاع مستفاداً منها، ولما كان ذاته تعالى باقياً على حاله، والممكنات على نظامها تابعة له باقية ببقائه، والمهيات معدومة بأنفسها، والأعيان مظلمة الذوات بذواتها، إلاّ أنّها مرائي للحقيقة الأول، ومجالي لظهور نوره، فاختفى الحق بالخلق، وظهر الخلق

1. الوصم: الفترة والكسل والتواني. نهاية ابن الأثير، ج5، ص 194، باب الواو مع الصاد، المكتبة العلمية، بيروت; المنجد حرف الواو: الوصم: العيب والعار والفترة في الجسد.

20
بنور الحق، فلا سبب لاحتجاب نوره، إلاّ كمال ظهوره، فالحق محتجب والخلق حجاب.
وقيل: من أله الفصيل إذا ولع بأُمّه، لأنّ العباد يتضرعون إليه في البليات، (وَإذا مَسَّ الناس ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبينَ إلَيْهِ).(1)
وقيـل: مـن ألـه الـرجل يـألـه، إذا فـزع مـن أمر نزل به فالهه أي أجره، والمجير لكل الخلائق من كل المضاد، هو الله ولا يجار عليه.

في بيان القول المختار في اشتقاقه وعلميته

وأقرب الوجوه المذكورة في اشتقاق هذا اللفظ المبارك أنّه مشتق من أله بالفتح الهة أي عبد عبادة. والمؤيد لذلك ما في الكافي باسناده عن هشام بن الحكم أنّه سأل أبا عبد الله(عليه السلام) عن أسماء الله واشتقاقها، الله ممّا هو مشتق؟ فقال:«يا هشام: الله مشتق من إله، والإله يقتضي مألوهاً، والاسم غير المسمّى، فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئاً، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك وعبد اثنين، ومن عبد المعنى دون الاسم فذاك التوحيد». الحديث.(2)
ثمّ الأصح أنّ الله اسم علم للذات المقدسة الجامعة لجميع

1. سورة الروم، آية33.
2. أُصول الكافي، ج1، ص 87 ، كتاب التوحيد، باب المعبود، حديث2.

21
الصفات العلياء والأسماء الحسنى، وبالجملة: المستجمعة لجميع صفات الكمالات.

في الاستدلال على علميته

والدليل على ذلك من وجوه:
منها: أنّه يوصف ولا يوصف به.
ومنها: أنّه لابدّ له من اسم يجري عليه صفاته ولا يصلح له ممّا يطلق عليه سواه، أي لفظ الجلالة.
ومنها: أنّه لو كان وصفاً كما قال به البيضاوي، لم يكن قول لا إله إلاّ الله توحيداً مثل لا إله إلاّ الرحمن فإنّه لا يمنع الشركة، وأيضاً على تقدير كونه وصفاً يصير المستثنى عين المستثنى منه، إذ الله أصله الإله على مامر وصرح به البيضاوي(1) وغيره أيضاً، حذفت الهمزة وعوّض عنها اللاّم والإله هو المعبود بالحق، فيصير المعنى: لا معبود بالحق إلاّ المعبود، وهذا خال عن الفائدة، إذ المستثنى عين المستثنى منه وهو غير جائز عند أهل اللسان.
في ردّ استدلال من قال بعدم علميته
وما مرّ من جواز أن يكون أصله الوصفية إلاّ أنّه نقل إلى العلمية مردود: بأنّ الأصل عدم النقل، ومقابل الأصح قول

1. تفسير البيضاوي،ج1، ص 160 في تفسير بسم الله... .

22
البيضاوي في تفسيره حيث قال: إنّه علم لمفهوم كلي هو المعبود بالحق، اشتهر استعماله في الجزئي لأنّ ذاته من حيث هو بلا اعتبار أمر آخر غير معقول للبشر فلا يمكن أن يدلّ عليه بلفظ.(1)
والجواب عنه، بأنّ هذا إنّما يدلّ على أن لا يكون علماً واضعه البشر، لم لا يجوز أن يكون علماً واضعه هو الله تعالى، على أنّا نقول لم لا يجوز أن يتصوّره الواضع بوجه كلّي يعلم من البرهان انحصاره في الشخص المتجمع لجميع صفات الكمالات، المبدأ لكل ما سواه ثم وضعه له.
واستدلّ غير البيضاوي(2) أيضاً على عدم كونه علماً بأنّه لو كان علماً لكان ذكر الأحد في (قُل هُو الله أحد)بلا فائدة، إذ الذات المشخّص واحد بلا شبهة.

