welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام- الجزء الرابع*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام- الجزء الرابع

صفحه 1

شوارق الإلهام

في

شرح تجريد الكلام


صفحه 2

صفحه 3

تقديم وإشراف

العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

شوارق الإلهام

في

شرح تجريد الكلام

للحكيم المتألّه والمتكلم البارع عبد الرّزاق اللاّهيجي

(... ـ 1072 هـ )

الجزء الرّابع

تحقيق

الشّيخ أكبر أسدعلي زاده


صفحه 4

لاهيجي ، عبد الرزاق بن علي، قرن 11 ق .

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام / عبد الرزاق اللاهيجي ; تقديم وإشراف آية الله جعفر السبحاني ; تحقيق أكبر أسد علي زاده . ـ قم: مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1426 ق . = 1384 .

ج.    ISBN 978 - 964 - 357 - 277 - 8 (ج.4) ISBN 964 - 357 - 190 - 4(دوره)

فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.

1 ـ نصير الدين طوسى، محمد بن محمد، 597 - 672 ق. تجريد الكلام في تحرير العقايد الإسلام ـ ـ نقد و تفسير. 2. كلام شيعه اماميه ـ ـ متون قديمى تا قرن 14. الف. نصير الدين طوسى، محمد بن محمد، 597 ـ 672 ق. تجريد الكلام في تحرير العقايد الإسلام. شرح. ب. سبحاني تبريزي، جعفر، 1308 ـ ، مشرف . ج. أسد عليزاده، اكبر، 1343 ـ ، محقق . د. عنوان. هـ . عنوان : تجريد الكلام في تحرير العقايد الإسلام. شرح .

1383 3028ت6ن/ 210BP    4172 / 297

اسم الكتاب:   … شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام / الجزء الرّابع

المؤلــف:   … عبد الرّزاق اللاّهيجي

تقديم وإشــراف:   … آية الله جعفر السبحاني

المحقّـق:   … أكبر أسد علي زاده

الطبعــة:   … الأُولى ـ 1428 هـ

المطبعـة:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)

الكمّيّـة:   … 1000 نسخة

الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)

الصف والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط

حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

توزيع: مكتبة التوحيد: ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء

هاتف: 7745457 ـ 2925152

البريد الإلكترونيimamsadeq@gmail.com :

العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :


صفحه 5

بسم الله الرحمن الرحيم

(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ )

النحل: 125


صفحه 6

صفحه 7

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المشرف:

العلم وحقيقته

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخليقة المصطفى محمد وعلى آله الغر الميامين.

أمّا بعد، فإنّ الكتاب الّذي بين يدي القارئ هو الجزء الرابع من «شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام» وهو من آثار المحقّق الحكيم اللاهيجي (قدس سره)، وقد طرح فيه موضوعات مختلفة، وبسط الكلام في العلم وأفرغ مباحثه في اثنين وثلاثين فرعاً، وبلغ الغاية فيما رامه، إلاّ أنّ الّذي نركّز عليه ـ من مباحثه ـ هو تبيين حقيقة العلم وماهيّته.

عُرِّف العلمُ بتعاريف مختلفة غير جامعة ولا مانعة، (1) والّذي يمكن أن يقال ـ بصفة أنّه جامع ومانع ـ هو:

إنّ العلم عبارة عن حضور المعلوم لدى العالم، إمّا حضوراً بالمباشرة


1 . وقال المحقّق الطوسي: «لا يحدّ العلم» وسيوافيك وجهه في آخر المقدمة، وان العلم من سنخ الوجود ومثله لا يحدّ.


صفحه 8

كالعلم الحضوري، أو بغيرها كالعلم الحصولي .

وهذا التعريف يشمل جميع أقسام العلم الحضوري والحصولي.

إنّما الكلام في تفسير واقع الحضور وحقيقته، وانّه داخل تحت أيّة مقولة من المقولات العشر، فهناك آراء كثيرة نشير إلى أكثرها شهرة:

1. العلم من مقولة الإضافة

إنّ العلم من مقولة الإضافة بمعنى أنّه مجرد إضافة النفس إلى المعلوم الخارجي، فالنفس تنال المعلوم الخارجي من غير واسطة.

يلاحظ عليه: أنّ الإضافة المقولية تقوم بطرفين: ذاتِ المضاف، وذاتِ المضاف إليه ـ وهما الطرفان ـ والإضافة تقوم بهما، ولكنّ الإنسان يدرك ذاته، ولا معنى لوجود الإضافة بين الشيء ونفسه، كما أنّه ربما يدرك المعدوم، ولا معنى لوجود الإضافة بين الشيء والأمر المعدوم، فلو كان العلم مجرد الإضافة إلى الخارج لامتنع علم الإنسان بنفسه وعلمه بالمعدوم لعدم وجود الطرف الثاني للإضافة. وقد نسبه المحقّق الطوسي إلى أبي الحسين البصري وأصحابه ومن المتأخرين إلى الرازي .(1)

مضافاً إلى ما في القول بأنّ النفس تنال الخارج بلا واسطة من محاذير مذكورة في محلّها.


1 . رسالة شرح مسألة العلم ص 29 ولاحظ شرح الاشارات الفصل السابع من النمط الثالث .


صفحه 9

 

2. العلم من مقولة الكيف

إنّ العلم من مقولة الكيف، فهو كيف نفساني كسائر الصفات القائمة بالنفس كالحسد والبخل والشجاعة والجبن.

