welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : إضاءات في طريق الوحدة والتعايش*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

إضاءات في طريق الوحدة والتعايش

1
بسم الله الرحمن الرحيم

2

3
إضاءات
في
طريق الوحدة والتعايش
تأليف
العلاّمة الفقيه
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

4
السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ق . ـ
اضاءات في طريق الوحدة والتعايش / تأليف جعفر السبحاني. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1432 ق. = 1389 .
112 ص 1 ـ 461 ـ 357 ـ 964 ـ 978 ISBN
1. الوحدة الإسلامية. الف. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ب. العنوان.
6الف2س/5/233 BP 482/297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 0912519271
http://www.imamsadeq.org
www.shia.ir
اسم الكتاب: إضاءات في طريق الوحدة والتعايش
المؤلف : العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة : الأُولى
تاريخ الطبع: 1432 هـ
المطبعة : مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد النسخ: 1000 نسخة
عدد الصفحات: 112 صفحة
القطع : رقعي
التنضيد والإخراج الفني: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 627 تسلسل الطبعة الأُولى: 370

5
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه وأكرم بريته محمد وآله الطاهرين .
أما بعد:
إن القرآن الكريم يمدح الوحدة، ويذم التفرّق في عدد من الآيات الكريمة وهذا أمر لا يخفى على ذي لب.
إن توحيد الكلمة يوجب صب الجهود في موضع واحد، فتكون النتيجة رفع المشاكل وإزالة المعوّقات .
إلاّ أن الاختلاف والتشرذم يوجب تفريق القوى وتبددها الّذي لا ينتج سوى الخراب والدمار.
ولكنا نرى جماعة ممن يحسبون أنّهم جزء من الأُمة، حملوا على عاتقهم راية التفريق والتبديد، وتهييج طائفة على أُخرى، بحجج واهية لا تمت إلى الدين بصلة.
وهذا هو الّذي دعائي إلى إدلاء النصح لهؤلاء الجماعة

6
عسى أن يكفّوا عن بث هذه السموم في وسائل الاعلام من الفضائيات ومواقع الانترنيت وغيرها.
وما ذلك إلاّ امتثالاً لقوله سبحانه: (وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ )(1) .
والله من وراء القصد
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

1 . الذاريات: 55 .

7
 

1

لماذا الخصام؟

إنّ الخصام بين الطائفتين اللتين تجمعهما أُصول عقدية موحّدة ويصدران عن كتاب سماوي واحد، وسنّة نبوية، وعن العقل الحصيف، ويصلّون إلى قبلة واحدة، ويزكّون أموالهم بنُصب متساوية، ويحجّون بيتاً واحداً ـ إنّ هذا الخصام ـ نابع عن تدخل الشيطان بينهما، إلى درجة أشعل بينهم فتيل الخصام والعداء، حتّى عاد البعض منهم يكفّر الطائفة الأُخرى لا تكفيراً واحداً، بل بمسلسل من التكفيرات الّتي لا تنتهي بحد، وتبثها الفضائيات كلّ يوم وليلة لإيجاد البلبلة والتشويش بين أبناء الأُمّة الواحدة.
ونحن لا نرى للهجمات الشرسة على أتباع مذهب أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وجهاً مسوّغاً سوى أنّ أصابع الاستعمار والصهاينة تتحرك من وراء الستار، حتّى يتصيّدوا في الماء العكر ويحقّقوا أهدافهم في إثارة الفتنة وزرع الفرقة والاختلاف.

8
 

2

لماذا لا نتعايش في ظلال أُصول الوحدة؟

قد تعرّفت على سبب إشعال فتيل الفتنة بين أتباع الأُمّة الواحدة مع أنّه سبحانه يقول: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)(1).
ويقول عزّ اسمه: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)(2)، فإذا كان الجميع أُمّة واحدة يعبدون رباً واحداً، ويستظلون تحت خيمة واحدة، ويتبنون أُصولاً مشتركة على نحو ما يجمعهم من الأُصول والفروع أكثر ممّا يفرقهم في الفروع.
فإذا كانت الحال كذلك يجب عليهم أن يتعايشوا ويتّحدوا ويعتصموا بحبل الله جميعاً، ويتركوا الخلافات إلى

1 . الأنبياء: 92 .
2 . المؤمنون: 52 .

9
المدارس الكلامية والفقهية دون أن تسبب تلك الخلافات صدعاً في بناءالوحدة الإسلامية .
وأخيراً أنّ تسجير نار الخلافات في مسائل لا تمت إلى أُصول الدين بصلة قريبة، لا يستفيد منه إلاّ ذوو المصالح المادية وعملاء الدول الاستعمارية التي لا يمكنهما السيطرة على الأُمم والشعوب إلاّ ببذر الخلافات وتسعير نار العداء والتخاصم. فليكن شعارنا قوله سبحانه: (وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَ لاَ تَفَرَّقُوا)(1) .
وها نحن نشير في الفصل التالي إلى عناصر الوحدة الإسلامية .

1 . آل عمران: 103 .

10
 

3

عناصر الوحدة الإسلامية (1)

الوحدة الإسلامية أُمنية يتمنّاها كلّ مخلص له أدنى إلمام بالأوضاع المحدقة بالمسلمين، ولا يشكّ في أنّهم في أمسَّ الحاجة إلى الوحدة وتقريب الخطى، لأنّ فيها عزّ الإسلام ورفع شوكتهم وتقوية أواصر الأُخوّة بينهم، وأنّ في التفرقة اضمحلالهم وتشتّت شملهم وتكتّلهم إلى فرق وطوائف متناحرة.
وقد حثّ سبحانه على الوحدة بقوله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً) (2).
ويقول أيضاً: (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا

1 . كنّا قد ألقينا محاضرة حول هذا الموضوع في جامعة الا ُردن شهر محرم الحرام عام 1419 هـ ، عند سفرتنا العلمية إلى هناك.
2 . آل عمران: 103.

11
السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)(1).
وفي الوقت نفسه يذمّ التفرقة ويشجبها ويقول: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ في شَيْء) (2).
ويقول سبحانه: (وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكينَ* مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً) (3).
إنّه سبحانه يعدُّ التفرقة والتشتت من أنواع البلايا والمحن التي تجابه الأُمم ويقول: (قُلْ هُوَ القادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجلكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذيقَ بَعْضكُمْ بَأْسَ بَعْض أُنْظُر كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) (4).
فانطلاقاً من وحي تلك الآيات تجب على كلّ مسلم واع، الدعوةُ إلى توحيد الكلمة للحيلولة دون التشتّت والتفرّق.
إنّ الوضع الراهن للأُمّة الإسلامية يبعث على القلق، واستمرار هذا الوضع يجعلهم ضحيّة للخطط الاستعمارية التي تستهدف الإجهاز على المسلمين واستئصال شأفتهم.

1 . الأنعام: 153. 2 . الأنعام: 159.
3 . الروم: 31 ـ 32.
4 . الأنعام: 65.

12
إلاّ أنّ الذي يبعث النشاط في قلوبنا ويزيدنا أملاً بالغد المشرق هي الآيات الدالة على أنّ المستقبل للصالحين من عباده، قال سبحانه: (انَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِباديَ الصّالِحُونَ) (1). وقال سبحانه: (وَنُريدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْض وَنَجْعَلهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلهُمْ الوارِثين) (2).
هذه سنّة اللّه تبارك وتعالى لكنّها رهن شروط وخصوصيات كفيلة بتحقيق ذلك الوعد.
إنّه سبحانه يصف المسلمين بأنّـهم أُمّة واحدة ويقول: (إِنَّ هذِهِ أُمَّتكُمْ أُمَّةً واحِدَة وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون) (3).
والأُمّة مشتق من أمَ مَ والمادة تحكي عن القصد والهدف والقيادة والزعامة، وعلى ضوء ذلك فلا يكون المسلمون أُمّة حتى يكون لهم هدف ومقصد أسنى وقيادة وزعامة حكيمة، فالأُمّة الواحدة لها ربّ واحد، وكتاب واحد، وشريعة واحدة، وقيادة واحدة، وهدف واحد، وهو نيل السعادة الدنيوية والأُخروية.

1 . الأنبياء: 105. 2 . القصص: 5.
3 . الأنبياء: 92.

13
وثمة سؤال يطرح نفسه، وهو: ما هي العناصر الكفيلة لتحقيق الوحدة، إذ أنّ تحقّقها مع وجود التفرقة والاختلاف أمر متعذّر؟
هذه العناصر تكمن في التوحيد في العقيدة والشريعة لا في الوطن ولا في الجنس ولا في اللون ولا في اللغة ولا في الطائفية ولا في القومية، والإسلام قد شطب بخط عريض على تلك الأفكار، ولم يعر لها أهمية تذكر بل حذّر المسلمين من الانخراط تحت لوائها والانجراف معها ، قال سبحانه: (يا أَيُّهَا النّاس إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللّهَ عَليمٌ خَبير ) (1).
وقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ العربية ليست بأب والد ولكنّها لسان ناطق، فمَن قصر به عمله لم يبلغه حسبه». (2) فعلى ذلك يجب الإلماع إلى العناصر التي تكمن فيها الوحدة وتبتني عليها أواصر الأُخوّة.
فالعناصر العقدية هي:

1 . الحجرات: 13.
2 . الكافي: 8/246 برقم 342.

14

1. التوحيد ومراتبه

التوحيد ـ بمعنى الاعتقاد بوجود إله واحد لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفات العليا، عالم قادر، حي لا يموت، إلى غير ذلك من صفات الجمال والجلال، وليس في صحيفة الوجود خالق، مدبّر ومعبود، سواه ـ من العناصر البنّاءة للوحدة.
وقد تثار بحوث كلامية حول صفاته تبارك وتعالى، لكنّها بحوث لا تمت إلى صميم الإسلام بصلة.
فهل صفاته سبحانه عين ذاته أو زائدة عليها؟ فلكلّ من الرأيين دليله ومنطقه إلاّ أنّ هذه البحوث ـ مع تثمين جهود باحثيها ـ يجب أن لا تثير الريبة في غرضنا الذي نرمي إليه ألا وهو الوحدة الإسلامية الكبرى.
ولكن يجب أن لا ننسى أنّ مسألة خلق القرآن وحدوثه أو قدمه قد شغلت بال المسلمين أيّام الخلافة العباسيّة سنين طوال، وقد شقّت عصا الوحدة وشتّتتهم إلى طوائف وأُريقت دماء ونهبت أموال، وما ذلك إلاّ لأنّ طائفة منهم كانوا يقولون بقدم القرآن والطائفة الأُخرى بحدوثه مع أنّها بحوث كلامية لاتمت إلى صميم الإسلام بصلة، فالبحث و الحوار العلمي

15
والانصياع للدليل شيء، وكون هذا الاختلاف يثير كامن العداء والشقاق ويصبح ـ لا سامح اللّه ـ هدفاً لسهام اللوم والتكفير شيء آخر ، فلنفسح المجال للبحث العلمي دون أن يمسّ بالوحدة الإسلامية الكبرى.

2. النبوة العامّة والخاصّة

إنّ من عناصر الوحدة الإيمان بأنّه سبحانه تبارك و تعالى بعث أنبياءً ورسلاً لترسيخ التوحيد بين الناس وشجب عبادة أيّ معبود سواه.
قال سبحانه: (وَلَقَدْبَعَثْنا في كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوت) (1).
وهذه هي العقيدة المشتركة بين الأُمّة الإسلامية جميعاً، كما أنّ الإيمان بخاتمية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّه لا نبي ولا رسول بعده من صميم العقيدة الإسلامية، ومَن أنكر الخاتمية وادّعى استمرار الوحي بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو إمكان ظهور نبي جديد مع شريعة جديدة ، فقد خرج عن ربقة الإسلام، لأنّ ذلك يتعارض مع العقيدة الإسلامية، قال سبحانه: (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَد مِنْ

1 . النحل: 36.

16
رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللّهِ وَخاتَمَ النَّبِيينَ وَكانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً) (1).

3. الإيمان بالمعاد

الإيمان بالمعاد وانّ الدنيا قنطرة الآخرة، وليس الموت بمعنى فناء الإنسان من العقائد المشتركة بين المسلمين، ويعدُّ أصلاً من الأُصول التي جاء بها الأنبياء قاطبة، ولولاه لما قام للدين عمود، ولذلك نجد أنّ القرآن يعطف الإيمان بالمعاد، على الإيمان بالتوحيد، ويقول: (مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخر وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ) (2)، وفي آية أُخرى: (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخر ذلكَ خَيرٌ ) (2).
فهذه الأُصول الثلاثة، تشكِّل حجر الزاوية للعقيدة الإسلامية، وتدور عليها رحى الإيمان والكفر ، وقد صبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اهتمامه على هذه الأُصول وجعلها حدّاً فاصلاً بين الإيمان والكفر، فمن آمن بها فقد دخل في زمرة المسلمين ومن أنكر واحداً منها فقد خرج عن ربقة الإسلام، وها نحن

1 . الأحزاب: 40. 2 . البقرة: 62.
2 . النساء: 59.

17
نذكر بعض ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا المضمار لتُعلم من خلاله العناصر الكفيلة بتحقيق الأُخوة الإسلامية.
روى البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب: أنّ عليّاً في يوم خيبر سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: على ماذا أُقاتل، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على اللّه». (1)
روى الإمام الشافعي عن أبي هريرة، أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لا أزال أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ اللّه فإذا قالوا، فقد عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّبحقها وحسابهم عليهم».(2)
وروى الإمام الرضا (عليه السلام) وهو أحد أئمّة أهل البيت عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ اللّه، فإذا قالوا حرمت عليّ دماؤهم وأموالهم». (3)

1 . البخاري : 1/10، كتاب الإيمان.
2 . كتاب الأُمّ: 6/157. 3 . البحار: 68/242.

18

4. وحدة الشريعة

إذا كانت العقيدة بعناصرها الثلاثة هي الركيزة الأُولى للوحدة، فوحدة الشريعة عامل آخر لجمع شمل المسلمين وتوحيد كلمتهم وصفوفهم.
فالمسلمون عامة في مجال العبادة يقيمون شعائرهم الدينية من صلاة وصوم وزكاة وحج وجهاد، فلا تجد مسلماً ينكر واحداً من تلك الأُمور.
نعم يوجد بين المذاهب الفقهية اختلاف في جزئيات المسائل ولكنّها شروط وآداب لا تمسُّ بجوهر الإسلام، فالمسلم من يؤمن بالشريعة التي جاء بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويقيمها حسب الفقه الذي يقلّده، واختلاف العلماء لا يمسّ جوهر الشريعة، لأنّه اختلاف سطحي في جزئياتها وخصوصياتها.
فكما أنّ العبادات جزء من الشريعة فالمعاملات بمعناها الأخصّ أو الأعم جزء من الشريعة أيضاً، فالبيع والإجارة والوكالة والمضاربة والمساقاة والمزارعة معاملات بالمعنى الأخصّ، كما أنّ النكاح والطلاق والوصايا ونظائرها معاملات بالمعنى الأعم، فالمسلمون متّحدون في هذا المجال من

19
الشريعة، يبيحون ما أباحت الشريعة ويحرمون ما حرّمت الشريعة.
وعلى ضوء ذلك فالشريعة هي الركيزة الثانية للوحدة، واختلاف الفقهاء فيها لا يخلّ بالوحدة.

