welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الوسيط في أُصول الفقه / ج 1 - مصححه*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الوسيط في أُصول الفقه / ج 1 - مصححه

صفحه 1
الوسيط
فى
أُصول الفقه
كتاب يبحث عن الأدلة اللفظية والعقلية
بين الإيجاز والإطناب
الجزء الأوّل
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
أَعِدَّ الكتاب لطلبة الحوزة العلمية، السنة الخامسة

صفحه 2
سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ
      الوسيط في أُصول الفقه / تأليف جعفر السبحاني . ـ ]ويرايش 2[ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1387.
2ج.   ISBN :978 - 964 - 357 - 318 - 8 (VOL.1)
ISBN :978 - 964 - 357 - 317 - 1 (2VOL.SET)
      فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
      كتابنامه بصورت زيرنويس .
      چاپ نهم ; 1395.
1. اصول فقه شيعه. الف. موسسه امام صادق(عليه السلام). ب. عنوان.
5و2س/8/159BP   312 /297
1395
اسم الكتاب:   … الوسيط في أُصول الفقه / ج 1
المؤلف:   … الفقيه المحقّق الشيخ جعفر السبحاني
الطبعة:   … التاسعة
تاريخ الطبع:   … 1395 هـ . ش ـ 1438 هـ . ق
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تسلسل النشر: 918   تسلسل الطبعة الأُولى:71
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.shia.ir
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 3
(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
التوبة: 122

صفحه 4
   
    الوسيط في أُصول الفقه / الجزء 1

صفحه 5
الحمد للّه ربّ العالمين، والصّلاة والسلام على أفضل خليقته، وأشرف بريّته، وخاتم رسله، محمّد وعلى آله حفظة سننه، وعيبة علمه، وخزنة سره، صلاة دائمة مادامت السماء ذات أبراج، والأرض ذات فجاج.
أمّا بعد، فقد ألّفتُ في سالف الزمان كتاب «الموجز في أُصول الفقه» للمبتدئين في دراسة هذا الفن، توخّيت منه التعرّض لأهمّ المسائل الأُصولية بنحو موجز يتلاءم مع روح العصر، وقد انكبَّ عليه الدارسون بالبحث والمطالعة حتى صار محور الدراسة في الجامعات الإسلامية.
ولمّا كانت الغاية من تأليفه هو بيان أُمّهات المسائل الأُصولية على وجه الإيجاز، فقد أوجزت الكلام في بعض المسائل، وتركت التعرّض لبعضها الآخر رعاية لحال الدارسين، فدعا ذلك الأمر إلى تأليف كتاب آخر يتميّز عن سابقه بميزتين:
1. تبسيط ما أُوجز في الكتاب الأوّل.
2. طرح المسائل التي لم نتعرّض لها في «الموجز».
وربما مست الحاجة إلى تكرار بعض ما ذكرناه في «الموجز» حفظاً لنظام البحث وتسلسله، وليعلم أنّ المتن الدراسي يتميّز عن غيره بمزية خاصّة وهي أنّه يأخذ على عاتقه التعبير عن المطالب والمحتويات بأقصر العبارات

صفحه 6
وأوجزها، لكن خالية من التعقيد والغموض.
وعلى ذلك جرى ديدن القدماء في تأليف المتون الدراسية وقد راعينا هذا الأُسلوب في كتابنا، واحترزنا عن الإسهاب والإطناب، كما احترزنا عن التعقيد، وحرصنا على أن تكون لغته على مستوى اللغة الدارجة في الحوزات العلمية.
واسميته بـ«الوسيط» لتوسطه بين الايجاز والتبسيط.
ونستهلُّ البحث بنبذة موجزة عن تاريخ علم الأُصول وكيفية نشوئه وتكامله والأدوار التي مرّ بها، والجهود التي بُذلت بغية ارساء قواعده.
وختاماً أرجو من اللّه سبحانه أن ينتفع به روّاد هذا العلم ويُنير لهم الدرب في تذليل الصعوبات التي تعترض سبيلهم.
جعفر السبحاني
قم المقدّسة ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
إلماع إلى تاريخ علم الأُصول   

صفحه 7

إلماع إلى تاريخ علم الأُصول

الإسلام عقيدة وشريعة; فالعقيدة هي الإيمان باللّه سبحانه وصفاتِه والتعرّفُ على أفعاله، والشريعة هي الأحكام والقوانين الكفيلة ببيان وظيفة الفرد والمجتمع في حقول مختلفة تجمعها العبادات، والمعاملات، والإيقاعات، والسياسات.
فالمتكلِّم الإسلامي قد تكفّل ببيانِ العقيدة وبرهَن على الإيمان باللّه سبحانه وصفاتِه الجمالية والجلالية، وأفعاله من لزوم بعث الأنبياء وتعيين الأوصياء لهداية الناس وحشرهم يوم المعاد.
وأمّا الفقيه فقد قام ببيان الأحكام الشرعية الكفيلة بإدارة الفرد والمجتمع، والتنويه بوظيفتهما أمام اللّه سبحانه، ووظيفة كلّ منهما بالنسبة إلى الآخر.
بيد أنّ لفيفاً من العلماء أخذوا على عاتقهم بكلتا الوظيفتين، فهم في مجال العقيدة أبطال الفكر وسنامه، وفي مجال التشريع أساطين الفقه وأعلامه، ولهم الرئاسة التامّة في فهم الدين على مختلف الأصعِدة.
إنّ علم أُصول الفقه يعرِّف لنا «القواعدَ الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية وما ينتهي إليه المجتهد في مقام العمل»، وقد سُمِّي بهذا الاسم لصلته الوثيقة بعلم الفقه، فهو أساس ذلك العلم وركنه، وعماد الاجتهاد وسناده.
والاجتهاد: فهو عبارة عن بذل الوسع في استنباط الأحكام الشرعية، أو

صفحه 8
الوظائف العمليّة من مصادرها، وهو رمز خلود الدين وحياته، وجعله غضّاً طريّاً، مصوناً عن الاندراس عبْر القرون، ومغنياً للمسلمين عن التطفّل على موائد الأجانب، ويتّضح ذلك من خلال أُمور:
1. انّ طبيعة الدين الإسلامي ـ أي كونه خاتم الأديان إلى يوم القيامة ـ تقتضي فتح باب الاجتهاد لما سيواجه الدين في مسيرته من أحداث وتحدّيات مستجدَّة، وموضوعات جديدة لم يكن لها مثيل أو نظير في عصر النص، فلا محيص عن معالجتها إمّا من خلال بذل الجهود الكافية في فهم الكتاب والسنّة وغيرهما من مصادر التشريع واستنباط حكمها، وإمّا باللجوء إلى القوانين الوضعية، أو عدم الفحص عن حكمها وإهمالها.
والأوّل هو المطلوب، والثاني يُحدث نقصاً في التشريع الإسلامي، وهو سبحانه قد أكمل دينه بقوله: (اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) 1، والثالث لا ينسجم مع طبيعة الحياة ونواميسها.
2. لم يكن كل واحد من أصحابِ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)متمكناً من الحضورِ المستمرّ عنده (صلى الله عليه وآله وسلم)لأخذ الأحكام عنه، بل كان في مدّة حياته يحضر عنده بعضهم دون البعض الآخر، وفي وقت دون وقت، وكان يسمع جواب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عن كلّ مسألة يسأل عنها بعض الأصحاب وتفوت عن الآخرين، فلمّا تفرّق الأصحاب بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)في البلدان، تفرّقت الأحكام المروية عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)فيها، فتُروى في كلّ بلدة منها جملة، وتُروى عنه في غير تلك البلدة جُملة أُخرى، حيث إنّه قد حضر المدنيّ من الأحكام، مالم يحضره المصري،

1 . المائدة:3.

صفحه 9
وحضر المصريّ ما لم يحضر الشاميّ، وحضر الشاميّ ما لم يحضر البصري، وحضر البصري ما لم يحضر الكوفي إلى غير ذلك، وكان كل منهم يجتهد فيما لم يحضره من الأحكام. 1
إنّ الصحابي قد يسمع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في واقعة، حكماً ويسمع الآخر في مثلها خلافه، وتكون هناك خصوصية في أحدهما اقتضت تغاير الحكمين غفل أحدهما عن الخصوصية، أو التفت إليها وغفل عن نقلها مع الحديث، فحصل التعارض في الأحاديث ظاهراً، ولا تنافي واقعاً; ومن هذه الأسباب وأضعافِ أمثالها احتاج حتى الصحابة الذين فازوا بشرف الحضور، في معرفة الأحكام إلى الاجتهاد والنظر في الحديث، وضمّ بعضه إلى بعض، والالتفات إلى القرائن الحالية، فقد يكون للكلام ظاهر، ومراد النبي خلافه اعتماداً على قرينة في المقام، والحديث نُقِلَ والقرينة لم تنقل.
وكلُّ واحد من الصحابة، ممّن كان من أهل الرأي والرواية، تارة يروي نفس ألفاظ الحديث، للسامع من بعيد أو قريب، فهو في هذا الحال راو ومحدّث، وتارة يذكر الحكم الذي استفاده من الرواية، أو الروايات بحسب نظره واجتهاده فهو في هذا الحال، مفت وصاحب رأي. 2
3. وهناك وجه ثالث وهو أنّ صاحبَ الشريعة ما عُني بالتفاصيل والجزئيات لعدم سنوح الفرص ببيانها، أو تعذّر بيان حكم موضوعات لم يكن لها نظير في حياتهم، بل كان تصوّرها ـ لعدم وجودها ـ أمراً صعباً على المخاطبين، فلا محيص لصاحبِ الشريعةِ عن إلقاء أُصول كلّية ذات مادة

1 . المواعظ والاعتبار (الخطط المقريزية): 2 / 333.
2 . أصل الشيعة وأُصولها: 147، طبعة القاهرة .

صفحه 10
حيويّة قابلة لاستنباط الأحكام وفقاً للظروفِ والأزمنة.
4. أنّ حياة الدين مرهونة بدارسته والتأمّل فيه، ولو افترضنا أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ذكر التفاصيل والجزئيات وأودعها بين دفّتي كتاب ، لاستولى الركود الفكري على عقلية الأُمة، ولانحسر كثير من المفاهيم والقِيَم الإسلامية عن ذهنيّتها، وأوجب ضياع العلم وتطرّق التحريف إلى أُصوله وفروعه، بل حتى إلى الكتاب الذي فيه تلك التفاصيل.
على هذا، لم تقم للإسلام دعامة،ولا حُفِظَ كِيانُه ونظامه، إلاّ على ضوء هذه البحوث العلمية والنقاشات الدارجة بين العلماء، أو ردّ صاحب فكر على ذي فكر آخر بلا محاباة.
تاريخ أُصول الفقه عند الشيعة الإمامية   

صفحه 11
تاريخ أُصول الفقه عند الشيعة الإمامية
لم يكن علم الأُصول بمحتواه أمراً مغفولاً عنه في عصر الأئمّة (عليهم السلام)، فقد أملى الإمام الباقر (عليه السلام)وأعقبه الإمام الصادق (عليه السلام)على أصحابهما قواعد كلّية في الاستنباط، رتّبها بعض الأصحاب على ترتيب مباحث أُصول الفقه.
وممّن ألّف في ذلك المضمار:
1. المحدّث الحرّ العاملي (المتوفّـى 1104هـ) مؤلف كتاب :«الفصول المهمة في أُصول الأئمّة» وهذا الكتاب يشتمل على القواعد الكلّية المنصوصة في أُصول الفقه وغيرها.
2. السيد العلاّمة عبد اللّه شبّر بن محمد لرضا الحسيني الغروي (المتوفّـى 1242هـ) له كتاب «الأُصول الأصلية».
3. السيد الشريف الموسوي، هاشم بن زين العابدين الخوانساري الاصفهاني، له كتاب: «أُصول آل الرسول»، وقد وافته المنيّة عام 1318 هـ .
فهذه الكتب الحاوية على النصوص المروية عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في القواعد والأُصول الكلية في مجال أُصول الفقه، تعرِبُ عن العناية التي يوليها أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)لهذا العلم.
وقد تبعهم أصحابهم، منهم:

1. يونس بن عبد الرحمن (المتوفّـى 208 هـ)

يقول النجاشي: كان ـ يونس بن عبد الرحمن ـ وجهاً في أصحابنا،

صفحه 12
متقدّماً، عظيم المنزلة، روى عن أبي الحسن موسى والرضا (عليهما السلام). فقد صنف كتابَ: «اختلاف الحديث ومسائله» 1 وهو قريب من باب التعادل والترجيح في الكتب الأُصولية.

2. أبو سهل النوبختي إسماعيل بن علي (237 ـ 311هـ)

يقول النجاشي :كان شيخَ المتكلمين من أصحابنا وغيرهم، له جلالة في الدنيا والدين، إلى أن قال: له كتاب «الخصوص والعموم»، و «الأسماء والأحكام».2
و يقول ابن النديم: هو من كبار الشيعة، وكان فاضلاً عالماً متكلّماً،
وله مجلس يحضره جماعة من المتكلّمين، إلى أن قال: له كتاب «إبطال القياس». 3

3. الحسن بن موسى النوبختي

عرّفه النجاشي بقوله: شيخنا المتكلّم، المبرّز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة وبعدها. وذكر من كتبه«خبر الواحد والعمل به». 4
يقولُ ابن النديم: الحسن بن موسى ابن اخت أبي سهل بن نوبخت، متكلّم فيلسوف، كان يجتمع إليه جماعة من النَقَلة لكتب الفلسفة. 5
يقول ابن حجر: الحسن بن موسى النوبختي، أبو محمد من متكلّمي

1 . رجال النجاشي:2/420 برقم 1209.
2 . رجال النجاشي:1/121 برقم 67.
3 . الفهرست: 225.
4 . رجال النجاشي:1/179 برقم 146.
5 . الفهرست: 225.

صفحه 13
الإمامية، وله تصانيف كثيرة. 1

أُصول الفقه وأدواره

اجتاز علم الأُصول من لدن تأسيسه إلى زماننا هذا مرحلتين، ولكلّ منهما أدوار، وامتازت المرحلة الثانية بالإبداع والابتكار وطرح مسائل مستجّدة لم تكن مذكورة في كتب الفريقين.

المرحلة الأُولى: مرحلة النشوء والازدهار

ابتدأتْ المرحلةُ الأُولى منذُ أوائل القرن الثالث إلى عصر العلاّمة الحلّي (648ـ726 هـ) وقد اجتازت أدواراً ثلاثة.

الدور الأوّل: (دور النشوء)

وقد بُدئ هذا الدور بإفراد بعض المسائل الأُصولية بالتأليف دون أن يعمَّ كافّة المسائل المعنونة في هذا العلم يومذاك، ولم نقف في هذا الدور على كتاب عام يشمل جميع مسائله، وقد عرفت أنّ يونس بن عبد الرحمن صنَّف كتابَ «اختلاف الحديث ومسائله» ، وأبا سهل النوبختي كتابَ «الخصوص والعموم» و «إبطال القياس»، والحسن بن موسى النوبختي كتاب «خبر الواحد والعمل به» وبالرغم من ذلك فقد ازدهرتْ حركة الاستنباط والاجتهاد بين أصحابنا في هذا الدور، فهذا هو «الحسن بن علي العماني» شيخ فقهاء الشيعة، المعاصر للشيخ الكليني (المتوفّـى 329 هـ) ألّف كتاب «المتمسّك بحبل آل الرسول».

1 . لسان الميزان:2/258، برقم 175.

صفحه 14
يقول النجاشي: أبو محمد العماني، فقيه متكلّم، ثقة، له كتب في الفقه والكلام، منها كتاب «المتمسّك بحبل آل الرسول » كتابٌ مشهورٌ في الطائفة.
وقيل: ما ورد الحاج من خراسان إلاّ طلَب واشترى منه نسخاً. 1
كما ألّف الشيخ الكبير أبو علي الكاتب الإسكافي (المتوفّـى381هـ) كتاب «تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة» في الفقه، وهو كتابٌ كبيرٌ جامعٌ، ذكر فهرس كتبه، الشيخ النجاشي في رجاله، وله كتاب «الأحمدي في الفقه المحمدي».
يقول النجاشي: وجهٌ في أصحابنا، ثقةٌ، جليلُ القدرِ، صنّف فأكثر. 2

الدور الثاني: (دور النمو)

إنّ حاجة المستنبط في علم الأُصول لم تكن مقصورة على عصر دون عصر، بل كلّما تقدّمتْ عجلة الحضارة نحوَ الأمام، ازدادت الحاجة إلى تدوين قواعد الاستنباط للإجابة عن الحوادث المستجّدة وملابساتها التي كان الفقهاء يواجهونها عبر الزمان، مما ترك تأثيراً إيجابياً على علم الأُصول وساهم في نموّه، فأفردوا جميع المسائل (بدل البعض كما في الدور الأوّل) بالتأليف، و قد تحمّل ذلك العبء ثلّة من أساطين العلم وسنامه، منهم:

4. الشيخ المفيد (336 ـ 413هـ)

هو شيخنا وشيخ الأُمّة محمد بن محمد بن النعمان المشهور بالمفيد، صنّف كتاباً باسم «التذكرة بأُصول الفقه» وطبع في ضمن مصنّفاته 3 ونقل

1 . رجال النجاشي:1/153.
2 . رجال النجاشي:2/306: برقم 1048.
3 . المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى الألفيّة لوفاة الشيخ المفيد، المصنّفات: 9/5.

صفحه 15
خلاصته شيخنا الكراجكي (المتوفّـى 449هـ) في كتابه «كنز الفوائد».

5. الشريف المرتضى (355 ـ 436هـ)

هو السيد الشريف علي بن الحسين المعروف بالمرتضى.
قال عنه النجاشي: حاز من العلوم مالم يدانه أحد في زمانه، وسمع من الحديث فأكثر، وكان متكلماً، شاعراً، أديباً، عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا، وعدّ من كتبه «الذريعة»1 وقد طبع الكتاب في جزأين طباعة منقّحة، وقد عثرت على نسخة خطية منها في مدينة «قزوين» جاء في آخرها أنّ المؤلف فرغ من تأليفها عام 400هـ، وقد نقل عنه جلُّ من تأخّر من السنّة والشيعة.

6. سلاّر الديلمي (المتوفّـى 448 هـ)

هو سلاّر بن عبد العزيز الديلمي. يعرّفه العلاّمة بقوله: شيخنا المقدّم في الفقه والأدب وغيرهما، كان ثقة وجهاً ألّف «التقريب في أُصول الفقه»، ذكره صاحب الذريعة. 2

7. الشيخ الطوسي (385 ـ460هـ)

هو محمد بن الحسن المعروف بالشيخ الطوسي.
يقول عنه النجاشي: أبو جعفر، جليل من أصحابنا، ثقةٌ، عينٌ، من تلامذة شيخنا أبي عبد اللّه المفيد، وعدَّ من كتبه كتاب «العدّة في أُصول الفقه» 3، وقد

1 . رجال النجاشي: 1/102 برقم 706.
2 . الذريعة: 4/ 365 وذكر أنّه توفّي في السفر سنة 448 هـ .
3 . رجال النجاشي:2/332 برقم 1069.

صفحه 16
طُبِع غيرمرّة، وهو كتابٌ مفصّلٌ مبسوطٌ يحتوى على الآراء الأُصولية المطروحة في عصره.

الدور الثالث: (دور الازدهار)

بدأ هذا الدور منذ أواخر القرن السادس إلى أواسط القرن الثامن، وقد صنف أصحابنا كتباً خاصّة في أُصول الفقه تعرب عن الإنجازات الضخمة، والمنزلة الراقية التي بلغها علمُ الأُصول من خلال دراسة مسائله باسهاب ودقّة وإمعان أكثر، ومن المصنّفين في هذا الحقل:

8. ابن زهرة الحلبي (511ـ 558هـ)

هو الفقيه البارع السيد حمزة بن علي بن زهرة الحلبي مؤلف كتاب «غنية النزوع إلى علمي الأُصول والفروع» وكتابه هذا يدور على محاور ثلاثة، العقائد والمعارف، أُصول الفقه، والفروع.وقد طبع الكتاب محقّقاً في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)في جزأين، والناظر في قسم أُصول الفقه يرى فيه التفتح والازدهار بالنسبة إلى ما سبقه.

9. سديد الدين الحمصي (المتوفّى نحو 600 هـ)

هو الشيخ سديد الدين محمود بن علي بن حسن الحُمصي الرازي وقد صنف «كتابه المنقذ من التقليد، والمرشد إلى التوحيد» عام 581هـ في الحلة الفيحاء عند منصرفه من زيارة الحرمين بالحجاز. 1
قال منتجب الدين الرازي: الشيخ الإمام سديد الدين علاّمة زمانه في

1 . لاحظ المنقذ من التقليد: 17، مقدّمة المؤلف.

صفحه 17
الأُصولين، ورع ثقة، وذكر مصنّفاته الّتي منها: «المصادر في أُصول الفقه» و «التبيين والتنقيح في التحسين والتقبيح».1

10. نجم الدين الحلّي (602ـ 676هـ)

هو نجم الدين جعفر بن الحسن بن أبي زكريا الهذلي الحلّي، المكنّى بأبي القاسم، الملقّب بنجم الدين، والمشتهر بالمحقّق.
قال ابن داود في رجاله:جعفر بن الحسن، المحقّق المدقّق، الإمام، العلاّمة، واحد عصره كان ألسَنَ أهل زمانه، وأقومهم بالحجّة، وأسرعهم استحضاراً، قرأت عليه وربّاني صغيراً، وكان له عليّ إحسان عظيم،وذكر من تآليفه:«المعارج في أُصول الفقه» 2 وقد طبع غير مرّة، وهو وإن كان صغير الحجم، لكنّه كثير المعنى شأنُ كلِ ما جادت به قريحتُه في عالم التأليف، فهذا كتابه «شرائع الإسلام» عكف عليه العلماء في جميع الأعصار، وكتبوا عليه شروحاً وتعاليق وقد طبع في إيران ولبنان.
وقال في أعيان الشيعة: ومن كتبه «نهج الوصول إلى معرفة علم الأُصول».3

11. العلاّمة الحلّي (648 ـ 726هـ)

الحسن بن يوسف المطهر المعروف بالعلاّمة الحلّـي وهو غنيٌّ عن التعريف، برع في المعقول والمنقول، وتقدَّم على العلماء الفحول وهو في

1 . الفهرست للرازي: برقم 389.
2 . رجال ابن داود: 83.
3 . أعيان الشيعة:4/92; ولاحظ : الذريعة: 24/426.

صفحه 18
عصر الصبا، أخذ عن فقيه أهل البيت الشيخ نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن، خاله، ومن أبيه سديد الدين يوسف بن مطهر الحلّـي، وأخذ العلوم العقلية عن نصير الدين الطوسي وغيره.
وقد ألّف في غير واحد من الموضوعات: النقلية والعقلية، كما ألّف في أُصول الفقه تصانيف عديدة ذكرها السيد الأمين في «أعيان الشيعة» نشير إليها:
1. «النكت البديعة في تحرير الذريعة» للسيد المرتضى.
2. «غاية الوصول وإيضاح السبل في شرح مختصر منتهى الوصول» لابن الحاجب.
3. «مبادئ الوصول إلى علم الأُصول» مطبوع في ذيل المعارج للمحقّق.
4. «نهاية الوصول إلى علم الأُصول» في أربعة أجزاء. 1
5. «تهذيب الوصول في علم الأُصول» صنّفه باسم ولده فخر الدين، وهو مطبوع.
وقد كتب عليه شروح وتعاليق مذكورة في أعيان الشيعة. 2

12. عميد الدين الأعرجي (المتوفّـى عام 754 هـ)

عبد المطلب بن أبي الفوارس بن محمد بن علي الأعرجي الحسيني ابن أُخت العلاّمة الحلّي.
وصفه الشهيد الأوّل بقوله: السيد، الإمام، فقيه أهل البيت (عليهم السلام)في زمانه،

1 . نحتفظ بنسخة منها في مكتبة مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)في قم المقدّسة. وطبعت اخيراً محقّقة فيها .
2 . أعيان الشيعة:5/404.

صفحه 19
عميد الحقّ والدين، أبو عبد اللّه عبد المطلب بن الأعرج الحسيني.
كما وصفه غيره بقوله: درّة الفخر وفريد الدهر، مولانا الإمام الرباني وهو ابن أُخت العلاّمة الحلّي (رحمه الله)وقد ألّف كتباً كثيرة في الفقه وغيره، كما ألّف في أُصول الفقه كتابه «منية اللبيب في شرح التهذيب» 1 لخاله العلاّمة الحلي وقد فرغ منه في الخامس عشر من رجب سنة 740هـ. 2

13. ضياء الدين الأعرجي

هو السيد ضياء الدين عبد اللّه بن أبي الفوارس ابن أُخت العلاّمة الحلّـي وقد شرح كتاب تهذيب الأُصول لخاله وأسماه «النقول في تهذيب الأُصول»، وقام الشهيد بالجمع بين الشرحين وأسماه «جامع البين الجامع بين شرحي الأخوين» .

14. فخر المحقّقين (682 ـ 771هـ)

هو محمد بن الحسن نجل العلاّمة الحلّـي، وقد شرح تهذيب والده وأسماه «غاية السؤول في شرح تهذيب الأُصول».
كان الأمل أن يواكب التأليفُ تقدّمَ العصر ولكن الركب توقّف عن متابعة هذا التطور وأخلد إلى الركود، فلا نكاد نعثر على تصانيف أُصولية بعد شيخنا عميد الدين إلاّ ما ندر كمقدّمة المعالم للمحقّق الشيخ حسن صاحب المعالم، نجل الشهيد الثاني (المتوفّـى 1011 هـ). قد صار محور الدراسة قرابة أربعة

1 . نحتفظ بنسخة من هذا الكتاب في مكتبة مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)في قم المقدّسة. وربما ينسب المنية لأخيه ضياء الدين الأعرجي والنقول في تهذيب الأُصول لعميد الدين. وقد طبع هذا الكتاب محقّقاً في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).
2 . السيد الخوانساري: روضات الجنات: 261.

صفحه 20
قرون وعكف عليه العلماء بالتعليق والشرح.
نعم انصبّت الجهود على تدوين القواعد الفقهية وتنظيمها بشكل بديع نستعرض بعضها:
1. محمد بن مكّي المعروف بـ«الشهيد الأوّل» (734ـ786هـ) الّذي ألّف كتاب «القواعد والفوائد» وقد استعرض فيه 302 قاعدة، ومع الاعتراف بفضله وتقدّمه في التأليف، لم يفصل القواعد الفقهية عن الأُصولية أو العربية، كما لم يرتِّب القواعد الفقهية على أبواب الفقه المشهورة ممّا حدا بتلميذه المقداد عبد اللّه السيوري بترتيب تلك القواعد كما سيوافيك.
2. الفقيه المتبحر والأُصولي المتكلّم مقداد بن عبد اللّه السيوري (المتوفّـى 826هـ) من أكابر رجال العلم والتحقيق، فقد قام بترتيب كتاب القواعد لشيخه الشهيد وسمّاه بـ «نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية» وقد طبع محقّقاً عام (1404هـ).
3. الشيخ الأجل زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد المعروف بـ«الشهيد الثاني» (911ـ966هـ)، ولد في عائلة نذرت نفسها للدين والعلم، وقد ألّف في غير واحد من الموضوعات ومن آثاره كتاب: «تمهيد القواعد» وقد جمع فيه بين فنيّ تخريج الفروع على الأُصول وتخريج الفروع على القواعد العربية، وهو كتاب قلّ نظيره عظيم المنزلة ، طبع مرّة مع كتاب الذكرى للشهيد الأوّل، كما طبع أخيراً محقّقاً في مشهد الإمام الرضا (عليه السلام)، استعرض المؤلِّف فيه مائتي قاعدة وفرغ منها في مستهل عام 958 هـ .
***

صفحه 21

عصر النكسة والركود

ظهرت الأخبارية في أواخر القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر على يد الشيخ محمد أمين الاسترابادي (المتوفّـى1033 هـ) فشنَّ حملة شعواء على الأُصول والأُصوليّين وزيّف مسلك الاجتهاد المبني على القواعد الأُصولية، وزعم انّ طريقة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)وأصحابه تخالف ذلك المسلك، فممّـا قاله في ذم الاجتهاد:
وأوّل من غفل عن طريقة أصحاب الأئمّة (عليهم السلام)واعتمد على فن الكلام، وعلى أُصول الفقه المبنيّين على الأفكار العقلية المتداولة بين العامة، محمد بن أحمد ابن الجنيد العامل بالقياس، وحسن بن علي بن أبي عقيل العماني المتكلم، ولما أظهر الشيخ المفيد حسنَ الظن بتصانيفهما بين أصحابه ـ منهم السيد الأجل المرتضى، وشيخ الطائفة ـ شاعت طريقتهما بين متأخري أصحابنا، حتى وصلت النوبة إلى العلاّمة الحلّي، فالتزم في تصانيفه أكثرَ القواعد الأُصولية من العامة، ثمّ تبعه الشهيدان والفاضل الشيخ علي ـ رحمهم اللّه تعالى ـ . 1
أقول: الأخبارية منهج مبتدع، ولم يكن بين علماء الشيعة إلى زمان ظهورها منهجان متقابلان متضادان في مجال الفروع باسم المنهج الأُصولي والأخباري حتى يكون لكل منهج مبادئ مستقلة يناقض أحدهما الآخر، بل كان الجميع على خطّ واحد، وكان الاختلاف في لون الخدمة وكيفية أداء الوظيفة.

1 . الفوائد المدنيّة: 44، الطبعة الحجريّة.

صفحه 22
يقول شيخنا البحراني: إنّ العصر الأوّل كان مملوءاً من المجتهدين والمحدّثين مع أنّه لم يرتفع بينهم مثل هذا الخلاف ولم يطعن أحد منهم على الآخر بالاتصاف بهذه الأوصاف وإن ناقش بعضهم بعضاً في جزئيات المسائل. 1
والعجب انّ الشيخ الاسترابادي (رحمه الله)استدلّ على انقسام علماء الإمامية إلى أخباريّين وأُصوليّين بأمرين:
1. ما ذكره شارح المواقف، حيث قال:
كانت الإمامية أوّلاً على مذهب أئمّتهم حتى تمادى بهم الزمان فاختلفوا وتشعّب متأخّروهم إلى المعتزلة وإلى الأخباريين، وما ذكره الشهرستاني في أوّل كتاب الملل والنحل: من أنّ الإمامية كانوا في الأوّل على مذهب أئمّتهم في الأُصول ثمّ اختلفوا في الروايات عن أئمّتهم حتى تمادى بهم الزمان، فاختارت كلّ فرقة طريقة، فصارت الإمامية بعضها معتزلة إمّا وعيدية وإمّا تفضلية، بعضها أخبارية مشبِّهة وإمّا سلفية.
2. ما ذكره العلاّمة في «نهاية الوصول إلى علم الأُصول» عند البحث عن جواز العمل بالخبر الواحد، فقال:
أمّا الإمامية فالأخباريون منهم لم يعولوا في أُصول الدين وفروعه إلاّ على أخبار الآحاد، والأُصوليّون منهم كأبي جعفر الطوسي وغيره وافقوا على خبر الواحد ولم ينكره سوى المرتضى وأتباعه.
لكن كلا الشاهدين أجنبيان عمّا يرومه الأمين.

1 . الحدائق الناضرة: 1 / 167 ـ 170، المقدّمة الثانية عشرة.

صفحه 23
أمّا الشاهد الأوّل: فقد نقله بالمعنى، ولو نقل النصّ بلفظه لظهر للقارئ الكريم ما رامه شارح المواقف، وإليك نصه:...و تشعب متأخّروهم إلى «المعتزلة»: إمّا وعيدية أو تفضيلية (ظ.تفضلية) وإلى «أخبارية» يعتقدون ظاهر ما ورد به الأخبار المتشابهة، وهؤلاء ينقسمون إلى «مشبّهة» يجرون المتشابهات على أنّ المراد بها ظواهرها، و «سلفية» يعتقدون أنّ ما أراد اللّه بها حقّ بلا تشبيه كما عليه السلف وإلى ملتحقة بالفرقة الضالة».
وبالتأمل في نصّ كتاب المواقف يظهر فساد الاستنتاج، وذلك لأنّ مسلك الأخبارية الذي ابتدعه الشيخ الأمين ليس إلاّ مسلكاً فقهياً قوامه عدم حجّية ظواهر الكتاب أوّلاً، ولزوم العمل بالأخبار قاطبة من دون إمعان النظر في الاسناد، وعلاج التعارض بالحمل على التقية وغيرها ثانياً، وعدم حجّية العقل في استنباط الأحكام ثالثاً.
وما ذكره شارح «المواقف» و «الشهرستاني» من تقسيم الشيعة إلى أخبارية وغيرها راجع إلى المسائل العقائدية دون الفقهية، فعلى ما ذكراه فالشيعة تشعّبت في تفسير الصفات الخبرية كاليد والاستواء والوجه وغير ذلك ممّا ورد في الأخبار بل الآيات إلى طوائف ثلاث:مشبِّهة، وسلفية، وملتحقة بالفرق الضالة.
والحكم بأنّ ما ذكره شارح المواقف راجع إلى المسلك الذي ابتدعه الاسترآبادي عجيب جداً مع اختلافهما في موضوع البحث، فأين العمل بظواهر الأخبار في صفاته سبحانه، عن الأخبارية التي ابتدعها الأمين الاسترآبادي في سبيل استخراج الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، مضافاً إلى أنّ مسلكه مبني على أسس وقوائم لم تكن معروفة عند غيره.

صفحه 24
وأمّا الشاهد الثاني أعني ما ذكره العلاّمة، فهو أيضاً لا يمتُ بصلة إلى مسلك الأخبارية المبتدَع، بل هو راجع إلى مسألة خلافية بين علماء الإمامية منذ زمن بعيد، وهو هل الخبر الواحد حجّة في الأُصول كما هو حجّة في الفروع أو لا؟ فالمحدّثون والذين سبروا غور الأخبار، ذهبوا إلى القول الأوّل، و الأُصوليون الذين حكَّموا العقل في مجال العقائد قالوا بالثاني.
فالأخباري في كلام العلاّمة هو ما يمارس الخبر ويدوّنه شأن كل محدّث، لا من يسلك مسلك الأخباريّين في استنباط الأحكام الشرعية.
***
إنّ هذه الفكرة الخاطئة الشاذّة عن الكتاب والسنّة وإجماع الأصحاب الأوائل شغلت بال العلماء من أصحابنا ما يقرب من قرنين، وأضحت تلك البرهة فترة ركود الأُصول وتألق نجم الأخبارية، فترى أنّ أكثر مؤلّفاتهم تعلو عليها صبغة الأخبارية، وهم بين متطرِّف كالأمين الاسترابادي، ومعتدل كالشيخ يوسف البحراني (المتوفّـى 1186هـ) صاحب «الحدائق الناضرة».
ومن سوء الحظ انّ النزاع بين أصحاب المسلكين لم يقتصر على نطاق المحافل العلمية، بل تسرّب إلى الأوساط العامة والمجتمعات، فأُريقت دماء طاهرة وهتكت أعراض من جرّاء ذلك، وقتل فيها الشيخ أبو أحمد الشريف محمد بن عبد النبي المحدِّث النيسابوري المعروف بميرزا محمد الأخباري (1178ـ1233هـ) لمّا تجاهر بذمِّ الأُصوليين قاطبة والنيل منهم، فلقي حتفه عند هجوم العامة عليه عن عمر يناهز 55 عاماً.
بالرغم من الهجوم العنيف الذي شنّه الأمين الاسترابادي وأتباعه على الحركة الأُصولية، نرى أنّ هناك من أخذ بزمام الحركة بتأليف كتب استطاعت حينها أن تصمد بوجه الأخبارية وتذود عن كيانها نذكر منهم:

صفحه 25

15. الفاضل التوني (المتوفّـى 1071 هـ)

هو عبد اللّه بن محمد التوني البشروي. وصفه الحر العاملي بقوله: عالم، فاضل، ماهر، فقيه، صنّف «الوافية» في أُصول الفقه فرغ منها عام 1059 هـ، وقد طبعت وانتشرت وله حاشية على «معالم الأُصول».

16. حسين الخوانساري (المتوفّـى 1098 هـ)

هو المحقّق الجليل السيد حسين بن محمد الخوانساري مؤلّف كتاب «مشارق الشموس في شرح الدروس» وكتابه هذا يشتمل على أغلب القواعد الأُصولية والضوابط الاجتهادية، طرح فيه أفكاراً أُصولية بلون فلسفي.

17. محمد الشيرواني (المتوفّـى 1098هـ)

هو محمد بن الحسن الشيرواني.
له تعاليق على «المعالم» ومصنّفات جمة، مثل حاشية على «شرح المطالع» وأُخرى على «شرح المختصر» للعضدي.

18. جمال الدين الخوانساري (المتوفّـى عام 1121 أو 1125 هـ)

هو المحقق الكبير جمال الدين محمد بن الحسين الخوانساري، له تعليقة على شرح مختصر الأُصول للعضدي كما هو مذكور في ترجمته.
و هذه الكتب ـ المؤلفة في فترة انقضاض الحركة الأخبارية على المدرسة الأُصولية ـ مهّدت لظهور حركة أُصولية جديدة تبنّاها المحقّق الوحيد البهبهاني( 1118 ـ 1206 هـ) الذي فتح بأفكاره آفاقاً جديدة في علم الأُصول.

صفحه 26
إلى هنا تمّت المرحلة الأُولى التي طواها علم الأُصول، وحان استعراض المرحلة الثانية التي هي مرحلة الإبداع والابتكار.

المرحلة الثانية: مرحلة الإبداع والابتكار

ابتدأت هذه المرحلة من عصر المحقّق البهبهاني وامتدت إلى يومنا هذا، مع ما لها من أدوار مختلفة، وإليك بيانها:

19. المحقق البهبهاني (1118 ـ 1206هـ)

كان للأُستاذ الأكبر الشيخ محمد باقر الوحيد البهبهاني دور فعال في إخماد نائرة الفتنة، بالرد القاطع على الأخباريين، وتزييف أفكارهم، وتربية جيل من العلماء والمفكّرين على أُسس مستقاة من الكتاب والسنّة والعقل الصريح، واتّفاق الأصحاب، واستطاع أن يشيِّدَ للأُصولِ أركاناً جديدةً، ودعامات رصينة، فنهض بالأُصول من خموله الذي دام قرنين، مذعناً بانتهاء عصر الركود وابتداء عصر التطور والابتكار.
وبلغت تصانيفه 103 ما بين رسائل مختصرة وكتب مفصّلة، منها: الرسائل الأُصولية، إبطال القياس; إثبات التحسين والتقبيح العقليين; الاجتهاد و التقليد، والفوائد الحائرية، وغيرها.
وبذر البذرة الأُولى لهذه المرحلة التي تلقّفها العلماء بعده بالرعاية حتى أينعت وأثمرت ثمارها على أيدي أساطين من العلماء في غضون ثلاثة أدوار ـ امتازت بها هذه المرحلة عن المرحلة الأُولى ـ وهي :

صفحه 27

الدور الأوّل: (دور الانفتاح)

ابتدأ هذا الدور بنخبة من تلامذة الوحيد البهبهاني وفي طليعتهم:

20. جعفر كاشف الغطاء (1156ـ 1228هـ)

هو الشيخ الأكبر جعفر بن خضر بن يحيى النجفي المعروف بكاشف الغطاء، تلمّذ عند: الشيخ محمد مهدي الفتوني، والمحقّق البهبهاني.
قال عنه شيخنا الطهراني: وهو من الشخصيات العلمية النادرة المثيل، وانّ القلم لقاصر عن وصفه وتحديد مكانته وإن بلغ الغاية في التحليل، وفي شهرته وسطوع فضله غنى عن إطراء الواصفين.
ومن جملة تصانيفه «كشف الغطاء»، و «غاية المأمول في علم الأُصول».1

21. أبو القاسم القمّي (1151ـ 1231هـ)

هو أبو القاسم محمد حسن الجيلاني القمي، تلمّذ عند: المحقّق البهبهاني، والشيخ محمد مهدي الفتوني، ومحمد باقر الهزارجريبي.
حطّ الرحال في قمّ، وعكف فيها على التدريس والتصنيف حتى أصبح من كبار المحقّقين وأعاظم الفقهاء المتبحّرين، واشتهر أمره وطار صيته ولقب بالمحقّق القمّي.
من تصانيفه الأُصولية «القوانين».

1 . لاحظ : الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة: 1 / 248 برقم 506.

صفحه 28

22. السيد علي الطباطبائي (1161ـ1231هـ)

هو السيد علي بن محمد بن علي الطباطبائي، يعرفه الرجالي الحائري بقوله: ثقة، عالم، جليل القدر، وحيد العصر، ومن تآليفه في الأُصول: «رسالة في الإجماع والاستصحاب»، وتعليقة على معالم الدين، وتعليقة على مبادئ الوصول إلى علم الأُصول.1

الدور الثاني: (دور النضوج)

ابتدأ هذا الدور بتلاميذ خرّيجي مدرسة البهبهاني، فقاموا بوضع صياغة جديدة للأُسس الأُصولية من منظار جديد وعلى رأسهم:

23. محمد تقي بن عبد الرحيم الاصفهاني (المتوفّى 1248هـ)

هو محمد تقي بن عبد الرحيم الطهراني الاصفهاني عالم جليل، محقّق، له: «شرح الوافية»، و «شرح طهارة الوافي» من تقرير أُستاذه بحر العلوم، و «حاشية على المعالم».2

24. شريف العلماء (المتوفّـى 1245 هـ)

هو الشيخ الجليل محمد شريف الآملي المازندراني المعروف بشريف العلماء، وكفى به فخراً أنّ الشيخ مرتضى الأنصاري ذلك النجم اللامع في سماء الأُصول، ممّن استسقى من فيّاض علمه، وقد بقيت من آثاره العلمية رسالة «جواز أمر الآمر مع العلم بانتفاء الشرط».

1 . تجد ترجمته في مقدّمة كتاب «رياض المسائل» الذي طبع عام 1412 هـ .
2 . أعيان الشيعة: 9/198.

صفحه 29

25. محمد حسين بن عبد الرحيم الاصفهاني (المتوفّى 1261هـ)

الفقيه الأُصولي الشهير، أخذ عن أخيه الشيخ محمد تقي صاحب «هداية المسترشدين»، وعن الشيخ علي بن الشيخ جعفر، قطن كربلاء فرحل إليه الطلاب.
له مؤلفات في الأُصول، منها: «الفصول» أورد فيه مطالب «القوانين» وحلّها واعترض عليها، وهو مشهور.1

الدور الثالث: (دور التكامل)

بلغ فيه علم الأُصول الذروةَ في التحقيق والتعميق والبحث وتطرّقت إليه مسائل جديدة لم تكن مألوفة فيما سبق، ويُعتبر الشيخ مرتضى الأنصاري هو البطل المِقْدام في هذا الحقل حيث استطاع بعقليّته الفذّة أن يشيّد أركاناًجديدة لعلم الأُصول بلغ بها قمّةَ التطور والتكامل.
وأنت إذا قارنت المؤلفات الأُصولية في هذه البرهة مع ما ألّف في المرحلة الأُولى وحتى مستهلّ المرحلة الثانية تجد بينهما بوناً شاسعاً يُتراءى في بادئ النظر كعلمين، وما هذا إلاّ بفضل التطوّر والتكامل الذي طرأ على بِنْية الأُصول بيد هذا العبقري الفذّ ولم يزل ينبوعه فيّاضاً إلى يومنا هذا.

26. مرتضى الأنصاري (1214ـ 1281هـ)

هو مرتضى بن محمد أمين الدزفولي الأنصاري، مؤسس النهضة الأُصولية المعاصرة، قرأ أوائل عمره على عمّه الشيخ حسين من وجوه علماء

1 . أعيان الشيعة:9/233.

صفحه 30
دزفول، ثمّ مكث في كربلاء وتلمّذ عند السيد محمد المجاهد وشريف العلماء، ثمّ عزم على الطواف في البلاد للقاء علمائها، فخرج إلى خراسان مارّاً بكاشان حيث فاز بلقاء النراقي صاحب المناهج وتلمذ عنده نحو ثلاث سنين، ثمّ إلى إصفهان، ثمّ إلى دزفول، ومنها إلى النجف، فحط الرحال فيها، وقد انتهت الرئاسة العلمية فيها آنذاك إلى الشيخ علي بن الشيخ جعفر وصاحب الجواهر، فتلمذ عندهما إلى أن انتهت إليه الرئاسة الإمامية العامة بعد وفاتهما، وكان مجلس درسه يغص بالفقهاء، وقد تخرّج به أكثر الفحول من بعده، مثل: الميرزا الشيرازي، والميرزا الرشتي، والسيد حسين الكوهكمري، والمامقاني، والخراساني. وقد ذاع صيته وانتشرت آثاره في الآفاق.
أمّا مصنّفاته الأُصولية فيعدّ كتابه «فرائد الأُصول» من أهم الكتب الأُصولية التي عوّل عليها قاطبة الأُصوليين من الإمامية في كلّ زمان ومكان، وهذا الكتاب يضم في طياته خمس رسائل أُصولية هي:
1. أحكام القطع.
2.رسالة حجّية الظنّ.
3. أصل البراءة والاشتغال.
4. الاستصحاب.
5. التعادل والترجيح.
وقد طبعت مراراً، وعلق عليها مشاهير العلماء بعده، أخص منهم بالذكر:
الشيخ موسى التبريزي، مؤلف «اوثق الرسائل»، والشيخ محمد حسن الآشتياني، والشيخ محمدحسن المامقاني، والشيخ محمد كاظم الخراساني،

صفحه 31
والشيخ محمد رضا الهمداني.1
إنّ عصر الشيخ الأنصاري كوّن منعطفاً رائعاً في تاريخ علم الأُصول، وقد تخرّج في مدرسته مئات المحقّقين، وأُلّفت عشرات الكتب في الأُصول التي تحمل في طياتها الفكر الأُصولي الذي صاغه الأنصاري، وهذه الكتب بين تأليف مستقل أو تعليقة أو تحشية على فرائد الشيخ الأنصاري، أو على كفاية الأُصول لتلميذه المحقّق الخراساني، أو بين تقرير يمليه الأُستاذ ويكتبه التلميذ أثناء الدرس أو خارجه.
وبما انّ الإفاضة في هذا المجال على ما هو حقّه تورث الإطناب، فلنقتصر على سرد أسماء المشاهير من الأُصوليين في هذا العصر اعتماداً على ما فصلنا ترجمتهم وترجمة تلاميذهم إلى نهاية القرن الرابع عشر في آخر موسوعة طبقات الفقهاء.
و خرج من مدرسته العديد من الفطاحل والعباقرة، وأخص بالذكر منهم:

27. السيد المجدّد الشيرازي (1224ـ 1312هـ)

هو السيد محمد حسن بن محمود بن إسماعيل الحسيني الشيرازي، كان فقيهاً، عالماً، ماهراً، محقّقاً، مدقّقاً، ورعاً، تقياً، انتهت إليه رئاسة الإمامية العامة في عصره، وطار صيته واشتهر ذكره ووصلت رسائله التقليدية وفتاواه إلى جميع الأصقاع.
من مؤلّفاته الأُصولية : رسالة في اجتماع الأمر والنهي، وتلخيص إفادات

1 . أعيان الشيعة:10/117ـ 118.

صفحه 32
أُستاذه الأنصاري، ورسالة في المشتق.1

28. محمد كاظم الخراساني (1255 ـ 1329هـ)

هو المحقّق الكبير الشيخ محمّد كاظم الخراساني الهروي، مؤلّف كتاب «كفاية الأُصول» ويُعدّ كتابه هذا محور البحوث الأُصولية في الحوزات العلمية إلى يومنا هذا.
وقد تخرّج على يديه، نخبة من رجال الفكر والعلماء البارعين في علم الأُصول .

29. الميرزا حسين النائيني (1274ـ1355هـ)

المحقّق البارع الميرزا حسين النائيني له محاضرات قيّمة في الأُصول وقد دوّن آراءه تلميذه البارع الشيخ محمد علي الكاظمي (1309ـ 1365هـ) وقد نشرت باسم «فوائد الأُصول»، كما دوّن تلك الآراء أيضاً تلميذه الآخر المرجع الديني السيد أبوالقاسم الخوئي ونشرت باسم «أجود التقريرات».

30. عبد الكريم الحائري (1274 ـ 1355هـ)

هو الشيخ الكبير عبد الكريم بن محمد جعفر الحائري اليزدي مؤسس الحوزة العلمية في قمّ المحمية، وشيخنا هذا ضمّ إلى عمله وفقهه الجمّ حصافة في العقل ودراية في الحياة، مؤلّف كتاب «درر الفوائد» وكان محوراً لمحاضراته التي ألقاها على طلاب الحوزة العلمية، وقد تخرّج على يديه نخبة من الفطاحل وجيل من الأعاظم، ولو قام باحث بتدوين أسمائهم وسيرتهم لخرج بكتاب مفرد كبير.

1 . أعيان الشيعة:5/304.

صفحه 33

31. ضياء الدين العراقي (1278ـ1361هـ)

الأُستاذ الكبير الشيخ ضياء الدين العراقي صاحب كتاب «المقالات في علم الأُصول» وقد دوّن أفكاره كُلٌّ من العلاّمة الحجّة الشيخ محمد تقي البروجردي ونشرها تحت عنوان «نهاية الأفكار» طبعت في ثلاثة أجزاء، والعالم البارع الشيخ هاشم الآملي (1322ـ1412هـ) في كتاب «بدائع الأفكار».

32. محمد حسين الاصفهاني (1296ـ1361هـ)

المحقّق الكبير الشيخ محمّد حسين الإصفهاني من أعاظم تلاميذ المحقّق الخراساني، وقد تخرّج عليه طليعة من العلماء، منهم: المحقّق العلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي (1321ـ1401هـ)، والسيد المحقّق محمد هادي الميلاني (1313ـ1395هـ). ومن مصنفاته كتاب «نهاية الدراية في شرح الكفاية» طبعت في أربعة أجزاء.

33. السيّد محمد الحجّة الكوهكمري(1301ـ 1372هـ)

أُستاذنا الكبير والفقيه البارع السيد محمّد الحجّة الكوهكمري، تخرّج على أعلام عصره في النجف الأشرف كالسيد الطباطبائي اليزدي، وشيخ الشريعة الاصفهاني، والمحقّق النائيني. لعب دوراً كبيراً في تنشيط حوزتي النجف وقمّ. وتخرّج على يده العديد من الفقهاء والمجتهدين. ودوّن غير واحد من تلاميذه آراءه وأفكاره وأخصّ بالذكر سماحة آية اللّه الحاج علي الصافي الكلبايكاني فقد نشر ما تلقى عنه تحت عنوان «المحجّة في تقريرات الحجّة».

صفحه 34

34. السيد حسين البروجردي (1292 ـ 1380هـ)

هو السيد حسين البروجردي الطباطبائي سيد مشايخنا العظام، تخرّج على أعلام عصره في النجف الأشرف وتردد كثيراً إلى أندية دروس المحقّق الخراساني ونال منه إجازة الاجتهاد (عام 1328هـ) ، وللسيّد البروجردي دور كبير في تنقيح مباني الاجتهاد وأُصول الفقه والرجال، وقد حضرنا درسه سنين طوالاً، وكتبنا شيئاً من تقريراته. له تعليقة على «كفاية الأُصول» في جزئين لم تر النور.

35. السيّد روح اللّه الموسوي الخميني(1320ـ 1409هـ)

المجاهد الكبير قائد الثورة الإسلامية المباركة والذاب عن حياض الإسلام بقلمه ولسانه وما أُوتي من حول وقوة السيّد روح اللّه بن السيد مصطفى الخميني، فقد ربى جيلاً كبيراً في الجامعة الإسلامية ودرّس الأُصول دورة بعد دورة. وقد برز بقلمه الشريف «مناهج الوصول إلى علم الأُصول» في المباحث اللفظية ، و «الرسائل» في المباحث العقلية، إلى غير ذلك، وقد قمنا بتدوين محاضراته الأُصولية ونشرناها تحت عنوان «تهذيب الأُصول» عام 1375ـ 1383 هـ . وله على الإسلام والمسلمين أياد بيضاء تشكر.