في بيان الفرق بين الواحد والأحد

ونردّ عليه، بالفرق بين الواحد والأحد، إذ الواحد هو الذات مع اعتبار كثرة الصفات، والأحد هو الذات وحدها بلا اعتبار كثرة فيها.
وبوجه آخر: أنّ الأحد لا ينقسم بوجه، وما هو مقابل المتعدّد هو الواحد لا الأحد، ولو فرض عدم الفرق بينهما لقلنا: إنّ ذكر

1. تفسير البيضاوي، ج1، ص 17، مؤسسة شعبان للنشر والتوزيع بيروت، وبهامشه حاشية الخطيب الكازروني.
2. مرآة العقول، للمجلسي، ج1، ص 304.

23
الأحد تأكيد ومبالغة للتوحيد، لنهاية الاهتمام برد القول بالاشتراك، وعدم توهّم حمل اللفظ على المعنى الكلي وإن كان مجازاً.
وحاصل الردّ: أنّ الأحد هو الذات وحدها بلا اعتبار كثرة فيها، أي الحقيقة المحضة، أي الوجود من حيث هو وجود، وبحت وجود بلا قيد عموم وخصوص، وشرط عروض ولا عروض، والواحد هو الذات مع الصفة، فعبّر عن الحقيقة المحضة غير المعلومة بكنهها بهو، وابدل عنها الذات مع جميع الصفات دلالة على أنّها عين الذات وحدها في الحقيقة، وأخبر عنها بالأحدية، ليدلّ على أنّ الكثرة الاعتبارية ليست بشيء في الحقيقة، وما أبطلت أحديته وما أثرت في وحدته، بل الحضرة الواحدية هي بعينها الحضرة الأحدية بحسب الحقيقة، كتوهّم القطرات في البحر مثلاً، واغتنم ذلك وكن من الشاكرين.
ومن أدلّة المانعين: أنّه لما كانت الإشارة ممتنعة في حقّه تعالى كان العلم له ممتنعاً.
ومنها: أنّ العلم للتمييز ولا مشاركة بينه وبين غيره بوجه، فلا حاجة إلى العلم.
وأُجيب عن الوجهين: بأنّ وضع العلم لتعيين الذات المتعينة ولا حاجة فيه إلى الإشارة الحسية، وبأنّه لا يتوقّف على حصول الشركة.

24

في بيان حديث من عبد الاسم دون المعنى فقد كفر

ومعنى قول الإمام في الحديث المذكور «مَن عبد الاسم دون المعنى»(1) أي من عبد مفهوم اللقب ومعنى المشتق دون الهوية الإلهية والذات الأحدية فقد كفر، لأنّه عبد الشيء الّذي لا وجود له، إذ المفهوم الكلّي لا يوجد نفسه إلاّ في الوهم، والله منزّه عن أن يكون مفهوماً كلياً، وقوله: «ومن عبد الاسم والمعنى»، أي عبد مدلول اللفظ الكلّي وعبد الذات الحقيقية جميعاً، فقد أشرك، إذ عبد اثنين وضم مع المعبود الحقيقي غيره في العبادة.
وقوله(عليه السلام): «ومَن عبد المعنى» أي الحقيقة الإلهية بإيقاع الأسماء عليه بمعانيها ومدلولاتها الكلية، وهو المراد بقوله(عليه السلام) في حديث آخر قبل ذلك: ومن عبد المعنى بإيقاع الأسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه كما في قوله تعالى:(وَهُوَ السَّميعُ الْعَليم)(2)،(وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيم)(3)، وغير ذلك من صفاته التي وصف بها نفسه.(4)
ولا شك أنّها معان مختلفة ومفهومات متكثّرة لكنّها مع اختلافها وكثرتها ممّا يصدق على ذات واحد أحد ليس فيه شوب

1. الكافي، ج1، ص 87 ، باب المعبود،حديث2.
2.سورة العنكبوت، آية5.
3. سورة الحديد، آية1.
4. راجع سورة الرروم، آية54.

