welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - الجزء الثالث*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - الجزء الثالث

صفحه 1

شوارق الإلهام

في

شرح تجريد الكلام


صفحه 2

صفحه 3

تقديم وإشراف

العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

شوارق الإلهام

في

شرح تجريد الكلام

للحكيم المتألّه والمتكلم البارع

عبد الرّزاق اللاّهيجي

(... ـ 1072 هـ )

الجزء الثّالث

تحقيق

الشّيخ أكبر أسدعلي زاده


صفحه 4

لاهيجي ، عبد الرزاق بن علي، قرن 11 ق .

      شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام / عبد الرزاق اللاهيجي ; تقديم وإشراف جعفر السبحاني ; تحقيق أكبر أسد علي زاده . ـ قم: مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1429 ق . = 1387 .

      ج.    ISBN 964 - 357 - 209 - 9 (ج.2)

ISBN 964 - 357 - 245 - 5 (ج.3)

ISBN 964 - 357 - 190 - 4(دوره)

      فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.

      1 ـ نصير الدين طوسى، محمد بن محمد، 597 - 672 ق. تجريد الكلام في تحرير عقايد الإسلام ـ ـ نقد و تفسير. 2. كلام شيعه اماميه ـ ـ متون قديمى تا قرن 14. الف. نصير الدين طوسى، محمد بن محمد، 597 ـ 672 ق. تجريد الكلام في تحرير عقايد الإسلام. شرح. ب. سبحاني تبريزي، جعفر، 1308 ـ ، مشرف . ج. أسد عليزاده، اكبر، 1343 ـ ، محقق . د. عنوان. هـ . عنوان : تجريد الكلام في تحرير عقايد الإسلام. شرح .

1387 3028ت6ن/ 210BP    4172 / 297

اسم الكتاب:   … شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام / الجزء الثّالث

المؤلــف:   … عبد الرّزاق اللاّهيجي

تقديم وإشــراف:   … آية الله جعفر السبحاني

المحقّـق:   … أكبر أسد علي زاده

الطبعــة:   … الثانية ـ 1429 هـ

المطبعـة:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)

الكمّيّـة:   … 1000 نسخة

الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)

الصف والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط

حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

توزيع: مكتبة التوحيد

ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء

هاتف: 7745457 ـ 2925152

البريد الإلكترونيimamsadeq@gmail.com :

العنوان في شبكة المعلوماتwww.imamsadeq.org :


صفحه 5

بسم الله الرحمن الرحيم

(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ )

النحل: 125


صفحه 6

صفحه 7

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المشرف

تجرّد النفس

أو

الحدّ الفاصل بين المنهجين:

المادّي والإلهي

خصّ المصنّفُ هذا الجزءَ بالجوهر والجزءَ التالي بالأعراض، وقد قسّمَ الحكماءُ الجوهرَ إلى العقل والنّفس والصورة والهيولي والجسم، المركب منهما عند المشّائين منهم. وأمّا ما هوتعريف الجوهر؟ وما هي أقسامه؟ وما هو الملاك في تقسيمه إلى الأقسام الخمسة؟ فخارجٌ عن موضوعِ بحثنا في هذا التقديم، والّذي نحن بصدد بيانه هو تجرّد النفس الذي طرحه المصنّف في المسألة الرابعةِ من الفصل الرابع. واستدلّ عليها تبعاً للمتن بوجوه سبعة، وهي:

1. تجرّد عارض النفس وهو العلم: إذا كانت المعلومات مجرّدةً عن الموادّ فيكون معروضها ـ أعني: النفس ـ مجرّدة كذلك.


صفحه 8

2. عدم انقسام العلم: إنّ العلم العارض للنفس غير منقسم، فمعروضه كذلك. وفي الحقيقة هذان الدليلان وجهان لدليل واحد حيث يتطرق إلى تجرّد العلم ومن ثَمَّ إلى تجرّد العالِم وهو النفس .

3. قدرة النفوس البشرية على ما لا يتناهى: النفوس البشرية تقوى على ما لا تقوى عليه المقارنات للمادّة، لأنّها تقوى على ما لا يتناهى، والقوى الجسمانية لا تقوى على ما لا يتناهى.

4. عدم حلول النفس في البدن: إنّ النفس لو كانت جسمانية لحلّت في جزء من البدن من قلب أو دماغ، فيلزم أن تكون دائمة التعقّل له، أو غير عاقلة له أصلاً. والتالي باطل، لأنّ النفس تعقل القلب والدماغ في وقت دون وقت .

5. استغناء النفس في التعقّل عن المحلّ: إنّ النفس الناطقة تستغني في عارضها وهو التعقّل عن المحّل، بدليل أنّها تعقل ذاتها ولآلتها من غير حاجة إلى آلة كما مرّ، فتكون في ذاتها مستغنية عن المحلّ، وإلاّ لكان المحلّ آلة لها في التعقّل، فلا تكون مستغنية عن الآلة في تعقّلها أيضاً. هذا خلف.

6. عدم تبعية النفس للجسم: إنّ النفس الناطقة لو كانت منطبعة في الجسم لكانت تابعة له في الضعف والكمال كالسمع والبصر، والتالي باطل. فإنّ الإنسان في سنّ الانحطاط يقوى تعقّله ويزداد مع كون البدن في النقصان والانحطاط.

7. النفس الناطقة ليست منطبعة في الجسم: إنّ النفس الناطقة غير


صفحه 9

منطبعة في الجسم لحصول ضد ما هو حاصل للقوى المنطبعة من حيث هي منطبعة، للنفس الناطقة.

توضيحه: أنّ القوى الداركة بالآلات يعرض لها الكلال من إدامة العمل، والأمر في القوى العقلية بالعكس، فإنّ إدامتها للعقل وتصوّرها للأُمور الّتي هي أقوى يُكسبها قوّة وسهولة قبول لما بعدها.

هذه هي الوجوه الّتي استند إليها المؤلّف في هذا الجزء (1)، وقد وقعت هذه الأدلّة موضع نقاش، وذكرها الشارح ودفع عنها، لكنّ الأدلّة الدالّة على تجرّد النفس أكثر من ذلك، وقد ذكر بعض المحقّقين من المعاصرين أنّه جمع أدلّة تجرّدها من المصادر العلمية حيث ناهزت أكثر من سبعين دليلاً.

وقال: إنّ عدّة منها تدلّ على تجرّدها البرزخيّة، وطائفة منها تدلّ على تجرّدها العقلية .(2)

أقول: اللازم في هذه العصور دراسة تجرّد النفس دراسة أوسع من ذلك لأجل أمرين:

1. أنّ تجرّد النفس هو الحدّ الفاصل بين الماديّين والإلهيّين، لأنّ الفئة الأُولى قالوا بمساواة الوجود للمادّة وأنّه ليس وراءها ملأ ولا خلأ «وليس وراء عبّادان قرية»، ولكن الطائفة الثانية قالوا بسعة الوجود وأنّه أعمّ من


1 . لاحظ هذا الجزء: 459، 473 .
2 . كشف المراد: 278 تعليقة العلاّمة الحجة الشيخ حسن حسن زاده الآملي ـ دام ظلّه ـ .


صفحه 10

المادّة، وركّزوا على أنّ العلوم المادّية لها حق الإثبات لا النفي، بمعنى أنّ له أن يقول: إنّ الذرّة موجودة وأنّها تتشكّل من جزأين: «الكترون» و «بروتون»، وأمّا أنّه ليس وراء الذرّة عالم آخر فليس له حقّ النفي، لأنّه يعتمد في قضائه على التجربة، والغاية المتوخّاة منها إثبات ظاهرة مادّية موجودة، وأمّا نفي ما وراء تلك الظاهرة فلا يرومه المجرّب في مختبراته. فإذن التجربة أداة وضعت لدراسة الأمر المادّي وتحليله من دون نظر إلى ما وراء المادّة.

فإذا قام الدليل القطعي على وجود عالم أو عوالم فوق عالم المادّة، يكون دليلاً قاطعاً على سعة الوجود وضيق المادّة، وبرهاناً دامغاً على إبطال المادّيّة.

2. أنّ المعاد الجسماني الّذي اتّفق عليه المتكلّمون ورُوّاد الحكمة المتعالية ـ قدس الله أسرارهم ـ لا يتحقّق إلاّ بالقول بتجرّد الروح والنفس الناطقة عن المادّة وأنّها باقية بعد الموت، وفناء البدن.

فإذا قامت القيامة ورجع الروح إلى نفس البدن الّذي اجتمعت أجزاؤه بأمر الله سبحانه، يكون المعاد يوم القيامة هو نفس الإنسان الموجود في الدنيا.

وأمّا لو قلنا بأنّه ليس هناك وراء البدن شيء آخر، وأنّ الإنسان يُفنى بتفرّق أجزاء بدنه، فالقول بالمعاد الجسماني يواجه أمراً مشكلاً، إذ كيف يمكن أن يقال: إنّ المعاد هو نفس المبتدأ مع وجود الفاصل الزمني عبر


صفحه 11

قرون، الملازم لكون المعاد ـ حين ذاك ـ مثلاً للمبتدأ لا عينه؟

فلو فرضنا أنّ اللبنة بعد ما جفّت، كسرها أحد وطيّنها وصنع منها لبنة جديدة، يكون المعاد غير المبتدأ، وما ذلك إلاّ لفقد الصلة بين المعدوم والموجود، فالقائل بالمعاد الجسماني يقول: إنّ المعاد بعد الفناء هو نفس المبتدأ لا مماثل له، ولا محيص عن القول بوجود حلقة بين المبتدأ والمعاد تحفظ وحدة الأمرين، وإنّما يختلفان زماناً لا عيناً.

وإن شئت قلت: إنّ المعاد جسمانياً وروحانياً ـ كما هوالحقّ ـ عبارة عن القول بتركّب الإنسان من بدن ونفس، فللبدن كمال ومجازاة، وللنفس كمال ومجازاة. والّذي يُحقِّق العينية هو وجود الصلة بين البدن الدنيوي والآخروي .

هذا ما يستفاد من الذكر الحكيم في قوله: (أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ * قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)(1).


1 . السجدة: 10 ـ 11 .


صفحه 12

إنّ القرآن يجيب عن شبهة القوم ـ أعني: ضلال الإنسان بموته وتشتّت أجزاء بدنه في الأرض ـ بجوابين :

أوّلهما: قوله: (بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ) .

و ثانيهما: قوله: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) .

والأوّل: راجع إلى بيان باعث الإنكار، وهو أنّ السبب الواقعي لإنكار المعاد، ليس ما يتقوّلونه بألسنتهم من من ضلال الإنسان وتفرّق اجزاء بدنه في الأرض، وإنّما هو ناشئ من تبنّيهم موقفاً سلبياً في مجال لقاء الله، فصار ذلك مبدأً لطرح هذه الشبهة.

والثاني: جواب عقلي عن هذا السؤال، وتُعْلم حقيقتُه بالإمعان في معنى لفظ «التوفّي»، فهو وإن كان يفسّر بالموت، ولكنّه تفسير باللازم، و المعنى الحقيقي له هو الأخذ تماماً. وقد نصّ على ذلك أئمة أهل اللغة، قال ابن منظور في «اللسان»: «توفّي فلان وتوفّاه الله: إذا قبض نفسه، وتَوفَّيْت المال منه، واستوفيته: إذا أَخَذته كلّه، وتوفّيت عدد القوم: إذا عددتهم كلّهم. وأنشد أبو عبيدة:

إنّ بني الأدرد ليسوا من أحد *** و لا توفّاهم قريش في العدد

أي لا تجعلهم قريش تمام عددهم ولا تستوفي بهم عددهم». (1)

و آيات القرآن الكريم بنفسها كافية في ذلك، وأنّ التوفّي ليس بمعنى الموت، بل بمعنى الأخذ تماماً الّذي ربّما يتصادقان يقول سبحانه: (اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) (2). فإنّ لفظة «التي»، معطوفة على الأنفس، وتقدير الآية: والله يتوفّى التي لم تمت في منامها. ولو كان التوفّي بمعنى الإماتة، لما استقام معنى الآية، إذ يكون معناها حينئذ: الله


1 . لسان العرب: 15 / 400، مادة «وفى».
2 . الزمر: 42.


صفحه 13

يميت التي لم تَمُتْ في منامِها. وهل هذا إلاّ تناقض؟ فلا مناص من تفسير التوفّي بالأخذ، وله مصاديق تنطبق على الموت تارة، كما في الفقرة الأُولى; وعلى الإنامة أُخرى، كما في الفقرة الثانية.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى قوله سبحانه: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ)، فمعناه: يأخذكم ملك الموت الذي وكّل بكم ثم إنّكم إلى الله ترجعون. وهذا مآله إلى أنّ شخصيّتكم الحقيقية لا تضل أبداً في الأرض، وما يرجع إليها يأخذه ويقبضه ملك الموت، وهو عندنا محفوظ لا يتغيّر ولا يتبدّل ولا يضلّ، وأمّا الضالّ، فهو البدن الذي هو بمنزلة اللباس لهذه الشخصية.

فينتج أنّ الضال ـ حسب نظركم ـ لا يُشكِّل شخصية الإنسان، وما يشكّلها ويقوّمها فهو محفوظ عند الله، الذي لا يضلّ عنده شيء.

و الآية تعرب عن بقاء الروح بعد الموت وتجرّدها عن المادة وآثارها، وهذا الجواب هو الأساس لدفع أكثر الشبهات التي تطرأ على المعاد الجسماني العنصري.

فإذا كان لتجرّد النفس تأثير في الفلسفة والعقيدة الدينية، فكان من اللازم صب الاهتمام الكثير على دراسته وعدم الاقتناع بما ذكره القدماء من المشّائين وغيرهم ونقلت في الكتب، ولأجل تلك الغاية نأتي ببعض البراهين الّتي لم يذكرها المصنّف. وتُقنع الباحث النابه.


صفحه 14

 

البرهان الأوّل: ثبات الشخصية في دوّامة التغيّرات الجسديّة

و هذا البرهان يتألّف من مقدّمتين:

الأُولى: أنّ هناك موجوداً تنسب إليه جميع الأفعال الصادرة عن الإنسان، ذهنية كانت أو بدنية.

ولهذا الموجود حقيقة، وواقعية يشار إليها بكلمة «أنا».

الثانية: أنّ هذه الحقيقة التي تعدّ مصدراً لأفعال الإنسان، ثابتة وباقية ومستمرة في مهبّ التغيرات، وهذه آية التجرّد.

أمّا المقدّمة الأُولى، فهي غنية عن البيان ، لأنّ كلّ واحد منّا ينسب أعضاءه إلى نفسه ويقول: يدي، رجلي، عيني، أذني، قلبي،... كما ينسب أفعاله إليها، ويقول: قرأت، كتبت، أردت، أحببت، وهذا ممّا يتساوى فيه الإلهي والمادي ولا ينكره أحد، وهو بقوله: «أنا» و «نفسي»، يحكي عن حقيقة من الحقائق الكونية، غير أنّ اشتغاله بالأعمال الجسمية، يصرفه عن التعمّق في أمر هذا المصدر والمبدأ، وربّما يتخيّل أنّه هو البدن، ولكنّه سرعان ما يرجع عنه إذا أمعن قليلاً حيث إنّه ينسب مجموع بدنه إلى تلك النفس المعبّر عنها بـ «أنا». ويقول بدني.

وأمّا المقدّمة الثانية: فكلّ واحد منّا يحسّ بأنّ نفسه باقية ثابتة في دوّامة التغيّرات والتحوّلات التي تطرأ على جسمه، فمع أنّه يوصف تارة بالطفولة، وأُخرى بالصبا، وثالثة بالشباب، ورابعة بالكهولة، فمع ذلك يبقى


صفحه 15

هناك شيء واحد يُسند إليه جميع هذه الحالات، فيقول: أنا الذي كنت طفلاً ثم صرت صبياً، فشاباً، فكهلاً، وكل إنسان يحسّ بأنّ في ذاته حقيقة باقية وثابتة رغم تغيّر الأحوال وتصرّم الأزمنة; فلو كانت تلك الحقيقة التي يحمل عليها تلك الصفات أمراً مادياً، مشمولاً لسنّة التغيّر، والتبدّل، لم يصحّ حمل تلك الصفات على شيء واحد، حتى يقول: أنا الذي كتبت هذا الخط يوم كنت صبياً أو شابّاً، فلولا وجود شيء ثابت ومستمر إلى زمان النطق، للزم كذب القضية، وعدم صحّتها، لأنّ الشخص الذي كان في أيام الصبا، قد بطل ـ على هذا الفرض ـ وحدث شخص آخر .

لقد أثبت العلم أنّ التغيّر والتحوّل من الآثار اللازمة للموجودات المادية، فلا تنفك الخلايا التي يتكوّن منها الجسم البشري، عن التغيّر والتبدّل، فهي كالنهر الجاري تخضع لعملية تغيير مستمر، ولا يمضي على الجسم زمن إلاّ وقد احتلّت الخلايا الجديدة مكان القديمة. وقد حسب العلماء معدَّل هذا التجدّد، فظهر لهم أنّ التبدّل يحدث بصورة شاملة في البدن، مرة كل عشر سنين.

و على هذا، فعملية فناء الجسم المادي الظاهري مستمرة، ولكن الإنسان، في الداخل (أنا)، لا يتغيّر. ولو كانت حقيقة الإنسان هي نفس هذه الخلايا لوجب أن يكون الإحساس بحضور «أنا» في جميع الحالات أمراً باطلاً، وإحساساً خاطئاً.

و حاصل هذا البرهان عبارة عن كلمتين: وحدة الموضوع لجميع المحمولات،


صفحه 16

وثباته في دوّامة التحوّلات. وهذا على جانب النقيض من كونه مادياً.

البرهان الثاني : علم الإنسان بنفسه مع الغفلة عن بدنه (1)

إنّ الإنسان قد يغفل في ظروف خاصة عن كلّ شيء، عن بدنه وأعضائه، ولكن لا يغفل أبداً عن نفسه، سليماً كان أم سقيماً، وإذا أردت أن تجرب ذلك، فاستمع إلى البيان التالي:

إفرض نفسك في حديقة زاهرة غنّاء، وأنت مستلق لا تُبصر أطرافك ولا تتنبّه إلى شيء، ولا تتلامس أعضاؤك، لئلا تحسّ بها، بل تكون منفرجة،مرتخية في هواء طلق، لا تحسّ فيه بكيفية غريبة من حرٍّ أو برد أو ما شابه، ممّا هو خارج عن بدنك. فإنّك في مثل هذه الحالة تغفل عن كلّ شيء حتى عن أعضائك الظاهرة، وقواك الداخلية، فضلاً عن الأشياء التي حولك، إلاّ عن ذاتك، فلو كانت الروحُ نفسَ بدنك وأعضائك وجوارحك وجوانحك، للزم أن تغفل عن نفسك إذا غفلت عنها، والتجربة أثبتت خلافه.

و بكلمة مختصرة: «المغفول عنه، غير اللامغفول عنه ». وبهذا يكون إدراك الإنسان نفسه من أوّل الإدراكات وأوضحها.


1 . هذا البرهان ذكره الشيخ الرئيس في الإشارات : 2 / 92. والشفاء قسم الطبيعيات في موردين ص 282 و 464.


صفحه 17

 

البرهان الثالث : عدم الانقسام آية التجرّد

الانقسام والتجزّؤ من آثار المادة، غير المنفكّة عنها، فكلّ موجود مادّي خاضع لهما بالقوة، وإذا عجز الإنسان عن تقسيم ذلك الموجود، فلأجل فقدانه أدواته اللازمة. ولأجل ذلك ذكر الفلاسفة في محلّه، بطلان الجزء الذي لا تتجزّأ. وما يسمّيه علم الفيزياء، جزءاً لايتجزأ، فإنّما هو غير متجزّئ بالحسّ، لعدم الأدوات اللازمة، وأمّا عقلاً فهو منقسم مهما تناهى الانقسام، لأنّه إذا لم يمكن الانقسام، وعجز الوهم عن استحضار ما يريد أن يقسّمه ـ حتى بالمكبّرات ـ بسبب صغره، يفرض العقل فيه شيئاً غير شيء، فحكم بأنّ كل جزء منه يتجزّأ إلى غير النهاية، ومعنى عدم الوقوف أنّه لا ينتهي انقسامه إلى حدّ إلاّ ويتجاوز عنه. (1)

و من جانب آخر، كلّ واحد منّا إذا رجع إلى ما يشاهده في صميم ذاته، ويعبّر عنه بـ«أنا»، وجده معنىً بسيطاً غير قابل للانقسام والتجزّي، فارتفاع أحكام المادة دليل، على أنّه ليس بمادّي.

إنّ عدم الانقسام لا يختص بما يجده الإنسان في صميم ذاته ويعبّر عنه بـ«أنا»، بل هو سائد على وجدانياته أيضاً من حبّ، وبغض، وإرادة، وكراهة، و تصديق، وإذعان. وهذه الحالات النفسانية، تظهر فينا في ظروف خاصة ، ولا يتطرق إليها الانقسام الذي هو من أظهر خواص المادة.

إعطف نظرك إلى حبّك لولدك، وبغضك لعدوك فهل تجد فيهما


1 . لاحظ شرح المنظومة، للحكيم السبزواري: 206.


صفحه 18

تركّباً؟ وهل ينقسمان إلى جزء فجزء؟ كلا، ولا.

فإذا كانت الذات والوجدانيات غير قابلة للانقسام، فلا تكون منتسبةً إلى المادة التي يعدّ الانقسام من أظهر خواصّها.

فظهر ممّا ذكرنا أنّ الروح وآثارها، والنفس والنفسانيات، كلّها موجودات واقعية خارجة عن إطار المادة، ومن المضحك قول المادي إنّ التفحّص، و التفتيش العلمي في المختبرات لم يصل إلى موجود غير مادّي، حتى نذعن بوجوده، فقد عزب عنه أنّ القضاء عن طريق المختبرات يختصّ بالأُمور المادّية، وأمّا ما يكون سنخ وجوده على طرف النقيض منها، فليست المختبرات محلاً وملاكاً للقضاء بوجوده وعدمه.

هذا وللحكيم المتأله المؤسس السيد العلاّمة الطباطبائي بحوث شيقة حول تجرد النفس في كتابه «أُصول الفلسفة الإسلامية» وما ذكرناه قبس من افاضاته وانوار علومه 1 .

وفي الختام نشكر المحقّق الفاضل، حيث قدَّم هذا الجزء إلى الطبع مزداناً بتعاليق أرشد فيها القارئ الكريم إلى مكان المسائل في الكتب، حتّى يرجع إليها من أراد التبسّط .

والحمد لله رب العالمين

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

قم المقدسة

1 رجب المرجب من شهور عام 1427 هـ


صفحه 19

المقصد الثاني

في الجواهر والأعراض

وفيه فصولٌ خمسة:

أربعة منها في الجواهر

والخامس في الأعراض


صفحه 20

صفحه 21

مدخلٌ

في تقديم مباحث الجواهر على الأعراض

ووَجه تَقديم مباحثِ الجواهر على مباحثِ الأعراض ظاهرٌ،(1) لتقدّم الجوهر طَبْعاً، فنَاسب التّقدّم وَضْعاً.

ومنهم من يَعكس (2)، نظراً إلى أنّه قد يستدلّ بأحوال بعض الأعراض على أحوال الجواهر، فلا يحتاج إلى الحوالة.

وهذا ضعيفٌ، لأنّ ذلك قليلٌ، ومع ذلك، فالقدر المحتاج إليه من ذلك على وجه يحتاج بذلك الوجه إليه معلوم، وغير محتاج إلى الحوالةِ، وذلك،


1 . لأنّ وجود العرض متوقّف على وجود الجوهر طبعاً ووضعاً، فناسب ذلك أن يقدّم بيان أحواله على بيان أحوال العرض .
2 . أي ومنهم من قدّم مباحث الأعراض على الجواهر، كفخر الدّين الرّازي في " المباحث المشرقيّة "والإيجي في "المواقف" والتفتازاني في "شرح المقاصد" وصدر المتألهين في "الأسفار" قال: إنّ التّرتيب الطبيعيّ وإن استدعى تقديم مباحث الجواهر وأقسامها على مباحث الأعراض وأقسامها، لكن أخّرنا البحث عن الجواهر لوجهين:
أحدهما: أنّ أكثر أحوالها لا يبرهن إلاّ بأُصول مقررّة في أحكام الأعراض.
وثانيها: أنّ معرفتها كونها متبوعة للأعراض شديدة المناسبة، لأن يقع في العلم الألهي وعلم المفارقات الباحث عن ذوات الأشياء واعيانها، دون أن يقع في الفلسفة الباحثة عن الكلّيات والمفهومات العامّة وأقسامها الأوّلية. لاحظ: الأسفار: 4 / 2 ـ 3 .


صفحه 22

كأحوال الحركة والسّكون الّتي قد يستدلّ بها على حدوث الأجسام، وكقطع المسافة المتناهية في زمان متناه المستدلّ به على عدم تركّب المسافة من الأجزاء الّتي لا يتجزّأ، وكمعرفة البُعد والزّاوية والقائمة المحتاج إليها في تعريف الجسم، فلا يصلح أن ترتكب لأجله مخالفة الوضع الطبع الّذي ممّا لا ينبغي أن يقع من المحصّلين من غير ضرورة.

وأمّا ترجيح نظر مقدّم الجواهر بعمومِ العلِّة بالنّسبة إلى جميع أفرادها بخلاف علّة تقديم الأعراض، فإنّها يجري في البعض، ويحتاج في التّعميم إلى عدم ملائمة التّوسيط، فمعارض بترجيح العكس من حيث إنّ التّوقف في الأوّل إنّما هو بحسب الوجود الخارجي بخلافه، فإنّه بحسب الوجود الذّهني الّذي هو مناسب لباب الوضع والتّعليم كما قيل.


صفحه 23

الفصل الأوّل

في الجواهر

وفيه توضيح ومقدمة للمقصد ومسائل:


صفحه 24

صفحه 25

توضيح للمقصد

ليس المراد بالجواهر هاهنا ما هو المراد بها في مقابلة الأعراض، فإنّ الفصول الأربعة كلّها في الجواهر بذلك المعنى، بل المراد هاهنا الجواهر من حيث هي جواهرٌ من غير تخصّصها بالمادّية أو المفارقة .

بيان ذلك: أنّ البحث في هذا المقصد مقصورٌ على الجواهر والأعراض، ولمّا رأى تقديم الجواهر لما ذكرنا أخّر البحث عن الأعراض إلى الفصل الخامس .

فالفصول الأربعة المتقدّمة عليها كلّها في الجواهر، لكنّ البحث عن الجواهر:

إمّا بحث عن أحوال تعرضه من حيث هو جوهر، لا من حيث أنّه مادّي، أو مجرّد .

وإمّا بحث عن أحوال تعرضه من حيث هو جوهر مادّي، أو تعرضه من حيث هو جوهر مجرّد.

والجوهر المادّي ـ أعني: الجسم ـ منقسم إلى الفلكِيّ والعنصريِّ ; بحيث يخالف أحوال كلّ منهما أحوال الآخر.


صفحه 26

فالبحث عن الجسم: إمّا بحث عن أحوال تعرضه من حيث هو جسمٌ أعمٌّ من أن يكون فلكيّاً أو عنصريّاً، أو عن أحوال تعرضه من حيث هو فلكيّ، أو من حيث هو عنصريّ، فعقد أربعةَ فصول، لأجل البحث عن أحوال الجواهر مطلقاً.

الأوّل: في الجواهر من حيث العموم .

الثّاني: في الأجسام من حيث الخصوص.

الثّالث: في الأجسام من حيث العموم .

الرّابع: في الجواهر المجرّدة.

ووجه التّرتيب أنّ جهة العموم أقدم عند العقل.

وجهة الخصُوص أقدم عند الحسّ.

وفي أحوال الجواهر كلاهما عقليّ، لأنّ الحسّ لا ينال أنواع الجواهر من حيث هي أنواع.

وفي أحوال الأجسام جهة الخصُوص حسيّة.

ففي الجواهر قدّم جهة العموم وهو الفصل الأوّل .

وقدّم البحث عن الأجسام على البحث عن الجواهر المجرّدة، لكون الأجسام أقرب إلينا، كما قالوا في تقديم الطّبيعي على الإلهي .

وقدّم في بحث الأجسام، البحث من جهة الخصوص وهو الفصل الثّاني، على البحث عن جهة العموم وهو الفصل الثّالث لما ذكرنا.


صفحه 27

وأخّر البحث عن المجرّدات إلى الفصل الرّابع.

فإن قلت: قد ذكر في الفصل الأوّل تحقيق ماهيّة الجسم وبيان بعض أحواله، فكيف يكون ذلك بحثاً عن الجوهر من حيث هو جوهرٌ؟

قلت: الجوهريّة يقسّم بالقسمة الأوّليّة إلى الجسم وغيره .

وقد حقّق في موضعه أنّ قيود الأقسام الأوليّة إنّما هي أحوال للمقسم من حيث نفسه لا للاقسام .

ولذا عدّ الشّيخ (1) الاستقامة والانحناء من الأعراض الذّاتيّة للخطّ، مع أنّ كلاًّ من الخطّ المستقيم والمنحني قسمٌ منه .

فالبحث عن الجسم في هذا الفصل بحث عن كون الجوهر جسماً، فهو بحث في الحقيقة عن الجوهر نفسه .

نعم ; البحث فيه عن المكان والجهة إنّما وقع بالتّبع، لمزيد اختصاصهما به حيث لا يتصوّر الجسم منفكّاً عنهما، فالبحث عنهما كأنّه (2) من تتمّة تحقيق ماهيّة الجسم كما سيأتي.

وأمّا ما يتفّق في هذا الفصل من أحوال العرض، فإنّما هو بالعرض، وذلك لشمولها له أيضاً، هذا .

وفي هذا الفصل مقدّمة هي في الحقيقة مقدّمة للمقصد، ومسائل.


1 . لاحظ : منطق الشّفاء: 3 / 131 و 140 / كتاب البرهان / المقالة الثّانية.
2 . في د : «كان».


صفحه 28

مقدّمة للمقصد

قال: الممكن إمّا أن يكون موجوداً في الموضوع وهو العرضُ، أو لا وهو الجوهرُ.

أقول: أمّا المقدّمة: ففي قسمة الممكن إلى الجوهر والعرض على ما قال: الممكن; أي الممكن الوجود الّذي قد سبق (1) انقسام الموجود إليه وإلى الواجب الوجود، إمّا أن يكون موجوداً في الموضوع.(2)

والمراد من كون الشّيء في الشّيء هاهنا، وإن كان يطلق على معان مختلفة، ككون الجزء في الكلّ والكلّيّ في الجزئيّ، وكون الجسم في المكان وفي الزّمان، وكون الشّيء في الخِصْب(3) والرَّاحةِ، والمَرض والصِّحَةِ هو حلولهُ فيه، وهو أن يكون وجوده في نفسه هو وجوده في ذلك الشّيء بعينه، لا بمعنى أن يكون الوجودان متّحدّين حقيقة، كما قد يتوهّم.

فإنّه باطلٌ، إذ يصحّ أن يقال: وجد السّواد في نفسه، فقام بالجسم،


1 . في الجزء الأوّل من هذا الكتاب: المسألة الرّابعة والثلاثون من الفصل الأوّل من المقصد الأوّل.
2 . نعني بالموضوع المحلّ المتقِوّمَ بذاته المقوّمَ لما يحلّ فيه .
3 . أي في كثرة النّعم والخير .


صفحه 29

كيف، وإمكان وجود الشّيء في نفسه مغائر لإمكان وجوده في غيره بالضّرورة، بل بمعنى أن يكونا متّحدين في الإشارة الحسيّة; أي بحيث لو أشير إلى أحدهما، كان ذلك باعتبار أنّه إشارة إليه، إشارة إلى الآخر أيضاً، سواء كانت الإشارة قصداً أو تبعاً .

وإنّما اعتبرنا " الحيثيّة" لئلاّ ينقض بحلولُ الأعراض في المجرّدات، ومنع كونها كذلك مكابَرةٌ لا يُسمع .

وإنّما اعتبرنا " الاعتبار " لئلاّ ينقض بالأطرافِ المُتداخلة.

وإنّما اعتبرنا " التّعميم " لئلاّ ينتقض بحلولِ الأطراف في مَحالها .

و شارح المقاصد بعد ما ذكر مطابقاً لـ "المواقف (1) ": «أنّ معنى وجود العرض في المَحلِّ، هو أنّ وجوده في نفسِهِ، هو وجودهُ في محلِّهِ بحيث تكون الإشارة إلى أحدِهما هو الإشارة إلى الآخر.(2)

قال: وتحقيق ذلك: أنّ ملاقاة موجود لموجود بالتّمامِ، لا على سبيلِ المماسّةِ والمجاورةِ، بل بحيث لا يكون بينهما تباين في الوضع، ويحصل للثّاني صفة من الأوّل، كملاقاةِ السّوادِ للجسم يسمّى حلولاً، والموجود الأوّل حالاًّ، والثّاني محلاًّ. انتهى ».(3)


1 . لاحظ: المواقف: 96 ـ 97 .
2 . بخلاف وجود الجسم في المكان، فإنّه أمر مغايرلوجوده في نفسه، مرتّب عليه زائل عنه، عند الانتقال إلى مكان آخر.
3 . شرح المقاصد: 2 / 143 / المبحث الأوّل من الفصل الأوّل من المقصد الثالث .


صفحه 30

ولعلّ هذا هو المراد من قولهم: «إنّ الحلولَ هو الاختصاصُ النّاعتُ» (1)، هذا .

والموضوع، قد يُفسِّر بالمحلِّ المستغنِي عن الحالِّ.(2)

وقد يُفسِّر بالمحلِّ المقوِّمِ لما يَحلّ فيه،(3) أو بالمَحلّ المتقوِّم بنَفسِهِ.(4)

ويرجع الأخيران إلى شيء واحد، لأنّ الشّيءَ ما لم يَتقوَّم بنفسه لا يُقوَّم غيره.

وقد يُراد من المُتقوِّم بنفسه المُتقوِّم لا بالحال، فيَصير أعمّ ويرجع إلى الأوّل .

والتحقّيق: أنّه يجب كون الموضوعِ مُتقوِّماً من دون الحال.

وأمّا أنّه هل يجب مع ذلك (5) كونه مستغنياً في التقوُّم عن الغير مطلقاً(6) أَمْ لا؟

فعند من يجوِّز كون العرضِ موضوعاً للعرضِ، لا يجب ذلك .


