welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام- الجزء الرابع*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام- الجزء الرابع

صفحه 1

شوارق الإلهام

في

شرح تجريد الكلام


صفحه 2

صفحه 3

تقديم وإشراف

العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

شوارق الإلهام

في

شرح تجريد الكلام

للحكيم المتألّه والمتكلم البارع عبد الرّزاق اللاّهيجي

(... ـ 1072 هـ )

الجزء الرّابع

تحقيق

الشّيخ أكبر أسدعلي زاده


صفحه 4

لاهيجي ، عبد الرزاق بن علي، قرن 11 ق .

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام / عبد الرزاق اللاهيجي ; تقديم وإشراف آية الله جعفر السبحاني ; تحقيق أكبر أسد علي زاده . ـ قم: مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1426 ق . = 1384 .

ج.    ISBN 978 - 964 - 357 - 277 - 8 (ج.4) ISBN 964 - 357 - 190 - 4(دوره)

فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.

1 ـ نصير الدين طوسى، محمد بن محمد، 597 - 672 ق. تجريد الكلام في تحرير العقايد الإسلام ـ ـ نقد و تفسير. 2. كلام شيعه اماميه ـ ـ متون قديمى تا قرن 14. الف. نصير الدين طوسى، محمد بن محمد، 597 ـ 672 ق. تجريد الكلام في تحرير العقايد الإسلام. شرح. ب. سبحاني تبريزي، جعفر، 1308 ـ ، مشرف . ج. أسد عليزاده، اكبر، 1343 ـ ، محقق . د. عنوان. هـ . عنوان : تجريد الكلام في تحرير العقايد الإسلام. شرح .

1383 3028ت6ن/ 210BP    4172 / 297

اسم الكتاب:   … شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام / الجزء الرّابع

المؤلــف:   … عبد الرّزاق اللاّهيجي

تقديم وإشــراف:   … آية الله جعفر السبحاني

المحقّـق:   … أكبر أسد علي زاده

الطبعــة:   … الأُولى ـ 1428 هـ

المطبعـة:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)

الكمّيّـة:   … 1000 نسخة

الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)

الصف والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط

حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

توزيع: مكتبة التوحيد: ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء

هاتف: 7745457 ـ 2925152

البريد الإلكترونيimamsadeq@gmail.com :

العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :


صفحه 5

بسم الله الرحمن الرحيم

(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ )

النحل: 125


صفحه 6

صفحه 7

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المشرف:

العلم وحقيقته

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخليقة المصطفى محمد وعلى آله الغر الميامين.

أمّا بعد، فإنّ الكتاب الّذي بين يدي القارئ هو الجزء الرابع من «شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام» وهو من آثار المحقّق الحكيم اللاهيجي (قدس سره)، وقد طرح فيه موضوعات مختلفة، وبسط الكلام في العلم وأفرغ مباحثه في اثنين وثلاثين فرعاً، وبلغ الغاية فيما رامه، إلاّ أنّ الّذي نركّز عليه ـ من مباحثه ـ هو تبيين حقيقة العلم وماهيّته.

عُرِّف العلمُ بتعاريف مختلفة غير جامعة ولا مانعة، (1) والّذي يمكن أن يقال ـ بصفة أنّه جامع ومانع ـ هو:

إنّ العلم عبارة عن حضور المعلوم لدى العالم، إمّا حضوراً بالمباشرة


1 . وقال المحقّق الطوسي: «لا يحدّ العلم» وسيوافيك وجهه في آخر المقدمة، وان العلم من سنخ الوجود ومثله لا يحدّ.


صفحه 8

كالعلم الحضوري، أو بغيرها كالعلم الحصولي .

وهذا التعريف يشمل جميع أقسام العلم الحضوري والحصولي.

إنّما الكلام في تفسير واقع الحضور وحقيقته، وانّه داخل تحت أيّة مقولة من المقولات العشر، فهناك آراء كثيرة نشير إلى أكثرها شهرة:

1. العلم من مقولة الإضافة

إنّ العلم من مقولة الإضافة بمعنى أنّه مجرد إضافة النفس إلى المعلوم الخارجي، فالنفس تنال المعلوم الخارجي من غير واسطة.

يلاحظ عليه: أنّ الإضافة المقولية تقوم بطرفين: ذاتِ المضاف، وذاتِ المضاف إليه ـ وهما الطرفان ـ والإضافة تقوم بهما، ولكنّ الإنسان يدرك ذاته، ولا معنى لوجود الإضافة بين الشيء ونفسه، كما أنّه ربما يدرك المعدوم، ولا معنى لوجود الإضافة بين الشيء والأمر المعدوم، فلو كان العلم مجرد الإضافة إلى الخارج لامتنع علم الإنسان بنفسه وعلمه بالمعدوم لعدم وجود الطرف الثاني للإضافة. وقد نسبه المحقّق الطوسي إلى أبي الحسين البصري وأصحابه ومن المتأخرين إلى الرازي .(1)

مضافاً إلى ما في القول بأنّ النفس تنال الخارج بلا واسطة من محاذير مذكورة في محلّها.


1 . رسالة شرح مسألة العلم ص 29 ولاحظ شرح الاشارات الفصل السابع من النمط الثالث .


صفحه 9

 

2. العلم من مقولة الكيف

إنّ العلم من مقولة الكيف، فهو كيف نفساني كسائر الصفات القائمة بالنفس كالحسد والبخل والشجاعة والجبن.

وأورد عليه: بأنّه يشترط في العلم الكاشف عن الواقع انخفاظ الذاتيات في أنحاء الوجودات: الوجود الخارجي والوجود الذهني، فإذا تعلّق العلم بالجوهر كالإنسان يلزم اجتماع مقولتين في شيء واحد، فالعلم بما أنّه من الصفات النفسانية فهو من مقولة الكيف، وبما أنّه يجب انحفاظ الذاتيات في أنحاء الوجودات: الخارجي والذهني فهو من مقولة الجوهر، فيلزم اجتماع الجوهر والذات في الصورة النفسانية.

ومن المعلوم أنّ المقولات العشر أجناس عالية متباينات بالذات، ليس فوقهن جنس فيلزم اجتماع الكيف والجوهر في شيء واحد، وهو نفس اجتماع المتبائنات بالذات.

وإلى ما ذكرنا يشير المحقّق السبزواري ـ في منظومته الفلسفية ـ بقوله:

والذات في أنحاء الوجودات حُفِظ *** جمعُ المقابلين مِنه قد لُحِظ(1)

أي فبما أنّ الوجود الذهني متّحد مع الخارج في الماهية ومختلف معه في مرتبة الوجود فلو تعلّق العلم بالإنسان يلزم أن يكون ما تعلّق به


1 . شرح منظومة السبزواري: 24 .


صفحه 10

العلم جوهراً ماهية، وبما أنّ العلم من مقولة الكيف يلزم أن يكون كيفاً، فكيف يجتمع الجوهر والعرض مع أنّهما أجناس عالية متباينة؟

والّذي سبّب هذا الإشكال هو لزوم انحفاظ الذاتيات في أنحاء الوجودات، فزيد الخارجي جوهر كما أنّ زيد الذهني جوهر كذلك، وإلاّ يلزم سلب الكاشفية عن العلم، وهو خلاف الأصل المسلّم عندهم.

إجابة السيد السند عن الإشكال

وقد أُجيب عن هذا الإشكال بمنع الأصل المذكور، وذلك لأنّ موجودية الماهية متقدمة على نفسها، فمع قطع النظر عن الوجود لا يكون هناك ماهية أصلاً.

والوجودان: الذهني والخارجي مختلفان بالحقيقة، فإذا تبدّل الوجود الخارجي إلى الذهني فلا يبعد أن تتبدّل الماهية أيضاً، مثلاً إذا وجد الشيء في الخارج كانت له ماهية إمّا جوهر أو كمّ أو أيّة مقولة أُخرى، فإذا تبدّل الوجود ووجد في الذهن انقلبت حقيقته وصارت من مقولة الكيف. وعندها اندفع الإشكال إذ ملاكه على أنّ الموجود الذهني باق على حقيقته الخارجية.(1)

وحاصله: أنّه ليس للشيء ـ بالنظر إلى ذاته ـ ماهيّة معيّنة، بل الموجود الخارجي كالإنسان إذا وجد في الذهن انقلب كيفاً، وإذا وجدت الكيفية الذهنية في الخارج انقلبت جوهراً.


1 . شرح منظومة السبزواري: 27 .


صفحه 11

يلاحظ عليه: بأنّ مرجع هذا القول إلى «السفسطة» ولزوم عدم العلم بواقع الشيء، إذ المفروض أنّ الموجود الخارجي بوصف كونه خارجياً من مقولة، وبوصف كونه موجوداً ذهنياً من مقولة أُخرى، فأين الرابطة بين الخارج والذهن؟ وكيف يمكن ادّعاء العلم بالخارج؟ وهذا يوجب أن ينسلك المجيب في سلك السوفسطائيين.

3. العلم في كل مقولة هو نفس المقولة

ذهب المحقّق الدواني إلى أنّ العلم إذا تعلّق بأي مقولة من المقولات فهو يندرج في سلك تلك المقولة، وذلك لأنّ مقتضى انحفاظ الذاتيات في أنحاء الوجودات ـ سواء أكان الوجود ذهنياً أو خارجياً ـ أن يكون العلم في كل مقولة تعلّق بها هونفس تلك المقولة.

فإن كان المتعلّق جوهراً فجوهر، وإن كان كمّاً فكمّ، وإن كان كيفاً فكيف.

وعلى ضوء ذلك فتسمية العلم بالكيف من باب المسامحة والتشبيه، أي تشبيه الأمر الموجود في الذهن بالعرض القائم بالجوهر كالبياض والسواد وإلاّ، فالعلم في كل مقولة نفس المقولة، وبذلك يكون العلم حاكياً عن الواقع وينسلك الإنسان في سلك العالمين بالحقائق .

نعم في مورد تعلّق العلم بالكيف يكون العلم كيفاً بالحقيقة، وبذلك يندفع توهم اندراج شيء واحد تحت مقولتين، بل الشيء في كل مورد يدخل تحت مقولة واحدة، ففي غير الكيف يدخل تحت أحد المقولات التسع، وفي الكيف تحت مقولته .


صفحه 12

وبذلك يظهر أنّ هنا إشكالاً واحداً نابعاً عن الجمع بين أمرين :

1. القول بانحفاظ الذاتيات في أنحاء الوجودات .

2. القول بأنّ العلم من مقولة الكيف، فالسيد السند صدر الدين هرب من الإشكال بالقول بالانقلاب، وبالتالي أنكر الأصل الأوّل المسلّم وهو انحفاظ الذاتيات في أنحاء الوجودات .

وأمّا المحقّق الدواني فقد تخلّص من الإشكال بحفظ الأصل المسلّم، أعني: انحفاظ الذاتيات في أنحاء الوجودات، ولكنّه أنكر الأصل الثاني، أي أن العلم مطلقاً من مقولة الكيف .

4. العلم نفس المقولة بالحمل الأوّلي وكيف بالشائع

وهذه النظرية تريد الجمع بين الأصلين ; انحفاظ الذاتيات في أنحاء الوجودات لكن بصورة الحمل الأوّلي وكون العلم من مقولة الكيف بصورة الحمل الشائع الصناعي، فهي قد جمعت بين الأصلين لكن الاختلاف بالحمل .

توضيحه: كان القدماء يعتبرون في صدق التناقض وحدات ثمانية، إلاّ أنّ صدر المتألهين ـ صاحب تلك النظرية ـ أضاف وحدة تاسعةوهي الوحدة في الحمل، فمثلاً قولنا: الجزئي جزئي والجزئي ليس بجزئي، كلاهما صادقان وليس بينهما تناقض ـ وإن كانا يبدوان أنّهما متناقضان في بادئ الأمر ـ وذلك لأنّ الحمل في الجملة الأُولى حملٌ أوّلي، أي أنّ مفهوم


صفحه 13

الجزئي نفس ذلك المفهوم ضرورة ثبوت الشيء لنفسه. وأمّا الحمل في الجملة الثانية فهو حمل شائع صناعي، أي أنّ مفهوم الجزئي ليس بجزئي، لأنّه يصدق على أفراد كثيرة، فزيد وعمرو وبكر من مصاديق الجزئي، كما أنّها من مصاديق الإنسان.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ المقولات الّتي تعلّق بها العلم لا تدخل تحت مقولة من المقولات إلاّ بصورة الحمل الأوّلي، وإلاّ فمفهوم الإنسان ليس إنساناً واقعاً، وهكذا سائر المفاهيم الواقعة في أفق النفس، فلا يقال للإنسان المتصور انّه إنسان، ولا للكمّ المتصور أنّه كمٌّ، إلى غير ذلك، إلاّ من باب الحمل الأوّليّ، إذا لا يصح سلب الشيء عن نفسه.

نعم هذه المفاهيم باعتبار وجودها الذهني وقيامها بالنفس كيف نفساني .

وإن شئت قلت: إذا وقع الإنسان في أُفق النفس وتعلّق به العلم فهنا أمران:

الأوّل: مفهوم الإنسان الّذي يُعرّف بأنّه حيوان ناطق، وهكذا سائر المفاهيم الواقعة في أُفق النفس، فهذه المتعلّقات بالعلم داخلة في نفس المقولة لكن دخولاً بالحمل الأوّلي، إذ لا يصح سلب الحيوان الناطق عن مفهوم الإنسان .

الثاني: الوجود الّذي هو نور ساطع من أُفق النفس على تلك المفاهيم المظلمة، فهو بهذا الاعتبار كيف حقيقي، قال (قدس سره)في تفسير ذلك:


صفحه 14

إنّ الجوهر وإن أُخذ في طبيعة نوعه كالإنسان، وكذا الكم في طبيعة نوعه كالسطح، فقد حُدّدا بما اشتمل عليهما، وكذا في بواقي الأجناس والأنواع. كيف ولو لم تؤخذ فيها لم يكن الأشخاص أيضاً جواهر أو كميّات أو غيرهما بالحقيقة وبالحمل الشائع، مع أنّها كذلك، لكنّه غير مجد، لأنّ مجرد أخذ مفهوم جنسي في مفهوم نوعي لا يوجب اندراج ذلك النوع في ذلك الجنس، كاندراج الشخص تحت الطبيعة ولا حمله شائعاً عليه، إذ لم يكن أزيد من صدق ذلك الجنس على نفسه حيث لا يوجب كونه فرداً من نفسه . بل الاندراج الموجب لذلك أن يترتب على المندرج آثار تلك الطبيعة المندرج فيها، كما يقال السطح كمّ متصل قارّ منقسم في الجهتين فيكون السطح باعتبار كميته قابلاً للانقسام وباعتبار اتصاله ذا حدّ مشترك، وباعتبار قراره ذا أجزاء مجتمعة في الوجود، وترتب الآثار مشروط بالوجود العيني كما في الشخص الخارجي من السطح، وأمّا طبيعة السطح المعقولة فلا تترتب عليها تلك الآثار كما لا يخفى، نعم مفاهيمها لا تنفكّ عنها.(1)

5. العلم من سنخ الوجود لا يدخل تحت المقولة

لقد بلغ صدر الحكماء الغاية في أنّ المفاهيم الذهنية من نفس تلك المقولة لكن بالحمل الأوّلي ، وليست من نفس المقولة بالحمل الشائع، فالنار في الذهن نار مفهوماً ولذا لا تحرق، والماء جسم رطب ذهناً ولذا لا يبرد، والكلّ إنّما يكون مصداقاً واقعاً إذا أُفيض عليه الوجود وخرج عن


1 . الأسفار الأربعة: 1 / 295 بتصرف.


صفحه 15

ظلمة الماهيّات إلى عالم نور الوجودات.

لكنّه (قدس سره)لو تأمّل في الأُصول الّتي أسّسها لصدّق أنّ العلم المتعلّق بها لا يدخل تحت المقولة، لا مقولة الكيف ولا غيرها، وذلك للضابطة الّتي تستفاد من كلماته وهو أنّ كل شيء يتعلّق بأكثر من مقولة واحدة لا يدخل تحت مقولة، وذلك كالأمثلة التالية:

أ. الوجود المنبسط، فإنّه يتعلّق بالمقولات العشر ولكنّه في حدّ نفسه لا جوهر ولا عرض ولا كمّ ولا كيف، بل هو نور ينوّر ما تعلّق به، وبذلك يصير بعد التعلّق في كل مورد نفس المقولة فيكون في الجوهر جوهراً وفي الكيف كيفاً. فالوجود، ليس من سنخ المقولات، وإلاّ لم يتعلّق إلاّ بمقولة واحدة، وبما أنّه في مقابل المقولات فليس له جنس ولا فصل وبالتالي لا يمكن التعرف على حقيقته إلاّ بالعنوان، لأنّ حقيقة الوجود نفس المنشئية للآثار، فكيف يقع في أُفق النفس الّتي لا تدرك سوى المفاهم المسلوبة عنها الآثار. ولذلك ذهب صدر المتألهين وتلامذة منهجه إلى أنّ حقيقة الوجود في غاية الخفاء، قال المحقّق السبزواري:

مفهومه من أعرف الأشياء *** وكنهه في غاية الخفاء(1)

ب. الوحدة الحقيقية، الّتي تساوق الوجود فقد تضاربت أقوالهم في بيان حقيقتها. (2) إلاّ أنّ الوحدة الحقيقية هي من سنخ الوجود، وهي تتعلّق


1 . شرح منظومة السبزواري: 4 .

2 . الأسفار: 2 / 82 . وقد نقل عن الشفاء ان الوحدة مغايرة للوجود. لاحظ : 2 / 90 .


صفحه 16

بأكثر من شيء واحد ويقال: الوجود مدار الوحدة والمهيّات مثار الكثرة فلأجل ذلك لا تدخل تحت مقولة واحدة، فهي كالوجود في كونها في كلّ مقولة نفسها.

ج. العلم، فحكمه حكم الوجود بل من سنخه حيث إنّ العلم يلقي الضوء على المفاهيم المظلمة. وهو يتعلّق بعامة المقولات العشر، وينوّرها ويظهرها في أُفق النفس، فلا يدخل تحت مقولة معيّنة بل يكون في حدّ ذاته فوق المقولات وفي كل مقولة نفسها. والعجب ان صدر المتألهين قد صرح بذلك في غير موضع من الاسفار .(1)

هذا ما أردنا توضيحه إلى القارئ الكريم حتّى يقف على بعض ما ذكر في ثنايا هذا الكتاب .

وفي الختام ندعو الله سبحانه وتعالى أن يوفق المحقّق لإخراج الجزء الأخير من هذه الموسوعة الكلامية بأفضل وجه، إنّه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

قم المقدسة

20 رجب 1428 هـ


1 . الاسفار: 1 / 290. قال: العلم لما كان مرجعه إلى نحو من الوجود....


صفحه 17

الفصل الخامس

 

في الأعراض

وفيه مقدمة ومباحث:


صفحه 18

صفحه 19

المقدمة

في حصر الأعراض

قال: وتنحصر في تسعة .

أقول: إنّ هذه المقدمة في بيان حصر الأعراض بل مقولاتها في تسعة: هي الكَمُّ، والكيف، والأين، والمَتى، والوضع، والمِلْك، والإضافة، وأنْ يَفعل، وأنْ يَنفعل، وكلّ منها جنس عال، والعادة جرت بتسميته مقولة، فالممكنات بأسرها منحصرةٌ في عشرة مقولات، واحدة منها مقولة الجوهر، والتّسعة منها هذه المذكورات، هذا مذهب أرسطو(1) ومن تابعه.(2)

وهل الممكنات منحصرة في هذه العشرة؟ بمعنى أن لا ممكن إلاّ وهو داخل فيها(3); أي في واحد منها، أو كان المعنى أنّ(4) مقولاتها منحصرة فيها، وإن كان كثير من الممكنات خارجة منها ; كالهيولى، والصّورة، والنّقطة، والوحدة زعماً أنّها مبادي المقولات وليست داخلة فيها، فإنّ الوحدة مبدأ العدد وليست بعدد، والنّقطة مبدأ بوجه مّا للمقدار، وليست


1 . لاحظ: منطق أرسطو: 1 / 35 و 2 / 502 .

2 . كالشيخ الرئيس في منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 83 / الفصل الخامس من المقالة الثّانية; وصدر المتألهين في الأسفار: 4 / 3 ; وفخر الدين الرازيّ في المباحث المشرقيّة: 1 / 164 .

3 . في د : جملة «وهو داخل فيها أي» ساقطة.

4 . في د: جملة «أو كان المعنى أنّ» ساقطة.


صفحه 20

بمقدار، وكلّ من الهيولى والصّورة مبدأ للجسم وليس بجسم، وكالعمى والجهل لكونهما من الأعدام.

ظاهر قوله: وتنحصر في تسعة ; ناظر إلى الأوّل. وكلام الشّيخ في "الشّفاء "صريح في الثّاني، فإنّه قال في جواب من ادّعى أنّ هاهنا أُموراً خارجة عن المقولات مباينة لها كالوحدة والنّقطة والهيولى والصّورة والعمى والجهل وما أشبه ذلك بهذه العبارة: «فنقول: إنّه ليس كلّ وجود أشياء لا يدخل في المقولات ضارّاً في أنّ المقولات كانت هي العشرة، بل نحو واحد منها وهو أن تكون أشياء لا تدخل في إحدى المقولات العشرة، ولها أجناس أُخرى هي أنواع تحتها، وإذ ليس يجب في بادي النّظر أن يكون لكلّ ذات موجودة مشارك في الحد هو آخر غيره موجوداً حتّى تكون تلك الذّات موجودةً، فليس يجب أن يكون لكلّ شيء نوعٌ مقولٌ على كثيرين بالفعل .

ولو كان أيضاً لكلّ شيء نوع مقول على كثيرين بالعدد، لم يجب أن يكون مع ذلك النّوع نوع آخر مشارك له في ماهيّة مشتركة، حتّى يكون هناك جنس، فلا يمتنع أن تكون أمور مفردة لا مشارك لها في نوعها، أو أنواع إنّما هي أنواع بالقياس إلى ما تحتها، ولا قياس لها إلى ما فوقها حتّى تكون هي أنواع أجناس فوقها، وإذ (1) كان هذا غير مستحيل لم يكن شيء


1 . في د : «وإذا». وفي المصدر: «وإذ كان العقل الأوّل لا يمنع هذا فليس مستحيلاً ظاهر الاستحالة بنفسه، وإذ ليس كذلك، فإن كانت أشخاص مفردة لا أنواع لها ألبتة، ولا أجناس على الشرط المذكور، وأنواعٌ لا أجناس لها، لم يكن شيء الخ».


صفحه 21

من ذلك داخلاً في مقولة من المقولات، وكان مع ذلك حقّاً ما قيل: من أنّ المقولات هي هذه العشرة ; إذ الخارج عنها ليس بمقولة في نفسه ولا في مقولة غيرها.(1)

فلو سلّمنا أنّ جميع ما أوردوا خارج عن المقولات، لم يكن ذلك موجباً أن لا تكون المقولات عشرة فقط، إلاّ أن يصحّ أنّ لتلك الأشياء أجناساً خارجة عن العشرة. انتهى كلام "الشّفاء " »(2).

والغرض من هذا الكلام: هو أنّ خروج شيء من المذكورات عن المقولات غير قادح في هذا الحصر، لكونه حصراً للمقولات لا للممكنات.

وأمّا أنّ ذلك ـ أعني: كون شيء من الممكنات خارجاً عن المقولات ـ هل هو واقع أم لا؟

فقد بسط الشّيخ الكلام فيه، وحاصل ما حقّقه هو(3): أنّ ما زعموا من أنّ كون شيء مبدأ لمقولة مانع عن دخوله في تلك المقولة ليس بحقّ، بل مناط الدخول في مقولة، والخروج عنها هو تحقّق رسم تلك المقولة في ذلك الشيء وعدم تحقّقه، فالهيولى والصّورة داخلتان في مقولة الجوهر لتحقّق رسم الجوهر فيهما، الوحدة والنّقطة ليستا داخلتين في الكّم لعدم تحقق رسم الكّم فيهما، فلو وجد شيء لم يتحقّق فيه رسم شيء من


1 . ومثال هذا أنّه لو قال قائل: إنّه لا بلاد إلاّ عشرة بلاد فوجد قوماً بداة لا يتمدنون، لم يصر وقوعهم خارجاً عن هذه البلاد سبباً في أن لا تكون هذه البلاد عشرةً.

2 . منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 70 ـ 71 / الفصل الرّابع من المقالة الثّانية.

3 . لاحظ: منطق الشفاء: 1 / المقولات / 71 ـ 77 .


صفحه 22

المقولات يكون ذلك الشيء لا محالة خارجاً عن المقولات بأسرها من دون أن يقدح في حصر المقولات .

وأمّا أعدام الملكات، فكما أنّها داخلة في الوجود بالعرض، فكذا هي داخلة في المقولات بالعرض. وليست بداخلة فيها بالذّات .

ثمّ إنّ تحقيق حصر المقولات في هذه العشرة يتوقّف على أُمور:

منها: أن لا يمكن اسناد هذه العشرة كلّها إلى جنس واحد كالوجود على ما ظنّ.

ومنها: أن لا يكون مفهوم العرض جنساً لهذه التّسعة، كما أنّ الجوهر جنس للخمسة المشهورة.

ومنها: أن لا يكون الأجناس العالية للعرض أقلّ من التّسعة، كما زعم بعضهم أنّها ثلاثة: الكمّ والكيف والمضاف، فإنّه يشمل البواقي من ذوات النّسبة. وبعضهم أنّها أربعة: الثّلاثة المذكورة والحركة .

ومنها: أن يكون مفهوم كلّ واحد من هذه التّسعة جنساً لما تحته لا مقولاً بالتشكيك، ولا من قبيل اللّوازم المتّفقة.

ومنها: أن لا يكون شيء من هذه التّسعة تمام حقيقة ما تحته من الأفراد، وإلاّ لكان نوعاً حقيقيّاً لا جنساً.

أمّا الأوّل ـ أعني: كون الوجود جنساً للمقولات العشرة ـ : فقد عرفت إشارة في أوائل الكتاب لكونه مقولاً بالتّشكيك، ومع ذلك، فهو زائد على


صفحه 23

الماهيّة، وليس من الأُمور المفوّتة للماهيّة.

قال الشيخ: «إنّ حال الوجود في هذه العشرة ليست حالاً واحدة، بل الوجود لبعضها قبل، ولبعضها بعد، كما للجوهر والعرض.(1)

ولبعضها أحقّ، ولبعضها ليس بأحقّ، كما للموجود بذاته والموجود بغيره.(2)

ولبعضها أحكم، ولبعضها أضعف، كما في الموجود القارّ والموجود الغير القارّ.

فليس وقوع الوجود عليها وقوعاً على درجة واحدة كوقوع طبائع الأجناس على أنواعها(3)، فهو إذن غير جنس .

ولو كان متواطئاً لم يكن أيضاً جنساً، فإنّه غير دالّ على معنى داخل في ماهيّات الأشياء.(4)

ولذلك إذا تصوّرت معنى المثلّث نسبت إليه الشكلية، ونسبت إليه الوجود، وجدت الشكليّة داخلة في معنى المثلّث دون الوجود حتّى يستحيل أن نفهم المثلّث أنّه مثلّث إلاّ وقد وجب أن يكون قبل ذلك شكلاً. ولست تحتاج في تصورك ماهيّة المثلّث أن تتصوّر أنّه موجود.


1 . إنّ الجوهر قبل العرض.

2 . إنّ الموجود بذاته أحقّ بالوجود من الموجود بغيره.

3 . في المصدر: «على أنواعها للّذي هو بالتواطؤ المحض».

4 . بل أمر لازم لها.


صفحه 24

فلذلك يمكنك أن تفهم ماهيّة المثلّث وأنت شاك في وجوده حتّى يبرهن لك أنّه موجود أو ممكن الوجود في الشكل الأوّل من كتاب إقليدس. انتهى ملخّصاً»(1).

وأمّا الثّاني ـ أعني: عدم كون مفهوم العرض جنساً لما تحته ; أي التّسعة ـ : فقد عرفت منّا في أوائل مباحث الجواهر (2) ما يكفيك في ذلك.

وقد قالوا أيضاً: إنّ المعنى من الجوهر ذات الشّيء وحقيقته بخلاف العرض، فإنّ معناه ما يعرض للموضوع وعروض الشيء للشّيء إنّما يكون بعد تحقّق حقيقته .

وأمّا الثّالث: فقد قال الشّيخ: «وأمّا الّذين تكلّفوا أن يجعلوا بعض هذه داخلاً في بعض، وأن يحصروها في مقولات أقلّ عدداً. (3) فيظهر لك بطلان هذا المذهب حين نعلّمك رسوم هذه وخواصّها; فيتّضح لك أنّها متباينة غير داخلة بعضها في بعض. وأنّ المضاف لا يمكن أن يشمل البواقي، لأنّ المضاف الحقيقي لا يحمل على شيء من المقولات الأُخرى حمل الجنس; ولكن يوجد في كلّ واحد منها بأن يعرِض له، فيكون له نسبة


1 . منطق الشفاء: 1 / المقولات / 60 ـ 61 / الفصل الأوّل من المقالة الثّانية.

2 . لاحظ : الجزء الثالث من هذا الكتاب المسألة الثّالثة من الفصل الأوّل من المقصد الثّاني.

3 . فمنهم من جعل المقولات أربعاً: الجوهر والكميّة والمضاف والكيفيّة، وجعل المضاف يعمّ البواقي لأنّها كلّها منسوبة. ومنهم من جمع الستّ في جنس خامس، إذ عدّ الأربعة; ثمّ قال والخامس الأطراف الّتي تأخذ من الكيفيّة شيئاً. وبطلان هذا المذهب وما يجانسه يظهر لك حيث نعلّمكَ رسوم هذه وخواصّها الخ.


صفحه 25

إلى شيء يصير بها مضافاً إليه، من غير أن يصير المضاف جنساً له. ونعرّفك أنّ الشيء لا يصير، بسبب أنّ له شيئاً، وأنّه في شيء أو مع شيء مضافاً إليه، بل بأن نأخذه بعد ذلك، من حيث له ذلك ; فيعرض له أن تكون ماهيّته من جهة هذا الاعتبار مقولة بالقياس إلى غيره، فإنّ كون زيد في الدّار هو نسبته الّتي هو بها أين، وهذه النّسبة ليست إضافة، بل أيناً.

ثمّ إن اعتبرت التكرر وجدت الموصوف بالأين يعرض له من حيث هو ذو أين، أن يصير مقول الماهيّة بالقياس إلى ما هو فيه، من حيث هو محوى وذلك حاو; لا من حيث هو أين فقط، بل هذه الحيثية (1) قد عرضت له الإضافة كالبياض، فإنّه من حيث هو بياض شيء، ومن حيث إنّه لذي البياض، أي للأبيض، فإنّ ماهيّته مقولة بالقياس إلى ذي البياض، لا ماهيّة أنّه بياض، بل ماهيّة أنّه للأبيض.

كذلك ليس كون الشّيء في مكان ; الّذي هو نسبة طرف واحد; هو نفس كون الماهيّة مقولة بالقياس إلى غيره; بل هو موضوع لذلك من حيث تصير النّسبة شاملة للطرفين، الحاوي والمحوى.

وقال: وأمّا الحركة، فإنّها إن كانت هي مقولة أن يَنْفَعِل، فما زادت جنساً; وإن لم تكن مقولة أن يَنْفَعِل، فإنّها لا يجب أن تكون جنساً، بل يجب أن تكون مقولة على أصنافها بالتّشكيك، وأن يكون ذلك هو المانع من أن تجعل الحركة هي نفس مقولة أن يَنْفَعِل، إن امتنع; وإلاّ فإن لم يكن هناك


1 . أي من حيث إنّه محويّ حاوية.


صفحه 26

مانع من هذا القبيل، فمقولة أن يَنْفَعل هي بعينها الحركة. وسيرد عليه الكلام في موضعه. انتهى»(1).

وأمّا الرّابع: فقال الشّيخ: «إنّ هذا شيء يحاوله جمهور المنطقيين ; وما أراني أفي به حقّ الوفاء ; فإنّ السبيل في تصحيح ذلك يحوج إلى أنحاء ثلاثة من النظر:

أحدها: أن يبيّن أنّه لا واحد من هذه المقولات إلاّ ويقال على ما تحته قول الجنس. وهذا يحوج إلى أن يبيّن أنّ حملها على ما تحتها ليس على سبيل الاتّفاق في الاسم، وليس على سبيل حمل معنى واحد مختلف بالتقدّم والتأخّر، فيكون على سبيل التّشكيك.

وليس أيضاً على سبيل قول اللّوازم(2)، أو الأمور الإضافيّة الّتي لا يتقوّم بها ماهيّة الشّيء، فإنّه إن كانت الكيفية مثلاً ليست تقع على الأشياء المجعولة أنواعاً لها على شرائط وقوع الجنس، لم تكن جنساً لما تحتها، بل إن كان حمل ما تحتها على ما هو أخصّ ممّا تحتها حمل مقوّم صار كلّ واحد ممّا تحتها بالحقيقة هو الجنس الأعلى، وكان مثلاً الجنسُ الواحدُ منها هو الّذي يسمّى كيفية انفعاليّة وانفعالات، والجنس الآخر مثلاً الملكات والحالات ; وكانت الكيفيّة مقولة عليهما، لا على سبيل قول الجنس، بل على


1 . ملخصاً. لاحظ : منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 66 ـ 70 / الفصل الثّالث والرّابع من المقالة الثّانية.

2 . الّتي تنال على ما تحتها بالسويّة، من غير اختلاف، ولكن لا يكون من المقوّمات ; بل يكون من اللّوازم أو الأُمور الإضافيّة الخ.


صفحه 27

سبيل قول اللّوازم، فكان عدد الأجناس الّتي بالحقيقة أجناس عالية فوق العدد المذكور.

وهذا الوجه من تدقيق النّظر هو شيء لم يشتغل به أحد ممّن سلف .

والوجه الثّاني: أن يبيّن أن لا جنس خارجاً عن هذه المذكورات بقسمه الموجود إلى أن تنتهي القسمة المحصّلة إلى هذه ; وإن سومح في أمر التقويم للذّات. وهو أيضاً ممّا لم يبلغنا فيه شيء حقيقيّ.

الثّالث: أن يبينوا بوجه آخر غير القسمة بياناً أنّه يستحيل أن يكون جنس غير هذه الأجناس، إن كان إلى مثل ذلك سبيل .

وما عندي أنّهم عملوا شيئاً يعتدّ به في ذلك.

ثمّ ذكر واحداً من أنحاء القسمة المشهورة فيه وزيفه. ثمّ تكلّف قسمة أخرى تقرِّب السّبيل إلى هذا الفرض.

وحاصلها: أنّ العرض إن قبل القسمة لذاته فالكمّ، وإلاّ، فإن لم يقتض النّسبة لذاته فالكيف، وإن اقتضاها فالنسبة: إمّا للأجزاء بعضها إلى بعض وهو الوضع، أو للمجموع إلى أمر خارج، وهو إن كان عرضاً: فإمّا كمّ غير قارّ فمتى، أو قارّ ينتقل بانتقاله فالملك، وإلاّ فالأين، وإمّا نسبة فالمضاف، وإمّا كيف والنّسبة إليه: إمّا بأن يحصل منه غيره فإن يَفْعَل، أو يحصل هو من غيره فإن يَنْفَعِل، وإن كان جوهراً، فهو لا يستحقّ النّسبة له وإليه إلاّ بعارض فيؤل إلى النّسبة إلى العرض ويندرج في ما ذكرنا.


صفحه 28

ثمّ قال: وهذا ضرب من التّقريب متكلّف لا أضمن صحته ; إلاّ أنّه أقرب ممّا حضرني في هذا الباب ; ويمكن أن ترام فيه وجوه أُخرى وتتكلّف، ولو رأيتُ في ذلك فائدة أو حجّة حقيقيّة لتوخّيتُ أن أقسّمه قسمة غير هذه تكون أقرب من هذا، ولكن القريب والأقرب، إذا لم يبلغا الحقّ نفسه، فهما بعيدان. انتهى»(1).

فقد ظهر ممّا ذكر: أنّ الحصر في التسعة ليس استقرائيّاً، بل هو شيء تخميني محض.

والعجب أنّ صاحب المواقف توهّم أنّ القسمة المذكورة استدلال من الشّيخ على صحّة الحصر.

ثمّ اعترض عليه بما في هذا التقسيم من التّرديدات النّاقصة والتعيّنات الغير اللاّزمة.

وبأنّه إن عوّل على الإستقراء كان هذا التّقسيم ضائعاً، ولزمه الرّجوع إلى الإستقراء من أوّل الأمر طرحاً لمؤنة هذه المقدمات. وإن أراد الإرشاد إلى وجه ضبط يُسَهّل الإستقراء ويُقلّل الانتشار، فلا بأس.(2)

وأمّا الخامس: فما بلغني فيه شيء من أحد، ولا يخفى صعوبة ذلك، ولا يكفي هذا أيضاً، بل لابدّ من بيان اشتمال كلّ واحد منها على أجناس وهو أيضاً ممنوع، لجواز كون ما تحت بعضها أنواعاً حقيقيّة، إلاّ أن يكون


1 . ملخصاً، لاحظ : منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 82 ـ 86 / الفصل الخامس من المقالة الثّانية.

2 . لاحظ : المواقف في علم الكلام: 98 ـ 99 .


صفحه 29

المراد من الجنس العالي هاهنا ما لا جنس فوقه، فجاز كون بعضها أجناساً مفردة، كما قيل.

وبالجملة: فالّذي استقرّ عليه رأي المتأخّرين ; إنّ هذا الحصر إستقرائيّ، ولا يخفى أنّ الإستقراء ضعيف جدّاً، كما أشرنا إليه.

وقد قيل: إنّ حصر الأجناس العالية للموجودات الممكنة في هذه العشرة ليس منقولاً عن أرسطو، بل هو ممّا أحدثه من بعده.


صفحه 30

 

المبحث الأوّل

في الكم

قال: الأوّل: الكمّ .

أقول: وهو أوّل المقولات التّسع على ما قال.

الأوّل: الكّم

وإنّما جرت العادة بتقديم الكمّ على غيره من الأعراض، لأنّه أعمّ وجوداً من الكيفيّة، وأصحّ وجوداً من الأعراض النسبيّة.

أمّا الأوّل: فلأنّ العدد من الكمّ ليس مقصوراً على الأُمور المقارنة للمادّة، بل يشمل الأُمور المفارقة الّتي لا يقبل كيفيّة، ولا شيئاً غريباً من جوهرها.

وأمّا الثّاني: فلأنّ شيئاً من الأعراض النّسبية غير متقرّر في ذات موضوعه بخلاف الكمّ.

وأيضاً الكمّية إذا شاركت الكيفيّة في الجواهر، فإنّها تلزم أوّل جوهر منها وهو الجسم، والكيفيّات تلزم الجواهر النوعيّة السّافلة والمتوسطة بعد الجسمية، كذا في "الشّفاء " .(1)

وفي هذا المبحث مسائل :


1 . منطق الشفاء: 1 / مقولات / 116 .


صفحه 31

 

المسألة الأُولى

في تقسيم الكمّ (1)

قال: فمتّصله القارُّ: جسم وسطح وخطّ، وغيره: الزّمان، ومنفصله: العدد .

أقول: إنّ هذه المسألة في تقسيم الكمّ إلى المتّصل والمنفصل ، ولم يعرّفه أوّلاً لشهرته، وتقرره في الأذهان، وهو أنّ الكمّ ما يقبل القسمة لذاته.

والمراد من القسمة هاهنا هو الفرضيّة; أي ما يمكن أن يفرض فيه شيء دون شيء ; سواء كان المفروض واقعاً، كما في العدد أم لا، كما في المقدار، لا الانفكاكيّة لعدم قبول المقدار إيّاها ضرورة انعدام المقدار وعدم بقائه عند طريان الانفكاك، والقابل حقيقة يجب اجتماعه مع المقبول، فهذه القسمة إنّما يقبلها المادّة بإعداد المقدار، والمعدّ لا يجب بقاؤه مع المعدّله، هذا تعريفه .

وأمّا تقسيمه، فأشار إليه بقوله: فمتصله القارّ: جسم وسطح وخط،


1 . راجع لمزيد التحقيق الكتب التالية: المنطق أرسطو: 1 / 43 ـ 47 ; والمنطق عند الفارابي: 95 ـ 99 ; وكتاب المشارع والمطارحات: 235 ـ 240 و 244 ـ 248 ; ومنطق الشّفاء: 1 / المقولات / 116 ـ 124 ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 178 ـ 183 / الفصل الثّالث من الفنّ الأوّل; والجوهر النضيد: 26 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 323 ـ 328 ; والأسرار الخفيّة في العلوم العقليّة: 446ـ 448; وايضاح المقاصد: 168 ـ 170 ; التحصيل: 352 ـ 361 / الفصل الأوّل من المقالة الثّانية; والأسفار: 4 / 13 ـ 16 .


صفحه 32

وغيره; أي غير القارّ الزّمان. ومنفصله: العدد.

بيان ذلك: أنّ الكم لما كان مشتملاً على الأجزاء إمّا بالقوّة أو بالفعل، فإن كانت بحيث يشترك في الحدود ـ أي يكون بين كلّ جزأين منه أمر يكون نسبته إليهما على السّواء كالنّقطة القاسمة للخطّ إلى نصفين مثلاً، فإنّها بحيث لو اعتبرت نهاية لأحدهما أمكن اعتبارها نهاية للآخر، ولو اعتبرت بداية لأحدهما أمكن اعتبارها بداية للآخر. وهذا هو المراد بالحد المشترك، ويجب كونه مخالفاً بالحقيقة لما هو حدّ له، لأنّه بحيث لو انضمّ إليه أو نقص منه لم يزد ولم ينقص، وإلاّ لكان جزءاً آخراً، فيكون القسمة إلى اثنين قسمة إلى ثلاثة ـ فمتصل، وإن لم يكن أجزاؤه مشتركة في الحدود كالعشرة ـ فإنّه ليس بين أجزائه حدّ بالصّفة المذكورة، فإنّ السّادس مثلاً جزء من الستّة داخل فيها وخارج من الأربعة والرّابع بالعكس، فليس شيء منهما ممّا يشترك فيه الحدّان ـ فمنفصل.

والمتصل إن اجتمعت أجزاؤه في الوجود فقارّ، وهو إن كان قابلاً للقسمة في الجهات الثّلاث فجسم تعليمي، أو في الجهتين فسطح، أو في جهة فخطّ. وإن لم يجتمع فغير قارّ، وهو قسمٌ واحدٌ وهو الزّمان، لأنّه قد ثبت في موضعه أن كلّ متّصل بذاته على سبيل التجدّد فهو هيئة حركة، وإنّ ذلك هو الزّمان، كما أنّ المنفصل قسمٌ واحدٌ هو العدد لا غير، لأنّ حقيقته ما يجتمع من الوحدات، ولا معنى للعدد سوى ذلك.

قال الشّيخ: «وأمّا الكمّية المنفصلة، فلا يجوز أن تكون غير العدد، فإنّ


صفحه 33

المنفصل قوامه من متفرقات، والمتفرقات من آحاد، والآحاد: إمّا نفس المعنى الّذي لا ينقسم، من حيث هو لا ينقسم، أو شيء فيه الوحدة، وهو ذو وحدة وله وجود آخر حامل للوحدة، فالوحدات هي الّتي لذاتها يجتمع منها شيء ذو كمّ منفصل لذاته، يكون عدده مبلغ تلك الوحدات. وأمّا الأُمور الّتي فيها تلك الوحدات، فجملتها حاملة للعدد الّذي هو لذاته كمّ منفصل. ثمّ لا يوجد فيها معنى كميّة منفصلة غير معنى اجتماع تلك الأحاديّة»(1).


1 . منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 120 ـ 121 .


صفحه 34

 

المسألة الثّانية

في خواصّ الكمّ (1)

قال: ويشملها قبول المساواة وعدمها، والقسمةِ، وإمكانُ وجود العادّ فيه .

أقول: إنّ هذه المسألة في خواصّ الكمّ الشّاملة لقسميه معاً وهي ثلاثة:

الأُولى: ما أشار إليه بقوله: ويشملهما; أي المتّصل والمنفصل قبول المساواة وعدمها، فإنّهما من الأعراض الذّاتية الأوّلية للكمّ من حيث هو كمّ، وإنّما يعرض لغيره بتوسّطه، فإنّ الجسم الصّغير والكبير متوافقان في الجسميّة ومتفاوتان في المقدار، فلو كان قبول المساواة وعدمها لأجل الجسميّة لكان كلّ ما يساويه الجسم الكبير يساويه الجسم الصغير لعدم تفاوتهما في الجسميّة .

فإن قيل: هذا الدّليل مقلوب، لأنّ ذلك إن كان لنفس المقدار لزم مساواة الصّغير والكبير لاشتراكهما في المقدار.


1 . لاحظ البحث في الكتب التالية: منطق أرسطو: 1 / 47 ـ 48 ; وكتاب المشارع والمطارحات: 243 ـ 248 ; ومنطق الشّفاء: 1 / المقولات / 134 / الفصل الثّاني من المقالة الرّابعة; والأسرار الخفيّة في العلوم العقليّة: 449 ـ 451 ; وشرح حكمة العين: 267 ـ 269 ; وايضاح المقاصد: 166 ـ 168 ; والتحصيل: 361 ـ 364 / الفصل الثّاني من المقالة الثّانية.


صفحه 35

أجيب: بأنّ قبول المساواة وعدمها ليس لمطلق المقدار ليلزم ذلك، بل للمقدار الخاصّ الّذي ليس مشتركاً بين الصّغير والكبير. ولا يمكن أن يكون ذلك القبول للجسميّة الخاصّة الّتي هي معروض للمقدار، لأنّ تلك الجسميّة لا يخالف جسميّة أُخرى إلاّ بذلك المقدار.

هكذا قالوا: وعليه منع، وإن كان مكابرة.

والأولى على ما قال المحقّق الشّريف أن يقال: «فإنّ العقل إذا لاحظ المقادير والأعداد ولم تلاحظ معها شيئاً آخر أمكنه أن يحكم بأنّ واحداً منهما مساو لآخر، أو زائد عليه، أو ناقص منه. وإذا لاحظ شيئاً غير الكمّ، ولم يلاحظ معه مقداراً ولا عدداً لم يمكنه ذلك»(1).

والثّانية: قبول القسمة ; أي بالذّات، فإنّ غيره إنّما يقبل القسمة بواسطة الكمّ لا محالة، بخلاف الكمّ، فإنّه يقبلها لا بواسطة غيره.

ونقل في شرح المقاصد عن الإمام(2): إنّ هذه الخاصيّة; أي قبول القسمة، إنّما يلزم الكمّ بسبب الخاصّة الأُولى، لأنّه لمّا كانت الأجسام تتقدّر بعضها بالبعض من غير لزوم المساواة، وجب أن يكون فيها ما يقبل المساواة و(3)اللاّمساواة لذاته، وهو المقدار، ولا يتصور اللاّمساواة إلاّ بأن يشتمل أحدهما على مثل الآخر مع زيادة، فلزم أن يقبل القسمة ; أي فرض شيء دون شيء. انتهى»(4).


1 . نقل باختلاف يسير. لاحظ : شرح المواقف: 5 / 59 .

2 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 175 ـ 176 .

3 . في المصدر: «أو اللاّمساواة».

4 . شرح المقاصد: 2 / 170 .


صفحه 36

وهو مستفاد من كلام الشّيخ حيث قال: «وهذا الجسم المحسوس ليس يتجزّأ إلاّ من حيث فيه بُعد، فينقسم ذلك البُعد إلى ما ينقسم إليه. فالجزء له من حيث هو ذو ذلك المقدار ; لا من حيث هو جسم على الاطلاق، أو جسم جوهريّ، فإنّ الجزء له من حيث تفاوت وتساوي، لا من حيث لا يقبل مفاوتة ومساواة. انتهى»(1).

وفي " المواقف (2)" فعل عكس ذلك: فإنّه جعل قبول المساواة واللاّمساواة فرعاً لقبول القسمة: وقال: «لأنّه إذا فرض أجزاء في كمّ: فإمّا أن يوجد بازاء كلّ جزء مفروض في ذلك الكمّ جزء مفروض في كمّ آخر، أو أكثر أو أقلّ، فيتّصف حينئذ الكمّ الأوّل بالمساواة أو بالزّيادة أو بالنّقصان مقيساً إلى الكمّ الثّاني. انتهى»(3).

وهو صريح كلام الشّيخ (4): حيث نقل عن بعض المتقدمين مرتضياً أنّه يتولّد من أنّ الكمّية يحتمل التّقدير أن يقال مساو أو غير مساو، وسيأتي .

وقال شارح المواقف: «والظّاهر أنّ ما في الكتاب إنّما هو في المساواة واللاّمساواة العدديّة، وإنّ عكسه إنّما هو في المساواة واللاّمساواة المقداريّة. انتهى»(5).


1 . منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 118 / الفصل الرّابع من المقالة الثالثة.

2 . لاحظ : المواقف في علم الكلام: 104.

3 . مطابقاً على شرح المواقف: 5 / 59 ـ 58 .

4 . لاحظ : منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 121 / الفصل الرّابع من المقالة الثّالثة.

5 . شرح المواقف: 5 / 60 .


صفحه 37

فليتأمّل.

والثّالثة: إمكان وجود العادّ فيه(1); أي اشتماله على أمر يعده، ويفنيه بالاسقاط عنه مراراً: إمّا بالفعل كما في الكمّ المنفصل فإنّ الأربعة تعدّ بالواحد أربع مرات، وإمّا بالقوّة كما في المتّصل، فإنّ السَّنة تعدّ بالشّهور، والشّهر بالأيّام ،واليوم بالسّاعات، والذّراع يعدّ بالقبضات، والقبضة بالأصابع، والأصابع بالشّعيرات، والشّعيرة بالشّعرات.

وقول الإمام: «إنّ هذه الخاصيّة هي الّتي تصلح لتعريف الكمّ بها لا الأولى، لأنّ المساواة لا تعرف إلاّ بالاتّفاق في الكمّ وهو دور. ولا الثّانية، لأنّ قبول القسمة من عوارض المتّصل لا المنفصل، فلا يشمله التّعريف» لا وجه له، لأنّ المساواة غير محتاجة إلى التّعريف، كما اعترف هو به أيضاً. وقبول القسمة الّتي هي فرض شيء دون شيء هاهنا كما مرّ ; أعم من أن يكون الأقسام المفروضة حاصلة بالفعل أو بالقوّة على ما عرفت.

وأمّا ما وقع في " المواقف ": من أنّه أخذ القسمة الإنفكاكيّة، فسهو (2) إذ الإمام (3) مصرّح في هذا الموضع بأنّ الإنفكاكيّة يستحيل عروضها للمقدار، إذ عندها يبطل المقدار، كذا في "شرح المقاصد " .(4)


1 . في كتاب تجريد الاعتقاد ومتن كشف المراد: لفظ «فيه» ساقط.

2 . أي قوله: نعم الكمّ يعدّ المادّة لقبول القسمة الإنفكاكيّة الخ. لاحظ: المواقف في علم الكلام: 104 .

3 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 174 ـ 175 .

4 . لاحظ: شرح المقاصد: 2 / 171 ـ 172 .


صفحه 38

 

المسألة الثّالثة

في انقسام الكمّ إلى الذّاتي والعرضيّ (1)

قال: وهو ذّاتيّ وعرضيّ .

ويعرض ثاني القسمين فيهما لأوّلهما.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان تقسيم الكمّ ; إلى الكمّ بالذّات: وهو الّذي عدّ من المقولات، وإلى الكمّ بالعرض: وهو ماله ارتباط بالكمّ بالذّات مصحّح لإجزاء أوصافه عليه. وذلك: إمّا بالمحليّة كالجسم، أو بالحاليّة في نفس الكمّ كالشكل، أو في محل الكمّ كالسّواد والبياض. وأمّا يتعلّق وراء هذه التعلّقات مصحّح لإجزاء الأوصاف كالتّناهي واللاّتناهي في القوّة باعتبار آثارها في الشّدة، أو المدّة، أو العدّة.

وإلى هذا التّقسيم أشار بقوله: وهو ذاتيّ وعرضيّ .

وقد تكون كمّ واحد كمّاً بالذّات وكماً بالعرض باعتبارين كالزمان، فإنّه كمّ بالذّات باعتبار ذاته، وكم بالعرض باعتبار انطباقه على المسافة بتوسّط الحركة.


1 . راجع لمزيد التحقيق: منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 127 / الفصل الأوّل من المقالة الرّابعة; والمباحث المشرقيّة: 186 ـ 188 ; وايضاح المقاصد: 170 ـ 171 ; وشرح المقاصد: 2 / 174 ـ 176 .


صفحه 39

ويعرض ثاني القسمين في تقسيم الكمّ المتّصل والمنفصل، وهو المنفصل، فيهما لأوّلهما، أي لأوّلهما فيهما، يعني لأوّل هذين القسمين وهو المتّصل فيهما; أي في الذّاتيّ والعرضيّ.

والحاصل: أنّ الكمّ المنفصل يعرض للكم المتّصل الذّاتي، والكمّ المتّصل العرضيّ، إذ العدد ممّا يعرض لجميع الأشياء.

وقد يعرض الكم المنفصل بالذّات للكم المنفصل بالذّات كما في قولنا: «خمس عشرات» فيصير المنفصل بالذّات منفصلاً بالعرض.


صفحه 40

 

المسألة الرّابعة

في نفي التّضاد عن الكمّ

قال: وفي حصول المنافي وعدم الشّرط دلالةٌ على انتفاء الضدّيّة.

ويوصف بالزّيادة والكثرة، ومقابليهما، دون الشّدّة ومقابلها.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان أنّ الكمّ لا ضدّ له وهو من خواصّه الإضافية لمشاركة الجوهر معه في هذا الحكم كما مرّ سابقاً.

قال في " الشّفاء " نقلاً عن بعض المتقدّمين: «إنّ للكمّيّة خاصيّتين أوليين: إحداهما أنّ الكميّة يحتمل التّقدير ; والأُخرى أنّ الكميّة لا مضادّ لها. ثمّ إنّه قد يتولّد من هاتين الخاصيّتين خاصيّتان أُخريان، فيتولّد من أنّ الكميّة تحتمل التّقدير أنّه يقال: مساو وغير مساو، ويتولّد من أنها لا مضادّ لها أنّها لا تقبّل الأشدّ والأضعف ».

ثمّ قال: «فنقول: نحن إنّ الخاصيّة الأُولى للكميّة هي الّتي منها ينقدح لنا الوقوف على معنى الكميّة وأنّها لذاتها لا لشيء آخر يحتمل أن يوقع فيها التّقدير .

وأمّا أنّها لا مضادّ لها فأمر لا ينتقل الذّهن من الوقوف عليه إلى التّفطن


صفحه 41

بماهيّة الكمّ. وكيف، وهذه ممّا يشارك الجوهر فيها؟ فإنّها من الخواصّ الّتي بالقياس، لا الّتي على الإطلاق ».

ثمّ احتجّ على نفي المضادّة: «بأنّ الكميّات المتّصلة قد تتوافر معاً في موضوع واحد، وبعضها نهايات بعض، وأنّ المنفصلات كيف يمكن أن يفرض لواحد منها ضدّ، وأيّ شيء وضع ضدّاً للاثنين أو الثّلاثة من جملتهامثلاً، فهناك شيء هو أبعد مشاكلة للاثنين والثّلاثة، وهوالعدد الأزيد منه؟ انتهى»(1).

وفيه دلالة على أنّ الجسم التّعليمي والسّطح والخطّ جميعاً حالة في الجسم الطبيعي لكنّ بعضها بتوسّط بعض وإنّ الجسم الطبيعي موضوع لها جميعاً، كما مرّ في مباحث الجواهر، وأنّ الاجتماع بالتوسط أيضاً ممّا ينافي الضديّة .

وإلى هذه الحجّة أشار المصنّف بقوله: وفي حصول المنافي ; أي الاجتماع في الموضوع في المتّصلات، وعدم الشرط ; أي غاية الخلاف في المنفصلات دلالة على انتفاء الضّدية في الكمّ مطلقاً.

ثمّ أشار إلى الخاصّة المتولّدة من نفي التضّاد بقوله: ويوصف ; أي الكمّ بالزّيادة، والكثرة، ومقابلهما دون الشدّة، ومقابلها.

فإنّه يقال: هذا الخطّ أزيد أو أنقص من ذلك الخطّ، وإنّ هذا العدد أزيد وأكثر أو أنقص وأقلّ من ذلك العدد.


1 . منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 134 ـ 135 / الفصل الثّاني من المقالة الرّابعة.


صفحه 42

ولا يقال: إنّ هذا الخطّ أو العدد ; أشدّ أو أضعف من ذلك الخطّ أو العدد، والسبّب في ذلك هو أنّ الشدّة: عبارة عن بعد أحد الضدّين عن الضدّ الآخر. والضّعف: عبارة عن قربه منه كما يقال: هذه الحرارة أشدّ من تلك الحرارة، فإنّ معناه أنّ هذه الحرارة أبعد بالقياس إلى البرودة من تلك الحرارة، وتلك الحرارة أقرب إلى البرودة من هذه الحرارة.

وكذا الحال في قولنا: هذا السّواد أشدّ من ذلك السّواد، فإنّ معناه أنّ هذا أبعد من البياض، وذلك أقرب إليه، إلى غير ذلك من الأمثلة.

فتحقّق الشدّة والضّعف في شيء فرع تحقّق التّضاد فيه، بخلاف الزّيادة والكثرة، ومقابليهما، فتدبّر.


صفحه 43

 

المسألة الخامسة

في أنواع الكمّ المتّصل

قال: أنواعُ المتّصل قد تكون تعليميّةً.

وإن كانت مختلفة بنوع من الاعتبار.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان أنّ كلاًّ من الأنواع الثّلاثة للكمّ المتّصل القارّ الذّات وهي الجسم التّعليمي والسّطح والخطّ، وإن كان في وجوده محتاجاً إلى المادّة، لكن يمكن اعتباره من حيث هو هو من غير التفات إلى المادّة بحيث يكون من هذه الحيثيّة مناطاً لكثير من الأحكام، فإنّ علوم الرّياضيات كلّها مبنيّة على هذا الاعتبار المأخوذ من هذه الحيثيّة.

وإلى هذا أشار بقوله: وأنواع المتّصل ; أي القارّ ـ وهي الجسم التّعليمي والسّطح والخط ـ قد تكون تعليميةً; أي مأخوذة بحيث تنسب إلى التّعاليم، وهي العلوم الرّياضيّة لكونها موضوعة لها.

وإنّما سمّيت بالعلوم التّعليميّة والتّعاليم، لأنّهم كانوا يبتدأون بها في تعليم مبتديهم رياضة للنّفوس وتأنيساً لها باليقينيّات وتبعيداً لها عن الغلط لكونها علوماً دقيقة، ومع ذلك متسقة قلّما يضلّ الفكر فيها.

وإن كانت تلك الأنواع مختلفة بنوع من الاعتبار .


صفحه 44

وهو أنّ الجسم التّعليمي من جملتها كما يمكن اعتباره من حيث هو هو، وهو اعتباره لا بشرط شيء يمكن اعتباره بشرط لا شيء أيضاً. وقد مرّ الفرق بينهما سابقاً .

بخلاف السّطح والخطّ، فإنّه لا يمكن اعتبارهما بشرط لا شيء، فإنّا لا يمكننا أن نتخيّل بُعداً ممتدّاً في جهتي الطّول والعرض ; مجرّداً عن الإمتداد العُمقي، فيمتنع تخيّل السّطح بشرط عدم الجسم التّعليمي ـ أعني: أن يكون صورة السّطح ـ حاصلة في الخيال، ولا يكون صورة الجسم التّعليمي حاصلة فيه، بل المتخيّل لنا عند تخيّلنا السّطح، هو الجسم التّعليمي المتناهي ويكون طرفه سطحاً، وإنّما قيّدنا بالمتناهي، إذ لا يمكن تخيّل الغير المتناهي كما لا يمكن وجوده، بل الممكن إنّما هو تعقّله فقط.

وكذا الكلام في الخطّ، بل في النّقطة أيضاً، وإن لم يكن ممّا نحن بصدده.

فهذه الأُمور ـ أعني: النّقطة والخطّ والسّطح ـ إنّما يمكن تعقّلها على وجه كلّي، ولا يمكن تخيّلها ; أي من حيث هي نقطة فقط، وخطّ فقط، وسطح فقط، وإن أمكن تخيّل كلّ منهما من حيث هو هو، أعني: أنّه يمكن تخيّل السطح من حيث هو من غير التفات إلى الجسم التعليمي وإن كان معه، وتخيّل الخط من غير التفات إلى السطح وإن كان معه، وتخيّل النّقطة من غير التفات إلى الخطّ وإن كان معها، فأمّا الجسم التّعليمي، فإنّه يمكن تخيّله فقط; أي بشرط تجرّده عن الجسم الطّبيعي، كما يمكن تخيّله من حيث هو; أي من غير التفات إلى الجسم الطّبيعي .


صفحه 45

هذا خلاصة ما أفاده المحقّق الشّريف.(1)

والمراد بتخيّل الغير المتناهي أن يكون الصّورة الخياليّة غير متناهية، فلا يرد أنّ مساواة الصّورة لذي الصّورة غير لازمة، فلِمَ لا يجوز أن يكون الجسم المتخيّل غير متناه، وصورته الحالة في القوّة متناهية؟ على ما توهّمه الشّارح القوشجي (2) كيف وإذا كان صورته متناهية وهو في الوجود متناه، فأين الجسم المتخيّل الغير المتناهي؟

والمراد بتخيّل الخطّ مثلاً من غير التفات إلى السّطح، إنّما هو اعتبار الخيال من جملة هذا المتخيّل الّذي هو مجموع السّطح والخطّ إيّاه، والتفاته إليه من غير أن يعتبر السّطح معه، فيكون صورة السّطح أيضاً حاصلة في الخيال، لكنّها ليست ملتفتاً إليها في هذه الملاحظة، فلا منافاة بين إمكان تخيّل الخطّ بهذا المعنى، وبين عدم إمكان تخيّله على ما توهمه الشّارح القوشجي(3) أيضاً. فإنّ المراد هو عدم إمكان تخيّل الخطّ فقط من دون أن يكون صورة السّطح حاصلة في الخيال، كما بيّنا.


1 . لاحظ : شرح المواقف: 5 / 75 ـ 79 .

2 . انظر: شرح تجريد العقائد: 223 .

3 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 223 .


صفحه 46

 

المسألة السّادسة

في إثبات عرضيّة الكمّ

قال: وتخلّف الجوهريّة عمّا يقال في جواب «ما هو؟» يعطي عرضيّته.

والتّبدّل مع بقاء الحقيقة، وافتقارُ التّناهي إلى البرهان، وثبوتُ الكرة الحقيقيّة، والافتقار إلى عرض، والتقوّم به يعطي عَرَضيّة الجسم التّعليميّ، والسّطحِ، والخطِّ، والزّمانِ، والعددِ.

أقول: وسلك المصنّف في ذلك طريقين:

الأوّل: إثبات عرضيّة طبيعة الكمّ المطلق بما هو كمّ من غير إلتفات إلى أنواعه، لأنّه إذا ثبت عرضيّة الطّبيعة ثبت عرضيّة جميع أفرادها.

وإلى هذا الطّريق أشار بقوله: وتخلّف الجوهريّة عمّا يقال في جواب ما هو؟ (1) يعطي عرضيّته ; أي عرضيّة الكمّ مطلقاً.

بيان ذلك: أنّ السّؤال بما هو؟ سؤال عن حقيقة الشّيء، فما يقال في جوابه ينبغي أن يكون منبئاً عن حقيقته، والمنبئ عن حقيقة الشّيء إذا كان الشّيء مركّباً من الجنس والفصل، إنّما هو حدّه المركّب منهما وإذا كان بسيطاً لا تركيب فيه كما في الأجناس العالية إنّما هو حدّه المأخوذ من


1 . في أكثر النسخ: «ما هو في كلّ واحد».


صفحه 47

لوازمه الذّاتية المنتزعة من حاقّ الشّيء، فإنّه في إفادة كنه الشّيء ليس بأقلّ من الحدّ المركّب من الجنس والفصل كما ثبت في موضعه وصرّح به الشّيخ. وحدّ الكمّ كما عرفت ما يقبل القسمة لذاته على المشهور، أو أمر آخر ممّا هو مأخوذ من خواصّه الذّاتية الّتي قد مرّت. وقد تخلّف عنه ما يدلّ على الجوهريّة كما لا يخفى على من نظر فيه، فلو كان جوهراً لما تخلّف عنه .

وهذا الّذي حملنا كلامه عليه، وهو الظاهر من كلامه أولى ممّا حمله عليه الشّارحون، وهو أنّ معنى الجوهريّة قد تخلّف عمّا يقال في جواب السؤال عن نوع نوع من الكّم ; أي عن حدّ الجسم والسّطح والخطّ والزّمان والعدد.(1)

ثمّ اعترضوا عليه بمنع بطلان التالي. وأنّ ما ذكر في تعريفات هذه الأنواع ممّا تخلّف معنى الجوهريّة عنه لعلّه من قبيل الخواصّ الّتي لا يقال عليها في جواب ما هو.

الثّاني: إثبات عرضيّة كلّ نوع من أنواع الكمّ على حدة.

أمّا عرضيّة الجسم التّعليمي، فالدّليل عليه هو تبدّله مع بقاء الجسميّة المشخّصة كما نشاهد في الشمعة المدورة تارة، والمكعّبة أُخرى، إلى غير ذلك من الأشكال مع بقاء جسميّتها المعيّنة. وهذا المتبدّل هو نفس مقدار


1 . لاحظ : كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: المسألة الرابعة من الفصل الخامس من المقصد الثّاني; وشرح تجريد العقائد: 224 .


صفحه 48

الشمعة المسمّى بالجسم التّعليمي لا أمر آخر عارض له، إذ لا نعني بمقدار الشّمعة إلاّ هذا الطّول والعرض والعمق باعيانها. فهذا المقدار يزول والجسميّة باقية، فلو كان جوهراً لكان إمّا نفس هذه الجسميّة، وإمّا ذاتياً لها. وعلى أيّ التقديرين، يمتنع بقاؤها مع زواله.

وإلى هذا أشار بقوله: والتبدّل مع بقاء الحقيقة.

وأمّا الدّليل الخاصّ بإثبات عرضيّة السّطح: فهو أنّ السّطح إنّما يعرض للجسم بواسطة التّناهي، وهو ليس من مقوّماته لافتقاره إلى الاستدلال على ما مرّ، وما ثبت لشيء بواسطة أجنبيّة لا يمكن أن يكون ذاتيّاً له، فهو خارج عن الجسم عارض له، وهو المطلوب.

وإلى هذا أشار بقوله: وافتقار التّناهي إلى برهان .

وأمّا الدّليل الخاصّ بالخطّ: فهو أنّ الجسم قد يوجد بدون الخطّ كما في الكرة الحقيقيّة، وتحقّق الشّيء بدون مقوّمه محال، فالخطّ ليس بمقوم للجسم، بل عرض وهو المطلوب.

وهذا معنى قوله: وثبوت الكرة الحقيقيّة .

وأمّا الدّليل الخاصّ للزّمان: فهو أنّه مفتقر إلى الحركة لكونه مقداراً لها، وهي عرض والمفتقر إلى العرض عرض.

وهذا معنى قوله: والإفتقار إلى عرض.

وأمّا الدّليل المختص بالعدد: فهو أنّه متقوّم عن الوحدات كما مرّ


صفحه 49

سابقاً، وهي أعراض لا محالة، والمتقوّم من الأعراض لايكون جوهراً.

وهذا معنى قوله: والتقوّم به ; أي بالعرض.

وقوله: يعطي عرضيّة الجسم التّعليمي والسّطح والخطّ والزّمان والعدد نشر على ترتيب اللّف، وهو خبر المبتدأ.


صفحه 50

 

المسألة السّابعة

في إثبات وجوديّة السّطح والخطّ والنّقطة

قال: وليست الأطراف أعداماً، وإن اتّصفت بها مع نوع من الإضافة.

والجنس معروض التّناهي وعدمه، وهما اعتباريّان .

أقول: إنّ هذه المسألة: في إثبات وجودية السّطح والخطّ بل النّقطة أيضاً، وإن لم يكن ممّا نحن فيه لاشتراكهما معهما في الطرفية، فإنّ السّطح طرف للجسم، والخطّ طرف للسّطح، والنّقطة طرف للخط، خلافاً للمتكلمين ، فإنّهم قائلون بعدميّتها.

وبيان ذلك: أنّ الطّرف، وإن كان نهاية لذي الطّرف والنّهاية عدميّة لكنّه ليس نفس النّهاية، بل ما به النّهاية، إذ هو أمرٌ ينتهي به الشّيء، فهو أمرٌ وجوديّ متّصف بالعدميّ، وليس في نفسه بعدمّي.

وإلى هذا أشار بقوله : وليست الأطراف أعداماً ، وإن اتّصفت بها مع نوع من الإضافة ، فإنّ النّهاية عدميّة لكنّها متّصفة بالإضافة إلى ذي النّهاية ، وليست بنفس الإضافة . ألا ترى أنّ السّطح أمر ينتهي وينقطع به الجسم، فالانتهاء والإنقطاع عدميّ متّصف بالإضافة


صفحه 51

إلى الجسم . وكذا الخطّ والنّقطة ؟

وقد ينبّه على وجوديّة الأطراف بأنّها ممّا يشار إليها، فيجب كونها موجودة.

وهو ضعيف لجواز الإشارة إلى العدميّ باعتبار المحلّ.

وبأنّها ما به الملاقاة بين موجودين، فإنّ السّطح مابه يلاقي جسم مع جسم، فيجب كونها موجودة لامتناع الملاقاة بين الموجودين بمعدوم بالضّرورة.

ومستند المتكلمين ما أشرنا إليه، وهو توهّم كونها نفس النّهاية.

وقد عرفت بطلانه.

وأنّه يلزم التّداخل عند ملاقاة السّطحين مثلاً، لوجوب كونها بالأسر، وإلاّ لزم كون السّطح ذا عمق.

والجواب منع امتناع التّداخل في جهة لا بُعد للمتداخلين فيها، وقد مرّ في مباحث الجواهر (1).

ولما انجر الكلام باعتبار ذكر الأطراف إلى النّهاية أراد الإشارة إلى أنّ النّهاية وعدمها ممّا يعرضان الكمّ من حيث هو كّم بالذّات، ولغيرهما بواسطتهما.

فقال: والجنس ; أي الكمّ من حيث هو كمّ، فإنّه جنس من الأجناس


1 . لاحظ : الجزء الثّالث من هذا الكتاب المبحث الرّابع من المسألة العاشر من الفصل الأوّل.


صفحه 52

العالية قريب للمتّصل والمنفصل وبعيد لأنواع المتصل معروض للمتناهي وعدمه، بمعنى عدم الملكة، وهما اعتباريّان، وليسا من الأُمور العينيّة(1)، وهو ظاهر.


1 . أي من الأُمور الموجودة في الخارج.


صفحه 53

المبحث الثّاني

في الكيف

وهو الثّاني من المقولات التّسع على ما قال:

الثّاني: الكيف .

وفيه مطالب :


صفحه 54

صفحه 55

 

المطلب الأوّل:

 

في تعريف الكيف وتقسيمه

قال: ويُرسم بقيود عدميّة تخصّه جملتُها وأقسامه أربعة.

أقول: أعلم: أنّ الأجناس العالية لا يمكن تحديدها بالجنس والفصل ولاترسيمها التامّ لبساطتها، بل ترسم بالخواصّ واللّوازم.

ولما لم يجدوا للكيف خاصّة سوى المركّب من العرضيّة والمغايرة للكمّ، وللأعراض النّسبية إلاّ أنّ التّعريف بها تعريف الشّيء بما يساويه في المعرفة والجهالة، لأنّ الأجناس العالية ليس بعضها أجلى من البعض. فعدلوا عن ذكر كلّ من الكمّ والأعراض النّسبية إلى ذكر خاصّته الّتي هي أجلى، فقالوا: هو عرض لا يقتضي لذاته قسمة ولانسبة .

فبذكر «العرض» خرج «الجوهر» وبذكر «القسمة» خرج «الكم»، وبـ «النّسبة» «الأعراض النّسبية».

ومن لم يجعل النّقطة والوحدة من الكيف زاد قيد ولا قسمة.

وزاد حينئذ بعضهم قيد «اقتضاءً أوليّاً» لإدخال العلم بالبسيط، فإنّ اقتضاؤه اللاّقسمة ليس أوّليّاً، بل بواسطة المعلوم، ولا حاجة إليه مع قيد لذاته. كذا في "شرح القوشجي(1)" ، ولم أر مَا اجتمع فيه القيدان.


1 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 226 .


صفحه 56

وما ذكرنا أوّلاً هوالمطابق لما عرف الشّيخ الكيفيّة به حيث قال: الكيفيّة هي كلّ هيئة قارّة في الموصوف بها، لا يوجب تقديره ولا تقتضيه، ويصلح تصوّرها من غير أن يحوج فيها إلى التفات إلى نسبة يكون إلى غير تلك الهيئة. ثمّ قال: وهذا ضرب من البيان متعلّق بأن يثبت شيء. ثمّ يعرف بسلوبِ أُمور عنه. انتهى.(1)

وإلى هذا التّعريف أشار المصنّف بقوله: ويُرسم بقيود عدميّة تخصّه جملتُها.(2)

أقسام الكيف

وأمّا تقسيمه، فكما قال: وأقسامه أربعة بالاستقراء:

الأوّل: الكيفيّات المحسوسة، كالحرارة والبرودة.

والثّاني: الكيفيّات الاستعداديّة، كالصّلابة والليّن.

الثّالث: الكيفيّات النّفسانية، كالعلم والقدرة.

الرّابع: الكيفيّات المختصّة بالكميّات، كالاستقامة والإنحناء.

ووجه الضبط أن يقال: الكيف: إمّا أن يختصّ بالكمّ أو لا. فالأوّل: هو الرّابع. والثّاني: إمّا محسوس بإحدى الحواسّ الظّاهرة أم لا. فالأوّل: هو


1 . منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 171 .

2 . في أكثر النسخ: «جملتها بالاجتماع».


صفحه 57

الأوّل. والثّاني: إمّا كمال، أو استعداد نحو الكمال. فالأوّل: هو الثّاني. والثّاني: هو الثّالث .

أو يقال: الكيف: إمّا مختص بذوات الأنفس وهو الثّالث أو لا، فإمّا أن يختص بالكميّات وهو الرّابع أو لا، فإمّا استعداداً وهو الثّاني، وإمّا فعل، وهو الأوّل.

إلى غير ذلك من الوجوه الّتي قيلت فيه، فإنّ جميعها للضبط لا للحصر العقليّ.


صفحه 58

 

المطلب الثّاني

في أقسام الكيفيّات المحسوسة وأحكامها

قال: فالمحسوسات: إمّا انفعاليّات أو إنفعالات.

وهي مغايرة للأشكال لاختلافهما بالحمل، ومغايرة للمزاج لعمومها.

أقول: إنّ البحث هاهنا في تقسيم الكيفيّات المحسوسة وبيان أحكامها العامّة.

 

أقسام الكيفيّات المحسوسة

أمّا تقسيمها: فالكيفيّات المحسوسة إن كانت راسخة كصفرة الذّهب وحلاوة العسل سمّيت انفعاليّات، لكونها بخصوصها، أو عمومها تابعة للمزاج الحاصل من انفعال العناصر. فالأوّل: كما في المركّبات مثل حلاوة العسل. والثّاني: كما في البسائط مثل حرارة النّار، فإنّها ليست تابعة للمزاج لكنّها من حيث هي حرارة، قد توجد تابعة للمزاج.

ولأنّ الحواسّ تنفعل منها.

وفيه: أنّ الأشكال والحركات أيضاً كذلك.

ويندفع: بأنّ وجه التّسمية لا يجب اطّرادها ولو زيد قيد الأوّلية، بأن


صفحه 59

يقال «ينفعل الحواسّ منها أوّلاً» لخرجت الأشكال والحركات، لكن يخرج الخفّة والثّقل أيضاً عند من لم يجعلهما من المحسوسات الأوّلية .

وإن كانت غير راسخة كحمرة الخجل وصفرة الوجل سمّيت انفعالات، لأنّها لسرعة زوالها شديد الشّبه بأن ينفعل، فسمّيت بها تميزاً لها عن الرّاسخة وتنبيهاً على تلك المشابهة.

وإلى هذا التّقسيم أشار بقوله: فالمحسوسات: إمّا انفعاليات، وإمّا انفعالات.

وإنّما بدأ بالمحسوسات، لكونها أظهر الأقسام الأربعة.

وتقدير الكلام، فالقسم الأوّل: المحسوسات، وهي إمّا انفعاليّات، وإمّا انفعالات، وإنّما قلنا ذلك لما سيأتي في القسم الثّاني.

 

أحكام الكيفيّات المحسوسة

وأمّا أحكامها العامّة:

فمنها: ما أشار إليه بقوله: وهي; أي الكيفيّات المحسوسة مغايرة للأشكال .

خلافاً لجمع من الأوائل القائلين بتركّب الأجسام من الأجزاء الصّغار الصّلبة القابلة للانقسام الوهمي دون الخارجي. حيث زعموا أنّ تلك الأجزاء متخالفة الأشكال، فالّتي يحيط بها أربع مثلّثات يكون متحدّدة الأطراف مفرقة لاتّصال العضو، فيحسّ منها الحرارة. والّتي يحيط


صفحه 60

بها ستّ مثلّثات يكون غليظة الأطراف غير نافذة في العضو، فيحسّ منها البرودة.

وكذا الحال في الطّعوم، فإنّ الجزء الّذي يقطع العضو إلى أجزاء صغار ويكون شديد النّفوذ فيه هو الحريف. والّذي يتلافي هذا التّقطيع هو الحلوّ.

وكذا في الألوان، فإنّ الجزء الّذي ينفصل منه شعاع مفرق للبصر هو الأبيض . والّذي ينفصل منه شعاع جامع للبصر هو الأسود . ويحصل من اختلاط هذين النّوعين من الشّعاع الألوان المتوسّطة بين السّواد والبياض.

والمشاؤون أبطلوا هذا الزّعم بوجهين:

أحدهما: أنّ الأشكال ملموسة; أي مدركة باللّمس في الجملة، ولو كان بواسطة السّطوح والألوان والطّعوم والروايح غير مدركة باللّمس، فالأشكال مغايرة لها.

وثانيهما: أنّ هذه الكيفيّات متضادة والأشكال ليست بمضادّة.

وإلى هذين الجوابين أشار المصنّف بقوله: لاختلافهما بالحمل (1) حيث يحمل شيء على الأشكال دون هذه الكيفيّات، وشيء آخر على هذه الكيفيّات دون الأشكال كما عرفت في الجوابين.

فإن قيل على الأوّل: نحن لا ندعي كون الأشكال نفس هذه الكيفيّات،


1 . في أكثر النسخ: «في الحمل».


صفحه 61

بل أنّ اختلافها يوجب هيئات حاصلة في الحواسّ والمحسوس هو تلك الهيئات فقط.

وعلى الثّاني: أنّه إن أريد بالتّضاد التضاد المشهوريّ، فلا نسلّم أنّ الأشكال ليست بمتضادّة بهذا المعنى. وإن أريد به الحقيقيّ، فهو في الكيفيّات إنّما يكون بين الأطراف، فيلزم أن لا يكون الأشكال كيفيّات هي الأطراف، فجاز أن يكون كيفيّات هي الأوساط.

قلنا: أمّا الأوّل: فالجواب أنّ تلك الهيئات الحاصلة في الحواسّ مغايرة للأشكال، لأنّ الأشكال ملموسة، والهيئات الحاصلة في الباصرة والسّامعة والذّائقة والشّامة ليست بملموسة، ويجب كونها اشباحاً للهيئات الخارجيّة، لأنّ ما في الحسّ لو لم يجب أن يكون مثالاً لما في الخارج لارتفع الأمان عن المشاهدات. أو ليست تلك الهيئات الحاصلة في الحواسّ أمثلة للأشكال المغايرة، فيجب أن يكون في الخارج هيئات مغايرة للأشكال يكون تلك الأمثلة أمثلة لها وهو المطلوب .

وأمّا على الثّاني: فإنّ نفي التّضادّ في الأشكال فرع نفي التّضاد في الكمّ، لأنّها من الكيفيّات المختصّة بالكميّات. وقد مرّ ثبوت الأصل، فيجب ثبوت الفرع.

وقد يجاب أيضاً: بأنّ جنس الأشكال ليس فيه تضادّ حقيقيّ، واجناس تلك الكيفيّات فيها تضادّ حقيقيّ فيتغايران قطعاً، إذ مع مغايرة الجنسين لا يتصوّر الاتّحاد في الأنواع الّتي تحتهما.


صفحه 62

ومنها: أنّ هذه الكيفيّات مغايرة للمزاج لعمومها; أي في التّحقق، يعني أنّ هذه الكيفيّات قد يتحقّق بدون المزاج كما في البسائط، والمزاج لا يتحقّق بدون الكيفيّة المحسوسة، لأنّه إنّما يحصل من تفاعل الكيفيّات الأربع كما مرّ، فيكون هذه الكيفيّات أعمّ تحقّقاً من المزاج، فهي مغايرة له لا محالة.


صفحه 63

 

المطلب الثّالث

في الأحوال المختصّة بكلّ نوع نوع

من الأنواع الخمسة

من هذه الكيفيّات المحسوسة.

وفي هذا المطلب مسائل :


صفحه 64

صفحه 65

 

المسألة الأُولى

في أحوال الملموسات

وفيها فروع:

الفرع الأوّل

في الحرارة والبرودة

قال: فمنها أوائلُ الملموساتِ وهي الحرارة، والبرودة، والرّطوبة، واليبوسة، والبواقي منتهيةٌ إليها.

فالحرارةُ جامعةٌ للمتشاكلات، مفرّقةٌ للمختلفات; والبرودة بالعكس.

وهما متضادّتان.

وتُطَلق الحرارةُ على معان أُخَرَ مخالفة للكيفيّة في الحقيقة.

أقول: وإنّما قدّم الملموسات لكونها أوائل المحسوسات كما مرّ في مبحث اللّمس، وكما أنّ الملموسات سمّيت أوائل المحسوسات كذلك الكيفيّات الأربع منها سمّيت أوائل الملموسات على ما قال: فمنها أوائل


صفحه 66

الملموساتِ وهي الحرارة والبرودة والرّطوبة واليبوسة، لكونها ملموسات الذّات وبالاصالة. والبواقي; أي اللّطافة، والغلظ، والكثافة، والهَشاشة، واللزّوجة، والبلة، والجفاف، واللّين، والصّلابة، والخشونة، والملاطة، والخفّة، والثقل، منتهية(1) إليها، ومدركه بتوسطها.

وأمّا ما قيل: من أنّ الخشونة والملاسة ملموستان بلا توسّط فممنوع.

أمّا لو سلّم ذلك، فلا ينفع في دفع الإيراد بهما ما قيل «إنّهما من مقولة الوضع لا من مقولة الكيف عند بعضهم» لأنّ الكلام مع من قال بكونهما من الكيفيات الملموسة على ما عليه الجمهور.

تعريف الحرارة

واعلم: أنّ الشّيخ قال في فصل الأسطقسات من "الطبيعيّات ": «أنّ الكيفيّات المنسوبة إلى اللّمس مختلفة المراتب، فليس كلّها في درجة واحدة، بل بعضها أقدم من بعض. ويشمل على جملتها هذا التّعديد». ثمّ عددها كما عددنا.(2)

فهذا الكلام يدلّ على كون بعضها بلا توسّط، وبعضها بتوسّط.

وأمّا هذا التّخصيص الّذي قد فعله المصنّف من جعل قوى الأربعة مدركة بالتّوسط، فلا يخلو عن أشكال كما لا يخفى على المتأمّل.


1 . في أكثر النسخ: «منتسبة».

2 . طبيعيّات الشّفاء: 2 / 150 .


صفحه 67

فالحرارة جامعة للمتشاكلات، ومفرّقة للمختلفات، ليس المراد من هذا الكلام تعريف الحرارة، فإنّ المحسوسات غنيّة عن التّعريف، إذ لا أظهر منها.

فإن قيل: المحسوسات هو جزئيّات الحرارة مثلاً لا ماهيّتها الكلّية، فجاز تعريفها.

قلنا: احساس الجزئيّات يعدّ النّفس لمعرفة الماهيّة الكليّة معرفة ليست بأقلّ ظهوراً من الإحساس، ولا يحصل مثلها في التّعريفات، هذا.

بل المقصود منه التّنبيه على مفهوم اسمها بتذكير بعض خواصّها.

وهذه الخاصّة ـ أعني: كونها تجمع المتشاكلات وتفرّق المختلفات ـ وإن كانت أشهر خواصّها، إلاّ تابعة لخاصّة أُخرى هي التّحريك إلى فوق.

قال الشّيخ في " رسالة الحدود ": «الحرارة كيفيّة فعليّة محرّكة لما تكون فيه إلى فوق لإحداثها الخفة، فيعرض أن تجمع المتجانسات وتُفِرّق بين المختلفات. انتهى».(1)

قال: فالسّبب في جمعها للمتشاكلات وتفريقها للمختلفات هو أنّها يفيد الميل المصعّد بواسطة التّسخين، فالمركّب إذا أثرت الحرارة فيه كان الطفه أقبل للتّصعيد كالهواء، فإنّه أقبل من الماء، وهومن الأرض. والأقبل يتبادر إلى الصّعود قبل الأبطاء، فيتفرّق الأجسام المختلفة الطّبايع الّتي


1 . رسالة الحدود : 35.


صفحه 68

حدث المركّب من التيامها. ويحصل عند التّفرق اجتماع المتشاكلات بمقتضى طبايعها مع زوال القاسر.

فإن قيل: الحرارة: قد تفرّق المتماثلات كأجزاء الماء، فإنّها يصعدها بالتّبخير، فتفرّق بعضها عن بعض. وقد يجمع المختلفات كصفرة البيض وبياضه، فإنّ الحرارة إذا أثرت فيه زادتهما تلازماً واجتماعاً مع اختلافهما.

قلنا: فعل الحرارة في الماء إحالة له إلى الهواء لا تفريق، فإنّ الحرارة إذا أثرت في الماء انقلب بعضه هواء وتحرّك بطبعه إلى الفوق، ثمّ إنّه يختلط ويلتزق بذلك الهواء أجزاء مائيّة، فتصعد معه ويكون مجموع ذلك بخاراً، وفي البيض احالة في القوام لا جمع، فإنّها بحرارتها توجب غلظاً في قوام الصفرة والبياض، وأمّا الإنضمام بينهما، فقد كان حاصلاً قبل تأثير الحرارة، هذا هو المتبادر المستفاد من " الشّفاء " .

خواصّ الحرارة

وبالجملة: فالخاصّة الأوّليّة للحرارة هي إحداث الخفّة والميل المصعّد، ثمّ ترتّب على ذلك بحسب اختلاف القوام آثار مختلفة من الجمع والتّفريق والتبخير إلى غير ذلك.

والتّفصيل على ما في " شرح المقاصد ": أنّ ما يتأثّر عن الحرارة إن كان بسيطاً استحال أوّلاً في الكيف، ثمّ افضى به ذلك إلى انقلاب الجوهر، فيصير الماء هواء، والهواء ناراً، وربّما يلزمه تفرق المتشاكلات بأن تميّز الأجزاء


صفحه 69

الهوائية في الماء ويتبعها ما يخالطها من الأجزاء المائيّة، وإن كان مركّباً، فإن لم يشتد التحام بسائطه ولا خفاء في أنّ الالطف أقبل للصعود لزم تفريق الأجزاء المختلفة وتبعه انضمام كلّ إلى ما يشاكله بمقتضى الطّبيعة وهو معنى جمع المتشاكلات، وإن اشتدّ التحام بسائطه، فإن كان اللّطيف والكثيف قريبين من الاعتدال حدثت من الحرارة القوّية حركة دوريّة، لأنّه كلّما مال اللّطيف إلى التّصعد جذبه الكثيف إلى الانحدار، وإلاّ، فإن كان الغالب هو اللّطيف تصعد بالكلية كالنوشادر، وإن كان هو الكثيف، فإن لم يكن غالباً جداً حدث يسيل كما في الرّصاص أو تليين كما في الحديد، وإن كان غالباً جداً كما في الطلق حدث مجرّد سخونة واحتج في تليينه إلى الإستعانة بأعمال أُخر يزاولها اصحاب الإكسير وعدم صلوح التّصعيد أو التّفرق بناء على مانع لا ينافي كون خاصيّتها التّصعيد وتفريق المختلفات وجمع المتشاكلات.

 

تعريف البرودة

والبرودة بالعكس، فإنّها إذا أثرت في المركّب المتخالف الأجزاء أوجبت تكاثفها والتصاق بعضها ببعض ومنعت من تفرّقها، وهذا معنى جمعها للمختلفات وهو يستلزم انفكاك كلّ منها عن مشاكله كما هو مقتضى التجميد والتّكثيف، فيحصل منها تفريق المتشاكلات أيضاً .


صفحه 70

 

بحث في تضادّ الحرارة والبرودة

وهما; أي الحرارة والبرودة متضادّتان، لأنّ كلاًّ منهما وجوديّ محسوس بالذّات مع غاية الخلاف بينهما.

فبطل ما قيل من «أنّ البرودة عدم للحرارة من باب العدم والملكة لا العدم المطلق، فإنّ عدم الحرارة في الفلك لا يسمّى برودة» وذلك لأنّ العدم ليس بمحسوس بالذّات بخلاف البرودة.

الحرارة الغريزيّة

ويطلق الحرارة على معاني أُخر مخالفة للكيفيّة في الحقيقة.

اعلم: أنّ لفظ الحرارة تطلق على أربعة معان:

الأوّل: الحرارة العنصرية وهي حرارة النّار.

الثّاني: الحرارة الكوكبيّة كالحرارة المحسوسة من تأثير الشّمس.

الثّالث: الحرارة الحادثة من الحركة.

الرّابع: الحرارة الغريزيّة الّتي هي آلة الطبيعة في أفعالها في النّبات والحيوان.