5. وحدة القيادة

إنّ التوحيد في القيادة هي الركيزة الثالثة لوحدة الأُمم، فالجميع يؤمن بأنّ القيادة للّه سبحانه ولرسوله ولأُولي الأمر مستلهمين ذلك من قوله سبحانه: (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولي الأَمْرِ مِنْكُمْ)(1).
فالقيادة الإسلامية ليست قيادة سياسية بحتة، بل قيادة دينية تقود المجتمع إلى السعادة والرفاه تحت ظل تعاليم الإسلام، وحيث إنّ إطاعة أُولي الأمر جاءت مباشرة بعد إطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في الآية الكريمة فيلزم أن تكون طاعتهم شبه إطاعة الرسول في علمهم وسياستهم وتقواهم، ولأجل ذلك يجب أن يتوفر فيهم شروط كثيرة تخوّل لهم صلاحية الزعامة.

1 . النساء: 59.

20

6. وحدة الهدف

تقع على عاتق الأُمّة الإسلامية مسؤولية خاصة وهي سوق المجتمع نحو المثُل الأخلاقية والمكارم الإنسانية ، قال سبحانه: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَر وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) (1).
فالطوائف الإسلامية برمّتها لها رؤية مشتركة في الهدف الذي جاء به الإسلام ودعا إليه.
والهدف هو انتشار الدين في الأرض لتكون السيادة للّه وحده ويكون الدين ظاهراً على سائر الأديان، قال سبحانه: (هُوَ الّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى وَدِينِ الحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(2).
هذه الوحدات الأربع، أي: وحدة العقيدة، (في التوحيد والنبوة والمعاد) وحدة الشريعة، وحدة القيادة، ووحدة الهدف إذا تمسك المسلمون بأهدابها تعود إليهم السعادة المسلوبة والكرامة المنشودة . قال رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّما مثل

1 . آل عمران: 110.
2 . التوبة: 33.

21
المسلمين كالرجل الواحد إذا وجع منه شيء تداعى له سائر جسده». (1)
وقال: «إنّما المسلمون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

مغبّة تكفير أهل القبلة

إنّ تكفير أهل القبلة ما لم يُنكر أحد منهم شيئاً من تلك الأُصول الثلاثة ممّا لم يجوزه أحد من أئمة المسلمين.
قال ابن حزم نقلاً عن أبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري: إنّه لا يُكفَّر ولا يُفسَّق مسلم. (2)
وقال السرخسي: لمّا حضرت الشيخ أبا الحسن الأشعري الوفاة بداري ببغداد أمرني بجمع أصحابه فجمعتهم له، فقال: اشهدوا عليّ إنّي لا أُكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب لأنّي رأيتهم كلّهم يشيرون إلى معبود واحد والإسلام يشملهم ويعمَّهم. (3)

1 . مسند أحمد بن حنبل: 4/278.
2 . الفصل: 3/247.
3 . اليواقيت والجواهر: 58.

22
ولقد أحسن الإمام الأشعري حيث أسمى كتابه بـ «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» فأضفى على جميع الطوائف لفظ الإسلاميين وجعل اختلافهم اختلافَ أهل القبلة كما يشعر بذلك قوله اختلاف المصلين.
وقال القاضي الإيجي: جمهور المتكلّمين والفقهاء على أنّه لا يكفَّر أحد من أهل القبلة، واستدلّ على مختاره بقوله: إنّ المسائل التي اختلف فيها أهل القبلة من كون اللّه تعالى عالماً يعلم أو موجداً لفعل العبد أو غير متحيّز ولا في جهة ونحوها لم يبحث النبي عن اعتقاد من حكم بإسلامه فيها ولا الصحابة ولا التابعون، فعلم أنّ الخطأ فيها ليس قادحاً في حقيقة الإسلام. (1)
إلى غير ذلك من الكلمات لعلمائنا الأبرار تبعاً للسنة النبوية المنكرة لتكفير المسلم.
هذه كلمات علماء الإسلام حول الإيمان والكفر وبالتالي حول الوحدة الإسلامية، وللأسف فإنّ جماعة في زماننا
هذا ـ الّذي هاجت فيه إحدى الطوائف على أبناء الأُمّة
الإسلامية بالتكفير ـ يؤيدون تلك الظاهرة المنتنة الّتي

1 . المواقف: 392.

23
تمزق شمل المسلمين وتفرقهم.
إنّ في غضون كتب التاريخ والمعاجم رجالاً صالحين قدّموا التعايش على التباغض، والتعاون على التنافر، فصاروا يتعارفون بينهم من دون استنكار طائفة على طائفة أُخرى حتّى صاروا ذا يد واحدة لأجل رفع صرح الحضارة الإسلامية فيفيدون ويستفيدون كل من الآخر.
ولكي نعيد الأمل إلى قلوب أبناء أُمّتنا الإسلامية ونرسم لهم معالم الوحدة وأساليب تحقيقها نعيد إلى ذاكرة القرّاء الأعزّاء ـ ومن يتطلّع إلى خير الأُمّة ومستقبلها الزاهر ـ صوراً من واقع الأُمّة في القرون المتمادية من عمرها المشرق، وكيف كانت علاقة علماء الأُمّة من كل الفرق بعضهم ببعض، ليتجدّد الأمل في النفوس بأنّ الوحدة والتعايش أمر ممكن وميسور، وليس بالمستحيل كما يحاول تصويره المنحرفون والانتهازيون، ومن ينعق معهم، ويردّد انشودتهم الخرقاء.

24
 

4

الأواصر العلمية

بين علماء الشيعة والسنّة عبر قرون

العلاقة بين علماء الشيعة والسنّة كانت وطيدة وراسخة عبر القرون، ولم تمنع الاختلافات الفكرية أو العقديّة من حصول الزمالة بينهم في مجالات العلم والفكر والأدب، والسبب في ذلك هو وجود مشتركات كثيرة بينهم، فكان العمل على ضوئها موجباً لنشر الثقافة الإسلامية وإرساء دعائمها، وهذا هو التاريخ يُحدّثنا عن تبادل التحديث بينهم وتتلمذ لفيف من علماء السنة لدى علماء الشيعة وبالعكس في شتى مجالات المعارف الإسلامية، وسنذكر نماذج لهذه الوشائج والعلاقات الحسنة بين علماء الفريقين، وأمّا استيعابها فهو رهن كتاب مفرد عسى أن يقوم به من له اليد الطولى في هذا المضمار:

25
 

1

محمد بن يعقوب الرازي الشيخ الكليني

(المتوفّى 329 هـ)
مؤلّف «كتاب الكافي» في سبعة أجزاء وهو أحد الجوامع الحديثية للشيعة.
ترجم له الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن المعروف بابن عساكر وذكر أسانيده إليه كما أورد بعض مروياته عنه، وقال:
قدم دمشق وحدّث ببعلبك عن أبي الحسين محمد بن علي الجعفري السمرقندي، ومحمد بن أحمد الخفّاف النيسابوري .
روى عنه أبو سعد الكوفي شيخ الشريف المرتضى، وأبو عبد الله أحمد بن إبراهيم، وأبو القاسم علي بن محمد بن عبدوس الكوفي، وعبد الله بن محمد بن ذكوان.

26
ثم قال: أنبأنا أبو الحسن بن جعفر قال: أنا جعفر بن أحمد بن الحسين بن السراج، أنا أبو القاسم المحسن بن حمزة... الورّاق بتنيس، أنا أبو علي الحسن بن علي بن جعفر الديبلي بتنيس في المحرم سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، أنا أبو القاسم علي بن محمد بن عبدوس الكوفي، أخبرني محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم، إلى أن انتهى الاسناد إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله».(1)

1 . تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: 56 / 297.

27
 

2

محمد بن الحسين بن بابويه الصدوق

(306 ـ 381 هـ)
شدّ الرحال لطلب الحديث إلى إرجاء العالم الإسلامي كالريّ، واسترآباد، وجرجان، ونيسابور، ومشهد الرضا (عليه السلام)، ومرو الروذ، وسرخس، وإيلاق، وسمرقند، وفرغانة، وبلخ من بلاد ماوراء النهر، وهمدان، وبغداد، والكوفة، وفيد، ومكة، والمدينة .
فقد أخذ في هذه البلاد الحديثَ عن مشايخها من غير فرق بين السنّي والشيعي، وقد بلغ عدد مشايخه إلى مائتين وستين شيخاً من أئمة الحديث، وإليك أسماء بعض مشايخه من محدّثي السنة الذين أخذ الحديث عنهم.
حدّثه بنيسابور أبو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد الضبي المرواني النيسابوري، وقد روى عنه في علل الشرائع .(1)

1 . علل الشرائع: 56.

28
كما حدّثه بإيلاق، بكر بن علي بن محمد بن فضل الحنفي الشاشي (1) الحاكم.(2)
كما أخذ عنه الحديث جماعة من السنّة منهم: محمد بن طلحة النعالي البغدادي من شيوخ الخطيب البغدادي، وأبو بكر محمد بن علي بن أحمد، وآخرون.(3)
محمد بن محمد بن النعمان البغدادي المفيد

1 . الشاش مدينة في ماوراء النهر ثم ماوراء نهر سيحون .
2 . إكمال الدين: 170 .
3 . موسوعة طبقات الفقهاء: 4 / 434 .

29
 

3

محمد بن محمد بن النعمان البغدادي المفيد

(336 ـ 413 هـ)
وهو التلميذ العبقري للشيخ الصدوق (قدس سره) وبدراسة حياته تتجلّى لنا مكانته السامية في أوساط الأُمّة، وقدرته الفائقة على اجتذاب القلوب، فقد كان يرتاد مجلسه العلماء وطلاّب المعرفة من كافة الطوائف الّتي احتشدت عند موته باكية، نادبة عالمها الفذ، ذا القلب الكبير، والإيمان الراسخ، والعطاء الثرّ.
وإليك كلمات بعض المؤرخين الّتي تصف جلالته وسمو شخصيته، والتفاف الناس حوله:
كان له مجلس بداره بدرب رباح يحضره خلق كثير من العلماء من سائر الطوائف (1) .
وقال الذهبي نقلاً عن تاريخ ابن أبي طيّ: كان قوي

1 . المنتظم: 15 / 157 ; البداية والنهاية: 12 / 17 .

30
النفس، كثير البرّ، عظيم الخشوع عند الصلاة والصوم .(1)
كما نقل عنه ابن حجر في لسان الميزان: ما كان ينام من الليل إلاّ هجعة، ثم يقوم يصلّي أو يطالع أو يدرس أو يتلو القرآن.(2)
وقال ابن كثير: شيخ الإمامية والمصنّف لهم والمحامي عن حوزتهم، وكان يحضر مجلسه خلق كثر من العلماء وسائر الطوائف .(3)
توفّي ببغداد سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وكان يوم وفاته يوماً مشهوداً. وصلى عليه الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين بميدان الاشْنان، وضاق على الناس مع كبره (4).
السيد الشريف المرتضى الموسوي علم الهدى
وكان يوم وفاته يوماً لم يُر أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه، وكثرة البكاء من المخالف والمؤالف .(5)

1 . سير أعلام النبلاء: 17 / 344 .
2 . لسان الميزان: 5 / 368 .
3 . البداية والنهاية: 11 / 15 .
4 . رجال النجاشي: 403، برقم 1067.
5 . الفهرست للشيخ الطوسي: 685 .

31
 

4

السيد الشريف المرتضى الموسوي

علم الهدى

(355 ـ 436 هـ)
إمام الأدب والتفسير والفقه والأُصول، نقيب الطالبيين.
وصفه ابن بسّام الأندلسي في أواخر كتاب الذخيرة بقوله: كان هذا الشريف إمام أئمة العراق بين الاختلاف والاتّفاق، إليه فزع علماؤها، وعنه أخذ عظماؤها، صاحب مدارسها، وجَمّاع شاردها وآنسها، ممّن سارت أخباره وعرفت له أشعاره، وحمدت في ذات الله مآثره وآثاره، إلى تواليفه في الدين وتصانيفه في أحكام المسلمين ممّا يشهد أنّه فرع تلك الأُصول ومن أهل ذلك البيت الجليل (1).

1 . وفيات الأعيان: 3 / 313، برقم 443 نقلاً عن ابن بسّام.

32
ويقول ابن خلكان في وصف كتابه الأمالي: وله الكتاب الّذي سماه «الغرر والدرر» وهي مجالس أملاها تشتمل عن فنون من معالي الأدب تكلم فيها على النحو والفقه وغير ذلك، وهو كتاب ممتع يدلّ على فضل كثير وتوسّع في الاطّلاع والعلوم.(1)

1 . المصدر نفسه.

33
 

5

شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي

(385 ـ 460 هـ)
أخذ عن مشايخ الشيعة كالمفيد والمرتضى، وفي الوقت نفسه أخذ عن غيرهم كأبي علي بن شاذان وأبي منصور السكري .(1)
يقول الذهبي: كان الشيخ الطوسي مقيماً ببغداد وكانت داره منتجعاً لروّاد العلم، وبلغ الأمر من الإكبار له أن جعل له القائم بأمر الله كرسي الكلام والإفادة (2) .
ويقول الشيخ محمد أبو زهرة المصري أحد كبار علماء السنة: كان شيخ الطائفة في عصره غير منازع، وكتبه موسوعات فقهية، وعلمية، وكان مع علمه بفقه الإمامية، وكونه أكبر رواته،

1 . مقدمة «التبيان»: 52 ـ 53، عند عدّ مشايخه، برقم 7 ـ 8 .
2 . سير أعلام النبلاء: 18 / 334، برقم 155 .

34
عالماً بفقه السنّة، وله في هذا دراسات مقارنة، وكان عالماً في الأُصول على المنهاجين الإمامي والسنّي.(1)

1 . موسوعة طبقات الفقهاء: 5 / 281 .

35
 

6

فقيه الطائفة محمد بن إدريس الحلي

(حدود 543 ـ 598 هـ)
الفقيه الإمامي، مصنف كتاب السرائر. كان متبحّراً في الفقه، محققاً، ناقداً، متّقد الذهن، ذا باع طويل في الاستدلال الفقهي والبحث الأُصولي، باعثاً لحركة التجديد فيها. وكان يقول: لا أُقلّد إلاّ الدليل الواضح، والبرهان اللائح .(1)
ذكر في كتابه (السرائر) صلته بفقهاء أهل عصره من الشافعية. قال: وقد كتب إليّ بعض فقهاء الشافعية، وكان بيني وبينه مؤانسة ومكاتبة: هل يقع الطلاق الثلاث عندكم؟ وما القول في ذلك عند فقهاء أهل البيت(عليهم السلام)؟ فأجبته: أمّا مذهب أهل البيت(عليهم السلام) فإنّهم يرون أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس واحد وحالة واحدة دون تخلل المراجعة لا يقع منه إلاّ واحدة.(2)

1 . السرائر: 1 / 51 . 2 . السرائر: 2 / 678 ـ 679.