36. السيد أبو القاسم الخوئي(1317ـ 1411هـ)

هوالسيّد أبو القاسم بن السيد علي أكبر الخوئي أحد المراجع العظام وزعيم الحوزة العلمية في النجف الأشرف.تخرج على يديه جيل كبير من الفضلاء والمحقّقين، وقد ألقى محاضرات في الأُصول سنين عديدة حتى تجاوزت دوراته عن الخمس. ودوّنت آراؤه عن طريق تلامذته وانتشرت

صفحه 35
بعنوانات مختلفة، وقد تألّق نجمه في علم الأُصول منذ شبابه إلى أوان رحيله.
هذه إلماعة عابرة إلى تاريخ أُصول الفقه عند الشيعة الإمامية وقد اقتصرنا في ذلك على أعلام العصر في كلّ قرن، ولو قمنا بترجمة كلّ من له دور في تنشيط هذا العلم لأحوج الأمر إلى تأليف مفرد.
وفي الختام أرفع أسمى آيات الاعتذار إلى المشايخ الّذين لعبوا دوراً فعالاً في تصعيد نشاط الحركة الأُصولية ولم أُوفق لذكر أسمائهم وتقدير جهودهم، والعذر عند كرام الناس مقبول.
***
ثمّ إنّ كتابنا هذا يشتمل على مقدّمة ومقاصد، والمقدّمة على أُمور، وإليك الخوض فيها واحداً تلو الآخر:

صفحه 36

صفحه 37
المقدّمة:
وفيها أُمور تسعة:
الأمر الأوّل: تعريف علم الأُصول، وبيان موضوعه ومسائله وغايته.
الأمر الثاني: الفرق بين المسألة الأُصولية والقاعدة الفقهية.
الأمر الثالث: تعريف الوضع.
الأمر الرابع: المعاني الحرفية.
الأمر الخامس: علامات الوضع.
الأمر السادس: الجمل الإخبارية والإنشائية.
الأمر السابع: الحقيقة الشرعية.
الأمر الثامن: أسماء العبادات والمعاملات.
الأمر التاسع: المشتق.

صفحه 38

صفحه 39
تعريف علم الأُصول وبيان موضوعه ومسائله وغايته   

الأمر الأوّل

تعريف علم الأُصول وبيان موضوعه

ومسائله وغايته
قد جرى ديدن العلماء في مقدّمة الكتاب على التعرّض لأُمور أربعة:
1. تعريف العلم، 2. بيان موضوعه، 3. الإلماع إلى مسائله، 4. والإشارة إلى غايته.
أمّا الأوّل: فقد عُرّف علم الأُصول بتعاريف أدقّها هي: «القواعد الآليّة التي يمكن أن تقع كبرى لاستنباط الأحكام الكلية الفرعية الإلهية، أو الوظيفة العملية».
والمراد بـ«القواعد الآلية» هو ما ينظر بها إلى الحكم الشرعي وتكون ذريعة إلى استنباطه; فخرجت القواعد الفقهية، فإنّها تتضمن نفس الحكم الشرعي، ولا ينظر بها إلى حكم شرعي آخر بل هي ممّا ينظر فيها.1
كما أنّه دخل بقولنا: «يمكن» الظنون غير المعتبرة كالقياس والاستحسان والظن الانسدادي، فإنّ الجميع قواعد أُصولية تصلح لأن تقع في طريق

1 . والأوّل كقولنا: الخبر الواحد حجّة، فيقع ذريعة لاستنباط الحكم الشرعي بخبر زرارة الدالّ على وجوب شيء أو حرمته.
والثاني كقولنا: كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر، وهو يتضمن نفس الحكم الشرعي، وسيوافيك التفصيل في الأمر الثاني.

صفحه 40
الاستنباط، لكن أحجم الشارع عن إعمالها.
وخرج بقولنا: «تقع كبرى» مسائلُ سائر العلوم التي ليس لها هذا الشأن.
كما دخل بقولنا:«الوظيفة العملية» ما إذا انتهى المجتهد إلى استنباط الوظيفة الفعلية، لا استنباط الحكم الشرعي، كما هو الحال في حكم العقل بالبراءة عند الشكّ في أصل التكليف، وحكمه بالاحتياط عند العلم بالتكليف والشكّ في المكلّف به، فكلا الحكمين، أعني: البراءة والاحتياط في الموردين وظيفة عملية لدى الشكّ، لا حكم شرعيّ واقعي.
بقي في المقام علم اللغة الذي ربما يقع في طريق الاستنباط كالعلم بمعنى «الصعيد» و«المفازة» و «الوطن»، فربما يقال: إنّه يخرج بقيد الآليّة، فإنّه ليس آلة للاستنباط وإن كان ربما يترتب عليه، فإنّ الغاية من علم اللغة أوسع من ذلك بكثير.
ويمكن أن يقال بعدم دخوله في التعريف حتّى يحتاج إلى الخروج إذ ليس في علم اللغة «قواعد» كلّية، بل هو علم كافل لبيان معاني المفردات، ولا يوصف مثل ذلك بالقواعد.
وبما أنّ مضامين سائر القيود المأخوذة في التعريف واضحة نترك البحث فيها روماً للاختصار.
وأمّا الثّاني: فقد اختلفت كلمة الأُصوليّين في بيان موضوع ذلك العلم، والنظر الحاسم عندنا هو أنّ موضوعه: «الحجّة في الفقه».
فنقول إيضاحاً: قد اشتهر بينهم أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية.
فالشيء الذي يبحث في العلم عن خصائصه وآثاره المطلوبة منه، هو

صفحه 41
الموضوع، والخصائص والآثار المترتبة على ذلك الشيء هي العوارض، وإليك بعض الأمثلة:
1. إنّ موضوع علم الطب هو البدن، والخصائص والآثار المطلوبة منه هي عوارضه من الصحة والمرض.
2. إنّ موضوع علم النحو هو الكلمة والكلام، والآثار المترتبة عليه من الرفع والنصب والجر هي العوارض المترتبة عليها.
3. إنّ موضوع العلم الطبيعي هو الجسم والآثار المترتبة عليه، أعني: الحركة والسكون، والحرارة والبرودة وغيرها هي العوارض الطارئة عليه. إلى غير ذلك من العلوم.
وعلى ضوء ذلك فعلم الأُصول كسائر العلوم له موضوع، وموضوعه هو الحجّة في الفقه، ويمكن استكشاف ذلك (أعني: كون موضوعه هو الحجّة في الفقه) من امعان النظر في الغرض المطلوب من ذلك العلم، فإنّ الغاية القصوى للفقيه هي معرفة الحجج الشرعية أو العقلية سواء أكانت حجّة شرعية للحكم الشرعي أم حجّة للوظيفة العملية كما في مورد الأُصول فيصبح موضوع ذلك العلم هو الحجّة في الفقه.
وأمّا عوارضه أي الخصائص والآثار المترتبة عليه فهي عبارة عن البحث عن تفاصيلها وحدودها وخصوصياتها، حيث إنّ الفقيه يعلم بوجود حجّة بينه و بين ربّه لكن لا يعلم بخصوصياتها على وجه التفصيل فيبحث عن تشخّص «الحجّة في الفقه» بالخبر الواحد أو بالشهرة أو بالإجماع أو بالسيرة أو بالأُصول العملية، فتعيناتها وخصوصياتها هي عوارضها، والبحث فيها يتكفله علم الأُصول.
وبالجملة العلم بالحجّة الإجمالية بيننا وبين ربّنا لا يُسمن ولا يغني من

صفحه 42
جوع ما لم تُعلم حدودها وتعيّناتها، فالعلم الذي يقوم بهذه المهمّة هو علم الأُصول حيث يُحدِّد ويعيِّن حدودَ ذلك الموضوع وخصوصياته وتعيّناته بإحدى الحجج ، كما أنّه ربما ينفي تعيّنها وتحددها كالقياس والاستحسان.
فتلخص من ذلك أنّ الموضوع هو «الحجّة في الفقه» بوجه مطلق غير متعيّن الحدود والخصوصيات، وأمّا العوارض فهي ما يُخرج الموضوع عن الإطلاق ويحدّده ويقيده بإحدى الخصوصيات.
وأنت إذا تفحّصت المسائل الأُصولية تقف على أنّ روح البحث في جميعها يرجع إلى تعيين الحجج على الأحكام الشرعية أو الوظائف العملية، وما من مسألة من المسائل الأُصولية إلاّ ويحتج بها على أحد الأمرين بنحو من الاحتجاج.
وأمّا الثالث: أعني مسائل علم الأُصول فقد تبين ممّا ذكرنا، أنّها عبارة عن المحمولات (العوارض) التي تعرض للموضوع أي الحجّة في الفقه على وجه الإطلاق، فالخصوصيات المحمولة على الموضوع من كونها الخبر الواحد أو الاستصحاب أو غير ذلك هي مسائل ذلك العلم.1
وإن شئت قلت: إنّ الحجّة في الفقه بوصف الإطلاق هي الموضوع، وتعيناتها وتشخصاتها بإحدى الخصوصيات هي المسألة.
وأمّا الرابع: أعني غاية هذا العلم، فقد تبيّن ممّا ذكرنا أنها: تحصيل ملكة استنباط الحجج على الأحكام أو الوظيفة العمليّة.

1 . الحق أنّ المسائل عبارة عن نفس المحمولات المنتسبة إلى موضوعاتها في مقابل من يقول بأنّها عبارة عن المركب من الموضوع والمحمول والنسبة. والتفصيل موكول إلى محلّه.

صفحه 43
الفرق بين المسألة الأُصولية والقاعدة الفقهية   

الأمر الثاني

الفرق بين المسألة الأُصولية والقاعدة الفقهية

قد عرفت أنّ المسألة الأُصولية عبارة عن القاعدة الممّهدة لاستنباط الأحكام الشرعية أو الوظيفة العملية، وعلى هذا فالمسألة الأُصولية تتمّيز بالخصوصيات التالية:
1. أنّها تقع في طريق استنباط الأحكام الشرعية أو الوظيفة العملية.
2. أنّها لا تختص بباب دون باب، كحجية الخبر الواحد التي يُستند إليها في عامّة الأبواب.
3. أنّها لا تتضمّن حكماً شرعياً ولا وظيفة عملية، بل يستنبط منها الحكم الشرعي والوظيفة العملية.
وأمّا القاعدة الفقهية فهي تمتاز بميزتين:
1. أنّها تشتمل على حكم شرعي كلّي أو منتزع من عدّة أحكام، والأوّل كقاعدة الطهارة، والثاني كقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.
2. لا تجري في عامّة الأبواب بل تختص بباب أو بأبواب معدودة، كقاعدة الطهارة وقاعدة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.
وهذه الميزة الثانية هي الغالبة، خرجت منها قاعدتا نفي الضرر والحرج فإنّهما تعمّان جميع أبواب الفقه.

صفحه 44
وأمّا المسألة الفقهية فهي ما يبحث فيها عن أحكام الموضوعات الخاصّة كطهارة الماء ونجاسة الدم، وربما يبحث فيها عن ماهية الموضوعات كماهية الصلاة وأجزائها وموانعها وشرائطها.
هذا هو المختار عندنا وربما تذكر هنا ضابطتان أُخريان:
إحداهما للشيخ الأنصاري، والأُخرى للمحقّق العراقي تطلبان من محلّهما.1

1 . ومن أراد التفصيل فليرجع إلى: المحصول في علم الأُصول: 1 / 43.

صفحه 45
الوضع   

الأمر الثالث   

الوضع

لا شكّ أنّ الإنسان العارف باللغة، إذا سمع لفظ «الماء» ينتقل إلى معناه، أعني: الجسم السيّال الرطب، إنّما الكلام في سبب الانتقال، فهنا احتمالان:
1. وجود الرابطة الذاتية بين اللفظ والمعنى التي تكون سبباً لحضور المعنى. لكنّه احتمال ساقط إذ لازم ذلك، حضور المعنى لكلّ من سمع اللفظ سواء كان عارفاً باللسان أم لا.
2. أنّ سبب الحضور، هو وضع الواضع اللفظ للمعنى، وبما أنّ الوضع أمر اعتباري تكون العلقة الحاصلة بين اللفظ والمعنى كذلك، غير أنّهم اختلفوا في تفسير حقيقة ذلك الأمر الاعتباري.
فذهب المحقّق النهاوندي (المتوفّى 1317هـ) إلى أنّ حقيقة الوضع ليس إلاّ التعهد بذكر اللفظ عند إرادة تفهيم المعنى، وتبعه عدّة من الأعلام منهم المحقّق الخوئي، قال: الوضع عبارة عن الالتزام النفسي بإبراز المعنى الذي تعلّق قصد المتكلّم بتفهيمه بلفظ مخصوص.1
يلاحظ عليه: مضافاً ـ إلى استلزامه أن يكون كلّ مستعمل واضعاً لصدق حدّه عليه ـ : أنّ التّعهد، أو الالتزام النفسي غير داخل في حقيقة الوضع، بل هو من دواعيه، الخارجة عن حقيقة الشيء، فيكفي في تحقّق الوضع «جعل اللّفظ في مقابل المعنى» بداعي الانتقال إليه عند التكلّم كما هو الحال في سائر الدول كعلامات المرور في الشوارع، فلا فرق بين وضع الألفاظ ونصب العلامة على رأس الفرسخ، فالوضع في الجميع على نسق واحد، فليس عمل ناصب العلامة

1 . أجود التقريرات: 1/12، ولاحظ : المحاضرات: 1/48.

صفحه 46
على رأس الفرسخ إلاّ وضعها عليه بداعي الانتقال من رؤيتها إليه من دون تعهّد منه.
ويدلّ على ذلك أنّ الملموس في المجامع العلمية المختصّة لوضع الألفاظ للمعاني المستحدثة، غير ذاك فإنّ الأخصّائيّين من علماء اللغة، ليس لهم شأن إلاّ تعيين الألفاظ في مقابل المعاني، ولا يخطر ببالهم عند الوضع غير هذا، وأمّا التزام الواضع بأنّه متى أراد تفهيم المعنى، يتكلّم بهذا اللّفظ فهو من دواعي الوضع وليس نفسَه ولا جزءه.
فالحقّ أن يقال: إنّ وضع الألفاظ للمعاني، أمر اعتباري يُعلم كنهه من حال سائر العلامات والدوال التي تضعها إدارة المرور للانتقال إلى وظائف خاصّة، ككون الدخول في الشارع مجازاً أو ممنوعاً، فإنّ ماهية جعل تلك الدوال ليس إلاّ جعلها للانتقال إلى مقاصد خاصّة، فيكون وضع الألفاظ أيضاً من هذه المقولة، ويعرف بأنّها «جعل اللفظ في مقابل المعنى» بداعي الانتقال إليه عند سماعه; أو «تعينه علامة على المعنى بسبب كثرة الاستعمال». والأوّل كما في الوضع التعييني، والثاني كما في الوضع التعيّني.
ثمّ إنّ وضع اللفظ في مقابل المعنى أو استعماله فيه بداعي الوضع1 ـ كما إذا قال: إئتني بولدي الحسن بداعي تسميته به ـ عمل اختياري صادر من الفاعل المختار الذي لا يرجِّح أحد الطرفين إلاّ بمرجّح. وامّا ما هو المرجّح لاختيار لفظ خاص على سائر الألفاظ، فيختلف حسب اختلاف المقامات.
لكن التتبع يكشف عن أنّه يُستند في تسميّة الحيوانات إلى أصواتها كالهدهد، والبوم، والحمام، والعصفور، والهرّة. كما يستند في حكاية الأفعال

1 . يأتي الكلام فيه في مبحث وضع الفاظ العبادات، فانتظر.

صفحه 47
والحركات إلى أصواتها كالدقّ والدكّ والشقّ، والكسْر، والصرير، والدَويّ والنهيق. ولأجل ذلك يمكن أن يقال: إنّ كلّ إنسان في الأدوار السالفة، كان ينتخب لإبراز ما في ضميره ألفاظاً يرى وجود مناسبة خيالية أو وهمية بينها وبين معانيها، كالمشابهة في الشكلّ والهيئة وغير ذلك من المناسبات ، فها هو لفظ (الهيولى) يستعمله العرف الخاص في الموجود المُخيف والمَهيب لمناسبة يرى أنّها موجودة بين اللّفظ والمعنى .
وقد جرّبنا ذلك في بعض الأطفال فرأيناهم يخترعون لبعض الأشياء والمعاني عند الحكاية عنها ألفاظاً مهملة، لمناسبة خيالية بينهما عندهم، وربما يكون هذا هو السرّ لتكثّر الألفاظ وتكامل اللغة من دون أن يكون هناك وضع تعييني، ولعلّ هذا هو مقصود من قال بوجود العلقة بين اللفظ والمعنى، لا ما هو المعروف عن قائلها من رابطة ذاتيّة بينهما، فلاحظ.

أقسام الوضع

إذا كان الوضع بمعنى «جعل اللّفظ في مقابل المعنى» فلابدّ حينَه من تصوّر اللفظ أوّلاً، والمعنى ثانياً، أمّا الأوّل فواضح، وأمّا الثاني فله أقسام:

1. الوضع العام والموضوع له العام

وهو أن يتصوّر المعنى الكلّي بلا واسطة ويضع اللّفظ عليه، كوضع لفظ الإنسان للحيوان الناطق.

2. الوضع الخاصّ والموضوع له الخاصّ

وهو أن يتصوّر المعنى الجزئي مباشرة ويضع اللّفظ عليه كما في الأعلام.

صفحه 48

3. الوضع العام والموضوع له الخاصّ

وهو أن يتصوّر المعنى الجزئي من خلال العنوان الكلّي المنطبق عليه، كتصوّر المعاني الجزئية للابتداء من خلال تصوّر مفهوم الابتداء الكلّي ويضع اللّفظ على مصاديقه.

4. الوضع الخاصّ والموضوع له العام

وهو أن يتصوّر المعنى الكلّي من خلال تصوّر الفرد ويضع اللّفظ على المعنى الكلّي.
لا شكّ في وقوع الأوّلين، إنّما الكلام في الثالث والرابع فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى إمكان الثالث وامتناع الرابع، وقال في وجههما ما هذا توضيحه:
إنّ العام باعتبار أنّه كلّي يصلح لأن يكون مرآة لأفراده وآلة للحاظ مصاديقه لوضوح كون العام حاكياً عن المصاديق التي تحته، وعندئذ يصحّ أن يتصور الواضع المفهوم العام ويجعله مرآة لأفراده التي يشملها ثمّ يضع اللفظ بازاء تلك الأفراد.
مثلاً: إذا تصوّر الواضع «المفرد المذكر» على النحو الكلّي من دون لحاظ الخصوصيات ومشخصات الأفراد، ثمّ وضع لفظ «هذا» لكلّ فرد ومصداق من ذلك الكلّي، فعندئذ يكون الوضع عامّاً ـ لكون الملحوظ عامّاً ـ والموضوع له خاصّاً لأنّ المفروض أنّه عبارة عن الأفراد الخارجية والمصاديق العينيّة.
هذا في الوضع العام والموضوع له الخاصّ، وأمّا القسم الآخر أي الوضع الخاصّ والموضوع له العام، فوجه امتناعه أنّ الملحوظ إذا كان خاصّاً (كزيد)

صفحه 49
فهو بما أنّه متشخص بخصوصيات، لا يصدق إلاّ على مصداق واحد ولا يحكي عن المعنى العام، حتّى يوضع اللفظ بازاء ذلك المعنى العام.
مثلاً: إذا تصوّر الواضع مفهوم «زيد» الذي هو علم لشخص معيّن فلا يتصور أن يضع لفظ الإنسان إزاء المعنى العام كالحيوان الناطق بواسطة ذلك الملحوظ الخاصّ لأنّه لا يحكي عن المعنى العام حتّى يوضع اللفظ له، ومن المعلوم أنّ الواضع ما لم يتصور الموضوع له بنحو من الأنحاء لا يمكن له أن يضع اللفظ بإزائه.
يلاحظ عليه: بأنّ الخاصّ بما هو خاصّ كما لا يكون مرآة للعام ولا يمكن تصوره من خلال تصور الخاصّ، كذلك لا يمكن تصور الخاص من خلال تصوّر العام، وذلك لأنّ العام لم يوضع إلاّ لنفس الحقيقة المعرّاة من كلّ قيد وشرط، فعندئذ كيف يمكن أن يكون مرآة للخصوصيات والجزئيات؟ فإنّ المرآتية فرع الوضع والمفروض أنّه وضع للمعرّاة عن الخصوصية.
وبذلك ظهر أنّه لا فرق بين الثالث والرابع في امتناع الحكاية والمرآتية، فالعام لسعته لا يحكي عن الجزئيات، والخاصّ لضيقه لا يحكي عن الحقيقة المجرّدة المعرّاة عن كلّ قيد.
والحقّ أن يقال: إنّ القسمين مشتركان في الامتناع على وجه وفي الإمكان على نحو آخر، فلو قلنا بأنّه يشترط أن يكون الملحوظ عند الوضع حاكياً عن الموضوع له، ومرآة له فهو غير ممكن في القسمين لما عرفت من أنّ عنوان العام كالإنسان لا يحكي إلاّ عن حيثية الإنسانية دون ما يقارنها من العوارض والخصوصيات لخروجها عن حريم المعنى الكلّي، والحكاية فرع الدخول في الموضوع له.

صفحه 50
كما أنّ عنوان الخاصّ كزيد بما أنّه متشخّص في فرد خاص لا يمكن أن يكشف عن الماهية المعرّاة المجرّدة.
وأمّا لو قلنا بأنّه يكفي في الوضع، الانتقال إلى الموضوع له بأي نحو تحقّق فالظاهر إمكان كليهما، فإنّ الانتقال من تصوّر العام إلى تصوّر مصاديقه أو بالعكس أمر ممكن، فإنّ التداعي ليس رهن الحكاية بل ربما ينتقل الإنسان من الضدّ إلى الضدّ الآخر.
والظاهر أنّه لا يتوقف الوضع على الحكاية والمرآتية بل يكفي العنوان الإجمالي المشير إلى الموضوع له فيكون القسمان كالأوّلين من الأقسام الممكنة.

انقسام الوضع إلى شخصيّ ونوعيّ

قد تقدّم أنّ الوضع يتوقّف على لحاظ اللّفظ أوّلاً ولحاظ المعنى ثانياً، وقد عرفت الثاني على وجه التفصيل، وأمّا الأوّل فربما يكون اللّفظ ملحوظاً بشخصه، فيكون الوضع شخصياً كوضع الأعلام، وربما يكون ملحوظاً بعنوان كلّي ينطبق عليه وعلى غيره فيكون الوضع نوعياً وهذا كأسماء الفاعلين والمفعولين وغيرهما. فإنّ هيئة الفاعل وضعت لمن قام به الفعل بنحو من الأنحاء، ولكن الموضوع ليس هو الهيئة الشخصية القائمة بمادّة «فعل» بل الهيئة النوعية المتحقّقة فيها وفي غيرها، وذلك لأنّ إحضار تمام المواد عند وضع الهيئة أمر صعب للغاية فتوضع الهيئة في ضمن مادّة خاصّة كفاعل ونحوه، ولكن يراد منه كلّ ما كان على هذه الهيئة في ضمن أيّة مادّة تحققت.

صفحه 51
المعاني الحرفية   

الأمر الرابع

المعاني الحرفية

يقع الكلام في الحروف في موضعين:
1. ما هي معانيها ومفاهيمها؟
2. كيفية وضعها.
أمّا الأوّل : فقد عُرِّف المعنى الحرفي بما ذكره ابن الحاجب في
«كافيته» : الاسم ما دلّ على معنى في نفسه، والحرف ما دلّ على معنى في
غيره.
والمراد من قوله: «ما دلّ» هو اللفظ، والضمير في كلّ من: «في نفسه» و «في غيره» يرجع إلى المعنى، وأنّه في حدّ ذاته على قسمين:
قسم يكون مفهوماً محصَّلاً في نفسه، لا يتوقّف تصوّره في الذهن على معنى آخر.
وقسم يكون مفهوماً متحقّقاً في الذهن بتبع غيره.
«فمعاني الأسماء معان مستقلّة ملحوظة بذواتها، ومعاني الحروف معان آلية حيث إنّها تلحظ بنحو الآلية والمرآتية لملاحظة غيرها» .
توضيحه: أنّ الغاية من وضع الألفاظ سواء أكان بالوضع التعييني أم التعيّني، هي رفع الحاجة وإظهار ما يقوم في النفس من المفاهيم والمعاني التي

صفحه 52
ينتقل إليها الذهن من طرق الحواس وغيرها من أدوات المعرفة ولمّا كانت النشأة الخارجية على أقسام، كانت المفاهيم المتّخذة منها على غرارها، ذاتَ أقسام.
إنّ الإنسان إذا أجال نظره في صحيفة الوجود يجد أنّ هناك أقساماً من الحقائق:
الأوّل: ما هو مستقل ذاتاً وماهيّة، كما هو مستقل خارجاً ووجوداً، كالجواهر كلّها. وهذا ما يعبر عنه بـ «ما وجوده في نفسه لنفسه» ويشير قولهم: «في نفسه» إلى كونها ذات مفاهيم مستقلة، كما يشير قولهم:«لنفسه» إلى كونها غير ناعتة على خلاف الأعراض المتأصّلة.
الثاني: ما هو مستقل ذاتاً وماهيّة، غير مستقل خارجاً ووجوداً، وهذا كالأعراض مثل البياض والسواد، فانّ لكلّ مفهوماً مستقلاً، فيعرّف الأوّل بأنّه نور مفرّق لنور البصر، والثاني بأنّه نور قابض لنور البصر لكنّه غير مستقل في عالم الوجود حيث لا يوجد إلاّ في الموضوع. وناعتاً وواصفاً له .
الثالث: ما هو غير مستقل ذاتاً ووجوداً، فهو اندكاكيّ المعنى كما هو اندكاكيّ الوجود، فمفهومه فان في غيره كما أنّ وجوده في الخارج كذلك. وهذا ما يسمّى بـ«الوجود الرابط» و«المعنى الحرفي» فهو لا يتصوّر إلاّ تبعاً للمعنى الإسمي، كما لا يتحقّق إلاّ مندكاً في الغير، وهذا نظير قولنا: زيد في الدار، فكلّ من «زيد» و«الدار» من المعاني الاسمية أمّا كونه فيها فهو من المعاني الحرفية، إذ لا يتصوّر الكون إلاّ مضافاً إلى زيد والدار، كما لا يتحقّق إلاّ بهما، فالكون قائم بهما تصوّراً وخارجاً، ولو أردنا إضفاء الاستقلالية لهذا المعنى الحرفي لزم انسلاخه عن حقيقته، فالمعنى الحرفي من أضعف مراتب الوجود.

صفحه 53
وبما انّ وضع لفظ لمعنى يتوقف على تصوّره، والمعاني الحرفية لا يمكن تصوّرها وإلاّ لانسلخ عن المعنى الحرفي وانقلب إلى المعنى الاسمي، فيُحتال في مقام الوضع، بملاحظة المعاني الاسمية كالابتداء والانتهاء ويوضع اللّفظ لا بإزائها بل بإزاء مصاديقها الخارجية التي هي معان حرفية.
فلفظة «مِن» موضوعة لمصداق الابتداء لا لمفهوم الابتداء الكلّي وإلاّ ينقلب المعنى الحرفي اسمياً، فالمحكيّ بلفظة «من» في قولك: «سرت من الكوفة إلى البصرة» ليس هو مفهوم الابتداء بل مصداقه الخارجي الذي لا يتحقّق إلاّ بطرفيها، أعني: «السير»و «الكوفة».1
نعم هناك حروف ربما لا تنطبق عليها ما ذكرنا من الضابطة، وهذا نحو «واو» الاستئناف و«تاء» التأنيث في «ضربتْ» و «قد» في الفعل الماضي، فالأولى عدّها علامات لا حروفاً.
هذا كلّه حول الأمر الأوّل.

كيفية وضع الحروف

وأمّا الثاني، أعني كيفية وضعها، فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ وضع الحروف من قبيل الوضع العام والموضوع له الخاصّ، فإنّ الواضع لاحظ المعنى الاسمي، فوضع اللّفظ بازاء مصاديقه التي هي معان حرفية.
فإن قلت: إذا كان الملحوظ معنى اسمياً فلابدّ أن يكون مصداقه أيضاً

1 . وما ذكرناه هو المعروف بين الأُدباء في معاني الحروف، وهناك نظريات أُخرى كنظرية المحقّق الرضي في شرح الكافية:10، ط مصر، التي اختارها المحقّق الخراساني، ونظرية المحقّق صاحب الحاشية، ونظرية المحقّق النائيني وتلميذه المحقّق الخوئي، وقد بسطنا الكلام في نقد هذه النظريات في محاضراتنا الأُصولية المدونة باسم «المحصول»:1/62ـ68.

صفحه 54
كذلك، فحينئذ كيف يصحّ أن يقال: إنّ الواضع لاحظ المعنى الاسمي ووضع اللفظ بازاء مصاديقه التي هي معان حرفية، مع أنّ مصداق كلّ شيء بحسبه.
قلت: إنّ المعاني الاسمية على قسمين:
1. ما يتمتع بالاستقلال تصوّراً ومصداقاً، لحاظاً وتطبيقاً، وذلك كاسماء الأجناس مثل الإنسان، فله مفهوم مستقل كما أنّ له مصداقاً كذلك عند التطبيق على الخارج.
2. ما يتمتع بالاستقلال في مقام التصوّر واللحاظ دون التطبيق على الخارج وذلك كمفهوم الابتداء أو الانتهاء فإنّهما من المفاهيم الاسمية فيخبر عنهما كما يخبر بهما ويقال: الابتداء خبر من الانتهاء، ولكنّهما عند التطبيق لا ينطبقان إلاّ على الموجود القائم بالغير المندك فيه، من السير والقراءة والكتابة وغيرها، وهذه خصيصة هذا القسم من المعاني الاسمية.
فالابتداء عند اللحاظ والتصور يتجلى بصورة مفهوم اسمي وعند التطبيق على الخارج يتحقّق في معنى قائم بالغير، كالابتداء المندك في السير إلى البصرة وغيره.
إذا عرفت ذلك فاعلم إذا حاول الواضع أن يضع لفظاً لمصاديق الابتداء والانتهاء فلا محيص له من تصور تلك المصاديق ولو إجمالاً فعندئذ يلاحظ تلك المصاديق من خلال ذينك المفهومين الاسميين ويقول: وضعت لفظة «مِن» أو لفظة »إلى» لما ينطبق عليه لفظ الابتداء أو يصدق عليه الانتهاء في الخارج.
فاتضح بما ذكرنا أمران:

صفحه 55
1. أنّه ربما يكون المفهوم اسمياً، وما ينطبق عليه معنى حرفياً.
2. أنّ الواضع في وضع الحروف يلاحظ الحقائق الحرفية من خلال المفاهيم الاسمية.
ثمّ إنّ المعاني الحرفية على قسمين:
1. معان حاكية. 2. معان ايجادية.
فالقسم الأوّل يحكي عن معنى متحقق في الخارج، مثل قولك: سر من البصرة إلى الكوفة.
والقسم الثاني موجد للمعنى بنفس الاستعمال، كالنداء في قولك: يا زيد.
***

صفحه 56
علائم الوضع   

الأمر الخامس

علائم الوضع

ذكر المشهور لتمييز الموضوع له عن غيره علائم نذكر منها ما يلي:

الأوّل: التبادر

إنّ سبق المعنى من اللّفظ إلى الذهن بلا قرينة ، دليل على أنّه هو الموضوع له، والمعنى المجازي وإن كان ينسبق إليه أحياناً لكنّه يتبادر بمعونة القرينة.
وقد أُشكِل على كون التبادر علامة الوضع بالدور وحاصله:
إنّ العلم بالوضع متوقّف على التبادر، وهو متوقّف على العلم بالوضع، إذ لولا العلم بأنّ اللّفظ موضوع لذلك المعنى، لما تبادر.
والجواب: أنّ المراد من التبادر في المقام، هو التبادر عند المستعلم الذي هو من أهل اللسان وقد نشأ بينهم منذ نُعومة أظفاره إلى أنّ شبّ وشاب، وعندئذ العلم التفصيلي بالوضع موقوف على التبادر عند ذاك الشخص، ولكنّ التبادر عنده غير موقوف على ذلك العلم التفصيلي، بل يكفي العلم الإجمالي الارتكازي للوضع حيث إنّ المستعلم من أهل اللغة، له علم بالوضع منذ نشأ بين أهل اللّسان وإن لم يكن ملتفتاً إلى علمه هذا.
وبالجملة: العلم التفصيلي بالوضع موقوف على التبادر، والتبادر موقوف على العلم الارتكازي الحاصل للإنسان الناشئ بين أهل اللغة من لدن صباه وإن كان غير ملتفت إلى علمه بالوضع.

صفحه 57
وهذا النوع من العلم الإجمالي لا صلة له بالعلم الإجمالي المبحوث عنه في باب البراءة والاشتغال.
هذا إذا كانت الحجّة للمستعلم تبادرَ نفسه الذي هو من أهل اللسان، وأمّا إذا كانت الحجّة للمستعلم، تبادرَ الغير فهو كما إذا كان المستعلم من غير أهل اللسان ورأى أنّه كلّما يطلق الماء يتبادر عند بعض أهل اللسان، الرطب السيّال، فهو أيضاً غير مستلزم للدور، لأنّ العلم التفصيلي للمستعلم متوقّف على التبادر بين بعض أهل اللسان، والتبادر لديه يتوقّف على علمه الارتكازي بكون اللّفظ موضوعاً لذلك المعنى. ويحصل ذلك العلم الارتكازي له بنشوئه بين أهل اللسان منذ صباه.1

الثاني: صحة الحمل

إنّ من علامات الوضع صحّة الحمل، توضيحه:
إنّ الحمل على قسمين:
1. حمل أوّلي ذاتي، وهو عبارة عن الوحدة بين المحمول والموضوع

1 . وربما يجاب عن الدور بأنّه لا محل له أساساً، لأنّه مبني على افتراض أنّ انتقال الذهن إلى المعنى من اللّفظ فرع العلم بالوضع مع أنّه فرع نفس الوضع أي وجود عملية القرن الأكيد بين تصوّر اللّفظ وتصوّر المعنى في ذهن الشخص، فالطفل الرضيع الذي اقترنت عنده كلمة «مـامـا» برؤية أُمّه، يكفي نفس هذا الاقتران الأكيد ليتصوّر أُمّه عند ما يسمع كلمة «ماما» مع أنّه ليس عالماً بالوضع إذ لا يعرف معنى الوضع. (لاحظ : دروس في علم الأُصول، الحلقة الثانية: 86).
يلاحظ عليه: أنّه ليس شيئاً جديداً بل هو عبارة أُخرى عن العلم الارتكازي بالوضع، فإنّ مرجع اقتران كلمة «ماما» برؤية الأُمّ، في حياته إلى علمه الارتكازي بالوضع فانّ التقارن الممتد بين لفظ «ماما» ورؤية الأُمّ، يورث الملازمة بينهما عند الطفل فإذا سمع الأوّل من دون الرؤية ينتقل إلى الثانية بلا اختيار، وهذا هو المراد من العلم الارتكازي بالوضع.

صفحه 58
مفهوماً، كما إذا قيل: الحيوان الناطق إنسان.
2. حمل شائع صناعي، وهو عبارة عن اختلاف الموضوع والمحمول مفهوماً والاتحاد مصداقاً ووجوداً، كما إذا قلنا: زيد إنسان.
إذا أردنا أن نتعرّف على أنّ لفظ الإنسان هل هو موضوع للحيوان الناطق، فنجعل المعنى موضوعاً، واللّفظ الذي بصدد استعلام حاله محمولاً، فنقول: الحيوان الناطق إنسان، فنستكشف عن صحّة الحمل مفهوماً، كون الثاني موضوعاً للمعنى المفروض، أعني: الحيوان الناطق. وبعبارة أُخرى: نجعل ما نتصوّر أنّه معنى، موضوعاً للقضية وننظر إليه بما أنّه معنى محض ليس معه لفظ، ونجعل اللّفظ الذي نريد تبيين معناه محمولاً، فيقال: الحيوان المفترس، أسد.
هذا إذا كان اللّفظ والمعنى متمّيزين كما في المثالين، وأمّا إذا لم يكن كذلك كما في المترادفات التي يصلح أن يكون كلّ مبيّناً وموضحاً للآخر، فيجعل المعلوم موضوعاً والمبهم محمولاً، ويقال: المطر هو الغيث وإن جاز العكس.
فكما أنّ صحّة الحمل آية الوضع، فكذلك صحّة السلب آية عدمه، كما إذا قال: الرجل الشجاع ليس بأسد.
هذا كلّه حول الحمل الأوّلي، وأمّا الحمل الشائع الصناعي فيجعل المصداق موضوعاً واللفظ الذي بصدد استعلام حاله محمولاً ويقال : زيد إنسان، لكنّه لا يثبت به كون الموضوع هو الموضوع له للمحمول، وإنّما يُثبت كونه من مصاديق المعنى الذي وضع له المحمول.

صفحه 59
فتحصّل من ذلك أنّ الحمل الأوّلي يثبت كون المعنى هو الموضوع له، لكن الحمل الشائع الصناعي يثبت أنّه مصداق للمعنى الذي وضع له اللّفظ .
ثمّ إنّه أورد على كون صحّة الحمل علامة بأُمور نذكر منها أمرين أحدهما في المتن والآخر في الهامش:
الأوّل: أنّ الاستكشاف والاستعلام حاصل من التبادر الحاصل من تصوّر الموضوع السابق على الحمل، فيكون إسناده إلى الحمل في غير محلّه.1
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه إنّما يرد إذا كان المستعلم عن طريق صحّة الحمل من أهل اللسان، فيتقدّم التبادر عنده على صحّة الحمل، دون ما إذا لم يكن من أهله فليس عنده تبادر حتى يتقدّم على صحة الحمل، ومن صحّ عنده الحمل، بما أنّه ليس بصدد استكشاف المعنى، غافل عن تبادره.
وثانياً: سلّمنا أنّ المستعلم من أهل اللسان لكنّه إنّما يرد إذا كان زمان الاستكشاف مقارناً لزمان الحمل فيسبقه التبادر ويغني عن غيره .وأمّا إذا كان زمان الحمل مقدّماً على زمان الاستكشاف كما إذا ألقى محاضرة واشتملت على أحد الحملين من دون أن يكون بصدد استكشاف المعنى الموضوع له، ثمّ صار بصدد الاستكشاف فرجع إلى خطاباته ومحاضراته ورأى أنّ حمل المحمول بما له من المعنى الارتكازي على الموضوع متلائم جدّاً، فيستكشف أنّ الموضوع الذي حمل عليه اللّفظ، هو المعنى الحقيقي.2

1 . تهذيب الأُصول: 1/58.
2 . الثاني: ما يقال من أنّ صحّة الحمل إنّما تكون علامة على كون المحمول عليه، هو نفس المعنى المراد في المحمول أو مصداق المعنى المراد، امّا انّ هذا المعنى المراد في جانب المحمول هل هو معنى حقيقي للّفظ أو مجازي؟ فلا سبيل إلى تعيين ذلك عن طريق صحّة الحمل، بل لابدّ أن يرجع الإنسان إلى مرتكزاته لكي يعيّن ذلك. (لاحظ : دروس في علم الأُصول: الحلقة الثانية: 87 ).
يلاحظ عليه: هذا الأمر أي كون المعنى المراد في جانب المحمول معنى حقيقي، حاصل من خلال كون الحمل عارياً عن كلّ شرط ويكفي هذا في كون المعنى حقيقياً، بخلاف المعنى المجازي فلا يصحّ الحمل إلاّ مع شرطين:
الأوّل: وجود الادّعاء المصحّح للاستعمال، وانّ هذا المورد من مصاديقه .
الثاني: كون المقام مناسباً لإعمال الادّعاء دونما إذا لم يكن.
وهذان الشرطان متوفران في قوله سبحانه: (وقُلن حاش للّه ما هذا بَشراً إِنْ هذا إلاّ مَلَكٌ كَريم)(يوسف:31) حيث تخيّل للنساء الجالسات انّ فتى امرأة العزيز قد ارتقى من الجمال بمكان صيَّره ملكاً. وبما انّ المفروض كون الحمل فاقداً لكلّ من الشرطين يثبت كون المعنى المراد في جانب المحمول معنى حقيقياً.

صفحه 60

الثالث: الاطراد

الاطراد هو العلامة الثالثة وقد قرر بالنحو التالي:
إذا اطرد استعمال لفظ في أفراد كلّي بحيثية خاصّة، كرجل باعتبار الرجولية في زيد وعمرو مع القطع بعدم تعدّد الوضع، استكشف منه وجود علاقة الوضع بينها وبين ذاك الكلّي، وعلم أنّه موضوع للطبيعي من المعنى.
واحتمال كونه مجازاً لأجل وجود العلاقة، مدفوع بعدم الاطراد في علائق المجاز، فإنّ علاقة الجزء والكلّ ليست مطردة بشهادة أنّه يصحّ استعمال «العين» في المراقب ولا يصحّ استعمال الشعر فيه، ويصحّ استعمال اللسان في الوكيل دون الصدر فيه وغير ذلك.
وأورد عليه المحقّق الخراساني بما هذا توضيحه:
1. أنّ المجاز وإن لم يطّرد في نوع علائقه ومطلق المشابهة، إلاّ أنّه في

صفحه 61
خصوص ما يصحّ معه الاستعمال في المجاز مطّرد كالحقيقة، فاستعمال الجزء في الكلّ مطّرد في خصوص ما إذا كان للجزء دور خاص في المورد، كالمراقبة في العين، والتبيين في اللسان، والعمل في اليد.1
يلاحظ عليه: أنّ المجاز غير مطّرد حتى في صنف العلاقة الذي وصفه لما عرفت من أنّ صحّة المجاز وراء العلاقة قائمة بأمرين:
أ. حسن الادّعاء.
ب. كون المقام مناسباً لإظهار هذا الادّعاء.
وعلى ذلك فالمجاز غير مطّرد حتى في صنف العلائق بل يتوقّف ـ مضافاً إلى صنف العلاقة ـ على توفُّر الشرطين المذكورين ولذا لا يصحّ استعمال الأسد في الرجل الأبخر لعدم حسن الادّعاء، كما لا يصحّ نداء الرجل الشجاع بلفظ يا أسد إذا لم يكن المقام مناسباً لإظهار الادّعاء، كما إذا كان النداء لأجل تناول الطعام.
هذا كلّه حول تقرير القوم.
ولكنّ التحقيق أنّ العلامة المفيدة التي يدور عليها كشف الحقيقة وتمييزها عن المجاز هو هذه العلامة ولكنّ القوم ـ أنار اللّه برهانهم ـ لم يعطوا للمسألة حق النظر، ولو أمعنوا فيها لأذعنوا بأنّه من أنجع العلائم وأشملها، وذلك أنّ الجاهل باللغة إذا أراد أن يعرف معاني اللغات الأجنبية من أهل اللسان، فليس له طريق إلاّ الاستماع في مقامات مختلفة لمحمولات عديدة على موضوع واحد، كما إذا رأى أنّ الفقيه يقول: الماء طاهر ومطهّر، أو قليل أو كثير،

1 . كفاية الأُصول: 1/28ــ 29.

صفحه 62
و الكيمياوي يقول: الماء رطب سيال، والفيزياوي يقول: الماء لا لون له، ورأى اطراده في الموضوع الخاص، يحدس أنّ اللفظ موضوع على ما استعمل فيه في هذه الموارد، لأنّ المصحّح: إمّا الوضع أو العلاقة، والثاني لا اطراد فيه والمفروض أنّه مطّرد، فتعيّن الأوّل.
وهذا هو الطريق الرائج في تحصيل معاني اللغات، وعلى ذلك بُني منهج التفسير البياني في تحقيق كلمات الذكر الحكيم، حيث يتتبَّع موارد استعمال اللفظ في القرآن إلى استخراج المعنى الحقيقي له.
وقد ذكرنا لذلك مثالاً في كتابنا «الموجز» 1، فلاحظ.

الرابع: تنصيص أهل اللغة

قد ذكروا أنّ تنصيص أهل اللغة من أسباب التعرّف على الوضع وتمييز الحقيقة عن المجاز.
وقد استشكل عليه بأنّ ديدن أهل اللغة بيان المستعمل فيه لا الموضوع له، فترى أنّهم يذكرون للفظ القضاء معاني مختلفة وللوحي معاني كثيرة مع أنّهما ليسا من المشترك اللفظي، فلا يكون تنصيص أهل اللغة علامة للوضع.
أقول: إنّ علماء الأُصول لم يُولُوا هذا الموضوع أهمية نظيره في الاطراد، ويعلم ذلك من خلال النقاط التالية:
1. أنّ المعاجم والقواميس ليست على نحو واحد، فليس الجميع على ما وصفوه من ذكر موارد الاستعمال، بل هناك مَنْ تطرّق إلى تمييز المعنى الحقيقي عن المجازي، والمعنى الأصلي عن المعاني المتفرعة منه، وقد ألّف

1 . الموجز في أُصول الفقه: 12 ـ 13.

صفحه 63
على هذا المنوال كتاب المقاييس لأحمد بن زكريا (المتوفّى 395هـ) وأساس البلاغة للزمخشري (المتوفّى 538هـ)، فالكتابان يعدّان من أحسن ما أُلّف في هذا الباب.
2. أنّ الإمعان حتّى في المعاجم المعروفة المتداولة التي تتكفل لبيان موارد الاستعمال ربما يوصل الإنسان الذكي إلى تمييز المعنى الحقيقي عن المجازي شريطة أن يكون له ذوق لغوي وفطانة خاصّة، مثلاً: إذا رجع إلى «القاموس» يرى أنّه ذكر للفظ القضاء معاني مختلفة وللوحي معاني متنوعة، لكن لو أمعن النظر يقف على أنّ الجميع صور مختلفة لمعنى واحد وهو إتقان العمل، في مورد القضاء، والإفهام بخفاء في مورد الوحي، والباقي صور لهذين المعنيين، ولذلك يجب على الفقيه، ممارسة المعاجم ومطالعتها ـ مع ما فيها من الخلل ـ كمطالعة الكتب الفقهية والأُصولية حتى يخالط علمُ اللغة دمَه ولحمَه، عندئذ يتسنّى له القضاء في اللغة ويميّز المعنى الحقيقي عن المجازي كما هو ديدن الأوائل من علمائنا كالصدوق والمفيد والمرتضى والطوسي والطبرسي، فكانوا ذوي باع طويل في اللغة قبل أن يكونوا فقهاء.
3. أنّ الأوائل من مدوني اللغة كالخليل بن أحمد الفراهيدي (المتوفّى 170هـ) والجوهري (المتوفّى 299هـ) قد أخذوا كثيراً من المعاني من ألسن سكّان البوادي الذين قطنوا الجزيرة العربية، فإذا أخبر الخليل في كتاب العين عما سمعه من سكان البوادي، يُصدَّق كما يصدَّق قوله في النحو والصرف والعروض وغيرها من العلوم العربية.

صفحه 64
الجمل الإخبارية والإنشائية   

الأمر السادس

الجمل الإخبارية والإنشائية

ذهب مشاهير الأُدباء والأُصوليين إلى أنّ دور الصيغ الإنشائية هو دور الإيجاد لمعانيها فإذا قال: زوّجت، فقد أوجد علقة الزوجية بين الزوجين، وإذا قال: بعت بقصد الإنشاء، فقد أوجد علقة الملكية بين البائع والمشتري، وإذا قال: هل قام زيد؟ فقد أنشأ استفهاماً بالحمل الشائع، إلى غير ذلك من الجمل الإنشائية بخلاف الجمل الإخبارية فإنّها بصدد الإخبار عن واقع المعاني المتحقّقة ـ مع قطع النظر عن اللّفظ ـ من دون أن تكون فيها رائحة الإنشاء والإيجاد.
وإن أردت التشبيه فلاحظ معاني الحروف فإنّ قسماً منها حاك عن معنى متحقّق في الخارج، كما إذا قال: سرت من البصرة إلى الكوفة، فالحرفان مشيران إلى الابتداء والانتهاء الآليين المتحقّقين في الخارج قبل تكلمه.
كما أنّ قسماً منها موجد للمعنى من دون أن يكون له واقع وراء الاستعمال كما هو الحال في الخطاب والنداء، فإذا قال: يا زيد، فقد أوجد نداءً وخطاباً بنفس الاستعمال. وهكذا الجمل فهي بين إخبارية تحكي عن شيء وراء الاستعمال، وإنشائية موجدة للمعنى بنفس النطق بها.
هذا هو المشهور، ولأجل المزيد من التوضيح، نقول:
إنّ الزوجية والملكية والرئاسة مفاهيم اجتماعية تدور عليها رحى

صفحه 65
الحياة، إنّما الكلام في كيفية اعتبارها أوّلاً، ثمّ إنشائها وإيجادها في عالم الاعتبار ثانياً. وإليك بيانهما معاً:
نقول: إنّ الإنسان إذا نظر إلى صحيفة الوجود رأى أنّ هناك أشياء مزدوجة يُعدّ كل منها عِدلاً للآخر تكويناً ، كالعينين والأُذنين والرجلين ، هذا من جانب ومن جانب آخر رأى أنّ بين الرجل والمرأة تجاذباً جنسيّاً وعاطفيّاً على نحو تقتضي حالهما أن يجعل كلٌّ عِدلاً للآخر.
وهذا ما يدعو المقنِّن إلى تصوير الرجل والمرأة كالزوجين التكوينيين يتساهمان في الحياة . لكن الزوجية الاعتبارية كالزوجية التكوينية بحاجة إلى جعل متناسب لها، فالزوجية التكوينية لها عامل تكويني يؤثر في خلق الأُذنين واليدين وأمّا الزوجية الاعتبارية فلابدّ لها من عامل اعتباري يُضفي على الرجل والمرأة وصف الزوجية انشاءً واعتباراً ولها أسباب وأدوات، أوضحها هي الألفاظ التي يستعان بها على الجعل والإيجاد في ظرف الاعتبار.
ومنه يعلم حال سائر الأُمور الاعتبارية التي تنشأ بالألفاظ، فمثلاً أنّ الملكية الاعتبارية استنساخ للملكية التكوينية للإنسان بالنسبة إلى سائر أعضائه فيرى نفسه مالكاً لأعضائه ملكية تكوينيّة فتكون مبدأً لاعتبارها في غير واحد من الموارد، كاعتبار المقنّن كون البائع مالكاً للثمن مقابل ما دفع إلى المشتري من المثمن. وبالعكس غير أنّ هذا الاعتبار، أمر ذهني لا يعتبر عند العقلاء إلاّ بإيجادها في خارج الذهن بسبب من الأسباب أوضحها قولهما: بعت واشتريت.
وبذلك يعلم أنّ الأُمور الاعتبارية المنشأة، لها جذور في التكوين فيقتبس المقنِّن ما هو الموجود في التكوين ويعتبره في عالم الاعتبار بين

صفحه 66
الزوجين أو بين المالين، وهكذا سائر الأُمور الاعتبارية.
كما يعلم أنّ الإنشائيات لا توصف بالصدق أو الكذب، وذلك لأنّ الجمل الإنشائية وضعت للإيجاد اعتباراً بالاستعمال والمفروض تحقق السبب أي الاستعمال ويتلوه المسبب.
وما ذكرناه هي النظرية المعروفة ، وهناك نظريّات أُخرى في الفرق بين الإخبار والإنشاء موكولة إلى دراسات عليا.

صفحه 67
الحقيقة الشرعية   

الأمر السابع

الحقيقة الشرعية

إنّ ألفاظ الصلاة والصوم والزكاة والحجّ كانت حقائق لغوية في الدعاء والإمساك والنمو والقصد، غير أنّ المتبادر منها في عصر الصادقين (عليهما السلام)بل قبله أيضاً هو المعاني الخاصّة، فيقع الكلام في كيفية كونها حقائق في هذه المعاني الثانية، فهناك أقوال أربعة:
القول الأوّل: ذهب أبو بكر الباقلاني 1 (المتوفّى سنة 403 هـ) من أكابر الأشاعرة إلى نفي موضوع البحث، وهو أنّ هذه الألفاظ باقية على معانيها اللغويّة وقد استعملت فيها وطُبِّقت على مصاديق، كشف عنها الشارع، فالصلاة بالهيئة المخصوصة من مصاديق الدعاء، والصوم بالنحو المعيّن من مصاديق الإمساك، وأمّا سائر الخصوصيات فقد علمت من دوال أُخر، فهذه النظرية لا تعدّ في الحقيقة قولاً في المسألة لأنّها نافية للموضوع من أساسه.
مضافاً إلى أنّ ادّعاء بقاء الألفاظ في نفس المعاني وانّ المصاديق الفعلية من جزئياتها، من السخافة بمكان، إذ أين الدعاء من الصلاة؟ واشتمالها على الدعاء لا يجعلها من مصاديق الدعاء. ومثلها سائر الألفاظ.