وهذا ـ أعني: جعل الحرارة الغريزيّة معنى على حدة ـ إنّما هو على المذهب الأصحّ، وهو مذهب أرسطاطاليس على ما نقل أنّه قال: الحرارة


صفحه 71

الّتي بها يقبل بها البدن علاقة النّفس ليس من جنس الحارّ الأسطقسي الّذي هو النّار، بل من جنس الحارّ الّذي يفيض عن الأجرام السماويّة، فإنّ المزاج المعتدل بوجه مّا، مناسب لجوهر السّماء، لأنّه ينبعث عنه. انتهى.(1)

والظّاهر: أنّ مراده أنّها من جنس النّفس وقواها.

وأمّا على مذهب جالينوس ، وأختاره الإمام (2)، فهي الحرارة النّاريّة المعتدلة بالمزاج .

واستدل على كونها مخالفة للحرارة النّاريّة باختصاصها بمقاومة الحرارة الغريبة ودفعها من الاستيلاء على الرّطوبة الغريزيّة حتّى أنّ السّموم لا يدفعها إلاّ الحرارة الغريزيّة، فإنّها آلة للطّبيعة، تدفع بها ضرر الحارّ الوارد بتحريك الرّوح إلى دفعه وضرر البارد الوارد بالمضادّ.

وأجاب الإمام: بأنّ تلك المقاومة إنّما هي من جهة أنّ الحرارة الغريبة تحاول التّفريق. والغريزيّة أفادت المركّب من الطبخ والنضج ما يعسر معه على الحرارة الغريبة تفريق أجزائه. فالتّفاوت بين الغريزيّة والغريبة النّارية ليس في الماهيّة، بل في كون الغريزيّة داخلة في ذلك المركّب دون الغريبة حتّى لو توهمنا الغريبة داخلة فيه، والغريزيّة خارجة عنه لكان كلّ واحدة منها تفعل فعل الأُخرى، هذا.

ثمّ الظّاهر أنّ هذه المعاني الأربعة المتخالفة بالماهيّة مشتركة في


1 . على ما نقله شارح المقاصد. لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 232 .

2 . لاحظ المصدر السابق: 232 ـ 233 .


صفحه 72

مفهوم مطلق الحرارة، وهي الكيفيّة المخصوصة، وهي جنس لهذه الأربعة، لا أنّها مشتركة لفظاً بينها على ما توهّم ويتبادر من ظاهر عبارة المصنّف، فإن الظّاهر أنّ الكيفيّة المذكورة في هذه العبارة هي الكيفيّة المبحوث عنها، وهي مطلق الكيفيّة المحسوسة المخصوصة.

لكنّ التحقيق أنّ مراد المصنّف ليس ذلك، بل مراده من الكيفيّة في هذه العبارة هي الحرارة النّاريّة للاستعمال الغالب كما حملها عليها الشارحان القديمان.(1)

نعم، لو أطلق لفظ الحرارة على الحارّ أيضاً اصطلاحاً ; لكان لهذا التّبادر وجه، بأن يكون مراده من المعاني الأُخر النّار والأجرام النيّرة السّماويّة والحارّ الغريزي ـ أعني: الرّوح ـ فيكون لفظ الحرارة لفظاً مشتركاً بين الكيفيّة المحسوسة المخصوصة، وبين كلّ واحد من هذه المعاني الثّلاثة .


1 . أي العلاّمة الحلّي (رحمه الله) في كشف المراد والاصفهاني الشافعي في تسديد القواعد في شرح تجريد العقائد.


صفحه 73

 

الفرع الثّاني

في الرّطوبة واليبوسة

قال: قوله: والرّطوبةُ كيفيّة تقتضي سهولةَ التشكّل، واليبوسةُ بالعكس.

وهما مغايرتان للّين والصّلابة.

أقول: والرّطوبةُ كيفيّةٌ تقتضي سهولة التشكّل، واليبوسة بالعكس; إشارة إلى ما قال الشيخ في "طبيعيّات الشّفاء ": «إنّ الرّطوبة: هي الكيفيّة الّتي بها يكون الجسم سهل الانحصار، والتّشكّل بشكل الحاوي الغريب، وسهل الترك له. واليبوسة: هي الكيفيّة الّتي بها يعسر انحصار الجسم وتشكّله من غيره، وبها يعسر تركه لذلك .

وقال أيضاً: ويتبع بعض الأجسام الرّطبة الجوهر أمر، وهو الملاصقة والملازمة لما يماسّه من جهة(1) كما للماء، حتّى أنّ الجمهور يظنّون أنّ الرّطوبة حقيقتها هذا.

لكنّهم يشاهدون أنّ الجسم كلّما كان أرق كان أقلّ التصاقاً واستمساكاً بما يلامسه، وكلّما كان أغلظ كان أشدّ وأكثر ملازمة. والماء اللّطيف الجيّد


1 . في المصدر: «لما يمسّه من جنسه».


صفحه 74

إذا غمر فيه الإصبع كان ما يلزم الإصبع منه أقلّ ممّا يلزم من الماء الغليظ، أو الدّهن أو العسل. فإذن هذه الخاصيّة لا تلزم الجسم من جهة ما هو رطب مطلقاً، وإلاّ لكان ما هو أرطب وأرقّ من الرّطوبات أشدّ لزوماً والتصاقاً، بل هذا لازم للكثافة والغلظ إذا اقترنا بالرّطوبة.

بل تبقى للرّطوبة سهولة التّحدّد والتّشكّل بغيره، مع سهولة التّرك وضعف الإمساك، كما أنّ اليابس يلزمه الثبات على ما يؤتاه من الشّكل مع معاوقة في قبوله.

فيجب أن يتحقّق: أنّ الرّطوبة هي الكيفيّة الّتي بها يكون الجسم قابلاً للنّحو الأوّل من القبول. واليبوسة هي الكيفيّة الّتي بها يكون الجسم قابلاً للنّحو الثّاني من القبول.

فلا يستبعد أن يكون الهواء رطباً، وإن كان لا يلتصق، إذ الالتصاق ليس لنفس كون الشّيء رطباً، بل للّغلظ. والهواء إذا غلظ، فصار ماء فصار أيضاً على صفة الملازمة والالتصاق. هذا كلام " الشّفاء " »(1).

فما في كتب المتأخّرين: من أنّ الرّطوبة قد يفسّر بسهولة الالتصاق والانفصال مأخوذ من هاهنا.

وقد اختاره الإمام(2)، وفسّرها في " المواقف (3) " بهذا التفسير.

وقال في " شرح المقاصد ": «أنّ في كلام بعض المتقدّمين أنّ الجسم


1 . طبيعيات الشّفاء: 2 / 153 ـ 154 / الفصل التّاسع من الفنّ الثّالث.

2 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 277 ـ 278 .

3 . أنظر: المواقف في علم الكلام: 124 .


صفحه 75

إنّما كان رطباً إذا كان بحيث يلتصق بما يلامسه.

وفهم منه أنّ الرّطوبة كيفيّة تقتضي التصاق الجسم.

ثمّ قال: ورده ابن سينا، بأنّ الالتصاق لو كان للرّطوبة لكان الأشدّ رطوبة أشدّ التصاقاً، فيكون العسل أرطب من الماء، بل المعتبر في الرّطوبة سهولة قبول التّشكل وتركه، فهي كيفيّة بها يكون الجسم سهل التّشكّل وسهل التّرك للتشّكل.(1)

وأجاب الإمام: بأنّ المعتبر فيها سهولة الالتصاق ويلزمها سهولة الانفصال، فهي كيفيّة بها يستعدّ الجسم لسهولة الالتصاق بالغير وسهولة الانفصال عنه.

ولا نسلّم أنّ العسل أسهل التصاقاً من الماء، بل أدوم وأكثر ملازمة، ولا عبرة بذلك في الرّطوبة، كيف وظاهر أنّه ليس أسهل انفصالاً، فيلزم أن لا يكون أسهل التصاقاً.(2)

ثمّ قال: وكان مراد الإمام تأويل كلامهم بما ذكر، وإلاّ فاعتراض ابن سينا إنّما هو على ما نقله من كلامهم، لا على تفسير الرّطوبة بسهولة الالتصاق والانفصال(3)، فإنّه لا تعرّض في كلامهم للانفصال أصلاً، ولا للسّهولة في جانب الالتصاق، على أنّ ما ذكر من استلزام وسهولة الالتصاق سهولة الانفصال ممنوع. انتهى»(4).


1 . أنظر: طبيعيّات الشّفاء: 2 / 153 .

2 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 277 .

3 . على ما يشعر به كلام صاحب المواقف.

4 . شرح المقاصد: 2 / 233 ـ 234 .


صفحه 76

ثمّ إنّه قد اعترض على التّفسير الأوّل بوجوه:

منها: أنّ النّار أرقّ العناصر، وألطفها وأسهلها قبولاً للأشكال، فيلزم أن تكون أرطبها، وبطلانه ظاهر.

والجواب: أنّ النّار الصّرفة غير محسوسة، والنّار المحسوسة غير صرفة.

ومع ذلك، فإنّه يعرض للأجسام في غير مواضعها الطبيعيّة أن تحفظ أشكالها المواتية للحركة، كالماء المصبوب في انصبابه، كذا في "الشّفاء ".(1)

ومنها: أنّه يوجب كون الهواء رطباً، ويبطله اتفاقهم على أنّ خلط الرّطب باليابس يسنده استمساكاً عن التّشتّت، وخلط الهواء بالتّراب ليس كذلك.

والجواب: أنّ ذلك الاتفاق إنّما هو في الرّطب بمعنى ذي البلّة، فإنّ إطلاق الرّطوبة على البلّة شايع، بل كلام الإمام صريح في أنّ الرّطوبة الّتي هي من المحسوسات إنّما هي البلّة لا ما اعتبر فيه سهولة قبول الأشكال، لأنّ الهواء رطب بهذا المعنى، ولا يحسّ منه برطوبة، كذا في " شرح المقاصد " .(2)

ومنها: أنّه يوجب أن يكون المعتبر في اليبوسة صعوبة قبول الأشكال،


1 . انظر: طبيعيّات الشّفاء: 2 / 156 ـ 157 .

2 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 234 ـ 235 .


صفحه 77

فلم يبق فرق بينها وبين الصّلابة. ويلزم كون النّار صلبة لكونها يابسة.

والجواب: أنّ اللّين كيفيّة تقتضي قبول الغمز إلى الباطن، ويكون للشّيء بها قوام غير سيّال، فينتقل عن وضعه،(1) ولا يمتد كثيراً لا يتفرّق بسهولة، والصّلابة كيفيّة تقتضي ممانعة من قبول الغمز إلى الباطن، ويكون للشّيء بها بقاء شكل، وشدّة مقاومة، نحو اللاّانفعال، فيغايران الرّطوبة واليبوسة، كما يأتي عن قريب.

ومنها: أنّه يوجب كون الهواء أرطب من الماء، لكونه أسهل قبولاً للأشكال، وأنّه باطلٌ.

والجواب: أنّ بطلان ذلك ممنوع، بل الشّيخ صرّح: «بأنّ سلطان النّار الحرارة، وسلطان الهواء الرّطوبة، وسلطان الماء البرودة، وسلطان الأرض اليبوسة، هذا».

واعلم: أنّه قد مرّ آنفاً أنّ الرّطوبة قد يطلق على البلّة. وتحقيق ذلك ما في " الشّفاء "حيث قال: «وأمّا البلّة فمعلوم أنّ سببها رطوبة جسم رطب يمازج غيره، فإنّ هاهنا رطب الجوهر ومبتلّ ومنتقع.

فرطب الجوهر هو الجسم الّذي كيفيّة الرّطوبة تقارن مادّته، ويكون كونها له كوناً أوّليّاً مثل الماء.

وأمّا المبتلّ، فهو الجسم الّذي إنّما يرطب برطوبة جسم آخر تلك الرّطوبة له أوّلية. لكن ذلك الجسم قد قارنه، فقيل إنّه مبتلّ، فيصلح أن


1 . في د : «وصفه» بدلاً من «وضعه».


صفحه 78

يخصّ باسم المبتلّ ما كان هذا الجسم جارياً على ظاهره، ويصلح أن يقال على التّعميم، حتّى يكون المبتلّ كلّ جسم مترطّب رطوبة غريبة.

لكن المنتقع لا يكون منتقعاً إلاّ أن يكون الرّطب الغريب جرى فيه، ونفذ إلى باطنه. فالمنتقع من الوجه الثّاني كالنّوع من المبتلّ ومن الوجه الأوّل مباين له، (1) غير داخل فيه .

والجاف بإزاء المبتلّ كما أنّ اليابس بأزاء الرّطب. انتهى ملخّصاً»(2).

وأمّا ما وقع في " شرح القوشجي " من أنّ الرّطوبة بالتفسير الثّاني يقال له البلّة.(3) فلا أعلم له وجهاً.

وفي " شرح المواقف ": «أنّه قد يطلق كلّ واحد من الرّطوبة والبلّة بمعنى الآخر، هذا»(4).

وهما: أي الرّطوبة واليبوسة مغايرتان للين والصّلابة.

وإنّما ذكر ذلك أشارة إلى دفع توهم كونهما عينهما، كما مرّ في الوجه الثّالث من الاعتراض.

وقد عرفت وجه المغايرة في الجواب عن ذلك الاعتراض.


1 . في المصدر عكس ذلك; أي فالمنتقع من الوجه الأوّل كالنّوع من المبتلّ، ومن الوجه الثّاني هو مباين له.

2 . طبيعيّات الشّفاء: 2 / 151 ـ 152 .

3 . شرح تجريد العقائد: 232 .

4 . شرح المواقف: 5 / 188 .


صفحه 79

 

الفرع الثّالث

في الثّقل والخفّة

قال: والثّقل كيفيّة تقتضي حركة الجسم إلى حيث ينطبق مركزه على مركز العالم إن كان مطلقاً والخفّة بالعكس، ويقالان بالإضافة باعتبارين.

أقول: واعلم: أنّ الخفّة والثّقل وإن لم يكونا من أوائل الملموسات على ما صرّح به المصنّف ; وغرضه هاهنا البحث عن الملموسات الأوّلية، لكن يتعلّق بهما من حيث جنسهما ـ أعني: الميل ـ مباحث شريفة ينبغي إيرادها هاهنا فلذلك أورد البحث عنهما.

وكلّ منهما: قد يؤخذ مطلقاً. وقد يؤخذ مضافاً على ما قال.

والثّقل كيفيّة تقتضي حركة الجسم إلى حيث ينطبق مركزه ; أي مركز ثقله، وهو نقطة يتعادل ما على جوانبها في الوزن على مركز العالم إن كان مطلقاً. والخفّة بالعكس; أي كيفيّة تقتضي حركة الجسم إلى حيث ينطبق محدّبه على مقعر فلك القمر الّذي هو منتهى الحركة المستقيمة، فيطفو فوق العناصر كلّها. وهذا أيضاً إذا كانت الخفّة مطلقة.

ويقالان بالإضافة باعتبارين.


صفحه 80

فالثّقل الإضافيّ; باعتبار كيفيّةٌ تقتضي بها الجسم أنّ يتحرّك في أكثر المسافة الممتدّة بين المركز والمحيط حركة إلى المركز، لكنّه لا يبلغ المركز، وهذا مثل الماء، فإنّه يطفو على الأرض ويرسب في الهواء .

وباعتبار آخر كيفيّة تقتضي بها الجسم أن يتحرّك بحيث إذا قيس إلى الأرض كانت الأرض سابقة إلى المركز.

قال الشّيخ: «هذا يقرب من الأوّل، وليس به، فإنّ هذا باعتباره، وهو يشارك الأرض في حركته إلى الوسط. ولكنّه يبطئ، ويتخلف عنها. وأمّا ذلك، فباعتباره من حيث لا يريد من الوسط الحدّ الّذي تريده الأرض بعينه. وهذا الاعتبار غير ذلك. وكيف لا، وربّما شارك البطيء السّريع في الغاية، إذا كان اختلاف ما بينهما للصّغر والكبر. انتهى»(1).

وكذا الخفّة الإضافيّة; باعتبار كيفيّة تقتضي بها الجسم أن يتحرّك في أكثر المسافة الممتدّ بين المركز والمحيط حركة إلى المحيط، لكنّه لم يبلغ المحيط، وهذا مثل الهواء، فإنّه يرسب في النّار ويطفو على الماء .

وباعتبار آخر كيفيّة تقتضي بها الجسم أن يتحرّك بحيث إذا قيس إلى النّار كانت النّار سابقة إلى المحيط.

واعترض على ذلك (2): بأنّ ما ذكر في الثّقل الإضافيّ بالاعتبار الأوّل تقتضي أن تكون مسافة مكاني النّار والهواء أعظم من مكاني الأرض والماء،


1 . طبيعيّات الشّفاء: 2 / 8 ـ 9 / الفصل الثّاني من الفنّ الثّاني.

2 . ذكره الشارح القوشجي مع جواب المحقّق الشريف. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 232 ـ 233.


صفحه 81

وذلك ممّا لم يبرهن عليه، بل ما ذكر في الخفّة الإضافيّة بالاعتبار الأوّل تقتضي أن تكون الأمر بعكس ذلك ; أي تكون مسافة مكاني الماء والأرض أعظم من مسافة مكاني النّار والهواء، وأنّه تناقض.

وأجاب عنه المحقّق الشريف: بأنّا نفرض كثرة الماء بحيث يماسّ مقعّرها مقعّر الفلك، فإنّها حينئذ تتحرّك بطبعها إلى أن يماسّ مقعّرها محدّب الأرض، فقد تحرّكت في مسافة أمكنة النّار والماء والهواء.

وإذا فرضناها بحيث يكون مركز العالم على محدّبها، فإنّها حينئذ يتحرّك بطبعها إلى أن يماسّ محدّبها مقعّر الهواء، فقد تحرّكت في مسافة مكاني الأرض والماء، وظاهر أنّ المسافة الأُولى أكثر من الثّانية.

وهذا الجواب لا يعجبني; فإنّ فرض كثرة الماء بحيث يماسّ مقعّرها مقعر الفلك فرض أمر ممتنع على قواعدهم، ولا ينبغي بناء الحكم الممكن على الأمر الممتنع.

بل الحقّ في الجواب أن يقال: لا نسلّم لزوم كون ثخني النّار والهواء أعظم من ثخني الماء والأرض معاً، بل من ثخن الأرض فقط.

والمراد من الثّخن مقدار ما بين المحدّب والمقعّر في الكرة المجوفة، وما بين المحيط والمركز في الكرة المصمّتة، كما في الأرض.

بيان ذلك: أنّ كرة الماء إذا فرضت في مكان كرة النّار، فالمكان الأصلي للماء لم يبق خالياً لامتناعه، بل يشغله كرة الهواء، ويشغل مكان


صفحه 82

الهواء كرة النّار. فإذا تحرّكت كرة الماء بطبعها من حيّز النّار إلى أن يصل إلى سطح الأرض، فقد قطعت مسافة ثخني النّار والهواء الواقعين في غير حيّزيهما لضرورة الخلاء. وهذه المسافة أكثر من مسافة ثخن الأرض ـ أعني: نصف قطرها ـ لأنّه قد تسابق إلى الأذهان، وتقدير في الأوهام تساوي اثخان كرات العناصر بعضها مع بعض، وإن لم يبرهن عليه. وهذا القدر كاف في التّعريفات الرّسمية.

ويمكن أيضاً أن يقال: إنّ المراد من الأكثر هاهنا هو العددي لاالمقداري; أي مسافة أكثر العناصر، فليتدبّر .

وحينئذ يندفع أيضاً ما أورده الشّارح القوشجي على المحقّق الشريف: من أنّه كما لم يبرهن على ثخن كون عنصرين أعظم من ثخن عنصرين كذلك لم يبرهن على ثخن كون ثلاثة عناصر أعظم من ثخن عنصرين، هذا.(1)

واعترض على ما ذكر في الإضافيين بالاعتبار الثّاني أيضاً: بأنّ الأرض والهواء إذا فرضا عند المحيط وخليّاً(2) وطبعهما تحرّكا نحو المركز، وكانت الأرض سابقة، فيلزم أن يكون الهواء ثقيلاً مضافاً.

وكذا النّار والماء إذا فرضا عند المركز وتحرّكا بالطّبع نحو المحيط كانت النّار سابقة فيلزم أن يكون الماء خفيفاً مضافاً.


1 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 233.

2 . في المصدر: «خليتها».


صفحه 83

والجواب: أنّ الهواء على هذا الاعتبار لا يتحرّك بالطبع على المحيط لكونه مطلوباً له بالطّبع. نعم، لو صادفته النّار هناك لدفعته بالقسر نحو المركز.

وكذا الماء لا يتحرّك بالطّبع على هذا الاعتبار عن المركز لكونه مطلوباً له بالطّبع. فإذا صادفته الأرض هناك دفعته بالقسر نحو المحيط، فلا يلزم ما ذكر.


صفحه 84

 

الفرع الرّابع

في الميل

ولمّا فرغ عن ذكر الخفّة والثقل أراد أن يذكر جنسها، وهو الميل(1).

حقيقة الميل

وهو المدافعة المحسوسة من الجسم عند حركة ويُسمّيه المتكلّمون اعتماداً .(2)

ولا حاجة إلى إثبات وجوده(3)، لكونه محسوساً له لمن وضع يده تحت الحجر المتحرّك بالطبع إلى أسفل; أو فوق الحجر المرميّ إلى فوق يحسّ به لا محالة.


1 . عند الحكماء، وهو كيفيّة قائمة بالجسم قابلة للشدّة والضّعف يقتضي الحركة إلى جهة من الجهات وهو الاعتماد عند المتكلّمين. لاحظ : ايضاح المقاصد: 303 ; وشرح المواقف: 5 / 191 .

2 . لاحظ : كشف المراد: المسألة الخامسة من مبحث الكيف ; وشرح الإشارات: 2 / 208; وشرح تجريد العقائد: 234. قال صدر المتألهين: إنّ المعتزلة من المتكلّمين يسمّون الميل اعتماداً. لاحظ : الأسفار: 4 / 82 .

3 . اختلف المتكلّمون في وجود الاعتماد، وأنكر وجوده أبو اسحاق الإسفرائيني واتباعه، وأثبته المعتزلة وكثير من الأشاعرة وقالوا: ثبوته ضروريّ. لاحظ : شرح المواقف: 5 / 191 .


صفحه 85

ولا إلى إثبات مغايرته للحركة(1)، لأنّه قد تحسّ به من غير حركة، كما سيجده الإنسان من الزِّق المنفوخ فيه إذا حبسه بيده تحت الماء، وكما يجده من الحجر إذا أسكنه في الهواء.

قال الشّيخ في " الشّفاء ": الميل هو ما يحسّ بالحسّ إذا حوول أن يسكن الطّبيعي بالقسر، أو القسريّ بالمقسر الآخر، فيحسّ هناك من القوّة على المدافعة ـ الّتي يقبل شدّة ونقصاناً، فمرّة يكون أشدّ، ومرّة يكون أنقص ـ ما لا يشكّ في وجوده في الجسم، وإن كان الجسم ساكناً. انتهى.(2)

وقد يطلق الميل على مبدأ هذه المدافعة المحسوسة، ويفسّر بأنّه كيفيّة ما به يكون الجسم مدافعاً لما يمانعه على ما ذكره الشيخ في الحدود .

وهذا المعنى ليس من الكيفيّات المحسوسة، بل لابدّ لإثبات وجوده من دليل.

وقد استدلّ عليه: بأنّه لولا الأمر الّذي يوجب المدافعة لم يختلف الحجران المرميّان بقوّة واحدة في مسافة واحدة، إذا اختلفا في الصغر، إذ ليس فيهما مدافعة بالفعل إلى خلاف جهة الحركة، فلولا مبدؤها أيضاً لزم ما ذكرنا.


1 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 284 ـ 285 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 505 ـ 506 ; وشرح المقاصد: 2 / 237 ـ 238 .

2 . لاحظ : إلهيّات الشّفاء: 1 / 151 .


صفحه 86

وأورد عليه الإمام: أنّ الطبيعة معاوقة للحركة القسريّة، فلا حاجة إلى إثبات أمر مغائر لها ليكون مبدأ للمدافعة.

وقد يحتجّ: بأنّ الحلقة الّتي يجذبها جاذبان متساويان في القوّة حتّى يقف في الوسط قد فعل فيها كلّ واحد منهما فعلاً معاوقاً لما يقتضيه جذب الآخر. وليس ذلك نفس المدافعة، فإنّها غير موجودة في تلك الحالة فيها، ولا قوّة الجاذب، إذ لا معنى لكون مجرّد قوّته عائقة للمجذوب مالم يفعل فيه فعلاً. فإذن قد فعل فيه كلّ منهما فعلاً غيرالمدافعة، وهو بحيث لو خلّى عن المعارض لاقتضى انجذاب الحلقة إلى جهة هذا الجاذب، ومدافعتها لما يمنعها عن الحركة إلى تلك الجهة، فثبت وجود أمر يقتضي المدافعة إلى جهة مخصوصة. وليس نفس الطبيعة، لكونها محرّكة إلى جهتي العلوّ والسّفل دون هذا الأمر، وهو المطلوب، هذا.(1)

أقسام الميل (2)

قال: والميل طبعيّ وقسريّ ونفسانيّ .

أقول: ثمّ ما يتعلّق بالميل من الأحوال المقصودة بالذّكر تقسيم وأحكام .


1 . انتهى كلام صاحب المباحث. لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 284 ـ 285 .

2 . لاحظ : شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 213 ـ 214 ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 287 ـ 289 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 509 ـ 511 ; والأسرار الخفيّة: 310 ـ 311 ; وشرح المقاصد: 2 / 244 ـ 246 .


صفحه 87

أمّا التّقسيم فاثنان:

الأوّل: تقسيم الميل مطلقاً إلى الذّاتيّ والعرضيّ، لأنّه إن قام حقيقة بما وصف به، فهو الذّاتي، وإن لم يقم به; بل بما يجاوره فهو العرضيّ على قياس ما عرفت في الحركة الذّاتيّة والعرضيّة، وهذا التّقسيم لم يذكره المصنّف.

الثّاني: تقسيم الميل الذّاتي إلى أقسامه الثّلاثة، وهو الّذي أشار إليه بقوله: طبيعيّ وقسريّ ونفسانيّ، لأنّ حدوثه: إمّا أن يكون عن أمر داخل في ذي الميل، أو لا. والدّاخل: إمّا مقارن للشعور، أو لا. فما يحدث عن غير الدّاخل هو القسريّ(1)، وعن الدّاخل الشّاعر هو النفسانيّ(2)، وعن الدّاخل الغير الشّاعر هو الطّبيعي.(3) وعلى هذا يكون ميل النّبات إلى التّبرّز والتّزيد داخلاً في الطّبيعيّ.

وقد يقال: الدّاخل: إمّا أن يكون على نهج واحد بلا شعور وهو الطّبيعيّ، أو لا يكون، كذلك سواء كان متفنّناً بلا شعور كما في النّبات، أو مع شعور كما في الحيوان، أو كان غير متفنّن على نهج واحد لكن مع شعور كما في الفلك وهو النّفسانيّ.


1 . كميل الحجر المرميّ به إلى فوق إلى الصّعود.

2 . كميل الحيوان إلى الحركة حال إرادته الاختياريّة.

3 . كميل الحجر للنّزول والهواء للصّعود.


صفحه 88

 

أحكام الميل

الحكم الأوّل

في أنّ الميل هو العلّة القريبة للحركة

قال: وهو العلّة القريبة للحركة، وباعتباره يصدر عن الثّابت متغيّر.

أقول: وأمّا أحكام الميل فهي أُمور:

منها: أنّ الحركة لابدّ لها منه بمعنى أن يكون هو الواسطة بين الطّبيعة، وبين الحركة. وهذا معنى قوله: وهو العلّة القريبة للحركة(1).

وإلاّ ـ أعني: وإن لم يكن صدود الحركة ممّا تصدر عنه بتوسّط الميل ـ امتنع صدورها عنه، لامتناع صدور المتغيّر عن الثّابت من دون واسطة تناسبهما. وهذا معنى قوله: وباعتباره يصدر عن الثّابت متغيّر(2):


1 . يعني أنّ الميل هو سبب قريب يترتب عليه وجود الحركة، فالحركة معلولة للميل; والميل علّة قريبة لها مقابل العلّة البعيدة كالآمر الّذي يأمر باسقاط الحجر من السّطح.

2 . توضيح ذلك: أنّ الميل ممّا لابدّ منه في الحركة، وذلك لأنّ الحركة لها مراتب متفاوتة في الشدّة والضّعف، وهذه المراتب المختلفة لا يمكن أن تكون هذه المراتب معلولة للطبيعة، إذ الطبيعة الواحدة لا تصدر عنها أُمور مختلفة، لامتناع صدور الكثير عن الواحد، فلابدّ أن يكون هناك ميل مختلف كامن في الطبيعة باعتبار كلّ واحد من تلك الميول المختلفة تصدر عن الجسم حركة خاصّة، فبسبب الميل الشّديد تصدر الحركة الشّديدة وباعتبار الميل الضّعيف تصدر الحركة الضّعيفة. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 235 ; والقول السّديد في شرح التجريد: 201.


صفحه 89

قال المصنّف في " شرح الإشارات ": «إنّ الحركة لا تخلو عن حدّ مّا من السّرعة والبطء، لأنّ كلّ حركة إنّما يقع في شيء ما يتحرّك المتحرّك فيه مسافة كان، أو غيرها وفي زمان مّا.

وقد يمكن أن يتوهّم قطع تلك المسافة بزمان أقلّ من ذلك الزّمان، فتكون الحركة أسرع من الأولى، أو بأكثر منه، فتكون أبطأ منها. فإذن الحركة لا ينفكّ عن حدّ مّا من السّرعة والبطء.

والمراد من السّرعة والبطء هو شيء واحدٌ بالذّات، وهو كيفيّة قابلة للشدّة والضّعف. وإنّما يختلفان بالإضافة العارضة لها، فما هو سرعة بالقياس إلى شيء هو بعينه بطء بالقياس إلى آخر.

ولمّا كانت الحركة ممتنعة الإنفكاك عن هذه الكيفيّة، وكانت الطّبيعة الّتي هي مبدأ الحركة لا تقبل الشدّة والضّعف كانت نسبة جميع الحركات المختلفة بالشّدة والضّعف إليها واحدة، وكان صدور حركة معيّنة منها دون ما عداها ممتنعاً لعدم الأولويّة، فاقتضت أوّلاً أمراً يشتدّ ويضعّف بحسب اختلاف الجسم ذي الطّبيعة في الكمّ ـ أعني: الكبر والصّغر ـ أو الكيف ـ أعني: التّكاثف والتّخلخل ـ أو الوضع ـ أعني: اندماج الأجزاء وانتفاشها ـ أو غير ذلك، وبحسب ما يخرج عنه كحال ما فيه الحركة من رقّة القوام وغلظه، وذلك الأمر هو الميل، ثمّ اقتضت بحسبه الحركة. انتهى»(1).


1 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 208 ـ 210 .


صفحه 90

وتلخيصه على ما قاله المحقق الشّريف: أنّ الحركة لها مراتب متفاوتة في الشدّة والضّعف، ونسبة الطبيعة إلى تلك المراتب على السويّة، فيمتنع أن يصدر عنها (1) شيء من تلك المراتب إلاّ بتوسّط أمر ذي مراتب متفاوتة(2) أيضاً ليتعيّن بكلّ واحدة من هذه المراتب صدور مرتبة معيّنة من الحركة.(3)

وأمّا ما زعمه من أنّ قوله: «والمراد من السّرعة والبطء» إلى قوله: «وهو بعينه بطء بالقياس إلى آخر» مستدرك في البيان، فممّا لا وجه له، إذ بذلك يتحقّق كون الحركة ذات مراتب متفاوتة في الشدّة والضّعف، فليتدبّر.

وبالجملة: فالمراد من التغيّر هنا هو قبول الشدّة والضّعف، فالميل بجهة كونه قابلاً للشدّة والضّعف كالحركة يناسب الحركة، وبجهة كونه أمراً ثابتاً غير متجدّد آناً فآناً كالطّبيعة يناسب الطّبيعة، فهو بهاتين الجهتين واسطة في صدور الحركة عن الطّبيعة، بمعنى أنّه من جهة الثّبات صادر عن الطّبيعة ومن جهة التّغيير ـ أعني: قبوله للشدّة والضّعف ـ تعيّن لها صدور مرتبة معيّنة من الحركة، وذلك بخلاف الحركة، إذ ليس لها جهة ثبات تصحح صدورها عن الطّبيعة من غير واسطة .


1 . أي عن ذلك المحرّك .

2 . في الشدّة والضّعف.

3 . هذا على ما نقله الشارح القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 235 ; وشرح المواقف: 5 / 204 ـ 214 .


صفحه 91

وأمّا تعيين مرتبة من المراتب المتفاوتة للميل، دون مرتبة أُخرى للصدود عن الطّبيعة، فإنّما هو من حال الجسم ذي الطّبيعة بحسب الكمّ، أو الكيف، أو الوضع كما أشار إليه في " شرح الإشارات " بقوله: «فاقتضت أوّلاً أمر يشتدّ ويضعّف بحسب اختلاف الجسم ذي الطّبيعة في الكمّ الخ» هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام.

واعلم: أنّ للحركة نحواً آخر من التّغير وهو كونها غير قارّة الذّات.

وهذا أيضاً ممّا ينافي صدورها عن الطّبيعة القارّة الذّات، إلاّ أنّ الطّبيعة ليست بذاتها مبدأً لصدورها، بل باعتبار كون الطّبيعة طالبة لحالة ملائمة قد زالت عنها، فباعتبار حصولها في كلّ حدّ من حدود القرب من تلك الحالة تقتضي الحركة إلى حدّ آخر من حدود المسافة.

والوقوع في كلّ حدّ من حدود القرب، وإن كان متوقفاً على الحركة، لكن على حركة سابقة عليه، وما يتوقّف عليه إنّما هو الحركة اللاّحقة، فلا يلزم الدّور المستحيل.


صفحه 92

 

الحكم الثّاني

في أنّ الميلين الذّاتيّين المختلفين متضادّان

قال: ومختلفة متضادّ.

أقول: ومنها(1): ما أشار إليه بقوله: ومختلفة متضادّ، يعني أنّ الميلين الذّاتيين إلى جهتين مختلفتين متضادّان، لا يمكن اجتماعهمافي جسم واحد، لأنّ الدافعة الذّاتية إلى جهة لا يجامع المدافعة الذّاتيّة إلى خلاف تلك الجهة بالضّرورة، سواء ذلك في الحركة الأينيّة وغيرها.

وكون الميل محسوساً في الأينيّة والوضعيّة دون غيرهما، لا يقتضي كون ذلك الحكم العقلي ظاهراً فيهما دون غيرهما، كما زعمه المحقّق الشّريف (2) وإن اقتضى الأظهريّة.


1 . أي من أحكام الميل فهو الحكم الثّاني.

2 . لاحظ : شرح المواقف: 5 / 199 ـ 200 و 214 ـ 215 .


صفحه 93

 

الحكم الثّالث

في أنّ وجود الميل الطّبيعي في كلّ جسم

قابل للحركة القسريّة

قال: ولولا ثبوته لتساوى ذو العائق وعادمُه .

أقول: ومنها: أنّه لابدّ في كلّ قابل للحركة القسريّة من مبدأ ميل طبيعيّ فيه ليكون معاوقاً داخليّاً، كما لابدّ في الحركة الطّبيعة من قوام مّا في المسافة ليكون معاوقاً خارجيّاً، إذ الحركة يمتنع تحقّقها بدون معاوق: إمّا داخليّ، أو خارجيّ كما مرّ في مبحث امتناع الخلاء مفصّلاً.(1)

وتقرير البرهان عليه بحسب المعاوق الخارجيّ قد مرّ، وبحسب المعاوق الدّاخلي أن يقال: لو أمكن أن يتحرّك بالقسر ما لا ميل فيه طبيعيّاً، فليتحرّك مسافة في زمان ; وليتحرّك في تلك المسافة جسم آخر فيه مبدأ ميل ومعاوقة مّا. وظاهر أنّه يقطعها في زمان أطول، وليكن جسم ثالث فيه مبدأ ميل ومعاوقة أقلّ على نسبة يقتضي أن يقطع في ذلك الزّمان عن ذلك المتحرّك مسافة أطول من المسافة الأولى على نسبة زماني ذي الميل الأوّل وعديم الميل، لأنّ مع وحدة الزّمان بكون نسبة المسافة القصيرة إلى الطّويلة كنسبة الميل القويّ إلى الضّعيف، فيكون في مثل زمان عديم الميل يتحرّك


1 . لاحظ : الجزء الثالث من هذا الكتاب المبحث السّادس من المسألة الثّانية عشرة من الفصل الأوّل من المقصد الثّاني.


صفحه 94

مثل مسافة، لأنّ مع وحدة المتحرّك يكون نسبة الزّمان إلى الزّمان كنسبة المسافة إلى المسافة.

وإلى هذا أشار بقوله: ولو لا ثبوته ; أي ثبوت الميل مطلقاً، لزم عدم ثبوت الميل الطّبيعي، ولولا ثبوت الميل الطّبيعي لتساوى ذو العائق الطّبيعي لو فرض وعادمه في الحركة القسريّة كما بيّنا.


صفحه 95

 

الحكم الرّابع

في أنّ الميل جنس بحسب تعدّد الجهات

ومتماثل ومختلف باعتبارها

قال: وعند آخرين هو جنس بحسب تعدّد الجهات، وتتماثل وتختلف باعتبارها.

ومنه الثّقل، وآخرون جعلوه مغايراً.

ومنه لازم ومفارق ويفتقر إلى محلّ لا غير.

وهو مقدور لنا.

وتتولّد منه أشياءُ بعضها لذاته من غير شرط، وبعضها لا لذاته.

أقول: ومنها(1): ما اعتقده المتكلّمون فيه على ما قال: وعند آخرين، يعني المتكلمين هو ; أي الاعتماد جنس متعدّد بحسب تعدّد الجهات، فإنّ للجسم بحسب كلّ جهة اعتماد أو تتماثل الاعتمادات وتختلف باعتبارها ; أي باعتبار الجهات، فإن اتحدت الجهات تماثلت الاعتمادات، وإن تعدّدت اختلفت.

ومنه ; أي من الاعتماد الثّقل ; أي عند طائفة منهم كأبي هاشم ومتابعيه.(2) فإنّ عند آخرين كأبي علي ومتابعيه ليس الثّقل من جنس


1 . أي من أحكام الميل فهو الحكم الرّابع.

2 . لاحظ : كشف المراد: المسألة الخامسة من مبحث الكيف; ومناهج اليقين في أُصول الدّين: 71 ; وشرح المواقف: 5 / 216 ; وشرح المقاصد: 2 / 243 .


صفحه 96

الاعتماد(1)، بل مغاير له على ما قال: وآخرون جعلوه مغايراً للاعتماد، وقالوا: إنّ الثّقل عبارة عن كثرة الأجزاء، فكلّما كان أجزاؤه أكثر كان أثقل.(2)

ثمّ أنّ المتكلمين قسّموا الاعتماد إلى لازم ومفارق، على ما قال: ومنه لازم، كاعتماد الثقيل والخفيف إلى جهتي السّفل والعلو، ومفارق، كاعتماد الثّقيل إلى العُلوّ والخفيف إلى السّفل.

ويفتقر; أي الاعتماد إلى محلٍّ واحد لا غير، لأنّه عرض، ويمتنع حلول عرض واحد في محلّين كما مرّ.

قالوا ـ أعني: المعتزلة منهم ـ وهو أي الاعتماد مقدور لنا حيث يحدث بحسب دواعينا وينتفي بحسب صوارفنا، فكان صادراً بقدرتنا.

وأنّه تتولّد منه، أي من الاعتماد أشياءُ بعضها لذاته من غير شرط، كالألوان، وهي الحركة والسّكون والاجتماع والافتراق، فإنّها تتوّلد من الاعتماد بلا واسطة ولا شرط.

وبعضها أيضاً بذاته، لكن بشرط كالأصوات، فإنّها تتولّد من الاعتماد من غير واسطة، لكن بشرط هو المصاكة.

وبعضها لا بذاته، بل بتوسّط ما يتولّد منه بذاته كالألم، فإنّه يتولّد من الاعتماد بواسطة التّفريق وكالتّأليف، فإنّه يتولّد عنه بواسطة المجاورة.


1 . المصدر السابق.

2 . في د : «الثّقل».


صفحه 97

 

المسألة الثّانية

في أحوال المبصَرات

وفيها فروع:

 

الفرع الأوّل

في أعداد المبصَرات

قال: ومنها: أوائل المبصَرات، وهي اللّون والضوء.

أقول: وقد عرفت أنّ فيها ما هو مبصر بالذّات وما هو مبصر بواسطة، فالكيفيّات المبصرة بالذّات تسمّى أوائل المبصرات على ما


صفحه 98

قال: ومنها; أي من الكيفيّات المحسوسة أوائل المبصَرات(1)، خصّها بالذّكر، لأنّها هي المعدودة من الكيفيّات المحسوسة دون ما يبصر بتوسّطها من الكيفيّات المختصّة بالكميّات. ومن المقادير والأوضاع وغير ذلك، كالاستقامة والانحناء، والتحدّب والتقعرّ، وسائر الأشكال، وكالطّول والقصر، والصّغر والكِبَر، والقرب والبُعد، والتّفرّق والاتّصال، والحركة والسّكون، والضّحك والبكاء، والحسن والقبح، وغير ذلك، لا مثل الرّطوبة واليبوسة على ما توهّم(2)، بل المبصر منهما السَيَلان والتماسك الراجعان إلى الحركة والسّكون، واستواء الأجزاء، واختلافها الرّاجعان إلى الوضع.

وهي (3) اللّون والضوء لا يمكن تعريفهما لظهورهما كما مرّ في الحرارة.

وما قيل (4): من أنّ الضوء كمال أوّل للشّفاف من حيث هو شفاف، أو كيفيّة لا يتوقّف إبصارها على إبصار شيء آخر واللّون بعكسه; فإنّه كيفيّة يتوقّف إبصارها على إبصار شيء آخر هو الضوء.

فتعريف بالأخفى كما لا يخفى. ولعلّ المراد به هو التّنبيه على خواصّهما وأحكامهما ليزداد امتيازهماكما مرّ أيضاً .


1 . أي المبصر أوّلاً وبالذّات مقابل المبصر ثانياً وبالعرض.

2 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 249 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 526 .

3 . أي الأُمور الّتي تدرك بالبصر مطلقاً هي اللّون والضوء.

4 . القائل هو صاحب المواقف. لاحظ : المواقف في علم الكلام: 131 .


صفحه 99

 

الفرع الثّاني

في اللّون والضوء

قال: ولكلّ منهما طرفان.

وللأوّل حقيقة.

وطرفاه السّواد والبياض المتضادّان

طرفا اللّون والضوء

أقول: ولكلّ منهما طرفان(1)، أمّا طرفا اللّون فسيأتي.

وأمّا طرفا الضوء، فالضوء الشديد في الغاية، والضوء الضّعيف في الغاية .

إثبات الألوان

وللأوّل، أي اللّون حقيقة ردّ على مَنْ زعم، كما حكى عنه الشّيخ في "الشّفاء "ما حاصله: أنّه لا حقيقة للّون أصلاً، وأنّ البياض إنّما يتخيّل من مخالطة الهواء الأجسام الشّفافة المتصغّرة جدّاً كما في الثلج، فإنّه لا يثبت هناك سوى مخالطة الهواء، ونفوذ الضوء في أجزاء صغار جمديّة شفافة.


1 . إي كللّ من اللون والضوء طرفان، ففي اللّون السواد والبياض، وفي الضوء أقوى الأضواء وأضعفها.


صفحه 100

وكذا في زبد الماء والمسحوق من البلور(1)، والزّجاج الصّافي، والشّفاف الكبير الحجم إذا عرض فيه شق. وإنّ السّواد يتخيّل من عدم غور الضوء في الجسم لكثافته واندماج أجزائه، فباقي الألوان يتخيّل بحسب اختلاف الشفيف وتفاوت مخالطة الهواء.

ومنهم: من جعل الماء سبباً للسّواد. قال: ولذلك إذا بلّت هذه الأشياء مالت إلى السّواد، لأنّ الماء يخرج الهواء ولا يشف إشفافه ولا ينفذ فيه الضوء إلى السّطوح، فتبقى مظلمة.

ومنهم: مَن جعل السّواد لوناً بالحقيقة وأصل الألوان. قال: ولذلك لا ينسلخ، وأمّا البياض فعارض للمشف بتراكمه، ولذلك يمكن أن يصبغ.

وقال قوم: إنّ الأسطقسات كلّها مشفة، فإذا تركّبت حدث منها البياض على الصّفة المذكورة، بأن يكون ما يلي البصر سطوحاً مسطحة من المشف، فينفذ فيها البصر، والسّواد يعرض إذا كان ما يلي البصر من الجسم زوايا تمنع الإشفاف للأطراف الّتي تقع فيها، فهي وإن أضاءت فيما لا ينفذ فيها الضوء نفوذاً جيّداً تظلم.

ثمّ قال: وبازاء هؤلاء ـ يعني مجموع المذكورين ـ قوم آخرون لا يقولون بالإشفاف ألبتة، ويرون أنّ الأجسام كلّها ملوّنة، وأنّه لا يجوز أن توجد جسم إلاّ وله لون.


1 . نوع من الزجاج.


صفحه 101

ولكن الثقب والمنافذ الخالية إذا كثرت في الأجسام نفذ فيها الشّعاع الخارج عن المضيء إلى الجهة الأُخرى، وتنفذ أيضاً من شعاع البصر فروئي ما وراءها. انتهى.(1)

والمحققون: كما أشار إليه المصنّف على أنّ الألوان كيفيّات متحقّقة في الخارج لا متخيّلة، وأنّ ظهورها في الصّور المذكورة بالأسباب المذكورة لا ينافي تحققّها ولاحدوثها بأسباب أُخر.

قال الشّيخ ما حاصله: إنّه لاشك في أنّ اختلاط الهواء بالمشف سبب لظهور البياض.

ولكنّا ندّعي أنّ البياض قد يحدث من غير هذا الوجه كما في الجصّ، فإنّه يبيّض بالطبخ في النّار ولا يبيّض بالسّحق والدّق ; مع أنّ تفرّق الأجزاء ومداخلة الهواء فيه أكثر.

وكما في البيض المسلوق، فإنّه يصير اشدّ بياضاً، مع أنّ النّار لم تحدث فيه تخلخلاً وهوائيّة، بل أخرجت الهوائيّة عنه. ولو فرض أنّ هوائيّة داخلت رطوبته فبيّضته لكان خُثُورَة(2) لا انعقاداً.

وكما في الدواء الّذي يتّخذه أهل الحيلة (3) ويسمّونه لبن العذراء (4)،


1 . لاحظ: طبيعيّات الشّفاء: 2 / النّفس / 95 ـ 96 / الفصل الرّابع من المقالة الثّالثة.

2 . نقيض الرقَّة، وهو مصدر الشيء الخاثر، وخَثُر اللّبن غلظ. لسان العرب: 4 / 27 / مادة «خثر».

3 . أي أهل الكيمياء.

4 . قال شارح المواقف: وهو خلّ طبخ فيه المردارسنج حتّى انحلّ فيه ثمّ يصفى الخلّ حتّى يبقى شفّافاً في الغاية، ثمّ يخلط هذا الخلّ المصفى بماء طبخ فيه القِلى أوّلاً، ثمّ طبخ فيه المردارسنج ثانياً وصفي غاية التّصفية حتّى يصير الماء كأنّه الدمعة، فإنّه ينعقد ذلك المخلوط فيبيض غاية الأبيضاض كاللّبن الرائب. لاحظ: شرح المواقف: 5 / 237 .


صفحه 102

فإنّه يكون من خلّ طبخ فيه المردارسنج(1) حتّى انحلّ فيه، ثمّ صفي حتّى بقي الخلّ في غاية الإشفاف والبياض، وخلط بماء طبخ فيه القِلى وصفي غاية التصفية ويبالغ فيها، ثمّ يخلط الماءأن فينعقد المنحلّ الشفاف من المردارسنج (2) ويصير في غاية البياض كاللّبن الرائب(3)، ثمّ يجف، وما ذلك لحدث وتفرّق في شفاف ونفوذ هواء فيه، فإنّه كان متفرّقاً منحلاًّ في الخلّ ولا لتقارب أجزاء متفرقة وانعكاس ضوء البعض إلى البعض لأنّ حدة ماء القِلى بالتفريق أولى.(4)

الألوان المتوسطة

واعلم: أنّ كون الألوان ذوات حقائق في الخارج أمر ضروريّ. وليس الغرض من هذه الوجوه إلاّ التّنبيه عليه وإزالة وهم مَن توهّم غيره. فلا يرد عليها ما أورده الإمام في "المباحث المشرقية ": من أنّ لقائل أن يقول على هذه الوجوه جاز أن يكون لتخيّل البياض سبب آخر لا نعلمه، إذ المفروض


1 . في المصدر: «المرداسنج». وهويعمل من الرصاص أو الفضة ويجفّف كما تجفّف الأدويّة المعدنية ليعمل منه دواء.

2 . في المصدر: «المرتك...».

3 . إذا خَثُرَ وأدْرَك اللّبن فهو الرائب.

4 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النّفس / 96 ـ 98 / الفصل الرّابع من المقالة الثّالثة.


صفحه 103

أنّه لا اعتماد على الحسّ وإلاّ لوجب الحكم بكون الثّلج أبيض حقيقة، هذا.(1)

ثمّ استدلّ في " الشّفاء " على وجوب كون البياض ذا حقيقة غير حقيقة الضوء بأن قال: «لو لم يكن البياض إلاّ ضوء ; والسّواد إلاّ ما قيل لم يكن تركيب البياض والسّواد إلاّ أخذا مسلكاً واحداً.

بيان هذا: أنّ البياض يتّجه إلى السّواد قليلاً قليلاً من طُرق ثلاثة :

أحدها; طريق الغبرة: وهو الطريق السّاذج، فإنّه إذا كان السّلوك ساذجاً يتوجّه إلى الغُبرة، ثمّ منها إلى العُودّيِة، ثمّ كذلك حتّى يسودّ، فيكون سالكاً طريقاً لا يزال يشتدّ فيه السّواد وحده يسيراً يسيراً حتّى يمحض .

الثّاني; إلى الحمرة (2)، ثمّ إلى القتمة، ثمّ إلى السّواد .

الثّالث; إلى الخضرة (3)، ثمّ إلى النيليّة، ثمّ إلى السّواد .

وهذه الطّرق إنّما يجوز اختلافها لجواز اختلاف ما تركّب عنه الألوان المتوسّطة.

فإن لم يكن إلاّ بياض وسواد، ولم يكن أصل البياض إلاّ الضوء. وقد استحال ببعض هذه الوجوه لم يكن في تركّب البياض والسّواد إلاّ الآخذ في طريق واحد لا يقع الاختلاف فيه إلاّ وقوعاً بحسب التنقّص والاشتداد فقط،


1 . هذا على ما نقله المحقّق الشريف. لاحظ : شرح المواقف: 5 / 237 ـ 238 .

2 . أي الطريق الآخذ إلى الحمرة الخ .

3 . أي الطريق الآخذ إلى الخضرة الخ.


صفحه 104

ولم يكن طرق مختلفة. فإذا كانت مختلفة، فيجب أن يكون شوب من غير البياض والسواد على(1) أن يكون شوباً من مرئيّ.

وليس في الأشياء شيء يظنّ أنّه مرئيّ. وليس سواداً ولا بياضاً ولا مركّباً منهما إلاّ الضوء عند من جعل الضوء شيئاً غيرهما. فإن بطل مذهبه امتنع استحالة الألوان في طرق شتّى، وإن صحّ(2) فمن هاهنا يمكن أن يتركّب الألوان. فيكون البياض والسّواد إذا اختلطا وحدهما كانت الطريقة هي طريقة الاغبرار لا غير.

فإن خالط السّواد ضوء، فكان مثل الغمامة الّتي تشرق عليها الشّمس، ومثل الدّخان الأسود تخالطه النّار، فكان حمرة إن كان السّواد غالباً، أو صفرة إن كان السّواد مغلوباً، وكان هناك غلبة بياض مشرق.

ثمّ إن كان هناك صفرة خلطت بسواد ليس له في أجزائه إشراق حدثت الخضرة. وبالجملة: إذا كان الأسود أبطن، والمضيء أظهر، والحمرة بالعكس.

ثمّ إذا كان السّواد غالباً في الأوّل كانت قتمة .

وإن كان السّواد غالباً في الثّاني كانت كراثية تلك الشّديدة الّتي لا اسم لها.

وإن خلط ذلك ببياض كان كهوبة نجارية.


1 . في المصدر: «مع».

2 . أي وإن أمكنت هذه الاستحالة وجب أن يكون مرئي ثالث خارج عن أحكام البياض والسّواد، ولا وجه أن يكون هذا المرئي الثّالث موجوداً إلاّ أن يجعل الضوء غير اللّون.


صفحه 105

وإن خلط بالكراثية سواد وقليل حمرة كانت نيلية .

وإن خلط بالحمرة نيلية كانت أرجوانية.

فبهذا يمكن تأليف الألوان. هذا كلام الشّفاء مع أدنى تلخيص»(1).

ثمّ استشعر(2) اعتراضاً ; وهو أنّ ما ذكرت من دلالة اختلاف طرق تأليف الألوان على كون البياض غير الضوء، إنّما يتمّ لو انحصر تأليف الألوان في أن يكون بامتزاج الكيفيّات، أي السّواد والبياض، وليس يلازم لجواز كون التّأليف بامتزاح الأجسام ذوات الكيفيّات، أي الأسود والأبيض، ولا أقلّ من أن يكون للأجسام مدخل في ذلك، فلا يلزم امتناع اختلاف الطّرق.

فأجاب (3) عن هذا الاعتراض: بأن قال: ولو كانت هذه لا تكون إلاّ باختلاط الأجسام، وقد علم ـ يعني بالتجربة ـ أنّ الأسود لا يصبغ منه الضوء بالعكس جسماً أسود ألبتّة لكان يجب أن تكون الألوان الخضر والحمر إنّما ينعكس منها البياض; ولا ينعكس من الأجزاء السَّود شيء، وخصوصاً وهي ضعيفة منكسرة.

فإن قيل (4): فقد نراها ينعكس عن المخلوط.


1 . طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النفس / 98 ـ 99 / الفصل الرّابع من المقالة الثّالثة.

2 . أي الشيخ الرّئيس. لاحظ : المصدر السّابق.

3 . المصدر السابق.

4 . ذكره الشيخ الرّئيس في الشّفاء مع الجواب. لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النفس / 99 .


صفحه 106

فالجواب: أنّ ذلك لأنّ الخلط يوجب الفعل والانفعال، ويجب بسبب ذلك امتزاج الكيفيّة.

ثمّ قال (1): فقد بان من هذا أنّ البياض فالحقيقة في الأشياء ليس بضوء، هذا.(2)

وقال شارح المواقف(3): «وممّا استدلّ به في "الشّفاء " على حصول البياض من غير اختلاط الهواء بالمشفّ أمران:

أحدهما: اختلاف طرق الاتجاه من البياض إلى السّواد حيث يكن من البياض تارةً إلى الغُبرة، ثمّ العُودِية، ثمّ السّواد. وتارةً إلى الحمرة، ثمّ القتمة، ثم السّواد. وتارةً إلى الخضرة، ثمّ النيلية، ثم السّواد، فإنّه يدلّ على اختلاف ما يتركّب عنه الألوان، إذ لو لم يكن إلاّ السّواد والبياض ولم يكن البياض إلاّ بمخالطة الهواء للأجزاء الشفافة، لم يكن في تركيب السّواد والبياض إلاّ الأخذ في طريق واحد ، وإن وقع فيه اختلاف فبالشدّة والضّعف.

وثانيهما: انعكاس الحمرة والخضرة، ونحو ذلك من الألوان، فإنّه لو كان اختلاف الألوان لاختلاط الشّفاف بغيره لوجب أن لا ينعكس من الأحمر والأخضر إلاّ البياض، لأنّ السّواد لا ينعكس بحكم التّجربة.

ثمّ قال: ودلالة هذين الوجهين، على أنّ سبب اختلاف الألوان لا


1 . الشيخ الرّئيس.

2 . لاحظ : المصدر السابق: 100 .

3 . على ما نقله شارح المقاصد والشارح القوشجي.


صفحه 107

يجب أن يكون هو التّركيب من السّواد والبياض أظهر من دلالتهما على أنّ سبب البياض لا يجب أن يكون مخالطة الهواء للأجزاء الشّفافة مع أنّ في الملازمتين نظراً، لجواز أن يقع تركّب السّواد والبياض على أنحاء مختلفة، وإن ينعكس السّواد عند الاختلاط والامتزاج، وإن لم ينعكس عند الانفراد. انتهى»(1).

والجواب عن الأوّل: أنّ تقرير الوجهين بحيث لا يدلّ إلاّ على المطلوب، هو أنّ تركّب الألوان من السّواد والبياض أمرٌ ظاهرٌ ومتّفق عليه، فلو لم يكن البياض إلاّ الضوء لا أمراً غيره لم يكن اختلاف طرق التّركيب.

وعن الثّاني: أنّه لا شك في إمكان اختلاف أنحاء التّركيب من السّواد والبياض، لكن في الشدّة والضّعف، واختلاف الألوان ليس في الشّدة والضّعف فقط.

وعن الثّالث: أنّه لا معنى لعدم انعكاس السّواد من الأسود عند الانفراد مع كونه أقوى جدّاً، وانعكاسه منه عند الاختلاط مع الغير لاسيّما مع الضدّ. وهذا معنى قول الشّيخ: «وخصوصاً هي ضعيفة منكسرة»(2).

وأمّا اعتراض الإمام على هذين الوجهين: «بأنّه يجوز أن يوجد هناك


1 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 258 ـ 259 ; وشرح المواقف: 5 / 238 ـ 241 ; وشرح تجريد العقائد: 238، قال صدر المتألهين: هذا يعني قوله: ودلالة هذين الوجهين على أنّ سبب اختلاف الألوان الخ ـ تلخيص ما أفاده في الشّفاء. لاحظ : الأسفار: 4 ـ 86 .

2 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النّفس / 99 .


صفحه 108

أُمور مختلفة لأجلها يحسّ بالكيفيّات المختلفة، وإن لم يكن لها وجود في الحقيقة، كما جاز ذلك في اللّون الواحد»(1).

فالجواب عنه: أنّ الغرض إزالة وَهم من تَوهم هذا الرّأي على تسليم كون الألوان المختلفة متركّبة من السّواد والبياض ; سواء كانت متحقّقة أو متخيّلة.

ثمّ قال الشّيخ: «وأمّا قولهم: إنّ الأسود غير قابل للون آخر، فإمّا أن يعنوه على سبيل الاستحالة، أو على سبيل الصبغ.

فإن عنوا على سبيل الاستحالة، فقد كذبوا، وممّا يكذبهم الشباب والشيب.

وإن عنوا على سبيل الصبغ، فذلك حال مجاورة لاحال كيفيّة .

ولا يبعد أن يكون الشّيء المسودّ لا يكون مسودّاً إلاّوفيه قوّة نافذة متعلّقة قباضة، فيخالط، وينفذ ويلزم، وأن يكون ما هو موجود في الأشياء البيض بخلاف ذلك في طبعه، فلا يمكنه أن يغشى الأسود ويداخله ويلزمه.

على أنّ ذلك أيضاً ليس ممّا لا يمكن، فإنّه إذا احتيل بمثل الاسفيداج وغيره حيلة مّا حتّى يغوص ويتخلّل السّواد صبغه أبيض .

ثمّ قال: وأمّا المذهب الثّاني ـ يعني مذهب القوم الّذين لايقولون بالإشفاف أصلاً ـ فإنّ ذلك المذهب لا يستقيم القول به إلاّ إذا فرض الخلاء


1 . لاحظ : شرح المواقف: 5 / 239 ـ 240 .


صفحه 109

موجوداً، وذلك لأنّ المسام الّتي يذكرونها لا يخلو: إمّا أن تكون مملوّة من جسم أو تكون خالية. فإن كانت مملوّة من جسم: فإمّا أن يكون ذلك الجسم يشف من غير مسام، أو يكون له أيضاً مسام، وينتهي لا محالة: إمّا إلى مشيف لا مسام له، وهذا خلاف قولهم. وإمّا إلى خلاء; فيكون مذهبهم يقتضي وجود الخلاء»(1).

السّواد والبياض طرفان للّون

وطرفاه; أي طرفا اللّون، السّواد والبياض، وهما الأصل في الألوان، وتركّب البواقي منهما كما سيأتي .

وقال قوم(2) الأصل خمسة: السّواد، والبياض، والحُمرة، والصُفّرة والخُضرة، ويحصل البواقي بالتّركيب من هذه الخمسة، بدليل أنّ الأجسام الملوّنة بالألوان الخمسة إذا اسحقت سحقاً ناعماً ثمّ خلط بعضها ببعض، فإنّه يظهر منها ألوان مختلفة بحسب مقادير المختلطات كما يشهد به الحسّ.(3)

قال في " المواقف ": «والحقّ أنّ ذلك; أي تركيب هذه الخمسة على


1 . طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النّفس / 100 .

2 . وهم المعتزلة ومنهم أبو هاشم عبد السّلام بن أبي علي محمّد الجبّائي المتوفّى (321 هـ) وأصحابه. لاحظ : محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخرين: 74 ; ونقد المحصل: 143 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 63 .

3 . لاحظ : شرح المواقف: 5 / 242 ; وشرح المقاصد: 2 / 260 ; والأسفار: 4 / 88 .


صفحه 110

أنحاء شيء يحدث كيفيّات في الحسّ هي الألوان المختلفة. وأمّا أنّ كلّ كيفيّة لونيّة، فهي من هذا القبيل، فشيء لا سبيل إلى الجزم به».(1)

المتضادّان تضادّاً حقيقيّاً، لكونهما في غاية الخلاف، فلا يجوز اجتماعهما في موضوع واحد .

ولا يلزم من تركّب الألوان كالقتمة منهما اجتماعهما، لأنّ ذلك إنّما يكون بالاستحالة أو باختلاط الملوّنين لا باختلاط اللّونين، على أنّه لو فرض كونه باختلاط اللّونين أيضاً لا يلزم اجتماع جزء صغير من أحد اللّونين مع جزء صغير من الآخر في المحلّ،بل محلّ كلّ منهما جزء آخر من محلّ القتمة مثلاً، فتدبّر.


1 . المواقف في علم الكلام: 132 .


صفحه 111

 

الفرع الثّالث

في أنّ الضوء ليس شرطاً في وجود اللّون

قال: ويتوقّف على الثّاني في الإدراك لا في الوجود .

أقول: قوله: ويتوقّف ; أي اللّون على الثّاني; أي الضوء في الإدراك لا في الوجود، خلافاً للشّيخ (1) وغيره من الحكماء(2).

فإنّهم ذهبوا إلى اشتراط اللّون بالضوء في الوجود، فلا لون عندهم حيث لا ضوء، فإذا وجد الضوء وجد اللّون.

والمتأخّرون استبعدوا ذلك، فجعلوا الضوء شرطاً لرؤية الألوان لا لوجودها(3)، بل هو المشهور عند الجمهور على ما في "المواقف "(4).

وعندي، أنّ الاستبعاد مرتفع، والمطلوب واضح بما قال الشّيخ في "الشّفاء ": «إنّ الأجسام على قسمين: جسم ليس من شأنّه أن يحجب تأثير


1 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النّفس / 80 ـ 82 و 88 ـ 89 / الفصل الأوّل والثّالث من المقالة الثّالثة.

2 . كبهمنيار. لاحظ: التحصيل: 690 و 758 / الفصل الرّابع من المقالة الثّانية من الباب الثّالث والفصل السّادس من المقالة الثّانية من الباب الرّابع ; وكذا ابن الهثيم على ما في شرح المواقف: 5 / 243، وشرح تجريد العقائد: 239.

3 . وهو قول كثير من العلماء ومنهم: العلاّمة الحلّي (رحمه الله). لاحظ : مناهج اليقين في أُصول الدّين: 65 ; والكاتبي في حكمة العين. انظر: ايضاح المقاصد: 190; والإيجي في المواقف: 133 ; والتفتازاني في شرح المقاصد: 2 / 268 ـ 269 .

4 . وشرحه. لاحظ: المواقف في علم الكلام: 133 ; وشرح المواقف: 5 / 243 .


صفحه 112

المضيء في قابل النّور كالهواء والماء وهو الشفاف.

وجسم من شأنه هذا الحُجُب، كالجبل والجدار .

والشّيء الّذي من شأنّه هذا الحجب، فمنه ما من شأنه أن يرى من غير حاجة إلى حضور شيء آخر بعد وجود المتوسّط الشفّاف. وهذا هو المضيء، كالشّمس والنّار مثلة غير شفاف، بل هو حاجب عن إدراك ما وراءه.

ومنه ما يحتاج إلى حضور شيء آخر يجعله بصفة. وهذا هو الملوّن.

فالضوء كيفيّة القسم الأوّل من حيث هو كذلك، واللّون كيفيّة القسم الثّاني من حيث هو كذلك.

فإنّ الجدار لا يمكن المضيء أن ينير شيئاً خلفه، ولا هو بنفسه منير فهو الجسم الملوّن بالقوّة، واللّون بالفعل إنّما يحدث بسبب النّور، فإنّ النّور إذا وقع على جرم مّا; حدث فيه بياض بالفعل أو سواد أو خضرة أو غير ذلك.

فإن لم يكن كان أسود فقط مظلماً، لكنّه بالقوّة ملوّن إن عنينا باللّون بالفعل، هذا الّذي هوبياض، وسواد، وحُمرة، وصُفرة، وما أشبه ذلك.

ولا يكون البَياض بياضاً والحُمرة حُمرة، إلاّ أن تكون على الجهة الّتي نراها، ولا تكون على هذه الصّفة إلاّ أن تكون منيرة .

ولا تظن أنّ البياض على الجهة الّتي نراها، والحمرة، وغير ذلك يكون موجوداً بالفعل في الأجسام لكنّ الهواء المظلم يعوق عن إبصاره، فإنّ


صفحه 113

الهواء نفسه لا يكون مظلماً، إنّما المظلم هو الّذي هو المستنير.

وبالجملة: فإنّ الظلمة عدم الضوء في ما من شأنه أن يستنير، وهو الشّيء الّذي قد يرى، فالنّور يرى وما يكون فيه النّور يرى، والشفّاف لا ترى ألبتة، فالظّلمة هي في محّل الاستنارة .

وما يظنّ; أنّ هناك ألواناً لكنّها مستورة ليس بشيء، فإنّ الهواء لا يستر، وإن كان على الصّفة الّتي ترى مظلماً إذا كانت الألوان بالفعل. تأمّل، كونك في غار وفيه هواء كلّه على الصّفة الّتي تظنّه أنت مظلماً، فإذا وقع النّور في جسم خارج موضوع في الهواء الّذي تحسبه نيّراً، فإنّك تراه، ولا يضرّك الهواء المظلم الواقف بينه وبينك، بل الهواء عندك في الحالين، كأنّه ليس بشيء. وإنّما الظلمة، فهي حال أن لا ترى شيئاً، وهو أن لا تكون الكيفيّات الّتي إذا كانت موجودة في الأجرام الّتي لا تشف صارت مستنيرة، فهي مظلمة، فلا تراها ولا ترى الهواء، فيتخيّل لك ما يتخيّل لك لو غمضت العينين وسترتهما فتتخيّل لك ظلمة مبثوثة تراها.

فالجسم الّذي من شأنه أن يرى لونه ; إذا كان غير مستنير كان مظلماً، ولم يكن فيه بالحقيقة لون بالفعل .

لكنّه إن سمّى إنسان الاستعدادات المختلفة الّتي تكون في الأجسام الّتي إذا استنارت صارت واحد منها الشّيء الّذي تراه بياضاً والآخر حمرة ألواناً، فله ذلك، إلاّ أنّه يكون باشتراك الاسم، هذا خلاصة ما في " الشّفاء "»(1).


1 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النّفس / 80 ـ 81 .


صفحه 114

وقد يحصل منه: أنّا لا نرى اللّون في الظّلمة، فذلك: إمّا لعدمه في نفسه، وإمّا لوجود عائق عن رؤيته، ولا عائق هناك بالفرض سوى الهواء المظلم، وهو لا يصلح عائقاً، فإنّ الجالس في غار مظلم يرى من في الخارج مع كون الهواء الّذي بينهما مظلماً، فهو لعدمه في نفسه وهو المطلوب.

واعترض المتأخرون عليه (1): بأنّ عدم الرؤية لعلّه لفقدان شرطها وهو إحاطة الضوء بالمرئي، فلا يدلّ على المطلوب.

وأنت إذا أجدت التأمّل. وجردته عن أغشية التوهّم والتخيّل أمكنك أن تعرف إنّ ظنّ كون اللّون الموجود بالفعل في الظلمة غير مرئي لكونه مستوراً بالظّلمة له وجه تخيلي .

وأما ظنّ كونه غير مرئيّ مع وجوده بالفعل، وسلامة الحاسّة، وعدم الحائل، لكونه محتاجاً إلى إحاطة الضوئيّة، فلا معنى له. وأيّ دخل يمكن أن يكون لإحاطة الضّوء باللّون في كونه مرئيّاً سوى جعله موجوداً بالفعل.

وما يتبادر إلى الأوهام من أنّ الضوء يجعل اللّون الموجود ظاهراً للحسّ ومنكشفاً عنده، فلا وجه له، إذ الظّهور والانكشاف لا معنى لهما إلاّ ارتفاع الحائل. فبناء هذا التّبادر وإنّما هو على توهّم كون الظلمة أمراً وجوديّاً عائقاً عن الرّؤية. وقد عرفت بطلانه.


1 . لاحظ : كشف المراد: المسألة الخامسة من مبحث الكيف; والمباحث المشرقيّة: 1 / 302 ـ 303 / الفصل السّادس من الباب الثّالث; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 542 ; وشرح تجريد العقائد: 239 .


صفحه 115

ولو أريد بظهورها للحسّ كونه مدركاً له، فالشعاع البصري مستقلّ في سببّية ذلك، ولا يحتاج إلى انضمام الضوء إليه .

ولو فرض احتياجه إلى ذلك، لم يكن لاشتراط إحاطته بالمرئيّ وجه ألبتّة.

فهذا ما عندي في هذا المقام العويص الّذي قد أطبق المتأخّرون على بطلانه حتّى الحقه بعضهم بالضّروريات .

وظنّي إنّك بعد الإطّلاع على ما نبّهناك عليه لست في ارتياب ممّا ذهب إليه مثل الشّيخ وغيره من أجلّة الحكماء.

واستدلّ ابن الهيثم(1) على اشتراط اللّون بالضوء في الوجود: بأنّا نرى الألوان تضعف وتشتدّ بحسب تضعّف الضوء واشتداده، فكلّما كان الضوء أقوى كان اللّون أشدّ. وكلّما كان أضعف كان أضعف، وكلّ طبقة من الضوء شرط لطبقة من اللّون، فإذا انتفى طبقات الأضواء انتفى طبقات الألوان بأسرها، ويتحدّس منه انتفاء اللّون مطلقاً.(2)

وهذا الاستدلال ممّا ارتضاه كثيرون.

وقال المحقّق الشّريف: إنّما قال: «يتحدّس» ولم يقل «يعلم» لاحتمال


1 . محمد بن الحسن بن الهيثم أبو علي المتوفّى (430 هـ) مهندس من أهل البصرة، يلقّب ببطليموس الثّاني، له تصانيف في الهندسة. ويقول سارطون: إنّ ابن الهيثم أعظم عالم ظهر عند العرب في علم الطبيعة. لاحظ : الأعلام: 6 / 83 ـ 84 .

2 . لاحظ : المواقف في علم الكلام: 133 ; وشرح تجريد العقائد: 239 .


صفحه 116

أن يقال: أنّ انتفاء اللّون المحسوس مع مرتبة من الضوء عند انتفائها ليس لانتفائها، بل لأمر آخر مجهول لنا.

وأيضاً يجوز أن يكون للّون طبقة غير مشروطة بشيء من مراتبِ الضوء، فيوجد تلك الطّبقة في الظّلمة، فيوجد اللّون في ضمنها .

مع أنّ لقائل أن يقول: المختلف بحسب مراتب الأضواء هو الرؤية المشروطة بها، لا اللّون في نفسه، فيكون للرؤية مراتب جلاء وخفاء بحسب شدّة الأضواء وضعفها مع كون المرئيّ الّذي هو اللّون باقياً على حالة واحدة. انتهى.(1)

أقول: توجيه الاعتراف بالحدس بما ذكره أوّلاً وثانياً ليس ببعيد. وأمّا الإعتراض فمبنيّ على التّوهم المذكور آنفاً، فإنّ الجلاء والخفاء هما الظّهور والاستتار.

ثمّ إنّ منهم ; من جعل الظّلمة شرطاً لرؤية بعض الأشياء كالّتي تلمع وتُرى باللّيل من الكواكب والشعل البعيدة، حيث لا تُرى بالنّهار لفقدان شرطها.

وردّ: بأنّ ذلك ليس لتوقّف الرؤية على الظّلمة، بل لأنّ الحسّ غير منفعل باللّيل عن الضوء القوي كما في النّهار، فينفعل عن الضوء الضعيف ويدركه كالهباء الّذي ترى في البيت، إذا وقع عليه الضوء من الكوة ولا يرى في الشّمس .


1 . لاحظ : شرح المواقف: 5 / 244 ; وشرح تجريد العقائد: 239.


صفحه 117

 

الفرع الرّابع

في مغايرة الضوء واللّون

قال: وهُما متغايران حسّاً.

أقول: وهما; أي الضوء واللّون متغايران، ردّ على منَ زعَم أنّ الضوء ليس أمراً مغايراً للّون، وإنّما هو نفس ظهور اللّون .(1)

قال الشّيخ في " الشّفاء ": «من النّاس من ظنّ أنّ هذا النّور لا معنى له ألبتة، وإنّما هو ظهور من الملوّن; بمعنى أنّه نفس اللّون، إذا ظهر ظهوراً بيّناً.

والّذي يفسّر في هذا الباب ما يتخيّل من اللّون (2) من بريق يلزم الملوّنات. وليس ذلك البريق شيئاً في المرئيّ نفسه، بل أمر يعرض للبصر بالمقايسة بين ما هو أقلّ ضوءاً وما هوأشدّ ضوءاً. وشدّة ظهور اللّون لشدّة تأثير الشّيء المضيء.

قالوا: فليُرنا مرئيّ من مثبتي شيء سوى اللّون، أنّ على الحائط الأبيض شيئاً غير البياض وغير ظهور يسمّى ذلك الشّيء شعاعاً.


1 . لاحظ البحث في الكتب التالية: طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النفس/ الفصل الثّاني والثالث من المقالة الثّالثة; وشرح المواقف: 5 / 250 ـ 253 ; وشرح المقاصد: 2 / 268 ـ 269 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 544 ـ 548 ; وايضاح المقاصد: 187 ـ 189.

2 . في المصدر: «مع اللّون».


صفحه 118

فإنّ قايس مقايس ذلك بالظل على الحائط، فذلك الظلّ بسبب ظلمة ما يخفى لها من البياض ما كان يجب أن يظهر، وكأنّه خلط من الظّلمة الّتي لا معنى لها إلاّ خفاء، أو زيادة خفاء. كما أنّ النّور لا معنى له إلاّ ظهوراً وزيادة ظهور .

ومن هؤلاء قوم يرون: أنّ الشّمس ليس ضوؤها إلاّ شدّة ظهور لونها.

ويرون: أنّ اللّون إذا بهر البصر لشدّة ظهوره رؤيَ بريق وشعاع يخفي اللّون لعجز البصر لا لخفائه في نفسه، وكأنّه يفتر البصر عن إدراك الجليّ، فإذا إنكسر ذلك رؤيَ لون .

قالوا: والحيوانات الّتي تلمع في اللّيل إذا لمعت لم يحسّ بلونها ألبتة. وإذا كان نهاراً كان لها لون ظاهر، ولم يكن فيها لمعان.

فذلك اللّمعان هو بسبب شدّة ظهور ألوانها لا غير حتّى يرى في الظّلمة، ويكون في غاية القوّة، فتبهر البصر إذا كانت الظّلمة أضعفته. فإذا أشرق الشّمس غلب ظهورها ظهور ذلك فعاد لونها. والبصر لم يبهرله، لأنّ البصر قد اعتاد لقاء الظّاهرات واشتدّ بطلوع الشّمس.

ومنهم من قال: ليس الأمر على هذه الصفة، بل الضوء شيء، واللّون شيء، لكنّه من شأن الضوء إذا غلب على البصر أن يستر لون ما فيه.

والشّمس أيضاً لها لون، ومع اللّون ضوء، فيستر الضوء اللّون باللّمعان كما للقمر، وكما للسّبحة السّوداء الصقيلة، إذا لمعت رؤيت مضيئة ولم ير سوادها.


صفحه 119

قالوا: وهذا غير النّور. فإنّ النّور هو ظهور اللّون، والضوء ليس هو ظهور اللّون، بل شيء آخر. وقد يخفى اللّون.

وإنّ هذه اللّوامع باللّيل يظهر نورها في الظّلمة، فيخفى لونها، وإذا ظهرت الشّمس غلب نورها وخفى وظهر لونها. هذا محصّل ما في "الشّفاء " في تقرير مذهبهم.

ثمّ أراد إبطاله وقال فتقول: إنّ ظهور اللّون يفهم منه في هذا الموضع معنيان.

أحدهما: صيرورة اللّون بالفعل، والآخر ظهور لون موجود بنفسه بالفعل للعين.

والمعنى الأوّل: يدلّ على حدوث اللّون، أو وجوده لوناً.

والمعنى الثّاني: يدلّ على حدوث نسبة اللّون، أو وجود تلك النّسبة إلى البصر.

وهذا (1) ظاهر الفساد، فإنّه يوجب أن يكون النّور نسبة، أو حدوث نسبة ولا قوام ولا جود له في نفسه.

وإن عني به أنّه مصير اللّون بحيث لو كان بصر لرآه بمعنى(2) أنّه


1 . أي المعنى الثّاني.

2 . في المصدر: «بصر لرآه أو كونه كذلك، فإمّا أن يكون هذا نفس اللّون، أو معنى يحدث إذا زال الخ».


صفحه 120

أمر يحدث إذا زال معنى من خارج كزوال ستر أو غيره، فيكون (1) الضوء غير اللّون.

وأمّا المعنى الأوّل: فلا يخلو أيضاً: إمّا أن يعني بالظّهور خروج من القوّة إلى الفعل، فلا يكون الشّيء مستنيراً بعد ذلك الآن الواحد، وإمّا أن يعني به نفس اللّون، فيكون قوله: الظّهور لا معنى له، بل يجب أن يقال: إنّ الاستنارة هي اللّون.(2)

فإن قررنا الأمر على أنّ الضوء هو اللّون نفسه إذا كان بالفعل، فذلك باطل من وجوه:

أمّا أوّلاً: فلأنّه لا يخلو: إمّا أن يكون الضوء مقولاً على كلّ لون بالفعل، أو يكون البياض وحده لوناً، فيكون السّواد ظلمة، فيستحيل أن يكون الجسم الأسود مشرقاً بالضوء، لكن هذا ليس بمستحيل، فإنّ الأسود يشرق وينوّر غيره فليس الضوء هو البياض وحده، وإن لم يكن الضوء هو البياض وحده، بل كلّ لون كان بعض ما هو ضوء يضادّ بعض ما هو ضوء. ولكن الضوء لا يقابله إلاّ الظلمة، هذا خلف.

وأمّا ثانياً: فلأنّ المعنى الّذي به الأسود مضيء غير سواده لا محالة;


1 . في المصدر: «فإن كان نفس اللّون كان هذا هو الوجه الأوّل، وإن كان حالاً تعرض له بها يظهر فيكون الضوء غير اللّون».

2 . أو يعني به حال تقارن اللّون: إمّا دائماً وإمّا وقتاً مّا، حتّى يكون اللّون شيئاً يعرض له النّور تارة وتعرض له الظلمة أُخرى. واللّون في الحالين موجود بالفعل، فإن كان نفس نسبته إلى ما يظهر له عاد إلى المذهب الآخر، وإن كان شيئاً آخر عاد إلى ذلك أيضاً. كما في المصدر.


صفحه 121

أي بشهادة الحسّ. وكذلك هو غير البياض واللّون، أعني: طبيعة جنسه الّذي في السّواد هو نفس السّواد، واللّون الّذي في البياض هو نفس البياض لا عارض له، فليس اللون المطلق الجنسي هو الضوء.

وأمّا ثالثاً: فلأن الضوء قد يستنير به الشفّاف، كالماء والبلور، إذا كان في ظلمة فوقع عليه الضوء وحده دلّ عليه وأشف، هذا .

وأمّا قول القائل: إنّ الضوء واللّمعان أيضاً ليس إلاّ ظهور اللّون، ثمّ قوله في الأشياء اللاّمعة باللّيل ما قاله، فيبطل بأنّ السراج والقمر كثيراً ما يبطلان لمعان تلك، ويظهران ألوانها.

فيجب أن يكون نور السّراج أشدّ ظهور لون، ويجب أن يكون أيضاً ما يصير بالسّراج ظاهر اللوّن لا يرى في الظّلمة له لون.

وليس الأمر كذلك، فإنّ اللامعات يرى أيضاً لونها بالليّل كما يرى بريقها، فليس ما قالوه بحق .

وأمّا القائل: بأنّ للشّمس والكواكب ألواناً وأنّ الضوء يخفي لونها، فيشبه أن يكون الحقّ أنّ بعض الأشياء يكون له في ذاته لون، فإذا أضاء اشتدّت إضاءته حتّى يبهر البصر فلم يميّز اللّون.

ومنه ما يكون له مكان اللّون الضوء وهو الشّيء الّذي يكون الضوء له طبيعيّاً لازماً غير مستفاد.

وبعض الأشياء مختلط الجوهر من ذلك الأمر: إمّا اختلاط تركّب


صفحه 122

أجزاء مضيئة وأجزاء ذوات ألوان كالنّار، وإمّا اختلاط امتزاج الكيفيّات كما للمِرّيخ ولزُّحل.

وليس يمكنني أن أحكم في أمر الشّمس الآن بشيء. هذا كلام "الشفاء " على نحو من التّلخيص والتّحصيل»(1).

والمصنّف أسند بيان مغايرتهما إلى الحسّ، وأشار بقوله: حسّاً، فإنّ الجسم الأسود إذا وقع عليه ضوء الشّمس شهد الحسّ بوجود شيئين على سطحه:

أحدهما: هو الظّاهر بنفسه للحسّ، هو الضوء.

والآخر: ظاهر له بسببه، هو السّواد.

وكذلك الجسم الأبيض.

فطبيعة الضوء المشتركة بين هذين الضوئين مغايرة لطبيعة اللّون المشتركة بين هذين اللّونين.

فهذا هو الثّاني من الوجوه المذكورة في كلام الشيخ على ما أشرنا إليه هناك .

وأمّا ما استدلّ به الإمام: من أنّ البياض والسّواد يتشاركان في الضوء ويتخالفان في ماهيّتهما، وما به الاشتراك غير ما به الاختلاف(2).


1 . طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النّفس / 83 ـ 92 / الفصل الثّاني والثّالث من المقالة الثّالثة.

2 . على ما نقل الشّارح القوشجي، لاحظ: شرح تجريد العقائد: 240.


صفحه 123

فيجوز حمله على الأوّل من تلك الوجوه، أعني قوله (1): «وإن لم يكن الضوء هو البياض وحده بل كلّ لون الخ».

فلا يرد عليه(2): أنّه يجوز اشتراك متخالفي الماهيّة في ظهورهما عند الحسّ.

وذلك: لأنّ الكلام إنّما هو على تقدير، أنّ الضوء هو اللّون نفسه، لا على أن يكون نسبة اللّون إلى الحسّ، فليتدبّر.


1 . أي قول الشيخ الرئيس.

2 . ما أورد الشّارح القوشجي على قوله: «واعترض عليه بجواز اشتراك متخالفي الماهيّة الخ».


صفحه 124

 

الفرع الخامس

في أنّ اللّون والضوء قابلان للشدّة والضعف

قال: قابلان للشدّة والضعف المتباينان نوعاً.

أقول: قوله: قابلان للشدّة والضعف(1); وهو ظاهر محسوس، فإنّ بياض الثلج أشدُّ من بياض العاج، وضوءَ الشّمس من ضوء السّراج، فيكون في كلّ منهما الأشدّ والأضعف المتباينان نوعاً، (2) هذا هو تقرير الكلام.

وأمّا كون الأشدّ من كلّ قابل للشدّة والضّعف نوعاً مباينا للأضعف منه فمن مقرّراتهم .

والدليل عليه: أنّ ما به الشدّة في البياض الشّديد مثلاً لو لم يكن داخلاً في حقيقته لم يكن الشدّة في البياض، بل في أمر آخر، فهو داخل فيها لا


1 . أي كلّ واحد من هما ـ أعني: اللّون والضوء ـ قابل للشدّة والضعف .

2 . أي بالنوع، فإنّ شديد السّواد المخالف لضعيفه إن كان للاختلاف بينهما بالحقيقة والنّوع فهو المطلوب، هذا في قبال من قال: بأنّ اختلاف الشّديد والضّعيف ليس بالنّوع، بل يحصل الضّعيف من اختلاط أجزاء الشّديد بالضدّ. مثلاً البياض الضّعيف عبارة عن مقدار مثقال من جوهر البياض اختلط بنصف مثقال من جوهر السّواد. والبياض الشّديد عبارة عن مثقال من جوهر البياض محضاً، وكذا الضوء الضعيف عبارة عن مقدار مثقال من جوهر الضوء اختلط بنصف مثقال من جوهر الظلمة. والضوء الشديد عبارة عن مثقال من جوهر الضوء محضاً. وهذا باطل إذ يلزم منه أن يكون البياض الضّعيف سواداً شديداً، والضوء الضّعيف ظلمة شديدة بمقدار زيادة السّواد، والظلمة على البياض والضوء.


صفحه 125

محالة، وخارج عن حقيقة البياض الضّعيف، وإلاّ لتساويا، فيجب كون البياض الشّديد من حيث هو شديد، لا من حيث هو بياض نوعاً مبايناً للبياض الضّعيف من حيث هو كذلك، حيث اعتبر في حقيقته من حيث هو شديد شيء لم يعتبر في حقيقة الضّعيف من حيث هو ضعيف.

ولا يلزم من ذلك التّشكيك في الذّاتي، فإنّ ما هو ذاتيّ لهما معاً إنّما هو مطلق البياض، لا من حيث هو شديد أو ضعيف، فالشدّة راجعة إلى كون البياض المطلق الذّاتي متحقّقاً في الشّديد في ضمن أمثال ما هو متحقّق في ضمنه في الضّعيف من الأفراد المنتزعة.

وهذا الّذي ذكرنا ـ أعني: وجوب كون الأشدّ والأضعف نوعين متباينين ـ هو الدّليل على امتناع التّشكيك في الذّاتي، فإنّ الشّديد والضّعيف إذا وجب كونهما نوعين متباينين ; لم يتحقّق اشتراك الضّعيف مع الشّديد في الحقيقة، لانتفاء بعض ما هو معتبر في الشّديد فيه لا محالة .

فان قلت(1): هذا منقوض بالعارض، فإنّ ما اشتمل عليه بياض الثلج دون العاج من التّفاوت، إذا لم يكن معتبراً في مفهوم البياض لم يتحقّق التّفاوت بين الثلج والعاج في ما هو بياض، بل في أمر خارج عنه .

قلت: ذلك التّفاوت ليس معتبراً في مفهوم البياض، لكنّه في فرد من البياض، والمقول بالتشكيك ليس هو البياض بل الأبيض، ومفهوم الأبيض إنّما هو النسبة إلى البياض، أعني: ذا البياض. ولا شك أنّ النسبة إلى عدة


1 . نقله الشّارح القوشجي وأجاب عنه. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 240 ـ 241 .


صفحه 126

أفراد البياض أشدّ في كونها نسبة إلى البياض من النسبة إلى فرد واحد من البياض، فحصل التّفاوت في مفهوم الأبيض، لكن مفهوم الأبيض ليس ذاتيّاً لا للبياض ولا لمعروضه ليلزم التشكيك في الذّاتي، بل هو عرضيّ لمعروضه.

واعلم: أنّ مثل هذا التّفاوت الّذي بين أفراد العرض كالبياض مثلاً ـ أعني: كون فرد كعدّة أفراد ـ يجوز أن يكون بين أفراد الجوهر أيضاً كالإنسان مثلاً بأن يكون فرد من الإنسان كعدّة أفراد منه، فيتحقّق الشدّة والضّعف فيه بهذا المعنى، لكن لما لم يكن الجوهر موجوداً في الموضوع كالعرض لم يتحقّق هناك بالطبع مفهوم عرضيّ كالأبيض ليكون مقولاً بالتّشكيك، فالممتنع في الجواهر إنّما هو التّشكيك لا الشدّة والضّعف.

والظاهر أنّ من ذهب إلى جواز التّشكيك في الجواهر إنّما ذهب إليه لمثل هذا التّفاوت المذكور.

وإذا جاز، فلا حاجة لذلك إلى المكابرة في جواز التّشكيك في الجواهر دليل آخر لنفي التّشكيك في الذّاتي.

وهو أنّ نسبة الماهيّة وذاتيّاتها إلى جميع الجزئيّات على السّواء، فإنّ جميعها متساوية في أنّ تحقّقها ذهناً وخارجاً; لا يتصوّر إلاّ عند تحقّق الماهيّة وذاتيّاتها، وترتفع بارتفاع الماهيّة وذاتيّاتها، فلا تكون الماهيّة وذاتيّاتها بالنّسبة إلى شيء من الأفراد أولى وأقدم أو أشدّ .


صفحه 127

وتقدّم(1) بعضها على البعض بالوجود لا يقتضي تقدّمه عليه بالذّاتي، فإنّ نسبته إلى الفرد المتقدّم كنسبته إلى الفرد المتأخّر.

والنّقض بالعارض هاهنا أيضاً مندفع بما ذكرنا، فإنّ الأمر الخارج الّذي يجب كون الماهيّة وذاتيّاتها بالنّسبة إلى جميع أفراده على السّواء إنّما هو مثل البياض، وهو ليس بمشكك، بل المشكك إنّما هو مثل الأبيض، ولا يجب مساواته بالنّسبة إلى أفراد البياض، ولا أفراد موضوعه، إذ ليس هو ذاتيّاً لشيء منهما. هذا.