36
 

7

المؤرّخ الكبير عبد الكريم بن محمد

الرافعي القزويني

من أعلام القرن السادس الهجري

أخذ الحديث من شيخ الشيعة علي بن عبيد الله المعروف بمنتجب الدين صاحب الفهرست المعروف (المتوفى سنة 600 هـ )، وقال في حقّه: علي بن عبيد الله بن حسن بن حسين بن بابويه، الرازي، شيخ ريّان من علم الحديث، سماعاً وضبطاً وحفظاً وجمعاً، يكتب ما يجد ويسمع ممّن يجد، ويقلّ من يدانيه في هذه الأعصار في كثرة الجمع والسماع والشيوخ الذين سمع منهم وأجازوا له، وذلك على قلّة رحلته وسفره. ثم ذكر مشايخه على التفصيل، إلى أن قال: لم يزل كان يترقب بالري ويسمع من دبّ ودرج، ودخل وخرج وجمع الجموع وكان يسوّد تاريخاً كبيراً للري فلم يُقض له نقله إلى البياض،

37
وأظن أن مسوّدته قد ضاعت بموته، ومن مجموعه كتاب الأربعين الّذي نبأه (1) على حديث سلمان الفارسي (رضي الله عنه) ، المترجم لأربعين حديثاً وقد قرأته عليه بالريّ سنة أربع وثمانين وخمسمائة .(2)
ويظهر أيضاً أنّه قرأ عليه في سنة أُخرى أيضاً يقول: وقد قرأت عليه في شوّال سنة خمس وثمانين وخمسمائة .(3)

1 . ويحتمل أنّه «بناه».
2 . التدوين في أخبار قزوين : 3 / 372 و 374 ـ 375 .
3 . نفس المصدر: 3 / 377 .

38

8

الفيلسوف نصير الدين محمد بن

محمد بن الحسن الطوسي

(597 ـ 672 هـ)
أُسوة الحكماء والمتكلّمين، المحقّق المعروف بالخواجة نصير الدين، صاحب التصانيف.
وصفه الصفدي بقوله: كان رأساً في علم الأوائل لا سيّما في الإرصاد والمجسطي، ويقول بروكلمان الألماني: هو أشهر علماء القرن السابع وأشهر مؤلفيه إطلاقاً أخذ عن علماء السنة ككمال الدين بن موسى بن يونس بن محمد الموصلي الشافعي (المتوفّى 639 هـ) .
كما أخذ عنه العديد من كبار السنة كقطب الدين محمد بن مسعود الشيرازي، وشهاب الدين أبو بكر الكازروني، وأبو الحسن علي بن عمر القزويني الكاتبي .(1)

1 . موسوعة طبقات الفقهاء: 7 / 244.

39
وقد ألف كتاباً أسماه بـ « تجريد الاعتقاد» وقد طار صيت هذا الكتاب واشتهر في الأوساط العلمية، وشرحه غير واحد من السنّة، كشمس الدين محمد الاسفرائيني البيهقي، وشمس الدين محمود بن عبد الرحمن بن أحمد الاصفهاني (المتوفّى 984 هـ)، وعلاء الدين علي بن محمد المعروف بالفاضل القوشجي (المتوفّى 879 هـ) الّذي وصف الكتاب المذكور بقوله: تصنيف مخزون بالعجائب، وتأليف مشحون بالغرائب، فهو وإن كان صغير الحجم، وجيز النظم، لكنّه كثير العلم، عظيم الاسم، جليل البيان. رفيع المكان، حسن النظام، مقبول الأئمة العظام، لم يظفر بمثله علماء الأعصار، ولم يأت بمثله الفضلاء في القرون والأدوار، مشتمل على إشارات إلى مطالب هي الأُمّهات، مشحون بتنبيهات على مباحث هي المهمات، مملوء بجواهر كلّها كالفصوص، ومحتو على كلمات يجري أكثرها مجرى النصوص، متضمن لبيانات معجزة في عبارات موجزة.(1)

1. شرح التجريد لعلاء الدين القوشجي: 1 ـ 2 ; بغية الوعاة: 1 / 567، برقم 1188.

40

9

العلاّمة شيخ الإسلام الحسن بن

يوسف الحلّي

(648 ـ 726 هـ)
المجتهد الإمامي الكبير، المعروف بالعلاّمة الحلّي وبآية الله وبابن المطهر .
أخذ الفقه عن والده الفقيه المتكلّم سديد الدين، وعن خاله المحقّق الحلّي، لازم الفيلسوف نصير الدين الطوسي مدة، واشتغل عليه في العلوم العقلية ومهر فيها.
أخذ عن جماعة من علماء السنة، منهم: نجم الدين عمر بن علي الكاتبي القزويني الشافعي المنطقي، ومحمد بن محمد بن أحمد الكشي الفقيه المتكلم، وجمال الدين الحسين بن أبان النحوي، وعز الدين الفاروقي الواسطي، وتقي الدين عبدالله بن جعفر بن علي الصباغ الحنفي الكوفي.

41
له مؤلفات كثيرة في مختلف العلوم الإسلامية، (1) كما تصدّى إلى شرح مختصر ابن الحاجب في أُصول الفقه .
وابن الحاجب هو: جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عمر (570 ـ 646 هـ) الأُصولي الطائر الصيت من كبار العلماء في الأدب والفقه والأُصول حيث ألّف «الشافية» في الصرف و «الكافية» في النحو وقد شرحهما إمام الأدب والعربية في عصره رضي الدين الاسترآبادي (المتوفّى 686 هـ) يصفه السيوطي بقوله: الرضي الإمام المشهور صاحب شرح الكافية لابن الحاجب، الّذي لم يؤلّف عليها ـ بل ولا في غالب كتب النحو ـ مثلها، جمعاً وتحقيقاً، وحسنَ تعليل. وقد أكبّ الناس عليه، وتداولوه واعتمده شيوخ هذا العَصْر فمَن قَبْلهم، في مصنّفاتهم ودروسهم، وله فيه أبحاث كثيرة مع النحاة، واختيارات جَمّة، ومذاهب ينفرد بها; ولقبه نجم الأئمة، ولم أقف على اسمه ولا على شيء من ترجمته; إلاّ أنّه فرغ من تأليف هذا الشرح سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
وقد ألف كتاباً في أُصول الفقه أسماه «منتهى السؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل» وهو مطبوع ـ ثم اختصره

1 . للاطلاع على أسمائها راجع موسوعة طبقات الفقهاء: 8 / 80 .

42
وسمّاه «مختصر السؤل والأمل» وهو أيضاً مطبوع ويعرف بمختصر ابن الحاجب، وكان مداراً للتدريس لقرون وقد اعتنى العلماء بشرحه، فقد ذكر محقّق كتاب «رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب» شرّاح المختصر فأنهى عددهم إلى خمسة وأربعين .(1)
وذكر ابن حجر شرح العلاّمة الحلّي لهذا المختصر ، وقال: وشرحه على مختصر ابن الحاجب في غاية الحسن في حل ألفاظه وتقريب معانيه .(2)
ترى أنّ الإمامين من الشيعة اللّذين لا يشق غبارهما كالرضي والعلاّمة الحلّي يقومان بشرح كتب ابن الحاجب في الصرف والنحو وأُصول الفقه، فمرحباً بهذه الزمالة والتعايش العلميّ دون أن تكون فكرة الطائفية حجاباً.
محمد بن مكي العاملي المشهور بالشهيد

1 . رفع الحاجب: 1 / 191 ـ 224 .
2 . الدرر الكامنة: 2 / 71 .

43

10

محمد بن مكي العاملي المشهور

بالشهيد

(734 ـ 786 هـ)
مؤلف: اللمعة الدمشقية، الدروس الشرعية في فقه الإمامية، ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، القواعد والفوائد، وجامع البين من فوائد الشرحين، وغيرها.
ولد في جزّين من قرى جبل عامل بلبنان، وقتل شهيداً في دمشق ثم صلب وأُحرق، وذلك في عهد السلطان برقوق ونائبه بالشام بيدمر.
كفى في حقّه ثناء مشايخه عليه ـ ومنهم فخر المحقّقين ـ الّذي وصفه في إجازته بقول: شمس الحق والدين محمد بن مكي بن محمد بن حامد (1) .

1 . مجموعة الجباعي، الورقة 146 ب (مخطوط) كما في موسوعة الشهيد الأوّل، المدخل ص 30.

44
كما وصفه شيخه شمس الأئمة الكرماني من أهل السنّة بقوله: شمس الملّة والدين محمد بن الشيخ العالم جمال الدين مكي بن شمس الدين محمد الدمشقي .(1)
ولا نطيل الكلام بذكر ما قاله أساتذته في حقّه، وإنّما نريد أن نركز على علاقاته الوثيقة مع علماء أهل السنة، حيث قرأ عليهم واستجاز منهم وهذا ما نلحظه في كلامه في إجازته لابن الخازن حيث قال ـ بعد ذكر مشايخه الشيعة ـ ما هذا لفظه: وأمّا مصنّفات العامّة ومرويّاتهم فإنّي أروي عن نحو من أربعين شيخاً من علمائهم بمكة والمدينة ودار السلام (بغداد) ومصر ودمشق وبيت المقدس ومقام الخليل إبراهيم (عليه السلام)، فرويت صحيح البخاري عن جماعة كثيرة بسندهم إلى البخاري، وكذا صحيح مسلم ومسند أبي داود وجامع الترمذي ومسند أحمد وموطأ مالك ومسند الدارقطني ومسند ابن ماجة والمستدرك على الصحيحين للحاكم أبي عبدالله النيسابوري إلى غير ذلك ممّا لو ذكرته لطال الخطب.
وقرأت الشاطبية على جماعة منهم قاضي قضاة مصر

1 . بحار الأنوار: 107 / 183 .

45
برهان الدين إبراهيم بن جماعة، عن جدّه بدر الدين، عن ابن قاري مصحف المذهب (1)، عن الشاطبي الناظم .
ومنهم الشيخ شمس الدين محمد بن عبدالله البغدادي فإنّه رواها لي عن ابن الجرائدي عن الشيخ كمال الدين العباسيّ، عن الناظم.
ثم قال: ورويت كتاب الكشّاف لجار الله العلاّمة أبي القاسم محمود الزمخشري عن جماعة كثيرة، منهم: قاضي قضاة مصر عز الدين عبدالعزيز بن جماعة عن ابن عساكر الدمشقي عن أبيه المؤيد عن الزمخشري.(2)
ويذكر العلاّمة الفقيه الشيخ حسن صاحب المعالم ابن الشيخ الشهيد الثاني في إجازته الكبيرة للسيد نجم الدين بن السيد محمد الحسيني، ما هذا لفظه : ووجدت بخطه (يعني الشهيد الأوّل) ما صورته: قال العبد الفقير إلى الله محمد بن مكي ـ أعانه الله على طاعته ـ أنّه (3) قد أجاز لي في يوم السبت الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة أربع وخمسين وسبعمائة

1 . كذا في المصدر.
2 . بحار الأنوار: 107 / 190 ـ 191، ضمن إجازة الشهيد لابن الخازن .
3 . الضمير يرجع إلى عز الدين قاضي القضاة بمصر، كما سيأتي ذكره.

46
بالطيبة مدينة الرسول على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، إجازة عامّة بجميع معقوله ومنقوله تلفّظ بها مولانا الأعظم قاضي قضاة الديار المصرية عز الدين عبدالعزيز بن قاضي القضاة بمصر بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة بن حازم بن صخر الكناني الشافعي وهو يروي عن جماعة كثيرة .(1)
وقال أيضاً : ورأيت أنا بخط الشهيد على ظهر نسخة للشاطبية إجازة لولديه محمّد وعلي ذكر فيها أنّه رواها لهما عن عدَّة من المشايخ قراءة وإجازة:
منهم الشيخ شمس الدين أبو عبدالله محمد بن عبدالله البغدادي، عن ابن الجرائدي قراءة عليه في مجلس واحد عن الشيخ كمال الدين العباسي، عن الناظم.
ومنهم الشيخ القارئ غرس الدين خليل الناقوسي المصدر ببيت المقدس شرّفه الله قراءة عليه بحق روايته عن الشيخ تقي الدين محمد بن الصائغ، عن الشيخ كمال الدين، عن الناظم.

1 . بحار الأنوار: 109 / 70 .

47
ومنهم قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة بحق قرائتي عليه ببيت المقدس عن جدّه بدر الدين، عن ابن قارئ مصحف الذهب، عن الناظم.(1)
ومن تتبع الإجازات الّتي جمعها العلاّمة المجلسي في الأجزاء الأخيرة للبحار لوجد أنّ للشيخ الشهيد السعيد أواصر وثيقة مع مشايخ عصره وقد تحمّل عناء السفر إلى بلاد كثيرة، وقد عرفت أنّه سافر إلى بيت المقدس والعراق .
وفي موسوعة طبقات الفقهاء، صورة إجمالية لمشايخه من أهل السنّة نذكرها بلفظها: وجاب عدة بلدان مثل مكة والمدينة وبغداد ودمشق وفلسطين، وأخذ بها عن نحو أربعين شيخاً من علماء السنّة، وروى عنهم صحاحهم وكثيراً من مصنفاتهم، ومن هؤلاء: شمس الدين محمد بن يوسف القرشي الكرماني البغدادي الشافعي، وشهاب الدين أبو العباس أحمد بن الحسن الحنفي النحوي، وشرف الدين محمد بن بكتاش التستري البغدادي الشافعي، وقاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن جماعة الدمشقي

1 . بحار الأنوار: 109 / 55 .

48
المصري، وشمس الدين محمد بن عبد اللّه البغدادي الحنبلي القارئ الحافظ، والقاضي إبراهيم بن عبد الرحيم بن جماعة الشافعي، وشمس الدين أبو عبد الرحمان محمد بن عبد الرحمان البغدادي المالكي، وعبد الصمد بن إبراهيم بن الخليل شيخ دار الحديث ببغداد.(1)
وذكر الشهيد نفسه أنّه استجاز من الشيخ سراج الدين الدمنهوري عند تواجدهما في مكة المكّرمة، وجاء ذلك في إجازته للشيخ ابن نجدة سنة 770 هـ طريقة للجامع الصحيح للبخاري، ونقل بهذا الطريق عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «من يقل عليّ ما لم أقله فليتبوّأ مقعده من النار».
ثم قال: وهذا الحديث من الثلاثيات وسمعتها تقرأ على الشيخ الإمام المحدّث سراج الدين الدمنهوري تجاه الكعبة المشرّفة، وأجاز لي رواياتها ورواية جميع الكتاب عن مشايخه إلى البخاري .(2)

1 . موسوعة طبقات الفقهاء: 8 / 232 .
2 . التراث المكي للشيخ حسين الواثقي: 61 .