وأورد عليه: بأنّه يشترط في العلم الكاشف عن الواقع انخفاظ الذاتيات في أنحاء الوجودات: الوجود الخارجي والوجود الذهني، فإذا تعلّق العلم بالجوهر كالإنسان يلزم اجتماع مقولتين في شيء واحد، فالعلم بما أنّه من الصفات النفسانية فهو من مقولة الكيف، وبما أنّه يجب انحفاظ الذاتيات في أنحاء الوجودات: الخارجي والذهني فهو من مقولة الجوهر، فيلزم اجتماع الجوهر والذات في الصورة النفسانية.

ومن المعلوم أنّ المقولات العشر أجناس عالية متباينات بالذات، ليس فوقهن جنس فيلزم اجتماع الكيف والجوهر في شيء واحد، وهو نفس اجتماع المتبائنات بالذات.

وإلى ما ذكرنا يشير المحقّق السبزواري ـ في منظومته الفلسفية ـ بقوله:

والذات في أنحاء الوجودات حُفِظ *** جمعُ المقابلين مِنه قد لُحِظ(1)

أي فبما أنّ الوجود الذهني متّحد مع الخارج في الماهية ومختلف معه في مرتبة الوجود فلو تعلّق العلم بالإنسان يلزم أن يكون ما تعلّق به


1 . شرح منظومة السبزواري: 24 .


صفحه 10

العلم جوهراً ماهية، وبما أنّ العلم من مقولة الكيف يلزم أن يكون كيفاً، فكيف يجتمع الجوهر والعرض مع أنّهما أجناس عالية متباينة؟

والّذي سبّب هذا الإشكال هو لزوم انحفاظ الذاتيات في أنحاء الوجودات، فزيد الخارجي جوهر كما أنّ زيد الذهني جوهر كذلك، وإلاّ يلزم سلب الكاشفية عن العلم، وهو خلاف الأصل المسلّم عندهم.

إجابة السيد السند عن الإشكال

وقد أُجيب عن هذا الإشكال بمنع الأصل المذكور، وذلك لأنّ موجودية الماهية متقدمة على نفسها، فمع قطع النظر عن الوجود لا يكون هناك ماهية أصلاً.

والوجودان: الذهني والخارجي مختلفان بالحقيقة، فإذا تبدّل الوجود الخارجي إلى الذهني فلا يبعد أن تتبدّل الماهية أيضاً، مثلاً إذا وجد الشيء في الخارج كانت له ماهية إمّا جوهر أو كمّ أو أيّة مقولة أُخرى، فإذا تبدّل الوجود ووجد في الذهن انقلبت حقيقته وصارت من مقولة الكيف. وعندها اندفع الإشكال إذ ملاكه على أنّ الموجود الذهني باق على حقيقته الخارجية.(1)

وحاصله: أنّه ليس للشيء ـ بالنظر إلى ذاته ـ ماهيّة معيّنة، بل الموجود الخارجي كالإنسان إذا وجد في الذهن انقلب كيفاً، وإذا وجدت الكيفية الذهنية في الخارج انقلبت جوهراً.


1 . شرح منظومة السبزواري: 27 .


صفحه 11

يلاحظ عليه: بأنّ مرجع هذا القول إلى «السفسطة» ولزوم عدم العلم بواقع الشيء، إذ المفروض أنّ الموجود الخارجي بوصف كونه خارجياً من مقولة، وبوصف كونه موجوداً ذهنياً من مقولة أُخرى، فأين الرابطة بين الخارج والذهن؟ وكيف يمكن ادّعاء العلم بالخارج؟ وهذا يوجب أن ينسلك المجيب في سلك السوفسطائيين.

3. العلم في كل مقولة هو نفس المقولة

ذهب المحقّق الدواني إلى أنّ العلم إذا تعلّق بأي مقولة من المقولات فهو يندرج في سلك تلك المقولة، وذلك لأنّ مقتضى انحفاظ الذاتيات في أنحاء الوجودات ـ سواء أكان الوجود ذهنياً أو خارجياً ـ أن يكون العلم في كل مقولة تعلّق بها هونفس تلك المقولة.

فإن كان المتعلّق جوهراً فجوهر، وإن كان كمّاً فكمّ، وإن كان كيفاً فكيف.

وعلى ضوء ذلك فتسمية العلم بالكيف من باب المسامحة والتشبيه، أي تشبيه الأمر الموجود في الذهن بالعرض القائم بالجوهر كالبياض والسواد وإلاّ، فالعلم في كل مقولة نفس المقولة، وبذلك يكون العلم حاكياً عن الواقع وينسلك الإنسان في سلك العالمين بالحقائق .

نعم في مورد تعلّق العلم بالكيف يكون العلم كيفاً بالحقيقة، وبذلك يندفع توهم اندراج شيء واحد تحت مقولتين، بل الشيء في كل مورد يدخل تحت مقولة واحدة، ففي غير الكيف يدخل تحت أحد المقولات التسع، وفي الكيف تحت مقولته .


صفحه 12

وبذلك يظهر أنّ هنا إشكالاً واحداً نابعاً عن الجمع بين أمرين :

1. القول بانحفاظ الذاتيات في أنحاء الوجودات .

2. القول بأنّ العلم من مقولة الكيف، فالسيد السند صدر الدين هرب من الإشكال بالقول بالانقلاب، وبالتالي أنكر الأصل الأوّل المسلّم وهو انحفاظ الذاتيات في أنحاء الوجودات .

وأمّا المحقّق الدواني فقد تخلّص من الإشكال بحفظ الأصل المسلّم، أعني: انحفاظ الذاتيات في أنحاء الوجودات، ولكنّه أنكر الأصل الثاني، أي أن العلم مطلقاً من مقولة الكيف .