واعلم: أنّا إنّما وقعنا إلى هذا المطلب بالعرض، لكنّه لمّا كان من المهمّات المستصعبة، ولم يكن موضع من الكتاب أليق بتحقيقه من هذا الموضع أوردنا الحقّ فيه في هذا المقام، ووفينا بما ربّما وعدناك في سالف الكلام.


1 . دفع ودخل، تقريره: أنّ بعض الأفراد موجود قبل بعض آخر، فيكون الماهيّة المتعلّقة بالبعض المتقدّم أولى وأقدم على الماهيّة المتعلّقة بالبعض المتأخّر. والدفع ظاهر لأنّ تقدّم بعضها على البعض الخ.


صفحه 128

 

الفرع السّادس

في أنّ الضوء ليس بجسم

قال: ولو كان الثّاني جسماً لحصل ضدّ المحسوس بل هو عرض قائم بالمحلّ معدٌّ لحصول مثله في المقابل.

أقول: قوله: ولو كان الثّاني: أي الضوء جسماً لحصل ضدّ المحسوس(1) إشارة إلى ما حكى في "الشّفاء" : «إنّ من النّاس من ظنّ أنّ النّور الّذي يشرق من المضيء على الأجسام ليس كيفيّة تحدث فيها، بل أجسام صغار ينفصل من المضيء، وتقع على الأجسام فتستضيء بها.

ثمّ ردّ ذلك: بأنّ تلك الأجسام الصّغار إن لم تكن شفّافة فتستر ما تحتها، وإن كانت شفّافة فلا يخلو: إمّا أن يزول شفيفها بتراكمها كما تكون الأجزاء الصّغار من البلور شفّافة ; ويكون المتراكم منها غير شفاف، وإمّا أن لا يزول شفيفها.

فإن كانت شفّافة لا يزول شفيفها لم تكن مضيئة، إذ قد فرغنا من الفرق بين الشفّاف وبين المضيء.


1 . ذهب بعض الحكماء ومنهم النظام إلى أنّ الضوء أجسام صغار تنفصل من المضيء وتتّصل بالمستضيء. تمسكاً بأنّه متحرّك بالذات، وكلّ متحرّك بالذّات جسم. لاحظ تفصيل استدلالهم مع جواب العلماء في الكتب التالية: نهاية المرام في علم الكلام: 1 / 548 ـ 551 ; وايضاح المقاصد: 188 ـ 189 ; وشرح المواقف: 5 / 247 ـ 250 ; وشرح المقاصد: 2 / 266 ـ 267 ; والأسفار: 4 / 89 ـ 91 ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 296 ـ 298 .


صفحه 129

وإن كانت تعود بالارتكام غير شفّافة ; كان ارتكامها يستر ما تحتها، وكلّما ازدادت ارتكاماً ازدادت ستراً. والضوء كلّما ازداد ارتكاماً ازداد إظهار اللون، فبيّن أنّ الشعاع المظهر للألوان ليس بجسم. هذا محصّل ما في "الشفاء " ».(1)

وهو معنى كلام المصنّف .

ثمّ ازداد الشيخ في الردّ فقال: «ثمّ لا يجوز أن يكون جسماً ويتحرّك بالطبع إلى جهات مختلفة .

ثمّ إن كان أجساماً ينفصل من المضيء ويلقى المستنير، فإذا غمّت الكوة لم يخل: إمّا أن يتّفق لها أن تعدم، أو يستحيل، أو تسبق الغام .

والقول بسبق الغام اعتساف، فإنّ ذلك أمر يكون دفعة .

والعدم أيضاً بالستر من ذلك الجنس، فإنّه كيف يحكم أنّ جسماً إذا تخلّل بين جسمين عدم أحدهما؟

وأمّا الاستحالة، فتوجب ماقلناه وهو أنّها يستنير بمقابلة النير، فإذا غم استحالت .

ثمّ قال: وأمّا الحجّة الّتي تتعلّق بها أصحاب الشعاع، فمن ذلك قولهم: إنّ الشعاع لا محالة ينحدر من عند الشّمس ويتّجه من عند النّار، وهذه حركة ولا حركة; أي بالذّات إلاّ للجسم.


1 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النّفس / 83 ـ 84 .


صفحه 130

وأيضاً فإنّ الشّعاع ينتقل بانتقال المضيء والانتقال للجسم .

وأيضاً فإنّ الشّعاع يلقي شيئاً، فينعكس عنه إلى غيره، والانعكاسُ حركةٌ جسمانيّة لا محالة .

ثمّ قال: وهذه القياسات كلّها فاسدة ومقدّماتها غير صحيحة، فإنّ قولنا: الشّعاع ينحدر أو يخرج أو يدخل، ألفاظ مجازيّة ليس من ذلك شيء، بل الشّعاع يحدث في المقابل دفعة. ولمّا كان يحدث عن شيء عال يوهم كأنّه ينزل.

وأن يكون على سبيل الحدوث في ظاهر الحال أولى من النّزول، إذ لا يرى ألبتة في الطّريق ولا يحتاج إلى زمان محسوس، فلا يخلو: إمّا أن يكون البرهان دلّ على انحداره وأنّى لهم بذلك، وإمّا أن يكون الحسّ هو الدالّ عليه، وعليه معولهم. وكيف يدلّ الحسّ على حركة متحرّك لا يحسّ زمانه، ولا يحسّ في وسط المسافة؟

وأمّا حديث انتقال الشّعاع، فليس بأكثر من انتقال الظلّ، فيجب أن يكون الظلّ أيضاً جسماً ينتقل .

وليس ولا واحد منهما بانتقال، بل بطلان وتجدّد، فإنّه إذا تجدّدت الموازاة تجدّد ذلك».(1)

بل هو عرض قائم بالمحلّ(2)، كجرم الشّمس وجرم النّار، ومُعدّ


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / كتاب النّفس / 84 ـ 85 .

2 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 131

لحصول مثله(1) في الجسم المقابل لمحلّه، كوجه الأرض والجدار .

وهو ذاتيّ، كما للمضيء بذاته كالشمس والنّار ويسمّى ضياء. وقد يختصّ باسم الضوء .

وعرضيّ، كما للمستضيء من غيره، كوجه الأرض والجدار، ويسمّى نوراً، كما قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً)(2) أي ذات ضياء وذا نور .

قال الشّيخ ما حاصله: «إنّ لفظ الضوء والنّور والشّعاع، يشبه أن لا يكون بينها كثير تفاوت في موضع اللّغة، لكنّا نحتاج إلى أن نفرق بينها في استعمالنا إيّاها، لأنّ هاهنا ثلاثة معان متقاربة:

أحدها: الكيفيّة الّتي يدركها البصر في الشّمس والنّار من غير أن يقال إنّه سواد أو بياض أو حمرة أو شيء من هذه الألوان.

والثّاني: الأمر الّذي يسطع من هذا الشّيء، فيتخيّل أنّه يقع على الأجسام، فيظهر بياض وسواد وحمرة.

والثّالث: الّذي يتخيّل على الأجسام كأنّه يترقرق، وكأنّه يستر لونها، وكأنّه شيء يفيض منهما، فإن كان في جسم قد استفاد ذلك من جسم آخر سمّي بريقاً، كما يحسّ في المرآة، وإن كان في الجسم الّذي له بذاته سمّي شعاعاً.


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .

2 . يونس: 5 .


صفحه 132

والقسمان الأوّلان سمّي أحدهما وهو الّذي للشّيء من ذاته ضوءاً كما للشّمس والنّار، والآخر وهو الّذي يستفاد من غيره نوراً .

أوّل وثان(1) هذان قسمان للعرضيّ.

فالأوّل: ما كان حصوله من مقابلة المضيء لذاته، كما للقمر ووجه الأرض من مقابلة الشّمس .

والثّاني: ما كان من مقابلة المستضيء من غيره، كما لوجه الأرض من مقابلة القمر كما له قبل طلوع الشّمس وبعد غروبها من مقابلة الهواء المقابل للشّمس.

وهذا الأخير ـ أعني : الضوء الحاصل في الجسم من مقابلة الهواء المستضيء من غيره ـ يسمّى ظلاًّ، فيكون الظّل أخصّ من الضوء الثّاني.

وقد يفسّر بما يساوق الضوء الثّاني فيقال: هو الضوء الحاصل في الجسم من مقابلة المستضيء بغيره ; على ما في " المواقف "(2)، فيصدق على الضوء الحاصل من مقابلة جرم القمر مع أنّه ليس بظلّ، وفاقاً على ما في "شرح المقاصد " .(3)

واعلم: أنّه لا خلاف بين المحقّقين من الحكماء في إضاءة الهواء، وإنّما الخلاف في أنّ محل الضوء هو نفس الهواء، أو ما يخالطه من الأجزاء


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .

2 . أنظر: المواقف: 135 .

3 . لاحظ: شرح المقاصد: 2 / 264 و 163 .


صفحه 133

البخاريّة أو الدّخانيّة، أو نحو ذلك. كذا في "شرح المقاصد " .(1)

والحقّ: هو الأخير، كما مرّ في كلام الشيخ، من أنّ الهواء غير قابل للاستنارة، لكونه شفافاً غير مرئي .

والظلمة عدم ملكة، كما مرّ من أنّها عدم الضوء عمّا من شأنه أن يكون مضيئاً .

والدليل على كون الظلمة عدمّية ما مرّ من رؤية الجالس في الغار المظلم الخارج عنه الواقع عليه الضوء .

وأمّا ما في "المواقف " من أنّه: «لو قيل كما أنّ شرط الرؤية ضوء يحيط بالمرئي، فقد يكون العائق من الرؤية ظلمة تحيط به، لا المحيطة بالرّائي ولا مطلقاً»(2) فباطل; للقطع بعدم الفرق في الحائل بين أن يكون محيطاً بالرّائي أو المرئي .

وذهب بعضهم،(3) الى أنّها كيفيّة وجوديّة، وتمسّك بقوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَ النُّورَ)(4)، فإنّ المجعول لا يكون إلاّ موجوداً.

وأُجيب بالمنع: فإنّ الجاعل كما يجعل الوجود يجعل العدم الخاصّ كالعمى، وإنّما المنافي للمجعوليّة هو العدم الصّرف.


1 . المصدر السابق.

2 . المواقف في علم الكلام: 133.

3 . تعرّض عليه شارح المقاصد وأجاب عنه. لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 263 .

4 . الأنعام: 1 .


صفحه 134

 

المسألة الثّالثة

في أحوال المسموعات

وفيها فروع:

الفرع الأوّل

في الصّوت

قال: ومنها المسموعات، وهي الأصوات الحاصلة من التموّج المعلول للقَرْع والقَلع بشرط المقاومة في الخارج.

أقول: إنّ هذا البحث في بيان حقيقة الصّوت وإثباته في الخارج على ما قال:

ومنها: أي الكيفيّات المحسوسة المسموعات وهي الأصوات.

والصّوت، قيل: هو نفس التموّج.

وقيل: هوالقرع والقلع اللّذان هما سببا التموّج .(1)


1 . وقيل: إنّه عبارة عن إصطكاك الأجسام الصّلبة.

وقيل: إنّه عبارة عن التموّج الحاصل في الهواء من القلع والقرع.

وقيل: إنّه نفس القرع والقلع.

قال أفلاطون: إنّه روح يخرج من الفم ينبعث عن الفكر بحركة تقرع الهواء وتصير إلى الأذنين والدماغ وتنتهي إلى النفس .

قال إبراهيم بن نظام: إنّه جوهر ينقطع بالحركة نسمعه بانتقال إلى الأذن.

لاحظ : نهاية المرام في علم الكلام: 1 / 560 ـ 561 ; ومناهج اليقين: 67 ـ 68; وايضاح المقاصد: 190 ـ 192 ; والتحصيل: 753 ـ 754 ; وشرح المواقف: 5 / 256 ـ 258 ; المباحث المشرقيّة: 1 / 305 ـ 306 ; والآراء الطبيعيّة لفلوطرخس: 167 ـ 168; وارشاد الطالبين: 85 ـ 86 .


صفحه 135

والصحيح; أنّه الكيفيّة الحاصلة من التموّج لا نفسه المعلول للقرع; أي الإمساس، والقلع; أي التفريق بشرط المقاومة; أي ليس السبب البعيد للصّوت هو القرع، هو القلع مطلقاً، بل بشرط مقاومة المقروع للقارع والمقلوع للقالع، فيكون السّبب هو الإمساس الشديد والتفريق الشديد.

قال الشّيخ في " الشفاء ": «إنّ الصّوت ليس أمراً قائماً بالذّات موجوداً ثابت الوجود يجوز فيه ما يجوز في البياض والسّواد والشكل من أحكام الثبات، بل الصّوت بين واضح من أمره أنّه أمر يحدث، وأنّه ليس يحدث إلاّ عن قَرع أو قَلع.

أمّا القَرع: فمثل ما تقرع صخرة أو خشبة.

وأمّا القَلع: فمثل ما يقلع أحد شقيّ مشقوق عن الآخر كخشبة تنحى عليها بأن تبيّن أحد شقيها عن الآخر طولاً .(1)

ولا تجد مع كلّ قَرْع أيضاً صوتاً، فإن قرعت جسماً كالصوف بقرع ليّن جدّاً لم تحس صوتاً، بل يجب أن يكون للجسم الّذي تقرعه مقاومة ما وأن يكون للحركة الّتي للمقروع عنف صادم، فهناك يحسّ .


1 . في د: جملة «كخشبة تنحى عليها بأن تبيّن أحد شقيها عن الآخر طولاً» ساقطة.


صفحه 136

وكذلك أيضاً إذا شقّقت شيئاً يسيراً يسيراً، إذا كان الشّيء لا صلابة له لم يكن للقلع صوت ألبتة.

والقرع بما هو قرع لا يختلف. والقلع أيضاً بما هو قلع لا يختلف. لأنّ أحدهما إمساس والآخر تفريق، لكن الإمساس يخالف الإمساس بالقوّة والسّرعة، والتّفريق أيضاً يفارق (1) التّفريق بمثل ذلك.

ولأنّ كلّ صائر إلى مماسّة شيء فيجب أن يفرغ لنفسه مكان جسم آخر كان مماسّاً له لينتقل إليه، وكلّ مقلوع عن شيء فقد يفرغ مكانه حتّى يصار إليه. وهذا الشّيء الّذي فيه هذه الحركات شيء رطب سيّال لا محالة: إمّا ماء ; وإمّا هواء، فيكون مع كلّ قرع وقلع للهواء، أو ما يجري مجراه تموّج وانجذاب بقوّة.

وقد وجب هاهنا شيء لابدّ أن يكون موجوداً عند حدوث الصّوت، وهو حركة قوّية من الهواء، أو ما يجري مجراه، فيجب أن يتعرّف هل الصّوت هونفس القرع أو القلع، أو هوحركة تعرض للهواء من ذلك، أو شيء ثالث يتولّد من ذلك أو يقارنه؟

أمّا القَرع والقَلْع: فإنّهما يحسّان للبصر بتوسّط اللّون ولا شيء من الأصوات يحسّ بتوسّط اللّون، فليس القرع والقلع بصوت.

وأمّا الحركة فقد يشكّك من أمرها، فيظنّ أنّ الصّوت نفس تموّج الهواء.


1 . في المصدر: «يخالف».


صفحه 137

وليس كذلك أيضاً، فإنّ جنس الحركة يحسّ بسائر الحواس، وإن كان بتوسّط محسوسات أُخرى .

والتموّج الفاعل للصّوت قد يحسّ حتّى يؤلم، فإنّ صوت الرّعد يعرض منه أن تدك الجبال، وربّما ضرب حيواناً فأفسده. وكثيراً ما يستظهر على هدم الحصون العالية بأصوات البوقات، بل حسّ اللّمس، كما أشرنا إليه قبل أيضاً قد ينفعل من تلك الحركة من حيث هي حركة ولا يحسّ الصّوت.

فالصّوت إذن عارض يعرض من هذه الحركة الموصوفة يتبعها، ويكون معها، فإذا انتهى التموّج من الهواء والماء إلى الصِّماخ ـ وهنالك تجويف فيه هواء راكد يتموّج بتموّج ما ينتهي إليه، ووراءه كالجدار مفروش عليه العصب الحاس للصّوت ـ أحس بالصوّت. انتهى كلام الشفاء ملخصّاً».(1)

إثبات الصّوت في الخارج

ثمّ إنّ هاهنا مقامين آخرين .

أحدهما: أنّ الصّوت هل هو موجود في الخارج، أي الخارج الحسّ قائم بالهواء، أم لا، بل هو أمر يحدث في الحسّ فقط؟(2)


1 . طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النفس 70 ـ 71 / الفصل الخامس من المقالة الثانية.

2 . راجع في إيضاح المقام: التحصيل: 754 ـ 755 ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 306 ـ 307 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 570 ـ 572 ; مناهج اليقين: 68 ; وارشاد الطّالبين: 86 ; وشرح المواقف: 5 / 263 ـ 267 .


صفحه 138

قال الشيخ: «وممّا يشكل من أمر الصّوت هل هو شيء موجود من خارج تابع لوجود الحركة، أو إنّما يحدث من حيث هو صوت إذا تأثّر السّمع به؟

فإنّه للمعتقد أن يعتقد أنّ الصّوت لا وجود له من خارج، وأنّه يحدث في الحسّ من ملامسة الهواء المتموّج، فهل ذلك الصّوت حادث بتموّج الهواء الّذي في الصِّماخ أو لنفس المماسة؟ وهذا أمر يصعب الحكم فيه، وذلك لأنّ نافي وجود الصّوت من خارج لا يلزمه ما يلزم نافي الكيفيّات الأُخرى المحسوسة، لأنّ هذا له أن يثبت للمحسوس الصّوتي خاصيّة معلومة هي تفعل الصّوت، وتلك الخاصيّة هي التموّج، فيكون نسبة التموّج من الصّوت نسبة الكيفيّة الّتي في العسل إلى ما يتأثر في الحسّ.

لكنّ الأمر يختلف هنا، لأنّه ليس يجب أن يكون كلّ ما يؤثّر أثراً في نفسه مثل ذلك الأثر، فيجب أن تتعرّف حقيقة الحال في هذا .

فنقول: ممّا يعيّن على معرفة أنّ العارض المسموع له وجود من خارج أيضاً أنّه لو كان إنّما يحدث في الصِّماخ يعني في الحسّ نفسه لم يخلّ إمّا أن يكون التموّج الهوائيّ يحسّ بالسمّع من حيث هو تموّج، أو لايحسّ.

فإن كان يحسّ (1)، فإمّا أن يحسّ به أوّلاً، أو بتوسّط الصّوت.

فلو كان يحسّ به أوّلاً، والمحسوس الأوّل بالسمّع هو الصّوت، وهذا


1 . أي إن كان التموّج الهوائيّ يحسّ بالسّمع حسّاً من حيث هو تموّج الخ.


صفحه 139

ما لا شك فيه، كان التموّج من حيث هو تموّج صوتاً، وقد أبطلناه، هذا .

ولو كان يحسّ به بتوسّط الصّوت، لكان كلّ من سمع الصّوت علم أنّ هناك تموّجاً، كما أنّ كلّ من أحسّ لون المربّع والمربّع بتوسّطه علم أنّ هناك مربّعاً، وليس كذلك.

فإذن ليس بواجب أن يحسّ التموّج عند سماع الصّوت. انتهى كلام الشيخ ملخّصاً»(1).

وعلى هذا المقام; ينبغي أن يحمل قوله (2): في الخارج: أي الحاصلة في الخارج، أي خارج الحسّ.

فإنّ المتبادر من الوجود من الخارج إنّما هو الوجود العيني، فيكون ردّاً على من زعم أنّ الصّوت إنّما يحصل في الحسّ فقط.

وأمّا حمله على خارج الصِّماخ ليكون معناه ; أنّ الصّوت موجود في خارج الصِّماخ أيضاً، لا أنّه قائم بالهواء الموجود في الصِّماخ فقط، على ما حمله الشّارحون(3)، فليس بشيء.

فإنّ على تقدير وجود الصّوت في الخارج بالمعنى المتبادر لا يذهب


1 . طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النّفس / 72 ـ 73 .

2 . أي قول المصنّف (رحمه الله) .

3 . أي العلاّمة الحلّي في كشف المراد; وشمس الدين محمود بن عبدالرحمن بن أحمد الاصفهاني الشّافعي في تسديد القواعد في شرح تجريد العقائد ; والشّارح القوشجي في شرح تجريد العقائد.


صفحه 140

الوهم إلى تخصيص وجوده بالهواء الصِّماخي، فليتدبّر .

والمقام الثّاني: أنّ على تقدير وجود الصّوت في الخارج وقيامه بالهواء مطلقاً; هل المسموع هو الصّوت القائم بالهواء الواصل إلى الصّماخ فقط، أو القائم بالهواء الخارج من الصّماخ أيضاً ؟

والحقّ: هو الأخير، بدليل إدراك جهة الصّوت وحده من القرب والبعد، فإنّه لو لم يقع الإحساس به إلاّ من حيث إنّه في الهواء الواصل إلى الصِّماخ دون الخارج الّذي هو مبدأ حدوثه أو وسطه لم يكن عند الحسّ فرق بين هذا وبين ما إذا لم يوجد خارج الصِّماخ أصلاً، فلم يعرف جهته، ولا قربه أو بعده، كما أنّ اللّمس لمّا لم يدرك الملموس إلاّ من حيث انتهى إليه، لا من حيث إنّه في أوّل المسافة أو وسطها، لم يميّز بين وروده من اليمين أو اليسار، ومن القريب أو البعيد.

ولا يكفي في إدراك الجهة أنّ الهواء المتموّج يجيء منها، وفي إدراك القُرب والبُعد; أنّ أثر القارع القريب أقوى من البعيد.

لأنّه لو كفى الأوّل لما أدركت الجهة الّتي على خلاف جهة الأُذن السّامعة، وليس كذلك، لأنّ السّامع قد يشدّ أُذنه اليمنى ويجيء الصّوت من يمينه فيسمعه بأُذنه اليُسرى، ويعرف أنّه جاء من يمينه مع القطع بأنّ الهواء المتموّج لايصل إلى اليسرى إلاّ بعد الانعطاف عن اليُمنى، فيكون الهواء القارع واصلاً إلى السّامع من خلاف جهة الصّوت .

ولو كفى الثّاني ; لزم أن يشتبه القوّة والضّعف بالقُرب والبُعد، فلم


صفحه 141

يميّز بين البعيد القوي والقريب الضّعيف. وظنّ في الصّورتين المتساويين في القُرب والبُعد المختلفين بالقوّة والضّعف أنّهما مختلفان في القُرب والبُعد، وليس كذلك .

وهذا ـ أعني: إدراك جهة الصّوت وقُربه وبُعده ـ دليل على وجود الصّوت في الخارج بالمعنى المتبادر أيضاً، كما لا يخفى .

والشّيخ أشار إلى ذلك حيث قال بعد ما نقلنا من كلامه في المقام الأوّل: «فلننظر ما يلزم بعد هذا .

فنقول: إنّ الصّوت كما يسمع تسمع له جهة.

ثمّ أورد ما محصّله ما ذكرنا ثمّ قال: فقد بان أنّ للصّوت وجوداً مّا من خارج لا من حيث هو مسموع بالفعل، بل من حيث هو مسموع بالقوّة، وأمر كهيئة مّا من الهيئات للتموّج غير نفس التموّج. انتهى»(1).

ثم إنّه لا يلزم من كون الصّوت القائم بالهواء الموجود خارج الصِّماخ أن يكون مسموعاً ابتداء من غير حاجة إلى وصول الهواء المتموّج إلى الصِّماخ، بل المسموع أوّلاً إنّما هو القائم بالهواء الواصل، ثمّ يحسّ القائم بالهواء الخارج بتتبّع الأثر الوارد من حيث ورد وتتبع ما بقي منه في الهواء الّذي هو في المسافة الّتي فيها ورد، فيتأدّى إدراكنا من الّذي وصل إلينا إلى ما قبله، فما قبله من جهته ومبدأ وروده، فإن كان بقي منه شيء متأد أدركناه إلى حيث ينقطع ويفنى وحينئذ ندرك الوارد ومورده وما بقى منه موجوداً،


1 . طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النّفس / 73.


صفحه 142

وجهته وبُعد مورده وقربه وما بقى من قوّة أمواج وضعفها. وإن لم يبق أثر ينبهنا على المبدأ لم نعلم من قدر البُعد إلاّ بقدر ما بقي، ولذلك لا يفرق في البُعد بين الرّعد الواصل إلينا من أعالي الجوّ ; وبين دوّي الرّحا الّتي هي أقرب ألينا، ونفرق فيه بين كلامي رجلين لا نراهما، وبعد أحدهما منّا ذراع وبعد الآخر ذراعان. فإنّا إذا سمعنا كلاميهما عرفنا قرب أحدهما وبعد الآخر. كذا في " شرح المواقف" (1) نقلاً عن "المعتبر"(2).

أمّا اعتراض الإمام عليه(3): بأنّ مدرك السّمع هو الصّوت نفسه دون الجهة، فإنّها غير مدركة بالسمع أصلاً. وإذا لم تكن الجهة مدركة له لم يكن الصّوت حاصلاً في تلك الجهة مدركاً له .

فضعّفه " شارح المواقف": «بأنّ الصّوت إذا أدرك في جهة علم أنّه في تلك الجهة، وإن لم تكن الجهة ولا كون الصّوت حاصلاً فيها ممّا يدرك بالسّمع. ألا ترى أنّ الرّائحة إذا أدركت من جسم علم أنّها فيه، وإن لم يكن الجسم، ولا كون الرائحة حاصلة ممّا يدرك بالشمّ. هذا»(4).


1 . لاحظ «شرح المواقف»: 5 / 264 .

2 . أنظر: المعتبر في الحكمة: 2 / 325 ـ 336 .

3 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 306 .

4 . شرح المواقف: 5 / 266 .


صفحه 143

 

تتميم

في حقيقة القرع

وممّا يجب أن نحقّق هاهنا الكلام في القارع والمقروع .

قال الشّيخ: «لابدّ في القرع من حركة قبل القرع ; وحركة تتبع القرع، فأمّا الحركة قبل القرع، فقد تكون من أحد الجسمين وهو الصائر إلى الثّاني. وقد تكون من كليهما ولابدّ من قيام كلّ واحد منهما، أو أحدهما في وجه الآخر قياماً محسوساً. فإنّه إن اندفع أحدهما كما يحسّ، بل في زمان لا يحسّ، لم يكن صوت.

والقارع والمقروع كلاهما فاعلان للصّوت، لكن أولاهما به ما كان أصلبهما وأشدّهما مقاومة، فإنّ حظه في ذلك أشدّ.

وأمّا الحركة الثّانية: فهو انقلاب الهواء وانضغاطه بينهما بعنف، والصّلابة تعين على شدّة ضغط الهواء والملاسة أيضاً لئلاّ ينتشر الهواء في فُرَج الخشونة. والتكاثف أولى بذلك لئلاّ ينفذ الهواء في فرج التّخلخل.

وربّما كان الجسم المقروع في غاية الرّطوبة واللّين. ولكنّه إذا حمل عليه بالقوّة وكلّف الهواء المتوسّط أن ينفذ فيه أو ينضغط في ما بينهما لم يكن ذلك الجسم أيضاً بحيث يمكن الهواء المتوسّط أن ينفذ فيه ويشقّه في


صفحه 144

زمان قصير، بل قاوم ذلك فلم يندفع في وجه ذلك الهواء المتوسّط، بل قاوم أيضاً القارع، لأنّ القارع كان يسومه انخراقاً كثيراً في زمان قصير جداً. وليس ذلك في قوّة القابل ; ولا في قوّة الفاعل القارع، فامتنع من الانخراق، فقاوم في وجه القارع وضغط معه المتوسّط، فكانت المقاومة فيه مكان الصّلابة.

وأنت تعلم هذا إذا اعتبرت إمرارك السّوط في الماء برفق، فإنّك يمكنك أن تشقّة شقّاً من حيث لا تلزمك فيه مؤونة، فإن استعجلت استعصى عليك وقاوم .

والهواء أيضاً كذلك، بل قد يجوز أن يكون الهواء نفسه يصير جزء منه مقاوماً وجزء بينه وبين المزاحم القارع منضغطاً، بل يجوز أن يصير الهواء أجزاء ثلاثة: جزءٌ منه قارع كالريح، وجزء مقاوم، وجزء منضغط  فيما بينهما على هيئة من التموّج .

وليست الصّلابة والتّكاثف علّة أوّلية لإحداث هذا التموّج، بل ذلك لهما من حيث تعينان على المقاومة. والعلّة الأوّلية هي المقاومة، فالصّوت يحدث من تموّج الجسم الرّطب السيّال منضغطاً بين جسمين متصاكين متقاومين من حيث هو كذلك.

وكما أنّ الماء والهواء والفلك تشترك في طبيعة أداء اللّون، وتلك الطّبيعة لها اسم وهو الشّفيف، وكذلك الماء والهواء لهما معنى يشتركان فيه من حيث يحدث فيهما الصّوت، وليكن اسمه قبول التموّج.


صفحه 145

وليس ذلك من حيث المتوسّط ماء أو هواء، كما أنّ الإشفاف لم يكن من حيث المتوسّط فلك أو هواء .

ثمّ قال: ويجب أن يعلم ; أنّ التموّج ليس هو حركة انتقال من هواء واحد بعينه، بل كالحال في تموّج الماء حيث يحدث بالتّداول بصدم بعد صدم مع سكون قبل سكون.

وهذا التموّج الفاعل للصّوت سريع، لكنّه ليس بقوي الصّك. انتهى»(1).


1 . طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النّفس / 73 ـ 76 .


صفحه 146

 

الفرع الثّاني

في استحالة البقاء على الصّوت

قال: ويستحيل بقاؤه لوجوب إدراك الهيئة الصّوريّة.

أقول: ويستحيل بقاؤه; أي قرار أجزاء الصّوت(1)، لأنّه تابع للحركة الغير قارّة الأجزاء.

ومع ذلك استدلّ عليه بما أشار إليه بقوله: لوجوب إدراك الهيئة الصوريّة. يعني إذا سمعنا لفظة زيد مثلاً أدركنا الهيئة الصوريّة; أي ترتيب الحروف وتقديم بعضها على بعض، فلو كانت مجتمعة في الوجود لم يكن إدراك هذا التّرتيب أولى من باقي التّرتيبات.

واعترض عليه(2): بأنّ حدوثها بهذا الترتيب هو المرجّح لإدراك هذا التّرتيب دون البواقي.

وأمّا ما يقال: من أنّ الحروف ليست بأجزاء المصوّت، بل من عوارضها المفارقة، إذ قد يوجد ولا حرف هناك فلا يلزم من عدم بقاء الحروف عدم بقاء أجزاء الصّوت .


1 . أي أنّ الصّوت غير قارّ الأجزاء ويستحيل عليه البقاء، بل توجد أجزاؤه على سبيل التجدّد والتقضّي كما في الحركة والزّمان، خلافاً للكرّاميّة. لاحظ : كشف المراد: المسألة السّابعة من مبحث الكيف; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 569 .

2 . نقله الشارح القوشجي وأجاب عنه. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 245.


صفحه 147

فمدفوع: بأنّ حال تلك الأجزاء بعينها حال تلك الحروف، فيجري الدّليل فيها .

والكراميّة(1): ذهبوا إلى وجوب البقاء بناء على أنّ من كان قريباً من الصّوت يصل الهواء الحامل للصوت إلى صِماخه ; فيسمعه أوّلاً، ثمّ يجاوزه من كان بعيداً منه، وهكذا.

وهو مدفوع: بأنّ مسموع البعيد ليس عين مسموع القريب، بل مثله، فإنّ كلاًّ من تلك الاهوية يحدث منه تموج آخر وصوت مثل الأوّل.


1 . وهي من فرقة المرجئّة، أصحاب أبو عبدالله محمد بن كرّام السجستاني المتوفّى (255 هـ) يزعمون أنّ الإيمان هو الإقرار والتّصديق باللّسان دون القلب، وانكروا أن يكون معرفة القلب، أو شيءٌ غير التّصديق باللّسان إيماناً، وزعموا أنّ المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كانوا مؤمنين على الحقيقة، وزعموا أنّ الكفر بالله هو الجحود والإنكار له باللّسان. لاحظ تفصيل انظارهم وأقوالهم في الكتب التالية: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين: 141 ـ 154 ; والفَرق بين الفرق: 215 ـ 225 / الفصل السّابع من الباب الثالث.


صفحه 148

 

الفرع الثّالث

في الصداء (1)

قال: ويحصل منه (2) آخَرُ وهو الصداء.

أقول: قال الشّيخ: «وأمّا الصداء فإنّه يحدث من تموّج يوجبه هذا التموّج، فإنّ هذا التموّج إذا قاومه شيء من الأشياء كجبل أو جدار حتّى وقفه، لزم أن ينضغط أيضاً بين هذا المتموّج المتوجه إلى قرع الحائط أو الجبل، وبين ما يقرعه هواء آخر يرد ذلك ويصرفه إلى خلف بانضغاطه، ويكون بشكله الأوّل، وعلى هيئته كما يلزم الكرة المرميّ بها إلى الحائط أن تضطر الهواء إلى التموّج في ما بينهما وأن ترجع القهقرى .

ثمّ قال: وقد بقي علينا أن ننظر ; هل الصداء هو صوت يحدث بتموّج الهواء الّذي هو المتموّج الثّاني، أو هو لازم لتموّج الهواء الأوّل المنعطف النابي نبوا فيشبه أن يكون هو تموّج الهواء المنعطف النابي؟ ولذلك يكون على صفته وهيئته، وأن لا يكون القرع الكائن من هذا الهواء يولد صوتاً من تموّج هواء ثان يعتد به. فإنّ قرع مثل هذا الهواء قرع ليس بالشديد، ولو كان شديداً بحيث يحدث صوتاً لأضر بالسمع.


1 . لاحظ البحث في الكتب التالية: المباحث المشرقيّة: 1 / 308 ـ 309 ; والتحصيل: 755 ـ 757 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 573 ـ 574 ; وشرح المواقف: 5 / 267 ـ 268 .

2 . أي من الصّوت، صوت آخر، لأنّه إذا صادم الهواء المتموّج الحامل للصّوت جسماً كجبل أو جدار، رجع الهواء المتموّج إلى الخلف، فيدرك الصّوت مرّة ثانية وهو المسمّى بالصداء.


صفحه 149

ويشبه أن يكون لكلّ صوت صداء. ولكن لا يسمع كما أنّ لكلّ ضوء عكساً.

ويشبه أن يكون السّبب في أن لا يسمع الصداء في البيوت والمنازل في أكثر الأمر، أنّ المسافة إذا كانت قريبة من المصوّت وبين عاكس الصّوت لم يسمعا في زمانين متباينين، بل يسمعا معاً كما يسمع صوت القرع معه، وإن كان بعده بالحقيقة .

وأمّا إذا كان العاكس بعيداً فرق الزّمان بين الصّوتين تفريقاً محسوساً، وإن كان صلباً أملس فهو لتواتر الانعكاس منه بسبب قوّة النبو يبقى زماناً كثيراً كمافي الحمامات.

ويشبه أن يكون هذا هو السّبب في أن يكون صوت المغني في الصّحراء أضعف، وتحت السّقوف أقوى ; لتضاعفه بالصّداء المحسوس معه في زمان كالواحد. انتهى»(1).


1 . طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النّفس / 75 ـ 76 .


صفحه 150

 

الفرع الرّابع

في الحرف

قال: وتعرض له كيفيّةٌ مميّزةٌ تُسمّى باعتبارها حرفاً.

أقول: وتعرض له ; أي للصوت كيفيّة مميّزة، إشارة إلى ما عرّف به الشيخ الحرف حيث قال: الحرف كيفيّة تعرض للصوت بها يمتاز عن صوت آخَرَ مثله في الحِدّة والثِقَل تميّزاً في المسموع.

قالوا(1): وبالمماثلة في الخفّة والثقل ; أي الزيريّة والبمية احتراز عنهما، وبالتميّز في المسموع عن الغنة والبحوحة، وهي غلظ الصّوت، إذ الصّوت وإن كان يمتاز بهما عمّا يماثله في الخفّة والثقل، لكنّهما ليستا مسموعتين، فلا يحصل منهما تميّز في المسموع. وكذا عن نحوهما مثل الملائمة والمنافرة والجهارة والخفاءة إلى غير ذلك، إذ لا يحصل بشيء منها تميز في المسموع من حيث هو مسموع، وإن كان عدم مسموعيّة الغنة والبحوحة والجهارة والخفاءة منظوراً به، على ما في " شرح المواقف"(2).

يُسمّى ذلك الصّوت المعروض لهذه الكيفيّة باعتبارها; أي باعتبار عروضها له ; أي من حيث هو معروض لها حرفاً وهاهنا مذهب ثالث: وهو أنّ الحرف عبارة عن مجموع العارض والمعروض .


1 . جمع من المحققين. لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 279 .

2 . لاحظ : شرح المواقف: 5 / 271 .


صفحه 151

وفي " شرح المواقف "(1): أنّ هذا أنسب بمباحث العربيّة.

وما في " شرح القوشجي(2) ": من أنّ عبارة المتن تحتمل المذاهب الثّلاثة ممّا وجه له.

واعترض الإمام على تعريف الشيخ: بأنّه لا يتناول الحروف الصوامت كالتاء والطاء والدال فانها آنية لا توجد إلاّ في الآن الّذي هوبداية زمان الصّوت أو نهايته، والصوت زمانّي فلا تكون عارضة له حقيقة، لأنّ العارض يجب أن يكون موجوداً مع المعروض .

ثمّ أجاب عنه: بأنّها عارضة للصّوت عروض الآن للزّمان والنّقطة للخطّ، وإن لم يجتمعا في الزّمان، هذا.

 

أقسام الحروف

قال: إمّا مصّوِتٌ أو صامتٌ، متماثلٌ أو مختلفٌ بالذّات أو بالعرض.

أقول: ثمّ الحرف: إمّا مصوّت: وهو ما يكون من حروف المدّ واللّين ـ وهي الألف والواو والياء ـ إذا كانت ساكنة متولّدة من اشباع ما قبلها من الحركات المتجانسة لها، فالألف من الفتح، والواو من الضّم، والياء من الكسر. وهذه تسمّى مصوّتة ممدودة، والحركات الثّلاث تعد عندهم في الحروف وتسمى مصوّتة مقصورة.


1 . المصدر السابق.

2 . انظر: شرح تجريد العقائد: 345 .


صفحه 152

قال الإمام: الحركات أبعاض المصوّتات. أمّا أوّلاً: فلأنّ هذه المصوّتات قابلة للزّيادة والنقصان. وكلّ ما كان كذلك فله طرفان، ولا طرف في النّقصان للمصوّتات إلاّ هذه الحركات بشهادة الاستقراء.

وأما ثانياً: فلأنّ الحركات لو لم يكن أبعاض المصوّتات لما حصلت المصوتات بتمديدها لكن الحسّ شاهد بحصول المصوتات بمجرد تمديد الحركات .(1)

أو صامت: وهو ما يكون ممّا سواها(2)، ويندرج فيه «الواو» و «الياء» المتحرّكتان أو الساكنتان، إذا لم يكن حركة ما قبلهما من جنسهما.

وأما الألف فلا يكون إلاّ مصوّتاً، وإطلاقها على الهمزة باشتراك الاسم.

والمراد من الحركة هاهنا كيفيّة حاصلة في الحرف الصّامت من إمالة مخرجه إلى مخرج إحدى المدّات، فإلى الألف فتحة، وإلى الواو ضمّة، وإلى الياء كسرة.

ولا خلاف في امتناع الابتداء بالمصوّت; وإنّما الخلاف في أنّ ذلك لسكونه حتّى يمتنع الابتداء بالساكن الصامت أيضاً، أو لذاته لكونها عبارة عن مدّة متولّدة من إشباع حركة تجانسها، فلا يتصوّر إلاّ حيث يكون قبلها صامت متحرّك.

قال شارح المقاصد: «وهذا هو الحق، لأنّ كلّ سليم الحسّ يجد في


1 . مطابقاً لما نقله شارح المواقف: لاحظ : شرح المواقف: 5 / 274 ـ 275 .

2 . أي ما عدا الثّلاثة من سائر حروف التّهجي.


صفحه 153

نفسه إمكان الابتداء بالساكن، وإن كان مرفوضاً في لغة العرب، كالوقف على المتحرّك والجمع بين الساكنين لا (1) في الوقف(2)، أو إذا كان الصامت الأوّل حرف لين والثّاني مدغماً نحو خويصة، فإنّه جائز، كما إذا كان الأوّل مصوّتاً نحو دابّة، وعدم قدرة البعض على الابتداء بالسّاكن لا يدلّ على امتناعه، كالتلفظ ببعض الحروف، فإنّه لقصور في الآلة.

والاستدلال على الإمكان بأنّ المصوّت أينما كان مشروط بالصّامت. فلو كان الصّامت مشروطاً به في بعض المواضع كالابتداء لزم الدور.

ليس بشيء، لأنّ المصوّت مشروط بأن يسبقه صامت، والصّامت في الابتداء مشروط بأن يلحقه مقصور فيكونان معاً، ولا استحالة فيه. انتهى».(3)


1 . في المصدر: «إلاّ في الوقف».

2 . مثل زيد وعمرو.

3 . شرح المقاصد: 2 / 281 .


صفحه 154

 

تقسيم آخر للحروف إلى متماثلة ومختلفة

ثمّ الحرف الصّامت: إمّا متماثل(1) كالميمين السّاكنين، أو المتحرّكين بنوع واحد من الحركة، فإنّه لا اختلاف بينهما لا بالذّات ولا بالعوارض المسمّاة بالحركة والسّكون .

أو مختلف (2): إمّا بالّذات(3) كالميم والياء، أو بالعرض كالميمين إذا كان أحدهما ساكناً والآخر متحرّكاً، أو كان أحدهما، أو متحرّكاً بحركة والآخر بحركة غيرها.

وهذا ـ أعني: كون التقسيم إلى المماثل والمختلف للصّامت ـ هو مقتضى سوق كلام المصنّف.

وقد صرّح به الشّارحان القديمان.(4)

وأمّا غير المصنّف فقد قسّموا مطلق الحروف إلى المتماثلة والمختلفة وهو الظّاهر كما لا يخفى.

ولعلّه قد سقط من قلم النّاسخ للمتن الواو العاطفة في أوّل لفظ متماثل.


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .

2 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .

3 . أي وهو على قسمين: إمّا مختلف بالذّات كجيم وحاء، أو مختلف بالعرض كجيم ساكنة وجيم متحرّكة، أو أحدهما متحرّك بحركة والآخر بحركة أُخرى.

4 . وهما العلاّمة الحلّي (رحمه الله) في كشف المراد وشمس الدين محمود بن عبدالرّحمن بن أحمد الاصفهاني الشّافعي في تسديد القواعد في شرح تجريد العقائد.


صفحه 155

 

تقسيم آخر للحروف إلى زمانيّ وآنيّ

ثمّ الحروف تنقسم باعتبار آخر ثالث إلى زمانيّة صرفة كالحروف المصّوتة، وكالفاء والقاف والسّين والشين من الصامتة، فإنّ المصوّتة زمانيّة عارضة للصّوت باقية معه زماناً فلا شبهة. وكذلك الصّوامت المذكورة ونظائرها ممّا يمكن تمديدها بلا توهّم تكرار، فإنّ الغالب على الظّن أنّها زمانية أيضاً .

وإما آنيّة صرفة، كـ «التاء والطاء والدال» وغيرها من الصّوامت الّتي لا يمكن تمديدها أصلاً، فإنّها لا توجد إلاّ في آخر زمان حبس النفس، كما في لفظ بيت وفرط وولد، أو في أوّله كما في لفظ: تراب وطرب ودول، أو في أن يتوسّطهما كما إذا وقعت هذه الصّوامت في أوساط الكلمات كما في لفظ : وتد وبطر وأدب، فهي بالنّسبة إلى الصوت كالنقطة، والآن بالنّسبة إلى الخطّ والزّمان كما مرّ.

وفي " شرح المواقف ": «أنّ تسميتها بالحروف أولى من تسميته غيرها، لأنّها أطراف الصّوت والحرف هو الطرف»(1).

وإمّا آنية يشبه الزّمانية، وهي أن يتوارد أفراد آنيّة مراراً، فيظنّ أنّها فرد واحد زمانيّ كـ «الراء والحاء والخاء» فإنّ الغالب على الظنّ أنّ «الراء» الّتي


1 . شرح المواقف: 5 / 272 .


صفحه 156

في آخر الدار «راءات» متوالية ; كلّ واحدة منها آنيّة الوجود إلاّ أنّ الحسّ لا يشعر بامتياز أزمنتها، فيظنّها حرفاً واحداً زمانيّاً.

واعلم: أنّ المصنّف لم يعتبر هذا التّقسيم، ولم يورده، لأنّ التحقيق أنّ الحروف كلّها زمانيّة سيّما على ما اختاره من كون الحرف هو الصوت المعروض للكيفيّة المذكورة، لأنّ الصّوت مطلقاً زمانيّ، لكونه تابعاً للحركة كما مرّ. وكذا الكيفيّة العارضة له من حيث هو كذلك، فالتفاوت في الحروف إنّما هو باعتبار قلّة الأزمنة وكثرتها، ولم يوجد فيها ما هو آنيّ حقيقة .


صفحه 157

 

الفرع الخامس

في الكلام

قال: وينتظم منها الكلام بأقسامه، ولا يعقل كلام غيره.

أقول: إنّ هذاالبحث في بيان تأليف اللّفظ والكلام بأقسامه من الحروف المسموعة ولا يعقل غيره كما أشار إليه بقوله:

وينتظم منها: أي من أقسام الحروف، فإنّها هي المذكورة، أو من الحروف، فإنّ أقسام الحروف حروف لا محالة. الكلام: إن حمل على مصطلح النحويين، فانتظامه من الحروف بالواسطة، لأنّه ينتظم منها الكلمة أوّلاً ثمّ من الكلمات الكلام. وإن حمل على أعمّ منه ـ أعني: ما يساوق اللّفظ الموضوع ـ كان الانتظام أعمّ من أن يكون بواسطة أو بغيرها. ولعلّ هذا هو مصطلح أهل الكلام.

قال الشّارح العلاّمة: «هذه الحروف المسموعة إذا تألّفت تألّفاً مخصوصاً; أي بحسب الوضع سمّيت كلاماً. فحدّ الكلام ـ على هذا ـ هو ما انتظم من الحروف المسموعة. انتهى»(1).

بأقسامه، وهي على الأوّل التامّ الخبري والإنشائيّ بأقسامه، وغير التامّ التقييدي وغيره. وعلى الثّاني يريد المفرد والمؤلّف الّذي هو كالجنس للأقسام المذكورة .


1 . كشف المراد: المسألة السّابعة من مبحث الكيف من الفصل الخامس.


صفحه 158

ولا يعقل كلام غيره (1): أي غير المنتظم من الحروف.

وهذا ردّ على الأشاعرة القائلين بالكلام النّفسي(2). وهو على زعمهم معنى قائم بالنّفس مدلول للكلام اللّفظي، ومغاير للعلم بمدلول الخبر في الخبر وللإرادة والكراهة في الأمر والنّهي.

وهذا غير معقول، لأنّا إذا قلنا: زيد قائم، فليس هاهنا غير مدلولي هذين اللّفظين وغير النّسبة الواقعة بينهما، وغير علمنا بثبوت تلك النّسبة أو بانتفائها معنى آخر يتصوّر كونه مدلولاً لهذا الكلام، ومجموع هذه الثّلاثة هو العلم بمدلول الخبر.

وكذا إذا قلنا: اضرب زيداً أو لا تضربه، فليس هاهنا بعد تصوّر مدلولي اللّفظين والنّسبة بينهما سوى إرادة ضربه وطلبه، أو كراهة ضربه والكفّ عنه.

فإن قيل(3): بل هاهنا أمرٌ آخر ; أمّا في الخبر فنسبة أحد طرفيه إلى الآخر القائمة بنفس المتكلّم وهي مغايرة للعلم، لأنّ المتكلّم قد يخبر عمّا لا يعلمه .

وأمّا في الأمر فطلبه وهو غير إرادة الفعل، لأنّه قد يأمر الرّجل بما لا يريده كالمختبر لعبده، هل يطيعه أم لا؟ بل ممّا يريد عدم الفعل كالمعتذر


1 . في أكثر النسخ: «ولا يعقل غيره».

2 . لاحظ : محصل أفكار المتقدّمين والمتأخرين: 128 ـ 130 ; وشرح المواقف: 8 / 94 ـ 96 ; وشرح المقاصد: 4 / 144 ـ 146 ; وشرح تجريد العقائد: 245 ـ 246 .

3 . القائل هو الأشاعرة. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 246 .


صفحه 159

من ضرب عبده لعصيانه وهكذا في النهي.

قلنا: أمّا الأوّل: فلا نسلّم أنّ المتحقّق هناك خبر، بل هو صورة الخبر. ولو سلّم، فالمراد بالعلم بمدلول الخبر أعمّ من الاعتقاد.

وأمّا الثّاني والثّالث: فظاهر أنّ المتحقّق فيهما صيغة الأمر والنّهي لا حقيقتهما حيث لا طلب أصلاً.

وأمّا تمسّكهم بقول الشاعر:

إنَّ الكلامَ لِفي الفُؤاد وإنّما *** جُعِلَ اللّسِانُ عَلىَ الفُؤادِ دِليلاً(1)

فلا يدلّ على مطلوبهم في هذا المقام ـ أعني: كون الكلام النّفسي مغائراً للعلم والإرادة والكراهة ـ لكون هذه الثّلاثة أيضاً في الفؤاد.

نعم، هاهنا مقام آخر وهو أنّه على تقدير ثبوت معنى آخر، فهل يصح إطلاق لفظ الكلام عليه أم لا ؟

وهذا نزاع لفظيٌّ، فلعلّهم إنّما تمسّكوا بـ «البيت» في هذا المقام لصحة الإطلاق.

والحقّ: أنّ إطلاق الكلام على غير المؤلّف من الحروف حقيقة غير معقول، و «البيت» لا يدلّ على كون الإطلاق حقيقيّاً، بل هو مبنيّ: إمّا على اعتقاد الشّاعر; تقليداً للكلام النّفسي، وإمّا على أنّ المقصود الأصلي من الكلام هو الدّلالة على ما في الضمائر، فكأنّه هو الكلام، فيكون من باب التّجوز.


1 . لاحظ : شرح المقاصد: 5 / 150 .


صفحه 160

 

المسألة الرّابعة

في المذوقات

قال: ومنها المطعومات التّسعة الحاصلة من تفاعل الثّلاثة في مثلها.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان نوع آخر من الكيفيّات المحسوسة وهي المطعومات على ما قال:

ومنها: أي من الكيفيات المحسوسة المطعومات: أي من حيث هي مطعومات، أي طعومها وهي المذوقات. وبسائطها تسعة حاصلة من ضرب ثلاثة(1)، لأنّ الطعم لابدّ له من فاعل، هو الحرارة أو البرودة أو الكيفية


1 . أي أنّ الطعوم البسيطة تسعة تحصل من ضرب أقسام الفاعل الثلاث (الحرارة والبرودة والمعتدلة) في أقسام القابل الثلاث (الكثيف واللّطيف والمعتدل)، للتوضيح أنظر الشكل التالي:

               1. الكثيفة ك 1. المرارة.

1. الحرارة         2. اللّطيفة ك 2. الحرافة

               3. المعتدلة ك 3. الملوحة

               1. الكثيفة ك 4. العفوصة

2. البرودة          2. اللّطيفة ك 5. الحُموضة

               3. المعتدلة ك 6. القبض

               1. الكثيفة ك 7. الحلاوة

3. المعتدلة         2. اللّطيفة ك 8. الدسومة

               3. المعتدلة ك 9. التفاهة


صفحه 161

المتوسّطة بينهما، ومن قابل هو الكثيف أو اللّطيف أو المعتدل بينهما. فإذا ضرب أقسام الفاعل في أقسام القابل حصلت أقسام تسعة على ما قال: التّسعة الحاصلة من تفاعل الثّلاثة في مثلها .

ففعل الحرارة في اللّطيفة يحدث الحرافة (1)، وفي الكثيف المرارة، وفي المعتدل الملوحة .

وفعل البرودة في اللّطيف يحدث الحموضة، وفي الكثيف العفوصة، وفي المعتدل القبض .

وفعل الكيفيّة المتوسطة يحدث في اللّطيف الدّسومة، وفي الكثيف الحلاوة، وفي المعتدل التفاهة .(2)

وهي يقال على معنيين:

أحدهما: عدم الطعم حقيقة ويُسمّى ما فيه هذا المعنى مسيخاً.(3)

وثانيهما: عدم الطعم في الحسّ مع كون ما هو فيه له طعم في الحقيقة كما للنّحاس والحديد، فإنّهما لشدّة الالتحام بين أجزائهما لا يتحلّل منهما شيء يخالط اللّسان، فيحسّ بطعم، لكن إذا احْتِيل في تحليل أجزائهما


1 . هي طعم يلذع اللّسان بحرارته كطعم الفلفل .

2 . الأطعمة التَّفيهة: الّتي ليس لها طَعمُ حلاوة أو حُموضة أو مرارة، ومنهم من يجعل الخبز واللّحم منها. لسان العرب: 2 / 39 .

3 . والمسيخ من اللّحم الّذي لا طعم له، ومن الطعام الّذي لا ملح له ولا لون ولا طعم، ومن الفاكهة ما لا طعم له. لسان العرب: 13 / 103 .


صفحه 162

وتلطيفهما يحسّ منهما بطعم. والمراد هاهنا هو هذا المعنى.

واعترض على الحصر: بأنّ انحصار الفاعل فيما ذكر ممنوع.

وأيضاً المراتب المتوسّطة بين غايتي الحرارة والبرودة. وكذا بين غايتي اللّطافة والكثافة غير محصورة، فجاز أن تكون كلّ واحدة من تلك المراتب فاعلة أو قابلة لطعم بسيط على حدة.

وأيضاً يحسّ من كلّ من الخيار والقرع والحنطة النية بطعم لا تركيب فيه، وليس بمعدود في التّسعة.

وأيضاً الاختلاف بالشدّة والضّعف إن اقتضى الاختلاف النّوعي. فأنواع الطعوم غير منحصرة، وإن لم يقتض كان القبض والعفوصة نوعاً واحداً، إذ لا اختلاف بينهما إلاّ بالشدّة والضّعف، فإنّ القابض يقبض ظاهر اللّسان وحده والعفص باطنه وظاهره معاً.

ثمّ حدوث الطعوم التّسعة على تلك الوجوه المخصوصة ممّا لم يقم عليه برهان.

ولهذا قيل: مباحث الطعوم دعاو خالية عن الدلائل، لكن صاحب المواقف ذكر في كيفيّة الحدوث مناسبات ربّما أوقعت لبعض النّفوس ظنّاً بتلك الوجوه.(1)

وقد أوردها الفاضل القوشجي في شرحه (2)، فمن أرادها فليرجع إلى أيّهما كان.


1 . لاحظ : المواقف في علم الكلام: 138 ـ 139 .

2 . انظر: شرح تجريد العقائد: 247 ـ 249 .


صفحه 163

 

المسألة الخامسة

في المشمومات

قال: ومنها المشمومات، ولا أسماء لأنواعها إلاّ من حيث المخالفة والموافقة.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان نوع آخر من أنواع الكيفيّات المحسوسة وهي المشمومات على ما قال:

ومنها: أي من الكيفيات المحسوسة المشمومات، ولا أسماء لأنواعها إلاّ من جهة الموافقة أو المخالفة. فيقال للموافق الملائم: طيب، وللمخالف المنافر: منتن. أو من جهة ما يقارنها من الطعم فيقال: رائحة حلوة، أو رائحة حامضة. أو من جهة الإضافة إلى محلّها فيقال: رائحة الورد والتفّاح، إلى غير ذلك.

واعلم: أنّهم وإن أجروا هذه الأوصاف ـ أعني: المبصرات أو المسموعات والملموسات والمذوقات والمشمومات ـ على الأنواع الخمسة من الكيفيات، بل جعلوها بمنزلة أسماء لها، فهي بحسب اللّغة متفاوتة في الوقوع على الكيفيّة، أو على المحلّ، أو عليهما جميعاً. وفي كون مصادرها موضوعة لذلك النّوع من الإدراك كالإبصار والسِّماع، أو لما


صفحه 164

يفضي إليه كالبواقي. ومن هاهنا يقال: أبصرت الورد وحمرته، وسمعت الصوت لا مصوّته، ولمست الحرير لا لينه، وذقت الطعام وحلاوته، وشممت الورد ورائحته. كذا في "شرح المقاصد " .(1)


1 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 288 .


صفحه 165

 

المطلب الرّابع

في الكيفيّات الاستعداديّة(1)

قال: والاستعدادات المتوسّطة بين طرفَي النقيض.

أقول: لمّا فرغ من البحث عن الكيفيّات المحسوسة شرع في بيان الكيفيّات الاستعداديّة تسمّى أيضاً القوّة واللاقوّة، وهي القسم الثّاني من الأقسام الأربعة للكيف.

وقد عرفت أنّها من جنس الاستعداد على ما قال: والاستعدادات: أي والقسم الثاني الاستعدادات المتوسطة بين طرفي النقيض .

وإنّما قدّرنا لهما مبتدأ، إذ ليس لها خبر فلا يتمّ الكلام .

ولا يصحّ كون المتوسّطة خبراً، إذ لا وجه حينئذ للتّعريف .

ولهذا قدّرنا المبتدأ في القسم الأوّل أيضاً مع عدم الحاجة إليه ليكون الكلام جميعاً على وتيرة واحدة.

والمراد بطرفي النقيض ; هو الانفعال واللاّانفعال، فإنّها مفسرة


1 . راجع لمزيد التحقيق الكتب التالية: منطق الشّفاء: 1 / المقولات / الفصل الثّاني من المقالة الخامسة; والمباحث المشرقيّة: 1 / 315 ـ 319; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 597 ـ 602 ; وشرح المواقف: 6 / 158 .


صفحه 166

باستعداد شديد نحو الانفعال والقبول كالممراضية (1) واللّين، ويسمّى ضعفاً ولا قوّة. واستعداد شديد نحو الدّفع واللاّقبول كالمصحاحيّة (2)، ويسمّى قوّة ولا ضعفاً.

وزعم(3) جماعة: أنّ لها قسماً ثالثاً هو الاستعداد الشدّيد نحو الفعل كالمصارعة(4)، وليس بشيء، لأنّ المصارعة مثلاً تتعلّق بأمور ثلاثة:

الأوّل: تتعلّق بعلم هذه الصّناعة .

والثّاني: تتعلّق بـ قدرة على هذا الفعل. وهما من الكيفيّات النفسانيّة .

و الثّالث: بـ صلابة الأعضاء لئلاّ تتأثّر بسرعة، ولا يمكن قطعها بسهولة، وهي من الكيفيّات الملموسة، فليس هناك شيء يكون من هذا الجنس من الكيفيّات .

وأمّا أصل القبول فهو من باب الإمكان الذّاتي لا الاستعدادي، لأنّ الاستعداد يعتبر فيه مرتبة من مراتب القُرب والبُعد ليكون الشدّة اللازمة لها مستلزمة للرّجحان، فلا يمكن هو أيضاً قسماً ثالثاً.

ولمّا كانت الاستعدادت واقعة بين طرفي النقيض كانت متوسّطة بينهما.


1 . وهي كيفيّة تقتضي سهولة قبول المرض. رجل ممراض أي سريع التأثّر وكثير القبول للمرض.

2 . وذلك هو الهيئة الّتي صار بها الجسم لا يقبل المرض. التحصيل: 32 .

3 . نسبه الرّازي إلى المتقدّمين، والتفتازاني إلى الجمهور، والعلاّمة الحلّي إلى القدماء، وصدر المتألّهين إلى المشهور. لاحظ: المباحث المشرقيّة: 1 / 316; وشرح المقاصد: 2 / 390 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 599; والأسفار: 4 / 105 .

4 . وهي باللّغة الفارسيّة: كشتى گرفتن .


صفحه 167

 

المطلب الخامس

 

في الكيفيّات النفسانيّة

قال: والنفسانيّة حالٌ أو ملكةٌ.

أقول: القسم الثّالث من الأقسام الأربعة للكيف وهي الكيفيّات النفسانية: وهي حالٌ إن كانت غير راسخة، أو ملكةٌ إن كانت راسخة.

فالملكة تكون أوّلاً حالاً، ثمّ تصير ملكة، فالفرق بينهما كالفرق بين الشيخوخة والشباب.

وفي هذا المطلب مسائل:


صفحه 168

صفحه 169

 

المسألة الأُولى

في العلم (1)

وفيها فروع:

 

الفرع الأوّل

في تعريف العلم

قال: منها العلم وهو إمّا تصوّر وإمّا تصديق جازم مطابق ثابت ولا يُحدُّ.

ويقسّمان الضّرورة والاكتساب.

أقول: إنّ هذه المسألة في البحث عن العلم بقول مطلق على ما قال: منها ـ أي من الكيفيّات النّفسانيّة ـ العلم، والمراد منه هاهنا تميز لا يحتمل متعلّقه النقيض، أي نقيض ذلك التميز.


1 . لاحظ : نقد المحصل: 154 ـ 163 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 86 ـ 101 ; وتقويم الإيمان: 335 / الفصل الخامس; والأسرار الخفيّة في العلوم العقليّة: 552 / البحث الأوّل من المقالة السادسة; وكشف المراد: المسألة الثّانيّة عشرة من الكيف ; والمباحث المشرقية: 1 / 319 / الباب الأوّل من القسم الثّالث; وشرح المواقف: 6 / 1 ـ 64 ; والمواقف في علم الكلام: 40 ـ 148 ; وشرح المقاصد: 2 / 299 ـ 333 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 5 ـ 237 ; والأسفار: 3 / 278 / المرحلة العاشرة.


صفحه 170

وذلك لأنّه هو المنقسم إلى التّصور والتّصديق (1) على ما قال: وهو إمّا تصوّر أي تصوّر وإدراك غير حكم، ويقال له: التّصور الساذج. وإمّا تصديق، أي تصوّر وإدراك وحكم وهو إدراك أنّ النّسبة واقعة أو ليست بواقعة، فالتّصور المطلق مشترك بين القسمين، وهو المراد من التميز، وهو صورة حاصلة من الشّيء في العقل سواء كان الشّيء حكماً أو غير حكم.

وقيد «التّصديق» بقوله: جازمٌ مطابقٌ ثابتٌ، لينحصر في اليقين.

فبـ «الجازم» خرج الظنّ، وبـ «المطابق» الجهل المركّب، وبـ «الثّابت» التّقليد، فإنّه قد يزول في وقت آخر.

وأمّا التصديق المطلق عن هذه القيود المقابل للتصوّر الساذج، فهو أعمّ من اليقين وشامل لهذه الثّلاثة ; فعدم احتمال اليقين للنّقيض للجزم والثّبات، وعدم احتمال التصوّر السّاذج للنّقيض، لأنّه لا نقايض للتّصورات.

وإنّما قسّم العلم بهذا المعنى ـ أعني: بمعنى التّميز المذكور ـ وجعل البحث مقصوراً عليه دون ما هو بمعنى التصوّر المطلق المتناول لهذه الثّلاثة على ما تعورف جعله مقسماً في أوائل كتب المنطق، لأنّه هو المعتبر في العلوم الحقيقية والمعتدّ به في متعارف الجمهور.

وقد يقال: المقسم هاهنا هو العلم بالمعنى الأعم لكنّه قيد قسمه الثّاني بقيود، لأنّه مع هذه القيود هو المعتبر في العلوم، والمعتدّ به عند الجمهور،


1 . لاحظ : رسالة التّصور والتصديق (= ضمن مجموعة رسائل فلسفية لصدر المتألهين): 41 ; والأسرار الخفيّة في العلوم العقلية: 11 ـ 15 ; ونقد المحصل: 6 / 12.


صفحه 171

ولذلك خصّ باسم العلم حتّى صار معنى ثانياً له. وما اتّصف بمقابلات تلك القيود ـ أعني: الظنّ والجهل المركّب والتّقليد ـ قد اشتهرت بأسمائها المخصوصة، وسيرد تعريف بعضها وما يتعلّق به من الأحوال .

وما ذكرنا هو الأوجه كما لا يخفى وإن كان المآل واحداً.

وأمّا ما قيل من أنّه جعل ما عدا اليقيني من التّصديقات داخلاً في التّصور فلا يخفى بُعده.

والعلم لا يحدّ(1)، بل هو غنّيٌ عن التعريف، لكونه وجدانيّاً كالقدرة وسائر الوجدانيّات، لكن ذلك إنّما يفيد تميّزه عن غيره وبداهته بوجهه لا تحقيق حقيقته.

كيف، وهل حيرة العقلاء واختلافهم إلاّ فيها؟! (2)

فمنهم: من ذهب إلى أنّ حقيقته الصّورة الحاصلة.

ومنهم: من ذهب إلى أنّها نفس الإضافة.

ومنهم: من ذهب إلى أنّها الصّفة ذات الإضافة.

وأمّا ما قيل: من أنّه لا يمكن تحديد العلم، لأنّ غيره إنّما يعلم به، فلو علم هو بغيره لزم الدّور .


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .

2 . لاحظ : شرح مسألة العلم: 23 ـ 26 ; والمباحث المشرقية: 1 / 331 ـ 332 ; وكشف الفوائد في شرح قواعد العقائد: 165 ـ 166 ; وإرشاد الطالبين إلى نهج المستشردين: 101 ـ 102 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 86 ـ 87 ; والأسفار: 3 / 278 ـ 279 و 285 ـ 292 .


صفحه 172

فالجواب عنه: أنّ غيره إنّما يعلم بتعلّق فرد منه متصوّر بالوجه به لا بالعلم بحقيقته، والمحتاج إلى الغير إنّما هو العلم بحقيقته، فلا دور.

ويقتسمان: أي التّصوّر السّاذج واليقين الضّرورة والاكتساب، فيصير كلّ منهما ضروريّاً. وهو ما لا يتوقّف حصوله على كسب، أي نظر وفكر. وكسبيّاً وهوما يكون بخلاف ذلك.


صفحه 173

 

الفرع الثّاني

في كيفيّة العلم

قال: ولابدّ فيه من الانطباع في المحلّ المجرّد القابل.

وحلول المثال مغايرٌ .

أقول: ولابدّ فيه; أي في العلم، أي في علم المدرك بما عدا نفسه من الانطباع في المحّل ـ لما مرّ من إثبات الوجود الذّهني المجرّد ـ لأنّ المراد هو العلم بالكلّي فلا يكون إلاّ مجرّداً، فيجب تجرّد محلّه القابل لئلاّ يلزم أن يكون الصّورة العقليّة إذا كانت محلاًّ لصورة عقليّة أُخرى عالمة بها.

 

كيفيّة حصول الصّورة في العاقل

وحلول المثال مغايراً بيان للانطباع والمراد من المثال هو الماهيّة المجرّدة عن الوجود في الأعيان. ومن المغايرة مغايرتها للموجودة في الخارج في الأحكام.

وقد مرّ تحقيق ذلك مفصّلاً في مبحث الوجود الذّهني.


صفحه 174

 

الفرع الثّالث

في العاقل والمعقول (1)

قال: ولا يمكن الاتّحاد.

أقول: ذهب قوم من أوائل الحكماء إلى أنّ التّعقّل إنّما يكون باتّحاد صورة المعقول والعاقل وهو خطأ، فإنّ الاتّحاد محال. وإلى هذا أشار بقوله:

ولا يمكن الاتحاد ; إشارة إلى بطلان مذهب فاسد كان مشهوراً بعد المعلم الأوّل عند المشّائين من أصحابه، وهو القول باتّحاد العاقل بالصّورة الموجودة فيه عند تعقّله إيّاها، وأنّ النّفس الناطقة عند تعقّلها معقولاتها يتحدّ بالعقل الفعّال .

قال الشّيخ في الإشارات: «إنّ قوماً من المتصدّرين يقع عندهم أنّ الجوهر العاقل إذا عقل صورة عقليّة، صار هو هي.

ثمّ قال: وهؤلاء أيضاً يقولون: إنّ النّفس الناطقة إذا عقلت شيئاً، فإنّما تعقل ذلك الشّيء باتّصالها بالعقل الفعّال، وهذا حق. قالوا: واتّصالها بالعقل الفعّال هو أن تصير نفس العقل الفعّال .


1 . راجع لمزيد الاطلاع الكتب التالية: طبيعيّات الشّفاء: 2 / 212 ـ 220 / الفصل السّادس في مراتب أفعال العقل ; وشرح الإشارات والتّنبيهات: 3 / 292 ـ 295 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 36 ـ 62 ; والتحصيل: 807 ـ 808 ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 369 ـ 379; رسالة اتّحاد العاقل بالمعقول (= ضمن مجموعة رسائل فلسفّية لصدر المتألهين): 127 ـ 167 .


صفحه 175

ثمّ قال: وكان لهم رجل يُعرَف بـ «فرفوريوس»(1) عمل في العقل والمعقولات كتاباً يثني عليه المشاؤون، وهو حشَف كلّه. وهم يعلمون من أنفسهم أنّهم لا يفهمونه، ولا فرفوريوس نفسه. وقد ناقضه رجل من أهل زمانه، ونقض هو ذلك المناقِضَ بما هو أسقطُ من الأوّل، هذا.

ثمّ أبطل القول الأوّل بأن قال: فلنفرض الجوهر العاقل عقل، «أ» وكان هو ـ على قولهم ـ بعينه المعقول من «أ» فهل هو موجود حينئذ كما كان عندما لم يعقل «أ» أو بطل منه ذلك؟

فإن كان كما كان، فسواء عَقل «أ» أو لم يعقلها.

وإن بطل منه ذلك، أَبَطَلَ على أنّه حال له ،أو على أنّه ذاته؟

فإن كان على أنّه حال له والذّات باقية، فهو كسائر الاستحالات، ليس على ما يقولون.

وإن كان على أنّه ذاته، فقد بطل ذاته وحدث شيء آخر، ليس أنّه صار هو شيئاً آخر.


1 . الحكيم فرفوريوس الصُوري (= Porphyre De Tyrـ 233 ـ 305 پ . م) اسمه الأصلي «ملكوس»، وهو فيلسوف صوريّ الأصل كتب باليونانية ولد في الصّور من ساحل الشّام. وهو أظهر تلاميذ أفلوطين وعرفه في روما سنة 263 فلزمه واتبع طريقته، وهو على رأي أرسطاطاليس والشّارح لكلامه، كان فكر فورفوريوس واسعاً وعظيماً فاهتمّ بالفلسفة والطب وعلم الفلك والتاريخ، كان من مناصر الأفلاطونيّة المحدثة. وله تصانيف متعددة ومنها: حياة أفلوطين، التاسوعات، إيساغومي، اثولوجيا، تاريخ الفلسفة وحياة فيثاغوراس. لاحظ : محبوب القلوب: 1 / 372 ـ 373 ; وتاريخ الفلسفة اليونانيّة: 298 / برقم 129 ; ومعجم الفلاسفة: 466 ـ 468 ; وموسوعة أعلام الفلسفة: 2 / 167 ـ 168 .


صفحه 176

على أنّك إذا تأمّلت هذا أيضاً علمت أنّه يقتضي هيولى مشتركة، وتجدُّدَ مركّب لا بسيط .

ثم أراد إبطال مطلق الاتّحاد فقال: اعلم ; أنّ قول القائل: إنّ شيئاً يصير شيئاً آخر، لا على سبيل الاستحالة من حال إلى حال، ولا على سبيل التركيب مع شيء آخر ليحدث ثالث، بل على أنّه كان شيئاً واحداً فصار واحداً، قولٌ شعريٌ غير معقول».(1)

ثمّ أبطل ذلك بما حاصله ما مرّ في مباحث الأُمور العامّة .

ثمّ إنّ هذه الدعوى ـ أعني: اتحاد العاقل والمعقول ـ قد اشتهرت جدّاً بين المتأخّرين، وتلقته بالقبول جماعة من المحقّقين، وزعموا أنّه مذهب أرسطاطاليس، ولم أظفر من واحد منهم في بيانها بشيء مقنع.

والشيخ احتجّ لهم في كتابه المسمّى بـ «المبدأ والمعاد» الّذي صنّفه تقريراً لمذاهب المشّائين بأن قال:

«وكلّ صورة مجرّدة عن المادّة والعوارض إذا اتّحدت بالعقل بالقوّة صيّرته عقلاً بالفعل، لا بأنّ العقل بالقوّة يكون منفصلاً عنها انفصال مادّة الأجسام عن صورتها، فإنّه إن كان منفصلاً لا بالذّات عنها ويعقلها كان ينال منها صورة أُخرى معقولة. والسّؤال في تلك الصّورة كالسؤال فيها، وذهب الأمر إلى غير النّهاية.

بل أفصّل هذا وأقول: إنّ العقل بالفعل: إمّا أن يكون هي هذه الصورة،


1 . الإشارات والتنبيهات: 324 ـ 327 .


صفحه 177

أو العقل بالقوّة الّتي حصل لها هذه الصّورة، أو مجموعهما(1).

ولا يجوز أن يكون العقل بالقوّة هو العقل بالفعل لحصولها له(2)، لأنّه لا يخلو ذات العقل بالقوّة: إمّا أن يعقل تلك الصّورة، أو لا تعقلها، فإن كان لا تعقل تلك الصّورةَ، فلم تخرج بعدُ إلى الفعل.

وإن كان تعقل تلك الصورة: فإمّا أن تعقلها بأن تحدث لذاتِ العقلِ بالقوّة منها صورةٌ أُخرى، وإمّا أن تعقلها بأن تحصل له هذه الصّورة بذاتها فقط .

فإن كان إنّما تعقلها بأن تحدثَ له منها صورة أُخرى ذهب الأمر إلى غير النهاية.

وإن كان تعقلها بأنّها موجودة له: فإمّا على الإطلاق، فيكون كلّ شيء حصلت له تلك الصّورة عقلاً، وتلك الصّورة حاصلة للمادّة وحاصلة لتلك العوارض الّتي تقترن بها في المادّة. فيجب أن تكون المادّة والعوارض عقلاً لمقارنة تلك الصّورة، فإنّ الصّورة المعقولة موجودة في الأعيان الطبيعية، ولكن مخالطةً بغيرها لا مجرّدةً، والمخالِطُ لا تعدمُ المخالطَ حقيقة ذاته .

وإمّا لا على الإطلاق، ولكن لأنّها موجودة لشيء من شأنّه أن يعقل، فحينئذ: إمّا أن يكون «أن يعقل» نفس وجودها له، فيكون كأنّه قال(3): لأنّها


1 . في المصدر: «مجموعها».

2 . في المصدر: «لحصوله».

3 . في المصدر: «فيكون حينئذ معنى أن يعقل إمّا نفسَ وجودها فيكون كأنّه يقول الخ» .


صفحه 178

موجودة لشيء من شأنّه أن توجد له، وإمّا أن يكون «أن يعقل» معنى(1)، ليس نفسَ وجودِ هذه الصّورة .(2) وقد وُضع(3) نفس (4) وجود هذه الصّورة له، هذا خلف.

فإذن ليس «أن يعقل» هذه الصّورة نفسَ وجودِها للعقل بالفعل(5)، ولا وجودَ صورة مأخوذة عنها .

فإذن ليس العقل بالقوّة هو العقل بالفعل ألبتة، إلاّ أن لا يوضع الحالُ بينهما حالَ المادّةِ والصّورة المذكورتين.

ولا يجوز أن يكون العقل بالفعل هاهنا، هي (6) هذه الصّورة نفسها، فيكون العقل بالقوّة لم يخرج إلى الفعل، لأنّه ليس هذه الصّورة نفسها، بل قابل فيها. ووُضع العقل (7) بالفعل هذه الصّورة نفسها، فيكون العقلُ بالقوّة ليس عقلاً بالفعل، بل موضعاً (8) للعقل بالفعل وقابلاً، فليس عقلاً بالقوّة، لأنّ العقل بالقوّة هو الذي من شأنّه أن يكون عقلاً بالفعل. وليس هاهنا شيء هو عقلٌ بالقوّة. أمّا الّذي يجري مجرى المادّة، فقد بيّناه. وأمّا الّذي يجري


1 . في المصدر: «وإمّا أن يكون معنى أن يعقل».

2 . في المصدر: «هذه الصّورة له».

3 . أي فرض.

4 . في المصدر: «وقد وضع هنا «أن يعقل» نفس الخ».

5 . في المصدر: «بالقوّة».

6 . «هي» ليست في المصدر.

7 . في المصدر: «وقد وضع لها العقل».

8 . في المصدر: «بل موضوعاً».


صفحه 179

مجرى الصّورة، فإن كان عقلاً بالفعل فهو عقلٌ بالفعل دائماً، ولا يمكن أن يوجد وهو عقل بالقوّة.

ولا يجوز أن يكون هذا العقل بالفعل مجموعهما، لأنّه لا يخلو: إمّا أن يعقل ذاته، أو غير ذاته.

ولا يجوز أن يعقل غير ذاته، لأنّ ما هو غير ذاته: إمّا أجزاء ذاته، وهي المادّة والصّورة المذكورتان، أو شيء خارجٌ عن ذاته، فهو(1) يعقله بأن يقبل صورته، المعقوله ، فيحلُّ منها محلّ المادّة، ولا تكون تلك الصّورة هي الصورة الّتي نحن في بيان أمرها، بل صورة أُخرى بها يصير عقلاً بالفعل. وأيضاً نحن نَضَع هاهنا الصّورة الّتي بها يصير العقلُ بالفعل (عقلاً بالفعل هذه الصّورة)(2); ثمّ مع ذلك فإنّ الكلام في المجموع مع تلك الصّورة الغريبة ثابت .

ولايجوز أن تكون أجزاء ذاتِه أيضاً، لأنّه: إمّا أن يعقل الجزء الّذي هو كالمادّة، أو الجزء الّذي هو كالصّورة، أو كليهما.

وكلّ واحد من هذه الأقسام: إمّا أن يعقله بالجزء الّذي هو كالمادّة، أو بالجزء الّذي هو كالصّورة، أو بكليهما .(3)

أنت إذا تيقّنت (4) هذه الأقسام بانَ لك الخطأ في جميعها، فإنّه إن كان


1 . في المصدر: «خارج عن ذاته، فإن كان شيئاً خارجاً عن ذاته فهو الخ».

2 . في المصدر: «بهذه الصّورة» بدل ما بين الهلالين.

3 . في المصدر: «كلاهما».

4 . في المصدر: «تبيّنت».


صفحه 180

يعقل الجزءُ الّذي كالمادّة وبالجزء الّذي كالمادّة، فالجزء الّذي كالمادّة عاقلة لذاتها ومعقولة لذاتها، ولا منفعة للجزء الّذي كالصّورة في هذا الباب هاهنا.

وإن كان يُعقلَ الجزءُ الّذي كالمادّة بالجزء الّذي كالصّورة، فالجزء الّذي كالصّورة هو المبدأ الّذي بالقوّة والجزء الّذي كالصّورة هو المبدأ الّذي بالفعل(1)، وهذا عكس الواجب.

وإن كان يعقل الجزء الّذي كالمادّة بالجزأين جميعاً، فصورة الجزء الّذي كالمادّة حالّةٌ في الجزء الّذي كالمادّة، وفي الجزء الّذي كالصّورة، فهي أكثر من ذاتها، هذا خلف .

واعتبر مثل هذا في جانب الجزء الّذي كالصّورة.

وكذلك (2) إن وضع أنّه يعقل كلّ جزء بكلّ جزء.

فقد بطل إذن الأقسام (3) الثّلاثة، وصحّ أنّ الصّورة العقليّة ليست نسبتها إلى العقل بالقوّة نسبة الصّورة الطبيعيّة إلى الهيولى، بل هي إذا حَلَّت العقلَ بالقوّة اتّحدت ذاتهما شيئاً واحداً، فلم يكن قابلٌ ومقبول متميّزي الذّات، فيكون حينئذ العقلُ بالفعل بالحقيقة هي الصّورة المجرّدة المعقولةَ. انتهى »(4).


1 . في المصدر: «كالصورة بالفعل».

2 . في المصدر: «ولذلك».

3 . في المصدر: «فقد بطلت الأقسام الثّلاثة».

4 . المبدأ والمعاد: 7 ـ 10 .


صفحه 181

والجواب عنه: أنّ العقل بالقوّة إنّما يعقل الصّورة المعقولة لا بصورة أُخرى، بل لكون ذاتهاموجودة له لا مطلقاً، بل لكونها موجودة لشيء من شأنّه أن توجد له .

وليس كلّ شيء هذا حكمه ـ أعني: من شأنّه أن يوجد له الصّورة المعقولة ـ أي المجرّدة عن الغواشي المادية، بل لابدّ من أن يكون شيئاً خاصّاً هو العقل بالقوّة، أي شيئاً مجرّد الذّات غير قائم بالمادّة الجسميّة.

فقوله: «فيكون، كأنّه قال: لأنّها موجودة لشيء من شأنّه أن توجد له». قلنا: معناه ما ذكرنا ولا فساد فيه.

ولكون الدّعوى غير معتقدة للشيخ أجمل في الاستدلال هذا الشقّ.

ولم يفصّله علماً منه، بأنّ الجواب إنما هو باختياره، وهم غافلون عن ذلك، بل الحقّ: أنّ العقل بالفعل هو النّفس النّاطقة الكاملة بالفعل من حيث هي كاملة بالفعل مركّب الذّات من شيء كالمادّة وهو العقل بالقوّة. والمراد منه هاهنا هو النّفس النّاطقة الهيولانيّة، وهي المراد من الأصل والسنخ في كلام الشيخ المنقول في مسألة بقاء النّفس ومن شيء كالصّورة هو الصّورة المعقولة الحالة فيه.


صفحه 182

وهذا ما وعدناك هنالك فليتدبّر .

وممّا ذكرنا يعلم أنّه يمكن في الجواب اختيار الشقّ الثّالث أيضاً، أعني: كون العقل بالفعل هو مجموع العقل بالقوّة والصّورة المعقولة الحالة فيه .

فإن اعتبر العقل بالفعل بالقياس إلى جميع المعقولات نختار أنّه لا يعقل غير ذاته شيئاً خارجاً عن ذاته، لأنّ ذاته حينئذ مشتملة على صور المعقولات جميعاً، والعاقل منه هو الّذي كالمادّة ـ أعني: النفس الهيولانيّة ـ وعقله لذاته نفس ذاته وعقله للمعقولات الّتي هي كالجزء الصّوري بحصولها له كما عرفت.

وبهذا الاعتبار يمكن اختيار أنّه يعقل غير ذاته أيضاً .

فإن اعتبر العقل بالفعل بالقياس إلى معقول معقول نختار أنّه يعقل غيرذاته بمعنى الشّيء الخارج عن ذاته أيضاً، لكن بعد عقله إيّاه يصير جزء ذاته ـ أعني: الجزء الّذي كالصّورة ـ لا بمعنى أن يتعدّد له الجزء الصّوري ليلزم أنّ له باعتبار كلّ معقول ذات أُخرى، بل بمعنى أن يكمل الجزء الّذي كالصّورة ويصير باعتبار كلّ معقول أكمل ممّا كان قبله.

وليس ذلك تشكيكاً في الذّاتي، إذ ليس الجزء الصّوري هاهنا صورة حقيّقة، بل هو كالصّورة.

ولا يبعد أن يكون هذا هو المراد من القول بالاتّحاد.

وله محمل آخر أيضاً ليس هاهنا موضع ذكره، ولعلّي سآتي به عند الكلام في مسألة علم الواجب إن شاء الله العزيز .

وبالجملة: يمكن التفصّي عن جميع الشقوق الّتي ذكرها الشيخ في هذا الشقّ الأخير بمثل ما ذكرناه، فلا نطول بتفصيله .


صفحه 183

 

الفرع الرّابع

في أنّ العلم يختلف باختلاف المعقولقال: ويختلف باختلاف المعقول كالحال والاستقبال .

أقول: اختلف النّاس هنا، فذهب قوم منهم الجبائي (1) وبعض أصحاب الأشاعرة (2) إلى جواز تعلّق علم واحد بمعلومين، ومنعه آخرون (3) وهو الحقّ. إذا العلم كما تقدّم عبارة عن حصول صورة المعلوم عند العالم، ومن المعلوم أنّ الصورتين لا تكونان صورة واحدة.

وإلى هذا أشار المصنّف بقوله: ويختلف أي العلم باختلاف المعقول لما مرّ آنفاً من أنّ العلم بحصول المثال في المحلّ القابل. وفي مبحث الوجود الذّهني من أنّ الحاصل في الذّهن يجب أن يكون حقائق الأشياء وماهيّاتها. ولا شك أن حقائق الأشياء المختلفة مختلفة.

هذا عند من قال بأنّ العلم هو الصّورة الحاصلة. وأمّا عند من قال: «بأنّه هو التعلّق والإضافة»: فقال الإمام(4): إن فسّر بنفس التعلّق، وجب


1 . لاحظ : نقد المحصل: 158 .

2 . لاحظ : شرح المواقف: 6 / 17 ; وشرح المقاصد: 2 / 325 .

3 . ومنهم أبو الحسن الأشعري وكثير من المعتزلة. انظر: محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين: 79 ـ 80 ; وشرح المواقف: 6 / 17 ; وشرح المقاصد: 2 / 325 ـ 326 ; وشرح تجريد العقائد: 251.

4 . لاحظ : محصل أفكار المتقدّمين والمتأخرين: 79 ـ 80 .


صفحه 184

تعدّده بتعدّد المعلوم، لأنّ اختلاف أحد المنتسبين يوجب اختلاف النّسبة. وإن فسّر بصفة ذات تعلّق لم يجب ذلك، لجواز أن يكون صفة واحدة تتعدّد متعلّقاتها. هذا.

ومن المتكلّمين(1): مَن ذهب إلى، أنّ العلم الواحد إن كان ضروريّاً يجوز تعدّد معلوماته، وإن كان نظريّاً لم يجز، لامتناع اجتماع النظرين بالوجدان .

وردّ بأنّه لِمَ لا يجوز تعلّق نظر واحد بالمتعدّد كما يجوز تعلّق علم واحد بالمتعددّ؟ فإنّه إذا كان العلم بهما واحداً كفاه نظر واحد.

ومنهم: من زعم أنّ العلم الواحد الحادث لا يتعلّق بمعلومين على التّفصيل، وإلاّ لجاز تعلّقه بثالث ورابع إلى ما لا يتناهى، وهو محال كما لا يخفى، وليس مرتبة من العدد أولى من مرتبة أُخرى .(2)

وردّ بمنع عدم الأولويّة في نفس الأمر، وإن كانت غير معلومة لنا، وبأنّه لِمَ لاَ يجوز التعلّق بالغير المتناهي في الحادث كما يجوز في القديم وإن لم يكن واقعاً ؟

ومنهم: من قال بالامتناع إذا كان المعلومان جايزي الانفكاك في العلم،


1 . ومنهم محمد بن محمد الباهلي (أبو الحسين) الشافعي من الأشاعرة المتوفّى (321 هـ). لاحظ: شرح المقاصد: 2 / 326 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 91 ـ 92 ; وشرح تجريد العقائد: 251 ; وشرح المواقف: 6 / 19 .

2 . هذا قول أبوالحسن الاشعري وكثير من المعتزلة. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 251 ; وشرح المواقف: 6 / 17 .


صفحه 185

وإلاّ يلزم جواز انفكاك الشّيء عن نفسه .(1)

وردّ بأنّه قد يعلم تارة بعلم واحد، فلا يجوز الانفكاك، وتارة بعلمين، فيجوز الانفكاك يكفي في جواز الانفكاك كونهما معلومين بعلمين في الجملة.

كالحال والاستقبال مثال لاختلاف المعلوم، وإشارة إلى بطلان مذهب من زعم من المعتزلة(2) «أنّ العلم بالاستقبال علم بالحال عند حضور الاستقبال، فإنّ العلم بما سيوجد علم بوجوده إذا وجد» بأنّ ذلك ممنوع، فإنّ العلم بما سيوجد مشروط بعدمه في الحال، ووجوده في ثاني الحال. والعلم بالوجود الحالي غير مشروط بالعدم في الحال، بل بالوجود في الحال فاختلفا .

ولعلّهم إنّما ذهبوا إلى ذلك لئلاّ يلزم التّغير في العلم القديم. وستعلم عدم لزوم التغير مع الاختلاف إن شاء الله.


1 . هذا قول القاضي (محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر أبو بكر الباقلاني المتوفّى (403 هـ). وامام الحرمين عبد الملك بن عبدالله بن يوسف بن محمد الجويني المتوفّى (478 هـ). لاحظ: شرح المواقف: 6 / 19 ـ 20; وشرح المقاصد: 3 / 326.

2 . لاحظ : كشف المراد: المسألة الثالثة عشرة من الكيف من الفصل الخامس. نسبة إلى جمهور المشايخ في مناهج اليقين في أُصول الدين: 94 ; وإلى أبي هاشم وجماعة في نهاية المرام في علم الكلام: 1 / 237 .


صفحه 186

 

الفرع الخامس

في أنّ العلم لا يعقل إلاّ مضافاً إلى المعلوم(1)

قال: ولا يُعقل إلاّ مضافاً، فيقوى الإشكالُ مع الاتّحاد.

أقول: اعلم أنّ العلم وإن كان هوالصورة الحاصلة لكنّه لا يعقل، ولا يتحقّق إلاّ مضافاً (2)، فإنّه لابدّ من إضافته الصّورة إلى ما هي صورة له، فيقوىَ من لزوم الإضافة للعلم، الإشكال الوارد على كون العلم صورة بلزوم اجتماع صورتين متماثلتين مع الاتّحاد ; أي في صورة علم الشيء بنفسه، إذ عند الاتّحاد لا يمكن تحقّق الإضافة المستلزمة للمغايرة، فيتقوّى أصل الإشكال، وطبيعته بتعدّد أفراده.

وأمّا الجواب عن الإشكالين:

فعن الأوّل: أنّ علم الشّيء بنفسه حضوريّ، فلا يستدعي صورة والمستدعي لها هو الحصولي. ولو سلّم، فلا استحالة، لكون أحد المتماثلين أصيلاً والآخر ظليّاً.


1 . راجع لمزيد الاطلاع الكتب التالية: شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 320 ـ 321 ; وشرحي الإشارات: 1 / 133 ـ 134 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 ـ 33 ـ 36 ; واللوامع الإلهيّة: 87 ـ 88; والمطالب العالية: 3 / 104 ; وشرح المواقف: 6 ـ 15 ـ 16 ; وشرح المقاصد: 2 / 301 ـ 302 ; وشرح تجريد العقائد: 252 .