49

11

مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي

(729 ـ 816 هـ)
من أعاظم علماء اللغة، صاحب التآليف الكثيرة، وكتابه «القاموس المحيط» المعروف بقاموس اللغة، هو المرجع للأدباء واللغويين والفقهاء والمفسّرين، وهو أحد المصادر الهامّة للمعاجم المتأخّرة عنه.
وقد تلمّذ على أعلام عصره، منهم: فخر المحقّقين (682 ـ 771 هـ)، محمد بن الحسن بن يوسف الحلي، نجل العلاّمة الحلّي، الّذي شرح قواعد والده وأسماه «إيضاح الفوائد في شرح القواعد» والّذي نال درجة الاجتهاد قبل أن يبلغ، وقد ألف العلاّمة الحلّي قسماً من كتبه باستدعائه وباسمه.
يقول الفيروزآبادي في إجازته لبعض تلاميذه ما هذا لفظه: وبعد، فيقول الفقير ـ رحمة الله تعالى عليه ـ أبو طاهر

50
محمد بن يعقوب بن محمد الفيروزآبادي الشيرازي ـ سدّد الله أفعاله وأقواله وهداه من الأُمور لما هو أيقن وأقوى له ـ : أجزت للمولى الإمام، الحبر الهمام، البحر الهلقام، زبدة فضلاء الأيام، فخر علماء الأنام، عماد الملة والدين عوض الفلك الآبادي الشهير بابن الحلواني، سقاه الله تعالى من الكلم الغرّ عِذاب نطافها كما رزقه من أثمار العلوم لطاف أقطافها، أن يروي عنّي هذا الكتاب المسمّى بـ (التكملة والذيل والصلة لكتاب تاج اللغة وصحاح العربية) بحق روايتي عن شيخي ومولاي، علامة الدنيا بحر العلوم وطود العُلى فخر الدين أبي طالب محمد بن الشيخ الإمام الأعظم برهان علماء الأُمم، جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر، بحق روايته عن والده بحق روايته عن مؤلفه الإمام الحجّة برهان الأدب ترجمان العرب ولي الله الوالي رضي الدين أبي الفضائل الحسن بن محمد الصغائي رضي الله عنه وأرضاه وقدّس مهجعه ومثواه... إلى أن قال: وكتبت هذه الأحرف في شهر ربيع الأوّل عمّت محاسنه سنة سبع وخمسين وسبعمائة.(1)

1 . الجاسوس على القاموس، لأحمد فارس أفندي: 129 ـ 130 .

51

12

زين الدين بن نور الدين الشهيد الثاني

(911 ـ 966 هـ)
ولد في جبع بلبنان، وقُتل (رحمه الله) شهيداً بفتوى قاضي صيدا.
ألف كتباً ورسائل كثيرة، وقد تفرّد بالتأليف في مواضيع لم يطرقها غيره أو طرقها ولم يستوف الكلام فيها.
وقد عدّ له السيد الأمين العاملي تسعاً وسبعين مؤلفاً نذكر منها; مسالك الأفهام إلى شرائع الإسلام، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، تمهيد القواعد الأُصولية والعربية، البداية في علم الدراية، والروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية الّذي عكف العلماء على شرحه والتعليق عليه وتدريسه من حين تأليفه إلى هذا الوقت .
أمره في العلم والفضل والزهد والعبادة معروف مشهور، يقول المحدث الحرّ العاملي:

52
أمره في الثقة والعلم والفضل والزهد والعبادة والورع والتحقيق والتبحّر وجلالة القدر وعظم الشأن وجمع الفضائل والكرامات، أشهر من أن يذكر، ومحاسنه وأوصافه الحميدة أكثر من أن تحصى وتحصر، ومصنّفاته كثيرة مشهورة... وكان فقيهاً محدّثاً نحوياً قارئاً متكلّماً حكيماً جامعاً لفنون العلم وهو أوّل من صنّف من الإمامية في دراية الحديث (1).
وقد ألّف (رحمه الله) رسالة موجزة في تاريخ حياته وما تصرف الزمان في عمره، كما ألّف تلميذه ابن العودي رسالة مفصّلة في حياته، وقد صاحبه فترة طويلة من الزمان، ولكنّا نركز على الرسالة الّتي ألفها هو بقلمه ونقتبس الموارد الّتي تمسّ بموضوعنا، فقد جال البلاد لأخذ العلم والفضل والاتصال بعلماء الإسلام، يقول: ورحلت إلى مصر في أوائل سنة 942 هـ لتحصيل ما أمكن من العلوم، واجتمعت في تلك السفرة بجماعة كثيرة من الأفاضل فأوّل اجتماعي بالشيخ شمس الدين ابن طولون الدمشقي الحنفي، وقرأت عليه جملة من الصحيحين، وأجازني روايتهما مع ما يجوز له روايته في شهر ربيع الأوّل من السنة المذكورة.

1 . أمل الآمل: 1 / 86 .

53
ثم قال: وكان وصولي إلى مصر يوم الجمعة منتصف شهر ربيع الآخر من السنة المتقدّمة، واشتغلت بها على جماعة.
منهم: الشيخ شهاب الدين أحمد الرملي الشافعي، قرأت عليه منهاج النووي في الفقه، وأكثر مختصر الأُصول لابن الحاجب، وشرح العضدي مع مطالعة حواشيه; منها: السعديّة والشريفيّة.
وسمعت عليه كتباً كثيرةً في الفنون العربيّة والعقليّة وغيرهما:
فمنها: شرح التلخيص المختصر في المعاني والبيان لملاّ سعد الدين.
ومنها: شرح تصريف العزّي.
ومنها: شرح الشيخ المذكور لـ : ورقات إمام الحرمين الجويني في أُصول الفقه.
ومنها: أذكار النووي، وبعض شرح جمع الجوامع المحلّى في أُصول الفقه، وتوضيح ابن هشام في النحو، وغير ذلك ممّا يطول ذكره.
وأجازني إجازة عامّةً بما يجوز له روايته سنة 943 هـ .

54
ومنهم: الملاّ حسين الجرجاني، قرأنا عليه جملة من شرح التجريد للملاّ علي القوشجي مع حاشية ملاّ جلال الدين الدواني، وشرح أشكال التأسيس في الهندسة لقاضي زادة الرومي، وشرح الجغميني في الهيئة له.
ومنهم: الملاّ محمّد الأسترآبادي، قرأنا عليه جملة من المطوّل مع حاشية السيّد الشريف، والجامي شرح الكافية.
ومنهم: الملاّ محمّد الكيلاني، سمعنا عليه جملة من المعاني والمنطق.
ومنهم: الشيخ شهاب الدين بن النجّار الحنبلي، قرأت عليه جميع شرح الشافية للجاربردي، وجميع شرح الخزرجيّة في العروض والقوافي للشيخ زكريّا الأنصاري، وسمعت عليه كتباً كثيرة في الفنون والحديث، منها الصحيحان، وأجازني جميع ما قرأت وسمعت وما يجوز له روايته في السنة المذكورة.
ومنهم: الشيخ أبو الحسن البكري، سمعت عليه جملة من الكتب في الفقه والتفسير، وبعض شرحه على المنهاج .(1)

1 . الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي في المصادر العربية: 27 ـ 28 .

55
وقد تطورت علاقته بعلماء أهل السنة إلى درجة كبيرة حيث إنّه لما دخل استنبول سنة 952 هـ ، وأقام بها ثلاثة أشهر ونصفاً بُعث مدرساً للمدرسة النورية ببعلبك .(1)
ومن قرأ إجازة ولده الشيخ حسن صاحب المعالم (الكبيرة) يجد فيها أُموراً كثيرة تدل على أنّ شيخنا الشهيد كانت له صلة بمشايخه السنة إفادة واستفادة، إضاءة واستضاءةً، وهذا إنّما يدلّ على أنّ الإسلام فوق المذاهب فحفظ الأُصول منية كل لبيب، ثم دراسة الفروع في جو هادئ على ضوء الكتاب والسنّة ضالة كل فقيه يريد الحق، وليس لنا أن نجعل الاختلاف في الفروع ذريعة لنسيان الأُصول الّتي تجمعنا تحت خيمة واحدة. ويشن بعضنا على بعض الغارة، وقوارع التكفير والتفسيق الّتي نهى عنها رسول الإسلام وأئمته، ومشايخ الدين في كلّ عصر .

1 . لاحظ موسوعة طبقات الفقهاء: 10 / 105 .

56

13

السيد محمود شكري الآلوسي البغدادي

(المتوفّى 1342 هـ)
من أكابر علماء زمانه، ومن أشهر مؤلفاته (بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب)، وقد كانت بينه وبين العلاّمة الحجة الشيخ أبي عبدالله الزنجاني مؤلف كتاب «تاريخ القرآن» وغيره، علائق وطيدة، وزيارات متبادلة، ومراسلات متواصلة.
وقد كتب العلاّمة الزنجاني إلى عالم بغداد رسالة يسأله فيها عن كتاب النبات، والرسالة ليست بأيدينا ولكن قد وافاه الجواب من الآلوسي، والّذي سنورده فيما يلي، ليتعرف القارئ على مدى العلاقة الطيبة بين العلمين من خلال عبارات الود والاحترام.
وقد نشر العلاّمة الزنجاني محاضراته في تاريخ القرآن وقد قرظه أحمد أمين المصري وقدّر جهوده في هذا المصنّف، كما أنّ السيد محمود الآلوسي قد ثمّن هذا الكتاب، الّذي أصبح

57
يُعدّ من الكتب الّتي ردّت على ما جاء في كتاب «فصل الخطاب».
وإليك رسالة الآلوسي وهي موجودة في مكتبة العلاّمة الزنجاني، وقد أرسل مصورتها إلينا نجله دام مجده .
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى فخر العلماء وعمدة الفضلاء حضرة الشيخ أبي عبدالله الزنجاني أمدّه الله بفيض لطفه الربّاني
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أمّا بعد: فقد شرفنا كتابكم وسرّنا خطابكم وحمدنا الله على بشرى سلامتكم، وكمال صحّتكم، لا زلتم كذلك على الدوام موفوري الآلاء والأنعام، وقد أبهجني ما أخبرتم عنه من فحصكم عن كتاب «النبات» ووعدكم بتبشيرنا بالعثور عليه، حقق الله تعالى ذلك بمساعيكم المشكورة وهممكم المذكورة، وقد سرّني أيضاً ما تفضّلتم به من أسماء نوادر الكتب والمصنفات السلفية الّتي هي من تحف الزمان ونوادره وفي الحقيقة إنّه لا غناء لطلاب العلم عن جميعها، غير أنّها ممّا لا يلقاها إلاّ ذو حظ عظيم ونحن نكتفي منها إذا أمكن استكتاب

58
مقاييس اللغة فقط بواسطة كاتب مجيد على شرط أن نقدم ما يصرف عليه من الأُجرة، وإن كان في ذلك كلفة على ذلك الجناب، وإتعاب لفكركم.
وأمّا ما أخبرتم به أنّكم بذلتم السعي لإلقاء محاضرات في شؤون القرآن العظيم وإنكار التحريف فجزاكم الله عن ذلك خير الجزاء وأمدكم بالتوفيقات الإلهية عسى الله أن يغلق بجهادكم هذا الباب الّذي فتحه الشيخ حسين النوري بكتابه «فصل الخطاب» (1) فإنّ كتابه أضحى مدار مطاعن أعداء الإسلام من الپروتستان وغيرهم فإنّ جمعيتهم الّتي في مصر نشرت كتاباً في المطاعن مستندة إلى كتابه، وسمعت أن بعض أفاضل النجف رد عليه أيضاً، وكتاب الجمعية المصرية(2) قد ردّ عليه بعض أفاضل مصر بكتاب سماه «تنزيه القرآن الشريف عن التغيير والتحريف» وقد عثرت على نسخة منه وها هي

1 . نشير إلى أنّ جلّ علماء الشيعة الإمامية عن بكرة أبيهم اقتداءً بأئمة أهل البيت(عليهم السلام)ينفون وقوع التحريف في القرآن الكريم، وما ورد في «فصل الخطاب» وغيره إمّا روايات ضعاف، رفضها أئمة الحديث، أو وردت لغاية التفسير لا أنّها جزء من الآية. ومثل هذه الروايات موجودة أيضاً في كتب الفريقين. ونحن ننّزه الفريقين من القول به .
2 . وهي جمعية مسيحية.

59
مقدمة إليكم بصحبة الكتاب مع الفائدة السادسة من الفوائد الّتي في مقدمة تفسير روح المعاني، ورأيت المجلد الثاني من كتاب تاريخ أدب العرب لأبي السامي مصطفى صادق الرافعي مشتملاً على شؤون القرآن من أوّله إلى آخره، والكتاب مطبوع في مصر يمكنكم أن تستجلبوا منه نسخة، فإنّ نسخه الّتي وردت إلى بغداد نفدت، ولو كنت عثرت على نسخة منه لاشتريتها وقدمتها إليكم، وهو ممّا يلزم إحضاره بين يديكم.
ثم أيها الفاضل: إنّ الله سبحانه وتعالى أمرنا عند الاختلاف أن نراجع الكتاب والسنّة، فقد قال سبحانه: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً )(1) .
فلمّا وقع الخلاف في هذه المسألة راجعنا كتاب الله فوجدناه قد قال في أوائل سورة الحجر: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(2) وقال في آخر (حاميم) السجدة: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَ إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد )(2) .

1 . النساء: 59 . 2 . الحجر: 9 .
2 . فصلت: 41 ـ 42 .