1 . هو أبو بكر محمد الطيّب بن محمد القاضي المعروف بـ«ابن الباقلاني» وليد البصرة، وساكن بغداد، متكلم على مذهب أبي الحسن الأشعري معاصر للشيخ المفيد، توفي عام 403 هـ . وله كتاب «اعجاز القرآن» و«التمهيد» و «الانصاف». لاحظ ترجمته في كتابنا «بحوث في الملل والنحل»:2/311ـ314.

صفحه 68
القول الثاني: إنّما نقلت في لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من معانيها اللغوية إلى المعاني الشرعية بالوضع التعييني أو التعيّني فصارت حقائق في تلك المعاني في عصره.
ثمّ إنّ صيرورتها حقائق شرعية في لسانه يتصوّر لها وجوه ثلاثة:
أ: أن يقوم الشارع بوضعها لها بالوضع التعييني ويخبر الناس بها، وهو بعيد جدّاً.
ب: حصول الوضع التعيّني بكثرة الاستعمال في عصر الرسول، وهو أمر غير بعيد لطول زمان الرسالة.
ج: الاستعمال بداع الوضع كما إذا احتفلت الأُسرة بتسمية المولود الجديد والكل ينظرون إلى كبيرهم، فإذا هو يقول: إئتوني بولدي الحسن، فهو بنفس هذا الاستعمال يسمّيه حسناً، ولعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عندما قال: صلّوا كما رأيتموني أُصلّي، قام بنفس هذا العمل.
وبالجملة أنّ القول الثاني على الوجهين الأخيرين أمر قريب لو لم يكن هناك وجه أصح. كما سيوافيك.
القول الثالث: إنّها استعملت في لسان النبي في تلك المعاني مجازاً ثمّ صارت حقائق فيها في لسان المتشرّعة بعد رحيل الرسول، فهي حقائق متشرعية لا شرعية.
يلاحظ عليه: أنّ عصر الرسالة لم يكن عصراً قصيراً، فقد كان المسلمون في المدينة المنوّرة يصلّون مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في أوقات خمسة والمؤذِّن ينادي في كلّ نهار وليل بقوله: (حيّ على الصلاة) فهل يمكن لنا عدّ هذه الاستعمالات مجازاً مع طول الزمان؟

صفحه 69
فتحصّل من ذلك إنّ القول الأوّل لا يعتدّ به، والقول الثاني أي كونها حقائق شرعية في عصره أقرب من القول الثالث، ولكنّ هناك قولاً رابعاً هو أقوى الأقوال وأسدِّها بل هو المتعيّن، وإليك بيانه.
القول الرابع: إنّ هذه الألفاظ كما كانت حقائق في المعاني اللغوية كذلك كانت حقائق في هذه المعاني الشرعية أيضاً قبل بعثة النبي ونزول القرآن عليه، وذلك لأنّ هذه العبادات لم تكن من ابتكارات الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل كانت موجودة في الشرائع السابقة، ومن البعيد جدّاً أن لا يكون في لغة العرب لفظ يعبّر عن هذه المعاني وقد كان في الجاهليّة حنفاء يصلّون ويحجّون .
و يشهد على ذلك ـ أي كون تلك الحقائق موجودة في الشرائع السابقة ـ الآيات التالية:
قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون).1
وقال تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعلى كُلِّ ضامِر يَأْتينَ مِنْ كُلِّ فَجّ عَمِيق).(2)
وقال تعالى: (قالَ إِنِّي عَبْدُ اللّه آتاني الكِتاب وَجَعَلني نَبِيّاً* وَجَعَلَنِي مُباركاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيّاً).2
وقال تعالى: (وَاذْكُر فِي الكِتابِ إِسْماعِيل إِنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيّاً* وَكانَ يَأْمُرُ أَهلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً).(4)
نعم وجود تلك الماهيات قبل البعثة غير كاف إلاّ إذا انضمّ إليه أنّ العرب

1 . البقرة:183.   2 . الحج:27.
2 . مريم:30ـ31.   4 . مريم: 54 و 55.

صفحه 70
قبل عصر الرسالة كانت عارفة بها وكانت تعبّر عنها بهذه الألفاظ، إذ من البعيد أن لا يكون لها لفظ تشير به إليها.
ويؤيد ذلك أنّ النبي كان يعبّر عن هذه الماهيات بهذه الألفاظ في بدء البعثة، وذلك لأنّ لفظ الصلاة ورد في السور المكية 35 مرة، وكان تشريع الصلاة ليلة المعراج في العام العاشر من البعثة وقد نزلت كثير من الآيات المشتملة على هذه الألفاظ في أوائل البعثة قبل المعراج، كقوله سبحانه في سورة القيامة: (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى * وَلكن كَذَّبَ وَتَولّى)1. وفي
سورة المدثر: (قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّين)(2)، وفي سورة العلق: (أَرَأَيْتَ الّذي يَنهى * عَبداً إِذا صَلّى)2، وفي سورة الأعلى: (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى) 3 ، وفي سورة الكوثر:(إِنّا أَعْطَيْناكَ الكَوثَر* فَصَلِّ لَرَبِّكَ وَانْحَر) 4، إلى غير ذلك من الآيات الواردة في بدء البعثة، الشاملة للصلاة والزكاة الحاكية عن تبادر المعاني الشرعية منها منذ صدع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالرسالة.
وأمّا الثمرة فتظهر في الألفاظ الواردة على لسان النبي بلا قرينة، كما إذا قال: إذا رأيتم الهلال فصلّوا، فعلى القول الثاني يحمل على الحقيقة المعروفة بخلافه على القول الثالث.
وأمّا على القول الرابع فالثمرة معدومة، لأنّها تحمل على الماهية الشرعية على كلّ حال، وإنّما طرحنا المسألة لأجل إيقاف القارئ على سير التشريع على وجه الإجمال.

1 . القيامة:31 و 32.   2 . المدثر: 43.
2 . العلق:9و10.
3 . الأعلى:15.
4 . الكوثر:1و2.

صفحه 71
هل أسماء العبادات والمعاملات موضوعة للصحيح أو للأعمّ؟   

الأمر الثامن

هل أسماء العبادات والمعاملات

موضوعة للصحيح أو للأعمّ؟
ويقع الكلام في مقامين: الأول في اسماء العبادات:
وقبل الخوض في المقصود، نقدّم أُموراً:

الأوّل: في إمكان جريان النزاع على عامّة الآراء

إنّ عنوان البحث يعرب عن أنّ الهدف تعيين ما هو الموضوع له لأسماء العبادات عند الشارع فيصح البحث على أحد المبنيين:
أ: ثبوت الحقيقة الشرعية في لسان الشارع (القول الثاني) في المبحث السابق.
ب: ثبوت الحقيقة العرفية لهذه الألفاظ في الماهيات الشرعية قبل البعثة (القول الرابع).
وأمّا على القول باستعمالها في لسان الشارع مجازاً وصيرورتها حقائق متشرعة فلا ينطبق عليه عنوان البحث. إلاّ إذا تغيّر عنوانه بأن يقال: هل لاحظ الشارع في استعماله، العلاقة بين المعاني اللغوية، والماهيات الشرعية الصحيحة أو لاحظ العلاقة بينها وبين أعمّ من هذه الماهيات.
كما أنّه يجب تغيير عنوان البحث على القول ببقاء الألفاظ على معانيها

صفحه 72
اللغوية وأنّ إرادة الخصوصيات حصلت عن طريق الدوال الأُخر، (كما هو خيرة الباقلاني) بأن يقال: إنّ القرينة التي نصبها الشارع لإفادة الخصوصيات هل كانت دالّة على إرادة المعنى الصحيح أو الأعمّ ويكون الأصل في الاستعمال هو المعنى الذي نُصِبت عليه القرينة في هذا الاستعمال بحيث تحتاج إرادة المعنى الآخر إلى القرينة.
فتلخّص من ذلك أنّ عنوان البحث إنّما يصحّ على القولين الأوّلين دون الأخيرين إلاّ بتغيير عنوانه.

الثاني: في تفسير الصحّة لغة وشرعاً

قد تطلق الصحّة ويراد بها أحد المعنيين:
1. ما يقابل السقم والمرض، فيقال: صحيح ومريض. وعلى هذا فهما أمران وجوديّان، وكيفيّتان عارضتان للشيء باعتبار اتّصافه بكيفية ملائمة أو منافرة.
فالصحيح بهذا المعنى يقابله في العبادات والمعاملات الفاسد.
2. ما يقابل المعيب، فيقال: صحيح ومعيب، وعلى هذا تكون الصحة أمراً وجودياً وما يقابلها أمراً عدمياً. والصحّة بهذا المعنى يقابلها النقص لا الفساد، هذا هو تفسير الصحّة حسب اللغة.
وأمّا حسب الاصطلاح، فالصحّة تارة تقع وصفاً للعبادة أو المعاملة المتحقّقة، فتكون نتيجة الصحّة كون العمل الخارجي مطابقاً لما اعتبره الشارع فيهما ويترتب عليه إسقاط القضاء والإعادة في العبادات، ولزوم الوفاء في المعاملات; وأُخرى تقع وصفاً للعنوان الكلّي منهما، فيقال: ألفاظ العبادات

صفحه 73
والمعاملات وضعت للصحيح منهما، فمعنى وضعها للصحيح في العبادات أن ألفاظها موضوعة لما تمّت أجزاؤها وكملت شروطها، وفي المعاملات ـ على القول بوضعها للأسباب (العقود) ـ أن ألفاظها موضوعة للأسباب الحاوية لتمام الأجزاء والشرائط.
وأمّا على القول بوضع ألفاظها للمعاني المسببية كالملكية والزوجية فيرجع النزاع إلى كونها موضوعة للماهيّة الاعتباريّة بحيث لو وجدت في الخراج لَوُصِفَت بالصحة شرعاً أو وضعت لاعّم منها.1

الثالث: لزوم وجود جامع على القولين

يجب على كلّ من القولين تصوير جامع منطبق على الأفراد المختلفة، للتحرز عن الاشتراك اللفظي، فعلى الصحيحي كالقائل بالأعمّ أن يصوّر جامعاً شاملاً لجميع أفراد الصلاة على اختلافها في الأجزاء والشرائط قلّة وكثرة.
أقول: أنّ تصوير الجامع على القول بالصحيح أمر مشكل، لأنّ لازم كونها موضوعة للأجزاء القليلة هو جواز الاكتفاء بها أوّلاً، وكون الأجزاء الأُخر أمراً خارجاً عنها ثانياً، كما أنّ لازم كونها موضوعة للأجزاء الكثيرة خروج المشتمل على الأجزاء القليلة عن تحت الصلاة. فلا يكون للصحيح إلاّ مصداق واحد.
وأمّا على القول بالأعمّ فتصوير الجامع أمر سهل جدّاً إذ في وسعه أن

1 . ربّما يقال من عدم إمكان تصوير النزاع على القول بأنّ المعاملات موضوعة للمسببات، وذلك لأنّها من الأُمور البسيطة التي يدور أمرها بين الوجود والعدم فلا يتأتى على هذا الفرض النزاع السابق، لأنّ الملكية إمّا موجودة أو غير موجودة، والزوجية إمّا متحقّقة أو غير متحقّقة، فلا معنى للزوجية أو الملكية الفاسدتين. فتأمّل.

صفحه 74
يقول: بأنّ الفاظها موضوعة للأركان، وأمّا الباقي فهو اجزاء للمأمور به وليست جزءاً للمسمى.
وبذلك يعلم أنّ الصحيحي لا محيص له إلاّ جعل الجميع جزء المسمّى، وهو أمر غير ممكن في بادئ النظر لاختلاف الصحيح حسب اختلاف حالات المكلّف من حيث الأجزاء والشرائط، وهذا بخلافه على القول بالأعمّ، فالأجزاء الثابتة (الأركان)على كلّ حال من أجزاء المسمّى والباقي من أجزاء المأمور به.
ولأجل هذا الاشكال قد بذل القوم جهودهم لتصوير الجامع على القول بالصحيح الذي يصدق على جميع المراتب. وذكروا تقريبات حول تصوير الجامع أوضحها ما ذكره سيّدنا الأُستاذ (قدس سره)، وهذه خلاصته:
المركبات الاعتبارية على قسمين:
قسم يكون الملحوظ فيه كثرة معيّنة، كعدد العشرة فإنّها على وجه لو فقد منها جزء تنعدم العشرة.
وقسم يكون على نحو لم تلحظ فيه كثرة معيّنة في ناحية المواد ولا صورة معيّنة في جانب الهيئة.
أمّا في جانب المواد فيصدق اللّفظ ما دامت هيئتها وصورتها موجودة قلّت موادها أو كثرت، وهذا نظير لفظ الدار والبيت، فإنّ الميزان للصدق هي هيئة الدار وصورتها، وأمّا من حيث المادّة، كيفية وكمية فهي لا بشرط، ولذلك يصدق البيت على ما أخذت موادها من الطين أو الآجر أو الحجر أو الحديد أو الاسمنت .

صفحه 75
أمّا في جانب الهيئة فلم تلحظ هيئة معيّنة فيصدق سواء بُنيت على هيئة مربعة أو مثلثة، بنيت على طبقة واحدة أو طبقات، فهو موضوع لهيئة مخصوصة غير معيّنة، فهو لا بشرط من جانب المادّة والهيئة.
إذا عرفت ذلك نقول: إنّ لفظ الصلاة موضوعة لنفس الهيئة اللا بشرط، الموجودة في الفرائض والنوافل قصرها وتمامها، وما وجب على الصحيح أو المريض بأقسامها، فيكفي في صدقها، وجود هيئة بمراتبها إلاّ بعض المراتب التي لا تكون صلاة كصلاة الغرقى، لعدم وجود مواد من ذكر وقرآن وسجود وركوع.1
إذا عرفت امكان تصوير الجامع لكلا القولين فلندخل في الموضوع.

المقام الأوّل

وضع أسماء العبادات للصحيح

استدلّ للقول بوضع أسماء العبادات للصحيح بوجوه:
1. تبادر الصحيح.
2. صحّة السلب عن الفاسد بسبب الإخلال ببعض أجزاء العبادة.
3. الأخبار الظاهرة في إثبات بعض الخواص والآثار للمسمّيات كقوله: الصلاة عمود الدين أو قربان كلّ تقي ممّا يترتب على الصحيح.
وقد نوقشت هذه الأدلّة بوجوه لا حاجة لذكرها.
والأولى أن يستدلّ عليه بأنّ الصلاة ماهية اعتبارية، اعتبرها المعتبر

1 . تهذيب الأُصول: 1/77ـ78.

صفحه 76
لأغراض خاصّة وردت في الكتاب والسنّة، وتلك الأغراض إنّما تترتّب على الصحيح منها دون الأعمّ.
وإن شئت قلت: إنّ الشارع لمّا أراد تهذيب الإنسان وتربيته، من جانب، ومن جانب آخر أنّ ذلك الغرض، إنّما يترتب على العبادة الصحيحة، ومن المعلوم أنّ الفعل يُتحدّد من ناحية العلّة الغائية فلا يكون العمل أوسع من الغرض والغاية المحرِّكة، والمعلول ـ الوضع ـ يتضيّق من ناحية علته الغائية.
وبعبارة أُخرى : أنّ طبيعة الحال تقتضي أن يضع اللّفظ لما تعلق به غرضه ويفي به وهو الصحيح لا الأعمّ، فإنّ الداعي للاعتبار هو الداعي للوضع، فوضع اللفظ لأوسع من الغرض يحتاج إلى داع آخر غير موجود.
نعم الإتيان بما يتعلق به الغرض يقتضي وجود قسم آخر وهو الفاسد، فيطلق عليه الاسم(الصلاة) عناية. ومقتضى ذلك أن يكون الموضوع له هو ما يترتّب عليه الغرض، واستعماله في الفاسد من باب العناية والمجاز.

المقام الثاني

وضع اسماء المعاملات للصحيح

إنّ العبادات من مخترعات الشارع، فيصحّ فيها البحث عن أنّ ألفاظها هل هي موضوعة في الشرع للصحيح أو لأعمّ منه، وأمّا المعاملات فهي من مخترعات العقلاء وهم الذين وضعوا ألفاظ المعاملات في مقابل ما اعتبروه بيعاً أو نكاحاً أو إجارة وليس للشارع فيها دور سوى تحديدها بحدود وقيود، فعلى ذلك فلابدّ من تخصيص النزاع في كونها موضوعة للصحيح فحسب أو

صفحه 77
الأعمّ عند العرف .
ومع القول بإمكان وضعها للأعمّ عند العرف، لكن الدليل السالف الذكر في ألفاظ العبادات هو الدليل أيضاً على أنّ ألفاظ المعاملات عند العرف موضوعة للصحيح لما عرفت من أنّ الغرض يُحدِّد فعل الإنسان فلا يصدر عن الإنسان الحكيم فعل أوسع من غرضه. وبما أنّ المصالح التي تدور عليها رحى الحياة قائمة بالمعاملات الصحيحة وهم أيضاً قد اعتبروها لتلك الغايات فلابدّ أن يُحدَّد عملهم (وضع الألفاظ) بما يناسب الغاية وهي الوضع للقسم الصحيح دون الأعمّ.
إذا عرفت أنّ اسماء العبادات والمعاملات اسماء للصحيح منها لا للأعمّ، يقع الكلام في ثمرات النزاع.

ثمرات النزاع

قد ذكر للنزاع أربع ثمرات نذكرها، واحدة بعد الأُخرى:

الأُولى: عدم صحّة التمسّك بالإطلاق على الصحيح

قد اشتهر أنّ ثمرة البحث هي عدم صحّة التمسّك بالإطلاق عند الشكّ في جزئية شيء على القول بالوضع للصحيح، وصحّة التمسّك به على القول بالأعمّ.
توضيحها: أنّه إنّما يصحّ التمسّك بالإطلاق فيما إذا أحرز صدق الموضوع على المورد وشكّ في مدخلية شيء آخر وراء صدقه، كما إذا أمر المولى بعتق رقبة، وشكّ في اعتبار الإيمان فيها، فحينئذ يتمسّك بالإطلاق في رفع احتمال اعتبار الإيمان، إذ لو كان الإيمان دخيلاً في غرض المولى ـ وراء

صفحه 78
صدق الرقبة ـ لكان اللازم ذكره، وأمّا إذا لم يكن الموضوع محرزاً وصار الشكّ في مدخلية الأمر المشكوك سبباً للشكّ في صدق الموضوع فلا يصحّ حينئذ التمسّك به، كما إذا أمر المولى بالتيمّم على الصعيد وشكّ في معناه وأنّه هل هو خصوص التراب، أو مطلق وجه الأرض من الحجر والجص والنورة وغيرها؟ ففي مثله لا يمكن التمسّك بالإطلاق لدفع احتمال مدخلية التراب، ولا يصحّ لنا القول بأنّه لو كان التراب دخيلاً في صحّة التيمّم كان على الشارع بيانه لاحتمال أنّ الشارع قد بيّن مدخلية التراب في موضوع حكمه باستخدامه لفظ الصعيد الّذي هو موضوع ـ حسب الفرض ـ للصحيح.
ويتّضح على ضوء هذين المثالين : أنّه لو شكّ في اعتبار السورة في صدق الصلاة، فعلى القول بالصحيح وأنّها موضوعة للماهية الجامعة للأجزاء والشرائط، يكون المورد من قبيل المثال الثاني، حيث يشكّ المصلي في أنّ ما أتى به هل هو صلاة أو ليس بصلاة؟ لأنّها موضوعة للصحيحة والشكّ في الصحّة يلازم الشكّ في صدق الموضوع.
وأمّا على القول الآخر أي وضعها للأعمّ من الصحيح فيكون من قبيل المثال الأوّل، لأنّ الموضوع (الصلاة) محرز بحكم كونها موضوعة للأعمّ، سواء أكانت السورة دخيلة في الفريضة أم لا، فإذا لم يدلّ على وجوبها دليل يُتمسّك بالإطلاق وينفى وجوبه.
فصارت الثمرة عدم جواز التمسّك بالإطلاق عند الشكّ في جزئية شيء أو شرطيته للعبادة على القول بالصحيح، وجوازه على القول بالأعمّ.

صفحه 79

نقد الثمرة في العبادات

لكن يمكن أن يقال بصحّة التمسّك على القول بوضعها للصحيح وذلك أنّ لفظة الصلاة موضوعة لنفس الهيئة اللا بشرط الموجودة في الفرائض والنوافل قصرها وتمامها، وفي ما وجب على الصحيح أو المريض بأقسامها فيكفي في صدقها، وجودُ هيئة الصلائيّة بإحدى مراتبها إلاّ بعض المراتب التي لا تكون صلاة كصلاة الغرقى.
كما أنّها من حيث المادّة لم تؤخذ فيها كثرة معينة بل أخذت لا بشرط، ويكفي فيها التكبير والركوع والسجود والطهور وتصدق على الميسور من كلّ واحد منها، ومن المعلوم أنّ هذا المقدار من الموضوع محرز عند الشكّ في جزئية شيء كالسورة أو شرطيته، فلا يكون الشكّ فيهما شكّاً في صدق الموضوع، بل الموضوع محرز، وإنّما الكلام في وجوب الجزء الزائد على الموضوع وهكذا الشرط.
هذا كلّه في العبادات، وأمّا المعاملات فربما يقال بنفس الثمرة وأنّ التمسّك بالإطلاق إنّما هو على القول بالأعمّ دون الصحيح.
توضيح ذلك إذا قال الشارع: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)1، فلو قلنا بأنّ الألفاظ موضوعة للأسباب التامّة من حيث اجتماع الأجزاء والشرائط، ومع ذلك شكّ في جزئية شيء أو شرطيته للأسباب، كتقدّم الإيجاب على القبول وعدمه، فعلى القول بالصحيح لا يصحّ التمسّك بالإطلاق لأنّ مرجع الشكّ فيه إلى الشكّ في صدق الموضوع. ومن المعلوم أنّ التمسّك بالإطلاق فرع إحراز

1 . المائدة:1.

صفحه 80
الموضوع، بخلافه على القول بالأعمّ فانّ الإيجاب إذا تأخّر يتحقّق البيع أو النكاح قطعاً، وإنّما يشكّ في مدخلية التقدّم في صحّته لا في صدقه وكونه جزءاً للمسمّى، وعندئذ يتمسّك بالإطلاق وتنفى شرطية التقدّم.

نقد الثمرة في المعاملات

ويمكن أن يقال بصحّة التمسّك بالإطلاقات حتى على القول بوضعها للصحيح ويكفي في صحّة التمسّك إحراز الموضوع عرفاً، وذلك لأنّ المعاملات مخترعات عرفية، وقد أمضاها الشارع بما لها من المعنى العرفي، غير أنّه أضاف شروطاً أو اعتبر موانع من الصحّة، فعلى ذلك فيمكن استكشاف ما هو المؤثر عند الشارع من خلال ما هو المؤثر عند العرف (إلاّ إذا دلّ الدليل على عدم التطابق)، إذ لو كان المؤثر عنده غير ما هو المؤثر عند العرف لزمه البيان لئلا يلزم نقض الغرض ولغوية الأدلّة الإمضائيّة.
وبعبارة أُخرى: أنّ أسماء المعاملات التي وقعت مورد الإمضاء سواء أكانت اسماً للسبب كما في قوله: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)أم كانت اسماً للمسبّب أي العلقة الحاصلة من الايجاب والقبول كما في قوله سبحانه : (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)1وقوله: «الصلح جائز بين المسلمين»2 ألفاظ واضحة المعاني عند العرف غير أنّ الشارع تصرّف فيها بإضافة قيد أو شرط أو غير ذلك، فإذا كان كذلك يكون الفهم العرفي لهذه الألفاظ طريقاً شرعياً إلى ما هو المعتبر عند الشارع إلاّ ما خرج، وذلك أخذاً بمقتضى الإطلاق، إذ لو كان ما هو السبب المؤثر عنده غير

1 . البقرة:275.
2 . الوسائل: 13، الباب 3 من أبواب كتاب الصلح، الحديث 2.

صفحه 81
ما هو المرتكز في أذهان العرف كما في بيع المنابذة1، أو كان المسبب المعتبر عنده غير المعتبر عند العرف كما في نكاح الشغار،2 كان عليه البيان، وإلاّ تلزم لغوية هذه الإمضاءات التي تصبح مجملات.
وإلى هذا الوجه يشير الشيخ الأنصاري في آخر تعريف البيع حيث يقول:
«وأمّا وجه تمسّك العلماء بإطلاق أدلّة البيع ونحوه، فلأنّ الخطابات لما وردت على طبق العرف حمل لفظ البيع وشبهه في الخطابات الشرعية على ما هو الصحيح المؤثر عند العرف فيستدل بإطلاق الحكم بحله أو بوجوب الوفاء، على كونه مؤثراً في نظر الشارع».3

الثمرة الثانية: عدم صحّة التمسّك بالبراءة على الصحيح

إنّ الثمرة الثانية للبحث هي أنّ الفقيه إذا شكّ في شرطية شيء أو جزئيّته للمسمّى، فعلى القول بالوضع للصحيح يكون الشكّ في شرطية شيء أو جزئيته ملازماً للشكّ في صدق المسمّى، ومعه يجب الاحتياط حتى يعلم أنّه أتى بالمسمّى، بخلاف ما إذا قلنا بالوضع للأعمّ فإنّ الفاقد للمشكوك يكون مصداقاً للمسمّى ويعود الشكّ إلى الشكّ في شرطية شيء زائد على المسمّى أو جزئيته، فيكون الشكّ من قبيل الشكّ في تكليف أمر زائد. ويقع مجرى

1 . وهو بيع إلقاء الحجر أو بيع الحصاة فيحضر الرجل قطيع الغنم فينبذ الحصاة ويقول لصاحب الغنم إنّ ما أصاب الحجر فهو لي بكذا.
2 . نكاح الشغار: أن يزوج الرجل ابنته أو أُخته ويتزوج ابنة المتزوج أو أُخته، ولا يكون بينهما مهر غير التزويجين، لاحظ : الوسائل: 14 ، الباب 27 من أبواب عقد النكاح، الحديث2.
3 . كتاب المكاسب (قسم البيع): 3 / 14 .

صفحه 82
للبراءة، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بالوضع للصحيح.
يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصحّ إذا كان الموضوع له أمراً بسيطاً حاصلاً من الأجزاء والشرائط كعنوان «الناهي عن الفحشاء» فعندئذ يرجع الشكّ في جزئية شيء أو شرطيته إلى صدق الناهي عن الفحشاء وعدمه، وأمّا إذا كان الموضوع له أمراً مركباً ذا أجزاء وشرائط وذا مراتب ـ كما مرّ ـ فيصدق الجامع على الفاقد من الجزء المشكوك ويكون الشكّ في وجوب أمر زائد والمرجع عندئذ البراءة.
والحاصل: أنّه إذا كان الجامع ذا أبعاض وكان تعلّق التكليف بالمقدار المتيقن معلوماً وبغيره مشكوكاً ، يكون المرجع هو البراءة لانحلال العلم الإجمالي. وليس التمسّك بالأصل رهن صدق الموضوع كما هو الحال في التمسّك بالاطلاق، بل يكفي كون الموضوع أمراً مركباً والعلم بالوجوب قابلاً للانحلال.

الثمرة الثالثة: صدق الوفاء بالنذر على الأعم

إذا نذر الرجل أن يعطي درهماً للمصلّي فعلى القول بوضعها للصحيح لا يُجزي ولا تبرأ ذمّته إلاّ باعطائه لمن صلّـى صلاة صحيحة، بخلافه على القول بالأعمّ فيجزي مطلقاً، سواء كانت صلاته صحيحة أم فاسدة.
يلاحظ عليه: أنّ الإجزاء وبراءة الذمة تابع لكيفية النذر، لا للوضع فلو نذر أن يعطي لمن صلّى صلاة صحيحة فلا يجزي الدفع لغيره وإن كان الوضع للأعمّ، ولو نذر أن يعطي أعمّ ممّن صلّى صلاة صحيحة، يجزي وإن كان الوضع للصحيح.

صفحه 83

الثمرة الرابعة: صحّة صلاة الرجل عند المحاذاة مع المرأة

ربما يقال: إنّه تظهر الثمرة فيما إذا ورد النهي عن محاذاة المرأة للرجل في حال الصلاة وعلمنا بفساد صلاة المرأة، فعلى القول بوضعها للصحيح، تصحّ صلاة الرجل ولا يشملها النهي، بخلاف ما إذا قلنا بأنّها للأعمّ، فيشملها النهي.1 ومثلها إقامة صلاتي جمعة في أقلّ من فرسخ مع العلم ببطلان إحداهما.
يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى أنّ النهي في هذه المقامات منصرف إلى الصلاة الصحيحة، سواء أكان لفظ الصلاة موضوعاً للصحيح منها أم للأعمّ ـ أنّه ليس ثمرة للمسألة الأُصولية إذ غاية ذلك هو البحث عن إمكان تطبيق الحكم الكلّي، على هذا المورد وليس ذلك ثمرة لها.
ومنه تظهر حال الثمرة الثالثة أيضاً مضافاً إلى ما مرّ، فلاحظ.

1 . المحاضرات:1/193.

صفحه 84
المشتق   

الأمر التاسع

المشتق

اختلفت كلمة الأُصوليّين في أنّ المشتق هل هو حقيقة في المتلبس بالمبدأ أو أعم منه وممّا انقضى عنه المبدأ، مثلاً:
إذا قيل لا تتوضأ بالماء المسخَّن بالشمس، فهل يختصّ بالموصوف بالمبدأ بالفعل، أو يعمّ ما زال عنه المبدأ وبَرَدَ الماء؟
ويرجع النزاع إلى بيان تحديد مفهوم المشتق من حيث السعة والضيق وأنّ الموضوع له، هل هو خصوص الذات المتلبّسة بالمبدأ أو أعمّ منها ومن الذات المنقضي عنها المبدأ؟ فعلى القول بالأخصّ، يكون مصداقه منحصراً في الذات المتلبّسة، ويختص النهي بالمسخّن بالفعل، وعلى القول بالأعمّ يكون مصداقه أعمّ من هذه وممّا انقضى عنها المبدأ. ويعمّ النهي المسخّن بالفعل وغيره.
وبعبارة ثانية: أنّ العقل يرى جامعاً حقيقياً بين الأفراد المتلبّسة بالمبدأ، ولا يرى ذاك الجامع الحقيقي لأعمّ منها وممّا انقضى عنها المبدأ وإنّما يرى بينها جامعاً انتزاعياً. فالنزاع في أنّ الموضوع له هو ذاك الجامع الحقيقي أو جامع انتزاعي آخر.
فعلى القول بالأخصّ فالموضوع في قولك: صلّ خلف كلّ عالم عادل، مَنْ كان متلبّساً بالمبدأ الذي بين مصاديقه جامع حقيقي دون من كان متلبّساً

صفحه 85
وزال عنه المبدأ، الذي ليس بين مصاديقه إلاّ جامع انتزاعي.
وهذا بخلاف القول بالأعمّ فالموضوع هو أعمّ منه وممّا انقضى عنه المبدأ. ويكفي وجود نسبة ما بين الذات والمبدأ.

دليل القول بوضع المشتق للمتلبّس

وقد استدلّ على القول بوضعه للمتلبّس بوجوه، ذكرنا بعضها في «الموجز»1 غير أنّ أمتن الأدلّة هو ما يلي:
إنّ مفهوم المشتق ليس هو تلوُّن الذات (زيد) بأنحاء النسب حتى يكون الركن الوطيد هو الذات سواء أبقي المبدأ أم انقضى، بل مفهومه هو تلوّن المبدأ بأنحاء النسب وإنّ المشتقات عامّة منتزعة عن المبدأ باعتبار ألوان ألنسب الحاصلة بينه وبين الذات ، فتارة يلاحظ المبدأ بما أنّه منتسب إلى الذات بالصدور عنها(كاسم الفاعل)، وأُخرى بالوقوع عليها (كاسم المفعول)، وثالثة بالثبوت فيها كما في الصفة المشبّهة، ورابعة بكونها واقعاً فيها له زماناً ومكاناً، وعلى ذلك فالمشتق هو المبدأ الملحوظ مع الذات بنسبة خاصّة ومضاف إليها نحو إضافة، وما هذا شأنه يكون هو المحور، لا الذات، فالنسب المختلفة المتداولة تصاغ من المبدأ عند الإضافة إلى الذات.
وإن شئت قلت: إنّ واقع الصيغ المختلفة عبارة عن جعل المبدأ في قوالب مختلفة، فكأنّ المعاني تتوارد على المبدأ، وهو الذي يتجلّى بصور وأشكال مختلفة وليس واقعُ الصيغ جعلَ الذات في أشكال مختلفة، فإذا كان هذا هو واقع الصيغ فكيف يمكن أن تصدق الصيغة مع عدم المبدأ؟

1 . لاحظ : الموجز في أُصول الفقه : 28، 29.

صفحه 86
ويدلّ على ذلك أنّ علماء الصرف والاشتقاق يحولون المبدأ(المصدر) إلى صور، لا الذات إلى صيغ.
وعلى ذلك فلا مناص من التحفّظ على المبدأ في صدق الصيغة.
نعم لمّا كان المبنى عند المشهور هو تلوّن الذات وتلبسها بأنواع النسب أخذوا يستدلّون عليها بالتبادر وصحّة السلب عمّن انقضى عنه المبدأ. والأولى إقامة البرهان حسب ماعرفت .
استدلّ القائل بالأعم بوجوه ثلاثة:

الأوّل: التبادر

المتبادر من المشتق مطلق من تلبس بالمبدأ سواء أكان باقياً أم لا.
يلاحظ عليه: أنّ المتبادر هو المتلبّس لا الأعمّ، فإذا قيل لا تصلِّ خلف الفاسق، يتبادر المتلبس به حين الاقتداء، لا من كان متلبّساً وانقضى عنه المبدأ قبل الاقتداء.

الثاني: صحّة الحمل

نرى بالوجدان أنّه يصحّ حمل المقتول والمضروب على من قُتِل وضُرِب وانقضى عنه المبدأ ثانياً.
يلاحظ عليه: بأنّ هذه الصفات تحمل على الذات باعتبار اتحادها مع المبدأ في ظرف صدوره عن الفاعل.
وبتعبير آخر: أنّ الحمل بلحاظ حال التلبّس والجري خصوصاً في المقتول، فإنّ عدم كونه قابلاً للتكرار قرينة على أنّ الإطلاق بلحاظ حال

صفحه 87
التلبّس والجري، ومثله السارق والزاني فإنّ عدم كونهما قابلين للاستمرار قرينة على أنّ الإطلاق بهذا اللحاظ.

الثالث: استدلال الإمام (عليه السلام)

استدل الإمام بقوله سبحانه: (لا ينالُ عَهدِي الظّالِمين)1 على عدم صلاحية من عبد وثناً أو صنماً أو أشرك باللّه طرفة عين للخلافة والإمامة وإن أسلم بعد ذلك. وقال (عليه السلام): الظلم وضع الشيء في غير موضعه وأعظم الظلم الشرك باللّه، قال اللّه تعالى: (إِنَّ الشِّركَ لَظُلْمٌ عَظِيم)2».3
ثمّ إنّ الاستدلال مبني على صغرى مسلّمة وكبرى قرآنية.
أمّا الصغرى : هؤلاء كانوا ظالمين عند التصدّي.
وأمّا الكبرى: والظالمون لا تنالهم الإمامة.
فينتج : هؤلاء لا تنالهم الإمامة.
وإنّما تصحّ الصغرى إذا قلنا بوضع المشتق للأعمّ، حتّى يصحّ عدّهم من الظالمين حين التصدّي للخلافة وإلاّ تبقى الكبرى بلا صغرى.
يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال على عدم الصلاحية للإمامة يصحّ على كلا القولين.
أمّا على الأعمّ فواضح، لأنّهم على هذا القول ظالمون عند التصدّي حقيقة.

1 . البقرة:124.
2 . لقمان:13.
3 . البرهان في تفسير القرآن:1/149.

صفحه 88
وأمّا على القول الثاني، فوجه الاستدلال ليس مبنيّاً على كونهم من مصاديق الظالمين حين التصدّي، بل على أساس آخر وهو أنّ الإمامة منصب إلهي خطير، لأنّ صاحبها يتصرّف في النفوس والأعراض والأموال، فالمتصدّي لهذا المنصب يجب أن يبتعد عن ألوان الشرك وقبائح الأعمال طيلة عمره، لأنّ الناس يتنفّرون من مقترفي هذه الأعمال وإن طابوا وطهروا.
فالاستدلال ليس مبنياً على الظهور الوضعي بل مبني ـ بقرينة المقام وعظمة المنصب ـ على أنّ الممنوع هو المتلبّس بالظلم آناً ما سواء أبَقي عليه أم لا.
ثمّ إنّ هناك تحليلاً دقيقاً لبعض أساطين العلم وحاصله: أنّ الناس بحسب التقسيم العقلي على أربعة أقسام:
من كان ظالماً في جميع عمره، ومن لم يكن ظالماً في جميع عمره، ومن هو ظالم في أوّل عمره دون آخره،و من هو بالعكس.
هذا وإبراهيم أجلّ شأناً من أن يسأل الإمامة للقسم الأوّل والرابع من ذرّيته، فيبقى القسمان الآخران، وقد نفى اللّه أحدهما، وهو الذي يكون ظالماً في أوّل عمره دون آخره، فبقي الآخر وهو الذي يكون غير ظالم في جميع عمره.

تطبيقات

إنّ البحث عن كون المشتق موضوعاً للمتلبّس أو للأعمّ ليس عديم الثمرة، وإليك بعض ما يترتب عليه:
1. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا يصلّينّ أحدكم خلف المجذوم والأبرص

صفحه 89
والمجنون والمحدود وولد الزنا، والأعرابي لا يؤم المهاجرين».1
2. عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): في المرأة إذا ماتت وليس معها امرأة تغسّلها، قال:
«يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسّلها إلى المرافق».2 فلو قلنا بكون المشتق حقيقة في المنقضي يجوز للزوج المطلق لها، التغسيل عند فقد المماثل.
وربما يمثّل ـ كما مرّ في صدر البحث ـ بالماء المشمَّس أو المسخّن، ولكن الوارد في لسان الأدلّة، التعبير عنه بصيغة الفعل لا بصيغة المشتق، فقد ورد عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «الماء الذي تسخّنه الشمس لا تتوضّؤوا به، ولا تغتسلوا به، ولا تعجنوا به، فإنّه يورث البرص».3
***
هذه أُمور تسعة بحث فيها علماء الأُصول في مقدّمة كتبهم، وبما أنّها كانت ذات فوائد جمّة، تعرضت لها بمزيد من التفصيل.
وأمّا البحث في المجاز والاشتراك والترادف أو البحث في بساطة مفهوم المشتق وتركّبه، فقد ضربنا عنها صفحاً، لما تقدّم بعضها في الموجز، وعدم مساس بعض آخر كالأخير بفن الاستنباط. فمن أراد التفصيل فليرجع إلى محاضراتنا.4

1 . الوسائل: 5، الباب 15 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 6.
2 . الوسائل: 2، الباب 24 من أبواب غسل الميّت، الحديث 8 .
3 . الوسائل: 1، الباب 6 من أبواب الماء المضاف، الحديث 2.
4 . راجع: المحصول: الجزء الأوّل.

صفحه 90

صفحه 91
الأوامر   

   المقصد الأوّل

في الأوامر

التشريع الإسلامي في الكتاب والسنّة يدور حول الأوامر والنواهي، وقد أولى الأُصوليون لهما أهميّة خاصّة وعقدوا لكلّ منهما مقصداً مستقلاًّ، وبما أنّا قد استوفينا البحث في بعض ما يرجع إليهما في الموجز، نأتي في المقام بما أوجزناه فيه أو لم نتعرض له، ويأتي كلّ ذلك في ضمن فصول:
الفصل الأوّل: دلالة صيغة الأمر على الوجوب
الفصل الثاني: دلالة الجملة الخبرية على الوجوب
الفصل الثالث: إ مكان أخذ قصد الامتثال في متعلّق الأمر
الفصل الرابع: حكم دوران مفاد صيغة الأمر بين الأمرين
الفصل الخامس: أن الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء
الفصل السادس: المقدّمة، أقسامها وأحكامها
الفصل السابع: ترتّب الثواب على امتثال الواجب الغيري
الفصل الثامن: تقسيم الواجب إلى مطلق ومشروط
الفصل التاسع: تقسيم الواجب المطلق إلى منجَّز ومعلَّق
الفصل العاشر: اقتضاء وجوب الشيء لحرمة ضدّه
الفصل الحادي عشر: متعلّق الأوامر
الفصل الثاني عشر: التخيير بين الأقلّ والأكثر

صفحه 92

صفحه 93
دلالة صيغة الأمر على الوجوب   

الفصل الأوّل   

دلالة صيغة الأمر على الوجوب

من البحوث المهمّة هي تحقيق مفاد صيغة الأمر وأنّها هل هي موضوعة للوجوب أو لأعمّ منه ومن الندب؟ والمشهور عند الأُصوليّين دلالتها على الوجوب على نحو يأتي، ولتحقيق ذلك نقدّم بحثاً في تبيين حقيقة الوجوب والندب والآراء المطروحة في هذا الصدد.
لا شكّ أنّ الوجوب والندب من أقسام البعث الإنشائي ، وإنّما الكلام فيما يحصل به امتياز أحدهما عن الآخر، فقيل فيه وجوه:
أ: الوجوب هو البعث الإنشائي مع المنع من الترك، والندب هو البعث الإنشائي لا مع المنع من الترك.
يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من الوجوب والندب هو الحتمية وعدمها، وما ذكر تحليل عقلي لهذين المعنيين البسيطين وليسا بموضوع له، لهذين اللفظين.
ب: الوجوب هو الطلب الموجب لاستحقاق العقوبة عند مخالفته، والاستحباب هو الطلب غير الموجب له.
يلاحظ عليه: أنّ الاستحقاق وعدمه من آثارهما بعد تحقّقهما، والكلام في المقام في مقوّماتها، والمقوّم يجب أن يكون مقارناً لا متأخّراً.
ج: الوجوب هوالبعث المسبوق بالإرادة الشديدة، والندب هو البعث

صفحه 94
المسبوق بإرادة غير شديدة، وذلك انّ البعث الإنشائي فعل اختياري للنفس فلابدّ في تحقّقه من سبق إرادة تكوينية، فهي تختلف شدّة وقوّة حسب اختلاف الغايات والأغراض والمصالح في لزوم إحرازها وعدمه. فالذي يميّز الوجوب عن الندب المشتركين في البعث، إنّما هو نشوء البعث عن الإرادة الشديدة أو الضعيفة، وهذا هو المختار.
هذا كلّه في امتيازهما حسب الثبوت، وأمّا امتيازهما حسب الإثبات فإنّما يحصل بالمقارنات، فإذا كان إنشاء البعث مقروناً بصوت عال وحركات خاصة تدلّ على عدم رضا المولى بتركه فينتزع منه الوجوب، وإذا كان مقارناً بما يفيد عكس ذلك ينتزع منه الندب.
إلى هنا تبيّن مفاد الوجوب والندب ثبوتاً وإثباتاً، وأنّ التفاوت بينهما ثبوتاً يرجع إلى شدّة الإرادة وضعفها، وإثباتاً إلى المقارنات الحاكية عن أحدهما.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى صلب الموضوع، أي دلالة الصيغة على الوجوب، فنقول:
إذا تبيّن أحد الأمرين من خلال المقارنات في مقام الإثبات فيُتبع، إنّما الكلام فيما إذا لم يتبيّن أحد الأمرين، وكان الكلام مجرّداً عن المقارنات فالمعروف هو تبادر الوجوب، واختلفت كلمتهم في سبب التبادر.
1. ذهب بعضهم إلى أنّ الصيغة تدلّ على الوجوب دلالة لفظية.
يلاحظ عليه: أنّ الهيئة وضعت لإنشاء البعث وهو مشترك بين الوجوب والندب، فكيف تدلّ على الوجوب دلالة لفظية.

صفحه 95
2. انصراف صيغة الأمر إلى الوجوب.
يلاحظ عليه: أنّ الانصراف إمّا لكثرة الوجود أو لكثرة الاستعمال، وكلا الأمرين موجودان في جانب الندب أيضاً.
3. كون الصيغة كاشفة عند العقلاء عن الإرادة الحتمية.
يلاحظ عليه: أنّ الكشف لا يمكن أن يكون إلاّ بملاك، والملاك إمّا كونه موضوعاً للوجوب، أو الانصراف، أو كونه مقتضى مقدّمات الحكمة; والأوّلان غير تامّين كما عرفت، والثالث يعود إلى الوجه الرابع الذي نتلوه عليك.
4. أنّ مقتضى مقدّمات الحكمة هو حمل الصيغة على الوجوب وحاصله: أنّ الإرادة الوجوبية تفترق عن الإرادة الندبية بالشدّة، فإنّها ليست شيئاً سوى الإرادة، وأمّا الإرادة الندبية فهي تفترق عن الوجوبية بالضعف وهو غير الإرادة، فالإرادة الوجوبية إرادة خالصة، بخلاف الإرادة الندبية فإنّها محدودة بحدّ خاص (الضعف) فتكون الإرادة الندبية أمراً ممزوجاً منها ومن غيرها، وعلى هذا فإطلاق الكلام كاف في مقام الدلالة على الإرادة الوجوبية إذ لا حدّلها ليفتقر المتكلّم في مقام إفادته إلى بيان ذلك الحدّ، بخلاف الإرادة الندبية فإنّ الحدّ ليس من سنخ المحدود فيفتقر إلى تقييد الكلام به.1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره غفلة عن حقيقة التشكيك، فهي عبارة عمّا يكون ما به التفاوت نفس ما به الاشتراك، وعلى ذلك فالضعف أيضاً مثل الشدّة من سنخ المحدود (الإرادة) وليس الضعف أمراً وجوديّاً منضمّاً إلى النور كما أنّ الشدّة كذلك، بل النور الضعيف مثل النور القويّ، نور، لا أنّه نور وضعف، كما

1 . بدائع الأفكار: 1 / 214.

صفحه 96
أنّ القويّ ليس نوراً وقوّة، فصار القيدان على منوال واحد في لزوم البيان إذا كان المتكلّم في مقامه.
5. كون مطلق الأمر موضوعاً لوجوب الإطاعة عند العقل، واستحقاق العقوبة عند الترك ما لم يحرز كون الطلب ندبياً. وهذا معنى كون الأمر ظاهراً في الوجوب.
وبعبارة أُخرى: وظيفة المولى هي إنشاء البعث وإصدار الأمر، وأمّا بيان أنّه للوجوب أو الندب فهو ليس من وظائفه. بل على العبد السعي، فإن تبيّن له أحدهما عمل على طبق ما تبيّن، وإلاّ عمل على مقتضى حكم العقل وهو أنّ أمر المولى لا يترك بلا جواب، وهذا هو المختار في وجه حمل الأمر على الوجوب.
وبما ذكرنا ظهر أنّ الوجوب ليس مدلولاً لفظياً لصيغة الأمر بل من الأحكام العقلية بمعنى أنّ أمر المولى لا يُترك بلا جواب، وهو يتحقّق بأحد الأمرين إمّا الإتيان بالمأمور به أو وجود الدليل على جواز الترك.

صفحه 97
دلالة الجملة الخبرية على الوجوب   

الفصل الثاني

دلالة الجملة الخبرية على الوجوب

ربما تستعمل الجملة الخبرية في مقام الطلب والبعث، يقول سبحانه: (وَالمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء).1
وقال سبحانه: (وَلِلْمُطَلَّقات مَتاعٌ بِالْمَعْرُوف حَقّاً على المُتَّقين) .2
وقال سبحانه: (وَالوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَولاَدَهُنَّ حَولَيْنِ كامِلَيْن).3
ونرى مثل ذلك في الروايات حيث ورد في أبواب الطهارة والصلاة، قولهم (عليهم السلام): «يغتسل»، «يعيد الصلاة»، «يستقبل القبلة» فالجمل الخبرية في هذه الموارد استعملت لداعي البعث، وإنّما الكلام في كيفية دلالتها على الوجوب وكونها آكد في الدلالة على الوجوب من الأمر بالصّيغة.
توضيحه: أنّ الإخبار عن وجود الشيء في المستقبل بداع البعث يكشف عن شدّة اهتمام المولى بالمراد إلى حدّ يراه موجوداً ومحقّقاً في الخارج حيث يخبر عن وجوده فيكون حاكياً عن الوجوب والإرادة الحتمية.
وأمّا عدم كونها كذباً فإنّ ظاهر الكلام وإن كان هو الإخبار، ولكن جلوس المولى على منصَّة التكليف قرينة على أنّه بصدد البعث واقعاً لا بصدد الإخبار.

1 . البقرة:228.
2 . البقرة:241.
3 . البقرة:233.

صفحه 98
امكان أ خذ قصد الامتثال في متعلّق الأمر وعدمه   

الفصل الثالث1

امكان أ خذ قصد الامتثال في متعلّق الأمر وعدمه

إنّ الواجب ينقسم إلى توصلي وتعبّدي، وأنّ التعبّدي يفسّر بوجوه ثلاثة:
1. الإتيان بداع التقرّب بقصد امتثال أمره.
2. الإتيان للّه تبارك وتعالى.
3. الإتيان بداع التقرّب إليه سبحانه، لكون الفعل محبوباً له.
ويقابله التوصّلي، فإذا علمنا أنّ الواجب تعبّدي أو توصّلي فيمتثل على النحو الذي عُلم، إنّما الكلام فيما إذا شكّ في واجب أنّه توصّلي أو تعبّدي، فهل ثَمَّ أصل لفظي يعوّل عليه كالشكّ في وجوب ردّ السلام حيث إنّ أمره يدور بين كونه توصّلياً أو تعبّدياً، يجب قصد أمره حتّى يصدق الامتثال.
مثلاً إذا قال سبحانه: (وَإِذا حُييِّتُمْ بِتَحِيَّة فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها)،2 فهل مقتضى الإطلاق هو كونه توصّلياً أو لا؟
وهناك أمر يجب إلفات النظر إليه، وهو أنّ التمسّك بالإطلاق إنّما يصحّ إذا أمكن أخذ الشيء المشكوك اعتباره في متعلّق الأمر، فإذا خلا منه متعلّقه، يحكم بعدم اعتباره فيه، مثلاً إذا شكّ في وجوب السورة في الصلاة فبما أنّه

1 . هذا الفصل جزء من الفصل الآتي (دوران صيغة الأمر، بين أمرين) ويعبّر عنه في الكتب الأُصولية كالتالي: إذا دارت صيغة الأمر بين كونه تعبديّاً أو توصليّاً فما هو مقتضى القاعدة؟ وبما أنّه طويل الذيل أفردناه بالبحث.
2 . النساء:86.