4. العلم نفس المقولة بالحمل الأوّلي وكيف بالشائع

وهذه النظرية تريد الجمع بين الأصلين ; انحفاظ الذاتيات في أنحاء الوجودات لكن بصورة الحمل الأوّلي وكون العلم من مقولة الكيف بصورة الحمل الشائع الصناعي، فهي قد جمعت بين الأصلين لكن الاختلاف بالحمل .

توضيحه: كان القدماء يعتبرون في صدق التناقض وحدات ثمانية، إلاّ أنّ صدر المتألهين ـ صاحب تلك النظرية ـ أضاف وحدة تاسعةوهي الوحدة في الحمل، فمثلاً قولنا: الجزئي جزئي والجزئي ليس بجزئي، كلاهما صادقان وليس بينهما تناقض ـ وإن كانا يبدوان أنّهما متناقضان في بادئ الأمر ـ وذلك لأنّ الحمل في الجملة الأُولى حملٌ أوّلي، أي أنّ مفهوم


صفحه 13

الجزئي نفس ذلك المفهوم ضرورة ثبوت الشيء لنفسه. وأمّا الحمل في الجملة الثانية فهو حمل شائع صناعي، أي أنّ مفهوم الجزئي ليس بجزئي، لأنّه يصدق على أفراد كثيرة، فزيد وعمرو وبكر من مصاديق الجزئي، كما أنّها من مصاديق الإنسان.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ المقولات الّتي تعلّق بها العلم لا تدخل تحت مقولة من المقولات إلاّ بصورة الحمل الأوّلي، وإلاّ فمفهوم الإنسان ليس إنساناً واقعاً، وهكذا سائر المفاهيم الواقعة في أفق النفس، فلا يقال للإنسان المتصور انّه إنسان، ولا للكمّ المتصور أنّه كمٌّ، إلى غير ذلك، إلاّ من باب الحمل الأوّليّ، إذا لا يصح سلب الشيء عن نفسه.

نعم هذه المفاهيم باعتبار وجودها الذهني وقيامها بالنفس كيف نفساني .

وإن شئت قلت: إذا وقع الإنسان في أُفق النفس وتعلّق به العلم فهنا أمران:

الأوّل: مفهوم الإنسان الّذي يُعرّف بأنّه حيوان ناطق، وهكذا سائر المفاهيم الواقعة في أُفق النفس، فهذه المتعلّقات بالعلم داخلة في نفس المقولة لكن دخولاً بالحمل الأوّلي، إذ لا يصح سلب الحيوان الناطق عن مفهوم الإنسان .

الثاني: الوجود الّذي هو نور ساطع من أُفق النفس على تلك المفاهيم المظلمة، فهو بهذا الاعتبار كيف حقيقي، قال (قدس سره)في تفسير ذلك:


صفحه 14

إنّ الجوهر وإن أُخذ في طبيعة نوعه كالإنسان، وكذا الكم في طبيعة نوعه كالسطح، فقد حُدّدا بما اشتمل عليهما، وكذا في بواقي الأجناس والأنواع. كيف ولو لم تؤخذ فيها لم يكن الأشخاص أيضاً جواهر أو كميّات أو غيرهما بالحقيقة وبالحمل الشائع، مع أنّها كذلك، لكنّه غير مجد، لأنّ مجرد أخذ مفهوم جنسي في مفهوم نوعي لا يوجب اندراج ذلك النوع في ذلك الجنس، كاندراج الشخص تحت الطبيعة ولا حمله شائعاً عليه، إذ لم يكن أزيد من صدق ذلك الجنس على نفسه حيث لا يوجب كونه فرداً من نفسه . بل الاندراج الموجب لذلك أن يترتب على المندرج آثار تلك الطبيعة المندرج فيها، كما يقال السطح كمّ متصل قارّ منقسم في الجهتين فيكون السطح باعتبار كميته قابلاً للانقسام وباعتبار اتصاله ذا حدّ مشترك، وباعتبار قراره ذا أجزاء مجتمعة في الوجود، وترتب الآثار مشروط بالوجود العيني كما في الشخص الخارجي من السطح، وأمّا طبيعة السطح المعقولة فلا تترتب عليها تلك الآثار كما لا يخفى، نعم مفاهيمها لا تنفكّ عنها.(1)

5. العلم من سنخ الوجود لا يدخل تحت المقولة

لقد بلغ صدر الحكماء الغاية في أنّ المفاهيم الذهنية من نفس تلك المقولة لكن بالحمل الأوّلي ، وليست من نفس المقولة بالحمل الشائع، فالنار في الذهن نار مفهوماً ولذا لا تحرق، والماء جسم رطب ذهناً ولذا لا يبرد، والكلّ إنّما يكون مصداقاً واقعاً إذا أُفيض عليه الوجود وخرج عن


1 . الأسفار الأربعة: 1 / 295 بتصرف.


صفحه 15

ظلمة الماهيّات إلى عالم نور الوجودات.

لكنّه (قدس سره)لو تأمّل في الأُصول الّتي أسّسها لصدّق أنّ العلم المتعلّق بها لا يدخل تحت المقولة، لا مقولة الكيف ولا غيرها، وذلك للضابطة الّتي تستفاد من كلماته وهو أنّ كل شيء يتعلّق بأكثر من مقولة واحدة لا يدخل تحت مقولة، وذلك كالأمثلة التالية:

أ. الوجود المنبسط، فإنّه يتعلّق بالمقولات العشر ولكنّه في حدّ نفسه لا جوهر ولا عرض ولا كمّ ولا كيف، بل هو نور ينوّر ما تعلّق به، وبذلك يصير بعد التعلّق في كل مورد نفس المقولة فيكون في الجوهر جوهراً وفي الكيف كيفاً. فالوجود، ليس من سنخ المقولات، وإلاّ لم يتعلّق إلاّ بمقولة واحدة، وبما أنّه في مقابل المقولات فليس له جنس ولا فصل وبالتالي لا يمكن التعرف على حقيقته إلاّ بالعنوان، لأنّ حقيقة الوجود نفس المنشئية للآثار، فكيف يقع في أُفق النفس الّتي لا تدرك سوى المفاهم المسلوبة عنها الآثار. ولذلك ذهب صدر المتألهين وتلامذة منهجه إلى أنّ حقيقة الوجود في غاية الخفاء، قال المحقّق السبزواري:

مفهومه من أعرف الأشياء *** وكنهه في غاية الخفاء(1)

ب. الوحدة الحقيقية، الّتي تساوق الوجود فقد تضاربت أقوالهم في بيان حقيقتها. (2) إلاّ أنّ الوحدة الحقيقية هي من سنخ الوجود، وهي تتعلّق


1 . شرح منظومة السبزواري: 4 .

2 . الأسفار: 2 / 82 . وقد نقل عن الشفاء ان الوحدة مغايرة للوجود. لاحظ : 2 / 90 .


صفحه 16

بأكثر من شيء واحد ويقال: الوجود مدار الوحدة والمهيّات مثار الكثرة فلأجل ذلك لا تدخل تحت مقولة واحدة، فهي كالوجود في كونها في كلّ مقولة نفسها.

ج. العلم، فحكمه حكم الوجود بل من سنخه حيث إنّ العلم يلقي الضوء على المفاهيم المظلمة. وهو يتعلّق بعامة المقولات العشر، وينوّرها ويظهرها في أُفق النفس، فلا يدخل تحت مقولة معيّنة بل يكون في حدّ ذاته فوق المقولات وفي كل مقولة نفسها. والعجب ان صدر المتألهين قد صرح بذلك في غير موضع من الاسفار .(1)

هذا ما أردنا توضيحه إلى القارئ الكريم حتّى يقف على بعض ما ذكر في ثنايا هذا الكتاب .

وفي الختام ندعو الله سبحانه وتعالى أن يوفق المحقّق لإخراج الجزء الأخير من هذه الموسوعة الكلامية بأفضل وجه، إنّه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

قم المقدسة

20 رجب 1428 هـ


1 . الاسفار: 1 / 290. قال: العلم لما كان مرجعه إلى نحو من الوجود....


صفحه 17

الفصل الخامس

 

في الأعراض

وفيه مقدمة ومباحث:


صفحه 18

صفحه 19

المقدمة

في حصر الأعراض

قال: وتنحصر في تسعة .

أقول: إنّ هذه المقدمة في بيان حصر الأعراض بل مقولاتها في تسعة: هي الكَمُّ، والكيف، والأين، والمَتى، والوضع، والمِلْك، والإضافة، وأنْ يَفعل، وأنْ يَنفعل، وكلّ منها جنس عال، والعادة جرت بتسميته مقولة، فالممكنات بأسرها منحصرةٌ في عشرة مقولات، واحدة منها مقولة الجوهر، والتّسعة منها هذه المذكورات، هذا مذهب أرسطو(1) ومن تابعه.(2)

وهل الممكنات منحصرة في هذه العشرة؟ بمعنى أن لا ممكن إلاّ وهو داخل فيها(3); أي في واحد منها، أو كان المعنى أنّ(4) مقولاتها منحصرة فيها، وإن كان كثير من الممكنات خارجة منها ; كالهيولى، والصّورة، والنّقطة، والوحدة زعماً أنّها مبادي المقولات وليست داخلة فيها، فإنّ الوحدة مبدأ العدد وليست بعدد، والنّقطة مبدأ بوجه مّا للمقدار، وليست


1 . لاحظ: منطق أرسطو: 1 / 35 و 2 / 502 .

2 . كالشيخ الرئيس في منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 83 / الفصل الخامس من المقالة الثّانية; وصدر المتألهين في الأسفار: 4 / 3 ; وفخر الدين الرازيّ في المباحث المشرقيّة: 1 / 164 .

3 . في د : جملة «وهو داخل فيها أي» ساقطة.

4 . في د: جملة «أو كان المعنى أنّ» ساقطة.


صفحه 20

بمقدار، وكلّ من الهيولى والصّورة مبدأ للجسم وليس بجسم، وكالعمى والجهل لكونهما من الأعدام.

ظاهر قوله: وتنحصر في تسعة ; ناظر إلى الأوّل. وكلام الشّيخ في "الشّفاء "صريح في الثّاني، فإنّه قال في جواب من ادّعى أنّ هاهنا أُموراً خارجة عن المقولات مباينة لها كالوحدة والنّقطة والهيولى والصّورة والعمى والجهل وما أشبه ذلك بهذه العبارة: «فنقول: إنّه ليس كلّ وجود أشياء لا يدخل في المقولات ضارّاً في أنّ المقولات كانت هي العشرة، بل نحو واحد منها وهو أن تكون أشياء لا تدخل في إحدى المقولات العشرة، ولها أجناس أُخرى هي أنواع تحتها، وإذ ليس يجب في بادي النّظر أن يكون لكلّ ذات موجودة مشارك في الحد هو آخر غيره موجوداً حتّى تكون تلك الذّات موجودةً، فليس يجب أن يكون لكلّ شيء نوعٌ مقولٌ على كثيرين بالفعل .