60
فكيف يعتريه التحريف والتغيير ويتطرقه التبديل وهو أعظم باطل؟ والمفسرون قد أشبعوا الكلام في تفسير هاتين الآيتين، وراجعنا الحديث الصحيح فرأينا البخاري يروي بسنده عن محمد بن الحنفية وابن عباس: أنّ القرآن الّذي جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)هو ما بين الدفتين لم ينقص منه شيء ولم يزد عليه شيء، ومثل هذين الحبرين هما من أكابر أهل البيت فالاعتماد على قولهما يتبين به حقيقة الحال ويبطل به رواية ما خالف ذلك، على أنّ القرآن العظيم هو شريعة ومعجزة، وقد تعهد الله سبحانه بدوام الشريعة الغراء وبقاء المعجزة الواضحة البيضاء فنقص شيء منه يستوجب الإخلال بالشريعة والمعجزة .
ولاشك أنّ الشيخ أيده الله بتوفيقه ممّن سيلقم الخصم بالحجر ويبسط من الدلائل والحجج الغرر ما فيه كفاية لمن تبصر واعتبر، وأختم الكلام بتقديم وافر الاحترام .
وعليكم منّا التحية والسلام
محمود شكري الآلوسي
6 جمادى الآخرة 1341 هـ

61

14

السيد عبدالحسين شرف الدين العاملي

(1290 ـ 1377 هـ)
عالم جليل وكاتب قدير، ولد في الكاظمية ببغداد، ثم رجع مع أبيه إلى جنوب لبنان سنة 1298 هـ ، وأقبل والده على تعليمه فأخذ عنه علوم العربية والمنطق ثم عاد إلى العراق عام 1310 هـ فحضر الأبحاث العالية على أعلام النجف كالمحقّق الخراساني والمحقّق الاصفهاني.
وعاد ثانياً إلى لبنان عام 1322 هـ وأكبّ على المطالعة والدراسة وزار مصر سنة 1329 هـ ، زيارة علمية اجتمع خلالها بأعلامها المبرّزين، وكان يهدف في كلّ عمل قام به، أو سفر عزم عليه أو أثر حبّره يراعه، إلى تماسك المسلمين وتعاونهم وتمسّكهم بالكتاب والسنّة، فترى أنّه يؤلّف كتاباً باسم: «الفصول المهمة في تأليف الأُمّة» وهو من أجلّ الكتب الكلامية،

62
تناول فيه مسائل الخلاف بين الطائفتين على ضوء العقل والاستنتاج والتحليل، وقد ألفه في أيّام شبابه، وتم في عام 1327 هـ .
لمّا كان باب الحوار بين أعلام السنّة والشيعة غير مفتوح في الأعصار الأخيرة، لذا بادر السيد الراحل إلى فتحه من جديد عن طريق المكاتبة مع أحد أعلام أهل السنّة، أعني: الشيخ سليم البشري (1284 ـ 1335 هـ) شيخ الأزهر في عصره، وذلك بعدما هبط مصر أواخر عام 1329 هـ مؤملاً في ذلك تحقيق الأُمنية الّتي أمّلها، فوجد تربة مصر تربة خصبة بالعلم والذكاء، وقد جمع الحظ السعيد بينه وبين أحد أعلامها المبرزين المتميزين: «بعقل واسع، وخلق وادع، وفؤاد حيّ، وعلم عيلم، ومنزل رفيع» كما عبر (رحمه الله) في مقدّمة مراجعاته وهو يصف لقاءه معه بقوله: «شكوت إليه وجدي، وشكا إليّ مثل ذلك وجداً وضيقاً، وكانت ساعة موفقة أوحت إلينا التفكير فيما يجمع الله به الكلمة، ويلمّ به شعثَ الأُمّة، فكان ممّا اتفقنا عليه أنّ الطائفتين ـ الشيعة والسنّة ـ مسلمون يدينون حقاً بدين الإسلام الحنيف، فهم فيما جاء الرسول به سواء، ولا اختلاف بينهم في أصل أساسي يفسد التلبّس بالمبدأ الإسلامي الشريف...».

63
فترتّب على ذلك اللقاء الجميل مكاتبات ومراجعات بلغ عددها 65 مراجعة، أي أنّ السيد قد تلقّى خمساً وستين سؤالاً من شيخ الأزهر ليجيب عليها، وقد أجاب بعدد الأسئلة، فصار المجموع كتاباً علمياً تاريخياً حديثياً كلامياً كان له صدى واسع عندما طبع عام 1355 هـ .
يُشار إلى أنّ المتحاورين لم يخرجا عن أدب الإسلام وأدب المناظرة قيد شعرة، بل أنّهما تبادلا عبارات التقدير والاحترام، وهذا ما نلمسه في ثنايا كلامهما، فهذا شيخ الأزهر يبدأ مراجعته الأُولى بقوله: «سلام على الشريف العلاّمة الشيخ عبدالحسين الموسوي ورحمة الله وبركاته» ثمّ إنّه يكتب في ثنايا تلك المراجعة: وإنّي لواقف على ساحل بحرك اللجي، استأذنك في خوض عبابه والغوص على درره، فإن أذنت غصنا على دقائق وغوامض تحوك في صدري منذ أمد بعيد، وإلاّ فالأمر إليك، وما أنا فيما أرفعه بباحث عن عثرة، أو متبع عورة، ولا بمفند أو مندد، وإنّما أنا نشّاد ضالة، وبحّاث عن حقيقة، فإن تبيّن الحقّ فإنّ الحق أحق أن يتّبع، وإلاّ فأنا كما قال القائل:

64
نحن بما عندنا وأنت بما *** عندك راض والرأي مختلف
فبادله السيد (رحمه الله) الجواب الجميل وقال: «رميتني بآمالك ونزعت إليّ برجائك، وأنت قبلة الراجي، وعصمة اللاجي، وقد ركبت من سوريا إليك ظهور الآمال، وحططت بفنائك ما شددت من الرحال، منتجعاً علمك، مستمطراً فضلك، وسأنقلب عنك حي الرجاء، قوي الأمل، ـ ثم يقول له ـ : فسل عمّا أردت، وقل ما شئت، ولك الفضل، بقولك الفصل، وحكمك العدل» .(1)
هكذا كان العلمان في سماء الأدب، وهذا هو تقديرهما لحقوق كلا الطرفين.

1 . المراجعات: الأُولى والثانية.

65

15

السيد حسين البروجردي

(1292 ـ 1380 هـ)
كان فقيهاً متبحراً، أُصولياً، خبيراً بالحديث والرجال، من مشاهير علماء الإمامية وأكابر مراجع التقليد والإفتاء.
ولد في بروجرد، وانتقل إلى أصفهان سنة 1309 هـ ، ثم قصد النجف الأشرف سنة 1319 هـ ، فحضر أبحاث المحقّق الخراساني وشيخ الشريعة الاصفهاني .
عاد إلى بروجرد سنة 1328 هـ ، ثم توافدت عليه الوفود العلمية من مدينة قم ـ وهو مقيم بطهران للعلاج ـ داعية إياه للإقامة فيها لتنظيم شؤون الحوزة العلمية، فهبطها سنة 1364 هـ ، وتصدّى لتدريس الفقه والأُصول، كما قام بإلقاء دروس في علم الرجال .
وهو من دعاة التقريب وأركانه، وقد ورث فكرة التقريب

66
عن أُستاذه السيد محمد باقر الاصفهاني (المتوفّى عام 1342 هـ)، ويعلم مدى دعمه لمسألة التقريب أنّه قد كان للسيد مساهمة فعالة في تأسيس دار التقريب بين المذاهب، ودعم المعنيّين بتأسيسها من دون فرق بين السنّة والشيعة، وقد كان على صلة وثيقة بأخبار دار التقريب عن طريق مندوبه، أعني: الأمين العام لجماعة دار التقريب، الشيخ محمد تقي القمي، كلّ ذلك يدلّ على شدة اهتمامه بأمر التقريب ولمِّ شمل الأُمّة كسائر روّاده من معاصريه، نظير: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (المتوفّى 1373 هـ) والسيد عبدالحسين شرف الدين العاملي (المتوفّى 1377 هـ) وغيرهم من أقطاب التقريب.
ولم يقتصر نشاطه على متابعة أخبار دار التقريب فحسب، بل كان باب المكاتبة بينه وبين شيخ الأزهر مفتوحاً فقد أرسل إليه شيخ الأزهر: عبدالمجيد سليم رسالة يستفسر فيها عن صحّته بعدما سمع من المذياع أنّ صحّته قد تدهورت، وقد اغتنم السيد الفرصة وبعث بجواب إليه، وإليك نصّ رسالة شيخ الأزهر:

67
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة صاحب السماحة آية الله الحاج آقا حسين البروجردي
سلام الله عليكم ورحمته
أمّا بعد: فقد بلغنا ـ عن طريق المذياع ـ أنّ صحتكم الغالية قد ألمّ بها طارئ من المرض، فأسفنا لذلك أشدّ الأسف لما نعرفه فيكم من العلم والفضل والإخلاص للحق، وإنّا لنسأل الله جلّت قدرته أن يعجل بشفائكم، ويلبسكم لباس العافية، حتى تتمكّنوا من العود الحميد إلى نشاطكم المعهود في خدمة الإسلام والمسلمين.
ولقد شاءت إرادة الله أن أكون أنا أيضاً في هذه الفترة مريضاً معتكفاً في بيتي أحمل همّين ممضين: همّ نفسي وهمّ قومي، وأطيل التفكير حالياً في حال أُمّتنا العزيزة، فيأخذني من القلق والحزن ما الله به عليم، فأرجو أن تسألوا الله لي العافية كما أسأله لكم، والله يتولاّنا جميعاً برحمته.
إنّ الأُمّة الإسلامية الآن، أحوج ما تكون إلى رجال صادقي العزم، راجحي الوزن، يجاهدون في الله حقّ جهاده،

68
ليدرأوا عنها غوائل الفتن، ونوازل المحن، فقد تألّبت قوى الشر، وتجمّعت عناصر الفساد، وزلزل المؤمنون في كلّ قطر من أقطارهم زلزالاً شديداً، وكأن قد أتى الزمان الّذي أنبأ الصادق الأمين ـ صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ـ : أنّ القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، وإنّما مثل أهل العلم من المؤمنين الصادقين كأطواد راسية أو حصون منيعة ألقاها الله في الناس أن تميد بهم الأرض من فتنة أو جهالة، أو كنجوم ثاقبة في ليل داج، ترشد السارين، وتهدي الحائرين. فادع الله معي أن يحفظ هؤلاء ويكثر في الأُمّة منهم، وينشر عليهم رحمته، وينزل عليهم سكينته، ويؤيد بهم الحقّ والدين، ويهزم بهم المبطلين والملحدين والمفسدين، إنّه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
14 من شعبان سنة 1370 هـ (1)

1 . رسالة الإسلام: العدد الثالث من السنة الثالثة. وليست هذه الرسالة، الرسالة الوحيدة الّتي تم تبادلها بين شيخي السنّة والشيعة، بل ثمّة رسالة أُخرى كتبها الشيخ عبد المجيد سليم إلى السيد في جواب رسالة شفوية حملها إليه الأمين العام لدار التقريب، وقد نُشر الجواب على صفحات مجلة رسالة الإسلام العدد الثاني من السنة الرابعة عام 1371 هـ .

69
ولمّا وصلت رسالة شيخ الأزهر إلى السيد الراحل أجابه شاكراً عواطفه تجاهه، وقال:
حضرة صاحب الفضيلة الأكبر الشيخ عبدالمجيد سليم
شيخ الجامع الأزهر ـ دامت إفاضاته ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أمّا بعد ـ فقد بلغنا كتابكم الكريم الحاوي للعواطف الإسلامية السامية، يحكي لنا أنّه لمّا بلغكم عن طريق المذياع أنّ صحّة هذا العبد قد ألمّ بها طارئ من المرض، أسفتم لذلك، ودعوتم الله تعالى أن يعيد له الصحة.
فأشكركم على ذلك، وأسأل الله تعالى أن يبدّل التعارف والتعاطف بين المسلمين، ممّا كان بينهم من التناكر والتدابر والتقاطع، إنّه على ما يشاء قدير.
ويحكي كتابكم أيضاً، أنّه قد ألمّ بصحتكم الغالية طارئ من المرض، كما ألمّ بي، فاعتكفتم في البيت حاملين لهمين ممضين: همّ نفسكم، وهمّ قومكم، وأنّ إطالة التفكير في حالة الأُمّة، توجب لكم من القلق والحزن، ما الله به عليم.
هكذا ينبغي أن يكون رجال العلم ورجال الإسلام، مهما

70
حاقت بالمسلمين زلازل الفتن، وأحاطت بهم نوازل المحن، فأسأل الله عزّ سلطانه، أن يلبسكم لباس العافية، ويوفقكم لخدمة الإسلام والمسلمين، ولما يوجبه الاهتمام بأمر الأُمّة في مثل هذا الزمان، من أمثال جنابكم الذين وقفوا أنفسهم لخدمة هذه الأُمّة، ودرء عوادي المفسدين والملحدين عنها، إنّه قريب مجيب.
إنّ هنا أُموراً كنت أحب إبداءها لكم، لكن حالي لا تساعدني على ذلك .
والسلام عليكم وعلى من أحاط بكم من المؤمنين الصادقين ورحمة الله وبركاته
17 من رمضان سنة 1370 هـ .(1)
كان السيد يتحيّن الفرص بين الحين والآخر لدعم موقف التقريب، ومن نماذج ذلك:
إنّ الملك سعود بن عبدالعزيز زار إيران وأرسل بهدية سنية للسيد البروجردي، وقام السيد ببعث كتاب إلى سفير المملكة السعودية في طهران كإجابة لما أُهدي إليه، وقد أشار

1 . رسالة الإسلام: العدد الثالث من السنة الثالثة.

71
في ذلك الكتاب إلى أنّ مسألة الحجّ من أهم مظاهر الوحدة، فللمسلمين أن يؤدّوا مناسك الحج وفق الحديث الّذي رواه مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه، عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وقد دعا الله عز شأنه في ختام الرسالة أن يؤلِّف بين قلوب المسلمين، ويجعلهم يداً واحدة على من سواهم.

72

16

الشيخ محمود شلتوت

(1310 ـ 1383 هـ)
أحد شيوخ الأزهر، كان فقيهاً مفسّراً عالماً كبيراً من رجال الإصلاح ودعاة التقريب، تخرج بالجامع الأزهر، ومن أساتذته فيه: عبد المجيد سليم شيخ الأزهر، والسيد عبدالمجيد بن إبراهيم الحسني اللّبان.
وتنقّل في التدريس إلى أن نُقل بالقسم العالي في القاهرة، ونادى بإصلاح الأزهر .
وكان بصيراً بالأحكام الشرعية الملائمة لمقتضيات العصر، واسع الأفق، حرّاً في تفكيره، من الدعاة إلى فتح باب الاجتهاد، وإلى الانفتاح على سائر المذاهب الإسلامية .
تبنّى مع نخبة من علماء السنة والشيعة فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية، والعمل على جمع الكلمة، ونبذ النزاع

73
الطائفي والتشاحن المذهبي، وقد تمخّض عن ذلك إنشاء جماعة التقريب، وتأسيس مقرّ لها في القاهرة باسم دار التقريب، وإصدار مجلة «رسالة الإسلام» .
وقد تبادل كثيراً من الرسائل والمقترحات مع الأعلام: محمد حسين كاشف الغطاء النجفي، والسيد عبدالحسين شرف الدين العاملي، والسيد حسين الطباطبائي البروجردي.
ولمّا تولّى مشيخة الأزهر عام 1378 هـ أعاد النظر في تنظيم المناهج، وأدخل الدراسات القانونية، وفقه الإمامية.
ومن مظاهر نواياه الصادقة، ورغبته في التقريب أنّه (1)، أعلن عن فتواه التاريخية بجواز التعبّد بمذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية كسائر مذاهب أهل السنة ، حيث سُئل فضيلته بما نصه: أن بعض الناس يرى أنّه يجب على المسلم لكي تقع عباداته ومعاملاته على وجه صحيح أن يقلد أحد المذاهب الأربعة المعروفة وليس من بينها مذهب الشيعة الإمامية ولا الشيعة الزيدية، فهل توافقون فضيلتكم على هذا الرأي على إطلاقه فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مثلاً.