صفحه 99
يمكن أخذها في متعلّق الأمر بأن يقول: صلِّ مع السورة، فيصحّ التمسّك بالإطلاق اللّفظي إذا خلا منها متعلّق الأمر عند الشكّ.
وأمّا إذا تعذّر أخذ المشكوك في متعلّق الأمر فلا يصحّ التمسّك بالإطلاق، لأنّ التمسّك به فرع إمكان أخذه فيه، والمفروض أنّه متعذّر.
ثمّ إنّ الأُصوليّين اختلفوا في إمكان أخذ التعبديّة في المتعلّق وعدمه، فلو أمكن أخذها في متعلّق الأمر، يصحّ التمسّك بإطلاقه إذا خلا منها، وإلاّ فلا.
فذهب الأكثر إلى إمكان أخذ قصد الأمر في متعلّقه، فإذا شكّ في اعتبارها في المتعلّق يتمسّك بإطلاقه ويحكم بالتوصّلية.
وذهب الشيخ الأنصاري إلى امتناع أخذها في متعلّق الأمر، فلا يمكن التمسّك بإطلاق المتعلّق وإثبات التوصّلية، فإنّ من شرائط التمسّك بالإطلاق، إمكان الإتيان بالقيد في متعلّقه والمفروض عدم إمكان أخذ القيد فيه.
ثمّ إنّ محلّ الخلاف في إمكان الأخذ إنّما هو التعبّدية بالتفسير الأوّل أي «قصد امتثال الأمر» ، وأمّا التفسيران الآخران للتعبّدية، أعني: الإتيان للّه تبارك وتعالى، أو الإتيان لأجل محبوبية الفعل، فأخذهما فيه بمكان من الإمكان.
وبعبارة أُخرى: أنّ محلّ الخلاف في إمكان الأخذ وعدمه هو أن يأمر المولى بالنحو التالي:
صلّ صلاة الظهر بقصد امتثال أمرها، وأمّا إذا قال: صلِّ صلاة الظهر للّه تبارك وتعالى، أو لكونها محبوبة للّه، فأخذهما في المتعلّق ممّا لا شبهة فيه.
استدلّ القائلون بامتناع أخذ قصد امتثال الأمر في متعلّقه بأُمور نذكر ما هو المهمّ منها، وهو «أنّ ما لا يتأتّى إلاّ من قبل الأمر يمتنع أخذه في المتعلّق شطراً أو شرطاً».

صفحه 100
توضيحه: أنّ ما يتصوّر أخذه في المتعلّق على نحوين:
النحو الأوّل: ما لا صلة للقيد بالأمر، فسواء أكان هناك أمر أو لا، يمكن تصوّر القيد، وتقييد المتعلّق به وهذا كالإيمان في الرقبة، بشهادة أنّه يمكن إيجاده مع القيد في الخارج بلا توقّف على الأمر وهذا كالسورة والقنوت في الصلاة فيصحّ في الجميع أخذ القيد بأن يقول: أعتق رقبة مؤمنة، أو صلّ مع السورة والقنوت، فإذا أطلق المولى ولم يأخذ القيد في المتعلّق، استكشف منه عدم مدخليته في الواجب.
النحو الثاني: ما لا يتأتّى إلاّ بعد تعلّق الأمر به، وهذا كقصد امتثال الأمر، فما لم يكن هناك أمر من المولى لا يمكن للمكلّف إيجاد متعلّقه في الخارج بقصد امتثال أمره.
وهذا النحو من القيد ـ بما أنّه لا يتأتّى إلاّ من قبل الأمر ـ لا يمكن أخذه في المتعلّق ولا يُستكشف من عدم أخذه، عدم مدخليّته في المتعلّق.
وبعبارة أُخرى: أنّ الأمر يتعلّق بالشيء المقدور قبل الأمر و «الصلاة مع قصد امتثال الأمر» ليست بمقدورة قبل تعلّق الأمر بها، لكي يتعلّق بها الأمر ويقول: «صلّ مع قصد الأمر». ويُستكشف من عدم أخذه، عدمُ مدخليته.
يلاحظ عليه: أوّلاً : أنّ اللازم في صحّة الأمر كون المتعلّق مقدوراً في ظرف الامتثال لا قَبْل الأمر ولا حينه، وامتثال قصد الأمر وإن كان غير مقدور قبل البعث، ولكنّه أمر مقدور بعد تعلّق الأمر وفي ظرف الامتثال، فيصحّ تعلّق الأمر به، ويستكشف من عدم تعلّقه عدمُ مدخليته وعلى ذلك فمقتضى الإطلاق اللفظي كون الأصل هو التوصّلية إلاّ إذا دلّ دليل على خلافها.

صفحه 101
وثانياً : أنّ مقتضى الإطلاق المقامي أيضاً هو التوصلية.
توضيحه: أنّ الإطلاق على قسمين: إطلاق لفظي، وإطلاق مقامي.
فالإطلاق اللّفظي: عبارة عن خلوّ المتعلّق من القيد، فيحتج بخلوّ المتعلّق عن القيد على عدم مدخليّته في الواجب، فمصبُّ الإطلاق اللّفظي هو متعلّق الأمر مع إمكان تقييده. وهذا هو الذي مرّ بيانه.
وأمّا الإطلاق المقامي: فحاصله أنّ القيد المشكوك اعتباره في المأمور به إذا كان ممّا يغفل عنه أكثر الناس، يجب على المولى التنبيه عليه إذا كان دخيلاً في الغرض، إمّا بالأخذ في المتعلّق، أو بالتنبيه عليه بدليل منفصل، فلو افترضنا امتناع الأوّل، فإمكان الثاني بمرحلة من الوضوح، فسكوته حينئذ دليل على عدم المدخليّة.

دليل ثان لامتناع الأخذ

ثمّ إنّ بعض المحقّقين استدلّ على امتناع أخذ قصد الأمر في المتعلّق بأنّ قصد الأمر إذا دخل في الواجب كان نفس الأمر قيداً من قيود الواجب، لأنّ القصد المذكور مضاف إلى نفس« الأمر»، وإذا لاحظنا الأمر وجدنا أنّه ليس اختيارياً للمكلّف1 كما هو واضح، وقد ثبت في محلّه أنّ القيود المأخوذة في الواجب يجب أن تكون اختيارية.2
يلاحظ عليه: بالنقض أوّلاً: مثلاً إذا قال المولى: صلّ إلى القبلة، فتكون

1 . لأنّه من فعل المولى لا المكلّف، هذا ما فهمناه من عبارته، ولعلّ كلامه ناظر إلى ما نقلناه سابقاً من القائلين بالمنع.
2 . دروس في علم الأُصول: الحلقة الثانية: 265.

صفحه 102
نفس القبلة من قيود الواجب، وهي خارجة عن اختيار المكلّف مع أنّه جائز بالاتّفاق.
وثانياً: بالحلّ، لأنّ قيد الواجب هو القصد المضاف إلى الأمر على نحو يكون التقيّد داخلاً والقيد خارجاً، فليس نفس الأمر قيداً للواجب، بل القيد، القصد المضاف إليه وهو باختيار المكلّف بعد صدور الأمر من المولى. اللّهمّ إلاّ أن يريد كونه باختيارنا قبل صدوره من المولى فيرجع إلى الوجه السابق.
إلى هنا تبيّن أنّ مقتضى الأصل اللّفظي والإطلاق المقامي هو التوصّلية إلاّ أن يدلّ دليل على كون الواجب قُربياً.
***

مقتضى الأصل العملي

قد ظهر ممّا ذكرنا ـ من جواز التمسّك بالإطلاق اللّفظي أو المقامي ـ ، مقتضى الأصل العملي إذا لم يكن إطلاق لفظي ودليل اجتهادي، وذلك لأنّ هذا الشرط يقع في عداد سائر الشروط المشكوكة فيجري فيه أصل البراءة العقلية والشرعية كما يجري في غيره.
بل يمكن أن يقال بأنّ المرجع هو البراءة حتّى على القول بامتناع أخذه في المتعلّق، وذلك لإمكان بيانه بدليل مستقل آخر كما ذكرنا، فإنّ الممتنع هو البيان في ضمن الأمر الأوّل لا في ضمن الأمر الثاني كما عرفت.
فخرجنا بالنتائج التالية:
1. أنّ مقتضى الأصل اللّفظي والإطلاق المقامي هو التوصّلية.
2. أنّ مقتضى الأصل العقلي والشرعي عند عدم وجود الإطلاق هو البراءة العقلية والشرعية. من وجوب قصد الأمر في موضع الشكّ.

صفحه 103
دوران مفاد صيغة الأمر بين الأمرين   

الفصل الرابع

دوران مفاد صيغة الأمر بين الأمرين

ينقسم مفاد صيغة الأمر إلى كونه نفسياً وغيرياً، وعينياً وكفائياً، وتعيينياً وتخييرياً1، فإذا دار الأمر بين أحد القسمين، فما هو مقتضى الأصل؟ وإليك الأمثلة:
أ: إذا قال: اغتسل للجنابة، ودار أمر الغسل بين كونه واجباً نفسياً أو غيرياً للصلاة والصوم.
ب: إذا قال: قاتل في سبيل اللّه، ودار أمر القتال بين كونه واجباً عينياً وعدم سقوطه بقتال الآخرين، أو كفائياً ساقطاً بقتال الآخرين.
ج: إذا قال: ( فاسعَوْا إلى ذكرِ اللّه) الذي أُريد منه فريضة الجمعة ودار أمرها بين التعييني وعدم عِدْل له، أو التخييري بوجود عِدْل له يسقط بالظهر مثلاً، فيقع الكلام في مقتضى القاعدة ، ولنأخذ الموضوع بالبحث والتمحيص.
أقول: إنّ مقتضى الإطلاق اللّفظي هو الحمل على النفسي والعيني والتعييني، وذلك لأنّ كلاًّ من الغيرية والكفائية والتخييرية يحتاج إلى قيد بخلاف مقابلاتها.
توضيحه: أنّ أحد القسمين يحتاج إلى بيان زائد دون الآخر، فالنفسي

1 . أو تعبّديّاً أو توصّلياً، وقد مرّ البحث عنه في الفصل السابق وأوضحنا حال الأقسام في كتابنا «الموجز في أُصول الفقه» ، فلا نعيد.

صفحه 104
غني عن البيان الزائد دون الغيري، وذلك لأنّ الوجوب النفسي لمّا كان نابعاً من مصالح كامنة في المتعلّق، كفى إلقاء الحكم على وجه الإطلاق، ويكون البيان وافياً بما أراد. وأمّا لو كان غيرياً فبما أنّ وجوبه منبعث عن وجوب غيره، فيجب تقييده بما يفيد ذلك.
وبعبارة أُخرى: أنّ الواجب النفسي في متلقّى العرف هو الإيجاب بلا قيد، بخلاف الغيري فإنّه الإيجاب مع تقييده بأنّه واجب لغيره، فلو فرضنا كون المتكلّم في مقام بيان تلك الخصوصية ، فالإطلاق كاف في تفهيم الأوّل، دون الثاني.
ومنه تظهر الحال في دوران الأمر بين العيني والكفائي، فإنّه يكفي في بيان الواجب العيني، الأمرُ بالشيء والسكوت عن أيّ قيد بخلاف الواجب الكفائي فلا يكفي في بيانه، الأمر به مع السكوت عن القيد، بل يحتاج إلى القيد نظير: ما لم يقم به الآخر، فالقتال في سبيل اللّه لو كان واجباً عينياً كفى فيه قول المولى: قاتل في سبيل اللّه، ولو كان كفائياً فلا يكفيه ذلك إلاّ أن ينضم إليه قيد آخر، أعني: ما لم يقاتل غيرك.
وإن شئت قلت: إنّ العيني هو الواجب بلا قيد ولا حدّ، بخلاف الكفائي فإنّه الواجب المقيّد المحدود، فالعيني في متلقّى العرف بلا قيد، والكفائي مقيّد، فإذا أمر ولم يأت بالقيد، يكون كافياً في إفادة المقصود العيني.
ومنه تظهر حال القسم الثالث أي دوران الأمر بين كون الواجب تعيينياً أو تخييرياً.
فالواجب التعييني هو الواجب بلا عِدل، كالفرائض اليومية، والواجب التخييري هو الواجب الذي يكون له عِدل كخصال كفّارة الإفطار العمدي في

صفحه 105
يوم شهر رمضان، حيث إنّ المفطِر مخيّر بين عتق رقبة وصوم شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكيناً .
وهناك بيان آخر لوجوب الحمل على النفسية والعينية والتعيينية، وهو أنّ أمر المولى لا يُترك بلا عذر، ومقتضى ذلك هو الحمل على ما ذكر إذ فيه امتثال لأمر المولى على كلّ تقدير بخلاف ما إذا حمل على مقابلاتها فلا علم فيه بالامتثال كما لا علم بترك الامتثال عن عذر.
كلّ ذلك إذا كان المتكلّم في مقام بيان الجهات المختصّة كالنفسية والغيرية، والعينية والكفائية، والتعيينية والتخييرية، وإلاّ يكون الأمر مجملاً من الناحية المشكوكة.
هذا كلّه حول الأصل اللّفظي، وأمّا مقتضى الأصل العملي إذا قصرت اليد عن الأصل اللّفظي، فسوف يوافيك بيانه في مبحث البراءة والاشتغال.1

1 . فقد أخّرنا بيانه تبعاً للقوم.

صفحه 106
الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء   

الفصل الخامس

الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء

قد عنونت مسألة الإجزاء في كتب الأُصوليّين بعناوين مختلفة وما ذكرناه من العنوان هو المختار عند أغلب الأُصوليين، والمراد من قولهم: «على وجهه» هو الكيفية المعتبرة شرعاً، وقد عرفت أنّ قصد الأمر من هذه الكيفية.
وهذه المسألة غير مسألة دلالة الأمر على المرّة والتكرار فإنّ في المقام مسألتين بملاكين، فالبحث في المسألة الثانية عن مقدار مفاد الأمر وأنّه هل هو نفس الطبيعة أو الطبيعة المقيّدة بإحداهما؟ وأمّا المقام فالكلام فيه بعد الفراغ عن المفاد فيقال: هل الإتيان بالمأمور به سواء أكان الطبيعة المطلقة أم المقيّدة بالمرّة أو التكرار يقتضي الإجزاء أو لا؟
كما أنّ هذه المسألة غير مسألة كون القضاء بأمر جديد أو بنفس الأمر الأوّل وذلك لاختلاف المسألتين من حيث الموضوع، فإنّ موضوع مسألتنا هو الإتيان بالمأمور به بنحو من الأنحاء، والموضوع لمسألة تبعية القضاء للأداء هو فوت المأمور به في وقته فكيف تكونان مسألة واحدة؟
على أنّ النسبة بينهما من حيث المورد عموماً من وجه، فلو أتى بالمأمور به على وجهه الواقعي، يقع الكلام فيه في الإجزاء، ولا موضوع لمسألة التبعية كما أنّه إذا فاته الواقع، ولم يأت بالواجب أصلاً، فلا موضوع للإجزاء. ويجتمعان فيما إذا أتى بالواجب بأمر اضطراري أو ظاهري، فيصحّ البحث عنه

صفحه 107
من الجهتين، ومعه يصحّ عقد المسألتين، فلاحظ.
إذا عرفت ذلك يقع الكلام في مقامات ثلاثة:

الأوّل: في إجزاء امتثال كلّ أمر عن التعبّد به ثانياً

إنّ إجزاء امتثال الأمر عن الإتيان به ثانياً من أوضح القضايا وأبدهها، والوجه في ذلك أنّه لو لم يسقط، فإمّا أن يبقى ملاك الأمر، أو لا. والأوّل خلاف الفرض، إذ لا معنى لبقاء الملاك مع الإتيان بالمأمور به، لأنّ إتيان المأمور به محصِّل لغرض المولى، بلا زيادة ولا نقيصة، ولولاه لما أمر به، ومع ذلك كيف يمكن القول ببقاء الغرض وعدم حصوله؟والثاني أوضح فساداً لاستلزامه ثبوت الإرادة الجزافية للمولى، إذ لا يأمر إلاّ لتحصيل الغرض، وقد حصل بالامتثال الأوّل، فلا معنى لبقاء الغرض ثانياً، وهل هذا اشبه ببقاء المعلول مع زوال علّته .
وإن شئت قلت: إنّ عدم السقوط ، سببه أُمور كلّها محكومة بالبطلان، فعدم السقوط إمّا:
ـ لأجل تعدّد المأمور به، والمفروض عدمه، إذ هو نفس الطبيعة.
ـ أو لأجل عدم حصول الغرض. وهو خلف أيضاً، لأنّ المفروض أنّ المأتيّ به علّة، لحصوله وإلاّ لما أمر به.
ـ أو لأجل بقاء الأمر مع حصول الغرض، وهذا يستلزم الإرادة الجزافية.
فإن قلت: إنّ أبا هاشم الجبائي (المتوفّى321هـ) والقاضي عبد الجبار (المتوفّى 415هـ) المعتزليَّـين ذهبا إلى أنّ الإتيان بالمأمور به على وجهه لا يقتضي الإجزاء، واستدلاّ عليه بما إذا أفسد المكلّف حجَّه بالجماع فتجب عليه الإعادة كلّما تمكّن.

صفحه 108
قلت: إنّ الحجّ إمّا أن يكون فاسداً، كما إذا جامع عن علم; أو صحيحاً، كما إذا كان جاهلاً بالحكم ـ على القول بالصحّة في هذه الصورة ـ فكلتا الصورتين خارجتان عن محطّ البحث.
أمّا إذا كان فاسداً، فلأنّه لم يأت بالمأمور به على ما هو عليه، والبحث فيما إذا أتى به على النحو المطلوب.
وأمّا إذا كان صحيحاً فالأمر الثاني من باب العقوبة لا لعدم الإجزاء، وقد ورد به التصريح في رواياتنا.
قال زرارة: قلت: فأيّ الحَجَّتين لهما؟ قال: «الأُولى التي أحدثا فيها ما أحدثا، والأُخرى عليهما عقوبة».1
و على ذلك فهناك أمران: أمر بنفس الحجّ بما أنّه واجب عباديّ ماليّ وقد امتثله، وأمر به بما أنّه عقوبة وكفّارة لما أحدثا في أثناء العبادة من الجماع.
فإن قلت: ربما يجوز تبديل امتثال بامتثال آخر، كما إذا طلب المولى ماءً ليشربه فأحضره، فإنّ للعبد تبديل هذا الامتثال بامتثال أفضل، كما إذا أتى ثانياً بماء حلو أكثر، أو وعاء انظف قبل أن يقضي المولى حاجته بالشرب.
قلت: إنّ الأمر الأوّل قد سقط بإحضار الماء، وليس المقام من قبيل تبديل امتثال بامتثال آخر، بل من قبيل تبديل فرد من المأمور به إلى فرد آخر أفضل منه، والفرق بينهما واضح فإنّ تبديل الفرد لا يتوقّف على بقاء الأمر بل يصحّ وإن كان الأمر ساقطاً، بخلاف تبديل الامتثال فإنّه فرع بقاء الأمر حتى يصدق عليه أنّه تبديل امتثال بآخر.
فإن قلت: إذا أحضر الماء وأُهرق واطّلع العبد عليه وجب عليه إتيانه ثانياً.

1 . الوسائل: 9، الباب 3 من أبواب كفارة الاستمتاع، الحديث 10.

صفحه 109
قلت: إنّ الأمر الأوّل قد سقط بالامتثال، وأمّا الأمر الثاني فهو امتثال آخر للغرض الثاني غير الحاصل للمولى لأجل إهراق الماء، فكأنّ هناك أمرين: أحدهما تعلّق باحضار الماء وقد امتثل، والثاني تعلّق بحكم العقل بتحصيل غرض المولى وهو بعد لم يُمتثل.
وان شئت قلت: إنّ العلم بالغرض القطعي موضوع عند العقل بوجوب الامتثال وإن لم يكن هناك أمر ظاهري من المولى كما إذا غرق ابن المولى أو احترق البيت ووقف عليه العبد، دون المولى، ففي هذه المقامات العلم بالغرض موضوع تام للامتثال وتحصيل غرض المولى.
وبما ذكرنا تقف على أنّ ما ورد من إعادة الصلاة في أبواب الكسوف عند عدم الانجلاء1، أو إذا ما وجد جماعة يصلّون وقد صلى فرادى2، أو صلّى مع المخالف3 ووجد فرصة للإعادة. ليس من باب تبديل الامتثال الأوّل بآخر حتى يكون الثاني بداعي الأمر الأوّل، بل من باب استحباب الإعادة بأمر ثان استحبابي لا بملاك الأمر الوجوبي الأوّل.
***

الثاني: إجزاء امتثال الأمر الإضطراري عن الأمر الواقعي

إذا كان المكلّف فاقداً للطهارة المائية فيجب عليه الصلاة بالطهارة الترابية، فالفرد الأوّل فرد إختياري، والفرد الثاني فرد إضطراري، ومثله ما إذا ابتلى بالتقية ولم يتمكّن من الامتثال بالفرد الإختياري، كان عليه الامتثال بالفرد

1 . الوسائل: 5، الباب 8 من أبواب صلاة الكسوف، الحديث 1.
2 . الوسائل: 5، الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1.
3 . الوسائل: 5، الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1.

صفحه 110
الإضطراري كغسل الرجلين مكان مسحهما، إلى غير ذلك من الأمثلة، فهل يجزي الامتثال بالفرد الإضطراري عن الامتثال بالفرد الإختياري عند ما زال الإضطرار؟
أقول: ظاهر عنوان المسألة أنّ هنا أمرين: أمراً بالفرد الواقعي، وأمراً بالفرد الاضطراري، والكلام في إجزاء الامتثال الثاني عن الامتثال الأوّل. ويظهر ذلك من أكثر المتأخّرين الذين عكفوا على دراسة هذه المسألة بعد الشيخ الأنصاري (قدس سره).
ولكن الحقّ أنّ هنا أمراً واحداً وخطاباً فارداً لعامّة المكلّفين من دون فرق بين المختار والمضطر، وهو قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ) 1، غير أنّ امتثال ذلك الأمر يختلف حسب اختلاف حالات المكلّفين من صحة وسقم، وقدرة وعجز، فيصلي السليم المتمكّن، قائماً بالطهارة المائية كما يصلّي السقيم العاجز قاعداً بالطهارة الترابية، فالاختلاف يرجع إلى كيفية امتثال الأمر الواحد بالنسبة إلى اختلاف حالات المكلّفين.
ونظير الآية السابقة قوله سبحانه: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاة)(2) حيث إنّ ظاهر الآية وحدة الأمر في الحاضر والمسافر غير أنّ المسافر يجب عليه أن يُقصِّـر تلك الصلاة ويجعلها ركعتين من دون أن يختلف أمر الحاضر والمسافر.
ومثل الآيتين قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيديَكُمْ إِلى المَرافِق)2 إلى أن قال: (أَو لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ

1 . الإسراء:78.    2 . النساء:101.
2 . المائدة:6.

صفحه 111
تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً1)، فالآية ظاهرة في أنّ كلاًّ من الواجد والفاقد للماء يقصد أمراً واحداً لكنّهما يختلفان في كيفية إيجاد الجامع الصادق على الفردين، فأحدهما يأتي بها بالطهارة المائية والآخر يأتي بها بالطهارة الترابية، فكلا الفردين من مصاديق الصلاة التي أمر بها جميع المكلّفين على اختلاف حالاتهم.
والمبرِّر لوحدة الأمر مع اختلاف المتعلّق في الكيفية هو كون الطبيعة ذات عرض عريض وذات مراتب مختلفة. وقد مرّ في مبحث الصحيح والأعمّ2 أنّ الصلاة بمعنى واحد تصدق على جميع المراتب المختلفة من دون أن يكون اللفظ مشتركاً لفظيّاً بين المراتب.
فعلى هذا الأساس يتجلّى الإجزاء بصورة واضحة، لأنّ المفروض أنّ الأمر واحد والطبيعة المتعلّقة للأمر، صادقة على فعل المتمكّن والمضطّر وينطبق على كليهما عنوان الصلاة ـ وعند ذاك ـ لا وجه لعدم الإجزاء بعد تمامية المقدّمات.
ثمّ إنّ القول بوحدة الأمر إنّما يوجب الإجزاء في صورتين:
أ: إذا كان العذر مستوعِباً لتمام الوقت فامتثل الأمر بالفرد الإضطراري الموجب للإجزاء.
ب: إذا لم يكن العذر مستوعباً ولكن دلّ الدليل على كفاية العذر غير المستوعب في البدار إلى امتثال الأمر بالفرد الإضطراريّ وعدم اشتراط العذر المستوعب، فإذا كان الامتثال بإذن من الشارع وانطبق عليه عنوان الطبيعة سقط

1 . المائدة:6.
2 . لاحظ الصفحة: 74 ـ 75.

صفحه 112
الأمر قطعاً، ولا يبقى لعدم الإجزاء وجه.
نعم لو كان العذر غير مستوعب ولم يدلّ دليل على جواز البدار إلى الامتثال بالفرد الإضطراري فلا وجه للقول بالإجزاء، لأنّ المقام يكون من قبيل الشكّ في سقوط الواجب بالفرد المشكوك فتجب عليه الإعادة في الوقت، والقضاء خارجه.
هذا كلّه على القول بوحدة الأمر ، وأمّا على القول بتعدد الأمر وأنّ هناك أمراً بالفرد الاختياري، وأمراً بالفرد الاضطراري، فإثبات الإجزاء على عاتق الدراسات العليا.
***

الثالث: إجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الواقعي1

إنّ العمل بالأمارات والأُصول تارة يكون لأجل استكشاف أصل التكليف والوظيفة، كالأمارة القائمة على كون الواجب هو صلاة الجمعة في ظهرها، أو الاستصحاب الدالّ على كونها الواجب.
وأُخرى لاستكشاف كيفية التكليف، كما إذا قامتا على عدم كون شيء شرطاً أو جزءاً أو مانعاً، أو على كونه شرطاً أو جزءاً أو مانعاً .
فيقع الكلام في موردين:
الأوّل: العمل بالأمارات أو الأُصول لاستكشاف كيفية التكليف، سواء أكانت الشبهة حكمية أم موضوعية.

1 . الحكم الواقعي عبارة عن كلّ حكم يؤخذ في موضوعه الشكّ، مثل الغنم حلال.
الحكم الظاهري عبارة عن كلّ حكم أخذ في موضوعه الشكّ، نظير كلّ شيء حلال حتّى تعلم أنّه حرام .

صفحه 113
الثاني: العمل بهما لاستكشاف أصل التكليف.
فلنقدم البحث في الأمارة على الأُصول كما تقدّم إعمالها لاستكشاف الكيفيّة، على استكشاف أصل التكليف.

الف: العمل بالأمارة في استكشاف كيفية التكليف

لو صلّى إنسان أو توضّأ أو اغتسل أو حجّ على وفق ما أخبر به الثقة اعتماداً على حجّية قوله لدى الشارع ثمّ بان خطأ الراوي، فهل يكون العمل مجزياً أو لا؟ حكى سيّد مشايخنا البروجردي(قدس سره)تسالم القدماء على الإجزاء في الأمارات والأُصول في استكشاف كيفية التكليف، وإنّما طرأ القول بعدم الإجزاء من عصر الشيخ الأنصاري(1212ـ 1281هـ).
ويمكن أن يُستدلّ على الإجزاء بوجود الملازمة العرفية بين الأمر بالعمل بها في موردها، وإجزائه في مقام الامتثال مطلقاً، وافقت الواقع أم خالفت، مثلاً إذا قال الإمام: «العمري ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعني يؤدّي، وما قال لك عني، فعني يقول، فاسمع له وأطع، فإنّه الثقة المأمون».1 وهو يعلم أنّ العمري إنسان غير معصوم ربما يخطأ، ومع ذلك يأمر بالعمل بقوله على وجه الإطلاق. فيكون معنى هذا أنّ المولى قد رضي في امتثال أوامره ونواهيه، وتحصيل أغراضه ومقاصده، على حدّ ما أدّت إليه الأمارة، التي تكون مطابقة للواقع بدرجة كبيرة، فكون الأمارة محصِّلة للمقاصد بهذا المقدار صحَّحَ الأمر بالعمل بقوله مطلقاً وبالتالي أوجب رفع اليد عن أغراضه فيما إذا أخطأ، كلّ ذلك لمصلحة عالية وهو تسهيل الأمر على المكلّفين.

1 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 4.

صفحه 114
وما استظهرنا من الملازمة بين الأمر بالعمل بقول الثقة، والإجزاء مطلقاً سواء أوافق الأمر أم لا، هو المتفاهم في العرف في هذه الموارد، مثلاً:
لو أمر المولى عبده بأن يهيِّئ له دواء ليتداوى به وأمره بأن يسأل صيدليّاً معيّناً عن نوعيّة أجزائه وكمّية وكيفية تركيبه، فاتبع العبد إرشادات الصيدليّ الذي جعل قوله حجّة في هذا الباب، ثمّ ظهر أنّ الصّيدليّ قد أخطأ في مورد أو موردين، فإنّ العرف يعدّون العبد ممتثلاً لأمر مولاه، ويرون عمله مسقطاً للتكليف، من دون تكليفه بالقيام مجدّداً بتهيئة الدواء، اللّهمّ إلاّ أن يأمره المولى به مجدّداً.
وهذه الارتكازات تدلّ على الملازمة بين الأمر بالرجوع إلى الثقات والخبراء، والاكتفاء في امتثال الأمر بما أتاه المكلّف بإرشادهم وهدايتهم، وهذا يعطي أنّ الشارع اكتفى في دائرة المولوية والعبودية فيما يرجع إلى مقاصده، بما يؤديه إخبار الثقة، ولو بان الخلاف، فهو يرفع اليد عن مقاصده، تسهيلاً للأمر على العباد.
فإن قلت: فأي فرق بين هذا القول وبين القول بالتصويب، فإنّ رفع اليد عن الحكم الواقعي في حقّ الجاهل ـ كما هو المفروض ـ تصويب وإنكار للحكم المشترك بين عامة الناس.
قلت: التصويب عبارة عن اختصاص الأحكام الواقعية بالعالم وعدم شمولها للجاهل من رأس، وهذا بخلاف المقام، فإنّ الأحكام الواقعية ـ على هذا القول ـ تشمل جميع الناس من دون تفاوت بين العالم والجاهل، ولكنّه سبحانه وتعالى تسهيلاً للأمر على العباد اكتفى في امتثال أوامره بإخبار الثقات، لمطابقتها للواقع بنسبة عالية، فأوجبت المصلحةُ التسهيلية عدمَ فعلية هذه

صفحه 115
الأحكام في موارد التخلّف.
وبالجملة فرق بين عدم جعل الحكم على الجاهل وبين عدم فعليته في حقّه، لأجل قيام الأمارة على خلاف الواقع.
فإن قلت: إنّ العبد وإن كان معذوراً في ترك الواقع ولكن غرض المولى بعدُ لم يستوف، فتجب الإعادة والقضاء لذلك.
قلت: لو علم المكلّف بأنّ غرض المولى بعدُ لم يُستوف كما إذا أمر بإحضار الماء للتوضّؤ فأتى به ثمّ تلف يجب عليه تجديد الامتثال لأجل حفظ الغرض، وأمّا المقام فليس هناك علم بعدم استيفاء الغرض وذلك لما عرفت من أنّ المصلحة التسهيليّة سببَّت لأن يتضيّق غرض المولى بما أدّت إليه الأمارة التي تطابق الواقع بدرجة كبيرة، فليس له إلاّ هذا المقدار من الغرض.
نعم لولا المصلحة التسهيلية لربما يتعلّق غرضه باستيفائه في عامة الموارد وافقت الأمارة للواقع أو خالفت. وعندئذ يقوى القول بعدم الإجزاء.
وبالجملة رفع الحرج عن المكلّفين وإيجاد الرغبة عند الناس إلى الدين من الأُمور التي صارت سبباً لتضييق غرضه وتحدّده بما توصل إليه الأمارة وغض النظر عمّا إذا لم يُستوفَ.
هذا هو المختار عندنا ولكن المتأخرين كالشيخ الأنصاري والمحقّق الخراساني وغيرهما من الأعلام ذهبوا إلى عدم الإجزاء في الأمارات القائمة على كيفية التكليف.

ب:العمل بالأمارة لاستكشاف أصل التكليف

إذا قامت الأمارة على أصل التكليف، كما إذا قام على أنّ الواجب هو صلاة

صفحه 116
الظهر وكان الواجب هو صلاة الجمعة، فالحقّ عدم الإجزاء وذلك لوجود الفرق بين قيام الأمارة على كيفية التكليف وقيامها على أصل التكليف.
ففي الصورة الأُولى أتى بالمكلّف به وانطبق عليه عنوان الصلاة ولكنّه كان ناقصاً غير تام، فيمكن ادّعاء الملازمة العرفية بين الأمر بالعمل بالأمارة والإجزاء في صورة التخلّف، وأمّا إذا لم يمتثل أصلاً، كما لو أمره المولى بخياطة ثوبه فاخبرت الثقة بأنّ الواجب هو طبخ الطعام، فلا وجه للاجزاء.
فالملازمة العرفية التي اعتمدنا عليها مختصّة بما إذا كان هناك امتثال لأمره، غاية الأمر لم يكن المأتيّ به مطلوباً تاماً، وأمّا إذا لم يمتثل أبداً، ولم ينطبق عليه عنوان المأمور به، بقي الغرض على ما كان عليه، فلا وجه لاجزاء امتثال أمر موهوم عن أمر حقيقي.
هذا كلّه حول العمل بالأمارة في كلا الموردين، وإليك البحث في العمل بالأُصول.

العمل بالأُصول العملية لاستكشاف كيفية التكليف

إذا امتثل الواجبَ، بالأُصول الشرعية كما إذا صلّى المكلّف في الثوب المتنجس اعتماداً على قاعدة الطهارة أو استصحابها، فهل يحكم بالإجزاء أو لا؟ فالظاهر هو الحكم بالإجزاء لوجهين:
الأوّل: ما ذكرنا في العمل بالامارة من حديث الملازمة بين الأمر بالعمل بالشيء لاستكشاف كيفية التكليف، والإجزاء، وقد مرّ مفصّلاً فلا نطيل.
الثاني: هو حكومة أدلّة الأُصول بالنسبة إلى أدلّة الأجزاء والشرائط، فإذا قال: صلّ في ثوب طاهر، ثمّ قال: إذا شككت في كون شيء طاهراً أو لا فهو

صفحه 117
طاهر، فالظاهر منه هو حكومة دليل الأصل على أدلّة الأجزاء والشّرائط، حيث إنّ الدليل الأوّل يدعو إلى إيقاعها في ثوب طاهر، والدليل الثاني يُثبت أنّ هذا المشكوك طاهر ومصداق للدليل الأوّل، فتكون نتيجة الحكومة هو كون الشرط للصلاة هو أعمّ من الطّهارة الواقعية أو الظّاهرية، وعليه إذا صلّى في ثوب محكوم بالطهارة، فقد صلّى في ثوب حاصل للشرط واقعاً، إذ المفروض ـ بعد الحكومة ـ أنّ الشرط هو أعمّ من الواقعية والظاهرية، وعندئذ ينطبق
عليه عنوان الصلاة فيسقط الأمر، لما عرفت من أنّ الإتيان بالمأمور به يلازم الإجزاء.
فإن قلت: إنّ الامتثال بالثوب المحكوم بالطهارة ظاهراً، والنجس واقعاً يوجب الإجزاء بالنسبة إلى الحكم الظاهري، وأمّا الحكم الواقعي المتعلّق بالثوب الطاهر واقعاً فهو باق.
قلت: إنّ الإشكال مبني على تعدد الأمر وأنّ هناك أمرين:
أمراً بالصلاة بالطهارة الظاهرية، وأمراً بها بالطهارة الواقعية، فالامتثال الأوّل لا يغني عن الثاني، وأمّا على ما ذهبنا إليه من أنّ هناك أمراً واحداً متعلّقاً بالصلاة حسب اختلاف الحالات وحسب ما للصلاة من العرض العريض
من الأفراد فليس هناك إلاّ أمر واحد والمفروض أنّه امتثله بشهادة كون
الفعل حائزاً لما هو الشرط فيه وبالتالي انطباق عنوان الصلاة عليه ومعه لا يبقى أمر.
وبذلك يعلم الحال في سائر الأُصول كقاعدة الحلية والبراءة والتجاوز، فلو أنّ القوم قاموا بدراسة واقع التشريع ووحدة الأمر مكان تعدّده لسهل عليهم القول بالإجزاء في عامة المراتب إلاّ إذا لم يكن هناك أيُّ امتثال.

صفحه 118
وبذلك يعلم حال الصورة الثانية من العمل بالأُصول وهو ما إذا قام الأصل على أصل التكليف وبان الخلاف كما إذا استصحب وجوب الجمعة وكان الواجب في الواقع هو الظهر، فعدم الإجزاء هو المحكّم لما مرّ في مورد الأمارات.

تنبيه: في تبدّل القطع

لو قطع المكلّف بشيء ثمّ بان خلافه من غير فرق بين تعلّق قطعه بكيفية العمل أو أصله، فلا ينبغي الشكّ في عدم الإجزاء، وذلك لأنّه لم يكن هناك أمر من المولى بالمقطوع به حتى يستدلّ بالملازمة على الإجزاء. إذ القطع حجّة عقلية، والآمر بتطبيق العمل على وفقه هو العقل لا الشرع، فلا وجه للإجزاء.

تطبيقات

1. لو صلّى اعتماداً على يقينه بدخول الوقت فبان الخلاف، لأعاد صلاته لعدم الأمر الشرعي بها. نعم لو صلّى اعتماداً على البيّنة الشرعية فمقتضى القاعدة(الملازمة العرفية) هو الإجزاء لولا قاعدة «لا تعاد» حيث إنّ الوقت أحد الأُمور الخمسة التي تعاد الصلاة في فوتها مطلقاً.
2. لو دخل الصبي في الصلاة وهو غير بالغ فبلغ في أثنائها، فيجب عليه إكمال الصلاة والاجتزاء بها لما عرفت من أنّ البالغ وغير البالغ يقصدان أمراً واحداً وهو (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمس إِلى غَسَقِ اللَّيل)1، غير أنّ الدليل الخارجي دلّ على شدّة الإرادة في البالغ وضعفها في غيره. وهذا لا يكون سبباً لتعدد الأمر، وعندئذ فقد امتثل الأمر المتعلّق بالصلاة، وانطبق عنوان الصلاة

1 . الإسراء:78.

صفحه 119
على المأتي به، فلا وجه لبقاء الأمر.
نعم ذهب صاحب الجواهر إلى لزوم الإعادة عملاً بتعدد الأمر، وقال: فيكون اللّذان تواردا على الصبي في الفرض أمرين: ندبياً وإيجابياً، ومن المعلوم عدم إجزاء الأوّل عن الثاني.1
3. إذا انحصر الثوب في النجس ولم يتمكّن من غسله ونزعه لبرد وصلّى فيه، فإن كان العذر مستوعباً فلا كلام في الإجزاء، وإن كان غير مستوعب كما إذا تمكّن من الغسل أو النزع في فترة من الوقت فالاجتزاء به يتوقّف على إطلاق في دليل الإضطرار، بأن كان العذر غير المستوعب مجوِّزاً للبدار وإقامة الصلاة في النجس وإلاّ فالمرجع هو الاحتياط للشكّ في سقوط الأمر الواحد.
4. لو دفع الزكاة إلى شخص على أنّه فقير فبان غنيّاً، اُرْتجعت مع التمكّن، فإن تعذّر ارتجاعها كان في ذمّة الآخذ، إنّما الكلام في براءة ذمّة الدافع فإن اعتمد في الفحص عن حاله على حجّة شرعية كالبيّنة أو خبر العادل بناء على حجّيته في الموضوعات أو الاستصحاب أجزأ ، لقاعدة الملازمة العرفية ويكون الموضوع لبراءة الذمة، الدفع لمن ظهر منه الفقر لا الفقر الواقعي.
5. إذا قلّد من يقول بصحّة الصلاة بلا سورة أو بصحّة العقد باللغة الفارسية أو بجواز ذبح الحيوان بغير الحديد ثمّ مات المقلَّد وقلد مجتهداً آخر يقول فيها بخلاف ما قال الأوّل، فيقع الكلام في عباداته ومعاملاته والتفصيل في مباحث الاجتهاد والتقليد.

1 . جواهر الكلام: 7 / 262.

صفحه 120
المقدّمة: أقسامها وأحكامها   

الفصل السادس

المقدّمة:

أقسامها وأحكامها
عُرِّفت المقدّمة بأنّها ما يتوصّل بها إلى شيء آخر على وجه لولاه لما أمكن تحصيله، وقد قسّموا المقدّمة إلى داخلية وخارجية، إلى عقلية وشرعية وعادية، إلى مقدّمة الوجود والصحّة، إلى مقدمة الوجوب والعلم، إلى السبب والشرط والمعد والمانع، إلى المقدّمة المفوّتة وغير المفوّتة، وإلى العبادية والتوصّلية، وقد بحثنا في هذه الأُمور في كتاب الموجز1 فلا نعيد.
والذي تجب الإشارة إليه في المقام هو تقسيم الشرط إلى شرط التكليف وشرط الوضع، وشرط المأمور به.
فشرط التكليف كالأُمور العامّة، مثل: العقل، والبلوغ، والقدرة.
وشرط الوضع كشرط الصحّة مثلاً نظير الإجازة في بيع الفضولي، إذ لولاها لما وصف العقد الصادر من الفضولي بالصحّة التامّة.
وشرط المأمور به كالطهارة من الحدث والخبث للصلاة.

تقسيم الشرط إلى متقدّم ومقارن ومتأخّر

قسَّم الأُصوليون الشرطَ إلى متقدّم ومقارن ومتأخّر، وإليك أمثلته:

1 . لاحظ : الموجز في أُصول الفقه: 45 ـ 48.

صفحه 121
أ: ما هو متقدّم في وجوده زماناً على المشروط، كالوضوء والغسل بالنسبة إلى الصلاة ونحوها، بناء على أنّ الشرط نفس الأفعال لا أثرها الباقي إلى حين الصلاة .
ب: ما هو مقارن للمشروط للزوم وجوده طول العمل، كالاستقبال وطهارة اللباس.
ج: ما هو متأخّر عن المشروط في وجوده زماناً، كاغتسال المستحاضة في الليل، الذي هو شرط لصحّة صوم النهار السابق، وكإجازة المالك التي هي شرط لصحّة بيع الفضولي من أوّل إنشائه على القول بأنّ الإجازة كاشفة عن صحة العقد من حين صدوره لا من حين صدور الإجازة (على القول بأنّ الإجازة ناقلة) وإلاّ يكون من قبيل المقارن.

دليل القائل بوجوب المقدّمة

اشتهر القول بأنّ مقدّمة الواجب واجبة، ومقدّمة الحرام حرام. ولنقدّم الكلام في حكم الأُولى، فنقول: قد استدلّ على وجوب المقدّمة بوجوه:
الوجه الأوّل: ما ذكره المحقّق الخراساني، حيث قال: إنّ الوجدان أقوى شاهد على أنّ الإنسان إذا أراد شيئاً له مقدّمات أراد تلك المقدّمات لو التفت إليها، بحيث ربّما يجعلها في قالب الطلب مثله، ويقول ـ مولوياً ـ : (أُدخل السوق واشتر اللحم)، مثلاً. بداهة أنّ الطلب المنشأ بخطاب «أُدخل»، مثل المنشأ بخطاب «اشتر» في كونه بعثاً مولوياً، وأنّه حيث تعلّقت إرادته بإيجاد عبده الاشتراء، ترشحت منها له إرادة أُخرى بدخول السوق، بعد الالتفات إليه وأنّه مقدّمة له.1

1 . كفاية الأُصول: 1/200.

صفحه 122
يلاحظ عليه: أنّ الوجدان يشهد على خلافه، وأنّه ليس هنا إلاّ بعث واحد، والأمر بالمقدّمة إمّا إرشاد إلى المقدّمية، أو تأكيد لذيها، ويشهد على ذلك أنّه لو سئل المولى عن وحدة بعثه وتعدّده، لأجاب بوحدته وإن هنا بعثاً واحداً متعلقاً بالمطلوب الذاتي.
الوجه الثاني: ما ذكره المحقّق النائيني، وحاصله أنّه لا فرق بين الإرادة التكوينية والتشريعية في جميع لوازمها، غير أنّ التكوينية تتعلّق بفعل نفس المريد، والتشريعية تتعلّق بفعل غيره; ومن الضروري أنّ تعلّق الإرادة التكوينية بشيء يستلزم تعلّقها بجميع مقدّماته قهراً.
نعم لا تكون هذه الإرادة القهرية فعلية، فيما إذا كانت المقدّمية مغفولاً عنها، إلاّ أنّ ملاك تعلّق الإرادة بها، وهو المقدّمية، على حاله. فإذا كان هذا حال الإرادة التكوينية، فتكون الإرادة التشريعية مثلها أيضاً.1
يلاحظ عليه: بالفرق بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية، وذلك لأنّ الإرادة التكوينية تتعلّق بنفس الفعل الصادر من المريد، ولا يصدر الفعل من الفاعل إلاّ بعد تعلّق الإرادة التكوينية بمقدّماته، فيريد كلَّ مقدّمة بإرادة خاصّة.
وأمّا الإرادة التشريعية فلا تتعلق بنفس الفعل الصادر من الغير، من دون فرق بين نفس الفعل ومقدمته، لأنّ الإرادة تتعلق بما هو واقع تحت اختيار المريد وهو الأمر والبعث ، وأمّا فعل الغير نفسه ومقدّماته فغير واقع تحت اختيار المريد، وعندئذ فإرادة المريد (الآمر) تتعلّق بما هو تحت اختياره وهو الأمر والبعث لا فعل الغير. سواء أكان نفسه أم مقدّمته.

1 . أجود التقريرات: 1/231، ولاحظ : فوائد الأُصول: 1/284.

صفحه 123
وقد صار تصّور إمكان تعلّق إرادة الآمر بفعل الغير سبباً لإشكالات كثيرة نبهنا عليها في موضعها.
هذا كلّه حول دراسة أدلّة القائلين بالوجوب وقد ذكرنا بعض أدلّتهم، وأمّا دليل القائل بعدم الوجوب فأمتنه ما يلي:

دليل القائل بعدم وجوب المقدّمة

وهو أنّ الغرض من الإيجاب المولوي هو جعل الداعي وإحداثه في ضمير المكلّف، لينبعث ويأتي بالمتعلّق، مع أنّ وجوبها إمّا غير باعث، أو غير محتاج إليه، فإنّ المكلّف إن كان بصدد الإتيان بذي المقدّمة، فالأمر النفسي الباعث إلى ذيها، باعث إليها أيضاً، ومعه لا يحتاج إلى صدور باعث آخر من المولى بالنسبة إليها. وإن لم يكن بصدد الإتيان بذيها وكان مُعرضاً عنه، لما كان الأمر بالمقدّمة باعثاً وداعياً.
والحاصل: أنّ الأمر المقدّمي يدور أمره بين اللغوية ـ إذا كان المكلّف بصدد الإتيان بذيها ـ وعدم الباعثية وإحداث الداعوية أبداً ، إذا لم يكن بصدد الإتيان بذيها.

ما هو الواجب من المقدّمة؟

ثمّ إنّ القائلين بوجوب المقدّمة اختلفوا فيما هو الواجب:
1. الواجب هو نفس المقدّمة من حيث هي، وهذا القول هو المشهور، وقد مرّ الكلام فيه .
2. الواجب هو المقدّمة الموصلة، وهو خيرة صاحب الفصول.

صفحه 124
3. الواجب هو المقدّمة بقصد التوصل إلى ذيها، وهو خيرة الشيخ الأنصاري.

حكم المقدّمة الموصلة

استدلّ صاحب الفصول على مختاره: بأنّ الحاكم بالملازمة بين الوجوبين هو العقل، ولا يرى العقل إلاّ الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب ما يقع في طريق حصوله وسلسلة وجوده، وفيما سوى ذلك لا يدرك العقل أيّة ملازمة بينهما.
وأُورد عليه: بأنّ العقل الحاكم بالملازمة دلّ على وجوب مطلق المقدّمة لا خصوص ما إذا ترتب عليها الواجب، لثبوت مناط الوجوب ـ أعني التمكّن من ذيها ـ في مطلقها وعدم اختصاصه بالمقيّد بذلك منها.
ولكن الحقّ أنّه لو قلنا بوجوب المقدّمة لاختصّ الوجوب بالموصلة منها، وذلك لأنّ الغاية تُحدِّد حكم العقل وتضيّقه، وذلك لأنّ التمكّن من ذي المقدّمة وإن كان غاية لوجوبها لكنّها ليست تمامها، والغاية التامّة هي كون المقدّمة الممكِّنة، موصلة لما هو المطلوب، وإلاّ فلو لم تكن موصلة، لما أمر بها، لأنّ المفروض أنّ المقدّمة ليست مطلوبة وإنّما تطلب لأجل ذيها.
وإن شئت قلت: إنّ المطلوب الذاتي هو التوصّل خارجاً، دون التوقّف، فلو فرض إمكان التفكيك بينهما، لكان الملاك هو التوصّل خارجاً دون التوقّف.
وبما أنّ المقدّمة في متن الواقع على قسمين يتعلّق الوجوب بالقسم الموصل في الواقع ونفس الأمر دون غيره.
وتظهر الثمرة بين القولين فيما إذا توقّف إنقاذ النفس المحترمة على

صفحه 125
إتلاف مال الغير إذا كان أقلّ أهمية منها، ولو افترضنا أنّه أتلفه ولم ينقذ الغريق، فعلى القول بوجوب مطلق المقدّمة لم يرتكب الحرام، لامتناع اجتماع الوجوب والحرمة في شيء واحد، بخلاف ما إذا قلنا بوجوب المقدّمة الموصلة، فبما أنّها لم تكن موصلة، لم تكن واجبة بل باقية على حرمتها.
واستدلّ على القول الثالث: بأنّ قصد التوصّل قيد للواجب، فالواجب هو خصوص ما أوتي به بقصد التوصّل.
يلاحظ عليه: أنّه دعوى بلا برهان، فإنّ ملاك الوجوب هو التوقّف ـ إذا لم نقل بوجوب المقدّمة الموصلة ـ وهو متحقّق فيما قصد به التوصّل وما لم يقصد، ولا معنى لأخذ ما لا دخالة له في موضوع الوجوب.
فخرجنا بالنتائج التالية:
أ. عدم وجوب المقدّمة على الإطلاق .
ب. على فرض وجوبها فالواجب هو المقدّمة الموصلة، لا المقيّدة بقصد التوصل.
ج. على القول بالملازمة بين الوجوبين يترتّب عليها وجوب المقدّمة في الواجبات وحرمتها في المحرّمات، وبذلك تكون المسألة (وجوب المقدّمة) من المسائل الأُصولية لوقوعها كبرى لاستنباط حكم شرعي كما في الموارد التالية:
1. إذا تعلّق النذر بالواجب، على وجه الاطلاق فلو قلنا بوجوب المقدّمة يكفي في الامتثال الإتيان بكلّ واجب غيري، وإلاّ فلا بدّ من الإتيان بواجب نفسي.
2. إذا أمر شخص ببناء بيت، فأتى المأمور بالمقدّمات، ثمّ انصرف الآمر، فعلى القول بأنّ الأمر بالشيء أمر بمقدّمته يصير الآمر ضامناً لها، فيجب عليه

صفحه 126
دفع أُجرة المقدّمات وإن انقطع العمل.
3. لو قلنا بوجوب المقدّمة شرعاً، يحرم أخذ الأُجرة عليها، كما إذا أخذ الأُجرة على مقدّمات تجهيز الميّت، لما تقرر في محلّه من عدم جواز أخذ الأُجرة على الواجبات.
4. لو كان لواجب واحد مقدّمات كثيرة، كالحجّ من أخذ جواز السفر، وتذكرة الطائرة، يحصل الفسق بترك هذين الأمرين على وجه لا يمكن تداركهما، لصدق الإصرار على الصغيرة إذا كانت مخالفة الأمر المقدّمي معصية صغيرة، ولا يتوقف حصول الفسق على ترك ذيها.
5. إذا كانت المقدّمة أمراً عبادياً، كالطهارات الثلاث، فلو قلنا بأنّ قصد الأمر الغيري يكفي في كون الشيء عبادة، فعلى القول بوجوب المقدّمة يكفي قصد الأمر الغيري في عباديّتها، وإلاّ فلابدّ في تصحيح عبادية الطهارات الثلاث من محاولة أُخرى مذكورة في محلّها.

حكم مقدّمة المستحب والمكروه والحرام

لو قلنا بوجوب مقدّمة الواجب تكون مقدّمة المستحب مستحبة، كالمشي إلى زيارة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، إنّما الكلام في مقدّمة المكروه فالظاهر أنّها مكروهة بعامة أجزائها كالمشي إلى الطلاق، لأنّ لكلّ جزء مدخلية في تحقّق المبغوض، فيسري إليها البغض كسريان الحبّ إليها في مقدّمة الواجب.
ويمكن أن يقال بكراهة الجزء الأخير من العلّة التامة لموضوع المكروه.
ومنه يظهر حال مقدّمة الحرام، فإذا كان الملاك للحرمة هو المدخلية فيحرم كلّ مقدّمة من مقدّمات الحرام، شرطاً كان أو معدّاً.