ولو كان أيضاً لكلّ شيء نوع مقول على كثيرين بالعدد، لم يجب أن يكون مع ذلك النّوع نوع آخر مشارك له في ماهيّة مشتركة، حتّى يكون هناك جنس، فلا يمتنع أن تكون أمور مفردة لا مشارك لها في نوعها، أو أنواع إنّما هي أنواع بالقياس إلى ما تحتها، ولا قياس لها إلى ما فوقها حتّى تكون هي أنواع أجناس فوقها، وإذ (1) كان هذا غير مستحيل لم يكن شيء


1 . في د : «وإذا». وفي المصدر: «وإذ كان العقل الأوّل لا يمنع هذا فليس مستحيلاً ظاهر الاستحالة بنفسه، وإذ ليس كذلك، فإن كانت أشخاص مفردة لا أنواع لها ألبتة، ولا أجناس على الشرط المذكور، وأنواعٌ لا أجناس لها، لم يكن شيء الخ».


صفحه 21

من ذلك داخلاً في مقولة من المقولات، وكان مع ذلك حقّاً ما قيل: من أنّ المقولات هي هذه العشرة ; إذ الخارج عنها ليس بمقولة في نفسه ولا في مقولة غيرها.(1)

فلو سلّمنا أنّ جميع ما أوردوا خارج عن المقولات، لم يكن ذلك موجباً أن لا تكون المقولات عشرة فقط، إلاّ أن يصحّ أنّ لتلك الأشياء أجناساً خارجة عن العشرة. انتهى كلام "الشّفاء " »(2).

والغرض من هذا الكلام: هو أنّ خروج شيء من المذكورات عن المقولات غير قادح في هذا الحصر، لكونه حصراً للمقولات لا للممكنات.

وأمّا أنّ ذلك ـ أعني: كون شيء من الممكنات خارجاً عن المقولات ـ هل هو واقع أم لا؟

فقد بسط الشّيخ الكلام فيه، وحاصل ما حقّقه هو(3): أنّ ما زعموا من أنّ كون شيء مبدأ لمقولة مانع عن دخوله في تلك المقولة ليس بحقّ، بل مناط الدخول في مقولة، والخروج عنها هو تحقّق رسم تلك المقولة في ذلك الشيء وعدم تحقّقه، فالهيولى والصّورة داخلتان في مقولة الجوهر لتحقّق رسم الجوهر فيهما، الوحدة والنّقطة ليستا داخلتين في الكّم لعدم تحقق رسم الكّم فيهما، فلو وجد شيء لم يتحقّق فيه رسم شيء من


1 . ومثال هذا أنّه لو قال قائل: إنّه لا بلاد إلاّ عشرة بلاد فوجد قوماً بداة لا يتمدنون، لم يصر وقوعهم خارجاً عن هذه البلاد سبباً في أن لا تكون هذه البلاد عشرةً.

2 . منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 70 ـ 71 / الفصل الرّابع من المقالة الثّانية.

3 . لاحظ: منطق الشفاء: 1 / المقولات / 71 ـ 77 .


صفحه 22

المقولات يكون ذلك الشيء لا محالة خارجاً عن المقولات بأسرها من دون أن يقدح في حصر المقولات .

وأمّا أعدام الملكات، فكما أنّها داخلة في الوجود بالعرض، فكذا هي داخلة في المقولات بالعرض. وليست بداخلة فيها بالذّات .

ثمّ إنّ تحقيق حصر المقولات في هذه العشرة يتوقّف على أُمور:

منها: أن لا يمكن اسناد هذه العشرة كلّها إلى جنس واحد كالوجود على ما ظنّ.

ومنها: أن لا يكون مفهوم العرض جنساً لهذه التّسعة، كما أنّ الجوهر جنس للخمسة المشهورة.

ومنها: أن لا يكون الأجناس العالية للعرض أقلّ من التّسعة، كما زعم بعضهم أنّها ثلاثة: الكمّ والكيف والمضاف، فإنّه يشمل البواقي من ذوات النّسبة. وبعضهم أنّها أربعة: الثّلاثة المذكورة والحركة .

ومنها: أن يكون مفهوم كلّ واحد من هذه التّسعة جنساً لما تحته لا مقولاً بالتشكيك، ولا من قبيل اللّوازم المتّفقة.

ومنها: أن لا يكون شيء من هذه التّسعة تمام حقيقة ما تحته من الأفراد، وإلاّ لكان نوعاً حقيقيّاً لا جنساً.

أمّا الأوّل ـ أعني: كون الوجود جنساً للمقولات العشرة ـ : فقد عرفت إشارة في أوائل الكتاب لكونه مقولاً بالتّشكيك، ومع ذلك، فهو زائد على


صفحه 23

الماهيّة، وليس من الأُمور المفوّتة للماهيّة.

قال الشيخ: «إنّ حال الوجود في هذه العشرة ليست حالاً واحدة، بل الوجود لبعضها قبل، ولبعضها بعد، كما للجوهر والعرض.(1)

ولبعضها أحقّ، ولبعضها ليس بأحقّ، كما للموجود بذاته والموجود بغيره.(2)

ولبعضها أحكم، ولبعضها أضعف، كما في الموجود القارّ والموجود الغير القارّ.

فليس وقوع الوجود عليها وقوعاً على درجة واحدة كوقوع طبائع الأجناس على أنواعها(3)، فهو إذن غير جنس .

ولو كان متواطئاً لم يكن أيضاً جنساً، فإنّه غير دالّ على معنى داخل في ماهيّات الأشياء.(4)

ولذلك إذا تصوّرت معنى المثلّث نسبت إليه الشكلية، ونسبت إليه الوجود، وجدت الشكليّة داخلة في معنى المثلّث دون الوجود حتّى يستحيل أن نفهم المثلّث أنّه مثلّث إلاّ وقد وجب أن يكون قبل ذلك شكلاً. ولست تحتاج في تصورك ماهيّة المثلّث أن تتصوّر أنّه موجود.


1 . إنّ الجوهر قبل العرض.