1 . بتاريخ 17 ربيع الأوّل 1378 هـ .

74
فأجاب فضيلته:
1. إن الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه اتباع مذهب معيّن بل نقول: ان لكل مسلم الحق في أن يقلد بادئ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلاً صحيحاً والمدونة أحكامها في كتبها الخاصّة، ولمن قلّد مذهباً من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره ـ أي مذهب كان ـ ولا حرج عليه في شيء من ذلك.
2. إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مذهب يجوز التعبّد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنّة.
فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك، وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معيّنة، فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب، أو مقصورة على مذهب، فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى يجوز لمن ليس أهلاً للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات.(1)

1 . مجلة رسالة الإسلام: السنة الحادية عشرة، العدد 3، محرم الحرام 1379 هـ .

75
وكان فضيلته قد أرسل هذه الفتوى إلى سماحة الشيخ محمد تقي القمي، وقرنها برسالة هذا نصّها(1):
السيد صاحب السماحة العلاّمة الجليل الأُستاذ محمد تقي القمي السكرتير العام لجماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية.
سلام الله عليكم ورحمته
أما بعد فيسّرني أن أبعث إلى سماحتكم بصورة موقع عليها بإمضائي من الفتوى الّتي أصدرتها في شأن جواز التعبّد بمذهب الشيعة الإمامية، راجياً أن تحفظوها في سجلات دار التقريب بين المذاهب الإسلامية الّتي أسهمنا معكم في تأسيسها ووفقنا الله لتحقيق رسالتها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخ الجامع الأزهر
محمود شلتوت

1 . لاحظ: الوحدة الإسلامية أو التقريب بين المذاهب السبعة، للدكتور عبدالكريم بن أزار الشيرازي: 22 .

76
هذا على صعيد التعبّد والعمل وفقاً لفقه مذهب الإمامية، وأمّا على صعيد العلم والدراسات الإسلامية، فإنّه قال:
من بين ما تُعنى به كلية الشريعة في منهجها الجديد: دراسة الفقه المقارن بين المذاهب الإسلامية على الأُسس التالية:
أوّلاً: تكون الدراسة على مختلف المذاهب لا فرق بين سنة وشيعة. ويعنى بوجه خاص ببيان وجهة النظر الفقهي حكماً ودليلاً لكل من مذاهب السنة وهي الأربعة المعروفة والإمامية الاثنا عشرية والزيدية .
ثانياً: يستخلص الحكم الّذي يرشد إليه الدليل دون التفات إلى كونه موافقاً أو مخالفاً لمذهب الأُستاذ أو الطالب، حتّى تتحقق الفائدة من المقارنة وهي وضوح الرأي الراجح من بين الآراء المتعددة وتبطل العصبيات المذهبية المذمومة.
وفي أُصول الفقه: يعنى بوجه خاص ببيان المواضع الأُصولية الّتي وقع الاختلاف فيها بين المذاهب الستة السابقة الذكر، مع بيان أسباب الخلاف .
وفي علم مصطلح الحديث ورجاله: تشمل الدراسة ما

77
اصطلح عليه السنة وما اصطلح عليه الإمامية والزيدية، كما تشمل دراسة الرجال المشهورين وأصحاب المسانيد ومسانيدهم في كل من الفريقين، هذا بالإضافة إلى التوسع في هذه الدراسة تفصيلاً في الدراسات العليا بكلية الشريعة (1).
وقد كتب (رحمه الله) تقديماً رائعاً لكتاب مجمع البيان في تفسير القرآن للإمام الطبرسي (المتوفّى 548 هـ)، وقد وصفه بقوله: إن هذا الكتاب نسيج وحده بين كتب التفسير، وذلك لأنّه مع سعة بحوثه وعمقها وتنوعها له خاصيّة في الترتيب والتبويب، والتنسيق والتهذيب لم تعرف لكتب التفسير من قبله ولا تكاد تعرف لكتب التفسير من بعده.
إلى أن قال: إن كتابنا هذا ـ يعني مجمع البيان ـ كان أوّل ـ ولم يزل أكمل ـ مؤلف من كتب التفسير الجامعة استطاع أن يجمع إلى غزارة البحث وعمق الدرس وطول النفس في الاستقصاء هذا النظم الفريد، القائم على التقسيم والتنظيم والمحافظة على خواص تفسير القرآن، وملاحظة أنّه فنّ يقصد

1 . انظر: مجلة رسالة الإسلام، العدد 3، السنة 11، محرم الحرام 1379 هـ ، كلمة التحرير.

78
به خدمة القرآن لا خدمة اللغويين بالقرآن، ولا خدمة الفقهاء بالقرآن .
ومن مزايا هذا التنظيم أنّه يتيح لقارئ الكتاب فرصة القصد إلى ما يريده قصداً مباشراً، فمن شاء أن يبحث عن اللغة عمد إلى فصلها المخصص لها، ومن شاء أن يبحث بحثاً نحوياً اتجه إليه ، ومن شاء معرفة القراءات رواية أو تخريجاً، وحجة، عمد إلى موضع ذلك في كل آية، وجده ميسّراً محرراً.
وقال في موضع آخر: وقد يكون في الكتاب بعد هذا ما لا أوافق أنا عليه، أو ما لا يوافق عليه هؤلاء أو أولئك من قارئيه أو دارسيه، ولكن هذا لا يغضُّ من عظمة هذا البناء الشامخ الّذي بناه الطبرسي، فإنّ هذا شأن المسائل الّتي تقبل أن تختلف فيها وجهات النظر، فليقرأ المسلمون بعضهم لبعض، وليقبل بعضهم على علم بعض، فإنّ العلم هنا وهناك، والرأي مشترك، ولم يقصر الله مواهبه على فريق من الناس دون فريق، ولا ينبغي أن نظل على ما أورثتنا إياه عوامل الطائفية والعنصرية من تقاطع وتدابر وسوء ظن، فإنّ هذه العوامل مزورَّة على المسلمين، مسخرة من أعدائهم عن غرض مقصود لم يعد يخفى على أحد.

79
إنّ المسلمين ليسوا أرباب أديان مختلفة، ولا أناجيل مختلفة، وإنّما هم أرباب دين واحد، وكتاب واحد، وأُصول واحدة، فإذا اختلفوا فإنّما هو اختلاف الرأي مع الرأي، والرواية مع الرواية، والمنهج مع المنهج، وكلهم طلاب الحقيقة المستمدة من كتاب الله، وسنة رسول الله، والحكمة ضالّتهم جميعاً ينشدونها من أي أفق.
فأوّل شيء على المسلمين وأوجبه على قادتهم وعلمائهم أن يتبادلوا الثقافة والمعرفة، وأن يقلعوا عن سوء الظن وعن التنابز بالألقاب، والتهاجر بالطعن والسباب، وأن يجعلوا الحق رائدهم، والإنصاف قائدهم، وأن يأخذوا من كل شيء بأحسنه: (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَ أُولَئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبَابِ)(1).(2)

1 . الزمر: 17 ـ 18 .
2 . مجمع البيان، المقدمة، ج 1 / 17 ـ 31، طبع دار التقريب في القاهرة.

80

17

دعاة الوحدة الإسلامية

في دار التقريب بالقاهرة

إنّ الحديث عن فضيلة الشيخ محمود شلتوت دعانا إلى ذكر أسماء من شاركه في الدعوة إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية والتلاحم بين الطوائف تلاحماً علمياً والتعايش على ضوء الإسلام، ونحن نكتفي بذكر أسمائهم فقط ـ لما أخذناه على أنفسنا من عدم الإطالة في هذه الإضاءات ـ وسوف لا نتطرق إلى ترجمة حياتهم وذكر آثارهم وأعمالهم ودورهم في الدعوة إلى التقريب، ونحيل القارئ الكريم إلى المصادر الخاصة بهذه الدعوة الكريمة. وإليك أسماء هؤلاء الأعلام:
1. الشيخ المرحوم حسن البنا مؤسس ومرشد الإخوان المسلمين.
2. علي مؤيد إمام الشيعة الزيدية في اليمن.

81
3. الإمام الشيخ عبدالمجيد سليم شيخ الأزهر والمرجع الأعلى للإفتاء.
4. أمجد الزهاوي من كبار علماء العراق.
5. الحاج أمين الحسيني من فلسطين.
6. الشيخ الآلوسي.
7. الإمام المصلح الشيخ محمد تقي القمي مؤسس التقريب .(1)
8. الشيخ الفقيه محمد أبو زهرة صاحب التآليف المعروفة.
9. الشيخ محمد المدني رئيس تحرير مجلة رسالة الإسلام .
10. الأُستاذ الكبير الشيخ عبدالعزيز عيسى مدير إدارة المجلة.
إلى غير ذلك من الأساتذة الذين إزدانت مجلة رسالة

1 . لاحظ: الوحدة الإسلامية أو التقريب بين المذاهب السبعة، تأليف الدكتور عبدالكريم بن آزار الشيرازي، ص 17، وتلاحظ هناك صورة لاجتماع هؤلاء الأعلام في دار التقريب بالقاهرة.

82
الإسلام بأقلامهم ومقالاتهم.
وأمّا علماء الشيعة الذين ساهموا في هذه الدعوة، فهم:
الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والسيد هبة الدين الشهرستاني، والسيد عبدالحسين شرف الدين العاملي، والشيخ محمد صالح المازندراني (السّمنانيّ)، والشيخ محمد جواد مغنية، والشيخ عبدالحسين الرشتي، والشيخ عبدالحسين ابن الدين، والشيخ محمد تقي القمّيّ (الأمين العامّ لدار التقريب آنذاك)، وآية الله السيد صدر الدين الصدر، وآية الله السيد محمد تقي الخونساري، والمرجع الكبير آية الله العظمى البروجردي .
السيد هبة الدين محمد علي بن حسين الشهرستاني

83

18

السيد هبة الدين الشهرستاني

(1301 ـ 1386 هـ)
كان فقيهاً إمامياً مفسراً، كاتباً، سياسياً محنّكاً، من ذوي النزعة الإصلاحية والثقافية الواسعة.
ولد في سامراء، وتعلّم فيها، وأكمل بعض المراحل الدراسية في موطن آبائه (كربلاء)، ثم انتقل إلى النجف الأشرف سنة 1320 هـ ، فحضر الأبحاث العالية على أكابر المجتهدين فيها أمثال: المحقّق الخراساني، والسيد الطباطبائي اليزدي، وشيخ الشريعة الأصفهاني :
له خدمات جليلة في نشر الإسلام عن طريق الرسائل والمقالات والكتب والموسوعات، ومن آثاره القيّمة كتابه المعروف بـ «الهيئة والإسلام» فإنّه بحق أثر جليل وتصنيف بلا مثيل، كشف فيه الغطاء عن نظرية الإسلام فيما يتعلّق بشأن

84
الأرض والسماء ، وقد كان الفلكيون من المسلمين معتقدين بما جاء به بطليموس في ذلك المجال وصاروا يفسرون الآيات والروايات وفقاً لهذه النظرية، ويواجهون في ذلك صعوبة لا توصف.
كانت هيمنة النظرية البطليموسية حاجبة بينهم وبين الرؤية الواقعية للإسلام في مجال الفلكيات، إلاّ أن السيد الشهرستاني (رحمه الله) تجرد عن تلك النظرية ونظر إلى الآيات والروايات متخلّياً عن رأي مسبق، فرأى أنّ ما جاء به الإسلام في الكتاب والسنّة هونفس ما أثبته العلم الحديث بفضل المراصد والحسابات الرياضية الفلكية.
ولمّا خرج الكتاب من الطبع وانتشر في العراق وخارجه تواترت التقاريظ وكتب الثناء والتقدير على الكتاب ومؤلّفه من علماء الإسلام كافة، وممّن قرّظه من علماء السنة في العراق، شيخ علماء بغداد في عصره، وكبير أعلام أهل السنة في مصره، العلاّمة السيد محمود شكري بن عبدالله بن أبي الثناء الآلوسيالبغدادي (1) (المتوفّى 1342 هـ) إذ جاء في رسالته

1 . السيد محمود شكري الآلوسي البغدادي ابن السيد عبدالله ابن المفسر الشهير السيد محمود شهاب الدين أبي الثناء صاحب (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني) (المتوفّى 1270 هـ) كانت ولادته في بغداد في دار جدّه الكبير السيد أبي الثناء، المجاورة لجامع الشيخ العاقولي في محلة (الحيدرخانة) وموضعها في السنين الأخيرة مدرسة التفيض، وكانت هذه المحلة تعرف في أيام العباسيين بـ (درب فراشا) و (درب الخبازين) .
والسيد محمود شُكري ـ ويقال له (شكري أفندي) أيضاً ـ : كان من أكابر علماء زمانه على مذهب أهل السنة، وله تلامذة كثيرون، منهم: العلاّمة الشيخ بهجة البغدادي المعروف بـ (الأثري)، وهو آخر من مات من تلامذته إذ كانت وفاته في سنة 1416 هـ وولادته في سنة 1320 هـ .
ومن أشهر مؤلفات الآلوسي: (بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب) الّذي قال فيه يصف (نهج البلاغة) ـ مع تعصّبه وتعنّته ـ : (هذا كتابُ نهج البلاغة قد استودع من خطب الإمام علي بن أبي طالب سلام الله عليه ما هو قبسٌ من نور الكلام الإلهي، وشمسٌ تضيءُ بفصاحة المنطق النبويّ) ـ والحقُّ ينطق منصفاً وعنيداً ـ راجع (3 / 180) من (بلوغ الأرب) ـ باب خطب أهل الصدر الأوّل من الإسلام ـ ، وقد عاش هذا العالم حصوراً فلم يتزوج .