25
كثرة بوجه من الوجوه أصلاً، لأنّه محض حقيقة الوجود والوجود الصرف الّذي لا أتمّ منه.
ولهذه الصفات ليست ممّا يقتضي وجودها في شيء كثرة لا في الذات ولا في الجهات.

في دفع شبهة من قال: إنّ الحقيقة الإلهية غير مدركة فمن أين يعرف اتّصافها بالصفات؟

فإن قلت: إذا استحال حصول الحقيقة الإلهية، والهوية الأحدية الوجودية في شيء من المدارك والعقول، فمن أين يعرف اتّصافه بهذه الصفات، وكيف يحكم عليه بصدق مدلولات لهذه الأسماء؟
فالجواب بأنّ البرهان العقلي يؤدّي بنا إلى أن نعتقد أنّ سلسلة افتقار الممكنات ينتهي إلى مبدأ موجود بذاته بلا سبب، وأنّه أحدىّ الذات بلا تركيب بوجه، وكونه تام الحقيقة بلا نقص وقصور، وأنّه صرف الحقيقة التي لا أتمّ منه، وأنّ له من كل ما هو كمال الموجود بما هو موجود غاياتها ونهاياتها، وحيث لا مخرج عن النقيضين فله من كل صفة كمالية ونعت وجودي أشرفها وأتمّها وأرفعها، فله الأسماء الحسنى، والصفات العظمى، والأمثال العلياء، وبالجملة ليس من شرط الحكم على أمر بمحمولات عقلية وأوصاف كلية، أن يوجد ذات الموضوع في العقل، ويتصوّر ويتمثّل فيه بالكنه، بل يكفي لذلك تصور مفهوم عنواني، يجعل

26
عنواناً لقصد حملي يجزم العقل بسراية الحكم الموقع على العنوان إلى ما يطابقه في الواقع، وإن لم يدرك العقل كنهه. كذا حقّقه صدر المتألهين.(1)

في جواب إشكال أوردوا على الحديث المذكور

وهاهنا بحث لفظي، وهو أنّه قال في الشق الأوّل:«فقد كفر ولم يعبد شيئاً»، وفي الشق الثاني:«فقد أشرك وعبد اثنين».
فيرد عليه: أنّ عبادة الاسم إن لم يكن عبادة فكيف وقع الإشراك في الثاني؟ وإن كان عبادة فكيف حكم في الأوّل بأنّه لم يعبد شيئاً؟
والجـواب: أنّ المـراد فـي الأوّل أنّـه مَـن عبـد الاسـم لـم يعبـد شيئـاً محقّقـاً فـي الـواقـع، بـل أمـراً وهميّـاً، لأنّ المـراد مـن الاسـم هـو المفهـوم الـذهنـي الّـذي لا ثبـوت لـه فـي العيـن، ففـي عبـادة الاسـم وجـدت العبـادة لغيـر معبـود مـوجـود، وفـي عبـادة الاسـم والمعنـى وجـدت العبادتان إحداهما لشيء والأُخرى لغير شيء.
ففي الشق الثاني وقع الاشتراك في نفس العبادة، والوجه الآخر: أنّ مَن عبد الاسم مجرداً أو مع المعنى فليس يعبد شيئاً محقّقاً. لكنّه زعم العابد أنّه عبد أمراً محقّقاً، فوقع في الشق الثاني

1. مفاتيح الغيب:162.

27
الاشتراك في العبادة والمعبود جميعاً على اعتقاده وزعمه، فيكون كافراً.