2 . إنّ الموجود بذاته أحقّ بالوجود من الموجود بغيره.

3 . في المصدر: «على أنواعها للّذي هو بالتواطؤ المحض».

4 . بل أمر لازم لها.


صفحه 24

فلذلك يمكنك أن تفهم ماهيّة المثلّث وأنت شاك في وجوده حتّى يبرهن لك أنّه موجود أو ممكن الوجود في الشكل الأوّل من كتاب إقليدس. انتهى ملخّصاً»(1).

وأمّا الثّاني ـ أعني: عدم كون مفهوم العرض جنساً لما تحته ; أي التّسعة ـ : فقد عرفت منّا في أوائل مباحث الجواهر (2) ما يكفيك في ذلك.

وقد قالوا أيضاً: إنّ المعنى من الجوهر ذات الشّيء وحقيقته بخلاف العرض، فإنّ معناه ما يعرض للموضوع وعروض الشيء للشّيء إنّما يكون بعد تحقّق حقيقته .

وأمّا الثّالث: فقد قال الشّيخ: «وأمّا الّذين تكلّفوا أن يجعلوا بعض هذه داخلاً في بعض، وأن يحصروها في مقولات أقلّ عدداً. (3) فيظهر لك بطلان هذا المذهب حين نعلّمك رسوم هذه وخواصّها; فيتّضح لك أنّها متباينة غير داخلة بعضها في بعض. وأنّ المضاف لا يمكن أن يشمل البواقي، لأنّ المضاف الحقيقي لا يحمل على شيء من المقولات الأُخرى حمل الجنس; ولكن يوجد في كلّ واحد منها بأن يعرِض له، فيكون له نسبة


1 . منطق الشفاء: 1 / المقولات / 60 ـ 61 / الفصل الأوّل من المقالة الثّانية.

2 . لاحظ : الجزء الثالث من هذا الكتاب المسألة الثّالثة من الفصل الأوّل من المقصد الثّاني.

3 . فمنهم من جعل المقولات أربعاً: الجوهر والكميّة والمضاف والكيفيّة، وجعل المضاف يعمّ البواقي لأنّها كلّها منسوبة. ومنهم من جمع الستّ في جنس خامس، إذ عدّ الأربعة; ثمّ قال والخامس الأطراف الّتي تأخذ من الكيفيّة شيئاً. وبطلان هذا المذهب وما يجانسه يظهر لك حيث نعلّمكَ رسوم هذه وخواصّها الخ.


صفحه 25

إلى شيء يصير بها مضافاً إليه، من غير أن يصير المضاف جنساً له. ونعرّفك أنّ الشيء لا يصير، بسبب أنّ له شيئاً، وأنّه في شيء أو مع شيء مضافاً إليه، بل بأن نأخذه بعد ذلك، من حيث له ذلك ; فيعرض له أن تكون ماهيّته من جهة هذا الاعتبار مقولة بالقياس إلى غيره، فإنّ كون زيد في الدّار هو نسبته الّتي هو بها أين، وهذه النّسبة ليست إضافة، بل أيناً.

ثمّ إن اعتبرت التكرر وجدت الموصوف بالأين يعرض له من حيث هو ذو أين، أن يصير مقول الماهيّة بالقياس إلى ما هو فيه، من حيث هو محوى وذلك حاو; لا من حيث هو أين فقط، بل هذه الحيثية (1) قد عرضت له الإضافة كالبياض، فإنّه من حيث هو بياض شيء، ومن حيث إنّه لذي البياض، أي للأبيض، فإنّ ماهيّته مقولة بالقياس إلى ذي البياض، لا ماهيّة أنّه بياض، بل ماهيّة أنّه للأبيض.

كذلك ليس كون الشّيء في مكان ; الّذي هو نسبة طرف واحد; هو نفس كون الماهيّة مقولة بالقياس إلى غيره; بل هو موضوع لذلك من حيث تصير النّسبة شاملة للطرفين، الحاوي والمحوى.

وقال: وأمّا الحركة، فإنّها إن كانت هي مقولة أن يَنْفَعِل، فما زادت جنساً; وإن لم تكن مقولة أن يَنْفَعِل، فإنّها لا يجب أن تكون جنساً، بل يجب أن تكون مقولة على أصنافها بالتّشكيك، وأن يكون ذلك هو المانع من أن تجعل الحركة هي نفس مقولة أن يَنْفَعِل، إن امتنع; وإلاّ فإن لم يكن هناك


1 . أي من حيث إنّه محويّ حاوية.


صفحه 26

مانع من هذا القبيل، فمقولة أن يَنْفَعل هي بعينها الحركة. وسيرد عليه الكلام في موضعه. انتهى»(1).

وأمّا الرّابع: فقال الشّيخ: «إنّ هذا شيء يحاوله جمهور المنطقيين ; وما أراني أفي به حقّ الوفاء ; فإنّ السبيل في تصحيح ذلك يحوج إلى أنحاء ثلاثة من النظر:

أحدها: أن يبيّن أنّه لا واحد من هذه المقولات إلاّ ويقال على ما تحته قول الجنس. وهذا يحوج إلى أن يبيّن أنّ حملها على ما تحتها ليس على سبيل الاتّفاق في الاسم، وليس على سبيل حمل معنى واحد مختلف بالتقدّم والتأخّر، فيكون على سبيل التّشكيك.