1 . راجع: شرح تجريد العقائد: 136 ; وكشف الفوائد: 76 ; وشرح المقاصد: 3 / 8 .
2 . لاحظ : كشف الفوائد: 77 ; ومناهج اليقين في أُصول الدّين: 129 ـ 130 ; والأسرار الخفيّة: 423 .
3 . انظر: ارشاد الطالبين: 27 ; واللّوامع الإلهيّة: 113 ; والمواقف في علم الكلام: 97 ; كشف المراد: الفصل الأوّل من المقصد الثاني .
4 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 137 ; والأسفار: 4 / 235 ـ 243 .
5 . أي مع كونه متقوّماً من دون الحال.
6 . أي حالاًّ أم غيره .


صفحه 31

وعند من لايجوِّز، فواجبٌ.

والمصنّف لمّا قال بالمباينة بين الموضوع والعرض، فلا ينبغي تفسير الموضوع في كلامه بالمستغني عن الحال فقط.

وهو العرضُ، أو لا، وهو الجوهرُ ، فظَهر من هذا التّقسيم تعريفُ الجوهرِ والعرضِ أيضاً .

فالعرضُ: هو الممكنُ الموجودُ في الموضوعِ .

والجوهُر: هو الممكنُ الموجودُ لا في الموضوعِ، سواءٌ لم يكن موجوداً في شيء أصلاً، كالجسم، أو كان موجوداً في المحلِّ دُون الموضوع، كالصُّورةِ الحاليّةِ في الهَيولا.

فالمحلّ أعمّ من الموضوع .

والحالّ أعمّ من العرض .

والمادّةُ والموضوعُ قسيمان هذا هو تعريفهما عند من لا يقول بجنسيَّةِ شيء منهما لما تَحْتَه.

وأمّا عند من يقول بجنسيّة الجوهر لما تَحتَه، فسَنَعرف ما هو مراده من الجوهر، هذا على رأي الحكماء.

وأمّا على رأيّ المتكلّمين، فالموجود: إمّا قديمٌ وهو اللهُ سبحانَهُ .

وإمّا محدثٌ، وهو: إمّا متحيّزٌ وهو ا لجوهرُ، أو حال فيه وهو العرض. هذا هو بيان المقدّمة.


صفحه 32

وأمّا المسائل :

فـ المسألة الأُولى

في تقسيم الجوهر إلى أقسامه الخمسة

قال: وهو إمّا مفارقٌ في ذاتِهِ وفعلِهِ، وهو العقلُ، أو في ذاتِهِ، وهو النّفسُ، أو مقارن .

فإمّا أن يكون محلاًّ لجوهر آخر وهو المادّةُ، أو يكون حالاًّ وهو الصّورةُ، أو ما يتركَّب منهما وهو الجسمُ.

أقول: على ما قال وهو ; أيّ الجوهر إمّا مفارقٌ; أي عن الوَضع في ذاته وفعله بأن لايكون ذاته مقارنة للوضع، ولا فعله يَتوقَّف على توسّط الوضع، وهو العقلُ .

أو مفارقٌ في ذاته دون فعله وهو النفّس .

أو مقارن للوضع، فإمّا أن يكون محلاًّ لجوهر آخر(1)، وهو المادّةُ; أي المحلّ المتقوّم بالحال.


1 . سقطت في أكثر النسخ جملة: «لجوهر آخر» .


صفحه 33

أو يكون حالاًّ في جوهر آخر وهو الصّورةُ; أي الجسميّة، إن كانت مشتركة بين الأجسام كلّها .

أو النّوعيّة إن كانت مختصّة بنوع نوع منها.

أو ما يتركُّب منهما; أي من الجوهرين الحالّ والمحلّ وهو الجسمُ الطبيعيُّ .

والشّارح القوشجي: فسّر المُفارق والمُقارن، بالمُفارق عن المادّة والمُقارن لها.

ثمّ أورد عليه: بأنّ في جَعل المادّة من أقسام المقارن للمادّة نوع حزازة،(1) وكذا في استعمال المادّة قبل أن تخرج من التّقسيم .

ثمّ قال (2): فالأولى تبديل المُقارن بغيرِ المُفارق وتَأخير التَّقسيم إلى المُفارق وغيره عن التَّقسيم إلى المادّةِ وغيرها.(3)

وأنت خبير: بأنّه على هذا التَّقدير (4) أيضاً لا يجب أن يَكون المرادُ من المادّةِ هو المحلُّ المُتقوِّمُ بالحالِّ ليرد ما ذكره، فإنّ للمادّة معنى أَعمٌّ منه ومن الموضوع من نفس الجسم ومن الأجزاء الّتي لا يتجزّأ.

ألا تَرى أنّ الطّوائف كلّها يطلقون لفظا المادّة والمادّيّ، مع أنّ غيرَ


1 . للزوم كون النّسبة مقارناً لنفسه .
2 . أي الشّارح القوشجي.
3 . انتهى كلام القوشجي. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 136 .
4 . أي كون المراد من المقارن، المقارن للمادّة.


صفحه 34

المشّائين، لا يقولون بالمادّة بمعنى المحلّ المتقوّم بالحال.

بل تفسير المفارق بالمفارق عن المادّة هاهنا غير صحيح، وإلاّ لزم كون الجسم على مذهب المصنّف غير مادّيّ، بل من المجرّدات، إذ يصدق عليه المفارق بهذا المعنى، هذا.

وأمّا الاعتراض المشهور عن الإمام: وهو أنّه «لابدّ من الدّلالة (1) على أنّ الجوهر المركّب من الجوهرين الحالّ


1 . أي الدّليل.


صفحه 35

والمحلّ هو الجسم، فإنّه لا استبعاد في وجود جوهر غير جسمانيّ يكون مركَّباً من الجوهرين بكون أحدهما حالاًّ في الآخر مقوّماً له»(1)، فإنّما يرد (2) على مَنْ قسّم الجوهر، هكذا الجوهر:

إمّا أن يكون محلاًّ لجوهر آخر وهو الهيولى .

أو يكون حالاًّ في جوهر آخر وهو الصّورةُ .

أو يكون مركّباً منهما وهو الجسمُ الطّبيعي.

أو لا يكون حالاًّ ولا محلاًّ ولا مركّباً منهما، وهو: إمّا مدبّرٌ للجسمِ وهو النّفسُ، أو لا، وهو العقلُ، على ما ذكره الشّارح القديم في صدر الكتاب، ونقل المحشّي الشّريف اعتراض الإمام عليه هناك.

وأمّا على تقسيم المصنّف: حيث اعتبر المقارنة في الجوهرين الحالّ والمحلّ، فلا يرد أصلاً، لأنّ الهيولى الخارجة عن تقسيمه هو الجوهر المقارن المحلّ لجوهر آخر.

والصّورةُ: هو الجوهرُ المقارنُ الحالّ في جوهر آخر .

والجسمُ: هو الجوهرُ المقارنُ المركّب منهما.

فلا وجه لقول المحقّق الدّواني: «إنّ المادّة على ما خرج من تقسيمه هو الجوهر (3) الّذي يحلّه جوهر آخر، فالمركّب المذكورُ داخلٌ فيما يُقارن المادّة على مقتضى تقسيمه، فتدبّر».(4)

فَعلى هذا التَّقسيم لو فُرض جوهرٌ مركّباً من الحالّ والمحلّ المجرّدين يكون داخلاً في العقلِ والنفّسِ على أنّ الاحتمالَ المذكورَ .

لا يقدح في ذلك التقسّيم أيضاً، إذ لم يَدّع أحدٌ حصراً عقليّاً، والحصرُ الاستقرائيُّ لايقدح فيه احتمال قسم آخر ألبتّة .

لا يقال: هذا اعتراضٌ على حصرِ الجوهرِ المركّبِ من الحالِّ والمحلِّ في الجسم، والجوهرُ المحلُّ في الهيولى، والجوهرُ الحالُّ في الصّورةِ، وذلك لازمٌ من التَّقسيم .

لأنّا نقول: هذا أيضاً حصرٌ استقرائيٌّ لا عقليٌّ، فلا يَقدح فيه الاحتمال، هذا.


1 . على ما نقله الشّارح القوشجي. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 136 .
2 . اي الاعتراض المشهور عن الرّازي.
3 . في المصدر: «هذا الجوهر».
4 . شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصدّر: 184 .


صفحه 36

فإن قلت: كيف جَعلوا الجسمَ المركّبَ من قسمِي الجوهر قِسماً منه؟ ولو جاز كون المركّب من قِسِمي الشّيء قِسماً منه لم يَنحصر قسمتَه أبداً.

قلت: المركّب من قِسِمي الشّيء إذا لم تَقم به وحدة حقيقية لم يَجز جعله قِسماً منه، لوجوب اعتبار الوحدة في المقسم .

وأمّا إذا قام به الوحدة الحقيقيّة، فلا منع من كونه قسماً منه .

وبهذا يَندفع النَّقص بمجموعِ الهيولى والصّورة النّوعيّة على تقدير حلولِها في الهيولى، وبمجموع الصّورتين على تقدير حلولِها في الجسميّة .

وذلك ; لأنّه ليس بشيء من هذين المجموعين وحدة حقيقيّة على حدة.

فإن قلت: تَقسيم المصنّفُ الجوهر أوّلاً إلى المفارقِ، والمقارن يُشعر بأن لايكون هذه الأقسام أوّليَّة للجوهر.

قلت: الأقسام الأوّلية للشّيء ما يَصحّ انقسامه إليها من حيثُ هو من دونِ أن يَتخصّص أوّلاً بأمر آخر، والجوهر كذلك، فإنّه يتَخصّص من حيثُ هو جوهرٌ بأن يكون عقلاً أو نفساً، لا أنّه يَتخصّص أوّلاً بالمفارقة، ثمّ يكون عقلاً أو نفساً، بل هي من اللّوازم المتأخّرة، كيف، وليست إلاّ أمراً سلبيّاً أو إضافيّاً.

والأحسنُ في التَّقسيم ما قاله الشّيخ في "إلهيّات الشّفاء ": «وهو أنّ الجوهر: إمّا جسمٌ أو غير جسم.


صفحه 37

فإن كان غير جسم: فإمّا أن يكون جزء جسم، أو لا يكون جزء جسم، بل يكون مفارقاً للأجسام.

فإن كان جزء جسم: فإمّا أن يكون صورته، وإمّا أن يكون مادّته.

وإن كان مفارقاً (1)، فإن كان له علاقة تصرّف مّا في الأجسام بالتّحريك ويُسمّى نفساً، أو تكون متبرئاً عن الموادّ من كلّ جهة ويُسمّى عقلاً»(2).

وهذا ـ أعني: تقسيم الجوهر إلى الخمسة المذكورة (3) ـ هو رأي المشّائين من الحكماء.

وأمّا عند الأقدمين منهم (4)، فالجوهرُ إن كان متحيّزاً، فجرمانيٌّ و هو الجسم لا غير، إذ لم يثبت عندهم وجود جوهر حالّ هو الصّورة، وآخر محلّ هو الهيولى.

وإنّما الهيولى اسمٌ للجسم من حيث قبوله الأعراض المحصّلة للأجسام المتنوعة .

والصّورةُ اسمٌ لتلك الأعراض، وإن لم يَكن مُتحيِّزاً، فروحانيٌّ وهو النّفسُ والعقلُ.


1 . ليس جزء جسم.
2 . انتهى كلام الشّفاء. لاحظ: إلهيّات الشّفاء: 1 / 60 / الفصل الأوّل من المقالة الثّانية.
3 . أي أنّ الجوهر إمّا عقل، أو نفس، أو جسم، أو هيولى، أو صورة.
4 . لاحظ : شرح المقاصد: 3 / 8 / المقصد الرابع .


صفحه 38

وأمّا عند المتكلّمين، فالمتحيّزُ إن لم يقبل القسمة أصلاً (1)، فهو الجوهرُ الفرد وإلاّ، فهو الجسمُ، هذا عند الأشاعرة .(2)

وعند المعتزلة، فإن قبل القسمة في جهة فقط، فهو الخطّ، وإلاّ فإن قبل في جهتين فقط، فهو السّطح، والاّ فهو الجسم.


1 . سواءاً كانت في جهة واحدة أم أكثر.
2 . انظر: شرح المقاصد: 3 / 6 ; وشرح المواقف: 6 / 277 / الموقف الرّابع.


صفحه 39

المسألة الثانية

في نسبة الجواهر بعضها إلى البعض وإلى الأعراض

قال: والموضوع والمحلّ يتعاكسان وجوداً وعدماً في العموم والخصوص.

وكذا الحالّ والعرض، وبين الموضوع والعرض مباينة.

ويصدق العرض على المحلّ والحالّ جزئيّاً.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان نسبة الجواهر بعضها إلى البعض، وإلى الأعراض باعتبار اتّصافها بالحالّيةِ والمَحلّيةِ، فالموضوعُ كما عرفت،(1) أخصّ مطلقاً من المحلّ.

وقد تقرّر في موضعه، أنّ نَقيض الأخصّ مطلقاً أعمّ مطلقاً من نَقيض الأعمّ المُطلـق، فكـلُّ ما هو موضوعٌ، فهو محلٌّ، ولا عكس .

وكلُّ ما ليس بمحلٍّ ليس بموضوع ولا عكس.

وهذا معنى قوله: والموضوعُ (2) والمحلُّ (3) يتعاكسان وجوداً


1 . في المسألة السابقة.
2 . وهو المحلّ المستغني عن الحالّ كالجسم الحال فيه البياض .
3 . وهو الشّيء الّذي يحلّ فيه شيء آخر، سواء احتاج المحلّ إليه كالهيولى الحالة فيه الصّورة، أو لم يحتج كالجسم الحال فيه البياض .


صفحه 40

وعدماً في العموم والخصوص.(1)

وكذا العرضُ أخصُّ من الحالّ، لأنّ الحالّ، قد يكون جوهراً، فلا يكون في الموضوع، بل في المادّة، والعرضُ لا يكون إلاّ في الموضوع .

وإليه أشار بقوله: وكذا الحالُّ (2) والعرضُ (3); أي كلّ عرض، فهو حالٌّ ولا عكس.

وكلُّ ما ليس بحالّ ليس بعرض ولا عكس .

وبَينَ الموضوعِ والعرضِ مبايَنةٌ، بناء على كون الموضوع هو المحلُّ المُتقوِّمُ بنفسه.

فإنّ العرضَ لايتقوّم بنفسه، بل يحتاج في تقوُّمه إلى الموضوع، فلا يكُون العرضُ موضوعاً .

وبَين المحلِّ والعرضِ، عمومٌ وخصوصٌ من وجه .(4)


1 . أي الموضوع أخصّ مطلقاً من المحلّ، إذ كلّ موضوع محلّ ولا عكس، واللاّموضوع أعم مطلقاً من اللاّ محلّ، إذ بانتفاء الموضوع يمكن انتفاء المحلّ وعدم انتفائه، كما هو شأن كلّ عام وخاصٍّ، فإنّ عدم الخاصّ أعم من عدم العامّ.
2 . وهو الشّيء الّذي يحلّ في شيء آخر، سواء احتاج المحلّ إليه كالصّورة الحالّة في الهيولى، أمْ لم يحتج كالبياض الحالّ في الجسم.
3 . وهو الحالّ في الموضوع بلا احتياج للموضوع إليه كالبياض الحالّ في الجسم، يتعاكسان في الوجود والعدم، فالحالّ أعمّ من العرض وعدم العرض أعمّ من عدم الحالّ.
4 . يعني بعض المحلّ عرض كالخطّ المعروض للانحناء، وبعضه ليس بعرض كالجسم المعروض للبياض، وبعض العرض ليس بمحلّ كالانحناء العارض على الخطّ. وبين الحالّ والعرض عموم مطلق، فبعض الحالّ ليس بعرض كالصّورة، وكلّ عرض حالّ .


صفحه 41

فإنّ الحركةَ عرضٌ ومحلٌّ للسّرعة، فهي مادّةُ الاجتماع.

فالعرضُ قد لا يكون محلاًّ، كالسّرعة .

والمحلُّ قد لا يكون عَرضاً، كالجسم.

وكذا بَين المحلِّ والحالِّ، ومادّةُ الاجتماعِ هي الحركةُ أيضاً، فَإنّها حالّةٌ في الجسم ومحلٌّ للسّرعة .

والمحلٌّ قد لا يكون حالاًّ، كالجسم المحلُّ للحركة.

والحالُّ قد لا يكون محلاًّ كالسُّرَعة، الحالّةُ في الحركة.

وإلى هذين أشار بقوله: ويصدق العرض على المحلّ، وكذا يصدق الحالّ أيضاً على المحلّ على أن يكون، الحالّ عَطفاً على العَرضِ، لا على المحلّ، على ما حمله الشّارحون(1) .

لأنّ النّسبة بين الحالّ والعرض قد مرّت، فيلزم التّكرار .

وكلّ ذلك (2) جزئيّاً لا كليّاً ; أي يصدق بعضُ المَحلِّ عرضٌ أو حالٌّ، ولا يَصدق كلُّ محلٍّ عرض أو حالٍّ.

وإنّما قال ذلك، ليظهر مادّة الإفتراق من جانب المحلّ، فإنّه حينئذ يحصل محلّ لا يكون عرضاً ولا حالاًّ .


1 . العلاّمة الحلّي في كشف المراد، والشّارح القوشجي في شرح تجريد العقائد .
2 . في د: جملة «وكلّ ذلك» ساقطة.


صفحه 42

وأمّا مادّةُ الافتراق من جانب العرض والحالّ، فيظهر من عكس هذا الصّدق.

فإنّ هذا الكلام كما يَدلّ على صِدق العرَض والحالّ على المحلّ مطابقة، كذلك يَدلّ على صدقِ المحلَّ على العرضِ والحالّ التزاماً، فيكون جزئيّاً حالاًّ لكلا الصّدقين .


صفحه 43

المسألة الثّالثة

في أنّ الجوهرَ والعرضَ

ليسا جنسين لما تحتهما (1)

قال: والجوهريّةُ والعرضيّةُ، من ثَواني المَعقولات، لِتَوقُّف نسبة إحداهما على وسط.

وَلاختلاف الأنواع بالأُولويّة .

والمعقولُ منهما اشتراكُهُ عرضيٌّ

أقول: إنّ هذه المسألة في نفي جنسيّة الجوهر والعرض لما تحتهما (2) وعبّر (3) عنه بقوله: والجوهريّة والعرضيّة من ثواني المعقولات، لأنّ الجوهر والعرض لمّا كانا من المحمولات بالمواطاة كانا أمرين عقليين ;


1 . لاحظ البحث في المطارحات: الفصل الأوّل من المشرع الثاني; وشرح عيون الحكمة للرّازي: 3 / 57 ـ 82 / المسألة الثّانية إلى الرّابعة من الفصل الخامس; والمباحث المشرقيّة: 1 / 142 ـ 147 / الفصل الرابع من الكتاب الثّاني; والحكمة المتعالية في الأسفار: 4 / 246 ـ 263 / الفصل الرابع من الفن الرابع; وشرح تجريد العقائد: 137 ـ 138 ; والمحاكمات: 2 / 6 ـ 7 ; ونهاية المرام: 1 / 267 ـ 272.
2 . وليس هما ممّا ينتزعه العقل من الموجود الخارجي ثمّ يصفه به، لا أنّهما جزء لما تحتهما من الأفراد، فهما مثل الوجود والمشيئيّة والوحدة ونظائرها.
3 . المصنّف: (رحمه الله) .


صفحه 44

أي كلّيّين، لأنّ الجزئيّ الحقيقيّ لا يكون محمولاً كذلك، فلو ثَبتَ كونهما خارجين عمّا تَحتَهما، لزم أن يكونا من المعقولات الثّانية .

إذ ليس في الجسم مثلاً أمرٌ متحقّقٌ زائدٌ على ذاته هو الجوهريّة، ولا في السّواد مثلاً أمرٌ زائدٌ على ذاتهِ هو العرضيّةُ.

وأمّا نفي جنسيّتهما وكونهما خارجين عمّا تحتهما، فاحتجّ (1) عليه بوجوه ضعيفة :

الوجه الأوّل: إنّما نحتاج في إثبات جوهريّة كثير من الجواهر، كالنُّفوس النّاطقةِ، والصُّور النُّوعية.

وكذا في إثبات عرضيّة كثير من الأعراض، كالمقادير، والأضواء، والألوان إلى نظر واستدلال.

ولذلك اختلف في كلٍّ من ذلك، وما كان كذلك لا يكون ذاتيّاً، لأنّ ذاتي الشّيء بيّن الثّبوت له .

وإلى هذا أشار بقوله: لِتَوقُّفِ نسبة إحداهما على وسط.

وأجيب عنه (2): بأنّ ذاتّي الشّيء إنّما يكون بيِّن الثّبوت له إذا كان ذلك الشّيء معلوماً بالكنه (3)، وكون ما ذكر من الأمثلة كذلك ممنوعٌ.

فإنّ المُتّصوّر من النَّفس إنّما هو المُدِبّرُ للبدن، وهو وجهٌ من وجوهها،


1 . أي المصنّف (رحمه الله) .
2 . المجيب هو الشّارح القوشجي: لاحظ : شرح تجريد العقائد: 137 .
3 . لا بالوجه، كتصوّر النّفس بكونها مدبّرة للبدن.


صفحه 45

وكذا الحال في سائرها، فلو كانت معقولة بالكُنه (1) أمكن أن لا يَحتاج فيها إلى دَليل أصلاً.

فإن قيل: عِلمُ النَّفس بذاتها حضوريٌّ على ما تقرّر، وهو عينُ ذاتها المخصوصة وكُنهها، وأمّا المُدبِّر للبَدن، فهو معلومٌ بالعلم الحُصولي.

قلنا: نعم لكن أكثر النّاس غافلون عن ذلك، فإنّ العلم لا يستلزم العلم بالعلم، فمن كان شاعِراً بمَشَاهِدَته لذاته لا يشكّ في كونه قائماً بذاته، ولا يحتاج إلى استدلال في ذلك، فإنّما الحاجة إليه للغافلين.

ولذلك التّحقيق: أنّ كلَّ ما يُقال في الاستدلال على جوهريّةِ النَّفس، فإنّما هو تنبيهٌ وليس بدليل حقيقةً، فأعقل ولا تَكنُ من الغافِلين.

الوجه الثّاني: أنّهما يُقالان على ما تَحِتهما بالتَّشكيك، فإنّ الجواهر المُجَرّدة أَقْدَم وأُوْلى بالجوهريّة من غيرها، إذ لا معنى لكون حقيقة أولى بشيء إلاّ كون كمالاته الثّابتة له أكثر أو بالفعل، وكمالات الجوهر لاشكّ في كونها كذلك للمجرّدات بالنّسبة إلى الماديّات .

وكذا في الأَعْراض، فإنّ العرضَ الغير القارِّ أُولى من العَرض القارِّ بالعَرَضيَّة، وما كان ذاتيّاً للشّيء لا يكون مَقولاً بالتّشكيك بالنّسبة إليه كما سيأتي.

قال الشيخ في " قاطيغورياس الشّفاء": «زَعَم قومٌ أنّ لفظةَ الجوهر، إن


1 . في هذه الأمثلة.


صفحه 46

أُريد إطلاقها على الأجسام وَحْدَها، أمكن أن تقال على التَواطُؤِ وعلى القَوْلِ الجنسي .

وأمّا على معنى أعمّ من الجسم، فإنّما يقع بالاتّفاق أو التّشكيك وقوعَ(1) الموجود، وذلك لأنّ الهيولى والصّورة أقدم في معنى الجوهريّة من المركّب، والمفارِقِ الّذي هو سببُ وجودِهما، وسببُ قوامِ أحدِهما بالآخر هو أقدمُ من جميع ذلك.

وأنّ المبادي لا يقع مع ذوات المبادي في مقولة واحدة، ومع ذلك فقد اعترفوا بأنّ كونها موجودة لا في موضوع أمرٌ مشتركٌ فيه جميعها، وإن كان الموجود لا في موضوع لبعضها قبل بعض .

وقالوا: إنّ الوجود إذا كان يقال على هذه بالتقدّم والتأخّر، فلحوق "لا في موضوع "به من بعد، وهو معنى سلبيّ، ليس يجعل الوجود فيها على مرتبة واحدة. انتهى »(2).

وإليه أشار بقوله: ولاختلاف(3) الأنواع بالأُولويّة(4).

وأجيب (5): بمنع كون الاختلاف في حقيقة الجوهريّة، بل إنّما هو في


1 . قوله: «وقوع» مفعول مطلق لقوله: «يقع»، أي وقوع الموجود فيها على أفراده، فإنّه أيضاً بالتّشكيك.
2 . منطق الشّفاء: 1 / 91 / المقولات / الفصل الأوّل من المقالة الثّانية.
3 . في أكثر النّسخ: «واختلاف الأنواع».
4 . هذا دليل ثان على كون الجوهر عرضاً عامّاً لجزئيّاته لا جنساً لها.
5 . أكّده الاسترآبادي في شرحه: لاحظ : البراهين القاطعة: 1 / 265 .


صفحه 47

الوجودِ وسائِر ما يَتْبَعه دون ماهيّة الجوهر.

قال الشّيخ في الجواب عن هذا الوجه على ما نقلنا بهذه العبارة: «فنقول أوّلاً: إنّ مِن هذه الجهات لا يلزم أن لا تكون الجوهر جنساً لما هو جسمٌ ولما هو غيرُ جسم .

أمّا حال التّقدمّ والتّأخّر وحال مشاركة المبادىء لذوات المبادىء في الجنس وغيرِ مشاركتها، لها فأمر قد سلف منّا بيانه; ومع ذلك، فإنّ الأجسام أيضاً، الّتي لا تشكّ في اشتراك جميعها في جنس الجسم، ليست سواء في المرتبة، بل بعض الأجسام أقدم مِن بعض .

وأمّا حديث الموجودِ الماخوذ في رسم الجوهر وأنّه لا محالة واقع على بعضها قبل بعض، فهو وحقّه أن يحلّ فنقول: إنّ قولنا: إنّ الجوهر هو الموجود لا في موضوع، لسنا نعني بالموجود فيه حال الموجود (1) من حيث هو موجود.

ولو كان كذلك، لاستحال أن يجعل الكلّيات جواهر، وذلك لأنّها لا وجود لها في الأعيان ألبتة، وإنّما وجودها في النّفس كوجود شيء في موضوع .

ولو عُنِي بالموجود ذلك، وهو المُوجود في الأعيان، لكان الأمرُ بالحقيقة على ما يذهبون إليه، وكان بعضها قبل بعض فيه، بل نعني بالموجود لا في موضوع المعنى; والماهيّة الّتي يلزمها في الأعيان، إذا


1 . أي الوجود بالفعل .


صفحه 48

وجِدت أن يكون وجودها لا في موضوع، مثل ما يقال: ضاحك ; أي من شأنه عند التعجّب أن يضحك.

وإذا شئت أن يظهر لك الفرق بين الأمرين، وأنّ أحدهما معنى الجوهر والآخر ليس كذلك، فتأمّل شخصاً ما كزيد، إذا غاب عنك، أو نوعاً من الجواهر ممّا تشكّ في وجوده.

فإنّك تَعلم أنّه ماهيّة، إذا كانت موجودةً في الأعيان، كانت لا في موضوع.

وتَعلم أنّ هذا المعنى هو المقوّم الأوّل لحقيقتِهِ.

كما تَعلم أنّه جوهرٌ، ولا تَعلم أنّه موجودٌ في الأعيان بالفعل لا في موضوع، بل رُبّما كان عندك مَعدُوماً .

فقد بان أنّ الوجود بالفعل في الأعيان لا في موضوع ليس مقوّماً لماهيّة زيد، ولا لشيء من الجواهر، بل هو أمرٌ يلحق لحوق الوجودِ الّذي هو لاحق لماهيّة الأشياء كلّه (1)، كما علمت، فليس هذا جنساً، بل الأوّل.

ولذلك إذا كان شيء (2) ماهيّته هي الوجود وكان منزّهاً عن الموضوع لم يكن في جنس، فلا يشارك الجواهر بمعنى أنها أشياء ومعان، إنّما يلحقها الوجود، إذا لَحِق بهذه (3) الصّفة، بل لا يُوجد أمر مقوِّم لذلك الشّيء ولنوعيّات الجواهر بالشّركة .


1 . في د: كلمة «كلّه» ساقطة.
2 . كالواجب .
3 . أي لا في موضوع.


صفحه 49

فإنّ ما هو ذاتيٌّ لذلك الشّيء فنظيره عرضٌ لهذه، كالوجود الحاصل كيف كان، وما هو ذاتيٌّ (1) من مفهوم معنى الجوهريّة غير مقول على ذلك، فإنّه ليس هناك ماهيّة غير الوجود فيلحقها الوجود.

فقد عرفت حقيقة كون الجوهر بصفة أنّه موجود لا في موضوع.

وعرفت أنّ كون الجوهر بهذه الصّفة أمرٌ لا تقدّم فيه ولا تأخّر، وإن كان حصول الوجود، الّذي هذا الاعتبار مَقيس إليه، واقعاً بتقدّم وتأخّر، كما أنّ المعنى الّذي يقال به الإنسان ناطق لا تقدّم فيه ولا تأخّر، ولا اشتداد ولا تضعّف .

وأمّا التميّزُ بالفعل الّذي يلحق ذلك، والّذي الفصل قوّة أولى عليه وعلى غيره من الأُمور، ففيه اختلاف .

وأمّا الدّليلُ على أنّ حقيقةَ الجوهريةَ الّتي أوضحناها لا تَقدُّم فيها ولا تأخّر إنّك لا يمكنك أن تقول: إنّ كون الصّورة في نفسها ماهيّةٌ، إذا وُجدت في الأعيان لم تحتجّ إلى موضوع ولم تُوجد فيه هو قَبْل كون المركَّب كذلك، أو أنّ هذه الحقيقة للمركّب في أنّها كون بهذه الصّفة متعلّقة بكون الصّورةِ على هذه الصّفةِ.

كما تقول: إنّ وجود الصّورة على ما هي عليه من كونها لا في موضوع قبل وجودِ المركّب، إذ وجودها قبل وجوده، ووجوده متعلّق بوجودها، وذلك الوجود لها هو الوجود لا في موضوع .


1 . لهذه النّوعيّات.


صفحه 50

فإذن هذا غير موجب أن لا يكون الجوهرُ جنساً، وهذا هو معنى ذات الجوهر. انتهى كلام الشّفاء».(1)

على أنّ ما قيل في بيانه لو تَمَّ، فإنّما يَدلُّ على أنَّ المقولَ بالتَّشكيكِ .

لا يكون ذاتيّاً لجميع ما تحته من الأُمور الّتي يُقال هو عليها بالتّشكيك، لا على أنّه لايكون ذاتيّاً لشيء منها، فجاز أن يكون الجوهر أو العرض جنساً لما تَحْتَه من الحَقائِق الّتي .

لا تختلف بقوله عليها، ولا يرد هذا على الوجه الأوّل، لكونه مبنيّاً على كون الأفراد في مَرتَبة واحدة، فيلزم من كونه جِنساً لبَعضها (2) كونه جنساً لجميعها، ومن نَفي كونه جنساً لبعضها، نَفى كونه جنساً لشيء منها، فتدبّر .

الوجه الثّالث: أنّ المعقول منها (3) المشترك بين أنواعهما إنّما هو عرضيّ لا محالة، فإنّا لا نعقل منهما (4) سوى المستغني عن الموضوع أو المحتاج إليه، وهما (5) مفهومان إضافيّان لا محالة، والاستغناء سلبيّ أيضاً، ومثل ذلك لا يمكن أن يكون إلاّ عرضيّاً .

وإليه أشار بقوله: والمعقول منهما (6) اشتراكه; أي الّذي يعقل اشتراكه منهما عرضيّ.


1 . منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 91 ـ 94 .
2 . في د: «لبعض منها».
3 . أي من الجواهر.
4 . أي من الجوهر والعرض .
5 . أي من الجوهر والعرض .
6 . في كتاب تجريد الاعتقاد; ومتن كشف المراد والبراهين القاطعة: كلمة «منهما» ساقطة.


صفحه 51

والجواب عنه: أنّه بل يعقل من الجوهر معنى آخر، وهو مرادُ من جنسه، وهو أنّه ماهيّةٌ من شأنِها إذا وُجِدَت في الخارج أن لا يكون في الموضوع، ماهيّة من شأنها كذا هو كُنه للجوهر وسلب الموضوع، أو الاستغناء عن الموضوع وجهٌ من وجوهه وعارضٌ من عَوارضه كما مرّ في كلام الشّيخ .

وقد يستدلّ أيضاً (1): بأنّ الجوهرَ لو كان جِنساً للجَواهر، لكان امتيازها بفصول: هي إمّا جواهرٌ، فَنَنقل الكلام إليها ويلزم عدمُ تناهِي أجزاء الماهيّة، فيلزم امتناع تعقّل كنه الأنواع الجوهريّة تفصيلاً .(2)

وإمّا أعراضٌ، فيلزم افتقارُ الجوهرِ إلى الموضوع، إذ يلزم كونُ العَرضِ محمولاً على الجوهَرِ، ونفسه (3) بحسب الوجود على ما هو شأن الفصل مع النّوع .

والجواب: أنّه منقوضٌ بسائر المقولاتِ، بل بسائرِ الأَجناس.

والحلّ: أنّ المراد أنّه جنسٌ لما تَحته من الحَقائق المُحَصَّلة النوعيَّة لا لكلّ (4) ما يَصدق عليه من المفهومات.

فإنّه لا يمكن أن يكون جنس من الأجناس جنساً لكلّ ما يصدق عليه،


1 . المستدل هو شارح المقاصد. لاحظ : شرح المقاصد: 3 / 19. أنّ الشّارح القوشجي نقل هذا الاستدلال وأجاب عنه. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 138 .
2 . أي تفصيلاً وإلاّ فالتّعقل الإجمالي لا امتناع فيه .
3 . قوله: «نفسه» منصوب عطف على قوله: «محمولاً» والضمير راجع إلى الجواهر باعتبار الوجود.
4 . أي لا أنّه جنس لكلّ ما يصدق عليه من المفهوم .


صفحه 52

إذ الجنس بالقياس إلى فصل النّوع (1) عرض عامّ (2) كما بيّن في مقامه.

واعلم، أنّ الحكماء بل أكثر العلماء (3) على أنّ الجوهَر جنسٌ لما تحته، وأمّا العرض، فالظّاهر أنّه كالمتّفق على نفي جنسيّته (4) على ما صرّح به المحقّق الشّريف، إلاّ أنّ بعض الأعاظم (5) ذهب إلى جنسيّة العرض لما تحته، وحصر الجنس العالي في اثنين، هما الجوهر والعرض، وجعل كُنه العرض ماهيّة من شأنها بحسب شَخصيَّتِها وطبيعَتِها جميعاً أن تكون قائمة بالموضوع، وحينئذ يَثبت له خَواصّ الذّاتي بالنِّسبة إلى ما هو ذاتيٌّ له كما في الجوهر بعينه.