صفحه 127
ويمكن أن يقال بحرمة الجزء الأخير من العلّة التامّة الذي لا ينفكّ عنه وجود المبغوض، وعلى كلّ تقدير فالجميع فروض على أساس غير محقّق وهو وجوب المقدّمة أو حرمتها.

مميّزات الوجوب الغيري

ثمّ إنّه إذا قلنا بالوجوب الغيري فهو يتميز عن النفسي عند المشهور بوجوه:
1. أنّ الوجوب الغيري لا يوجد إلاّ بعد افتراض الوجوب النفسي، لكونه معلولاً له.
2. أنّ الوجوب الغيري لا يترتب على مخالفته العقاب لوضوح أنّ العقاب لا يتعدّد، حسب تعدّد مقدّمات الواجب النفسي.
3. الوجوب الغيري لا يكون مقصوداً بالذات في مقام الامتثال، وإنّما يكتسب المحبوبية من ناحية الوجوب النفسي الّذي يتوقّف امتثاله على امتثال الواجب الغيري.

صفحه 128
ترتّب الثواب على امتثال الواجب الغيري   

الفصل السابع

ترتّب الثواب على امتثال الواجب الغيري

لا إشكال في أنّ ترك الواجب النفسي يستوجب العقاب، لأنّه تمرّد وطغيان على المولى، وخروج عن رسم العبوديّة وزيّ الرقيّة، وهو قبيح عقلاً وشرعاً، فيستوجب اللوم والعقاب.
كما لا إشكال في أنّ ترك الواجب الغيري بما هوهو لا يستوجب العقاب، غير أنّه لمّا كان تركه ملازماً لترك الواجب النفسي، فالعقاب إنّما هو على ترك النفسي لا على مقدّمته.
كما لا إشكال في أمر ثالث، وهو ترتّب الثواب على امتثال الواجب النفسي إذا قصد القربة وأتى به للّه سبحانه.
إنّما الكلام في أمر رابع وهو ترتّب الثواب على امتثال الواجب الغيري إذا أتى به بقصد التوصّل، وعدم ترتّبه عليه، وقبل الخوض في المقصود، نشير إلى مسألة كلامية، وهي:
هل ترتّب الثواب على امتثال التكليف على وجه الاستحقاق أو على وجه التفضّل؟ قولان: ذهب إلى الأوّل المحقّق الطوسي في «تجريد الاعتقاد» وتبعه العلاّمة الحلّي في «كشف المراد»، ومال إليه المحقّق الخراساني في «الكفاية»، وذهب إلى الثاني الشيخ المفيد على ما نقل عنه.
أقول: أمّا الأوّل فالظاهر عدم ثبوته بل ثبوت خلافه، وذلك لأنّ من عرف

صفحه 129
ربّه وعظمته، وعرف فقر نفسه، وأنّ ما يملكه من حول وقوة، وجارحة وجانحة، وما يصرفه في طريق الطاعة، كلّه مفاض منه تعالى إليه، وليس ملكاً للعبد، بل ملك له سبحانه، صدّق القول بعدم الاستحقاق، لأنّ القائل بالاستحقاق ذهب إلى أنّه «يجب عليه سبحانه القيام به، وعَدّ تركه ظلماً منه للعباد»، ولكنه لا يجتمع مع القول بأنّ المالك هو اللّه سبحانه على الإطلاق، لا غير، وأنّ جميع شؤون العبد وحوله وقوّته وإرادته وفعله ملك للّه تعالى، فما أتى به العبد ليس سوى ما أعطاه إيّاه تعالى.
وإن شئت قلت: إنّ مثَل المخلوق إلى خالقه، مثَل المعنى الحرفي إلى الاسمي، فلا يملك المعنى الحرفي لنفسه شيئاً سوى كونه موجوداً غير مستقل في ذاته وفعله، وعند ذلك كيف يستحقّ شيئاً في ذمة المولى، بحيث لو لم يؤدّه يكون ظالماً في حقّه؟! وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (يأَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيد) .1
وأمّا التّعبير في بعض الآيات «بالأجر» الظاهر في الاستحقاق كقوله سبحانه: (وَالّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبيرِ ).2
وقوله سبحانه :(وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين) 3 إلى غير ذلك من الآيات، فإنّما هو من باب المشاكلة نظير التعبير بالاستقراض في قوله سبحانه: (مَنْ ذَا الّذي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَريم) .4

1 . فاطر:15.
2 . فاطر:7.
3 . هود:115.
4 . الحديد: 11.

صفحه 130
وأمّا على القول الثاني أي كون الثواب تفضّلاً من اللّه سبحانه فيكون الثواب والعقاب بالجعل والمواضعة فله أن يتفضّل على العباد بالوعد كما أنّ له أن لا يتفضّل عليهم به.
نعم بعد ما وعد يمتنع عليه التخلّف لاستلزامه الكذب الذي هو قبيح على الحكيم.
وعلى ضوء ذلك يظهر حكم المسألة أي ترتّب الثواب على الواجب الغيري، فلو قلنا بأنّ الثواب على نحو الاستحقاق يكون المدار هو إطاعة أمر المولى، سواء أكان المأمور به نفسياً أم غيرياً خصوصاً إذا أتى العبد بالمقدّمة بقصد التوصّل إلى الواجب فيعد مطيعاً والمطيع مستحق للثواب من غير فرق بين إطاعة أمر دون أمر ولا بين كون الواجب محبوباً بالذات أو لا، لأنّ ملاك الاستحقاق هو أن يكون فعل العبد لأجل امتثال أمره سبحانه من دون أن ينبعث عن أهواء نفسية وكون المتعلّق غير محبوب بالذّات كما في الواجب الغيري لا يؤثر في صدق الطاعة وكون الفعل للمولى المستتبع للثواب .
وأمّا لو قلنا بأنّ الثواب بالجعل والمواضعة فيتبع مقدار الجعل وحدوده، والظاهر من الكتاب هو الأعم وأنّ الثواب يترتب على مقدّمة الواجب أيضاً كما في قوله سبحانه: (مَا كانَ لأَهْلِ الْمَدينَةِ وَمَنْ حَولَهُمْ مِنَ الأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤونَ مَوطِئاً يَغِيظُ الكُفّارَ وَلاَ يَنالُونَ مِنْ عَدُوّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنينَ) 1 فقد قدّر لطيّ

1 . التوبة:120.

صفحه 131
الأرض والسفر إلى أرض المعركة، وما يصيبهم في أثناء ذلك من ظمأ وتعب ومشقة، أجراً، مع أنّها واجبات مقدّمية غيرية ، ومثل ذلك ما ورد من ترتّب الثواب على كلّ خطوة يخطوها المؤمن المتوجّه لزيارة الإمام الطاهر الحسين بن علي(عليهما السلام).1

1 . لاحظ : كامل الزيارات: 133.

صفحه 132
تقسيم الواجب إلى مطلق ومشروط   
 
الفصل الثامن

تقسيم الواجب إلى مطلق ومشروط1

إذا كان وجوب الشيء مشروطاً بوجود شيء، سواء أكان أمراً خارجاً عن الاختيار كدلوك الشمس بالنسبة إلى وجوب صلاة الظهر، أم داخلاً في الاختيار كالاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحجّ ، يطلق عليه الواجب المشروط.
وأمّا إذا كان وجوب الشيء غير مشروط بوجود الشيء بل يجب، سواء أكان هذا الشيء موجوداً أم لا، يطلق عليه الواجب المطلق، وذلك كوجوب الصلاة بالنسبة إلى الوضوء، فإنّ وجوبها ليست مشروطة بالوضوء على نحو لو لم يتوضأ لم تجب عليه الصلاة، بل الوجوب مطلق غاية الأمر أنّ الوضوء شرط الصحة، ولو عصى وترك التوضؤ، لاستحق العقاب على ترك الصلاة.
وبذلك يعلم أنّ الإطلاق والتقييد من الأُمور الإضافية كالأُبوّة والبنوّة ولا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة ويجتمعان فيه من جهتين، مثلاً وجوب الصلاة بالنسبة إلى دلوك الشمس وجوب مشروط وهو بالنسبة إلى الوضوء وجوب مطلق، وتظهر ثمرة كون الوجوب مطلقاً أو مشروطاً في خصوص المقدّمات الاختيارية، فإن كان الوجوب مطلقاً بالنسبة إلى أمر مثلاً

1 . عقدنا الفصلين: الثامن والتاسع بعد فصل مقدّمة الواجب لوجود صلة بينهما باعتبار أنّ الشرط والمعلّق عليه يعداّن من المقدمات.

صفحه 133
كالوضوء لزم تحصيل الوضوء وبذل المال لشراء ماء الوضوء، وأمّا إذا كان وجوبه مشروطاً به، فالوجوب لا يتحقّق إلاّ بعد وجود الشرط، فلا وجه لوجوب تحصيله.
ومنه يعلم أنّ المقسم هو الوجوب، وأنّ وصف الواجب بالمطلق والمشروط من قبيل الوصف بحال المتعلّق.

نظرية الشيخ الأنصاري في الواجب المشروط

ذهب المشهور إلى أنّ الوجوب في الواجب المشروط مقيّد بالقيود المأخوذة في لسان الدليل، فالوجوب غير حاصل ما لم تحصل هذه القيود. وأمّا المادّة التي تلبّست بها الهيئة، فهي باقية على إطلاقها. ومعنى قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاة لِدُلُوكِ الشَّمْس إِلى غَسَقِ اللَّيل) هو تجب عند دلوك الشمس الصلاة، فالوجوب مقيّد بدلوكها وإن كانت المادة ـ أعني: نفس الصلاة ـ باقية على إطلاقها. فالقيد راجع إلى الهيئة.
وخالف في ذلك الشيخ الأعظم في تقريراته1 فاختار أنّ القيود كلّها من خصوصيات المادة، وأمّا الهيئة فهي باقية على إطلاقها. وعليه يصير معنى الآية المذكورة: تجب الصلاة المقيّدة بالدلوك، كما أنّه يصير محصّل قولك: «أكرم زيداً إن جاء» أنّه يجب الإكرام المقيّد بالمجيء.
وعند ذلك تختلف النتيجة، فعلى المشهور، لا وجوب ما لم يتحقّق القيد أي الدلوك، وعلى قول الشيخ الوجوب حاليّ، وإن كان ظرف العمل استقبالياً.

1 . مطارح الأنظار:45ـ46.

صفحه 134
يلاحظ على نظرية الشيخ بأنّ القيود بحسب اللب والواقع على قسمين، ولا معنى لجعلهما قسماً واحداً.
فإنّ قسماً منها يرجع إلى مادّة الواجب كما إذا ترتبت المصلحة على الصلاة في المسجد والطواف حول البيت لا على نفس الصلاة والطواف المطلق. فلا شكّ أنّ القيد «في المسجد»، «حول البيت» من قيود الصلاة فلأجل ذلك يجب عليه تحصيل المسجد لإقامة الصلاة فيه وشدّ الرحال إلى مكة المكرّمة للطواف.
وأنّ قسما منها يكون مؤثراً في ظهور الإرادة وبعث المولى بحيث لولا الشرط لما كان هناك بعث ولا طلب فلا شكّ أنّه من قيود الهيئة، فإذا قال: إن أفطرت فكفِّر وإن ظاهرت فأعتق، فانّ تعلّق إرادة المولى بالتكفير بصورة الإيجاب، رهن صدور عمل محرّم من العبد كالإفطار في شهر رمضان والظهار بحيث لولاهما لما صدر منه بعث إلى التكفير ولا أمر بالعتق فيكون «الإفطار» في قوله: «إن أفطرت فكفِّر» قيداً للبعث إلى التكفير، الحاكي عن الإرادة الحتميّة.
ولنمثِّل مثالاً آخر: أنّ حجّ المتسكع ذو مصلحة، كما أنّ أداء الزكاة قبل بلوغ النصاب لا يخلو من مصلحة، غير أنّ إرادة المولى أو بعثه مشروطة بالاستطاعة وبلوغ الغلة حدّ النصاب، وما ذلك إلاّ للزوم الحرج والضيق على المكلّفين لو لم يقيّد الوجوب بالاستطاعة وبلوغ النصاب.
فإذا كانت ماهية الشروط على قسمين مختلفين فلا وجه لجعلها قسماً واحداً، كما عليه المحقّق الأنصاري.
تقسيم الواجب المطلق إلى منجَّز ومعلَّق   

صفحه 135
 
الفصل التاسع

تقسيم الواجب المطلق إلى منجَّز ومعلَّق

إنّ صاحب الفصول قسّم الواجب المطلق إلى قسمين: منجّز ومعلّق، فقال:
إذا تعلّق الوجوب بالمكلّف به كمعرفة اللّه ولم يتوقّف حصول الواجب على أمر غير مقدور يسمّى منجّزاً، وإن تعلّق به على وجه الاطلاق ولكن توقّف حصول الواجب في الخارج على أمر غير مقدور كالوقت في الحج يسمى معلّقاً، فإنّ وجوبه يتعلّق بالمكلف من أوّل زمان الاستطاعة أو خروج الرفقة ويتوقف فعله على مجيء وقته وهو غير مقدور.1 وهذا ما يُعبّر عنه بأنّ الوجوب فعلي والواجب استقباليّ.
وحاصله: أنّه إذا لم يكن وجوب الواجب، ولا امتثال نفس الواجب، متوقفين على حصول أمر غير مقدور، فهو الواجب المنجّز كالمعرفة.
وإن كان وجوبه غير متوقف على شيء لكن كان امتثال الواجب متوقفاً على حصول أمر غير مقدور، فهو الواجب المعلّق، أي عُلِّق الإتيان به على مجيء زمنه، كما هو الحال في المستطيع عند وجود جميع المقدّمات قبل حلول أيّام الحجّ.
فالوجوب في كلتا الصورتين فعليّ، غير أنّ الواجب في الأوّل (المعرفة) فعلي دون الثاني، فإنّ الواجب فيه استقبالي.

1 . الفصول: 81 بتلخيص.

صفحه 136

ثمرة التقسيم إلى المنجّز والمعلّق

ثمّ إنّ الداعي إلى هذا التقسيم هو دفع الإشكال عن المقدّمات المفوِّتة حيث إنّ المشهور هو أنّ فعلية وجوب المقدّمة يتبع فعلية وجوب ذيها، ومع ذلك نرى في الشريعة الإسلامية موارد توهم خلاف ذلك حيث وجبت المقدّمة قبل وجوب ذيها، ومنها الموارد التالية:
أ: وجوب الاحتفاظ بالماء قبل الوقت لواجده إذا علم عدم تمكّنه منه بعد دخول الوقت.
ب: وجوب الغسل ليلة الصيام قبل الفجر للجنب والمستحاضة.
ج: وجوب تحصيل المقدّمات الوجودية ـ بعد الاستطاعة ـ قبل فوت الحجّ.
د: وجوب تعلّم الأحكام للبالغ قبل مجيء وقت الوجوب إذا ترتّب على ترك التعلّم فوت الواجب في ظرفه.
ففي هذه الموارد تنهدم القاعدة المعروفة من «انّ فعليّة وجوب المقدّمة يتبع فعلية وجوب ذيها» لوجوب المقدّمة فيها قبل وجوب ذيها.
هذا هو الإشكال وقد تخلّص منه صاحب الفصول بتقسيم الواجب المطلق إلى المنجّز والمعلّق، والقول بأنّ الواجب في هذه الموارد من قبيل الواجب المعلّق، فالوجوب فعلي قبل الوقت وإن كان الواجب استقبالياً، فلا يلزم انهدام القاعدة. لأنّ وجوب المقدّمة المفوّتة في هذه الموارد لأجل فعليّة وجوب ذيها ولا تنافي استقبالية الواجب لوجوب المقدّمة بالفعل.
ثمّ إنّ من أنكر تقسيم الواجب المطلق إلى المنجّز والمعلّق، تخلّص من الإشكال في هذه الموارد بوجوه أُخرى مذكورة في مراحل عليا من دراسة هذا العلم.

صفحه 137
اقتضاء وجوب الشيء لحرمة ضدّه    

الفصل العاشر

اقتضاء وجوب الشيء لحرمة ضدّه

اختلفت كلمة الأُصوليّين في اقتضاء وجوب الشيء لحرمة ضدّه، والضدّ على قسمين:
أحدهما: الضدّ العام وهو بمعنى النقيض، فلو أمر بالصّلاة يكون تركها محرّماً.
ثانيهما: الضدّالخاص وهو الفعل الوجودي الذي لا يجتمع مع الفعل الواجب، كما إذا أمر بإزالة النجس عن المسجد فوراً وقد دخل وقت الصلاة، فلو قلنا بالاقتضاء يكون الأمر بالإزالة نهياً عن الصلاة.

حكم الضدّ العام

أمّا الضدّالعام فلا يخلو إمّا أن يكون الاقتضاء بالدلالة المطابقية بأن يكون الأمر بالشيء عين النّهي عن تركه، أو بالدلالة التضمنية بأن يكون الأمر بالشيء بمعنى طلب ذلك الشيء والمنع عن تركه، فالوجهان لا يرجعان إلى شيء لما عرفت من أنّ مفاد الأمر هو البعث إلى الشيء وليس فيه أيّ دلالة على حكم الترك فضلاً عن كون النّهي عنه على نحو العينية أو الجزئية، وأمّا الدّلالة على النّهي بنحو الدلالة الالتزامية فهي تتصور على نحوين:
الأوّل: الالتزام بنحو اللّزوم البيّن بالمعنى الأخص، بأن يكون نفس

صفحه 138
تصوّر الوجوب كافياً في تصوّر المنع عن الترك.
الثاني: الالتزام بنحو اللّزوم البيّن بالمعنى الأعم بأن يكون تصوّر الطرفين (الأمر بالشيء والنهي عن الضدّ العام) والنسبة كافياً في التصديق بالاقتضاء.
أمّا الأوّل فواضح الانتفاء، إذ كيف يصحّ ادّعاء الدلالة الالتزامية بهذا النحو، مع أنّ الإنسان كثيراً ما يأمر بشيء وهو غافل عن الترك فضلاً عن النّهي عنه؟
وأمّا الثّاني: ففيه انّ هذا النحو من النهي يدور أمره بين عدم الحاجة واللغوية ، وذلك لأنّ الأمر بالشيء إذا كان باعثاً نحو المطلوب يكون النّهي عن الترك غير محتاج إليه إلاّ إذا كان تأكيداً للأمر ولكنّه خارج عن محط البحث، وإذا لم يكن باعثاً نحو المطلوب، يكون النهي عن الترك لغواً لعدم ترتّب الفائدة عليه.
هذا كلّه حول الضدّ العام.
أمّا الضدّ الخاص، فقد استدلّ عليه بوجهين:
أحدهما : مسلك المقدمية.
الثاني: مسلك الملازمة.
أمّا الأوّل فهو مبني على تسليم أُمور ثلاثة:
1. أنّ ترك الضدّ كالصلاة مقدّمة للمأمور به كالإزالة.
2. أنّ مقدّمة الواجب واجبة فيكون ترك الصلاة واجباً بهذا الملاك.
3. أنّ الأمر بالشيء (وهو في المقام قوله: اترك الصلاة) يقتضي النهي

صفحه 139
عن ضدّه العام، أعني: نقيض المأمور به وهو هنا نفس الصلاة.
وأنت خبير بعدم صحّة شيء من هذه الأُمور.
أمّا الأمر الأوّل ـ أي كون ترك الضد مقدّمة للمأمور به ـ فغير صحيح، إذ لا مقدّمية لترك أحد الفعلين لإيقاع الفعل الآخر، فلا ترك الصلاة مقدّمة للإزالة ولا ترك الإزالة مقدّمة للصّلاة، بل غاية الأمر أنّ بينهما منافرة ومعاندة لا يجتمعان في زمان واحد. وأمّا كون أحد التَرْكين مقدّمة للآخر فلا، لأنّ السبب الحقيقي لتحقّق كلّ واحد من الضدّين، هو إرادة المكلّف واختياره، فإذا وقع أمام الضدّين ورأى أنّ الجمع بينهما أمر غير ممكن، يختار واحداً منهما ، ويترك الآخر، حسب اقتضاء غرضه، من دون أن يكون ترك أحدهما مقدّمة لفعل الآخر.
ويمكن إبطاله أيضاً بوجه آخر وهو أنّ الترك أمر عدمي، وجعل العدم موقوفاً عليه غفلة عن حقيقة العدم، فإنّ العدم أمر ذهني لا وجود له في الخارج كما هو واضح، وما هو هذا شأنه لا يكون مؤثّراً ولا متأثّراً ولا موقوفاً ولا موقوفاً عليه.
وأمّا الأمر الثاني ـ أي وجوب المقدّمة التي هي «ترك الصلاة» ـ فقد عرفت ضعفه لما عرفت من أنّ وجوب المقدّمة دائر بين ما لا حاجة إليه أو كونه لغواً.
وأمّا الأمر الثالث ـ أي كون الأمر بالشيء حتّى الأمر المقدّمي مثل «اترك الصلاة»، يقتضي النّهي عن ضدّه العام ونقيضه أي الصلاة ـ ففيه أنّ هذا النهي (لا تصلّ) أمّا غير محتاج إليه إذا كان الأمر بالترك باعثاً، أو لغو إذا كان الأمر بالترك غير باعث.
إلى هنا تمّ الكلام في عدم اقتضاء وجوب الشيء حرمة ضدّه سواء أُريد

صفحه 140
منه الضدّ العام أو الخاص من باب المقدّمية.
وأمّا المسلك الثاني، أي مسلك الملازمة فقد أوضحنا حاله في «الموجز»1 فلا نطيل، فلاحظ .

الثمرة الفقهية للمسألة

تظهر الثمرة الفقهية للمسألة في بطلان العبادة إذا ثبت الاقتضاء، فإذا كان الضدّ عبادة كالصلاة، وقلنا بتعلقّ النهي بها بأحد المسلكين السابقين تقع فاسدة، لأنّ النهي يقتضي الفساد، فلو اشتغل بالصلاة حين الأمر بالإزالة تقع صلاته فاسدة، أو اشتغل بها، حين طلب الدائن دينه.
ثمّ إنّ شيخنا بهاء الدين العاملي أنكر الثمرة، وقال: إنّ الصلاة باطلة سواء أقلنا باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه أم لم نقل.
أمّا على الصورة الأُولى فلأجل النهي، وأمّا على الصورة الثانية فلأجل سقوط الأمر بالصلاة، لأنّ الأمر بالشيء وإن لم يستلزم النهي عن الضدّ ولكن يستلزم سقوط الأمر بالضدّ في ظرف الأمر بالإزالة لئلا يلزم الأمر بالضدين في وقت واحد، فنفس عدم الأمر كاف في البطلان وإن لم يتعلّق بها النهي.
فالمسألة فاقدة للثمرة على كلّ حال، لأنّ الصلاة باطلة إمّا لكونها محرّمة على القول بالاقتضاء، أو غير واجبة على القول بإنكار الاقتضاء، ومعنى عدم وجوبها، عدم تعلّق الأمر بها وهو يلازم البطلان.
ثمّ إنّ المتأخّرين من الأُصوليّين حاولوا إثبات صحّة الصلاة مع سقوط أمره بطريقين:

1 . لاحظ : الموجز في أُصول الفقه: 56 ـ 57.

صفحه 141
الأوّل: صحّة الصلاة لأجل وجود الملاك في الضدّ المبتلى به.
الثاني: الأمر بالضدّ على نحو الترتّب، أي بشرط عصيان الأمر بالأهم، كأن يقول: أزل النجاسة وإن عصيت فصلِّ.
أمّا الوجه الأوّل، فقد اختاره المحقّق الخراساني، من أنّه يكفي مجرّد الرجحان والمحبوبية للمولى فإنّه يصحّ أن يُتقرب به منه، فإذا كانت العبادة غير منهيّ عنها ـ كما هو المفروض ـ يكون محكوماً بالصحّة وإن لم يكن هناك أمر وذلك لكفاية الملاك والرجحان الذاتي فيها، إذ الفرد المزاحِم لتطهير المسجد وغير المزاحِم سيّان في الملاك والمحبوبية الذاتية، إذ غاية ما أوجبه الابتلاء بالأهم هو سقوط أمره وأمّا ملاكه فهو بعدُ باق عليه.1
هذا هو حال الوجه الأوّل، وأمّا حال الوجه الثاني فهو المعروف بمسألة الترتّب ويطلب من مراحل دراسية عليا.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 212، بتحرير منّا.

صفحه 142
متعلّق الأوامر   

الفصل الحادي عشر

متعلّق الأوامر

هل الأوامر والنواهي تتعلّق بالطبائع أو بالأفراد؟
فنقول: المراد من الطبيعة: هو المفهوم الكلي من غير فرق بين أن يكون من الماهيّات الحقيقية، كالأكل والشرب; أو الماهيّات المخترعة، كالصلاة والصوم.
والمراد من الأفراد: هي الطبيعة مع اللوازم التي لا تنفكّ عنها لدى وجودها ولا يمكن إيجادها في الخارج منفكّة عنها، فوقع النزاع في أنّ متعلّق الأمر هل هو نفس الطبيعة الصرفة، بحيث لو قدر المكلّف على الإتيان بها مجرّدة عن المشخصات الفردية لكان ممتثلاً لأوامر المولى، أو أنّ متعلّقه هو الطبيعة مع اللوازم الفردية ؟
وعلى ذلك، فالمراد من الطبيعة هو ذات الشيء بلا ضمّ المشخّصات، كما أنّ المراد من الفرد، ذاك الطبيعي منضمّاً إلى المشخّصات الفردية الكلية، مثلاً:
إذا قال: المولى أكرم العالم، فهل متعلّق الأمر هو نفس ذلك المفهوم الكلي ـ أي إكرام العالم ـ أو هو مع المشخّصات الملازمة للمأُمور به، كالإكرام في زمان معيّن، أو مكان معيّن، وكون الإكرام بالضيافة، أو بإهداء الهدية، إلى غير ذلك من العوارض.
إذا وقفت على معنى الطبيعة والأفراد في عنوان البحث، فنقول:

صفحه 143
الحق أنّ الأمر يتعلّق بالطبيعة دون الفرد، لأنّ البعث والطلب لا يتعلّقان إلاّ بما هو دخيل في الغرض ويقوم هو به، ولا يتعلّقان بما هو أوسع ممّا يقوم به الغرض ولا بما هو أضيّق منه، وليس المحقّق للغرض إلاّ ذات الطبيعة دون مشخّصاتها، بحيث لو أمكن للمكلّف الإتيان بذات الطبيعة بدونها لكان ممتثلاً.
وعلى هذا فالطبيعة بما هي هي متعلّقة للطلب والبعث.
وبذلك يعلم أنّ متعلّق الزجر في النهيّ هو نفس متعلّق الأمر أي الطبيعة.
والحاصل: أنّ محصّل الغرض هو المحدِّد لموضوع الأمر، وقد عرفت أنّ المحصّل هو نفس الطبيعة لا المشخّصات، كالزمان والمكان وسائر عوارض الطبيعة.

ثمرة المسألة

تظهر الثمرة في باب الضمائم، كما إذا توضأ في الصيف بماء بارد وقصد القربة في أصل الوضوء لا في الضمائم، فلو قلنا بتعلّق الأمر بالطبائع لكفى وجود القربة في أصل الوضوء بالماء وإن لم يقصد القربة في الضمائم، وأمّا لو قلنا بتعلّقه مضافاً إلى الطبيعة بالأفراد ـ أي اللوازم ـ لبطل الوضوء لأجل التبريد مثلاً، لأجل عدم صد القربة في الضميمة.

تفسير خاطئ للفرد في المقام

نعم ربّما يفسر الفرد، بالفرد الخارجي أو المصداق من الطبيعة ويقال: هل الأمر يتعلّق بالمفهوم الكلي كالصلاة، أو يتعلّق بالفرد الخارجي الذي يمتثل به المكلّف؟

صفحه 144
لكنّه تفسير خاطئ، لأنّ الفرد بهذا المعنى لا يتحقّق إلاّ في الخارج وهو ظرف سقوط التكليف، لا ظرف عروضه، والبحث إنّما هو في معروض التكليف لا فيما يسقط به، بل المراد من الفرد في المقام هوالطبيعة مع العوارض والمشخّصات كما مثلنا، وهما كالطبيعة من الأُمور الكليّة.
نعم، المراد من الفرد في مبحث اجتماع الأمر والنهي عند القائل بالامتناع هو الفرد الخارجي، والمصداق المعيّن من الطبيعة، فاحفظ ذلك لئلاّ يختلط الاصطلاحان في المقامين عليك.

صفحه 145
التخيير بين الأقلّ والأكثر   

الفصل الثاني عشر

التخيير بين الأقلّ والأكثر

لا إشكال في التخيير بين المتباينين كما هو الحال في خصال الكفّارة إنّما الإشكال في جوازه بين الأقلّ والأكثر، كتخيير المصلّي بين تسبيحة واحدة أو ثلاث تسبيحات، وذلك لأنّ الأقل يحصل دائماً قبل الأكثر فيسقط به الأمر، ولا تصل النوبة إلى الامتثال بالأكثر، ولأجل ذلك حمل الزائد على التسبيحة الواحدة على اجتماع الواجب مع المستحب.
وقد قام بعض المحقّقين بتصحيح التخيير بينهما بالبيان التالي وهو:
إذا كان الأثر مترتباً على الفرد التام من الأقل والفرد التام في الأكثر، يصحّ التخيير بين الفرد الأقل والفرد الأكثر، وذلك لأنّ الأقلّ الموجود في ضمن الأكثر لا يكون مصداقاً للواجب الأقلّ وإنّما يكون مصداقاً له إذا وجد بحدّه وبصورة فرد مستقل وهو لا يتحقّق إلاّ بفصله عن الزائد، وأمّا إذا وجد متصلاً معه فلا يكون فرداً للأقل المأمور به وإن كان مصداقاً لذات الأقل.
نعم لو كان الأثر مترتباً على مطلق الأقل أعم من أن يكون مستقلاً أو موجوداً في ضمن الأكثر فلا يصحّ التخيير إذ لا تصل النوبة في مقام الامتثال إلى الامتثال بالأكثر، لأنّ المأتي به لا يخلو إمّا أن يكون فرداً مستقلاً للأقل فيسقط الأمر به، أو يكون في ضمن الأكثر فيتحقّق قبل تحقّق الأكثر.
وبعبارة أُخرى: يصحّ التخيير بين الفرد بشرط لا، والفرد بشرط شيء،

صفحه 146
ولا يصحّ التخيير بين الفرد اللا بشرط والبشرط شيء، لأنّ الأقل يتحقّق دائماً قبل الأكثر.
يلاحظ عليه: أنّ التخيير بين الفرد «بشرط لا» والفرد «بشرط شيء» ليس من قبيل التخيير بين الأقل والأكثر بل من قبيل التخيير بين المتباينين. وذلك لأنّ الأقل الموجود بحدّه وبصورة «بشرط لا» لا يعدُّ أقلّ بالنسبة إلى الأكثر، بل هو فرد مباين للأكثر، فعندئذيصبح التخيير بين المتباينين وهو خارج عن الفرض.
وأمّا التخيير بين ذات الأقل اللا بشرط والأكثر فهو ـ كما أفاده ـ أمر غير صحيح لوجود الأقلّ في ضمن الأكثر فيسقط الأمر بالإتيان بالأقل من دون حاجة إلى الأكثر، وعلى ضوء هذا فالخط القصير المحدود بحد، والطويل المحدود بحد، وإن كان يصحّ التخيير بينهما، لكنّهما ليسا من قبيل الأقلّ والأكثر بل من قبيل المتباينين.
وأمّا ذات الخط القصير أعمّ من المحدود، والموجود في ضمن الأكثر، فهو وإن كان بالنسبة إلى الأكثر من قبيل الأقل والأكثر، لكنّه لا يصحّ التخيير بينهما لسقوط الأمر مطلقاً بالأقل أعم من المحدود، أو الموجود في ضمن الأكثر.
ومثله التسبيحات الأربع، فإنّ الغرض إذا كان مترتباً على التسبيحة الواحدة المقيّدة بالوحدة بحيث تخرج عن قابلية لحوق الزائد عليها بها، وإن صحّ التخيير لكنّه تخيير بين المتباينين . أمّا التخيير بين ذات الأقلّ والأكثر، فقد عرفت لغوية الأمر بهذا النحو.
قد تمّ الكلام في الأوامر ضمن
اثني عشر فصلاً ويليه البحث في النواهي

صفحه 147
في النُواهي   

   المقصد الثاني

في النُواهي

الكلام في النّواهي على غراره في الأوامر، فيبحث فيها تارة عن مفاد مادة النّهي، وأُخرى عن مفاد هيئته، وثالثة عن دلالتها على المرّة أو التكرار، إلى غير ذلك ممّا يمتُّ إليها بصلة. وبما أنّا أشبعنا الكلام في هذه المقامات في «الموجز» عند البحث في الأوامر فلا نرى حاجة إلى التكرار في المقام. فلنعطف عنان الكلام إلى تبسيط ما أوجزناه أو ما لم نتعرض له فيه. ويتمّ الكلام في هذين الأمرين ضمن فصول:
الفصل الأوّل: اجتماع الأمر والنّهي
الفصل الثاني: اقتضاء النّهي في العبادات للفساد
الفصل الثالث: اقتضاء النّهي في المعاملات للفساد

صفحه 148

صفحه 149
اجتماع الأمر والنّهي   

الفصل الأوّل

اجتماع الأمر والنّهي

وقبل الخوض في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

1. في عنوان البحث

هل يجوز اجتماع الأمر والنّهي على عنوانين متصادقين على واحد في الخارج أو لا؟ كما إذا أمر بالصّلاة على وجه الإطلاق ونهى عن الغصب كذلك فتصادقا في الصلاة في الدارالمغصوبة، فيقع الكلام في أنّه هل يمكن الأخذ بالدليلين في مورد التصادق أو لا ؟
لا شكّ أنّه يجب الأخذ بكلّ من الأمر والنهي في موردي الافتراق إنّما الكلام في إمكان الأخذ بكلا الإطلاقين في مورد التصادق بأن يكون للمولى فيه أمر ونهي، بعث وزجر، وعدمه. فيه قولان: قول بجواز الاجتماع، وقول بامتناعه.
فالقائل بجواز الاجتماع يأخذ بإطلاق كلا الدليلين ويَعدُّ المصلّي في الدار المغصوبة، ممتثلاً من جهة، وعاصياً من جهة أُخرى، والقائل بالامتناع يقول بلزوم الأخذ بأحد الإطلاقين ورفض الإطلاق الآخر في مورده.
وبما ذكرنا ظهر أنّ متعلّق التكليف هو الطبيعتان المختلفتان باسم الصلاة والغصب، وأمّا الواحد فهو ما يتصادق عليه المتعلّقان ويتمثلان فيه.

صفحه 150
فيرجع روح النزاع إلى إمكان حفظ الإطلاقين في ذلك المورد وعدم حفظه، فالقائل بالاجتماع يحتفظ بهما، والقائل بالامتناع يأخذ بأحدهما إمّا الأمر وإمّا النهي.
كما ظهر أنّ النزاع كبروي وهو جواز الأخذ بالإطلاقين في مورد التصادق وعدمه.

2. الفرق بين المسألتين

قد ذكرنا في «الموجز»1 أنّ الفرق بين هذه المسألة وما سيأتي من دلالة النهي في العبادات والمعاملات على الفساد واضح جدّاً، لأنّ المسألتين تفترقان موضوعاً ومحمولاً، وما كان كذلك يكون غنيّاً عن بيان الفرق، فأين هذه المسألة (هل يجوز اجتماع الأمر والنهي على عنوانين متصادقين على واحد في الخارج أوْ لا) من قولنا: «هل النهي في العبادات أو المعاملات يدل على الفساد أو لا؟» فليس بينهما وجه اشتراك حتى نبحث عن وجه الامتياز.

3. الفرق بين المقام وما يأتي في باب التعارض

ربما يتبادر إلى الذهن أنّ البحث في المقام يُشبه البحث في حكم العامّين من وجه في باب التعادل والترجيح، توضيحه:
إذا تعلّق الأمر بعنوان، والنهي بعنوان آخر وكان بين العنوانين عموم وخصوص من وجه كما إذا قال: أكرم العلماء ثمّ قال: لا تكرم الفسّاق، فتصادقا في العالم الفاسق، فقد عدّ الأُصوليّون المسألة في مورد الاجتماع من أقسام

1 . الموجز في أُصول الفقه: 72.

صفحه 151
التعارض مع أنّ هذا المقام يماثله إلى حدّ كبير، حيث إنّ الأمر تعلّق بالصلاة والنهي بالغصب وبين العنوانين عموم وخصوص من وجه وتصادقا في مورد واحد، فيقع الكلام فيما هو الفرق بين المقام والمذكور في باب التعادل والترجيح حيث جعلوا الثاني من قبيل المتعارضين، دون الأوّل.
والجواب وجود الفرق بين المسألتين وهو: أنّه إذا كان لكلّ من العنوانين مناط وملاك في مورد التصادق فهو من هذا الباب كما في المثال المعروف حيث إنّ الصلاة في الدار المغصوبة ذات مصلحة كما أنّها ذات مفسدة، ولذلك يعبر عنه بالمتزاحمين كانقاذ الغريقين، وهذا بخلاف ما ورد في باب التعادل والترجيح حيث لم يحرز المناط إلاّ لأحد العنوانين دون الآخر، فالعالم الفاسق أمّا ذو مصلحة بلا مفسدة أو على العكس، ولذلك يعبّر عنهما بالمتعارضين، بل يحتمل أن لا يكون لواحد منهما ملاك لاحتمال كذب كلا الخبرين واقعاً، وإن كانا حجّتين في الظاهر.1
إذا عرفت هذه الأُمور فلنرجع إلى ذكر أدلّة الطرفين، ولنقدم دليل القائل بالجواز ثمّ نردفه بذكر دليل القائل بالامتناع.

دليل القائل بجواز الاجتماع

قد استدلّ للقول بالجواز بوجوه ستة 2 نذكر وجهاً واحداً وهو أمتنها:

1 . ما ذكرناه هو خيرة المحقّق الخراساني في الكفاية، وقد بسط الكلام فيه تحت عنوان الأمر الثامن والتاسع بتفصيل لا يخلو من تعقيد.
2 . من أراد الوقوف على تلك الوجوه فعليه الرجوع إلى محاضراتنا: المحصول في علم الأُصول: 2/208 ـ 235، وما ذكرناه في المتن هو عصارة ما ذكره سيد مشايخنا البروجردي وشيَّد أركانه السيد الإمام الخميني (قدس سرهما) لكن بتوضيح وتحقيق منّا.

صفحه 152
لو كان متعلّق الأمر والنهي شيئاً واحداً كان للامتناع وجه، كما إذا أمر بانجاز أمر في زمان خاص ثمّ نهى عنه في نفس ذلك الزمان، فمن المعلوم أنّه محال، لأنّه تكليف بالمحال بل يمكن أن يقال أنّه تكليف محال.1
وأمّا إذا كان مختلفاً كالصلاة والغصب فلا مانع من تعلّق الأمر بحيثية والنهي بحيثية أُخرى وإن تصادق المتعلّقان في مقام الامتثال في شيء واحد شخصي، لأنّ الحيثية التي تجعله مصداقاً للمأمور به غير الحيثية التي تجعله مصداقاً للمنهي عنه. هذا هو إجمال الدليل .
توضيحه: أنّ الأمر لا يتعلّق إلاّ بما هو المحبوب دون الخصوصيات التي لا دخل لها فيه، سواء أكانت ملازمة أم مفارقة، وهكذا النهي لا يتعلق إلاّ بما هو المبغوض وفيه الملاك دون اللوازم والخصوصيات، وعلى ذلك فما هو المأمور به هو الحيثية الصلائية وإن قارنت الغصب في مقام الإيجاد، وما هو المنهي عنه هو الحيثية الغصبية وإن قارنت الصلاة في الوجود الخارجي، فالخصوصيات الملازمة (كاستدبار الجدي عند الصلاة إلى القبلة) أو المفارقة (كالغصب بالنسبة إلى الصلاة في المقام) كلّها خارجة عن حريم الأمر والنهي ولو تعلّق الأمر أو النهي بها لكان من قبيل تعلّق الإرادة بشيء لا ملاك فيه وليس دخيلاً في الغرض، وهو محال على الحكيم.
وإن شئت قلت: إنّ الإرادة التشريعية كالإرادة التكوينية فكما أنّ الثانية لا تتعلّق حسَب اللبّ إلاّ بما هو الدخيل في الغرض، المحصِّل له، ولا تسري إلى ما لا مدخلية له فيه، فهكذا الإرادة التشريعية لا تتعلّق إلاّ بما هو المحصِّل

1 . الفرق بينهما واضح، ففي الأوّل الموصوف بالمحال هو المكلّف به، وفي الثاني نفس التكليف بمعنى ظهور إرادتين مختلفين في ذهن الآمر.

صفحه 153
لغرض المريد دون ما لا دخل له فيه، فالمتعلّق في كليهما واحد. وقد عرفت أنّ المحقِّق للغرض هو الحيثية الصلائية في الأمر، ومثل الإرادة التشريعية، الزجر التشريعي فإنّه يتعلّق بالحيثية الغصبية لأنّها المبغوضة من دون أن يتجاوز الزجر من الحيثية الغصبية إلى الحيثية الصلائيّة.
نعم فرق بين الخصوصية المتلازمة والخصوصية المفارقة، فإنّ الأُولى كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة لا يمكن أن يكون حكمها (لكونها خصوصية ملازمة) مضاداً للملزوم، فلو أمر بإقامة الصلاة إلى القبلة يمتنع عليه أن ينهى عن استدبار الجدي مثلاً الملازم لها. وهذا بخلاف ما إذا كانت الخصوصية (كالغصب بالنسبة إلى الصلاة في الدار المغصوبة) مفارقة فيمكن أن تكون الخصوصية محرّمة ونفس الفعل واجباً كما في المقام. ولا يلزم أي محذور فيه ـ كالتكليف بالمحال ـ إذ في وسع المكلّف امتثال المأمور به في غير المكان المغصوب، لكنّه إذا أتى به في المكان المغصوب فقد جاء بالواجب منضماً إلى الحرام الذي له فيه مندوحة. ولكلّ حكمه، فلو كان الواجب توصلياً برأت ذمة المكلّف ولو كان تعبدياً كما في المقام يتوقف الامتثال على تمشّي قصد القربة كما في الجاهل.
فقد خرجنا بالنتيجة التالية : أنّه لا مانع من حفظ إطلاق كلا الدليلين: «صلّ» و «لا تغصب» في مورد التصادق الذي جمع المكلف بين المأمور به والمنهي عنه في مصداق واحد بسوء اختياره، فالوجوب سائد غير ساقط كما أنّ النهي كذلك وأنّ البعث والنهي في زمان واحد لا يستلزم الأمر بالمحال لماعرفت من أنّ الخصوصية، مفارقة لا ملازمة، ولا يشترط في المفارق عدم التضاد في الحكم وإنّما يشترط في الخصوصية الملازمة.

صفحه 154
ولك أن تقرر هذا الدليل بوجه آخر، وهو أنّ محذور الامتناع أحد أُمور ثلاثة:
أ: أن يكون هناك تضاد في مقام الجعل والتشريع.
ب: أن يكون هناك تضاد في مبادئ الأحكام.
ج: أن يكون تضاد في ملاكات الأحكام.
د: أن يكون تضاد في مقام الامتثال.
ومن حسن الحظ أنّه ليس هناك أيُّ تضاد في واحد من هذه المقامات.
أمّا مقام الجعل والتشريع فقد عرفت أنّ الحكم يتعلّق بما هو دخيل في تحصيل الغرض ولا يسري إلى الخصوصيات الملازمة أو المقارنة، فالوجوب يتعلّق بالصلاة بما هي هي، والحرمة بالغصب بما هوهو، وأمّا الأمر الخارج عن تينك الطبيعتين فلا يكون متعلقاً للأمر ولا للنهي.
وأمّا مبادئ الأحكام الّتي يراد بها الحب والبغض فيجتمعان بلا تضاد فيها. حيث إنّ الحب يتعلّق بالصلاة بما هي هي والكراهة بالغصب بما هوهو، فالمحبوب هو الحيثية الصلائية كما أنّ المبغوض هو الحيثية الغصبية.
وأمّا ملاكات الأحكام فالمصلحة قائمة بالصلاة، والمفسدة قائمة بالغصب، والعمل بما هو صلاة، ذو مصلحة وبما هو غصب ذو مفسدة، وبما أنّ العمل ليس أمراً بسيطاً، فلا مانع من أن يكون ذا مصلحة ومفسدة لحيثيتين مختلفتين، نظير إطعام اليتيم في الدار المغصوبة فلا تضاد في ملاكات الأحكام.
وأمّا عدم لزوم المحذور (التكليف بغير المقدور) في مقام الامتثال فتوضيحه يتم ببيان أمرين:

صفحه 155
1. إنّ تعلّق الوجوب بالحيثية الصلائيّة، وتعلّق الحرمة بالحيثية الغصبية وتصادقهما في الصلاة في الدار المغصوبة، لا يُسبّب مشكلاً أبداً، ولا يدفعنا إلى الأخذ بأحد الإطلاقين ورفع اليد عن الإطلاق الآخر وذلك لأنّها لو كانت الحيثية الثانية من اللوازم غير المنفكة، كان لتوهم «التكليف بغير المقدور» مجال، إذ كيف يمكن أن يأمر بالصلاة وهي لا تنفك دائماً عن الغصب المبغوض، وأمّا إذا كانت الحيثية الثانية من الأُمور المقارنة، التي كثيراً ما تنفك عن الأُخرى فلا يلزم المحال في مقام الامتثال إذ في وسع المكلّف امتثال الواجب في مكان مباح.
2. إنّ تصادق العنوانين على الحركة الواحدة لا يستلزم اجتماع حكمين متضادين في أمر واحد لما عرفت من أنّ الأحكام لا تتعلق بالخارج بل تتعلّق بالعناوين الكلية، فالواجب والحرام هما عنوانا الصلاة والغصب الكليين، ومعنى اجتماع الوجوب والحرمة في الصلاة في الدار المغصوبة هو بقاء الحكمين الكليين على عنوانيهما في نفس المورد من دون إخراج المورد عن تحت أحدهما وإدخاله تحت الآخر.
وأمّا الحركة في الدار فمع أنّها ليست متعلّقة للأحكام لكن بما أنّها مصداق للعنوان الواجب يتحقّق بها الطاعة وبما أنّها مصداق للعنوان المحرّم يتحقّق به العصيان، فكونها محقّقة للطاعة والعصيان ليس بمعنى كونها محلاً لتوارد الوجوب والحرمة عليها لما عرفت من أنّهما يتواردان على العناوين الكلية.

صفحه 156

دليل القائل بامتناع الاجتماع

استدلّ القائل بالامتناع بوجوه أتقنها وأوجزها ما أفاده المحقّق الخراساني بترتيب مقدّمات نذكر المهمّ منها:

أ: تضاد الأحكام بعضها مع بعض.

ب: أنّ متعلق الأحكام هي الأفعال الخارجية.

أمّا المقدّمة الأُولى: فتوضيحها: أنّ الأحكام الخمسة متضادة في مقام فعليتها وبلوغها إلى مرتبة البعث والزجر، ضرورة ثبوت المنافاة والمعاندة التامة بين البعث إلى شيء في زمان، والزجر عنه في نفس ذلك الزمان، فاستحالة اجتماع الأمر والنهي في زمان واحد من قبيل التكليف المحال، أي يمتنع ظهور إرادتين جدّيتين مختلفتين في ذهن الآمر.
وأمّا المقدّمة الثانية: فتوضيحها: أنّ متعلّق الأحكام هو فعل المكلّف وما يصدر عنه في الخارج لا ما هو اسمه وعنوانه، وإنّما يؤخذ العنوان في متعلّق الأحكام للإشارة إلى مصاديقها وأفرادها الحقيقية.
ثمّ استنتج وقال: إنّ المجمع حيث كان واحداً وجوداً وذاتاًيكون تعلّق الأمر والنهي به محالاً، وإن كان التعلّق به بعنوانين لأنّ الموضوع الواقعي للتكليف هو فعل المكلف بحقيقته وواقعيته لا عنوانه واسمه.
وعلى ذلك فليس للقائل بالامتناع إلاّ الأخذ بأحد الحكمين وأقواهما ملاكاً، وهو إمّا النّهي ـ كما هو المعروف ـ أو الأمر .
يلاحظ على المقدّمة الأُولى: بأنّ الضدّين أمران وجوديان حقيقيان

صفحه 157
كالسواد والبياض، والأحكام الإنشائية من الأُمور الاعتبارية التي لا محل لها إلاّ في عالم الاعتبار بحسب المواضعة فلا توصف بالتضاد مادام الحال كذلك.
وإن أُريد من تضادّ الأحكام تضادّ مبادئها في نفس الأمر من الحبّ في الأمر والبغض في النهي، فقد عرفت أنّ الحبّ يتعلّق بالصلاة المجردة، عن كلّ قيد والبغض بالغصب كذلك، فمتعلّق كلّ غير الآخر، وهكذا الأمر في المصلحة والمفسدة.
وإن أُريد من التضادّ، التضادّ في مقام الامتثال فقد عرفت عدم المطاردة في ذلك المقام إذ بإمكان المكلّف الجمع بين الفعل والترك.
هذا كلّه حول المقدّمة الأُولى.
وأمّا المقدّمة الثانية فهي مبنيّة على تعلّق الأحكام بالأفراد أوّلاً، وتفسير الأفراد في قولهم (هل الأمر متعلّق بالطبائع أو الأفراد) بالفرد الخارجي1 ثانياً، وقد عرفت أنّ الخارج ظرف السقوط لا العروض فكيف يمكن أن يتعلّق التكليف به.
وإن شئت قلت: إن أريد من تعلّق الأحكام بالفرد الخارجي هو تعلّقه به قبل وجوده أو حين وجوده، فهذا نفس القول بتعلّق التكليف بالعناوين وإن أُريد بتعلّقه به بعد الوجود، فقد عرفت أنّه ظرف السقوط.
نعم بقي هنا سؤال، وهو أنّه ربما يتبادر إلى الأذهان أنّ العناوين والماهيات بما أنّها ليست إلاّ هي، لا تسمن ولا تغني من جوع، فكيف يمكن

1 . تقدّم في ص 143 أنّ مصطلح المحقّق الخراساني في الفرد هو المصداق الخارجي خلافاً لما هو المعروف بين المشايخ في تفسير الفرد.

صفحه 158
أن تقع متعلّقة للأمر والنهي؟
والجواب عنه واضح لأنّ متعلق الأمر هي الطبيعة المعرّاة من كلّ عارض ولاحق، المنسلخة عن كلّ شيء لكن لغاية إيجادها، والإيجاد غاية للبعث وليس متعلّقاً له.
فالقوّة المقننة إنما تنظر إلى واقع الحياة، عن طريق المفاهيم والعناوين الكلية، ويبعث إليها، لغاية الإيجاد أو الترك، فيكون متعلّق كلّ في الأمر والنهي، مفهوماً فاقداً لكلّ شيء، إلاّ نفسه، لكن يبعث إليه لغاية الإيجاد، وكون الإيجاد غاية، غير كونه متعلّقاً للحكم، وعلى ذلك لا يكون عندئذ أيُّ مطاردة في مقام العمل، لأنّه بوجوده الواحد، مصداق للامتثال، ومصداق للعصيان لكن كلاًّ بحيثية خاصّة.
إلى هنا تبيّن ما هو الحقّ في المسألة، وبذلك استغنينا عن ذكر سائر الأدلّة للطرفين.

ثمرات المسألة

أ: حصول الامتثال مطلقاًعلى القول بالاجتماع

إنّ القائل بجواز الاجتماع يحكم بحصول الامتثال في المقام عبادياً كان العمل أو توصّلياً، إذ لا مانع من أن يتقرب المكلَّف بالمأتي به من حيثية دون حيثية، وإن كان المحبوب والمبغوض موجودين بوجود واحد، كما إذا مسح رأس اليتيم في الدار المغصوبة، أو أطعمه فيها لأجل رضاه سبحانه، فيكون متقرّباً من جهة وعاصياً من جهة أُخرى، وهكذا الأمر في المقام .
ومع ذلك فالحكم بصحّة العبادة أمر مشكل وذلك لعدم إمكان التقرّب

صفحه 159
بعمل يعدّ تمرّداً على المولى، وطغياناً عليه، وتغاير الحيثية الصلائيّة للحيثية الغصبية إنّما يصحح إمكان اجتماع الأمر والنهي،والحفظ بالإطلاقين ـ كما مرّ ـ ولا يبرر التقرّب إلى اللّه سبحانه بعمل يبغضه المولى.
ولذلك كان سيّد مشايخنا المحقّق البروجردي قائلاً ببطلان الصلاة في الدار المغصوبة مع القول بجواز اجتماع الأمر والنهي.