85
خطاباً إلى السيد المؤلف:
«إنَّ صريح المعقول لا يخالف صحيح المنقول، فكان ما ظهر لدى المتأخرين من الآراء كالشرح لما جاءت به الشريعة الغراء، لا سيما ما يتعلق بشأن الأرض والسماء; وقد كان هذا السرُّ مكتوماً عن الناس، خفياً على أفهام كثير من الأكياس، حتى قيض الله تعالى لكشفه فرع الشجرة الهاشمية، وغصن الدوحة العلوية، فخر الأكابر والأعاظم، وذخر السادة الأكارم، جامع

86
مجامع الأخلاق الحميدة، حاوي محاسن الصفات السديدة، محيي دارس المجد والرئاسة، مقوم أود العز، بما أحكم به أساسهُ، علاّمة عصره وفهامة مصره، المصلح الشهير، والفطن النحرير; هبة الدين السيد محمد علي الشهرستاني لا زال مؤيداً بالتأييد الرباني، وفَتَحَ مُقْفَل السرّ.. وفَتَح البابَ وأصبح وله يدٌ بيضاء على الأُمّة الإسلامية ومَجْدٌ مخلد من بين أعلام أئمة الإمامية » (1).
وللسيد الشهرستاني (رحمه الله) مراسلات مع علاّمة الأزهر الشيخ محمد رشيد رضا، وهو من تلاميذ المصلح الشيخ محمد عبده (المتوفّى عام 1323 هـ)، وقد نشر ما أملاه عليه أُستاذه على صفحات مجلة المنار، ثم جمع ما نشره وسمّاه بتفسير المنار، وقد أدخل ضمن دروس إمامه وأُستاذه ما ليس منه.
ومع ذلك فللرجل مقام سام بين الأزهريين، وله كتاب «الوحي المحمدي» الذي كان له صدى واسعاً يوم نشر، وكان بينه وبين السيد هبة الدين الشهرستاني علقة وطيدة تظهر من رسالة السيد إليه، وقد كتب الأُستاذ رشيد رضا رسالة إليه

1 . كتاب العلوي: 45، نقلاً عن مجلة (العلم) (المجلد الثاني، ص 95 ـ 96، شعبان 1329 هـ ، 27 تموز 1911 م.

87
وأجاب عنها السيد الشهرستاني بما هذا نصّه:
حضرة العلاّمة الكامل شيخ المصلحين الأفاضل سماحة الأُستاذ محمد رشيد أفندي رضا الأفخم ـ مد ظله ـ
بعد إهداء أسنى سلام وأزكى تحية إلى تلك الحضرة القدسية، أدامها ربّ البرية وبث الأشواق الخالصة القلبية .
نرجو من سيادتكم :
أوّلاً: أن تتفضّلوا علينا بالإخبار عن صحّتكم وسلامة مزاجكم الوهّاج، وتبشرونا باستقامة أحوالكم وطيب خاطركم العاطر .
وثانياً: أنّه بأسعد وقت حظوت بمُشرِّفكم المؤرخ 19 ربيع الأنور ] 1330 هـ [ فتناولته بيد المسرة والاحترام وتطاير قلبي فرحاً من إشعاره بتشريفكم في رحلتكم هذه الميمونة إلى بلادنا لزيارة أجدادكم وإخوانكم وإنْ هي إلاّ بشارة عظيمة، ولا شك أنّ محلنا يتشرف بنزول أجلالكم فيه، إذ هو في الحقيقة محلكم، والمخلص خادمكم ما دمتم مشرفين وينبغي لسيادة الأُستاذ دام ظله أن لا يقطع عني خبره ويبشرني بزمان تشريفه إلى قطرنا إن استقر عليه رأيه، وهذه والله نعمة غير مترقبة

88
تستوجب الشكر الجزيل.
وحيث إنّ رقيمكم الزاهر شرّفني في أوّل أمس ولا يبلغكم الجواب حسب الظاهر إلاّ في أواسط الشهر المقبل، فلا شك انّ كتابتي اليكم فيما يتعلق برحلتكم في الهند غير مجدية، ولكنّي أحاول الفرص فإن أباحها لي التوفيق فلربما سافرت إلى البصرة استقبل تشريفكم إذا تحقّق إن شاء الله.
ولو صرفتم النظر (فرضاً) عن تشريف العراق فعرفوني عن ذلك أيضاً فإن ذلك يهمني كما يهمني معرفة زمان ورودكم... .
تحرير أقل خدّام الإسلام السيد هبة الدين الشهرستاني
16 شهر ربيع الثاني 1330 هـ
***
وله رسالة أُخرى إلى الأُستاذ رشيد رضا، نتشرف بنقلها في المقام
بسمه تعالى
سيدّي العلاّمة أدام الله أيّامه
مرحباً بكم وأهلاً وسهلاً، ما كان أجمل ذلك النبأ الّذي

89
بلغني فيه قدومكم، ولكن وا أسفاه لو تمّ السرور فقد كنتُ متشوقاً لطلعتكم مُترقباً ورودكم أنا وسائر العلماء والأُدباء المخلصين لكم على البعد والذين تهيئوا وتهيئنا معهم للقائكم وعسى أن يكون العذر الّذي قعد بكم عن الورود على هذه البلاد قد عافاكم الله منه ولو كان سلك البرق غير منقطع بيننا وبين بغداد لجعلت المخابرة تترى استعلاماً لأحوالكم واستكشافاً لنياتكم قدّر الله الاجتماع بكم، وها أنا ذا بعد أن علمت أنّكم ألقيتم عصى التسيار في بغداد ناهض إليكم متحرك إلى حيث أنتم على كثرة أشغال وتشويش بال، ولكن لقياكم ومشاهدتكم هما أعزّ عندي من كل شيء، وقد جعلت حركتي بكرة ـ أي يوم السبت ـ لأنّ هذا اليوم عندنا يوم نفير البريد العام هذا ما لزم عرضه، وسلامي لمقام السيد النقيب نقيب الأشراف المُعظم وأولاده الكرام .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المخلص هبة الدين الحسيني الشهرستاني
النجف 28 جمادى الآخرة 1330 هـ

90
وله رسالة ثالثة أرسلها إليه من الهند، هذا نصّها:
من آتاو بالهند 24 شهر رمضان سنة 1331 هـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدنا العلاّمة المصلح دامت إفاضاته
بعد إهداء أسنى السلام وأزكى التحية، وبث الأشواق الخالصة القلبية لحضرتك البهية، فإنّ هذا المشتاق تشرف من عهد بعيد بزيارة كتابك الكريم، وقد أشغله عن المواظبة على التراسل جملة أُمور منها لوازم السفر ومهمات الحل والترحال، حيث إنّي لا أُقيم في بلد أكثر من اسبوعين، ومنها عروض الأسقام والحميات غالباً بسبب اختلاف أهوية البلاد ومغايرة البيئة الهندية لظواهر البنية العراقية، ومنها اشتغالي بالمذاكرات والتقريرات الخصوصية والعمومية الدائرة على قطبي الإرشاد العام نحو الإصلاحات والحث على تقوية أمر الدعوة الإسلامية دحضاً لمساعي دعات النصرانية، ومنها تحريري لأجوبة المسائل الواردة عليّ علاوةً على اشتغالي بتحرير المقالات الفارسية تحت عنوان (فغان اسلام) ولا مقصد لي فيها غير الحث على الدعوة ومعارضة دعات النصرانية بقوة اجتماعية إسلامية تتجلّى في كسوة المدارس والمجالس والمطبوعات
91
والمجتمعات، وقد شرع الإخوان في طبع تلك المقالات في كتاب مستقل بالفارسية، كما شرعوا في ترجمتها إلى اللغة الهندية وسوف أهديهما إلى إدارتكم الزاهرة بعد نجازهما.
مضافاً إلى انتشار هاتيك المقالات في بعض صحف الهند الفارسية والاردوية. وبالجملة ليس الغرض من ذكر هذه الأُمور إظهار خدماتي الإسلامية لأنّ أعداءنا يخدمون باطلهم أكثر من هذا، بل المقصود أن يعذرني حضرتك السّامية. إذا أنا ابطأت في المكاتبة.
ثم إنّي مقدّم إلى مجلتكم الغراء كتابي في أجوبة مسائل اقترحها عليّ جلالة الملك العربي السيد فيصل بن تركي سلطان عمان ـ دام في عز وأمان ـ عسى ان تحظى بالقبول فينشر على صفحات المنار الزاهية، ويطبع مع ذلك كرسالة مستقلة نظراً إلى ما فيها من المسائل المستطرفة والأبحاث التفسيرية المناسبة لخطة المنار الأغر، ومتى طبعتموه كتاباً مستقلاً فأخبروني عنه سريعاً حتى اشتري من نسخه نحواً من خمسين نسخة لأوّل وهلة أُوزعها على طالبيه من أحبتي الهنديين، وليكن الجواب عن ذلك سريعاً في البريد المتعهد بهذا العنوان .

92
وممّا استظرفت ذكره لكم من حيل دعات النصرانية انّي مررت بمجتمع عظيم في منتزه (بارابنكى) وإذا بقس يدعو إلى اعتناق المسيحية، ثم خرج من الجماعة رجل في زي أُوروبي وذكر للناس أنّه جاب البلاد وفتش عن الأديان فلم يجد خيراً من النصرانية، ثم بايع ذلك القس وجلس بجنبه، ثم خرج من الجماعة رجل في زي العرب وذكر للناس أنّه رجل من أهل مكة على مذهب الحنفي قد ساح البلدان طلباً لأصحّ الأديان فلم يجد كالنصرانية نطق بهذه الشهادة وبايع القس وجلس بجنبه، ثم خرج من الجماعة رجل في زي العجم وذكر للناس أنّه شيعي خرج من كربلاء يفتش الدين الصحيح من أديان العالم فلم يجد مثل دين المسيح نطق بهذه الشهادة وبايع القس وجلس بجانبه، ثم خرج من الجماعة رجل هندي وذكر للناس أنّه وثني خرج من بلده (اجودهيا) وتصفح المذاهب فلم يجد كالمسيحية ثم بايع القس وجلس بجنبه، ولما دقّقت النظر في أمرهم وجدت ذلك منهم حيلة يريدون اغتيال العامّة البسطاء بذلك، والأربعة كانوا جميعاً هنود متنصرين من زمن طويل، إذ لم يكن الّذي ادّعى انّه عربي حنفي يعرف شيئاً من العربية ولا فيه شمائل العرب، وكذلك مَن ادّعى انّه شيعي أعجمي لم يكن

93
عارفاً بالعجمية ولا فيه شمائلهم، ولو كان معي أصحابي أو كنت ماهراً في اللغة الهندية لعارضتهم أتمّ المعارضة، لكنّي خشيت الفتنة مع غربتي وانفرادي، وعدم معرفتي محاورات الهنود كاملةً وغلب عليّ الذهول والتحير من هذه الحيلة المعجبة الّتي يقصر عنها دهاء إبليس.
ثم السلام التام عليكم وعلى الأخ السيد صالح رضا ورحمة الله وبركاته
تحرير أقل خدّام الإسلام هبة الدين
الشهرستاني النجفي
صاحب مجلة العلم
هكذا يجب أن يكون العلماء الذين تنبض قلوبهم بحفظ الوحدة وتقريب الخطى ورأب الصدع وجمع الشمل انطلاقاً من قوله سبحانه: (وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَ لاَ تَفَرَّقُوا )(1).

1 . آل عمران: 103 .

94

5

الزمالة العلمية على مختلف الأصعدة

قد تعرفت على نماذج من الأواصر العلمية على مختلف الأصعدة بين الشيعة والسنّة، وهذا يحكي عن أنّ السلف الصالح ـ إلاّ من شذ وندر ومن كان على خط الأمويين ـ كانوا أخوة متحابيّن في الله وكان لا يمنعهم الاختلاف في الرأي والمذهب الفقهي أو الكلامي من تبادل العطاء والأخذ في مجالات مختلفة.
وهناك صورة أُخرى من الزمالة العلمية تحكي عن وجود علاقة وثيقة بين الطائفتين وها نحن نذكر نماذج منها:

95

1

الزمالة العلمية في المسائل الفقهية

إنّ الشيعة الإمامية عن بكرة أبيهم كانوا ينقلون آراء غيرهم في كتبهم، ونذكر هنا ـ كنماذج ـ الكتب التالية:
1. مسائل الخلاف، للسيد الشريف المرتضى (355 ـ 436 هـ) .
وهذا الكتاب غير موجود بعينه لكن السيد ينقل عنه في كتابه «المسائل الناصريات» مثلاً يقول: وقد استقصينا في كتابنا «مسائل الخلاف بين سائر الفقهاء» الكلام في أنّه لا يجوز الوضوء بالأنبذة، وتكلّمنا على خبر ليلة الجن ووصفناه، فمن أراد الاستقصاء وجده هناك .(1)
2. كتاب الخلاف، للشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ).
وهو موسوعة كبيرة تحتوي على جميع أبواب الفقه

1 . المسائل الناصريات: 76.

96
ويذكر في كل مسألة فتاوى الصحابة والتابعين والفقهاء على وجه التفصيل، وهو من المصادر الموثوقة لحفظ التراث الفقهي الإسلامي. وقد طبع في ستة أجزاء .
3. تذكرة الفقهاء، للعلاّمة الحلّي (648 ـ 726 هـ) .
وهي موسوعة فقهية لم يكتب مثلها في السعة والشمولية، وقد طبع ـ محقّقاً ـ منه لحد الآن 18 جزءاً والباقي قيد التحقيق والطبع. يذكر فيه آراء الفقهاء مع أدلتهم ثم يناقشها، كما يذكر رأي الإمامية.
4. منتهى المطلب في تحقيق المذهب، للعلاّمة الحلّي أيضاً .
وهو أوسع من تذكرة الفقهاء، وقد خرج منه 14 جزءاً إلى كتاب الجهاد .
وهذه الزمالة العلمية الفقهية أدل دليل على وجود التعايش السلمي بين أبناء وعلماء الطائفتين حيث ينقل كل آراء الآخرين برحابة صدر .

97

2

الزمالة العلمية في الحديث والرواية

وهناك زمالة علمية أُخرى، وهي أخذ الكثير من محدّثي السنّة عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام):
1. قد قام المؤتمر العالمي السابع للوحدة الإسلامية في طهران في عام 1415 هـ بطبع عدد من المقالات حول رواة أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)من أهل السنّة، وهذا يدل على أن روح التبادل العلمي كانت سائدة في الأوساط العلمية .
2. وقد ألف السادة أصحاب الفضيلة ; حسين عزيزي، وبرويز رستكار ويوسف بيات، كتاباً في جزأين بعنوان: «الرواة المشتركون بين الشيعة والسنّة» وأوردوا فيه ترجمة حوالي 260 راوياً، وعنوا بالمشتركين، وهم الرواة الذين ذكرهم أهل السنّة والشيعة بالثناء والتعديل، باعتبارهم ناقلين للحديث عن المعصوم بشكل مباشر أو بالواسطة، وبالتالي فهم بمثابة مرايا
98
للتاريخ التقريبي، تعكس صوراً لأحوال أجيالنا الماضية.
وهذا الكتاب يتناول أسماء أعلام من الرواة الذين نالوا الحظوة من التقدير والمديح والثناء من قبل رجاليّي الشيعة وأهل السنّة معاً، فضلاً عن اعتماده منهج المقارنة بين نجوم تلألأت في سماء المدرستين الشيعية والسنية، فيكشف عن عمق العلاقات المشتركة بينهما على هذا الصعيد .(1)
3. وقد قام صديقنا الدكتور فاروق حمادة ـ من علماء المغرب الإسلامي ـ بتأليف كتاب باسم: «التواصل بين المذاهب الإسلامية، تأصيله وتطبيقه عند المحدثين»، وذكر في الفصل الخاص بالشيعة، أسماء عدّة من رواة الشيعة روى عنهم أصحاب الصحيحين والسنن وقد ترجم لهم على وجه التفصيل.(2)
4. وقد ألف الفاضلان: السيد مهدي الروحاني، والشيخ علي الأحمدي الميانجي، كتاباً ـ في عدة أجزاء ـ بعنوان: أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)عن طرق أهل السنة، ذكروا فيه ما رواه

1 . الرواة المشتركون بين الشيعة والسنة، نشر المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية ، مقدمة الناشر: 11 .
2 . التواصل بين المذاهب الإسلامية: 51 ـ 67 .