والتّحقيق: أنّ بينهما فرقاً دقيقاً في ذلك، وهو أنّ ماهيّته من شأنها سلب الموضوع، يدلّ على معنى لا يمكن زواله عن الذّهن مع تعقّل ماهيّة جوهريّة بالكُنه، وهو الّذي يعبّر عنه بالقيام بِنَفْسه، وماهيّته من شَأنها الوجود في الموضوع، لا يَدلّ على معنى يَمتَنع زواله عن الذّهن عند تَعقّل ماهيّة عرضيّة بالكُنه.

فإن قلت: بل يَدلّ وهو الّذي يُعبَّر عنه بسلب القيام بنفسه .

قلت: ذلك السَّلب لا يمتنع زواله والغفلة عنه مع تعقّل تلك


1 . في د: «النّوع».
2 . أي فإنّ الجنس بالقياس إلى الفصل الّذي يحصّله نوعاً يكون عرضاً عامّاً .
3 . لاحظ : المباحث المشرقية: 1 / 142 / الفصل الرابع والخامس من الكتاب الثّاني; وايضاح المقاصد: 156 ـ 158 /البحث السادس من المقالة الثّالثة.
4 . لاحظ : ايضاح المقاصد: 165 ; والأسرار الخفيّة: 441 / المقالة الثالثة من الفنّ الثالث .
5 . وهو المعلّم الثالث. لاحظ : تقويم الايمان : 204 ـ 205 ; والقبسات: 40 ـ 47 / القبس الثاني.


صفحه 53

الماهيّة، فتأمّل جدّاً لتعرف أنّ الفرق متحقّق ألبتّة.

قال الشّيخ في " قاطيغورياس الشفاء (1) " بعد تَزييف ما قالَه القُوم في نفي جِنسيَّة العرض بهذه العبارة: فلا معونة لمثل هذه الهذيانات، في أن يقال: إنّ العرضَ ليس بجنس، وإن كان الحقّ هو العرض ليس بجنس .

لكنَّهم قالوا شيئاً آخر وهو ; أنّ العرض لا يدلّ على طبيعة البياض والسّواد على طبايع سائر الأعراض; بل على أنّ له نسبة إلى ما هو فيه، وعلى أنّ ذاته تقتضي هذه النّسبة ; والجنس يدلّ على طبيعة الأشياء وماهيّتها في أنفسها، لا ما يلحق ماهيّاتها من النّسبة.

وهذا قولٌ سديدٌ والدّليل على ذلك أنّ لفظ العرضيّة: إمّا أن يَدلّ على أنّ الشّيء موجودٌ في موضوع، فيكون دلالته على هذه النّسبة ; أو يَدلّ على أنّه في ذاته بحيث لابدّ له من موضوع، فهذا أيضاً معنى عرضيّ ; وذلك أنّ نسبة هذا المعنى إلى أكثر الأعراض، مثل الكيفيّةُ والكَميّةُ والوَضعُ، نسبة أمر غير مقوِّم لماهيّاتِها، لأنّ ماهيّاتَها تَتَمثَّل مدركةً مفهومةً.

ثُمّ يُشَكُّ في كثير منها، فلا يدرك أنّها محتاجة إلى موضوع حتّى يُبرهَن عليه في صَناعة الفَلسفة الأُولى، حتّى أنّ قوماً جعلوا هذه الأُمور جواهر، فنسبة العَرض إلى هذه نسبة الموجود إلى ماهيّات العَشرة من حيث ليس داخلاً في الماهيّة، فكما أنّ الموجودَ ليس مقوّماً لماهيّةِ هذهِ العَشرة، كذلك العَرضيّة ليسَتْ مُقِوّمةً لماهيّةِ هذه التِّسعة، فلذلك لا يُوجد في حدِّ شَيء منها أنّه عرضٌ. انتهى .(2)


1 . لاحظ : منطق الشّفاء: 1 / المقولات / 65 .
2 . أي انتهى كلام الشّفاء.


صفحه 54

المسألة الرابعة

في نفي الضّديّة عن الجوهر (1)

قال: ولا تَضادّ بَين الجواهر ولا بينها وبَين غَيرِها، والمعقولُ من الفناء العدمُ، وقد يطلق التضادُّ على البعض باعتبار آخرَ.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان أنّ الجواهر لا ضدّ بينها أي للجواهر من الجواهر وبين غيرها من سائر الأشياء كما قال: ولا تضادّ بين الجواهر (2) ولا بينها وبين غيرها.(3)

وذلك لأنّ الوُرودَ على الموضوع معتبرٌ في حقيقة الضّد (4) كما مرّ في مبحث التّقابل، (5) وهو منتف عن الجواهر(6)، فلا تضادّ بين جوهر وجوهر، ولابين جوهر وعرض .


1 . لاحظ البحث في: منطق أرسطو: 1 / 40 ـ 41 ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 149 ـ 150 ; والبراهين القاطعة: 1 / 266 ـ 267، والأسفار: 4 / 271 / الفصل السادس من الفنّ الرّابع; ومنطق الشّفاء: 1 / المقولات / الفصل الثالث من المقالة الثالثة ; والتلويحات: 6 ـ 7 / التلويح الأوّل .
2 . إذ الضدّان هما الذّاتان الوجوديّتان المتعاقبتان في الموضوع والجوهر لا موضوع له، فلا يقع التّضاد بين أفراده .
3 . في تجريد الاعتقاد: «وبين عرضها».
4 . أي فإنّ غير الجوهر يحتاج إلى الموضوع لكن عدم كون الجوهر في الموضوع يكفي في عدم صدق التّضادّ بينهما.
5 . لاحظ : الجزء الثاني من هذا الكتاب : 233 / المبحث الخامس من المسألة السّابعة.
6 . لأنّ الجواهر ليس لها موضوع.


صفحه 55

وقد يتوهّم (1): أنّ الفناء لكونه مبطلاً للجوهر ضدّ للجوهر، وهذا غير معقول، لأنّ المعقول من الفناء العدم،(2) وقد مرّ (3) أنّ الضدّ لابدّ كونه وجوديّاً .

وقد يقال (4): على تقدير كون الفناء وجوديّاً أيضاً لا يكون ضدّاً للجوهر، على اعتبار المحلّ في التّضاد، فالأولى تأخير هذا القول عن قوله: وقد يطلق التّضاد على البعض ; أي على بعض الجواهر وهو الصّور النّوعيّة باعتبار آخر، وهو اعتبار الورود على المحلّ بدل الموضوع في الضّد كما هو مذهب البعض .

ولعلّ القائل بضدّية الفناء للجواهر ; أي الأجسام، لما ذهب إلى كون الجسم مؤلّفاً من الأجزاء الّتي لا يتجزّأ، ذهب بناء على توهمّ كون الفناء مخلوقاً وجوديّاً إلى أنّه يرد على تلك الأجزاء، فيبطل الصّور التّأليفيّة عنه، ويقوم هو بتلك الأجزاء، وبدّل تلك الصّور.

ولا شكّ أن الصّور التّأليفيّة أعراض، فتكون تلك الأجزاء موضوعاً لها، وكذا الفناء القائم بها بدلها، وحينئذ يكون كلام المصنّف واقعاً على ما ينبغي.


1 . نقله الشارح القوشجي وأجاب عنه. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 138 .
2 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
3 . انظر الجزء الأوّل من هذا الكتاب: 230 ـ 231 .
4 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 138.


صفحه 56

المسألة الخامسة

في أنّ وحدة المحلّ لا تستلزم وحدة الحالّ

قال: ووحدة المحلّ لا تستلزم وحدة الحالّ إلاّ مع التّماثل.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان جَواز اجتماع الحالَّين المُتخالفين في محلٍّ واحد، وامتناع اجتماع المُتماثِلين في محلٍّ واحد على ما قال: ووحدة المحلّ لا تستلزم وحدة الحالّ،(1) وهذا ظاهرٌ، كما في السّواد والحركة المجتمعين في جسم واحد، إلاّ مع التّماثل (2); أي إلاّ أن يكون الحالّ على تَقدير التَعدُّد متماثلين، فإنّه حينئذ يَستلزم وحدة المحلّ وحدة الحالّ، فلا يجوز حلول مِثلين، كسوادين مثلاً في محلٍّ واحد.

وذلك لما تقرّر من أن تكثّر النّوع الواحد يتوقّف على كون ذلك النّوع قائماً بمادّة إن كان جوهراً، أو موضوع إن كان عرضاً، إذ لا تميّز هناك بالماهيّة ولا باللّوازم للاتّحاد فيهما، ولا بالعوارض، لوجوب استنادها إلى


1 . يعني يجوز أن يحلّ اثنان في محلّ واحد سواء كانا جوهرين كالهيولى الواحدة الّتي يحلّ فيها الصّورة الجسميّة والنّوعيّة أو عرضيّة كالجسم الواحد الّذي يحلّ فيه السّواد والحركة والحرارة. وهو ما أفاده الشّارح الجديد.
2 . فإنّه لا يمكن أن يحلّ المثلان في محلٍّ واحد، وهذا هو المعبّر عنه بأنّ اجتماع المثلين محال.


صفحه 57

خارج ونسبة غير مختلفة إلاّ أن يكون مادّة لها، أو موضوعاً مع وحدتهما يرتفع إلاثنينيّة.

وما ذكرنا أولى من أن يقال: والاتّصاف بالعوارض يتوقّف على امتياز سابق، فيدور حينئذ، إذ يمنع وجوب سبق الامتياز إلاّ إذا فرضت العوارض موجودة في الخارج، لوجوب تقدّم الموضوع، لكن ذلك غير لازم، فتدبّر.

فإن قيل (1): لو تمّ ما ذكرتم لدلّ على امتناع حلول المثلين في محلّ واحد على سبيل التعاقب أيضاً .

قلنا: يكفي هناك مغايرة الزّمانين مميّزاً، كما عرفت في مبحث التشخّص .(2)


1 . القائل هو الشّارح القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 138 .
2 . لاحظ الجزء الثّاني من هذا الكتاب: 182 / المبحث الأوّل من المسألة السّابعة.


صفحه 58

المسألة السّادسة

في أنّ وحدة الحالّ يستلزم وحدة المحلّ

قال: بخلاف العكس.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان أنّ وحدةَ الحالِّ يستلزم وحدةَ المحلّ، فلا يَجوز قيامُ عرض واحد مثلاً بمَحلّين .

وإليه أشار بقوله: بخلاف العكس.

وذلك لأنّه لو جازَ حُلولُ حالٍّ واحد بمحلّين، لزم أن لا يَنفصل الواحد عن الاثنين، إذ حال ذلك بعينه حال الاثنين الحالّين في محلّين، وهذا الحكم ضروريّ.

وقد يُنبّه عليه أيضاً بأنّه لو جازَ ذلك، لجازَ حصول جسم واحد في مكانين، لأنّ البديهة لا تفرق بينهما .

ومع ذلك قد توهّم ذلك جماعةٌ من الأقدَمين (1) في الإضافات


1 . نسبه الرّازي إلى جمع من قدماء الفلاسفة ; ونسبه العلاّمة الحلّي والأسترآبادي إلى بعض الأوائل من الفلاسفة; ونسبه التّفتازاني والشّارح القوشجي إلى بعض قدماء المتكلمين والفلاسفة. أنظر: محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخرين: 86 ; وكشف المراد: المسألة الرّابعة من الفصل الأوّل من المقصد الثاني ; البراهين القاطعة: 1 / 267 ; وشرح المقاصد: 2 / 151 ; وشرح تجريد العقائد: 139 .


صفحه 59

المتشابهة الأطراف، كالتّقارب والتّجاور والأخوّة، إلى غير ذلك .

وأبو هاشم من المعتزلة في التّأليف بمحلّين ، فزعم أنّه (1) عرضٌ واحدٌ قائمٌ بجُوهَرين فَردَين، وإنّ هذا هو الموجب لصعوبة الإنفكاك بين أجزاء الجسم.(2)


1 . أي التّأليف .
2 . ما ذكر حجّة أبي هاشم، وأجيب: بالمنع من كون علّة المنع من التّفكيك هي التأليف القائم بمحلّين، بل صعوبة التّفكيك مستندة إلى القادر المختار، بأن يلصق أحدهما بالآخر، فإنّ هذا أولى من التزام المحال. لاحظ : نهاية المرام في علم الكلام: 1 / 298 ; والمواقف في علم الكلام: 104 .


صفحه 60

المسألة السابعة

في أنّ الانقسام غير مستلزم من الطّرفين

قال: وأمّا الانقسام، فغير مستلزم من الجانبين.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان أنّ انقسامَ المحلِّ لا يَستلزم انقسامَ الحالِّ، ولا انقسامَ الحالِّ انقسامَ المحلِّ،(1) كما قال: وأمّا الانقسام، فغير مستلزم من الجانبين.(2)

يعني على الإطلاق، بل فيه تفصيل: فإن كان الانقسام إلى أجزاء غير


1 . وذهب قوم إلى أنّ انقسام المحلّ يقتضي انقسام الحالّ; لاستحالة قيامه مع وحدته بكلّ واحد من الأجزاء; لما ظهر من امتناع حلول الواحد الشّخصي في مَحالَّ متعدّدة كاستحالة حلوله في واحد منها فقط وانتفاء حلوله فيها، فتعيّن حلول بعضه في بعضها، فيكون منقسماً إلى أجزاء متباينة في الوضع كالمحلّ .
وأمّا الحالّ فإنّه لا يقتضي انقسامه انقسام المحلّ، فإنّ الحرارة والحركة إذا حلاّ محلاًّ واحداً لم يقتض ذلك أن يكون بعض المحلّ حارّاً غير متحرّك وبعضه متحرّكاً غير حارٍّ. لاحظ : كشف المراد: المسألة الرّابعة من الفصل الأوّل من المقصد الثّاني; والبراهين القاطعة: 1 / 268 .
2 . يعني أنّ طبيعة انقسام المحلّ لا تستلزم انقسام الحالّ ; فإنّ الوحدة والنّقطة والإضافاتِ كالأُبوّة والبنوّة أعراضٌ قائمة بمَحالَّ منقسمة وهي غير منقسمة، أمّا الوحدة والنّقطة فظاهر، وكذا الإضافات فإنّه لا يعقل حلول نصف الأبوّة والبُنوّة في نصف ذات الأب أو الابن. هذا ما افاده العلاّمة الحلّي والأسترآبادي.


صفحه 61

متباينة في الوضع، بل إلى أجزاء معنويّة، كانقسام الجسم إلى الهيولى والصّورة، أو إلى الجنس والفصل.

فظاهر أنّ انقسامَ شيء منهما بهذا الانقسام لا يستلزم انقسام الآخر، وإن كان الانقسام إلى أجزاء متباينة.

فانقسام الحالّ كذلك يَستلزم انقسام المحلّ كذلك لا محالة.(1)

وأمّا انقسام المحلّ، فإن كان حلول الحالّ فيه من حيث ذاته المنقسمة، كـ "حلول السّواد للجسم " فيستلزم انقسام الحالّ لا محالة، وإن كان حلوله لا من حيث ذاته المنقسمة، بل من حيثيّة أُخرى، كـ "حلول النّقطة في الخطّ من حيث الانتهاء "فلا يستلزم انقسام الحالّ.


1 . ذهب قومٌ إلى أنّ الحالّ لايقتضي انقسامه طبيعة انقسام المحلّ; فإنّ الحرارة والحركة إذا حلّتا محلاًّ واحداً، لم يقتض ذلك أن يكون بعض المحلّ حارّاً غير متحرّك، وبعضه متحرّكاً غير حارّ.


صفحه 62

المسألة الثّامنة

في استحالة انتقال العرض (1)

قال: والموضوع من جملة المشخّصات.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان استحالة انتقال الأعراض (2) من موضوع إلى موضوع، واكتفى في ذلك بأنّ العرض يتوقّف تشخّصه على الموضوع، فإنّه حينئذ لو انتقل عنه زال تشخّصه، فيزول شخصه على ما قال: والموضوع من جملة المشخِّصات .

فإنّك قد عرفت في مبحث التّشخّص (3): أنّ ما به التّشخّص قد يستند إلى المادّة بالمعنى الشّامل للموضوع، وذلك حيث يتوقّف حصول التّشخص للماهيّة على انضمام أُمور مستندة إلى المادّة، أو إلى الموضوع،


1 . راجع لمزيد التحقيق إلى: إلهيّات الشّفاء: 1 / 134 ـ 139 / الفصل السابع من المقالة الثالثة ; ونقد المحصل: 177 ـ 178 ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 152 ـ 154 / الفصل الحادي عشر من الكتاب الثّاني; وشرح تجريد العقائد: 141 ـ 143 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 285 ـ 291 .
2 . باتفاق المتكلمين والفلاسفة. لاحظ : محصل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين: 85 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 258 ; و شرح المواقف: 5 / 27. وقال العلاّمة الحلّي في بعض مصنفاته: ذهب جماعة المشّائين إلى استحالة الانتقال على الأعراض. انظر: الأسرار الخفيّة: 443 .
3 . لاحظ : الجزء الثّاني من هذا الكتاب: 182 / المبحث الأوّل من المسألة السّابعة.


صفحه 63

فما قيل في هذا الموضع من التّشكيكات مبيّنةٌ على عدم التّحقيق في المبحث المذكور.

فإن قيل (1): يجوز أن يكون موضوعات متعدّدة كلّ منها يفيد تشخّصه على سبيل التّعاقب، فلا يلزم من انتقاله عن واحد زوال تشخّصه الموجب لزواله .

قلنا: ذلك من قبيل توارد العلل على معلول واحد شخصيٍّ، وقد عرفت امتناعه مطلقاً.

وقال المحقّق الدّواني: «العقل السّليم ينقبض عن توارد الموضوعات على وصف واحد بالعدد، بل إذا لاحظ تزايل أُمور على أمر واحدبالعدد، يحكم بحسب الفطرة بأنّ الثّابت هو الموصوف، والزّايل هو الوصف.

ثمّ نعم ما قال هذا المحقّق: والحقّ أنّ أصل الدّعوى أظهر من هذه البيّنات»(2).

ولعلّه تفطّن لما أورده عليه سيّد المدّققين: «من أنّ انقباض العقل عمّا ذكره غير مسلّم، بل العقل السّليم يحكم بأنّ محال الصوّر النّوعيّة النباتيّة والحيوانيّة تتبدّل في حال النّمو والذّبول مع بقاء الصّور النّوعيّة بحالها، فيتزايل المحال على حال واحد.


1 . نقله الشّارح القوشجي وأجاب عنه. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 140 ـ 141 .
2 . شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصدّر: 190 .


صفحه 64

فلِمَ لا يجوز مثل ذلك في العرض وموضوعه لا بدّ لنفي ذلك من دليل»(1).

واعلم أنّ هذا الحكم غير مختصّ بالعرض، بل شاملٌ للصّورة أيضاً بالنّسبة إلى المادّة.

لكن المصنّف لما ذهب إلى بساطة الجسم، وعدم تركّبه من المادّة والصّورة ـ كما يأتي عن قريب ـ خصّ هذا الحكم بالعرض .


1 . شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصدّر: 190 .


صفحه 65

المسألة التّاسعة

في جواز قيام العرض بالعرض (1)

قال: وقد يفتقر الحالّ إلى المحلّ بتوسّط.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان أنّ العرضَ يَجوز أن يكون محلاًّ لعرض آخرَ، وإن لم يجز كونه موضوعاً كما مرّ .

وإليه أشار بقوله: وقد يَفتقر الحالّ إلى المَحلّ بتوسّط ، كالسُّرعة الحاليَّة في الحركة الحالّة في الجسم، وذلك ظاهرٌ جدّاً غير محتاج إلى دليل .

فإن أراد المتكلّمون بنفي جواز قيام العرض بالعرض ما يشمل ذلك، فبطلانه ظاهر.

وإن أرادُوا نفي كون العرض موضوعاً للعرض كما هومذهب المصنّف، فلا ينافي ذلك.


1 . اتّفق المتكلّمون على امتناع قيام العرض بالعرض خلافاً للفلاسفة ومعمّر من المتكلّمين، معمرّ بن عباد السّلمي المعتزلي من أهل البصرة المتوفى (220 هـ . ق). انظر المحصّل: 178 ـ 179 ; ومحصلّ أفكار المتقدّمين والمتأخّرين: 85 ـ 86 ; والمباحث المشرقيّة: 1 / 154 ـ 155 / الفصل الثّاني عشر من الكتاب الثّاني; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 292 ـ 294 ; وشرح تجريد العقائد: 142 ـ 143 ; ومقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين: 358 ـ 361 .


صفحه 66

وأما ما ذهب إليه الحكماء من جواز قيام العرض بالعرض، فقريب ممّا اختاره المصنّف.

قال الشيخ في " الهيّات الشفاء ": «وأمّا أنّه هل يكون عرض في عرض؟ فليس بمستنكر، فإنّ السّرعة في الحركة، والاستقامة في الخط، والشّكل المسطّح في البسيط، وأيضاً، فإنّ الأعراض تنسب إلى الوحدة والكثرة، وهذه كما سنبيّن لك كلّها أعراض.

والعرض وإن كان في عرض فهما جميعاً معاً في موضوع، والموضوع بالحقيقة هو الّذي يقيمهما جميعاً. انتهى». (1)فليتدبّر .

واعلم، أنّ هاتين المسألتين من حيث أخذهما المصنّف القائل بنفي الحال الجوهري ـ أعني: من حيث اختصاصها بالعرض ـ خارجتان عن مقصد الفصل، لكن لما كان مأخذها أعمّ من ذلك أوردهما فيه .


1 . إلهيّات الشّفاء: 1 / 58 / الفصل الأوّل من المقالة الثّانية.


صفحه 67

المسألة العاشرة

في ماهيّة الجسم (1)

إنّ هذه المسألة في تحقيق ماهيّة الجسم، وبيان أنّه جوهرٌ متصّلٌ في نفسه قابلٌ للانقسامات الغير المتناهية، على ما هو مذهب الحكماء،(2) لا أنّه


1 . راجع لمزيد التحقيق في هذا البحث إلى: طبيعيّات الشّفاء: 1 / 184ـ 223 / الفصل الثالث إلى الفصل العاشر من المقالة الثالثة ; والنجاة: 126 ـ 129 و 158 ـ 159 / القسم الثّاني من النّجاة في الحكمة الطّبيعيّة / المقالة الثانية ; والمباحثات: 363 ـ 364 / برقم 1136 ; والمباحث المشرقيّة: 2 / 8 ـ 41 / الفصل الثّاني إلى الثّامن من الفنّ الأوّل ; وشرح حكمة العين للمبارك شاه: 214 ـ 223 / المسألة الأُولى من البحث الثّاني ; وشرح تجريد العقائد: 143 ـ 148 ; وشرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 8 ـ 33 ; والمحاكمات على شرحي الإشارات المطبوع مع شرح الإشارات: 2 / 8 ـ 34 ; والحكمة المتعالية في الأسفار: 5 / الفنّ الأوّل ; التصوّر الذري: الباب الأوّل والثّاني.
2 . قال صدر المتألهين: وهم افترقوا ثلاثة فرق، ففرقة ذهبت إلى أنّ الجسم جوهر بسيط هو الممتدّ في الجهات المتّصل بنفسه اتّصالاً مقداريّاً جوهريّاً قائماً بذاته الّذي يقبل القسمةَ خارجاً ووهماً وعقلاً، وهو رأي أفلاطون الإلهيّ ومذهب شيعته المشهور بالرواقيّين وشّيخ الإشراق، وأبو البركات البغدادي، والمحقق الطوسي.
وفرقة إلى أنّه جوهرٌ مركّبٌ من جوهرين: أحدهما صورة الاتصال والآخر الجواهر القابل لها، وهم أصحاب المعلّم الأوّل، وأبو نصر الفارابي، وأبو علي بن سينا.
وفرقة إلى أنّه مركّب من جوهر وعرض هو الاتصال المقداري، وهو ما ذهب إليه شيخ الإشراق في التلويحات. لكن الشارحين لكلامه مثل محمد الشهرزوري وابن كمونة شارح "التلويحات "والعلاّمة الشيرازي شارح " حكمة الإشراق " كلّهم اتّفقوا على عدم المنافاة بين ما في الكتابين في المقصود، قائلين أنّ الفرق يرجع إلى تفاوت اصطلاحيّ فيهما.
لاحظ : الحكمة المتعالية في الأسفار: 5 / 16 ـ 17 / الفصل الأوّل من الفنّ الأوّل ; واللّمحات في الحقائق: 111 ـ 113 / اللّمحة الأُولى من العلم الثّاني ; والمعتبر في الحكمة: 3 / 195 / الفصل العاشر ; وكشف المراد: المسألة السادسة من الفصل الأوّل من المقصد الثاني ; والأجوبة عن مسائل البيروني للشيخ الرّئيس: 419 / المسألة الرّابعة ; والتلويحات: 14 ; والدّعاوي القلبيّة: 7 ; وعيون المسائل للفارابي: 71 / برقم 15 ; والكون والفساد: 119 ـ 127، الباب الثاني .


صفحه 68

مركّب من الأجزاء الّذي لا يتجزّأ متناهية، على ما هو مذهب جماعة من الأقدمين وجمهور المتكلمين،(1) أو غير متناهية (2)، كما هو مذهبُ طائفة أُخرى من الأقدمين، والنظّام(3) من المعتزلة .(4)

ولا أنّه مركّب من أجسام صغار صلبة غير متجزئة بالفعل، وغير قابل


1 . ومنهم أبو الهذيل العلاّف من أئمّة المعتزلة المتوفى (226 أو 235 هـ . ق) ; وهشام بن عمرو الفوطيّ الشّيباني المتوفى (246 هـ)، والجبّائي المعتزلي المتوفّى (303 هـ . ق)، ومعمّر بن عباد المعتزلي المتوفّى (220 هـ . ق)، وابن ميثم البحرانيّ المتوفّى (699 هـ . ق). لاحظ : مقالات الإسلاميّين: 314 ـ 320 ; وقواعد المرام في علم الكلام: 52 ـ 56 .
2 . اتّفق الحكماء والنّظام وبعض الأقدمين من الحكماء على عدم انتهاء الجسم في القسمة إلى الجزء الّذي لا يتجزأ، إلاّ أنّه عند النّظام والأقدمين موجود بالفعل في الجسم، وعند الحكماء يستحيل وجوده بالفعل. لاحظ : إرشاد الطالبين: 48 ـ 49 .
3 . هو أبو اسحاق إبراهيم بن سيّار بن هاني البصري النظّام المتوفّى (231 هـ . ق) .
4 . قال الرّازي في المباحث المشرقيّة: 2 / 9، فهو مذهب النظّام ومن الأوائل انكسافراطيس (400ـ 314 ق. م). وفي المطالب العالية: 6 / 20، فهذا هو مذهب النظّام من المعتزلة وهو أيضاً منسوب إلى جمع من قدماء الفلاسفة، وقال العلاّمة الحلّي في إيضاح المقاصد: 249، وهو مذهب جماعة من الأوائل ومذهب النظّام. وقال أبوالحسين الخيّاط: «وإنّما أنكر إبراهيم أن تكون الأجسام مجموعة من أجزاء لا تتجزّأ وزعم أنّه ليس من جزء من الأجسام إلاّ وقد يقسمه الوهم بنصفين». الانتصار: 33 .


صفحه 69

للتجزّي بالفعل، مع كونها قابلة للقسمة الوهميّة، كما هو مذهب ذيمقراطيس من الأقدمين.(1)


1 . لاحظ : المباحث المشرقيّة: 2 / 10 ـ 11 ; والحكمة المتعالية في الأسفار: 5 / 17 ; وشرح المقاصد: 3 / 22 ; وشرح حكمة العين: 215 / المبحث الثّاني من المقالة الثالثة من القسم الأوّل ; وايضاح المقاصد: 249 / المسألة الأُولى من المقالة الأُولى من القسم الثّاني، وفي الآخرين ونسب إليه وإلى اتباعه .
   وهاهنا مذهب آخر وهو أنّ الجسم مركّب من أجزاء بالقوّة، لكنّه يقبل القسمة المنتهية إلى حدّ لايقبل القسمة، وبعبارة أُخرى: أنّه متّصل واحد كما في الحسّ لكنّه قابل لانقسامات متناهية. هذا قول نسب إلى محمّد الشهرستاني وفخر الدّين الرّازي وطائفة من الحكماء. انظر: شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 9 ; وشرح حكمة العين: 215 ; ومناهج اليقين في أُصول الدّين: 25 ; وارشاد الطالبين: 48. ولكن قال الرّازي: وهذا القول لم يقل به أحد إلاّ محمّد الشهرستاني في الكتاب الّذي سمّاه بـ «المناهج والبيانات». لاحظ : المطالب العالية من العلم الالهي: 6 / 20 .


صفحه 70

هاهنا مباحث:

المبحث الأوّل

في نفي الجزء الّذي لا يتجزّأ(1)

قال: ولا وجود لوضعي لا يتجزّأ بالاستقلال، لِحَجْبِ المتوسّط والحركة الموضوعين على طَرَفَي المركّب من ثلاثة، أو من أربعة على التّبادل.

أقول: فالمطلوب في هذه المسألة يتوقّف على نفي الجزء الّذي لا يتجزّأ، وعلى إثبات أنّ كلّ ما هو قابلٌ للقسمة الوهميّة، فهو قابل للقسمة الإنفكاكيّة.

فابتدأ بالأوّل فقال: ولا وجود لوضعي الّذي وضع يقبل الأشارة الحسيّة.


1 . لاحظ البحث في الكتب التالية: حكمة الاشراق: 88 ـ 89 ; والألواح العِماديّة: 6 ـ 7 ; ومطالع الأنظار في شرح طوالع الأنوار: 246 ـ 249 ; ونقد المحصّل: 183 ـ 188 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 417 ـ 450 / الفصل الأوّل من النّوع الأوّل ; والأسرار الخفيّة في العلوم العقليّة: 228 ـ 235 ; ايضاح المقاصد: 250 ـ 256 ; وارشاد الطالبين: 47 ـ 55 ; والأربعين في أُصول الدّين للرّازي: 2 / 3 ـ 17 / المسألة السابعة والعشرون ; والمطالب العالية: 6 / 19 ـ 166 / المقالة الأُولى والثانية ; وشرح المقاصد: 3 / 21 ـ 65 / المبحث الثاني إلى الرّابع من المقصد الرّابع ; وأبكار الأفكار: 2 / 271 ـ 289 ; شرح الهداية الأثيريّة لصدر المتألّهين: 18 ـ 31 ; وشرح الهداية الأثيريّة للميبدي: 14 ـ 15 .


صفحه 71

فاحترز عن الجواهر المجرّدة، فإنّها ممّا لا يتجزأ، لكنّها ليست بقابلة للإشارة الحسيّة، لا يتجزّأ; أي لا يقبل القسمة أصلاً .

والمراد هو القسمةُ إلى الأجزاء المتباينة في الوضع، وهي أجزاءٌ يصحّ أن يقال: لكلٍّ منها أينٌ من صاحبه، وهي على أقسام ستعرفها.

بالاستقلال، متعلّق بوضعيّ، أو بقوله: «لا وجود» لما فيهما من معنى الفعل .

وهو احتراز عن النّقطة، لكونها عرضاً غير مستقلّ بالوجود والإشارة، فمجموع قوله: «وضعيّ لا يتجزّأ بالاستقلال» تعريف للجزء الّذي لا يتجزّأ، ويقال له الجوهر الفرد (1) أيضاً .

والمراد من «نفيه»، هو نفيُهُ من حيث يتركّب من الجسم، واحتجّ عليه بوجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: ما أشار إليه بقوله: لِحَجْبِ المتوسّط ; أي لوجوب أنّ يحجب الجزء الواقع فيما بين الجزأين بحيث يتلاقي الثّلاثة، حيث لا يمكن تركّب الجسم المتّصل بحسب الحسّ من دون أن يقع فيه أجزاء كذلك عن تلاقيها، وذلك ـ أعني: وجوب الحَجْبِ ـ لأنّه لولا ذلك لزم التّداخل بين


1 . الجوهر الفرد عند المتكلّمين هو العنصر الأوّل في تكوين الأجسام الّذي لا يقبل التجزئة والانقسام .
   وهو الّذي يسمّى اليوم بـ «الذّرة»، وهو في الفيزياء والكيمياء أصغر جزء من أجزاء المادّة العنصريّة، ولا يمكن تجزئته، ومع فرض تجزئته لا تصدق عليه لفظة «الذّرة»، لأنّها موضوع للجزء الّذي لا يتجزّأ.


صفحه 72

الجزء الوسط واحد الطّرفين; أي صيرورتهما يتّحدا في الوضع والحجم، وهو محالٌ مع كونه موجباً، لعدم حصول الحجم للأجسام.

وإذا وَجَبَ الحَجْب، لزم انقسام الحاجب، لأنّ ما به يلاقي أحد الطّرفين غير ما به يلاقي الآخر، وإلاّ لزم التَّداخل ; وعدم الحجب المفروض، وكلاهما محالان، بل انقسام كلّ واحد من الثلاثة، فإنّ في كلّ من الطّرفين يجب أن يبقى شيء غير ما به تلاقي الوسط، وإلاّ لزم التّفاوت في الأجزاء، وهو مبنيٌّ بالفرض، لكون كلّ منها غير قابل للقسمة، والتّفاوت يوجب قبول القسمة.

وأمّا استحالة التّداخل، فضروريّة على أنّه مناف لتركُّبِ الجسم ذِي الحَجم في الجهات الثّلاث منها، إذ التَّداخل يجعل الحَيّزين حَيّزاً واحداً، فكلُّ ذلك الأجزاء يكون حينئذ في حيّزِ جزء واحد، ومع ذلك فالمداخلة بين الجزأين إنّما يكون بعد المماسّة بينهما، فالملاقي من أحد الجزأين عند المماسّة غيرالملاقي منه عند المداخلة، فينقسم إلاّ أن يقال: إنّ الأجزاء خلقت متداخلة لا أنّها خلقت غير متداخلة، ثمّ تداخلت، ليلزم ما ذكرتم، وفيه ما فيه .

الوجه الثّاني: ما أشارإليه بقوله: ولحركة الموضوعين على طَرَفِي المركّب من ثلاثة; أي لوجوب التّلاقي بين الجزأين المتحرّكين الموضوعين على طرفي خطّ مركّب من أجزاء وِتر (1) كالثّلاثة متوجهّاً كلّ منهما إلى


1 . بكسر الواو وفتحها وسكون التاء وكسرها (الوِتْر والوَتْر) في اللّغة بمعنى الفرد، وفي الهندسة (بتفح الواو والتاء ـ الوَتَر) أحد أضلاع المثلّث، ويطلق أيضاً على الخطّ المارّ بمركز الدائرة من حيث انقسامها به على قسمين.