ب. حصول الإمتثال على القول بالإمتناع وتقديم جانب الأمر

قد عرفت أنّه ليس على القول بالاجتماع إلاّ صورة واحدة، وأمّا على القول بالإمتناع فله صور مختلفة، فتارة يُقدَّم الأمر على النهي ويقال: بأنّ الحكم الفعلي هو الوجوب، فيحكم بالصحة لأنّها مأمور بها وليست بمنهيّ عنها ، وأُخرى يقدّم النهي على الوجوب وله صور سيأتيك بيانها في الفقرات التالية.

ج. حصول الإمتثال على القول بالإمتناع، وتقديم جانب النهي مع الجهل القصوري

إذا قيل بالإمتناع مقدِّماً جانب النهي على الأمر، وكان المكلّف جاهلاً بالحكم أو الموضوع جهلاً عن قصور فيحكم بالصحة، لعدم فعلية الحرمة لأجل الجهل بها فلا يكون العمل مصداقاً للتمرّد والطغيان، والأمر وإن كان مرفوعاً حسب الفرض (تقديم الحرمة على الأمر) لكن يكفي في صحّة العبادة، التقرّب بالملاك وهو كون العمل في هذه الحالة محبوباً للمولى .

د. بطلان العمل على القول بالإمتناع وتقديم جانب النهي مع الجهل التقصيري

إذا قيل بالإمتناع مقدِّماً جانب النهي وكان الفاعل جاهلاً بالحرمة أو

صفحه 160
الموضوع عن تقصير فالحكم هو البطلان; وذلك لأنّ الصحة معلول أحد شيئين: إمّا الأمر وهو مفروض الانتفاء لتقديم جانب النهي على الأمر وفعليته، و إمّا الملاك، وهو غير معلوم الوجود للفرق بين العمل الصادر عن جهل قصوري للفاعل، والعمل الصادر عن جهل تقصيري له وإحرازه فرع الأمر والمفروض عدمه.
ومنه يعلم حال الناسي المقصِّـر، فلا يحكم بصحة صلاته إذا نسي الحكم أو الموضوع عن تقصير.

هـ .بطلان العمل على القول بالإمتناع وتقديم جانب النهي مع العلم بالحرمة

إذا قيل بالإمتناع مقدِّماً جانب النهي وكان الفاعل عالماً بالحرمة لا جاهلاً ولا ناسياً فالحكم هو البطلان، لأنّ الصحّة رهن أحد شيئين: إمّا الأمر وهو مفروض الانتفاء، وإمّا الملاك وهو غير معلوم، لما مرّ من أنّ احرازه فرع الأمر وهو منتف .
هذا تمام الكلام في جواز الاجتماع وعدمه.

تنبيهان:

الأوّل: حكم الإضطرار لا بسوء الاختيار

كان النزاع في المسألة السابقة فيما إذا ارتكب الحرام بسوء الاختيار، فقد عرفت أنّ فيها قولين: جواز الاجتماع وعدمه، وأمّا إذا اضطرّ ـ لا بسوء الاختيار ـ إلى أحد الأمرين: إمّا ترك الواجب أو ارتكاب الحرام، فالقولان متفقان في تقديم ما هو الأقوى من الحكمين، مثلاً:

صفحه 161
إذا اضطر الإنسان ، للتصرّف في ملك الغير لأجل إنقاذ غريق، فيكون تصرّفه في الأرض واجباً من جهة إنقاذ الغريق، وحراماً من جهة التصرّف في ملك الغير، ففي هذا الفرض يقع التزاحم بين الواجب والحرام في مقام الإمتثال، وبما أنّ ارتكاب الحرام ليس بسوء اختياره، فيُرجع إلى أقوى الملاكين، فإن كان ملاك الأمر أقوى ـ كما هو الحال في المثال المذكور ـ قُدِّم جانب الأمر ويسقط النهي عن الفعلية، وإن كان ملاك النهي أقوى قُدِّم جانب النهي، كما إذا توقّف إنقاذ حيوان محترم على هلاك إنسان.
ومنه تظهر صحة العبادة إذا اضطر إليها في تلك الصورة، كما إذا ضاق الوقت ولم يتمكّن من الصلاة أداءً إلاّ في ملك الغير فتصح الصلاة لوجود الأمر دون النهي لسقوطه لأجل الإضطرار، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي تسعة: ... وما اضطروا إليه...» 1.

الثاني: حكم الإضطرار بسوء الاختيار

إذا كان الإضطرار بسوء الاختيار، كمن دخل بيتاً مغصوباً متعمّداً فبادر إلى الخروج تخلّصاً من استمرار الغصب، فإنّ الخروج يعدّ تصرّفاً في البيت، لكنّه مضطرٌ إلى ارتكابه للتخلّص من استمرار فعل الحرام وإن كان إضطراره إليه باختياره إذ دخل البيت غاصباً، وهذه المسألة هي المعنونة في لسان المتأخّرين بـ«التوسط في الأرض المغصوبة» فيقع الكلام فيها في أمرين:
1. في حرمة التصرّف الخروجي أو وجوبه.
2. في صحة الصلاة المأتي بها حال الخروج إذا ضاق الوقت.

1 . الخصال: 2/417، باب التسعة.

صفحه 162
أمّا الأمر الأوّل، فالخروج محكوم بأحكام ثلاثة:
1. محرّم بالنهي السابق.
2. النهي ساقط بعد حدوث الاضطرار.
3. العقل حاكم بالخروج.
أمّا أنّه محرّم، فلأنّ قوله: لا تغصب، شامل لأنحاء الغصب كلّها، ومنها الخروج وهو من مصاديق الغصب، وقد كان في وسعه ترك هذا الفرد بترك الدخول.
وأمّا كون النهي السابق، ساقطاً فلعدم إمكان امتثاله حيث إنّ ترك التصرّف في المغصوب ولو بمقدار الخروج غير ممكن.فالخروج بما أنّه تصرّف في المغصوب غير مقدور الترك ومعه لا يكون الخطاب فعلياً.
وأمّا حكم العقل بالخروج، فإنّما هو لدفع أشدّ المحذورين بارتكاب أخفّ القبيحين.
وأمّا الأمر الثاني، أعني: حكم الصلاة فيها بقاءً وخروجاً.
فلو قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي، فمقتضى القاعدة، الصحة مطلقاً سواء أضاق الوقت أم اتّسع، وأمّا على القول بالامتناع فتختلف النتيجة حسب اختلاف ما هو المقدَّم، فإن قدّم الأمر فالصحة هي المحكَّمة، ولو قدّم النهي فاللازم هو البطلان، لأنّه حين الصلاة إمّا عالم بالحرمة أو جاهل مقصّر أو ناس كذلك، وقد عرفت أنّ الحكم فيها على الامتناع هو البطلان، وأمّا الجهل القصوري فهو خارج عن محط البحث.

صفحه 163
اقتضاء النّهي في العبادات للفساد   

الفصل الثاني

اقتضاء النّهي في العبادات للفساد

الكلام في دلالة النهي في العبادات على الفساد، يقع في مواضع:

الأوّل: النّهي المولوي التحريمي

إنّ تعلّق النهي التحريمي بالعبادات يتصوّر على أنحاء:
1. أن يتعلّق النهي بنفس العبادة كالنّهي عن الصيام في العيدين، فهذا النوع من النهي يدلّ على الفساد لوجهين:
الأوّل: أنّ النهي يكشف عن المبغوضية، ولا يمكن أن يكون المبغوض مقرِّباً.
الثاني: أنّ الصحّة ـ بمعنى مطابقة المأتي به للمأمور به ـ فرع وجود الأمر، ومن المعلوم أنّه إذا تعلّق النهي بشيء لا يتعلّق به الأمر لاستلزامه اجتماع الأمر والنهي في متعلّق واحد، ومع انتفاء الأمر لا يصدق كون المأتي به مطابقاً للمأمور به لعدم الأمر وبالتالي لا يكون مسقطاً للواجب كما لو صام يوم الفطر قضاءً.
ولو قلنا بأنّ الصحّة فرع أحد الأمرين إمّا الأمر أو الملاك، فالعبادة أيضاً فاسدة لعدم استكشاف وجود الملاك فيه بعد عدم الأمر لأجل تعلّق النهي بها.
واعلم أنّ هذه الصورة تتميّز عن الصور التالية بوجود النهي فيها دون الأمر، فلذلك اتّفقوا على بطلان العبادة لعدم الأمر بها وعدم إحراز الملاك.

صفحه 164
وأمّا الصور التالية فقد اجتمع فيها الأمر والنهي مع تغاير متعلّقهما ولذلك أشبه بمسألة اجتماع الأمر والنهي، مثلاً: إذا تعلّق الأمر بنفس العبادة والنهي بجزئها أو شرطها أو وصفها، فيقع الكلام في أنّ فساد الجزء العبادي باعتبار تعلّق النهي به هل يستلزم فساد المركب أو لا؟
وهذه الجهة هي التي يجب أن يركز البحث عليها دون سائر الجهات.
إذا علمت ذلك، فإليك بيان سائر الصور.
2. أن يتعلّق النهي بجزء العبادة كالنهي عن قراءة سور العزائم في الصلاة فلا شكّ في أنّه يقتضي فساد الجزء للوجهين الماضيين (لكشف النهي عن المبغوضية والمبغوض لا يكون مقرباً، وعدم إحراز الملاك لعدم الأمر). ولكن فساد الجزء لا يكون دليلاً على فساد الكلّ إلاّ إذا اقتصر على ذلك الجزء المبغوض، وإلاّ فلو أتى بفرد آخر من ذلك الجزء غير منهيّ عنه يكون الكلّ محقّقاً، كما إذا قرأ بعدها سورة أُخرى من غير العزائم.
نعم ربما يكون الإتيان بفرد آخر موجباً للفساد، لأجل طروء عنوان آخر وهو الزيادة في الصلاة، أو استلزامه القران بين السورتين، ولكن الفساد من هاتين الجهتين خارج عن موضع بحثنا في هذا المقام.
3. أن يتعلّق النهي بشرط العبادة كالنهي عن الطهارة المائية عندما كانت مضرّة، ولا شكّ أنّ الشرط يكون فاسداً للوجهين السابقين (عدم كون المبغوض مقرباً وعدم إحراز الملاك لعدم الأمر) إنّما الكلام في سراية فساد الشرط إلى فساد المشروط، فالحقّ أنّه كالجزء لا يوجب بطلان المشروط إذا أمكن التدارك وإلاّ فيكون المشروط فاسداً لا لتعلّق النهي بالشرط بل لفقدانه الشرط.

صفحه 165
4. أن يتعلّق النهي بالوصف اللازم كالجهر بالنسبة إلى القراءة، والمراد من الوصف اللازم ما لا يمكن سلبه مع بقاء موضوعه حيث إنّه تنعدم القراءة الشخصية بانعدام وصفها فيكون المقام من قبيل اجتماع الأمر والنهي، وحيث إنّ القراءة تتحد وجوداً مع الجهر المحرّم فتفسد لأجل عدم إمكان قصد القربة على ما مرّ.
5. أن يتعلّق النهي بالوصف المفارق كالغصبية بالنسبة إلى الصلاة، فقد عرفت حكمه فيما سبق.

الثاني: النهي المولويّ التنزيهي

إذا كان النهي التنزيهي متضمّناً حكماً شرعيّاً ومُنْشَأ بداعي الردع والزجر فهو أيضاً يلازم الفساد، فإنّه وإن لم يكشف عن كونه مبغوضاً للمولى وموجباً للعقوبة، لكن يكشف عن عدم حبِّه واستحسانه، ومن المعلوم امتناع التقرّب بشيء مزجور أو بأمر مرغوب عنه.
نعم يختلف النهي التحريمي عن التنزيهي بشدّة الكراهة وضعفها ولكن الجميع يكشف عن كون المتعلَّق مرغوباً عنه غير محبوب للمولى.
والحاصل أنّه إذا أحرز أنّ النهي متضمّن لحكم شرعي أُنشئ بداعي الردع والزجر وإن كان على وجه لا يبغضه المولى ولا يعاقب عليه ولكنّه لا يحبه ولا يستحسنه، فهذا يلازم الفساد لامتناع التقرّب بالأمر غير المرغوب.
و صرّح المحقّق النائيني بما ذكرنا وقال: لو تعلّق النهي التنزيهي بذات ما يكون عبادة لكان لدعوى اقتضائه الفساد مجال من جهة أنّ ما يكون مرجوحاً ذاتاً لا يصلح أن يتقرّب به.1

1 . الفوائد الأُصولية: 1/456.

صفحه 166
نعم إنّ هذا النوع من النهي التنزيهي قليل جداً والغالب في النواهي التنزيهية هو الإرشاد إلى قلّة الثواب مع كون العمل محبوباً في ذاته لو أتى به، ففي مثله لا يكون النهي مسوقاً لبيان الحكم التكليفي بداعي الزجر والردع عنه، بل يكون مسوقاً لبيان قلّة الثواب، ولأجل ذلك أفتى المشهور بصحّة الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها أو الصلاة في مرابض الخيل والبغال والحمير، ومعاطن الإبل، أو الصلاة على الطرق والأرض السبخة والمالحة، أو في بيت فيه خمر أو مسكر، وما هذا إلاّ لأنّ النهي في هذه الموارد إرشاد إلى قلّة الثواب وليس متضمّناً لحكم شرعي كاشف عن كونه مرغوباً عنه.
هذا كلّه حول النهي المولوي سواء أكان تحريمياً أم كان تنزيهياً (كراهية) فقد عرفت دلالة النهي فيهما على الفساد للوجهين الماضيين.

الثالث: النهي الإرشادي

إنّ النهي كالأمر ينقسم إلى مولوي وإرشادي، أمّا المولوي كقوله سبحانه: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا إِنّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبيلاً)1 وأمّا الإرشادي كقوله سبحانه: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنْ النِّساء إِلاّ ما قَدْ سَلَف)(2) على القول بأنّ النهي فيه إرشاد إلى الفساد.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ القضاء في دلالة النهي الإرشادي على الفساد يتوقّف على تعيين المرشد إليه للنهي، إذ له أقسام:
أ: أن يكون إرشاداً إلى الفساد كقوله: «دعي الصلاة أيّام أقرائك» فإنّ معناه أيّتها المكلّفة لا تُّصَلّي، لأنّ الصلاة في هذه الحالة لا تكون صحيحة.

1 . الاسراء:32.   2 . النساء:22.

صفحه 167
ب: أن يكون إرشاداً إلى مانعية متعلّقه كما في قوله: «لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل لحمه» الدالّ على مانعية لُبْس ما هو مأخوذ ممّا لا يؤكل لحمه .
ج: أن يكون إرشاداً إلى شرطية متعلّقة كقوله: «لا صلاة إلاّ بطهور» الدالّ على شرطية الطهارة. ففي الموردين الأخيرين أيضاً يلازم النهيُ الفسادَ باعتبار إرشاده إلى المانعية أو الشرطية، ومن الواضح أنّ المركّب يختل بوجود المانع أو فقدان الشرط.
د: أن يكون إرشاداً إلى قلّة الثواب، كما في قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد».1 فإنّه بحكم الإجماع على صحّة الصلاة لو صلّى في غيره، إرشاد إلى قلّة الثواب لا الكراهة المصطلحة.

الرابع: النهي إذا جهل حاله

إذا دار أمر النهي بين كونه نهياً مولوياً أو إرشادياً كما إذا قال: «لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل لحمه»2 فلا يحكم عليه بشيء من الفساد وعدمه، فلو كان مولوياً فهو يستلزم الفساد مطلقاً سواء كان تحريمياً أو تنزيهياً، بخلاف ما إذا كان إرشادياً، ففيه التفصيل المذكور من استلزامه الفساد إذا كان إرشاداً إلى الجزئية والمانعية، وعدمه إذا كان إرشاداً إلى قلّة الثواب.
و الحاصل أنّه إذا دار أمر النهي بين الوجوه الثلاثة، لا يحكم عليه بشيء. اللّهمّ إلاّ أن يقال بظهوره في هذه المقامات في الإرشاد إلى المانعية فعند ذاك يستلزم الفساد.

1 . الوسائل: 3، الباب 2من أبواب أحكام المساجد، الحديث 2.
2 . الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 7.

صفحه 168
اقتضاء النّهي في المعاملات للفساد    

الفصل الثالث

اقتضاء النّهي في المعاملات للفساد

المراد من المعاملات في عنوان البحث ما لا يعتبر فيه قصد القربة، كالعقود والإيقاعات.
ثم إنّ النهي الوارد في المعاملات على أقسام أربعة كالعبادات:
وإليك البحث في كلّ واحد منها:

القسم الأوّل: إذا تعلّق النهي المولوي التحريمي بنفس المعاملة

فهي على أنحاء:
1. إذا تعلّق النهي المولوي التحريمي بالسبب بما هو فعل مباشريّ، كالعقد الصادر عن المُحْرِم في حال الإحرام بأن يكون المبغوض صدور عقد النكاح في هذه الحالة، من دون أن يكون نفس العمل (عقد النكاح) بما هو هو مبغوضاً ومزجوراً عنه، فهل يدلّ على الفساد أو لا ؟
الظاهر عدم الاقتضاء، لأنّ غاية النهي هي مبغوضية نفس العمل (العقد) في هذه الحالة وهو لا يلازم الفساد، وليس العقد أمراً عبادياً حتى لا يجتمع مع النهي الكاشف عن المبغوضيّة.
2 . إذا تعلّق النهي المولوي التحريمي بالمسبّب، كالنهي عن بيع المصحف والعبد المسلم من الكافر، فإنّ الحرام ليس هو صدور العقد من

صفحه 169
المالك، وانّما المحرّم هو مضمون المعاملة ومسبَّبها، أي مالكية الكافر لهما التي هي فعل تسبيبي لا مباشري، ومبغوض لأجل أنّه يعدّ سبيلاً على المسلم وسلطة عليه، فهل يدلّ على الفساد أو لا؟
الكلام في هذه الصورة فيما إذا كان العقد واجداً لشرائطه من سائر الجهات، كشرائط العوضين والمتعاقدين وليس في البين إلاّ كون نفس العمل مبغوضاً حيث إنّه سبحانه لا يرضى بسلطة الكافر على المسلم والمصحف، فهل يدلّ نفس النهي الكاشف عن المبغوضية على الفساد أو لا؟ والتحقيق أنّه لا يدلّ، وذلك لأنّ المبغوضية أعم من الفساد في باب المعاملات لا العبادات.
وبما ذكرنا تقف على وجود الفرق بين المقام وسائر المعاملات المنهيّ عنها كالنهي عن بيع السفيه والمجنون والصغير، أو النهي عن بيع الخمر والميتة، لأنّ الأوّل فاقد لشرائط المتعاقدين لشرطية العقل والبلوغ في البائع، كما أنّ الثاني فاقد لشروط العوضين لاشتراط إباحة المبيع والتمكّن من التصرّف فيه، ففي جميع تلك الصور يلازم النهيُ الفسادَ، لأنّه إرشاد إلى فقدان الشرط في هذه الموارد، والبحث في المقام إنّما هو في الجامع للأجزاء والشرائط غير أنّه تعلّق النهي بمضمون المعاملة.
3 . إذا تعلّق النهي بالتسبب أي لا بالسبب ولا بالمسبب، بل تعلّق بالتوصّل به إلى المسبب كالتسبب إلى الطلاق بقوله: «أنت خلية». فليس السبب ولا المسبب بما هما من الأفعال بحرام وإنّما الحرام هو التوصّل بهذا السبب إلى المسبب.
والكلام في هذا القسم نفس الكلام في القسمين السابقين، فلا منافاة بين مبغوضية التسبب وحصول الأثر بعده.

صفحه 170
نعم ما ذكرنا من عدم الدلالة في هذه الأقسام الثلاثة إنّما هو فيما إذا كان النهي مولوياً تحريمياً لا إرشادياً إلى الشرطية والجزئية والمانعية، وبالتالي إلى الفساد عند الاختلال، وإلاّ فيدخل في القسم الثالث الآتي.
4 . إذا تعلّق النهي بالأثر المترتب على المسبب، كما إذا تعلّق النهي بالتصرّف في الثمن والمثمن، فهذا النوع عند العرف يساوق الفساد، فلا معنى لصحّة المعاملة إلاّ ترتب هذه الآثار عليها، فإذا كانت تلك الآثار مسلوبة في الشرع فتكشف عن فساد المعاملة.
وإن شئت قلت: إنّ الصحّة لا تجتمع مع الحرمة المطلقة في التصرّف في الثمن الذي دفعه المشتري أو المثمن الذي دفعه البائع.

القسم الثاني: إذا تعلّق النهي المولوي التنزيهي بالمعاملة

إذا تعلّق النهي المولوي التنزيهي بالمعاملة بأحد الأنحاء الأربعة الماضية فلا يدل على الفساد، ويُعْلم وجهه ممّا ذكرنا عند بيان أنحاء القسم الأوّل، فإنّ عدم المحبوبية في المعاملات لا يلازم الفساد، فالمعاملات المكروهة صحيحة حتى على النحو الرابع، أي إذا تعلّق النهي بالأثر المطلوب من المعاملة كالتصرّف في المبيع.

القسم الثالث: إذا كان النهي إرشاداً إلى الفساد

إذا ورد النهي بداعي بيان فساد المعاملة كما في قوله تعالى: (ولاَ تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُم مِنَ النِّساءِ) 1 فلا كلام في الدلالة على الفساد.

1 . النساء:22.

صفحه 171

القسم الرابع: إذا كان النهي مردّداً بين كونه مولوياً أو إرشادياً إلى الفساد

إذا ورد النهي ولم يعلم حاله من المولوية والإرشادية، فالظاهر أنّه يُحمل على الإرشاد إلى الفساد وعدم ترتّب الآثار عليه، فإذا قيل: «لا تبع ما ليس عندك» فهو إرشاد إلى عدم إمضاء ذلك البيع ولذلك يستدلّ الفقهاء بالنواهي المتعلّقة بالمعاملات على الفساد، وما ذلك إلاّ لأجل كونها ظاهرة في الإرشاد إلى الفساد، وأنّ المعاملة فاقدة للشرط أو واجدة للمانع.
وقد عرفت أنّ محطّ البحث هو القسمان الأوّلان، وأمّا الأخيران فلوضوح حكمهما خارجان عنه.
تمّ الكلام في المقصد الثاني

صفحه 172

صفحه 173
في المفاهيم   

   المقصد الثّالث

في المفاهيم

وتحقيق الكلام ضمن فصول:
الفصل الأوّل: مفهوم الشرط
الفصل الثاني: مفهوم الوصف
الفصل الثالث: مفهوم الغاية
الفصل الرابع: مفهوم اللقب
وأمّا مفهوما الحصر والعدد فقد استوفينا الكلام فيهما في «الموجز» فلا نعيد.
وقبل دراسة الفصول الأربعة نقدّم تمهيداً حول تعريف المفهوم.

صفحه 174

صفحه 175
تعريف المفهوم   

تمهيد

تعريف المفهوم

نذكر في المقام أُموراً:

1. وصف المعنى بما هوهو ووصفه بما هو مدلول

ما يقع وصفاً للمعنى على قسمين:
أ: ما يكون وصفاً له بما هوهو كتقسيم المفهوم إلى كلّي وجزئي سواءً دلّ عليه اللفظ أم لا، مثلاً الإنسان المتصوَّر في الذهن كلّي، كما أنّ زيد المتصوّر فيه جزئي، فالكلّية والجزئية في هذه الحالة من أوصاف المعنى بما هوهو، من دون نظر إلى دلالة لفظ عليهما وعدمها.
ب: ما يكون وصفاً للمعنى لكن بما هو واقع في إطار الدلالة ودلّ عليه اللفظ، وهذا كوصف المعنى بكونه معنى مطابقياً أو تضمنياً فإنّه فرع كون المعنى مدلولاً للّفظ، فالحيوان الناطق بما هو مدلول لفظ الإنسان، يوصف بالمطابقية.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ وصف المعنى بكونه منطوقاً أو مفهوماً من قبيل القسم الثاني، لأنّ قسماً من المدلول ـ لوضوح دلالة اللفظ عليه ـ يوصف بكونه مدلولاً منطوقياً. وكأنّ المتكلّم نطق به في عالم المحاورة، وقسم منه، يوصف بكونه مدلولاً مفهومياً، يفهم من كلام المتكلّم، وإن لم ينطق به في ذلك الظرف.
وبذلك يعلم أنّهما وصفان للمعنى بما أنّه مدلول اللفظ وواقع في إطار

صفحه 176
الدلالة وليسا وصفين له بما هوهو.
ربما يقال: «أنّهما من أوصاف الدلالة حيث تقسّم الدلالة إلى الدلالة المنطوقية والدلالة المفهومية» .
أقول: إنّ وصف الدلالة بهما باعتبار كون المدلول موصوفاً بأحدهما فالوصف للمدلول بالحقيقة وللدلالة بالعناية والمجاز.
ولذلك نرى أنّ الحاجبي يُعرِّف المنطوق بقوله: ما دلّ عليه اللّفظ في محلّ النطق، كما يُعرِّف المفهوم بقوله: ما دلّ عليه اللّفظ في غير محلّ النطق.1

2. تعريف المفهوم

عرّف المحقّق الخراساني المفهومَ بأنّه : «حكم إنشائي أو إخباري تستتبعه خصوصية المعنى الّذي أُريد من اللّفظ بتلك الخصوصية، فالمفهوم حكم غير مذكور لا أنّه حكم لغير مذكور».2
توضيحه: إذا قال القائل: إن أكرمك زيد فأكرمه، يكون إكرام زيد منوطاً بخصوصية معيّنة تستفاد من الشرط الموجود في الجملة ، إذ لزيد حالتان:
أ: حالة إكرامه المخاطب، هذه هي الخصوصية التي تستتبع المفهوم.
ب: حالة عدم إكرامه إيّاه.
فقد دلّ بمنطوقه على أنّه يُكْرم عند إكرام المخاطب.
كما دلّ بمفهومه على ارتفاع الحكم أي وجوب الإكرام عند عدم تكريم المخاطب.

1 . منتهى الوصول والأمل: 147، المعروف بمختصر الحاجبي، وقد شرحه العضدي وغيره واشتهر بشرح المختصر.
2 . كفاية الأُصول: 1/301.

صفحه 177
فالموضوع في الحالتين واحد وهو زيد، والحكم مختلف حسب اختلاف حالاته. والمفهوم كالمنطوق حكم انشائي: أي إذا لم يكرمك زيد فلا يجب إكرامه.

3. الشرط المحقّق للموضوع

إنّ النزاع في وجود المفهوم في القضايا الشرطية إنّما هو فيما إذا عُدَّ القيد شيئاً زائداً على الموضوع وتكون الجملة مشتملة على موضوع، ومحمول، وشرط، فيقع النزاع حينئذ في دلالة القضية الشرطية على انتفاء المحمول عن الموضوع، عند انتفاء الشرط وعدمها مثل قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ لم يُنجّسه شيء» فهناك موضوع وهو الماء، ومحمول وهو العاصمية (لم ينجّسه) وشيء آخر باسم الشرط، أعني: الكرّية، فعند انتفاء الشرط يبقى الموضوع (الماء) بحاله بخلاف القضايا التي يعد الشرط فيها محقّقاً للموضوع من دون تفكيك بين الشرط والموضوع بل يكون ارتفاع الشرط ملازماً لارتفاع الموضوع، فهي خارجة عن محلّ النزاع، كقوله: إن رزقت ولداً فاختنه، فهذه القضايا فاقدة للمفهوم. فإنّ الرزق المضاف إلى الولد ليس شيئاً زائداً على نفس الولد.
فخرجنا بالنتائج التالية:
1. يكون الشيء تارة وصفاً للمعنى بما هوهو، وأُخرى وصفاً له بما هو مدلول، والمنطوق والمفهوم من أوصاف المعنى المدلول لا المعنى بما هوهو، إذ المدلول باعتبار ظهوره وخفائه ينقسم إلى ما نُطق به وإلى ما فُهم منه.
2.المفهوم قضية اخبارية أو انشائية، يستفاد من الخصوصية الواردة في الكلام.
3. الشرط المحقِّق للموضوع فاقد للمفهوم.

صفحه 178
مفهوم الشرط   

الفصل الأوّل

مفهوم الشرط

مسلك القدماء في استفادة المفهوم

إنّ مسلك القدماء في استفادة المفهوم من القضايا الشرطيّة بل مطلقاً يختلف عن مسلك المتأخّرين، فإنّ دلالة الخصوصية المذكورة في الكلام من الشرط أو الوصف أو الغاية أو اللقب أو نحوها على الانتفاء عند القدماء ليست دلالة لفظية، بل هي من باب بناء العقلاء على حمل الفعل الصادر عن الغير على كونه صادراً لغاية والغاية المنظورة عند العقلاء من نفس الكلام، حكايته لمعناه، كما أنّ الغاية من خصوصياته، دخالتها في المطلوب فإذا قال المولى: إن أكرمك زيد فأكرمه، حكم العقلاء بمدخلية إكرام زيد في وجوب إكرامه، قائلاً بأنّه لولا دخله فيه لما ذكره المتكلّم وكذا سائر القيود، وعلى ذلك فاستفادة المفهوم ليست مبنية على دلالة الجملة على الانتفاء عند الانتفاء، بل مبنيّة على أنّ الأصل في فعل الإنسان أن لا يكون لاغياً بل يكون، صادراً لغايته الطبيعية والغاية من إتيان القيد هي مدخليته في الحكم.
ولما كان مسلكهم على الاستدلال بفعل المتكلّم وأنّه لولا المفهوم تلزم لغوية القيد، أجاب عنه السيد المرتضى في ذريعته، بقوله: بأنّ تأثير الشرط إنّما هو تعليق الحكم به وليس يمتنع أن يخلفه وينوب منابه شرط آخر، يجري مجراه ولا يخرج عن كونه شرطاً، فإنّ قوله سبـحانه: (وَاسْتَشْهدوا شَهيدَين مِنْ

صفحه 179
رِجالِكُم) 1 يمنع من قبول الشاهد الواحد حتّى ينضم إليه شاهد آخر فانضمام الثاني إلى الأوّل شرط في القبول، ثمّ علمنا أنّ ضم امرأتين إلى الشاهد الأوّل شرط في القبول كما في نفس الآية، أعني قوله سبحانه: (فَرَجُلٌ وَامرأَتان)2 ثمّ علمنا أنّ ضمّ اليمين يقوم مقامه أيضاً، فنيابة بعض الشروط عن بعض أكثر من أن تحصى.3
وحاصل كلام السيّد في ردّمسلكهم: أنّ غاية ما يدلّ عليه فعل العقلاء، أنّ للقيد دخلاً في شخص الحكم،وأمّا أنّه ليس له بديل يقوم مقامه بحيث ينتفي بانتفائه سنخ الحكم فلا يستفاد من فعلهم وتشهد عليه الآيات المذكورة.
وبعبارة أُخرى: أنّ ما تثبته صيانة فعل العقلاء عن اللغوية هو كون القيد احترازيّاً ، لا كونه ذا مفهوم بمعنى قيداً انحصارياً لا يقوم مقامه شيء آخر، وقد أوضحنا في «الموجز»4 الفرق بين القيدين، فلاحظ.

مسلك المتأخّرين في استفادة المفهوم

وأمّا مسلك المتأخّرين فهو مبني على دلالة القضية الشرطية على الأُمور الثلاثة التالية :
1. دلالة القضية على الملازمة بين المقدّم والتالي فيخرج ما يفقد الملازمة.
2. دلالة القضية على أنّ التالي معلّق على المقدّم ومترتّب عليه على وجه

1 . البقرة:282.
2 . البقرة:282.
3 . الذريعة: 1/406.
4 . لاحظ : الموجز في أُصول الفقه: 91.

صفحه 180
يكون المقدّم سبباً والتالي مسبباً، فخرج قوله: إن طال الليل قصر النهار، إذ فيه ملازمة وليس فيه ترتب لكونهما معلولين لعلّة ثالثة.
3. دلالتها زيادة على ما تقدّم، على انحصار السببية وإنّ ما وقع بعد حرف الشرط هو السبب المنحصر للجزاء حتى يدلّ على ارتفاع الجزاء بارتفاع السبب المنحصر.
لا شكّ في دلالة الجملة الشرطية على الأمرين الأوّلين، إنّما الكلام في تبادر الانحصار من الجملة الشرطية.

وقد استدل عليه بوجوه:

الأوّل: التبادر

إنّ المتبادر كون اللزوم والترتّب بين الشرط والجزاء بنحو الترتّب على العلّة المنحصرة.
يلاحظ عليه: أنّ ادّعاء تبادر اللّزوم والترتّب العِلّي لا غبار عليه إلاّ أن تبادر كون الشرط علّة منحصرة ممنوع لوجهين:
1. لو كانت الهيئة موضوعة للعلّة المنحصرة، يلزم أن يكون استعمالها في غير صورة الإنحصار مجازاً ومحتاجاً إلى إعمال العناية كسائر المجازات وليس كذلك.
2. لو كان كذلك، يجب الأخذ بالمفهوم حتّى في مقام المخاصمات والاحتجاجات وعدم القبول من المتكلّم إذا قال: ليس لكلامي مفهوم مع أنّه خلاف المفروض.

صفحه 181

الثاني: الإنصراف إلى أكمل أفرادها

إنّ القضية منصرفة إلى أكمل افرادها وليس هو إلاّ كون الشرط علّة منحصرة.
يلاحظ عليه: أنّ الانحصار لا يوجب أكملية الفرد، فلو كانت للعاصمية علّة واحدة وهي الكرية أو عللاً متعدّدة مثل المطر والجريان فلا يتفاوت الحال في العليّة وليس نصيب العلّة المنحصرة من العلية أشدّ من نصيب غيرها، على أنّ سبب الانصراف إمّا كثرة الوجود أو كثرة الاستعمال وليست العلّة المنحصرة أكثر من غيرها ولا القضية الشرطية أكثر استعمالاً فيها من غيرها.

الثالث: التمسّك بالإطلاق

وقد قرّره المحقّق الخراساني بوجوه ثلاثة ونحن نقرره بوجه واحد:
إنّه لو كان هناك سبب آخر للجزاء يقوم مقام الشرط لكان على المتكلّم عطفه عليه بمثل لفظة «أو» بأن يقول: إن أكرمك زيد أو أكرم أخاك فأكرمه. غير أنّ اقتصاره على السبب الأوّل دليل على أنّه السبب المنحصر وليس له بديل ولا عِدْل، وإلاّ لوجب على الحكيم بيانه.
وهذا الوجه متين جدّاً بشرط أن يحرز أنّ المتكلّم في مقام بيان كلّ ما هو سبب للجزاء، فإذا أطلق الشرط ولم يعطف عليه شيئاً بواو العطف يعلم
أنّه سبب تام، كما أنّه إذا لم يعطف عليه بـ «أو» العاطفة نعلم أنّه سبب منحصر
لا بديل له ولا عِدْل غير أنّ إحراز كون المتكلّم في ذلك المقام يحتاج إلى
قرينة .
هذا ولكن الظاهر من المتفاهمات العرفية هو دلالة الجملة الشرطية

صفحه 182
على المفهوم، بل يظهر من بعض الروايات كونه أمراً مسلّماً بين الإمام والسائل.
روى أبو بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الشاة تذبح فلا تتحرك، ويُهرق منها دم كثير عبيط، فقال: «لا تأكل، إنّ عليّاً كان يقول: إذا ركضتْ الرِجْل أو طرفت العين فكل».1
ترى أنّ الإمام (عليه السلام)يستدلّ على الحكم الذي أفتى به بقوله «لا تأكل» بكلام عليّ (عليه السلام)، ولا يكون دليلاً عليه إلاّ إذا كان له مفهوم، وهو إذا لم تركض الرجل ولم تطرف العين(كما هو مفروض الرواية) فلا تأكل.
وعلى ذلك فالقول بدلالة القضية الشرطية على المفهوم من خلال إثبات السبب المنحصر أمر غير بعيد بين العقلاء. والظاهر هو المتبادر من القضايا الشرطية.
في تداخل الأسباب والمسبّبات   

1 . الوسائل: 16، الباب 12 من أبواب الذبائح، الحديث1.

صفحه 183

تنبيهان

الأوّل: في تداخل الأسباب والمسبّبات

إذا تعدّد الشرط واتّحد الجزاء على نحو يقبل التكرار كما إذا قال: إذا بُلْت فتوضأ، وإذا نمت فتوضأ، فيقع الكلام في تداخل الأسباب تارة، وتداخل المسبّبات أُخرى، والمراد من تداخل الأسباب، اقتضاء كلّ سبب وجوباً خاصّاً غير ما يقتضيه السبب الآخر، كما أنّ المراد من تداخل المسبّبات ـ بعد القول بعدم تداخل الأسباب ـ إجزاء امتثال واحد، لكلا الوجوبين. فيقع الكلام في موضعين:

الموضع الأوّل: تداخل الأسباب وعدمه

استدلّ القائل بعدم التداخل بأنّ ظاهر الجملة الشرطية حدوث الجزاء (الوجوب) عند حدوث الشرط (النوم أو البول) ولازم ذلك هو حدوث الوجوبين لا الوجوب الواحد، وقد عرفت أنّ معنى عدم تداخل الأسباب هو تعدّد التكليف والاشتغال، وأنّ ظاهر كل قضية أنّ الشرط علّة تامّة لحدوث الجزاء، أعني: الوجوب مطلقاً، سواء وجد الشرط الآخر معه أو قبله أو بعده أو لم يوجد، وليس لعدم تداخل الأسباب معنى سوى تعدّد الوجوب.

إجابة القائل بالتداخل

إنّ القائل بالتداخل يعترف بهذا الظهور (حدوث الجزاء عند حدوث الشرط) إلاّ أنّه يقول: لا يمكن الأخذ به، لأنّ متعلّق الوجوب في كلا الموردين شيء واحد وهو «طبيعة الوضوء»، ومن المعلوم أنّه يمتنع أن يقع الشيء

صفحه 184
الواحد متعلّقاً لوجوبين وموضوعاً لحكمين متماثلين، والمفروض أنّ متعلّق الوجوب في كليهما طبيعة الوضوء لا طبيعة الوضوء في أحدهما والوضوء الآخر في الثاني حتى يصح تعلّق الوجوبين بتعدّد المتعلّق، فإطلاق الجزاء (متعلّق الوجوب)، بمعنى أنّ الوضوء بما هو هو موضوع لا هو مع قيد كلفظ «آخر»، يقتضي التداخل.
إلى هنا تبيّن دليل القولين; فالقائل بعدم التداخل يتمسّك بظهور القضية الشرطية في حدوث الجزاء عند كل شرط، وهو يلازم عدم التداخل في الأسباب; والقائل بالتداخل يتمسّك بوحدة المتعلّق وكون الموضوع للوجوبين هو نفس الطبيعة التي تقتضي وحدة الحكم ولا تقبل تعدّده، فلابد من رفع اليد عن أحد الظهورين.
والظاهر تقديم ظهور القضية الشرطية في حدوث الجزاء عند كلّ شرط، على إطلاق الجزاء في وحدة المتعلَّق، فتكون قرينة على تقدير لفظ مثل «فرد آخر» أو لفظ «مرّة أُخرى» في متعلّق أحد الجزاءين، وعندئذ يكون الموضوع للوجوب في إحدى القضيتين، هو الطبيعة، كما يكون الموضوع للوجوب في القضية الأُخرى، الفرد الآخر.
ولعلّ العرف يساعد لتقديم ظهور الصدر على ظهور الذيل بالتصرّف في الثاني بتقدير لفظ «آخر» لقوة ظهور الصدر.
ويمكن توجيه تقديم ظهور الصدر على إطلاق الذيل بالارتكاز العرفي، إذ المرتكز في الأذهان هو أنّ كل سبب تكويني يطلب معلولاً خاصّاً، فكل من النار والشمس تُفيض حرارة مستقلّة من غير فرق بين أن تتقارنا أو تتقدّم إحداهما على الأخرى، فإذا كان هذا هو المرتكز في الأذهان، وسمع

صفحه 185
صاحب هذا الارتكاز من المعصوم قوله: إذا نمت فتوضأ، وإذا بُلْت فتوضأ، ينتقل إلى أنّ كلاًّ من النوم والبول يطلب وجوباً مستقلاًّ، وأنّ أثر كُلّ واحد غير أثر الآخر، والارتكاز الموجود في الأذهان يوجب انعقاد ظهور خاص للقضية، وهو حدوث وجوب عند حدوث كل شرط مستقلاًّ مطلقاً.
وبهذا يقدّم ظهور الصدر على ظهور الجزاء في وحدة المتعلّق الآبية عن تعلّق الوجوبين، وليس هذا من قياس التشريع على التكوين حتى يقال بأنّه أمر باطل، بل هو من باب جعل الارتكاز العرفي في العلل التكوينية قرينة على انتقال العرف إلى مقتضى مثلها في العلل التشريعية.
وبذلك ظهرت قوّة الوجه الأوّل وضعف الوجه الثاني.
هذا كلّه حول تداخل الأسباب وعدمه، وبقي البحث في تداخل المسببات.

الموضع الثاني: تداخل المسببات

إذا ثبت في البحث السابق عدم التداخل، وأنّ كل سبب، علّة لوجوب مستقلّ، فحينئذ يقع الكلام في مقام آخر، وهو أنَّ تعدّد الوجوب هل يقتضي تعدّد الواجب أو لا؟
وبعبارة أُخرى :إنّ تعدّد السبب كما يقتضي تعدّد الوجوب، فهل يقتضي تعدّد الامتثال أيضاً، أو لايقتضي، بل يكفي في امتثال كلا الوجوبين، الإتيان بمصداق واحد نظير امتثال قول القائل: أكرم العالم وأكرم الهاشمي بضيافة العالم الهاشمي؟
الظاهر عدم ظهور القضية في أحد الطرفين، أي كفاية امتثال واحد وعدم

صفحه 186
كفايته، فتصل النوبة بعد اليأس عن الدليل الاجتهادي إلى الأصل العمليّ وهو أنّ الأصل عدم سقوط الواجبات المتعدّدة بفعل واحد حتّى ولو قصد امتثال الجميع، خرج ما دل الدليل الخارجي على سقوطها به، وبعبارة أُخرى: الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، وهي رهن تعدّد الامتثال.
نعم دلّ الدليل على سقوط أغسال متعدّدة بغسل الجنابة أو بغسل واحد نوى به سقوط الجميع.
فخرجنا بهذه النتيجة: أنّ مقتضى الأصل العملي هو عدم سقوط الواجبات المتعدّدة ما لم يدلّ دليل بالخصوص على سقوطها.
ويستثنى من ذلك ما إذا كانت النسبة بين الواجبين عموماً وخصوصاً من وجه، كما في قضية أكرم عالماً وأكرم هاشمياً، فإنّ إكرام العالم الهاشمي يكون مسقطاً لكلا الخطابين ولا يعتبر في تحقّق الامتثال إلاّ الإتيان بما ينطبق عليه متعلّق الأمر .1
في مفهوم القضية السالبة   

التنبيه الثاني: ما هو مفهوم القضية السالبة الكلّية؟

اختلفت كلمة الأُصوليين في مفهوم القضية السالبة الكلّية، وهل مفهومها هو الموجبة الجزئية، أو الموجبة الكلّية؟ فمثلاً قوله(عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كر لا ينجّسه شيء» 2 فهل مفهومه إذا لم يكن الماء قدر كرّ، ينجسه شيء، أو أنّ مفهومه إذا لم يكن الماء قدر كر، ينجسه كل شيء؟
ذهب الشيخ محمد تقي الاصفهاني صاحب الحاشية على المعالم إلى

1 . اقتباس ممّا ذكره الأُستاذ الكبير السيد الإمام الخميني (قدس سره)في دروسه الشريفة.
2 . الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1 و 2.

صفحه 187
الأوّل، وأُيّد قوله بما ذكره المنطقيون من أنّ نقيض السالبة الكلّية هو الموجبة الجزئية. واختار الشيخ الأنصاري القولَ الثاني وسيوافيك دليله.
وتظهر الثمرة فيما دل الدليل على طهارة ماء الاستنجاء إذا كان قليلاً دون الكرّ، فعلى القول بأنّ المفهوم هو الموجبة الجزئية لا تنافيَ بينهما، إذ لا منافاة بين المفهوم أي قولنا :«ينجسه شيء» و«لا ينجسه شيء آخر» كالاستنجاء، بخلاف ما إذا كان مفهومه، الموجبة الكلّية فلابد من علاج التنافي بالتخصيص أو التقييد أو غيرهما.
وبما أنّ دليل القول الأوّل واضح، لأنّ نقيض الموجبة الكلّية التي هي المنطوق هو السالبة الجزئية، فلا منافاة بين المفهوم وما دلّ على طهارة ماء الاستنجاء فالمهم في المقام تبيين ما اعتمد عليه الشيخ الأنصاري فيما اختاره من النظر.
وحاصله: أنّ المفهوم عبارة عن انتفاء الحكم المذكور في المنطوق عند انتفاء الشرط، ويعتبر في المفهوم أمران:
أ. انتفاء الشرط عند انتفاء الجزاء.
ب. وحدة القضية المنطوقية والمفهومية في الموضوع والقيود الموجودة في المنطوق، إلاّ في السلب والإيجاب، فلو قال: إن سلّم عليك زيد يوم الجمعة فأكرمه، فمفهومه إن لم يسلِّم عليك في ذلك اليوم فلا تكرمه، وأمّا في غيره من أيام الاسبوع فالقضيتان ساكتتان عنه، فهما متحدتان في جميع الأُمور إلاّ في السلب والإيجاب، أعني: الكيف.
ولو كان القيد المأخوذ في المنطوق، هو العموم والشمول فلابد أن يكون محفوظاً في جانب المفهوم أيضاً، مثلاً إذا قال: إن جاء زيد فأكرم العلماء،

صفحه 188
أي كل واحد، فمفهومه أنّه إن لم يجئ زيد فلا تكرم العلماء، أي كل واحد منهم.
وبذلك يظهر أنّ أساس المفهوم هو الحفاظ على جميع الخصوصيات إلاّ كيف القضية من السلب والإيجاب.
ثم إنّه (قدس سره)رَتب على ذلك البيان بأنّ المنطوق لما كان قضية كلّية فلابد من الحفاظ عليه في جانب المفهوم أيضاً أخذاً بالضابطة في باب المفهوم، فقوله (عليه السلام): «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» قضية سالبة كلية، فلابد أن يكون المفهوم موجبة كلية أيضاً، فلا يكون هناك أي اختلاف إلاّ في السلب والإيجاب، فيكون المفهوم هو قوله: إذا لم يكن الماء قدر كر ينجّسه كل شيء.
يلاحظ على ما ذكره: بأنّ ما ذكره من الضابطة إنما يتمّ في الخصوصيات المذكورة في المنطوق كيوم الجمعة في المثال الأوّل، واستغراق جميع الأفراد في المثال الثاني (إن جاء زيد فأكرم العلماء).
وأمّا إذا كانت الخصوصية مستفادة من السياق في المنطوق فلا يمكن الحفاظ عليه عند انقلاب القضية إلى كيف آخر، وذلك كالاستغراق في قوله: «إذا كان الماء قدر كر لم ينجّسه شيء» فإنّه مستفاد من سياق الكلام، أي من وقوع النكرة بعد النفي، فبما أنّ المفهوم على طرف النقيض من المنطوق في جهة الكيف يكون المفهوم حكماً إيجابياً، فينتفي وقوع النكرة في سياق النفي، ومعه لا يستفاد منه العموم فمثلاً:
إذا قال: إن جاءك زيد لا تكرم أحداً، لا يكون مفهومه إذا لم يجئ زيد «أكرم كل أحد» وما هذا إلاّ لأنّ العموم كان مستفاداً من سياق الكلام، وقد تبدّل سياقه من النفي إلى الإثبات ومن السلب إلى الإيجاب، فكيف يمكن حفظ العموم في جانب المفهوم مع زوال السياق؟ فإذا زال ما يدل على العموم عند الأخذ بالمفهوم، كيف يمكن الأخذ بمعلوله وأثره؟

صفحه 189
مفهوم الوصف   

الفصل الثاني   

مفهوم الوصف

إعلم أن الوصف في مصطلح النحاة هو أحد التوابع، يقول ابن مالك:
يتبع في الإعراب الأسماءَ الأُولَ *** نعت وتوكيد وعطف وبدل
كقولك: أكرم الرجل العالم.
وأمّا الوصف في مصطلح الأُصوليين فهو يشمل ما سبق كما يشمل الحال والتمييز والقيود الزمانية والمكانية الّتي تُعدّ قيداً لموضوع الحكم .
وبما ذكرنا من كونه قيداً لموضوع الحكم، يُعلم أنّ النزاع مختص بما إذا كان الوصف معتمداً على موصوف كما إذا قال: أكرم رجلاً عالماً حتى ينطبق عليه تعريف المفهوم من ثبوت الموضوع وارتفاع القيد، وأمّا إذا كان الوصف نفسُه موضوعاً كما في قوله سبحانه: (وَالسّارِقُ وَالسّارقة فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُما)1فهو داخل في مفهوم اللقب وسيوافيك توضيحه في محله، والفرق بينه وبين مفهوم الوصف .
وبذلك يعلم خروج الصورتين التاليتين أيضاً عن محطّ النزاع.
أ: أن يكون الوصف مساوياً للموصوف كالإنسان المتعّجب، أو يكون الوصف أعمّ من الموضوع كالإنسان الماشي. إذ لا يتصوّر فيه ارتفاع الوصف مع بقاء الموضوع، فانحصر البحث في موردين:
1. إذا كان الوصف أخصّ من الموضوع، كما إذا قال: أكرم الإنسان الكريم في مقابل اللئيم، فهو داخل في محلّ النزاع.

1 . المائدة:38.

صفحه 190
2. إذا كانت نسبة الوصف إلى الموصوف عموماً وخصوصاً من وجه، كما إذا قال: في الغنم السائمة زكاة. يقع الكلام فيما إذا بقي الموضوع (الغنم) وارتفع الوصف فصارت الغنم معلوفة، وأنّه هل يدلّ انتفاء الوصف على عدم وجوب الزكاة فيها أو لا؟
هذا كلّه إذا كان الافتراق من جانب الوصف، وأمّا إذا كان الافتراق من جانب الموصوف مع بقاء الوصف، فلا يدلّ على شيء كما في البقر والإبل السائمتين لما عرفت من أنّ أخذ المفهوم رهن بقاء الموصوف وارتفاع الوصف، وفي هذه الصورة، الأمر على العكس.
إذا عرفت ذلك فقد استدلّ على دلالة الوصف على المفهوم بوجوه:
1. التبادر الكاشف عن وضع الهيئة الوصفية للانتفاء عند الانتفاء.
يلاحظ عليه: أنّ غاية ما يتبادر هو مدخلية الوصف في شخص الحكم، وأمّا مدخليته في سنخ الحكم وأنّه لا نائب له، فغير ثابت.والمطلوب في باب المفاهيم انتفاء سنخ الحكم، لا شخص الحكم الوارد في القضية فإنّه منتف بانتفاء القيد سواء أقلنا بالمفهوم أم لا.1
2. التمسّك بالإطلاق على الوجه المقرر في دلالة الهيئة الشرطية.
يلاحظ عليه: قد عرفت أنّ أقصى ما يدلّ عليه الإطلاق، هو أنّ الوصف مع موصوفه تمام الموضوع وأمّا أنّه لا ينوب عنه شيء آخر فلا يدلّ عليه، نعم لو أحرز أنّ المتكلّم في مقام بيان كل ما له دخل في سنخ الحكم فلم يأت إلاّ

1 . أُريد بشخص الحكم، الوجوب المعلّق على الغنم السائمة، وبالسنخ مطلق وجوب الزكاة وإن لم تكن الغنم سائمة.