2 . إلى الغير، فإنّ العلم علم بالشّيء، ولا يعقل تجرّده عن الإضافة.


صفحه 187

وعن الثّاني: انّ المغايرة الاعتباريّة كافية لتحقّق الإضافة وهي متحقّقة مع الاتّحاد، فإنّ كون الشّيء بحيث يصحّ أن يعلم مغاير لكونه بحيث يصحّ أن يعلم.


صفحه 188

 

الفرع السّادس

في أنّ العلم عرض (1)

قال: وهو عرض لوجود حدّه فيه .

أقول: ذهب المحققون إلى أنّ العلم عرض وأكثر النّاس كذلك في العلم بالعرض. وإلى هذا أشار المصنّف (رحمه الله) بقوله: وهو عرض لوجود حدّه فيه; أي العلم عرض لوجود تعريف العرض فيه، وهو الموجود في الشيء لا كجزء منه; أي الموجود في الموضوع، فإنّ الصّورة المعقولة وإن كانت من الجوهر قائمة بالنّفس، وهي مستغنية القوام عنها.

وأمّا الإشكال الوارد هاهنا من حيث وجوب كون صورة الجوهر جوهراً فقد مرّ التفصّي عنه بما لا مزيد عليه في مسألة الوجود الذّهني .


1 . لاحظ: المباحث المشرقيّة: 1 / 337 ـ 341 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 157 ـ 159 ; ومناهج اليقين: 89 ; وشرح تجريد العقايد: 252 .


صفحه 189

 

الفرع السّابع

في أقسام العلم

قال: وهو فعليّ وانفعاليّ وغيرهما.

وضروريّ أقسامه ستّة مكتسب.

وواجبٌ وممكن .

أقول: إنّ هذا الفرع في بيان أقسام العلم :

وهو فعليٌّ، وهو أن يسبق صورة المعلوم إلى العالم فتصير سبباً لوجوده في الخارج (1) كصورةِ بيت اخترعها البنّاء ثمّ أوجدها في الخارج.

وانفعاليٌّ وهو أن يستفاد الصّورة العقليّة من الوجود في الأعيان، كما نستفيد صورة السّماء من السّماء.

وغيرهما (2) مثّله الشّارح القديم بعلمه تعالى بذاته، فإنّه عين ذاته، وبالموجودات، فإنّه عبارة عن وجوداتها العينيّة الصّادرة عنه .

وأنت خبير: بأنّ علمه تعالى بذاته، وكذا علمه بالموجودات على ما


1 . وبعبارة أُخرى: وهو المحصَّل للأشياء الخارجيّة، الّذي يكون سبباً لوجود المعلوم في الخارج، كعلم واجب الوجود تعالى بمخلوقاته.

2 . كعلم واجب الوجود تعالى بذاته، وكعلمنا بالأشياء المستقبلة الّتي لا توجدها.


صفحه 190

ذكره علمٌ حضوريٌّ ليس بالصّورة، والمبحوث عنه هاهنا هو العلم الصّوري الحصولي، فلا مطابقة بين المثال والممثّل له .

وفي الحواشي الشّريفية (1): أنّ المثال الظاهر لما ليس فعليّاً ولا انفعالياً هو علمُ واحد منّا بالأُمور المستقبلة الّتي ليست فعلاً له .

وأنت خبير أيضاً: بأنّ العلم بالأُمور المستقبلة إنّما يمكن أن يحصل من العلم بالأسباب فهو أيضاً داخل في العلم الانفعاليّ .

وقال المصنّف في " شرح رسالة العلم ": «أمّا العلم الفعليّ فكعلم الأوّل بما عدا ذاته، وسائر العلل بمعلولاتها .

وأمّا الانفعالي فكعلم ما عدا الأوّل بما ليس بمعلولاته ممّا لا يحصل إلاّ بانفعال ما للعالم، وبارتسام صُور يحدث في ذواتها وآلاتها .

وأمّا ما ليس بفعليّ ولا انفعاليّ، فكعلم الذّوات العاقلة بأنفسها، وبالذّوات الّتي لا تغيب عنها، ولا يكون تعقّلها لها بارتسام صورة فيها. انتهى»(2). فليتأمّل، فإنّ هذا الأخير ليس من أفراد المبحوث عنه هاهنا، فينبغي حينئذ أن يجعل المقسم لهذه الأقسام ما كان جعله المصنّف مَقسماً للتصوّر واليقين كما مرّ.(3)


1 . وكذا في شرح المواقف: 6 / 43 .

2 . شرح مسألة العلم: 34 .

3 . راجع لمزيد الاطلاع في العلم الفعليّ والانفعاليّ الكتب التالية: التحصيل: 496 ـ 497 ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 365 ـ 366 ; وتقويم الإيمان: 348 ـ 350 ; وشرح الإشارات والتنبيهات: 3 / 298 ـ 300 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 198 ـ 199; وشرح المواقف: 6 / 43 .


صفحه 191

وأيضاً هو ضروريّ أقسامه(1); أي أقسام ذلك الضّروري إذا كان من قسم التصديق اليقينيّ ستّة بالاستقراء: بديهيّات، ومشاهدات، وفطريّات، وحدسيّات، وتجربيّات، ومتواترات.

 

البديهيّات

بيان ذلك على وجه يتضمّن وجه الضّبط أيضاً أنّ ما لا يتوقّف حصوله على نظر من القضايا اليقينيّة: إمّا أن لا يتوقّف بعد حصول شرائط الإدراك من الالتفات وسلامة الآلات على شيء أصلاً سوى تصوّر الأطراف، وهي البديهيات وتسمّى أوّليات أيضاً، فهي قضايا يحكم بها العقل بمجرّد تصوّر أطرافها، كالحكم بأنّ الواحد نصف الاثنين، والجسم لا يكون في آن واحد في مكانين.

وقد يتوقّف العقل عن الحكم فيها: إمّا لنقصان الغريزة كما في البُله والصبيان، أو لتدنّس الفطرة بالعقائد المضادّة للأوليات كما لبعض الجُهّال والعوام، أو لعدم تصوّر أفرادها كما ينبغي .

 

المشاهدات

وإمّا أن يتوقف حصولها على شيء آخر بعد تصوّر الأطراف.

فهذه الواسطة: إمّا أن يكون إحساساً وهي المشاهدات.


1 . لاحظ لمزيد التحقيق في العلم الضروري وأقسامه الكتب التالية: ارشاد الطالبين: 98 ـ 101 ; واشراق اللاّهوت في نقد شرح الياقوت: 36 ـ 39 ; وشرح تجريد العقائد: 252 ـ 254 ; والبراهين القاطعة: 1 / 420 ـ 421 ; ونهاية المرام: 88 ـ 156 .


صفحه 192

فالمشاهدات هي القضايا الّتي يحكم بها العقل بتوسّط الحواسّ الظاهرة، كالحكم بأنّ النّار حارّة، والشّمس مضيئةٌ ويسمّى حسيّات أيضاً والباطنة كالحكم بأنّ لنا خوفاً وغضباً ويسمّى وجدانيات. ويعدّ منها ما نجده بنفوسنا لا بآلاتها كشعورنا بذواتنا وبأفعالنا .

ويدخل في المشاهدات الباطنيّة الوهميات الّتي جعلها بعضهم قسماً سابعاً، وذلك ما يحكم به الوهم في المحسوسات، فيصدقه العقل في ذلك نحو كلّ جسم في جهة ولا يكون جسم واحد في مكانين، فإنّ العقل يصدّق الوهم في أحكامه على المحسوسات لا على المجرّدات والمعقولات كحكمه بأنّ كلّ موجود لابدّ أن يكون في جهة أو في مكان، ولتطابق العقل والوهم في أحكامه المحسوسات كانت العلوم الهندسيّة وما يجري مجراها شديدة الوضوح، لا يكاد يقع فيها اختلاف الآراء كما وقع في غيرها.

 

الفطريّات

وإمّا أن يكون تلك الواسطة غير الإحساس: فإمّا أن لا يعزب عن العقل عند تصوّر الأطراف وهي الفطريّات، ويقال لها قضايا قياساتها معها كالحكم بأنّ الأربعة زوج لانقسامها إلى متساويين .

 

الحدسيّات

وإن كانت تلك الواسطة تعزب: فإمّا أن يحتاج إلى استعمال الحدس فيها وهي الحدسيات، كالحكم بأنّ نور القمر مستفاد من الشّمس لما يرى من


صفحه 193

اختلاف تشكّلاته بحسب اختلاف أوضاعه من الشّمس.

 

المتواترات

وإمّا أن لا يحتاج إلى استعمال الحدس: فإمّا أن يكون من شأنها أن يحصل بالأخبار وهي المتواترات، وهي القضايا الّتي يحكم بها العقل بواسطة كثرة شهادة المخبرين بوقوع أمر ممكن مستند إلى المشاهدة بحيث يحكم بامتناع تواطئهم على الكذب .

وأمّا الّذي يحكم به بواسطة الخبر الواحد المحفوف بالقرائن فهو من قبيل الحدسيات .

وأمّا الّذي يحكم به بواسطة الخبر الواحد المؤيّد بالمعجزة. وبالجملة: ما دلّ الدّليل على صدقه، فهو من النظريات فيكون خارجاً عن المقسم.

 

التجربيّات

وإمّا أن لايكون من شأنها أن تحصل بالأخبار وهي المجربّات، فهي ما يحكم به العقل بواسطة تكرّر المشاهدة، ولابدّ مع ذلك من قياس خفيّ هو أنّ الوقوع المتكرّر على نهج واحد دائماً أو أكثريّاً لا يكون اتفاقيّاً، بل لابدّ أن يكون هناك سبب، فإذاعلم حصول السّبب حكم بوجود المسبّب قطعاً، وذلك مثل حكمنا بأنّ الضّرب بالخشب مؤلم، وبأنّ شرب السقمونيا مُسهل.


صفحه 194

فهذه الأقسام الستّة من الضروريّات هي مبادئ البراهين المفيدة لليقين، والعمدة فيهاهي الأوّليات، إذ لايتوقّف فيها إلاّ ناقص الفطرة أو مدنسها كما عرفت، ثمّ الفطريّات ثُمّ الحسيّات، ثُمّ الوهميات.

وأمّا الحدسيّات والمتواترات والمجرّبات فهي وإن كانت حجّة للشّخص مع نفسه لكن ليست حجّة له على غيره إلاّ إذا شاركه في الأُمور المقتضية لها من الحدس، والتّجربة، والتواتر .

ومكتسب(1) عطف على «ضروريّ» أي حاصل بالكسب والنّظر.

وقد مرّ انقسام العلم إلى الضروري والكسبيّ، ولعلّه إنّما أعاده ليشير إلى أقسام الضروريّ، فتدبّر.

و (2) أيضاً هو واجب وممكن(3) مثّل الشّارحان القديمان(4) العلم الواجب بعلمه تعالى بذاته فإنّه نفس ذاته. والممكن بما عداه، فهما حملا الواجب والممكن على الواجب الوجود بذاته والممكن الوجود بذاته، فانحصر مثال الواجب ما ذكراه.

وقال المحقّق الشريف: ويحتمل أن يراد بالواجب ما يمتنع انفكاكه عن العالم، وبالممكن ما يقابله .


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .

2 . أي وينقسم العلم بتقسيم آخر إلى واجب وهو ممتنع الإنفكاك عن العالم كعلم واجب الوجود بذاته، وإلى ممكن، هوكعلومنا.

3 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .

4 . وهما العلاّمة للحلّي في كشف المراد; والاصفهاني الشافعي في تسديد القواعد في شرح تجريد العقائد.


صفحه 195

 

الفرع الثّامن

 

في أنّ العلم تابع للمعلومقال: وهو تابعٌ، بمعنى أصالة موازنه في التّطابق، فزال الدّور.

أقول: قوله:

وهو تابع; أي العلم تابع للمعلوم.

وهذا إشارة إلى جواب المعتزلة(1) والإمامية عن استدلال الأشاعرة على اضطراريّة أفعال العباد، بأنّ الله تعالى عالم في الأزل بصدورها عنهم، فيستحيل انفكاكهم عنها، لامتناع وقوع خلاف ما علمه تعالى، فكانت لازمة لهم فلا يكون باختيارهم.(2)

وتقرير الجواب أن يقال: فقد جعلهم علمه تعالى علّة للمعلوم وهو تابع له، والتابع لا يكون علّة للمتبوع .

ثمّ الأشاعرة لما ردّوا جوابهم (3) هذا بأنّ العلم الأزلي متقدّم لا محالة


1 . لاحظ : نقد المحصل: 328 ; ونهج الحق وكشف الصدق: 122 ـ 124 ; وإرشاد الطالب: 267 ـ 268 ; وشرح تجريد العقائد: 254 .

2 . هذا أحد الوجوه الّتي استدلّوا بها في المقام لاحظ : المطالب العالية من العلم الإلهي: 9 / 46 ـ 59 ; وشرح المواقف: 8 / 155 ; شرح المقاصد: 4 / 231 ـ 233 ; وشرح تجريد العقائد: 341 ـ 366 .

3 . نقله الشارح القوشجي مع جواب المعتزلة. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 254 .


صفحه 196

على المعلوم ، فلو كان تابعاً للمعلوم يكون متأخّراً عنه وهوالدور.

أجابت المعتزلة: والإماميّة (1) بأنّ العلم تابع للمعلوم لا بمعنى تأخّره عنه، بل بمعنى أصالة موازنه (2)، أي المعلوم، فإنّ كلّ واحد من العلم والمعلوم موازن للآخر، لأنّهما متطابقان، فكان كلّ واحد منهما وزن بالآخر فتوازنا، أي توافقا في الوزن. والأصل في هذا التّطابق هو المعلوم، لأنّ العلم حكاية عن المعلوم ومثال له، فنسبته إليه نسبة صورة الفرس المنقوشة على الجدار إلى ذات الفرس، فكما يصحّ أن يقال إنّما كان نقش الفرس هكذا، لأنّ ذات الفرس هكذا، ولا يصحّ أن يقال: ذات الفرس هكذا، لأنّ نقشه هكذا ; كذلك يصحّ أن يقال: إنّما علمت زيداً شريراً مثلاً، لأنّه كان في نفسه شريراً، ولا يصحّ أن يقال: إنّما كان زيد في نفسه شريراً لأنّي علمته شريراً. وذلك لا يختلف بتأخّر وجود المعلوم عن وجود العالم، وبتقدّمه عليه، فسواء كان العلم متقدّماً أو متأخّراً يكون تابعاً للمعلوم بهذا المعنى لا بمعنى التأخّر، فزال الدور.(3)

فإن قلت: إذا كان العلم تابعاً لا يكون علمه تعالى فعلياً، بل يلزمهم انتفاء هذا القسم من العلم .

قلت: إذا كان العلم من حيث إنّه علم وحكاية للمعلوم لا يكون له


1 . انظر : نهج الحق وكشف الصدق: 123 ـ 124 ; والبراهين القاطعة: 1 / 422 ; وكشف المراد: المسألة الرابعة عشرة عن الكيف .

2 . في متن كشف المراد: «أصالة موازيه».

3 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 197

اقتضاء لوجوده ومدخليّة فيه، لكنّه من حيث إنّه يصير وسيلة إلى اختيار الفعل وإرادته يكون له مدخل في وجوده. وهذا معنى كونه فعليّاً، فعلم المختار بأفعاله الاختياريّة علم فعليّ. وعلمه بأفعال غيره لا يكون فعليّاً، وإن كان متقدّماً. كذا في الحواشي الشريفية.

وأمّا ما في "شرح القوشجي "(1) في دفع هذا الاعتراض من أن التابعية لا يجري إلاّ في العلوم التصديقيّة الّتي لابدّ لها من خارج يطابقه، والعلم الفعليّ إنّما يكون في التصوّرات، فمحل تأمّل.


1 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 254 .


صفحه 198

 

الفرع التّاسع

في توقّف العلم على الاستعداد

قال: ولابدّ فيه من الاستعداد، أمّا الضروري فبالحواسّ، وأمّا الكسبي فبالأوّل.

أقول: يريد أنّ علوم الإنسان كلّها تفيض عليه من الله سبحانه والإفاضة تابعة للقابلية والاستعداد في القابل وأشار إليه بقوله:

ولابدّ فيه: أي في فيضانه على النّفس النّاطقة عن الاستعداد، فإنّ النّفس في بدو الفطرة خالية عن العلوم كلّها إلاّ علمها بذاتها، فإنّها عين ذاتها، لكنّها قابلة لها، وإلاّ لما حصل لها العلم أصلاً.

فإذا كانت قابلة لها، فلو كانت شرائط الحصول بتمامها حاصلة من بدو الفطرة لكانت العلوم حاصلة من بدو الفطرة، لأنّ المبدأ الفاعلي الّذي يخرج كلّ ما بالقوّة إلى الفعل موجوداً دائماً لا يختصّ بوقت دون وقت، فلابدّ من أن يحصل تلك الشرائط شيئاً فشيئاً حيث فيضان العلوم شيئاً فشيئاً، وبحصول تلك الشرائط يحصل الاستعداد على ما قال.

أمّا استعداد العلم الضروري فبالحواسّ، فإنّ عند الإحساس بجزئيّات المحسوسات والتنبه للمشاركات والمباينات يستعدّ النّفس لفيضان العلوم الضروريّة.


صفحه 199

وأمّا استعداد العلم الكسبيّ فبالأوّل; أي بالعلم الضروريّ، فإنّ التصوّرات الكسبيّة إنّما تحصل بالحدود والرّسوم المنتهية إلى التّصورات الضّروريّة والتّصديقات الكسبيّة بالقياسات المنتهية إلى المقدّمات الضروريّة، فبكلّ حدٍّ أو رسم يستعدّ النّفس لفيضان العلم بالمحدود والمرسوم، وبكلّ قياس من الأقيسة لفيضان نتيجة من النتائج.

وأمّا ما نقل عن أفلاطون: من أنّ العلوم كلّها حاصلة للنّفس إلاّ أنّها ذهبت عنها باشتغالها بالبدن والّذي يحصل بتعلّم وتعليم تذكير لما ذهب عنها لا تحصيل لما لم يكن حاصلاً أصلاً، فإمّا ممّا لا يلتفت إليه لابتنائه على قدم النّفس وتناسخها في الأبدان، وإمّا ممّا له توجيه وتأويل لا تنافي ما ذكرنا.

وأمّا القول بتوقّف العلوم على الاستعداد فلاينافي القول بالفاعل المختار، لجواز أن يكون التوقّف عادياً أو الاستعداد مرجّحاً لا مفضياً إلى الوجوب أو الوجوب مستند إلى الاختيار كما سيأتي .


صفحه 200

 

الفرع العاشر

في المناسبة بين العلم والإدراك

قال: وباصطلاح يفارق الإدراك مفارقةَ الجنس النّوعَ.

وباصطلاح آخَرَ مفارقَة النّوعين.

أقول: والعلم باصطلاح يفارق ; أي يفارقه الإدراكَ بدليل قوله: مفارقة الجنس النّوعَ دون أن يقول: مفارقة النّوع الجنَس .

وهذا الاصطلاح هو لإطلاق الإدراك على ما يشمل الكلّي والجزئيّ، والمجرّد والمادي، فيتناول أنواعاً أربعة هي: الإحساس والتخيّل والتّوهم والتّعقل، والعلم ليس إلاّ التعقّل، فيكون الإدراك بهذا الاصطلاح كالجنس للعلم.

وباصطلاح آخَرَ هو تخصيص الإدراك بالإحساس يفارق العلم الّذي هو التعقّل مفارقةَ النّوعين تحت جنس هو الإدراك بالاصطلاح الأوّل هذا.


صفحه 201

 

الفرع الحادي عشر

 

في أنّ العلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلولقال: تعلّقه على التّمام بالعلّة يستلزم تعلّقه كذلك بالمعلول.

أقول: وتعلّقه: أي تعلّق العلم على التمام بالعلّة يستلزم تعلّقه كذلك، أي على التمام بالمعلول.

في شرح العلاّمة (رحمه الله): «أنّ العلم بالعلّة يقع باعتبارات ثلاثة:

الأوّل: العلم بماهيّة العلّة من حيث هي ذات وحقيقة لا باعتبار آخر.

وهذا لا يستلزم العلم بالمعلول لا على التّمام ولا على النّقصان.

الثّاني: العلم بها من حيث هي مستلزمة لذات أُخرى.

وهو علم ناقص بالعلّة فيستلزم علماً ناقصاً بالمعلول من حيث إنّه لازم للعلّة لا من حيث هي ماهيّة.

الثّالث: العلم بذاتها وماهيّتها ولوازمها وملزوماتها وعوارضها ومعروضاتها ومالها في ذاتها ومالها بالقياس إلى الغير.

وهذا هو العلم التامّ بالعلّة، وهو يستلزم العلم التامّ بالمعلول، فإنّ ماهيّة المعلول وحقيقته لازمة لماهيّة العلّة. وقد فرض تعلّق العلم بها من حيث ذاتها ولوازمها. انتهى»(1).


1 . كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: المسألة السابعة عشرة من الأعراض الثاني وهو الكيف.


صفحه 202

وكذا قال أيضاً الشّارح القديم: إلاّ أنّه استثنى في القسم الأوّل كون المعلول لازماً بيناً لماهيّة العلّة، فإنّه يلزم حينئذ من تصور ماهيّة العلّة تصوّر ماهيّة المعلول.

وقال المحقّق الشريف: «لكن المذكور في «الملخّص» إنّا متى عقلنا العلّة بكنهها فقد حصل في الذّهن ماهيّة موجبة لماهيّة المعلول، وكلّما كان كذلك كان العلم بالمعلول حاصلاً.

والمقدّمتان ظاهرتان على القول بأنّ التعقّل يستدعي ماهيّة مساوية للمعقول في العاقل».(1) فهذا يدلّ على أنّ العلّة إذا كانت لذاتها علّة كانت تصوّرها بالكنه موجباً لتصوّر المعلول يعني مطلقاً سواء كان لازماً بيّناً أو لا، هذا.

وفيه ـ أعني: في كلام الملخّص ـ أنّه إن أراد بحصول الماهيّة الموجبة للمعلول في الذّهن حصولها مع وصف الإيجاب فالملازمة الأُولى ممنوعة، فإنّ تعقّل الماهيّة بالكنه لا يستلزم تعقّلها من حيث الإيجاب، وإن كان الموجب هو الكنه. فتخصيص المحقّق الشريف ذلك بما إذا كان علّة لذاتها لا ينفعه.

وإن أراد حصول ماهيّة متّصفة بالإيجاب في نفس الأمر وإن لم يكن وصف الإيجاب حاصلاً في الذّهن فالملازمة الثّانية ممنوعة، وهو ظاهر.

وأمّا اعتراض الشّيخ القوشجي عليه: «بأنّ تصوّر العلّة إنّما يوجب


1 . على ما نقله الشارح القوشجي. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 255.


صفحه 203

تصوّر المعلول إذا كانت العلّة بوجودها الذّهني علّة لوجود المعلول في الذّهن، وحينئذ يكون المعلول لازماً بيّناً وقد استثناه. ومعنى كون ماهيّة العلّة موجبة لماهيّة المعلول ; أنّ العلّة بوجودها الخارجي يستلزم وجود المعلول في الخارج، لا أنّها بوجودها الذّهني يستلزم وجود المعلول في الذّهن.

فليس بشيء»(1). أمّا أوّلاً: فلأنّ قولنا: إذا كانت العلّة بوجودها الذّهني علّة لوجود المعلول في الذّهن فتصوّرها يوجب تصوّر المعلول لا فرق بين مقدّمها وتاليها، فإنّ الوجود في الذّهن عين التّصور، والعلّية عين الإيجاب.

وأمّا ثانياً: فلأنّه لم يدع أحدٌ أنّ معنى كون ماهيّة العلّة موجبة لماهيّة المعلول هو كونها بوجودها الذّهني مستلزمة لوجود المعلول في الذّهن، بل الدّعوى أنّ الأوّل موجب للثّاني بناء على استدعاء التعقّل حصول الماهيّة المساوية، هذا.

فأمّا ما قرّره الشّارحان القديمان(2): أنّه المراد هاهنا ـ أعني: الاعتبار الثّالث ـ فهو عندي بمنزلة أن يقال: العلم بالعلّة والمعلول يستلزم العلم بالمعلول. وهذا لا يخفى لزوما وفساداً.

وأيضاً المشهور، أنّ هذا الحكم غير منعكس، أي ليس تعلّق العلم


1 . شرح تجريد العقائد: 255 .

2 . وهما العلاّمة الحلّي في كشف المراد; والإصفهاني الشّافعي في تسديد القواعد في شرح تجريد العقائد.


صفحه 204

بالمعلول مستلزماً لتعلّقه بالعلّة، والحال أنّ العلم بالمعلول أيضاً من جميع الوجوه المذكورة يستلزم العلم بالعلّة كذلك، فإنّ العلّة وملزوماتها من ملزومات المعلول. وأمّا معروضات العلّة، فإنّها وإن لم يكن ملزومة للمعلول، لكن عوارض المعلول أيضاً ليست من لوازم العلّة .

على أنّ هذه القاعدة مستعملة في مواضع عديدة يستدلّ فيها بالعلّة على المعلول، كإثبات علمه تعالى بسائر الموجودات، وإثبات علم غيره من المجرّدات بمعلولاته إلى غير ذلك، فإن لم يمنع كون المبدأ الأوّل عالماً بذاته من جميع تلك الوجوه، فقد يمنع ذلك في غيره، فلا يتمّ مقصودهم. كذا في الحواشي الشريفيّة .

فالوجه هو أنّ المراد من العلم التامّ بالعلّة هو العلم بها بجميع جهاتها واعتباراتها اللاّزمة لها، فإنّ هذا العلم لا ينفكّ عن العلم بما يلزمها، ويجب منها بتلك الجهات والاعتبارات.

قال المصنّف في " شرح الإشارات ": «العلم بالعلّة التامّة يقتضي العلم بالمعلول، فإنّ العلم بالعلّة التامّة لا يتمّ من غير العلم بكونها مستلزمة بجميع ما يلزمها لذاتها. وهذا العلم يتضمّن العلم بلوازمها الّتي منها معلولاتها الواجبة بوجوبها. انتهى»(1).

فإنّ المراد من العلم بكونها مستلزمة هو العلم بتلك الجهات والاعتبارات الّتي هي المنشأ للاستلزام. وليس المراد منه هو العلم بنفس


1 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 3 / 300 .


صفحه 205

هذه الإضافة لكونه علماً ناقصاً بالعلّة لا محالة كما مرّ في الثّاني من الاعتبارات الثّلاثة المذكورة .

وهذا المعنى غير منعكس، فإنّ العلم بالمعلول أيضاً، وإن كان لا يتمّ من غير العلم بكونه مستلزماً لجميع ما يلزمه، لكن من جملة ما يلزمه إنّما هو علّة ما لا العلّة المعيّنة بخلاف ما هو من جملة ما يلزم العلّة، فإنّه المعلول المعيّن.

قال المصنّف في " شرح الإشارات": «ولمّا كان العلم التامّ بالعلّة التامّة مقتضياً للعلم التامّ بمعلولها، ولم يكن العلم التام بالمعلول مقتضياً علماً تامّاً بعلّته. فإنّ العلة من حيث هي تامّةً توجب معلولها المعيّن(1)، والمعلول من حيث هو معلول لا يقتضي علّته المعينة إنّما يقتضي علّةٌ ما لوجوده، بل العلم بالعلّة يقتضي العلم بماهيّة المعلول وإنّيّته، والعلم بالمعلول يقتضي العلم بإنّيّة العلّة دون ماهيّتها كان أكمل الإدراكات في ذواتها إدراك الأوّل لذاته بذاته كما هي، ولجميع ما سواه أيضاً بذاته من حيث هو علّة تامّة لها. انتهى»(2).

والسّبب في ذلك على ما قاله المحقّق الشريف: «هو أنّ العلّة التامّة تكون لخُصوصها مقتضية لمعلول مخصوص، وأنّ المعلول الخاصّ لا يستدعي لإمكانه إلاّ علّة مّا، فالعليّة مُستندة إلى خصوصيّة الذات الّتي لا يتصوّر


1 . في المصدر: «توجب معلولها المعيّن من حيث هو هو».

2 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 3 / 301 .


صفحه 206

اقتضاؤها إلاّ لشيء مخصوص، والمعلولّية مُستندة إلى إمكان ذات مخصوصة، ولا شك أنّ الإمكان لا يستدعي علّة مخصوصة، فالعلم بالعلّة، يستلزم العلم بماهيّة المعلول وإنّيّته. والعلمَ بالمعلول يستلزم العلم بإنّيّة العلّة دون ماهيّتها، ومِن ثَمَّ حُكم بأنّ الاستدلال بالعلّة يستلزم علماً تامّاً، والاستدلال بالمعلول يوجب علماً ناقصاً. انتهى كلامه»(1).

وإذا عرفت ما ذكرنا عرفت أنّ حصر الاعتبارات في الثّلاثة غير حاصر.

ولعلّ الاعتبار الثّالث متوهّم من ظاهر كلام " شرح الإشارات "المنقول أوّلاً، فتدبّر .


1 . على ما نقله الشّارح القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 256 .


صفحه 207

 

الفرع الثّاني عشر

في مراتب العلم

قال: ومراتبه ثلاث.

أقول: اعلم: أنّ للتّعقّل ثلاث مراتب كما أشار إليه المصنّف بقوله: . ومراتبه; أي مراتب العلم ثلاث: (1)

الأُولى: كونه بالقوّة: لما هو من شأنه سواء كانت القوّة قريبة كالعقل بالفعل، أو بعيدة كالعقل الهيولاني، أو متوسطة كالعقل بالملكة سمّوها علماً تجوزاً .

الثّانية: العلم الإجمالي: وهو حالة بسيطة بين القوّة المحضة والعلم التّفصيلي، كحال من سئل عن مسألة ليس الجواب عنها المبتني على مقدمات كثيرة حاضراً في ذهنه مفصّلاً ; لكن عنده ما لو بسط وفصل لكان عين تفصيل تلك المقدّمات، فهي بالفعل من وجه، وبالقوّة من وجه آخرَ.

الثّالثة: العلم التفصيلي: وهو أن تكون تلك المعلومات الكثيرة حاضرة في ذهنه متميزة بعضها عن بعض .

وزعم الإمام أنّ العلم الإجمالي باطل لوجوه :

الأوّل: «أنّ تلك التّفاصيل إن كانت معلومةً وجب أن يتميّز كلّ منهما


1 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: كتاب النّفس / 212 / الفصل السّادس من المقالة الخامسة; المباحث المشرقيّة: 1 / 335 ـ 337 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 53 ـ 62 .


صفحه 208

عن غيره، فيكون التفصيل حاصلاً، وإن لم يكن معلومة لم يكن العلم بها حاصلاً أصلاً. نعم، ربّما كان حالة من أحوالها معلومة تفصيلاً. فما هو معلوم مفصّل، وما ليس بمفصّل ليس بمعلوم»(1).

الثّاني: «أنّه يمتنع حصول صورة واحدة مطابقة لأُمور مختلفة لوجوب مساواة الصّورة لماهيّة كلّ واحد منها، فتكون صوراً مختلفة لا صورة واحدة، بل يجب أن يكون لكلّ من تلك الأُمور صورة على حدة، ولا معنى للعلم التّفصيلي إلاّ ذلك.

نعم، قد يحصل الصّور المتعدّدة دفعة، كما إذا تصوّر حقيقة المركّب من حيث هو. وقد يحصل مترتّبة في الزّمان، كما إذا تصوّر أجزاؤه واحداً بعد واحد. فإن أرادوا بالإجمال والتّفصيل حصول الصورة تارة دفعة وأُخرى مترتّبة، فلا نزاع فيه إلاّ أنّ الإجماليّ بهذا المعنى ليس حالة متوسّطة بين القوّة والفعل.

وأمّا ما قالوه من أنّه عقيب السّؤال عالم بالجواب إجمالاً لا تفصيلاً لترتّبه على التّقرير، فمردود. بأنّ لذلك الجواب حقيقة وماهيّة وله لازم، وهو أنّه شيء يصلح جواباً لهذا السؤال، والمعلوم عقيب السؤال هو ذلك اللاّزم، وهو معلوم بالتفصيل. وأمّا حقيقة الجواب فمجهولة في تلك الحالة»(2).


1 . على ما نقله الشارح القوشجي. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 256 .

2 . على ما نقله شارح المواقف. لاحظ: شرح المواقف: 6 / 38 ـ 39 .


صفحه 209

الثّالث: «أنّ المعلوم الإجمالي معلوم من وجه ومجهول من وجه آخر، والوجهان متغايران لا محالة، فالوجه المعلوم لا إجمال فيه والوجه المجهول غير معلوم ألبتة، لكن لمّا اجتمعا في شيء واحد ظنّ أنّ العلم الإجماليّ يغاير العلم التّفصيليّ »(1).

والجواب عن الأوّل: على ما في " الحواشي الشريفية " «أنّ صور تلك التّفاصيل حاصلة في الذّهن مجتمعة معاً، لكن العقل لم يحدق نظره إلى كلّ واحدة منهما على حدة، ولم يلتفت إلاّ إلى الجملة. فإذا شرع في المسألة وقرّرها شافياً (2) وحدّق النّظر إلى كلّ واحد من المعلومات الّتي في تلك المسألة حصل له في العلم بها مرتبة أُخرى مفصّلة متميزة بالبديهة عن الأُولى الّتي هي علم بتلك التّفاصيل أيضاً وملاحظة لها إجمالاً.

ونظير هاتين المرتبتين في الإحساسات أن نرى جماعة دفعة ثُمّ تحدق النّظر إليها، فإنّا نجد في الابتداء حالة إجمالية، وبعد التحديق حالة أُخرى تفصّل الأُولى. ولا شكّ أنّ إبصارنا لتلك الجماعة حاصل في الحالين معاً»(3).

وعن الثاني على ما في شرح المواقف: «أنّه إذا علم المركّب بحقيقته حصل في الذّهن صورة واحدة مركّبة من صور متعدّدة بحسب تلك الأجزاء، والعقل حينئذ متوجّه قصداً إلى المركّب دون أجزائه. فإذا توجّه


1 . محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخرين: 80 .

2 . في المصدر: «شيئاً فشيئاً».

3 . على ما نقله الشارح القوشجي. لاحظ. شرح تجريد العقائد: 256 .


صفحه 210

إليها وفصّلها صارت ملحوظةً قصداً منكشفاً بعضها عن بعض انكشافاً تامّاً لم يكن حاصلاً في الحالة الأُولى مع حصول صور الأجزاء في الحالتين»(1).

وقوله: المعلوم عقيب السؤال عارض من عوارض الجواب.

قلنا: الكلام في ما إذا كان المركب حاصلاً في الذّهن بحقيقته لا باعتبار عارض من عوارضِهِ، فإنّ ذلك ليس علماً بأجزائه لا إجمالاً ولا تفصيلاً .

وعن الثالث: على ما في شرح المواقف أيضاً: «انّ الإجمال والتّفصيل ليس حالهما على ما توهّمه، بل المعلوم فيهما واحد، والمختلف هو العلم المتعلّق بذلك المعلوم، فتارة يكون ذلك العلم على وجه، وأُخرى على وجه آخر كما عرفت. فإذا قلنا: هذا الشيء معلوم من حيث الإجمال دون التّفصيل كانت الحيثيّتان راجعتين إلى العلم دون المعلوم».(2)

قال شارح المواقف: «من إنكاره العلم الاجمالي نشأ إنكاره الاكتساب في التّصورات »(3).


1 . شرح المواقف: 6 / 39 .

2 . شرح المواقف: 6 / 42.

3 . شرح المواقف: 6 / 39 .


صفحه 211

 

الفرع الثّالث عشر

في كيفيّة العلم بذي السبب

قال: وذو السبب إنّما يُعلَم به كلّياً .

أقول: وذو السبب إنّما ; يُعلَم به يعني أنّ العلم بذي السبب بعينه إذا لم يكن حاصلاً من غير نظر، بل كان محتاجاً إلى النظر لا يحصل إلاّ من العلم بسببه، لأنّ كلّ ممكن إذا نظر إليه من حيث هو مع قطع النظر عن سببه امتنع الجزم برجحان أحد طرفيه على الآخر. وإذا علم وجود سببه حكم بوجوده قطعاً .

وإنّما قلنا: «إذا لم يكن حاصلاً من غير نظر» لئلاّ يرد أنّه لِمَ لا يجوز أن يعلم وجوده بإحساس أو بإلهام أو بخبر الصادق إلى غير ذلك ممّا ليس من طريق العلم بسببه؟

وإنّما قيّد بقولنا: «بعينه» لئلاّ يرد أنّه لِمَ لا يجوز أن يحصل العلم به من العلم بمسبّبه ومعلوله على سبيل البرهان الإنّي؟ وذلك لما مرّ من أنّ المعلول إنّما يدلّ على علّة ما، لا على علّة بعينها.

كليّاً (1); إشارة إلى مسألة أُخرى، وهي أنّ ما يعلم بسببه إنّما يعلم كليّاً لا جزئيّاً بناء على أنّه لا برهان على الشخص من حيث هو شخص، كما أنّه


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 212

لا حدّ له من حيث هو كذلك ، بل حصول العلم بالشخصيّة يجب أن يكون من سبيل الإحساس .

واستدلّ على كون العلم الحاصل من السبب كلّياً لا جزئيّاً، بأنّ من علم أنّ «الألف» موجب لـ «باء»، ثمّ استدلّ بـ «الألف» على «الباء» فقد حصل له من هذا الاستدلال العلم بـ «الباء» وهو كلّي، لأنّ نفس تصور معناه لا يمنع الشركة، والعلم بصدور عن «الألف» وهو أيضاً كلّي، لأنّ صدور شيء عن شيء لا يمنع نفس تصوره الشركة، والكلّيّ المقيّد بالكلّي ليس إلاّ كلّياً في الأُمور العامّة.

واعترض عليه: بأنّ هذا إنّما يصحّ إذا استدلّ بـ «الألف» على «الباء». وأمّا إذا استدلّ بهذا «الالف» على هذا «الباء» كان المسبّب المعلوم جزئيّاً لا كلّياً .

والجواب: أنّ العلم بالهذيّة لا يمكن أن يحصل من طريق الاستدلال، فإذا حصلت لنا هذيّة «الألف» بالإحساس، وكنّا قد علمنا أنّه علة لـ «باء»، حصل لنا العلم بوجود الباء لكن لا من حيث هو شخص وإن كان لا يمكن إلاّ أن يكون شخصاً في نفس الأمر، ثمّ إذا حسسنا بـ «الباء» الّذي علمنا وجوده يحصل لنا هذيّته. فظهر أنّه لا يصح الاستدلال بالهذيّة على الهذيّة.

وهذا ـ أعني: العلم بوجود الشخص في نفس الأمر لا من حيث هو معلوم لنا هو الّذي يقال له: العلم بالجزئيّ بالوجه الكلّيّ.

وأمّا قول الإمام: «إنّ الصحيح جواز الاستدلال; أي الاستدلال بهذا


صفحه 213

«الألف» على هذا «الباء» لأنّ الأشخاص من حيث هي أشخاص معلولة لأشخاص أُخر، والعلم بالعلّة يوجب العلم بالمعلول .(1)

فالجواب عنه: أنّ العلم بالعلّة وإن كان موجباً للعلم بالمعلول لكنّه ليس بموجب للإحساس، وكذا الإحساس بالعلّة ليس موجباً للإحساس بالمعلول وإن كان موجباً للعلم به، فإنّ إدراك الجزئيّات من حيث هذيّاتها لا يمكن إلاّ بالآلات الجسمانيّة كالحواسّ وما يجري مجراها، فما لم يدرك المعلول بآلة جسمانيّة لم يكن محسوساً وإن كانت علّته محسوسة.


1 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 258 .


صفحه 214

 

الفرع الرّابع عشر

في تفسير العقل(1)

قال: والعقل غريزة يلزمها العلم بالضروريّات عند سلامة الآلات .

ويطلق على غيره بالاشتراك.


1 . العقل في اللّغة على معنيين: الأوّل: الإدراك والفهم. الثّاني: القيد والمانع. وفي الاصطلاح يطلق على أشياء كثيرة يذكر الفارابي ستّة منها:

الأوّل: العقل الّذي يقول به الجمهور في الإنسان أنّه عاقل إنّما يعنون بالعاقل من كان فاضلاً جيّد الرؤية في استنباط ما ينبغي أن يؤثّر من خير أو يجتنب من شرٍّ ويمتنعون أن يوقعوا هذا الاسم على من كان جيّد الرؤية في استنباط ما هو شرّ بل يسمّونه ماكراً أو داهياً واشباه هذه الأسماء .

الثّاني: العقل الّذي يردده المتكلّمون على ألسنتهم فيقولون في الشّيء هذا ممّا يوجبه العقل أو ينفيه العقل أو يقبله العقل أو لا يُقبله العقل فإنّما يعنون به المشهور في بادي الرأي عند الجميع، فإنّ بادي الرّأي المشترك عند الجميع أو الأكثر يسمّونه العقل.

الثّالث: العقل الّذي يذكره أرسطوطاليس في كتاب البرهان فإنّه إنّما يعني به قوّة النّفس الّتي بها يحصل للإنسان اليقين بالمقدمات الكليّة الصادقة الضروريّة لا عن قياس أصلاً ولا عن فكر بل بالفطرة والطبع.

الرّابع: العقل الّذي يذكره في كتاب الأخلاق فإنّه يريد به جزء النّفس الّذي يحصل بالمواظبة على اعتياد شيء ممّا هو في جنس جنس من الأُمور بالتجربة والاختيار.

الخامس: العقل الّذي يذكره أرسطو في كتاب النفس فإنّه جعله على أربعة انحاء: عقل بالقوّة، وعقل بالفعل، وعقل مستفاد، وعقل فعّال.

السّادس: العقل الّذي يذكره في كتاب ما بعد الطبيعة.

لاحظ : معاني العقل = (ضمن المجموع للمعلّم الثّاني): 45 ـ 49 ; وعلم الأخلاق إلى نيقوماخوس: 2 / 113 ـ 118 / الباب الأوّل من الكتاب السّادس ; وكتاب النفس: 74 ـ 76 .


صفحه 215

أقول: والعقل الّذي هو مناط التكليف اتفاقاً اختلف في تفسيره.(1)

فقال أبو الحسن الأشعري: هو العلم ببعض الضروريات المسمّى بالعقل بالملكة عند الحكماء(2).

وقال القاضي: هو العلم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات في مجاري العادات.(3)

قال شارح المواقف: ولا يبعد أن يكون هذا تفسيراً لكلام الأشعري.(4)

وقالت المعتزلة: هو ما يعرف به حُسن الحَسَن وقبح القَبيح. (5)

ومختار الإمام الرّازي (6) واختاره المصنّف: غريزة يلزمها العلم(7) بالضروريّات عند سلامة الآلات، وإنّما اعتبر سلامة الآلات، لأنّ النّائم مثلاً عاقل، ولا علم له لتعطّل حواسّه.


1 . لاحظ لمزيد الإطلاع الكتب التالية: كتاب التعريفات: 196 ـ 197، برقم 985 ; والكليّات لأبي البقا: 3 / 216 ـ 219 ; والحدود لابن سينا: 12 ; والحدود والحقائق (= ضمن رسائل الشريف المرتضى الجزء الثاني): 277 ; ورسائل فلسفيّة لمحمد بن زكريا الرّازي: 18 ; والرسائل العشر: 83 ; والأسفار: 3 / 418 ـ 427 ; نهاية المرام في علم الكلام: 2 / 222 ـ 229 .

2 . لاحظ : شرح المواقف: 6 / 47 ; ونقد المحصل: 163 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 100 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 226 .

3 . لاحظ : شرح المواقف: 6 / 47 ; ونقد المحصل: 163 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 100 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 226 .

4 . لاحظ : شرح المواقف: 6 / 47 ; ونقد المحصل: 163 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 100 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 226 .

5 . لاحظ : شرح المواقف: 6 / 47 ; ونقد المحصل: 163 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 100 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 226 .

6 . لاحظ : محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين: 81 لكن قال في المباحث المشرقيّة: 2 / 436، جوهر مجرّد عن المادّة ولواحقها. وكذا مختار العلاّمة الحلّي في مناهج اليقين في أُصول الدّين: 101 ; وفي نهاية المرام: 2 / 229 ; والتفتازاني في شرح المقاصد: 2 / 333 ; والفاضل المقداد في اللّوامع الإلهيّة: 136.

7 . كما أشار إليه في كلام عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام)حيث قال: العَقلُ غَريزَةٌ تزيدُ بِالعِلمِ وَالتّجارُبِ. غرر الحكم ودُرر الكلم: 1 / 67 .


صفحه 216

ويطلق لفظ «العقل» على «غيره»، أي غير المعنى المذكور  بالاشتراك  (1).

فإنّه يقال على الجوهر المفارق عن المادّة ذاتاً وفعلاً كما مرّ. ويقال أيضاً للنّفس في مراتبها الأربع الّتي لها في الاستكمال علماً وعملاً ولتلك المراتب أيضاً، ولبعض قواها أيضاً .

مراتب العقل (2)

بيان ذلك: أنّ القوة الّتي بها يستفيض النّفس من مباديها العالية ما يكمل جوهرها من التعقّلات يقال لها العقل النّظري.

وللّتي بها يصلح أحوال البدن الّذي هو آلة لها ويتصرّف في ما يليه من الأُمور المتعلّقة بصلاح معاشها ومعادها العقل العملي.

وللنّفس في كلّ منهما استكمال ذو مراتب.


1 . في أكثر النسخ: «ويطلق على غيره بالاشتراك».

2 . لاحظ لمزيد التحقيق الكتب التالية: كتاب النفس لأرسطو: 72 ـ 79 ; والدعاوي القلبية للفارابي: 10; وفصول منتزعة للفارابي: 50 ـ 51 و 54 ـ 55 ; والمبدأ والمعاد لابن سينا: 7 ـ 10 و 98 ـ 99 ; والحدود لابن سينا: 12 ـ 15 ; وطبيعيات الشفاء: 2 / كتاب النفس / 208 ـ 220 / الفصل الخامس والسّادس من المقالة الخامسة; والتحصيل: 789 ـ 790 و 815 ـ 816 ; والمناهج السّكوكيّة: 294 ـ 298 / الإشراق التاسع إلى الثّاني عشر; ومطالع الأنظار: 97 ; وشرح المواقف: 6 / 43 ـ 46 .


صفحه 217

 

مراتب العقل النظري

أمّا مراتب العقل النّظري: وهي المقصودة بالذكر هاهنا فأربع، لأنّها: إمّا كمال، أو استعداد نحو الكمال، والاستعداد: إمّا قريب، أو بعيد، أو متوسّط.

فالبعيد الّذي هو محض القابلية وصرف القوّة للإدراكات يسمّى مرتبة، والنّفس في تلك المرتبة أيضاً عقلاً هيولانيّاً تشبيهاً بالهيولى الأُولى الخالية في حدّ ذاتها عن جميع ما يستعدّ له من الصّور والهيئات .

والمتوسّط الّذي هو استعدادها لتحصيل النظريّات بعد حصول الضروريّات باستعمال الحواسّ والآلات يسمّى مرتبة، والنفس فيها أيضاً عقلاً بالملكة: إمّا للمقابلة للحال لرسوخ استعداد الانتقال فيها، أو المقابلة للعدم لوجود الانتقال فيها تجوّزاً، بناء على غاية قربه به.

والقريب الّذي هو الاقتدار على استحضار النظريّات المكتسبة المخزونة متى شاء من غير افتقار إلى كسب جديد يسمّى مرتبة، والنفس فيها أيضاً عقلاً بالفعل لشدّة قربه إلى الفعل بمنزلة القادر على الكتابة حين لا يكتب وله أن يكتب متى شاء .

والكمال الّذي هو حصول النظريّات مشاهدة يسمّى مرتبة، والنّفس فيها أيضاً عقلاً مستفاداً لاستفادته من العقل الفعّال المخرج لأنفسنا من قوّة الكمالات إلى الفعل.


صفحه 218

وهو قد يعتبر بالقياس إلى معقول معقول، فيحصل لكثير من النّاس في كثير من الأوقات.

وقد يعتبر بالقياس إلى جميع المعقولات، فلا يحصل في نشأة التعلّق إلاّ لنفوس قويّة لا يشغلها شأن عن شأن، فكما قال الشيخ في صفتهم: كأنّهم وهم في جلابيب من أبدانهم قد نفوها وتجرّدوا عنها إلى عالم القدس، فانخرطوا في سلك المجرّدات العقليّة الّتي تشاهد معقولاتها دائماً، وذلك في بعض الأوقات. وقيل: كالبروق الخاطفة. وقيل: لا يحصل في هذه الدّار، بل في دار القرار. هذا .

ثمّ إنّ الهيولاني وبالملكة استعدادان لاستحصال الكمال ابتداء وبالفعل استعداد لاسترجاعه واسترداده; فهو متأخّر عن المستفاد في الحدوث، لأنّ المدرك ما لم يشاهد مرّة بعد مرّة لم يصير ملكة; ومتقدّم عليه في البقاء، لأنّ المشاهدة قد تزول وتبقى ملكة الاستحضار، فيتوصّل بها إليها. ولذلك قد يجعل ثالثة المراتب نظراً إلى البقاء. وقد يجعل رابعتها نظراً إلى الحدوث.


صفحه 219

 

مراتب العقل العمليّ

وأمّا مراتب العقل العمليّ ـ وهي وإن لم يسمّ واحدة منها ولا النّفس فيها بالعقل، لكن نذكرها تتميماً للنّقل ـ فأربع أيضاً :

أوّليتها: تحلية العبد الظاهر بفضائل العادات باستعمال الشرائع النبويّة والنواميس الإلهيّة .

وثانيتها: تخلية الباطن من رذائل الملكات بنفض آثار شواغله عن عالم الرّبوبيّة والأُمور القدسية ليتيسّر له الاتصال بعالم الملكوت والخوض في لجّة الجبروت.

وثالثتها: ما تحصل بعد ملكة الاتصال بعالم الغيب وهو مشاهدة الأُمور الرّوحانيّة والتحقق بالحقايق العقلانيّة.

ورابعتها: ما يتجلّى عقيب ملكة الانفصال بالكليّة عن نفسه وعن رؤية كمالاتها، وهو ملاحظة جلال الله وجماله، وقصر النّظر على كماله بحيث يرى كلّ قدرة مضمحلّة في قدرته، وكلّ علم مستغرقاً في علمه، بل كلّ وجود وكمال وجود فائضاً من وجوده ورشحاً من بحر فيضه وجوده .


صفحه 220

 

الفرع الخامس عشر

في الاعتقاد (1)

قال: والاعتقاد يقال لأحد قسميه، فيتعاكسان في العموم والخصوص.

ويقع فيه التضادّ بخلاف العلم .

أقول: والاعتقاد قد اختلف فيه هل هو من قبيل العلوم أو جنس مغاير لها؟

فقال جماعة بالأوّل.

وذهب أبو الهذيل (2) إلى الثّاني.

والتحقيق: أنّه يقال لأحد قسميه، أي العلم، وهو التّصديق الجازم المطابق الثابت الّذي قد مرّ تقسيم العلم إليه وإلى التّصور، فيكون من جنس العلم لا محالة، وهذا أحد الاصطلاحين في الاعتقاد .(3)

والاصطلاح الآخر فيه (4)، وهو المشهور المتداول أنّه بمعنى


1 . لاحظ : نقد المحصل: 161 ; وارشاد الطالبين: 96 ـ 98 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 89 ـ 90.

2 . محمد بن الهذيل بن عبدالله بن مكحول العبدي، مولى عبد القيس، أبو الهذيل العلاّف المتوفّى (235 هـ . ق) من أئمة المعتزلة ولد في البصرة واشتهر بعلم الكلام وتوفي بسامراء. لاحظ : وفيات الاعيان: 1 / 480 ; ولسان الميزان: 5 / 413 .

3 . أي المراد أنّ الاعتقاد يطلق على التصديق اليقيني الّذي هو أحد قسمي العلم إذ العلم منقسم إلى تصوّر وتصديق، لأنّه جنس لهما، فبهذا الاعتبار بين الاعتقاد والعلم عموم مطلق.

4 . وقد يطلق الاعتقاد على مطلق التصديق جازماً كان أم لا، مطابقاً للواقع أم لا، ثابتاً كان أم لا.


صفحه 221

بالتّصديق مطلقاً أعمّ من أن يكون جازماً أو غيره، مطابقاً أو غيره، ثابتاً أو غيره.

والعلم أيضاً كما يقال على المعنى المذكور سابقاً يقال على التّصديق اليقينيّ أيضاً.

ففيه أيضاً اصطلاحان فيتعاكسان، أي الاعتقاد والعلم بحسب الاصطلاحين في كلّ منهما في العموم والخصوص، فيكون العلم بأحد اصطلاحيه وهو المعنى الشّامل للتصوّر واليقين أعمّ من الاعتقاد بأحد اصطلاحيه وهو التّصديق اليقينيّ، وبالآخر من اصطلاحيه وهو العلم اليقينيّ أخصّ من الاعتقاد بالاصطلاح الآخر، وهو المتداول المشهور.

وهذا هو غاية توجيه هذا الكلام.

ويقع فيه; أي في الاعتقاد بالمعنى المتداول التضادّ; أي قد يكون اعتقاد ضداً لاعتقاد بأن يتعلّق أحدهما بإيجاب نسبة والآخر بسلب تلك النّسبة بعينها. فهذان الاعتقادان أمران وجوديان يمتنع اجتماعهما في محلّ واحد هو المعتقد، وإن جاز تعاقبهما عليه.

بخلاف العلم.(1) وكذا الاعتقاد بالمعنى الآخر المرادف للتّصديق اليقينيّ. فإنّ الإدراك المتعلّق بالسّلب أو الايجاب إذا لم يطابق الواقع لم يكن علماً ولا اعتقاداً بهذا المعنى. والمطابق للواقع لا يكون إلاّ أحدهما، فلا يتصوّر علمان ولا اعتقادان بهذا المعنى تعلّق أحدهما بإيجاب نسبة والآخر بسلب تلك النّسبة، فلا يجري التضاد في العلم والاعتقاد بهذا المعنى.


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 222

 

الفرع السّادس عشر

في السّهو والنّسيان

قال: والسّهو عدم ملكة العلم، وقد يفرّق بينه وبين النّسيان.

أقول: والسهو عدم ملكة العلم لا مضادّه على ما ذهبه إليه (1) الجبائيّان(2).

فالمراد من الملكة هو الوجود لا المقابلة للحال. فاندفع ما في "الحواشي الشّريفة ": من أنّه يرد عليه أنّه إذا حصل لك العلم بشيء وكان حالاً لم يصر بعد ملكة كنت أنت ساهياً عن ذلك الشّيء وهو باطل قطعاً، وظهر أيضاً أنّ القول بأنّ تعريف السّهو بعدم ملكة العلم سهو جهل، فتدبّر.

وقد يفرّق بينه; أي بين السّهو، وبين النّسيان بأنّ السّهو هو زوال الصّورة العلميّة عن النّفس مع بقائها في الحافظة، فلذلك لا يحتاج في استرجاعها إلى تجشّم إدراك جديد. والنّسيان هوزوالها عنهما معاً، فلذلك يحتاج إلى ذلك.

فالسّهو حالة متوسّطة بين الإدراك والنّسيان، وفيها زوال الصّورة من وجه وبقاؤها من وجه آخرَ.


1 . لاحظ : كشف المراد: المسألة الحادية والعشرون عن الكيف; ومناهج اليقين: 97 ; وارشاد الطالبين: 97 ـ 98 ; وفي شرح المواقف: 6 / 27 نقله عن الآمدي.

2 . يريد بهما أبو علي الجبّائي وابنه أبوهاشم الجُبّائي.


صفحه 223

فإن قيل: كيف يتصور زوال الصّورة عن خزانة المعقولات الّتي هي العقل الفعّال عندهم؟

قلنا: إذا زالت الهيئة الّتي بها يتمكّن من الاتصال بالمجرّد المسمّى بالفعل الفعّال لم يبق ذلك المجرّد خزانة للنّفس فقد زال الصّورة عنه من حيث هو خزانة لا من حيث نفسه فلااستحالة .

والشك تردّد الذّهن بين الطّرفين;(1) أي طرفي النّسبة الحكميّة، وهما الإيجاب والسّلب من غير رجحان لأحدهما.


1 . أي طرفي التقابل كالشكّ في الوجود والعدم ووجود اللّحية وعدمها، والأبوّة والبنوّة، والسّواد والبياض، ويشترط فيه أن لا يترجحّ أحد الطّرفين.


صفحه 224

 

الفرع السّابع عشر

في تعلّق العلم والاعتقاد

قال: وقد يصحّ تعلق كلّ من الاعتقاد والعلم بنفسه وبالآخر، فيتغاير الاعتبار لا الصّور .

أقول: اعلم: أنّ العلم والاعتقاد من قبيل النسب والاضافات يصحّ تعلّقهما بجميع الأشياء حتّى بأنفسها كما أشار إليه المصنّف بقوله: وقد يصحّ تعلّق كلّ من الاعتقاد والعلم بنفسه: أي يصحّ تعلّق الاعتقاد بالاعتقاد وتعلّق العلم بالعلم، إذ لا حجر فيهما فيتعلّقان بكلّ شيء.

وبالآخر; أي يصحّ تعلّق الاعتقاد بالعلم وتعلّق العلم بالاعتقاد لذلك أيضاً.

فيتغاير الاعتبار لا الصّور كما في العلم الحضوري، فإذا تعلّق العلم الحضوري بنفسه كأن يتصوّر الإنسان مثلاً ثمّ يتصوّر تصوّر الإنسان لم يكن تصوّر التّصور بحصول صورة أُخرى منتزعة من الصّورة الأُولى، بل بحصول الصّورة الأُولى بنفسها عند المدرك، والتّغاير بين العلم والمعلوم كما في علم النفس بساير صفاتها القائمة بها يكون بالاعتبار لا بالذّات .

وكذا الحال إذا تعلّق العلم التّصوري بالعلم التّصديقي، فإنّه لا يكون هناك صورة زائدة على الصّورة الّتي في التّصديق .


صفحه 225

وإذا تعلّق العلم التّصديقي بالعلم التّصوري كأن يحكم على تصوّر الإنسان بأنّه كذا كان العلم بالمحكوم عليه من قبيل تعلّق التّصور بالتصوّر.

وإذا تعلّق الاعتقاد بالاعتقاد كأن يحكم على اعتقاد خاصّ بأنّه كذا كان إدراك المحكوم عليه من قبيل تعلّق العلم التّصوري بالتّصديق. كذا في " الحواشي الشريفة ".


صفحه 226

 

الفرع الثّامن عشر

في الجهل

قال: والجهل بمعنىً يقابلهما، وبآخَرَ قسم لأحدهما.

أقول: اعلم: أنّ هذا الفرع في بيان النسبة الجهل بأقسامه بين العلم والاعتقاد. وأشار إليه بقوله:

والجهل بمعنى وهو كونه بمعنى عدم العلم أو الاعتقاد عمّا من شأنه ذلك، وهذا يسمّى جهلاً بسيطاً،(1) يقابلهما(2); أي العلم والاعتقاد تقابل العدم والملكة.

وبآخَرَ، وهو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه اعتقاداً جازماً، سواء كان مستنداً إلى شبهة أو تقليد(3)، ويسمّى جهلاً مركّباً، لتركّبه من الجهلين الجهل بالواقع والجهل بكونه جاهلاً به، قسم لأحدهما(4)، وهو الاعتقاد بالمعنى المتداول.


1 . لأنّه جهل واحد.

2 . أي بهذا المعنى يقابل العلمَ والاعتقاد مقابلةَ العدم والملكة.

3 . وبعبارة أُخرى: الجهل المركّبِ وهو جهل بالواقع مع الجهل بأنّه جاهل به كمن يعلم أنّ زيداً في الدّار والحال أنّه ليس فيها.

4 . أي وبهذا المعنى قسم من الاعتقاد بالمعنى الأعمّ.


صفحه 227

 

الفرع التّاسع عشر

في الظنّ

قال: والظنّ ترجيح أحد الطرفين، وهوغير اعتقاد الرّجحان.

ويقبل الشدّة والضّعفَ، وطرفاه علمٌ وجهلٌ.

أقول: والظنّ ترجيح أحد الطرفين;(1) أي اعتقاد رجحانه بحيث لا ينتهي إلى الجزم، وهو غير اعتقاد الرّجحان(2); أي اعتقاداً منتهياً إلى الجزم، فهما قسمان من الاعتقاد بالمعنى المتداول.

ويقبل الظنّ الشدّةَ والضّعفَ، فينتهي بالشدّة إلى أنّ يصير علماً، وبالضّعف إلى أن يعود جهلاً على ما قال: وطرفاه علم وجهل، هذا.


1 . أي طرفي المقابلين من التّضادّ والسّلب والإيجاب والعدم والملكة والمتضائف.

2 . اعلم أنّ رجحان الاعتقاد مغاير لاعتقاد الرّجحان، لأنّ الأوّل ظنّ لا غير والثّاني قد يكون علماً.


صفحه 228

 

الفرع العشرون

في النّظر (1)

قال: وكسبيّ العلم يحصل بالنّظر .

أقول: قد سبق أنّ العلم ضربان: ضروريّ لا يفتقر إلى طلب وكسب، ونظريّ يفتقر إليه، فالثّاني هو المكتسب بالنظر. وأشار المصنّف إليه فقال: وكسبيّ العلم يحصل بالنّظر وهو ترتيب أُمور حاصلة للتأدّي إلى غير حاصل واعتبار الأُمور مع تجويز التّعريف بالفصل وحده والخاصّة وحدها، لأنّهم قصدوا تعريف النّظر الّذي لصناعة والاختيار فيه مزيد دخل ويكون أقرب إلى الانضباط، وهو ما يكون بالمعاني المركّبة. وهذا معنى ما قاله الشيخ: من أنّ التّعريف بالمفرد ترد خداج ; أي قليل ناقص.

ومن أراد إدخال التعريف بالمفرد أيضاً في التعريف قال: هو تحصيل أمر أو ترتيب أُمور، أو قال: هو ملاحظة العقل لما هو حاصل عنده لتحصيل غيره، أو قال: هو ملاحظة المعقول لتحصيل المجهول.


1 . لاحظ لمزيد الإطلاع في النظر وأحكامه الكتب التالية: نقد المحصل: 48 ـ 71 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 102 ـ 117 ; وگوهر مراد: 57 ـ 58; والشامل في أُصول الدّين: 13 ـ 33 ; والمغني في أبواب التوحيد والعدل: 12 / كلّه; وقواعد المرام في علم الكلام: 24 ـ 30 ; والذخيرة في علم الكلام: 158 ـ 179 ; وارشاد الطالبين: 104 ـ 115; واشراق اللاّهوت في نقد شرح الياقوت: 3 ـ 44 ; وشرح المواقف: 1 / 194 ـ 291 ; وشرح المقاصد: 1 / 227 ـ 285 .


صفحه 229

هذا عند من يرى أنّ النظر اكتساب المجهول بالمعلومات وهو الّذي اختاره المصنّف .

وأمّا من يرى أنّه مجرّد التّوجه إلى المطلوب ليفيض علينا من المبدأ الفيّاض من غير استعانة لنا في ذلك بالمعلومات السّابقة.

فمنهم من جعله عدميّاً فقال: هو تجريد الذّهن عن الغفلات.

ومنهم من جعله وجوديّاً فقال: هو تحديق العقل نحو المعقولات.

واعلم: أنّه على مذهب من يرى الأوّل وهوالظاهر لا شبهة في أنّ كلّ مجهول لا يمكن اكتسابه من أيّ معلوم اتّفق، بل لا بدّ له من معلومات مناسبة إيّاه .

ولاشك أيضاً في أنّه لا يمكن تحصيله من تلك المعلومات على أيّ وجه كانت، بل لابدّ هناك من ترتيب معيّن في ما بينها ومن هيئة مخصوصة عارضة لها بسبب ذلك التّرتيب.

فإذا حصل لنا شعور ما بأمر تصوريّ أو تصديقيّ وحاولنا تحصيله على وجه أكمل، فلابدّ أن يتحرّك الذّهن في المعلومات المخزونة عنده منتقلاً من معلوم إلى آخر حتّى يجد المعلومات المناسبة لذلك المطلوب وهي المسمّاة بمبادئ المطلوب .

ثم لابدّ أيضاً أن يتحرّك في المبادئ ليرتبها ترتيباً خاصّاً يؤدي إلى ذلك المطلوب، فهناك حركتان:


صفحه 230

مبدأ الأُولى منهما: هو المطلوب المشعور به بذلك الوجه النّاقص ومنتهاها آخر ما يحصل من تلك المبادئ.

ومبدأ الثّانية: أوّل ما يوضع منها للتّرتيب ومنتهاها هو المطلوب المشعور به على الوجه الاكمل.

فحقيقة النّظر المتوسّط بين المعلوم والمجهول هي مجموع هاتين الحركتين اللّتين هما من باب الحركة في الكيفيّات النّفسانيّة.

وأمّا التّرتيب الّذي ذكروه في تعريفه، فهو لازم للحركة الثّانية، وقلّما توجد هذه الحركة بدون الأُولى، بل الأكثر أن ينتقل أوّلاً من المطالب إلى المبادئ، ثمّ منها إلى المطالب.

ولاخفاء أنّ هذا التّرتيب يستلزم التّوجه إلى المطلوب، وتجريد الذّهن عن الغفلات، وتحديق العقل نحو المعقولات كذا في " شرح المواقف "(1).


1 . لاحظ : شرح المواقف: 1 / 200 .


صفحه 231

 

الفرع الواحد والعشرون

في النّظر الصحيح

قال: مع سلامة جزءيه ضرورة.

أقول: واعلم: أنّ ما اختاره المصنّف ـ أعني: إفادة النّظر العلم، هو مختار الحكماء والمحقّقين من المتكلّمين .(1)

ومن ذهب إلى أنّ النّظر لا يفيد العلم (2) استدلّ بوجهين(3):

الأوّل: أنّ النّظر لو استلزم العلم لم يختلف النّاس في آرائهم لاشتراكهم في العلوم الضروريّة الّتي هي مبادئ النظريّة .

فأشار المصنّف إلى الجواب عنه بقوله: مع سلامة جزءيه; أي جزئيّ


1 . انظر: محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين: 38 وما بعدها; ونقد المحصّل: 49 ـ 51; مناهج اليقين في أُصول الدّين: 103 ـ 105 ; وقواعد المرام في علم الكلام: 24 ـ 25 ; وشرح المواقف: 1 / 207 ـ 211 ; وشرح المقاصد: 1 / 235 ـ 240 ; واشراق اللاّهوت في نقد شرح الياقوت: 15 ـ 16 ; وارشاد الطالبين: 107 .

2 . ومنهم السُّمنيّة من حكماء الهند، وجمع من الفلاسفة في الإلهيّات والطبيعيّات ومنهم أرسطو. لاحظ : نقد المحصّل: 50 ـ 51 ; وشرح المقاصد: 1 / 235 ـ 236 ; وارشاد الطالبين: 108 ; وشرح المواقف: 1 / 219 .

3 . لاحظ : محصّل أفكار المتقدمين والمتأخرين: 38 ـ 39; وقواعد المرام في علم الكلام: 25 ـ 26; وارشاد الطالبين: 108 ـ 109 ; واشراق اللاّهوت: 16 ـ 20 ; ومناهج اليقين: 104 ـ 105 ; وشرح المقاصد: 1 / 240 وما بعدها. ذكر عبدالجبّار شبهاً كثيرة في نفي صحة النظر. لاحظ : المغني: 12 / 127 ـ 165 .


صفحه 232

النّظر اللّذين أحدهما: بمنزلة المادّة، وهو تلك المعلومات الحاصلة. وثانيهما: بمنزلة الصّورة، وهو التّرتيب الواقع فيهما. وسلامتهما عبارة عن كون تلك المعلومات مناسبة للمعلوم، وكون التّرتيب بحيث يكون كلّ معلوم منها واقعاً موقعه. وبيان صحّة جزئيّ النّظر إنّما هو في ذمّة علم المنطق.

إذا عرفت ذلك فتقرير الجواب: أنّ اختلاف النّاس في آرائهم إنّما هو بسبب تركهم رعاية سلامة الجزأين، أو غفلتهم عن شرائطهما، فلا يدلّ على كون النّظر غير مفيد للعلم مع شرائط الرّعاية أيضاً .

الثّاني: أنّ النّظر لو أفاد العلم لكان العلم بإفادته العلم: إمّا ضروريّاً فيلزم اشتراك العقلاء فيه، وإمّا نظريّاً فيلزم التّسلسل.

فأشار إلى الجواب عنه بقوله: ضرورةً. يعني نختار الشقّ الأوّل، فإنّا متى اعتقدنا أنّ العالم ممكن، وأنّ كلّ ممكن محدث، حصل لنا العلم بأنّ العالم محدث.

وكذا متى علمنا لزوم شيء لشيء، ثمّ علمنا وجود الملزوم، حصل لنا العلم بوجود اللاّزم بالضّرورة، أو ثمّ علمنا انتفاء اللاّزم حصل لنا العلم بانتفاء الملزوم بالضّرورة.

ولا يجب اشتراك العقلاء في الضروريّات، لأنّ كثيراً من الضروريّات يتشكّك فيه العقلاء: إمّا لخفاء في تصوّرات الأطراف، أو غير ذلك.


صفحه 233

 

الفرع الثّاني والعشرون

في النّظر الفاسد (1)

قال: ومع فساد أحدهما قد يحصل ضدّه .

أقول: النّظر إذا فسد ـ إمّا من جهة المادّة، أو من جهة الصّورة ـ لم يحصل العلم، بل ضدّه، أعني: الجهل .

أشار إليه المصنّف بقوله: ومع فساد أحدهما; أي مادّة النّظر أو صورته، قد يحصل ضدّه; أي ضد العلم وهو الجهل المركّب، كماأنّه قد يحصل العلم .

القائلون بأنّ النّظر الصحيح المقرون بشرائطه يستلزم العلم، اختلفوا في أنّ النّظر الفاسد هل يستلزم الجهل .(2)

فقال الإمام(3): يستلزمه، لأنّ من يعتقد أنّ العالم قديمٌ، وكلُّ قديم مستغن عن المؤثّرِ، استحال أن لايعتقد أنّ العالم غنيّ عن المؤثّر .

وقيل: إن كان الفساد مقصوراً على المادّة يستلزمه، وإلاّ فلا.


1 . لاحظ لمزيد التحقيق: الشامل في أُصول الدّين: 15 ـ 16 ; وقواعد المرام في علم الكلام: 26 ; وشرح المقاصد: 1 / 251 ـ 254 ; وشرح تجريد العقائد: 260 ـ 261 .

2 . قيل: لا يستلزمه مطلقاً. وقيل: يستلزمه مطلقا. وقال المصنّف: مع فساد أحدهما يستلزمه. لاحظ : ارشاد الطالبين: 107 .

3 . مطابقاً لما نقله في شرح المقاصد: 1 / 252 .


صفحه 234

أمّا الأوّل: فلأن لزوم النتيجة للقياس المشتمل على الشرائط ضروريّ، سواء كانت المقدّمات صادقة أو كاذبة، كما في المثال المذكور.

وأمّا الثّاني: فلأنّ معنى فساد الصّورة أنّه ليس من الضروب الّتي يلزمها النتيجة .

والصّحيح أنّه لا يستلزم الجهل على التّقديرين :

أمّا عند فساد الصّورة، فظاهر كما مرّ .

وأمّا عند فساد المادّة فقط بأن تكون الصّورة من الضّروب المنتجة، فلأنّ اللاّزم من الكاذب قد لا يكون كاذباً، كما إذا اعتقد أنّ العالم أثر الموجب بالذّات، وكلّ ما هو أثر الموجب بالذّات فهو حادث، فإنّه يستلزم أنّ العالم حادثٌ. وهو حقّ مع كذب القياس بمقدمتيه.

نعم، قد يفيد الجهل كما إذا اعتقد أنّ العالم قديمٌ، وكلّ قديم مستغن عن المؤثّر.

قال شارح المقاصد: «والتّحقيق: أنّه لا نزاع في أنّ الفاسد صورة لا يستلزم بالاتّفاق، والفاسد مادّة قد يستلزم وقد لا يستلزم.

فمراد الإمام الإيجاب الجزئيّ كما في المثال المذكور.

ومرادنا نفي الإيجاب الكلّي، لعدم اللّزوم في بعض الموادّ.

والقائلون بأنّه لا لزوم أصلاً يريدون اللّزوم الّذي مناطه صفة في الشبهة، بمعنى أنّ الشبهة المنظور فيها ليس لها لذاتها صفة ولا وجه يكون


صفحه 235

مناطاً للملازمة بينها وبين المطلوب، وإلاّ لما انتفت الدّلالة بظهور الغلط»(1). ولكان المحقّقون بل المعصومون عن الخطأ أولى بأن يستلزم نظرهم في الشّبهة الجهل، بناء على أنّهم أحقّ بالاطّلاع على وجه الدّلالة فيها.

وهذا بخلاف الدّليل، فإنّ له صفة ووجه في ذاته هومناط استلزامه المطلوب عند حصول الشرائط .

وأمّا اللّزوم العائد إلى اعتقاد النّاظر في بعض الصّور، كما إذا اعتقد حقية المقدّمات في المثال المذكور فلا نزاع فيه .


1 . شرح المقاصد: 1 / 252 ـ 253 .


صفحه 236

 

الفرع الثّالث والعشرون

في كيفيّة حصول العلم عقيب النّظر

قال: وحصول العلم عن الصّحيح واجب.

أقول: المتّفقون على أنّ النّظر الصّحيح مفيد للعلم، اختلفوا في أنّ حصول العلم عقيبه هل هو على سبيل الوجوب عقلاً أو عادة؟

وعلى الأوّل: هل بإعداد (1) النّظر، أو بسببيّته .

الأوّل: مذهب الحكماء.(2)

الثاني: مذهب المعتزلة (3) القائلين بالتّوليد.(4)

الثّالث:(5) مذهب الأشاعرة .


1 . أي أنّ النّظر يعدّ الذّهن لفيضان العلم عليه من عند واهب الصّور، الّذي هو عندهم العقل الفعّال المفيض على أنفسنا بقدر الاستعداد عند اتصالها به. لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 238 ـ 239 .

2 . أنظر : ارشاد الطالبين: 115 ; وشرح المواقف: 1 / 246 ; وشرح تجريد العقائد: 261 .

3 . لاحظ : المغني: 12 / 77 ـ 100 .

4 . أي أن يوجب فعل لفاعله فعلاً آخر، كحركة اليد والمفتاح، فإنّ حركة اليد أوجبت لفاعلها حركة المفتاح، فكلتاهما صادرتان عنه، الأُولى بالمباشرة، والثّانية بالتّوليد، والنظر فعل للعبد مباشرة، يتولّد منه فعل آخر، هو العلم بالمنظور فيه. وهو مذهب بعض الإماميّة كالسيّد المرتضى والشيخ أبي جعفر. لاحظ : الذخيرة في علم الكلام: 160 ـ 164 ; ومناهج اليقين في أُصول الدّين: 105 .

5 . أي أنّ حصول العلم عقيب النّظر بطريق العادة من غير وجوب.


صفحه 237

والظاهر; أنّ مختار المصنّف إنّما هو مذهب الحكماء .

وفي " الحواشي الشّريفة" : أنّ المصنّف اختار أنّ حصول العلم عقيب النّظر واجبٌ ولم يتعرّض أنّ ذلك الوجوب بطريق الإفاضة كما هو مذهب الحكماء، أو بطريق التّوليد كما هو مذهب المعتزلة، هذا.

واعلم: أنّ هاهنا مذهباً رابعاً اختاره الإمام الرّازي.(1) وذكر الغزّالي: أنّه المذهب عند أكثر أصحابهم (2)، وهو أنّ النظر يستلزم العلم بالنتيجة بطريق الوجوب لا بطريق التوليد على ما هو رأي المعتزلة.

وهذا ما نقل من القاضي(3) وإمام الحرمين(4) أنّ النظر يستلزم العلم بطريق الوجوب من غير أن يكون علّة أو مولّداً .

وصرّح بذكر الوجوب لئلاًّ يحمل الاستلزام على الاستعقاب العادي، فيصير هذا هو المذهب الثّالث. كذا في " شرح المقاصد "(5).

ثمّ قال: واستدلّ الإمام على الوجوب، بأنّ من علم أنّ العالم متغيّر، وكلّ متغيّر حادث، فمع حضور هذين العلمين يمتنع أن لا يعلم أنّ العالم


1 . لاحظ: محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخرين: 43.

2 . لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 239 .

3 . أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني القاضي المتوفّى (403 هـ) من متكلمي الأشاعرة. لاحظ تفصيل مذهبه في كتاب الباقلاني وآراؤُه الكلاميّة: 261 .

4 . عبدالملك بن أبي محمد عبدالله بن يوسف الجويني النيسابوري الشّافعي المتوفّى (478 هـ) أحد أئمة الأشاعرة. لاحظ تفصيل مذهبه في كتابه الشّامل في أُصول الدّين: 26 ـ 27 ; والإرشاد إلى قواطع الأدّلة في أُصول الاعتقاد: 27 ـ 28 .

5 . شرح المقاصد: 1 / 239 .


صفحه 238

حادثٌ، والعلم بهذا الامتناع ضروريّ، وعلى بطلان التّوليد بأنّ العلم في نفسه ممكن فيكون مقدوراً لله تعالى، فيمتنع وقوعه بغير قدرته. انتهى.(1)

ثمّ إنّ صاحب المواقف نقل أيضاً هذا المذهب، ثمّ قال: «وهذا لا يصح مع القول باستناد الجميع إلى الله تعالى ابتداء، وكونه قادراً مختاراً لا موجباً. انتهى»(2).

وأنت خبير: بأنّه يمكن أن يقال: لعله يقول بإعداد النظر كالحكماء. فإنّ القول بالإعداد لا ينافي نفي التّوليد وهو ظاهر، ولا القول باستناد الكلّ إليه تعالى، فإنّ كون الصّدور بإعداد شيء آخر لا ينافي كونه ابتداء، وإنّما المنافي هو الصّدور بتوسّط شيء آخر.

فالفرق بين هذا المذهب ومذهب الحكماء، هو أنّ فياض العلوم علينا عندهم مبدأ عقليّ مستند إليه تعالى، وهو الواسطة في إفاضة العلوم والكمالات من الله تعالى. وعلى هذا المذهب، لو التزم متابعة الأشعري في استناد الجميع إليه تعالى ابتداء لا يلزم القول بهذه الواسطة.

وأمّا منافاة هذاالمذهب للقول بالفاعل المختار، فالجواب عنه على ما في " شرح المقاصد ": «أنّ وجوب الأثر كالعلم مثلاً بمعنى امتناع انفكاكه عن أثر آخر كالنّظر لا ينافي كونه أثراً لمختار جائز الفعل والتّرك، بأن لا يخلقه ولا ملزومه، لا بأن يخلق الملزوم ولا يخلقه كسائر اللّوازم الممكنة،


1 . شرح المقاصد: 1 / 239 .

2 . المواقف في علم الكلام: 28 .


صفحه 239

كوجود الجوهر لوجود العرض. وبالجملة: جواز التّرك أعمّ من أن يكون بواسطة أو بلا واسطة. وإنّما المنافي له امتناع انفكاكه عن المؤثّر بأن لا يتمكّن من تركه أصلاً.

ولو صحّ هذا الاعتراض لارتفع علاقة اللّزوم بين الممكنات، فلم يكن تصوّر الابن مستلزماً لتصوّر الأب، ووجود العرض مستلزماً لوجود الجوهر، إلى غير ذلك. هذا»(1).

وأمّا استدلال الإمام على بطلان التّوليد بما مرّ .

فالتحقيق فيه: أنّه على القول باستقلال العبد في أفعاله تمام على المعتزلة.

وأمّا على القول بمدخليّة العبد لا باستقلاله، وهو الحقّ على ما سيأتي. فالجواب عنه: أنّ كون الشّيء مقدوراً لله تعالى أعمّ من أن يكون بواسطة أو بغير واسطة، فلا ينافيه وقوعه من غيره، بأن يكون ذلك الغير واسطة، وإنّما ينافيه لو كان الوقوع على استقلال من الغير، وليس فليس.

ثمّ إنّه قد احتجت الأشاعرة على المعتزلة(2): بأنّ النّظر لو كان مولّداً للعلم لكان تذكّر النّظر أيضاً مولّداً له، وهو باطلٌ اتّفاقاً.

وأجابت المعتزلة عنه(3): بأنّه مع كونه قياساً فقهياً فالفرق ظاهر وهو


1 . شرح المقاصد: 1 / 239 ـ 240 .

2 . لاحظ : نقد المحصّل: 60 ـ 62.

3 . المصدر السابق .


صفحه 240

أن النظر ابتداءً مقدور لنا، ولذا تولّد العلم وتذكّره غير مقدور لنا فلا يولّده، ولو كان أحياناً مقدوراً، فهو أيضاً يولّده .

فإنّ أبا هاشم صرّح بأنّ التذكر السانح للذّهن بلا قصد لا يولّد العلم، لكونه من فعل الله، ومع قصد واختيار يولّده، لكونه من فعلنا .

وأيضاً هناك; أي عند تذكر النّظر مانعٌ عن توليد العلم، وهو لزوم تحصيل الحاصل، بخلاف ابتداء النّظر، لكونه سابقاًعلى العلم، فلا يلزم ذلك. هذا.


صفحه 241

 

الفرع الرّابع والعشرون

في نفي الحاجة إلى المعلّم في المعارف الإلهيّة

قال: وَلا حاجة إلى المعلّم .

نعم، لابدّ من الجزء الصّوري.

أقول: ولمّا وجب حصول العلم من النّظر الصّحيح المقرون بالشرائط الممكن رعايتها وتحصيل مقدماته الضروريّة، وترتّيبها على الوجه المنتج بالضّرورة سيّما بمعونة المنطق، فهو كاف في إفادة العلم على الإطلاق، سواء كان في المعارف الإلهية أو غيرها. ولا حاجة إلى المعلّم على ما يقوله الملاحدة.(1)

ولا يخفى ضعف قولهم بعدما ذكرنا، فلا حاجة إلى مؤنة الاستدلال على بطلانه إلاّ أن يريدوا به خلاف ما يتبادر منه.

وفي الشّرح القديم: أنّهم يعترفون باستلزام مقدّمات إثبات الصّانع لنتايجها، لكن يقولون: هذا وحده لا يجزي ولايحصل به النّجاة إلاّ إذا اتّصل به تعليم، كقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «أُمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا: لا إله إلاّ الله».(2)


1 . لاحظ : محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخرين: 39 ـ 40 ; المواقف في علم الكلام: 26 ; والبراهين القاطعة: 1 / 437 .

2 . صحيح البخاري: 1 / 102، باب فضل استقبال القبلة ، و ج 2 / 110، باب وجوب الزكاة; وصحيح مسلم: 1 / 38 ـ 39، باب الأمر بقتال الناس; وعيون أخبار الرضا: 1 / 70 برقم 280 ; وبحار الأنوار: 37 / 113 .


صفحه 242

وكثير من النّاس قائلين بالتّوحيد، لكنّهم لمّا لم يأخذوا ذلك منه ما كان يقبل قولهم .

وإن كانت العقول كافية لقالت العرب: نحن نثبت الصّانع بعقولنا، ونعرف توحيده، فلا نحتاج في ذلك إليك. انتهى.(1)

وقال المحقّق الشريف: إنّ هذا إشارة إلى ما ذكره المصنّف في " نقد المحصّل"(2) تأويلاً لكلامهم. انتهى.

وأنت خبير: بأنّه على هذاالتأويل لا يتم دعواهم ان في كل عصر لابد من معلم، بل يكفي في ذلك التعليم وجود معلم في زمان من الأزمنة، وهو النّبي فلا يثبت لهم بذلك وجود الإمام مطلقاً فضلاً عن إمام في كلّ زمان.

ثم قال الشّارح: والحقّ أنّ التّعليم في العقليّات ليس بضروريّ.

وقال المحشي: ذلك لإجماع السّلف قبل ظهور الملاحدة على أنّ معرفة الله تعالى بلا معلّم ينجي.

وأيضاً الآيات الآمرة بالنّظر في معرض الهداية إلى طريق النّجاة متكثّر بلا إيجاب تعليم.

وأمّا عدم قبول كلمة التّوحيد من كثير من النّاس، فلأنّهم كانوا يقولون:


1 . انتهى كلام الشّارح القديم. وقريب منه في شرح المواقف: 1 / 240 ـ 241 ; وفي شرح المقاصد: 1 / 260 ـ 261 ; وفي شرح تجريد العقائد: 262 ـ 263 .

2 . لاحظ : نقد المحصّل: 52 ـ 53 .


صفحه 243

عُزير ابن الله والمسيح ابن الله،(1) أو لأنّهم كانوا يمتنعون عن الإقرار بالرّسالة، وسائر حقوق الكلمة. انتهى.(2)

والقوم الزموهم التّسلسل تارة، والدّور أو التّسلسل أُخرى .

أمّا الأوّل: فلأنّ نظر المعلّم أيضاً يحتاج إلى معلّم آخر، إذ المفروض أنّ النظر مطلقاً غيرُ كاف.

وهذا غير وارد عليهم لجواز أن يكون نظر المعلّم كافياً دون غيره، لكونه مؤيّداً بخاصّية تقتضي كمال عقله، أو ينتهي سلسلة التّعليم إلى معلّم لا يكون علمه بالنّظر، بل بالوحي.

وأمّا الثاني: فلأن العلم بصدق المعلّم الّذي لابدّ منه: إمّا أن يحصل بالنّظر، أو بإخباره، وكلاهما دور .

أمّا الأوّل: فلأنّ إفادة النّظر يتوقّف على تعليم المعلّم، وإفادة تعليمه يتوقّف على صدقه الّذي لا يحصل إلاّ بالنّظر.

وأمّا الثاني: فلأن إخباره لا يفيد إلاّ بعد العلم بصدقه.

وأمّا أن يحصل بإخبار معلّم آخر فيتسلسل، ولا يكفي الانتهاء إلى معلّم مؤيّد بالمعجزة، لأنّه لابدّ من النّظر في معجزته الّذي لا يتمّ إلاّ بتعليمه المتوقّف على إخباره، فيعود إلى القسم الأوّل ويدور.

فإن قلت: قد يشارك العقل قوله: «في إفادة العلم بصدقه» بأن يضع


1 . لاحظ التوبة: 30 ; والكافي: 2 / 31 ; وبحار الأنوار: 27 / 206 برقم 14 ; وكنز العمال: 1 / 267 برقم 1343 و ج 10 / 435 برقم 30050 .

2 . أي انتهى كلام المحشي.


صفحه 244

المعلّم مقدّمات يعلم العقل بالنّظر فيها صدقه.

قلت: المقدّمات الموضوعة مالم يعلم صدق واضعها لا يفيد علماً ألبتة، فكيف يمكن أن يعلم منها صدق واضعها ؟

وأمّا ما قيل : من أنّ كلامهم في المعارف الإلهية الغائبة عن الحواسّ، وصدق المعلّم ليس منها، بل هو ممّا يهتدي إليه بمشاهدة قرائن الأحوال.

فالجواب عنه: أنّ صدق المعلّم لا يحصل من مجرّد مشاهدة الأحوال، بل لابدّ من النّظر فيها، ومقدّمات النّظر مطلقاً غائبة عن الحواسّ، لكونها معقولات كلّية لا محالة. نعم، قد يكون مقدّمات بعض الأنظار قريبة المأخذ غير صعبة التّحصيل، وبعضها بخلاف ذلك ولابدّ في الجميع من الانتهاء إلى العلوم الضروريّة، والتّفاوت بكثرة الوسائط، وقلّتها، والصّعوبة وعدمها راجعة إلى ذلك.

ومع ذلك، فالكلام ليس في إعانة التّعليم على النّظر، بل في توقّف النّظر على التّعليم .

وأيضاً الكلام في صدق المعلّم عن الله، والعلم بهذا المجموع من المعارف الإلهيّة لا محالة، بل من أصعبها، فإنّ العلم بصحّة الرّسالة عن الله ينطوي على جلّ المعارف الإلهيّة، بل على كلّها.

نعم، وإن لم يكن للنظر حاجة إلى المعلم لكن لابدّ فيه من ترتيب


صفحه 245

المقدّمات الّذي هو الجزء الصّوري(1)، ولا يكفي مجرّد حضور المقدّمات الّتي هي الجزء المادّي، وإلاّ لحصلت العلوم الكسبيّة لجميع العقلاء، لحصول الضروريّات الّتي هي مبادئ الكسب لكلّ أحد على السّواء، ولتساوت الأشكال في الجلاء والخفاء.

وإنّما قال ذلك ; دفعاً لما قيل: من أنّه لا حاجة إلى الجزء الصوري وإلاّ لزم التّسلسل أو اشتراط الشيء بنفسه وهو سهو، فإنّ التّسلسل إنّما يلزم لو قلنا بافتقار كلّ زائد إلى تّرتيب وليس كذلك، بل المفتقر إلى الترتيب إنّما هو الأجزاء الماديّة خاصّة . كذا في شرح العلاّمة .(2)


1 . أي لابدّ أن يرتّب العلوم الحاصلة على هيئة مخصوصة حتّى يستنتج منها علوم أُخر، إذ لولا الترتيب لحصل العلوم الكسبيّة لجميع العقلاء ولم يقع خلل لأحد في الاعتقاد .

2 . لاحظ : كشف المراد: المسألة الثانية والعشرون من مبحث الكيف .


صفحه 246

 

الفرع الخامس والعشرون

في شروط النّظر

قال: وشرطه عدم الغاية وضدّها، وحضورها.

أقول: وشرطه: أي شرط النّظر مطلقاً، سواء كان صحيحاً أو فاسداً زائداً على شرائط العلم، من الحياة، والعقل، وعدم الغفلة، إلى غير ذلك أُمور:

الأوّل: عدم الغاية، وهي العلم بالمطلوب بالنّظر من حيث هو مطلوب به، وإلاّ لزم تحصيل الحاصل.

فإن قلت: فما تقول في من ينظر في الأدلّة المتعدّدة على مطلوب واحد.