صفحه 73

الآخر حركة على السّواء في السّرعة والبطء والابتداء، فإنّه لابدّ حينئذ من ملاقاتهما، ولا يمكن ذلك إلاّ بأن يشغلا جميعاً الوسط، بأن يكون شيء من الوسط مشغولاً بأحدهما، وشيء آخر منه بالآخر، فيلزم انقسام الوسط، بل الخمسة كما عرفت.

فإن قيل: هذا يتوقّف على إمكان وجود الجزء على الانفراد ليمكن وضعه على الطّرف، وهو غير لازم على تقدير تركّب الجسم من الأجزاء.

قلنا: لا يتوقّف عليه، بل يكفي فرض مخروطين يوضع رأسهما على الطّرفين، ويحرّكان على الوجه المذكور، لكن قد يمنع إمكان الحركة إلى الوسط، إذ شرط انتقالهما إلى الوسط إمكان فراغ يسعهما معاً، ولا يتحقّق في الجزء الوسط فراغ يَسعهما، بل إنّما يَسع أحدهما فقط، فيقفان قبل الوسط .

كذا في " المواقف (1) " : وفيه تأمّل .

الوجه الثالث: ما أشار إليه بقوله: أو أربعة على التّبادل ; أي لوجوب التّحاذي بين المتحرّكين لموضوعين على طرفِ خط مركّب من أجزاء شفع، كالأربعة حركة على السّواء، كما مرّ، لكن على التّبادل ; أي بأن يكون أحدهما فوق الخطّ والآخر تحته، فلابدّ أن يكون موضع المحاذاة بين الجزأين الوسطين، بأن يكونا على ملتقى الوسطين، فيكون بعض من كلّ منهما على بعض من أحد الوسطين، وبعضه الآخر على البعض الآخر منه، فيلزم انقسام الأجزاء الأربعة جميعاً .


1 . المواقف في علم الكلام: 190 .


صفحه 74

أدلّة الحكماء على انقسام الجسم

إلى غير النهاية (1)

قال: ويَلْزَمُهم ما يشهَد الحسُّ بكذبه من التّفكيك وسكونِ المتحرّك وانتفاءِ الدّائرة.

أقول: واعلم، أنّ على هذا المطلب (2) أدلّة كثيرة جدّاً ومع كثرتها محصورة في سبعة أنواع على ما تتبعنا:

النّوع الأوّل: ما يتعلّق بالمحاذاة

ومنه: أنّا إذا فرضنا تركُّب صَفحة من أجزاء لا يتجزّأ، ثُمّ قابَلْنا بها الشّمس، فإنّ الوجه المضي منها الّذي يَلي الشّمس غير الوجه المظلم الّذي يَلينا بالضّرورة، فيجب كون تلك الأجزاء منقسمة .

النّوع الثّاني: ما يتعلّق بالحركة، والمماسّةِ

ومنه: ما ذكره المصنّف من الأدّلة الثّلاثة.

ومنه: أيضاً أنّ ملاقاةَ جزء مع جزء يجب أن يكون بالأسر، وإلاّ لزم أن


1 . لاحظ : نهاية المرام في علم الكلام: 2 / 466 ـ 686 ; وشرح المقاصد: 3 / 45 ـ 50 ; وشرح المواقف: 7 / 20 ـ 32 ; والحكمة المتعالية في الأسفار: 5 / 29 ـ 38 .
2 . أي في قابليّت انقسام الجسم بالجزء الغير المتناهية.


صفحه 75

يقبلَ الإنقسام إلى ملاق وغير ملاق، هذا خلف .

وحينئذ (1)، فكلّ قدر من الأجزاء تلاقت وإن كانت آلاف ألوف كان مقدار الجميع مقدار جزء واحد، فكيف يحصل منها جسم .

ومنه: أيضاً أنّه إذا دار خطّ حول نفسه بان يثبت طرف منه ويدار، فالجزء الطّرفي الثّابت:

إمّا أن يدور حول نفسه، ولا يتصوّر إلاّ بأن ينتقل الشّمالي منه إلى الجنوبي، والشّرقي إلى الغربي، إلى غير ذلك من الجهات، فينفرض في الجزء هذه الجهات وينقسم بحسبها، هذا خلف .

أو لا يدور، فهو ثابتٌ، والجزء الّذي فوقه يدور حوله، ففي تمام زمان حركته كلّ أن يفرض فيه يكون هو في طرف من الجزء الثّابت، فيثبت له أطراف وينقسم، هذا خلف .

النّوع الثّالث: ما يتعلّق بالسّرعة والبطء

وحاصله: أنّ أحد الأمرين لازم: إمّا انتفاء تفاوت الحركة بالسّرعة والبطء، وإمّا تجزأ الأجزاء الّتي فرض عدم تجزيها، والأوّل منتف، فالثّاني ثابتٌ .

بيان الملازمة من وجهين: أحدهما: أنّ السّريع إذا قطع جزءاً واحداً، فالبطيء لا يقف، لأنّ البطء ليس بتخلّل السّكنات كما يأتي، بل يقطع: إمّا


1 . أي حين الملاقاة بالأسر.


صفحه 76

جزء أيضاً، أو أقلّ منه، إذ لا مجال لقطعه أكثر، فعلى الأوّل ينتفي التّفاوت بين السّرعة والبطء، وعلى الثّاني ينقسم الجزء.

وثانيهما: أن نبيّن أنّ هاهنا حركة سريعة، وبطيئة متلازمتين، بحيث يستحيل انفكاك إحداهما عن الأُخرى، فيستغني عن الاستعانة، بأنّ البطء ليس بتخلّل السّكنات .

وذلك في خمسة صُور:

الأُولى: أنّ الطّوق الأعظم من الرّحى أسرع من الدّائرة الصّغيرة الّتي عند قطبها، كما سيأتي .

الثّانية: فرجار ذو شعب ثلاث، فيثبت واحدة، وتدار اثنتان حتّى يرسما دائرتين كبيرة وصغيرة تتمان معاً، فهما متلازمتان لا محالة .

الثّالثة: من وضع عقبه على الأرض ويدور على عقبه، فإنّه يرسم دائرتين إحداهما ; وهي أصغر بعقبه، والأُخرى وهي الأكبر بأطراف أصابع القدم .

وإن شئت فرضت الدّائر مادّاً باعَهُ فرأس أصبعه يرسم دائرة أكبر بكثير من الدّائرة الّتي يرسمها عقبه، ونحن نعلم بالضّرورة أنّه لا ينقطع جزءاً جزءاً، كيف؟ وإلاّ لأحسّ بالتقطّع وتألّم به .

وإن شئت فافرضه في الفلك في كوكبين يدور أحدهما عند ا لقطب، والآخر على المنطقة، فحركاتهما متلازمتان، وإلاّ لزم تخرق الأفلاك الموصوفة بالشدّة والإحكام اتّفاقاً .


صفحه 77

الرّابعة: الشّمس مع ظلّ الخشبة المنصوبة حذائها، فإنّ الظلّ يقطع بالانتقاص من الصّباح حين يبدأ طرف الظّل إلى الظّهر قدراً محدوداً من الأرض، كذراع، أو ذراعين مثلاً.

والشّمس في هذا المدّة تقطع تقريباً ربع فلكها من غير توقّف الظلّ عن الحركة، لأنّ الشّعاعَ الخارج من الشّمس المارُّ من رأس الخشبة الواصل إلى طرفِ الظّلّ، إنّما يَقع بخطٍّ مستقيم، كما تشهد به التّجربة .

ووقوف الظلّ يبطل الاستقامة، لأنّ الشّمسَ إذا كانت في ارتفاع، وقد وَصَل منها خطّ شعاعيّ مارَ برأس الخشبة إلى طرف الظّلّ على الاستقامة.

فإذا انتقلت إلى ارتفاع أعلى ولم ينقص الظّلّ أصلاً، كان القدر الواقع من ذلك الخطّ بين رأس الخشبة، وطَرف الظّل باقياً على حاله.

وقد تَغيّر ما كان منه بين الشّمس والخشبة عن وضعه، فلا يكون ذلك القدر الّذي كان متّصلاً به على الاستقامة في وضعه الأوّل متّصلاً به كذلك في وضعه الثّاني، وإلاّ كان خطٌّ واحدٌ مستقيمٌ متّصلاً على الاستقامة بخطّين ليسا في سمت واحد، وهو باطلٌ بالضّرورة.

والخامسة: دَلْو على رأسِ حَبْل مَشدود طرفه الأُخرى بوَتَد في وسط البِئر مع كُلاّب يجعل في ذلك الحبل عند الوَتَدِ ويَمدّ به، فالدَّلو والكُلاّب يَصلان إلى رأس البئر معاً، فالدَّلو قطع مسافة البئر حين ما قطع الكُلاّب نصفه من غير وقوف الكُلاّب بالضّرورة، فقد تلازمت حركة سريعة وبطيئة


صفحه 78

من غير انفكاك، فعندما يقطع السّريعة في هذه الصّور الخمس جزءاً إن قطعت البطيئة أيضاً جزءاً لزم تساوي السّريعة والبطيئة، وهو الأمر الأوّل، أو أقلّ من جزء لزم التجزّي، وهو الأمر الثّاني .

النّوع الرّابع: ما يتعلّق بالأشكال الهندسيّة

وهو وجوه:

منها: أنّا نَفرضُ مُربَّعاً من أربعة خطوط منضمّة بعضها إلى بعض كلّ خطٍّ منها مركّبٌ من أربعة أجزاء، فقُطرِ ذلك المربّع أيضاً يكون مركَّباً من أربعة أجزاء،(1) كالضّلع، فيلزم تساوي قُطرِ المربّع مع ضلعه، وهو محال بالحسّ.

والبُرهان: لأنّ وَتَرِ الزّاوية القائمة ; أطول من كلّ واحد من ضلعيها، كما دلّ عليه شكل العُروس (2) من كتاب "الأُصول".(3)


1 . أي الأوّل من الخطّ الأوّل، والثّاني من الثّاني، والثّالث من الثالث، والرّابع من الرّابع .
2 . المقصود منه المرّبع القائم على وترِ المثّلث قائم الزّاوية فلابدّ أن يساوي مجموع مربّع الضلعين الآخرين .
3 . وهو من مصنّفات إقليدس اليوناني، قال صاحب محبوب القلوب: هو كتاب جليل القدر، عظيم النفع، أصل في هذا النّوع، لم يكن في اليونان قبله كتاب جامع في هذا الشّأن، ولا جاء بعده إلاّ من دار حوله، وقال قوله، وما في القوم إلاّ من سلّم بفضله، وشهد بعزيز نبله.
   ولقد كان حكماء اليونان يكتبون على أبواب مدارسهم: لا يدخلنّ مدرستنا من لم يكن مرتاضاً، يعنون بذلك لا يدخلنّها من لم يقرأ كتاب إقليدس. لاحظ: محبوب القلوب: 1 / 375 / برقم 32 .


صفحه 79

لا يقال (1): يجوز (2) أن يكون القُطر أطول، بأن يقع بين أجزاء القُطر خلاء دون أجزاء الضّلع .

لأنّا نقول: وقوع الخلاء بين بعض أجزاء القُطر دون البعض الآخر منه تحكّمٌ محضٌ، فلو وقع، وقع بين كلّ جزأين من أجزائه، وحينئذ يكون القُطر مساوياً لمجموع الضّلعين، لكونه مركّباً من سبعة أجزاء، وهي الأربعة المذكورة مع الثّلاثة الواقعة في الفُرَج الثّلاث، ومجموعُ الضّلعين أيضاً سبعة، لاشتراكهما في جزء واحد، ومساواة قُطر المربّع لضلعه باطل حسّاً وبرهاناً بالشّكل الحماري،(3) هذا إذا كان الخلاء الواقع بين الجزأين قدرُ جزء، ولو كان أقلّ من قدرِ جزء يَلزم انقسام الجزء.

ومنها: أنّا نَفْرضُ مثلّثاً قائِمُ الزّاوية (4) كلّ من ضلعيها مركّباً من عشرة أجزاء .

وقد دلّ شكل العروس على أنّ مربّع (5) وَتَر قائمة المثلّث مساو لمجموع مربّعي ضلعيها، ولكن مربّع كلّ ضلع مائة فمجموعهما مائتان، فالوتر جذر مائتين، وإنّه فوق أربعة عشرة جزء وأقلّ من خمسة عشرة، لأنّ الحاصل من ضرب أربعة عشرة في نفسها مائة وستّة وتسعون، والحاصل


1 . ذكره المحقّق الشريف في شرحه وأجاب عنه. لاحظ: شرح المواقف: 7 / 29 .
2 . في المربع المذكور.
3 . في شرح المقاصد: 3 / 49، «بالشّكل الجاري».
4 . لا حادّة ولا منفرجة .
5 . أي العدد الحاصل من ضربه في نفسه .


صفحه 80

من ضرب خمسة عشر في نفسها مائتان وخمسة وعشرون، فلابدّ أن يكون جذراً لمائتين فيما بينهما، فيلزم انقسام الجزء.

ومنها: أنّا نفرض خطّاً مركّباً من جزأين، ونضع فوق أحدهما جزءاً، فيحصل زاوية قائمة، فوترها يجب أن يكون أقلّ من الثّلاثة وأكثر من الاثنين، لما بيّن أقليدس (1) : «أنّ وتر القائمة يجب أن يكون أقلّ من مجموع ضلعيها وأكثر من كلّ واحد منهما»(2).

ومنها: أنّا نفرض كلاًّ من ضلعي زاوية قائمة خمسة أجزاء، فكان وَتَرها جَذْر خمسين بحكم العُروس، فإذا جرّرنا أحد طرفي الوتر من جانب جزءاً،(3) تحرّك الطّرف الآخر إلى الجانب الآخر أقلّ من جزء، إذ لو تحرّك جزءاً صار أحد الضّلعين ستّة، والآخر أربعة، فيصير الوتر جذر اثنين وخمسين .(4)

ومنها: المُثلّث القائِمُ الزّاوية إذا جَعلنا أحد ضِلعي قائمته منصوباً نحو


1 . الحكيم إقليدس (= Euklespan>) المهندس النجار الصوري (285 ـ 323 ق. م)، هو ابن نطوفرس المظهر للهندسة، المبرّز فيها، وهو يوناني نشأ في الاسكندرية وأنشأ مدرسة مشهورة بالاسكندرية وقام بتنظيم وتنسيق علم الرّياضيات في عصره وضمنه مؤلفه «الأُصول» المحتوي على ثلاثة عشرة مقالة ظلّت حتّى عهدنا هذا، ومن مؤلّفاته الأُخرى: «الظاهرة» و «التقويم» و «البصريات» و «القسمة». راجع: محبوب القلوب: 1 / 375 ـ 378 / المقالة الأُولى برقم 32 ; والموسوعة العربيّة الميسّرة: 185 ; ودائرة معارف القرن العشرين: 1 / 433 .
2 . لاحظ: شرح المقاصد: 3 / 49 .
3 . بحيث يصير الضّلع الّذي من هذا الجانب أربعة أجزاء.
4 . في د : بزيادة جملة «مع كونه بالحقيقة جذر خمسين».


صفحه 81

السّماء، ويكون الضّلعُ الآخر واقعاً لا محالة على سطح الأرض، ثمّ جَرّرنا الطّرف الأسفل من دائرة إلى الجانب المقابل للضِّلع المنصوب، كسلم موضوع على جِدار قائم على سطح الأرض يمدّ أسفله إلى خلاف جهة الجِدار، فلا شكّ أنّه كلّما ينحط رأس الوَتر من شيء من هذا الضّلع المنصوب، يخرج رجل الوَتر عن الضّلع الآخر بشيء، وهكذا إلى أن يصل رأسه إلى أسفل الضّلع المنصوب، فإن كان ما يخرج به أسفله مثل ما ينحطّ عنه أعلاه، لزم أن يكون الوتر مثل أحد الضّلعين وما يساوي الضّلع الآخر، إذ المفروض إنّ مقدار الانجرار، كمقدار الانحطاط، فيكون الوتر، كمجموع الضّلعين، وهو خلافُ الحسِّ والبرهانِ، فوجب أن يكونُ مقدار ما ينجرّ إليه أقلّ ممّا ينحطّ عنه، فإذا انحطّ جزء انجرّ أقلّ من جزء، فيلزم الانقسام.

ومنها: أنّه برهن أقليدس (1) على أنّه يمكن تَنصيف كلّ خطّ نَفرض، فإذا فرضنا خطّاً مركّباً من أجزاء وَتر كالخمسة، فنصفناه، لزم انقسام الجزء الوسط.

ومنها: أنّه برهن (2) أيضاً على أنّه يمكن أن ينقسم كلّ خطٍّ بحيث يكون ضرب مجموعه في أحد قسميه، كمربّع القسم الآخر.

فلو فرضنا تَركّب خطٍّ من ثَلاثة أجزاء وقَسَّمناه على الصّحة، كان أحد


1 . راجع : المطالب العالية: 6 / 165 ; ومناهج اليقين في أُصول الدّين: 28 ; وشرح المقاصد: 3 / 46 ـ 47; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 482 ـ 483 .
2 . راجع : المطالب العالية: 6 / 165 ; ومناهج اليقين في أُصول الدّين: 28 ; وشرح المقاصد: 3 / 46 ـ 47; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 482 ـ 483 .


صفحه 82

جزأيه جزءاً واحداً والآخر اثنين، والحاصل من ضرب الكلّ في الواحد ثلاثة، ومربّع الاثنين أربعة، فوجب أن يكون قسمته لا على الصّحة إلى غير ذلك.

فإن قيل (1): برهان بعض هذه الأشكال ممّا يَبتني على رَسْمِ المُثلّث القائم الزّاوية ومثبتو الجزء لا يقولون به، بل بسائر الأشكال أيضاً كما يأتي .

قلنا: هم مع ذلك لا ينكرون المربّع القائم الزّوايا على ما نقل عنهم الشيخ في " الشّفاء "فهذا المربّع ينقسم بقُطره إلى مثلّثين قائمي الزّاوية.

النّوع الخامس: ما يتعلّق بتشكّل الجزء

وهو أنّه لو وجد الجزء لكان متناهياً ضرورة، فيكون متشكّلاً، لأنّ المتناهي يحيط به حدّ، أو حدودٌ فيعرض له الشّكل فيكون: إمّا مضلّعاً لو كان المحيط به حدوداً، وإمّا كُرة، أو شبيهاً(2) بها، إذا كان المحيط حدّاً واحداً، وكلّ منهما يستلزم الانقسام .

أمّا المُضلّع، فظاهرٌ.

وأمّا الكُرة، فلأنّه لابدّ عند انضمام الكُرة من تخلّل فُرَج يكون كلّ منهما أقلُّ من الكُرة.


1 . تعرّض له صدر المتألهين بهذا اللفظ : «وقعت لبعض النّاس على ابطال الجزء الّذي لا يتجزّأ ممّا يبتني على أشكال غير المربع والمثّلث القائم الزّاوية... الخ». لاحظ: الحكمة المتعالية في الأسفار: 5 / 34 .
2 . كالبيضة ونحوها كالعدس.


صفحه 83

النّوع السادس: ما يتعلّق بالظلّ وانتقاصه

وهو أنّه لاشكّ أنّ كلَّ جسم يصير ظلّه مثله في وقت مّا، وحينئذ يكون بالضّرورة نصف ظلّه ظلّ نصفه، فظلّ الجسم الّذي طوله أجزاء وَتر يكون له نصف هو ظلّ نصف ذلك الجسم، فينتصف الجسم وينقسم الجزء.

النّوع السابع: ما يتعلّق بابطال الجزء في نفسه مع قطع النّظر عن تركّب الجسم عنه

وهو أنّ البديهة شاهدة بأنّ كلَّ جزء (1) متحيّزٌ بالذّات ما يَلي منه إحدى الجهات غير ما يلي منه الجهة الأُخرى منها (2)، ففيه شيء دون شيء بالضّرورة، ولو فرضاً.

لا يقال: ما يلي منه الجهات إنّما هي أطرافه القائمة به لا أجزاءه الدَّاخلة فيه .

لأنّا نقول: ننقل الكلام إلى تلك الأطراف وما يقوم هي به، فينتهي لا محالةَ إلى انقسام الجزء، وحينئذ فلا حاجة في نفي تَركُّب الجسم من الأجزاء إلى برهان.

فَلعلَّ الغرض من تكثير تلك الأدلّة إنّما هو تعديد مفاسد مترتّبة على


1 . في د: لفظ «جزء» ساقط .
2 . في د : جملة «الجهة الأُخرى» ساقطة.


صفحه 84

هذا الرّأي، وإلزامهم بها على طريق المجادلة، وهم يتَفصون عن أكثر تلك المفاسد بالمُنوع والمكابرات، ويلتزمون بعضها فممّا التزموه، ما أشار إليه المصنّف بقوله: ويَلْزَمُهم; أي القائلين بتركّب الجسم من الأجزاء الّتي لا يتجزّأ بوجوه(1):

الأوّل: ما يشهَد الحسُّ بكذبه من التّفكيك، بين أجزاء الرَّحى حالة الحركة.

بيان ذلك (2): أنّ القوم (3) ألزموهم بأنّ الجسم لو كان مركّباً من الأجزاء الّتي لا يتجزّأ، فإذا فرضنا خطّاً خارجاً من مركز الرَّحى (4) إلى محيطها مركّباً من الأجزاء الّتي لا يتجزّأ ـ على ما هو رأيكم ـ فعند تحرّك الرّحى إذاً تحرّك الجزء الأبعد من هذا الخطّ، وهو الّذي على المحيط جزءاً واحداً من المسافة، فالجزء الّذي يليه من جانب المركز:

إمّا أن يتحرّك جزءاً من المسافة أيضاً، أو أقلّ منه، إذ لا مجال للأكثر .

وإمّا أن يسكن، فلو تحرّك أقلّ من الجزء، لزم انقسامه، وإن تحرّك جزءاً، نقلنا الكلام إلى الجزء الثّالث من الخطّ، والرّابع إلى الجزء الّذي يلي المركز، فإن تحرّك شيء منها أقلّ من جزء، لزم الانقسام، وإن تحرّك كلّ منهما جزءاً، لزم تساوي مسافة الجزء الّذي يلي المركز وحركته لمسافة


1 . هذه وجوه تدلّ على نفي الجزء الّذي لا يتجزّأ.
2 . لاحظ : البراهين القاطعة: 1 / 273 ; وشرح تجريد العقائد: 145 .
3 . أي القائلين بالجزء الّذي لا يتجزّأ.
4 . أي الدائرة.


صفحه 85

الجزء الّذي على المحيط وحركته وإن سكن، لزم انفكاكه منه، وكذا سائر الأجزاء إلى المركز، فيلزم تفكك أجزاء الرّحى على مثال دوائر يحيط بعضها ببعض، يظهر ذلك باخراج الخطوط المتلاصقة من المركز إلى المحيط من جميع الجوانب .

وهم (1) قلّة التزموا ذلك، وقالوا: لكنّ الفاعل المختار يلصق بعضها ببعض، بحيث لا يشعر الحسّ بالتفكّك للطافة الأزمنة الّتي يقع التّفكّك فيها.

وأنت خبير: أنّ أزمنة اللّصوق قد يكون ألطف بكثير من أزمنة التفكّك، كما إذا كانت نسبة الدائرة العظيمة إلى الصّغيرة، كنسبة الألف إلى واحد مثلاً، فكيف يحسّ باللّصُوق ولا يحسّ بالتفكّك .

و الثّاني: من سكونِ المتحرّك، (2) فيما إذا فرضنا فرساً سار بحركته في نصف يوم خمسين فرسخاً، ولا محالة سارت الشّمس في هذا المدّة رُبع الدّور، فقد قطع الشّمس مسافة جزء: إمّا أن يقطع الفرس أيضاً جزءاً، أو أقلّ، أو يسكن .

فعلى الأوّل: يلزم تساوي الحركتين .

وعلى الثّاني: انقسام الجزء .

وعلى الثّالث: سكون المتحرّك .


1 . أي تكون بالجزء الّذي لا يتجزّأ.
2 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 86

وهم (1) قد التزموه مع تكذيب الحسّ إيّاه، ومكابرة عدم الاحساس بالسّكون للطافة الأزمنة هاهنا، أفحش كما لا يخفى .

وأمّا ما يقال: من أنّ عدم الاحساس بالسّكنات إنّما هو لكونها عدميّة.

فمدفوع: بأنّ العدميّات محسوسة لا محالة بالعرض، وإلاّ لما تميّز السّاكن عن المتحّرّك في الحسّ .

و الثّالث: منْ انتفاءِ الدّائرة (2)، حيث ألزموهم إيّاه بأنّه على تقدير تركُّب الدّائرة من الأجزاء :

فإمّا أن يُتلاقى ظواهر تلك الأجزاء كما يُتلاقى بَوَاطِنها، فيكون مسافةُ ظاهرِ الدّائرة كمسافةِ باطنها، فإذا أحاطت بهذه الدّائرة دائرة أُخرى، كان حكمها مثل حكمها،(3) فيكون باطنُ المُحاطةَ كظاهر المُحِيطة،(4) لتساويه مع ظاهرها المساوي لباطن المحيطة المساوي لظاهرها، وهكذا يجعل الدّوائر بعضها محيطاً ببعض إلى أن يبلغ دائرة تساوي منطقة الفلك الأعظم، فيلزم تساوي صغيرة (5) جدّاً مع عظيمة لأعظم منها.

وإمّا أن لا يُتلاقى ظواهر تلك الأجزاء مع تَلاقي بَوَاطِنِها فيلزم الانقسام، لأنّ الجوانب المُتلاقِيَة غير الغير المُتلاقية (6).


1 . أي تكون بالجزء الّذي لا يتجزّأ.
2 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
3 . أي الأُولى .
4 . الدّائرة.
5 . من تلك الدّائرة العظيمة.
6 . أي غير الجوانب الّتي لم يتلاق .


صفحه 87

وقد يقرّر هكذا: إمّا أن يكون بإزاء كلّ جزء من المُحاطة جزء من المُحِيطة، فيلزم مساواتها، أو يكون بازاء بعض الأجزاء أزيد من جزء، فيلزم انقسام الجزء بالجملة يلزمهم انتفاء الدّائرة، بل انتفاء الأشكال المُسَطِّحة مطلقاً، كما قيل لجريان التَقريرين في المُضَلِّعات أيضاً كما لا يخفى .

وقد التزموه وقالوا: إنّ البصرَ تخطى في أمر الدّائرة، بل هي شكلٌ مُضَرَّسٌ; أي كثير الأضلاع يشبه الدّائرة حسّاً لكثرة أضلاعه وعدم إنفراج زواياه، بحيث لا يظهر عند الحسّ، وليست بدائرة حقيقة.

وقد تؤيّد بأنّ شروط صدق الاحساس بشيء أن يكون على قدر يمكن للقوّة الحاسّة إدراكه، كما في الذّوات المَبْثُوثة، والأصوات الخفيّة، فلعلّ التّضاريس كذلك.

وأورد (1) عليه: أنّ التّضْريسَ إن كان أصغر من الجزء، لزم انقسام الجزء، وإلاّ، فكيف يُرى الجزء ولا يُرى ما هو مساو له أو أكبر؟

لا يقال: لهم أن يَمْنَعوا كون الجزء الواحد محسوساً .

لأنّا نقول: يلزمهم كون مجموع التَّضارِيس محسوساً، كمجموع الأجزاء، فتأمّل.

ثمّ إنّ الشّيخ في " الشّفاء (2) " ألزمهم وجود الدّائرة، بأنّه إذا فرض الشّكل المرئي مستديراً مُضَرَّساً وكان موضع منه أخفَض من موضع حتّى


1 . المورد هو الشّارح القوشجي: لاحظ : شرح تجريد العقائد: 146 .
2 . طبيعيّات الشفاء: 1 / 190 ـ 192 / الفصل الرّابع من المقالة الثّالثة.


صفحه 88

إذا طبق طرفا خطّ مستقيم على نقطة تفرض وسطاً وعلى نقطة في المحيط في موضع كان أطول.

ثمّ إذا أطبق على الجزء المركزي وعلى الجزء الّذي ينخفض من المحيط كان أقصر أمكن أن نتمّم قصره بجزء أو أجزاء، فإن كان زيادة الجزء لا تسويه، بل يزيد عليه، فهو ينقص عنه بأقلّ من جزء، وإن كان لا يتّصل به، بل يبقى فرجة، فليدبّر في الفرجة هذا التّدبر.

فإذا ذهب الانفراج إلى غير النّهاية، ففي الفرج انقسام بلا نهاية، وهذا خلف على مذهبهم .

وقد يقال أيضاً: إنّا إذا فرضنا خطّاً مستقيماً محدوداً كالمركّب من خمسة أجزاء مثلاً واثبتنا أحد طرفيه وأدرنا الطّرف الآخر إلى إن عاد إلى موضعه الأوّل، فلا محالة يحصل سطح مستو محاط بالخطّ المستدير بحيث يكون بعد كلّ من أجزائهِ إلى موضع الطّرف الثّابت على السّواء، فلو كان هناك تَضريسٌ بمعنى كثرة الأضلاع والزّوايا يَلزم كونُ بعض أجزائه أقرب إلى موضع الطَّرف الثّابت وبعضها أبعد، وهذا خُلفٌ، أو بمعنى كثرة الخلل والفرج وهو أيضاً محالٌ، وإلاّ يلزم الطّفرة ـ أعني: عدم موافاة الخطّ المذكور ـ في حركة جميع أجزاء المسافة، وبطلانها مسلّم عندهم.

وأمّا ما ذكره " شارح المقاصد ": «من أنّ فرضَ حركة الخطّ المذكور على الوجه المذكور ; محضُ توهّم لا يُفيد إمكان المفروض، فضلاً عن


صفحه 89

تحقّقه»،(1) ولو سلّم، فإنّما هو على تقدير اتّصال المقادير.

وأمّا على تقدير تركّبها من الأجزاء الّتي لا يتجزّأ، فهو ممنوعٌ لأدائهِ إلى المحال، فلا يخفى كونه مكابرةٌ محضة، كيف والعقل يجزم بإمكان ذلك في نفس الأمر مع قطع النّظر عن كون الخطّ متّصلاً أو لا، هذا.


1 . لاحظ : شرح المقاصد: 3 / 49 .


صفحه 90

المبحث الثّاني

في بيان أدلة مثبتي الجزء الّذي لا يتجزأ

والجواب عنها (1)

قال: والنّقطةُ عرضٌ بالمنقسم باعتبار التّناهي.

والحركة لا وجود لها في الحال ولا يلزم نفيّها مطلقاً.

والآن لا تَحقُّقَ له خارجاً.

ولو تركَّبَتِ الحركةُ ممّا لا يتجزّأ لم تكن موجودةً.

أقول: ولمّا فرغ المصنّف عن إيراد الحُجَج وإلزام المَفاسد أراد أن يُشير إلى الأجوبة عن حُجَجِهم .

الأُولى: أنّ النّقطة موجودة (2) كما سيأتي من وجود الأطراف .


1 . راجع لمزيد التحقيق : نقد المحصّل: 184 ـ 186 ; قواعد المرام في علم الكلام: 51 ـ 56 ; أنوار الملكوت في شرح الياقوت: 19 ـ 20 ; المطالب العالية من العلم الإلهي: 6 / 29 ـ 59، الفصل الرابع والخامس من المقالة الأُولى ; نهاية المرام في علم الكلام: 2 / 430 ـ 438 ; واشراق اللاهوت في نقد شرح الياقوت: 54 ـ 59 .
2 . لأنّها نهاية الخطّ، ولأنّ الخطّ إنّما يلاقي غيره بالنّقطة، وهي غير منقسمة اتّفاقاً، ولأنّها لو انقسمت لم تكن طرفاً ونهاية، بل أحد الجزئين يكون هو الطّرف والنّهاية، والآخر داخل في الخطّ، ويلزم من وجودها وجود الجزء، لأنّها إن كانت جوهراً ثبت المطلوب، وإن كانت عرضاً، افتقر إلى محلّ وهو جوهرٌ، وإلاّ تسلسل ويكون غير قابل للقسمة، وإلاّ انقسمت، هذا خلف. هذا ما أفاده العلاّمة في أنوار الملكوت وكشف المراد.


صفحه 91

وأيضاً نفرض كرة حقيقية تماسّ سطحاً مستوياً حقيقيّاً، وهما موجودان باعترافكم، وتماسّهما ممكن بالضّرورة.

فما به المماسّة موجود بالضّرورة، إذ لا معنى للتماسّ بالمعدوم، وهو غير منقسم، وإلاّ فهو خطّاً وسطح، ولانطباقه على السّطح المستوي، فهو مستقيم إن كان خطّاً، أو مستو إن كان سطحاً، فلا يكون المفروض كرة حقيقيّة، لاستحالة أن يوجد على محيطها خطّ مستقيم، أو سطح مستو بالضّرورة، فهو نقطة، وهي إن كانت جوهراً ثبت المطلوب، وإن كانت عرضاً فمحلّها إن كان منقسماً، لزم انقسام النّقطة، لأنّ الحال في المنقسم لابدّ أن يكون منقسماً، فهو غير منقسم، وهو المطلوب .

والجواب: أنّ الحال في المُنقسم من حيث هو منقسمٌ، يجب أن يكون مُنقسماً، وأمّا الحال في المنقسم لا من حيثُ هو مُنقسمٌ، بل من حيثيّة أُخرى، كالتَّناهي أو التَّماس، فلا يجب انقسامه، وحُلُول النّقطة من هذا القبيل.

وإلى هذا أشار بقوله: والنّقطةُ عرضٌ قائمٌ بالمنقسم (1) باعتبار التّناهي.


1 . ولا يلزم من انقسام محلّها انقسامها لأنّ قيامها باعتبار التّناهي، فإنّ انقسام المحلّ إنّما يلزم انقسام الحال إذا كان حلوله فيه من حيث ذاته المنقسمة كحلول البياض في الجسم وحلول النّقطة في المحلّ المنقسم ليس من حيث ذاته المنقسمة، بل من حيث هو متناه غير منقسم. لاحظ : القول السّديد في شرح التجريد: 135 .


صفحه 92

وإنّما اكتفى بذكر التّناهي، لأنّ التّماس أيضاً باعتبار التّناهي كما لا يخفى .

الثّانية: أنّ الحركة موجودة لا محالة، فوجودها يجب أن يكون في الحال لا في الماضي لمضيّه، ولا في المستقبل، لأنّه لم يوجد بعد، فهما معدومان، فهي غير منقسمة، وإلاّ لزم سبق أحد جزئيّها على الآخر، لكونها غير قارّ الذّات، فلم يكن ما فرض موجوداً موجوداً بتمامه، هذا خلف ومنطبقة على المسافة، وهو ظاهرٌ، فالمسافة الّتي بازائها أيضاً غير منقسمة وإلاّ لزم انقسام الحركة، لأنّ الحركة في أحد جزئي المسافة جزء الحركة في الجزأين، وهو المطلوب.