99
محدّثو أهل السنة وفقهاؤهم عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)برحابة صدر، والكتاب موسوعة كبيرة لو تمت طباعته لربّما ناهز عشرة أجزاء، وقد خرج الجزء الأوّل منه من الطبع . والكتاب يدل على أن عدم التزامهم بإمامة الأئمة الاثني عشر وخلافتهم لم يمنعهم من أخذ الحديث عنهم، بل صار الأئمة من آل محمد(عليهم السلام)هم المعلمون لأئمة الفتوى والمراجع لأهل الحديث، وقد أخذ أبو حنيفة عن الباقر والصادق (عليهما السلام)ونقل عنه أنّه قال: «لولا السنتان لهلك نعمان»، وقال: لولا جعفر بن محمد لما عرف الناس مناسك حجّهم.
وأخذ مالك بن أنس عن الإمام الصادق (عليه السلام)روايات أوردها في الموطأ، كما أورد روايات عن أمير المؤمنين والإمام السجاد والباقر(عليهم السلام).
وروى الإمام الشافعي في كتابه الأُمّ عن إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي المدني عن الإمام الصادق (عليه السلام)روايات كثيرة.(1)

1 . أحاديث أهل البيت عن طرق أهل السنة: 1 / 9، طبع مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم المقدسة ـ 1421 هـ .

100

3

الزمالة العلمية في التراجم والرجال

نرى أنّ قسماً من علماء السنة والشيعة يتعارفون فيترجمون في كتبهم رجال كلا الفريقين برحابة صدر، ونذكر من أهل السنّة كتاب: «وفيات الاعيان وأنباء أبناء الزمان»، لأبي العباس أحمد بن خلكان (608 ـ 681 هـ).
فقد ترجم فيه أئمة أهل البيت حتّى الإمام الثاني عشر (عج) كما ترجم أيضاً قسماً كبيراً من علماء الشيعة إلى عصره .
ونرى ذلك المنهج عند مؤلفي كتب التراجم من علماء الشيعة أيضاً ، فهذا حجة التاريخ العلاّمة عبدالله الأفندي التبريزي (المتوفّى 1134 هـ) فقد ألّف موسوعة كبيرة باسم «رياض العلماء وحياض الفضلاء» في عشرة أجزاء خصّ لكلّ طائفة من كتابه خمسة أجزاء وهو من الكتب الممتعة يحتوي على تاريخ علمائنا ما لا يحتويه غيره.

101
وتلاه العلاّمة المتتبع محمد باقر الموسوي الخونساري (المتوفّى 1313 هـ) فألّف كتاباً أسماه «روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات» ترجم فيه ما وقف عليه من العلماء شيعة وسنة، والكتاب بعد رياض العلماء أوسع كتاب في الموضوع.
ثم نرى أنّ شيخنا البحاثة محمد علي المدرس (المتوفّى 1373 هـ) ألف في ذلك المجال موسوعة كبيرة أسماها «ريحانة الأدب في تراجم المعروفين بالكنية واللقب» وقد ضم بين دفتيه تراجم الفقهاء والحكماء والأُدباء والشعراء والأطباء من كلتا الطائفتين.
وأخيراً لا آخراً قام محققّو مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ـ وبإشرافنا ـ بتأليف موسوعة كبيرة في خمسة عشر جزءاً جمعوا فيها تراجم الفقهاء من كافة المذاهب والفرق الإسلامية ابتداءً بعصر الصحابة إلى القرن الرابع عشر.
وقد قدمنا لهذا العمل بجزأين تناول الحديث في أحدهما عن «تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره»، والثاني عن «مصادر الفقه الإسلامي ومنابعه».
***

102

4

الزمالة العلمية في الاستجازات
والاستجازة هي طلب الإجازة، وهي الكلام الصادر عن المجيز المشتمل على إنشائه الإذن في رواية الحديث عنه بعد إخباره إجمالاً بمرويّاته.
وقد كتب علماء أهل السنّة إجازات لعدد من علماء الشيعة، ممّا يؤكّد العلاقة الطيّبة بين علماء الفريقين.
وها نحن نذكر فيما يلي بعض هذه الإجازات.

1. إجازة الشيخ إبراهيم حمدي للشيخ آقا بزرگ الطهراني

استجاز شيخ الباحثين صاحب «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» آقا بزرگ الطهراني (1293 ـ 1389 هـ) من الشيخ إبراهيم بن أحمد حمدي (1288 ـ 1371 هـ) مدير مكتبة عارف حكمت في المدينة المنورة فأجازه عام 1334 هـ ، وهو في مكة المكرّمة، وإليك نص الإجازة:

103
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله تعالى، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم.
بحمد الله وحسن توفيقه قد طلب منّي جناب الحاجّ الشيخ محمد محسن الشهير بـ آقا بزرگ من علماء النجف الأشرف الإجازة بما أرويه عن مشايخي المثبتين في ثبتي، ظنّاً منه أنّي أهلٌ لذلك، وحسن عقيدته في هذا الفقير المقصّر غاية التقصير، وحيث إنّي غريبٌ بمكّة المكرّمة وثبتي بالمدينة المنوّرة، فوجبت عليَّ الإجابة لطلبه لما أعتقد في أهليّته، فقد أجزته إجازةٌ عامّةً في جميع ما أرويه عن مشايخي.
وعند وصولنا إلى المدينة المنوّرة، إن شاء الله أُخرج له بما في ثبتي، وأمرته بتقوى الله تعالى سرّاً وظاهراً، ومطالعة كتب السلف الصالح من أهل البيت رضوان الله عليهم أجمعين، إذ في كتبهم كل خير ونجاح، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم.
وأنا الفقير إلى الله تعالى إبراهيم بن أحمد حمدي، مدير

104
مكتبة شيخ الإسلام بالمدينة المنوّرة، 20 ذي الحجة 1364 هـ .(1)

2. إجازة السيد علوي المالكي للسيد محمد مهدي الخرسان

استجاز السيد محمد مهدي بن السيد حسن الخرسان الموسوي من السيد علوي بن عباس المالكي المكي، وهو من علماء مكّة المعظّمة، وقد كتب الإجازة في مكّة المكرّمة، يوم الجمعة 14 ذي حجة الحرام عام 1389 هـ ، وهذا نصّها :
الحمد لله الّذي رفع لمن وقف ببابه قدراً، وأعلى لمَن انتسب لعزيز جنابه ذكراً، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد الّذي جرى الماء النمير من بين إصبعه وبنانه، وتفجّرت ينابيع الحكمة من قلبه ولسانه، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار، آمين.
وبعد، فإنّ أخي حقّاً ومحبّي في الله صِدْقاً، الأُستاذ محمّد مهدي ابن السيّد حسن الموسوي الخرسان، قد أحسن ظنّه بي فطلبني أن أُجيزه في جميع مرويّاتي عن مشايخي، مع أنّي

1 . التراث المكي للشيخ حسين الواثقي: 23 ـ 24 .

105
لستُ بأهل أن أجاز فكيف بأن أُجيز، ولكن الحقائق قد تخفى، ولكن نزولاً عند رغبته وإجابةً لطلبه وخروجاً عن إثم كتم العلم أقول: إنّني قد أجزت الأخ المذكور في كلّ ما تجوز لي روايته من معقول ومنقول وفروع وأُصول كما أجازني بذلك أشياخي الفحول، وأوصيه ونفسي بتقوى الله في السرّ والعلن، فإنّهما مفتاح العلم وطريق السعادة، وأن يجاهد ويجتهد في طلب العلم وتحصيل الفوائد مهما بلغ مقامه، وأن يداوم على المذكراة والتعليم والإرشاد، فإنّها وظيفة الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام، وأن يقول الحقّ ولو كان مرّاً، وأن ينصح لإخوانه المسلمين، وأن يتثَّبتَ، في نقل العلم والإفتاء، وأن يقول فيما لا يعلم: الله أعلم، فإنّها نصف العلم.
وفّقنا الله لما يحبّه ويرضاه، والحمد لله ربّ العالمين.
علوي بن السيّد عبّاس المالكي المكّي الحسيني
عصر يوم الجمعة 14 ذي الحجّة الحرام 1389 هـ(1)
***

1 . التراث المكي : 64 .

106
بسم الله الرحمن الرحيم

3. إجازة السيد علوي المالكي للسيد الجلالي النجفي

استجاز السيد محمد حسين الجلالي النجفي من السيد علوي بن عبّاس المالكي المكي، وقد كتب له في الخامس عشر ذي الحجة الحرام عام 1383 هـ الإجازة التالية:
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله وسلّم على حبيبنا وسيّدنا محمّد وآله وصحبه أجمعين.
أمّا بعد، فيقول خادم العلم الشريف بالمسجد الحرام ومدرسة الفلاح: إنّه قد استجازني الشيخ الفاضل الأُستاذ السيّد محمّد حسين الجلالي النجفي، فأقول: إنّني قد أجزته بجميع مرويّاتي ومؤلَّفاتي من المعقول والمنقول، كما أجازني بذلك أشياخي الفحول، أخصّ بالفضل منهم سيّدي الشيخ الوالد السيّد عبّاس المالكي، والشريف عبدالحيّ الكتاني، والشيخ عمر حمدان، وأُحيله في أسانيد الكتب على ثبت الأمير الكبير، وأرويه عن شيخي حبيب الله الشنقيطي، قائلاً: حدّثنا السيّد محمّد كامل الهبراوي الحلبي، عن الشيخ إبراهيم السقّا، عن

107
الأمير الصغير، عن الأمير الكبير، وأوصيه ونفسي بتقوى الله، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا محمّد وآله وصحبه .
15 ذو الحجّة 1383 بمكّة المكرّمة، الداعي إلى الله خادم العلم بالمسجد الحرام، علوي بن عبّاس المالكي لطف الله به .(1)

4. إجازة الشيخ محمد التبّاني الجزائري للسيد الروضاتي

استجاز العلاّمة الحجّة السيد محمد علي الروضاتي الاصفهاني المحقّق، من الشيخ محمد عربي التبّاني الجزائري المجاور لبيت الله الحرام والمتوفّى سنة 1390 هـ ، وقد كتب له إجازتين إحداهما دوّنها في ذيل ثبته المطبوع، والأُخرى كتبها استقلالاً، وتأريخ الإجازتين هو 17 ذي الحجة الحرام 1386 هـ (2).
هذه صور مختصرة عن الأواصر العلمية بين أعلام الشيعة والسنّة عبر القرون، وهو ما يجب أن يقتدي به علماء العصر الحاضر، بدلاً عن التنافر والعداء وحملات التكفير الّتي يقوم

1 . التراث المكي : 63 .
2 . التراث المكي: 119 .

108
بها البعض خدمة لأعداء الأُمّة والإسلام، والله من وراء القصد.
مسك الختام

التعايش مكان التباغض

لقد كانت لنا اسوة حسنة في السلف الصالح ومن جاء بعدهم من الخلف، حيث لمسنا منهم أنّهم كانوا يتعايشون معاً، رغم وجود الاختلاف الفكري بينهم، وما هذا إلاّ لأنّ الأُصول الّتي تجمعهم كافية لتوثيق عُرى الوحدة وتقريب الخطى.
إنّ تمنّي كون المجتمع الإسلامي متّحداً في جميع الأُصول والفروع، أمرٌ غير معقول ولم يتحقّق ذلك حتّى في صدر الإسلام ، ولذلك يجب التمسّك بالعروة الوثقى المتجلّية في الكتاب العزيز والسنّة الشريفة من دون أن نجعل الاختلاف في الفروع ـ وإن شئت قلت: الاختلاف فيما أُثر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ مبرّراً للفرقة والتباغض والصراع.
وانطلاقاً من قول الإمام علي (عليه السلام)في عهده لمالك الأشتر: «وَلاَ يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَة سَوَاء» (1)، نرحب بموقف الدكتور أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر،

1 . نهج البلاغة: 3 / 88، الكتاب 53، شرح محمد عبده.

109
بسم الله الرحمن الرحيم
الداعم للوحدة الإسلامية، وتصريحه بأنّ الشيعة والسنّة صنوان وإخوان وأنّه لا يجوز شرعاً أن تسيء أو تكفّر إحدى الفرقتين الأُخرى. ولأجل هذا الموقف المرضّي عند الله ورسوله وجها إلى فضيلته الرسالة التالية:
سماحة الدكتور الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد; فقد اطّلعنا على موقفكم الرسالي بالنسبة إلى عامة الفرق الإسلامية وبينها المذهب الشيعي الإمامي، فسررنا به.
إنّ موقفكم هذا قد سبقكم إليه رجال مخلصون من الشيعة والسنة ـ كما تذكرون أنتم ـ وعلى رأسهم الحاج حسين البروجردي المرجع الأعلى للشيعة في عصره، والشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر رضوان الله عليهما، فأنتم خير خلف لهما ولجماعة دار التقريب.
ولا ريب في أنّ الأُمّة الإسلامية أُمة واحدة كما سمّاهم الله سبحانه إذ قال: (إنّ هذه أُمّتكم أُمّة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون)، ولو اختلف علماؤهم فيما روي عن النبي، ولكنهم لم يختلفوا

110
في نبيهم وهذه فضيلة رابية للمسلمين عامّة.
وفي هذه الأجواء الشائكة التي يسعى فيها العدو لإشعال نار الفرقة وتأجيج الخلاف بين الفرق الإسلامية عن طريق وسائل الإعلام المختلفة يجب على صالحي المؤمنين ودعاة التقريب السعي إلى تقريب الخطى وتعزيز الوحدة الإسلامية تحت ظل الاعتقاد برب واحد وكتاب واحد ورسول واحد وقبلةواحدةوشريعة موحدّة، وبها وبأمثالها يصدق بحقنا قول القائل: أن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا. ونعم ما قال الشاعر المفلق الأزهري محمد عبد الغني (رضي الله عنه):
إنا لتجمعنا العقيدة أُمّةً *** ويضمنا دين الهدى أتباعا
ويؤلف الإسلام بين قلوبنا *** مهما ذهبنا في الهوى أشياعا
وفّقكم الله تعالى لنصرة الإسلام، وسدّد خطاكم على طريق التضامن والتكاتف بين المسلمين جميعاً.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جعفر السبحاني
قم المشرفة
15ذي القعدة الحرام 1431هـ
تمّت الرسالة بيد مؤلفها جعفر السبحاني صبيحة يوم الثالث والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام عام 1431 هـ
الحمد لله الّذي بنعمته تتم الصالحات
Website Security Test