في بيان عينية صفاته تعالى شأنه

وفي المقام تحقيق، وهو: أنّ الحق الأوّل تعالى ذاته نفس الوجود الصرف بلا مهية أُخرى، فجميع مفهومات الأسماء والصفات خارجة عنه فصدقها وحملها عليه ليس كصدق الذاتيات على المهية، إذ لا مهية له كلية، ولا كصدق العرضيات إذ لا قيام لأفرادها بذاته تعالى، ولكن ذاته تعالى بذاته الأحدية البسيطة ممّا ينتزع منه هذه المفهومات وتحمل عليه.
فالمفهومات كثيرة والجميع غيره، والذات وجود واحد بسيط بنفسه موجود، فالكلّ بحسب المفهوم غيره، وخارج عنه، وبحسب المصداق عينه، ومن هذه الجهة يشبه حملها عليه حمل الذاتيات، وليس بذاك إذ لا مهية له.
ولذلك قال(عليه السلام) في آخر ذلك الحديث: «إنّ لله تسعة وتسعين اسماً» فلو كان الاسم عين المسمّى، لكان كلّ اسم إلهاً! أي لو كان مفهوم كل اسم عين الذات الأحدية المسمّاة به، لكان كل مفهوم إلهاً آخر، ولكان في الوجود تسعة وتسعون إلهاً!! تعالى القيوم عن ذلك علوّاً كبيراً.
ومن ذلك التحقيق ظهر معنى عينية الصفات على مذهب

28
الإمامية، وقد برهنّاه أيضاً ببراهين أُخرى في كتابنا الكبير المسمّى بـ«كفاية المؤمنين لدفع المخالفين».(1)

في بيان معنى النور

ثمّ النور هو الظاهر بذاته والمظهر لغيره، وقيل الضياء أقوى منه وأتم، ولذلك أُضيف للشمس في قوله:(جَعَلَ الشَّمْس ضياء والقَمَرَ نُوراً)(2)، وقد يفرق بينهما بأنّ الضياء ضوء ذاتي والنور ضوء عارضي.
والحقّ ما حقّقه بعض المحقّقين: من أنّ النور هو الظاهر بذاته المظهر لغيره، وهو القدر المشترك بين جميع مراتبه، من الضوء وضوء الضوء، والظل وظل الظل في كلّ بحسبه.
وهذا المعنى حق حقيقة الوجود إذ كما أنّها الموجودة بذاتها وبها توجد الماهيات المعدومة بذواتها، بل لا موجودة ولا معدومة، كذلك تلك الحقيقة ظاهرة بذاتها مظهرة لغيرها من الأعيان والماهيات المظلمة بذواتها، بل لا مظلمة ولا نورية، فمراتب الوجود من الحقائق والرقائق والأرواح والأشباح والأشعة والأظلة، كلّها أنوار لتحقّق هذا المعنى فيها، حتى في الأشباح المادية وأظلال الأظلال السفلية. إذ كما أنّ شعاع الشعاع الذي

1. راجع: تراجم الرجال للحسيني، ج1، ص 335.
2. سورة يونس، آية5.

29
يدخل من البيت الأوّل إلى البيت الثاني بل إلى الثالث وهكذا بالغاً ما بلغ، نور ظاهر بالذات مظهر للغير، وإن كان بنحو الضعف في الصفتين.
كذلك الوجودات المادية المعدودة عند الإشراقيين من الغواسق(1) والظلمات، كلّها أنوار لكونها ظاهرة بذواتها بما هي وجودات مظهرة لمهياتها، بل نفس المادة التي هي أظلم الظلمات وأوحش الموحشات المعبر عنها عند الأقدمين بالظلمة والهادية، نور، وكيف لا وهي أحد من أنواع الخمسة الجوهرية، والجوهر من أقسام الموجود، والوجود نور.
إن قلت: كيف تكون جوهراً وقد تقرر عندهم أنّها نوع بسيط واستعداد محض والاستعداد عرض.
قلت: كما أنّ العلم له مراتب: مرتبة منه كيف نفساني، ومرتبة منه جوهر مفارق برزخي كعلم النفس بذاتها، ومرتبة منه جوهر مفارق محض كعلم العقل بذاته، ومرتبة منه واجب الوجود، كعلم الواجب تعالى بذاته وبغيره، فانظر إلى حقيقة واحدة وسعة مراتبها وقصيا منازلها في جانبي العلو والدنو; كذلك الاستعداد والقوة، فمرتبة منه عرض كالكيفيات الاستعدادية، ومرتبة منه استعداد بسيط متجوهر وقوة محضة جوهرية.