والجواب من وجهين:

الوجه الأوّل: لا نسلّم أنّ الماضي والمستقبل معدومان مطلقاً، بل في الحال، فلا يلزم من نفي وجود الحركة في الحال نفي وجودها مطلقاً.

وإليه أشار بقوله: والحركة لا وجود لها في الحال، فلا يلزم نفيُها مطلقاً.

وهذا الجواب ظاهرٌ في الابتناء على وجود الحركة بمعنى القطع في الخارج .

والمشهور من مذهب الحكماء، والظّاهر من كلام الشّيخ في "الشّفاء "(1)، هو نفيُها .


1 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 1 / 262 ـ 266 / الفصل الثّاني من المقالة الرّابعة.


صفحه 93

وسيأتي تحقيق الأمر في مبحث الأعراض (1) إن شاء الله العزيز .

والوجه الثّاني من الجواب: أنّا لا نسلّم أنّ الحركةَ موجودةٌ إن أردتُّم به الحركة بمعنى القَطع الّتي هي المُنطَبِقة على المسافة .

ونُسلّم ذلك إن أردتُّم بها الحركة بمعنى التوسُّط (2) لكنّها غير منطبقة على المسافة، فلا يلزم من وجودها وعدم انقسامها وجود الجزء الّذي لا يتجزّى في المسافة.

ويمكن حمل كلام المصنّف عليه بإرادة أنّ الحركة الّتي استدللتم بها ـ أعني: المنطبقة على المسافة ـ لا وجود لها في الخارج، فلا وجود لها في الحال، ولا يلزم من ذلك نفي الحركة مطلقاً، لكون الحركة بمعنى التوسّط لغير المنطبقة على المسافة موجودة لا محالة، فيكون في الكلام استخدام.(3)

وعلى هذا يكون جواباً عن تقرير آخرَ أيضاً لهذه الحُجّة، وهو أنّ الحركة إن لم يوجد في الحال لم يوجد أصلاً، لأنّ الماضي كان حالاً، والمستقبل سيصير حالاً، والفرض أنّه لا وجود للحركة فيما هو حال، فلا وجُودها في شيء من الأزمنة، ولا شكّ في عدم انطباق الوجه الأوّل من الجواب على هذا التّقرير .


1 . يأتي في الجزء الرّابع بإذن الله.
2 . أي وهي كون المتحرّك بين المبدأ والمنتهى بحيث تكون موجودة في كلّ جزء فُرِضَ .
3 . لأنّه يقصد لفظة الحركة معنى ومن الضّمير الرّاجع فيها معنى آخر .


صفحه 94

الثّالثة (1): أنّ الآن ; أي المسمّى بالحال والحاضر من الزّمان موجود، وإلاّ لم يكن الزّمان موجوداً أصلاً، لكون الماضي والمستقبل معدومين (2) كما مرّ، وغير منقسم لما مرّ في الحركة، والحركة الواقعة فيه أيضاً غير منقسمة،(3) وكذا المسافة المنطبقة هي عليها، فيلزم وجود الجزء .

فإن قلت: وقوع الحركة في الآن يقتضي وجود الجزء سواء كان الآن موجوداً في الخارج، أو لا، فلا فائدة في أخذ وجوده في الدّليل، ولا يستقيم الجواب بمنع تحقّق الآن في الخارج.

قلت: الآن إذا لم يكن موجوداً في الخارج، ولا يكون جزءاً من الزّمان الموجود فيه، لم يلزم وقوع الحركة فيه، إذ الآن من حيث هو آن، ليس من ضروريّات وجود الحركة، بل ما هو ضروريّ لوجودها إنّما هو الزّمان.

فإذا ثبت أنّ الموجود من الزّمان ليس إلاّ الآن، ثبت إنّ ما هو ضروريّ للحركة من الزّمان إنّما هو الآن، لكونه هو الزّمان الموجود، لا لكونه آناً، فاخذ وجود الآن إنّما هو ليصير جزء من الزّمان الموجود المعتبر في الحركة عند الخصم، فليتفطّن.


1 . أي الحجّة الثّالثة.
2 . لأنّ الماضي صار معدوماً والمستقبل لم يوجد بعد وإذا كان الآن موجوداً فهو غير منقسم وإلاّ لزم سبق بعضه على بعض فلم يكن الجميع آناً هذا خلف .
3 . لأنّه إذا لم ينقسم، لم تنقسم الحركة الواقعة فيه وإلاّ كان بعض الحركة في الآن وبعضها سابقة أو لاحقة هذا خلف.


صفحه 95

والجواب: أنّ الآن لا تحقّق له خارجاً (1)، ولا ينقسم الزّمان إليه أصلاً، بل إنّما ينقسم إلى الماضي والمستقبل بحسب الفرض .

والمراد بالآن: هو الفصل المشترك بينهما، كالنّقطة المفروضة في وسط الخطّ، ولا يلزم من عدم تحقّق الآن في الخارج ; عدم تحقق الزّمان فيه .

كما لا يلزم من عدم تحقّق النّقطة المذكورة (2) في الخارج عدم تحقّق الخطّ فيه، وأمّا لزوم عدم تحقق الزّمان من انحصاره في الماضي والمستقبل المعدومين .

فالجواب عنه ما مرّ من كونهما معدومين في الحال لا مطلقاً، أو بمنع وجود الزّمان الممتدّ الّذي بإزاء الحركة القطع، بل الموجود من الزّمان هو المسمّى بالآن السّيال الّذي بإزاء الحركة بمعنى التوسّط .

ولو قرّرت هذه الحُجّة كما قرّرت الحُجّة الثّانية ثابتاً، وهو أنّه لو، لم يكن الحال موجوداً لم يكن الزّمان موجوداً، لأنّ الماضي كان حالاً، والمستقبل سيصير حالاً، والفرض أنّه لا وجود لما هو حال .(3)

فتقرير الجواب عنه: أنّا لا نسلّم أنّ الماضي كان حالاً والمستقبل سيصير حالاً، إذ الحال ممّا لا تحقّق له في الخارج كما عرفت .


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
2 . أي المفروضة.
3 . فلا وجود للزّمان.


صفحه 96

ثمّ إنّهم لمّا استدّلوا بوجود الحركة على وجود الجزء أراد المصنّف أن يشير إلى أنّ هذا عجيب، لأنّ وجود الجزء نفي وجود الحركة، فكيف يستدلّ به ؟

فقال: ولو تركّبتِ الحركةُ ممّا لا يتجزّأ لم تكن موجودة.

بيان ذلك (1): أنّه على تقدير تركّب المسافة من الأجزاء الّتي لا يتجزأ، فالمتّحرك من جزء إلى جزء يليه:

إمّا أن يتّصف بالحركة حال كونه في الجزء الأوّل (2) وهو باطلٌ، لأنّه لم يأخذ بعد في الحركة .

أو حال كونه في الجزء الثّاني (3) وهو أيضاً باطلٌ، لأنّه قد انتهت الحركة، ولا واسطة بينهما ليتّصف بالحركة هناك.

لا يقال: يوصف بالحركة في أوّل زمان حصوله في الجزء الثّاني، فإنّ الحركة عندهم هو كون الأوّل في المكان الثّاني .

لأنّا نقول: الحركة الّتي استدلّوا بها على وجود الجزء هي الحركة المتّصلة (4) القابلة للقسمة إلى أجزاء غير قارّة على سبيل الجدل (5)، لا الحركة الّتي هم قائلون بها، ألا ترى أنّهم أخذوا عدم القرار في دليلهم؟ فليتدبّر.


1 . بيان الملازمة.
2 . الّذي هو المبدأ.
3 . الّذي هو المنتهى مثلاً.
4 . في نفسها لا في الحسّ.
5 . فلذا دليلهم الزاميّ لا برهانيّ.


صفحه 97

ثمّ لا يخفى: إنّ حقّ الكلام كان أن يقول: لو تركّبت المسافة ممّا لا يتجزّأ لم تكن الحركة موجودة.

وذلك (1) لأنّ الموجب لانتفاء الحركة إنّما هو تركّب المسافة، سواء كانت الحركة أيضاً مركّبة أو لا، كما ظهر من تقرير الدّليل، لكنّهم لما استدلّوا بإثبات ما لا يتجزّأ في الحركة على إثبات ما لا يتجزّأ في المسافة، وجعلوا تركّب الحركة ممّا لا يتجزّأ دليلاً على تركّب المسافة.

وضع المصنّف الدّليل موضع المدلول عليه، والمراد هو ما ذكرنا، هذا.

واعلم، أنّ القول بتركّب الجسم من الأجزاء الّتي لا يتجزّأ ينقسم إلى قولين :

الأوّل: القول بتناهي تلك (2) الأجزاء، وهو مذهب جماعة من الأقدمين وأكثر المتكلّمين.

الثّاني: القول بعدم تناهيها، وهو مذهب طائفة أُخرى من الأقدمين، والنّظام من المعتزلة، وهو وإن لم يقل بالجزء ابتداءً، بل قال بقبول الجسم للانقسام لا إلى نهاية، لكن لما كان من مذهبه أنّ حصول الأقسام من لوازم قبول الإنقسام، زعم أنّ جميع الانقسامات الّتي لا يتناهى حاصل في الجسم بالفعل، فصرّح بأنّ في الجسم أجزاء غير متناهية موجودة بالفعل، فلزمه القول بالجزء الّذي لا يتجزّأ، لأنّه إذا كان كلّ انقسام ممكن في الجسم


1 . أي تعليل للحقيقة.
2 . أي القسمة ينتهي إلى حدّ لا يكون قابلاً للقسمة أصلاً.


صفحه 98

حاصلاً فيه بالفعل، فما لا يكون من الإنقسامات حاصلاً في الجسم امتنع حصوله فيه، فيكون أجزائه غير قابلة للانقسام، فقد وقع فيما كان هارباً عنه، والمشهور من مذهبه في الجسم وإن كان كونه مركّباً من اللّون والطّعم والرّائحة وما اشبه ذلك من الأعراض إلاّ أنّ هذه عنده جواهر لأعراض، بخلاف مثل الأكوان والاعتقادات، والآلام واللّذات وما اشبه ذلك.


صفحه 99

المبحث الثّالث

في إبطال مذهب النظام (1)

قال: والقائلُ بعدم تناهي الأجزاء الّتي لا يتجزّأ في الجسم يلزمه مع ما تقدّم النّقضُ بوجود المؤلّف ممّا يتناهى ويفتقر في التّعميم إلى التّناسب.

ويلزمه عدمُ لحوق السريع البطيءَ .

وأن لايقطع المسافَةَ المتناهيةَ في زمان متناه.

أقول: فلمّا فرغ المصنّف من نقض مذهب القائلين بالجزء من حيث هو جزء أراد نقض القائلين به من حيث عدم تناهي الأجزاء .

فقال: والقائلُ بعدم تناهي الأجزاء الّتي لا يتجزّأ في الجسم (2)، يلزمه(3) مع ما تقدّم من المفاسد المترتّبة على القول بالجزء من حيث هو جزء النقضُ بوجود المؤلّف ممّا يتناهى في ضمن كلّ جسم.


1 . راجع: طبيعيّات الشّفاء: 1 / 188 / الفصل الرّابع من المقالة الثالثة ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 451 ـ 453 ; ومناهج اليقين في أُصول الدّين: 29 ـ 30 ; وارشاد الطّالبين: 52 ـ 54 ; الحكمة المتعالية في الأسفار: 5 / 38 ـ 41 ; وشرح تجريد العقائد: 147 ـ 149 ; وشرح المقاصد: 3 / 34 ـ 35 .
2 . سقطت في أكثر النّسخ، جملة «الّتي لا يتجزّأ الجسم» .
3 . أي أنّ النظّام هو وإن لم يكن قائلاً بالجزء الّذي لايتجزّأ وتركّب الجسم منه إلاّ أنّه لزمه ذلك من حيث لا يدري.


صفحه 100

فإنّ الجسم إذا كان مؤلّفاً من أجزاء لا يتناهى امكننا اعتبار أجزاء متناهية منها في الجهات الثّلاث، بحيث يكون المؤلّف منها طويلاً عريضاً عميقاً، ولا شبهة في كونه كذلك موجوداً، لأنّ المؤلّف من الغير المتناهي موجود، كما هو المفروض، ولا يخرج اعتبارنا أجزاء متناهية من جملة الغير المتناهية الموجودة عن كونها موجودة.

فإن قيل (1): سيأتي أنّ النّظام قابل بالتّداخل (2)، فهو وإن لم يمكنه القول بتداخل جميع أجزاء الجسم لمكان الحجم لا محالة، لكن يمكنه أنْ يقول: بأنّ كلّ واحد من تلك الأجزاء المتناهية مؤلّف من أجزاء غير متناهية متداخلة بعضها في بعض .

قلنا: هو إنّما وقع في القول بالأجزاء الغير المتناهية لضرورة القول بقبول الجسم للإنقسامات الغير المتناهية كما مرّ.

فلابدّ أن يكون تلك الأجزاء الغير المتناهية بحيث يكون الجسم منقسماً إليها بالانقسام المقداري المستلزم لكون الأجزاء متبانية، فلا ينفعه كون كلّ من تلك الأجزاء المتناهية (3) مؤلّفاً من أجزاء غير متناهية متداخلة.

فإن قيل: ما يلزم النّظام هو أن يكون كلّ جزء منقسماً بالفعل، لأن لا يكون هناك جزء غير منقسم أصلاً، لما مرّ من أنّه إنّما وقع في هذا القول


1 . ذكره الشّارح القوشجي وأجاب عنه. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 148 .
2 . أي وجوّز تداخل الجوهر بعضها في بعض.
3 . في د: قوله: والمتناهية مؤلّفاً من أجزاء غير متناهية ـ إلى ـ أو متناقصة مقدار جميعها غير متناه الخ» ـ يعني سطور قبل المبحث الخامس ـ ساقط.


صفحه 101

لضرورة القول بقبول الجسم الانقسامات الغير المتناهية، كما هو مذهب الحكماء.

والجسم إنّما يقبل هذه الانقسامات كذلك ; أي بحيث يكون كلّ جزء أيضاً قابلاً للقسمة ; ولا ينتهي إلى جزء لا يكون قابلاً للقسمة ; ولا ينتهي إلى جزء يكون قابلاً للقسمة، فكلّ انقسام هو عند الحكماء بالقوّة يكون عنده بالفعل، فكلّ جزء من تلك الأجزاء يكون منقسماً بالفعل إلى أجزاء غير متناهية، فلا يتمّ النّقص بالمؤلّف منها.

قلنا: وجود الوحدة الحقيقيّة ضروريّ في كلّ كثرة، إذ لا يتصوّر الكثرة من دون وحدة كذلك، فإنّ الواحدَ المنقسم بالفعل يكون كثيراً في الحقيقة لا واحداً، فكلّ كثرة لابدّ أن ينتهي إلى واحد لاينقسم بالفعل بالضّرورة، فيعتبر المؤلّف من تلك الآحاد فيتمُّ النّقض لا محالة.

فإذا انتقض الموجبة الكلّية الّتي ادّعاها النّظام المؤلّف من الأجزاء المتناهية، لأنّه يحصل حينئذ سالبةً جزئيّةً هي نقيضُ تلك الموجبة الكلّية، فلو أردنا الكلّية، وتعميم التّأليف من الأجزاء المتناهية لكلّ جسم.

قلنا (1): هذا الجسم المؤلّف من أجزاء متناهية له حجم متناه وأجزاء متناهية، وغيره من الأجسام له حجم متناه لتناهي الأبعاد وأجزاء غير متناهية كما هو المفروض.

ولمّا كان إزدياد الحجم بحسب إزدياد الأجزاء لا محالة، وجب أن


1 . وكذا قول الشّارح القوشجي: لاحظ: شرح تجريد العقائد: 148 .


صفحه 102

يكون نسبة الحجم إلى الحجم كنسبة الأجزاء إلى الأجزاء .

لكنّ، الأُولى: نسبة متناه إلى متناه.

والثّانية: نسبة متناه إلى غير متناه.

فيلزم أن يكون نسبة المتناهي إلى المتناهي، كنسبة المتناهي إلى غير المتناهي وهو محال، فيجب أن يكون كلّ جسم متناهي الأجزاء.

وهذا معنى قوله: ويفتقر في التعّميم إلى التّناسب .

فإن قيل: نسبة الحجم إلى الحجم نسبة مقداريّة، ونسبة الأجزاء إلى الأجزاء نسبة عدديّة.

فلا يجب اتّحاد النّسبتين لما تقرّر في موضعه ; من أنّ نسبة المقدار إلى المقدار قد يكون نسبة ضمنيّة لا يوجد مثلها بين الأعداد، وهي الّتي بين مقدارين إلاّ يوجد لهما عاد مشترك، فإذا نقص الأقلّ من الأكثر يبقى ما هو أقلّ.

ثمّ إذا نقص الأقلّ الثّاني من الأقلّ الأوّل يبقى أقلّ من الأقلّ الثّاني، وإذا نقص الأقلّ الثّالث من الأقلّ الثّاني يبقى أقلّ من الثّالث، وهكذا إلى غير النّهاية، إذ المقدار قابل للانقسامات الغير المتناهية، فيتصوّر فيه ذلك بخلاف الأعداد ضرورة انتهائها إلى الواحد.

قلنا: النّسبة المقداريّة إنّما يجوز كونها مخالفة للنّسبة العددية إذا كانت المقادير متّصلة، وأمّا إذا كانت مؤلّفة من الأجزاء، فلا مخالفة بينهما أصلاً، إذ


صفحه 103

لا يتحقّق حينئذ مقدار حقيقة، بل يكون كلّ مقدار مؤلّفاً من الأجزاء، فيكونُ عدداً لا محالة، لاشتماله على واحد بعده، كالعدد بلا فرق وهو الجزء لكون المفروض إنّ بازدياد الأجزاء يزداد الحجم، فيكون بنقصانها ينتقص الحجم لا محالة، على أنّا لو تنزّلنا عن ذلك وفرضنا كون المقدار حينئذ مقداراً حقيقة.

نقول: قد بيّن أُقليدس في الشّكل الخامس من المقالة العاشرة من كتاب "الأُصول ": إنّ نسبة مقدار إلى مقدار قد يكون نسبة عدد إلى عدد، وذلك إذا كان المقداران متشاركين، والتّشارك في المقادير: هو أن يكون لها مقدار واحد بقدرها، فعلى تقدير تركّب المقدار من أجزاء لا يتجزّأ يكون كلّ مقدارين متشاركين، لأنّ الجزء الواحد قدر ممّا لا محالة، سواء كان له مقدار في نفسه، أو لم يكن، لما مرّ من أنّ بازدياد الأجزاء يزداد المقدار وبنقصانها ينتقص، فيكون نسبة الحجمين حينئذ نسبة عدديّة لا صميّة لا يوجد إلاّ في المقادير .

وظهر من هذا على ما قال المحقّق الدّواني: انّه لو كان المقدار مركّباً من الأجزاء الّتي لا يتجزّأ لم يتحقّق النّسبة الصّم، فتحقّق النّسبة الصّميّة بين المقادير دليل آخر على عدم تركّبها من الأجزاء الّتي لا يتجزّأ.

ويلزمه (1) أيضاً عدمُ لحوق السّريع البطيءَ، لأنّ السّريع إذا قطع جزءاً قطع البطيء أيضاً جزءاً إذ لا أقلّ من الجزء، وهو ليس قائلاً بتحلّل السّكنات كما يقول به القائل بتناهي الأجزاء.


1 . أي النّظام .


صفحه 104

فظهر اختصاص هذا الوجه بإبطال مذهب النّظام. وعدم جريانه فيما إذا كانت الأجزاء متناهية كما توهمه الشّارح القوشجي (1)، فيلزم أن لا يلحقه أبداً.

وأيضاً يلزمه (2) أن لا يقطع (3) المسافةَ المتناهيةَ في زمان متناه، إذ لا يمكن قطعها إلاّ بعد قطع نصفها، ولا قطع نصفها إلاّ بعد قطع نصف نصفها، وهكذا إلى ما لا نهاية له، فامتنع قطعها إلاّ في زمان غير متناه.

وقد أورد مثل هذين الوجهين على مذهب الحكماء من القول بقبول الجسم الانقسام الغير المتناهي بالقوة أيضاً وسيأتي .


1 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 148 .
2 . أي النظّام.
3 . الجسم.


صفحه 105

المبحث الرّابع

في إبطال الطّفرة والتّداخل (1)

قال: والضّرورة قضت ببطلان الطّفرة والتّداخل.

أقول: ولمّا فرغ عن إيراد الالزام على النّظام، أشار إلى دفع ما تقضى عنها، وهو التزام التّداخل (2); لدفع برهان التّناسب بمنع كون نسبة الحجم إلى الحجم نسبة الأجزاء إلى الأجزاء، لمكان تداخل الأجزاء بعضها في بعض .

والتزام الطفرة لدفع الالزامين الأخيرين.

وهي في اللّغة الوثبة (3)، يقال: طَفَر يَطْفَر طَفَراً، والمراد هنا انتقال


1 . لاحظ البحث: المطالب العالية من العلم الإلهي: 6 / 109 ـ 113 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 454 ـ 460 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 29 ـ 30 ; شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 16 ـ 21 ; والمحاكمات: 2 / 17 ـ 27 ; وشرح المقاصد: 3 / 36 ـ 39 ; الحكمة المتعالية في الأسفار: 5 / 40 ـ 44 ; وشرحي الإشارات للطوسي والرّازي: 11 ـ 13 .
2 . وهو التّشابك بين شيئين وفي عرف الحكماء نفوذ بعض الأشياء في بعض بحيث يتّحدان في الوضع والحجم، وبعبارة أُخرى: دخول شيء في شيء آخر بلازيادة حجم ومقدار. انظر: مصطلحات جامع العلوم: 238 ـ 239 ; والتعريفات: 76 برقم 339 .
3 . وبالفارسية: «جستن».


صفحه 106

المتحرّك من جزء من المسافة إلى جزء آخر منها من غير أن يحاذي أجزاء ما بينهما.

وقد يعبّر عنها بترك محاذاة الأوسط، فأشار إلى دفعهما بقوله: والضّرورة قضت ببطلان الطّفرة والتّداخل على سبيل نشر اللفّ من غير ترتيب، كذا، أعني: حمل التّداخل على دفع برهان التّناسب.

وحمل الطفرة على دفع الألزامين الآخرين في " شرح العلاّمة (1) "و " الشّرح القديم "وغيره .

وقال المحقّق الشّريف: المشهور أنّهم التزموا الطّفرة دفعاً، لالزام امتناع لحوق السّريع البطيء، والتزموا التّداخل لالزام امتناع قطع المسافة المتناهية من أجزاء موجودة غير متناهية، كذلك الزّمان المتناهي، فتقابل أجزاء المسافة والزّمان إلى غير النّهاية ولا يمتنع قطعها في زمان متناه، وهذا انسب بسياق كلام المتن، إلاّ أنّ التزام الطّفرة لما كان كافياً لدفع الالزامين، جعل الشّارع التزام التّداخل راجعاً إلى دفع برهان التّناسب. انتهى.

فإن قيل (2): لا حاجة للنّظام إلى الالتزام مكابرة (3) الطّفرة، بل يكفيه


1 . لاحظ : كشف المراد: المسألة السّادسة من الفصل الأوّل من المقصد الثّاني.
2 . القائل هو أبو الهذيل العلاّف المعتزلي المتوفّى (235 هـ). لاحظ : شرح المواقف: 7 / 10 ـ 11 ; وشرح تجريد العقائد: 149 .
3 . أي لا حاجة للنظّام إلى هذه المكابرة وهي القول بالطّفرة وممّا يدلّ على كونه مكابرة إنّما هذا العلم فيحصل خطّ السّواد من غير أن يبقى في خلاله أجزاء بيض وليس كذلك لفرط اختلاط الأجزاء البيض في السّواد بحيث لا امتياز في الحسّ لأنّ الأجزاء مصلقون عنها كثيراً بل لا نسبة لها الأجزاء بالسّواد لكونها غير متناهيّة. لاحظ: حاشية عبد الحكيم لشرح المواقف: 7 / 10 .


صفحه 107

أن يقول: كما أنّ المسافة المتناهية مركّبة من أجزاء موجودة غير متناهية، كذلك الزّمان المتناهي (1) ، فتقابل أجزاء المسافة والزّمان معاً، فيمكن قطعها فيه.

وهذا كما أنّ المسافة المعيّنة يحتمل عند الفلاسفة الانقسام إلى غير النّهاية، ولا يمتنع قطعها في زمان متناه، مع أنّ قطعها يتوقّف على قطع نصفها ونصف نصفها إلى غير النّهاية، وذلك لأنّ كلاًّ من المسافة والزّمان كذلك (2)، لأنّ مثل هذا الالتزام يرد عليه في الزّمان أيضاً، إذ لا فرق بين المسافة والزّمان عنده في الاشتمال على أجزاء غير متناهية بالفعل، فيلزم أن لا يمكن الانتقال من متى إلى متى (3) آخر، كالكون في الغداة إلى الكون في المسألة توقّف ذلك على انقضاء الزّمان الّذي بينهما وهو غير ممكن على أجزاء غير متناهية بالفعل.

ووجوب الموافاة مع كلّ جزء منها وقياس ذلك على مذهب الحكماء بين الحكماء اشتباه بين القوّة والفعل، هذا .

لكن يمكن له (4) التّفصي عن أكثر الالتزامات المترتبة على القول بفعلية الانقسامات الغير المتناهية، بأن يقول: إنّما يلزم كون ازدياد المقدر بحسب ازدياد الأجزاء إذا كانت الأجزاء متباينة .


1 . مشتمل على أجزاء غير متناهية.
2 . أي قابلان للانقسام إلى غير النّهاية.
3 . أي من زمان إلى زمان آخر .
4 . أي النظّام .


صفحه 108

وأمّا إذا كانت متداخلة على سبيل النّصف ونصف النّصف ونصف نصف النصّف وهكذا إلى غير النهاية، فلا يلزم ذلك أصلاً.

فإنّا إذا قسمنا ذراعاً إلى نصفين ونصفه إلى نصفين ـ أعني: إلى ربعين وأربعة إلى نصفين، أعني: إلى ثمنين ـ وهكذا، فيكون الثّمن مثلاً داخلاً في الرّبع لا مضموماً إليه ليصير الحاصل من الانضمام ربعاً وثمناً بحسب المقدار، بل مقدار مجموعهما هو مقدار الرّبع، فيكون المقدار الحاصل من انضمام مجموع الأجزاء، وإن فرضت غير متناهية هومقدار الذراع لا أزيد منه، فلا يلزم شيء من تلك المفاسد.

فإن قلت: تلك الأجزاء ليست متداخلة فقط، بل هناك أجزاء متباينة أيضاً وهي النّصف الباقي، ونصف النّصف الباقي، وهكذا إلى غير النّهاية.

قلت: نعم لكنّها متناقصة، والأجزاء المتناقصة الغير المتناهية ولو كانت متباينة لا يفيد انضمام بعضها إلى بعض مقداراً غير متناه، كما نقله بعض الأفاضل عن بعض العلماء .(1)

ألا ترى أنّ أجزاء كلّ واحد من نصفي الذّراع لا يفيد إلاّ مقدار نصف الذّراع؟

فمجموع الأجزائين لا يفيد إلاّ مقدار الذّراع لا أزيد منه، فكونهما متباينة لا ينفع في ذلك، وذلك لكون كلّ منها على سبيل التّناقص، وإنّما ينفع في ذلك ـ أعني: في ضرورة مقدار المجموع ـ غير متناه كون الأجزاء


1 . لاحظ: الحكمة المتعالية في الأسفار: 5 / 45.


صفحه 109

متساوية، أو متزائدة، كيف، ولو كان كذلك ـ أعني: لو كان الاشتمال على الأجزاء الغير المتناهية المتباينة، ولو كانت متناقصة مستلزماً لعدم تناهي المقدار ـ لزم، وذلك على تقدير اتّصال الجسم أيضاً، فإنّ منشأ زيادة المقدار عند انضمام المقادير بعضها إلى بعض ليس انفصالها وهو ظاهر، بل امتدادها وهو موجود في الأجزاء الفرضيّة على ما قال بعض الأفاضل .

وفيه نظر: لأنّ على تقدير اتّصال الجسم يكون عدم النّهاية بالمعنى اللاّيقفي .

وقد صرّحوا بأن ليس هناك غير متناه بالحقيقة، بل اطلاق غير المتناهي عليه، إنّما هو باشتراك الإسم.

وأمّا ما زعمه سيد المدقّقين: من أنّ الأجزاء الغير المتناهية بالعدد سواء كانت متزائدة، أو متناقصة مقدار جميعها غير متناه، لأنّ المتناقصة إذا عبرت من الجانب الآخر تكون متزائدة .(1)

ففيه: أنّه إنّما يكون كذلك لو أمكن أن يتعيّن من الجانب الآخر مبدأ، وحينئذ يصير متناهية لا محالة.

إذا عرفت ذلك: فسبيل إبطال مذهب النّظام هو ما سيأتي من بيان امتناع خروج جميع الانقسامات الغير المتناهية إلى الفعل .

ثمّ إنّه قد نقل إنّ النّظام استدلّ على تحقّق الطفرة بما توهمه ممّا مرّ


1 . انظر: الحكمة المتعالية في الأسفار: 5 / 45 .


صفحه 110

من حديث الكُلاّب والدّلو، ولا يخفى سقوطه، فإنّه إنّما يلزم ذلك لو كانت حركة الكلاّب والدّلو متساويتين في السّرعة والبطؤ، وليس كذلك، فإنّ حركة الدّلو ضعف حركة الكلاّب، فإنّ الكلاّب إنّما يتحرّك بجذبنا فقط، بخلاف الدّلو، فإنّه يتحرّك بجذبنا وجذب الوتد معاً، هذا.


صفحه 111

المبحث الخامس

في إبطال مذهب ذيمقراطيس (1)

قال: والقسمة بأنواعها تحدّث اثنينية تساوي طباعُ كلّ واحد منها طباع المجموع .

وامتناع الانفكاك لعارض لا يقتضي الامتناع الذّاتي.

أقول: ولمّا فرغ المصنّف عن الأوّل من الأمرين الذّين يتوقّف عليها تحقيق ماهيّة الجسم ـ أعني: نفي الجزء الّذي لا يتجزّأ، وبإبطاله بطل مذهب جمهور المتكلمين والنظّام، وثبت أنّ كلّ ما هو متحيّزٌ بالذّات فهو قابلٌ للقسمة والتجزّي لا محالة، ولو وهماً ـ أراد بيان الأمر الثّاني منهما، وهو أنّ كلّما يقبل الوهمية، فهو قابل للقسمة الإنفكاكيّة قبولاً ذاتيّاً، وإن امتنع حصول الإنفكاك لمانع خارجيّ ليبطل المذهب المنسوب إلى ذيمقراطيس .(2)


1 . راجع: طبيعيّات الشّفاء: 1 / 184 ـ 187 / الفصل الثالث من المقالة الثالثة ; و شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 32 ـ 35 و 53 ـ 56 ; ونقد المحصل: 190 ـ 192 ; والمحاكمات: 3 / 53 ـ 58 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 31 ـ 32 ; شرح المقاصد: 3 / 51 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 463 ـ 466 .
2 . القائل; بأنّ الجسم يقبل مركّب من أجزاء صغار صلبة متجزّئة في الوهم بحسب الجهات الثّلاث غير قابلة للتّجزئة بحسب الخارج.


صفحه 112

فقال: والقسمّة بأنواعها (1)، إشارة إلى أنّ القسمة إلى الأجزاء المتباينة بالوضع على أنواع:

بيان ذلك: أنّ الانقسام والانفصال: إمّا بحسب الخارج، وإمّا بحسب الذّهن.

والقسمة الخارجيّة: إمّا بحيث يؤدّي إلى إفتراق الأجزاء وهي القسمة الإنفكاكية، أو لا، وهي القسمة باختلاف عرضين قارّين كالسّواد والبياض في الجسم الأبلق .

والقسمة الذّهنية، أعني: ما لا يكون هناك انفصال بحسب الخارج; بل يكون بحسب فرض الذّهن انفصالاً فيه :

إمّا أن يكون بسبب حامل يحمل الذّهن على ذلك الفرض، وهي القسمة بحسب اختلاف عرضين غير قارّين كما سيتبيّن، أو محاذاتين.

وإمّا أن لا يكون بسبب حامل ; فإمّا بحيث يتعيّن الأجزاء، بأن يشير الذّهن إليها بهذا; أو ذلك، وهي القسمة الوهمية، أو لا يتعيّن، بل بأن يفرض الذّهن أنّ في المقسوم شيئاً دون شيء من غير أنْ يشير إليهما بهذا; وذلك، وهي القسمة الفرضيّة، وهذا معنى قولهم: إنّ القسمة الوهميّة ما يكون بحسب التّوهم جزئيّاً، والفرضيّة ما يكون بحسب فرض العقل كليّاً، وكثيراً ما يطلقان بمعنى واحد.


1 . الثلاثة، أعني: الإنفكاكيّة، والوهميّة والّتي باختلاف الأعراض الإضافيّة أو الحقيقيّة.


صفحه 113

وقد توهّم بعضهم (1): أنّ القسمة باختلاف عَرضَيْن مطلقاً، من القسمة الإنفكاكيّة، مستنداً بأنّ محلّ البياض مغائر لمحلّ السّواد .

وأنت خبير ممّا أشرنا إليه: بأنّ اختلاف العرضَيْن القارَّين لا يوجب إنفكاكاً في الخارج، وإن أوجب انفصالاً فيه ـ أعني: مغايرة خارجيّة ـ لكن ذلك أعمّ من الإنفكاك واختلاف العرضيّين الغير القارّين ـ أعني: الاضافيّين ـ لا يوجب انفصالاً فيه أيضاً .

وهذا التّوهم: لعلّه إنّما نشأ من النظر في كلام الشّيخ حيث قال: إنّ اختلاف الأعراض يوجب انفصالاً بالفعل، وحيث ذكر القسمة باختلاف الأعراض في " الإشارات (2) " في مقابلة القسمة الوهميّة والفرضيّة، وشيء من ذلك لا يدلّ على ما ذكره، فإنّ الانفصال في الخارج أعمّ من الإنفكاك .

قال المصنّف في " شرح الإشارات ": «الانفصال: إمّا أن يكون مؤدّياً إلى الافتراق، أو لا يكون .

والثّاني يكون: إمّا في الخارج، أو في الوهم.

مثال الأوّل: ما بالفكّ والقطع.

ومثال الثّاني: ما باختلاف عرضَيْن قارَّين.

ومثال الثالث: ما بالوهم. انتهى»(3).


1 . ذكره الشّارح القوشجي وأجاب عنه. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 150 .
2 . لاحظ : الإشارات والتّنبيهات: 191 ـ 193 .
3 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 32 .