قلت: ذلك: إمّا بقصد الاطمينان وحصول تعاضد الأدلّة، أو حصول العلم بها شيئاً فشيئاً، أو النّظر في وجه دلالة الدلّيل الثّاني على ما قاله الإمام(1)، إلى غير ذلك.

والثّاني: عدم ضدّها; أي الجهل المركّب بالمطلوب، لأنّ صاحبه جازم بكونه عالماً. وذلك يمنعه من الإقدام على النّظر، لأنّه كالأكل على الامتلاء.


1 . لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 257 .


صفحه 247

وعند أبي هاشم، لكونه منافياً للشكّ الّذي هو شرط للنظر عنده.

فإن قلت: الجاهل ربّما يتصرّف في مقدّمات حاصلة عنده أو ملقاة إليه ويرتّبها غافلاً عن خصوصية ما يؤدي إليه فأدّته إلى اليقين بخلاف اعتقاده فيزول عنه جهله المركب وقد يفيض المبادي عليه مترتبة فيتنقل منها إلى المطلوب.

قلت: أمّا الأوّل فهو من دعابة المتخيّلة.

وأمّا الثاني فهو الحدس وليس شيء من ذلك بنظر.

والثالث: حضورها; أي بوجه ما لا من حيث هو مطلوب بالنّظر، وذلك لامتناع طلب المجهول مطلقاً .

ولم يعد غير المصنّف هذا الثّالث من شرائط النّظر لزعمهم أنّه داخل في عدم الغفلة الّذي هو من شرائط العلم فتأمّل .

هذه هي شرائط النظر على الإطلاق .

وأمّا النظر الصّحيح، فشرطه أن يكون نظراً في الدّليل دون الشّبهة، وأن يكون النّظر فيه من جهة دلالته، وهي الأمر الّذي بواسطته ينتقل الذّهن من الدّليل إلى المدلول.

فإذا استدللنا بالعالم على الصّانع، بأن نظرنا فيه وحصلنا قضيتين إحداهما أنّ العالم حادث، والأُخرى أنّ كلّ حادث له صانع، فالعالم هو الدليل عند المتكلمين لا نفس المقدّمتين المترتّبتين على ما هو اصطلاح


صفحه 248

المنطق. وثبوت الصّانع هو المدلول، وكون العالم بحيث يفيد النّظر فيه العلم بثبوت الصّانع هو الدّلالة، وإمكان العالم أو حدوثه الّذي هو سبب الحاجة إلى المؤثّر هو جهة الدلالة.

وهذه الأربعة أُمور متغايرة بحسب المفهوم، والعلوم المتعلّقة بها متغايرة بحسب الإضافة.


صفحه 249

 

الفرع السّادس والعشرون

في أنّ وجوب النّظر في معرفة الله تعالى عقليّ

قال: ولوجوب ما يتوقّف عليه العقليّان، وانتفاءِ ضدّ المطلوب على تقدير ثبوته كان التّكليف به عقليّاً .

أقول: أجمع المتكلّمون على وجوب النظر في معرفة الله تعالى، واختلفوا في أنّه هل هو واجبٌ عقلاً أو شرعاً؟

فذهبت المعتزلة(1) على الأوّل (2)، واختاره المصنّف.(3)

والأشاعرة إلى الثّاني.(4)

وأمّا وجوب المعرفة فإجماعيّ من الأُمّة .

واستدلت المعتزلة على الوجوب العقليّ بوجهين:

الأوّل: تقريره: أن معرفة الله تعالى واجبة عقلاً لكونها ممّا يتوقّف عليه الواجبان عقلاً:


1 . وبعض الفقهاء من الشّافعيّة والحنفيّة. لاحظ : المحصّل: 42 .

2 . لاحظ : المغني: 12 / 230 وما بعدها; وشرح الأُصول الخمسة: 66 ـ 69 .

3 . والإماميّة: لاحظ : نقد المحصل: 58 ـ 59 ; ومناهج اليقين في أُصول الدّين: 111 ـ 112 ; وقواعد المرام في علم الكلام: 28 ـ 29; وارشاد الطالبين: 109 ـ 111 ; والبراهين القاطعة: 1 / 439 ـ 443.

4 . محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخرين: 42 ; والإرشاد: 29 ـ 31 ; والباقلاني وآراؤه الكلاميّة: 273 ـ 278 ; وشرح المواقف: 1 / 251 ـ 275 ; وشرح المقاصد: 262 ـ 270 .


صفحه 250

أحدهما: دفع الضّرر المظنون، وهوخوف العقاب في الآخرة حيث أخبر بذلك جماعة كثيرون; وخوف ما يترتّب في الدّنيا على اختلاف الأُمم في معرفة الصّانع من المحاربات وهلاك النّفوس وتلف الأموال، فإنّ هذا الخوف ضرر ناجزٌ يقدر العبد على دفعه عن نفسه، فلو لم يدفعه كان مستحقّاً لأن يذمّه العقلاء.

وثانيهما: شكر المُنعم، فإنّ كلّ عاقلِ يرى عليه نعماً جليلة من الوجود من القوى الرّوحانيّة والجسمانيّة والمشاعر الحسّية والعقليّة، وما يتمّ به أمر معاشه من المأكّل، والمشارب، والملابس، والمراكب، وما يتمتّع به من اللّذات الجسمانيّة والعقلانيّة والتّفوقات الماليّة والكماليّة كلّ ذلك ممّا يعلم يقيناً أنّه ليس منه، بل من غيره. فلو لم يعرف ذلك الغير المنعم عليه تلك النّعم، ولم يذعن بإنعامه عليه، ولم يتقرّب إلى مرضاته لذمّه العقلاء قاطبة، واستحسنوا سلب تلك النّعم جميعاً عنه.

وقد يفسّر الضّرر المظنون بخوفِ زوال تلك النّعم عنه أيضاً .

فإن قيل(1) على الأوّل: لا نسلّم ظنّ الخوف في الأعمّ الأغلب، إذ لا يلزم الشعور بالاختلاف، وبما يترتّب عليه من الضّرر وبالصّانع وبما رتّب في الآخرة من الثّواب والعقاب والإخبار بذلك إنّما يصل إلى البعض، وعلى تقدير الوصول لا رجحان لجانب الصّدق.

ولو سلّم الخوف، فلا نسلّم أن تحصيل المعرفة يدفعه، لأنّ احتمال


1 . لاحظ : شرح المواقف: 270 ـ 272 ; وشرح تجريد العقائد: 265 ; وشرح المقاصد: 1 / 264.


صفحه 251

الخطأ قائم، فخوف العقاب والاختلاف بحاله والعناء زيادة.

وعلى الثّاني: أنّ العقل والنّقل كلاهما دالاّن على أنّ شكر المنعم ليس بواجب .

أمّا العقل: فلأنّ الشكر قد يتضمّن خوف ضرر العقاب لاحتمال أن لا يقع لايقاً، وأنّه كالاستهزاء لحقارة الدّنيا بالنّسبة إلى خزائن رحمة الله تعالى ونعمه، وما مثل الشاكر إلاّ كمثل فقير حضر على مائدة سلطان يملك المشارق والمغارب ويحوي ما فيهما من الكنوز والذخائر، فيتناول منها لقمة ثمّ طفق يذكرها على رؤوس الأشهاد، ويداوم على تحريك أنملته شكراً عليها. ولا شك أنّ ذلك يعدّ منه استهزاء، فشكر العبد أولى بكونه استهزاء، لأنّ الدّنيا وما فيها أقلّ من تلك اللّقمة عند الملك، وما يأتي به العبد ممّا يعدّ شكراً أحقر عنده من تحريك الأنملة بالقياس إلى الملك.

وأيضاً الشّكر باستعمال الجوارح وسائر ما يتوقّف عليه تصرّف في ملك الغير.

وأمّا النّقل: فقوله تعالى: (وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(1)، فإنّ نفي التّعذيب مطلق قبل بعثة الرّسل صريح في أن لا وجوب عقلاً، وإلاّ لثبت قبل البعثة ولزم التّعذيب بإخلال الواجبات العقليّة مع امتناع العفو عندكم .

أقول: الجواب عن الأوّل: هو أنّ منع ظنّ الخوف مكابرة، إذ الشاعر بالاختلاف وبالصّانع وبما يتبع الشعور بهما غالب لا محالة، وذلك معلوم


1 . الإسراء: 15 .


صفحه 252

عادة وإن لم يلزم عقلاً، والعبرة بالوقوع لا باللّزوم.

وكذا من لم يصل إليه الإخبار بذلك أقلّ قليل، بل نادر جدّاً. وإذا وصل فاحتمال الصّدق كاف في ظنّ ضرر الخوف، ولا يجب رجحانه كما لا يخفى على المتأمّل .

على أنّ احتمال الضّرر أيضاً كاف.

واحتمال الخطأ في المعرفة في نفس الأمر لا ينافي كون المعرفة المقطوعة الصّواب باعتقاد العارف دافعة لخوف الضّرر مع أنّ سدّ طُرق الخطأ مقدور بمراعاة القانون العاصم.

وعن الثّاني: أمّا عن الدّليل العقليّ، فهو أنّ احتمال عدم وقوع الشّكر لايقاً لا ينافي كون الشّكر المظنون كونه لايقاً دافعاً لاستحقاق الذمّ ولضرر خوف تركه، وذلك ظاهر.

وأمّا حديث كون الشّكر كالاستهزاء والتّمثيل له بفقير حضر مائدة الملك. فالجواب عنه: أنّ الدّنيا وما فيها وإن كانت عند الله أقلّ من تلك اللّقمة عند الملك، إلاّ أن العبرة إنّما هي بهما بالنّسبة إلى العبد والفقير لا بالنّسبة إلى الله تعالى وإلى الملك. وحينئذ ينعكس الأمر، فإنّه ما أعطاه الله العبد من الدّنيا وما فيها إنّما هو جميع ما يحتاج العبد في وجوده وبقائه مدّة العمر، بل أبد الدّهر، بخلاف ما أعطاه الملك الفقير من اللّقمة، فإنّه ليس جزءاً من ألف ألف جزء ممّا يحتاج إليه الفقير في يوم واحد، بل في ساعة واحدة، كما لا يخفى على من له اطّلاع بما يحتاج إليه الإنسان في وجوده


صفحه 253

وحياته في ساعة واحدة فضلاً عن مدّة العمر.

والتصرّف في ملك الغير إذا كان في طلب مرضاته باعتقاد المتصرّف لا يخاف لأجله العقاب بالضّرورة.

وأمّا عن الدّليل النّقلي: فهو أنّ نفي وقوع التّعذيب لا ينافي ثبوت استحقاقه المعتبر في الوجوب العقلي.

ومن قال: «بامتناع العفو» فإنّما قال عن التعذيب المستحقّ بعد البعثة.

بل نقول هذه الآية تدلّ على ثبوت الأحكام العقليّة، فإنّه لولا ثبوت الأحكام إلاّ بالشرع لما كان استحقاق التّعذيب إلاّ بالشرع، وإذا لم يكن استحقاق التّعذيب ثابتاً قبل الشرع، لم يكن لنفي التّعذيب قبل الشرع معنى، إذ لا يعقل التعذيب من غير استحقاق. هذا.

فثبت أنّ معرفة الله تعالى واجبةٌ عقلاً ليشكر على نعمه، وليدفع ضرر خوف الجهل به.

وهذا وجوب مطلق كوجوب الصّلاة لا وجوب مقيّد كوجوب الزّكاة. وذلك ظاهر.

وهي ـ أعني: المعرفة ـ لا تحصل إلاّ بالنّظر لكونها كسبيّة غير ضروريّة لا محالة، وما لا يحصل الواجب المطلق إلاّ به، ويقال له: مقدّمة الواجب المطلق فهو واجب أيضاً كوجوبه إن عقلاً فعقلاً، وإن شرعاً فشرعاً.


صفحه 254

فإن قيل (1): لا نسلّم أنّ وجوب المعرفة وجوب مطلق، فإنّ معناه الوجوب على كلّ تقدير. ووجوب المعرفة مقيّد بحال الشكّ، أو بحال عدم المعرفة للقطع بأنّه لاوجوب حال حصول المعرفة، لامتناع تحصيل الحاصل.

وأيضاً: لا نسلّم أن النّظري، لا يحصل إلاّ بالنظر، بل قد يحصل بالإلهام على ما يراه البراهمة، أو بالتّعليم على ما يراه الملاحدة، أو بتصفية الباطن على ما يراه المتصوّفة .

قلنا: الجواب عن الأوّل: أنّه ليس معنى الوجوب على كلّ تقدير عموم التقادير والأحوال، وإلاّ لما كان شيء من الواجبات واجباً مطلقاً، إذ لا يجب على تقدير الإتيان به، بل معناه الوجوب على تقدير وجود المقدّمة وعدمها، ووجوب المعرفة ليس مقيّداً بالنّظر ـ بمعنى أنّه لو نظر وجبت المعرفة ـ وإلاّ فلا، فيكون مطلقاً بالمعنى المراد.

وعن الثّاني: أنّ كلّ ذلك يحتاج إلى معونة النّظر، فإنّ الإلهام على تقدير ثبوته لا يأمن صاحبه أنّه من الله، فيكون حقاً، أو من غيره فيكون باطلاً إلاّ بعد النّظر، وإن لم يقدر على تقريره وتحريره.

وكذا الحال في التّصفية، ألا ترى أنّ رياضة المبطلين من اليهود والنّصارى تؤديهم إلى عقائد باطلة؟ فلابدّ من الاستعانة بالنّظر، بل التّحقيق أن التّصفية إن انفكّت عن النّظر لم يحصل منها علم أصلاً. وأمّا القائل


1 . لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 266 ـ 267 ; وشرح تجريد العقائد: 265 ـ 266 .


صفحه 255

بالتّعليم، فهو لا ينكر النّظر، بل يقول هو وحده لايفيد المعرفة، بل يحتاج في إفادتها إلى قول معلم ويشبه النّظر بالبصيرة بالنّظر بالبصر وقول المعلّم بالشمس، فكما أنّه لا يتمّ الإبصار إلاّ بهما، كذلك لا تحصل المعرفة إلاّ بمجموعهما.

وقد أجيب (1) عن الثّاني أيضاً: بأنّ المراد أنّه لا مقدور لنا من طرق المعرفة إلاّ بالنّظر، فإنّ التّعليم والإلهام من فعل الغير، فليس بمقدور لنا.

وأما التّصفية فيفتقر إلى مجاهدات شاقّة ومخاطرات كثيرة قلّما يفي بها المزاج، فهي في حكم ما لا يكون مقدوراً.

أو بأن نخصّ وجوب النّظر في المعرفة بمن لا طريق له إليها إلاّ النّظر، بأن لا يكون متمكّناً إلاّ منه كجمهور النّاس، ومن عرف الله بغيره من الطرق النّادرة الّتي توصل إلى معرفته لم يجب النّظر عليه. هذا.

فإن قيل(2): لا نسلّم أنّ مقدّمة الواجب المطلق يلزم أن تكون واجبة، لجواز إيجاب الشّيء مع الذّهول عن مقدّمته، بل مع التّصريح بعدم وجوبها ولا استحالة فيه، فإنّ المستحيل وجود الشّيء بدون وجود المقدّمة لا وجوبه بدون وجوبها، فإنّ عدم وجوبها لا يستلزم عدمها كما أنّ وجوبها لا يستلزم وجودها.

لا يقال: يلزم من وجوبه بدون وجوبها إمكان وجوده بدون وجودها


1 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 266 .

2 . لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 268 .


صفحه 256

الّذي هو المحال لذاته، فيلزم إمكان الممتنع لذاته وهو محال، وذلك لأنّه لو كان واجباً بدون وجوبها لجاز تركها مع بقاء التكليف عقلاً أو شرعاً بالأصل لكونه واجباً مطلقاً، أي على تقدير وجود المقدّمة وعدمها. فإذا كان التّكليف بالأصل باقياً مع عدم المقدّمة يجب أن يكون وجود الأصل ممكناً مع عدم المقدّمة، وإلاّ يلزم التّكليف بالمحال.

لأنّا نقول: عدم جواز ترك الشّيء عقلاً أو شرعاً قد يكون لكونه لازماً للواجب فيكون واجباً بمعنى أنّه لابدّ منه، لا بمعنى تعلّق خطاب الشرع أو حكم العقل به على حدة على ما هو المتنازع فيه.

قلنا: إذا كانت المقدمة سبباً للواجب ممتنعاً تخلفها عنه، وليس في وسع العبد تحصيله إلاّ بمباشرة سببه كان إيجابه إيجاباً للمقدمة في الحقيقة لكون القدرة متعلّقة بها، لأنّ القدرة على المسبّب باعتبار القدرة على السبب لا باعتبار ذاته، فالخطاب والحكم وإن تعلّق في الظاهر بالمسبّب، لكن يجب صرفه بالتأويل إلى السبب، إذ لا تكليف إلاّ بالمقدور من حيث هو مقدور. فإذا كلّف بالمسبّب كان ذلك تكليفاً بإيجاد سببه، كمن يؤمر بالقتل، فإنّه أمر له بمقدوره الّذي هو السبب الموجب للإزهاق، وهو ضرب السيف قطعاً.

بخلاف ما إذا كانت المقدمة شرطاً للواجب غير مستلزم إيّاه، كالطهارة للصلاة، والمشي للحج، فإنّ الواجب هاهنا ممّا يتعلّق به القدرة بحسب ذاته، فلا يلزم أن يكون إيجابه إيجاباً لمقدمته.


صفحه 257

والنّظر بالنّظر إلى المعرفة، من قبيل القسم الأوّل، فكان إيجاب المعرفة في الحقيقة إيجاباً للنظر، وهو المطلوب.

وتلخيص هذا الوجه: أنّ معرفة الله واجبة عقلاً، وهي لا تحصل إلاّ بالنظر، وما لا يحصل الواجب إلاّ به فهو واجب، فالنظر في معرفة الله تعالى واجب عقلاً، وهو المطلوب .

وإلى هذا الوجه أشار المصنّف بقوله: «وما يتوقّف عليه العقلّيان».

الوجه الثّاني: تقريره: أنّ النّظر في معرفة الله واجب اتفاقاً بالعقل أو بالشرع، إذ لا ثالث يصلح مناطاً للأحكام لكن الثاني ـ أعني: ثبوت الوجوب بالشّرع ـ يستلزم انتفاؤه، لأنّه لو كان وجوبه بالشّرع لتوقّف على العلم بثبوت الشرع. والعلم بثبوت الشّرع لكونه نظريّاً يتوقّف على وجوب النظر، إذ لولا وجوب النّظر لكان للمكلّف أن يمتنع عن النّظر، فلا يثبت عنده الشرع. وهذا النظر هو من جملة النّظر في المعرفة لا محالة، فيلزم توقّف وجوب النّظر على وجوب النّظر، وهو دور، وإثبات الشّيء بثبوت نفسه، وما يتوقّف ثبوته على ثبوت نفسه فهو غير ثابت بالضّرورة، فلو كان ثبوت وجوب النّظر بالشّرع; لكان غير ثابت، بل كان منفيّاً، فتعيّن الثّاني ـ أعني: ثبوت وجوبه بالعقل ـ وهو المطلوب.

وإلى هذا الوجه أشار بقوله: «وانتفاء ضد المطلوب على تقدير ثبوته» أي ولانتفاء الوجوب الشّرعي على تقدير ثبوت الوجوب الشّرعي. وعبّر عنه بضد المطلوب، لكونه ضدّاً للوجوب العقلي الّذي هو المطلوب.


صفحه 258

وقوله: «كان التّكليف به» أي بالنّظر «عقلياً» معلّل بهما.

واعلم: أنّ هذاالدليل من المعتزلة مذكور في كتب القوم (1) بوجه آخر تقريره: أنّه لو لم يجب النظر إلاّ بالشّرع، لزم إفحام الأنبياء وعجزهم عن إثبات نبوّتهم، إذ يقول المكلّف لا يلزمني النّظر مالم يجب النّظر عليّ، ولا يجب النّظر عليّ ما لم يثبت الشّرع عندي، إذ لا وجوب إلاّ بالشّرع، ولا يثبت الشّرع عندي مالم أنظر، ولي أن لا أنظر إلى أن يلزمني النّظر.

لا يقال: قد يكون وجوب النّظر فطريّ القياس، فيضع له النّبي مقدمات ينساق إليها ذهنه بلا تكلّف ويفيده العلم بذلك ضرورة.

لأنا نقول: لو سلّم صحة ذلك، فللمكلّف أن لايصغي إليه ولا يأثم بتركه، إذ لا وجوب أصلاً.

والفرق بين هذا التّقرير، والتّقرير الأوّل، أنّ اللاّزم على هذا التّقرير بالذّات لا ثبوت الشرعيّ هو إفحام الأنبياء، وإن كان يلزم من إفحامهم انتفاء الثبوت الشرعيّ أيضاً. وعلى التقرير الأوّل: هو انتفاء الثّبوت الشّرعي، وإن كان يلزم منه إفحام الأنبياء أيضاً.

فالثبوت الشرعي على تقرير المصنّف من الأُمور الّتي يلزم من فرض وجودها عدمها، وعلى تقرير المعتزلة من الأُمور الّتي يلزم عدمها، لاستلزامها أمراً محالاً، وفرق ما بين اللاّزمين.

والشارح القوشجي، لم يفرّق بين التّقريرين فقرّر كلام المصنّف بتقرير


1 . لاحظ شرح المقاصد: 1 / 269 ; وشرح تجريد العقائد: 264 .


صفحه 259

المعتزلة، ثمّ اعترض عليه، بأنّ انتفاؤه، أي انتفاء الثّبوت الشّرعي مسلّم لاستلزامه المحال ـ أعني: إفحام الأنبياء ـ وأمّا انتفاؤه على تقدير ثبوته، فذلك غير لازم. انتهى.(1)

فإن قيل على الوجه الثّاني: أنّه مشترك الالزام، إذ لو وجب النّظر بالعقل فبالنّظر، إذ ليس ضروريّاً، بل محتاج إلى الاستدلال في غاية الدقّة، كما مرّ. فيقول المكلّف: لا أنظر ما لم يجب عليّ، ولا يجب عليّ مالم أنظر.

والحلّ: أنّه ليس للمكلف الامتناع عن النّظر مالم يعلّم وجوبه، بل له الامتناع منه مالم يجب عليه، لكن وجوبه ثابت في نفس الأمر، نظر أو لم ينظر، علم أو لم يعلم. وليس ذلك من تكليف الغافل، فإنّ الغافل الّذي لا يجوز تكليفه اتّفاقاً من لم يفهم الخطاب أو لم يسمعه. وهذا فاهمٌ قد خوطب بالتّكليف حقيقة أو حكماً، فاندفع الإشكال من المعتزلة أيضاً .

أقول: الجواب: أمّا عن النّقض، فهو أنّه إنّما كان للمكلّف على قاعدة الوجوب العقليّ الامتناع عن النّظر مالم يجب عليه النّظر لو لم يجب عليه شيء بلا نظر أيضاً أصلاً، لكن دفع ضرر الخوف واجب عليه بشهادة العقول من غير نظر، بل بحسب الفطرة، فإنّ الإنسان مفطور على عدم تجويز ترك ذلك الدفع من نفسه، فليس له الامتناع عن النّظر المستتبع تركه لضرر الخوف.

وأمّا عن الحلّ: فهو أنّ الأُمور الشرعيّة ليست من قبيل الأُمور الّتي هي


1 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 264 .


صفحه 260

بحسب الطبع، بل من قبيل الأُمور الّتي هي بحسب الوضع، ونفس الأمر في الأُمور الوضعيّة إنّما هي تلقّيها من واضعها، وذلك إنّما يحصل بالعلم بواضعها من حيث هو واضع، فما لم يحصل العلم بواضعها لم يحصل العلم لها من حيث هي أُمور وضعيّة تحقّق ونفس أمر، فالوجوب الشّرعيّ إنّما يتحقّق من حيث هو شرعيّ بالعلم بالشّارع من حيث هو شارع، وليس له من حيث هو كذلك ثبوت في نفس الأمر سوى تحقّقه من الشارع المعلوم كونه شارعاً .

وحينئذ ; فلا يمكن أن يثبت على المكلّف وجوب شرعي في نفس الأمر بدون علمه بالشّرع، فما لم يحصل له العلم بالشرع من حيث هو لم يجب عليه شيء من الواجبات الشرعيّة في نفس الأمر. وإذا لم يجب عليه شيء في نفس الأمر، فله الامتناع عنه.

وهذا بخلاف الواجب العقلي، فإنّ كونه بحيث يذعن له العقل ويقتضيه نفس أمر له.

فإذا كان شيء كذلك، فهو واجبٌ عقلاً في نفس الأمر على المكلّف، وليس له الامتناع منه، سواء كان ضروريّاً أو نظريّاً، إذ لو امتنع عنه، لكان في نفس الأمر مذموماً عند عقله ملوماً في نفسه.وأمّا إذا لم يكن للعقل حكم ولم يثبت له ذم ولوم، بل انحصر جميع ذلك في ما يكون بحسب الشرع فقط، ولم يثبت بعد شرع عند المكلّف فليس له مانع عن الامتناع لا في نفس الأمر، ولا في ما عنده. هذا.


صفحه 261

واحتجّت الأشاعرة أيضاً بوجهين: عقليّ، ونقليّ(1).

أما العقليّ: فقريب من أوّل وجهي المعتزلة، وهو أنّ المعرفة واجبةٌ إجماعاً من المسلمين، ويؤيد ذلك قوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)(2) وهي لا يتمّ إلاّ بالنّظر، وما لم يتمّ الواجب إلاّ به، فهو واجبٌ كوجوبه، فالنّظر في معرفة الله تعالى واجب سماعاً وهو المطلوب.

ووجوه الاعتراض عليه بعضها مشتركة بين دليلهم ودليل المعتزلة، وقد مرّت مع الجواب عنها، وبعضها مختصّة بدليلهم.

فمنها: أنّ وجوب المعرفة بالشّرع غير ممكن، لأنّه إنّما يكون بإيجاب الله تعالى وهو: إمّا للعارف ; وهذا تكليف بتحصيل الحاصل، وإمّا لغيره، وهذا تكليف للغافل.

وأُجيب: بأنّه ليس هذا من قبيل تكليف الغافل كما مرّ.

ومنها: منع قيام الدّليل على وجوب المعرفة:

أمّا النصّ: مثل قوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) فلأنّه ليس قطعيّ الدّلالة، إذ الأمر قد يكون لا للوجوب، والعلم يطلق لغة على الظنّ الغالب، وذلك قد يحصل بالتّقليد.

وأمّا الإجماع: فلأنّه ليس قطعي السّند، إذ لم ينقل بطريق التواتر، بل


1 . لاحظ : شرح المقاصد: 1 / 265 ـ 268; وشرح المواقف: 1 / 251 وما بعدها; والباقلاني وآراؤه الكلاميّة: 275 ـ 281 ; والمواقف في علم الكلام: 28 ـ 31 ; والمحصّل: 42.

2 . محمد: 19 .


صفحه 262

غايته الآحاد، فللخصم أن يمنعه، بل يدّعي الإجماع على الاكتفاء بمطلق التّصديق، فإنّ الصّحابة والتابعين كانوا يكتفون من العوام بالتّقليد والانقياد، ولا يكلّفونهم بالتّحقيق والاستدلال .

وأُجيب: بأن الظنّ كاف في الوجوب الشّرعيّ .

على أنّ الإجماع عليه متواتر، إذ بلغ ناقلوه في الكثرة حدّاً يمتنع تواطؤهم على الكذب فيفيد القطع.

وما ذكر من الإجماع على الاكتفاء بالتّقليد، فليس كذلك، بل هو اكتفاء بالمعرفة الحاصلة من الأدلة الإجماليّة، كما أشير إليه بقوله تعالى: (وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ )(1)، وكما نقل عن أعرابي قال: «البعرة تدلّ على البعير، وأثر الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج أما تدلاّن على الصانع العليم الخبير»(2).

نعم، كانوا قاصرين عن تفصيل الأدّلة وتلخيص العبارة في ترتيب المقدّمات وتحقيق شرائط الانتاج، وتحرير المطالب بأدلّتها، وتقرير الشبه بأجوبتها .

على أنّه لو ثبت جواز الاكتفاء بالتّقليد في حق البعض فهو لا ينافي وجوب المعرفة بالنّظر والاستدلال.

بل الحقّ أنّ المعرفة بدليل إجمالي يرفع الناظر عن حضيض التّقليد


1 . لقمان: 25 .

2 . بحار الأنوار: 66 / 134 .


صفحه 263

فرض عين لا مخرج عنه لأحد من المكلّفين، وبدليل تفصيلي يتمكّن معه من إزاحة الشبه، وإلزام المنكرين، وإرشاد المسترشدين فرض كفاية لابدّ من أن يقوم به البعض.

ومنها: المعارضة لدليل وجوب النّظر، وذلك أنّ النّظر في معرفة الله وصفاته وأفعاله والعقائد الدّينيّة على ما يفعله المتكلّمون بدعة في الدّين لم ينقل عن النبي والصحابة والخلفاء الرّاشدين، ولو كانوا قد اشتغلوا بها لنقل إلينا لتوفّر الدواعي على نقله ; كما نقل اشتغالهم بالمسائل الفقهيّة على اختلاف أصنافها.

وأُجيب: بمنع عدم النّقل، بل تواتر أنّهم كانوا يبحثون عن دلائل التوحيد وما يتعلّق به، والقرآن مملوّ منه. وهل ما يذكر في كتب الكلام إلاّ قطرة من بحر ما نطق به الكتاب الكريم؟

نعم، أنّهم لم يدوّنوها ولم يشتغلوا بتقرير المذاهب وتحرير الاصطلاحات، ولم يبالغوا في تفصيل الأسئلة وتلخيص الجوابات، لاختصاصهم بصفاء النفوس، وقوّة الأذهان، ومشاهدة الوحي المقتضية لفيضان أنوار العرفان، والتمكّن من مراجعة من يفيدهم ويدفع عنهم ما عسى أن يعرض لهم من الشكوك والشبهات في كلّ حين مع قلّة عناد المعاندين، وندرة تشكيك المشكّكين ; بخلاف زمان من بعدهم إلى زماننا هذا، حيث كثرت المذاهب والمقالات وشاعت المنازعات والمجادلات، فاجتمع بالتدريج لأهل الأعصار التالية جميع ماحدث في الأزمان والقرون


صفحه 264

الخالية فاحتيج إلى تدوين مسائل الكلام وتقرير ما أُورد على كلّ حجّة من النّقض والإبرام، فإن ادّعى أنّ هذا التدوين بدعة فربّ بدعة حسنة، وذلك بعينه كالاشتغال بتدوين الفقه وأُصوله، وترتيب أبوابه وفصوله، فإنّه حدث بعد ما لم يكن، فكما ليس ذلك بقادح في الفقه ليس هذا أيضاً بضائر في الكلام.

وأمّا النقلي: فالاستدلال بالظواهر كقوله تعالى: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ )(1)، وقوله تعالى: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)(2) فأمر بالنظر وهو للوجوب .

ولمّا نزل (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَات لأُولِي الأَلْبَابِ)(3). قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «ويل لمن لاكها بين لحييه ثمّ لم يتفكّر فيها»(4). فقد أوعد بترك التفكر في دلائل المعرفة فيكون واجباً، إذ لا وعيد على ترك غير الواجب.

ولا شك في كون هذا المسلك ظنيّاً غير مفيد للقطع والحقّ أنّ الوجوب عقليّ، وما ورد من الظواهر حثّ وترغيب عليه.


1 . يونس: 101 .

2 . الروم: 50 .

3 . آل عمران: 190 .

4 . رسائل الشهيد الثاني: 128 ; والنافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر للعلاّمة الحلّي: 19; وتخريج الأحاديث والآثار للزيعلي: 1 / 261 ; والاحكام للآمدي: 4 / 323 ; ومجمع البحرين: 4 / 154، مادة «لوك».


صفحه 265

 

الفرع السّابع والعشرون

في متعلّق النّظر وبسائطه

قال: وملزوم العلم دليل، والظنّ أمارة.

وبسائطه عقليّة ومركّبة، لاستحالة الدّور.

أقول: وملزوم العلم; أي اليقين دليل ـ وملزوم الظنّ وهو ما عدا مأخذ اليقين من التصديقات، فإنّ إطلاقه عليه شايع، أمارة(1).

إشارة إلى الموصل إلى التصديق، ويسمّى حجّة، لكونه هو الأصل والعمدة، ولكون الكسب فيه ظاهر. ولذلك لم يختلف فيه بخلاف التصوّر، فإنّه مطلوب للتّصديق، وليس الكسب فيه ظاهراً، فاختلف فيه، فإن كان ملزوماً للعلم بالتصديق الآخر الّذي يسمّى نتيجة سمّي دليلاً، وإن كان ملزوماً للظنّ به سمّي أمارة .

وبسائطه; أي بسائط ملزوم العلم أو الظن، أي المقدّمات الّتي يتألّف منها كلّ من الملزومين:

إمّا عقليّة صرفة، كقولنا: العالم ممكن، وكلّ ممكن له مؤثر، وإمّا مركّبة من العقلي والنقلي، كقولنا: الوضوء عمل، وكلّ عمل لا يصحّ إلاّ بالنّية،


1 . أي أنّ المقدّمات الّتي تتعلّق بها النّظر إمّا تلزم العلم بالمطلوب فهي ملزومة العلم; أي أنّ العلم لازم لها، وحينئذ تسمّى تلك المقدّمات دليلاً. وأمّا تلزم الظنّ بالمطلوب فهي ملزومة للظنّ; أي أنّ الظنّ لازم لها، وحينئذ تسمّى تلك المقدمات أمارة .


صفحه 266

لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما الأعمال بالنّيات».(1)

والنّقلي الصرف محال، لاستحالة الدور. ولأنّ النقليّ لا يفيد إلاّ بعد العلم بصدق الرّسول، وهو على تقدير كون النّقلي صرفاً لا يستفاد من العقل، بل من النّقل، فيلزم الدّور.

ومن جوّز كونها نقلية صرفة أراد كون المقدمات القريبة كذلك، فلا منافاة لكن الموصل بالحقيقة هو ما يتركّب من المقدّمات القريبة والبعيدة دون القريبة وحدها.

قال شارح المقاصد: «وطريق القسمة انّ استلزامه للمطلوب إن كان لحكم العقل فعقليّ، وإلاّ فنقلي .

ثمّ الحكم المطلوب إن استوى فيه عند العقل جانب الثبوت والانتفاء بحيث لا يجد في نفسه سبيلاً إلى تعيين أحدهما فطريق إثباته النقل لا غير، كالحكم بوجوب الحج، وبكون زيد في الدّار، وإلاّ فإن توقّف عليه ثبوت النقل كالعلم بصدق المخبر، وما يبتني عليه ذلك، كثبوت الصّانع وبعثة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ودلالة المعجزة ونحو ذلك فطريق إثباته العقل لا غير، لئلاّ يلزم الدّور، وإلاّ فيمكن إثباته بكلّ من النقل والعقل»(2).


1 . تهذيب الأحكام: 1 / 83 برقم 218 و ج 4 / 186 برقم 519 ; وسائل الشيعة: 1 / 48 برقم 89 و 92، وج 6 / 5 برقم 7197 و 7198 ; بحار الأنوار: 67 / 210 و 211 و 212 و 249 ; صحيح البخاري: 1 / 2، المقدمة; سنن أبي داود: 1 / 490 برقم 2201 .

2 . شرح المقاصد: 1 / 281 .


صفحه 267

 

الفرع الثّامن والعشرون

في أنّ الدّليل العقليّ يفيد القطع

قال: وقد يفيد اللّفظي القطع.

أقول: وقد يفيد اللّفظي القطع، لاخفاء في إفادة الدليل النقلي الظنّ، وفي إفادته القطع خلاف .

والأكثر على أنّه لا يفيد، لتوقّفه على العلم بعصمة رواة وضع مفردات تلك الألفاظ الواردة في كلام المخبر الصادق للمعاني المفهومة، وتصريفها، وإعرابها. وبإرادة المخبر تلك المعاني والعلم بها يتوقّف على عدم الاشتراك، والمجاز، والتخصيص، والإضمار، والنقل، والنسخ، والمعارض العقلي. وهذه كلّها ظنّية .

والحقّ: أنّه قد يفيد القطع، إذ من الأوضاع ما هو معلوم بطريق التواتر كلفظ السماء والأرض، وكأكثر قواعد النحو، والصّرف في وضع هيئات المفردات وهيئات التراكيب، والعلم بالإرادة يحصل بمعونة القرائن بحيث لا يبقى شبهة كما في النصوص الواردة في إيجاب الصلاة والزكاة ونحوهما، وفي التوحيد والبعث إذا اكتفينا فيهما بمجرّد السّمع، كقوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ )(1)، فاعلم أنّه لا إله إلاّ الله (قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ)(2) .


1 . التوحيد: 1 .

2 . يس: 79 .


صفحه 268

وكيف لو صحّ ما قالوه لم يحصل الجزم بمراد متكلّم من كلامه أصلاً؟ وهو ظاهر البطلان.

وأمّا احتمال المعارض ففي الشرعيّات لا مجال له من قبل العقل، ومن قبل الشرع معلوم الانتفاء بالضّرورة من الدّين، في مثل ما ذكرنا من الصلاة والزكاة، وفي العقليّات، كنصوص التوحيد والبعث، العلم بانتفائه حاصل عند العلم بالوضع والإرادة وصدق المخبر على ما هو المفروض، لأنّ العلم بتحقّق أحد المتنافيين يفيد العلم بانتفاء الآخر.

فإن قيل: إفادتها اليقين يتوقّف على العلم بنفي المعارض فإثباته بها يكون دوراً.

قلنا: إنّما يثبت بها التّصديق بحصول هذا العلم بناء على حصول ملزومه على أنّ الحقّ; أنّ إفادة اليقين إنّما يتوقّف على انتفاء المعارض، وعدم اعتقاد ثبوته لا على العلم بانتفائه، إذ كثيراً ما يحصل اليقين من الدّليل ولا يخطر المعارض بالبال(1). كذا في " شرح المقاصد" .(2)


1 . نفياً وإثباتاً، فضلاً عن العلم بذلك.

2 . لاحظ شرح المقاصد: 1 / 285 .


صفحه 269

 

الفرع التّاسع والعشرون

في كيفيّة تأويل تعارض الدليلين

قال: ويجب التأويل عند المعارض.

أقول: إذا تعارض دليلان نقليّان، أو دليل عقليّ ونقليّ (1)، وجب تأويل النقلي كما قال: ويجب التأويل(2); أي تأويل السّمعي عند المعارض العقلي بما يوافق العقلي، لامتناع الجمع بينهما، وإلاّ يلزم اعتقاد اجتماع النقيضين وتركهما معاً، وإلاّ يلزم ارتفاع النقيضين لكون مقتضى كلّ منهما نقيضاً لمقتضى الآخر وترجيح السّمعي، لأنّه يفضي إلى القدح فيه بالقدح في العقلي الّذي هو أصله .

لا يقال:(3) ليس كلّ عقليّ أصلاً للسّمعي، فجاز أن يكون أصله غير ما يعارضه. فإذا رجح على معارضه لم يكن ذلك ترجيحاً له على أصله، فلايلزم القدح فيه.


1 . كما في قوله تعالى: (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) الفتح: 10 و (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) طه: 5. الأُولى تدلّ على كونه تعالى ذا جارحة مخصوصة، والثّانية تدلّ على كونه تعالى جالساً وجسماً، وقد عارضهما الدليل العقلي الدالّ على استحالة التركّب والتجسم ونحو ذلك في حقّه تعالى، فتؤوّل اليد على القدرة، والكون على العرش على الاستيلاء والسلطنة.

2 . في أكثر النسخ: «ويجب تأويله».

3 . القائل هو ميرزا جان. لاحظ : شرح تجريد العقائد مع تعليقات ميرزا جان: 269 .


صفحه 270

لأنّا نقول: اعتبار الدلائل العقلّية ليس باعتبار خصوصيّاتها، بل باعتبار كونها مقطوعاً بها عند صريح العقل. فإذا لم يعتبر قطعه في موضع لم يعتبر في سائر المواضع، فتعيّن ترجيح العقليّ وتأويل السّمعي إليه.


صفحه 271

 

الفرع الثّلاثون

في القياس

قال: وهو قياس وقسيماه .

أقول: وهو; أي ملزوم العلم أو الظن وهو الدّليل مطلقاً ـ قياس، وعُرّف بأنّه قول مؤلّف من قضايا متى سلمت لزم عنه لذاته قول آخر.

وبالجملة: يستدلّ فيه بحال الكلّي على حال الجزئي.

وقسيماه(1); أي الاستقراء: وهو الّذي يستدلّ فيه بحال الجزئي على حال الكلّي، بأن يثبت حكم للكلّي لثبوته في جزئيّاته، إمّا كلّها، فيفيد اليقين كقولك العدد: إمّا زوج وإمّا فرد، وكلّ زوج يعدّه الواحد، وكلّ فرد كذلك ; أي يعدّه الواحد، ومثل ذلك يسمّى قياساً مقسماً واستقراء تامّاً، أو بعضها ولا يفيد إلاّ الظنّ لجواز أن يكون ما لم يستقرأ من الجزئيّات على خلاف ما استقرأ منها، كما يقال: كلّ حيوان يحرّك عند المضغ فكّه الأسفل، لأنّ الإنسان والفرس وغيرهما ممّا يشاهده كذلك، مع أنّ التمساح بخلافه بحيث يحرّك عند المضغ فكه الأعلى، ومثل ذلك يسمّى استقراءً ناقصاً .

والتمثيل. وهو الّذي يستدلّ فيه بحال الجزئيّ على حال جزئي آخر،


1 . إنّ الدّليل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قياس، واستقراء وتمثيل. وإلى الأخيرين أشار بقوله: «وقسيماه».


صفحه 272

ويسمّيه الفقهاء قياساً، وهو مشاركة أمر لآخر في علّة الحكم وهي الكلّي الشامل لذينك .

وقالوا في وجه الحصر في هذه الثّلاثة أنّه لابدّ بين الدّليل والمدلول من مناسبة مخصوصة، وتلك: إمّا باشتمال الدّليل على المدلول وهو القياس، وإمّا باشتمال المدلول على الدّليل وهو الاستقراء، أو باشتمال أمر ثالث عليهما وهو التّمثيل.

فإن قيل: هاهنا قسم آخر وهو الاستدلال بكلّي على كلّي.

قلنا: إنّ هذين الكلّيين إن دخلا تحت كلّي ثالث مشترك بينهما يقتضي الحكم فهما جزئيّان له، لأنّ المراد بالجزئي هاهنا هو المندرج تحت الغير وإلاّ، فلا تعلّق بينهما فلا يتعدّى حكم أحدهما إلى الآخر.

فإن قيل:(1) لا يلزم من عدم دخولهما تحت ثالث يقتضي الحكم أن لا يكون بينهما تعلّق يتعدّى به حكم أحدهما إلى الآخر، فإنّك إذا قلت كلّ إنسان ناطق وكلّ ناطق حيوان، فقد استدللت بأحد الكلّيين المتساويين على الآخر لا بالكلّي على الجزئي.

قلنا: المقصود إنّا أثبتنا لكلّ واحد من أفراد الإنسان الحيوانيّة، لاتّصافه بمفهوم النّاطق، فإنّ ملاحظة مفهوم النّاطق هو الّذي أفادنا الحكم بها عليه .

والحاصل: أنّ الاستدلال بمفهوم النّاطق على كلِّ واحد من جزئيّات


1 . نقله شارح المواقف وأجاب عنه: لاحظ : شرح المواقف: 2 / 16 .


صفحه 273

الإنسان، ولا شكّ أنّ كلّ منها جزئيّ لمفهوم النّاطق، فرجع إلى الاستدلال بالكلّي على الجزئيّ.

وقد يجاب أيضاً: بأن كلّ واحد من المتساويين يعدّ جزئيّاً إضافيّاً للآخر، إذ يقع كلّ منهما موضوعاً للآخر كلّياً، وهو معنى إندراجه فيه، ولا يخفى بعده وعدم جريانه في مثل قولنا: بعض الحيوان أسود وكلّ أسود كذا.

وهاهنا بحث آخر: وهو أنّ القياس الاستثنائي المتصل. وكذا المنفصل لم يستدل فيه بالكلّيّ على الجزئيّ أصلاً، فالصواب أن يقال المناسبة بين الدّليل والمدلول: إمّا بالاشتمال كما ذكر أو بالاستلزام الّذي لا اشتمال معه، فإما صريحاً كما في الاستثنائيّات المتّصلة، أو غير صريح كما في الاستثنائيّات المنفصلة .

وأمّا الاقترانيّات الشرطيّة فراجعة: إمّا إلى الاستلزام أو الاشتمال. كذا في " شرح المواقف "(1).


1 . لاحظ : شرح المواقف: 2 / 16 ـ 17 .


صفحه 274

 

الفرع الحادي والثّلاثون

في أقسام القياس

قال: فالقياس اقترانيّ واستثنائي .

والأوّل باعتبار الصّورة القريبة أربعة، والبعيدة اثنان.

وباعتبار المادّة القريبة خمسة والبعيدة أربعة.

والثّاني متّصل ومنفصل، ناتجُهُ أمران، وكذا غير الحقيقي من المنفصل، ومنه حقيقيّه.

والأخيران يفيدان الظنّ. وتفاصيل هذه الأشياء مذكورة في غير هذا الفنّ.

أقول: فالقياس اقترانيّ ; إن لم يكن النّتيجة ولا نقيضها مذكوراً فيه بالفعل، كقولنا: كلّ إنسان حيوان، وكلّ حيوان جسم، فكلّ إنسان جسم .

واستثنائي; إن كان أحدهما مذكوراً فيه بالفعل، كقولنا: إن كانت الشمس طالعة، فالنّهار موجود، لكن الشّمس طالعة، ينتج فالنّهار موجود وهي بعينها مذكورة بالفعل أو لكن النّهار ليس بموجود، ينتج فالشّمس ليست بطالعة ونقيضها، وهي الشّمس طالعة مذكورة بالفعل.

والأوّل: أي الاقترانيّ، باعتبار الصّورة القريبة، وهي الهيئة الحاصلة للمقدّمتين بسبب نسبة الوسط إلى الطرفين، أربعة، يسمّى كلّ منها شكلاً. وذلك لأنّ الوسط: إمّا محكوم به في الصّغرى، ومحكوم عليه في الكبرى


صفحه 275

وهو الأوّل، أو محكوم به فيهما وهو الثّاني، أو محكوم عليه فيهما وهو الثّالث، أو عكس الأوّل وهو الرّابع .

وباعتبار الصّورة البعيدة، وهي الهيئة الحاصلة لكلّ من المقدمتين بسبب الحمل والاتّصال والانفصال اثنان :

أحدهما الاقترانيّ الحمليّ: وهو ما يكون مركباً من الحمليّات الصّرفة.

وثانيهما الاقتراني الشرطيّ: وهوما يكون مركباً من الشرطيّات الصّرفة، أو من الحمليّ والشرطيّ. وإنّما جعل المركّب من الحمليّ والشرطيّ شرطيّاً، لأنّ نتيجته شرطيّة .

والاقترانيّ على ما هو الظّاهر من العبارة، أو والقياس على ما هو الواقع لجريان هذا التّقسيم في كلا قسمي القياس، فعلى هذا ; كان الأولى تأخير هذا التّقسيم عن تقسيمهما باعتبار المادّة القريبة، وهي مجموع المقدّمات لا باعتبار صورة خاصّة وشكل معيّن خمسة:

أحدها: البرهان: وهو المؤلّف من القضايا الواجب قبولها، وهو يقينيّ مادّة وصورة، وغايته انتاج اليقين.

والثّاني: الجدل: وهو المؤلّف من القضايا المسلّمة بين الجمهور، وهي المشهورات العامّة، أو المسلّمة بين طائفة مخصوصة، كالفقهاءمثلاً، وهي المشهورات الخاصّة، أو المسلّمة في ما بين المتخاطبين، وهي المسلّمات بالمسلمات، وهو متسلّم مادّة وصورة وغايته الإلزام أو دفع الإلزام .


صفحه 276

والثّالث: الخطابة: وهو المؤلّف من المظنونات والمقبولات الّتي ليست بمشهورة، والمشهورات في بادئ الرأي، وهي ظنيّة مادّة وصورة، وغايتها إقناع المسترشدين العاجزين عن درك البرهان وإرشادهم إلى ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم.

والرّابع: الشعر: وهو المؤلف من المقدّمات المخيّلة من حيث هي مخيّلة، صادقة كانت أو كاذبة، مصدّق بها أو لا، وغايته قبض النّفس أو بسطها أو حثها أو زجرها إلى غير ذلك من التأثيرات، والمعتبر في مقدّماته كونها مخيّلة سواء كان قطعية الاستلزام أو لا.

والخامس: المغالطة: وهو المؤلّف من القضايا المشبهة بالضّروريات، ويسمّى سفسطة، وصاحبها ـ أعني: السوفسطائي ـ في مقابلة الحكيم، أو بالمشهورات ويسمّى شغباً وصاحبه، أعني: المشاغب في مقابل المجادل .

وهذه هي الصّناعات الخمس.

والثّلاثة الأُول : أعني: البرهان والخطابة والجدل ـ هي المعتبرة من أقسامها، وهي المشار إليها بقوله تعالى: (أُدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالّتى هِىَ أَحْسَنُ)(1).

ووجه ضبط انحصار الصّناعات في الخمس ; هو أنّ القياس: إمّا أن يوصل إلى تصديق أو تخييل ; والموصل إلى التّصديق: إمّا أن يوقع ظنّاً وهو الخطابة، أو جزماً، فإن كان يقينيّاً فهو البرهان، وإلاّ فإن اعتُبِرَ فيه عموم


1 . النحل: 125 .


صفحه 277

الاعتراف، أو التّسليم فهو الجدل، وإلاّ فالمغالطة. وأمّا الموصل إلى التخييل، فهو الشّعر .

وباعتبار المادّة البعيدة وهي مقدّماته باعتبار مقدّمة مقدّمة لا باعتبار مجموعها ـ وهذا الّذي ذكرنا في تفسير المادّة القريبة والبعيدة موافقاً للعلاّمة (1)(رحمه الله)، هو المراد ممّا قاله الشّارح القديم من أنّ القريبة: هي المقدّمات من حيث هي موقعة للتصديق بالمطلوب، أو التخييل. والبعيدة: هي المقدّمات من جهة ما يصدق بها أو نحوه من التخييل. فتدبّر ـ أربعة; المؤلّف من المسلّمات الّتي هي مادّة البرهان والجدل.

والمؤلّف من المظنونات وما معها الّتي هي مادّة الخطابة .

والمؤلّف من المشبّهات بغيرها الّتي هي مادّة المغالطة.

والمؤلّف من المخيّلات الّتي هي مادّة الشعر .

وقد يقال: لمّا جعل المسلّمات الشّاملة لمادّة الجدل والبرهان قسماً واحداً هاهنا، فليجعل في المادّة القريبة أيضاً قسماً واحداً مفيداً للجزم بالنتيجة.

لا يقال: الجزم بالنّتيجة ينقسم إلى يقينيّ وغيره.

لأنّا نقول: كذلك الجزم في المقدمات المسلّمة ينقسم إليهما، فالفرق تحكم. كذا في " الحواشي الشريفة ".


1 . لاحظ : كشف المراد: المسألة الثّانية والعشرون من مبحث الكيف.


صفحه 278

وأقول: الفرق بينهما هو اعتبار المجموع في المادّة القريبة واعتبار مقدّمة مقدّمة في المادة البعيدة على ما ذكرنا، فإن مجموع المقدّمات الّتي هي المادّة القريبة للبرهان لا يمكن أن يكون بعينها مادّة قريبة للجدل، وإلاّ لكان البرهان والجدل واحداً، فوجب اعتبار كلّ من المجموعين على حدة. وأمّا مقدّمة من مقدّمات البرهان، فيجوز أن يكون مقدّمة من مقدّمات الجدل لا محالة. وكذا مقدّمة من مقدّمات الجدل يجوز أن يكون مقدّمة من مقدّمات البرهان، فلا يجب اعتبار كلّ مقدمة على حدة، فليتدبّر .

والثّاني; أي الاستثنائي قسمان: متّصل ومنفصل (1) هو أيضاً قسمان غير حقيقيّ وحقيقيّ والمتّصل ناتجُهُ أمران(2):

أحدهما: ما استثنى فيه عين المقدّم، فينتج عين التّالي، لأنّ صدق الملزوم يستلزم صدق اللاّزم.

وثانيهما: ما استثنى فيه نقيض التّالي، فينتج نقيض المقدّم، لأنّ انتفاء اللاّزم يقتضي انتفاء الملزوم .

وأمّا ما استثنى فيه عين التّالي، أو نقيض المقدّم، فلا ينتج شيئاً، لأنّ انتفاء الملزوم لا يقتضي صدق لازمه ولا انتفائه. وكذا صدق اللاّزم لا يقتضي صدق الملزوم ولا انتفاؤه .

وكذا غير الحقيقيّ من المنفصل الّذي هو القسم الثّاني من الاستثنائيّ ـ


1 . في أكثر النسخ لفظ «منفصل» ساقط.

2 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 279

على ما ذكرنا ـ ينتج منه أمران، لأنّ الغير الحقيقيّ من المنفصل قسمان:

أحدهما: مانعة الجمع وينتج فيه استثناء عين كلّ من الجزأين نقيض الآخر لامتناع الجمع بينهما.

وأما استثناء نقيض أحد الجزأين، فلا يستلزم عين الآخر ولا نقيضه، لجواز ارتفاع الجزأين معاً.

وثانيهما: مانعة الخلو وينتج فيه استثناء نقيض كلّ من الجزأين عين الآخر، لامتناع خلوّ الواقع عنهما .

وأمّا استثناء عين أحد الجزأين، فلا يقتضي نقيض الآخر ولا عينه، لجواز الاجتماع بينهما.

ومنه; أي من المنفصل حقيقيّه (1) على الإضافة إلى الضمير، أي حقيقيّ المنفصل. ويمكن أن يُقرأ بـ «تاء التأنيث» على أن يكون صفة «لمؤنّث مقدّر» أي ومنه قضيّة حقيقيّة، وينتج من الحقيقي استثناء عين كلّ من الجزأين نقيض الآخر، واستثناء نقيض كلّ منهما عين الآخر، لامتناع الجمع والخلوّ بين الجزأين على ما هو المراد من الانفصال الحقيقيّ، والأخيران(2); أي الاستقراء والتمثيل يفيدان الظن(3) لا اليقين.

أمّا الاستقراء: والمراد منه هاهنا هو الناقص لا التامّ، فلما عرفت.

وأمّا التمثيل: وهو إلحاق جزئيّ يسمّى فرعاً بجزئيّ آخر يسمّى أصلاً


1 . في أكثر النسخ: «ومنه ضِعفه».

2 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .

3 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 280

في حكم ذلك الآخر، لاشتراكهما في معنى يسمّى علّة وجامعاً، فلاحتمال أن لا يكون الجامع علّة، أو يكون خصوصيّة الأصل شرطاً، أو خصوصيّة الفرع مانعة وتفاصيل هذه الأشياء مذكورة في غير هذا الفن;(1) أي في فنّ المنطق.


1 . المصدر السابق .


صفحه 281

 

الفرع الثّاني والثّلاثون

في التّلازم بين التعقّل والتجرّد عن المادّة(1)

قال: والتعقّل والتجرّد متلازمان; لاستلزام انقسام المحلّ انقسام الحالّ، فإن تشابهت عرض الوضع للمجرّد، وإلاّ تركّب ممّا لا يتناهى.

ولاستلزام التجرّد صحّة المعقوليّة، المستلزمة لإمكان المصاحبة.

أقول: والتعقّل والتجرّد متلازمان; أي كلّ عاقل مجرّد وكلّ مجرّد عاقل.

والحكم الأوّل: قد مرّ غير مرّة وبينه هاهنا أيضاً بقوله: لاستلزام انقسام المحلّ انقسام الحال. يعني لو لم يكن العاقل الّذي هو المحلّ للصّورة المعقولة ; أي المجرّدة عن الغواشي الماديّة على ما مرّ مجرّداً مع كونه جوهراً، لكان منقسماً على ما هو شأن الجوهر المادّي، ويلزم منه انقسام الصّورة الحالّة فيه من حيث ذاته، لا باعتبار عروض طبيعة أُخرى له على ما هو المراد من الحلول السرياني، وقد مرّ جميع ذلك .

وإذا انقسمت الصّورة المعقولة الحالّة في العاقل بانقسامه: فإمّا إلى


1 . لاحظ لمزيد التحقيق الكتب التالية: شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 385 ـ 391 ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 369 ـ 372 ; وشرحي الإشارات والتّنبيهات: 1 / 170 ـ 173 ; وإشراق هياكل النّور: 327 ـ 330; وشرح المقاصد: 3 / 360 ـ 362 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 200 ـ 215; وشرح المواقف: 7 / 257 ـ 260; وشرح تجريد العقائد: 271 ـ 273 .


صفحه 282

أجزاء متشابهة مع كونها متباينة في الوضع، فيلزم عروض الوضع للمجرّد الّذي هو الصورة المعقولة.

وإلى هذا أشار بقوله: فإن تشابهت; أي أجزاء الحال الحاصلة من انقسام المحل عرض الوضع للمجرّد .

وإمّا إلى أجزاء مختلفة، فيلزم أن يكون الحال ـ أعني: الصورة المعقولة ـ مركّبة من أجزاء غير متناهية بالفعل، أمّا عدم التّناهي فلكون انقسام المحلّ كذلك على ما هو شأن الجسم. وإمّا كونها بالفعل، فلكونها مختلفة الطبايع، فلا يجوز اتّصالها.

وإلى هذا أشار بقوله: وإلاّ أي وإن لم يتشابه الأجزاء تركّب; أي الحال، وهو الصورة المعقولة ممّا لا يتناهى; أي بالفعل كما عرفت. وهو محال.

وأمّا الحكم الثّاني: فقد بيّنه بقوله: ولاستلزام التجرّد صحّة المعقوليّة المستلزمة لإمكان المصاحبة. يعني أنّ كلّ مجرّد يلزمه أن يصحّ كونه معقولاً، إذ المانع عن المعقوليّة إنّما هو الغواشي الماديّة، وبتجريد العقل الماهيّة عنها يصير الماهيّة معقولة، فإذا كانت هي في نفسها مجرّدة عنها، فلا محالة يصحّ أن تصير معقولة إذا قارنت عاقلاً .

ثمّ إنّ كلّ ما يصح أن يُعقل يصحّ أن يحكم عليه بالوجود والوحدة وما يجري مجراهما من الأُمور العامّة. والحكم بشيء على شيء يقتضي تصوّرهما معاً، فكلّ ما يصحّ أن يُعقل يصحّ أن يُعقل مع غيره، فيصحّ أن يكون مقارناً لمعقول آخر، فيصحّ إذا كان مجرّداً قائماً بذاته أن يكون عاقلاً ;


صفحه 283

أي مقروناً بالصورة المعقولة في الخارج، لأنّ صحة المقارنة المطلقة لا يتوقّف على المقارنة في العقل، فإنّ صحة المقارنة المطلقة متقدّمة عليها، لكونها استعداداً لها والمطلقة متقدّمة على المقيّدة الّتي هي المقارنة في العقل، فصحّة المقارنة المطلقة متقدّمة على المقارنة في العقل بواسطة. فلا يمكن أن يتوقف عليها، وإلاّ يلزم الدّور، فيتحقّق صحة المقارنة المطلقة في الخارج أيضاً، ذلك بأن يحصل المعقول في المجرّد القائم بذاته حصول الحال في المحلّ، وذلك لأنّ المقارنة على ثلاثة أقسام:

مقارنة المحلّ للحالّ.(1)

ومقارنة الحالّ للمحلّ.(2)

ومقارنة أحد الحالّين للآخر .(3)

والمجرّد لمّا كان قائماً بذاته امتنع أن يكون مقارنته لشيء من القسمين الأخيرين، بل منحصرة في القسم الأوّل على ما هو شأن العاقل مع المعقول، فيكون المجرّد عاقلاً له لا محالة، وهو المطلوب.

ثمّ إنّ كلّ ما يصح أن يكون عاقلاً لغيره يصحّ أن يكون عاقلاً لنفسه، لأنّ كلّ عاقل لغيره يمكنه أن يعقل أنّه عاقل لغيره، وهذا يستلزم أن يعقل نفسه كما لا يخفى، فكلّ مجرّد يصحّ أن يكون عاقلاً لذاته.

وإذا صحّ أن يكون عاقلاً لذاته وجب أن يكون عاقلاً لذاته، لأنّ تعقّله


1 . كمقارنة محلّ السّواد له.

2 . كمقارنة السّواد لمحلّه.

3 . كمقارنة السّواد والحركة في الجسم الأسود المتحرّك.


صفحه 284

لذاته لا يمكن أن يكون بحصول مثاله، فيكون بحضور ذاته، وذاته حاضرة دائماً لا تغيّب، فيكون تعقّله لذاته دائماً فثبت المطلوب، وهو أن كلّ مجرّد عاقل، أي بالفعل.

هذا ما قالوه في بيان الحكم الثّاني وفيه وجوه من المناقشة :(1)

أوّلها: أنّه لِمَ لا يجوز أن يكون خصوصيّة ذات المجرّد مانعة عن تعقّله كما في تعقّل كنه ذاته تعالى؟

وثانيها: أنّ تقدّم المقارنة المطلقة على المقارنة العقليّة إنّما يصحّ لو كانت ذاتيّة لها وهو ممنوع.

وثالثها: أنّه يجوز أن لا يصحّ لذات المجرّد إلاّ المقارنة العقليّة لا لتوقّف المطلقة عليها، بل لأنّ ذات المجرّد بحيث لا يقبل إلاّ هذه كما لا يقبلها إلاّ في ضمن القسم الأوّل.

ورابعها: أنّه يجوز أن يكون لبعض المجرّدات أن يعقل المعقولات ويمتنع عليه تعقّل أنّه يعقلها، والقياس على ما يجده الإنسان من نفسه لا يفيد.

وأقول: يمكن دفع هذه الوجوه:

أمّا الأوّل: فبأنّ المانع عن التعقّل ليس في ذاته تعالى، بل فينا كما صرّحوا به.

وأمّا الثّاني: فبأنّ خواصّ الذّاتي بالنسبة إلى ما هو ذاتيّ له متحقّقة


1 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 272 ـ 273 .


صفحه 285

بين المقارنة المطلقة والخاصّة، فيجب تحقّق الذاتيّة بينهما .

وأمّا الثّالث: فبأن المقارنة العقليّة لكونها مقارنة أحد الحالين للآخر أخسّ من المقارنة الخارجيّة الّتي نحن بصدد إثباتها ـ أعني: مقارنة ذات المجرّد للمعقولات ـ لكونها مقارنة المحلّ مع الحالّ، فلا معنى لأن تأبى ذات المجرّد عن الأشرف ويقبل الأخسّ، بخلاف القسم الأوّل من المقارنة، فإنّها أشرف لا محالة من الأوّلين كما لايخفى فلا بُعد في إباء ذات المجرّد عنهما وقبولها إيّاها.

وأما الرّابع: فبأنّ هذا الحكم ـ أعني: أنّ كلّ ما يعقل غيره يمكنه أن يعقل أنّه يعقل غيره ـ قريب من البديهيّات كما صرّح به بعضهم فمنعه مكابرة. هذا.

ثمّ أقول: يمكن أن يبيّن صحة المقارنة لذات المجرّد بعد إثبات صحّة المعقولية له، بأنّ المعقولية مقارنة، لا محالة ـ أعني: مقارنة الحالّ للمحلّ ـ وهي مستلزمة للمقارنة المطلقة. فإذا صحّت المقارنة المطلقة في ضمن مقارنة الحالّ للمحلّ صحّت في ضمن مقارنة المحلّ للحالّ بالطريق الأولى لكونها أشرف كما ذكرنا، وهذا أقرب ممّا ذكروه، وأبعد عن المناقشة، وأوفق بكلام المصنّف كما لا يخفى .


صفحه 286

 

المسألة الثّانية

في القدرة (1)

وفيها فروع:

 

الفرع الأوّل:

في تعريف الطبيعة القدرة

قال: ومنها القدرة.

أقول: لمّا فرغ المصنّف (رحمه الله) من البحث عن العلم شرع في البحث الثّاني من الكيفيّات النّفسانيّة وهي القدرة ، على ما قال ومنها; أي من الكيفيّات النفسانيّة القدرة. وهي أخصّ من القوّة، ونوع منها .

قالوا: الجسم من حيث هو جسمٌ غير مؤثّر وإلاّ لتساوت الأجسام في الآثار، بل إنّما يؤثّر باعتبار أمر آخر يقارنه، ويسمّى ذلك الأمر الصّفة المؤثّرة


1 . لاحظ البحث في الكتب التالية: المباحث المشرقيّة: 1 / 382 ـ 383; ونقد المحصّل: 163 ـ 168; ومناهج اليقين في أُصول الدّين: 75 ـ 86; وارشاد الطالبين: 94 ـ 96; والارشاد للجويني: 195 ـ 209 ; والذخيرة في علم الكلام: 80 ـ 100 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 244 ـ 267; وشرح تجريد العقائد: 273 ـ 277; وأُصول الدّين لفخر الرّازي: 85 ـ 91 ; ومقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: 229 ـ 243 .


صفحه 287

والقوّة، وفسّروها بأنّها مبدأ التغيّر في آخر من حيث هو آخر، وهي: إمّا أن تؤثّر مع الشعور، أو بدونه. وعلى كلا التقديرين: إمّا أن يتشابه التّأثير أو يختلف، فهذه أربعة أقسام:

أحدها: الصّفة المقترنة بالشّعور المتّفقة في التّأثير، وهي القوّة الفلكيّة.

الثّاني: المقترنة بالشّعور المختلفة في التّأثير، وهي القوّة الحيوانيّة المسمّاة بالقدرة .

الثّالث: الصّفة الغير المقترنة بالشّعور المختلفة في التّأثير، وهي القوّة النباتيّة.

الرّابع: الغير المقترنة بالشّعور المتشابه في التّأثير، وهي القوّة الطبيعيّة.

فالقدرة صفة تؤثّر على وفق الإرادة، فخرج لا ما يؤثّر كالعلم، إذ لا تأثير له، وإن توقّف عليه تأثير القدرة، وما يؤثّر لا على وفق الإرادة كالقوى الطبيعيّة.

وقيل: هي ما هو مبدأ قريب للأفعال المختلفة، فالقوّة الفلكيّة قدرة على التّفسير الأوّل دون الثّاني، والقوّة النباتيّة بالعكس، والقوّة الحيوانيّة قدرة على التفسيرين، والقوّة العنصريّة ليست بقدرة على التفسيرين، كذا في "المواقف ".(1)


1 . لاحظ : المواقف في علم الكلام: 150 .


صفحه 288

وفي " شرح المقاصد "(1) أيضاً مثل ذلك حيث قال: «اعتبر بعضهم في كون القوّة قدرة مقارنتها للقصد والشعور، ففسّر القدرة بصفة تؤثّر وعلى وفق الإرادة .

وبعضهم اختلاف الآثار، ففسّرها بصفة تكون مبدأ الأفعال مختلفة».

ثمّ ذكر تفريع القوى الأربع على التّعريفين.

ولا يخفى بعد التفسير الثّاني، ولا يبعد أن يكون مراد المفسر الثّاني اعتبار الاختلاف مع الإرادة .

فإنّ الإرادة قد تكون متفنّنة كما في الحيوان. وقد تكون غير متفنّنة كما في الفلك .

فمآل التفسير الأوّل إلى أنّ القدرة صفة تؤثّر وفق الإرادة مطلقاً، سواء كانت متفنّنة أو لا .

ومآل التفسير الثّاني إلى أنّها صفة تؤثّر وفق الإرادة المتفننة فقط.

فعلى الأوّل يتحقّق القدرة في الفلك أيضاً.

وعلى الثّاني يختصّ بالحيوان، هذا.

ثمّ إنّه أورد في " المواقف " (2) على التفسيرين القدرة الحادثة على رأي الأشاعرة، فإنّها لا تؤثّر، وليست مبدأ للأثر.


1 . انظر : شرح المقاصد: 2 / 348 ـ 349 .

2 . لاحظ : المواقف في علم الكلام: 150 .


صفحه 289

وأجاب في " شرح المقاصد ": بأنّ المراد ليس التّأثير بالفعل، بل بالقوّة، بمعنى أنّها صفةً شأنها التّأثير والإيجاد، والقدرة الحادثة كذلك، إلاّ أنّها لم تؤثّر، لوقوع متعلّقها بقدرة الله تعالى، والنّزاع ـ في أنها بدون التأثير هل يسمّى قدرة أم لا؟ ـ ، لفظي.(1)

واعلم: أنّ لفظة القوّة وضعت أوّلاً للمعنى الّذي به يتمكّن الحيوان من مزاولة الأفعال الشاقّة من باب الحركات. ولهذا المعنى المسمّى بالقوّة مبدأ وأصلٌ هو القدرة ـ أعني: كون الحيوان بحيث إن شاء فعل وإن شاء ترك ـ ولازم هو أن لا ينفعل الشّيء بسهولة ولا يضعف، فإنّ مزاول الحركات إذا انفعل عنها صدّه ذلك عن إتمامها، فلا جرم كان اللاّانفعال دليلاً على الشدّة، فنقلوا(2) اسم القوّة إلى ذلك المبدأ ـ أعني: القدرة ـ وإلى ذلك اللاّزم، أعني: اللاّانفعال.

ثمّ إنّ للقدرة وصفاً كالجنس وهو الصّفة المؤثّرة، ولازماً وهو الإمكان، لأنّ القادر لمّا صحّ منه أن يفعل وأن لا يفعل كان صدور الفعل منه بالإمكان، فكان إمكان الفعليّ لازماً للقدرة، فنقلوا اسم القوّة من القدرة إلى جنسها ـ أعني: الوصف المؤثّر في غيره ـ وإلى لازمها ـ أعني: الإمكان وحده ـ فقالوا: للأبيض أنّه أسود بالقوّة، وسمّوا الحصول فعلاً، وإن كان في الحقيقة انفعالاً، لأنّ القوّة بالمعنى الأوّل كانت متعلّقة بالفعل، فلمّا سمّي الإمكان قوّة سمّوا ما تعلّق به الإمكان ـ أعني: الحصول والوجود ـ فعلاً.


1 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 349 ـ 350 .

2 . أي الفلاسفة.


صفحه 290

ثمّ إنّ المهندسين لمّا وجدوا بعض الخطوط صالحاً، لأن يكون ضلعاً لمربّع مخصوص، وبعضها غير صالح له سمّوا ذلك المربّع قوّة للخطّ الّذي يصلح أن يكون ضلعاً له كأنّه أمر ممكن فيه، وخصوصاً إذا تخيّل أن حدوث هذا المربّع إنّما هو بحركة ذلك الخطّ على مثل نفسه.

فالقوّة: بالمعنى الأوّل يقابلها الضّعف.

وبالثّاني العجز.

وبالثّالث سهولة الانفعال.

وبالرّابع عدم التأثير.

وبالخامس الضّرورة.

وبالسّادس عدم كون الخطّ كذلك، هذا محصل ما في " الشّفاء ".(1)

وأعلم: أيضاً أنّ القوّة بحسب الاصطلاح يتناول القوى الفعليّة والانفعاليّة ـ أعني: الّتي تهيّأ مجالها نحو الفعل أو الانفعال ـ فلذلك أخذوا في تعريفها التّغير الشّامل للفعل والانفعال.

وقد صرّح بعضهم بأنّ القوّة المؤثّرة تطلق على القوّة الانفعاليّة. وادّعى أنّهم أرادوا بالتأثير هاهنا التغيّر مطلقاً سواء كان تأثيراً أو تأثّراً. هذا.


1 . لاحظ : إلهيّات الشّفاء: 1 / 170 ـ 172 .


صفحه 291

 

الفرع الثّاني

في مغايرة القدرة الطبيعة والمزاج

قال: وتُفارق الطّبيعةَ والمزاجَ بمقارنة الشعور والمغايرةِ في التابع.

أقول: وتفارق القدرة الطبيعة وكذا تفارق المزاج المقارن للشعور بعد موافقتها إيّاهما في كونها صفة مؤثّرة، وقوّة بمقارنة الشعور في الأوّل، والمغايرة في التابع في الثّاني، وهذا نشر على ترتيب اللّف.

وإنّما كان تابع القدرة، أي أثرها مغايراً لتابع المزاج وأثره، لأنّ المزاج كما مرّ كيفيّة متوسّطة بين الكيفيّات الأربع،(1) فيكون من جنس الكيفيّات المحسوسة، وأثره من جنس أثرها، وتأثيرها إنّما هو في ما يجانسها، بخلاف القُدرة وأثرها التّابع لها، فإنّها من جنس الكيفيّات النفسانيّة وتأثيرها ليس فيما يجانسها .

وبهذا التقرير اندفع ما في " الحواشي الشريفة " من أنّه يجوز أن يكون لمتبوع واحد باعتبارات مختلفة توابع متنوّعة، فتغاير التّوابع لا يستلزم تعدد المتبوع. انتهى، فليتدبر.


1 . وهي الحرارة، والبرودة، والرُّطوبة، واليُبوسة.


صفحه 292

 

الفرع الثّالث

في أنّ القدرة مصحّحة للفعل

قال: مصحّحة للفعل بالنسبة .

أقول: والقدرة مصحّحة للفعل بالنسبة; أي مصحّحة لنسبة الفعل إلى الفاعل، أي تجعله بحيث يصح صدوره عنه ومعنى الصحة هو الجواز والإمكان، فإذا صحّ صدوره عنه صحّ عدم صدوره، أيضاً فبقيد "التصحيح "خرج الإيجاب، فإنّه ليس بقدرة. وبقيد «النّسبة» صحّة الفعل في نفسه، فإنّها غير محتاجة إلى العلّة، لما مرّ سابقاً من أنّ إمكان الممكن لازم لماهيّته وإلاّ لزم الانقلاب ولوازم الماهيّة غير مجعولة.


صفحه 293

 

الفرع الرّابع

في أنّ القدرة متعلّقة بالضدّين

قال: وتعلّقها بالطّرفين على السواء.

أقول: وتعلّقها بالطرفين; أي بالفعل والترك على السّواء، على ما ذهب إليه الحكماء والمعتزلة،(1) لا بطرف واحد على ما ذهب إليه الأشاعرة(2). وذلك لأنّ معنى القدرة صحّة الفعل والتّرك معاً، لا صحّة أحدهما فقط. وهذا ظاهر.

والمعتزلة: يدّعون الضّرورة فيه، كما نقل عنهم في "المواقف"(3) .


1 . والإماميّة. لاحظ : نقد المحصل: 167; ونهج الحق وكشف الصّدق: 130 ـ 131 ; وارشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: 96 ; ومنهاج اليقين في أُصول الدين: 78 ـ 79; والإرشاد إلى تواضع الأدلّة في أُصول الاعتقاد: 201 ـ 202 ; والذخيرة في علم الكلام: 83; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 261 ـ 263 .

2 . وقوم من الأوائل. لاحظ : مناهج اليقين في أُصول الدّين: 78; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 261 ; وأُصول الدين لفخر الرّازي: 90; ومحصّل أفكار المتقدمين والمتأخرين: 82 ; وشرح المواقف: 6 / 102. اعلم أنّ القاضي عبدالجبّار قسّم الأشاعرة في هذه المسألة إلى فرقتين: فرقة تقول: إنّ القدرة غير صالحة للضدّين، وفرقة تقول: إنّها صالحة للضدين. وقال: هذا أي الرأي الثّاني إنّما أخذوه عن ابن الراوندي، ظنّاً منهم أنّه ينجّيهم عن ارتكاب القول بتكليف ما لا يطاق. لاحظ : شرح الأُصول الخمسة: 396 ـ 398 .

3 . لاحظ : المواقف في علم الكلام: 153 .


صفحه 294

 

الفرع الخامس

في أنّ القدرة متقدّمة على الفعل (1)

قال: وتتقدّم الفعل التكليف الكافر، وللتنافي، وللزوم أحد المحالين لولاه.

أقول: وتتقدّم القدرة الفعلَ فيكون قبله زماناً، خلافاً للأشاعرة وبعض المعتزلة، فإنّها تكون عندهم مع الفعل لا قبله .

واحتجّت المعتزلة بوجوه ثلاثة:(2)

أحدها: أنّ الكافر مكلّف بالإيمان حال الكفر إجماعاً، فلو لم يكن قادراً على الإيمان حال الكفر لزم أن يكون تكليفه بالإيمان تكليفاً بما لا يطاق، إذ الإيمان حال الكفر غير مقدور على ذلك التّقدير، بل يلزم أن لا يتصوّر عصيان من أحد، إذ لا تكليف مع العصيان لاستحالة طلب الحاصل، ولا قدرة قبله فيكون التّكليف بترك العصيان تكليفاً بما لا يطاق وهو باطل بالاتّفاق، لأنّ مَنْ قال بجوازه لم يقل بوقوعه، فضلاً عن عمومه .

وإلى هذا الوجه أشار بقوله: لتكليف الكافر .


1 . لاحظ : الذخيرة في علم الكلام: 88 ـ 95 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 248 ـ 261 ; وشرح الأُصول الخمسة: 396 ; ونقد المحصل: 165 ـ 166 .

2 . لاحظ : شرح المقاصد: 3 / 355 ـ 360; وارشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: 95 ـ 96; ومحصل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين: 82 ; وشرح تجريد العقائد: 374 ; والبراهين القاطعة: 1 / 454 ـ 455; وشرح المواقف: 6 / 93 ـ 98; ونهج الحقّ وكشف الصّدق: 129 ـ 130 .


صفحه 295

وثانيها: كون القدرة ممّا يحتاج إليه الفعل ينافي كونها معه، لأنّ الفعل حال وجوده مستغن عن القدرة لا محالة.

وإلى هذا الوجه أشار بقوله: وللمتنافي.

وثالثها: لو لم تكن القدرة متقدّمةً على الفعل لزم إمّا حدوث قدرة الله تعالى، أو قِدَم العالم، وكلاهما محال.

وإليه أشار بقوله: ولزوم أحد المحالين لولاه; أي لولا تقدّم القدرة على الفعل.

وأُجيب عن الأوّل: بأنّا لا نسلّم أنّ التّكليف بالإيمان أو بترك العصيان قبل وقتهما تكليف بغير المقدور، وإنّما كان كذلك لو لم يكونا مقدورين أصلاً وليس كذلك، بل هما مقدوران في الجملة، أي في ثاني الحال، وذلك ليس من تكليف ما لا يطاق.

وعن الثاني: بأنّ الحاجة إنّما هي إلى نفس القدرة لا إلى سبقها بالزّمان، وهي حاصلة حين كون القدرة مع الفعل فلا منافاة.

وعن الثّالث: بأنّ الكلام في القدرة الحادثة المسمّاة بالاستطاعة والقدرة القديمة خارجة عن محلّ النزاع، هذا.

والحقّ: أنّ الدعوى ضروريّة وهذه الوجوه تنبيهات عليها، كيف، والقطع حاصل بقدرة القاعد في وقت قعوده على القيام والقائم في حال قيامه على القعود الوجدان.


صفحه 296

واحتجت الأشاعرة أيضاً بوجوه ثلاثة:(1)

أحدها: أنّ القدرة عرض، والعرض لا يبقى زمانين، فلو كانت قبل الفعل لا تعدّ من حال الفعل، فيلزم وجود المقدور بدون القدرة والمعلول بدون العلّة، ولا يرد النقض بالقدرة القديمة، لأنّها ليست من قبيل الأعراض.

وأُجيب (2) بعد تسليم امتناع بقاء الأعراض: بأنّ المحال هو وجود المعلول بدون أن يكون له علّة أصلاً، واللاّزم هو وجوده بدون مقارنة العلّة، بل مع سبقهما واستحالة ذلك نفس محلّ النّزاع .

الثّاني: أنّ الفعل حال عدمه ممتنع، لاستحالة اجتماع الوجود والعدم ولا شيء من الممتنع بمقدور وفاقاً.

الثّالث: لو كانت القدرة قبل الفعل لكان الفعل قبل وقوعه ممكناً، لكنّه محال وإلاّ يلزم من فرض وقوعه كون القدرة معه لا قبله .

والوجهان متقاربان، وجوابهما بعد النّقض بالقدرة القديمة: أنّه إن أُريد بامتناع الفعل حال العدم امتناعه مع وصف كونه معدوماً فمسلّم، لكنّه لا ينافي المقدوريّة وإمكان الحصول من القادر. وإن أُريد امتناعه في زمان عدمه فممنوع، بل هو ممكن بأن يحصل بدل عدمه الوجود كما هو شأن ساير الممكنات هذا .


1 . لاحظ : شرح الأُصول الخمسة: 422 ـ 431 ; وشرح المقاصد: 2 / 354 ـ 355 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 255 ـ 261 ; ومناهج اليقين في أُصول الدّين: 79 ـ 80 ; وشرح تجريد العقائد: 275 .

2 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 354 .


صفحه 297

ولنعم ما جمع الإمام الرّازي (1) بين المذهبين في المسألتين: بأنّ القدرة قد تطلق على القوّة العَضليّة الّتي هي مبدأ الآثار المختلفة في الحيوان بحيث متى انضمّ إليها إرادة كلّ واحد من الضدّين حصل دون الآخر، ولا شك أنّ نسبتها إلى الضدّين على السّواء.

وقد يطلق على القوّة المستجمعة لشرائط التّأثير، ولا شكّ في امتناع تعقّلها بالضدّين وإلاّ اجتمعا في الوجود، بل هي بالنّسبة إلى كلّ مقدور غيرها بالنّسبة إلى مقدور آخر، لاختلاف الشرائط بحسب مقدور مقدور.

فلعلّ الأشعري أراد بالقدرة المعنى الثّاني، فحكم بأنّها لا تتعلّق بالضدّين ولا هي قبل الفعل.

والمعتزلة أرادوا بها المعنى الأوّل، فذهبوا إلى أنّها تتعلّق بالضدّين وأنّها قبل الفعل، هذا.

وفي " المواقف " بعدما نقل هذا الجمع قال: وفيه بحث. ولم يبين وجهه.(2)

فقال الشّارح: «هذا ملحق ببعض النسخ، وتوجيهه ; أنّ القدرة الحادثة ليست مؤثّرة عند الأشعري، فكيف يصح أن يقال إنّه أراد بالقدرة القوّة المستجمعة لشرائط التّأثير؟ انتهى»(3).


1 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 382 ـ 383; وأُصول الدّين: 89 ـ 90 .

2 . انظر: المواقف في علم الكلام: 154.

3 . شرح المواقف: 6 / 105 .


صفحه 298

وأقول: قد مرّ أنّ المراد من التّأثير المعتبر في مفهوم القدرة هو؟ التّأثير بالقوّة لا بالفعل ندفع به هذاالبحث أيضاً كما اندفع به إيراده على تفسيري القدرة على ما مرّ.

ثمّ أقول: والعجب إنّ قول الأشعري بعدم التّأثير في القدرة الحادثة ممّا يؤيّد هذا الجمع، فإنّه لو كان مراده من القدرة هو المعنى الأوّل لم يكن هذا القول مختصّاً به، إذ لم يقل أحد بتأثير العلّة الغير المستجمعة للشرائط. وأمّا المعتزلة، فظاهر أنّ مرادهم لا يمكن أن يكون المعنى الثّاني، بل المتعيّن عندهم ; وعلى أُصولهم هو المعنى الأوّل فليثبت.


صفحه 299

 

الفرع السّادس

في امتناع وقوع المقدور الواحد بقادرين مستقلّينقال: ولا يتّحد وقوع المقدور مع تعدّد القادر;

أقول: أي امتنع أن يقع مقدور واحد بقادرين، كما امتنع أن يقع معلول واحد بعلّتين مستقلّتين على ما مرّ سابقاً .(1)

وفي " الحواشي الشّريفة" «أنّه إنّما يتمّ هاهنا إذا كانت كلّ واحدة من القدرتين مؤثّرة، وأمّا من زعم أنّ القدرة قد تكون كاسبة لا مؤثّرة، فقد جوز اجتماع قدرتين مؤثّرة وكاسبة على مقدور واحد كما في أفعال العباد الاختياريّة، ولكن لا يمكن وقوعه بهما ولم يجوز اجتماع مؤثّرتين ولاكاسبتين. انتهى»(2).

وإنّما اقتحم الوقوع لإمكان تعلّق القادرين بمقدور واحد بأن يكون كلّ منهما قادراً عليه، ولكن لا يمكن وقوعه بهما.


1 . في مبحث عدم إمكان إجتماع علّتين مستقلّتين على معلول واحد.

2 . على ما نقله الشّارح القوشجي. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 275 .


صفحه 300

 

الفرع السّابع

في بيان اجتماع قدرتين على مقدور واحد (1)

قال: ولا استبعادَ في تماثلها.

أقول: ولمّا ثبت أنّ الممتنع هو وقوع المقدور الواحد بقادرين لا تعلّقهما به، ثبت أنّه لا استبعاد في تماثلها; أي تماثل أفراد القدرة بأن تكون قدرة الشّخص على مقدور مماثلة لقدرته على مقدور آخر على ما توهّمه طائفةٌ من المعتزلة(2) بناء على أنّه لو جاز ذلك، وحكم المتماثلين واحد لجاز تعلّق كلّ واحدة منهما على مقدور أُخرى، فيلزم جواز تعلّق قدرتين، بل القادرين بمقدور واحد، لكون حكم القدرتين بعينه حكم القادرين. وثبت في الحكم السّابق امتناعه.

وذلك لما عرفت أنّ الثّابت في الحكم السّابق إنّما هو وقوعه بهما لا تعلّقهما به.


1 . يعني هل يمكن أن تكون قدرة شخص على مقدور شخصي مثل قدرته على مقدور شخص آخر، كأن تكون قدرة زيد على نجارة هذا الخشب مماثلة لقدرته على نجارة ذاك الخشب الآخر أم لا؟ احتمالان: ذهب طائفة من المعتزلة إلى استبعاد ذلك واستدلّوا به. وذهب طائفة أُخرى منهم المصنّف (رحمه الله)إلى عدم استبعاد ذلك.

2 . لاحظ : كشف المراد: المسألة الثالثة والعشرون من مبحث الكيف ; ومناهج اليقين في أُصول الدّين: 82 ـ 83 .


صفحه 301

 

الفرع الثّامن

في بيان تقابل القدرة والعجز

قال: وتقابل العجز تقابل الملكة والعدم.

أقول: والقدرة تقابل العجز تقابل الملكة والعدم، على ما ذهب إليه أبو هاشم(1)، خلافاً للأشاعرة، وجمهور المعتزلة(2)، فإنّهم ذهبوا إلى كون العجز ضدّاً للقدرة، وادّعوا التّفرقة الضروريّة بين الزّمن، والممنوع من الفعل.

والجواب: أنّها مسلّمة، لكنّها راجعة إلى عدم القدرة في الزّمن، ووجودها في الممنوع.

وقال الإمام: لا دليل على كون العجز صفة وجوديّة، ولا على كونه عدميّاً، بل كلاهما محتمل.(3) كذا في " شرح المواقف ".(4)

والحقّ على ما هو المستفاد من " نقد المحصّل": أنّ العجز إن كان عبارة عن مثل ما يعرض للمرتعش وتمتاز به حركته عن حركة المختار كانت


1 . والأصّح على ما نقل في شرح المواقف: 6 / 106 ; وعن أبي هاشم فقط على ما نقل في شرح المقاصد: 2 / 361 ; وشرح تجريد العقائد: 276 .

2 . لاحظ : شرح المواقف: 6 / 106 ; وعن بعض المعتزلة في شرح الأُصول الخمسة: 43 ; وعن الأشاعرة وأبي عليّ وأبي هاشم الجبّائي في مناهج اليقين في أُصول الدّين: 85 .

3 . لاحظ : محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخرين: 82 ـ 83; وأُصول الدّين: 90 .

4 . انظر: شرح المواقف: 6 / 106 .


صفحه 302

القدرة عبارة عن هيئة تعرض عند سلامة الأعضاء يعبّر عنها بالتمكّن أو بما هو علّةٌ له، فالقدرة وجوديّة والعجز أيضاً وجوديّ. ولعلّ الأشاعرة ذهبوا إلى ذلك.

وإن كانت القدرة عبارة عن الهيئة المذكورة. والعجز عبارة عن عدم تلك الهيئة، فالقدرة وجوديّة، والعجز عدميّ. ولعلّ المعتزلة ذهبوا إلى ذلك.

وأمّا إن كانت القدرة عبارة عن سلامة الأعضاء الّتي هي عدم الآفة، فيكون عدميّة. والعجز آفة تعرض الإعراض، فيكون وجوديّة، فهذا لا يطابق شيئاً من المذهبين كما لا يخفى.(1)


1 . نقل بزيادة واختلاف. لاحظ : نقد المحصل: 168 .


صفحه 303

 

الفرع التّاسع

في تضادّ القدرة والخلق

قال: ويضادّ الخُلقَ لتضادّ أحكامهما، والفعل.

أقول: ويضاد(1) الخُلق بالرفع ليكون فاعل يُضادّ والمفعول محذوف، أي ويضادّها، أي القدرة الخلق لتضاد أحكامهما، فإنّ القدرة تقتضي تساوي نسبتها إلى الطرفين كما مرّ بخلاف الخلق، فإنّه ملكة للنفس يصدر بها عنها الفعل بلا روية وفكر، فلا يكون إلاّ متعلّقاً بأحدهما فقط.

والفعل، بالنصب عطف على الضمير المنصوب المحذوف، أي ويضاد الخلق الفعل أيضاً لتضاد أحكامهما، فإنّ الفعل قد يكون تكليفاً بخلاف الخُلق.

وإنّما تعرضوا لمضادّة الخلق الفعل بناء على أنّ أكثر الأخلاق تحصل بمزاولة الأفعال. كذا في "الحواشي الشّريفيّة".

واعلم: أنّ الواقع في نسخة شرح العلاّمة(2) إنّما هو "تُغاير" بدل "يُضاد" وذلك هو الصواب.

ولذلك قال الشّارح القديم: إنّ ما ذكره يفيد مغايرة الخلق للقدرة والفعل لا تضادّهما. ولعلّه أراد بالتّضاد التّغاير في المفهوم والصدق.


1 . في بعض النسخ: «تغاير الخُلق».

2 . لاحظ : كشف المراد: المسألة الثّالثة والعشرون، من مبحث الكيف.