1. غواسق: يقال غسق يغسق غسوقاً فهو غاسق إذا أظلم وأغسق مثله. نهاية ابن الأثير، ج3، ص 366.

30
وهذا معنى قولهم الهيولى جوهر مستعد جنسه مضمن في فصله، وفصله مضمن في جنسه.
إن قلت: قد اشتهر عنهم أنّ قسط الهيولى من الوجود قوة الوجود، فكيف قلتم: إنّها موجودة وقوة الشيء ليس بشيء؟
قلت: قوة الوجود ليس لوجود، أي ليس بفعل، وأمّا الوجود الذي يشمل القوة والفعل فكلاّ، وهو الوجود الذي يقابل العدم، لا الذي بمعنى الفعل، فقوة الوجود في ذاتها وبالنسبة إلى العدم المطلق وجود، وذات حظ من الوجود المطلق ليست مقابلة له، وإن قابلت الوجود الخاص الفعلي.
كما أنّ ظل النور الحسي ليس بنور، أي ليس بشعاع مقابل ومواجه للنيّر، وإن كان نوراً في ذاته، وبالنسبة إلى الظلمة الصرفة، وذا حظ من النور المطلق، بمعنى الظاهر بذاته المظهر لغيره، حتى عكس العكس، وعكس عكس العكس، وهكذا من اللواتي في حكم المقابل للنيّر وليس مقابلاً للنور المطلق، وإن قابل النور الخاص، بمعنى الشعاع المقابل للنير فالهيولى نور، وإن كان في غاية الضعف، والصورة الامتدادية الإطلاقية نور فوق نور، وهكذا الصور الطبيعية والصور الشخصية والنفوس والعقول، كلّها أنوار بعضها فوق بعض، والله بكلّ شيء محيط. انتهى.(1)

1. شرح الأسماء الحسنى، ج1، ص166ـ 167.

31

تحقيق عرفاني

روي عن بعض أهل المعرفة: أنّ أوّل ما يبدو في قلب العارف ممّن يريد الله سعادته نور، ثم يصير ذلك النور ضياء، ثم يصير شعاعاً، ثم يصير نجوماً، ثم يصير قمراً، ثم يصير شمساً، فإذا ظهر النور في القلب بردت الدنيا في قلبه بما فيها، فإذا صار ضياء تركها وفارقها، فإذا صار شعاعاً انقطع منها وزهد فيها، فإذا صار نجوماً فارق الدنيا ولذّاتها ومحبوباتها، فإذا صار قمراً زهد في الآخرة وما فيها، فإذا صار شمساً لا يرى الدنيا وما فيها، ولا الآخرة وما فيها ولا يعرف إلاّ ربه، فيكون جسده نوراً وقلبه نوراً وكلامه نوراً، وأمّا المحرومون من هذه الأنوار، فهم الّذين أشار الله إليهم بقوله:(الّذِينَ كانَتْ أعيُنُهُمْ فِي غِطاء عَن ذِكْرِي)(1). انتهى.(2)

في معنى السماوات

ثم السماوات: جمع السماء وتجمع على اسميته أيضاً، وهي تُذكّر و تؤنِّث، قال الله تعالى:(السّماء منفطر)(3).
وعن ابن الأنباري: إنّ التذكير قليل وهو على معنى السقف، والنسبة إلى السماء سمائي بالهمزة على لفظها، وسماوي بالواو

1. سورة الكهف، آية101.
2. راجع تفسير صدرالمتألهين; تفسير خواجه عبدالله الأنصاري.
3. سورة المزمّل، آية 18.

32
اعتباراً بالأصل.(1)
والمـراد بالسمـاوات فـي الآية: الأفـلاك، والكليـة منهـا كمـا في التجـريـد تسعـة: واحـد غيـر مكـوكب محيط بالجميـع، وتحتـه الفلك الثوابت، ثم أفلاك الكواكب السبعة السيارة، ويشمل على أفلاك تداوير وخارجة المراكز، والمجموع أربعة وعشرون، ويشتمل على سبعة سيارة وألف ونيف وعشرين كوكباً ثوابت، والكلّ بسائط خالية عن الكيفيات الفعلية والانفعالية ولوازمها شفافة.