صفحه 191
بنفس الوصف وحده يكشف عن عدم ما ينوبه وهو غير محرز غالباً.
3. لو لم يدلّ على المفهوم يلزم اللغوية.
يلاحظ عليه: أنّه إنّما يلزم لو لم يكن له دخل في الحكم أبداً وأمّا إذا كان له دخل في شخص الحكم، وإن كان يخلفه وصف آخر أحياناً فلا، وتخصيص ذاك الوصف بالذكر دون غيره لكونه مورد السؤال أو الابتلاء للمخاطب أو للتأكيد نحو: إياك وظلم الطفل اليتيم، أو لدفع توهّم عدم الحرمة في مورد الوصف، كما في قوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَولاَدكُمْ مِنْ إِمْلاق) .1
و على كلّ تقدير فالذي دعا الأُصوليّين إلى عدم القول بالمفهوم في التقييد بالوصف، هو عدم انتفاء الحكم عند انتفاء القيد في النصوص الشرعية نظير قوله سبحانه:(يأَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَ ضْعافاً مُضاعَفَةً)2 فإنّ الربا حرام مطلقاً أضعافاً كان أو لا.
وقوله سبحانه: (وَاسْتَشْهِدوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ)3 مع اتّفاقهم على جواز القضاء بشهادة شاهد واحد ويمين المدّعي.
وقوله سبحانه:(وَ رَبائِبُكُمُ اللاّتي فِي حُجُورِكُمْ من نِسائِكُمُ اللاّتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)4 مع حرمة الربيبة إذا دخل بأُمّها وإن لم تكن في حجره.
و قوله سبحانه: (وَ إِذا ضَرَبْتُمْ في الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا

1 . الأنعام:151.
2 . آل عمران: 130.
3 . البقرة:282.
4 . النساء:23.

صفحه 192
مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الّذينَ كَفَرُوا ).1
فالتقصير قيّد بالخوف من فتنة الكفّار مع أنّه جائز مطلقاً سواء كان هناك فتنة أو لا.
بقي هنا شيء وهو أن الوصف فيه اصطلاحان:
الأوّل: مصطلح النحاة، وهو أحد التوابع، يقول ابن مالك:
يتبع في الإعراب الأسماءَ الأولَ *** نعت وتوكيد وعطف وبدل
الثاني: مصطلح الأُصوليين، وهو أعم ممّا عليه النحاة، ويدخل فيه: الحال، والتمييز، والقيود الزمانية والمكانية، فالجميع من قبيل الوصف.
وسيوافيك في محلّه أن مفهوم الوصف أعم أيضاً من مفهوم اللقب.

1 . النساء:101.

صفحه 193
مفهوم الغاية   

الفصل الثالث

مفهوم الغاية

هل الغاية تدلّ على ارتفاع الحكم عمّا بعد الغاية أو لا؟
المشهور أنّ أداة الغاية تدلّ على ارتفاع الحكم عمّا بعدها، بل ربّما يقال بأنّ دلالتها على الارتفاع أشد من دلالة القضية الشرطية على ارتفاع الحكم عند ارتفاع شرطه.
نعم ذهب السيّد المرتضى والشيخ الطوسي إلى خلاف هذا القول واستُدلّ لقولهما بالآيات التالية:
1. قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْن) .1
2. قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَد مِنَ الْفَجْرِ).2
3. قوله تعالى: (وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَة).3
فإنّ لفظة «حتّى» الجارة في هذه الآيات تدلّ على أنّ الوظيفة تنتهي بالوصول إلى الغاية، أعني: تطهّر المرأة، أو تبين الخيط الأبيض، أو الإذعان بعدم طروء الفتنة. ولا تدلّ على ارتفاع الحكم عمّا بعد الغاية.

1 . البقرة:222.
2 . البقرة:187.
3 . البقرة:193.

صفحه 194
والتحقيق أن يقال: إنّه لو كانت الغاية غاية للحكم فلا شكّ في الدلالة، كما في قوله: «كلّ شيء حلال حتّى تعلم أنّه حرام» فإنّ الغاية غاية للحكم بالحلية كما هي غاية للحكم بالطّهارة في قوله:«كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر» فادّعاء التبادر في أمثال ذلك ممّا لا إشكال فيه .
وأمّا إذا كانت الغاية قيداً للموضوع ومحدِّدةً له كما في قولك: «سر من البصرة إلى الكوفة» فإنّه بمنزلة أن يقال: السير من البصرة إلى الكوفة واجب، ومثله قوله سبحانه: (فَاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ وَأَيدِيَكُمْ إِلى المَرافِق) 1 فإنّه بمنزلة أن يقال: غسل الأيدي إلى المرافق واجب، فالظاهر عدم الدلالة على المفهوم، إذ غاية الأمر أنّ الموضوع المقيّد محكوم بالحكم، وأمّا عدم الحكم على الموضوع الفاقد للقيد، فلا يدلّ عليه لعدم وضعه لذلك، إلاّ إذا قلنا بدلالة كلّ قيد على المفهوم، كمفهوم الوصف.

حكم نفس الغاية

ما ذكرناه راجع إلى حكم ما بعد الغاية، وأمّا الكلام في نفس الغاية فهل هي داخلة في حكم المغيّى أو خارجة عنه؟
ذهب المحقّق الخراساني والسيّد الإمام الخميني إلى خروجها أيضاً، ففي مثله قوله سبحانه: (فَاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ وَأَيديكُمْ إِلى المَرافِق) ، فالواجب هو دون المرفق، وأمّا نفس المرفق فهو خارج عن وجوب الغسل، اللّهمّ إلاّ لأجل تحصيل اليقين بغسل ما دون المرفق، واستدلّ عليه الرضيّ بأنّ الغاية حدّ الشيء وحدود الشيء خارجة عنه.

1 . المائدة:6.

صفحه 195
والأولى أن يستدلّ بالتبادر فإنّ المتبادر من قوله: (تَنَزَّلُ المَلاَئِكَةُ وَالرُّوح فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر * سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطلَعِ الْفَجْر) 1 فإنّ المتبادر هو خروج مطلع الفجر عن الحكم السابق الوارد في الآية كما هو الحال في قوله: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصّيام إِلى اللَّيل) فالليل خارج عن حكم المغيّى.
ثمّ إنّ البحث عن دخول الغاية في حكم المغيّى وعدمه محدّد بشرطين نوّهنا بهما في الموجز أيضاً2 وهما:
1. إذا كان هناك قدر مشترك أمكن تصويره تارة داخلاً في حكم المغيّى، وأُخرى داخلاً في حكم ما بعد الغاية كالمرفق، فإنّه يصلح أن يكون محكوماً بحكم المغيّى (الأيدي) وحكم ما بعد الغاية (كالعضد) وأمّا إذا لم يكن كذلك، فلا موضوع للبحث كما إذا قال: اضربه إلى خمس ضربات، فالضربة السادسة من أفراد مابعد الغاية، والضربة الخامسة داخلة في أجزاء المغيّى حسب التبادر فليس هنا شيء آخر يبحث عن دخوله في حكم المغيّى وعدمه.
2. إنّ البحث مركز في «حتّى» الخافضة وأمّا «حتّى» العاطفة فلا شكّ في دخول الغاية في حكم المغيّى كما في قولك: جاء الحجّاج حتى المشاة، ومات الناس حتّى الأنبياء. قال الشاعر:
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله *** والزاد حتّى نعله ألقاها
فخرجنا بالنتائج التالية:
أ: دلالة الجملة على خروج ما بعد الغاية عن حكم المغيّى إذا كانت قيداً للحكم. نحو: «كلّ شيء حلال حتّى تعلم أنّه حرام».

1 . القدر:4ـ5.
2 . الموجز في أُصول الفقه: 94 ـ 95.

صفحه 196
ب: عدم دلالة الجملة على خروج ما بعد الغاية (كالعضد) عن حكم المغيّى إذا كانت قيداً للموضوع. في قوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيديَكُمْ إِلى المَرافِق).
ج: عدم دخول الغاية (المرفق) في حكم المغيّى. أي وجوب الغسل .
ثمّ إنّ البحث مركَّز في «حتّى» الخافضة لا العاطفة وإلاّ فلا شكّ في الدخول.

صفحه 197
مفهوم اللقب   

الفصل الرابع

مفهوم اللقب

في اللقب أصطلاحان:
أحدهما للنحاة: وهو أن الاسم ينقسم إلى العلم كمحمد، والكنية كأبي القاسم، واللقب كرسول الله، فإذا قلت: أبو القاسم محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، جمعت فيه الأقسام الثلاثة.
ثانيهما: مصطلح الأُصوليين
وهو كلّ اسم سواء كان مشتقاً أم جامداً وقع موضوعاً للحكم، وبذلك يفترق عن مفهوم الوصف عند الأُصوليين إذ هو أعم من الوصف المعروف في النحو ومن الحال والتمييز والقيود الزمانية والمكانية، فإن الجميع من قبيل مفهوم الوصف.
إذا عرفت ذلك فقد احتجوا على أن ذكر اللقب فاقد للمفهوم بالوجه التالي:
قال المحقّق القمي: الحق أنّه لا حجيّة في مفهوم الألقاب، لأنّه لو دّل لكان قولنا: زيد موجود، وعيسى رسول الله، كفراً، لاستلزامهما نفي الصانع، ورسالة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم).1

1 . القوانين: 1 / 191 .

صفحه 198
فإن قلت: إذا قال القائل: الفقراء موقوف عليهم هذا البستان، أفلا يدلّ على نفي الحكم عن غير الفقراء؟
قلت: غاية ما يدلّ على ثبوت الوقف للفقراء، وأمّا نفيّه عن غيرهم فلا يدلّ عليه، لا ثبوتاً ولا نفيّاً، فكم فرق بين دلالة العدم، وعدم الدلالة.
والحاصل أنّ هنا حكماً واحداً شخصياً وهو مترتّب على موضوع وعدم شموله لموضوع آخر لا يسمّى مفهوماً.
تمّ الكلام في المقصد الثالث

صفحه 199
في العام والخاص   

   المقصد الرابع

في العام والخاص

وفيه فصول:
الفصل الأوّل: المخصص المتصل والمنفصل
الفصل الثاني: إ نّ التخصيص لا يوجب المجازية
الفصل الثالث: إ نّ العام حجّة في الباقي
الفصل الرابع: إ جمال المخصِّص مفهوماً
الفصل الخامس: إ جمال المخصِّص مصداقاً
الفصل السادس: التمسّك بالعام قبل الفحص عن المخصّص
الفصل السابع: تعقيب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده
الفصل الثامن: تخصيص العام بالمفهوم الموافق والمخالف
الفصل التاسع: تخصيص الكتاب بالخبر الواحد
الفصل العاشر: دوران الأمر بين التخصيص والنسخ
خاتمة المطاف: الخطابات الشفاهية

صفحه 200

صفحه 201

تمهيد

وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:
الأمر الأوّل: أنّ العام من المفاهيم المشهورة الغنيّة عن التعريف، ويقابله الخاصّ. ومع ذلك فقد عُرّف العموم بوجوه أوضحها: كون اللّفظ بحيث يشمل مفهومه لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه مفهوم الواحد، فلفظ العلماء عامّ لكونه شامل لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه مفهوم الواحد أعني: «العالم» ويقابله الخاص.
الأمر الثاني: أنّ العام ينقسم إلى استغراقي ومجموعي وبدلي، وهل انقسامه إلى هذه الأقسام الثلاثة باعتبار ذات العام ولحاظه بوجوه مختلفة مع قطع النظر عن الحكم وكونه موضوعاً، أو أنّ هذا التقسيم باعتبار تعلّق الحكم عليه؟
ذهب المحقّق الخراساني إلى الثاني، قائلاً بأنّ الاختلاف باعتبار اختلاف كيفية تعلّق الأحكام به، وإلاّ فالعموم في الجميع بمعنى واحد، وهو شمول الحكم لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه، غاية الأمر أنّ تعلّق الحكم به تارة بنحو يكون كلّ فرد موضوعاً على حدة للحكم، وأُخرى بنحو يكون الجميع موضوعاً واحداً، بحيث لو أخلّ بإكرام واحد في «أكرم كلّ فقيه» مثلاً، لما امتثل أصلاً، بخلاف الصورة الأُولى فإنّه أطاع وعصى، وثالثة بنحو يكون كلّ واحد موضوعاً على البدل بحيث لو أكرم واحداً منهم لقد أطاع وامتثل كما

صفحه 202
يظهر لمن أمعن النظر وتأمّل.1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يتمّ لولم يكن هناك ألفاظ موضوعة لخصوص هذه الأقسام الثلاثة ، وإلاّ يكون التقسيم بلحاظ ذاته، مثلاً أنّ لفظ «الكلّ» و«التمام»و«الجميع» دال على العام الاستغراقي وإنّ كلّ فرد ملحوظ مستقلاً كما أنّ لفظ «المجموع» دال على العام المجموعي وأنّ الأفراد ملحوظة بنعت الاجتماع، كما أنّ لفظ «أيّ» دالّ على العام البدلي وأنّ كلّ فرد من الأفراد ملحوظ على البدل مثل قوله تعالى: (قالَ يا أَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِيني بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُوني مُسْلِمين).2
وعلى ذلك فدلالة كلّ واحد من هذه الألفاظ على كيفية الموضوع، بنفسها، لا باعتبار تعلّق الحكم به.
الأمر الثالث: أنّ الإطلاق ينقسم إلى الشمولي(الاستغراقي) والبدلي كانقسام العام إليهما، فالإطلاق في مثل قوله: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)شمولي كما أنّه في قوله: «أكرم عالماً» بدلي، والفرق أنّ استفادة الشمولي والبدلي في العام بالدلالة اللّفظية الوضعية، وأمّا المطلق فإنّما هو بالقرائن الحافّة ومقدّمات الحكمة الّتي سيأتي بيانها في المقصد الخامس .
إذا عرفت ذلك يقع الكلام ضمن فصول:

1 . كفاية الأُصول: 1/332.
2 . النمل:38.

صفحه 203
المخصّص المتصل والمنفصل   

الفصل الأوّل

المخصّص المتصل والمنفصل

إنّ تخصيص العام يتصوّر على وجهين:
الأوّل: أن يقترن المخصّص بنفس العام في مقام الإلقاء كقولك: أكرم «العلماء العدول» فيسمّى مخصِّصاً متصلاً لاتّصاله بالعام في الكلام، ويكون قرينة على عدم إرادة العموم .
الثاني: أن لا يقترن المخصّص بالعام في نفس الكلام بل يأتي قبل العام أو بعد ورود العام فتكون قرينة على أنّ المتكلّم أراد ما عدا الخاصّ، وكلّ من المخصِصَين حجّة وقرينة على المراد إلاّ أنّه إذا كان المخصّص متصلاً لا ينعقد للعام ظهور في العموم، بل ينعقد الظهور من بدء الأمر في الخصوص وأمّا إذا كان منفصلاً فبما أنّه غير مقترن بالعام، ينعقد للعام ظهور في العموم وإذا وقف المخاطب على المخصّص المنفصل وكان ظهوره أقوى من ظهور العام فهو لا يزاحم ظهور العام في عمومه لانعقاد الظهور له في العموم قبل العثور على المخصّص وإنّما يزاحم حجّيته في العموم، فإذا قال: أكرم العلماء ثمّ ورد بعد شهر وقبل وقت العمل لا تكرم فسّاق العلماء، فالكلام الثاني لا يزاحم ظهور الكلام الأوّل في العموم بعد انعقاده فيه.
نعم العثور على المخصّص وكونه أقوى من العام يكون قرينة على أنّ العموم ليس بمراد، وهذا ما يقال من أنّ المخصّص المنفصل لا يزاحم ظهور

صفحه 204
العموم وإنّما يزاحم حجّيته في العموم.
وإن شئت قلت: إنّه إذا كان المخصّص متصلاً لا ينعقد للعام ظهور إلاّ في الخصوص، وهذا بخلاف ما إذا كان المخصّص منفصلاً فينعقد للكلام ظهور في العموم، والعثور على الخاص لا ينافي انعقاد ظهوره في العموم وإنّما يزاحم حجّيته فيه فلا يكون حجّة في العموم، فيكون من باب تقديم الأظهر أو النصّ على الظاهر.

صفحه 205
إنّ التخصيص لا يوجب المجازية   

الفصل الثاني

إنّ التخصيص لا يوجب المجازية

كان المعروف بين الأُصوليّين هو أنّ تخصيص العام يوجب المجازية أي استعمال العام في غير ما وضع له أعني الخصوص ـ لكن الحقّ كما عليه المتأخّرون ـ كونه حقيقة وإن خصِّص، سواءأ كان المخصّص متصلاً أم منفصلاً.
أمّا المتّصل فلأنّ كلاً من لفظي «العلماء» و «العدول» في قولك: «أكرم العلماء العدول» استعمل في نفس معناه فأطلق العلماء وأُريد منه كلّهم، كما أطلق العدول وأُريد منهم الموصوفون بالعدالة. فاللفظان مستعملان في معناهما وإن كان ظهور الكلام منعقداً في الخصوص، فالمورد من قبيل تعدد الدالّ والمدلول.
وأمّا المخصّص المنفصل فلأنّ المتكلّم يستعمل العام في معناه اللغوي بالإرادة الاستعمالية، فإذا كانت الإرادة الجدّية مطابقة للإرادة الاستعمالية يَقتصر على العام ولا تكون أيّ حاجة للخاصّ، وأمّا إذا كانت الإرادة الجدّية من حيث السعة مخالفة للإرادة الاستعمالية فيشير المتكلّم إلى من لم تتعلّق به الإرادة الجدّية بالمخصّص حتى يدل على أنّ متعلّق الإرادة الجدّية أضيق من متعلّق الإرادة الاستعمالية.
فلا يكون العثور على المخصّص أيضاً سبباً لاستعمال اللّفظ في غير ما وضع له.

صفحه 206
وإن أردت مزيد توضيح فنقول: إنّ التخصيص بالمنفصل إنّما يوجب مجازية العام المخصَّص إذا استعمله المتكلّم في غير معناه العام من أوّل الأمر، كأن يريد بقوله: أكرم العلماء، «العلماء غيرَ الفساق» ولكنّه أمر غير معهود، فالمتكلّم يستعمله في نفس ما وضع له، بالإرادة الاستعمالية، أو قل بالإرادة التفهيمية.
ثمّ إنّه لو كان المراد بالإرادة الاستعمالية نفسَ المراد بالإرادة الجدّية يسكت، ولم يعقّبه بشيء، وأمّا إذا كان المراد بالإرادة الاستعمالية غير المراد بالإرادة الجدّية من حيث السعة والضيق، يشير إلى إخراج بعض ما ليس بمراد جدّاً، ويقول: لا تكرم فساق العلماء، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على ضيق الإرادة الجدّيّة من أوّل الأمر، وأمّا الإرادة الاستعمالية فتبقى على شموليتها للمراد الجدي وغيره، وهذا رائج في المحاورات العرفية، والملاك في كون الاستعمال حقيقة أو مجازاً هي الإرادة الأُولى، والمفروض أنّ العام حسب تلك الإرادة مستعمل في نفس ما وضع له وإذا ورد التخصيص فإنّما يرد على ما هو المراد بالإرادة الجدّية.
فخرجنا بهذه النتيجة: أنّ العام المخصَّص سواء أكان التخصيص متصلاً أم منفصلاً، حقيقة وليس بمجاز، ويجمع كلا التخصيصين كونُ العام والخاص من قبيل تعدّد الدال والمدلول.
سؤال: لماذا لا يستعمل المتكلّم العامَّ في الخاص من أوّل الأمر أي فيما هو متعلّق الإرادة الجدّية، بل يستعمله ابتداءً في العموم ثمّ يشير بدليل ثان إلى التخصيص.
الجواب: إنّما يستعمله كذلك لضرب القاعدة وإعطاء الضابطة فيما إذا

صفحه 207
شكَّ المخاطبُ في خروج بعض الأفراد، حتى يتمسّك بالعام إلى أن يثبت المخصّص، وذلك لأنّ الأصل هو تطابق الإرادة الاستعمالية مع الارادة الجديّة إلاّ إذا قام الدليل على المخالفة.
وهذا لا يتمّ إلاّ باستعماله من أوّل الأمر في العموم بخلاف ما إذا استعمله في الخصوص وفي غير معناه الحقيقي فلا يمكن للمخاطب التمسّك بعموم العام في موارد الشكّ، لأنّ للمعنى المجازي مراتب1 مختلفة، ولا نعلم أيّ مرتبة من تلك المراتب هي المرادة، فيصير الكلام مجملاً في صورة الشكّ.

1 . وحيث يحتمل أنّه استعمله في تمام الباقي كما يحتمل استعماله في بعض الباقي، وللبعض الباقي أصناف مختلفة، مثلاً العلماء غير القرّاء ، العلماء غير النحاة، العلماء غير الفقهاء، فالكل يعدّ من المجاز حيث إنّ اللّفظ فيها ليس بحقيقة، فتعيين أحدها يحتاج إلى دليل.

صفحه 208
أنّ العام حجّة في الباقي   

الفصل الثالث

أنّ العام حجّة في الباقي

قد خرجنا في الفصل السابق بنتيجتين:
الأُولى: أنّ العام مستعمل في معناه، وأنّ التّخصيص لا يوجب المجازية.
الثانية: أنّ الأصل بين العقلاء هو تطابق الإرادة الاستعمالية للإرادة الجدّيّة إلاّ إذا قام الدّليل على المخالفة في مورد التّخصيص.
ثمّ إذا شككنا في ورود التّخصيص على العام أو في ورود تخصيص زائد، فمقتضى الأصلين هو حجّية العام في مدلوله، وذلك لأنّ مقتضى كون اللّفظ مستعملاً في معناه بالإرادة الاستعمالية وكونها مطابقة للجدّ ما لم يدلّ دليل على خلافه، هو كون ما وقع تحت العام محكوماً بحكمه وأنّه حجّة فيه ما لم يدلّ دليل قطعي على الخلاف.

صفحه 209
إ جمال المخصِّص مفهوماً    

الفصل الرابع

إجمال المخصِّص مفهوماً

كان البحث في الفصل السابق منصبّاً على حجّية العام في الباقي بعد افتراض كون المخصّص مبيَّناً لا إجمال فيه، وإنّما كان الشكّ في تخصيص زائد بمعنى احتمال أن يكون هناك تخصيص وراء التخصيص الأوّل، فقد قلنا بحجّية العام في الباقي مالم يثبت تخصيص آخر.
وأمّا البحث في هذا الفصل فهو فيما إذا كان المخصِّص مجملاً مفهوماً وصار إجماله سبباً للشكّ في بقاء مورد، تحت العام، أو خروجه عنه ودخوله تحت الخاصّ، وعلى هذا فالفصلان مختلفان موضوعاً ومحمولاً، وإن كانا يشتركان في تعلّق الشكّ ببقاء فرد أو عنوان تحت العام، لكن منشأ الشكّ في الفصل السابق، احتمال طروء تخصيص زائد على العام وفي المقام وجود الإجمال في المخصِّص فالمسألتان متغايرتان.
ثمّ إنّ إجمال المخصِّص مفهوماً على قسمين: فتارة يكون مفهوم المخصِّص مردّداً بين الأقل والأكثر، وأُخرى يكون مفهومه مردّداً بين المتباينين. وإليك توضيح القسمين بذكر بعض الأمثلة.
أمّا المخصِّص المردّد مفهومه بين الأقل والأكثر، فإليك مثالين:
أ. إذا قال: كلّ ماء طاهر إلاّ ما تغيّر طعمُه أو لونُه أو رائحته، فإنّ المخصِّص مردّد بين كون المراد خصوص التغيّر الحسّي، أو ما يعمّه والتغيّر التقديريّ، كما إذا مزج الماء الذي وقعت فيه النجاسة، بالطيب على فرض لولاه لظهر

صفحه 210
التغيّر بإحدى صوره الثلاث، فالمخصِّص (إلاّ ما تغير) مردّد بين الأقل وهو التغير الحسّي، والأكثر وهو شموله له وللتقديري.
ب. إذا قال: أكرم العلماء إلاّ الفسّاق، وتردّد مفهوم الفاسق بين كونه خصوص مرتكب الكبيرة، أو أعم منه ومن مرتكب الصغيرة، فهو مردّد بين الأقل وهو مرتكب الكبيرة ، والأكثر وهو مرتكب الكبيرة والصغيرة.
وأمّا المخصص المردّد مفهومه بين المتباينين.
فكما إذا قال المولى: أكرم العالم إلاّ سعداً، وتردّد بين سعد بن زيد وسعد ابن بكر، فالإجمال في المفهوم صار سبباً لتردّد المخصّص بين المتباينين.
إذا وقفت على إجمال المفهوم بقسميه، فاعلم أنّ الصور المتصوّرة في المقام أربع. لأنّ المخصّص المجمل إمّا متصل أو منفصل وإجمال كلّ، إمّا لدورانه بين الأقل والأكثر، أو بين المتباينين، وإليك أحكام الصور الأربع:

الصورة الأُولى: المخصص المتّصل الدائر مفهومه بين الأقل والأكثر

إذا كان العام مقروناً من أوّل الأمر بمخصّص مجمل مفهوماً مردّد أمره بين الأقل والأكثر كما عرفت في المثالين، فلا شكّ في أمرين:
1. أنّ الخاص حجّة في الأقل ـ أعني: التغيّر الحسّي ومرتكب الكبيرة ـ وليس العام حجّة فيهما بلا كلام.
2. أنّ الخاص ليس حجّة في المصداق المشكوك، أي التغير التقديري ومرتكب الصغيرة.
إنّما الكلام في أمر ثالث، وهو هل العام حجّة في هذا الفرد المشكوك أو لا؟ والمسألة مبنية على سريان إجمال المخصّص إلى العام فلا يكون حجّة فيه، و عدمه فيكون حجّة.

صفحه 211
والتحقيق أنّه يسري، لأنّ المخصص المتّصل من قبيل القرائن المتّصلة بالكلام، وما هذا شأنه يوجب «عدم انعقاد ظهور للعام إلاّ فيما عدا الخاص» فإذا كان الخاص مجملاً، سرى إجماله إلى العام، لأنّ ما عدا الخاص غير معلوم فلا يحتج بالعامّ في مورد الشكّ.
وإن شئت قلت: إنّ التخصيص بالمتصل أشبه شيء بالتقييد إذا قال: أكرم العالم غير الفاسق، حيث يعود الموضوع مركباً من العام وعنوان «غير الفاسق» فلابدّ في الحكم بوجوب الإكرام (حكم العام) من إحراز كلا الجزأين، أعني: كونه عالماً وكونه غير فاسق، و الأوّل وإن كان محرزاً بالوجدان، ولكن الثاني (غير فاسق) غير محرز، لأنّه لو كان الفاسق موضوعاً لمرتكب الكبيرة، فالموضوع محرز، لأنّ مرتكب الصغيرة غير فاسق، ولو كان موضوعاً للأعم فهو فاسق، فلا ينطبق عليه عنوان العام المخصَّص (العالم غير الفاسق)، وبما انّه لم يحرز عندئذ الجزء الآخر(غير الفاسق)، فلا يصحّ التمسّك بالعام.

الصورة الثانية: المخصص المتّصل الدائر مفهومه بين المتباينين

إذا ورد العام منضماً إلى مخصِّص دائر مفهومه بين أمرين متباينين ليس بينهما قدر مشترك حتى يدور الأمر بين الأقل والأكثر، كما إذا قال: أكرم العالم إلاّ سعداً، وكان مردّداً بين سعد بن زيد وسعد بن بكر، فلا يمكن التمسّك بالعام في واحد منهما للبيان السابق حيث إنّ العام حجّة فيما عدا الخاص، فيجب إحراز كلا الجزأين : الأوّل: أنّه (عالم) والثاني أنّه (ليس سعداً)، وبما أنّ سعداً مردّد مفهوماً بين الفردين، فلا يكون موضوع العام محرزاً بتمامه في أيّ واحد من الفردين.

صفحه 212
فخرجنا بالنتيجة التالية: وهي أنّه لا يحتجّ بالعام عند اجمال المخصّص المتصل من غير فرق بين الأقل والأكثر والتباين .

الصورة الثالثة: المخصّص المنفصل الدائر مفهومه بين الأقلّ والأكثر

إذا ورد العام مجرّداً عن المخصّص، ثمّ لحقه مخصّص منفصل دائر مفهومه بين الأقل والأكثر، كما إذا قال: أكرم العلماء، وقال بعد فترة : لا تكرم فسّاق العلماء، فلا شكّ أنّ العام ليس بحجّة في مرتكب الكبيرة، ويقع الكلام في كونه حجّة في مرتكب الصغيرة.
المشهور بين المحقّقين كونه حجّة في مورد الصغيرة، ويقع الكلام في بيان ما هو الفرق بين المتصل والمنفصل حيث إنّ إجمال المخصِّص المتصل يسري إلى العام عند دورانه بين الأقل والأكثر ولا يسري إليه إجمال المخصّص المنفصل إذا دار أمره بينهما، وإليك بيان الفرق:
إنّ اتصال المخصص يوجب عدم انعقاد ظهور للعام من أوّل الأمر إلاّ في العنوان المركّب (العالم غير الفاسق)، فلا يكون هنا إلاّ دليل واحد وله ظهور واحد.
وهذا بخلاف ما إذا كان المخصّص منفصلاً، فإنّه ينعقد للعام ظهور في العموم، ويعمّ قوله: أكرم العلماء، مرتكبَ الصغيرة والكبيرة معاً في بدء الأمر ويكون حجّة فيهما.
ثمّ إذا لحقه المخصّص المنفصل فهو لا يزاحم ظهوره، لأنّ ظهوره انعقد في العموم، وإنّما يزاحم حجّيته في العموم، لأنّ ظهور الخاص أقوى، وبما أنّ المخصِّص المنفصل ليس حجّة إلاّ في مرتكب الكبيرة دون الصغيرة،

صفحه 213
بل كان فيها مشكوك الحجّية فلا يزاحم حجيّة العام فيه فيتمسك بالعام الذي انعقد ظهوره في العموم وكان حجّة فيه ما لم يكن هناك حجّة أُخرى والمفروض عدمها.
وبعبارة أُخرى: العام المنفصل عن المخصّص ينعقد ظهوره في العموم، فيكون حجّة في وجوب إكرام العالم أعمّ من مرتكب الصغيرة أو الكبيرة، وهذا الظهور حجّة ما لم يكن هناك دليل أقوى، والمفروض أنّ الدليل الأقوى مجمل مردّد بين الأقل والأكثر، فلا يكون حجّة في المشكوك أي الأكثر فلا ترفع اليد عن الحجّة السابقة إلاّ بمقدار ما ثبتت حجّية الخاصّ فيه، وليس هو إلاّ مرتكب الكبيرة فيتمسّك في مورد الصغيرة، بالعام.

الصورة الرابعة: المخصّص المنفصل الدائر مفهومه بين المتباينين

إذا ورد العام مجرّداً عن المخصّص، ثمّ لحقه المخصّص بعد فترة ولكن دار أمره بين متباينين، كما إذا قال: «أكرم العالم»، ثمّ قال بعد فترة: «لا تكرم سعداً» وكان سعد مردّداً مفهوماً بين «سعد بن زيد» و «سعد بن بكر» فالإجمال في المصداق وتردّده بين الشّخصين لأجل الإجمال في المفهوم بحيث لو أزيل الإجمال المفهومي لما كان هناك إجمال في المصداق ، فهل يكون العام حجّة في واحد منهما؟
التحقيق: أنّه لا يكون العام حجّة بل يسري إجمال المخصّص ـ وإن كان منفصلاً ـ إلى العام، ووجه ذلك مع أنّه يشترك مع الصورة الثالثة في انفصال المخصص، ولكن يفارقه في شيء آخر، وهو انحلال العلم الإجمالي في الصورة الثالثة إلى أمر قطعي وهو حرمة إكرام مرتكب الكبيرة من العلماء وإنّما

صفحه 214
الشكّ في مورد مرتكب الصغيرة فيكون الشكّ فيه شكّاً بدوياً تجري فيه البراءة بخلاف المقام، فإنّ هنا علماً إجمالياً بحرمة أو وجوب إكرام أحد العنوانين، ومع هذا العلم كيف يمكن التمسّك بظهور العام ـ وإن انعقد ظهوره قبل لحوق المخصّص المنفصل به في العموم ـ بل يسقط العام عن الحجّية في كلّ واحد منهما.
فخرجنا بالنتائج التالية:
1. يسري إجمال المخصّص المتصل الدائر أمره بين الأقل والأكثر إلى العام.
2. يسري إجمال المخصّص المتصل الدائر أمره بين المتباينين إلى العام.
3. يسري إجمال المخصّص المنفصل الدائر أمره بين المتباينين إلى العام.1
4. لا يسري إجمال المخصّص المنفصل الدائر أمره بين الأقل والأكثر إلى العام.

1 . هذه هي الصورة الرابعة قدّمناها في المقام لمساواة حكمها مع القسمين الأوّلين.

صفحه 215
إ جمال المخصِّص مصداقاً   

الفصل الخامس   

إ جمال المخصِّص مصداقاً

كان البحث في الفصل السابق فيما إذا شكّ في كون فرد داخلاً تحت العام أو الخاص وكان منشأ الشكّ إجمال المخصص مفهوماً وأمّا إذا كان المخصص مبيناً مفهوماً، لكن وقع الشكّ في بقاء فرد من أفراد ما ينطبق عليه العام تحته أو خروجه عنه ودخوله تحت المخصِّص، فمثلاً، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» وهو عام يشمل اليد العادية واليد الأمينة، ثمّ لحقه المخصص فأخرج اليد الأمينة.
ولو تلف مال تحت يد إنسان مردّدة مصداقاً بين كونها يداً عادية أو يد أمينة، فالإجمال ليس في مفهوم العام ولا في مفهوم الخاص، وإنّما الإجمال في المصداق والأمر الخارجي حيث إنّ كيفية اليد مردّدة بين كونها باقية تحت العام أو كونها خارجة عنه، فهل يجوز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية للخاص، أو لا؟
ربما ينسب إلى القدماء صحّة التمسّك ولذلك أفتوا في مثال اليد المشكوكة، بالضمان، ولكن الحقّ خلافه.
بيانه: أنّ الخاصّ (اليد الأمينة) وإن لم يكن دليلاً في الفرد المشتبه، كما في المقام لتردّده بينها وبين غيرها، ولكنّه يوجب اختصاص حجيّة العام في غير عنوان المخصِّص، فكأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: على اليد «إذا كانت عادية» ما أخذت حتى تؤدي، فالاحتجاج بالعام في مورد الشبهة مبني على إحراز كلا العنوانين:

صفحه 216
أ. استيلاؤه على العين، وهو محرز بالوجدان.
ب. استيلاؤه على وجه العدوان وأنّ اليد عادية، وهو مشكوك.
ومع الشكّ في صدق الجزء الثاني على المورد كيف يتمسّك بالعام ويحكم بالضمان؟
وإلى ما ذكرنا يرجع قول العلماء: «إنّ الخاص وإن لم يكن حجّة في مورد المشتبه، لكنّه يجعل العام السابق حجّة في غير عنوان الخاص فيجب على المتمسك إحراز كلا العنوانين».1
وقد خرجنا بالنتيجة التالية:
وهي أنّ العام ليس حجّة في الشبهة المصداقية للمخصص.
سؤال: إذا كان هذا هو مقتضى القاعدة، فلماذا أفتى المشهور بضمان اليد المشكوكة المردّدة بين كونها يد ضمان، أو يد أمانة مع أنّه من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص؟
الجواب: إنّ الإفتاء بالضمان ليس من هذا الباب، بل لأجل ضابطة فقهية سارية في أمثالها وهي:
إذا كان طبع العمل مقتضياً للفساد وكانت الصحّة حالة طارئة، عليه فلا تجري فيه أصالة الصحّة بل يحكم عليه بالفساد مالم يحرز مسوِّغ الصحّة.

1 . ثمّ إنّ الصور المتصوّرة في المقام (إجمال المخصِّص مصداقاً) أربعة كإجماله مفهوماً، وذلك لأنّ المخصِّص المجمل مصداقاً إمّا أن يكون متصلاً، أو يكون منفصلاً وعلى كلّ تقدير، كل من الإجمالين تارة يكون على وجه التباين وأُخرى على نحو الأقل والأكثر وعلى كلّ تقدير فالعام ليس حجّة في الشبهة المصداقيّة للمخصّص مطلقاً. ولأجل الاختصار اكتفينا في هذا القسم بالإشارة. لاحظ : «المحصول»: الجزء2.

صفحه 217
والتصرّف في مال الغير يقتضي الضمان بطبعه، وعدم الضمان أمر طارئ استثنائي، فاللازم هو الأخذ بمقتضى طبيعة الموضوع إلى أن يثبت خلافه، وإليك نظائرها:
1. إذا باع غير الولي مال اليتيم واحتمل كون بيعه مقروناً بالمسوِّغ، فلا يحكم عليه بالصحّة إلاّ بالعلم والبيّنة على وجوده، لأنّ طبع العمل (بيع مال اليتيم) محكوم بالفساد، فهو محكوم بمقتضى الطبع إلى أن يعلم خلافه.
2. إذا باع المتولي، الوقف فلا يحكم عليه بالصحة إلاّ بإحراز أحد المسوِّغات، لأنّ طبع بيع الوقف يقتضي الفساد، والصحّة أمر طارئ عليه، فيحكم بمقتضى الطبع إلى أن يعلم خلافه.
3. إذا تردّدت المرأة بين كونها ممّن يجوز النظر إليها وغيرها، فلا يجوز النظر إليها، لأنّ مقتضى طبع العمل في المقام هو حرمة النظر، وجواز النظر أمر طارئ على مطلق المرأة، فيحكم بحرمة النظر إلى أن يعلم المسوِّغ.

صفحه 218
التمسّك بالعام قبل الفحص عن المخصّص   

الفصل السادس

التمسّك بالعام قبل الفحص عن المخصّص

نزل الوحي الإلهي على قلب سيّد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم)نجوماً على سبيل التدريج وقد بيّن سبحانه وجه ذلك بقوله: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَولا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرآنُ جُمْلَةً واحِدَة كَذلِكَ لنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرتيلاً)1، فجعل تثبيت فؤاد النبي دليلاً على نزول القرآن تدريجاً.
ثمّ إنّ نزول القرآن نجوماً، صار سبباً لتدريجية التشريع القرآني، فربما نزل العام في فترة، والخاص في فترة أُخرى، فلا يُحتج بالعام القرآني إلاّ بعد الفحص عن خاصّه فيه.
ونظيره السنّة النبويّة فقد كان التشريع فيها أمراً تدريجياً، فربما ورد العام في لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في فترة، والخاص في فترة أُخرى، فلا يحتج بعموم السنة النبويّة إلاّ بعد الفحص عن مخصِّصه فيها.
ثمّ إنّ هناك أحكاماً كثيرة شُرّعَت لكن حال الأجل بين الرسول وإبلاغه للأُمّة لكنّه (صلوات اللّه عليه) جعلها مخزونة عند العترة الطاهرة ووصفهم أعدالاً للقرآن الكريم وقال: «إنّي تاركٌ فيكُمُ الثقلين كتاب اللّه وعِترتي»، فقاموا ببيان الأحكام المخزونة: عمومها وخصوصها، مطلقها ومقيّدها في فترة تقرب من 250 سنة، فجاء العام في لسان إمام والخاص في لسان إمام آخر أو روى الراوي العام من دون أن يروي الخاص وعكس الآخر، وبالتالي طرأ الفصل

1 . الفرقان:32.

صفحه 219
على المخصِّصات والمقيّدات، وهذا هو السبب التّام لوجوب الفحص عن المخصص قبل العمل بالعام.
وليس هذا من خصيصة التشريع الإسلامي بل التشريع الوضعي (البشري) يتمتع بذلك أيضاً فربما يذكر العمومات والمطلقات في قائمة، والمخصّصات والمقيّدات في قائمة أُخرى، وما ذلك إلاّ لكون التشريع أمراً غير دفعي.
نعم لا يجب الفحص عن المخصِّص المتصل، لأنّ سقوطه عن كلام الراوي على خلاف الأصل، لأنّ سقوطه عمداً تنفيه وثاقة الراوي، وسهواً يخالفه الأصل العقلائي المجمع عليه.
ثمّ إنّ الفحص في المقام يغاير ماهية الفحص عن الدليل الاجتهادي عند العمل بالأُصول العملية، فإنّ الفحص هنا فحص عن متمّم الحجّية، لأنّ موضع الأُصول العملية هو الشكّ في ظرف عدم البيان فما لم يتحقّق الفحص لا يحرز موضوع الأصل(عدم البيان) ولا يحصل المقتضي بخلاف المقام فإنّه فحص عن الدليل الأقوى ظهوراً. فإنّ ظهور العام حجّة قبل الفحص لكن نحتمل وجود حجّة أُخرى أقوى منه.
وأمّا مقدار الفحص فاللازم هو حصول الاطمئنان الشخصي على عدم المخصِّص، وهذا النوع من الاطمئنان حجّة عقلائيّة لم يردع عنها الشارع بل هو علم عرفي.
ثمّ إنّ القوم استدلّوا على وجوب الفحص بدلائل مختلفة أشرنا إليها في هامش هذه الصفحة.1

1 . أ. عدم حصول الظن الشخصي بالتكليف قبل الفحص.
ب. وجود العلم الإجمالي بالمخصِّص وهو مانع عن التمسّك بالعام.

صفحه 220
تعقيب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده   

الفصل السابع

تعقيب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده

إذا كان هناك عام يتعقّبه ضمير يرجع إلى بعض أفراده، فهل يوجب ذلك تخصيص العام أو لا؟ مثاله قوله سبحانه:(وَالمُطلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُروء وَلاَ يَحلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللّهُ في أَرْحامِهنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخر وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِ صلاحاً...) .1
فقد دلّ الدليل على أنّه ليس كلّ بعل أحقّ باسترجاع مطلّقته، وإنّما يستحق إذا كان الطلاق رجعياً لا بائناً، فيقع الكلام في أنّه يوجب ذلك، تخصيصَ العام واختصاص التربّص أيضاً (كالاسترجاع) للرجعيات، أو يبقى العام على عمومه سواء أكانت رجعية أم بائنة ويتصرّف في الضمير فقط. وجهان:
توضيحه: أنّ هنا حكمين:
1. حكم العام، أعني قوله: (وَالمُطلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةُ قُروء)وظاهره عموم حكم التربّص لعامة المطلّقات رجعيّة كانت أو بائنة.
2. حكم الضمير الراجع إلى العام، أعني: حقّ الرجوع في قوله: (وَبُعُولَتهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِن) فقوله: (أَحَقُّ) لا يشمل كل بعل; بل البعض أي المطلِّق رجعياً.

1 . البقرة:228.

صفحه 221
فعندئذ يقع التنافر بين استعمال المرجع في العموم، واستعمال الضمير الراجع إليه في الخصوص، فإنّ الأصل هو رجوع الضمير إلى نفس ما أُريد من المرجع لا إلى بعض ما أُريد منه فلابدّ من علاجه بإحدى الصور التالية:
أ. التصرّف في المرجع بإخراج البائنة عن حكمه، وذلك لأجل أنّ الحكم الثاني يرجع إلى بعض المطلقات، فيصير قرينة على أنّ الحكم الأوّل (التربّص) مختصٌّ ببعض الأفراد، فيحصل التطابق بين المرجع والضمير.
ب. التصرّف في الضمير بارتكاب الاستخدام فيه بعوده إلى خصوص المطلّقة الرجعية، وإبقاء حكم العام على عمومه.
ج. عدم التصرّف في واحد من المرجع والضمير، والتصرّف في الإسناد، و ذلك بإسناد الحكم(أحقّ بردّهنّ) المسند إلى البعض ( الرجعية) إلى الكل (مطلق المطلقة) توسّعاً وتجوّزاً ، فيكون مجازاً في الإسناد، بلا تصرّف في المرجع ولا في الضمير.
وهناك وجه رابع، وهو عدم الحاجة إلى التصرّف مطلقاً، وذلك لأنّه يمكن أن يقال إنّ الحكمين باقيان على عمومهما.
1. فالمطلقات كلهنّ يتربصن بلا استثناء ، والإرادة الاستعمالية فيها مطابقة للجدّية.
2. وبعولتهن مطلقاً رجعياً كان الطلاق أو بائناً أحقّ بردهنّ بلا استثناء لكن بالإرادة الاستعمالية، وأمّا الإرادة الجدّية فقد تعلّقت بخصوص الرجعية، و ذلك بشهادة الدليل القطعي على خروج بعض الأصناف ـ كما إذا كان الطلاق بائناً ـ عنه .

صفحه 222
و تظهر صحّة ما ذكرنا ممّا تقدّم في الفصل الثاني من هذا المقصد (عدم استلزام التخصيص، المجاز في العام) فالعلم بتخصيص الحكم الثاني بالمطلّقة رجعيّة لا يستلزم استعمال الضمير في بعض ما يراد من العام حتى يدور الأمر بين أحد التصرّفات، بل من الجائز أن يستعمل الضمير في المعنى العام أيضاً غاية الأمر علمنا بدليل خارجي اختصاص الحكم بالرجعية.وأقصى ما يلزم من ذلك تخصيص الإرادة الجدّية في جانب الضمير لا الاستعمالية كما هو الضابطة في كلّ تخصيص.

صفحه 223
تخصيص العام بالمفهوم الموافق والمخالف   

الفصل الثامن   

تخصيص العام بالمفهوم الموافق والمخالف

لا شكّ أنّ العام كما يخصّص بمنطوق القضية، كذلك يخصّص بمفهومها.
مثلاً لو افترضنا ورد عام يأمر بإطاعة الوالدين في كلّ ما يأمران به وقال: أطعهما في كلّ ما يأمران.
ثمّ ورد قوله سبحانه: (وَإِنْ جاهَداك على أنْ تُشْرِكَ بي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم فَلا تُطِعْهُما).1
فمنطوق الآية ناظر إلى الشرك في العبادة فيخصص العام المتقدّم بهذا المنطوق.
ثمّ إنّ الآية تدلّ على حرمة اطاعتهما إذا جاهدا أن يشرك الولد، في الخالقية والربوبية، بطريق أولى(المفهوم الموافق) فيخصص به أيضاً، العام السابق.
وجه الاتفاق على جواز التخصيص هو أنّ المفهوم الموافق من مقولة الدلالة اللفظية عند العرف، فكما يخصّص العام بمنطوق الآية فهكذا يخصص بمفهومها الموافق لأنّهما في درجة واحدة لو لم يكن الموافق أعلى منزلة. فالآية بمنطوقها ومفهومها تخصص ما دل على إطاعة أمر الوالدين.
إنّما الكلام في تخصيص العام بالمفهوم المخالف، فربما يتصوّر عدم

1 . لقمان:15

صفحه 224
الجواز لأجل أنّ الدلالة المفهومية أضعف من الدلالة المنطوقية ، فصار ذلك سبباً لعقد هذا الفصل.
ثمّ إنّ العام وما يكون له المفهوم إمّا يقعان في كلام أو كلامين على نحو يصلح أن يكون كلّ منهما قرينة متصلة على التصرّف في الآخر ودار الأمر بين تخصيص العموم أو إلغاء المفهوم، فيعمل بالأظهر منهما، وهذا كما في قوله سبحانه: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصيبُوا قَوماً بِجَهالَة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمين).1
فإنّ الصدر ظاهر في المفهوم، وهو عدم وجوب التثبُّت عند خبر العادل ولكن الذيل عام2 يدلّ على لزومه عند كلّ خبر غير علمي سواء أكان المخبر فاسقاً أم عادلاً، لأنّ الجهالة بمعنى عدم العلم موجود في كلا القسمين، فعندئذ يقدّم الأظهر منهما على الآخر وإلاّ فيتساقطان، وأمّا ما هو الأظهر فقد اختلفت فيه أنظارهم.
فهناك من يقدّم المفهوم على العام ـ وهناك من يعكس، والتّحقيق موكول إلى محلّه.
هذا كلّه إذا كان العام وما يدلّ على المفهوم في كلام واحد، وأمّا إذا كان منفصلين فهل يخصّص العام بالمفهوم أو لا؟
فالظاهر أنّه إذا لم تكن قوّة لأحد الدليلين في نظر العرف على الآخر يعود الكلام مجملاً، وأمّا إذا كان أحدهما أظهر من الآخر فيقدم الأظهر. فربما يكون المفهوم أظهر من حكم العام وإليك المثال:

1 . الحجرات:6.
2 . لوقوع النكرة (بِجَهالَة) في سياق النفي أي: لئلاّ تصيبوا...

صفحه 225
أ. روى محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): أنّه سئل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب، قال(عليه السلام): «إذاكان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء».
فالرواية تحمل المفهوم وهو أنّ الماء إذا لم يكن قدر كرّ يتنجس بالنجس. وفي مقابله عام كقوله: «الماء كلّه طاهر» قابل لتخصيصه بمفهوم هذا الحديث. وجه الأظهرية هو أنّ العام متعرّض لحكم طبيعة الماء، والمفهوم متعرّض لحكم حال من أحواله وهو أنّه إذا كان الماء قليلاً ولاقى النجاسة، فيقدم على الأوّل إذ لا منافاة بين أن يكون الماء القليل بما هوهو طاهراً وعند الملاقاة بالنجس نجساً.
وربما يكون على العكس فيكون العام أظهر من المفهوم لكونه معللاً غير قابل للتخصيص عرفاً كالمثال التالي:
ب. روى محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام)قال: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلاّ أن يتغيّر ريحُه أو طعمُه، فيُنزَحُ حتى يذهبَ الريحُ ويطيب طعمُه، لأنّ له مادة».1
وهو يدلّ على اعتصام ماء البئر وعدم انفعاله بالملاقاة سواء أكان كرّاً أم غير كرّ، وبما أنّه معلّل يقدّم على المفهوم المستفاد من قوله: «إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء» فيحكم بطهارة ماء البئر القليل إذا لاقى نجساً، وبالجملة الملاك هو الأظهرية فتارة يكون الأظهر هو المفهوم وأُخرى يكون العام.
والتصديق الفقهي في الموردين ونظائرهما موكول إلى محلّه في كتاب الطهارة.

1 . الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.

صفحه 226
تخصيص الكتاب بالخبر الواحد   

الفصل التاسع

تخصيص الكتاب بالخبر الواحد

لا شكّ أنّ الكتاب حجّة قطعيّة، وأمّا الخبر الواحد فهو وإن كان ظنيّاً لكنّه ثبتت حجّيته بالدليل القطعي، فيقع الكلام في موردين:
الأوّل: تبيين مجملات القرآن ومبهماته بالخبر الواحد، فلا شكّ أنّ كثيراً من الآيات الواردة حول الصلاة والزكاة والصوم وغيرها واردة في مقام أصل التشريع ولذلك تحتاج إلى البيان، والخبر الواحد بعد ثبوت حجّيته يكون حجّة مبيّنة لمجملاته وموضحاً لمبهماته ولا يعد مثل ذلك مخالفاً للقرآن ومعارضاً له، بل يكون في خدمة القرآن والغاية المهمّة من وراء حجّية خبر الواحد هي ذلك.
الثاني: إنّما الكلام في تخصيص القرآن الكريم بالخبر الواحد، بمعنى إخراج ما شمله القرآن بعمومه، فذهب المتأخرون إلى جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد، كتخصيص قوله: (يُوصيكُمُ اللّهُ في أَولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَين)1 بما ورد في السنّة: «لا ميراث للقاتل».2
ونظيره قوله سبحانه: (وَأُحلّ لَكُمْ ما وَراء ذلِكُمْ)3 حيث خصّص بما

1 . النساء:11.
2 . الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1.
3 . النساء:24.