صفحه 304

وقال المحشّي الشريف(1): وذلك لأنّ كون الشّيء صالحاً لأنّ يقع به الضّدان ومتساوي النّسبة إليهما، وكونه غير صالح لذلك متنافيان لا يصدقان على ذات واحدة من جهة واحدة، فيجب حينئذ أن تتغاير القدرة والخُلق: إمّا ذاتاً، وأمّا اعتباراً، وإمّا تضادّهما وامتناع اجتماعهما في محلّ فلا، كيف، والظّاهر اجتماعهما في محلٍّ واحد بالقياس إلى فعل واحد.

وما يتوهّم من أنّ تينك الصفتين المتنافيتين لازمتان لهما وتنافي اللاّزمين يستلزم امتناع اجتماع هذين الملزومين.

فجوابه: أنّ تنافي اللاّزمين الحمليّين يستلزم تغاير الملزومين لا امتناع اجتماعهما في محلّ واحد، والمقتضي لامتناع الاجتماع هو تنافي اللّوازم الاتصاليّة. وهذه نكتة سرّية قد غفل عنها أقوام فضلّوا وأضلّوا.

وكذلك كون الفعل بحيث يكون تكليفاً وكون الخلق على خلاف ذلك يدلّ على تغايرهما دون تضادّهما.

فعلم أنّه أطلق التّضاد على التّغاير في المفهوم والصّدق إطلاقاً للخاصّ على العامّ .

ويؤيّده قول الإمام في " الملخّص" والفرق بين الخلق وأصل القدرة. وقوله: وليس الخلق الفعل. انتهى كلامه الشريف.


1 . على ما نقله الشّارح القوشجي. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 276 .


صفحه 305

 

المسألة الثّالثة

في اللّذة والألم (1)

وفيها فروع

 

الفرع الأوّل

في حقيقة اللّذة والألم

قال: ومنها اللّذة والألم، وهُما نوعان من الإدراك تخصَّصا بإضافة تختلف بالقياس.

وليست اللّذة خروجاً عن الحالة الطبيعيّة لا غير.

أقول: لمّا فرغ المصنّف (رحمه الله) من البحث عن القدرة شرع في البحث عن اللّذة والألم على ما قال ومنها; أي من الكيفيّات النفسانيّة اللّذة والألم،


1 . شرح الإشارات والتنبيهات: 3 / 334 ـ 354 ; والمباحث المشرقية: 1 / 387 ـ 399; والأسرار الخفيّة في العلوم العقليّة: 570 ـ 572 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 121 ـ 123 ; ورسائل فلسفيّة لزكريّا الرّازي: 139 ـ 164 ; ونقد المحصل: 171 ـ 172 ; وارشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: 120 ـ 122 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 276 ـ 301 ; والبراهين القاطعة: 1 / 458 ـ 461 ; وشرح المقاصد: 2 / 363 ـ 374 ; وشرح المواقف: 6 / 134 ـ 144 ; والأسفار: 4 / 117 ـ 144 ; والمطالب العالية من العلم اللهي: 3 / 183 ـ 184 .


صفحه 306

وهما من الوجدانيّات البديهية التّصور. وقد يفسّران قصداً إلى تعيين المسمّى.

فقال الشيخ في " الإشارات": «اللّذة هي إدراك ونيل لوصول ما هو عند المدرِك كمال وخير، من حيث هو كذلك .

والألم هوإدراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك آفة وشرّ»(1).

وقال المصنّف في شرحه: «أمّا الإدراك فقد مرّ شرح اسمه، وأمّا النيل فهو الإصابة والوجدان.

وإنّما لم يقتصر على الإدراك، لأنّ إدراك الشيء قد يكون بحصول صورة تساويه ونيله لا يكون إلاّ بحصول ذاته. واللذّة لا يتمّ بحصول ما يساوي اللّذيذ بل إنّما يتمّ بحصول ذاته.

وإنّما لم يقتصر على النيل، لأنّه لا يدلّ على الإدراك إلاّ بالمجاز.

وإنّما أوردهما معاً لفقدان لفظ يدلّ على المعنى المقصود بالمطابقة. وقدّم الأعمّ الدالّ بالحقيقة وأردفه بالمخصّص الدالّ بالمجاز .

وإنّما قال: «لوصول ما هو عند المدرك» ولم يقل: لما هو عند المدرك، لأنّ اللذّة ليست هي إدراك اللّذيذ فقط، بل هي إدراك حصول اللّذيذ للملتذّ ووصوله إليه .

وإنّما قال: «ما هو عند المدرك كمال وخير» لأنّ الشّيء قد يكون كمالاً


1 . الإشارات والتنبيهات: 343. وقال في الشفاء: «فإنّ اللّذة ليست إلاّ إدراك الملائمة من جهة ما هو ملائم». لاحظ: إلهيات الشّفاء: 2 / 369 .


صفحه 307

وخيراً بالقياس إلى شيء وهو لايعتقد كماليّته وخيريّته فلا يلتذّ به، وقد لا يكون كذلك وهو يعتقده فيلتذّ به. فالمعتبر كماليّته وخيريّته عند المدرك لا في نفس الأمر .

والكمال والخير هاهنا ـ أعني: المقيسين إلى الغير ـ هما حصول شيء لما من شأنه أن يكون ذلك الشيء له، أي حصول شيء يناسب شيئاً ويصلح له، أو يليق (1) به بالقياس إلى ذلك الشّيء. والفرق بينهما أنّ ذلك الحصول يقتضي لا محالة براءةً ما من القوّة لذلك الشيء، فهوبذلك الاعتبار فقط كمال وباعتبار كونه مؤثراً خير. وإنّما ذكرهما (2) لتعلّق معنى اللذّة بهما، وأخّر ذكر الخير لأنّه يفيد تخصصاً ما لذلك المعنى .

وإنّما قال: «من حيث هو كذلك» لأنّ الشّيء قد يكون كمالاً وخيراً من جهة دون جهة، والالتذاذ به يختصّ بالجهة الّتي هو منها (3) كمال وخير.

وهذه ماهيّة اللّذة، ويقابلها ماهيّة الألم كما ذكره.

وهذا أقرب إلى التّحصيل من قولهم: اللذّة إدراك الملائم، والألم إدراك المنافي. ولذلك عدل الشيخ منه إلى ما ذكره. انتهى كلام " شرح الإشارات"(4).

وإلى تعريفهما الّذي ذكره الشيخ أشار هاهنا بقوله: وهما نوعان من


1 . في المصدر: «أو أمر يليق».

2 . الشيخ (رحمه الله) .

3 . في المصدر: «معها».

4 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 3 / 337 ـ 339 .


صفحه 308

الإدراك تخصّصاً، بكون كلّ منهما مع النّيل على ما مرّ في بيان وجه إيراد الإدراك والنّيل كليهما معاً وعدم الاقتصار بأحدهما فقط متلبساً كلّ منهما بإضافة إلى ما أُضيف إليه، أي وصول الملائم والمنافي. تختلف تلك الإضافة باعتبار اختلاف المضاف إليه ـ أعني: الملائم والمنافر ـ بالقياس إلى المدرك على ما مرّ في شرح قول الشّيخ «ما هو عند المدرك كمال وخير».

فحصل من هذا الكلام: أنّ اللذّة إدراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك ملائم، وإنّ الألم إدراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك منافر .

ومن اختلاف كلّ من الملائم والمنافي بالقياس إلى المدرك يمكن أن يفهم أنّ المراد إدراك كلّ منهما من حيث هو ملائم أو مناف على ما هو المراد من الحيثيّة المذكورة في تعريف الشيخ.

فدلّ هذا الكلام على تعريفهما الّذي ذكره الشيخ بجميع أجزائه.

وهذا الاستنباط كسائر نظائره من مختصّات هذا الشرح بفضل الله ومنه.

وليست اللّذة خروجاً عن الحالة الطبيعيّة غير، كذا وقعت هذه العبارة في نسخ المتن، وظاهر أنّه سهو من القلم، لأنّ هذا الكلام ردّ لما زعمه محمد بن زكرياء الطبيب(1): «من أنّ اللذّة هي العود إلى الحالة الطبيعيّة بعد


1 . محمد بن زكرياء الرّازي طبيبٌ كيميائيٌ وفيلسوف لقبه جالينوس العرب، من أهل الري المتوفى (312 هـ) وله تصانيف مختلفة ومنها: الأسرار في الكيمياء، الحاوي، مقالة في ما بعد الطبيعية. لاحظ: محبوب القلوب: 2 / 50 ـ 55 ; وموسوعة أعلام الفلسفة: 1 / 471 ـ 472 .


صفحه 309

الخروج عنها. وبعبارة أُخرى: هي الخروج عن الحالة الغير الطبيعيّة إلى الحالة الطبيعية»(1). وأمّا الخروج عن الحالة الطبيعيّة، فليست لذّة عنده، بل ذلك عنده هو الألم أو سببه. فالصّواب هو إحدى هاتين العبارتين، فعنده لذّة الأكل هي زوال ألم الجوع، ولذّة الوقاع زوال ألم دغدغدة المنيّ لأوعيته، وهكذا.

قال(2): إنّ الأُمور المستمرّة لا يشعر بها، فإذا تجدّد زوال حالة غير طبيعيّة إلى حالة طبيعية يشعر بها. فقد قارن إدراك الحالة ذلك الزّوال الّذي هو اللذّة، فظنّوا أنّ إدراك الحالة الطبيعيّة، أي الملائمة هو اللذّة. فقد أخذوا ما بالعرض مكان ما بالذّات.

وقال الإمام في الملخّص: إنّ اللذّة لا تتمّ لنا إلاّ بالإدراك، والإدراك الحسيّ سيّما اللّمسي إنّما يحصل بالانفعال عن الضدّ. فإذا استمرّت الكيفيّة  الموجبة لذلك لم يحصل الانفعال، فلم يحصل الشعور، فلم تحصل اللذّة، فلمّا لم تحصل اللذّة اللّمسيّة إلاّ عند تبدّل الحال الغير الطّبيعي ظنّ الطبيب الرّازي أنّ اللذّة نفسها هي ذلك الانفعال، والخروج عن تلك الحالة الغير الطبيعيّة، فقد أخذ ما بالعرض مكان ما بالذّات. وهو ظنّ فاسدٌ، فإنّ الإنسان قد يلتذّ بالنّظر إلى الوجه الحسن، وبالوقوف على مسألة علميّة، وبوصول مال إليه من غير أن يخطر بباله هذه الأشياء قبل وصولها إليه حتّى


1 . هذه العبارة مطابقة لما نقله شارح المواقف. لاحظ : شرح المواقف: 6 / 137 .

2 . أي قال محمد بن زكرياء الطبيب. لاحظ تفصيل مذهبه في رسائل فلسفيّة: 139 ـ 164، 138 .


صفحه 310

يكون له حالة غير طبيعيّة وشوق إلى تلك الأشياء، فيزول بوجدانها ضرر الشوق إليها.

فإن قيل: إنّه كان مدركاً لكليّات هذه الأشياء ومشتاقاً إليها في ضمن جميع جزئيّاتها ومتألّماً بها بفقدانها، وإن لم يكن له شعور بهذه المعيّنات. فإذا حصلت له هذه الجزئيّات زال عنه بعض ذلك الألم. وإذا حصل له جزئيّات أُخر زال بعض آخر، وهكذا فلا تتحقّق لذّة بلا زوال.

قلنا: قد يدّعى حصول اللذّة بوجدان الأُمور المذكورة بلا سابقة شوق إليها ولو إجمالاً، كما في إدراك الذائقة الحلاوة أوّل مرّة.

قال شارح المقاصد: «وأبطله ـ أي زعم محمد بن زكريّا ـ ابن سينا وغيره بأنّه قد تحصل اللذّة من غير سابقة ألم، أو حالة غير طبيعيّة كما في مصادفة مال ومطالعة جمال من غير طلب وشوق، لا على التفصيل، ولا على الإجمال، بأن لم يخطر ذلك بباله قطّ لا جزئيّاً ولا كليّاً. وكذا في إدراك الذّائقة الحلاوة أوّل مرّة.

وقد يحصل ذلك التبدّل من غير لذّة، كما في حصول الصحّة على التّدريج. وفي ورود المستلذّات من الطّعوم والرّوائح والأصوات وغيرها على من له غاية الشوق إلى ذلك. وقد عرض له شاغل عن الشعور بذلك».(1)


1 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 366 .


صفحه 311

 

الفرع الثّاني

في سبب الألم

قال: وقد يستند الألم إلى التفرّق .

أقول: للألم ـ كما عن الشّيخ (1) وغيره (2) ـ سببان:

أحدهما: تفرّق الاتّصال، فإنّ مقطوع اليدّ يحسُّ بالألم بسبب تفرّق اتّصالها عن البدن.

الثّاني: سوء المزاج المختلف. كما أشار إليه المصنّف (رحمه الله) بقوله: وقد يستند الألم إلى التفرّق; أي تفرّق الاتّصال، كما أنّه قد يستند إلى سوء المزاج، وهو على قسمين: متّفقٌ ومختلفٌ.

فالمتّفق : هو مزاج غير طبيعيّ يرد على العضو ويزيل مزاجه الطبيعيّ ويتمكّن فيه كأنّه المزاج الطبيعيّ.


1 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: كتاب النفس / 60 ـ 61 ; والمباحثات: 69 برقم 97 .

2 . لغير الشيخ في المقام أقوال: منها: أنّ السبب الذّاتي هو تفرّق الاتّصال، نقلاً عن جالينوس وأكثر الأطبّاء أو جميعهم والأوائل والمعتزلة أو بعضهم كالقاضي عبد الجبّار.

ومنها: أنّ السّبب الذّاتي هو المزاج، وإليه مال الفخر الرّازي وجمع من المتأخّرين.

ومنها: أنّ كلاًّ منهما يصلح سبباً بالذّات. انظر: المباحث المشرقيّة: 1 / 390 ـ 397 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 287 ـ 298 ; والمغني: 9 / 137 و 160 ; 13 / 272 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 121 ـ 122 ; ونقد المحصل: 171 ـ 172 ; والأسفار: 4 / 124 ـ 125 ; وشرح المقاصد: 2 / 369 ـ 370 .


صفحه 312

والمختلف: مزاج غير طبيعيّ يرد على العضو ولا يبطل مزاجه الطبيعيّ، بل يخرجه عن الاعتدال .

والمؤلم من هذين هو سوء المزاج المختلف، وذلك لأنّ شرط الإحساس هو مخالفة ما بين كيفيتي الحاسّ والمحسوس، إذ مع الانفاق لايحصل التأثّر، فلا يكون إحساس. فإذا تمكّنت الكيفيّة المنافرة في العضو وأزالت الكيفيّة الأصليّة للعضو، فليس ثمّة كيفيّتان متخالفتان، فلم يكن فعلٌ وانفعالٌ، فلا يحسّ بالمنافرة. وأمّا في سوء المزاج المختلف: فالكيفيّة الأصليّة باقية مع الكيفيّة الواردة، فيتحقّق المنافاة والإحساس بالمنافر الّذي هو الألم.

ألا ترى أنّ حرارة المدقوق أكثر من حرارة صاحب الغب ؟ ولهذا يذوب أعضاء المدقوق مع أنّ حرارة الغب محسوسة دون حرارة الدق، فإنّ صاحب الغب يجد التهاباً ويضطرب اضطراباً بخلاف المدقوق.(1)

وهذا ـ أعني: استناد الألم تارة إلى سوء المزاج المختلف ـ هو مذهب الشيخ (2).

وأمّا مذهب جالينوس: فهو أنّ السبب الذاتي للألم إنّما هو تفريق الاتصال فقط .


1 . لاحظ : شرح المواقف: 6 / 142 ـ 144 ; وشرح المقاصد: 2 / 365 ـ 371 ; وشرح تجريد العقائد: 278 ـ 289 ; وارشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: 133 ; والأسفار: 4 / 130 ـ 132 .

2 . احتجّ الشيخ على أنّ سوء المزاج المختلف مؤلم بالذّات بوجوه أربعة. لاحظ: القانون في الطب: 1 / 145 ـ 146 / الفصل التاسع عشر من الجملة الثّانية من التعليم الثّاني من الفنّ الثّاني.


صفحه 313

واختار الإمام: أنّه سوء المزاج المختلف فقط، وأبطل كون تفريق الاتّصال سبباً له بوجوه.(1)

منها: أنّه عدميّ والألم وجوديّ، والعدميّ لا يكون سبباً للوجوديّ.

ومنها: أنّ الالم قد يتخلّف عن تفريق الاتّصال، فإنّ من عقر يده بسكّين حادّ في الغاية لم يحسّ بالألم إلاّ بعد زمان حتّى إذا حصل له سوء المزاج تألّم، فلا يكون التفرّق سبباً ذاتيّاً له، وإلاّ لم يتخلّف عنه.

ومنها: أنّ اغتذاء الحيوان يوجب تفرّق أجزائه أبداً، فيلزم أن يكون متألّماً دائماً، فإنّ التغذّي مداخلة الغذاء لجميع الأجزاء، ولا يتصوّر هذه المداخلة إلاّ بتفريق في ما بين الأجزاء، وهو حاصل دائماً، فالتفرّق أيضاً حاصل دائماً.

ومنها: أنّ تفرّق الاتّصال في الجراحة العظيمة أكثر منه في لسعة العقرب، فوجب أن يكون إيلام الجراحة أقوى من إيلام اللّسعة، وليس كذلك.

وأُجيب عن الأوّل: بمنع كون التفرّق عدميّاً، بل هو عبارة عن حركة الأجزاء بعضها عن بعض.

ولو سلّم، فالعدميّ قد يكون سبباً للوجودي، بأن يتّصف به أمر في الخارج، ويصير بسبب هذا الاتصاف سبباً له.

وعن الثّاني والثّالث: بأنّ المراد بالسّبب الذّاتي ما لا يحتاج إلى سبب


1 . انظر: المباحث المشرقيّة: 1 / 390 ـ 391 ; ونهاية المرام: 2 / 288 ـ 292 ; و


صفحه 314

متوسط بينه وبين المسبّب، فجاز أن يكون مشروطاً بشرط يتخلّف عنه المسبّب، لفقدانه .

على أنّ التفرّق الحاصل في الأجزاء بالاغتذاء وإن كان متكثّراً، لكنّه متصغّر مستمر، فلا يحسّ به لصغره واستمراره.

وعن الرّابع: بأنّه إنّما يلزم لو كان ألم لسعة العقرب لتفرّق الاتصال، وليس كذلك، بل إنّما هو لما يحصل بواسطة سمّه من سوء مزاج مختلف هو أقوى تأثيراً من الجراحة العظيمة.


صفحه 315

 

الفرع الثّالث

في أقسام اللّذة والألم

قال: كلّ منهما حسيّ وعقليّ وهو أقوى.

أقول: وكلّ منهما: أي من اللّذة والألم حسيّ وعقلي حسب انقسام الإدراك إليهما.

بيان ذلك: أنّك قد عرفت أنّ اللذّة إدراك ونيل لحصول ما هو خيرٌ ومؤثّرٌ عند المدرك .

والإدراك على قسمين: حسيٌّ وعقليٌّ.

فكما أنّ لكلّ من الحواسّ ما هو خيرٌ ومؤثر عنده كالتّكيف بكيفيّة الحلاوة للذائقة، وبكيفيّة الألوان الحسنة والأشكال المستحسنة للباصرة، وبكيفية الأصوات الرخيمة والنغمات المتناسبة للسّامعة، وبكيفيّة الروائح الطّيّبة للشامّة، وبكيفيّة السّطوح النّاعمة والكيفيّات الملائمة للاّمسة، وكتصوّر الغلبة والمعاني المرجوة للواهمة وكتذكّرهما للذّاكرة. فإذا نالت هذه القوى تلك الكمالات المؤثرة لها التذّت بها.

كذلك للقوّة العاقلة أيضاً كمال وخير مؤثر عندها هو أن يتمثّل فيها بقدر الطّاقة جليّة الحقّ سبحانه وصفاته وأفعاله ونظام الوجود على ما هو عليه على الوجه اليقين البرهانيّ المبرأ عن شوائب الأوهام. فإذا نالت هذا


صفحه 316

الكمال والخير المؤثر عندها التذّت به لا محالة لتحقّق حدّ للذّة هاهنا كما تحقّق هناك.

وهي هاهنا أقوى ممّا هناك، لكون إدراك العقل أتمّ من إدراك الحسّ، لكونه واصلاً إلى كنه الأشياء وحقائقها، بخلاف إدراك الحسّ، لكونه واقفاً عند سطوح الأجسام وظواهرها، ولكون مدرك العقل أشرف وأبهى لتجرّده عن الشوائب المادّية والعوارض الجسمانيّة الّتي هي منبع الخسّة ومعدن الدناءة، بل لا نسبة لهذه اللذّة إلى تلك اللذّات، كما لا نسبة لمدرك العقل إلى تلك المدركات على ما بيّنا.

وإلى هذا أشار بقوله: وهو; أي العقليّ أقوى، ولذلك ترى الّذين أُوتوا حظّاً (1) منها يستحقرون طيّبات الحياة الدّنيا، ولا يصدنّك عن هذه التفات طائفة منهم إلى شيء من شهواتها، فإنّ ذلك منهم ليس من حيث إنّها لذّات حسّية مرغوب فيها، بل من حيث إنّها بالقياس إليهم وسائل تلك اللذّة العظمى على ما قاله المحقّق الشريف.

فثبت تحقّق اللذّة العقليّة، وكونها أقوى من اللذّات الحسيّة. وهذا ردّ لمن زعم من أهل الظاهر أنّه لا لذّة إلاّ في المحسوسات.

وهذه اللذّة العقليّة، ثابتة لسائر المجرّدات العقليّة والذّوات القدسيّة على طبقاتها وتفاوت مراتبها، بل للمبدأ الأوّل جل شأنه وإن لم يتعارف إطلاق لفظ اللذّة على ما هناك.


1 . في د: «نصيباً».


صفحه 317

ولذلك قال الشيخ في " الإشارات ": «أجلُّ مبتهج بشيء هو الأوّل بذاته، لأنّه أشدّ الأشياء إدراكاً لأشدّ الأشياء كمالاً، الّذي هو بريء عن طبيعة الإمكان والعدم ـ وهما منبعا الشرّ ـ ولا شاغل له عنه»(1).

وقال المصنّف في شرحه: «وإنّما ترك لفظ اللذّة واستعمل بدلها الابتهاج، لأنّ إطلاقها على الواجب الأوّل وما يليه ليس بمتعارف عند الجمهور. انتهى»(2).

ثمّ إنّه كلّ شيء يتصوّر فيه اللذّة والابتهاج يتصوّر فيه العشق، ولذلك قال الشّيخ بعد كلامه المنقول: «والعشق الحقيقيّ هو الابتهاج بتصوّر حضرة ذات مّا.

والشّوق هو الحركة إلى تتميم هذا الابتهاج، إذا كانت الصّورة متمثّلة من وجه كما تتمثّل في الخيال، غيرَ متمثّلة من وجه، كما يتّفق أن لا تكون متمثّلة في الحسّ، حتّى يكون تمام التمثيل الحسّيّ للأمر الحسّيّ. وكلّ مشتاق فإنّه قد نال شيئاً مّا، وفاتَه شيء .

وأمّا العشق فمعنى آخر، فالأوّل عاشق لذاته معشوق لذاته، عُشِق من غيره أو لم يُعشَق. ولكنّه ليس لا يُعشَق من غيره ; بل هو معشوق لذاته من ذاته، ومن أشياء كثيرة من غيره»(3).


1 . الإشارات والتّنبيهات: 350 .

2 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 3 / 360 .

3 . الإشارات والتّنبيهات: 350 ـ 351.


صفحه 318

وقال المصنّف في شرحه: «واعلم: أنّ كلّ خير مؤثرٌ، وإدراك المؤثر من حيث هو مؤثر حبّ له. والحبّ إذا فرّط سمّي عشقاً، وكلّما كان الإدراك أتمّ والمدرك أشدّ خيريّة كان العشق أشدّ .

والإدراك التامّ لا يكون إلاّ مع الوصول التامّ. فالعشق التامّ لا يكون إلاّ مع الوصول التامّ. ويكون ذلك على ما مرّ لذّة تامّة وابتهاجاً تامّاً.

فإذن العشق الحقيقيّ هو الابتهاج بتصوّر حضور ذات ماهي المعشوقة.

ثم لمّا كان الشوق عندنا من لوازم العشق وربّما يشتبه أحدهما بالآخر أشار إلى الشوق أيضاً وذكر أنّه الحركة إلى تتميم هذا الابتهاج. ولا يتصوّر ذلك إلاّ إذا كان المعشوق حاضراً من وجه غائباً من وجه.

ثمّ أثبت العشق الحقيقيّ للأوّل تعالى لحصول معناه هناك. فإنّه الخير المطلق وإدراكه لذاته أتمّ الإدراكات، ولم يتحاشّ عن إطلاق هذا اللّفظ عليه وإن كان غير مستعمل عند الجمهور، لأنّه مستعمل في عرف الإلهيّين من الحكماء والمحقّقين من أهل الذوق، ونزهه الله تعالى عن الشوق، إذ لا يمكن أن يغيب عنه شيء، وبيّن أنّه عاشق لذاته معشوق لذاته من غير وقوع كثرة فيه، ومعشوق أيضاً لغيره بحسب إدراك الغير له. انتهى».(1)

وإذا عرفت الأمر في اللذّة فقس عليه حال الألم، فالآلام العقليّة أشدّ من الآلام الحسّية، بل لا نسبة لها إليها أعاذنا الله عنهما جميعاً بفضله وكرمه.


1 . شرح الإشارات والتنبيهات: 3 / 360 ـ 361 .


صفحه 319

 

المسألة الرّابعة

في الإرادة والكراهة (1)

وفيها فروع:

 

الفرع الأوّل

في حقيقة الإرادة والكراهة

قال: ومنها: الإرادة والكراهة وهُما نوعان من العلم .

أقول: إنّ هذا الفرع في بيان حقيقة الإرادة والكراهة على ما قال: ومنها; أي من الكيفيّات النفسانيّة الإرادة والكراهة يشبه أن يكون معناهما واضحاً عند العقل غير مشتبه بغيرهما إلاّ أنّه يعتبر معرفتهما والتعبير عنهما بما يفيد تصوّرهما، ولذلك اختلف فيهما:

فذهب كثير من المعتزلة (2) ـ كأبي الهذيل والنظام


1 . لاحظ: المغني: 2 / 6: كل الكتاب; ونقد المحصل: 168 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 117 ـ 121 ; والمطالب العالية من العلم الإلهي: 3 / 175 ـ 178 ; وارشاد الطالبين: 118 ـ 120 ; واللوامع الإلهيّة في المباحث الكلاميّة: 136 ـ 137 ; والبراهين القاطعة: 1 / 461 ـ 467 ; وشرح تجريد العقائد: 279 ـ 284 .

2 . انظر: المغني: 2 / 6 / ص 8 ـ 23 ; وشرح المواقف: 6 / 64 ـ 65 ; وشرح المقاصد: 2 / 338 ـ 339 ; وشرح تجريد العقائد: 279 ـ 280 .


صفحه 320

والجاحظ (1) والبلخي (2) إلى أنّ الإرادة هي اعتقاد القادر النفع والمصلحة في الفعل له ولغيره ممّن يؤثر خيره، سواء كان يقينيّاً أو غيره، والكراهة اعتقاده المضرّة والمفسدة في الفعل كذلك .

واختاره المصنّف وأشار إليه بقوله: وهما نوعان من العلم; أي بمعنى الأعمّ.

قالوا: إنّ نسبة قدرة القادر إلى طرفي المقدور ـ أعني: فعله وتركه ـ على السواء، فإذا اعتقد نفعاً في أحد طرفيه ترجّح ذلك الطرف عنده وصار هذا الاعتقاد مع القدرة مخصّصاً لوقوعه منه.

وذهب جماعة منهم إلى أنّهما زائدتان على العلم، بل الإرادة ميل يعقّب اعتقاد النّفع أو ظنّه، لأنّ القادر كثيراً ما يعتقد النّفع أو يظنّه ولا يريده ما لم يحدث هذا الميل .

والجواب: أنّا لم نجعلها مجرّد اعتقاد النفع أو ظنّه، بل مع كون النّفع بحيث يمكن وصوله من غير مانع من تعب، أو معارضة، وما ذكر من الميل إنّما يحصل لمن لا يقدر على تحصيل ذلك الشّيء قدرة تامّة أمّا في القادر التامّ القدرة فيكفي الاعتقاد المذكور، كالشوق إلى المحبوب لمن لم يكن واصلاً إليه. وأمّا الواصل إليه، فلا شوق له.


1 . هو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفّى (255 هـ) أحد أئمة المعتزلة.

2 . هو عبدالله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي الخراساني من بني كعب المتوفى (319 هـ) أحد أئمة المعتزلة: لاحظ تفصيل ترجمته في: وفيات الاعيان: 1 / 252 وتاريخ بغداد: 9 / 384 .


صفحه 321

وذهبت الأشاعرة(1) إلى أنّها صفة مخصّصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع .

قالوا: فإنّ الإرادة قد تكون بدون اعتقاد النفع أو ميل يتبعه، فلا يكون شيء منهما لازماً لها فضلاً عن أن يكون نفسها، وذلك كما في الأمثلة الّتي يرجّح فيها المختار أحد الأمرين المتساويين من جميع الوجوه بمجرّد إرادته من غير توقّف في طلب المرجّح بالضّرورة، كطريقي الهارب، ورغيفي الجايع، وقدحي العطشان .

والجواب: أنّا لا نسلّم تساويهما في نفس الأمر، ولو تساويا في نفس الأمر لم يستبعد منع اختيار أحد الأمرين، وإنّما يستبعد عند فرض التساوي، وهو لا يستلزم الوقوع. وعلى تقدير تسليم الوقوع في نفس الأمر، لا يستلزم التّساوي في اعتقاد المختار، بل الظاهر أنّه يترجّح عنده أحد الأمرين، فلذلك لا يتوقّف. ولو لم يترجّح لتوقّف ألبتة بالضّرورة العقلّية لعدم المرجّح والضّرورة الّتي ادّعيتموها ضرورة الوهم لا محالة للاحتمالات المذكورة. وليس يلزم من الشّعور بالمرجّح الشّعور بذلك الشّعور، فلعلّ الدهشة، أو غيرها في تلك الحالة صارت سبباً لعدم استثبات الشّعور في الحافظة، فلأجل ذلك لا يعرف الهارب الآن أنّه كان له شعور بالمرجّح في تلك الحالة.


1 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 339 ـ 340 ; والمطالب العالية من العلم الإلهي: 3 / 175 ـ 177 ; وشرح تجريد العقائد: 280 ; والبراهين القاطعة: 1 / 461 ـ 462 ; وشرح المواقف: 6 / 65 ـ 66 .


صفحه 322

على أنّه قد قيل: أنّه إذا فرض تساوي الطّريقين مثلاً في نجاة الهارب، فإنّ طبيعته تقتضي سلوك الطريق الّذي على يساره، لأنّ القوّة في اليمين أكثر، والقويّ يدفع الضّعيف، كما هو المشاهد في من يدور على عقبه. وأمّا في القدحين والرغيفين، فيختار ما هو أقرب إلى اليمين.

وإذا عرفت الحال في الإرادة، فقسّ عليه الكراهة، فإنّها: إمّا علم بالضّرر والمفسدة كما عرفت، أو ميل بعدم الوقوع بعقبه، أو صفة مخصّصة لعدم الوقوع على اختلاف المذاهب في الإرادة.


صفحه 323

 

الفرع الثّاني

في أنّ إرادة الشّيء يلزمها كراهة ضدّه

وكراهة الشّيء يلزمها إرادة ضدّه

 

قال: وأحدهما لازم مع التّقابل.

أقول: وأحدهما; أي كلّ من الإرادة والكراهة لازم ; أي للآخر مع التقابل; أي مع تقابل متعلّقيهما. يعني أن إرادة الشّيء مستلزمة للكراهة عن مقابله من حيث هو مقابله، وكراهة الشّيء مستلزمة لإرادة مقابله كذلك، وذلك بشرط الشعور بالمقابل.

وهذا مختار القاضي والغزّالي(1). والدليل على ذلك أنّه عند إرادة الفعل لو لم يكن الترك من حيث هو ترك له مكروهاً لزم أن يكون مراد أيضاً وإرادتا المتقابلين متقابلتان، فيلزم اجتماع المتقابلين. هذا غاية التقرير.

وبقيد «الحيثيّة» اندفع عنه أنّه يجوز إرادة كلّ من المتقابلين من وجه فلا يلزم اجتماع المتقابلين.


1 . أي ما أختار المصنّف (رحمه الله) مختار القاضي أبو بكر الباقلاني، ومحمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي أبو حامد. وهما من الأشاعرة. لاحظ : شرح المواقف: 6 / 76 ـ 77 ; وشرح المقاصد: 2 / 342 ـ 343 ; وشرح تجريد العقائد: 281 .


صفحه 324

وجه الاندفاع: أنّ الفعل المراد بوجه ليس مقابله إلاّ تركه من هذا الوجه لامن وجه آخر، فليتدبّر .

وذهب الأشعري وكثير من أصحابه(1)إلى أنّ إرادة الشّيء نفس كراهة ضدّه، إذ لو كانت غيرها، فإمّا يكون مثلها، أو ضدّها، فلا تجامعها لامتناع اجتماع المثلين والضدّين، وإمّا مخالف لها، أي مغاير غير مماثل ولا مضادّ، فيجامع ضدّها، إذ المخالف للشّيء يجوز اجتماعه معه ومع ضدّه، كالحركة المخالفة للسّواد، فإنّها تجامعه وتجامع البياض أيضاً، ولكن ضدّ كراهة الضدّ هو إرادة الضدّ، فيلزم جواز اجتماع إرادة الشّيء مع إرادة ضدّه، وهما متضادّتان كما مرّ. وكذا ضدّ إرادة الشّيء إرادة الضدّ، فيلزم جواز اجتماع كراهة الضدّ مع إرادته. وهو محال.

والجواب (2) : أنّا لا نسلّم أنّ مخالف الشيء يجامع ضدّه، لجواز أن يكون الشيء ومخالفه متلازمين، والملزوم يمتنع اجتماعه مع ضدّ لازمه، وأن يكون شيء واحد ضدّاً للمتخالفين كاليوم، وهو ضدّ للعلم والقدرة.

على أنّ شرط كراهة الضدّ الشّعور به اتّفاقاً وضرورة، وقد لا يشعر به فينفكّ إرادة الشّيء عن كراهة ضدّه، فلا يكون نفسها.


1 . انظر: شرح المواقف: 6 / 73 ـ 76 ; وشرح المقاصد: 2 / 341 ـ 343 ; وشرح تجريد العقائد: 280 ـ 281 .

2 . هذا جواب صاحب المواقف مع شرح المحقق الشريف عن استدلال الشيخ الأشعري. انظر: شرح المواقف: 6 / 75 .


صفحه 325

ومنهم من قال: مراده أنّ إرادة الشّيء عين كراهة ضدّه حال الشعور بالضدّ.

وهذا ممّا لا يلتفت إليه كما لايخفى.

وذهب الباقون إلى تغائرهما من غير استلزام بناء على جواز إرادة كلّ من الضدّين من وجه، واختاره صاحب المواقف(1) .

وأنت خبير: بأنّه يتوقّف على كون المراد من الضدّين في هذا المقام هما المصطلحين، والظاهر أنّهم أطلقوا الضدّين على المتقابلين مطلقاً على ما يشعر به كلام المصنّف. وحينئذ يرد عليه المتقابلان بالإيجاب والسلب ـ أعني: الفعل والترك ـ على ما مرّ آنفاً .

وأيضاً: إنّما يتأتى ذلك على تفسير الإرادة بالعلم، أو بما يعقّبه من الميل على ما هو مذهب المعتزلة.(2) وأمّا إذا فسّرت بالصّفة المخصّصة ـ على ما هو رأي الأشاعرة ـ فلا، لأنّ إرادة الضدّين حينئذ يستلزم اجتماعهما كما لا يخفى.


1 . لاحظ : المواقف في علم الكلام: 150 .

2 . لاحظ تفصيل مذهب المعتزلة في المغني: 2 / 6 و 62 ـ 67 .


صفحه 326

 

الفرع الثّالث

في أنّ الإرادة والكراهة اعتباران متغايران

بالنّسبة إلى الفاعل بالإرادة وغيره(1)

 

قال: ويتغاير اعتبارهما بالنّسبة إلى الفاعل وغيره.

أقول: ويتغاير اعتبارهما; أي اعتبار الإرادة والكراهة بالنسبة إلى الفاعل وغيره، فإنّ إرادة الفاعل القديم، إذا تعلّقت بفعل من أفعال نفسه، فهي موجبة للمراد باتّفاق من الحكماء والملّيين.

وإذا تعلّقت بفعل من أفعال غيره، فهي موجبة أيضاً عند الأشاعرة دون غيرهم.

وإرادة الفاعل الحادث ـ أعني: العبد ـ إذا تعلّقت بفعل من أفعال نفسه كانت الإرادة قصداً إلى الفعل لا عزماً عليه. والمراد من القصد ما نجده من أنفسنا حال إيجادنا الفعل. فهي موجبة أيضاً عند أكثر المعتزلة، بخلاف ما إذا كانت عزماً لتقدّم العزم على الفعل زماناً. وربّما يزول بزوال شرط، أو حدث ومانع. وعند الأشاعرة وجماعة من المعتزلة كالجبائيين، وطائفة من


1 . لاحظ: البحث في الكتب التالية: شرح المواقف: 6 / 66 ـ 67 ; والمغني: 2 / 6 و 68 ـ 77 ; وشرح تجريد العقائد: 281 ـ 282 .


صفحه 327

المتأخّرين، غير موجبة، سواء كانت قصداً أو عزماً.

وأمّا إرادة غير الفاعل فغير موجبة أصلاً، سواء كان الغير قديماً أو حادثاً، فإنّ إرادة القديم وإن كانت موجبة لأفعال العباد عند الأشاعرة، لكنّه هو الفاعل لها حقيقة عندهم دون العباد، فتدبّر .


صفحه 328

 

الفرع الرّابع

في أنّ الإرادة والكراهة قد تتعلّقان بذاتيهما

 

قال: وقد تتعلّقان بذاتيهما بخلاف الشّهوة والنّفرة.

أقول: وقد يتعلّقان; أي الإرادة والكراهة بذاتيهما، فإنّ الإرادة قد تتعلّق بالإرادة وبالكراهة بأن يريد الإنسان إرادته لشيء أو كراهته له. وكذا الكراهة ولا يلزم منه كون الشّيء مراداً ومكروهاً، لأنّ إرادة الكراهة، وكراهة الإرادة لا يوجب إرادة لمكروه وكراهة المراد.

وهذا بخلاف الشّهوة والنّفرة فإنّه لا معنى لاشتهاء الإنسان شهوته لشيء إلاّ بمعنى الإرادة كما إذا قيل لمريض: أيّ شيء تشتهي؟ فقال: أشتهي أن أشتهي.(1) وكذا النّفرة لا يتعلّق بالنّفرة. فهذا هو الفرق بين الإرادة والشهوة والكراهة والنّفرة.

وأمّا ما توهّمه صاحب المواقف(2): من أنّ هذا إنّما يتأتى على تفسير الإرادة بالعلم أو بما يعقّبه. وأمّا إذا فسّرت بالصفة المخصّصة، فمتعلّقها لا يكون إلاّ مقدوراً، فيمتنع تعلّقها بالإرادة أو بالكراهة وبالعكس، لأنّ إرادتنا


1 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 282 ; والبراهين القاطعة: 1 / 464 ـ 465 ; وشرح المواقف: 6 / 70 ـ 73 .

2 . انظر: شرح المواقف: 6 / 71 ـ 72 ; وشرح تجريد العقائد: 182 .


صفحه 329

ليست مقدورة لنا وإلاّ احتاج حصولها فينا إلى إرادة أُخرى. وهكذا إلى ما لا يتناهى.

فدفعه شارح المقاصد:(1) بأنّ هذا التّفسير لا يقتضي كون متعلّقها مقدوراً لجواز كونها صفة تتعلّق بالمقدور وغيره ويكون من شأنها(2)تخصيص أحد طرفي المقدور. ولهذا جاز إرادة الحياة والموت .

فرق آخر، وهو أنّ الإنسان قد يريد ما لا يشتهيه، كشرب دواء بشع ; وقد يشتهي ما لا يريده، كتناول الطعام حال الاحماء.(3)


1 . لاحظ: شرح المقاصد: 2 / 339 ـ 340 .

2 . في المصدر: «من شأنهما الترجيح والتخصيص لأحد طرفي المقدور».

3 . نقل بالمعنى.


صفحه 330

 

المسألة الخامسة

في الحياة (1)

قال: فهذه الكيفيّات تفتقر إلى الحياة، وهي صفةٌ تقتضي الحسّ والحركة، مشروطةً باعتدال المزاج عندنا.

فلابدّ من البنية. وتفتقر إلى الروح.

وتقابل الموتَ تقابل العدم والملكة.

أقول: والمراد بها المختصّة بذوات من الأجسام. وإنّما ذكرها هاهنا ـ أعني: بعد ذكر الكيفيّات النّفسانيّة الّتي قد مضى ذكرها من العلم، والقدرة، والإرادة، والكراهة إلى غير ذلك، وقبل الكيفيّات النّفسانيّة الّتي سيأتي ذكرها من الصحة، والمرض، والفرح، والحزن وغير ذلك ـ للإشارة إلى الفرق بين القبيلتين، فإنّ افتقار الكيفيّات الآتية إلى الحياة ظاهر جدّاً، لعدم تحقّقها في غير الأحياء من الجسمانيّات، بخلاف المذكورة لتحقّقها في المجرّدات، فإنّ الحياة وإن كانت متحقّقة فيها، لكنّها بمعنى آخر كما سيأتي في الإلهيات، فلذلك قال:


1 . لاحظ البحث لمزيد الاطلاع في الكتب التالية: نقد المحصل: 152 ـ 154 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 73 ـ 75 ; وارشاد الطالبين: 92 ـ 94 ; وشرح المواقف: 5 / 291 ـ 295 ; وشرح المقاصد: 2 / 292 ـ 297 ; والبراهين القاطعة: 1 / 465 ـ 467 ; وشرح تجريد العقائد: 282 ـ 284.


صفحه 331

فهذه الكيفيّات النفسانيّة المذكورة تفتقر إذا تحقّقت في الأجسام إلى الحياة. بمعنى أن شيئاً من الجسمانيّات ليس بقابل للعلم والقدرة مثلاً ما لم يكن حيّاً باتّفاق من الحكماء والمتكلمين .

وهي صفةٌ تقتضي الحسّ والحركة الإرادية ; أي قوّتيهما ليتميز عنهما مشروطة باعتدال المزاج النّوعي إذا كانت متحقّقة عندنا ; أي في الحيوان احتراز عن الحياة المتحقّقة في الأفلاك، فإنّها غير مشروطة بالمزاج والاعتدال، لكونها بسائط.

والمراد بالاعتدال النّوعي هو أنّ لكلّ نوع من أنواع المركّبات مزاجاً خاصّاً هو أعدل الأمزجة بالقياس إليه، بحيث إذا خرج عن ذلك المزاج لم يكن ذلك النّوع. فإذا حصل في المركّب اعتدال يليق بنوع من أنواع الحيوان فاض عليه قوّة الحياة وينبعث منها قوى الحسّ والحركة وتحدّسوا بمغائرة الحياة، لقوّة الحسّ والحركة، ولقوّة التّغذية الحيوانيّة بوجودها في العضو المفلوج، وفي العضو الذابل، وإلاّ لتسارع إليهما التعفّن، كما في الميّت بدون الحسّ والحركة في المفلوج وبدون التّغذية في الذابل، فليتأمل.

فلابدّ للحياة من البنية; أي البدن المتألّف من العناصر ليمكن تحقّق المزاج الّذي اعتداله شرط في الحياة .

وأيضاً تفتقر الحياة إلى الرّوح الحيوانيّ الّذي هو جسم لطيف بخاريّ يتكوّن من لطائف الأخلاط، وينبعث من التجويف الأيسر للقلب، ويسري إلى البدن في عروق بانية من القلب تسمّى بالشرايين .


صفحه 332

وإلى هذا ـ أعني : اشتراط الحياة باعتدال المزاج والبنية والروح الحيوانيّ ـ ذهبت الفلاسفة وكثير من المعتزلة (1) بناء على ما يشاهد من زوال الحياة بانتقاض البنية وتفرق الأجزاء وانحراف المزاج عن الاعتدال النّوعي وبعدم سريان الرّوح في العضو المربوط ربطاً شديداً يمنع نفوذه، فحكموا بقوّة الحدس ومساعدة التّجربة، بأنّ هذه الثّلاثة شرط للحياة.

وأمّا الأشاعرة بل جمهور المتكلمين(2)، فمنعوا هذا الاشتراط، وقطعوا بجواز أن يخلق الله الحياة في البسائط، بل في الجزء الّذي لا يتجزأ.

ولا شكّ في إمكان ذلك إمكاناً ذاتيّاً. وأمّا الوقوع، فكلاًّ إلاّ من طريق خرق العادة.

وأمّا استدلالهم بأنّ الحياة لو اشترطت بالبنية: فإمّا أن تقوم حياة واحدة بجزأين فيلزم قيام عرض بموضوعين، وإمّا بكلّ جزء حياة مشروطاً بالقيام بالآخر فيلزم الدور، وغير مشروط به، فيلزم الترجّح بلا مرجّح لتماثل الأجزاء، ولا يجوز قيامها بالبعض فقط لأسباب خارجيّة، وإلاّ لكان الحيّ ذلك البعض لا البنية المؤلفة .

قد أُجيب عنه:(3) بقيامها بالمجموع الّذي هو البُنية أو بكلّ جزء ويكون الاشتراط بطريق المعيّة دون التقدّم أو بالبعض مشروطاً بالآخر من


1 . لاحظ : شرح المواقف: 5 / 292 ـ 293 ; وشرح المقاصد: 294 ـ 295 ; شرح تجريد العقائد: 283 .

2 . لاحظ : شرح المواقف: 5 / 292 ـ 293 ; وشرح المقاصد: 294 ـ 295 ; شرح تجريد العقائد: 283 .

3 . الموجب هو صاحب المواقف. لاحظ : المواقف في علم الكلام: 140 ; وشرح المواقف: 5 / 293 ـ 294 .


صفحه 333

دون عكس، ليخالف أجزاء البنية بالحقيقة وهي العناصر ولايلزم عدم اشتراط البنية الّتي هي المجموع، إذ عدم الاشتراط بقيام الحياة بالجزء الأوّل لا يستلزم عدم الاشتراط بوجود الجزء الأوّل الّذي به يتحقّق البنية.

وتقابُلَ الحياة و الموت تقابل العدم والملكة، لكونه عبارة عن زوال الحياة عمّن اتّصف بالحياة.

وقيل: إنّه كيفيّة وجوديّة تضادّ الحياة بدليل قوله تعالى: (خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيَاةَ)(1) .

وأُجيب(2)، بأنّ المراد بالخلق التّقدير، وهو يتعلّق بالوجودي والعدميّ على أنّ العدميّ قد يكون له نحو من الوجود حيث يتّصف به الموجود، كالعمى على ما مرّ مراراً فيكون متعلّقاً للإيجاد.


1 . الملك: 2 .

2 . لاحظ: المواقف في علم الكلام: 140 ; شرح المواقف: 5 / 295 .


صفحه 334

 

المسألة السّادسة

في بواقي الكيفيّات النفسانيّة

قال: ومن الكيفيّات النّفسانيّة الصحّةُ، والمرض، والفرحُ، والغمّ، والغضبُ، والحزن، والهمّ، والخجل، والحقد، والخوف.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان بواقي الكيفيّات النّفسانيّة على ما قال:

ومن الكيفيّات النفسانيّة الصحّةُ. واختلف بعد الاتّفاق على كونها من الكيفيّات النفسانيّة في أنّها هل تكون حالاً أيضاً كما تكون ملكة، أو لا تكون إلاّ ملكة؟

فعلى الأوّل عرّفها الشيخ في " القانون ": «بأنّها ملكةٌ أو حالةٌ تصدر عنها الأفعال من الموضوع لها سليمة».(1)

وليست كلمة «أو» للترديد المنافي للتحديد، بل للتّنبيه، على أنّها يكون من القبيلتين.

وهذا معنى ما قال الإمام:(2) لا يلزم من الشك في اندراج الصحة تحت الحال أو الملكة شك في شيء من مقومات الصحّة، بل في بعض


1 . القانون في الطب: 1 / 14 / الفصل الأوّل من التعليم الأوّل.

2 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 403 .


صفحه 335

عوارضها، لأنّ المخالفة بين الحال والملكة إنّما هي بعارض الرسوخ وعدمه.

وإنّما قدّم الملكة، لكونها صحّة لاتّفاق، ولكونها غاية الحال، والغاية متقدّمة في العليّة.

وهذا التعريف يتناول صحّة الإنسان وغيره من الحيوانات.(1)

وعلى الثّاني عرّفها في " الشفاء ": «بأنّها ملكة في الجسم الحيواني تصدر عنه لأجلها أفعاله الطبيعيّة وغيرها على المجرى الطبيعي غير مؤوفة»(2).

وفي هذا التعريف شائبة تكرار، لأنّ الملكة من الكيفيّات النفسانيّة، أي المختصّة بذوات الأنفس (3)، اللّهم إلاّ أن يراد بالملكة الحال الرّاسخ وغير الرّاسخ من مطلق الكيفيّات، أو يراد بالأنفس ما يعمّ النباتية كلاهما خلاف الاصطلاح كما في " شرح المقاصد "(4) .

وعلى هذا يبتني كلام الإمام من أنّ تعريف "القانون" يتناول صحّة النبات أيضاً، وهو ما إذا كان أفعاله من الجذب والهضم سليمة. وأمّا ما ذكر في موضع آخر من "القانون "«الصّحة هيئة بها يكون بدن الإنسان في مزاجه


1 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 375 .

2 . منطق الشفاء: 1 / 253 / المقولات. مؤوفة من الآفة.

3 . الحيوانيّة على ما صرّحوا به.

4 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 375 ـ 376 .


صفحه 336

وتركيبه بحيث يصدر عنه الأفعال كلّها صحيحة سليمة»(1) فمبنيّ على أنّ الصحة المبحوث عنها في الطبّ هي صحة الإنسان.

والمراد بصحّة الأفعال وسلامتها خلوصها عن الآفة، وكونها على المجرى الطبيعي على ما يناسب المعنى اللّغوي، فلا يكون تعريف صحّة البدن والعضو بها تعريف الشّيء بنفسه. وهذا ما قال الإمام: «إنّ الصحّة في الأفعال أمر محسوس، وفي البدن غير محسوس، وتعريف غير المحسوس بالمحسوسِ جايز».(2)

وأمّا الاعتراض على التّعريف الأوّل من " القانون" : بأنّ قوله: «تصدر عنها الأفعال» مشعر بأنّ المبدأ هي تلك الملكة أو الحال. وقوله: «من الموضوع» مشعر بأنّه الموضوع ; أي البدن أو العضو .

فأُجيب عنه بوجهين:

أحدهما: أنّ الصحّة مبدأ فاعلي، والموضوع قابليّ، والمعنى كيفيّة تصدر عنها الأفعال الكائنة من الموضوع الحاصلة فيه.

وثانيهما: أنّ الموضوع فاعل والصحة واسطة بمنزلة العلّة الغائيّة، والمعنى يصدر لأجلها وبواسطتها الأفعال عن الموضوع.

وتحقيقه: أنّ القوى الجسمانيّة لا تصدر عنها أفعالها إلاّ بشركة من موضوعاتها، فالمسخن هو النّار، والناريّة علّة لكون النّار مسخنة. فالمراد أنّ


1 . القانون في الطبّ: 1 / 102 / الفصل الثّاني من التعليم الأوّل من الفنّ الثّاني.

2 . المباحث المشرقيّة: 1 / 403 .


صفحه 337

الصحة علّة لصيرورة البدن مصدراً للفعل السليم. كذا في " شرح المقاصد ".(1)

والمرض: وقد عرّفه الشيخ في " القانون ": «بأنّه هيئة مضادّة للصّحة».(2) أي ملكة أو حالة تصدر عنها الأفعال من الموضوع لها غير سليمة. وقال مثل ذلك في ثاني سابعة "قاطيغورياس الشفاء "(3) وهذا صريح في أنّ بينهما تقابل التّضاد. لكن ما ذكر في ثالثها حيث قال: «إنّ المرض من حيث هو مرض بالحقيقة فهو عدم، لست أعني: من حيث هو مزاج أو ألم،(4) مشعر بأنّ بينهما تقابل الملكة والعدم.

وأشار الإمام في " المباحث المشرقية "إلى الجمع بين كلاميه: بأنّ عند الصّحة هيئة هي مبدأ لسلامة الأفعال، وعند المرض تزول تلك الهيئة هي مبدأ للآفة في الأفعال، فإن جعل المرض عبارة عن عدم الهيئة الأُولى وزوالها، فبينهما تقابل العدم والملكة، وإن جعل عبارة عن نفس الهيئة الثّانية فتقابل التضادّ»(5).

وقال شارح المقاصد: «كأنّه يريد أنّ لفظ المرض مشترك بين الأمرين، أو حقيقة في أحدهما ومجاز في الآخر وإلاّ فالإشكال بحاله»(6).


1 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 376 .

2 . القانون: 1 / 102 .

3 . لاحظ : منطق الشّفاء: 1 / 253 / المقولات / الفصل الثّاني من المقالة السّابعة.

4 . منطق الشّفاء: 1 / 265 / المقولات / الفصل الثّالث من المقالة السّابعة.

5 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 404 ـ 405 .

6 . شرح المقاصد: 2 / 377 .


صفحه 338

وفي " شرح المواقف " بعد نقل كلام الإمام: «أنّ الأظهر أن يقال: إن اكتفى في المرض بعدم سلامة الأفعال، فذلك يكفيه عدم الصّحة المقتضية للسّلامة. وإن أثبت هناك آفة وجوديّة، فلابدّ من إثبات هيئة تقتضيها وكان الشيخ متردّداً في ذلك »(1).

وقيل (2): المراد أن بينهما تقابل العدم والملكة بحسب التحقيق، وتقابل التضادّ بحسب الشهرة، حيث لم يعتبر الجمهور في التضادّ كونهما وجوديين، بل اعتبار ذلك إنّما هو بحسب الاصطلاح.

وقد صرّح الشيخ بذلك حيث قال: «إنّ أحد الضدّين في التّضاد المشهوريّ قد يكون عدماً للآخر كالسكون للحركة، والمرض للصحة(3). على ما مرّ في بحث التقابل»(4).

وفيه: أن قوله(5): «هيئة مضادّة» ظاهر في كون المرض أيضاً وجوديّاً.

وأما اعتراض الإمام على جعل الصّحة والمرض من الكيفيّات النفسانيّة: بأنّهم(6) اتّفقوا على أنّ أجناس الأمراض المفردة، ثلاثة: سوء المزاج، وسوء التركيب، وتفرق الاتصال. ولا شيء منها داخلاً تحت الكيفيّة النفسانيّة .


1 . شرح المواقف: 6 / 149 ـ 150 .

2 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 377 .

3 . على ما نقله شارح المقاصد. لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 377 ـ 378 .

4 . لاحظ: الجزء الثّاني من هذا الكتاب: المبحث الخامس من المسألة السابعة من الفصل الثّاني.

5 . أي قول الشيخ الرّئيس.

6 . أي الاطباء.


صفحه 339

أمّا سوء المزاج: فلأنّه: إمّا نفس الكيفيّة الغريبة الّتي بها خرج المزاج عن الاعتدال على ما يصرح به فيقال: الحمى حرارة كذا، وهي من الكيفيّات المحسوسة. وإما كون تلك الكيفيّة غريبة منافرة، وهو من باب المضاف. وإمّا اتّصاف البدن بها وهو من مقولة أن ينفعل.

وأمّا سوء التّركيب: فلأنّه عبارة عن مقدار أوعدد أو شكل أو وضع أو انسداد مجرى يخلّ بالأفعال، وظاهر أنّ شيئاً منها ليس من الكيفيّات النفسانيّة.

وأمّا تفرّق الاتصال: فلأنّه عدميّ ليس بداخل تحت مقولة.

وإذا لم يدخل المرض تحت الكيفيّات النفسانيّة لم تدخل الصّحة تحتها، لكونه مقابلاً لها.(1)

فقد أُجيب عنه(2): بأنّ تقسيم المرض إلى هذه الأنواع الثّلاثة مسامحة، والمقصود أنّ أنواع المرض كيفيّات نفسانيّة غير معتدلة تابعة للأُمور المذكورة ومخلّة بالأفعال، هذا.

وإذا عرفت أنّ المرض خلاف الصحّة ويقابلها، وأنّ الكيفيّة الّتي بها يصدر الأفعال عن موضوعها إن كانت الأفعال سليمة فهي الصحّة، وان كانت غير سليمة فهي المرض، عرفت أنّ لا واسطة بين الصحّة والمرض، إذ لا خروج عن النّفي والإثبات .


1 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 400 ـ 401 .

2 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 379 .


صفحه 340

وجالينوس أثبت بينهما واسطة فقال: «الناقه ومن ببعض أعضائه آفة أو يمرض مدّة كالشتاء، ويصحّ مدة كالصيف، لا صحيح ولامريض.

وأنت تعلم أنّ ذلك إنّما هو لإهمال شروط التّقابل من اتّحاد المحلّ والزّمان والجهة. وإذا روعي هذه الشروط فلا واسطة بينهما»(1).

قال الشيخ: من(2) ظنّ أنّ بين الصّحة والمرض وسطاً هو لا صحّة ولا مرض، فقد نسى الشرائط الّتي تجب أن تراعى في ماله وسط وما ليس له وسط ; وتلك الشرائط أن يفرض الموضوع واحداً بعينه في زمان واحد ويكون الجهة والاعتبار واحدة. وحينئذ إن جاز أن يخلو الموضوع عنهما كان هناك واسطة،وإلاّ فلا.

وإذا فرض إنسان واحد واعتبر منه عضو واحد في زمان واحد، فلابدّ أن يكون: إمّا معتدل المزاج سوي التّركيب بحيث يكون فعله سليماً. وإمّا أن لا يكون كذلك، فلا واسطة إلاّ أن يحدّ الصحّة والمرض بحدّآخر ويشترط فيه شروط لا حاجة إليها.(3)

والفرح: وهو كيفيّة نفسانيّة يتبعها حركة الرّوح إلى خارج البدن قليلاً قليلاً طلباً للوصول إلى الملذّ .

والسبب المعدّ لأصل الفرح هو كون حامله(4) ـ أعني: الرّوح الّذي في


1 . على ما نقله صاحب المواقف. لاحظ : المواقف في علم الكلام: 159 ـ 160 .

2 . وهو جالينوس. لاحظ : القانون في الطّب: 1 / 102 .

3 . لاحظ : منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 253 ـ 254 .

4 . في د : «هو كون فاعله».


صفحه 341

القلب ـ على أفضل أحواله في الكمّ، بأن يكون كثيراً لأجل أنّ زيادة الجوهر يوجب زيادة القوّة، ولأنّه مع الكثرة يبقى قسط واف منه في المبدأ الّذي هو القلب، وقسط واف للانبساط الّذي يكون عند الفرح، لأنّ القليل يجد به الطبيعة وتضبطه هناك ولا يمكنه من الانبساط. وفي الكيف بأن يكون معتدلاً في اللّطافه والغلظ، وأن يكون شديد الصفاء والنورانيّة .

والأسباب الفاعلة للفرح هيئات نفسانيّة، والأصل فيها تخيّل الكمال، إمّا العلم أو القدرة ويندرج في هذه الأسباب الإحساس بالمحسوسات الملائمة والتمكّن من تحصيل المراد، والاستيلاء على الغير وإظهار ذلك الاستيلاء والخروج عن الأمور المؤلمة وتذكر الأُمور الملذّة.

والغم: وهو كيفيّة نفسانيّة يتبعها حركة الرّوح إلى الداخل خوفاً من مؤذ واقع وإلى الخارج طلباً للانتقام، حيث يوجد معه غضب وحزن، فالغضب يلزمه الحركة إلى الداخل .

والأسباب المعدّة لأصل الغمّ هي مقابلات المعدّة لأصل الفرح والفاعلة للغمّ مقابلات الفاعلة للفرح .

والغضب: وهو ما يتبعها حركة الرّوح إلى الخارج دفعة طلباً للانتقام.

والحزن: وهو ما يتبعها حركة الروح إلى الداخل قليلاً قليلاً هرباً من المؤذي.

والهمّ: وهو ما يتبعها حركة الرّوح إلى الداخل والخارج لحدوث أمر بتصوّر منه خير متوقّع أو شرّ منتظر، فهو مركّب من رجاء وخوف، فأيّهما


صفحه 342

غلب على الفكر تحرّكت النّفس إلى جهته ; فللخير المتوقّع إلى الخارج وللشرّ المنتظر إلى الداخل.

والخجل: وهو ما يتبعها حركة الرّوح أيضاً إلى الداخل والخارج، لأنّه كالمركّب من فزع وفرح حيث ينقبض الرّوح أوّلاً إلى الداخل، ثمّ يخطر بباله أنّه ليس فيه كثير مضرّة، فيبنسط ثانياً.

والحقد: ويعتبر في تحقّقه أمران:

الأوّل: غضبه ثابت ليتفرّد صورة المؤذي في الخيال فيشتاق النّفس إلى الانتقام.

والثّاني: الانتقام ليس في غاية السّهولة وإلاّ كان كالحاصل فلا يشتدّ الشوق إلى تحصيله، ولذلك لا يوجد الحقد للملوك مع رعيّته ولا في غاية الصّعوبة، وإلاّ كان كالمتعذّر فلا يشتاق إليه لباسه عنه، ولذلك لا يوجد للرعيّة مع الملوك.

وأمّا الخوف: وهو ما يتبعه حركة الرّوح إلى الداخل دفعة هرباً من المؤذي ويقرب منه الفزع، فليس بموجود في نسختي الشّرحين القديمين وموجود في نسخة شرح القوشجي بدل الغمّ.(1)

وجميع هذه الكيفيّات النفسانيّة يلزمها حركة الرّوح: إمّا إلى خارج وإمّا إلى داخل. وعلى التقديرين: إمّا دفعة أو قليلاً قليلاً على ما أشرنا إليه في تفسير كلمتها .


1 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 285 .


صفحه 343

وهي جميعها واضحة المعاني عند العقل غنيّة عن التّعريف، والغرض من التفسيرات المذكورة إنّما هو الإشارة إلى ما لكلّ منها من الخواصّ واللّوازم، فحقايقها كيفيّات تابعة لانفعالات تحدث في النّفس ممّا يرتسم في قواها من النّافع والضارّ وكثيراً ما يتسامح فيفسّر بنفس الانفعالات، كما يقال: الفرح انبساط القلب والغمّ انقباضه، والغضب غليان الدّم، إلى غير ذلك .


صفحه 344

صفحه 345

المطلب السّادس

في القسم الرّابع من الأقسام الأربعة للكيف

وهي الكيفيّات المختصّة بالكمّيّات .

وفيه مسائل:


صفحه 346

صفحه 347

 

المسألة الأُولى

في حقيقة هذا القسم

قال: والمختصّةُ بالكمّيّات المتّصلة كالاستقامة والانحناء والتّقعير والتّعقيب والشّكل والخلقة، أو المنفصلة كالزّوجيّة والفرديّة.

أقول: لمّا فرغ المصنّف (رحمه الله) من البحث عن الكيفيّات النّفسانيّة، شرع في الكيفيّات المختصّة بالكمّيّات وأشار إليه بقوله: والمختصّةُ بالكمّيّات أي الّتي تكون عروضها بالذّات للكمّيّات المتّصلة كالاستقامة للخط والانحناءله وللسطح والتّقعير للسطح والشكل له وللجسم التّعليمي. وكذا الخلقة، وسيأتي تفسيرها .

وأيضاً الّتي تكون عروضها بالذّات للكمّيّات المنفصلة كالزوجيّة والفرديّة للعدد.


صفحه 348

 

المسألة الثّانية

في الاستقامة والاستدارة

قال: فالمستقيم أقصرُ الخطوط الواصلة بين النقطتين، وكما أنّه موجود فكذا الدائرة .

أقول: فالمستقيم هو أقصر الخطوط الواصلة بين النّقطتين. كذا عرّفه أرشميدس(1).

وهذه النّسبة الّتي يشتمل عليها هذا التّعريف هي ما يتحقّق بين مقدارين مختلفين بالماهيّة من النّسبة الصمية الّتي لا يقتضي التّجانس لا الّتي لا يقتضيه من النّسبة العدديّة الّتي يتحقّق بين مقدارين متشاركين على مامرّ في مبحث الاتصال (2) من الجواهر .

فلا يرد عليه إشكال الإمام (3): من أنّه يمتنع أن يوصف المستقيم بأنّه


1 . رَسَّم ارشميدس الخط المستقيم بأنّه أقصر خطّ يصل بين نقطتين، لأنّ كلّ نقطتين يمكن أن يوصل بينهما بخطوط غير مستقيمة مختلفة في الطول والقصر وبخط واحد مستقيم هو أقصرها. لاحظ : كشف المراد: المسألة السّابعة والعشرون من مبحث الكيف; والمباحث المشرقيّة: 1 / 415 ـ 416 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 606 ـ 607 .

2 . لاحظ : الجزء الثّالث من هذا الكتاب: أوهام وتنبيهات: في إبطال الجزء واتّصال الجسم.

3 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 416 .


صفحه 349

أزيد أو أقصر من المنحني، لكونهما مختلفي الحقيقة، فلا يمكن انطباق أحدهما على الآخر .

وقد يرسم: بأنّه الّذي لو فرض ميله مع ثبات طرفيه لم يتغيّر وضعه. وهذا وإن كان بحسب التوهّم لكنّه توهّم صحيح غيره وجب لتغير الوضع .

ويرسم أيضاً: بأنّه الّذي إذا وقع في امتداد شعاع البصر ستر طرفه وسطه، وبذلك يمتحن النبال استقامة القدح.

وبأنّه الّذي يتحاذى جميع النقط المفروضة فيه، والمحاذاة معلومة بالحسّ.

فكما أنّه; أي الخط المستقيم موجود على ما مرّ من وجود الأطراف. فكذا الدائرة الحقيقيّة وهي سطح مستو يحيط به خط واحد يفرض في داخله نقطة يتساوى جميع الخطوط المستقيمة الخارجة منها إليه في الحقيقة(1).

وذلك لأنّ الدائرة الحسّية وهي ما يتساوى جميع تلك الخطوط فيه بحسب الحسّ موجودة.

فإذا كان الخطّ المستقيم موجوداً يمكن أن يوازن به جميع الخطوط الخارجة من مركزها إلى محيطها بتتميم ما نقص وتنقيص ما زاد على ما مرّ في مباحث الجواهر .(2)


1 . لاحظ : نهاية المرام: 1 / 608 .

2 . لاحظ : الجزء الثالث من هذا الكتاب: المسألة العاشرة من الفصل الأوّل.


صفحه 350

وأيضاً يمكن أن يفرض ثبات أحد طرفي الخط المستقيم وحركة طرفه الآخر إلى أن عاد إلى وضعه الأوّل فيحصل على التقديرين دائرة حقيقية وهو المطلوب.


صفحه 351

 

المسألة الرّابعة

في أنّ المستقيم لا يضادّ المستدير

قال: والتّضادّ منتف عن المستقيم والمستدير، وكذا عن عارضيهما.

أقول: ربّما توهّم بعض النّاس أنّ الخطّ المستقيم يضادّ الخطّ المستدير، للتنافي بينهما، وكذا حال عارضيهما، أعني: الاستقامة والاستدارة.

والتحقيق عند المصنّف خلاف ذلك وأشار إليه بقوله: والتضاد منتف عن المستقيم والمستدير، (1) أمّا أوّلاً: فلأن المستقيم قد يكون وتر القسى غير متشابهة كثيرة، وضدّ الواحد لا يكون إلاّ واحداً كما سيأتي.

وأمّا ثانياً: فلأنّ غاية الخلاف معتبرة في التّضادّ وكلّ مستدير يفرض ضدّ المستقيم، فيمكن فرض ما هو أشدّ تحدّباً من ذلك المستدير إلى غير النهاية، فلا يتحقّق غاية الخلاف، اللّهم إلاّ أن يعتبر غاية الخلاف المتحقّقة .

وأمّا ثالثاً: فلأنّ الضدّين يعتبر إمكان تواردهما على موضوع واحد وهو غير ممكن هاهنا، لأنّ موضوع المستقيم سطح مستو من


1 . يعني أنّ الخطّ المستقيم لا يكون ضدّاً للخطّ المستدير.


صفحه 352

حيث هو مستقيم الانتهاء، وموضوع المستدير سطح مستدير، أو سطح مستو من حيث هو مستدير الانتهاء، وهما ـ أعني: المستدير والمستوي ـ مختلفا الحقيقة، فلا يتّحد الموضوع من حيث هو موضوع.

فاندفع ما قيل(1): من أنّ الدائرة سطحٌ ومستو وهي موضوع لمحيطها الّذي هو خطٌ مستدير .

وأمّا ما قيل:(2) من أنّ محيط الاسطوانة والمخروطة غير مستو يوجد فيهما خطّ مستقيم فغلط، إذ لا يوجد فيهما المستقيم إلاّ بالقطع طولاً، وحينئذ يحدث هناك سطح مستو هو موضوع للمستقيم.

ومن هنا ظهر انتفاء التّضادّ بين المستديرين أيضاً، لكون مراتب الاستدارات أنواعاً مختلفة، فلا يمكن اتّحاد الموضوع فيهما.

وكذا التّضادّ منتف عن عارضيهما أي الاستقامة والاستدارة لامتناع اتّحاد الموضوع فيهما أيضاً، لاختلافهما بالحقيقة.


1 . نقله الشارح القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 286 .

2 . القائل هو الشارح القوشجي في شرح تجريد العقائد: 286 ـ 287 .


صفحه 353

 

المسألة الخامسة

في الشكل

قال: والشكل هيئة إحاطةِ الحدّ أو الحدود بالجسم، ومع انضمام اللّون تحصلُ الخلقةً .

أقول: والشكل: هو هيئة إحاطة الحدّ الواحد كما في بسيط الكرة، أو الحدود(1): إمّا اثنين كما في المخروط ونصف بسيط الكرة، أو أكثر كما في المضلعات .

وقوله: «بالجسم» ليس من تتمّة التعريف، وإلاّ ينتقض بشكل الدائرة والمثلّث والمربّع وغير ذلك من المسطحات، بل أورده للتّمثيل، أي بالجسم مثلاً.

ومع انضمام اللون إلى الشكل تحصل الخلقة، فهي كيفيّة حاصلة من اجتماع اللّون والشكل.

ولا منافاة بين كونها من الكيفيّات المختصّة بالكمّيّات، وبين كون


1 . قال الجمهور على أنّ الشكل من الكيفيّات بناء على أنّه الهيئة الحاصلة من إحاطة الحد أو الحدود بالجسم لا نفس السطح المخصوص ليكون من الكمّ على ما يتوهّم من تقسيمه إلى الدائرة والمثلّث والمربّع وغيرهما، ثمّ تفسير الدائرة بأنّه سطح محيط به خطّ في وسطه يكون جميع الخطوط الخارجة منها إلى ذلك الخطّ متساوية. لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 385 .


صفحه 354

اللّون الّذي هو جزؤها من الكيفيّات المحسوسة، لأنّ اختصاص المجموع لا يستلزم اختصاص كلّ واحد من أجزائه، بل ولا شيء من أجزائه. فلا حاجة إلى ما قال الإمام: من أنّ اختصاص الخلقة بالكمّ إنّما هو باعتبار اختصاص جزئه الّذي هو الشكل به.(1) وإلى ما قيل(2): من أنّ اللّون أيضاً مختصّ بالكمّ. لكون حاصله الأوّل هو السطح، ومعنى كون الجسم ملوّناً أنّ سطحه ملوّن. ولا منافاة بين كون اللّون من الكيفيّات المحسوسة وبين كونه مختصّاً بالكمّ، لأنّ المراد من الكيفيّات المحسوسة المقابلة للكيفيّات المختصة بالكميّات هو ما لا يختصّ منها بالكمّ، فيكون الخلقة بكلّ جزئيه مختصّاً بالكمّ. على أنّه قد يمنع اختصاص اللّون بالسطح، فإنّه قد يكون نافذاً في اعماق الجسم.

فإن قيل(3): الكلام في الكيفيّة المفردة إذ لو اعتبر تركيب الكيفيّات  المختصّة بالكمّيّات بعضها مع بعض لكان هناك أقسام لا تتناهى، فلا وجه لاعتبار البعض دون البعض .

وأيضاً الخلقة لا يتصوّر عروضها إلاّ للجسم الطّبيعي، إذ لولاه لم يكن خلقة، بخلاف غيرها من الكيفيّات المختصّة بالكمّ، فانّها غير مفتقرة إلى المادّة إلاّ في الوجود.

أُجيب عن الأوّل: بأنّهم لمّا وجدوا لتركب الكيفيّة من الشكل واللّون


1 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 414 .

2 . القائل هو شارح المقاصد. لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 384 .

3 . تعرّض له شارح المقاصد وأجاب عنه. لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 384 ـ 385 .


صفحه 355

خصوصيّة ليست لغيرها من المركّبات حيث يتّصف باعتبارها الجسم بالحسن والقبح دون غيرها اعتبروها قسماً على حدة دون غيرها.

وعن الثّاني: بأنّ العارض للكميّة: إمّا أن يعرض لها من حيث أنّها كميّة، أو من حيث أنّها كميّة شيء مخصوص، وكلا القسمين عارض للكميّة لا محالة.


صفحه 356

 

المبحث الثّالث

في المضاف (1)

قال: الثّالث المضاف.

أقول: لمّا فرغّ المصنّف من البحث عن الكيف وأقسامه، شرع في  البحث عن الجنس الثّالث من الأجناس التّسعة للعرض، وهو المضاف على ما قال: الثّالث المضاف.

وهو ما يكون ماهيّته معقولة بالقياس إلى غيره.

ومعنى كون الشّيء معقولاً بالقياس إلى غيره هو أن يكون الشّيء إذا قصد تصوّر معناه أحوج تصوّره إلى تصوّر شيء خارج عنه، لا كيف كان، فإنّ السّقف إذا تصوّر معناه تصوّر معه معنى الحائط الّذي يقلّه. وليست ماهيّة السّقف معقولةً بالقياس إلى الحائط، بل يجب أن يكون المعنى


1 . راجع لمزيد الاطلاع الكتب التالية: منطق أرسطو: 1 / 48 ـ 54 ; المنطق عند الفارابي: 103 ـ 108 ; ومنطق الشّفاء: 1 / 143 ـ 164 و 224 ـ 233 / المقولات / الفصل الثّالث من المقالة الرّابعة والفصل الرّابع من المقالة السّادسة ; والمشارع والمطارحات: 263 ـ 272 ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 429 ـ 443 / الفصل الأوّل إلى العاشر من الباب الأوّل من الفنّ الثّالث ; والتحصيل: 404 ـ 412 ; والأسرار الخفيّة في العلوم العقليّة: 467 ـ 472 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 325 ـ 375 ; والحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة: 4 / 188 ـ 210 / المقالة الأُولى في الفنّ الثّالث.


صفحه 357

المعقول للشّيء الّذي يحوج إلى أن يعقل معه غيره. إنّما هو له من أجل وجود ذلك الغير بازائه، فذلك المعنى الّذي للشّيء من أجل حصول الحال الّتي لأجلها صار الآخر معه هو إضافته، مثل: الأخ. فإنّ حقيقة المفهوم من الأخوة لأحد الأخوين هي كون ابن أبي الآخر ثابتة له لأجل وجود الآخر، بهذه الحال، ـ أعني: كون ابن أبي هذا الأوّل ـ فنفس أخوّة أحد الأخوين هي نفس اعتباره من حيث له آخر بهذه الصفة وان كان قد يكون في بعض الاضافات هو نفس اعتبار أحد الأمرين من حيث له آخر بصفة خلاف صفته، كذا في "قاطيغورياس الشفاء".(1)

ثمّ قال: «وليس كلّ نسبة إضافةً، فإنّ لكلّ شيء نسبة في الذّهن إلى الأمر الّذي يلزمه في الذّهن، لكن لا يكون ذلك إضافة كما قلنا: فإن أُخذت النّسبة مكررةً صارت له إضافةً .

ومعنى قولي: «مكرّرةً» أن يكون النّظر لا في النّسبة فقط، بل بزيادة اعتبار النّظر إلى أنّ لشيء نسبةً من حيث له نسبة و إلى المنسوب إليه كذلك، فإنّ السّقف له نسبة إلى الحائط وهي كونه مستقرّاً على الحائط. فإذا نظرت إليه من حيث هو مستقرّ على الحائط صار مضافاً لا إلى الحائط من حيث هو حائط، بل إليه من حيث هو مستقرّ عليه، فعلاقة السّقف بالحائط ـ من حيث الحائط حائط ـ نسبة، ومن حيث تأخذ الحائط منسوباً إليه بالاستقرار عليه، والسّقف نفسه منسوباً، فهي إضافة.

وهذا معنى ما يقولون: إنّ النّسبة تكون لطرف واحد والإضافة تكون


1 . لاحظ : منطق الشّفاء: 1 / 145 / المقولات .


صفحه 358

للطّرفين; وذلك أنّك إذا أَخذت السّقف مستقرّاً على الحائط وجدت النّسبة من جهة السّقف المستقرّ. وأمّا جانب الحائط، فلا نسبة فيه إلى شيء، أي من حيث هو حائط. وأمّا إذا أخذت النّسبة من حيث السّقف مستقرّ على مستقرٍّ عليه، والحائط مستقرّ عليه لمستقرّ، انعكست النّسبة، وصلحت لأن تكون إضافةً.

فكلّ نسبة لا تؤخذ من الطّرفين جميعاً من حيث هي نسبة، فهي نسبة غير إضافة، وكلّ نسبة يؤخذ الطّرفان فيها من حيث النّسبة فهي إضافة. انتهى»(1).

وفي هذا البحث مسائل :


1 . منطق الشّفاء: 1 / 145 ـ 146 / المقولات .


صفحه 359

 

المسألة الأُولى

في أقسام المضاف

قال: وهو حقيقيٌّ أو مشهوريٌّ .

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان تقسيمه على ما قال:

وهو حقيقيّ: وهو ما يكون مضافاً بالذات لا باعتبار عروض الإضافة له، ويكون وجوده من حيث هو وجوده من حيث هو مضاف كالأبوّة، إذ ليس لها وجود سوى أنّها مضافة.

ومشهوريّ: وهو ما يكون الإضافة عارضة له، ويكون وجوده من حيث هو غير وجوده من حيث هو مضافٌ، كالأب، إذ وجوده من حيث هو أب غير وجوده من حيث هو انسان.

والمعدود من المقولات هو المضاف الحقيقيّ دون المشهوريّ. والتّعريف المذكور إنّما هو لما هو أعمّ منهما، أعني: لمطلق المضاف.

قال في " قاطيغورياس الشفاء" في فصل تحقّق المضاف الّذي هو المقولة والفرق بين ما هو مضافٌ بالذّات، وما هو عارضٌ له الإضافة بهذه العبارة: «اعلم»: أنّا إلى هذا الوقت إنّما أخبرنا عن مضافات طابقها الحد


صفحه 360

المذكور، فبعضها كانت ماهيّاتها مقولة بالقياس إلى غيرها، وبعضها كانت قد تصير كذلك بنحو من النسبة تلحقها.

فلننظر هل الرّسم المذكور هو رسم المقولة، أم رسم معنى يصلح أن يقال: إنّه مضاف، وليس هو نفس المقولة أو نوعاً من المقولة؟

فنقول: إنّا نعلم أنّ المقولات متباينة، وأنّه لا يصلح أن تحمل مقولتان معاً على شيء واحد حمل الجنس حتّى يكون الشّيء الواحد يدخل من جهة ماهيّته في مقولتين، وإن كان قد يدخل الشّيء في مقولة بذاته، وفي الأُخرى على سبيل العرض.

ثمّ إنّ هذا الحدّ لا يمنع العقل مطابقته أُموراً تدخل في مقولات أُخرى، فإنّ الرّأس قد يحتاج إلى أن يكون بذاته جوهراً حتّى يكون رأساً، كما يحتاج إلى أن يكون مقول الماهيّة بالقياس إلى غيره حتّى يكون رأساً، فكلا الأمرين مقوّم له من حيث هو رأس، ليس أحدهما بالذّات والآخر بالعرض.

وأيضاً فإنّ بعض الأُمور الّتي ذكرت قد كانت في ذواتها من مقولة الكيف أيضاً مثل الملكة، فإنّها كيفيّة. وقد قيلت بالقياس إلى غيرها بنحو من أنحاء النّسبة.

وكذلك أُمور أُخرى من مقولات أُخرى. فليس هذا الحدّ إذاً حدّ المقولة، وإلاّ لاشترك في حدٍّ واحد أُمور من مقولات شتّى، ولا هو حدّ لمعنى يعمّها مقوم لماهيّتها، فإنّه لا يجوز أن يكون الأُمور الّتي جنسها


صفحه 361

الجوهر جنسها شيء غير الجوهر. فيجب إذاً أن يتأمّل هذا الحدّ، وتتدارك خللاً إن وقع فيه.

والتّدارك المشهور لهذا هو أنّ الأُمور الّتي من المضاف هي الّتي الوجود لها هو أنّها مضافة، وهذا تدارك صحيح، لكن بعض النّاس يظنّ أنّ هذا بعينه هو الحدّ الأوّل، وستعلم أنّه ليس هو الأوّل.

وبعضهم أنّ فيه بيان الدّور، وهو أنّه أخذ المضاف جزء حدّ لنفسه .

ونقول: إنّ من الأشياء ما يكون أشهر عند الجمهور، فيكون الاسم بحسب الوضع الأوّل موضوعاً لجنسه، أو لما عنده كالجنس. ثمّ إنّ الخواصّ يجدون (1) معنى نوعيّاً تحته، أو ما هو كالنّوع تحته، فينقلون اسم الجنس إليه لملائمة توجبه، وقد نجد مثل هذا كثيراً.

من جملتها أنّ الجمهور قد كانوا يرون أنّ كلّ شيء يتوّهم فهو: إمّا ممتنع، وإمّا غير ممتنع، وجعلوا اسم الممكن مرادفاً أو كالمرادف لقولهم: «غير الممتنع». فقالوا: إنّ كلّ موجود: إمّا ممتنع، وإمّا ممكن. ولمّا تأمل (2) الخواصّ حال ما ليس بممتنع الوجود وجدوا بعضه واجب الوجود، وبعضه غير واجب الوجود، وكلاهما مشتركان في أنّه غير ممتنع، وفي أنّه ممكن بهذا المعنى، أي بمعنى غير الممتنع. ثمّ وجدوا في الأُمور ما ليس بواجبِ الوجود، ولا ممتنع الوجود ولا يمتنع وجوده ولاعدمه ; فخصّوه باسم


1 . في المصدر: «ويحدّون».

2 . في المصدر: «ولمّا فصّل».


صفحه 362

الممكن من حيث هو غير ضروريّ، وأخرجوا الواجب عن دلالة هذا الوضع الثّاني ; ونقلوا اسم ما هو كالجنس إلى ما هو كالنّوع.

وكذلك أيضاً الحال في المضاف، فإنّ اسم المضاف كان مقولاً في الوضع الأوّل عند الفلاسفة على المعنى المذكور: وهو أنّه يقال ماهيّة الصفة المذكورة من غير اعتبار أنّ له وجوداً غير ذلك، أو ليس له وجود غير ذلك، حتّى كان الشّيء إذا كان من الجوهر أو من الكيفيّة ثمّ لحقته نسبته، فاعتبر من جهة نسبته، فكان من حيث هي كذلك مقول الماهيّة بالقياس إلى غيره، كان(1) من المضاف وله ماهيّة مخصوصة ليست يقال بالقياس، وكان إذا كان الشيء أيضاً كالأبوّة والبنوّة، فكانت ماهيّته مقولة بالقياس إلى غيره، وإن لم يكن له وجود آخر وماهيّة أُخرى كان أيضاً من المضاف، فكان المضاف يقع على المعنيين جميعاً وقوعاً نجده(2)، وإن لم يكن لهما جميعاً جنس.

فإذا كان كذلك فمعنى المضاف المأخوذ في الحدّ هو هذا المعنى العام، ومعنى المضاف المحدود هو هذا المعنى الخاصّ، فكما أنّ الحادّ إذا احدّ الممكن الحقيقيّ فقال: إنّ الممكن الحقيقيّ هو الّذي يمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون، لا يكون قوله مدخولاً، من جهة أنّه أخذ الشّيء في بيان نفسه، لأنّه لم يرد بالممكن المأخوذ في الحدّ إلاّ المعنى الجنسي الّذي هو بمعنى غير ممتنع. فكذلك إذا قال: إنّ المضاف الحقيقيّ الّذي تحدّه على أنّه


1 . «فكان» كما في المصدر.

2 . في المصدر: «يحده».


صفحه 363

أحد العشرة هو الّذي ماهيّته ووجوده أنّه مضاف، وعنى به أنّه الّذي وجوده وماهيّته هو أنّه مقول الماهيّة بالقياس. وليس له وجود غيره لم يكن أخذ المحدود في حدّه أو المرسوم في رسمه. انتهى كلام الشفاء ملخّصاً».(1)


1 . منطق الشّفاء: 155 ـ 159 .


صفحه 364

 

المسألة الثّانية

في خواصّ المضاف

قال: ويجب فيه الانعكاس والتكافؤ بالفعل والقوّة.

ويَعرض للموجودات أجمعَ.

أقول: للمضاف خاصّة ثلاثة:

الخاصّة الأُولى: ما أشار إليه بقوله: ويجب فيه الانعكاس.

بيان ذلك، ما قاله الشيخ في " قاطيغورياس الشّفاء "بهذه العبارة: «ومن خواصّ المضافات أنّها كلّها يرجع بعضها إلى بعض بالتكافؤ، وينعكس بعضها على بعض، ووجه ذلك الرّجوع مخالف لوجه رجوع الحمل، على الوضع على ما يأتيك، يعني في عكوس القضايا.

وذلك لأنّ الوضع هاهنا يكون مكرّراً، بخلاف الحمل. فإذا عكست صار الحمل وضعاً وقد ألحق به مثل ذلك التكرير، والوضع حملاً وقد حذف عنه التكرير. فنقول: إنّ العبد عبد للمولى، ثمّ نقول: والمولى مولى للعبد، فتكرّر العبد في الأوّل والمولى في الثّاني:

وفي بعض الأُمور يحتاج إلى أن تلحق بالطرف المجعول محمولاً شيئاً زائداً لا يلحقه وهو موضوع، كإلحاقك اللاّم بالمولى والعبد هاهنا،


صفحه 365

والباء بالمحسوس والحسّ حين تقول: الحسّ حسّ بالمحسوس، والمحسوس محسوس بالحسّ. وفي بعض المواضع لا تحتاج إلى ذلك، كما تقول: إنّ الاب أب الابن، والابن ابن الأب.

وأمّا سائر العكوس الّتي سيأتيك في مواضعها فتخالف الّذي للمضاف في ذلك كلّه.

لكن في ذلك التكافؤ شرط يجب أن يراعي، وذلك أنّ الإضافة إذا لم يقع على التّعادل، لم يجب هذا التكافؤ، ووقوعها على التّعادل هو أن تقع إلى الشّيء الّذي إليه الإضافة أوّلاً وبالذّات، فإنّها إنْ وقعت إلى موضوعه، أو إلى أمر يعرض له، أو إلى جنسه، أو إلى نوعه لم تقع الإضافة متكافئةً.

فإنّك إذا قلت: إنّ الرأسَ رأسٌ للإنسان أو للحيوان، أو للمشاء، وكذلك الجناح جناح للطائر والسكان سكان للسفينة لم يمكنك أن ترجع فتقول: الإنسان، أو الحيوان، أو المشاء إنسان، أو حيوان، أو مشاء بالقياس إلى الرأس. وكذلك لا تقول: الطّائر طائر بالقياس إلى الجناح، أو السّفينة سفينة بالقياس إلى السكّان، وذلك لأن الرأس ليس معادله ما ذكرت، بل معادله هو ذو الرأس، فالرأس رأس لذي الرأس، وكذلك الجناح جناح لذي الجناح، والسكّان سكان لذي السكان.

وإنّما يعرض أكثر هذا في الموضع الّذي لا يجوز أن يكون الإضافة فيه واقعة حيث الماهيّة مقولة بالقياس، بل حيث يجعل كذلك بنوع من النّسبة، فيكون لا اسم للمضاف إليه من حيث هو مضاف إليه، بل إن كان من


صفحه 366

حيث هو موضوع للنّسبة إليه، أو من جهة أُخرى. فلذلك يجب أن يخترع لمثل هذا الشّيء اسم بحسب النّسبة.

وإذا أشكل الأمر في تحصيل ما تقع إليه الإضافة بالتّعادل، مميّزاً ممّا يقع إليه لا بالتّعادل، فسبيلك أن تجمع أوصاف الشّيء جميعاً. فأيّ تلك الأوصاف إذا وضعته ثابتاً أو رفعت غيره جاز أن ترفعه أو لم يجز أمكنك أن تحفظ الإضافة. وإذا رفعته ووضعت غيره لم يمكنك ان تحفظ الإضافة فهو الّذي إليه التّعادل، وما لم يكن كذلك فليس إليه التّعادل.

فإنّك إذا رفعت من الشّيء أنّه إنسانٌ، وأنّه حيوان، وأنّه مشّاءٌ كيف اتّفق، وحفظت أنّه ذو رأس، أمكنك أن تنسب إليه الرأس. وإذا رفعت أنّه ذو رأس وحفظت أنّه انسان، وأنّه حيوان، وأنّه مشّاء، لم يمكنك ان تضيف إليه الرأس. انتهى ملخّصاً».(1)

وهذه الخاصّة إنّما هي للمضاف المشهوريّ .

فقول المصنّف: «ويجب فيه» أي في المضاف المشهوريّ، أو في المضاف مطلقاً، لكن باعتبار تحقّقه في المشهوريّ.

والخاصّة الثّانية: ما اشار إليه بقوله: ويجب أيضاً في المضاف مطلقاً التكافؤ بحسب الوجود بالفعل كشخصين يكون أحدهما أباً والآخر ابناً، وبالقوّة(2) كشخصين يكون من شأن أحدهما التقدّم بحسب المكان، ومن شأن الآخر التأخّر بحسبه .