وليس أيضاً على سبيل قول اللّوازم(2)، أو الأمور الإضافيّة الّتي لا يتقوّم بها ماهيّة الشّيء، فإنّه إن كانت الكيفية مثلاً ليست تقع على الأشياء المجعولة أنواعاً لها على شرائط وقوع الجنس، لم تكن جنساً لما تحتها، بل إن كان حمل ما تحتها على ما هو أخصّ ممّا تحتها حمل مقوّم صار كلّ واحد ممّا تحتها بالحقيقة هو الجنس الأعلى، وكان مثلاً الجنسُ الواحدُ منها هو الّذي يسمّى كيفية انفعاليّة وانفعالات، والجنس الآخر مثلاً الملكات والحالات ; وكانت الكيفيّة مقولة عليهما، لا على سبيل قول الجنس، بل على


1 . ملخصاً. لاحظ : منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 66 ـ 70 / الفصل الثّالث والرّابع من المقالة الثّانية.

2 . الّتي تنال على ما تحتها بالسويّة، من غير اختلاف، ولكن لا يكون من المقوّمات ; بل يكون من اللّوازم أو الأُمور الإضافيّة الخ.


صفحه 27

سبيل قول اللّوازم، فكان عدد الأجناس الّتي بالحقيقة أجناس عالية فوق العدد المذكور.

وهذا الوجه من تدقيق النّظر هو شيء لم يشتغل به أحد ممّن سلف .

والوجه الثّاني: أن يبيّن أن لا جنس خارجاً عن هذه المذكورات بقسمه الموجود إلى أن تنتهي القسمة المحصّلة إلى هذه ; وإن سومح في أمر التقويم للذّات. وهو أيضاً ممّا لم يبلغنا فيه شيء حقيقيّ.

الثّالث: أن يبينوا بوجه آخر غير القسمة بياناً أنّه يستحيل أن يكون جنس غير هذه الأجناس، إن كان إلى مثل ذلك سبيل .

وما عندي أنّهم عملوا شيئاً يعتدّ به في ذلك.

ثمّ ذكر واحداً من أنحاء القسمة المشهورة فيه وزيفه. ثمّ تكلّف قسمة أخرى تقرِّب السّبيل إلى هذا الفرض.

وحاصلها: أنّ العرض إن قبل القسمة لذاته فالكمّ، وإلاّ، فإن لم يقتض النّسبة لذاته فالكيف، وإن اقتضاها فالنسبة: إمّا للأجزاء بعضها إلى بعض وهو الوضع، أو للمجموع إلى أمر خارج، وهو إن كان عرضاً: فإمّا كمّ غير قارّ فمتى، أو قارّ ينتقل بانتقاله فالملك، وإلاّ فالأين، وإمّا نسبة فالمضاف، وإمّا كيف والنّسبة إليه: إمّا بأن يحصل منه غيره فإن يَفْعَل، أو يحصل هو من غيره فإن يَنْفَعِل، وإن كان جوهراً، فهو لا يستحقّ النّسبة له وإليه إلاّ بعارض فيؤل إلى النّسبة إلى العرض ويندرج في ما ذكرنا.


صفحه 28

ثمّ قال: وهذا ضرب من التّقريب متكلّف لا أضمن صحته ; إلاّ أنّه أقرب ممّا حضرني في هذا الباب ; ويمكن أن ترام فيه وجوه أُخرى وتتكلّف، ولو رأيتُ في ذلك فائدة أو حجّة حقيقيّة لتوخّيتُ أن أقسّمه قسمة غير هذه تكون أقرب من هذا، ولكن القريب والأقرب، إذا لم يبلغا الحقّ نفسه، فهما بعيدان. انتهى»(1).

فقد ظهر ممّا ذكر: أنّ الحصر في التسعة ليس استقرائيّاً، بل هو شيء تخميني محض.

والعجب أنّ صاحب المواقف توهّم أنّ القسمة المذكورة استدلال من الشّيخ على صحّة الحصر.

ثمّ اعترض عليه بما في هذا التقسيم من التّرديدات النّاقصة والتعيّنات الغير اللاّزمة.

وبأنّه إن عوّل على الإستقراء كان هذا التّقسيم ضائعاً، ولزمه الرّجوع إلى الإستقراء من أوّل الأمر طرحاً لمؤنة هذه المقدمات. وإن أراد الإرشاد إلى وجه ضبط يُسَهّل الإستقراء ويُقلّل الانتشار، فلا بأس.(2)

وأمّا الخامس: فما بلغني فيه شيء من أحد، ولا يخفى صعوبة ذلك، ولا يكفي هذا أيضاً، بل لابدّ من بيان اشتمال كلّ واحد منها على أجناس وهو أيضاً ممنوع، لجواز كون ما تحت بعضها أنواعاً حقيقيّة، إلاّ أن يكون


1 . ملخصاً، لاحظ : منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 82 ـ 86 / الفصل الخامس من المقالة الثّانية.

2 . لاحظ : المواقف في علم الكلام: 98 ـ 99 .


صفحه 29

المراد من الجنس العالي هاهنا ما لا جنس فوقه، فجاز كون بعضها أجناساً مفردة، كما قيل.

وبالجملة: فالّذي استقرّ عليه رأي المتأخّرين ; إنّ هذا الحصر إستقرائيّ، ولا يخفى أنّ الإستقراء ضعيف جدّاً، كما أشرنا إليه.

وقد قيل: إنّ حصر الأجناس العالية للموجودات الممكنة في هذه العشرة ليس منقولاً عن أرسطو، بل هو ممّا أحدثه من بعده.


صفحه 30

 

المبحث الأوّل

في الكم

قال: الأوّل: الكمّ .

أقول: وهو أوّل المقولات التّسع على ما قال.

الأوّل: الكّم

وإنّما جرت العادة بتقديم الكمّ على غيره من الأعراض، لأنّه أعمّ وجوداً من الكيفيّة، وأصحّ وجوداً من الأعراض النسبيّة.