صفحه 114

ولا يخفى أنّ المراد ممّا بالوهم ما يشمل الفرضيّة والوهميّة.

ثمّ إنّهم قسّموا القسمة الإنفكاكيّة: إلى ما يكون بآلة نفاذة، وسمّوه قطعاً، وإلى ما لا يكون كذلك، وسمّوه كسراً، فهو يشمل الخرق أيضاً بحسب الاختلاف (1) والاصطلاح .

وبالجملة: فالأقسام الأوّليّة للقسمة هي ما اشتمل عليه كلامُ "شرح الإشارات "المنقول آنفاً، أعني: الإنفكاكيّة وما باختلاف عرضَيْن قارَّين وما بحسب الوهم بالمعنى الأعمّ .

وذميقراطيس يقول بقبول تلك الأجسام الصّغار (2) لجميع أنواع القسمة ما عدا الإنفكاك.

لكن لا شكّ في أنّ تلك الأنواع بأسرها تُحدِث في المقسوم اثنينيّةً يُساوي طِباعُ (3) كلّ واحد منهما (4) طباعَ المجموع،(5) وكذا طباع الجزء الخارج الموافق للمجموع في الماهيّة المنفكّ عنه في الوجود .

وذلك ـ أعني: تساوي طباع الكلّ ـ يوجب أن يجوز على الجزئين المفروضين في المقسوم ما يجوز على الجزئين المنفكيّن، أعني: المقسوم


1 . سقط في د : لفظ «الاختلاف» .
2 . الّتي هي مبادئ للأجسام المشاهدة.
3 . الطّباع: بالكسر مبدأ الأفعال الذاتيّة الكائنة لما هو فيه سواء أكان مع الشّعور أم لا. جامع العلوم: 551 .
4 . أي من القسمين .
5 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 115

الخارج الموافق من الإنفكاك الرّافع للوحدة الاتصاليّة جوازاً ذاتيّاً (1)، وإن امتنع ذلك الإنفكاك بسبب عارض خارج عن الذّات كالصّغر (2) أو الصّلابة أو غير ذلك ،(3) وهذا معنى قوله: و (4) امتناع الإنفكاك لعارض لا يقتضي الامتناع الذّاتي، فجواز القسمة الوهمية، ملزوم لجواز القسمة الإنفكاكيّة.


1 . لأنّ مقتضي الشّيء بحسب طبيعته لا يختلف ولا يتخلّف .
2 . كما في الأجسام المبادئ.
3 . كالصّورة النّوعيّة.
4 . هذا جواب عن سؤال مقدر وهو إن قلت: قد نرى بالوجدان قبول المجموع للقسمة دون كلّ قسم منه. فأجاب بقوله: امتناع الإنفكاك، الخ.


صفحه 116

شبهة مستصعبة

والجواب عنها

وهاهنا شبهةٌ مستصعبةٌ معروفةٌ بشبهة الفطري والطّاري: وهي أنّ الإنفكاك الواقع بين الكلّ والجزء الخارج الموافق إنفكاك بحسب الفطرة، وما يفرض بين جزئي المقسوم إنفكاك طار بعد ما كانا متّصلين في بدو الفطرة، ولا يلزم من وقوع الإنفكاك بين فردين من أفراد طبيعة واحدة في ابتداء الفطرة جواز طريان الإنفكاك عليهما بعدما خلقا متّصلين، نعم يلزم جواز أن خلقا إبتداء منفكيّن، فهو لا يستلزم جواز طريان الإنفكاك عليهما.

وقد أجاب بعض الأعاظم (1) عن هذه الشبهة: بأنّ القسمة المقداريّة مطلقاً هو تحويل وجود واحد إلى وجودين، لكون الوحدة الاتصاليّة مساوقة للوحدة الشخصيّة، فكما أنّ طبيعة الشّيء الواحد تأبى في الفطرة الثّانية عن أن يتوارد عليه الوحدة والتعدّد المقداريّان مع بقاء الوجود الشّخصي بحاله بالبديهة، فكذلك تأبى في الفطرة الأُولى عن أن يتردّد بين أن يقبل الوجود الواحد والوجود المتعدّد، فإنّ البديهة لا يفرق في استحالة توارد الوجودين على الشّيء الواحد بين التّوارد الابتدائي والتوارد الطّاري، فلو لم يجز هذا يجب أن لا يجوز ذاك بالبديهة.


1 . وهو السيّد الداماد. لاحظ: القبسات: 199 ـ 201 / القبس السادس، نقل هنا بالمعنى .


صفحه 117

شبهة أُخرى: كون قبول القسمة الوهمية ملزوماً لقبول القسمة الإنفكاكيّة منقوض بالزّمان، فإنّه عندهم مقدار متّصل قابل للانقسام الوهمي دون الخارجي.

والجواب: أنّ الزّمان من حيث طبيعته المقداريّة لا يأبى عن قبول القسمة الإنفكاكيّة، بل اباؤه عنه إنّما هو من جهة خصوصّية ذاته، ومن جهة امتناع طريان العدم عليه على ما زعموا.

والحاصل: أنّ المانع عن الإنفكاك في الزّمان أمرٌ خارج عن الطّبيعة المقداريّة المطلقة وهو خصُوصيّة ذات الزّمان، فامتناع الإنفكاك هنا ليس لذات المقدار، فلا ينافي الإمكان الذّاتي، وأيضاً من جهة وجوب اتّصال الحركة الّتي هي محلّه على الدّوام والاستمرار.

فإن قلت: هم صرّحوا بأنّ وجوب اتّصال الحركة، إنّما هو لكونها محملاًّ للزّمان وحافظة له، فكيف يجعل وجوب اتّصال الزّمان لأجل وجوب اتّصال الحركة؟

قلت: وجوب اتّصال الزّمان إنّما جعل دليلاً على وجوب اتّصال الحركة لا علّة له في نفس الأمر، كيف، ووجوب اتّصال الحركة لكونها موضوعاً للزّمان يجب أن يكون متقدّماً على وجوب اتّصال الزّمان بالطّبع، فلا يمكن أن يكون معلولاً له ومتأخّراً عنه، بل وجوب اتّصال الحركة إنّما هو من قِبَل النّفس الّتي تعلّقت بتدبير جِرم حاملها، هذا.

فإن قيل: لعلّ تلك الأجسام الصّغار متخالفة بالطبع، فلا يلزم من قبول


صفحه 118

بعضها الإنفكاك قبول جميعها، ولو بنى على قبول ذيمقراطيس توافقها بالطّبع ـ على ما مرّ في المقصد الأوّل ـ كان جدلاً غير مفيد في بيان تحقيق ماهيّة الجسم.

قلنا: قد ثبت في موضعه أنّ طبيعة الامتداد الجوهري طبيعة واحدة محصّلة نوعيّة، فيجب كون مقتضاها واحداً في جميع الأفراد بحسب تلك الطّبيعة الواحدة وإن اختلفت بسبب العوارض الخارجيّة.

قال الشّيخ في " الشّفاء ": الجسميّة المشتركة بين الأجسام بأسرها طبيعة نوعيّة، لأنّ جسميّة إذا خالفت جسميّة أُخرى كان ذلك الاختلاف لأجل أنّ إحداهما حارّة وتلك باردة، وأنّ إحداهما لها طبيعةً فلكيّة والأُخرى لها طبيعةً عنصريّة إلى غير ذلك.

وهذه كلّها أُمورٌ خارجةٌ عن طبيعة الجسم، فإنّ الجسميّةَ أمرٌ موجودٌ في الخارج، والطّبيعة الفلكيّة مثلاً موجود آخرَ قد انضاف هذه الطّبيعة في الخارج إلى تلك الطّبيعة .

فالاختلاف بين الجسميّات إنّما هو بأُمور خارجة عنها منضافة إليها بحسب الخارج، بخلاف المقدار (1) مثلاً، فإنّه ليس شيئاً محصّلاً في نفسه (2) ما لم يتنوّع بكونه خطّاً أو سطحاً .


1 . أي بخلاف الماهيّة الجسميّة كالمقدار مثلاً، وإنّما لم يمثّل بالمقدار لكونه أشد مناسبة للجسميّة .
2 . أي فإنّه أمر مبهم لا يوجد في الخارج ما لم يتنوع بفصول ذاتية، بأن يكون خطّاً أو سطحاً مثلاً.


صفحه 119

إذ ليس المقداريّة موجودة، والخطّية والسّطّحية موجوداً آخر ينضّم إليها في الخارج، بل الخطّية نفسها هي المقداريّة المحمولة عليها، فالمقدار المطلق لا يوجد في نفسه، بل ما لم يتحصّل بفصول منوّعة لا توجد ذاتاً مقرّرة. انتهى .(1)

ومنع انحصار التّخالف بين الجسميّات في تلك الأُمور الخارجة عنها المنضافة إليها بحسب الخارج، وتجويز أن يكون جسميّة الفلك المنضمّة في الخارج إلى الطّبيعة الفلكيّة مخالفة في الحقيقة جسميّة العناصر المنضمّة في الخارج إلى الطّبيعة العنصريّة ويكون مطلق الجسميّة عرضاً عامّاً، أو طبيعة جنسيّة مشتركة بين الجسميّات المتخالفة الحقايق. كما أورده المحقّق الشّريف (2) عليه، مدفوع بالتأمّل الصّادق .


1 . راجع: إلهيّات الشّفاء: 1 / 68 ـ 70 / الفصل الثّاني من المقالة الثّانية. نقل في المقام بتوضيح .
2 . لاحظ : شرح المواقف: 7 / 48 ـ 49 / المقصد الثّامن، من المرصد الأوّل من الموقف الرّابع.


صفحه 120

المبحث السادس

في تلخيص ما مضى في هذه المسألة

قال: فقد ثبت أنّ الجسم شيءٌ واحدٌ متّصلٌ يقبل الانقسام إلى ما لا يتناهى.

أقول: فقد بطل مذهب النظّام كما بطل مذهب جمهور المتكلّمين .

وثبت أنّ الجسم المحسوس المشاهد، أعني: هذا المتحيّز بالذّات الطّويل العريض العميق .

وعرّفه المعتزلة (1) والأقدمون بذلك .

وعند الأشاعرة (2): الجسم هو الجوهر المنقسم مطلقاً، فأقلّ ما يتركّب منه الجسم عندهم جزءان .

وعند جمهور المعتزلة، ثمانية أجزاء، فإنّهم قالوا: إذا تألّف جوهران


1 . ومنهم إبراهيم بن سيّار النظّام، وأبو الهذيل العلاّف، ومحمّد بن عبّاد السلمي، والقاضي عبد الجبّار. راجع: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: 303 ـ 304 و 307 ; وشرح الأُصول الخمسة: 217 و 221 و 224 ; وأنوار الملكوت في شرح الياقوت: 18، نسبه الفاضل المقداد إلى أكثر المحققين من المتكلّمين إلاّ الأشاعرة. لاحظ : إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: 30، وقال الرّازي في محصّل الأفكار: 74 ; وعند المعتزلة اسم الجسم لا يقع إلاّ على الطويل العريض العميق.
2 . راجع: نقد المحصل: 142 ; وأنوار الملكوت في شرح الياقوت: 18 ; والحدود للنيسابوري: 25 ; ومحصّل الأفكار: 74 ; وشرح الإرشاد لابن ميمون: 61 ـ 62 .


صفحه 121

حصل خطّ وإذا تألّف خطان حصل سطح، وإذا تألّف سطحان حصل جسم .

ومنهم (1) من قال: إذا وُضع خطّ على خطّين متألّفين في جهة أُخرى حصل جسم من ستّة أجزاء.

وقال بعضهم (2): بحصوله من أربعة أجزاء يتألّف في الجهات الثّلاث (3).

وعرّف الحكماء بالجوهر القابل للأبعاد الثلاثة، وأرادوا(4) ما يمكن أن يفرض فيه خطوط ثلاثة متقاطعة على زوايا قوائم .(5)

قال المصنّف في " شرح الإشارات ": «هو الجوهر الّذي يمكن فيه فرض الأبعاد الثلاثة، أعني: الطّول والعرض والعمق ».(6)

وقال صاحب المحاكمات: «وإنّما قال: «يمكن أن يفرض»، ولم يقل «أن يوجد»، لأنّ تلك الأبعاد ليس يجب أن يكون موجودة فيه بالفعل كما في الكرة والأسطوانة، وإن وجدت فيه كما في المربّع، وليست الجسميّة بحسب تلك الأبعاد الموجودة فيه بالفعل، بل كلّ جسم يوجد، فلا شكّ أنّه


1 . ومنهم أبو الهذيل العلاّف .
2 . ومنهم أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي المتوفّى (319 هـ).
3 . لاحظ: مقالات الإسلاميين: 302 ـ 303 ; ارشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: 31 ; والحدود للنيسابوري: 25 ـ 26 .
4 . أي بالأبعاد الثلاثة.
5 . لاحظ : الآراء الطبيعيّة لفلوطرخس: 116 ; وإلهيّات الشّفاء: 1 / 62 ـ 63 ; والمباحث المشرقيّة: 2 / 2 ـ 8 ; والايماضات للمعلم الثالث: 49 .
6 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 5 ـ 6 .


صفحه 122

ينفرض فيه أبعاد معيّنة محدودة إلى غايات وأطراف معيّنة، والجسميّة ليست باعتبار تلك الأبعاد المعيّنة المفروضة فيه بالفعل، فربّما تزول وتتبدّل وتبقى الجسميّة الطّبيعيّة بعينها، إنّما الجسمّية وصورتها هي الاتّصال المصحّح لفرض أبعاد مطلقة، لا تتبدّل أصلاً، وإن تبدّلت الأبعاد المعيّنة .

وإيراد عبارة الإمكان، لأنّ مناط الجسمية ليس فرض أبعاد بالفعل حتّى يخرج الأجسام عن الجسمية ; بأن لا نفرض فيه الأبعاد بالفعل، بل مجرّد إمكان الفرض، وإن لم تفرض فيه بالفعل أصلاً. انتهى »(1).

فتدبّر ليظهر لك أنّ المراد من «الإمكان» هاهنا هو الإمكان في نفس الأمر، ومن «الفرض» هو التجويز العقليّ.

فلا يرد أنّ قيد الفرض غير مفيد مع قيد الإمكان، لأنّه يدخل حينئذ ما قصد إخراجه من الجواهر المجرّدة، لأنّ فرض الأبعاد الثلاثة فيها ممكن، وإن كان المفروض محالاً، كما توهمه الشّارح القوشجي.(2)

ثمّ التحقّيق: أنّ التّعريف المذكور حدّ للجسم عند الحكماء كما صرّح به المصنّف في " شرح الإشارات " حيث قال: «وقد زيّف الفاضل الشّارح حدّه (3) المذكور بوجهين :


1 . المحاكمات: 2 / 5 .
2 . انظر: شرح تجريد العقائد: 143 .
3 . أي الجسم .


صفحه 123

أمّا أوّلاً: فبأنّ الجوهر ليس جنساً لما تحته واحال بيانه على سائر كتبه.

وأمّا ثانياً: فبأنّ قابلية الأبعاد ليست بفصل، لأنّها لو كانت وجوديّة لكانت عرضاً، إذ هي نسبةٌ (1) ما، ويلزم من كونها عرضاً احتياج محلّها إلى قابليّة أُخرى لها،(2) وأيضاً يلزم ان يكون الجسم متقوّماً بعرض .

والجواب عن الأوّل: أنّه إنّما أبطل كون الجوهر جنساً في كتبه بأنّ أخذ مكان الجوهر الموجود لا في موضوع، وأبطل كونه جنساً، وهو لازم من لوازم الجوهر ولاشكّ في أنّ لازم الجسم لا يكون جنساً.

وعن الثّاني: أنّه أبطل كون قابليّة الأبعاد فصلاً وهي ليست بفصل، لأنّها لا تحمل على الجسم، بل الفصل هوالقابل للأبعاد المحمول على الجسم، وهو شيءٌ مّا من شأنه قبول الأبعاد، فظهر أنّه في هذا التزييف مغالط. انتهى كلام المصنّف »(3).

لكن الشّيخ قال في " الهيّات الشّفاء ": «وقد جرت العادة(4) بأن يقال: إنّ الجسمَ جوهرٌ، طويلٌ، عريضٌ، عميقٌ» .

ثمّ قال: ـ بعد ما (5) بيّن المراد من الطّول والعرض والعمق، وأنّها هي


1 . فيكون عن مقولة الإضافة.
2 . وينتقل الكلام إلى القابلية الأُخرى وهو أيضاً عرض يلزم من كونها عرضاً احتياج محلّها إلى قابليّة أُخرى لها، الخ .
3 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 6 ـ 7 .
4 . أي عادة الحكماء.
5 . مصدريّة.


صفحه 124

الأبعاد الثّلاثة، وأنّها لا يجب أن يوجد بالفعل في الجسم بهذه العبارة(1): «فبيّن من هذا أنّه ليس يجب أن يكون في الجسم ثلاثة أبعاد بالفعل على الوجوه المفهومة من الأبعاد الثّلاثة حتّى يكون جسماً بالفعل .(2)

فإذا كان الأمر على هذا، فكيف يمكننا أن نضطر أنفسنا إلى فرض أبعاد ثلاثة بالفعل، موجودة في الجسم، حتّى يكون جسماً، بل معنى هذا الرّسم للجسم هو أنّ الجسم هو الجوهرُ الّذي يمكنك أن تفرض فيه بعداً كيف شئت ابتداء، فيكون ذلك المبتدأ هو الطّول .

ثمّ يمكنك أن تفرض فيه أيضاً بعداً آخر مقاطعاً لذلك البعد على قوائم، فيكون ذلك البعد الثّاني هو العرض .

ويمكنك أن تفرض بعداً ثالثاً مقاطعاً لهذين على قوائم تتلاقى الثّلاثة على موضع واحد .

ولا يمكنك أن تفرض بعداً عموديّاً بهذه الصّفة (3) غير هذه الثّلاثة .

وكون الجسم بهذه الصّفة هو الّذي يشار لأجله إلى الجسم بأنّه طويلٌ عريضٌ عميقٌ، كما يقال: إنّ الجسم هو المنقسم في جميع الأبعاد، وليس يعني به أنّه منقسم بالفعل مفروغ منه، بل على أنّه من شأنه أنْ نفرض فيه هذا القسم. انتهى »(4).


1 . قوله: «بهذه العبارة» متعلّق بقوله: «قال».
2 . سقطت عن نسخة د : جملة «بالفعل فإذا كان الأمر على هذا ـ إلى ـ حتّى يكون جسماً».
3 . أي مقاطعاً لهذين على قوائم، الخ .
4 . إلهيّات الشّفاء: 61 ـ 63 / المقالة الثانية من الفصل الثّاني.


صفحه 125

فتوهّم صاحب المحاكمات (1) من قوله (2): «بل معنى هذا الرسّم الخ» أنّه ليس بحدّ، لأنّ معنى الرسّم لا يكون حدّاً، وليس كذلك، فإنّ قوله: «معنى هذا الرسّم» يعني به أنّ معنى هذا الّذي لو ابقى على ظاهره وكان المراد منه ما له طول وعرض وعمق بالفعل لكان رسماً، هو (3) ما من شأنه، وفي إمكانه أن يفرض فيه ذلك، فيكون ذلك المراد منه حدّاً لا محالة.

وكيف يتوهّم من الشّيخ أنْ لا يقول بحدّية هذا التّعريف، وهو قابل بجنسيّة الجوهر، فإذا كان الجوهر جنساً، ولا شكّ أنّ ما من شأنّه أن يفرض فيه الأبعاد لا مانع فيه من كونه فصلاً، فالتّعريف بهما يكون حدّاً لا محالة.

وممّا يدلّ صريحاً على كون الشّيخ قائلاً بحدّية التّعريف المذكور ما قاله متّصلاً بما نقلنا عنه، وهو قوله: «فهكذا (4)يجب أن يعرف الجسم، وهو أنّ الجوهر الّذي كذا صورته، وهو بها ما هو، ثمّ سائر الأبعاد المفروضة بين نهاياته أيضاً، وأشكاله وأوضاعه أُمور ليست مقوّمة له، بل هي تابعة لجوهره.

وربّما لزم بعض الأجسام شيء منها أو كلّها، وربّما لم يلزم بعض الأجسام شيء منها أو بعضها. انتهى ».(5)


1 . لاحظ : المحاكمات: 2 / 6 .
2 . أي الشّيخ الرّئيس .
3 . خبر لقوله: «أنّ».
4 . في د : جملة «فهكذا يجب أن يعرف الجسم وهو أنّ الجوهر الّذي كذا صورته» ساقطة.
5 . إلهيّات الشّفاء: 1 / 63 .


صفحه 126

ثمّ سائر تشكيكات الحاكم في هذا المقام قد رفعناها في حق أشياء على "شرح الإشارات" .

وأمّا اعتبار تقاطع الأبعاد على زوايا قوائم، فإنّما هو ليصير مفهوم قابل الأبعاد عنواناً لحقيقة الفصليّة، فإنّ صحة كونه عنواناً لحقيقة ما هو فصل للجسم، إنّما هو بهذا الاعتبار لا لاخراج السّطح الجوهري على ما توهّم، لأنّ السّطح الجوهري ليس له حقيقة موجودة ليحتاج إلى الاعتراض (1) عنه شيء واحد (2) في حقيقته، ليس متألّف الحقيقة من الأجزاء لا يتجزّأ، أو أجسام صغار أصلية ومتّصل في ذاته غير ذي مفاصل، وأجزاء بالفعل كما هو عند الحسّ يقبل الانقسام الوهمي إلى ما لا يتناهى (3) .

وأمّا الانقسام الانفكاكي، فلا يقبله بالفعل إلى ما لا ما يتناهى، بل ينتهي لا محالة إلى ما لا يقبل الانفكاك أصلاً مع كونه قابلاً لفرض شيء ودون شيء، وذلك لانتهائه في الصّغر إلى حيث لا يكون في وسعه قبول فعليّة الانفكاك لكون غاية الصّغر مانعة عن ذلك، فلا ينافي قبوله الذّاتي للانفكاك.

وأيضاً لو خرج جميع الانقسامات إلى الفعل لزم التّسلسل لكون الأجزاء مترتبة لا محالة.

وأيضاً يلزم تحقّق الكثير بلا واحد كما مرّ، وهو محال بالظّاهر.


1 . في د : «الاحتراز عنه».
2 . من كلام المصنّف (رحمه الله). أي أنّ الجسم شيء واحد الخ .
3 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 127

وأمّا ما قيل من أنّه لو وجدت تلك الاتّصافات الغير المتناهية إلى الفعل، ثمّ فرض مركّب تلك الاقسام الّتي لا يتناهى لزم كون المركّب منها غير متناهي المقدار.

ففيه ما مرّ من أنّ تلك الاقسام لكونها متناقصة لا يستلزم عدم تناهي مقدار المؤلّف منها، بل لا يزيد مقداره على ما كان قبل التّحليل إلى تلك الاقسام.

وأمّا أنّه مع ذلك قابلٌ لفرض شيء دون شيء، فلئلاّ يلزم وجود الجزء الّذي لا يتجّزأ، فبطل مذهب الشهرستاني (1)صاحب كتاب " الملل والنّحل "من أنّ الجسم متّصل في ذاته، لكنّه ينتهي في الانقسام إلى حدّ لا يقبل الانقسام بعده أصلاً.

فإن قلت: يجوز أن ينتهي القسمة الخارجيّة ويبقى القسمة الوهمية، ثمّ ينتهي الوهميّة ويبقى الفرضية العقليّة، ثمّ ينتهي هي أيضاً، فلا يلزم إلاّ وجود الجزء في العقل لا في الخارج ولا في الوهم، وهو غير مستنكر، كيف، ولو لم يمكن وجوده لا في الوهم جزئيّاً، ولا في العقل كلّياً، لامتنع الحكم عليه بالامتناع.

قلت: الوجود العقلي الّذي يتوقّف عليه الحكم إنّما هو الصّورة، لا أن يحكم على موجود خارجيّ بأنّ فيه شيئاً بحسب الخارج غير منقسم بحسب العقل، واللاّزم من انتهاء القسمة الفرضيّة إنّما هو هذا لا ذاك، فليتفطن.


1 . لاحظ مذهبه في نهاية الأقدام في علم الكلام: 505 / مسألة في إثبات الجوهر الفرد.


صفحه 128

فإن قلت: جميع الانقسامات الممكنة الخروج من القوّة إلى الفعل لا يخلو من أن يكون متناهية أو غير متناهية .

فعلى الأوّل: يلزم وقوف القسمة عند الانتهاء إلى الجزء الأخير، وهو خلاف ما قرّروه من أنّه يقبل الانقسام لا إلى نهاية.

وعلى الثّاني: يلزمُ ما ذكرتم من المحال.

قلت: تلك الاقسام ليست متناهية، ولا غير متناهية بالتّناهي العددي ما لم تصر معروضة للعدد، ولم تصر معروضة للعدد ما لم يعتبر عروض القسمة لها .

والاقسام الّتي تعرض لها القسمة بالفعل: إمّا في الخارج، أو في الذّهن متناهية، ولا يلزم وقوف القسمة مطلقاً، إذ الجزء الأخير وإن لم يكن منقسماً بالفعل لكن يمكن اعتبار القسمة فيه.

والحاصل: أنّ كلّ ما اعتبر عروض القسمة لها متناهية ولا يلزم وقوف القسمة، وما لم يعتبر عروض القسمة لها غير متّصف بالنّهاية واللاّ نهاية.


صفحه 129

أوهام وتنبيهات

في إبطال الجزء واتّصال الجسم

اعلم، على أنّ إبطال الجزء واتّصال الجسم شكوكاً غير ما مرّ مستصعبة يجب إماطتها:

الأوّل: أنّه يلزم على هذا التّقدير أيضاً انتفاء السّرعة والبطء، كما على تقدير تركّب الجسم من الأجزاء على ما مرّ بيان ذلك، أنّ كلاًّ من المتحرّكين السّريع والبطيء في كلّ أن يفرض له أين ليس له ذلك الأين قبل ولا يكون بعد، فجميع الآنات المفروضة في زمان حركتهما مساوية لجميع الأيون الّتي لكلّ واحد من المتحرّكين، فجميع الأيون الّتي يفرض للسّريع مساوية لجميع الأيون الّتي يفرض للبطيء .

فإذا فرضنا للجسمين متساويين في المقدار، لزم تساوي مسافتهما، فلم يكن أحدهما أسرع والآخر أبطأ .

وبوجه آخر يلزم أن لا يدرك السريّع البطيء، كما على مذهب النظّام، لأنّه إذا قطع السّريع البعد المفروض بينهما، ووصل إلى نقطة كان البطيء فيها أوّلاً، قطع البطيء في ذلك الزّمان بعداً أقلّ من البعد الأوّل ووصل إلى نقطة أُخرى، ثمّ إذا قطع السّريع هاهنا البعد الأقلّ، وهكذا إلى غير النّهاية .


صفحه 130

وبوجه آخرَ كُلَّما اتّصف السَّريع بفرد من المقولة قطع البطيء بعداً أقل من الأقلّ ، فإن لم يتّصف البطيء أيضاً بفرد منها يلزم أن يمكن ،وإن اتّصف يلزم امتناع اللّحوق.

الثّاني: أمّا إذا فرضنا مخروطاً تحرّك على رأسه، فرأسه إذا انتقل من حيّز ما يحسب أن ينتقل دفعة لعدم قابليته للتجزّي إلى حيّز آخر يليه لامتناع الطّفرة، وهكذا فيلزم تتالي احياز غير مقتسمة، فيلزم الجزء، وتتالي الآنات.

والجواب عنهما بعدما مرّ من معنى اللاّ نهاية هاهنا:

أنّ التحرّك في كلّ مقولة له فرد واحد من تلك المقولة غير معيّن، بل سيّال هو باق بذاته .

ويتوارد عليه: النّسب والإضافات بسيلانه واستمراره بالقياس إلى الحدود الّتي يفرض في المسافة، فالمتحرّك في الأين مثلاً ليس له في حدّ من حدود المسافة كون مباين لكونه في حدّ آخر جزء منها، بل أنّ له الاّ كون واحد سيّال تتغير نسبته واضافاته إلى تلك الحدود، فلا اتّصاف له بفرد معيّن من الأين بالفعل، ولا انتقال من أين بالفعل إلى أين آخر بالفعل ليلزم ما ذكرتم.

الثّالث: أنّ الزّمان غير قارّ الذّات، فالموجود الحاضر منه غير متّصل بما مضى منه لكونه معدوماً، ولا يتصوّر اتّصال الموجود بالمعدوم.

فإذا انقضى هذا الجزء ووجد جزء آخرَ يكون هو أيضاً غير منقسم وغير متّصل بما سبقه، بل منفصل عنه كما هو عن سابقه .


صفحه 131

وهكذا فالزّمان ليس إلاّ آنات منفصلة لا أمراً متّصلاً، فيكون الحركة والمسافة أيضاً كذلك.

والجواب عنه: أنّ الزّمان الموجود إنّما هو أمرٌ بسيطٌ يقال له الآن السّيال، وهو بازاء الحركة المتوسطيّة وما ينقضي منه، ويتجدّد ليس إلاّ نسباً واضافات اعتباريّة، فلا يلزم ما ذكرت ، وسيأتي تحقيق ذلك في مبحث الزّمان.

الرّابع: أنّ وجود الأطراف، كالخطّ والسّطح، موجّه على تقدير الجزء، بأن يركّب نقاط جوهريّة فيحصل الخطّ، وخطوط جوهريّة فيحصل السّطح.

وأمّا على تقدير نفي الجزء فمشكل، لأنّ السّطح يجب بملاقاته للجسم ولا يلاقي كلّه أو بعضه، وإلاّ لا نقسم مثله، بل يجب أن يلاقي طرفه، وهذا مع كونه محذوراً ننقل الكلام إلى هذا الطّرف فيتسلسل الأطراف وهو محال، ومع ذلك، لو حصل من مجموعها عمق، لزم الجزء، أو مثله أوّلاً، فحكم المجموع حكم سطح واحد ويلزم المحذورات بحذافيرها.

والجواب: أنّ الأطراف وإن كانت موجودة لكن ليس لها ذوات منفردة ليحكم بالملاقاة بينها وبين الجسم، أو عدمها، بل هي موجودات تحليليّة.

ففي الجسم ليس أمران موجودان كلّ منها بوجود على حدة أحدهما الجسم والآخر السّطح، بل المتحقق أمر واحد إذا اعتبر من حيث انتهاؤه،


صفحه 132

وأخذ ظاهره من حيث هو ظاهر فقط، كان المعنى الحاصل من هذا الاعتبار هو السّطح، وقس عليه النّقطة.

الخامس: أنّه يلزم أن لا يحدث حركة أصلاً، لأنّ زمان الحركة محدود بآن هو مبدؤه، فالحركة لا توجد في هذا الآن، لأنّها كون المتحرّك بين المبدأ والمنتهى وهو في المبدأ بعد، ولا في آن آخرَ بينهما زمان، وإلاّ لم يكن ما فرض مبدأً مبدأ، بل آن في يليه، فتتالى الآنات.

السّادس: أنّ المتحرّك إنّما يصل إلى كلّ من حدود المسافة في آن، فاللاوصول: إمّا أن يحدث في آن يليه فتتالى الآنات، أو في آن بينهما زمان فيبقى الوصول زماناً وانقطع الحرّكة ويرد مثله في اللاّانطباق واللاّمحاذاة.

السّابع: أنّ الآن: إمّا أن ينعدم شيئاً فشيئاً، فينقسم، أو دفعة فعدمه في آن يليه، وننقل الكلام إليه، فتتالى الآنات.

والجواب عن هذه الثّلاثة: أنّ الحدوث على أنحاء ثلاثة، دفعيّ: وهو أن يحدث شيء دفعة في آن سواء يبقى بعده أو لا، وهذا كالصّور والهيئات القارّة .

وتدريجي: وهو أن يحدث شيئاً فشيئاً منطبقاً على الزّمان ولا يوجد بتمامه في آن من الآنات، كالحركة القطعيّة والصّوت وامثالهما، فهذا الحادث ينطبق حدوثه على الزّمان، ولا يتّصف بالحدوث في شيء من الآنات المفروضة فيه، لا الآن المبدأ ولا غيره .

ونفس زماني: وهو أن يحدث الشّيء في نفس الزّمان ويوجد بتمامه


صفحه 133

في كلّ آن من آنات مفروضة في زمان وجوده إلاّ الآن الطّرف، وذلك كالحركة التوسطية والأُصول وامثاله، وعدم الآن أيضاً من هذا القبيل .

قال الشّيخ في " طبيعيّات الشّفاء " في حلّ إشكال عدم الآن: «والّذي يظنّ من أنّه يمكن أنْ يقال: من أنّ الآن: إمّا أن ينعدم تدريجاً، أو يمتد أخذه إلى العدم، أو دفعة، فعدمه في آن .

فنقول في دفعه: إنّ المعدوم، أو الموجود دفعة، ليس لازماً لمقابل الّذي يوجد، أو يعدم تدريجاً، بل هو أخصّ منه وذلك المقابل يصدق على ما يوجد، أو يعدم دفعة، وعلى ما يكون في جميع زمانه معدوماً، وفي طرفه الّذي ليس بزمان موجوداً، أو على ما يكون في جميع زمانه موجوداً، وفي طرفه الّذي ليس بزمان معدوماً. انتهى »(1).

الثّامن: أنّ إقلِيدس برهن في الشّكل الخامس عشر من المقالة الثالثة من كتاب "الأُصول " على أنّ الزّاوية الحادثة بين عمود اخرج من طرف قطر الدائرة وبين المحيط أحد من جميع الحواد المستقيمة الخطين فإذا تحرّك العمود: فإمّا أن يقطع هذه الزّاوية في آن، أو في زمان.

فعلى الأوّل: يكون قد قطع جزءاً لا يتجزّأ .

وعلى الثّاني: يلزم تحقّق حادة مستقيمة الخطين في اثناء الحركة أصغر من تلك الزّاوية.

وهذا ما أورده الشّيخ في " طبيعيات الشّفاء "بقوله: «ومن حُجَجِهم


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 161 / الفصل الثّاني عشر من المقالة الثّانية.


صفحه 134

وجود زواية غير منقسمة وهي الّتي جعلها إقليدس أصغر الحادّات »(1).

التّاسع: أنّه لو كانت المقادير قابلة للقسمة إلى غير النّهاية ; كانت الزّاوية القائمة أيضاً كذلك، والزّاوية المذكورة الّتي هي أحد الحوادّ المستقيمة الخطّين :

إمّا أنْ يكون أمثالها الواقعة في الزّاوية القائمة، لكونها مشتملة عليها بعدّة غير متناهية، فيلزم انحصار ما لا يتناهى بين حاصرين.