1 . منطق الشّفاء: 1 / 148 ـ 150 / المقولات .

2 . في بعض النسخ: «أو بالقوّة».


صفحه 367

قال الشيخ: «وممّا يُرى في المشهور أنّه يلزم الإضافات كلّها هو أنهما معاً، أي أيّهما وجد كان الآخر موجوداً، وأيّهما عُدِم كان الآخر معدوماً، مثل الضِّعفِ والنّصِفِ. ولكن قد لا يقع في بعض الأشياء تكافؤ في الوجود معاً من جهة أُخرى، وذلك كالعلم والحسّ، أي الإدراكين لا القوّتين المشاركتين لهما في الاسم، فإنّ ذات العلم في جوهره يلزمه دائماً أن يكون مضافاً إلى المعلوم موجوداً معه، وذات المعلوم في جوهره لا يلزمه ذلك، فإنّه يوجد غير مضاف إلى العلم، وإن كانا من حيث هما متضايفان بالفعل لا يتقدّم أحدهما على الآخر. وليس الغرض ذلك، بل الغرض أنّ ذات أحدهما لا ينفكّ من إضافة تلزمه توجب أن يكون معه مضايفة أبداً، وذات الآخر قد يوجد وليس بمضايف.

وكذلك يتصورّ حال هذا الحسّ، فإنّ ذاته لا ينفكّ عن لزوم الإضافة إيّاه، وذات المحسوس ينفكّ، ولا يجب أن لا يكون موجوداً حين لا يكون الحسّ موجوداً، إذ يجوز أن لا يكون حسّاس موجوداً، ويكون العناصر المحسوسة الّتي هي أوائل لتكوُّنِ الحيوانات وغيرها من الأجسام الأرضيّة موجودةً.

ثمّ قال: فهكذا يجب أن يفهم هذا الموضع.

وأمّا الّذي تفهمه الطائفة من أمر المربّع المساوي للدّائرة، فإنّه موجود، والعلم به لم يوجد إلى هذه الغاية، فوجه مختلٌّ، لأنّه ليس يجب أن


صفحه 368

يكون كلّ علم بإزاء معلوم موجود، فمن العلم التصوّر، وقد تتصوّر أُمور ليس يجب لها الوجود، كالكرة المحيطة بعشرين قاعدة مثلّثات، فإنّا نتصوّر مثل هذه حقّ التصوّر ولا يحوجنا ذلك إلى أن نجعل له وجوداً في الأعيان. وأيضاً فإنّ في المعلومات التّصديقيةّ أمثال ذلك كثيراً، وإنّما كان غرضنا في ما أوردناه أن تعلم أنّه يمكن أن يكون لذات أحد المتضايفين وجود لا ينفكّ من الإضافة إلى الآخر، وليس الآخر بمكافئ له في ذلك.

فإن كان علم تصوّري أو تصديقي ليس مضايفاً إلى شيء آخر في الأعيان، فليس هو في جملة المضايفات الّتي نذكرها.

فإذا لم يكن في جملة ما ذكرناه لم ينتقض به ما قلناه.

وأمّا أمر المربّع والدّائرة فلم يتغيّر بما زعم فيه غرضنا، وذلك لأنّه إن كان لهذا المربّع إمكان وجود فليس فرضه موجوداً يوجب أن يكون العلم حاصلاً، بل يجوز أن يكون هذا المربّع موجوداً ونحن على حكمنا من الجهل .

وأمّا ما أجاب به قوم من المتكلفين عن شبهة تكافؤ العلم والمعلوم ـ من أنّ الّذي قيل إنّ من المعلوم قد توجد ذاته والعلم به لا يكون موجوداً ـ قولٌ غير حقٍّ، فإنّ هاهنا علماً موجوداً بكل شيء وجوداً لا يتأخّر عن الأشياء، وهو علم الباري والملائكة، فليس فيه جواب المتشكّك، فإنّ دعواه أنّه ليس كلّ متضائفين يكونان معاً. وهذه الدّعوى يصحّ بمثال واحد فيقول: إنّ علمي بوجود العالم لا يصحّ أن يكون علماً، والعالم غير موجود الذّات،


صفحه 369

ثمّ العالم قد يكون موجوداً في ذاته، وليس علمي به موجوداً. هذا ملخصّ كلام الشيخ».(1)

وقال أيضاً: «ويجب أن تعلم أنّ المتضايفين من حيث يتضايفان بالفعل تضايفاً على التّعادل فهما معاً، إذ الشّيء إنّما تقال ماهيّته بالقياس إلى شيء يكون معه. وأمّا إذا أخذ أحدهما بالفعل والآخر بالقوّة، فقد زال التّعادل.

لكن على هذا اشكال، وهو أن لقائل أن يقول: إنّ المتقدّم في الزّمان مقول بالقياس إلى المتأخّر، ولابدّ من أن تكون بينهما إضافة بالفعل، ولا تضاد، فهما موجودين معاً.

وأيضاً: فأنّا نعلم أنّ القيامة ستكون والقيامة معدومة غير موجودة، والعلم بها موجود، ولابدّ أن تقع بينهما إضافة بالفعل، ولا تضاد، فهما معاً.

فنقول: أمّا الشكّ المورد من جهة المتقدّم والمتأخّر، فإنّه ينحلّ بأن نقول: إنّ هذا المعنى يعتبر من وجهين: أحدهما بحسب الذّهن مطلقاً، والآخر بحسب الوجود مستنداً إلى الذّهن.

أمّا بحسب الذّهن، فإنّه يحضر الذّهن الزّمانين معاً في الوهم، فيجد أحدهما متقدّماً، والآخر متأخراً فيكون قد حَصلا جميعاً في الذّهن، أو تكون الزّمانين كيوم من الأيّام حاضراً في الوجود والذّهن، فيضيف الذّهن


1 . لاحظ : منطق الشّفاء: 1 / 150 ـ 155 / المقولات .


صفحه 370

إليه زماناً يعقله مستقبلاً فيحكم حينئذ بينهما بتقدّم وتأخّر، لأنّه قد أحضرهما معاً.

وأمّا الوجه الآخر فهو أنّ الزّمان المتقدّم إذا كان موجوداً، فموجود من الآخر أنّه ليس هو، وممكن أن يوجد إمكاناً يؤدّي إلى وجوب وهذا كونه متأخّراً.

وهذا الوصف للزّمان الثّاني موجود في الذّهن عند وجود الزّمان المتقدّم.

وإذا وجد المتأخّر فإنّه موجود في الذّهن حينئذ أنّ الزّمان الثّاني ليس موجوداً، ونسبته إلى الذّهن نسبة شيء كان موجوداً ففُقِدَ.

وهذا أيضاً أمر موجود مع وجود الزّمان المتأخّر.

فأمّا نسبة المتأخّر إلى المتقدّم على وجه آخر غير ما ذكرنا، فلا وجود لها في الأُمور لكن في الذّهن فقط، فإنّ كلّ زمان وُجد فلا يكون ـ من حيث هو موجود ـ لا متقدّماً ولا متأخّراً، ولا مضافاً إلى شيء من الأزمنة، وإلاّ لكان مضافاً إلى أشياء بلا نهاية في وقت واحد، وكانت هناك إضافات لا نهاية لها موجودة بالفعل، بل هو في نفسه بحيث إذا عقل وعقل الآخر حكم العقل عليه بأنّه متأخّر عن أمر موجود في الذّهن.

وأمّا العلم بالقيامة، فإن العلم بها أنّها ستكون علم بحال من أحوالها موجود في الذّهن مع وجود العلم بأنّها إنّما هي ستكون لا عندما تكون، بل قبل ذلك عندما هي معدومة في الأعيان موجودة في النّفس.


صفحه 371

وأمّا تصوّر ماهيّة القيامة مجرّدة، فإنّه غير مضاف إلى شيء في الوجود من حيث هو تصوّر.

واعلم: أنّ جميع أمثال هذه إضافات إنّما يقرّر في الوهم، والمتضايفات فيها أيضاً إنّما تكون متضايفات في الوهم.

والبيان المستقصي لهذا إنّما هو في العلوم الحقيقية. انتهى»(1).

الخاصّة الثّالثة: ما اشار إليه بقوله: ويعرض، المضاف الحقيقيّ على ما في شرح العلاّمة(2). أو الاضافة على ما في " شرح القديم "للموجودات اجمع. أمّا للواجب تعالى فكالأوّل، وأمّا للجوهر فكالأب والابن، وأمّا للكّم فكالصغير والكبير، وأمّا للكيف فكالأحرّ والأبرد، وأمّا للإضافة فكالأكبر والأصغر، وأمّا للأين فكالأعلى والأسفل، وأمّا للمتى فكالأقدم والأحدث، وأمّا للوضع فكالأشّد انتصاباً وانحناء، وأمّا للملك فكالأكسى والأعرى، وأمّا للفعل فكالأقطع والاجزم، وأمّا للانفعال فكالأشدّ تسخّناً وانقطاعاً.


1 . منطق الشّفاء: 1 / 153 ـ 154 / المقولات.

2 . لاحظ : كشف المراد: المسألة الثّانية من المضاف.


صفحه 372

 

المسألة الثّالثة

في نفي وجود المضاف في الأعيان(1)

قال: وثبوته ذهنيٌّ وإلاّ تسلسل، ولا ينفع تعلّق الإضافة بذاتها.

ولتقدّم وجودُها عليه.

وللزم عدمُ التّناهي في كلّ مرتبة من مراتب الأعداد.

ولتكثُّر صفاتهِ تعالى.

أقول: وهو مختلف فيه:

فذهب المحققون من الحكماء إلى وجوده في الأعيان. والمتكلمون وبعض من الحكماء إلى نفيه.

وقد اختاره المصنّف على ما قال: وثبوته ذهنيّ. واستدل عليه بوجوه:

الأوّل: ما اشار إليه بقوله: وإلاّ تسلسل; أي لو كانت الإضافة موجودة لكانت في محلّ وكونها في المحلّ إضافة بينها وبين المحلّ مغايرة لها، فكانت موجودة حالّة فيها، وهكذا إلى غير النّهاية، وهو التّسلسل.


1 . لاحظ لمزيد التحقيق الكتب التالية، إلهيّات الشّفاء: 1 / 156 ـ 160 ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 435 ـ 439 ; ونقد المحصل: 131 ـ 134 ; والأسرار الخفيّة: 471 ـ 472 ; ومناهج اليقين في أُصول الدّين: 146 ـ 147 ; ونهاية المرام: 2 / 344 ـ 354 ; والأسفار: 4 / 200 ـ 211 .


صفحه 373

ولا ينفع تعلّق الإضافة بذاتها، ليرد أنّ زيداً مثلاً محتاج في كونه أبا ومضايفاً للابن إلى الأبوّة الّتي هي إضافة. وأمّا الأُبوّة فلايحتاج في كونها مضايفة للبنوّة إلى إضافة أُخرى، بل هي مضافة بذاتها إلى البنوّة فلا تتسلسل الإضافات.

وذلك لأنّ لزوم التّسلسل ليس من جهة أنّ الأبوّة مضافة، بل من جهة أنّها حالّة في محلٍّ فيعرض لها إضافة أُخرى بالقياس إلى المحلّ، وهكذا فيتسلسل.

ولا يجوز أن يقال: إنّ الأبّوة كما أنّها مضافة بذاتها فهي حالّة أيضاً بذاتها، بمعنى أنّ حلولها في محلّها نفس ذاتها لأنّه حالّ فيها.

وذلك لأنّ الحلول في المحلّ ليس إلاّ الوجود فيه، وقد ثبت كون الوجود زائداً على الماهيّات .

الثّاني: ما أشار إليه بقوله: ولتقدّم وجودها عليه; أي على وجودها. وذلك لأنّ الإضافة لو كانت موجودة لكانت متّصفة بالوجود، والاتّصاف إضافة مخصوصة بين الموصوف والصّفة، ووجودها يستلزم وجود المتضايفين لا محالة، فيكون وجود الإضافة الّذي هو صفة لها موجوداً للإضافة، ووجود الصّفة يتوقّف على وجود الموصوف، فوجود الوجود للإضافة يتوقّف على وجود الإضافة فيتقدّم وجودها على وجودها.

الثّالث: ما أشار إليه بقوله: وللزوم عدمُ التناهي في كلّ مرتبة من مراتب الأعداد، لأنّ كلّ مرتبة منها إضافة إلى كلّ واحد من المراتب الغير المتناهية،


صفحه 374

فإنّ الاثنين مثلاً نصف الأربعة، وثُلثُ السّتة ورُبعُ الثّمانية، وهكذا إلى غير النّهاية، ووجود الغير المتناهي محال مطلقاً عند المتكلمين.

على أنّه يستلزم التّسلسل أيضاً، فإنّ وجود الإضافة يستلزم وجود المضاف إليه، فيلزم وجود مراتب الأعداد الغير المتناهية المترتبة بالفعل، وهو محال بالاتّفاق .

الرّابع: ما أشار إليه بقوله: ولتكثّر صفاته تعالى . إذ لا شكّ في تعدّد صفاته الإضافيّة ولا يجوز كونها عين ذاته تعالى كما في صفاته الحقيقية، وإلاّ لزم كون ذاته تعالى إضافيّة فيكون زائدة على ذاته تعالى مع كونها موجودة فيها، فيلزم كون ذاته تعالى محلاًّ للكثرة، ولا فرق بين كونه محلاًّ للكثرة وبين كونه تعالى مبدأ لها، فكما يمتنع الثّاني على ما مرّ في الأُمور العامّة يمتنع الأوّل، وسيأتي تحقيق ذلك في الإلهيّات إن شاء الله .

فهذا هو مراد المصنّف.

وأمّا ما في الشروح(1): من أنّه يلزم تكثّر صفاته تعالى إلى غير النهاية لكون الموجودات غير متناهية، فمّما لا يدلّ عليه كلامه، بل هو ممّا يأباه السياق، كما لا يخفى على أنّه لم يقم برهان على امتناع عدم النهاية في صفاته تعالى حيث لا يجب الترتب فيها ليلزم التّسلسل، إلاّ أن يبني على مذهب المتكلّمين من امتناع عدم النهاية مطلقاً، أو على اتّفاق الكلّ على عدم كون صفاته تعالى غير متناهية .


1 . لاحظ : كشف المراد: المسألة الثالثة من المضاف; وشرح تجريد العقائد: 288 ـ 289 .


صفحه 375

وقد يستدل(1): بأنّه لو كانت الإضافة موجودة لزم كون ذاته تعالى محلاًّ للحوادث إذ مع كلّ حادث إضافة إليه بأنّه قبله ومعه وبعده وهذه الاضافات حادثة أمّا الّتي معه وبعده فظاهرة، وأمّا الّتي قبله فلأنّها قد زالت مع وجوده، والقديم لا يزول وهو محال كما سيأتي.

وأُجيب عن هذه الوجوه: بأنّها إنّما تنفي كون جميع الإضافات موجودة في الخارج. ونحن نقول به. فإنّ من الإضافات ما هو موجود في الخارج حقيقته أنّه إضافة كالفوقية والمقابلة ونظائرهما ومنها إضافات لا تحقّق لها في الخارج، بل يخترعها العقل عند ملاحظة أمرين كالتقدّم والتأخّر بين أمرين. وكذا الاتّصاف، والقسم الأوّل ينتهي عند حدّ لا يتجاوزه دون الثّاني، إذ لا يقف عند حدّ لا يمكن للعقل أن يتجاوزه، هذا.

وقال الشّيخ في " إلهيات الشفاء": «لكنّ الأشدّ اهتماماً معرفتنا هل الإضافة في نفسها موجودة في الأعيان أو أمر إنّما يتصوّر في العقل، ككثير من الأحوال الّتي تلزم الأشياء إذا عقلت بعد أن تحصل في العقل، إنّ الأشياء إذا عقلت تحدث لها في العقل أُمور لم يكن لها من خارج، فتصير كلّية  وجزئيّة وذاتيّة وعرضيّة، وتكون جنس وفصل، وتكون محمول وموضوع وأشياء من هذا القبيل.

فقوم ذهبوا إلى: أنّ حقيقة الإضافات إنّما تحدث أيضاً في النّفس إذا عقلت الأشياء.


1 . تعرّض له الشارح القوشجي في شرحه: 298، وأجاب عنه، وذكره العلاّمة الحلّي في نهاية المرام خامس برهان القائلين بوجود المضاف في الأعيان. لاحظ : نهاية المرام: 2 / 349 ـ 350.


صفحه 376

وقوم قالوا: بل الإضافة هي موجودة في الأعيان، واحتجّوا وقالوا: نحن نعلم أنّ هذا في الوجود أبو ذلك،(1) وأنّ ذلك في الوجود ابن هذا، عقل أو لم يعقل، ونحن نعلم أنّ النّبات يطلب الغذاء، وأنّ الطلب مع إضافة ما. وليس للنّبات عقل بوجه من الوجوه ولا إدراك. ونحن نعلم أنّ السّماء في نفسها فوق الأرض، والأرض تحتها، أدركت أو لم تدرك، وليست الإضافة إلاّ امثال هذه الأشياء الّتي أومأنا إليها وهي تكون للأشياء وإن لم تدرك.

وقالت الفرقة الثّانية: إنّه لو كانت الإضافة موجودة في الأشياء لوجب من ذلك. أن لا ينتهي الإضافات، فإنّه كان يكون بين الأب والابن إضافة، وكانت تلك الإضافة موجودة لهما، أو لأحدهما، أو لكلّ واحد منهما. فمن حيث الأُبوّة للأب وهي عارضة له والأب معروض لها، فهي مضافة، وكذلك البنوّة. فهاهنا إذن علاقة للأبوّة مع الأب، وللبنوّة مع الابن خارجة عن العلاقة الّتي بين الأب والابن، فيجب أن تكون للإضافة إضافة أُخرى وأن تذهب إلى غير النّهاية.

وأن تكون أيضاً من الإضافات ما هي علاقة بين موجود ومعدوم ; كما نحن متقدّمون بالقياس إلى القرون الّتي تخلفنا وعالمون بالقيامة.

والّذي تنحلّ به الشبهة من الطريقين جميعاً أن نرجع إلى حدّ المضاف المطلق، فنقول: إنّ المضاف هو الّذي ماهيّته معقولة بالقياس إلى


1 . في المصدر: «أب ذلك».


صفحه 377

غيره، فكلّ شيء في الأعيان يكون بحيث ماهيّته إنّما تعقل بالقياس إلى غيره، فذلك الشّيء من المضاف. لكن في الأعيان أشياء كثيرة بهذه الصّفة، فالمضاف في الأعيان موجود.

فإن كان للمضاف ماهيّة أُخرى فينبغي أن يجرّد ما له من المعنى المعقول بالقياس إلى غيره، فذلك المعنى هو بالحقيقة المعنى المعقول بالقياس إلى غيره، وغيره إنّما هو معقول بالقياس إلى غيره بسبب هذا المعنى، وهذا المعنى ليس معقولاً بالقياس إلى غيره بسبب شيء غير نفسه، بل هو مضاف لذاته على ما علمت، فليس هناك ذات وشيء هو الإضافة، بل هناك مضاف بذاته لا بإضافة أُخرى، فتنتهي من هذا الطريق الإضافات .

وأمّا كون هذا المعنى المضاف بذاته في هذا الموضوع، فهو من حيث إنّه في هذا الموضوع ماهيّة معقولة بالقياس إلى هذا الموضوع وله وجود آخر، مثلاً: وجود الأُبوّة ـ في الأب أمرٌ زائد على ذات الأب ـ وذلك الوجود أيضاً مضاف.

لكن ليس ذلك هذا، فليكن هذا عارضاً من المضاف لزم المضاف، وكلّ واحد منهما مضاف لذاته إلى ما هو مضاف إليه بلا إضافة أُخرى لذاته. فالكون محمولاً مضاف لذاته، والكون أبوّة مضاف لذاته. فإنّ نفس هذا الكون مضافاً بذاته ليس يحتاج إلى إضافة يصير بها مضافاً، بل هو لذاته ماهيّته معقولة بالقياس إلى الموضوع، أي هو بحيث إذا عقلت ماهيّة كانت محتاجة إلى أن يحضر في الذّهن شيء آخر يعقل هذا بالقياس إليه، بل إذا


صفحه 378

أخذ هذا مضافاً في الأعيان فهو موجود مع شيء آخر لذاته لا بمعيّة آخر ممّن تتبعه، بل نفسه نفس المع، والمعيّة المخصّصة بنوع تلك الإضافة. فإن عُقل احتيجّ إلى أن يعقل مع إحضار شيء آخر، كما كانت ماهيّة الأُبوّة من حيث هي أُبوّة، فذاتها مضافة بذاتها لا بإضافة أُخرى رابطة لتلك الإضافة.

وللعقل أن يخترع أمراً بينهما فإنّه معيّة خارجة منهما لا يضطر إليه نفس التصوّر، بل باعتبار آخر من الاعتبارات اللاّحقة الّتي يعقلها العقل(1)، فإنّ العقل قد يقرن أشياء بأشياء لأنواع من الاعتبار لا للضرورة. فأمّا في نفسها، فهي إضافة لا بإضافة، لأنّها ماهيّة لذاتها تعقل بالقياس إلى غيرها.

وهاهنا إضافات كثيرة تلحق بعض الذّوات لذاتها لا لإضافة أُخرى عارضة، بل مثل ما يجري عليه الأمر من لحوق هذه الإضافة للإضافة الأبويّة. وذلك مثل لحوق الإضافة لهيئة العلم، فإنّها لا تكون لاحقة بإضافة أُخرى في نفس الأُمور، بل تلحقها لذاتها، وإن كان العقل ربّما اخترع هناك إضافة أُخرى.

فإذ قد عرفت هذا، فقد عرفت أن المضاف في الوجود موجود بمعنى أنّ له هذا الحدّ.

وهذا الحدّ لا يوجب أن يكون المضاف في الوجود إلاّ عرضاً إذا عقل


1 . في المصدر: «يفعلها العقل».


صفحه 379

كان بالصّفة المذكورة ولا يوجب أن يكون أمراً قائم الذّات واحداً واصلاً بين الشيئين .

وأمّا القول بالقياس فإنّما يحدث في العقل، فيكون ذلك هو الإضافة العقليّة، والإضافة الوجوديّة ما بيّناه، وهو كونه بحيث إذا عقل كان معقول الماهيّة بالقياس، وأمّا كونه في العقل، فأن يكون عُقِلَ بالقياس إلى غيره، فله في الوجود حكم، وله في العقل حكم، من حيث هو في العقل لا من حيث الإضافة.

ويجوز في العقل إضافات مخترعة إنّما يعقلها العقل بسبب الخاصّة الّتي للعقل منها.

فالمضاف إذن موجود في الأعيان وبان أنّ وجوده لا يوجب أن يكون هناك إضافة إلى إضافة بغير نهاية.

وليس يلزم من هذا أن يكون كلّ ما يعقل مضافاً يكون له في الوجود إضافة .

وأمّا المتقدّم والمتأخّر في الزّمان، واحدهما معدوم وما أشبه ذلك، فإنّ التقدّم والتأخّر متضايفان بين الوجود إذا عُقِلَ، وبين المعقول الّذي ليس مأخوذاً عن الوجود الخاصّ. فاعلم: أنّ الشيء في نفسه ليس بمتقدّم إلاّ لشيء موجود معه، وهذا النوع من المتقدّم والمتأخّر موجود الطرفين معاً في الذّهن، فإنّه إذا أحضرت في الذّهن صورة المتأخّر وصورة المتقدّم


صفحه 380

عقلت النفس (1) هذه المقايسة واقعة بين موجودين فيها، إذ كانت هذه المقايسة بين موجودين في العقل. وأمّا قبل ذلك فلا يكون الشّيء في نفسه متقدّماً فكيف يتقدّم على لا شيء موجود؟

فما كان من المضافات على هذه السّبيل، فإنّما تضايفها في العقل وحده. وليس في الوجود لها معنى قائم من حيث هذا التقدّم والتأخّر، بل هذا التقدّم والتأخّر بالحقيقة من المعاني العقلية، ومن المناسبات الّتي يفرضها العقل والاعتبارات الّتي يحصل للأشياء إذا قايس بينها العقل وأشار إليها. انتهى كلام الشيخ بعباراته»(2). وإنّما طوّلنا بذكره، لأنّ فيه شفاء للعليل وريّاً للغليل.


1 . في المصدر: «إذا أحضرت في الذّهن صورة المتقدّم وصورة المتأخّر عقلت النّفس...» .

2 . إلهيّات الشّفاء: 1 / 156 ـ 160 .


صفحه 381

 

المسألة الرّابعة

في المضاف الحقيقيّ

قال: ويخصّ كلّ مضاف مشهوريّ مضافٌ حقيقيّ، فيعرض له الاختلاف والاتّفاق: إمّا باعتبار زائد أو لا.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان أنّ المضاف الحقيقيّ الواحد لا يجوز أن يقوم بمضافين مشهوريّين كما قد يظنّ أنّ الأُخوّة الواحدة بالعدد قائمة بالأخوين. والجوار الواحد بالعدد قائم بالجارين. إلى غير ذلك من الإضافات المتّفقة الأطراف على ما قال: ويخصّ كلّ مضاف مشهوريّ مضاف حقيقيّ، سواء كان الطّرفان متّفقين أو مختلفين، فإنّه كماأنّ الأُبوّة قائمة بالأب لا بالابن، فكذا إخوة كلّ واحد من الأخوين قائمة به لا بالأخ الآخر، وذلك لامتناع قيام عرض واحد بالعدد بموضوعين على ما مرّ في أوائل المقصد الثّاني.

فيعرض له; أي للمضاف الحقيقيّ الاختلاف كالأُبوّة والبنوّة، فإنّ كلاًّ منهما على صفة مخالفة لصفة الأُخرى. والاتّفاق كالأخوّة، واللاّأُخوّة فإنّهما متّفقتان في الصّفة .

ثمّ اختصاص المضاف المشهوريّ بالحقيقيّ: إمّا باعتبار أمر زائد


صفحه 382

موجود في الطّرفين كما في العاشق والمعشوق، فإنّ في العاشق هيئة مدركة لأجلها تعلّقت العاشقيّة به، وفي المعشوق تلك الهيئة الّتي تعلّق بها إدراك العاشق لأجلها تعلّقت المعشوقيّة به، أو موجود في أحد الطرفين كما في العالم والمعلوم، فإنّ في العالم هيئة إدراكية لأجلها صار عالماً بالمعلوم ولا حاجة في المعلوم إلى أمر زائد لتعلّق العلم به، أو لا (1)باعتبار أمر زائد في شيء من الطّرفين، كاليمين والشّمال، فإنّهما متضايفان، لا لأجل قيام صفة زائدة بشيء منهما.


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 383

 

المبحث الرّابع

في الأين

قال: الرّابع: الأين .

أقول: لمّا فرغ المصنّف (رحمه الله) من البحث عن المضاف شرع في البحث عن الجنس الرّابع من أجناس العرض على ما قال: الرّابع: الأين .

وفيه مسائل :


صفحه 384

صفحه 385

 

المسألة الأُولى

في مفهوم الأين

قال: وهي النّسبة إلى المكان.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان حقيقة الأين، عرّف بأنّه عبارة عن نسبة الشّيء إلى مكانه ، وأشار إليه بقوله: وهي النسبة إلى المكان.

قال الشيخ في "قاطيغورياس الشفاء ": «وأمّا الأين، فإنّه يتمّ بنسبة المتمكّن إلى المكان الّذي هو فيه، وحقيقته كون الشّيء في مكانه.

وقد علم في ما سلف أنّه كيف يباين المضاف.

وهو جنس لأنواع. فإنّ الكون فوق أين، والكون تحت أين، والكون في الهواء أين.

ومن الأين ما هو حقيقيّ أوّلي، وهو كون الشّيء في مكانه الحقيقيّ له، ومنه ما هو ثان غير حقيقيّ، مثل كون الشّيء في المكان الثّاني الغير الحقيقيّ، كقولهم في السّماء وفي الماء. ولا يكون جسمان موصوفين بأين واحد بالعدد والأين أولى حقيقيّ، ويكونان موصوفين بأين واحد بالعدد والأين ثان غير حقيقيّ، كجسمين يكونان في السوق معاً .

ومن الأين ما يكون مأخوذاً بذاته ككون النّار فوق، على أنّه في باطن


صفحه 386

سطح السّماء. ومنه ما هوعارض، ككون الحجر في الهواء .

وربّما كان في الأين إضافة، ككون الهواء فوق بالقياس إلى الماء، لأنّه في مكان هو أقرب إلى فوق من مكان الماء .

والأين منه جنسيّ وهو الكون في المكان. ومنه نوعيّ كالكون في الهواء. ومنه شخصيّ ككون هذا الشّيء في هذاالوقت في الهواء، وهو مكان ثان، أو مثل كون هذا الجسم في هذا المكان الحقيقيّ المشار إليه. انتهى »(1).


1 . منطق الشّفاء: 1 / 228 ـ 229 / المقولات.


صفحه 387

 

المسألة الثّانية

في أقسام الأين

قال: وأنواعه أربعة عند قوم هي: الحركة، والسكون، والاجتماع، والافتراق.

أقول: إنّ هذه المسألة في تقسيم الأين إلى أقسامه الأربعة عند المتكلّمين، على ما قال:

وأنواعه أربعة عند قوم: هي الحركة والسّكون والاجتماع والافتراق .

اعلم: أنّ المتكلّمين يعبّرون عن الأين بالكون، ويعترفون بوجوده، وإن أنكروا وجود سائر الأعراض النسبيّة.

والجمهور منهم على أنّ المقتضي للحصول في الحيز هو ذات الجوهر لا صفة قائمة به.

وزعم قوم منهم وهم مثبتو الحال، أنّ حصول الجوهر في الحيز معلّل بصفة قائمة بالجوهر، فسمّوا الحصول في الحيز بالكائنيّة، والصفة الّتي هي علّة الحصول بالكون.

وبالجملة: قد حصروا الكون في أربعة أنواع، لأنّ حصول الجوهر في الحيز: إمّا أن يعتبر بالنّسبة إلى جوهر آخر أو لا.

وعلى الأوّل: إمّا أن يكون بحيث يمكن أن يتوسّطهما ثالث، فهو


صفحه 388

الافتراق، وإلاّ فالاجتماع. واعتبر إمكان تخلّل الثّالث دون تحقّقه ليشمل افتراق الجوهرين بتخلّل الخلأ، فإنّه لا ثالث بينهما بالفعل، بل بالإمكان.

وعلى الثّاني: إن كان مسبوقاً بحصوله في حيّز آخر فهو الحركة. وإن كان مسبوقاً بحصوله في ذلك الحيّز فالسكون.

فالحركة حصول أوّل في حيّز ثان. والسّكون حصول ثان في حيّز أوّل. وأوّليّة الحيّز في السّكون قد لا يكون تحقيقاً، بل تقديراً، كما في السّاكن الّذي لا يتحرّك قطعاً، فلا يحصل في حيّز ثان. وكذا أوّليّة الحصول في الحركة، لجواز أن ينعدم المتحرّك في آن انقطاع الحركة .

وأمّا الخروج من الحيّز الأوّل فهو نفس الحصول الأوّل في الحيّز الثّاني على ما صرّح به الآمدي، فهو أيضاً حركة، وتحقيقه أنّ الحصول الأوّل في الحيّز الثّاني من حيث الإضافة إليه دخول وحركة إليه، ومن حيث الإضافة إلى الحيّز الأوّل خروج وحركة منه.

ثمّ الاجتماع لا يتصوّر إلاّ على وجه واحد. والافتراق يتصوّر على وجوه متفاوتة في القُرب والبُعد حتّى ينتهي غاية القرب إلى المجاورة الّتي هي الاجتماع ومن أسمائها المماسّة أيضاً على ما يراه الأُستاذ أبو إسحاق(1). وهو أقرب إلى الصّواب ممّا ذكره الأشعري والمعتزلة من أنّ المماسّة غير المجاورة، بل أمر تتبعها وتحدث عقيبها. كذا في " شرح المقاصد ".(2)


1 . إبراهيم بن محمد بن عيّاش البصري تلميذ أبي هاشم، توفي في النصف الثّاني من القرن الرّابع الهجري.

2 . لاحظ ، شرح المقاصد: 2 / 396 ـ 397 .


صفحه 389

ثمّ إنّ قولهم «حصول جوهر في الحيّز إذا لم يعتبر بالنّسبة إلى جوهر آخر: فإمّا أن يكون مسبوقاً بحصوله في ذلك الحيّز، أو في حيّز آخر» ليس بحاصر، لجواز أن لا يكون مسبوقاً بحصول أصلاً .

فلذا ذهب بعضهم (1) إلى عدم الانحصار في الأربعة، لجواز أن يفرض أنّ الله تعالى خلق جوهراً فرداً ولم يخلق معه جوهراً آخر، فكونه في أوّل زمان الحدوث ليس بحركة ولا سكون ولا اجتماع ولا افتراق .

وأجاب عنه أبو هاشم وأتباعه(2): بأنّه سكون، لكونه مماثلاً للحصول الثّاني في ذلك الحيّز. و لكون كلّ منهما موجباً لاختصاص الجوهر بذلك الحيّز. وهو أخصّ صفاتهما. وهو سكون بالاتّفاق، واللّبث أمر زائد على السّكون غير مشروط فيه.

وإليه يؤوّل ما قال الأُستاذ أبو إسحاق أنّه سكون في حكم الحركة حيث لم يكن مسبوقاً بحصول آخر في ذلك الحيّز.

والآمدي (3) منع كون ذلك أخصّ صفاتهما، فلا يوجب التماثل، لأنّ المتخالفين قد يشتركان في بعض الصّفات.

وبالجملة: فهؤلاء لم يعتبروا في السّكون اللّبث والمسبوقية بكون


1 . ومنهم أبو الهذيل العلاّف. لاحظ : شرح المواقف: 6 / 166 .

2 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 398 ـ 399 ; وشرح المواقف: 6 / 166 ـ 168 ; وشرح تجريد العقائد: 290 .

3 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 391 .


صفحه 390

آخر، فلزمهم تركّب الحركة من السّكنات، إذ ليس فيها إلاّ الأكوان الأوّل في الأحياز المتعاقبة. ومنهم من التزم ذلك.(1)

ثمّ على هذا، لا يتمّ ما ذكر في طريق الحصر، بل طريقه أن يقال: إنّه إن كان مسبوقاً اتّصل بحصوله في حيّز آخر فحركة، وإلاّ فسكون .

ويرد عليه السّكون بعد الحركة حيث يصدق عليه أنّه حصول مسبوق بالحصول في حيّز آخر، وإن كان مسبوقاً بالحصول في ذلك الحيّز أيضاً .

فالأولى على ما في " شرح المقاصد " أن يقال: «إن اتّصل بحصول سابق في حيّز آخر فحركة، وإلاّ فسكون. أو يقال: إنّه إن كان حصولاً أوّلاً في حيّز ثان فحركة، وإلاّ فسكون. فيدخل في السّكون الكون في أوّل زمان الحدوث، وتخرج الأكوان المتلاحقة في الأحياز المتلاصقة ـ أعني: الأكوان الّتي هي أجزاء الحركة ـ فلا يكون الحركة مجموع سكنات، وذلك لأنّه لا يلزم من عدم اعتبار اللّبث في السكون أن يكون عبارة عن مجرّد الحصول في الحيّز من غير اعتبار قيد يميّزه عن أجزاء الحركة ، اللّهم إلاّ أنّ يبني ذلك على أن الكون الأوّل في الحيّز الثّاني مماثل للكون الثّاني فيه، وهو سكون وفاقاً، ويكون هذا الزّمان لمن يقول بتماثل الحصول الأوّل والثّاني في الحيّز الأوّل، وكذا في الحيّز الثّاني .

فالتزم القاضي (2) ذلك، وذهب إلى أنّ الكون الأوّل في الحيّز الثّاني،


1 . انظر: شرح المواقف: 6 / 166 ـ 167 .

2 . القاضي عبدالجبّار بن أحمد بن عبدالجبّار الهمداني الأسدآبادي المعتزلي المتوفى (415 هـ) .


صفحه 391

وهو الدخول فيه سكون وبنى على ذلك أن كلّ حركة سكون من حيث إنّها دخول في حيّز، وليس كلّ سكون حركة كالكون الثّاني».(1)

ثمّ إنّهم اختلفوا في الجوهر المتوسّط الباطن من الجسم المتحرّك.

فقيل: إنّه متحرّك، وإلاّ كان ساكناً، ولزم انفكاكه عن الأجزاء الظاهرة، وهي متحركة بالاتفاق، ولأنّه داخل في الكلّ، ولكلّ داخل في حيّز الكلّ فهو داخل في حيّز الكل، وقد خرج بخروج الكلّ عن حيّزه بتمامه فيكون متحرّكاً.

وقيل: غير متحرك، إذ حيّزه الجواهر المحيطة به، وإنّه لم يفارقها، فهو مستقرّ في حيّزه، فلا يكون متحرّكاً.

وكذلك اختلفوا في المستقر في السّفينة المتحرّكة .

فقيل: ليس بمتحرّك كالجوهر المتوسّط.

وقيل: متحرّك. وكيف لا وأنّه أولى بالحركة من الجوهر المتوسّط، إذ هو يفارق بعض السطح المحيط به، أعني: الجواهر الهوائيّة المحيطة به.

والنّزاع لفظيّ يعود إلى تفسير الحيّز. فإن فسّر بالبُعد المفروض كان كلّ من المتوسّط والمستقرّ متحركاً. وإن فسّر بما اعتمد عليه ثقل المتحيّز كما هو المتعارف عند الجمهور لم يكن شيء منهما بمتحرّك.


1 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 398 ـ 399 .


صفحه 392

 

المسألة الثّالثة

في تعريف الحركة

قال: والحركةُ كمالٌ أوّلُ لما بالقوّة من حيث هو بالقوّة، أو حصولُ الجسم في مكان بعد آخَرَ.

أقول: فبدأ بما عرّفها به الحكماء، ثمّ أردفه بتعريف المتكلّمين فقال:

والحركة كمال أوّلُ لما بالقوّة من حيث هو بالقوّة.

بيانه ما قال الشيخ في " طبيعيات الشفاء" : «إنّ الموجودات بعضها بالفعل من كلّ وجه، وبعضها من جهة بالفعل ومن جهة بالقوّة. ويستحيل أن يكون شيء من الأشياء بالقوّة من كلّ جهة، لا ذات له بالفعل ألبتّة. ليسلم هذاوليوضع وضعاً مع قرب تناول الوقوف عليه .

ثمّ من شأن كلّ ذي قوّة أن يخرج منها إلى الفعل المقابل لها، وما امتنع الخروج إليه بالفعل فلا قوّة عليه.

والخروج إلى الفعل عن القوّة: قد يكون دفعة، وقد يكون لا دفعة، وهو أعمّ من الأمرين جميعاً .

وهو عام وأعمّ أمر يعرض لجميع المقولات، فإنّه لا مقولة إلاّ وفيها خروج من قوّة لها إلى فعل لها.


صفحه 393

أمّا في الجوهر ; فكخروج الإنسان إلى الفعل بعد كونه بالقوّة.

وفي الكمّ; فكخروج الباقي إلى الفعل عن القوّة.

وفي الكيف ; فكخروج السّواد إلى الفعل عن القوّة.(1)

وفي الأين ; فكالحصول فوق بالفعل بعد القوّة.

وفي متى; فكخروج الغد إلى الفعل عن القوّة.

وفي الوضع; فكخروج المنتصب إلى الفعل عن القوّة.

وكذلك في الجدة; كخروجه إلى أن يكون متنعلاً أو متسلّحاً.

وكذلك في الفعل والانفعال.

لكن المعنى المتصالح عليه عند الحكماء القدماء في استعمال لفظ الحركة ليس ما يشترك فيه جميع أصناف هذه الخروجات عن القوّة إلى الفعل، بل ما كان خروجاً لا دفعة بل متدرجاً.

وهذا ليس يتأتى إلاّ في مقولات معدودة مثلاً كالكيف، فإنّ ذا الكيف بالقوّة يجوز أن يتوجّه إلى الفعل يسيراً يسيراً إلى أن ينتهي إليه، وكذلك ذو الكمّ بالقوّة .

ونحن سنبيّن من بعد أنّ أيّ المقولات يجوز أن يقع فيه هذا الخروج من القوّة إلى الفعل، وأيّها لا يجوز أن تقع فيه ذلك .


1 . وفي المضاف: فكخروج الأب إلى الفعل عن القوّة.


صفحه 394

ولولا أنّ الزّمان ممّا يضطر في تحديده إلى أن تؤخذ الحركة في حدّه، وأنّ الاتصال والتدريج قد يؤخذ الزّمان في حدّهما، والدفعة أيضاً، فإنّها قد يؤخذ الآن في حدّها، فيقال: هو ما يكون في آن، والآن يؤخذ الزّمان في حدّه، لأنّه طرفه، والحركة يؤخذ الزّمان في حدّها ليسهل علينا أن نقول: إنّ الحركة خروج عن القوّة إلى الفعل في الزّمان، أو على اتصال، أو لا دفعة.

لكن جميع هذه الرّسوم يتضمّن بياناً دوريّاً خفيّاً، فاضطّر مفيدنا الصّناعة إلى أن سلك في ذلك نهجاً آخر فنظر إلى حال المتحرّك عندما يكون متحرّكاً في نفسه، ونظر في النحو من الوجود الّذي يخصّ الحركة في نفسها فوجد الحركة في نفسها كمالاً وفعلاً، أي كوناً بالفعل، إذ كان بازائها قوّة، إذ الشّيء: قد يكون متحرّكاً بالقوّة. وقد يكون متحرّكاً بالفعل وبالكمال، وفعله وكماله هو الحركة. فالحركة تشارك سائر الكمالات من هذه الجهة، وتفارق سائرالكمالات من جهة أن سائر الكمالات ; إذا حصلت صار الشّيء بها بالفعل ولم يكن بعدُ فيه ممّا يتعلّق بذلك الفعل شيء بالقوّة. فإنّ الأسود إذا صار بالفعل أسود لم يبق بالقوّة أسود من جملة الأسود الّذي له. والمربّع إذا صاربالفعل مربّعاً لم يبق بالقوّة مربّعاً من جملة المربّع الّذي له. والمتحرّك إذا صار بالفعل متحرّكاً، فيظنّ أنّه يكون بعد بالقوّة متحرّكاً من جملة الحركة المتّصلة هو بها متحرّك .

ويوجد أيضاً بالقوّة شيء آخر غير أنّه متحرّك، فإنّ ذات المتحرّك مالم يكن بالقوّة شيئاً ما يتحرّك إليه، وأنّه بالحركة يصل إليه، فإنّه لا يكون حاله وقياسه عند الحركة إلى ذلك الشّيء الّذي هو له بالقوّة، كما كان قبل


صفحه 395

الحركة. فإنّه في حال السّكون قبل الحركة يكون هو ذلك الشّيء بالقوّة المطلقة، بل يكون ذا قوّتين: إحداهما على الأمر والآخر على التوجّه إليه، فيكون له في ذلك الوقت كمالان وله عليهما قوّتان. ثمّ يحصل له كمال أحد القوّتين، ويكون قد بقي بعد بالقوّة في ذلك الشّيء الّذي هو المقصود بالقوّتين، بل في كليهما وإن كان أحدهما حصل بالفعل الّذي هو أحد الكمالين وأوّلهما، فهو بعد لم يتبرأ عمّا هو بالقوّة في الأمرين جميعاً، أحدهما التوجّه إليه بالحركة، والآخر في الحركة. فإذن (1) الحركة في ظاهر الأمر لا يحصل له بحيث لا تبقى قوّتها ألبتّة(2).

فتكون الحركة هي الكمال الأوّل لما بالقوّة لا من كلّ جهة، فإنّه يمكن أن يكون لما بالقوّة كمال آخر ككمال إنسانيّة أو فرسيّة، ولا يتعلّق ذلك بكونه بالقوّة بما هو بالقوّة. وكيف يتعلّق وهو لا ينافي القوّة مادامت موجودة، ولا الكمال إذا حصل.

فالحركة كمال أوّل لما بالقوّة من جهة ما هو بالقوّة. انتهى كلام الشيخ».(3)

ومحصله: أنّ قدماء الفلاسفة (4) كانوا رأوا أنّ الخروج من القوّة إلى الفعل: إمّا أن يكون دفعة، أم لا. والثاني: هو المسمى بالحركة، فعرّفوا


1 . في المصدر: «فإنّ الحركة...».

2 . في المصدر: «إليه...».

3 . طبيعيّات الشفاء: 1 / 81 ـ 83 / الفصل الأوّل من الفنّ الأوّل من المقالة الثّانية.

4 . لاحظ : نهاية المرام في علم الكلام: 3 / 227 .


صفحه 396

الحركة: بأنّها خروج من القوّة إلى الفعل: إمّا يسيراً يسيراً، أو لا دفعة، أو بالتدريج، فإن كلّ واحدة من هذه العبارات صالحة لإفادة تصوّر الحركة .

لكن ارسطاطاليس (1) لما رأى أنّ ذلك التّعريف يتضمّن الدّور، ولأنّ معنى يسيراً يسيراً هو التّدريج، والتدريج هو وقوع الشّيء في آن بعد آن، فيتوقّف تصوّر التّدريج على تصوّر الآن، وكذا تصوّر اللاّدفعة يتوقّف على تصوّر الدّفعة، وهي عبارة عن الحصول في الآن، وتصوّر الآن يتوقّف على تصوّر الزّمان، لأنّه طرفه. والزّمان هو مقدار الحركة، فيلزم الدّور، عدل عن تعريف القدماء وعرّفها بأنّها كمال أوّل لما بالقوّة من حيث هو بالقوّة.

وبيان هذا الحدّ: هو أنّ الحركة في نفسها كمال، لأنّ الكمال ما يكون في الشّيء بالقوّة، ثمّ يخرج إلى الفعل، والحركة كذلك، وهي تشارك سائر الكمالات من هذه الجهة ويمتاز عنها من وجهين:

أحدهما: أنّ سائر الكمالات إذا حصلت صار الشّيء بها بالفعل ولم يكن فيه بعد ممّا يتعلّق بذلك الفعل شيء بالقوّة، فإنّ الشّيء الأسود بالقوّة، إذا صار أسود بالفعل لم يبق بالقوّة أسود من جملة الأسود الّذي له بخلاف الحركة، فإنّه إذا حصلت وصار الشّيء بها بالفعل بقي


1 . لاحظ : الطبيعة لأرسطاطاليس: 1 / 165 / الفصل الأوّل من كتاب السماع الطبيعي; وطبيعيّات الشّفاء: 1 / 81 / الفصل الأوّل من الفنّ الأوّل من المقالة الثّانية; والنجاة: 1 / 131 ـ 143 ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 547 وما بعدها; ونهاية المرام: 3 / 325 ـ 337 ; والأسفار: 3 / 20 ـ 46 ; وشرح المقاصد: 2 / 410 ـ 413 .


صفحه 397

بعدُ فيه ممّا يتعلّق بتلك الحركة شيء بالقوّة، فإنّ المتحرّك بالقوّة إذا صار متحرّكاً بالفعل يبقى بعدُ متحرّكاً بالقوّة من جملة الحركة المتّصلة الّتي هو بها متحرّك بالفعل.

وثانيهما: أنّ سائر الكمالات إذا حصلت بالفعل لا يقتضي أن يكون شيء آخر بالقوّة يكون تلك الكمالات متأدّية إليه بخلاف الحركة، فإنّما إذا حصلت بالفعل يقتضي أن يكون شيء آخر بالقوّة تكون تلك الحركة متأدّية إليه .

فالحركة حال حصولها بالفعل يتعلّق بقوّتين: إحداهما: قوّة الباقي منهما بعد. والثّانية: قوّة الأمر المتأدّى إليه. وكلّ من الحركة وذلك الأمر كمال للمتحرك إلاّ أنّ الحركة كمال أوّل. وذلك الأمر كمالٌ ثان، وعند الحركة بالفعل يكون كلا الكمالين بالقوّة، كما عرفت .

فقيد «الأوّلية في الكمال» إنّما هو لإخراج الكمال الثّاني منهما وقيد «من جهة ما هو بالقوّة» للاحتراز عن الكمالات الّتي ليست كذلك، كالصورة النوعيّة، فإنّها كمال أوّل للمتحرّك الّذي لم يصل إلى القصد، لكن لا من جهة ما هو بالقوّة، بل كمال له مطلقاً، سواء كان من جهة أنّه بالقوّة أو من جهة أنّه بالفعل، هذا.

ونقل الإمام الرّازي عن بعض الفضلاء جواباً عن لزوم الدّور وارتضاه، وهو(1): أنّ تصوّر الدّفعة واللادفعة والتّدريج ويسيراً يسيراً تصوّرات أوّلية لإعانة الحسّ عليها. وأمّا الآن والزّمان فهما سببان لهذه الأُمور في الوجود لا في التصوّر، فجاز أن يعرف حقيقة الحركة بهذه الأُمور


1 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 548 ـ 549 .


صفحه 398

الأوّلية التصوّر، ثمّ تجعل الحركة معرّفة للآن والزّمان اللّذين هما سببا هذه الأُمور. هذا .

ثمّ إنّه اعترض على تعريف أرسطو: بأنّ ماهيّة الحركة وإن لم تكن بديهيّةً واضحةٌ عند العقل، لكن لا خفاء في أنّ ما ذكر في هذا التّعريف ليس بأوضح منها، بل أخفى .

وبأنّه لا يصدق على الحركة المتسديرة، إذ لا منتهى لها بالفعل فلا يتحقق كمال أوّل وثان.

وأُجيب(1): بأنّ هذاليس تعريفاً يقصد به تميّزها عمّا عداها، أو تحصيل صورتها عند العقل، بل هو تلخيص وتبيين للمعنى المسمّى بالحركة، فلا يضرّه كون تصوّره أخفى من تصوّر ماهيّة الحركة، ولا كون الكمال الأوّل والثّاني في بعض أقسام الحركة ـ أعني: المستديرة ـ بمجرّد الفرض والاعتبار المطابقين لما في نفس الأمر، دون الفعل والحقيقة. وذلك لأنّ كلّ نقطة يفرض في الجسم المتحرّك بالاستدارة بالنّسبة إليها من حيث طلبها توجّه فيكون كمالاً أوّلاً، ومن حيث الحصول عندها وصول، فيكون كمالاً ثانياً.

وفيه: أنّ مثل ذلك يمكن أن يقال في توجيه تعريف القدماء أيضاً، فلا يضرّه اشتماله على ما يتوقّف تصوّره على تصوّر الحركة.

بل الحقّ أنّ كلا التّعريفين إنّما هو لإفادة تصوّر ماهيّة الحركة، وكون


1 . انظر: شرح المقاصد: 2 / 411 .


صفحه 399

تصوّر ما ذكر في تعريف أرسطو أخفى من تصوّر ماهيّة الحركة ممنوع فإنّ جميع ذلك أُمور صناعيّة قد تبيّن مفهوماتها في الصّناعة، فلا يضرّه خفاؤها عند من لم يحصل الصّناعة.

أو حصول الجسم في مكان بعدَ حصوله في مكان آخر. هذا هو تعريف المتكلّمين، وقد عرفت تحقيق ذلك.


صفحه 400

 

المسألة الرّابعة

في أنّ الحركة موجودة في الخارج

قال: ووجودُها ضروريٌّ.

أقول: اعلم: أنّ لفظ الحركة بحسب المفهوم المذكور اسم لمعنيين: الأوّل كيفيّة يكون بها الجسم متوسّطاً بين المبدأ والمنتهى بحيث لا يكون في حيّزين، بل يكون في كلّ آن في حيّز آخر.

وبعبارة أُخرى: كون الجسم بحيث ـ أيّ حدٍّ من الحدود المسافة يفرض ـ لا يكون هو قبل آن الوصول إليه ولابعده حاصلاً فيه .

وبعبارة ثالثة: كون الجسم في ما بين المبدأوالمنتهى بحيث ـ أيّ آن يفرض ـ يكون حاله في ذلك الآن مخالفاً لحاله في آنين محيطان به، ويسمّى هذا المعنى من معنى الحركة، الحركة بمعنى التوسّط. وهي بهذا المعنى موجودة في الخارج لا محالة على ما قال: ووجودها ضروري .

فإنّ العقل يحكم بمعونة الحسّ بأنّ للمتحرّك حين كونه متوسّطاً بين المبدأ والمنتهى كيفيّة مخصوصة، ليست ثابتة له حين كونه في المبدأ، ولا حين كونه في المنتهى وتلك الكيفيّة مستمرّة له من أوّل المسافة إلى منتهاها. لكن يختلف نسب المتحرّك بسببها إلى حدود المسافة، فهي باعتبار ذاتها


صفحه 401

مستمرّة وباعتبار نسبتها إلى تلك الحدود سيّالة، وبواسطة استمرارها وسيلانها يفعل في الخيال أمراً ممتدّاً غير قارّ، فإنّه لمّا ارتسم نسبة المتحرّك إلى الحدّ الثّاني في الخيال، قبل أن تزول عنه نسبة إلى الحدّ الأوّل، يتخيّل أمر ممتدّ ينطبق على المسافة الّتي بين الحدّين كما يحصل من القطرة النازلة، والشعلة الجوالة أمر ممتدّ في الحسّ المشترك فيرى خطاً أو دائرة.

وهذا الأمر الممتدّ هو ثاني معنيي الحركة، ويسمّى الحركة بمعنى القطع، وهي بهذا المعنى لا وجود لها في الاعيان، لأنّ المتحرّك مالم يصل إلى المنتهى لم يوجد الحركة بهذا المعنى بتمامها، وإذا وصل فقد انقطعت.

قال في " شرح المواقف ": «فإن قلت: إذا وصل المتحرّك إلى المنتهى، فالحركة اتّصفت حال الوصول، بأنّها وجدت في جميع ذلك الزّمان لا في شيء من أجزائه .

قلت: حصول الشّيء الواحد في نفسه على سبيل التدريج غير معقول، لأنّ الحاصل في الجزء الأوّل من الزّمان لابدّ أن يكون مغايراً لما يحصل في الجزء الثّاني، لامتناع أن يكون الموجود عين المعدوم، فيكون هناك أشياء متعاقبة متغايرة لا يتّصل بعضها ببعض اتصالاً حقيقيّاً، لامتناع أن يتّصل المعدوم بالموجود كذلك، ويكون كلّ واحد منها موجوداً دفعة لا تدريجاً، فلا وجود للحركة بمعنى القطع في الخارج. انتهى».(1)

وقال الشّيخ في " طبيعيات الشفاء": «وممّا يجب أن تعلم في هذا


1 . شرح المواقف: 6 / 202 .


صفحه 402

الموضع أنّ الحركة إذا حصل من أمرها ما يجب أن يفهم، كان مفهومها اسماً لمعنيين: أحدهما: لا يجوز أن يحصل بالفعل قائماً في الأعيان. والآخر: يجوز أن يحصل في الأعيان.

فإنّ الحركة، إن عُني بها الأمر المتّصل المعقول للمتحرّك بين المبدأ والمنتهى، فذلك لا يحصل ألبتّة للمتحرّك وهو بين المبدأ والمنتهى، بل إنّما يظنّ أنّه قد حصل نحواً من الحصول إذا كان المتحرّك عند المنتهى. وهناك يكون هذا المتّصل المعقول قد بطل من حيث الوجود، فكيف يكون له حصول حقيقيّ في الوجود، بل وهذا الأمر بالحقيقة ممّا لا ذات له قائمة في الأعيان. وإنّما يرتسم في الخيال، لأنّ صورته قائمة في الذّهن بسبب نسبة المتحرّك إلى مكانين: مكان تركه، ومكان أدركه، أو يرتسم في الخيال، لأنّ صورة المتحرّك وله حصول في مكان وقرب وبعد من الأجسام تكون قد انطبعت فيه، ثمّ تلحقها من جهة الحسّ صورة أُخرى بحصول آخر له في مكان آخروقرب وبعد آخرين، فيشعر بالصورتين معاً على أنّها صورة واحدة لحركة، ولا يكون لها في الوجود حصول قائم كما في الذهن. إذ الطّرفان لا يحصل فيهما المتحرّك في الوجود معاً، ولا الحالة الّتي بينهما لها وجود قائم .

وأمّا المعنى الموجود بالفعل الّذي بالحريّ أن يكون الاسم واقعاً عليه، وأن تكون الحركة الّتي توجد في المتحرّك فهي حالته المتوسّطة حين يكون ليس في الطّرف الأوّل من المسافة ولم يحصل عند الغاية، بل هو في حدّ متوسّط بحيث ليس يوجد في وقت ولا في آن من الآنات الّتي يقع في


صفحه 403

مدّة خروجه إلى الفعل حاصلاً في ذلك الحدّ، فيكون حصوله في أيّ وقت فرضته قاطعاً لمسافة ما، وهو بعد في القطع.

وهذا هو صورة الحركة الموجودة في المتحرّك، وهو توسط بين المبدأ المفروض والنهاية بحيث أيّ حدّ يفرض فيه لا يوجد قبله ولا بعده فيه لا كحدي الطرفين، فهذا التوسّط هو صورة الحركة وهو صفة واحدة تلزم المتحرّك ولا تتغيّر ألبتّة ما دام متحرّكاً. نعم، قد يتغيّر حدود التوسّط بالفرض.

وليس المتحرّك متوسّطاً، لأنّه في حدٍّ دون حدّ، بل هو متوسّط، لأنّه بالصّفة المذكورة، وهي أنّه بحيث أيّ حدٍّ تفرضه لا يكون قبله ولا بعده فيه.

وكونه بهذه الصّفة أمر واحد يلزمه دائماً في أيّ حد كان ليس يوصف بذلك في حدّ دون حدّ.

وهذا بالحقيقة هو الكمال الأوّل. وأمّا إذا قطع فذلك الحصول هو الكمال الثّاني.

وهذه الصّورة توجد في المتحرّك وهو في آن، لأنّه صحّ آن يقال له في كلّ آن يفرض أنّه في حدّ أوسطه لم يكن قبله فيه ولا بعده يكون فيه .

والّذي يقال: من أنّ كلّ حركة ففي زمان، فإنّما يعني بالحركة الحالة الّتي للشّيء بين مبدأ ومنتهى وصل إليه فتقف عنده، أو لا تقف عنده، فتلك الحالة الممتدّة هي في زمان، وهذه الحال وجودها على سبيل وجود الأُمور في الماضي وبيانها بوجه آخر; لأنّ الأُمور الموجودة في الماضي قد كان لها


صفحه 404

وجود في آن من الماضي كان حاضراً، ولا كذلك هذا، فتكون هذه الحركة يعني بها القطع .

وأمّا أن يعني بالحركة الكمال الأوّل الّذي ذكرناه فيكون كونه في زمان لا على معنى أنّه يلزمه مطابقة الزّمان، بل على أنّه لا تخلو من حصول قطع ذلك القطع مطابق للزّمان فلا يخلو من حدوث زمان، ولأنّه (1) كان ثابتاً في كلّ آن من ذلك الزّمان مستمرّاً فيه. انتهى كلام الشيخ»(2).

وهاهنا شبهة مشهورة تقريرها: أنّ الحركة الموجودة ليست هي التوسّط المطلق بين المبدأ والمنتهى لكونه كلّياً ولا التوسّط الجزئيّ الواحد، ـ أعني: الحصول في حدّ معيّن ـ وإلاّ لم يكن متحرّكاً، بل ساكناً ولا التوسّطات الجزئيّة المتعددة ـ أعني: الحصول في حدّ معيّن بعد الحصول في حدّ آخر كذلك ـ وإلاّ فإن لم يكن تلك الحصولات متعاقبة متجاورة لزم انقطاع الحركة بكلّ واحد من تلك الحصولات، فلا يكون الحركة من المبدأ إلى المنتهى حركة واحدة، بل حركات متعدّدة بين كلّ حركتين منهما سكون، وإن تعاقبت وتجاورت لزم تتالي الآنات وتركّب المسافة ممّا لا يتجزأ، وقد مرّ بطلانه.

وأجاب عنها الإمام الرّازي:(3) بأنّ الحركة بمعنى التوسّط بين المبدأ والمنتهى أمرٌ موجود في الآن مستمرّ باستمرار الزّمان ويصير واحداً


1 . في المصدر: «ولا أنّه».

2 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 83 ـ 85 .

3 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 553 ـ 554 .


صفحه 405

بالشخص لوحدة الموضوع والزّمان وما فيه الحركة.

فإذا فرضت للمسافة حدود معيّنة، فعند وصول المتحرّك إليها يعرض لذلك الحصول في الوسط إن صار حصولاً في ذلك الوسط، وصيرورته حصولاً في ذلك الوسط أمرٌ زائدٌ على ذاته الشخصيّة وهي باقية عند زوال الجسم من ذلك الحدّ إلى حدٍّ آخر، وإنّما يزول عارض من عوارضها. وليس الحصول في الوسط أمراً كلّياً يكون له كثرة عدديّة، لأنّ ذلك إنّما يكون إذا كان في المسافة كثرة عدديّة حتّى يقال الحصول في هذا الحدّ من المسافة غير الحصول في ذلك. وليس كذلك، لأنّ المسافة متّصل واحد لا أجزاء لها بالفعل، فالحركة فيها عند اتّحاد الموضوع والزّمان لا يكون إلاّ واحداً بالشخص، وإن أمكن فرض الأجزاء فيه كالخطّ الواحد، وذلك لأنّ المعتبر في الكليّة إمكان فرض الجزئيّات لا فرض الأجزاء وهو غير ممكن هاهنا.  ثمّ قال: هذا ما عندي في هذا الموضع المشكل العسير. كذا نقل عنه في " شرح المقاصد " .(1)

وتحقيق ذلك في " الشفاء " حيث قال: «فإنّ قال قائل: إنّ الكون في المكان ولم يكن قبله ولا بعده فيه، وكذلك الإضافة إلى هذا الكون، والأمر الّذي يجعلونه آناً هو أمرٌ كلّيٌّ معقولٌ وليس بموجود بالفعل، بل إنّما الموجود بالفعل الكون في هذا المكان ولم يكن قبله ولا بعده فيه، وكذلك الإضافة إلى هذا الكون، والأمر الكلّيّ إنّما يثبت بأشخاصه ولا يكون شيئاً واحداً موجوداً بعينه كما اتّفق عليه أهل الصناعة .


1 . انظر: شرح المقاصد: 2 / 435 .


صفحه 406

فنقول: أما الكون في المكان من حيث يقال على متمكّنات كثيرين، فلاشك أنّ الحال فيه على ما قد وصف. وأمّا من حيث يقال على متمكّن واحد; ولكن لا معاً، فالأمر فيه مشكل، فإنّه لا يبعد أن يكون معنى جنسيّ يقال على موضوع واحد في وقتين، ويكون لم يثبت واحداً بعينه، مثل الجسم الأبيض إذا إسودّ. فإنّ الجسم إذا كان أسود فقد كان فيه سواد فكان السّواد لوناً، وكان اللّون كالجزء من السّواد مثلاً وبتخصيص ما قارنه كان سواداً، فلمّا أبيضّ فلا يمكننا أن نقول إنّ ذات الشّيء الّذي كان عرض له مقارنة التّخصيص باقية، وقارنه تخصيص آخر، مثل الخشبة موجودة في بيت على تخصيص أنّها جزء حائط، ثمّ صارت هي بعينها جزء سقف ولها إضافة أُخرى، وتخصيص آخر أنّه جزء سقف، فإنّ ذلك ليس كذلك، بل مثله مثل أن يعدم الحائط والخشبة الّتي فيه ثمّ يحدث في البيت حائط وفيه خشبة أُخرى مثل تلك الخشبة. وذلك لأنّ السّواد لا يبطل فصله وتبقى حصة من طبيعة الجنس الّتي كانت مقارنة له بعينها، وإلاّ فليس بفصل منوّع، بل هو عارض لا منوع. قد علم هذا في مواضع أُخرى.

فإذا كان الأمر على هذا، فلننظر هل حكم الكون في المكان الموجود في المتمكّن تارة مقارناً لتخصيص أنّه في هذا المكان وتارة مقارناً لتخصيص أنّه في مكان آخر حكم اللّون أو ليس كذلك، بل حكمه حكم حرارة تارة تفعل في هذا وتارة في هذا، أو رطوبة تارة تنفعل عن هذا وتارة عن ذلك وهي واحدة بعينها، أو عرض آخر من الأعراض يبقى واحداً بعينه ويلحقه تخصيص بعد تخصيص.


صفحه 407

فنقول: أوّلاً: أنّ هذا التّخصيص بهذا أو بذلك في أمر المكان ليس أمراً موجوداً بالفعل بعينه (1) كما يظهر لك بعد. إذ المتّصل لا أجزاء (2)له بالفعل، بل عرض أن يتجزّأ الأسباب تقسم المسافة فتجعلها بالفعل مسافات على أحد أنواع القسمة، وما بين حدود تلك القسمة أيضاً مسافات لا يشتمل عليها آن وحركة على النّحو الّذي قلنا: إنّها يكون في آن، بل الحركة الّتي على نحوِ القطع، ويكون الزّمان مطابقاً لها ولا يكون المعنى الّذي سمّيناه آناً هو متكثّر فيها بالفعل. لأنّ ذلك لا يتكثر بالفعل إلاّ بتكثير المسافة بالفعل، وإذا لم يكن متكثّراً بالفعل، وكانت الحركة على الموضوع الواحد ـ أعني: المسافة ـ موجودة ولم تكن كثيرة بالعدد كانت بالضّرورة واحدة بالعدد، ولم يكن على النمط الّذي يكون عليه الحال في اللّون، ووجوده في الموضوع في حال سواده وفي حال بياضه وحال النّسبة الّتي يخصّص كلاًّ إلى الموضوع بالفعل، لأنّ الحركة لا توجب بالفعل انفصالاً، بل يستمرّ الاتصال استمراراً لا يجب معه تغيّر هذه الحال بالقياس إلى الموضوع حتّى يعدم منه أمر ثابت بالشخص. فإنّه إنّما يختلف النّسبة بالفعل إلى مختلف بالفعل، وإنّما يكثّر الواحد بالفعل بتكثّر من قبل النّسبة إذا كانت متكثّرة بالفعل. فإذا كانت المسافة واحدة بالاتّصال لا اختلاف فيها، لم تختلف إليها نسبة. فلم يختلف بسبب ذلك عدد شيء واحد. ثمّ بعد ذلك إذا عرض للمسافة قسمة ما واختلاف، ولم يكن ذلك ممّا يتعلّق بالحركة، ولا الحركة


1 . في المصدر: «بنفسه».

2 . في المصدر: «لأجزاء له».


صفحه 408

تتعلّق به ولا أحدهما موجب الآخر ولا موجبه، كانت الاثنينية الّتي تعرض له غير متكثّرة بالذّات، بل بالعرض ومن طريق نسبة الواحد إلى كثير، وتكون النّسبة خارجيّة غير داخلة في ذات الشّيء.

وبالجملة: لا تكون هذه الحال حال اللّون الّذي هو بالحقيقة لا بالقياس إلى أمر خارج يختلف بمقارنة فصل السّواد والبياض، ولا كون المتحرّك في المكان مطلق يصير كثيراً بكونه في هذا المكان وذلك المكان، لأنّه ليس في مسافة الحركة انفصال بالفعل ومكان معيّن دون مكان حتّى يجوز أن يكون الكون في المكان مطلقاً جنسيّاً أو نوعيّاً يتنوّع أو يتشخّص بسبب نسبة إلى أمكنة كثيرة بالفعل. انتهى كلام " الشفاء "».(1)


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 85 ـ 87 .


صفحه 409

 

المسألة الخامسة

في ذكر الأُمور الّتي تتعلّق بها الحركة

قال: ويتوقّف على المتقابلين والعلّتين والمنسوب إليه والمقدار .

فما منه وما إليه قد يتّحدان محلاًّ، وقد يتضادّان ذاتاً، وعرضاً.

ولكلّ منهما اعتباران متقابلان أحدهما: بالنّظر إلى ما يقالان له. وثانيهما: اعتبار كلّ منهما بالنّظر إلى الآخر.

ولو اتّحدت العلّتان انتفى المعلول.

وعَمَّ، بخلاف الطبيعة المختلفة المستلزمة في حال.

أقول: اعلم: أنّ الحركة تتعلّق بأُمور ستّة:

الأوّل: المتحرّك، وهي العلّة القابلية.

الثّاني: المحرّك، وهي العلّة الفاعلية.

الثّالث: ما فيه الحركة، وهي المسافة.

الرّابع: ما منه الحركة، وهو مبدؤها.

الخامس: ما إليه الحركة، وهو منتهاها.

السّادس: الزّمان، وهو المقدار الّذي تتقدّر به الحركة.


صفحه 410

وأشار المصنّف (رحمه الله) على هذه الأُمور على ما قال :

ويتوقّف، أي الحركة على المتقابلين أراد بهما ما منه الحركة وما إليه ـ أعني: المبدأ والمنتهى ـ لامتناع اجتماعهما بالقياس إلى الحركة الواحدة.

والعلّتين; أي القابليّة وهي الموضوع، والفاعليّة .

والمنسوب إليه; أي المقولة الّتي يقع فيها الحركة.

والمقدار; أي الزّمان .

فهذه أُمور ستّة لا يمكن تحقّق الحركة بدون شيء منها. وهذا هو المراد من التّوقف، وإلاّ فظاهر عدم التّوقف على بعضها كالزمان، بل هو متوقّف على الحركة، لكونه مقداراً لها. وكذا المنتهى، فإنّه قد يكون متأخّراً في الوجود عن الحركة كالبياض في حركة الأبيض.

ولذلك قال الشيخ في " الشفاء ": إنّ الحركة تتعلّق بأُمور ستّة ـ على ما أشرنا إليه ـ أمّا تعلّق الحركة بالعلّة القابليّة والفاعليّة فظاهر، لكونها عرضاً، وهو قسم من الممكن. وكذا تعلّقها بما فيه الحركة، إذ لابدّ لها من مسافة أو ما يجري مجراها.

وأمّا تعلّقها بالزّمان فلكونها أمراً غير قارّاً ومستلزماً له، فلابدّ له من زمان يطابقه.

وأمّا تعلّقها بما منه وما إليه. فقال الشّيخ: إنّه يستنبط من حدّها، لأنّها أوّل كمال لشيء له كمال ثان بأن ينتهي به إليه، وله حال القوّة الّتي قبل


صفحه 411

الكمالين، وهي الحالة الّتي الكمال الأوّل تركها وتوجّه إلى الكمال الثّاني.

ثمّ قال: وربّما كان ما منه وماإليه ممّا يثبت الحصولان فيهما زماناً حتّى يكون عند الطرفين سكون. وربّما لم يكن الحصول فيه إذا فرض كأنّه حدّ بالفعل إلاّ آناً كما للفلك فإنّ في حركته ترك مبدأ وتوجّها إلى غاية، لكن لا وقوف له عند أحدهما.

ثمّ أورد سؤالاً: وهو أنّ الحدود في المتّصل على مذهبكم ليست موجودة بالفعل، بل بالقوّة، وإنّما يصير بالفعل بأحد أسباب كقطع، أو فرض، أو مماسّة، أو موازاة، فما لم يكن أحد هذه الأسباب بالفعل لم يكن مبدأ ومنتهى، ومالم يكن مبدأ ولا منتهى لا يكون حركة، فالفلك مالم يكن له سبب محدّد لا يكون متحرّكاً، وهذا محال.

ثمّ أجاب عنه: بأنّ المبدأ والمنتهى يكون للحركة بضرب فعل وضرب قوّة، والقوّة تكون على وجه قريب من الفعل، ووجه بعيد منه. مثال القريب أن يفرض للمتحرّك حال ما يتحرّك حدّ. وقد وصل إليه في آن تفرضه، فيكون ذلك له وفي نفسه بالقوّة، وإنّما يصير بالفعل حدّاً لحصول الفرض بالفعل. ومع ذلك لا يقف، بل يستمرّ، ومثاله البعيد حدّ مستقبل لا يمكن من حيث هو حدّ حركة أن يجعل بالفعل حدّ حركة بالفعل بفرض أو بسبب محدّد بالفعل، بل يحتاج أن يستوفي المسافة إليه حتّى يصير بحيث يمكنك أن تفرضه مبدأ ومنتهى.

فكلّ حركة من حركات الفلك تشير إليها في وقت معيّن وتحصلها،


صفحه 412

فإنّها تفرض لها ذلك، فتارة تفرض المبدأ والمنتهى متباينين ; أي نقطتين مختلفتين هما حدّاً ذلك المفروض من الحركة في ذلك الوقت الّذي تعيّنه، وتارة تكون نقطة واحدة هي بعينها مبدأ ومنتهى. أمّا المبدأ: فلأنّ الحركة منها. وأمّا المنتهى: فلأنّ الحركة إليها .

فالحركة المكانيّة أو الوضعيّة تعلّقها بالمبدأ والمنتهى هو أنّك إذا عينت حركة ومسافة تعيّن مع ذلك مبدأ ومنتهى، والمتحرّك المكانيّ أو الوضعيّ تعلّقه بالمبدأ والمنتهى هو أن يكون ذلك له بالفعل أو بالقوّة القريبة من الفعل، وذلك على أيّ وجه كان منها جاز. فإنّا لم نشترط الوجه المعيّن فيه منها .

وبالجملة: فإنّ الحركة تتعلّق بالمبدأ والمنتهى على هذه الصّورة والشرط، لا من حيث هما بالفعل.(1)

فما منه الحركة وما إليه قد يتّحدان محلاًّ، بأن يكون محلّ المبدأ بعينه محلّ المنتهى، كما في الحركة المستديرة، فإنّ كلّ نقطة مفروضة في الجسم يكون مبدأ للحركة، ومنتهى لها أيضاً، فإنّ الحركة منها بعينها المستديرة حركة إليها.

وقد يتضادّان ذاتاً; أي يكونان متضادّين بالذّات، كما في الحركة من السّواد إلى البياض ومن الحرارة إلى البرودة .

وقد يتضادّان عرضاً; أي يكونان متضادّين بالعرض، كما في الحركة


1 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 1 / 87 ـ 92 / الفصل الأوّل من الفنّ الأوّل من المقالة الثّانية.


صفحه 413

من المركز إلى المحيط، فإنّ ذات كلّ واحد من المبدأ والمنتهى نقطة، وليس بين النّقط من حيث هي نقط تضادّ بالذّات، بل التضادّ الّذي بين المبدأ والمنتهى هناك تضادّ بالعرض، أعني: بواسطة عروض عارضين متضادّين: أحدهما: كون إحداهما غاية البُعد من المحيط. وثانيهما: كون الأُخرى غاية القرب منه.

وكما إذا كانا متحديّ محلاًّ كما في الحركة المستديرة، فإنّهما متضادّان لا بالذّات، بل بواسطة عروض وصفين هما البداية والنهاية.

قال الشّيخ: «وربّما كان ما منه وما إليه ضدّين.

وربّما كانا بين الضدّين، لكن الواحد أقرب من ضدّ والآخر من ضدّ آخر .

وربّما لم يكونا ضدّين ولابين من ضدّين، ولكن كانا من جملة أُمور لها نسبة إلى الأضداد وأُمور متقابلة بوجه مّا، فلا تجتمع معاً كالأحوال الّتي للفلك، فإنّه لا يضادّ مبدأ حركة منه لمنتهاها، لكنّهما لا يجتمعان معاً»(1).

ولكلّ منهما(2) اعتباران متقابلان:

أحدهما: بالنّظر إلى ما يقالان له، فإنّ المبدأ قد يقال بالقياس إلى ذي المنتهى وهما ـ أعني: المبدأ وذا المبدأ، وكذا المنتهى وذا المنتهى ـ متقابلان تقابل التضايف كما مرّ.


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 90 ـ 91 .

2 . أي المبدأ والمنتهى الّذي تقدّما بلفظ: ما منه وما إليه .


صفحه 414

وثانيهما: اعتبار كلّ منهما بالنظر إلى الآخر، فإنّ المبدأ قد يقال بالقياس إلى المنتهى وكذا المنتهى بالقياس إلى المبدأ.

وبهذا الاعتبار قد ذكرهما قبل ذلك بقوله: «قد يتّحدان محلاًّ وقد يتضادّان ذاتاً وعرضاً» فلذلك لم يذكر هذا الاعتبار هاهنا .

وأمّا كونهما متضادّين على ما مرّ، فلأنّهما متقابلان وليسا بمتضايفين، فإنّه ليس كلّ من يعقل مبدأ الحركة يعقل منتهاها، وبالعكس، وليس أحدهما سلباً للآخر، ولا عدم ملكة له فبقى تقابل التضادّ.

ولو اتّحدت العلّتان(1). قد عرفت وجه احتياج الحركة إلى العلّتين القابليّة والفاعليّة، والمطلوب هاهنا أنّه لا يمكن أن يكون القابل للحركة بعينه هو الفاعل لها.

واستدلّ عليه بوجهين: الأوّل: أنّه لاشك أنّ القابلة للحركة المكانية والوضعيّة إنّما هو الجسم بمعنى الصّورة ـ أعني: الجوهر القابل للأبعاد ـ لأنّه هو المالى للمكان المقتضي للوضع بالذّات، وسائر ما يتبعه من المادّة والصّورة والهيئات متّصف بالتحيّز والوضع بالتّبع وبالعرض. فإذا كان المقتضي للتحيّز والوضع بالذّات هو الصّورة الجسميّة كان الموصوف بالانتقال عن الحيّز والوضع أيضاً بالذّات هو الصّورة الجسميّة، فيكون القابل للحركة هو الصورة الجسمية، فلو كان فاعل الحركة أيضاً هو الجسم بهذا المعنى، وهو أمرٌ مستمرّ باق لا محالة، فإذا صار علّة لجزء من الحركة


1 . أي الفاعليّة والقابليّة.


صفحه 415

الّذي هو أيضاً حركة لزم بقاء ذلك الجزء ودوامه بدوام علّته، ومادام هذا الجزء باقياً لا يجوز أن يوجد الجزء الآخر، لامتناع اجتماع أجزاء الحركة في الوجود، فلا تتحقّق الحركة بتمامها، بل تكون منتفية لا محالة، وسواء في ذلك الحركة بمعنى القطع والتوسّط. فإنّ الحركة التوسطيّة وإن كانت مستمرّة بحسب الذّات لكنّها متجدّدة بحسب النسب إلى حدود المسافة كيف وهي الراسمة للحركة القطعيّة.

وإلى هذا الوجه أشار بقوله: انتفى المعلول .

الثّاني: أنّه لو كان الجسم بالمعنى المذكور الّذي هو القابل للحركة فاعلاً لها أيضاً، وهو واحدٌ في جميع الأجسام، لكون الصّورة الجسميّة طبيعة نوعيّة على ما مرّ غير مرّة، لعمّت الحركة جميع الأجسام في جميع الأحوال، والتالي باطل بالضّرورة. بيان الملازمة: وجوب وجود المعلول حيث وجدت العلّة التامّة على ما هو المفروض من كون الجسم بما هو جسم علّة للحركة.

وإلى هذا الوجه أشاربقوله: وعَمَّ(1); أي المعلول .

فإن قيل: كلا الوجهين منتقض بالطّبيعة الّتي هي الفاعلة للحركات الطّبيعيّة .

أمّا الأوّل: فلأنّ الطبيعة أمرٌ مستمرٌ باق كالجسميّة.


1 . هذه حجّة ثانية على أنّ الفاعل للحركة ليس هو القابلَ المعروض لها، أعني نفس الصّورة الجسميّة بالنسبة إلى الحركة الأينيّة والوضعيّة، والهيولى بالنّسبة إلى الحركة الكمّيّة والكيفيّة.


صفحه 416

وأمّا الثّاني: فلأنّها موجودة في الأجسام كهي أيضاً، فلو جاز كون الطّبيعة علّة للحركة فليجز كون الجسميّة أيضاً علّة لها، وإن لم يجز كون الجسميّة علّة لها لم يجز كون الطّبيعة أيضاً علّة لها.

قلنا: الجواب عن الأوّل: أنّ الطبيعة وإن كانت أمراً مستمرّاً، لكنّها ليست بذاتها علّة للحركة، بل عند كونها بحال من الأحوال كالخروج عن الحيّز الطبيعي مثلاً.

وعن الثّاني: أنّها وإن كانت موجودة في جميع الأجسام لكنّها مختلفة فيها بخلاف الجسميّة على ما مرّ.

وهذا معنى قوله: بخلاف الطبيعة المختلفة ; إشارة إلى الجواب عن الثّاني. المستلزمة للحركة في حال ; إشارة إلى الجواب عن الأوّل.

فإن قلت: فليكن الجسميّة أيضاً مقتضية بحال كالطّبيعة.

قلت: فليلزم خلاف الفرض، إذ المفروض كون الجسميّة بما هي جسميّة علّة للحركة على ما أشرنا إليه، وإلاّ فلا نمنع جوازه، كيف وكون الجسميّة مع الطبيّعة حال من أحوالها؟

قال الشّيخ في " الشفاء ": «وأمّا تعلّقها ـ أي الحركة ـ بالمحرّك فلأنّ الحركة: إمّاأن تكون المتحرّك عن ذاته من حيث هو جسمٌ طبيعيّ، أو تكون صادرة عن سبب .

ولو كانت الحركة لذاته لا بسبب أصلاً، لكانت الحركة لا تعدم ألبتّة ما دام ذات الجسم الطبيعيّ المتحرّك بها موجودة، لكن الحركة تعدم عن كثير


صفحه 417

من الأجسام وذاته موجودة. ولو كانت ذات المتحرّك سبباً للحركة حتّى يكون محرّكاً ومتحرّكاً، لكانت الحركة يجب عن ذاته، لكن لا تجب عن ذاته، إذ توجد ذات الجسم الطبيعيّ، وهو غير متحرّك. فإن وجد جسم طبيعيّ يتحرّك دائماً، فهو بصفة له زائدة على جسميّته الطبيعية: إمّا فيه إن كانت الحركة ليست من خارج، وإمّا خارج عنه إن كانت من خارج.

وبالجملة: لا يجوز أن تكون ذات الشّيء سبباً لحركته، فإنّه لا يكون شيءٌ واحدٌ محرّكاً ومتحرّكاً إلاّ أن يكون محرّكاً بصورته ومتحرّكاً بموضوعه، أو محرّكاً وهو مأخوذ مع شيء آخر. انتهى كلام " الشّفاء "». (1) وهو صريح في ما ذكرنا.

فإن قلت: فأيّ حاجة إلى إثبات الطّبيعة.

قلت: اثبات الطبيعة إنّما هو لاقتضاء بعض الأجسام حركة مخصوصة وأفاعيل مختصّة دون بعض بحيث يجزم بكون المقتضي من مقوّمات ذلك الجسم لا من عوارضه.

وجه آخر ذكره الشيخ أيضاً في " الشفاء "حيث قال: وممّا تبيّن لك أنّ الشّيء لا يحرّك ذاته أنّ المحرّك إذا حرّك لم يخل: إمّا أن يكون يحرّك لا بأن يتحرّك، وإمّا بأن يكون يحرّك بأن يتحرّك، فإن كان المحرّك يحرّك لا بأن يتحرّك فمحال أن يكون المحرّك هو المتحرّك، بل يكون غيره، فإن كان يحرّك بأن يتحرّك وبالحركة الّتي فيه بالفعل يحرّك. ومعنى يحرّك أنّه يوجد


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 87 .


صفحه 418

في شيء متحرّك بالقوّة حركة بالفعل، فيكون حينئذ إنّما يخرج شيئاً من القوّة إلى الفعل بشيء فيه بالفعل وهو الحركة، ومحال أن يكون ذلك الشّيء بالفعل وهو بعينه فيه بالقوّة، فيحتاج أن يكتسبه، مثلاً إن كان حارّاً فكيف يسخّن نفسه بحرارته؟ أي إن كان حارّاً بالفعل فكيف يكون حاراً بالقوّة حتّى يكتسب من ذي قبل حرارة عن نفسه فيكون بالفعل وبالقوّة معاً؟

وبالجملة: طبيعة الجسميّة طبيعة جوهريّة له طولٌ وعرضٌ وعمقٌ. وهذا القدر مشترك فيه لا يوجب حركة، وإلاّ لاشتركت فيها نفسها، فإن زيد على هذا القدر معنى آخر حتّى يلزم الجسم حركة، وحتّى تكون جوهراً ذا طول وعرض وعمق وخاصّة أُخرى مع المذكور يتحرك بسبب ذلك فيكون فيه مبدأ لحركة زائد على الشرط الّذي إذا وجد كان به جسماً، وإن كان من خارج فذلك فيه أظهر. انتهى»(1).

وفيه أيضاً دلالة على ما ذكرنا.


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 87 ـ 88 .


صفحه 419

 

المسألة السّادسة

في أنّ الحركة في أيّ مقولة تقع

وفي أيّها لم تقع

وفيها فروع:

 

الفرع الأوّل

في نفي الحركة في مقولة الجوهر

قال: والمنسوب إليه أربع; فإنّ بسائط الجواهر توجد دفعة ومركّباتُها تُعدم بعدم أجزائها.

أقول: لمّا فرغ المصنّف (رحمه الله) عن ذكر الأُمور الّتي تتعلّق بها الحركة شرع في بيان نسبة الحركة إلى المقولات، ونفي الحركة في مقولة الجوهر على ما قال:

والمنسوب إليه ; أي المقولة الّتي تقع فيها الحركة أربع: الكم والكيف والأين والوضع بخلاف باقي المقولات. لعلّه أراد أنّه لا فيها الحركة أصلاً، وبالذّات لا وقوعها مطلقاً(1).


1 . في د جملة: «لعلّه أراد أنّه لا فيها الحركة أصلاً وبالذّات لا وقوعها مطلقاً» ساقطة.


صفحه 420

أمّا مقولة الجوهر فلمّا أشار إليه بقوله: فإنّ بسائط الجواهر توجد دفعة، وكذا تفسد دفعة من غير تدريج.

بُيّن ذلك على ما قال الشيخ في " طبيعيات الشّفاء "بعد تمهيد أنّ المراد من وقوع الحركة في مقولة هو أنّ الجوهر ـ أي الموضوع ـ يتحرك من نوع لتلك المقولة إلى نوع آخَرَ، ومن صنف إلى صنف بهذه العبارة: «فإنّ هذه المقولة ـ أي الجوهر ـ لا تعرض فيها الحركة، وذلك لأنّ الطّبيعة الجوهريّة إذا فسدت تفسد دفعة(1)، فلا يوجد بين قوّتها الصّرفة وفعلها الصّرف كمال متوسّط، وذلك لأنّ الصّورة الجوهريّة لاتقبل الاشتداد والتنقّص »(2).

وبُيّن ذلك في "قاطيغورياس الشّفاء": بأنّ قبول الاشتداد والتّضعف فرع قبول التضادّ، وهو منتف في الجواهر.

قال بعد ذكر خاصيّة نفي التضادّ عن الجواهر: «وتتبع هذه الخاصيّة خاصيّة أُخرى ; وهي أنّ الجوهر لا يقبل الأشدّ والأضعف، فإنّ المشتدّ يشتدّ عن حالة هي ضدّ الحالة الّتي يشتدّ إليها، فلا يزال يخرج عن حالة الضّعف يسيراً يسيراً متوجّهاً إلى حالة القوّة، أو عن حالة القوّة متوجهاً إلى حالة الضّعف، والحالتان متقابلتان متضادّتان لا يجتمعان.

فإن كانتا أعراضاً كان الاشتداد والضعف في الأعراض، وهذا ممّا يكون ; وإن كانتا جواهر كان في جواهر أيضاً تضادّ، وقد منع ذلك .


1 . وإذا حدثت تحدث دفعة.

2 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 98 / الفصل الثّالث من الفنّ الأوّل من المقالة الثّانية.


صفحه 421

ثمّ الضرب من التضادّ الّذي لم تتشدّد في دفعه عن الجواهر ـ يعني ما كان باعتبار عدم الاجتماع في المحلّ دون الموضوع ـ فذلك ممّا لا يحتمل المصير من بعضها إلى بعض على سبيل الاشتداد والتضعّف; فليس كلّ الأضداد يكون الانتقال من بعضها إلى بعض على هذه السّبيل، بل ربّما كان دفعةً. بل رفع قبول التضادّ برفع التنقص والاشتداد ; ووضعه لا يوجب وضعه. انتهى كلام قاطيغور»(1).

وبيّنه في " الطبيعيّات " بأن قال: «لأنّها إذا قبلت الاشتداد والتنقّص لم يخل: إمّا أن يكون الجوهر وهو في وسط الاشتداد والتنقّص يبقى نوعه أو لا يبقى. فإن كان يبقى نوعه فما تغيّرت الصّورة الجوهريّة ألبتّة، بل إنّما تغيّر عارض للصورة فقط، فيكون الّذي كان ناقصاً فاشتدّ قد عدم والجوهر لم يعدم، فيكون هذا استحالة أو غيرها لا كوناً، وإن كان الجوهر لا يبقى مع الاشتداد، فيكون الاشتداد قد حلّ (2) جوهراً آخر، أي المادّة. وكذلك في كلّ آن يفرض للاشتداد يحدث جوهر آخر، ويكون الأوّل قد بطل، ويكون بين جوهر وجوهر. إمكان أنواع جوهريّة غير متناهية بالقوّة كما في الكيفيّات. وقد علم أنّ الأمر بخلاف هذا، يعني معلوم بالاستقراء والمشاهدة أنّ صورة نوعيّة إذا فسدت يحدث عقيبها بلا فصل صورة أُخرى بالفعل ولا يبقى الجسم زماناً بين الصورتين بحيث يكون نوعاً بالقوّة لا بالفعل .


1 . منطق الشّفاء: 1 / 107 / المقولات / الفصل الثّالث من الفنّ الثّاني من المقالة الثّالثة.

2 . في المصدر: «قد جلب».


صفحه 422

ثمّ بيّن ذلك ببيان برهانيّ فقال ونقول: أيضاً فإنّ موضوع الصور الجوهريّة ; أي المادّة لا يقوم بالفعل إلاّ بقبول الصّورة وهي في نفسها لا توجد إلاّ شياءً بالقوّة. (1) والذّات الغير المحصلة بالفعل يستحيل أن يتحرّك من شيء إلى شيء، فإن كانت الحركة الجوهريّة موجودة فلها متحرّك موجود، وذلك المتحرّك يكون صورة هو بها بالفعل، ويكون جوهراً قائماً بالفعل.