أمّا الأوّل: فلأنّ العدد من الكمّ ليس مقصوراً على الأُمور المقارنة للمادّة، بل يشمل الأُمور المفارقة الّتي لا يقبل كيفيّة، ولا شيئاً غريباً من جوهرها.

وأمّا الثّاني: فلأنّ شيئاً من الأعراض النّسبية غير متقرّر في ذات موضوعه بخلاف الكمّ.

وأيضاً الكمّية إذا شاركت الكيفيّة في الجواهر، فإنّها تلزم أوّل جوهر منها وهو الجسم، والكيفيّات تلزم الجواهر النوعيّة السّافلة والمتوسطة بعد الجسمية، كذا في "الشّفاء " .(1)

وفي هذا المبحث مسائل :


1 . منطق الشفاء: 1 / مقولات / 116 .


صفحه 31

 

المسألة الأُولى

في تقسيم الكمّ (1)

قال: فمتّصله القارُّ: جسم وسطح وخطّ، وغيره: الزّمان، ومنفصله: العدد .

أقول: إنّ هذه المسألة في تقسيم الكمّ إلى المتّصل والمنفصل ، ولم يعرّفه أوّلاً لشهرته، وتقرره في الأذهان، وهو أنّ الكمّ ما يقبل القسمة لذاته.

والمراد من القسمة هاهنا هو الفرضيّة; أي ما يمكن أن يفرض فيه شيء دون شيء ; سواء كان المفروض واقعاً، كما في العدد أم لا، كما في المقدار، لا الانفكاكيّة لعدم قبول المقدار إيّاها ضرورة انعدام المقدار وعدم بقائه عند طريان الانفكاك، والقابل حقيقة يجب اجتماعه مع المقبول، فهذه القسمة إنّما يقبلها المادّة بإعداد المقدار، والمعدّ لا يجب بقاؤه مع المعدّله، هذا تعريفه .

وأمّا تقسيمه، فأشار إليه بقوله: فمتصله القارّ: جسم وسطح وخط،


1 . راجع لمزيد التحقيق الكتب التالية: المنطق أرسطو: 1 / 43 ـ 47 ; والمنطق عند الفارابي: 95 ـ 99 ; وكتاب المشارع والمطارحات: 235 ـ 240 و 244 ـ 248 ; ومنطق الشّفاء: 1 / المقولات / 116 ـ 124 ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 178 ـ 183 / الفصل الثّالث من الفنّ الأوّل; والجوهر النضيد: 26 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 323 ـ 328 ; والأسرار الخفيّة في العلوم العقليّة: 446ـ 448; وايضاح المقاصد: 168 ـ 170 ; التحصيل: 352 ـ 361 / الفصل الأوّل من المقالة الثّانية; والأسفار: 4 / 13 ـ 16 .


صفحه 32

وغيره; أي غير القارّ الزّمان. ومنفصله: العدد.

بيان ذلك: أنّ الكم لما كان مشتملاً على الأجزاء إمّا بالقوّة أو بالفعل، فإن كانت بحيث يشترك في الحدود ـ أي يكون بين كلّ جزأين منه أمر يكون نسبته إليهما على السّواء كالنّقطة القاسمة للخطّ إلى نصفين مثلاً، فإنّها بحيث لو اعتبرت نهاية لأحدهما أمكن اعتبارها نهاية للآخر، ولو اعتبرت بداية لأحدهما أمكن اعتبارها بداية للآخر. وهذا هو المراد بالحد المشترك، ويجب كونه مخالفاً بالحقيقة لما هو حدّ له، لأنّه بحيث لو انضمّ إليه أو نقص منه لم يزد ولم ينقص، وإلاّ لكان جزءاً آخراً، فيكون القسمة إلى اثنين قسمة إلى ثلاثة ـ فمتصل، وإن لم يكن أجزاؤه مشتركة في الحدود كالعشرة ـ فإنّه ليس بين أجزائه حدّ بالصّفة المذكورة، فإنّ السّادس مثلاً جزء من الستّة داخل فيها وخارج من الأربعة والرّابع بالعكس، فليس شيء منهما ممّا يشترك فيه الحدّان ـ فمنفصل.

والمتصل إن اجتمعت أجزاؤه في الوجود فقارّ، وهو إن كان قابلاً للقسمة في الجهات الثّلاث فجسم تعليمي، أو في الجهتين فسطح، أو في جهة فخطّ. وإن لم يجتمع فغير قارّ، وهو قسمٌ واحدٌ وهو الزّمان، لأنّه قد ثبت في موضعه أن كلّ متّصل بذاته على سبيل التجدّد فهو هيئة حركة، وإنّ ذلك هو الزّمان، كما أنّ المنفصل قسمٌ واحدٌ هو العدد لا غير، لأنّ حقيقته ما يجتمع من الوحدات، ولا معنى للعدد سوى ذلك.

قال الشّيخ: «وأمّا الكمّية المنفصلة، فلا يجوز أن تكون غير العدد، فإنّ


صفحه 33

المنفصل قوامه من متفرقات، والمتفرقات من آحاد، والآحاد: إمّا نفس المعنى الّذي لا ينقسم، من حيث هو لا ينقسم، أو شيء فيه الوحدة، وهو ذو وحدة وله وجود آخر حامل للوحدة، فالوحدات هي الّتي لذاتها يجتمع منها شيء ذو كمّ منفصل لذاته، يكون عدده مبلغ تلك الوحدات. وأمّا الأُمور الّتي فيها تلك الوحدات، فجملتها حاملة للعدد الّذي هو لذاته كمّ منفصل. ثمّ لا يوجد فيها معنى كميّة منفصلة غير معنى اجتماع تلك الأحاديّة»(1).


1 . منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 120 ـ 121 .