وإمّا أن يكون بعدة متناهية، فإذا نصّفت القائمة بعدة زائدة على عدة إضعاف تلك الحادّة تحدث حادّة مستقيمة الخطين أصغر من تلك الزّاوية لا محالة.

العاشر: أنّ مدار كثير من الاستدلالات المذكورة إنّما هو على بطلان الطفرة، لكن الطفرة جائزة، لأنّه بيّن إقليدس في المقالة المذكورة(2) : أنّ الزّاوية الحادثة بين قطر الدائرة ومحيطها أعظم من كلّ حادّة مستقيمة الخطّين.

فإذا فرضنا تحرّك القطر حول طرفه يصير تلك الزّاوية بمجرّد حركة القطر منفرجة من غيرأن تصير قائمة، لامتناع حدوث القائمة بين المستقيم والمستدير، لأنّا إذا طبقنا المستقيم على ضلع


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 186 / الفصل الثالث من المقالة الثّالثة.
2 . أي في المقالة الثّالثة مـن كتـاب الأُصول .


صفحه 135

قائمة مستقيمة الخطين، فالضّلع الآخر المستدير لا ينطبق على الضّلع الآخر المستقيم، على ضلع قائمة من القائمة الامتناعية: فإمّا أن يقع داخل القائمة، فيكون لزاوية أصغر من القائمة، أو خارجها فيكون أعظم من القائمة، وصيرورة الحادّة منفرجة من غير أن يصير قائمة لا يمكن إلاّ بالطّفرة .

وأيضاً الزّاوية الحادثة بين الخطّ المماسّ للدّائرة وبين محيطها أحد الحوادّ المستقيمة الخطّين كما مرّ، فإذا تحرّك الخطّ المماسّ إلى جهة الدّائرة أو في حركة مع ثبات نقطة التّماس، يحصل زاوية مستقيمة الخطّين، وهي أعظم من الزّاوية المذكورة من دون أن تصير مثلها، وهذا هو الطّفرة .

وأيضاً الزّاوية الحادثة بين مماسّ الدائرة على طرف قطرها، وبين قطرها قائمة والحادثة بين قطر الدائرة ومحيطها أعظم الحوادّ المستقيمة الخطّين كما مرّ .

فمتى تحرّك الخطّ المماسّ إلى جهة المركز أدنى حركة مع ثبات نقطة التّماس انتقل من التّماس إلى التّقاطع، فيصير أصغر من زاوية القطر والمحيط من غير أن يصير مساوية لها، ويعكس ما قلنا، إذا فرضنا رجوع ذلك الخطّ إلى ما كان أوّلاً من موضع التّماس يصير قائمة من دون أن يبلغ إلى مساواة زاوية القطر والمحيط .

والجواب: عن هذه الثّلاثة متوقّف على تحقيق حقيقة الزّاوية، وهي عند أكثر المتحقّقين عبارة عن السّطح المنحدب الحاصل من تلاقي خطّين (1) من غير أن يتّحدا خطّاً واحداً.


1 . بنقطة واحدة .


صفحه 136

فورد عليه إشكال: وهو أنّ السّطح منقسم في جهتين، والزّاوية إنّما ينقسم في جهة واحدة، فيكون سطحاً.

ولصعوبة هذا الاشكال، ذهب كثير منهم إلى أنّ الزّاوية من مقولة الكيف، زعما أنّها هيئة انحدابيّة عارضة للسّطح المذكور .

والعجب أنّه لا ينفعهم ذلك، لأنّ معروض الانحداب من حيث هو معروض له لا ينقسم، إلاّ في جهة مع كونه سطحاً .

بل التحقيق: هو أنّ السّطح مثلاً: قد يؤخذ من حيث أنّه متعيّن من جميع الجهات، كما في الأشكال المسطحة .

وقد يؤخذ من حيث تعيّنه في جهة أو جهتين، فلا دخل في هذا التعيّن لجهة أُخرى، كما إذا أخذ من حيث طوله ذراع، فإنّه لا دخل في هذا التعيّن لنهاياته العرضيّة، والزّاوية من هذا القبيل، فإنّها سطح معروض لهيئة انحدابية، وهذا يوجب تعيّنها من جانب الرّأس، بخلاف جانب الوتر، فإنّها غير متعيّنة من هذا الجانب لا يحدّ من حدود التّناهي ولا بعدم التّناهي، فإذا قسم بالأوتار انقسم ذات السّطح لا من حيث هو معروض للانحداب.

إذا عرفت هذا، فاعلم: أنّ قطع الزّاوية يتصّور بوجهين:

أحدهما: أن ينطبق خطّ على ضلع فينفصل عنه من طرف دون طرف (1)، ويدخل فيما بين الضّلعين، ثمّ ينطبق على الضّلع الآخر.

وثانيهما: أن يتحرّك الخطّ من رأس الزّاوية إلى جانب وترها عرضاً،


1 . بأن يكون أحد طرفي الخطّ ثابتاً والآخر متحرّكاً.


صفحه 137

فلا يقسم الزّاوية أصلاً، فإنّها لم تقع في طريق حركة الخطّ من حيث هي زاوية، بل من حيث هو سطح فقط.

فنقول: إذا تحرّك العمود الخارج من طرف قطر الدّائرة إلى جانب القطر، فلا يمكن أن يقطع الزّاوية إلاّ على الوجه الثّاني، دون الأوّل، وهو ظاهرٌ، ولمّا لم يكن للحركة آن أوّل ولم يكن سطح الزّاوية متعيّناً، ولم يكن قطع الزّاوية على الوجه الأوّل، لم يتأت الترديد، بأن قطعها في آن أو في زمان، فاندفع الاشكال الأوّل من هذه الثّلاثة، كذا قال بعض الأفاضل .

وأمّا الشّيخ فإنّه لمّا قرّر الاشكال من حيث لزوم عدم انقسام الزّاوية مطلقاً (1) ـ كما نقلنا عنه ـ ولم يأخذ فيه حركة العمود.

أجاب عنه (2) بقوله: «وأمّا حديث الزّاوية المذكورة، فإنّها ليست غير منقسمة، بل هي منقسمة، وهناك زوايا أصغر منها بالقوّة بلا نهاية، إنّما قام البرهان على أنّه لا تكون زاوية من خطّين مستقيمين، حادّة وأصغر من تلك، وليس إذا قيل أنّه ليس شيء بصفة كذا أصغر من كذا دلّ على أنّه ليس شيء ألبتة أصغر منه .

وكلّ من حصل علماً بأُصول الهندسة علم أنّ تلك الزّاوية يقسم بالقسي قسمة إلى لا نهاية. انتهى »(3).


1 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 1 / 186 / الفصل الثّالث من المقالة الثّالثة.
2 . أي أجاب الشّيخ الرئيس عن هذا الإشكال .
3 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 201 / الفصل الخامس من المقالة الثالثة.


صفحه 138

ثمّ نقول (1): ولمّا لم يكن سطح الزّاوية متعيّناً أصلاً لم يصلح لأن ينسب إلى سطح آخر بأنّه مثله، أو ضعفه، أو أصغر منه، أو أيّ قدر منه .

نعم لو كان الانحدابان من نوع واحد، كأن يكون زاويتان مستقيمتا الخطّين لصحّ أن ينسب أحد الانحدابين إلى الآخر، وأمّا إذا اختلفا ـ كما فيما نحن فيه ـ فلا يتحقّق بينهما نسبة أصلاً.

وتوضيحه: أنّ الزّاوية المختلفة الضّلعين لها: اعتباران اعتبار أنّها سطح، واعتبار أنّها احيطت بمستقيم ومستدير، وهي إنّما يقع في طريق تلك الحركة المذكورة (2) بالاعتبار الأوّل فقط دون الاعتبار الثاني، لأنّ شيئاً من الزّوايا المستقيمة الخطّين لا يمكن أن يساوي زاوية مختلفة الضّلعين، وكذلك العكس .

فإنّه إذا اطبق المستقيم من مستقيمة الضّلعين على المستقيم من مختلفتهما; فإمّا أن يقع المستقيم الآخر بين المختلفتين، أو خارجاً، إذ لا يمكن انطباق المستقيم على المستدير، فلا ينطبق مستقيمة الضّلعين على مختلفهما.

وبالجملة: يختلف حقيقة الزّاوية من جهة اختلاف الضّلعين باستقامتهما معاً، وكون أحدهما مستقيماً والآخر مستديراً، لكون المستقيم والمستدير مختلفتين بالنّوع، وشيء من أفراد أحد المقدارين


1 . تمهيد لدفع الإشكالين الأخيرين من هذه الثّلاثة.
2 . أي حركة الخطّ من رأس الزّاوية إلى جانب وترها عرضاً.


صفحه 139

المختلفتين بالماهيّة، لا يقع في طريق الحركة الأخير.

فإنّ المتزائد بحسب المقدار الخطّي بالحركة مثلاً لا يساوي في شيء من المراتب مقداراً ما سطحياً وبالعكس ، وكذلك السّطح بالقياس إلى الجسم التّعليمي وبالعكس، فكلّ فرد من أحد نوعي الزّاوية إذا تحرّك ضلعه وصار أكبر إنّما يبلغ بالتّدريج إلى مساواة جميع الأفراد المتوسطة في المقدار بين المبدأ والمنتهى من ذلك النّوع، وهي الواقعة في مسلك تلك الحركة، ولا يمكن أن يبلغ إلى مساواة النّوع الأخير، أو لا يكون تلك الأفراد واقعة في ذلك المسلك، ولا متوسّطة بين مبدئه ومنتهاه، فاندفع الاشكالان الباقيان منها.

فإن قيل: فكيف قالوا: إنّ الزّاوية المذكورة أصغر الزّوايا المستقيمة الأضلاع، أو أعظمها؟ وكيف عرّف أرشميدس (1)الخطّ المستقيم بأنّه: اقصر الخطوط الواسطة بين النقطتين .

قلنا: الازيديّة، وكذا الانقيصة يقال بالاشتراك، اوبالحقيقة والمجاز على ما يتحقق بين مقدارين متشاركين ; أي مقدارين يوجد لهما عاد مشترك والنّسبية بينهما لا محالة عدديّة كما عرفت.


1 . أرشميدس (= Archimede) السراقوصي (287 ـ 212 ق. م) من الفلاسفة الرّياضيّين، وكان بمصر، له أبحاث عويصة في الرّياضيّات، وله اختراعات كثيرة، منها آلات حربيّة، ومرايا محرقة، وله كتب جلية في الهندسة، مثل: كتاب المسبّح في الدّائرة ومساحة الدّائرة، وكتاب الكرة والأسطوانة، وكتاب تربيع الدّائرة، والدوائر المتماسّة، وكتاب المثلّثات والخطوط المتوازية، وكتاب المأخوذات في أُصول الهندسة، وكتاب المفروضات وغيرها، لاحظ : محبوب القلوب: 1 / 376 ; وتاريخ الفلسفة اليونانيّة: 210 / الباب الخامس.


صفحه 140

وهذه هي التّي يقتضي التجانس بين المتناسبين وكون أحدهما مشتملاً على الآخر مع شيء زائد.

وعلى ما يتحقّق بين مقدارين مختلفين بالماهيّة لا يمكن أن يقال: لواحد منهما ; أيّ هومن صاحبه وهذه هي النّسبة الصّمتيه، وهي لا تقتضي التّجانس بين النّسبتين. هذا.

الحادي عشر: إذا تدحرجت الكرة على سطح مستوي بعد ما ماسته بنطقة ـ كما مرّ ـ يكون ملاقاة دائرة منهابخطّ مستقيم منه بنقطة، ويلزم منه تلاقي النّقاط ، وتركّب الخطّ منها، وهذا من أقوى حججهم .

قال شارح المقاصد: «والحقّ أنّ حديث الكرة والسّطح قوي»(1).

فالجواب عنه: ما قاله الشّيخ في " الشّفاء "بقوله: «وأما حديث ماأورد من السّطح والكرة، فإنّه لا يدرى! هل يمكن أن يوجد كرة على سطح بهذه الصفة في الوجود، أو هو في التوهم فقط على نحو ما تكون في التّعليمات ؟

ولا يدرى! أنّه إن كان في الوجود، فهل يصحّ تدحرجه عليه أو لا يصحّ؟ فربما استحال تدحرجه عليه.

وبعد هذا كلّه فليس يلزم أن تكون الكرة مماسّة للسّطح والخطّ في أيّ حال كان بالنّقطة لا غير، بل تكون في حال الثبات والسكون كذلك، فإذا تحركت لماسّت بالخطّ في زمان الحركة، ولم يكن ألبتة وقت بالفعل مماسّ فيه


1 . شرح المقاصد: 3 / 33 .


صفحه 141

بالنّقطة إلاّ في التّوهم، إذ ذلك لايتوهّم إلاّ مع توهّم الآن ولا وجود له بالفعل .

بالجملة: فإنّ هذه المسألة لا تتحقق مسلّمة، لأنّ المسلّم هو أنّ الكرة لا تلقي السّطح في آن واحد إلاّ بنقطة، وليس يلزم من هذا أن تكون الحركة تنتقل من نقطة إلى نقطة مجاورة لها، ومن آن إلى آن مجاور له، فإنّه إن سلّم هذا، لم يحتج إلى ذكر الكرة والسّطح، بل صحّ أنّ هناك نقطاً متلاقية ولامنها تأليف الخطّ، وآنات متجاورة ولامنها تأليف الزّمان .

وإذا كان المسلّم هو أنّ الكرة تلاقي السّطح في آن، وكان الخلاف في أنّ الحركات والأزمنة غير مركّبة من أُمور غير متجزئة، ومن آنات كالخلاف في المسافة، وكان إنّما يلزم تجاوز النّقط لو صحّ ذلك تجاور الآنات، كان استعمال ذلك في إثبات تتالي النّقط كالمصادرة على المطلوب الأوّل .

فإنّه لا يتمّ هذا البيان إلاّ بأن يقال: إنّه في هذه الحالة ملاق بنقطة، وفي الحال الثّانية ملاق بنقطة، والحالات متجاورة فالنقاط متجاورة.

فإن لم نقل هذا لم يتمّ الاحتجاج. انتهى كلام الشّفاء»(1).

الثّاني عشر: أنّه لو كانت القسمة تمرّ بغير نهاية، لكان قطع المسافة يتوقّف على قطع نصفها، وقطع نصفها على قطع نصف نصفها، وهكذا إلى غير النّهاية، فلا يمكن قطعها في زمان متناه ضرورة توقّف قطع الأنصاف


1 . راجع: طبيعيّات الشّفاء: 1 / 201 ـ 202 / الفصل الخامس من المقالة الثّالثة من الفنّ الأوّل. نقل بالتّصرّف .


صفحه 142

الغير المتناهية على زمان غير متناه، كما مرّ في مذهب النّظام .

والجواب: أنّ هذه الأنصاف الغير المتناهية إنّما هي بالقوّة وعلى سبيل الإنفراض لا بالفعل، وعلى سبيل الانفصال .

وهذه الشّبهة إنّما نشأت من أخذ ما بالقوّة مكان ما بالفعل على ما مرّ.

وقد يجاب بما مرّ: من كون الأنصاف متناقصة، فلا يتوقّف قطعها على زمان غير متناه، كما لا يلزم اشتمالها على مقدار غير متناه.

فهذه جملة من الشّكوك الّتي استصعبوا التّفصي عنها، ولهم شكوك غير هذه ليست بهذه المثابة وباتقان طرق التفصي عن هذه يسهل التفصي عن تلك إذا أوردت جدّاً .


صفحه 143

المسألة الحادية عشرة

في نفي الهيولى بمعنى غير الجسم (1)

قال: ولا يقتضي ذلك ثبوتَ مادّة سوى الجسم لاستحالة التّسلسل ووجود ما لا يتناهي.

أقول: إنّ هذه المسألة في نفي الهيولي(2) والمادّة بالمعنى الخارج


1 . اختلف الحكماء في نفي الهيولى وثبوته، لاحظ تفصيل مذهبهم في الكتب التالية: الطّبيعة لأرسطو طاليس: 1 / 58 ـ 77 / الفصل السّابع والثّامن والتّاسع من المقالة الأولى ; إلهيّات الشّفاء: 1 / 61 / الفصل الثّاني من المقالة الثانية ; والتحصيل: 331 / الفصل الحادي عشر من المقالة الأوّلى من الكتاب الثّاني; ورسالة في تحقيق الهيولى للخفري: كلّ الرسالة ; ورسائل فلسفيّة لزكريّا الرّازي: 217 ـ 240 ; وشرح الهداية الأثيريّة للميبدي: 15 ـ 26 ; والمطالب العالية: 6 / 211 ـ 216 ; الإيماضات: 47 / السّقاية الثّالثة ; والمُجلى لابن أبي جمهور: 89 ـ 92 ; وشرح الهداية الأثيريّة لصدر المتألهين: 31 ـ 65 ; وحاشية الصّديقيّة على شرح الهداية للميبدي: 25 ـ 26 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 525 ـ 527 ; وشرح حكمة العين لمباركشاه: 214 ـ 223 / المسألة الأُولى من المبحث الثّاني; والحكمة المتعالية في الأسفار: 5 / 65 / الفن الثّاني; وشرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 36 ـ 59 .
2 . وهو لفظ يوناني بمعنى: الأصل، والمادّة. وفي عرف الحكماء: هي جوهر في الجسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتّصال والانفصال ومحلّ للصورتين أي الجسميّة والنّوعيّة وهي الهيولى الأولى.
   وأمّا الهيولى الثّانية: فهي جسم تركّب منه جسم آخر، كقطع الخشب الّتي تركّب منها السّرير. لاحظ: جامع العلوم: 965 ; والتعريفات: 321 / برقم 1595 .
وقال شيخ الاشراق: الهيولى عبارة عن جوهر يلبس تارة الصّورة النّاريّة، وتارة الصوّرة الهوائيّة، وتارة الصوّرة المائيّة، وتارة الصوّرة الترابيّة. انظر: رسالة في اعتقاد الحكماء: 27. قال الشّارح العرشيّة: إنّ الحكماء قسّموا الشّيء في اصطلاحهم فقالوا: إنّ الشّيء باعتبار كونه جزءاً للمركّب بالفعل يسمّى ركناً، وباعتبار ابتداء التّركيب منه يسمّى عنصراً، وباعتبار انتهاء التخلل إليه يسمّى اسطقسّاً، وباعتبار كونه قابلاً للصّور غير المعيّنة يسمّى هيولى، وباعتبار كونه قبوله للصّور المعيّنة يسمّى مادّة، وباعتبار كون المركّب مأخوذاً يسمّى أصلاً، وباعتبار كونه محلاًّ للصوّر المعيّنة بالفعل يسمّى موضوعاً، وهو في الحقيقة شيء واحد تعرض هذه الأسماء عند هذه الصّفات. لاحظ: شرح العرشية: 3 / 288 .


صفحه 144

من تقسيم الجوهر ـ أعني: ما يكون جزء للجسمِ ومحلاًّ لجزء آخر ـ هو المسمّى بالصّورة .

فإنّه لا نزاع على ما في " شرح التّلويحات (1) " بين جمهور العقلاء في ثبوت ما يصدق عليه مفهوم الهيولى بالمعنى الأعمّ ; أي الأمر القابل للإتّصال والإنفصال، والصّور والهيئات المتواردة على الجسم.

فإنّه إذا قيل: تكون حيوان من الطّين، أو خلق الابن من نطفة أبيه، فلا يخلو :

إمّا أن يكون الطّينُ باقياً طيناً وهو حيوانٌ، أو النّطفة باقية نطفة وهو إنسانٌ، حتّى يكون شيء واحد في حالة واحدة طيناً وحيواناً، أو نطفة وجسد إنسان .

وإمّا أن يكون قد يطلب النّطفة بكليّتها (2) حتّى لم يبق منها شيء


1 . لاحظ: شرح التلويحات: 181 ـ 182. وهو من مصنفات سعد بن منصور ابن كمونه المتوفّى (683 هـ).
2 . أي بجوهرها وعرضها.


صفحه 145

أصلاً (1)، وكذا الطّين، ثمّ حصل إنسان أو حيوان، وحينئذ ما صارت النّطفة إنساناً ما خلق من الطين حيوان، بل ذلك (2)شيء بطل بكليّة، وهذا شيء(3) حصل ابتداء.

وإمّا أن يكون الجوهر الّذي كانت فيه الهيئة النطفيّة أو الطّينية، قد بطلت عنه تلك الهيئة وحصلت فيه هيئة إنسان أو حيوان.

والأوّلان: باطلان بالاتفاق ; ولذلك كلّ من زرع بذراً لينبت منه شيء، أو تزوّج ليكون له ولد، يحكم على الزّرع بأنّه من بذره، ويفرّق بين ولده وغيره بأنّه من مائه.

فالثّالث: هو معتقد لكلّ، فظهر أنّ الخلاف ليس في ثبوت مفهوم الهيولى والمادّة بهذا المعنى، بل فيما يصدق عليه هذا المفهوم.

أهو أجزاء لا يتجزّأ، أم أجسام صغار صلبة، أم هو نفس الجسم بما هو جسم، أم شيء أبسط من الجسم وجزء له ؟

فذهب إلى كلّ واحد منهما طائفة(4):

فالحكماء بعدما اتّفقوا على أنّ الجسم البسيط أمرٌ متّصلٌ في ذاته غير ذي مفاصل بحسب حقيقته كما هو عند الحسّ، افترقوا فرقتين:

ففرقة ذهبوا إلى (5) أنّ الجسم كما أنّه غير متألّف من الأجزاء


1 . لا صورة ولا محلّها.
2 . أي كلّ واحد من النّطفة والطّين .
3 . أي كلّ واحد من الإنسان والحيوان.
4 . كما مرّ تفصيل البحث في المسألة العاشرة .
5 . نفي كون الجسم مركّباً من الهيولى والصّورة.


صفحه 146

المتباينة،(1) كذلك هوغير متألّف الحقيقة من الأجزاء الخارجيّة مطلقاً (2)، بل هو بسيط صرف قائم بذاته لا في محلّ، وقابل لطريان الإنفصال على المتّصل منه، ولطريان الإتّصال على المنفصل منه مع بقائه في الحالين بحسب ذاته من غير أن يزول شيء من ذاته ويحدث شيء في ذاته، ويسمّونه من حيث جوهره وذاته جسماً. ومن حيث قبوله للصّور والهيئات الّتي لا تختلف بها الأجسام أنواعاً هيولى، وهذا المذهب منسوب إلى افلاطون (3)، واختاره (4) من الفلاسفة الإسلاميّة صاحب الاشراق .(5)


1 . سواء كانت لا يتجزّأ أو أجسام صغار صلبة المتباينة.
2 . أي سواء كانت متباينة أم لا .
3 . نقل عنه ذلك في الكتب التالية: الإيماضات: 48 ; والمحاكمات: 2 / 36 ; وشرح المقاصد: 3 ; وشرح الهداية الأثيريّة لصدر المتألهين: 32 ; ومرآت الأكوان: 113 .
4 . جماعة من الحكماء ومنهم أبو البركات البغدادي في كتاب المعتبر في الحكمة: 2 / 14 و 21 ـ 27 ، و 3 / 195 ـ 206، وجماعة من المتكلّمين ومنهم المصنّف، والفخر الرّازي في محصل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين: 89 ; والمباحث المشرقيّة: 2 / 41 ـ 49 ; والعلاّمة الحلّي في نهاية المرام في علم الكلام: 2 / 507 ـ 528 ; والبيضاوي في طوالع الأنوار، لاحظ: مطالع الأنظار في شرح طوالع الأنوار: 249 ـ 250.
5 . لاحظ: حكمة الاشراق: 74 ـ 75 و 80 ; واللّمحات في الحقائق: 113 ـ 114. لا يخفى أن لشيخ الإشراق كلام آخر في التلويحات: 14، حيث اختار أن الجسم مركّب من جوهر سمّاه هيولى وعرض هو المقدار بناء على تجويزه تركّب نوع طبيعي من جوهر وعرض. لكن الشارحين لكلامه أجمعوا على عدم المنافاة بين ما في الكتابين في المقصود. انظر: شرح التلويحات لابن كمونه: 369 ـ 370 ; وشرح حكمة الإشراق للقطب: 219 ـ 220.
   لكن قال صدر المتألهين: كلامه في التّلويحات دالّ على تركّب الجسم من جوهرين، وكلامه في بعض المواضع من المطارحات وغيره صريح في أنّه ينكر الاتّصال والامتداد سوى ما هو من عوارض الكّم، وفي التّلويحات ما رأينا شيئاً يدلّ على أنّ ما سمّاه هيولى يكون ممتدّاً بذاته وامتداداً جوهريّاً سواء كان مقداراً أو غير مقدار، وأمّا التّنافي بين تركّب الجسم وبساطته بين الكتابين فهو بحاله. لاحظ: حاشية صدر المتألهين على شرح حكمة الإشراق للقطب المطبوع مع شرح حكمة الإشراق: 220 ; وشرح الهداية الأثيريّة: 47 .


صفحه 147

وذهب فرقة أُخرى كأرسطاتاليس (1)، والشّيخين(2)، وجمهور المشائين (3)، إلى أنّ هذا الجوهر المتّصل حال في جوهر آخر هو الهيولى الأُولى، والجسم البسيط مركّب منها.

واشهر ما استدلّوا به هو طريقة الفصل والوصل، وتقريرها يستدعي تمهيد مقدّمات:

الأُولى: لفظ الإتّصال يطلق على معان بعضها حقيقي لا بالقياس إلى الغير، وبعضها اضافيّ بالقياس إلى الغير.

فالحقيقي (4) اثنان:

أحدهما: كون الشّيء بحيث يمكن أن يفرض فيه أجزاء تشترك في الحدود ويلزمه أن لا يكون فيه مفصّل بالفعل، لأنّه لو كان فيه مفصّل بالفعل


1 . لاحظ: ما بعد الطبيعة لأرسطا تاليس مع تفسير ابن رشد: 2 / 766 ـ 781 .
2 . وهما الشيخ أبو نصر الفاراني والشيخ الرئيس. انظر: شرح رسالة زينون الكبير: 5 ; ورسالة في إثبات المفارقات: 5 ; وإلهيّات الشّفاء: 1 / 66 ـ 71 .
3 . ومنهم أثير الدّين الأبهري في الهداية; وبهمنيار في التّحصيل ; ودبيران الكاتبي في حكمة العين; وحكماء إخوان الصفاء وابن كمونه، وصدر المتألهين. لاحظ: شرح الهداية الأثيريّة لصدر المتألهين: 33 ـ 65 ; والتّحصيل: 312 / الفصل الثّامن من المقالة الأُولى ; وإيضاح الحكمة: 129 ; وإخوان الصّفاء: 3 / 183 ; والجديد في الحكمة: 336 ـ 338 ; وأجوبة المسائل لصدر المتألهين: 182 ـ 187 .
4 . أي المعنى الحقيقي .


صفحه 148

لم يكن الجزءان مشتركين في حدٍّ واحد، كما في العدد .

والمتّصل بهذا المعنى فصل مقسّم للكمّ، ومقسوم للمقدار، وهذا اشهر معنييه الحقيقيين .

وثانيهما: كون الشّيء في حدّ ذاته بحيث يعرضه الإتّصال بالمعنى الأوّل ويعبّر عنه بكون الشّيء في حدّ ذاته ممتدّاً في الجهات، وبهذا المعنى يطلق اسم المتّصل على الصّورة الجوهريّة.

قال الشّيخ في " إلهيّات الشّفاء ": «وأمّا الكميّات المتّصلة فهي مقادير المتّصلات.

أمّا الجسم الّذي هو الكمّ، فهو مقدار المتّصل الّذي هو الجسم بمعنى الصّورة».(1)

وقال المصنّف في " شرح الإشارات " عند شرح قول الشّيخ: «أنّ المتّصل بذاته غير القابل للإتصال والإنفصال»(2) بهذه العبارة: «يريد بالمتّصل بذاته هاهنا الصّورة الجسميّة، وهي الّتي من شأنها الإتّصال لذاتها واتّصالها هو كونها بحيث يلزمها الجسم التّعليميّ فهي ذلك الإمتداد الّذي في الشمعة حال كونها كرة ومكعّباً ومشكّلاً بسائر الأشكال.

ثمّ قال: والدّليل على أنّ اسم المتّصل قد يطلق على هذه الصّورة، قول الشيخ (3)».(4)


1 . إلهيّات الشّفاء: 1 / 111 .
2 . الإشارات والتّنبيهات: 192 .
3 . في إلهيّات الشّفاء .
4 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 41 .


صفحه 149

ثمّ نقل (1) ما ذكرنا من كلام الشّيخ المنقول آنفاً .

والمتّصل بهذا المعنى فصل مقسم للجوهر ومقسوم للجسم بمعنى الصّورة الجسميّة .

وأمّا المعنى الإضافي، فهو أيضاً اثنان:

أحدهما: كون المقدار متّحد النهاية لمقدار آخر، كما في ضلعي الزّاوية.

وثانيهما: كون الجسم بحيث يتحرّك بحركة جسم آخر، وإن لم يتّحد نهاياتهما، كما في حلق القيد من الحديد.

ثمّ إنّ الإنفصال أيضاً لكونه مقابلاً للإتّصال ; ينقسم انقسام الإتّصال، فكلّ اتّصال بأيّ معنى كان من المعاني المذكورة يقابله انفصال بالمعنى الّذي يقابل ذلك المعنى من الإتصال لا محالة، فالإتّصال الذّاتي ـ أعني: كون الشّيء بحيث لا يكون فيه مفصّل بالفعل بحسب الحقيقة ـ يقابله الإنفصال الّذي بإزائه، أعني: كون الشّيء بحيث يكون فيه مفصّل بالفعل .

ثمّ إنّ المراد هاهنا ليس إلاّ المعنى الحقيقي بأيّ معنييه كان.

قال المصنّف في " شرح الإشارات " بعد كلامه المنقول آنفاً: «ولو حمل المتّصل بذاته هاهنا على الجسم التّعليميّ الّذي هو المقدار، لكان البرهان على إثبات الهيولى بحاله، إلاّ أن يقال الحقّ ما ذكرناه. انتهى »(2).


1 . أي المحقّق الطّوسي.
2 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 41 .


صفحه 150

وذلك لأنّ التّحقيق أنّ الجسم التّعليميّ ليس إلاّ مرتبة تعيّن الصّورة الجوهريّة الّتي هي الممتدّ بنفس الذّات.

فإنّ الحقّ: أنّ في الجسم ليس امتدادان متغايران بالذّات أحدهما الصّورة والآخر المقدار، بل الممتدّ بنفس الذّات له بحسب جوهر ذاته أن يمتدّ أبعاده في الجهات وليس يلزمه بحسب نفس جوهر ذاته أن يتعيّن امتداداته بالتّناهي، أو باللاّتناهي، وكذا بشيء من خصوصيّات الأقدار المساحيّة المعيّنة في التّناهي، أمّا وجوب تناهي العادة، فيلزمه في الوجود بالبرهان.

وأمّا خصوصيّات الأقدار المساحيّة فبحسب خصوصيّات الاستعدادات فطبيعة مطلق الإمتداد مرتبة ذات الجسميّة الطبيعيّة وتعيّن خصوصيّات الأقدار المساحيّة مرتبة الجسميّة التّعليميّة .

فالفرق بين الجسم التّعليميّ والصّورة الجسميّة الطبيعيّة ليس إلاّ بالتّعيّن والإبهام كنسبة التشخّص إلى الماهيّة المتشخّصة، فسواء أخذ المتّصل في البرهان بأيّ من المعنيين الحقيقيين.

ومع ذلك فالحقّ: هو اعتبار المتّصل بالمعنى الجوهريّ، لكونه هو الأصل وبالذّات، فأمر الهيولى يدور إثباتاً ونفياً على ثبوت المتّصل الجوهريّ وعدمه .

وإن على تقدير ثبوته، هل يعدمه الإنفصال إذا طرأ أم لا ؟

فالمثبتون يدّعون الإثبات في كلا المقامين، والنّافون النّفي فيهما.


صفحه 151

الثّانية(1): أنّ الجسم بطريان الإنفصال عليه لا ينعدم بالكلّية بحيث لا يبقى منه شيء، وهذا ضروريّ.

وقد ينبّه عليه: بأنّ التّفريق لو كان أعداماً لكان نسبة المياه الّتي جعلت من الجَرّة في الكيزان إلى الماء الّذي كان في الجرّة نسبتها إلى ماء البحر مثلاً، والتّالي باطل، فكذا المقدّم .

لا يقال: على تقدير بقاء الجزء المسمّى بالهيولى أيضاً يلزم ذلك، لكون هيولى العناصر واحدة بالشّخص عندهم، وأيضاً كون المائين الحادثين جزأين وهميّين للماء الّذي في الجرّة هو الفارق.

لأنّا نقول: كون الشّيء واحداً بالشّخص لا ينافي كونه حصصاً متفرقة إذا لم يكن الإتصال ذاتيّاً له، كما في الهيولى الّتي في الجرّة، فحصّة الهيولى الّتي في الجرّة غير الحصّة الّتي في البحر مع كون الهيولى واحدة بالشخّص.

على أنّه يمكن أن يقال: كون المادّة في ضمن الصّورة الّتي كانت مقترنة بها حال كونها في الجرّة مستعدّة لقبول الصّور المتكثرة الّتي اقترنت بها في الكيزان يكفي في الحكم بكون مياه الكيزان من ماء الجرّة دون سائر المياه والماءان الحادثان، كما يصحّ كونهما جزأين وهميّين لماء الجرّة; يصحّ كونهما كذلك لماء البحر إذا لم يكن هناك مادّة مشتركة .


1 . أي من المقدّمات الّتي يستدعي تمهيدها على البرهان الّذي استدّل به أرسطا تاليس والشيخان وجمهور المشّائين على إثبات الهيولى.


صفحه 152

الثّالثة (1): أنّ الحقّ هو أنّ التّشخص متّحد مع الوجود بالذّات، كما مرّ في مبحث التّشخص .(2)

والوجود متّحد مع الماهيّة بالذّات في الخارج كما مرّ في مباحث الوجود،(3) فلو كان في الوجود شيء ماهيّته هو الإتّصال ; أي كان متّصلاً بنفس الذّات كان وجوده وتشخّصه نفس اتّصاله بالذّات، فلو طرأ الإنفصال عليه وانعدم اتّصاله، لزم انعدامه ضرورة انعدام الشّيء بانعدام وجوده وتشخّصه .

وهذا معنى قولهم: «إنّ الوحدة الإتصاليّة مساوقة للوحدة الشّخصيّة» وذلك بناء على كون التّشخّص مساوقاً للوجود.

وعلى ما حقّقنا من كون التّشخّص عين الوجود، فالوحدة الإتّصاليّة عين الوحدة الشّخصية فيما هو متّصل بالذّات، فيكون الإنفصال تحوّل وجود واحد إلى وجودين.