ثمّ قال: ولا يمكن أن يقال إن هذا القول يلزم أيضاً على حركة الاستحالة، وذلك لأن الهيولي محتاجة في قوامها إلى وجود صورة بالفعل والصّورة، إذا وجدت بالفعل حصلت نوعاً بالفعل، فوجب أن يكون الجوهر الّذي بين الجوهرين أمراً محصّلاً بالفعل ليس بالفرض ولا كذلك في الأعراض الّتي تتوهم بين كيفيّتين مثلاً، فإنّها مستغنى عنها في قوام الموضوع بالفعل. انتهى»(2).

والحاصل: أنّ امتناع أن يكون بين جوهر وجوهر أنواع غير متناهية بالقوّة إنّما هو لمنافاة كون تلك الأنواع بالقوّة، لوجوب فعليّة الموضوع المتقوّم بها، بخلاف أن يكون بين كيفيّة وكيفيّة مثلاً أنواع غير متناهية بالقوّة، لعدم تقوّم الموضوع بتلك الأنواع، فلا منافاة بين كونها بالقوّة وبين كون الموضوع متقوّماً بالفعل، هذا .

وقد يعلّل ذلك بأنّ تلك الصّور المتعاقبة إن كان فيها ما يوجد في أكثر


1 . في المصدر: «لا توجد الأشياء إلاّ بالقوّة».

2 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 98 ـ 99 .


صفحه 423

من آن واحد فقد سكنت الحركة في الصّور، وإلاّ كانت كلّها آنيّة الوجود، فإنّ تعاقب بلا فصل تتالت الآنات ،وإن وجد في ما بين متعاقبين زمان خال عن تلك الصورة الآنيّة كانت الحركة منقطعة.

ثمّ يدفع النقض بحركة الكيف وغيره، بأنّ بقاء الموضوع بدون الكيفيّات وسائر الأعراض جائز، فلا يلزم من خلوّه عنها انتفاء المتحرّك حال كونه متحرّكاً، كما يلزم ذلك من خلوّ المتحرّك عن الصّور المتعاقبة، لأنّ المتحرك في الصورة: إمّا الجسم، أو المادّة، ولا وجود لشيء منهما خالياً عن الصّورة، وكون المتحرّك معدوماً حال كونه متحرّكاً محال بالبديهة.

قال شارح المواقف: «وفيه بحث: لأنّه يلزم هاهنا محال آخر وهو أنّه إذا خلا الموضوع في زمان عن الكيفيّات المتعاقبة مثلاً لم يكن له في ذلك الزّمان حركة في الكيف، لأنّ الحركة كما ينتفي بانتفاء المتحرّك كذلك ينتفي بانتفاء ما فيه الحركة، بل يلزم أن لا يكون هناك إلاّ كيفيّات آنية الوجود لا يوجد شيء منها في الأزمنة الواقعة بين تلك الآنات، فإن سمّيت مثل هذه حركة لم يكن الحركة منطبقة على الزّمان منقسمة بانقسامه.

ثمّ قال: ولا محيص عن ذلك إلاّ بما مرّ من أنّ المتحرّك في الكيف مثلاً له في ما بين مبدأ الحركة ومنتهاها كيفيّة واحدة سيّالة، ومثل هذا الحال السيّال الّذي يتبدّل أفراده على محلّه مع بقاء المحلّ بشخصه لابدّ أن يكون عرضاً لتقوّم محلّه بدونه، فلا يتصوّر حركة في الصّور المقوّمة لمحالها. انتهى»(1).


1 . شرح المواقف: 6 / 218 ـ 219 .


صفحه 424

وفيه: أنّ القول بالفرد السيال الّذي ذهب إليه بعضهم من أنّ الأين منه قار، ومنه سيّال، هو الحركة في المكان، والكيف منه قارّ ومنه سيّال هو الحركة في الكيف، والكمّ منه ما هو قارّ ومنه سيّال هو الحركة في الكمّ إلى غير ذلك على ما نقل في "الشفاء" قد زيّفه الشّيخ: «بأنّ التسوّد، مثلاً ليس سواداً يشتدّ، بل اشتداد سواد، بل اشتداد الموضوع في سواده. وذلك لأنّه لا يخلو إذا فرضنا سواداً اشتدّ: إمّا أن يكون ذلك السّواد بعينه موجوداً، وقد عرضت له عند الاشتداد زيادة، أو لا يكون موجوداً.

فإن لم يكن موجوداً ; فمحال أن يقال: إنّ ما قد عدم وبطل هو ذا يشتدّ فإنّ الموصوف بصفة موجودة يجب أن يكون أمراً موجوداً ثابت الذّات، وإن كان السّواد ثابت الذّات، فليس بسيّال كما زعموا مِنْ أنَّها كيفيّة سيّالة، بل هو ثابتٌ على الدّوام يعرض عليه زيادة لا يثبت مبلغها، بل يكون في كلّ آن مبلغ آخر، فيكون هذه الزّيادة المتّصلة هي الحركة لا السواد (1)، فاشتداد السّواد وسيلانه، أو اشتداد الموضوع في السّواد وسيلانه فيه، هو الحركة لا السّواد المشتّد. انتهى»(2).

وقد قيل (3) في دفع النقض بالكيف وغيره: «إنّ تغيّرات الجواهر ـ أعني: الأجسام بصورها ـ لا تقع في زمان، لأنّ الصّورة لا تشتّد ولا تضعف، بل تقع في آن وتغيّراتها بكيفيّاتها وكميّاتها وأيونها وأوضاعها تقع في زمان، لأنّها تشتدّ وتضعف.


1 . في المصدر: «إلى السّواد».

2 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 94 ـ 95 .

3 . القائل هو شارح المقاصد.


صفحه 425

ومعنى الاشتداد: هو اعتبار المحلّ الثابت بالقياس إلى حال فيه غير قارٍّ تتبدّل نوعيّته إذا قيس ما يوجد منه في آن إلى ما يوجد في آن آخر بحيث يكون ما يوجد في كلّ آن متوسّطاً بين ما يوجد في الآنين المحيطين به، ويتجدّد جميعها على ذلك المحلّ المتقوّم دونها من حيث هو متوجّه بتلك التجدّدات إلى غاية مّا.

ومعنى الضّعف: هو ذلك المعنى بعينه إلاّ أنّه يؤخذ من حيث منصرف بها عن تلك الغاية .

فالآخذ في الشدة والضعف هو المحلّ لا الحالّ المتجدّد المتصرم، ولا شك أنّ مثل هذا الحال يكون عرضاً لتقوّم المحلّ دون كلّ واحدة من تلك الهويّات .

وأمّا الحال الّذي يتبدّل هوّية المحلّ المتقوّم بتبدّله وهي الصّورة، فلا يتصوّر فيها اشتداد ولا ضعف لامتناع تبدّلها على شيء واحد متقوّم يكون هو هو في الحالين. انتهى»(1).

وأُورد عليه في " شرح المقاصد ": أن تقوّم المادّة إنّما هو بصورة مّا، فعدم الصّورة إنّما يوجب عدمها لو لم يستعقب حدوث صورة أُخرى.

على أنّا لا نسلّم تبدّل هويّة المادّة بتبدّل الصّورة، فإنّ الشّيخ صرّح: بأنّ الوحدة الشخصيّة للمادّة مستحفظة بالوحدة النوعيّة للصّورة لا بالوحدة الشخصية. انتهى»(2).


1 . شرح المقاصد: 2 / 424 ـ 425 .

2 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 424 ـ 425 .


صفحه 426

وأقول: اعتبار تقوّم المادّة بصورة مّا، وكذا استحفاظ وحدتها الشخصيّة بالوحدة النوعّية إنّما هو ليصحّ كون المادّة أمراً مّا بالقوّة، ولئلاّ يلزم أن تكون معدوماً مطلقاً، ولا يكفي ذلك في كونها موجودة بالفعل فعليّة مقابلة للقوّة، وموضوع الحركة لابدّ أن تكون موجوداً بالفعل فعليّة كذلك فإنّه إن لم تكن موجوداً بالفعل كذلك، بل كانت فعلّيته عين قوّته كما في الهيولي لم تكن ذاتاً واحدة، بل كانت مع كلِّ واحدة من الصّور الّتي هي قوّية عليها ذاتاً على حدة مغايرة لها مع أُخرى منها، فلا يكون لشيء من تلك الذّوات المتحصّلة المختلفة حركة وانتقال من حالة إلى أُخرى فلا حركة أصلاً.

وإنّما كان فعليّة الهيولى في حدِّ ذاتها عين كونها بالقوّة. لما قال الشّيخ في "إلهيّات الشّفاء": «جوهر الهيولى وكونها بالفعل هيولى ليس إلاّ أنّه جوهرٌ مستعدٌّ لكذا، والجوهريّة الّتي لها ليس تجعلها بالفعل شيئاً من الأشياء، بل تُعدِّها لأن تكون بالفعل شيئاً بالصّورة .

وليس معنى جوهريّتها إلاّ أنّها أمرٌ ليس في موضوع. فالإثبات هاهنا هو «أنّه أمر» وأمّا «أنّه ليس في موضوع» فهو سلب، «وأنّه أمر» ليس يلزم منه أن يكون شيئاً معيّناً بالفعل، لأنّ هذا عامّ، ولا يصير الشّيء بالفعل شيئاً بالأمر العامّ ما لم يكن له فصل يخصّه، وفصله أنّه مستعدّ لكلّ شيء، فصورته الّتي تظنّ له هي أنّه مستعدّ قابل .

فإذن ليس هاهنا حقيقة للهيولى تكون بها بالفعل، وحقيقة أُخرى


صفحه 427

يكون بها بالقوّة، إلاّ أن يطرأ عليها حقيقة من خارج، فيصير بذلك بالفعل وتكون في نفسها واعتبار وجود ذاتها بالقوّة. وهذه الحقيقة هي الصورة. انتهى»(1).

ومركبّاتها; أي مركّبات الجواهر تنعدم بعدم أجزائها ; أي ينعدم كلّ منها بإنعدام جزء من أجزائه وبسائطه، فلو تحرّك المركّب في الجوهريّة وكانت ذاته باقية في وسط الاشتداد لم تقع الحركة في الجوهريّة، بل في حال من أحوالها وإن لم يكن ذاته باقية، بل كانت قد فسدت وحدث مركّب آخر، فلابدّ لفساده من فساد جزء من أجزائه، أو جميع أجزائه، وفساد كلّ جزء من أجزائه دفعيّ لما مرّ، فيكون فساد المركّب أيضاً دفعيّاً، فلا حركة ولا انتقال تدريجاً.


1 . إلهيّات الشّفاء: 1 / 67 ـ 68 .


صفحه 428

 

الفرع الثّاني

في الأعراض الّتي لا تقع فيها الحركة

قال: والمضاف تابع، وكذا متى .

والجدة توجد دفعة.

ولا تُعقل حركة في مقولَتي الفعل والانفعال .

أقول: إنّ هذا الفرع في بيان الأعراض الّتي لا تقع فيها الحركة، وهي خمسة:

الأوّل: المضاف

وأمّا المضاف، فهو تابع لمعروضه في الأحكام، لكونه طبيعة غير مستقلّة، بمعنى أنّ مقولة المضاف غير عارضة للموضوع إلاّ بواسطة عروض مقولة أُخرى من مقولات العرض له يكون هي معروضها الأوّل، ومقولات العرض بعضها ممّا يقبل الحركة دون بعض، فإن كان معروضه قابلاً للحركة كان المضاف أيضاً قابلاً لها وإلاّ فلا.

قال الشيخ: «وأمّا مقولة المضاف، فيشبه أن يكون حبل الانتقال فيها إنّما هو من حال إلى حال دفعة، وإن اختلف في بعض المواضع، فيكون التغيّر بالحقيقة وأوّلاً واقعاً في مقولة أُخرى عرضت لها الإضافة، إذ من


صفحه 429

شأنها أن تعرض (1) مقولات أُخرى ولا يتحقّق بذاتها.

فإذا كانت المقولة ممّا تقبل الأشدّ والأضعف عرض الإضافة مثل ذلك، فإنّه لمّا كانت السّخونة تقبل الأشدّ والأضعف كان الأسخن يقبل الأشدّ والأضعف، فيكون موضوع الإضافة يقبل ويلزمه ذلك قبولاً أوليّاً، فتكون الحركة في الأمر العارض له الإضافة بالذّات وأوّلاً، وللإضافة بالعرض وثانياً. انتهى»(2).

الثّاني: متى

وكذا متى تابع لمعروضه، فإنّه غير مستقلّ أيضاً كالمضاف.

قال الشيخ في " الشفاء ": «وأمّا مقولة متى، فيشبه أن يكون الانتقال من متى إلى متى آخر أمراً واقعاً دفعة كالانتقال من سنة إلى سنة، أو من شهر إلى شهر، أو يشبه أن يكون حال متى كحال الإضافة في أنّ نفس متى لا ينتقل فيه عن شيء إلى شيء، بل يكون الانتقال الأوّل في كيف أو كم، ويكون الزّمان لازماً لذلك التغيّر فيعرض بسببه فيه التبدّل.

وأمّا ما لا تغيّر فيه، فستعلم أنّه ليس في الزّمان، فكيف تكون له حركة فيه. انتهى»(3).

وإلى هذا الأخير ـ أعني: كون حاله كحال الإضافة ـ يرجع ما قال في


1 . في المصدر: «تلحق».

2 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 102 ـ 103 .

3 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 103 .


صفحه 430

" النجاة " من: «أنّ وجود متى للجسم تبع للحركة ـ على ما نقل في " المواقف "»(1)، أي ثبوته للجسم بتوسط الحركة، فإنّ ما لا حركة فيه ولا تغير له لم يتصوّر له متى ـ وقال (2) أيضاً : وكيف تكون فيه حركة؟ فإنّ كلّ حركة في متى، فلو كان فيه حركة لكان لمتى متى آخر»(3).

وأمّا الأوّل ـ أعني: كون الانتقال من شيء إلى متى آخر دفعيّاً ـ فبيانه أنّ أجزاء الزّمان متّصل بعضها ببعض، والفصل المشترك بينها هو الآن. فإذا فرض زمانان كسنتين أو شهرين أو يومين يشتركان في آن، فقبل ذلك الآن يستمرّ للموضوع متاه بالقياس إلى الزّمان الأوّل، وبعده يستمّر له متاه بالقياس إلى الزّمان الثّاني، وذلك الآن هو نهاية وجود الأوّل وبداية حصول الثّاني، فلا تدريج في الانتقال.

قال شارح المواقف: «ويرد عليه: أنّ الفاصل بين أجزاء المسافة حدود غير منقسمة(4)، ولكن إذا فرض مكانان بينهما مسافة منقسمة كان الانتقال من أحدهما إلى الآخر تدريجياً، فكذا الحال في الانتقال من زمان إلى زمان بينهما زمان كالفجر والمغرب مثلاً، فإنّه يكون تدريجيّاً أيضاً لا دفعيّاً» (5).

وأقول: نسبة المكان وهو حدّ من حدود المسافة في أجزاء المسافة


1 . لاحظ : المواقف في علم الكلام: 171 .

2 . أي قال في النجاة.

3 . النجاة في المنطق والإلهيّات: 1 / 132 / الفصل الأوّل من المقالة الثّانية.

4 . فيكون الانتقال من بعض تلك الأجزاء إلى بعض دفعيّاً.

5 . شرح المواقف: 6 / 222 .


صفحه 431

كنسبة الآن في أجزاء الزّمان، ونسبة الزّمان إلى الزّمان كنسبة المسافة إلى المسافة كالدّار إلى الدار والبلد إلى البلد، فكما أنّ الانتقال من زمان إلى زمان بينهما آن مشتركٌ دفعيٌّ، فكذا من بلد إلى بلد بينهما حدّ مشترك دفعيٌّ، وكما أنّ الانتقال من مكان إلى مكان ـ اعني: من حدٍّ من المسافة إلى حدّ آخر منها ـ تدريجيٌّ لا محالة لامتناع تجاوز الحدود، فكذا الانتقال من آن إلى آن تدريجيّ لامتناع تتالي الآنات.

فلو كان متى نسبة الجسم إلى الآن فقط كما أنّ الأين نسبة الجسم إلى المكان، لكان حال الانتقال في متى كحال الانتقال في الأين في كونه تدريجيّاً، لكن متى نسبة الجسم إلى الزّمان، أو إلى الآن، كما سيأتي فباعتبار كونه نسبة إلى الزّمان يكون حال الانتقال من متى إلى متى كحال الانتقال من بلد إلى بلد، أو من دار إلى دار في أنّ كلاًّ منهما دفعيّ، لا كحال الانتقال من مكان إلى مكان، وباعتبار كونه نسبة إلى الآن يكون حال الانتقال فيه كحال الانتقال من مكان إلى مكان لكن الأغلب إنّما هو الاعتبار الأوّل، فلا يرد ما ذكره.

ولهذا الّذي ذكرنا ردد الشيخ بين كون الانتقال في متى دفعيّاً وبين كونه كالاضافة. فالأوّل: إنّما هو باعتبار كون متى نسبة إلى الزّمان. والثّاني: باعتبار كونه أعمّ من النّسبة إلى الزّمان والآن، فليتدبّر.


صفحه 432

 

الثّالث: الجدة

وأمّا الجدّة، فالانتقال فيها يكون دفعة، لأنّها عند المصنّف يكون عبارة عن نسبة التملّك كما سيأتي، فإن حصل التملّك وقع دفعة، وإلاّ فلا حصول له، فلا يعقل فيه حركة. كذا في شرح العلاّمة.(1)

وقيل: إنّها كالإضافة في كونها طبيعة غير مستقلّة، فتّتبع معروضها في التبدّل والاستقرار. ولعل ذلك مبنيّ على كونها عبارة عن نسبة الجسم إلى حاوله أو لبعضه كالتقمّص، والتعمّم، فهي تابعة لهيئة الإحاطة، فإن تبدّلت تلك الهيئة كما إذا تحرّكت العمّامة إلى النزول أو الصّعود تبدّلت النّسبة، وإلاّ فلا.

وهذا هو الموافق لكلام الشيخ حيث قال في "طبيعيات الشفاء ": «وأمّا مقولة الجدة: فإنّي إلى هذه الغاية لم أتحقّقها. والّذي يقال: إنّ هذه المقولة تدلّ على نسبة الجسم إلى ما يشمله ويلزمه في الانتقال، فيكون تبدّل هذه النّسبة على الوجه الأوّل إنّما هو في السطح الحاوي، فلا يكون فيها ـ على ما أظنّ لذاتها ـ وأوّلاً حركة. انتهى»(2).

الرّابع والخامس: الفعل والإنفعال

وأمّا الفعل والانفعال: فلما أشار إليه بقوله: ولا تُعقل الحركة في مقولتي الفعل والانفعال .


1 . لاحظ : كشف المراد: المسألة الخامسة من المضاف.

2 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 106 .


صفحه 433

فإنّ المنتقل في التسخّن إلى التبرّد مثلاً لا يكون تسخّنه باقياً، لأنّ التسخّن توجّه إلى السخونة والتبرّد توجّه إلى البرودة، فيلزم التوجّه في زمان واحد إلى الضدّين وهو محال.

وإذا لم يكن التسخن باقياً فالتبرّد لا يوجد إلاّ بعد وقوف التسخّن، فبينهما زمان سكون لكونهما حركتين متضادّتين، فلا يكون هناك حركة من التسخّن إلى التبرّد على الاستمرار، وكذا الحال في التسخين والتّبريد .

فقال الشّيخ: «لا يجوز أن يكون في طبيعة أن ينفعل وأن يفعل حركة على سبيل ما تقال الحركة في المقولة، فإنّه إن جاز أن يكون انتقال من التبرّد إلى التسخّن يسيراً، يسيراً فلا يخلو: إمّا أن يكون ذلك والتبرّد تبرّداً أو عندما ينتهي التبرّد .

فإن كان عندما التبرّد بعد تبرّد، ومعلوم أنّ الانتقال إلى التسخّن أخذ من طبيعة التسخّن، وفي طبيعة التسخّن أخذ من طبيعة السخونة، فيكون عندما يقصد الحَرّ يقصد البَرد معاً ، وهذا محال. وإن كان عند منتهى البرد فهو بعد الوقوف على البرد وبعد الانتهاء، كما ستعلم. انتهى»(1).

قوله (2): «أخذ من طبيعة التسخّن» أي أخذ فرد من طبيعة التسخّن، وذلك الفرد أيضاً تسخّن لا محالة فيصير المنتقل بهذا الأخذ متسخناً، والتسخّن هو انتقال في طبيعة السّخونة من فرد إلى فرد; وهو ظاهر.


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 106 ـ 107 .

2 . أي قول الشيخ .


صفحه 434

فقوله: «وفي طبيعة التسخّن» أي والانتقال المعتبر في طبيعة التسخّن أخذ فرد من طبيعة السخونة، وإذا كان التسخّن أخذ فرد من طبيعة السخونة يكون التبرّد أخذ فرد من طبيعة البرودة، فيكون المنتقل إلى التسخّن وهو متبرّدٌ بعد متوجِّهاً إلى أخذ فرد من طبيعة السّخونة وإلى أخذ فرد من طبيعة البرودة معاً. وهذا معنى قوله: «فيكون عندما يقصد الحرّ يقصد البرد».

وفي شرح المواقف: «لقائل أن يقول: إنّ التسخّن له مراتب مختلفة في القوّة والضّعف، فيجوز أن ينتقل المتسخّن من مرتبة إلى مرتبة أضعف منها، وهكذا إلى أن يصل بالتدريج إلى مرتبة من مراتب التبرّد، فلا يلزم التوجّه إلى الضدّين ولا انقطاع الحركة في أثنائها، بل عند انتهائها. انتهى »(1).

والعجب: أنّ أصل هذا السؤال موجود في "الشفاء" مع جوابه، حيث قال بعد الكلام المنقول آنفاً: «ومع ذلك ـ أي لزوم الوقوف على البرد ـ فحينئذ ـ أي حين أن يكون الانتقال إلى التسخّن بعد الوقوف على البرد ـ لا يخلو: إمّا أن يكون ذلك الانتقال نفس التسخّن، أو انتقالاً إلى التسخّن، فإن كان نفس التسخّن فليس بين البرد والتسخّن إلاّ زمان سكون كما ستعلمه .

وإن كان المصير إلى التسخّن، فلا يخلو: إمّا أن يكون في المصير إلى التسخّن أخذاً من طبيعة التسخّن، أو لا يكون.

فإن لم يكن، فليس ذلك استحالة ألبتّة، وإن كان، فهناك أخذ لا محالة من طبيعة السّخونة، والأخذ من طبيعة السّخونة هو تسخن فيكون عند


1 . شرح المواقف: 6 / 224.


صفحه 435

الانتقال إلى التسخّن، والتوجّه إليه تسخن موجود، اللّهم إلاّ أن يفرض التسخّن المتوجّه إليه ما هو في الغاية تسخّن ويكون الانتقال ممّا هو أضعف منه. انتهى»(1).

فقوله: «اللّهم إلى آخره» هو أصل ذلك السؤال.

ثمّ أجاب عنه بما حاصله: «أنّ التسخّن، بل كلّ حركة، فإنّه منقسم بالزّمان فحين أن يفرض التسخّن المتوجّه إليه ما هو تسخّن في الغاية يجب أن يستكمل السّخونة في آن، فلا يكون هناك تسخّن، لأنّه إن كان هناك تسخّن فهو منقسمٌ إلى أجزاء كلّ منها تسخّن، ويكون الجزء المتقدّم منه أضعف، فلا يكون بالغاية ما فرضناه تسخّناً بالغاية.

قال: فليس إذن من شرط التسخّن أن يكون في الغاية، بل أن يكون آخذاً في السخونة ولا يتسخّن في الغاية. انتهى»(2).

ولا يخفى أنّ ما ذكره في التسخّن بالغاية جار في كلّ مرتبة من مراتب التسخّن، لأنّ أيّ مرتبة من التسخّن يفرض كونها مطلوبة للحركة في التسخّن يجب أن يكون واقعة في آن، فإنّها لو كانت واقعة في زمان لانقسمت إلى أجزاء كلّ منها تسخّن ومسبوق بجزء آخر هو أيضاً تسخّن أضعف أو أقوى، فلا يكون تلك المرتبة المطلوبة هذا خلف. فإذا كانت واقعة في آن يكون سخونة لا تسخّناً، هذا.


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 107 .

2 . المصدر السابق .


صفحه 436

فإن قيل (1): هذا الدليل المذكور منقوض بحركة الاستحالة، فإنّ المنتقل من السّخونة إلى البرودة لا يكون سخونته باقية، وإلاّ لزم اجتماع الضدّين. وإذا لم يكن السخونة باقية والبرودة لا توجد إلاّ بعد وقوف الحركة في السّخونة، فبينهما زمان سكون، فلا يكون هناك حركة من السخونة إلى البرودة على الاستمرار.

أقول: المنتقل من السخونة إلى البرودة هو المتبرّد، والتبرّد هو التوجّه إلى البرودة، فلو كان المتوجّه إلى البرودة ذا سخونة لا يلزم اجتماع الضدين، إذ لا مضادّة بين السخونة وبين التوجّه إلى البرودة، بل بين السخونة والبرودة، أو بين التوجّه إلى السخونة والتوجّه إلى البرودة، بخلاف ما نحن فيه، فإنّ المنتقل من التسخّن إلى التبرّد متوجّه إلى التبرّد، وفي ضمن التبرّد إلى البرودة، فلو كان ذا تسخّن لكان متوجّهاً إلى السخونة أيضاً، وبين التوجهين تضادّ لا محالة .

ثمّ، إنّ هذا الدليل كما ينفي الحركة بالذّات عن مقولتي الفعل والانفعال، ينفي الحركة بالتبيعة أيضاً كما لا يخفى.

فلا وجه لما في " المواقف " و " شرحه ": من أنّ الحقّ أنّ الحركة فيهما تبع الحركة: إمّا في القوّة إرادة كانت أو طبيعة أو في الآلة. وإمّا في القابل . فإنّ العزيمة قد تنفسخ يسيراً يسيراً، والطبيعة قد تجوز كذلك، والآلة قد تكل كذلك، والقابل ربّما ينقص استعداده لتمام الفعل شيئاً فشيئاً.(2) ففي جميع


1 . القائل هو الشّارح القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 297 .

2 . لاحظ : شرح المواقف: 6 / 224 .


صفحه 437

هذه الصّور يتبدّل الحال أوّلاً في تلك الأُمور ويتبعها الحركة في الفاعليّة، والتبدّل في التّأثير يستلزم التبدّل في التّأثّر، فيقع الحركة في المقولتين تبعاً.

بل الحقّ أنّ التغير التدريجي في أن تفعل توهم من التغيّر التدريجي في ما يتمّ به الفعل من الأُمور المذكورة، وفي أن ينفعل في ما يتمّ به الانفعال.

قال الشيخ: «وأمّا مقولة أن يفعل وينفعل، فربّما ظنّ أنّ فيها حركة من وجوه. من ذلك أنّ الشّيء يكون ولا يفعل ولا ينفعل، ثمّ يتدرّج يسيراً يسيراً إلى أن يصير يفعل أو ينفعل، فيكون أن يفعل وأن ينفعل غاية لذلك التدرّج، مثل السّواد، فإنّه غاية للتسوّد، فيظنّ في هاتين المقولتين حركة.

وأيضاً: فإنّه قد يتغيّر الشّيء من أن لا يكون ينفعل بالحَرّ أو يفعله، إلى أن ينفعل بالحرّ أو يفعله، ويكون ذلك قليلاً قليلاً، فيظنّ أنّ ذلك حركة.

وأيضاً: فإنّ الانفعال قد يكون بطيئاً ; فيتدرج يسيراً يسيراً إلى أن يسرع ويشتدّ، وبالعكس، فيظنّ أنّ في ذلك حركة إلى السرعة .

فأقول: أمّا الوجه الأوّل: فلا يكون الحركة في الفعل والانفعال، بل في اكتساب الهيئة والصّورة الّتي بها يصحّ أن يصدر الفعل والانفعال.

وأمّا الوجه الثّاني: فيحله ما سنبيّن بعد من أنّه لا سبيل إلى أن يتّصل السّبيل من تبرّد إلى تسخّن أو تبريد إلى تسخين إلاّ بالانقطاع وتخلّل دفعة.

وأمّا الوجه الثّالث: فلا أعنف من أن يجعل الاستحالة من السّرعة


صفحه 438

بالقوّة إلى السّرعة بالفعل يسيراً يسيراً حركة، وهو استكمال لما بالقوّة من حيث هو بالقوّة، لكن ذلك في السّرعة والبطء، وليسا بحركتين ولا فعلين ولا انفعالين، بل عارضين وكيفيّتين وهيئتين لها أو لفعل أو لانفعال. انتهى كلام الشيخ» .(1)


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 106 .


صفحه 439

 

الفرع الثّالث

في بيان كيفيّة وقوع الحركة في المقولات الأربع

 

والمصنّف لمّافرغ من بيان نفي الحركة عن سائر المقولات شرع في تفصيل ما يقع فيه الحركة من المقولات الأربع .

 

الأوّل: في الكمّ

 

قال: ففي الكمّ باعتبارين: لدخول الماء القارورة المكبوبة عليه، وتصدُّعِ الآنية عند الغليان. وحركة أجزاء المغتذي في جميع الأقطار التّناسب.

أقول: فقال: ففي الكم; أي وقوع الحركة في الكمّ باعتبارين:

أحدهما: التّخلخل والتّكاثف. والآخر: النموّ(1) والذّبول(2).

فإنّ الانتقال في الكمّ: إمّا أن يكون من النقصان إلى الزيادة، أو من الزّيادة إلى النقصان. والأوّل: يكون: إمّا بورود مادّة تزيد في كميّة الجسم وهو النموّ، أو بدونه وهو التّخلخل، كما في هواء باطن القارورة عند مصّها.


1 . النموّ: وهو ازدياد حجم الجسم بما ينضمّ إليه ويداخله في جميع الأقطار، نسبة طبيعيّة، بخلاف السمن والورم. التعريفات: 316 / برقم 1573 .

2 . الذّبول: هو انتقاص حجم الجسم بسبب ما ينفصل عنه في جميع الأقطار على نسبة طبيعيّة. التعريفات: 143 / برقم 701.


صفحه 440

والثّاني: إمّا أن يكون بنقصان جزء وهو الذُّبول كما في المدقوق ; أو بدونه وهو التّكاثف كما في هواء باطن القارورة عند النفخ فيها.

فالتّخلخل: هو أن يزيد مقدار الجسم من غير أن ينضمّ إليه غيره.

والتكاثّف: هو أن ينتقص مقدار الجسم من غير أن ينفصل منه جزء.

وهذان هما التّخلخل والتّكاثف الحقيقيّان.

وقد يطلق التّخلخل على الانتفاش وهو أن يتباعد أجزاء الجسم بعضها عن بعض بحيث يداخلها جسم غريب كالهواء كما في القطن المنفوش .

والتّكاثف على الاندماج، وهو أن يتقارب أجزاء الجسم بحيث يخرج عنها ما بينها من الجسم الغريب، كما في القطن الملفوف بعد نقشه.

وهما من قبيل الوضع لرجوعهما إلى هيئة نسبة الأجزاء بعضها مع بعض.

وهذا الانتقال بالنّظر إلى الأجزاء حركة أينيّة. وأمّا بالنّسبة إلى الكلّ، فحركة في الوضع بحسب الداخل كما في الفلك بحسب الخارج. وليس بحركة في الكم كالنموّ على ما توهّم لما ستعلم.

وقد يطلقان أيضاً على رقة القوام وغلظه، وهما من مقولة الكيف، فالمراد منها (1) هاهنا هما الحقيقيّان.


1 . في د : «منهما».


صفحه 441

قال الشيخ في " طبيعيات الشفاء ": «والكم ففيه أيضاً حركة وذلك على وجهين:

أحدهما: بزيادة مضافة فينمو لها الموضوع، أو نقصان يقع بالتحلل(1) فينقص له الموضوع، وصورته في الأمرين باقية، وهذا يسمى ذبولاً ونموّاً .

و الثّاني : قد يكون لا بزيادة تزاد عليه أو نقصان تنقص منه، بل بأن يقبل الموضوع نفسه مقداراً أكبر أو أصغر بتخلخل، أو تكاثف من غير انفصال في أجزائه.

وهذا وإن كان يلزمه استحالة قوام وهي من الكيف، فتلك غير ازدياده في الكمّ ونقصانه فيه.

ولأنّ هذه الحالة سلوك من قوّة إلى فعل يسيراً يسيراً، فهو كمال ما بالقوّة فهو حركة. لكنّه قد يتشكّك فيقال: إنّ الصّغير والكبير ليسا بمتضادين، والحركات كلّها بين المتضادّات.

فنقول: أمّا أوّلاً فلسنا نحن نتشدّد في إيجاب كون الحركات كلّها بين المتضادّات، بل إذا كانت أشياء متقابلة لا تجتمع معاً، وسلك الشّيء من أحدهما إلى الآخر يسيراً يسيراً، سمينا الشّيء متحرّكاً، وإن كان لا تضادّ هناك.

على أنّ الصغير والكبير الإضافي اللّذين يتحرّك في ما بينهما النّامي


1 . في د : «يقع بالتخلخل».


صفحه 442

والذّابل ليسا الصغير والكبير الإضافي المطلق، بل كانت الطّبيعة جعلت للأنواع الحيوانيّة والنباتيّة حدوداً في الصِّغر وحدوداً في الكِبر لا يتعدّاهما، فيتحرّك في ما بينهما، فيكون العظيم هناك عظيماً على الإطلاق، ولا يصير صغيراً بالقياس إلى عظيم آخر في ذلك الموضوع، وكذلك الصّغير يكون صغيراً بالإطلاق. وإذا كان كذلك لم يبعد أن يشاكل المتضادّات، بل يكون متضادّة.

فإن قال قائل: إنّ النموّ حركة في المكان، لأنّ المكان يتبدّل فيه .

فالجواب: أنّه ليس إذا قلنا: إنّ النموّ حركة في الكم، فإنّ ذلك يمنع أن يكون معه حركة في المكان، فإنّه لا يمنع أن يكون في موضوع النموّ تبدّلان: تبدّل كم، وتبدّل أين، فيكون فيه حركتان معاً. انتهى كلام الشيخ»(1).

وقد يتمسّك في إمكان التّخلخل والتّكاثف بتركب الجسم من الهيولى والصّورة، فإنّ الهيولى قابل محض يتوارد عليه الصّور والمقادير المختلفة من غير أن يقتضي معيّناً من ذلك بخلاف ما إذا جعل الجسم بسيطاً، فإنّه يختصّ حينئذ كلّ جسم بمقدار لا ينتقل عنه، إذ ليس له من ذلك ما للهيولى، وإلاّ لم يكن فرق بينه وبين الهيولى، فإنّ النّزاع ليس في اسم الهيولى، بل في معناها.

وأمّا ما قاله الإمام: من أنّه لا حاجة في ذلك (2) إلى إثبات الهيولى، فإنّ


1 . طبيعيات الشّفاء: 1 / 102 .

2 . أي في بيان هذا الإمكان إلى تركّب الجسم من الهيولى والصّورة لوجهين.


صفحه 443

الجسم إذا كان بسيطاً كان الجزء والكلّ متساويين في الطبيعة، فجاز اتّصاف كلّ منهما بمقدار الآخر مالم يمنع مانع، فالانتقال إلى مقدار الكلّ تخلخل، وعكسه تكاثف.(1)

ففيه: أنّ تساوي الطّبيعة في الجزء والكلّ مانع عن أن يتعيّن لشيء منهما مقدار ليمكن انتقاله من مقداره إلى مقدار الآخر.

قال الشّيخ في " الإشارات ": «وأمّا المقدار لو انفرد، ولم يكن هناك شيء يوجب شيئاً إلاّطبيعة المقدارية، وتلك الطبيعة هي واحدة لم تَصر كلاًّ وغير كلٍّ بحسب ذلك الفرض لا من نفسها، ولا من علّة، ولا من مقارنة قابل، فلا يجب أن يستحقّ شيئاً معيّناً ممّا يختلف فيه حتّى نفس الكليّة والجزئيّة. فليس يمكن أن يقال: لحقها من غيرها شيء ـ بحسب إمكان وقوّة مّا أو صلوح موضوع ـ لحوقاً سابقاً، ثمّ تبع ذلك ان صار ما هو كالجزء بحالة مخالفة. انتهى»(2).

وأمّا قول الإمام: نعم، لابدّ في ذلك من أن يصير الجزء منفصلاً، إذ مع كونه جزءاً يمتنع أن يكون على مقدار الكلّ ضرورة،(3) ففي " شرح المقاصد"(4) أنّه محلّ نظر دقيق.(5)


1 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 571 .

2 . الإشارات والتنبيهات: 197 .

3 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 572 .

4 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 1 / 572 .

5 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 298 .


صفحه 444

ولعلّ وجهه أنّه لابدّ أن يكون المراد من الكلّ هاهنا ما سوى هذا الجزء الّذي فرض صيرورته متخلخلاً، وحينئذ فلا أثر لاتصال الجزء وانفصاله في ذلك، فإنّه عند انفصاله أيضاً لا يمكن أن يصير مقداره على مقدار الكل المفروض أوّلاً، لاشتمال هذا الكلّ على مقدار هذا الجزء المنفصل أيضاً .

لا يقال : مقدار هذا الكل يشتمل على مقدار هذا الجزء المنفصل حين كونه متّصلاً لا على مقداره حين كونه منفصلاً وصيرورته متخلخلاً .

لأنّا نقول: هكذا الحال على تقدير اتّصال الجزء أيضاً، فإنّ الكلّ الأوّل مشتمل على مقدار هذا الجزء قبل صيرورته متخلخلاً لاعلى مقداره حين التخلخل، فتدبّر.

وأمّا الاعتراض(1): بأنّه لو جاز ذلك لجاز أن يصير القطرة على مقدار البحر وبالعكس.

فأُجيب: بعد تسليم استحالة ذلك بأنّ انتقال الجسم عن مقداره يكون لا محالة بقاسر، فجاز أن يكون للقسر حدّ معين لايمكن تجاوزه.

وبالجملة: فالمقصود بيان إمكان التخلخل والتكاثف، وهو لا ينافي الامتناع في بعض الصّور لمانع، هذا.

ولا يخفى: أنّ الوقوع دليل على الصحّة.


1 . نقله شارح المقاصد وأجاب عنه. لاحظ: شرح المقاصد: 2 / 418 .


صفحه 445

والمصنّف أورد من أدلّة وقوع التخلخل والتكاثف وجهين (1):

الأوّل: أنّ القارورة الضيقة الرأس تكبّ على الماء، فلا يدخلها أصلاً، فإذا مصّت مصّاً قوّياً وشدّ رأسها بالإصبع بحيث لا يتّصل برأسه هواء من خارج، ثمّ كبّت عليه دخلها.

وما ذلك لخلاء حدث فيها بإخراج المصّ بعض الهواء، أو كلّه منها ضرورة امتناعه كما مرّ، كيف. ولو كان الخلاء جايزاً، فما الّذي يقسر الماء على الدخول وهو لا يميل بطبعه إلى فوق.

بل ذلك إنّما هو لأنّ المصّ أخرج بعض الهواء وأحدث في الهواء الباقي تخلخلاً بحيث شغل مكان الخارج أيضاً لئلاّ يلزم الخلاء حيث ليس هناك شيء يدخله بسهولة سهولة التخلخل. ثمّ أوجد فيه البرد الّذي في طبيعة الماء تكاثفاً، فصغر حجمه أو عاد الهواء المتخلخل بطبعه إلى مقداره الأوّل حيث ارتفعت الضرورة لوجود ما يدخلها بسهولة وهو الماء، فإن قسره على الميل إلى فوق أسهل من قسر الهواء على التخلخل كما لا يخفى على المتأمّل. والطبيعة ما دام تجد سبيلاً أسهل لا تعدل إلى غير الأسهل، فدخلها الماء لئلاّ يلزم الخلاء.

وبهذا التقرير يندفع ما أُورد على هذا الوجه: من أنّ دخول الماء لو كان لأجل التكاثف الحاصل من برده، لكانت القارورة المذكورة إذا كبّت على الماء الحارّ لم يدخلها، والتجربة شاهدة بخلافه، فتدبّر .


1 . لاحظ : كشف المراد: المسألة الخامسة من المضاف ; والبراهين القاطعة: 1 / 486 ـ 487 ; وشرح تجريد العقائد: 298 .


صفحه 446

وإلى هذا الوجه أشار بقوله: لدخول الماء القارورةَ المكبوبةَ عليه; أي على الماء .

الثّاني: أنّ الآنية إذا ملئت ماءً وسُدَّ رأسها، ثمّ أُغليت فعند الغليان تتصدّع وتنشقّ تلك الآنية، وما ذلك إلاّ لأنّ الغليان يفيد تخلخلاً في الماء وازدياداً في حجمه بحيث لاتسعه الآنية فينصدّع.

وإليه أشار بقوله: وتَصَدّعِ; أي ولتصدّع الآنية عند الغليان .

هذان الوجهان بيان للاعتبار الأوّل.

وأمّا الاعتبار الثّاني: فأشار إلى بيانه بقوله: وحركة; أي ولحركة أجزاء المغتذي في جميع الأقطار (1) على التناسب.

فإنّ حركة أجزاء المغتذي في الأقطار ليحصل في منافذها أجزاء الغذاء يستلزم حركة المغتذي في الأقطار في مقداره لا محالة. وهو المراد من النموّ; فإنّه عبارة عن ازدياد حجم الجسم بما ينضمّ إليه ويداخله في الطّول والعرض والعمق على نسبة يقتضيها طبيعة نوع ذلك الجسم. وهذا هو المراد من قوله: «في جميع الاقطار على التناسب». ويقابله الذُّبول: وهو انتقاص حجم الجسم بسبب


1 . أي الأبعاد.


صفحه 447

ما ينتقص منه في الأقطار الثّلاثة على نسبة طبيعية .

وهاهنا ما يشتبه بالنموّ والذّبول، فإنّه قد يكون ازدياد المقدار بسبب ما ينضمّ إلى الجسم على تناسب طبيعي، لكن لا في جميع الأقطار وهو السّمن، فإنّه لا يكون في الطّول على تلك النّسبة. أيضاً لا يختصّ بوقت معيّن ولا يكون له غاية ما يقصدها الطبع بخلاف النموّ. ويقابله الهَزال، فيكون انتقاصاً طبيعيّاً، لكن لا في جميع الأقطار، فيفارقان بذلك النموّ والذُّبول.

وتحقيق الفرق تخصيص النموّ والذّبول بالأعضاء الأصليّة، والسمن والهزال بالغير الأصليّة. فإنّه إذا ورد على الجسم ما يزيد في مقداره، فإذا أحدثت الزيادة منافذاً في الأصل ودخلت فيها وتشبّهت بطبيعة الأصل واندفعت الأجزاء إلى جميع الأقطار على نسبة واحدة في نوعه، فذلك هو النموّ. وزوال ما يزيد في مقدار الجسم بسبب انفصال تلك الأجزاء عن أجزاء الأصل هو الذّبول. وإذا لم يقوّ الغذاء على التّفريق للأجزاء الأصليّة والنفوذ فيها، كما في الشيخ (1) إذا صار سميناً، فإنّ أعضاءه الأصليّة قد جفت وصلبت فلا يقوى الغذاء على تفريقها والنفوذ فيها، بل ينضمّ إليها من غير أن تتحرّك الأعضاء الأصليّة إلى الزّيادة، وإن كان الجسم متحرّكاً إلى الزيادة في الجملة، فذلك هو السّمن وانتقاصه هو الهزال.

وأمّا الورم: فهو زيادة غير طبيعية فلا يشتبه بالنموّ.(2)


1 . أي سنّ الشيخوخة من نحو ستّين سنة إلى آخر العمر. شرح حكمة العين لمباركشاه: 434 .

2 . لاحظ البحث في الكتب التالية: النجاة في المنطق والإلهيّات: 1 / 131 ـ 134 ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 573 ـ 575 ; وشرح حكمة العين: 432 ـ 435 ; وإيضاح المقاصد: 280 ـ 282 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 3 / 375 ـ 379 .


صفحه 448

ثمّ إنّ في كون النموّ والذّبول حركة في الكمّ إشكالاً (1) مشهوراً عن الإمام الرّازي قد استصعبوه جدّاً.

وتقريره(2): أنّ الأجزاء الأصليّة والزائدة في المغتذي باق كلِّ واحد منها على مقداره الّذي كان عليه. فليس هناك زوال كم وحصول كم آخر على ما هو المراد من الحركة الكمية، بل انضياف مقدار إلى مقدار أو انتقاصه عنه.

والجواب عنه: أنّ الأجزاء الزائدة تصير متّصلة بالأجزاء الأصليّة لتشبهها بها حقيقة، ونفوذها في منافذها على ما عرفت، فكذلك مقاديرها بمقاديرها، والمقدار ممّا ينعدم بالاتصال والانفصال على ما مرّ في بحث الاتّصال(3)، فكلّ من المقدارين المنضاف والمنضاف إليه ينعدم عن الموضوع ويحدث مقدار آخر.

فإن قلت: نعم، لكن موضوع المقدار ـ أعني: الجسم ـ أيضاً كذلك، فيلزم انعدام الجسمين اللّذين كانا موضوعين للمقدارين وحدوث جسم واحد موضوع للمقدار الواحد، فلا يمكن توارد المقادير على موضوع بعينه، وهو ممّا لابدّ منه في الحركات كلّها.

قلنا: موضوع حركة النموّ ليس هذاالجسم مثلاً بما هو شخص من


1 . لاحظ: المباحث المشرقيّة: 1 / 573 ـ 575 .

2 . نقله شارح المواقف والشارح القوشجي مع الجواب. لاحظ. شرح المواقف: 6 / 208 ـ 209 ; وشرح تجريد العقائد: 299 .

3 . لاحظ : الجزء الثالث من هذا الكتاب: المسألة العاشرة من الفصل الأوّل .


صفحه 449

الجسم بما هو جسم، بل بماهو شخص من النّوع الّذي هو تحت الجسم، والصّورة النوعيّة، لكونها مقومّة للصّورة الجسميّة متقدّمة عليها بحسب الوجود تقدّماً بالذّات، فالجسميّة معتبرة في هذا الشخص بما هو مادّة لا بما هو صورة، فيجوز توارد الجسميّات على هذاالشخص من النّوع مع بقائه بما هو شخصٌ من النّوع، وإن لم يكن باقياً بما هو شخص من الجسم بعينه.

ولا ينافي ذلك كون الصّورة النّوعية مبدأ للحركة لا موضوعاً لها، فإنّ الفرد من النّوع غير الصورة النوعيّة، ولا يلزم أيضاً كون الموضوع هو النّوع بما هونوع الّذي ليس إلاّ كليّاً كما قد يتوهّم كلّ من هذين.

وإلى ما ذكرنا يشير كلام الشّيخ في " طبيعيات الشفاء " على ما سننقله عن قريب.

وظهر ممّا ذكرنا: أنّ السمن والهزال ليسا من الحركة الكميّة على ما توهّم شارحا "المقاصد(1) " و "المواقف(2) " وغيرهما. فإنّ الأجزاء الزائدة ليست مقوّمة للشخص، ولا هي متّصلة بالأجزاء الأصليّة المقوّمة اتّصال الأجزاء الغذائيّة لها بها، فليس مقدارها جزءاً من مقدار الأجزاء الأصليّة، فلا يتبدّل بزيادته ونقصانه مقدار الموضوع الّذي هو الشخص أصلاً. ولا أيضاً هي ـ أعني: الأجزاء الزائدة ـ متّصلة بعضها ببعض اتصال الأجزاء الغذائيّة بالمغتذي الأصلي ليكون هي شخصاً على حدة موضوعاً لمقدارها الزائد والناقص، بل هي أجزاء منضمّة بعضها إلى بعض من غير اتصال حقيقي أصلاً، فليتدبر.


1 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 419 ـ 420 .

2 . انظر: شرح المواقف: 6 / 209 .


صفحه 450

 

الثّاني: في الكيف

قال: وفي الكيف للاستحالة المحسوسة مع الجزم ببطلان الكمون والورود لتكذيب الحسّ لهما.

أقول: ووقوع الحركة في الكيف للاستحالة المحسوسة كما يشاهد من استحالة الماء من البرودة إلى الحرارة وبالعكس، وانتقال الحصرم من الخضرة إلى الحمرة، ومنها إلى السوّاد. وكذا من الحموضة إلى الحلاوة كلّ ذلك يسيراً يسيراً، ويحصل القطع بأنّ ذلك على ما يشاهد من غير أن يكون تلك الانتقالات في آنات بينها أزمنة قصيرة لا يشعر الحسّ بها، كما توهمه الإمام(1).

وأمّا ما تمسك به شارح المقاصد لنفي الحركة الكمّيّة والكيفيّة: «من أنّ ما بين المبدأ والمنتهى من مراتب الكميّات اوالكيفيّات متمايزة بالفعل، فينتقل الجسم من كلّ منها إلى آخر دفعة كما في صيرورة الأرض ماء ثمّ هواء، ثمّ نار مع الاتّفاق على أنّ ذلك ليس حركة جوهريّة».(2)ففساده ممّا لا يخفى.

نعم، يتوقّف بيان الاستحالة على إبطال مذهب الكمون والبروز على ما مرّ في مبحث المزاج(3).


1 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 575 / الفصل الثّاني عشر من الفنّ الخامس، وشرح تجريد العقائد: 300 .

2 . شرح المقاصد: 2 / 422 .

3 . لاحظ : الجزء الثّالث من هذا الكتاب: المسألة الثّالثة من الفصل الرّابع.


صفحه 451

وأشار المصنّف إلى ذلك بقوله: مع الجزم ببطلان الكمون والبروز لتكذيب الحسّ لهما. فإنّه لو كانت الأجزاء الحارّة كامنة في الماء البارد، لوجب أن يحسّ بالحرارة من أدخل يده فيه، ولا أقلّ من أن يجد التفاوت بين ظاهره وباطنه، وليس كذلك. هذا.

وقال الشيخ في " طبيعيات الشفاء ": «وأمّا كون الحركة في الكيف فذلك ظاهر، لكن في النّاس من لم ير الحركة في أنواع الكيف كلّها إلاّ في الصنف المنسوب إلى الحواسّ، فقال:

أمّا نوع الحال والملكة فهو يتعلّق بالنّفس، وليس موضوعه الجسم الطبيعيّ.

وأمّا القوّة واللاّقوة والصلابة واللّين، وما أشبه ذلك فإنّها تتبع أعراضاً يعرض للموضوع ويصير الموضوع مع بعض تلك الأعراض موضوعاً لها، فلا يكون حينئذ الموضوع للقوّة هو بعينه الموضوع لعدم القوّة، وكذلك الحال في الصلابة واللّين .

وأمّا الأشكال وما أشبهها، فإنها إنّما توجد في المادّة الّتي تقبلها دفعة، إذ لا تقبل التشدّد والتضعف .

ولا أدري ماذا يقولون في الانحناء والاستقامة وغير ذلك.

وعندي أنّ الأمر ليس على ما يقولون، وأنّ موضوع الحال والملكة، كان نفساً أو بدناً أو هما معاً بحال الشركة، فإنّه يوجد فيه كمال ما بالقوّة من جهة ما هو بالقوّة لجوهر ما .


صفحه 452

والّذي قالوا: إنّ الموضوع ليس واحداً للصّلابة واللّين والقوّة والضّعف، فينقض عليهم في النموّ والذّبول، وكان يجب على قولهم: أن لا يكونا حركتين، بل إنّما يعني بالموضوع في هذه الأشياء طبيعة النّوع الحاملة للأعراض، فما دامت تلك الطبيعة باقية ولم يتغيّر النّوع ولم يفسد الصّورة الجوهريّة، فإنّ الموضوع ثابت من غير أن يبالى أنّه بعارض يعرض له أو زيادة تنضاف إليه، يصير موضوعاً قريباً للحالة الّتي فيها الحركة أو لذاته.

نعم، الأشكال يشبه أن لا يكون حكمها حكم سائر الكيفيّات في وقوع الاستحالة فيها، لأنّها تكون دفعة. انتهى كلام الشيخ»(1). وهذا ما وعدناك آنفاً.


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 101 ـ 102 .


صفحه 453

 

الثّالث والرّابع: في الأين والوضع

قال: في الأين والوضع ظاهر.

أقول: ووقوع الحركة في مقولتي: الأين والوضع ظاهر.

أمّا الأين: فظهوره بحيث لا يشكّ فيه أحد ولم يختلف فيه .

وأمّا مقولة الوضع: فقال الشيخ: إنّه قد قيل إنّها لا حركة فيها ألبتّة، إذ لا تضادّ في الوضع. فإنّه إذا انتقل الشّيء من قيام إلى قعود، فإنّه لا يزال في حكم القائم إلى أن يصير قاعداً دفعة، وكذلك إذا انتقل من قعود إلى قيام، فإنّه لا يزال في حكم القاعد حتّى يصير قائماً دفعة.

ثمّ قال: والحقّ يوجب أن يوجد (1) في الوضع حركة، فإنّه لا كثير حاجة إلى التضادّ الحقيقيّ في طرفي الحركة، يتبيّن لك بتأمّل حركة الفلك. على أنّ الوضع لا يبعد أن يكون فيه تضادّ حتّى يكون المستلقى مضادّاً للمنبطح.

والّذي قيل من الانتقال من قيام إلى قعود أنّه يكون إن عُني به أنّ القعود الّذي هو الطرف يحصل دفعة فهو صادق، وكذلك السواد الّذي هو الطّرف يحصل دفعة (2)، وإن عُني به أنّ كلّ وضع ينتقل عنه إلى القعود


1 . في المصدر: «أن يكون».

2 . في المصدر: «والأين الّذي هو الطرف يحصل دفعة» .


صفحه 454

يكون ذلك الانتقال دفعة، فهو كذب، لأنّ الانتقال عن القيام إلى القعود يكون قليلاً قليلاً، حتّى يوافي في النّهاية الّتي هي القعود، كالحال في الانتقال من السّفل إلى العلو بعينه.

وأمّا كيفيّة وجود الحركة في الوضع، فهو أنّ كلّ مستبدل وضع من غير أن يفارق بكلّيّته المكان، بل بأن يتبدّل نسبة أجزائه إلى أجزاء مكانه وإلى جهاته، فهو متحرّك في الوضع لا محالة. لأنّ مكانه لم يتبدّل، بل يتبدّل وضعه في مكانه، والمكان هو الأوّل بعينه.

وإذا كان التبدّل في الوضع وكان يقع ذلك تدرجاً يسيراً يسيراً، كان ذلك التبدّل حركة في الوضع، إذ كانت كلّ حركة هي تبدل حالة بهذه الصفة وبالعكس، فتكون منسوباً إلى الحالة الّتي تبدّلت، لا إلى شيء آخر لم يتبدّل.

ولست أعني بهذا أنّ كلّ متحرّك في وضع فهو ثابت في مكانه، فليس يجب من قولي إنّ كلّ ثابت في مكانه يستبدل وضعه بالتّدريج فهو متحرّك في الوضع، أنّ كلّ متحرّك في الوضع كذلك، بل لا أمنع أن يكون الشّيء لا يتغيّر وضعه إلاّ وقد تغيّر مكانه، كما لا أمنع أن يكون شيء لا يتغيّر كمه إلاّ وقد تغيّر مكانه، بل الغرض أن تثبت وجود المتحرّك في الوضع بإثبات متحرّك ما في الوضع. وأمّا أنّه، هل يمكن أن يكون الشّيء يتبدّل وضعه وحده ولا يتبدّل مكانه؟ فليعلم إمكانه من حركة الفلك.

ثمّ بيّن ذلك بما حاصله: إنّ من الفلك ما لا مكان له عندهم أَلبتّة وهو الفلك الأعظم مع أنّ له هذا التبدّل في الوضع، ومنه ماله مكانه، لكنّه لا يخرج من مكانه ولا يتحرّك فيه مع ثبوت تبدّل الوضع فيه كسائر الأفلاك.


صفحه 455

وما قيل: من أنّ الفلك كلّ جزء منه يتحرّك في المكان، وكلّ ما كان كلّ جزء منه في المكان متحرّكاً، فالكلّ أيضاً يتحرّك.

فجوابه أوّلاً: أنّ الفلك لاجزء له بالفعل، ولو فرضنا له أجزاء فليست تفارق أمكنتها، بل تفارق كلّ جزء منها جزءاً من مكان الكلّ إن كان الكلّ له مكان، وليس جزء مكان الكلّ بمكان للجزء فإنّه لا يحيط به. والمكان يجب أن يكون محيطاً بالمتمكّن. وقد صرّحوا في كتبهم أنّ أجزاء المتّصل ليست في مكان إلاّ بالقوّة.

وثانياً: أنّه ليس يلزم من مفارقة كلّ جزء مكانه مفارقة كلّ الأجزاء مكانه، لأنّ حُكم الكلّ غير حكم الأجزاء، لأنّ حقيقته غير حقيقة الجزء. ألا ترى أن كلّ جزء جزء للكلّ، والكلّ ليس جزءاً لنفسه ؟

ثمّ قال: وعندي إنّ كلّ من يتأمّل ما قلناه، ثمّ ينصف سيعتقد يقيناً أنّ الوضع فيه حركة .(1)

وبالجملة كلامه يدلّ على أنّ القول بالحركة الوضعيّة لم يكن موجوداً في أقوال القدماء، ولا ينافي ذلك وجوده في كلام الفارابي حيث قال في " عيون المسائل": حركات الفلك دوريّة وضعيّة(2)، فتدبر.


1 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 1 / 103 ـ 105 .

2 . لاحظ: عيون المسائل (= ضمن المجموع للمعلّم الثّاني): 70 / برقم 12 .


صفحه 456

 

المسألة السّابعة

في وحدة الحركة واختلافها

وتضادّها وانقسامها

وفيها فروع:

 

الفرع الأوّل

في وحدة الحركة وكثرتها

قال: ويعرُض لها وحدةٌ باعتبار وحدةِ المقدار والمحلّ والقابل .

أقول: إنّ هذا الفرع في بيان أنّ الحركة منها واحد بالعدد، ومنها كثيرة على ما قال: ويعرض لها; أي للحركة وحدة; أي شخصيّة لما ستعلم، خلافاً لطائفة من آل برمايندوس (1) ومن شايعهم من أصحاب أفلاطون، فإنّهم منعوا كلّ المنع أن تكون الحركة توصف بالوحدة، بل بالهويّة.


1 . بارميندس (= Parmenides) فيلسوف يوناني ولد في إيليا (ايطاليا) عاش في قرن الخامس والسادس قبل الميلاد المتوفّى (510 أو 520 ق. م) من تلاميذه زينون الإيلي وسقراط. لاحظ : معجم الفلاسفة: 138 ـ 139 .


صفحه 457

وقالوا: كيف توصف الحركة بالهويّة ولا يحصل شيء منها موجوداً حاصلاً؟

وكيف توصف بالوحدة ولا حركة إلاّ منقسمة إلى ماض ومستقبل، ولا حركة إلاّ ولها زمانٌ، ومثبتو وحدة الحركة يشترطون أن يكون زمانها واحداً؟

وكيف تكون الحركة واحدة، وكلّ واحد، فإنّه تامّ في ما هوفيه واحدٌ، وكلّ تامّ فهو قارّ الوجود حاضر الأجزاء إن كانت له أجزاء، والحركة لا وجود لها قارّ مع أنّ لها أجزاء؟

كذا حكى عنهم الشّيخ في " الشّفاء " ثمّ قال: «ونحن في ما سلف قد بيّنا الحال في وجود الحركة تبياناً لا يلتفت معه إلى هذه الشكوك.(1)

باعتبار وحدة المقدار; أي الزّمان. والمحلّ; أي المتحرّك. والقابل; أي ما فيه الحركة.

وهذه الأُمور الثّلاثة من الأُمور الستّة الّتي يتعلّق بها الحركة، لابدّ من وحدة كلّ منها بالشخص حتّى تصير الحركة واحدة بالشخص للقطع، بأنّ حركة زيد اليوم غير حركته أمس، وحركة زيد غير حركة عمرو، وحركته من نقطة إلى أُخرى بطريق الاستقامة غير حركته منها إليها بطريق الانحناء.

ويلزم من وحدة هذه الثّلاثة، بل من وحدة ما فيه الحركة منها وحدة الاثنين من الثّلاثة الباقيّة ـ أعني: ما منه، وما إليه ـ اللّذين لابدّ من وحدتهما


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 262 .


صفحه 458

أيضاً في وحدة الحركة لا محالة، ضرورة أنّ حركة زيد من هذا الموضع وحركته من موضع آخر. وكذا حركته إلى نقطة معيّنة وحركته إلى نقطة أُخرى لا يمكن أن تكون متّحدة في ما فيه الحركة. ولا يلزم من وحدة كلّ من هذين وحدة ما فيه الحركة. فإنّ المتحرّك من مبدأ واحد قد ينتهي إلى شيئين، والمنتهى إلى شيء واحد قد يتحرّك من مبدأين، ولا من وحدة مجموعهما وحدته، فإنّه قد تكون الحركة بينهما بمستقيم، وقد تكون بمنحني.

ولهذا اكتفوا بوحدة ما فيه من وحدة ما منه وما إليه، ولم يعتبروا وحدة الخمسة في وحدة الحركة.

فإن قلت(1): ينبغي أن يكتفي بوحدة الموضوع والزّمان لاستلزامهما وحدة المسافة، ضرورة أن حركة زيد في زمان معيّن لا تكون إلاّ في مسافة معيّنة.

قلت: قد فرق الشّيخ (2) في ذلك بين الحركة بمعنى التوسّط والحركة بمعنى القطع; فاكتفى في الأوّل بوحدة الموضوع والزّمان دون الثّاني، بل اعتبر فيه وحدة ما فيه الحركة أيضاً.

وحاصل الفرق: أنّ الحركة بالمعنى الأوّل ليس بمعتبر في مفهومها ما فيه الحركة، بل هي مستلزمة ومقتضية إياه ووحدة الزمان أيضاً يستلزم


1 . تعرّض له الشّارح القوشجي وأجاب عنه. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 301 .

2 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 1 / 263 .


صفحه 459

ويقتضي وحدة ما فيه، لا أنّها متضمّنة لها، وفرق بين التضمّن وبين الاستلزام والاقتضاء، بخلاف الحركة بالمعنى الثّاني، فإنّ ما فيه الحركة معتبر في مفهومها لا محالة، فلا ينبغي أن يكتفي في وحدته المعتبرة بالاستلزام، فليتدبر.

وأُجيب أيضاً(1): بأنّ هذا إنّما يكون عند اتّحاد جنس الحركة، وإلاّ فيجوز أن ينتقل في زمان معيّن من أين إلى أين، ومن وضع إلى وضع، ومن مقدار إلى مقدار، ومن كيفيّة إلى كيفيّة، بل ومع اتّحاد الجنس أيضاً لا يصحّ على الإطلاق لجواز النموّ والتّخلخل والتّسود والتّسخن في زمان واحد، هذا .

وأمّا وحدة المحرّك فلا عبرة بها في وحدة الحركة، لأنّ الحركة الواحدة الّتي لا تكثر فيها بالفعل قد يقع بمؤثّرات متعدّدة، كحركة الجسم في المسافة بتلاحق الجواذب، وحركة الماء في الحرارة بتلاحق النيران، ولا يلزم من ذلك اجتماع المؤثّرين على أثر واحد، لأنّ تأثير كلّ إنّما يكون في أمر آخر هو بمنزلة البعض من الحركة.

وهذا التبعض والتجزي وإن كان بالفعل من وجه ; لا يقدح في وحدتها الاتصاليّة، لأنّه من جهة المقايسات لا من حيث الذّات.

قال الشّيخ: «فبالحري أن لا تكون هذه الحركة متكثرة، بل تكون واحدة إلاّ على جهة المقايسة. فإنّ الشّيء المتّحد بالاتصال قد يعرض له


1 . المجيب الشارح القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 301.


صفحه 460

التكثّر، على ما قلنا مراراً، تارةً من جهة التّفكيك والقطع بالفعل، وتارةً من جهة المقايسات. فإنّ الزّمان أيضاً ينقسم بالفعل على هذه الجهة. وذلك إذا قيس بمبادئ أُمور كائنة فيه وغاياتها، فارتسم فيه بحسب ذلك آنات، فيكون في مسألتنا أيضاً نفرض عند ورود كلّ محرّك آن أوّل من زمانه يفرض في الزّمان بالمقايسة، فيعرض من ذلك أن يتكثّر الزّمان، فيعرض من ذلك أن يتكثّر الحركة، فلا يكون حينئذ الحركة واحدة الزّمان من هذه الجهة، ومن حيث الزّمان واحد في ذاته تكون الحركة واحدة في ذاتها. وهذا مثل ما يعرض لحركات الفلك بالقياس إلى الشروق والغروب، فينقسم الزّمان وتنقسم الحركة بحسب ذلك انقساماً لا يقطع الاتصال.

قال: ويشبه أن يكون كون الصوت المسموع من الوتر المنقور بنقرة واحدة، الباقي زماناً، الّذي يسمّى نغمة، هو من هذا القبيل، فإنّ هذه النّغمة ستعلم من جزئيّات الطبيعيّات ومشاهدة أحوالها أنّها ليست تحدث عن وقع المضراب على الوتر، بل إنّما تحدث من وقوع الوتر المدفوع بالمضراب عن وضعه المنصرف عند مفارقة المضراب إلى وضعه، انصرافاً بقوّة وحميّة تقرع ما زحمه من الهواء فيصوت. ثمّ لا يزال مهتزاً كذلك، فيحدث قرع بعد قرع إلى أن يهدأ، ويكون تلك القروع مستحفظة لصوت مسموع على الاتصال إن كان بالحقيقة متّصلاً كمايسمع ولم يكن القطوع من الصغر بحيث لا تحس. انتهى»(1).


1 . طبيعيّات الشفاء: 1 / 264 ـ 265 .


صفحه 461

هذا بيان وحدة الحركة بالشخص .

وأمّا وحدتها بالنّوع: فيعتبر فيها وحدة الواحد من هذه الثّلاثة، أعني: ما فيه الحركة مع وحدة الاثنين من الثّلاثة الباقية ـ أعني: مامنه وما إليه ـ فإذا اتّحد المبدأ والمنتهى ; وما فيه الحركة بالنّوع اتّحدت الحركة بالنّوع، وإن اختلف المتحرّك أو المحرّك أو الزّمان، لأنّ تعلّق الحركة بهذه الثّلاثة ـ أعني: المتحرّك والمحرّك والزّمان ـ بمنزلة عرضياتها، واختلاف المعروضات بالنّوع لا يوجب اختلاف العوارض، بل باختلاف المحرّك لا يختلف هويّتها أيضاً كما عرفت، بخلاف تعلّقها بتلك الثّلاثة ـ أعني: المبدأ والمنتهى وما فيه الحركة ـ فإنّها بمنزلة ذاتيّاتها.

قال الشيخ في " طبيعيات الشفاء ": «قد علمت أنّ العرضيّة لماهيّة الأعراض إنّما هي من المعاني العارضة اللاّزمة دون المقوّمة، فإضافات الذّوات العرضيّة إلى موضوعاتها المختلفة أُمور عارضة لها لا مقوّمة إيّاها تقويم الفصول.

وأمّا تكثّر الأشخاص فليس متعلّقاً بالفصول الذّاتيّة، بل العوارض.

وأمّا الأزمنة فلا تختلف من حيث هي أزمنة بالنّوع ألبتّة، بل بالشخص إن كان لابدّ، لأنّها أقسام متّصل واحد .

ومقارنة ما يختلف بالشّخص دون النّوع لا يوجب ألبتّة مخالفة فصلية منوعة، ففي الحركة يختلف نوعها باختلاف الأُمور الّتي تقوّم ماهيّة الحركة، وهي ما فيه، وأيضاً ما منه، وما إليه.


صفحه 462

فإذا اختلف نوعٌ واحدٌ من هذه اختلفت الحركة في النّوع، فإنّه إذا اختلف ما فيه واتّفق ما منه وما إليه، اختلف نوع الحركة، مثل أن تكون إحدى الحركتين من مبدأ إلى منتهى على الاستقامة، والأُخرى منه إليه على الاستدارة. وكذلك إذا اتّفق ما فيه، واختلف ما منه وما إليه مثل الصّاعد والهابط.

فيجب أنّه إذا اختلف شيء من هذه في النّوع في نفسه أو في شرائط وأحوال داخلة في تعلّق الحركة بها، كانت الحركة غير واحدة في النّوع. انتهى»(1).


1 . طبيعيّات الشفاء: 1 / 267 ـ 268 / الفصل الثّالث من المقالة الرّابعة .


صفحه 463

 

الفرع الثّاني

في اختلاف الحركة

قال: واختلاف المتقابلين والمنسوب إليه يقتضي الإختلاف .

أقول: إذا اختلف أحد هذه الأُمور الثّلاثة ـ أعني: ما منه الحركة، وما إليه الحركة، وما فيه الحركة اختلفت الحركة بالنّوع.

وإلى هذا أشار بقوله: واختلاف المتقابلين; أي ما منه، وما إليه.(1)

والمنسوب إليه; أي ما فيه، يعني اختلاف كلّ واحد من هذه الثّلاثة يقتضي الاختلاف; أي اختلاف الحركة بالماهيّة، كما عرفت، فاتّحاد جميعها يقتضي اتحاد الحركة بالماهيّة والنّوع.

ثمّ قال الشيخ: «لكنّه قد يشكل في أنّه هل الحركة المكانية المستديرة تخالف المستقيمة في النّوع، أو تخالفها بعرض، فإنّه يشبه أن يظنّ أنّ الاستقامة والانحناء من الأُمور الّتي تعرض للخطّ لا من الأُمور الّتي هي فصول. ويسبق إلى الظنّ أنّ الخطّ الواحد يصلح أن يكون للاستقامة والانحناء. وإذا كان كذلك، فكيف يكون نوع الخطوط المستقيمة مخالفاً لنوع الخطوط المنحنية؟ وكيف يخالف الحركة على المستقيم الحركة على المستدير بالنّوع؟


1 . أي مبدأ الحركة ومنتهاها.


صفحه 464

وكذلك يشكل الحال في أمر الصاعد والهابط. ويشبه أن يظنّ أنّ الصاعد لا يخالف الهابط في النّوع في المبدأ والمنتهى من حيث هما طرفان لبعد، بل من حيث هما جهتان: إحداهما: تلي علوّاً، والأُخرى تلي سفلاً. والحركة لا تتعلّق بالمبدأ والمنتهى إلاّ من حيث هما طرفا مسافة، وأمّا من حيث عرض أن كان أحد طرفي المسافة في جهة والآخر في الأُخرى، فلا يتعلّق به الحركة، فإنّ الحركة يتمّ حركة إذا ابتدأت في هذا البُعد من مبدئه إلى منتهاه،ولو لم يكن المبدأ بحيث يكون علوّاً وهو أن يلي السّماء، والمنتهى بحيث يكون سفلاً وهو أن يلي الأرض. فإذا كان الأمر كذلك، كان هذا من الأعراض اللاّزمة للحركة، لا من الأُمور الدّاخلة في ماهيّاتها، فلم يكن الاختلاف به اختلافاً في نوعها، كالاختلاف الّذي بين الحركات في أن تكون طبيعية أو قسريّة، فإنّه أيضاً اختلاف في أُمور خارجة عن ماهيّة الحركة، وإن كانت لازمة.

فهذه هي الظّنون الّتي يمكن أن يظنّ في هذا الباب. فهذا ملخّص كلام الشيخ».(1)

ثمّ قال: «فيجب أن نحلّها فنقول: إنّ الخط المستقيم والمستدير، لا يصح أن يستحيل أحدهما إلى الآخر في الوجود، وذلك لأنّ هويّة الخط في الوجود أن يكون طرف السطح، وهويّة السطح أن تكون طرف الجسم، فما لم يعرض للجسم زوال عن هيئته لم يعرض للسطح، فلم يعرض للخط


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 268 ـ 269.


صفحه 465

ألبتّة، والجسم إذا كان يابساً لم يقبل التحنية، وإذا كان رطباً قبل التحنية، بأن يكون اتّصال الحديّة يتفرّق، أو يكون اتّصال الحديّة يمتدّ. والتقعير بالعكس، فإن تفرّق اتّصال الحديّة; فقد انقسم الخط خطوطاً، وإن امتدّ، فقد بطل أيضاً ذلك الخطّ بعينه وحدث خطّ آخر، فإنّ الخطّ الواحد لا يصير أطول ممّا هو بالمدّ .

فإذن كان هذان الخطّان يستحيل انتقال أحدهما إلى طبيعة الآخر، ولا في الوهم أيضاً، فإنّ الوهم إن فعل ذلك مفرداً للخطّ عن السطح، جعل الخطّ ذا جهتين وجانبين لا في امتداده، فلم يأخذه طرف سطح، فإنّ ذا الجهتين سطح، لا طرفه الّذي هو خطّ فيه، فيكون الوهم قد أخذ غير الخطّ، بل أخذ جسماً دقيقاً فتخيله خطاً .

فالّذي ظنّ أنّ الخطّ هو واحد بعينه موضوع للأمرين. فقد ظنّ باطلاً .

واشخاص النّوع الواحد من الأعراض، تختلف بموضوعاتها وبأعراض تقارنها. وهذا على قسمين: وذلك لأنّه: إمّا أنّ لا تكون تلك الأعراض تلحقها لحوقاً أوّلياً ككتابة تجتمع مع موسيقى. وإمّا أن يكون تلحقها لحوقاً أوليّاً كالبياض يجتمع مع السطح.

ومفارقة الخطّ المستقيم للمستدير ليس لأجل كثرة الموضوع فقط.

فإنّ هذه المفارقة موجودة بين مستقيمين وبين مستديرين، وليس لعرضين آخرين كيف اتّفق. فإنّ الاستقامة والاستدارة تنال طبيعة الخطّ نيلاً أوّلياً، فلذلك يمكن أن يكونا إمّا فصولاً وإمّا أعراضاً أوّلية. فإن كانت فصولاً


صفحه 466

فقد نوعت، وإن كانت أعراضاً أوّلية والأعراض الأوّلية إن كانت لازمة لطبيعة المعروض له استوى فيه اشخاص النّوع، وإن كانت تعرض في حال من غير لزوم، فتعرض لانفعال يلحق المادّة لا يبعد توهّم زواله عن المعروض له، أو لا وجوده له. فلا يبعد توهّم زوال العارض التّابع له، فيجوز أن يكون المعروض له يوجد ولا يخالف الآخر بهذا العارض الأوّل التّابع للانفعال.

وليس كذلك الحال في الخطّ المستقيم والمستدير، فإنّه إن لم تكن المادّة في كلّ منهما على هذه الصفة الّتي بها صار خطه مستقيماً أو مستديراً، لم يكن نفس ذلك الخطّ موجوداً، فليس إذن الخلاف بينهما بعارض غير أوّلي، أو بعارض أوّلي غير لازم.

فإذن الاستقامة والاستدارة متعاندتان تعاند الفصول، أو لواحق الفصول اللاّزمة الّتي يدلّ تعاندها على اختلاف الأشياء في النّوع، ولأنّ الحركة في نوع السّواد غير الحركة في نوع البياض، لاختلاف ما فيه الحركة فكذلك المستقيمة والمستديرة .

ويسقط من تصوّر هذا القانون قول مَن ظنّ «أنّ في طبائع الأُمور السّماويّة تضادّاً، لأنّ فيها تقبيباً وتقعيراً» فإنّه إن كان الموضوع الأوّل للتقبيب والتقعير هو الجسم نفسه واجتمعا في كرة واحدة فليسا


صفحه 467

بمتضادّين، وإن كان موضوعهما سطحين متفرقين يمنع أن يقبل المقعر منهما التقبيب والمقبب منهما التقعير على ما أوضحناه فليسا بمتضادّين، إذ ليس موضوعاهما ذلك يقبلان تعاقبهما ولا موضوع آخر ألبتّة على ما بينّاه.

ثمّ قال: وأمّا التّشكيك المورد من حال الصاعد والهابط فسنحققه بعد. انتهى».(1) وسننقله عن قريب.

وأمّا وحدتها بالجنس، فيعتبر فيها كون الأنواع المختلفة منها داخلة في جنس واحد قريب أو بعيد كحركة التسخّن مع حركة التبرّد أو مع حركة التسوّد بخلافها مع حركة النموّ.

وبالجملة: المعتبر فيها هو بعض ما اعتبر في الوحدة النوعيّة، وهو وحدة ما فيه الحركة، فالحركة في الكيف مع الحركة في الكم والأينوالوضع أجناس مختلفة وحركة النموّ والذّبول والتخلخل والتكاثف جنس واحد، وكذا في الكيف وغيره.

وصرح الإمام الرازي: بأنّ اتّحاد حركات المقولة الواحدة اتّحاد في الجنس العالي، ثمّ يتنازل على ترتيب أجناس المقولة. مثلاً الحركةفي الكيف جنس عال وتحته الحركة في الكيفيّة المحسوسة وتحتها الحركة في الألوان وعلى هذا القياس.(2)

وإلى هذا أشار الشّيخ بعد بيان ما به تختلف الحركة نوعاً على ما نقلنا بهذه العبارة: «فإن كانت كلّها مكانية، أو كلّها كيفيّة أو كميّة، كانت واحدة


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 269 ـ 271 .

2 . لم نعثر على مصدره.


صفحه 468

بالجنس الأعلى، وإن اتّفقت في جنس أسفل ـ كما في اللّونيّة ـ كانت واحدة بالجنس الأسفل. انتهى»(1).

وهاهنا بحث وهو أنّ هذا إنّما يصح إذا لم يكن الحركة جنساً لما تحته، بل تكون مقوليتها على الأربع بالاشتراك اللّفظي على ما زعمه بعضهم، أو على سبيل التشكيك على ما زعمه آخرون .

والتّحقيق خلاف هذين. وقد أبطلهما الشيخ في "طبيعيات الشفاء "في فصل نسبة الحركة إلى المقولات،(2) واختار كون الحركة نفس مقولة أن ينفعل لئلاّ يلزم زيادة المقولات على العشر على ما هو المقرّر عندهم، وإن كان هو قد صرّح بأنّه ليس ممّن يتشدّد في حفظ كون المقولات منحصرة في العشرة، فليتدبّر.

ولعلّ لذلك لم يتعرض المصنّف لاختلاف الحركة واتّحادها بالجنس.


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 268 .

2 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 1 / 93 ـ 97 / الفصل الثّاني من الفنّ الأوّل من المقالة الثّانية.


صفحه 469

 

الفرع الثّالث

في تضّادّ الحركة

قال: وَتَضادّ الأوّلين التضادّ.

أقول: وتضادّ الأوّلين; أي المتقابلين وهما المبدأ والمنتهى، التضادّ; أي يقتضي تضادّ الحركة.

قال الشيخ ما ملخّصه: إنّ الحركة قد تتضاد، فإنّ التسوّد موافق للتبيّض في الجنس ويشاركه في الموضوع.

ولكنّه مقابل له يستحيل اجتماعه معه وهو معنى وجوديّ كالتبيّض. وليس أحدهما مقولاً بالقياس إلى الآخر وبينهما غاية الخلاف. وهذه هي الأُمور الّتي بها يصير الشّيء ضدّاً للشّيء فالتسوّد ضدّاً للتبيّض، كما أنّ السّواد ضدّ للبياض.

وكذلك في مقولة الكمّ أيضاً، فإنّ النموّ ضدّ للذّبول، فإنّ الصّغير والكبير وإن كانا متضايفين، لكن الصّغير والكبير اللّذين هما بحسب النوع يقالان على الإطلاق لا بالقياس لكونهما محدودين في الطبع .

على أنّ في النموّ والذّبول اعتباراً آخر يغني عن ذلك. فإنّ الحركة إلى الزّيادة، ليست حركة إلى الزّيادة بالقياس إلى الحركة إلى النقصان، وإن كانت


صفحه 470

الزيادة إنّما هي زيادة بالقياس إلى النقصان، وكذلك الحال في التخلخل والتكاثف.

ثمّ إنّه ليس كون الحركة متضادّة لأجل أنّ محركها متضادّان، فإنّ النّار إذا عرض لها حركة بالقسر إلى أسفل، وشاكل الحجر في ذلك، كان نوعا الحركتين غير مختلفتين في ذاتيهما، بل إنّما يختلفان بالقسر والطّبع. وهما لا يجعلان الشّيء مختلفاً، فإنّ الحرارة الّتي تحدث في جسم بالقسر، والّتي تثور بالطبع حرارة متّفقة الفعل والتّأثير، وكذلك سائر الأُمور المختلفة بالقسر والطبع.

وبمثل ذلك يعلم أنّ تضادّها ليس أيضاً لأجل تضادّ الحاملين والمتحركين. ولا أيضاً لأجل الزّمان، لأنّ الزّمان لا تتضاد طباعه. ولا أيضاً لأجل ما فيه الحركة، فإنّ الّذي فيه الحركة قد يكون متّفقاً والحركات متضادّة. فإنّ الطريق من البياض إلى السّواد، ومن الزّيادة إلى النقصان هو بعينه الطريق من السّواد إلى البياض ومن النقصان إلى الزّيادة. وبالجملة: هي المتوسّطات بأعيانها. كما أنّ المسافة في الصّعود هي المسافة في النّزول. وهذه المتوسطات لا أضداد لها، لأنّها متوسّطات. فكيف تكون هي الّتي لتضادّها تصير الحركات متضادّة؟

فلم يبق إلاّ الأُمور الّتي إليها وعنها، فإنّها إذا كانت متضادّة كالسّواد والبياض كانت الحركات متضادّة ولا كيف اتّفق، فإنّ الحركة من السّواد ليست بضدّ للحركة إلى السّواد، لأجل أنّه حركة من السّواد فقط، بل لأجل


صفحه 471

ما يلزمه من أن يكون مع ذلك حركة إلى البياض، كما يلزم كونها حركة إلى السّواد كونها حركة من البياض، فإنّ الانتقال إلى السّواد لا يكون إلاّ من البياض. فأمّا من الإشفاف وإلى الإشفاف، فذلك ليس بحركة، بل يقع دفعة، ولو كانت الحركة من السّواد قد تتوجّه لا إلى البياض، لم تكن هاتان الحركتان متضادّتين، كما أنّه يجوز أن يتحرّك الشّيء من اليمين لا إلى اليسار، بل إلى فوق.

فالحركات المتضادّة هي الّتي تتقابل أطرافها. وهذا يتصوّر على وجهين يرجعان إلى وجوه ثلاثة:

أحدها: أن تكون أطرافها متقابل بالتضاد الحقيقيّ في ذواتها، مثل السّواد والبياض، ومثل أكبر حجم في طبيعة الشّيء، وأصغر حجم في طبيعة ذلك.

والثّاني: أن تكون أطرافها لا تتقابل في ذواتها وماهياتها، بل تتقابل من جهتين: إحداهما بالقياس إلى الحركة. والثّانية بالقياس إلى أُمور خارجة عن الحركة، مثل أنّ طرفي المسافة المتّصلة بين السّماء والأرض، هما مثلاً نقطتان أو مكانان، وطباع النقطتين والمكانين لا تتضادّ ولا تتقابل تقابل السّواد والبياض، بل يتقابل لأمر خارج وذلك الأمر: إمّا غير متعلّق بالنّسبة إلى الحركة مثل أن يكون أحد الطرفين في غاية القرب من الفلك، والآخر في غاية البُعد منه، فيكون أحدهما لزمه أن كان علوّاً، والآخر لزمه أن كان سفلاً. وإمّا متعلّق بالنسبة إلى الحركة، مثل أن يكون أحد الطرفين


صفحه 472

عرض له أن يكون مبدأ لحركة واحدة، والآخر عرض له أنّه منتهى لتلك الحركة. فقياس كلّ واحد منهما إلى الحركة مقابل القياس الآخر. فإنّه وإن كان قياس كل واحد منهما إلى الحركة قياس المضايف، إذ المبدأ والمنتهى لذي المنتهى، وكذلك بالعكس في الأمرين فليس مقابلة ما بين المبدأ والمنتهى هذه المقابلة، فإنّ المبدأ لا يقابل المنتهى بأنّه مقول بالقياس إليه، فإنّه ليس يلزم إذا كان للحركة مبدأ مّا، وجب أن يفهم من هذا أنّ لها منتهى، عسى أن كان ولابدّ فيعلم بدليل ووسط من الخارج ، والأمر في المنتهى أيضاً كذلك. والمضافان أيّهما علم، لزم العلم بالآخر، فليس ابتداء المسافة متصوّر الماهيّة بالقياس إلى منتهاها، فليس بينهما تقابل المضاف، وبينهما تقابل لا محالة ـ أعني: إذا كانا في المستقيمة ـ إذ يستحيل أن يكون المبدأ والمنتهى مجتمعين في شيء واحد هما بالقياس إليه مبدأ ومنتهى اجتماعاً في زمان واحد. وليس أحدهما عدماً للآخر ولا وجه من وجوه التقابل إلاّ تقابل التضادّ.

وأمّا في غير المستقيم، فلا يبعد أن يكون شيء واحد مبدأً ومنتهى للحركة الّتي ليست على الاستقامة، فلا يكون بين المبدأ والمنتهىهناك تضاد.

ثمّ إنّه ليس يقع الشك في أنّ القسم الأوّل يجعل الحركات متضادّة. وأمّا القسمان الآخران فيشبه أن يقع الشكّ فيهما، بأنّ ذوات تلك الأطراف لمّا لم يتقابل لذواتها، بل لعارض، فلم يكن متضادّة حقيقيّة. فإذا لم يكن متضادّة حقيقيّة لم يجعل الحركات متضادّة حقيقة.


صفحه 473

فنقول: ليس إذا كان الشّيء متعلّقاً بشيء ويكون ذلك الشّيء ليس يعرض له التضادّ في جوهره، بل لعرض يعرض له، يجب أن يكون التضاد في المتعلّق بذلك الشّيء تضادّاً بالعرض، لأنّه يجوز أن يكون هذا الّذي هو عارض للمتعلّق به أمراً داخلاً في جوهر المتعلّق، فإنّ التحدّد بالطرف أمر غير ذاتيّ للشمع، وذاتيّ للشكل الّذي في الشّمع، وهو ممّا يتعلّق بالشمع ويتقوّم به.

وكذلك الجسم الحارّ والجسم البارد متضادّان لعرضيهما، وفعلاهما ـ وهما الإسخان والتبريد الصادران عنهما ـ لا يتضادّان بالعرض، بل بالحقيقة، لأجل أنّ الحارّ والبارد وإن كان عارضاً بالقياس إلى الجسم، فإنّه ذاتيّ أو واجب الوجود، حتّى يكون الإسخان والتبريد متحققاً .

على هذه الصورة، فإنّ الحركة ليست تتعلّق بطرف المسافة من حيث هو طرفٌ فقط، حتّى كان إذا عرض للطرفية عارض كان غير داخل في تقويم الحركة، أو لا يجب دخوله كلا بل إنّما يتعلّق الحركة بالطرف من حيث هو مبدأ ومنتهى، فإنّ كلّ حركة بجوهرها يتضمّن التأخّر والتقدّم، لأنّ الحركة جوهرها مفارقة وقصد. فجوهريّة الحركة يتضمّن المبدأ والمنتهى: إمّا بالفعل، وإمّا بالقوّة القريبة من الفعل الّتي أشرنا إليها. فالأطراف الّتي للمسافة إنّما تتعلّق بها الحركة من حيث هي مبدأ ومنتهى، وهي من حيث هي مبدأ ومنتهى متقابلة فهي من حيث هي متقابلة مقوّمة للحركة، وإن كانت ليست متقوّمة بذوات تلك الأطراف فهي لذاتها من ضدّ إلى ضد، والضدّان ذاتيّان لهما، وليسا ذاتيين للموضوع الّذي هو الطّرف.


صفحه 474

وإذ قد بيّنا هذه الأُصول، فلنبيّن أنّ الحركة المستديرة لا تضادّ المستقيمة، فنقول: إن كان بينهما تضادّ: فإمّا أن يكون ذلك التّضادّ لأجل الاستدارة والاستقامة، فيلزم أن تكون الاستقامة والاستدارة متضادّتين، لأنّ الشّيء الّذي به الاختلاف في الأضداد المتّفقة في الجنس متضادّ، لكن الاستقامة والاستدارة ليس موضوعهما القريب واحداً، ولا شيء من الموضوعات يجوز أن يستحيل من الاستدارة إلى الاستقامة إلاّ بفساده ـ على ما بيّناه في ما مرّ ـ فهما ليسا بضدّين، فليسا بسببي تضادّ الحركات، بل ليس ما فيه الحركة هو السّبب لتضادّ الحركات، فبقى أن يكون تضادهما للأطراف. لكن لو كان بينهما تضادّ بسبب الأطراف لكانت الحركة الواحدة بعينها يضادّها حركات لا نهاية لها مختلفة، لأنّه يمكن أن يكون الخطّ المستقيم المعيّن المشار إليه الّذي عليه هذه الحركة المستقيمة وتراً لقسيّ غير متشابهة لا نهاية لها بالقوّة، لكن ضدّ الواحد واحد، وهو الّذي في غاية البُعد عنه .

ويمكن أن يتبيّن بهذا أيضاً أنّ صورة الاستقامة والاستدارة لا تتضادّ تضادّاً جنسيّاً، لأنّه إن كان مطلق الاستقامة مضادّاً لمطلق الاستدارة، كان أيضاً هذا المستقيم تضادّ هذا المستدير بعينه، إذ لا يجوز أن يكون هذا الواحد يقابله إلاّ واحد بعينه، لأنّ ما هو أبعد عن هذا الواحد في طبيعة الخلاف فهو واحدٌ، فإن كان لا أبعد فلا ضدّ.

وهذا الشّخص لما لم يكن متكثّراً بالعدد لم يجز أن يكون ضدّه معنى عامّاً متكثّراً، فيسقط بهذا قول من قال: بأنّ هذه الحركات القوسيّة الكثيرة


صفحه 475

يجوز أن تكون مضادّة للمستقيمة الواحدة.

فإن (1) كان ضدّ الواحد واحداً، فهذه الكثرة هي من حيث هي مستديرة، كشيء واحد. فإنّ هذا القول خطأ، لأنّ ضدّ الواحد بالعموم واحد بالعموم، متكثّر بالشخص لا محالة، فليس ضدّ جميع المستديرات المتفقة في معنى الاستدارة هذا المستقيم الواحد بالشخص، بل الأولى أن يكون المستديرات ليست كأشخاص نوع واحد، بل كلّ واحد منها قوس من دائرة أُخرى، انعطافها وانحدابها انعطاف وإنحداب آخر. ولا يبعد أن تكون الدّوائر المتّفقة بالنّوع هي ال