صفحه 227
ورد في السنة : «المرأة لا تزوّج على عمّتها وخالتها».1
ومع أنّ المشهور بين المتأخرين هو جواز التخصيص لكن ذهب الشيخ الطوسي إلى عدم الجواز، وتبعه المحقّق وقالا: بأنّا لا نسلّم أنّ الخبر
الواحد دليل على الإطلاق، لأنّ الدلالة على العمل به، هو الإجماع على استعماله فيما لا يوجد عليه دلالة، فإذا وجدت الدلالة القرآنية سقط وجوب العمل به.2
وحاصل استدلاله هو أنّ أدلّة حجّية الخبر الواحد قاصرة عن شمولها لما إذا كان في المورد دلالة قرآنية. فالكلام ليس في أصل حجّية الخبر الواحد بل في سعته. وأمّا التّخصيص بما عرفت من الروايات فلاتّفاق الأُمّة عليه فلعلّها كانت محفوفة بالقرائن .
وحاصل الكلام: أنّ كون الكتاب حجّة ليس ككون الخبر الواحد حجّة بل هو من الحجّج القطعية التي لا يعادله شيء إلاّ نفس كلام المعصوم (عليه السلام)لا الحاكي عنه الذي يحتمل أن يكون كلامَه أوكلام غيره، كيف وقد سمّى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)القرآن في حديث الثقلين، بالثقل الأكبر والعترة الطاهرة بالثقل الأصغر،وعندئذ كيف يمكن رفع حكمه بمجرّد قول الثقة .
هذا ولا يعدّ ذلك خلفاً في حجّية الخبر الواحد فإنّ الكلام ليس في أصلها بل في سعتها.
ثمّ لو قلنا بجواز تخصيص القرآن بالخبر الواحد لا نجيز نسخه به، لأنّ الكتاب قطعيُّ الثبوت والخبر الواحد ظنّي الصدور، فكيف يسوغ نسخ

1 . الوسائل: 14، الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها.
2 . عــدة الأُصول: 1 / 344، بتلخيص ; معارج الأُصول:114.

صفحه 228
القطعي بالظنّي خصوصاً إذا كان النسخ كلّياً لا جزئياً أي رافعاً للحكم من رأسه؟ وإليك المثال:
قال سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحدكُمُ المَوتُ إِنْ تَرَكَ خَيراً الوَصيَّة لِلْوالِدَينِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً على المُتَّقين).1
يدلّ لحن الآية على أنّ الوصية أمر قطعي لا تزول عبْـر الزمان بشهادة قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) الحاكي عن الثبوت واللزوم، كما أنّ تذييل الآية بقوله: (حَقّاً على المُتَّقين) دليل على أنّه حقّ ثابت على خصوص المتّقين وما هو حقّ لهم لا يُغيّر.
ومع ذلك فقد ذهب أكثر فقهاء السنة إلى أنّه منسوخ بالخبر الواحد، أي ما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا وصية لوارث».
وقد بسطنا الكلام في هذه المسألة في بعض مسفوراتنا الفقهية.2

1 . البقرة:18.
2 . لاحظ : الانصاف فيما دام فيها الخلاف: 2 / 166 .

صفحه 229
دوران الأمر بين التخّصيص والنسخ   

الفصل العاشر

دوران الأمر بين التخّصيص والنسخ1

إذا ورد عام وخاص، وتردّد الخاص بين كونه مخصِّصاً أو ناسخاً أو منسوخاً، فللمسألة صور:
1. إذا ورد العام والخاص متقارنين.
2. إذا ورد الخاص قبل حضور وقت العمل بالعام.
3. إذا ورد الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام.
4. إذا ورد العام بعد الخاص وقبل حضور وقت العمل بالخاص.
5. إذا ورد العام كذلك لكن بعد حضور وقت العمل بالخاص.
6. إذا جهل ورود الخاص، وأنّه هل ورد قبل حضور وقت العمل بالعام أو بعد حضوره؟
وإليك تفاصيلها:
1. إذا ورد العام والخاص متقارنين فلا شكّ في أنّ الخاص مخصِّص لاناسخ، لأنّ النسخ إنّما يتصوّر بعد حضور وقت العمل بالعام، والمفروض أنّهما وردا معاً .
2. إذا ورد الخاص قبل حضور وقت العمل بالعام، كما إذا قال المولى يوم

1 . لو ورد المخصّص قبل العمل بالعام يوصف بالتخصيص، ولو ورد بعده يوصف بالنسخ.

صفحه 230
الأربعاء: أكرم العلماء يوم الجمعة، وقال يوم الخميس: لا تكرم فساقهم في ذلك اليوم، فهو مخصص لوروده قبل حضور وقت العمل بالعام.
3. إذا ورد الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام، كما إذا ورد العام في الكتاب أو على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وورد الخاص على لسان الأئمّة (عليهم السلام)فمثلاً قال سبحانه: (وَلَهُنَّ الرُبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ).1
و مقتضى الآية أنّهنّ يرثْنَ من جميع ما تركه الزوج حتى العقار، ولكن ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام)قوله: «لا ترث النساء من عقار الدور شيئاً».2
فمقتضى القاعدة هو كون الخاص ناسخاً، لأنّه ورد بعد حضور وقت العمل بالعام أزيد من قرن ولكنّه يشكل من وجهين:
الأوّل: إجماع الأُمّة على أنّ النسخ مختص بعصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّ ما لم يُنسخ فهو باق مستمرّ إلى يوم القيامة، وهذا هو الوجه في عدم كونه ناسخاً.
الثاني: أنّه اشتهر «أنّه ما من عام إلاّ وقد خُصّ» فجعل المخصِّصات الكثيرة في لسان أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)ناسخة يستلزم نسخ أكثر الأحكام ولو في بعض مدلولها.
سؤال: إذا قلنا بأنّ الخاص المتأخر مخصِّص يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، فقد كانت الآية الشريفة(آية الميراث) رائدة الأُمة أزيد من قرن مع أنّ المقصود الجدّي كان على خلافه.

1 . النساء:12.
2 . الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 7.

صفحه 231
الجواب: أنّ الجميع من مقولة التخصيص وأمّا تأخير بيان المخصّص لأجل المصلحة أوجبت بيان الأحكام تدريجاً، فالأحكام كلّها كانت مشرّعة في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)نازلة عليه، غير أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بَيّـن ما بَيّـن وأودع مالم يُبيّـن ـ إمّا لعدم وجود الفرصة السانحة للبيان أو لوجود المصلحة في تأخيره ـ عند أوصيائه والأئمّة المعصومين (عليهم السلام)بعده، وليس تأخير البيان أمراً قبيحاً بالذات حتى لا يغيّر حكمه وإنّما هو بالنسبة إلى القبح، كالمقتضي، نظير الكذب، فلو كانت هناك مصلحة غالبة كنجاة المؤمن لا يعدّ قبيحاً.
هذا هو الحقّ الذي يدركه من سبر سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمجتمع الإسلامي.
فأقصى ما في تأخير البيان وقوع المكلّف في المشقّة أو تفويت المصلحة، وكلّها هيّنة إذا اقتضت المصلحة الكبرى تأخير البيان.
4. إذا ورد العام بعد الخاص وقبل حضور وقت العمل بالخاص.
كما إذا قال في أوّل شهر شعبان: لا تكرم العالم الفاسق في شهر رمضان، ثمّ قال في اليوم الثامن والعشرين من شهر شعبان : أكرم العلماء في شهر رمضان، ففي هذه الصورة يتعيّن كون الخاص المتقدّم مخصّصاً للعام المتأخّر، و لا وجه للنسخ، أي كون العام المتأخّر ناسخاً للخاص المتقدّم لما عرفت من عدم جواز النسخ قبل حضور وقت العمل بالمنسوخ(الخاص).
أضف إلى ذلك أنّه يلزم لغوية حكم الخاص في المقام، وهو لا يصدر من الحكيم العالم بعواقب الأُمور.
5. إذا ورد العام كذلك لكن بعد حضور وقت العمل بالخاص، كما إذا

صفحه 232
ورد قوله: أكرم العلماء في أثناء شهر رمضان، فمقتضى القاعدة كون العام المتأخّر ناسخاً للخاص المتقدّم لورود العام بعد حضور وقت العمل بالخاص، و لا يلزم منه اللغوية لفرض العمل به مدّة نصف شهر.
إلاّ أنّه يمكن أن يقال إنّ قلّة النسخ وكثرة التخصيص يجرّنا إلى القول بأنّه من قبيل التخصيص.
ثمّ الثمرة بين القولين واضحة، إذ على القول بكون العام ناسخاً يكرم العالم الفاسق في باقي شهر رمضان، وعلى القول الآخر لا يكرم في النصف الآخر كالنصف الأوّل.
6. إذا جُهل ورود الخاص، وأنّه هل ورد قبل حضور وقت العمل بالعام أو بعد حضوره؟
الظاهر عدم ترتّب ثمرة على القولين، لأنّه على كلا التقديرين يعمل بالخاص في المستقبل سواء أكان ناسخاً أم مخصِّصاً.
وأكثر ما ذكرناه فروض علمية ليس بأيدينا من الأدلّة ما يصلح للتمثيل بها، ولذلك تركنا ذكر بعض الصور الأُخرى.

صفحه 233
الخطابات الشفاهية   

خاتمة المطاف

الخطابات الشفاهية

هل الخطابات الشفاهية تختصّ بالحاضرين في مجلس التخاطب، أو تعمّ غيرهم من الغائبين والمعدومين؟ فمثلاً قوله سبحانه: (يأَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)1. هل هو خطاب الحاضرين في مجلس النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا قرأ هذه الآية ، أو عام للغائبين والمعدومين أيضاً؟
إنّ محلّ النزاع يمكن أن يكون إحدى الجهات التالية:
الجهة الأُولى: هل يصحّ تعلّق التكليف بالمعدومين كتعلّقه بالموجودين سواء أكان التكليف وارداً عن طريق الخطاب أم لا؟
الجهة الثانية: هل تصحّ مخاطبة المعدوم أو الغائب عن محل الخطاب بالألفاظ الموضوعة له، أو بنفس توجيه الكلام إليه أو لا؟
الجهة الثالثة: هل الألفاظ الواقعة عقيب أداة الخطاب تعمّ المعدوم والغائب أو لا؟
والبحث على الأُوليين عقلي، وعلى الثالثة لغويّ، فلنأخذ كلّ واحدة بالبحث.

1 . البقرة: 183 .

صفحه 234

الجهة الأُولى: في صحّة تكليف المعدوم

لا شكّ أنّ المعدوم من حيث إنّه معدوم لا يصحّ تكليفه بتوجيه البعث والزجر الفعليين إليه، وهذا من القضايا التي قياساتها معها.
نعم يمكن إنشاء التكليف على العنوان (لا على الأفراد) الشامل للموجود والغائب والمعدوم إنشاءً بلا بعث ولا زجر فعليّ ليُصبح فعليّاً بعدما وجدت الشرائط وفقدت الموانع بلا حاجة إلى إنشاء جديد.
وعلى هذا فلا مانع من صحّة تكليف المعدوم وشمول التكاليف القرآنية لعامّة المكلّفين عَبْرَ القرون. بصورة انشاء التكليف على العنوان العام.

الجهة الثانية: إمكان خطاب المعدوم

لا شكّ أنّه لا يصحّ خطاب المعدوم خطاباً حقيقيّاً لغاية التفهيم والتفهم، و لكن يمكن تصحيح خطاب المعدوم على النحو الذي مرّ في صحّة تكليف المعدوم، وذلك بتعلّق الخطاب انشاءً بالعنوان لا بالأفراد، ففي قوله سبحانه:(يأَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الّذي خَلَقَكُمْ وَ الّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) 1 تعلّق الخطاب بعنوان الناس وله مصاديق كثيرة عبر الزمان، فمن كان واجداً للشرائط عند الخطاب يكون الخطاب في حقّه فعليّاً، ومن كان فاقداً لها يكون الخطاب في حقّه إنشائيّاً، وسيُصبح فعلياً عند توفّر الشرائط.
وعلى ذلك فلا مانع من شمول الخطابات القرآنية لعامّة المكلّفين على النحو الذي حرّرناه.

1 . البقرة: 21.

صفحه 235

الجهة الثالثة: عمومية الألفاظ الواقعة عقيب أداة الخطاب

وهذا البحث لغوي، ولكنّه متفرّع على كون الخطاب حقيقياً أو إنشائياً.
فعلى الأوّل يختصّ بالموجودين، وعلى الثاني يعمّ الموجودين والمعدومين، وعلى ذلك فقوله سبحانه:(يأَيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبّكُمُ الذّي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس واحِدَة) 1 يعم الموجودين والمعدومين على النحو الذي بيّناه.

ثمرة البحث

تظهر ثمرة البحث في صحّة التمسّك بإطلاقات الكتاب، فلو شككنا في شرطية شيء أو جزئيته، فعلى القول باختصاص الخطاب بالحاضرين المشافهين لا يصح لغير المشافه التمسّك بالإطلاق الوارد في الخطاب، لأنّه أجنبي عنه، فلا يمكن له الاحتجاج على المولى بإطلاق الخطاب وعدم تقيّده بالجزء والشرط، وهذا بخلاف ما إذا كان الخطاب عامّاً للمشافه، وغير المشافه فهما سيّان في مقام التخاطب، فكما يصحّ للمشافه الاحتجاج بالإطلاق كذلك يصحّ لغيره أيضاً.
***
تمّ الكلام في المقصد الرابع
ولله الحمد

1 . النساء: 1 .

صفحه 236

صفحه 237
المطلق والمقيّد والمجمل والمبيَّن   

   المقصد الخامس

المطلق والمقيّد والمجمل والمبيَّن

وفيه فصول:
الفصل الأوّل: تحديد المطلق والمقيّد
الفصل الثاني: المطلق عقيب التقييد، حقيقة
الفصل الثالث: مقومات الإطلاق أو مقدّمات الحكمة
الفصل الرابع: حمل المطلق على المقيّد
الفصل الخامس: المجمل والمبين

صفحه 238

صفحه 239
تعريف المطلق والمقيّد   

الفصل الأوّل

تعريف المطلق والمقيّد

قد عُرّف المطلق في ألسنة القدماء من الأُصوليين بأنّه: ما دلّ على شائع في جنسه; والمقيّد بخلافه.
والمراد من الموصول في قولهم «ما دلّ» هو اللفظ.
كما أنّ المراد من قولهم: «على شائع» هو الفرد الشائع، المتوفّر وجودُه من ذلك الجنس، فخرج العام الاستغراقي والمجموعي حيث إنّ العام يدلّ على جميع الأفراد بنحو العموم والشمول، لا على الفرد الشائع، كما خرجت الأعلام فإنّها لا تدلّ إلاّ على الفرد المعيّن.
يلاحظ على التعريف: بأنّه ربما يكون مدلول المطلق، الماهيةَ المطلقة من دون أن تكون فيه رائحة الفرد فضلاً عن كونه متوفراً في جنسه كما في قوله سبحانه: (وَأَحَلَّ اللّهُ البيعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) 1، فليس التعريف جامعاً.
ولأجل ذلك عدل الشهيد الثاني إلى تعريفه بشكل آخر وقال: إنّه اللفظ الدالّ على الماهية من حيث هي لا بقيد وحدة ولا تعدد.2
يلاحظ عليه: بأنّه غير جامع أيضاً لخروج النكرة عن تعريفه، إذ ليس مفادها الماهية بما هي هي كما في قوله: جئني برجل.

1 . البقرة:275.
2 . تمهيد القواعد: 1/222.

صفحه 240
واعتذر المحقّق الخراساني عن هذه الإشكالات بأنّها تعاريف شرح الاسم وليست تعاريف حقيقية.
و يمكن أن يقال إنّه لا مساس لهذه التعاريف بالمطلق في علم الأُصول لأنّها مبنيّة على كون الإطلاق من المداليل اللفظية فعادوا يفسّرونه بما عرفت; ولكن الحقّ أنّ الإطلاق من المداليل العقلية وذلك لوجود الفرق بين العام والمطلق، فإنّ العام مع قطع النظر عن تعلّق الحكم بموضوع، على أقسام ثلاثة. فتارة يدلّ لفظه على الشمول على نحو الاستغراق، وأُخرى على نحو العام المجموعي، وثالثة على نحو العام البدلي، كلّ ذلك استلهاماً من اللفظ الموضوع وإن لم يتعلّق به الحكم. وعلى ذلك فالعام بأقسامه الثلاثة من المداليل اللفظية.
وأمّا المطلق فيعتمد الفقيه في استنباطه على كون المتكلّم حكيماً غير ناقض لغرضه، إذ لو كان هناك قيد وكان المتكلّم في مقام البيان لجاء به، وعلى ذلك يكون البحث عن الإطلاق في مباحث الألفاظ بحثاً استطراديّاً لكون مصبّه هو اللفظ. وإلاّ فالبحث فيه معتمد على العقل.
إذا عرفت ذلك فالأولى تعريف الإطلاق والتقييد بالنحو التالي: إذا كان ما وقع تحت دائرة الحكم، تمامَ الموضوع للحكم بلا حيثية أُخرى فهو مطلق لكونه مرسلاً عن القيد في موضوعيته، وإلاّ فهو مقيّد.
فإذا كان هذا هو معنى الإطلاق، فالمقوّم للإطلاق والتقييد هو كون الشيء تمامَ الموضوع للحكم وعدمه، سواء أكان الموضوع، دالاًّ على الماهية المطلقة، أم على الفرد المتوفَّر وجودُه من ذلك الجنس، أو على الفرد المعيّن (العلم) إذا كان له أحوال وأوضاع، كما هو الحال في البيت العتيق ومشاهد الحجّ

صفحه 241
كعرفات والمزدلفة والصفا والمروة حيث يصحّ التمسّك بإطلاق أدلّة هذه الموضوعات الشخصية.
وبذلك يتبين أنّ الإطلاق والتقييد أمران إضافيان حيث يمكن أن يكون الحكم مطلقاً من جانب ومقيّداً من جانب آخر، كما إذا قال: أكرم إنساناً في المسجد، فبما أنّ الموضوع نفس الإنسان من دون تقييده بصنف فهو مطلق، وبما أنّ الإكرام مقيّد بكونه في المسجد فهو مقيّد.
فإذا كان الميزان في الإطلاق والتقييد كون ما وقع تحت دائرة الحكم، تمام الموضوع من دون فرق بين كونه دالاً على الطبيعة أو الفرد المنتشر أو العلم الشخصي فنحن في غنى عن البحث في مفاهيم «اسم الجنس» و«علمه» و«النكرة» إلى غير ذلك من المباحث التي تطرّق إليها الأُصوليون1 في ذلك المقام لما عرفت من وجود الفرق بين العموم والإطلاق، فالعموم مستفاد من اللفظ، والإطلاق مستفاد بحكم العقل من خلال كون الشيء تمام الموضوع، سواء أكان الموضوع هو اسم الجنس أو علمه أو النكرة أو العلم الشخصي.
ثمّ إنّ الكلام في اسم الجنس جرّ القوم إلى البحث عن الماهيّات وأقسامها الثلاثة المعروفة من «لا بشرط» و «بشرط شيء» و «بشرط لا»، لكنها بحوث فلسفية خارجة عن نطاق البحث الأُصولي، والبحث فيها إنّما يوجب التطويل بلا داع.
وقد بسطنا الكلام فيها في محاضراتنا الأُصولية.2

1 . كالمحقّق الخراساني ومن جاء بعده وكان الجميع فيما حققوه عيالاً على نجم الأئمّة الرضي الاسترابادي في شرح الكافية، فلاحظ.
2 . المحصول في علم الأُصول: 2 / 593 ـ 600.

صفحه 242
المطلق عقيب التقييد، حقيقة   

الفصل الثاني

المطلق عقيب التقييد، حقيقة

عرّفوا المطلق بأنّه موضوع للفرد الشائع في جنسه على وجه يكون الشيوع مأخوذاً في مفهومه، وبذلك يترتّب عليه أمران:
1. أنّ الإطلاق عندهم من أقسام الدلالة اللفظية، ولا يحتاج في استفادة الإطلاق إلاّ إلى عدم القرينة على التقييد كما هو الحال في عامة الدلالات اللفظية.
2. أنّ المطلق بعد التقييد يكون مجازاً، لزوال الشيوع الذي هو مدلول لفظي للمطلق بعد التقييد.
واستقر رأي المشهور على هذا إلى عصر سلطان العلماء1 وهو أوّل من خالفهم وذهب إلى أنّ المطلق موضوع للماهيّة المبهمة من جميع الجهات إلاّ ذاتها وذاتياتها، وليس الشيوع والسريان جزءاً لمدلول المطلق، بحيث يدلّ عليه بالدلالة اللفظية، ويترتب على ذلك أمران أعني:
أ. كون المطلق عقيب التقييد حقيقة لعدم أخذ الشمول في معناه حتى يستعمل في غير موضوعه.

1 . هو الحسين بن رفيع الدين محمد بن محمود بن علي المرعشي الحسيني الآملي الأصل، الإصفهاني المنشأ، الوزير المعروف بسلطان العلماء وبخليفة السلطان، أحد أعيان الإمامية في القرن الحادي عشر، ولد عام 1001 وتوفي عام 1064 هـ ، وله مؤلفات كثيرة. لاحظ طبقات الفقهاء: 11 / 94 ـ 96، برقم 3371.

صفحه 243
ب. أنّ الدلالة الإطلاقية دلالة عقلية تعتمد على فعل المتكلّم الحكيم إذ لو كان هناك قيد لماتركه.
أقول: إنّ استعمال المطلق بعد التقييد حقيقة حتّى وإن قلنا بمذهب المشهور و أخذ الشمول والسريان في مدلوله، لما عرفت في مبحث العام والخاص أنّ المقام من قبيل تعدّد الدالّ والمدلول وأنّ كلّ لفظ مستعمل بالإرادة الاستعمالية في معناه، فإذا قال القائل: اعتق رقبة مؤمنة، فالرقبة استعملت في معناها الحقيقي الذي استبطن معنى الشمول والسريان ـ حسب مسلكهم ـ وتقييده بالمؤمنة لا يوجب استعمالها في غير الشمول أي الرقبة المؤمنة، وقد عرفت تفصيل ذلك عند البحث في كون العام حقيقة بعد التخصيص.1
فإذا كان هذا حال التقييد المتصل فكيف الحال في التقييد المنفصل؟!
ويرد على مسلك سلطان العلماء أنّه وإن أصاب في نفي الشمول والسريان عن الإطلاق واكتفى بكون المطلق هو الماهية المبهمة من جميع الجهات إلاّ ذاتها وذاتياتها، لكنّك عرفت أنّ دائرة المطلق أوسع ممّا ذكره، بل ربّما تكون النكرة والعلم الشخصي موضع مصبّ الإطلاق.
فالأولى هوحذف البحث عن مفاد المطلق وأنّه هل هو الماهيّة بشرط السريان والشمول أو الماهيّة المبهمة. والتركيز على واقع المطلق وهو أن يكون ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع للحكم سواء أكان الموضوع ماهيّة ملحوظاً فيها الشمول والسريان أم ماهيّة مبهمة أو علماً .

1 . لاحظ: الفصل الثاني من المقصد الرابع أعني العام والخاص.

صفحه 244
مقومات الإطلاق أو مقدّمات الحكمة   

الفصل الثالث

مقومات الإطلاق

أو

مقدّمات الحكمة

قد عرفت ممّا ذكرنا أنّ الدلالة الإطلاقية دلالة عقلية وليست دلالة لفظية، وعلى ذلك لا يستقل العقل بكون ما وقع تحت دائرة الحكم تمام الموضوع إلاّ إذا ثبتت مقدّمات ثلاث:

المقدّمة الأُولى: كون المتكلّم في مقام البيان

توضيحها: أنّ المتكلّم قد يكون في مقام بيان تشريع حكم من الأحكام من دون نظر إلى خصوصيات موضوعه وشرائطه وعندئذ لا يعدّ الإخلال ببيان الشرائط مخلاًّ بالغرض ومنافياً للحكمة.
وهذا نظير ما إذا قال الطبيب للمريض الذي رآه في الشارع ورأى فيه انحراف الصحة: «يجب عليك أن تشرب الدواء» فهو بصدد بيان لبّ غرضه، لا خصوصياته وجزئياته، وأمّا ما هو ذاك الدواء وما خصوصياته؟ فهو موكول إلى وقت آخر، ولا يتحقق ذلك إلاّ باجراء الفحص والمعاينة وكتابة الوصفة، وفي هذه الصورة لا يتمّ التمسّك بالإطلاق، إذ لا يعدّ الترك مخالفاً للغرض.
وعلى ذلك لا يصحّ التمسّك بإطلاق قوله: «الغنم حلال» على حليّة

صفحه 245
الجلاّل منه، ولا المغصوب، ولا الموطوء، لأنّ الدليل بصدد بيان حكم الطبيعة من حيث هي هي لا حكمها باعتبار عوارضها، فعدم ذكرها في المقام لا يخلّ بالمقصود.
وقد يكون في مقام بيان الحكم مع ما لموضوعه من الخصوصيات، فترك ذكر القيد ـ عند ذاك ـ آية كونه مطلقاً كما في قوله: لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود.1 فعدم ذكر شيء وراء الخمسة، آية عدم كونه مخلاًّ عند النسيان.

المقدّمة الثانية: انتفاء القرينة

القرينة إمّا متّصلة أو منفصلة، فالمتّصلة تمنع من انعقاد الإطلاق، وفي الحقيقة يُعدّ عدمها من مقوماته ومحققاته، بخلاف القرينة المنفصلة فإنّها لا تمنع عن انعقاد الإطلاق لأجل انفصالها، وإنّما تمنع عن حجية الإطلاق، وقد أوضحنا ذلك في المخصِّص المنفصل والمتّصل.
ثمّ إنّ عدم انصراف اللفظ إلى معنى خاص من شعب هذه المقدّمة فإنّ الانصراف على قسمين بدويّ يزول بالتأمّل، واستمراري لا يزول به.
أمّا الأوّل فلا يمنع عن انعقاد الإطلاق ولا عن حجّية ظهوره لافتراض زواله بالتأمّل.
وأمّا الثاني فبما أنّ الإنصراف بحكم القرينة المنفصلة فعدمها من مقدّمات حجّية الإطلاق، كما إذا صار اللفظ لأجل كثرة استعماله في المعنى منصرفاً إليه كما في قوله (عليه السلام): «إنّ الصلاة في وبر كلّ شيء حرام أكله فالصلاة

1 . الوسائل: 4، الباب10 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث4.

صفحه 246
في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكلّ شيء منه فاسد».1
فاللفظ (حرام أكله) وإن كان يشمل الإنسان لحرمة أكل لحمه لكنّه منصرف عند العرف إلى الحيوان غير الإنسان، فمنصرف كلام الإمام هو تقسيم الحيوان العرفي إلى قسمين لا الحيوان بالمعنى اللغوي الذي يشمل كلّ ذي روح.

المقدّمة الثالثة: انتفاء القدر المتيقّن في مقام التخاطب

لو كان في الكلام قدر متيقّن في مقام التخاطب بحيث يصحّ للمتكلّم أن يعتمد عليه في عدم الإتيان بالقيد يكون مخلاًّ بحجّية الإطلاق أو انعقاده.2
نعم فرق بين وجوده في مقام التخاطب فيخلُّ، وكونه في خارج مقام التخاطب فلا يخل; وذلك لأنّه لو كان القدر المتيقّن بالمعنى الثاني مخلاًّ بالإطلاق، لزم عدم صحّة التمسّك بالإطلاق في مورد من الموارد إذ ما من مورد يكون للكلام قدر متيقّن في خارج مقام التخاطب.

1 . الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلّي، الحديث1.
2 . الترديد لأجل احتمال كون القدر المتيقّن ـ كالانصراف ـ من قبيل القرينة المنفصلة فيمنع عن حجّية الإطلاق، أو كالقرينة المتصلة فيمنع عن انعقاده.

صفحه 247
حمل المطلق على المقيّد   

الفصل الرابع

حمل المطلق على المقيّد

إنّ المهمّ في المقام تمييز الموارد التي يجب هناك حمل المطلق فيها على المقيّد عمّا لا يجب .
فنقول: إذا ورد مطلق ومقيّد يكون بينهما تناف، كما إذا قال: «إن ظاهرت فاعتق رقبة»، ثمّ قال: «إن ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة». حيث إنّ الأوّل يدلّ على كفاية عتق مطلق الرقبة، والثاني على لزوم كونها مؤمنة يقع الكلام في كيفية رفع التنافي بينهما لأنّ الحكم الواحد لا يمكن أن يكون له موضوعان مختلفان من حيث السعة والضيق، فالمطلوب الأكيد الذي لا يعدل عنه المولى عند حصول الظهار إمّا هو عتق مطلق الرقبة أو خصوص المؤمنة، والمشهور بين العلماء هو رفع التنافي بحمل المطلق على المقيّد.
ومن هنا يعلم أنّ الداعي إلى حمله عليه هو وجود التنافي بين الحكمين، الذي هو وليد إحراز وحدة الحكم، فيقال إنّ الحكم الواحد لابدّ له من موضوع واحد، وهو يتحقّق بحمل المطلق على المقيّد.
فإذا كان المدار للحمل هو إحراز وحدة الحكم فنقول: إنّ للمسألة صوراً يختلف حكمها حسب اختلاف إحراز وحدة الحكم وعدمه، وإليك بيان الصور:
الصورة الأُولى: إذا كان السبب مذكوراً في كلا الدليلين، وكان السبب

صفحه 248
واحداً كما في المثال السابق، فيحمل المطلق على المقيّد، لأنّ وحدة السبب كاشفة عن وحدة الحكم، ولا يعقل لحكم واحد إلاّ موضوع واحد.
فإن قلت: إنّ هناك طريقاً آخر وهو حمل المقيّد على أفضل الأفراد، والتخيير في مقام الامتثال بين عتق المؤمنة والكافرة، وإن كان الأفضل هو عتق المؤمنة.
قلت: إنّ الرائج في دائرة التقنين هو فصل المقيّدات عن المطلقات، والمخصّصات عن العمومات، إمّا لأجل قصور العلم والعثور على لزوم التخصيص والتقييد بعد مضيّ زمن كما هو الحال في المجالس التقنينية البشرية، أو قيام المصلحة على بيان الأحكام على وجه التدريج كما هو الحال في التشريعات السماوية، فهذه قرينة تدعم كون حمل المطلق على المقيّد أرجح من حمل المقيّد على أفضل الأفراد.
الصورة الثانية: إذا كان السبب مذكوراً في كلا الدليلين، وكان السبب في كلّ منهما مغايراً للآخر، كما إذا قال: إن أفطرت فاعتق رقبة مؤمنة، وإن ظاهرت فاعتق رقبة، فلا وجه للحمل لعدم وحدة الحكم المستلزم لعدم التنافي بين الحكمين، لإمكان أن يكون لكلّ حكم موضوع خاص.
الصورة الثالثة: إذا كان السبب مذكوراً في واحد منها، سواء ذكر السبب في المطلق أو في المقيّد، كما إذا قال: أعتق رقبة، وقال: إن ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة، فالحقّ عدم الحمل لعدم إحراز المنافاة، لاحتمال أن يكون هناك واجبان مستقلاّن أحدهما بعد الظهار والآخر مطلقاً، سواء أظاهر أم لا.
الصورة الرابعة: إذا لم يذكر فيه السبب، ولها أقسام ثلاثة:

صفحه 249
القسم الأوّل: أن يكون الدليلان مثبتين، كما إذا قال: اعتق رقبة واعتق رقبة مؤمنة.
القسم الثاني: أن يكونا نافيين، كما إذا قال: لا تشرب المسكر، ولا تشرب الخمر.
القسم الثالث: أن يكون أحدهما مثبتاً والآخر نافياً، كما إذا قال: اعتق رقبة، ولا تعتق رقبة كافرة.
وإليك الكلام في الأقسام الثلاثة:
أمّا الأوّل: فإن أحرزت وحدة الحكم بأيّ سبب أمكن، يحمل المطلق على المقيّد بلا كلام، وإن كان إحراز وحدتها بلا ذكر السبب أمراً مشكلاً، لكن المفروض هو إحراز وحدَة الحكم.
وأمّا إذا لم تحرز وحدة الحكم فإنّ هناك وجوهاً ثلاثة:
أ:حمل المطلق على المقيّد وامتثال التكليفين بفعل واحد أي بعتق الرقبة المؤمنة.
ب: حمل المقيّد على أفضل الأفراد، والتخيير في مقام الامتثال بين عتق المؤمنة والكافرة وإن كان الأفضل هو عتق المؤمنة.
ج: التحفّظ على الوجوبين والقول بأنّ هنا تكليفين إلزاميين،ومقتضى ذلك وجوب القيام بعتق رقبتين يكفي في أحدهما عتق مطلق الرقبة، ويلزم في الثاني عتق رقبة مؤمنة.
فمقتضى القاعدة هو العمل بالوجه الثالث، لأنّ المكلّف بعد عتق الرقبة المؤمنة إذا قلنا في مقام الجمع بالوجه الأوّل، أو بعد عتق مطلق الرقبة إذا قلنا في

صفحه 250
مقام الجمع بالوجه الثاني، يشكّ في سقوط التكليف المعلوم في البين، ولا تحرز البراءة إلاّ بالعمل على الوجه الثالث أي عتق رقبتين يشترط في أحدهما الإيمان دون الأُخرى.
وأمّا الثاني: أعني إذا كان الدليلان نافيين، كقوله: لا تشرب الخمر ولا تشرب المسكر فلا وجه لحمل المطلق على المقيّد بعد عدم إحراز وحدة الحكم، فيبقى كلّ بحاله ولا تلزم اللغوية بعد حمل النهي على شرب الخمر على الحرمة المغلّظة.
وأمّا الثالث: وله نوعان:
النوع الأوّل: أن يكون المطلق نافياً والمقيّد مثبتاً، فلا محيص من حمل المطلق على المقيّد لوجود التنافي بين الحكمين، نظير قولنا: لا تعتق رقبة، واعتق رقبة مؤمنة.
النوع الثاني: أن يكون المطلق مثبتاً والمقيّد نافياً، كما إذا قال: اعتق رقبة ولا تعتق رقبة كافرة، فيحمل المطلق على المقيّد أيضاً بنفس الدليل، أي لوجود التنافي بين الحكمين.

صفحه 251
 
تنبيهان

الأوّل: المطلق والمقيّد في الأحكام الوضعية

إنّ الملاك في حمل المطلق على المقيّد هو إحراز وحدة الحكم وبالتالي وجود التنافي بين المطلق والمقيّد من دون فرق بين التكليفية والوضعية.
أمّا التكليفية فقد مرّ البحث فيها.
وأمّا الوضعية فربما لا يحرز التنافي كما إذا جعل المانع في أحد الدليلين مطلقَ أجزاء ما لا يؤكل لحمه، وفي دليل آخر خصوص وبره، فلا يحمل لعدم التنافي بين أن يكون الوبر مانعاً وكون مطلق أجزائه أيضاً مثله.
وربما يحرز التنافي، كما إذا قال: لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل لحمه، ثمّ قال: صلّ في وبر الأسد، لوجود التنافي بين مانعية مطلق وبر ما لا يؤكل لحمه، وعدم مانعية خصوص وبر الأسد، فيحمل المطلق على المقيّد.

الثاني: حكم المستحبات

ذهب المشهور في المستحبات إلى عدم الحمل بمعنى عدم كون المقيّد مقوِّماً للعمل الاستحبابي، وقد ذكروا له وجهين:
الوجه الأوّل: الغالب في المستحبات هو اختلاف درجات أفرادها من حيث الفضيلة فالمطلق والمقيّد كلاهما مطلوبان، لكن الفرد المقيّد أفضل فيجوز الأخذ بالمطلق على إطلاقه، والمقيّد بقيده ولكلّ مرتبة فضلها.
الوجه الثاني: ثبوت التسامح في أدلّة السنن وكأنّ عدم رفع اليد عن دليل

صفحه 252
استحباب المطلق بعد مجيء دليل المقيّد، وحمله على تأكّد استحبابه، من التسامح فيها.
والأولى أن يقال: إنّ الأمر الاستحبابي في المقيّد لو كان ناظراً إلى الشرطية أو المانعية أو القاطعية وجب التقييد، كما أنّه إذا علم تعدّد المطلوب وكثرة المراتب فلا يجب وإلاّ فيتوقّف ولا محيص إلاّ من العمل بالاحتياط في مقام العمل، فمن نذر أن يزور الحسين(عليه السلام)في عرفة، وقد ورد دليل على زيارته تحت السماء، فدار أمر القيد بين الأمرين فلا يسقط التكليف إلاّ بزيارته تحت السماء .

صفحه 253
المجمل والمبيّن   

الفصل الخامس

المجمل والمبيّن

عرّف المجمل بأنّه مالم تتضح دلالته ويقابله المبيّن.
والمقصود من المجمل ما جهل فيه مراد المتكلّم ومقصوده إذا كان لفظاً، أو جهل فيه مراد الفاعل إذا كان فعلاً.
وعلى ذلك فالمجمل هو اللّفظ أو الفعل الذي لا ظاهر له، والمبيّن ما له ظاهر يدلّ على مقصود قائله أو فاعله.
وبذلك تظهر صحّة تقسيم المجمل إلى اللفظ والفعل، ولأجل صحّة هذا التقسيم قالوا: إنّ فعل المعصوم في القربيّات يدلّ على الاستحباب، وفي العاديات على الجواز، ولا يدلّ على الوجوب، فلو صلّى مع سورة كاملة، أو جلسة الاستراحة، يكشف ذلك عن استحباب العمل لا عن وجوبه.
ثمّ إنّ لإجمال الكلام أسباباً كثيرة منها:
1. إجمال مفرداته كاليد الواردة في آية السرقة، قال سبحانه: (وَ السّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما)1، فإنّ اليد تطلق على خصوص الأصابع، وعلى الكف إلى الزند ،و عليه إلى المرفق، وعليه إلى المنكب، فالآية مجملة، فتعيين واحد من تلك المصاديق بحاجة إلى دليل.

1 . المائدة: 38 .

صفحه 254
2. الإجمال في متعلّق الحكم المحذوف كما في كلّ مورد تعلّق الحكم بالأعيان كقوله سبحانه:(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُُ الأَنْعامِ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ) 1، فهل المتعلّق هوالأكل، أو البيع، أو جميع التصرّفات؟
و منه يعلم وجود الإجمال في قوله سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ المَوقُوذَةُ وَالمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسِقٌ).2
فهل المحرّم أكلها، أو بيعها، أو الانتفاع منها بكل طريق؟
3. تردّد الكلام بين الادّعاء والحقيقة كما في قوله:«لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» فهل المراد نفي الصلاة بتاتاً، أو نفي صحّتها، أو كمالها تنزيلاً للموجود بمنزلة المعدوم؟
ومنه يظهر وجود الإجمال في مثل قوله: «لا صلاة إلاّ بطهور» أو «لا بيع إلاّ في ملك».
و يمكن أن يكون بعض ما ذكرنا مجملاً عند فقيه ومبيّناً عند فقيه آخر، وبذلك يظهر أنّ المجمل والمبيّن من الأوصاف الإضافية.

تتميم

إذا وقفت على معنى المجمل والمبيّن، فلنذكر سائر العناوين:
النص: وهو ما لا يحتمل سوى معنى واحد، فلو حاول المتكلّم حمله

1 . المائدة:1.
2 . النساء:11.

صفحه 255
على غير ذلك المعنى لا يقبل منه ويعد متهافتاً متناقضاً، مثل قوله سبحانه: (يُوصِيكُمُ اللّهُ في أَولادِكُمْ لِلذَّكَرِمِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)1، فإنّ دلالة الآية على كون نصيب الذكر ضعف نصيب الأُنثى ممّا لا تحتمل وجهاً آخر.
الظاهر: ما يتبادر منه معنى خاص، لكن على وجه لو حاول المتكلّم تأويله لقبل منه، وهذا كالعام الظاهر في العموم القابل للتخصيص وإرادة خلاف الظاهر منه وربّما يعدّ منه ظهور صيغة الأمر في الوجوب، فلو أُريد منها الندب بقرينة جاز فالتأويل في النص غير مقبول، وفي الظاهر مقبول.
المحكم: هو الذي وصفه سبحانه بأنّه أُمّ الكتاب كما قال :(هُوَ الّذي أَنْزلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمّ الكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهات) .2
وعلى هذا فالمحكم هو الذي لا يحتمل إلاّ معنى واحداً فيُرجع إليه
في فهم المتشابه، كالآيات الدالّة على الأُصول العقائدية والأخلاقية التي لا يمسّها النسخ والتخصيص، نظير الآيات النازلة في تنزيهه سبحانه وصفاته وأفعاله.
المتشابه: ما احتمل أكثر من معنى.و ليس ظاهراً في واحد منها، أو هو الذي خفي المراد منه في بادئ النظر. ويظهر المراد بارجاعه إلى الحكم.
المؤوّل: وهو ما أُريد منه خلاف ظاهره في بدء النظر، كقوله سبحانه:(وَجاءَ رَبُّكَ وَالمَلكُ صَفّاً صَفّاً)3. والمراد هو مجيء أمره سبحانه وظهور عظمته لقوله سبحانه في آية أُخرى: (إِنّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنّهُمْ آتِيهِم

1 . المائدة: 3.
2 . آل عمران:7.
3 . هود: 76.

صفحه 256
عذابٌ غيرُ مَرْدود)1 إلى غير ذلك من الآيات الرافعة للإجمال.
***
تمّ الكلام بحمد اللّه في الجزء الأوّل من كتابنا
«الوسيط في أُصول الفقه» بقلم مؤلّفه
جعفر السبحاني
ولاح بدر تمامه في اليوم الثاني عشر من شهر
جُمادى الآخرة من شهور عام 1421هـ
والحمد لله الّذي بنعمته
تتمّ الصالحات

1 . الفجر:22.

صفحه 257
   

فهرس المحتويات

الموضوع     الصفحة
مقدّمة المؤلّف    5
إلماع إلى تاريخ علم الأُصول   7
تاريخ أُصول الفقه عند الشيعة الإمامية   11
   أُصول الفقه وأدواره   13
المرحلة الأُولى: مرحلة النشوء والازدهار   13
   الدور الأوّل: (دور النشوء)   13
   الدور الثاني: (دور النمو)   14
   الدور الثالث: (دور الازدهار)   16
   عصر النكسة والركود   21
المرحلة الثانية: مرحلة الإبداع والابتكار   26
   الدور الأوّل: (دور الانفتاح)   27
   الدور الثاني: (دور النضوج)   28
   الدور الثالث: (دور التكامل)   29
المقدّمة: وفيها أُمور تسعة   37
   الأمر الأوّل: في تعريف علم الأُصول وبيان موضوعه، ومسائله وغايته   39
   الأمر الثاني: الفرق بين المسألة الأُصولية والقاعدة الفقهية   43
   الأمر الثالث: الوضع   45
   أقسام الوضع:   47
      1. الوضع العام والموضوع له العام   47
      2. الوضع الخاصّ والموضوع له الخاصّ   47
      3. الوضع العام والموضوع له الخاصّ   48

صفحه 258
الموضوع    الصفحة
      4. الوضع الخاصّ والموضوع له العام   48
      انقسام الوضع إلى شخصيّ ونوعيّ   50
   الأمر الرابع: في المعاني الحرفية   51
      كيفية وضع الحروف   53
   الأمر الخامس: علائم الوضع:   56
      الأوّل: التبادر   56
      الثاني: صحة الحمل   57
      الثالث: الاطراد   60
      الرابع: تنصيص أهل اللغة   62
   الأمر السادس: الجمل الإخبارية والإنشائية   64
   الأمر السابع: الحقيقة الشرعية   67
   الأمر الثامن: هل أسماء العبادات والمعاملات موضوعة للصحيح أو للأعم؟ وفيه:   71
      الأوّل: في إمكان جريان النزاع على عامّة الآراء   71
      الثاني: في تفسير الصحّة لغة وشرعاً   72
      الثالث: لزوم وجود جامع على القولين   73
         المقام الأوّل: وضع أسماء العبادات للصحيح   75
         المقام الثاني: وضع اسماء المعاملات للصحيح   76
      ثمرات النزاع   77
         الأُولى: عدم صحّة التمسّك بالإطلاق على الصحيح   77
            نقد الثمرة في العبادات   79
            نقد الثمرة في المعاملات   80
         الثمرة الثانية: عدم صحّة التمسّك بالبراءة على الصحيح   81
         الثمرة الثالثة: صدق الوفاء بالنذر على الأعم   82
         الثمرة الرابعة: صحّة صلاة الرجل عند المحاذاة مع المرأة   83
   الأمر التاسع: المشتق   84
      دليل القول بوضع المشتق للمتلبّس:   85

صفحه 259
الموضوع    الصفحة
         الأوّل: التبادر   86
         الثاني: صحّة الحمل   86
         الثالث: استدلال الإمام (عليه السلام)   87
   تطبيقات   88
المقصد الأوّل: في الأوامر
الفصل الأوّل: دلالة صيغة الأمر على الوجوب   93
الفصل الثاني: دلالة الجملة الخبرية على الوجوب   97
الفصل الثالث: امكان أخذ قصد الامتثال في متعلّق الأمر وعدمه   98
   دليل ثان لامتناع الأخذ   101
   مقتضى الأصل العملي   102
الفصل الرابع: في دوران مفاد صيغة الأمر بين الأمرين   103
الفصل الخامس: الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء   106
   المقام الأوّل: في إجزاء امتثال كلّ أمر عن التعبد به ثانياً   107
   المقام الثاني: إجزاء امتثال الأمر الإضطراري عن الأمر الواقعي   109
   المقام الثالث: اجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الواقعي   112
      الف: العمل بالأمارة في استكشاف كيفية التكليف   113
      ب: العمل بالأمارة لاستكشاف أصل التكليف   115
      العمل بالأُصول العملية لاستكشاف كيفية التكليف   116
   تنبيه: في تبدّل القطع   118
   تطبيقات   118
الفصل السادس: في المقدّمة: أقسامها وأحكامها   120
   تقسيم الشرط إلى متقدّم ومقارن ومتأخّر   120
   دليل القائل بوجوب المقدّمة   121
   دليل القائل بعدم وجوب المقدّمة   123
   ما هو الواجب من المقدّمة؟   123

صفحه 260
الموضوع    الصفحة
   حكم المقدّمة الموصلة   124
   حكم مقدّمة المستحب والمكروه والحرام   126
   مميّزات الوجوب الغيري   127
الفصل السابع: ترتّب الثواب على امتثال الواجب الغيري   128
الفصل الثامن: تقسيم الواجب إلى مطلق ومشروط   132
      نظرية الشيخ الأنصاري في الواجب المشروط   133
الفصل التاسع: تقسيم الواجب المطلق إلى منجَّز ومعلَّق   135
   ثمرة التقسيم إلى المنجّز والمعلّق   136
الفصل العاشر: في اقتضاء وجوب الشيء لحرمة ضدّه   137
      حكم الضدّ العام   137
      الثمرة الفقهية للمسألة   140
الفصل الحادي عشر: متعلّق الأوامر   142
      ثمرة المسألة   143
      تفسير خاطئ للفرد في المقام   143
الفصل الثاني عشر: التخيير بين الأقلّ والأكثر   145
المقصد الثاني: في النواهي
الفصل الأوّل: اجتماع الأمر والنّهي   149
   1. في عنوان البحث   149
   2. الفرق بين المسألتين   150
   3. الفرق بين المقام وما يأتي في باب التعارض   150
      دليل القائل بجواز الاجتماع   151
      دليل القائل بامتناع الاجتماع   156
   أ: تضاد الأحكام بعضها مع بعض   156
   ب: انّ متعلق الأحكام هي الأفعال الخارجية   156
   ثمرات المسألة:   158

صفحه 261
الموضوع    الصفحة
   أ: حصول الامتثال مطلقاًعلى القول بالاجتماع   158
   ب. حصول الامتثال على القول بالامتناع وتقديم جانب الأمر   159
   ج. حصول الامتثال على القول بالامتناع، وتقديم جانب النهي مع الجهل القصوري   159
   د. بطلان العمل على القول بالامتناع وتقديم جانب النهي مع الجهل التقصيري   159
   هـ .بطلان العمل على القول بالامتناع وتقديم جانب النهي مع العلم بالحرمة   160
   تنبيهان:   160
      الأوّل: حكم الاضطرار لا بسوء الاختيار   160
      الثاني: حكم الاضطرار بسوء الاختيار   161
الفصل الثاني: في اقتضاء النهي في العبادات للفساد   163
   الموضع الأوّل: النهي المولوي التحريمي   163
   الموضع الثاني: النهي المولويّ التنزيهي   165
   الموضع الثالث: النهي الإرشادي   166
   الموضع الرابع: النهي إذا جهل حاله   167
الفصل الثالث: اقتضاء النهي في المعاملات للفساد   168
   القسم الأوّل: إذا تعلّق النهي المولوي التحريمي بنفس المعاملة   168
   القسم الثاني: إذا تعلّق النهي المولوي التنزيهي بالمعاملة   170
   القسم الثالث: إذا كان النهي إرشاداً إلى الفساد   170
   القسم الرابع: إذا كان النهي مردّداً بين كونه مولوياً أو إرشادياً إلى الفساد   171
المقصد الثّالث: في المفاهيم
تمهيد في تعريف المفهوم   175
   1. وصف المعنى بما هوهو ووصفه بما هو مدلول   175
   2. تعريف المفهوم   176
   3. الشرط المحقّق للموضوع   177
الفصل الأوّل: في مفهوم الشرط   178
   مسلك القدماء في استفادة المفهوم   178

صفحه 262
الموضوع    الصفحة
   مسلك المتأخّرين في استفادة المفهوم   179
   الدليل الأوّل: التبادر   180
   الدليل الثاني: الانصراف إلى أكمل أفرادها   181
   الدليل الثالث: التمسّك بالإطلاق   181
   تنبيهان:   183
      الأوّل: في تداخل الأسباب والمسبّبات   183
         الموضع الأوّل: تداخل الأسباب وعدمه   183
         إجابة القائل بالتداخل   183
      الموضع الثاني: تداخل المسببات   185
   التنبيه الثاني: ما هو مفهوم القضية السالبة الكلية؟   186
الفصل الثاني: مفهوم الوصف   189
الفصل الثالث: مفهوم الغاية   193
   حكم نفس الغاية   194
الفصل الرابع: مفهوم اللقب   197
المقصد الرابع: العام والخاص
تمهيد   201
الفصل الأوّل: المخصّص المتصل والمنفصل   203
الفصل الثاني: أنّ التخصيص لا يوجب المجازية   205
الفصل الثالث: أنّ العام حجّة في الباقي   208
الفصل الرابع: إجمال المخصِّص مفهوماً، وفيه صور:   209
      الصورة الأُولى: المخصص المتّصل الدائر مفهومه بين الأقل والأكثر   210
      الصورة الثانية: المخصص المتّصل الدائر مفهومه بين المتباينين   211
      الصورة الثالثة: المخصص المنفصل الدائر مفهومه بين الأقلّ والأكثر   212
      الصورة الرابعة: المخصص المنفصل الدائر مفهومه بين المتباينين   213
الفصل الخامس: إجمال المخصص مصداقاً   215

صفحه 263
الموضوع    الصفحة
الفصل السادس: التمسّك بالعام قبل الفحص عن المخصّص   218
الفصل السابع: تعقيب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده   220
الفصل الثامن: تخصيص العام بالمفهوم الموافق والمخالف   223
الفصل التاسع: تخصيص الكتاب بالخبر الواحد   226
الفصل العاشر: دوران الأمر بين التخّصيص والنسخ   229
   خاتمة المطاف: الخطابات الشفاهية   233
   الجهة الأُولى: في صحّة تكليف المعدوم   234
   الجهة الثانية: إمكان خطاب المعدوم   234
   الجهة الثالثة: عمومية الألفاظ الواقعة عقيب أداة الخطاب   235
   ثمرة البحث   235
المقصد الخامس: المطلق والمقيّد والمجمل والمبيَّن
الفصل الأوّل: في تعريف المطلق والمقيّد   239
الفصل الثاني: المطلق عقيب التقييد، حقيقة   242
الفصل الثالث: في مقومات الإطلاق أو مقدّمات الحكمة   244
   المقدّمة الأُولى: كون المتكلّم في مقام البيان   244
   المقدّمة الثانية: انتفاء القرينة   245
   المقدّمة الثالثة: انتفاء القدر المتيقّن في مقام التخاطب   246
الفصل الرابع: حمل المطلق على المقيّد   247
   تنبيهان:   251
      الأوّل: المطلق والمقيد في الأحكام الوضعية   251
      الثاني: حكم المستحبات   251
الفصل الخامس: المجمل والمبيّن   253
   تتميم: في تعريف سائر العناوين   254
فهرس المحتويات   257

صفحه 264
تم تصحيح الجزء الاول من الوسيط في تاريخ 1 / 7 / 1395
Website Security Test