في معنى الأرض

ثمّ الأرض ـ وهي مؤنثة ـ :اسم جنس(2) يفرق بينه وبين واحده بالتاء، والجمع أرضات.
وفي الصحاح: وزعم أبو الخطاب أنّهم يقولون أرض وآراض كما قالوا أهل وآهال، والأراضي أيضاً على غير قياس كأنّهم جمعوا أرضاء، وتجمع أيضاً على أرضين بفتحتين. وهي باردة يابسة ساكنة في الوسط، شفافة.(3)

1. نقله عنه الطريحي في مجمع البحرين، ج2، ص 429، مادة «سمو».
2. لسان العرب، ج7، ص 111، مادة «أرض».
3. الصحاح، ج3، ص 1063، مادة «أرض».

33

في بيان أنّ الأرض شفّافة

وما قيل: من أنّ الحكم بشفوف الأرض يوجب الحكم بأن لا يقع خسوف أصلاً، إذ لو كان ينفذ شعاع الشمس في الأرض فأي شيء يحجب نورها عن القمر.
فمردود بما نقل عن الشيخ الرّئيس: من أنّه لو كان لنا سبيل إلى مصادفة الأرض الخالصة، لكنّا نجدها خالية عن الألوان وكنّا نجدها شفافة. انتهى.
فكون الطبقة المحيطة بالمركز لا ينافي انخساف القمر أصلاً لكون الطبقتين الأخيرتين المحيطتين بهذه الطبقة، كثيفتين، و ما يدلّ على كون هذه الطبقة شفافة،ما يحكى عن بعض الأعاظم: انّه حفر له قناة فخرج من البئر ما يحسّ بثقله وصلابته من غير أن يحس بالبصر.
ثمّ إنّ لها ثلاث طبقات:
الأُولى: الأرض المخالطة بغيرها التي يتولد فيها الجبال والمعادن، وكثير من النباتات والحيوانات.
الثانية: الطبقة الطينية.
الثالثة: الأرض الصرفة المحيطة بالمركز.
وهي أي الأرض طالبة للسفل على الإطلاق تامة الكروية(1)

1. (شكل الأرض الحقيقي) الأرض كروية ولكن ليست تامة التكور، بل هي من جهة خط الاستواء أكثر انتفاخاً منها من جهة القطبين. وقد قاس العلماء محيط الأرض من خط الاستواء ومحيطها من جهة القطبين فوجدوا انّ تلك الدائرة من جهة خط الاستواء تزيد عن نظيرتها من جهة القطبين بنحو سبعين كيلومتراً. دائرة المعارف لفريد وجدي، ج1، ص 184ـ 185.

34
حساً، مغمورة(1) أكثر مواضعها في الماء على المشهور.
والحق أنّ القدر المكشوف منها ليس منحصراً في ربعها كما اشتهر فى الألسن وكتب الهيويين لما وجده بعض الدول الخارجة من القرى الّتي تسمّى بنيك الدنيا.
ثمّ المثل بمعنى الشبه والجمع أمثال، وبمعنى الصفة أيضاً، وهو المراد هاهنا، أي صفة نوره العجيبة كصفة مشكاة.
وعن الفراء: المشكاة كوة غير نافذة يوضع فيها المصباح، وقيل: إنّها رومية معربة.
وقال الزجاج: يجوز أن تكون عربية، لأنّ في الكلام مثل لفظها شكوة وهي قربة صغيرة، فعلى هذا تكون مفعلة منها.
والمصباح: السراج الضخم، قيل: وأصله من البياض. والأصبح: الأبيض.
ثم الكوكب جسم كروي مصمت نوري.
والدري ـ بضم الدال ـ : الثاقب المضيء الشديدة الإنارة نسب إلى الدرّ لبياضه وإن كان أكثر ضوءاً منه.

1. الغمر ـ بفتح الغين وسكون الميم ـ: الكثير، أي يغمر من دخله ويغطيه. نهاية ابن الأثير، ج 3، ص 383، مادة «غمر».
Website Security Test