وبعد تمهيد هذه المقدّمات نقول: لمّا ثبت بطلان الجزء الّذي لا يتجزّأ وما في حكمه، وثبت اتّصال الجسم بالمعنى الأوّل من الحقيقين، وجب اتّصاله بالمعنى الثّاني منهما أيضاً ـ أعني: كونه متّصلاً بنفس ذاته ـ بل اتّصالاً قائماً بذاته لا متّصلاً باتّصال زائد عليه قائمٌ به قيام العرض بالموضوع ـ أعني: باتّصال الجسم التّعليميّ ـ على ما يزعمه الجمهور، وإلاّ لتقدّم


1 . من المقدمات.
2 . لاحظ : الجزء الثّاني من هذا الكتاب : 159 ، المسألة السّادسة من الفصل الأوّل .
3 . في الجزء الأوّل من هذا الكتاب، المسألة الثّالثة.


صفحه 153

بالوجود على ذلك الإتّصال الفرضي تقدّم الموضوع على العرض، فهو في هذه المرتبة المتقدّمة بحسب الوجود:

إمّا أن يكون منفصل الذّات وهو باطل، وإلاّ لزم كونه ذا مفاصل وتركبّه من الأجزاء.

وإمّا أن يكون لا متّصلاً ولا منفصلاً، فيكون في تلك المرتبة خارجاً عمّا من شأنه أن يفرض فيه شيء دون شيء.

وإن يصحّ فيه فرض الأبعاد، فيكون من المفارقات في تلك المرتبة لا محالة، فلا يجوز أن يعرضه الإتّصال العرضيّ ـ أعني: الجسم التّعليمي ـ بعد تلك المرتبة أيضاً، لامتناع كون الشّيء أوّلاً ليس ممّا من شأنه فرض الأبعاد، ثمّ صيرورته ثانياً ممّا له فرض الأبعاد، للمنافاة الذّاتية بينهما بالظّاهر، هذا خلف.

فإذا ثبت كون الجسم متّصلاً بنفس ذاته، وقد سبق أنّه ممّا يقبل الإنفكاك والإنفصال، فلو كان الجسم المطلق مجرّد هذا الجوهر المتّصل بنفس ذاته قائماً بذاته غير حال في جوهر آخر غير متّصل ولا منفصل في حدِّ ذاته، بل بذلك الجوهر المتّصل .

ثمّ فرضنا طريان الإنفصال عليه، لزم انعدامه بحكم المقدّمة الثّالثة، وهذا ـ أعني: انعدام الجسم بطريان الإنفصال ـ وكون التّفريق اعداماً باطل، لما مرّ في المقدّمة الثّانية، فوجب كون الجسم المطلق مركّباً من جوهرين،


صفحه 154

جوهر متّصل في حدّ ذاته وهو الّذي ينعدم بالإنّفصال، وجوهر آخر غير متّصل في حدّ ذاته ولا منفصل كذلك وهو الباقي في الحالين، وظهر وجوب كونه محلاًّ، وإلاّ لزم انعدامه بانعدام المحلّ، إذ لابدّ من الحلول ليتحقّق التّركيب الحقيقي، فالحال هو المسمّى بالصّورة الجسميّة، والمحلّ هو المسمّى بالهيولى.

فإن قلت: ما ذكرت من لزوم أن يكون الجسم على تقدير كون اتصاله عرضيّاً وكونه غير متّصل ولا منفصل في حدّ ذاته من المفارقات، يلزم في الهيولى أيضاً، فما الفرق بينهما في ذلك ؟

قلت: الفرق هو أنّ الصّورة الجسميّة مقدّمة بالوجود على الهيولى على ما زعموا، فلم يبق للهيولى في نفسِ الأمر مرتبة وجود تكون فيها عارية عن الصّورة، وخالية عن سبق الإتّصال عليها، ليلزم كونها غير متّصلة ولا منفصلة في نفس الأمر، بخلاف الجسم على تقدير كون الإتّصال عرضيّاً له، وكونه موضوعاً للإتّصال، كما عرفت.

قال المصنّف في " شرح الإشارات ": «واعلم أنّ الأهمّ في هذا الباب أن يعلم أنّه لا يمكن أن يكون الإتّصال والإنفصال عرضيين متعاقبين على شيء هو موضوع لهما وهوالجسم، كما سبق إلى أوهام المشككّين في وجود المادّة، وذلك لأنّ الشّيء يجب أن يكون في ذاته غير متّصل ولا منفصل حتّى يمكن أن يكون موضوعاً للإتّصال والإنفصال، وهو لا يكون من حيث ذاته بحيث يفرض فيه الأبعاد، فلايكون جسماً ألبتة، بل هو


صفحه 155

المسمّى بالمادّة، ولابدّ من اتّصاف (1) شيء ما متّصل بذاته إليه حتّى يصير جسماً، فذلك الشّيء هو الصّورة، والمجموع هو الجسم الّذي هو في نفسه متّصل وقابل للإنفصال .

والّذين يجعلون المتّصل عرضاً على الإطلاق ينسون أن يكون الجسم متّصلاً في نفسه أمر ذاتيّ مقوّم للجسم، والجوهر لا يتقوّم بالعرض. انتهى»(2).

ثمّ إنّ المصنّف اختار في هذا الكتاب مذهب النّافين، فقال: فلا يقتضي ذلك ; أي كون الجسم متّصلاً في ذاته وقابلاً للإنفصال ثبوت مادّة سوى الجسم، وهذا إشارة إلى ما ذكرنا من أنّهم يسمّون الجسم باعتبار قبوله للصّور والهيئات المنوّعة مادّة وهيولى .

وقوله: لاستحالة التّسلسل ووجود ما لا يتناهى، إشارة إلى الإستدلال على ما اختاره (3) على سبيل المعارضة مع الدّليل المذكور للنّافين .

وتقريره: أنّه لو كان انفصال المتّصل مقتضياً لوجود المادّة الباقية، لئلاّ يلزم انعدامه بالكليّة لكان انفصال المادّة أيضاً مقتضياً لوجود مادّة أُخرى لئلاّ يلزم انعدامها بالكليّة .

فإذا قسّمنا جسماً واحداً إلى جسمين، فلكلّ منهما مادّة على حدة،


1 . في د وفي المصدر: «من انضياف».
2 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 45 ـ 46 .
3 . المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 156

فإنّ المادّة الواحدة لا يمكن أن يكون في المكانين بالضّرورة، فالمادّتان: إمّا أن يكونا حادثتين عند انفصال الجسم، وإمّا أن تكونا موجودتين بوصف الاثنينية قبل الإنفصال .

فعلى الأوّل: يلزم التّسلسل، لأنّ كلّ حادث مسبوق عندهم بمادّة على ما مرّ.

وعلى الثّاني: يلزم وجود موادّ غير متناهية بالفعل في الجسم ضرورة قبول الإنقسام إلى غير النّهاية، واقتضاء كلّ انقسام وجود مادّتين بالفعل، وكلاهما محال، ومع ذلك يلزم انعدام الجسم بالكلّية كما لا يخفى.

ولا يخفى ضعفه: وإنّما يتمّ ذلك لو وجب اتّصاف المادّة بالوحدة والكثرة لذاتها، وأمّا إذا كانت في ذلك تابعة للصّورة على ما هو مذهبهم فلا.

قال المصنّف في "شرح الإشارات " بعد كلامه المنقول آنفاً بهذه العبارة: «وأيضاً ينبغي أن تعلم أنّ الوحدة الشّخصية والتّعدد الّذي يقابلها أيضاً لا يعرضان المادّة إلاّ بعد تشخّصها المستفاد من الصّورة، ليتوقّف على أحوال الشّبهة المبنّية على اتّصاف المادّة بالوحدة، أو التعدّد على حسب ما ذكره الفاضل الشّارح وغيره: كقولهم لو كان تعدّد الجسميّة بعد وحدتها مقتضياً لانعدامها ومحوجاً إلى مادّة توجد في الحالتين لكان تعدّد المادّة بسبب الإنفصال بعد وحدتها مقتضياً لانعدام المادّة الأولى ومحوجاً إلى مادّة أُخرى ويتّسلسل .


صفحه 157

إلى غير ذلك من الشّبه وذلك لأنّ المادّة الموجودة في الحالتين غير موصوف بنفسها بوحدة ولا تعدّد، بل إنّما يتّصف بهما عند تعاقب الصّور. انتهى كلامه»(1).

وإنّما ذهب في هذا الكتاب إلى نفي الهيولى لأنّه أوفق بقواعد علم الكلام.


1 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 46 .


صفحه 158

المسألة الثّانية عشرة

في تتمّة تحقيق ماهيّة الجسم

وفيها مباحث:

المبحث الأوّل

في أنّ لكلّ جسم مكاناً طبيعيّاً (1)

قال: ولكلّ جسم مكانٌ طبيعيٌّ يقتضيه طبيعة يطلبه هو عند الخروج عنه على أقرب الطّرق .

أقول: إنّ هذا المبحث في إثبات أنّ لكلّ جسم من أنواع الأجسام طبيعة تخصّه. وهي ـ عند القائلين بالهيولى ـ صورة جوهريّة أُخرى غير


1 . راجع في ايضاح المقام: الطبيعة لأرسطاتاليس: 1 / 271 ـ 301 و 329 ـ 338 / التّعليم الأوّل إلى الرّابع والتّعليم التّاسع من المقالة الرّابعة ; وعيون المسائل: 72 / برقم 16 ; وطبيعيّات الشّفاء: 1 / 111 ـ 148 و 305 ـ 313 ; واللّمحات في الحقائق: 122 / اللّمحة الأُولى من المورد الثّاني ; والمعتبر في الحكمة: 2 / 40 ـ 44 / الفصل الثّاني عشر; والنجاة: 1 / 147 ـ 153 و 165 ـ 167 ; مطالع الأنظار: 179 ـ 181 ; والمباحث المشرقيّة: 2 / 63 ـ 69 ; وأبكار الأفكار: 2 / 391 ـ 394 ; وشرح الهداية الأثيريّة لصدر المتألّهين: 92 ـ 99 ; وشرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 196 ـ 203 .


صفحه 159

الصّورة الجسميّة يسمّونها الصّورة النوعيّة وعند القائلين ببقاء الهيولى وبساطة الجسم قوّة فائضة (1) على الجسم مقتضية لأعراض وأحوال (2) وآثار تخصّه، وبهذه القوّة يصير الجسم نوعاً من الأنواع، فإثبات هذه القوّة عندهم بمنزلة إثبات الصّورة النّوعيّة عند القائلين بالهيولى .

فظهر أنّ هذه المسألة من تتمّة تحقيق ماهيّة الجسم، فلايكون اجنبيّة لمقصود الفصل، وهذا ما وعدناك سابقاً .

فقوله (3): ولكلّ جسم مكانٌ طبيّعيٌ يقتضيه طبيعة يطلبه (4) هو عند الخروج عنه على أقرب الطرق،(5) أي أقصر الأبعاد بينهما لتعيّنه بذلك بمنزلة أن يقول لكلِّ جسم طبيعة خاصّة يقتضي مكاناً واحداً مخصوصاً، وكذا يقتضي شكلاً مخصوصاً على ما سيأتي.

وكذا تقتضي شيئاً مخصوصاً ممّا لابدّ للجسم منه من الكيفيّات والأعراض، لكن اكتفى بتخصيص المكان والشّكل بالذّكر، لأنّ تلك الأحوال: إمّا مختلفة في الاجسام البسيطة كالمكان، وإمّا متشابهة فيها كالشّكل .

فذكر من كلّ من الطّائفتين أمراً واحداً ليقاس به غيره على ما وجّه به


1 . من المبدأ الفيّاض.
2 . في د : «مقتضية لأحوال واعراض وآثار».
3 . أي المصنّف (رحمه الله) .
4 . أي يطلب الحصول في ذلك المكان .
5 . في أكثر النسخ: «ولكلّ جسم مكانٌّ طبيعيٌّ يطلبه عند الخروج على أقرب الطّرق» وفي د : «يقتضيه طبيعته ويطلبه عند الخروج، الخ».


صفحه 160

المصنّف اكتفاء الشّيخ بهما في "شرح الإشارات (1) "في هذا المقام .

وإنّما اختار هذين من هاتين، لكون كلّ منهما ممّا يتعلّق به مباحث جليلة كما ستعرف .

ولمّا كان المكان عند المصنّف البُعد، لا السّطح، كان ممّا لابدّ منه للجسم، وعامّاً للاجسام كلّها كسائر أخواته.

وعند القائلين (2) بالسّطح يكون الحيّز من هذا القبيل لا المكان.

قال الشيخ في " طبيعيات الشّفاء " في فصل إثبات الحيّز الطبيعي بهذه العبارة: «ونقول: إنّ كلّ معنى، وكلّ صفة للجسم، لابدّ لذلك الجسم من أن يكون له، فإنّ له منه شيئاً طبيعيّاً، وهذا مثل الحيّز، فإنّه لا جسم إلاّ ويلحقه أن يكون له حيّز إمّا مكان، وإمّا وضع وترتيب .

ومثل الشّكل، فإنّ كلّ جسم متناه، وكلِّ متناه فله شكل ضرورة، وإنّ كلّ جسم فله كيفيّة مّا، أو صورة غير الجسميّة لا محالة، لأنّه لا يخلو: إمّا أن يسهل قبوله للتّأثير والتشكيل، أو يعبر، أو لا يقبل. وكلّ هذه شيء غير الجسميّة .

وقد يمكن أن نبيّن ملازمة الجسم لكيفيّات أُخرى، فنقول: إنّ هذه


1 . لاحظ: شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 196 ـ 200 .
2 . ومنهم أرسطاتاليس في الطّبيعة: 1 / 2 / 302 ; وأبو نصر الفارابي في الدّعاوي القلبيّة: 6 ـ 7 ; وأبو علي سينا في رسالة الحدود: 108 برقم 38 ; وشيخ الإشراق في اللّمحات في الحقائق: 123 ; وأبو البركات في المعتبر في الحكمة: 3 / 43 ـ 44; وابن كمونه في الجديد في الحكمة: 343 ; وفخر الدين الرّازي في شرحي الإشارات: 1 / 75 ; ومحمد بن زكريا في رسائل فلسفية: 198 .


صفحه 161

الأشياء وما يجري مجراها، لابدّ أن يكون منها للجسم شيء طبيعيّ ضروريّ، وذلك لأنّ الواقع بالقهر والقسر عارض بسبب تعرض من خارج.

وجوهر الشّيء قد يمكن أن يعقل. ولا تعرض له الأسباب الّتي لوجوده منها بدّ، إلاّ ما كان منها لازماً لطباعه.

وليس واجباً ضرورة أن يكون الجسم لا يعقل، إلاّ ويلحقه قاسر فيه .

وإذا كان كذلك، فطبيعة الجسم قد يمكن أن يفرض موجوداً، وهو على ما عليه في نفسه، وليس يقسره قاسر.

وإذا فرض كذلك بقى وطباعه، وإذا بقى كذلك، لم يكن بدّ من أن يكون له أين وشكل، وكلّ ذلك لا يخلو: إمّا أن يكون له من طباعه، أو من سبب من خارج.

لكنّه قد فرضنا أنّه لا سبب من خارج، فبقى أن يكون له من طباعه، والّذي من طباعه يوجد له، ما دامت طبيعته موجودة ولم تقسر، فإن كانت طبيعته بحيث تقبل القسر، أمكن أن يزول ذلك عنه بالقسر، وإن كانت طبيعته بحيث لا تقبل القسر لم يزل ذلك عنه بالقسر. انتهى كلام الشّفاء»(1).

وتلخيص الدّليل بعد فرض كون شيء من تلك الأحوال كالمكان مثلاً ممّا يمتنع انفكاك الجسم في وجوده عنه على كونه طبيعيّاً له .

هو أن نقول: المكان مثلاً يمتنع انفكاك الجسم في وجوده عنه، وشيء


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 308 ـ 309 .


صفحه 162

من الأُمور الخارجة الغير المقومّة لماهيّة الجسم، واللاّزمة لما يقوم ماهيّته لا يمتنع انفكاك الجسم في وجوده عنه بالضرورة.

واستناد ما لا يجوز انفكاك الشّيء عنه إلى ما يجوز انفكاكه عنه ممتنعٌ بالضّرورة.

فيجب استناد المكان إلى شيء من مقوّمات ماهيّة الجسم أولى ما يلزمه، ومقوّمات ماهيّة الجسم من حيث هو نوعٌ من الأجسام مادّة وصورة مشتركة وطبيعة مختصّة.

فاستناد المكان الخاصّ لا يمكن إلى الجسميّة المشتركة لاشتراكهما، ولا إلى المادّة، لكونها قابلة محضة على أنّها مشتركة أيضاً في العنصريّات، ولم يتعرّض لهما الشّيخ لوضوح أمرهما، فيجب استنادهما إلى الطبيعة المختصّة وهو المطلوب.

فإن قلت: لعلّه مستند إلى تأثير فاعله.

قلت: تأثير فاعله في وجوده الّذي من تتمة فرض وجوده لا دخل له في اقتضائه المكان، لأنّ المكان ونظائره ليست من لوازم ماهيّة الجسم ليكون تأثير الفاعل في وجوده بالذّات تأثيراً في لوازم ماهيّته بالعرض; على ما هو شأن لوازم الماهيّات في المجعوليّة، بل من لوازم وجوده.

وليس لوازم الوجود شأنها شأن لوازم الماهّيات في ذلك، كما حقّق في مظانّه وتأثيره في مكانه من الأُمور الّتي ليست بمقوّمة لماهيّة الجسم، ولا لوجوده ولا لازمة لما هو مقوّم، فلا يمتنع فرض انفكاك الجسم عنه.


صفحه 163

وأمّا ما قيل (1): من أنّه لا يمكن تحقّق التّأثير في وجود شيء بدون تحقّق التّأثير فيما هو لازم لوجوده.

فجوابه: أنّ التّأثير في لازم الوجود لا يجب أن يكون من الفاعل المؤثّر في الوجود، بل إذا تحقّق التّأثير في الوجود ; يجب أن يكون هناك تأثير متحقّق في اللاّزم، سواء كان من الفاعل، أو من غيره.

فيمكن قطع النّظر عن تأثير الفاعل في اللاّزم بعد فرض تحقّق تأثيره في الوجود.

وقد يجاب: عن أصل السّؤال بأنّ نسبة الفاعل ـ سواء كان موجباً أو مختاراً ـ إلى جميع الأمكنة على السّواء، فلابدّ من مرجّح لتخصيص المكان المعيّن، والمرجّحات الخارجيّة يجوز فرض انفكاك الجسم عنها، فلابدّ من مرجّح داخليّ مختصّ وهو الطبّيعة، وهذا هو الدّليل العامّ لجميع الأحوال الّتي يمتنع انفكاك الجسم في وجوده عنها.

وقد يستدلّ على خصوص كون المكان طبيعيّاً :

بأنّا نشاهد الأجسام عند خلوّها عن القواسر متوجّهة خفافها نحو الفوق، وثقالها نحو التّحت وذلك بحسب الطّبع لا محالة، لعدم القاسر هناك، وليس ذلك إلاّ لكونها طالبة لأمكنتها الطّبيعية الّتي عند الفوق والتّحت .

وتتحدَّس (2) من ذلك أنّ لغيرها من الأجسام أيضاً أمكنة طبيعيّة


1 . القائل هو الشّارح القوشجي. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 153 .
2 . الحَدْس: سرعة الانتقال في الفهم والاستنتاج .


صفحه 164

تطلبها لا محالة، لو فرض خروجها عنها فيكون لكلّ جسم مكان طبيعي وهو المطلوب .

ويمكن أن يكون قول المصنّف يطلبه عند الخروج على اقصر الطّرق إشارة إلى الاستدلال عليه بهذا الطّريق .

وعلى هذا الدّليل شكّ قويّ، وهو أنّ توجّه الخفاف، أو الثّقال لعلّه إلى نفس الجهة، أو إلى الإتّصال بالكلّ .

حتّى أنّ بعض الأفاضل (1) ذهب إلى أنّ الأجسام كلّها طالبة للجهات بالذّات، ولأمكنتها بالعرض، وبسبب وقوعها في تلك الجهات على عكس ما هو التّحقيق .

وذهب ثابت بن قُرَّة(2): إلى أنّه ليس لشيء من الأمكنة حال يختصّ به دون غيره حتّى يتصوّر أنّ جسماً معيّناً طالب له لطبيعة دون ما عداه.

فإذا رمينا مَدَرة إلى فوق، فإنّما يعود إلى مركز الأرض، لأنّ الجزء يميل إلى كلّه الّذي يجذبه لعلّته الجنسيّة، لا لأنّ الطّبيعة الأرضيّة طالبة للمركز، فلو جعل الأرض نصفين، وجعل كلّ نصف من جانب آخر ; لكان طلب كلّ منهما مساوياً لطلب الآخر، حتّى يلتقيا في وسط المسافة الّتي بينهما.


1 . وهو محمد بن محمد باقر الدّاماد الحسيني. لاحظ: القبسات: 183 ـ 184 / القبس السادس.
2 . وهو فيلسوف، رياضي وطبيب من مدرسة حرّان الصابئيّة المتوفى (287 هـ . ق) عاش في عهد المعتضد العباسي وأسّس مدرسة للترجمة، فنُقلت تحت إشرافه كتب: «أبولونيوس» و «أرشميدس» و «إقليدوس» و «ثيودوسيوس» و «بطلميوس» و «جالينوس»، ومن مصنّفاته: «الذّخيرة في علم الطّب. راجع: معجم الفلاسفة: 251 ; وموسوعة أعلام الفلسفة: 1 / 364.


صفحه 165

ولو فُرضَ أنّ الأرض كلّها رفعت إلى فلك الشّمس، ثمّ أطلق من المكان الّذي هي فيه الآن حجرٌ (1) لارتفع ذلك الحجر إليها لطلبه الأمر العظيم الّذي هو شبهه،(2) إلى غير ذلك ممّا لا جدوى في نقله .

قال الشّيخ في " طبيعيات الشّفاء ": «قد يشكل في أمر الحيّز ما (3) لا يشكل في أمر غيره، فإنّ الجسم المتحرّك في جهة مّا تعرض له أُمور :

من ذلك، أنّه متحرّكٌ إلى تلك الجهة .

ومن ذلك، أنّه متحرّكٌ إلى مكان مّا .

ومن ذلك أنّه متحرّك إلى حيث كليّته .

فلا ندري أنّه إلى أيّ واحد من هذه الأشياء يتحرّك؟!

ثمّ شرع في حلّ الإشكال فقال: ولو كان الماء يطلب الجهة، والنّهاية في نزوله إلى أسفل، لما وقف دون حدّ وقوف الأرض، ولما طفا على الأرض، ولما رسب في الأرض، وكذلك حال الهواء، لو توهّم جزء منه مقسور إلى حيّز النّار، فوجد ينتقل من حيّز النّار إلى حيّز نفسه .

وستعلم أنّه لا تكون لحيّز واحد جسمان بالطّبع، حتّى يكون ذلك أن تقول: إنّ الأرض والماء يطلبان جهة واحدة وحيّزاً واحداً، ولكن الأرض أغلب وأسبق، وكذلك الهواء والنّار يطلبان جهة واحدة وحيّزاً واحداً، لكنّ


1 . وهو نائب لفاعل قوله: «أطلق».
2 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 154 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 436 ـ 437 .
3 . في المصدر: «ممّا».


صفحه 166

النّار أغلب وأسبق، ولو كان الهواء يطلب ما يطلب النّار، لكنّه تعجز عن مساوقته إليه .

لكنّا إذا وضعنا أيدينا على شطر من الهواء، أحسسنا باندفاعه إلى فوق، كما إذا حبسناه في إناء تحت الماء .

ولو كان يطلب المتحرّك المكان فقط، والمكان هو سطح الجسم الطّبيعي الّذي يحويه بالطّبع، (1) لكان الماء يقف في الهواء حيث كان، لأنّه في سطح الجسم الّذي يحويه، ولكانت النّار المستصعدة (2) تطلب أن يشمل عليها مكان هو سطح فلك .

وهذا الطّلب محال، لأنّه إنّما يماسّ طائفة من سطح الفلك من جهة، ولو كان يطلب الكلّية لكان الحجر المرسل من رأس البئر يلتصق بشفيرها، ولا يذهب غوراً، فإنّ الإتّصال بالكلّ هناك أقرب مسافة ولكان الحجر يصعد، لو توهّمنا أنّ كلّيته زال عن موضعه، فكان حينئذ لا يخلو: إمّا أن يكون بالطّبع، يميّز جهة دون جهة، وهذا محال، أو يكون قد انفعل عن الكليّة انفعالاً آخر من جهة أُخرى فتكون حركته إلى الكلّية ليس عن طباعه ولكنّ تجذب الكلّية إيّاه.

وقد فرضنا حركته طبيعية، وعلى أنّه يستحيل أن يفعل الشّيء في


1 . في المصدر: «والمكان هو سطح الجسم الّذي يحويه، والطّبيعي هو سطح الجسم الّذي يحويه بالطّبع».
2 . في د وكذا في المصدر: «المتصعدة» .


صفحه 167

شبيهه فعلاً وأثراً بالطّبع، من حيث هو شبيهه إلاّ بالعرض، ولكانت الأرض الصغيرة كالمدرة أسرع إنجذاباً من الكبيرة .

فالّذي يجب أن يعتقد في هذا، هو أنّ الحركة الطّبيعية تطلب الحيّز الطّبيعي وتهرب من غير الطّبيعي، لا مطلقاً، ولكنّ مع ترتيب من أجزاء الكلّ مخصوص، ووضع مخصوص من الجسم الفاعل للجهات.

وإنّ الجهة عينها غير مقصودة إلاّ لأجل كون هذا المعنى فيها، وإنّ الكلّية الّتي لكلّ بسيط ليست مقصودة في الحركة الطّبيعية الّتي لأجزائها بذاتها، ولكنّها موضوعة حيث المقصود والمطلوب، والمقصود ما ذكرناه، فالطّلب يتوجّه إلى هذه الغاية المتحققة فقط، فلا يصحّ إلى غيرها.

وأمّا الهرب، فيصح من مقابلاتهما أيّها اتّفق، فإنّه إذا كان المكان غير طبيعي، وإن كان التّرتيب طبيعيّاً هرب عنه مثل الهواء المنتشف المحصور في آجرة مرفوعة في الهواء، فإنّ الآجرة تنتشف الماء من أسفل لشدّة هرب الهواء عن محيط غريب، واستحالة وقوع الخلاء، ووجوب تلازم الصّفائح، فتخلف الماء (1) في مسام الآجرة متصعداً فيها، لهرب الهواء عنها، وإن كان المكان طبيعيّاً، إذ (2) ليس التّرتيب حاصلاً. انتهى كلام الشّفاء»(3).

وأمّا النّقض (4) بأجزاء العناصر، من أنّها لا تقتضي مواضع معيّنة، بل


1 . في المصدر: «فيخلفه الماء».
2 . في المصدر: «وليس».
3 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 305 ـ 307 .
4 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 153 .


صفحه 168

يقع في أمكنتها حيث اتّفقت، فإنّ الجزء من الماء مثلاً ربّما استقرّ في جزء من مكان الماء مثلاً (1) ربّما استقرّ في جزء آخر منه (2) مع جريان الدّليلين فيها، وامتناع أن يكون لجسم واحد مكانان طبيعيّان كما يأتي .

فمدفوع: بأنّها لكونها متّفقة مع العناصر في طبائعها، لا يقتضي إلاّ مواضعها الطبيعيّة، لكن على أقرب الطرق، فوقوعها تارةً هنا من تلك المواضع، وتارةً هناك، ليس إلاّ بسبب اختلاف أقرب المواضع بالنّسبة إليها حسب وقوعها في أمكنة مختلفة قسريّة بسبب اختلاف القواسر.

قال الشّيخ: «لا يجوز أن يكون لجسم واحد مكانان طبيعيان، إلاّ على جهة أنّ في جملة مكان الكلّ أحيازاً بالقوّة، أيّها وقع فيه بسبب مخصّص كان طبيعيّاً له كالمدرة، فإنّ أقرب حيّز من حيّز الأرض يليها هو طبيعيّ لها، والأبعد لو حصل فيه، لكان يصير أيضاً أقرب، وكان طبيعيّاً لها .

فأمّا مكانان متباينان، فليس يمكن ذلك ، فإنّ مقتضي الواحد بالشّخص من حيث هو واحدٌ بالشّخصِ أمرٌ واحدٌ بالشّخص، ومقتضي الكلّ المتشابه الأجزاء جملة مقتضي جميع الأجزاء، والأجسام المتشابهة الطّبائع لا يستحيل عليها الإتّصال لطبيعتها، بل إن استحال، فإنّما يستحيل لعرض يعرض، وهي في طبيعتها بحيث يجوز عليها أن لو كانت متّصلة.

وإذ لا يستحيل اتصالها، فكيف يستحيل تماسّها، (3) فإذا اتّصلت


1 . الظّاهر أن لفظ «مثلاً» خطأ والصواب «وربّما استقّر في جزء آخر منه الخ».
2 . في د : «فإنّ الجزء من الماء مثلاً ربّما استقرّ في جزء آخر منه».
3 . ولو اتصلت وتماست لم يلزم شيء مستحيل .


صفحه 169

وتماسّت كانت الجملة، وهي تطلب المكان الطّبيعي من حيث هي طبيعة واحدة هي جملة هذه الطبائع.

فيجب أن تطلب جملة من الحيّز، هي هذه الجملة، بل هذا الحيّز لهذه الجملة كأنّه جملة تجتمع من أحياز واحد واحد .

فإذن الأجسام المتشابهة الطّبائع، فإنّ أحيازها كأنّها أجزاء حيّز واحد، ويكون لجسم معيّن من تلك الجملة حيّز متعيّن له من تلك الجملة لعلّة تلك العلّة.

أمّا وجوده فيه أوّلاً عندما حدث وهوموافق له بالطّبع، فوجب لزومه، وأمّا اختصاصه بالقرب، فإنّ النّار إنّما تتحرّك إلى فوق إلى جزء من حيّز كليّة النّار بعينه ، لأنّه هو أقرب إليها. انتهى »(1).

وأمّا ما قيل (2): من أنّها إذا خلّيت وطبائعها اتّصلت بكلّها، فلا يبقى أجزاء موجودة، وما دامت أجزاء موجودة لم تُخل وطبائعها.

ففيه: أنّ ذلك تخصيص للكليّة، إذ حاصله أنّها لا يقتضي أمكنة ولا يتوجّه إليها، بل إلى الإتّصال بكلّيها، فهي عند كونها موجودة اجسام، وليست لها أمكنة طبيعيّة.

لكن لا يرد عليه: أنّ ذلك مسلّم في غير الأرض، وأمّا في الأرض فما ليس الطّبيعي مانع عن الإتّصال بالكلّ، وذلك لأنّ أجزاء الأرض ما دامت


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 311 ـ 312 .
2 . القائل الشّارح القوشجي: لاحظ: شرح تجريد العقائد: 153 .


صفحه 170

ممنوعة عن الإتّصال، فهي مقسورة لا محالة، فلم تخل وطبعها .

وأمّا ما يتوهم: من أنّ ذلك غير مسلّم في غير الأرض أيضاً على رأي من يقول ببساطة الجسم، إذ عندهم، إذا اتّصلت الأجزاء إنّما يرتفع كثرتها لا وجودها .

فمدفوع: بأنّها حينئذ على ذلك التّقدير يبقى موجودة، لكن بوجود الكلّ، فلا يقتضي سواء مكان الكلّ.

وأمّا النّقض; بالمركّبات الواقعة في مكان الجزء الغالب حيث ما اتّفق.

فمدفوع أيضاً: بأنّها بحسب صورها النّوعيّة التّركيبيّة لا يقتضي أمكنة زائدة على أمكنة بسائطها، إذ الصّورة النّوعيّة لا يزيد في الجسمّية، لكونها من الأجزاء المعنويّة دون المقداريّة، وأمّا بحسب الصّور الّتي للأجزاء البسيطة، فعلى تفصيل سيأتي.

فإن قلت: المركّب من حيث الصّورة التّركيبية جسم لا محالة، فيجب أن يكون له من حيث هو مركّب مكان طبيعي، وإلاّ لانتقضت الكلّية.

قلت: مقتضى الكلّية هو أنّ لكلّ جسم مكاناً طبيعيّاً، لا أنّ لكلّ جسم من كلّ حيثيّة مكاناً طبيّعيّاً، فالمركّب له مكان طبيعيّ هو جزء مكان جزئه الغالب، ولا يجب أن يكون له من حيث هو مركّب أيضاً مكان طبيعي، وإنّما كان يجب لو زاده التّركيب جسميّة وليس كذلك.


صفحه 171

المبحث الثّاني

في نفي تعدّد المكان للجسم البسيط (1)

قال: فلو تعدّد انتفى.

أقول: يعني لو كان لجسم واحد مكانان طبيعيّان ; لزم أن لايكون طبيعيّاً ما فرضناه طبيعيّاً .

وذلك لوجهين: الأوّل: أنّ الواجد لأحدهما إن لم يطلب الآخر مع تخلّيه (2) وطبعه لم يكن الأمر طبيعيّاً، وإن كان طالباً له لم يكن الأوّل طبيعيّاً، وإلاّ لم يهرب عنه طالباً لغيره.

وما قيل (3): من أنّ عدم الطّلب لمكان طبيعيٍّ يجب أنّه واجد لمكان طبيعي آخر لا يقدح في كونه طبيعيّاً، وإنّما يقدح فيه لو لم يطلبه مطلقاً.

مدفوع: بأنّ هذا صريح في أنّ أحد المكانين ليس مطلوباً بخصوصه، بل المطلوب هو القدر المشترك بينهما، بل الأقرب منهما كما مرّ في كلام الشّيخ .


1 . راجع: المباحث المشرقيّة: 2 / 69 ; ومناهج اليقين في أُصول الدّين: 52 ـ 53 ; وشرح عيون الحكمة: 2 / 75 ـ 77 ; وشرح الهداية الأثيريّة للميبدي: 65 ـ 68 ; وايضاح المقاصد: 258 ; وشرح حكمة العين لمباركشاه: 399 ـ 400 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 440 .
2 . في د : «تخليته».
3 . القائل هو الشّارح القوشجي. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 154 .


صفحه 172

وأمّا ما أجيب (1) به عنه: بأنّ المكان الطبيعيّ ما يطلبه الجسم بطبعه عند الخروج عنه مطلقاً.

ففيه: أنّ الدّليل ما دلّ إلاّ على أنّ للجسم مكاناً طبيعيّاً بمعنى أنّ حصوله فيه لا يكون بسبب قاصر.

الثّاني: أنّه لو كان الجسم خارجاً عنهما لا على سمّتهما، فإمّا أن يطلبهما جميعاً وهو محال، أو يطلب واحداً منهما فقط ; فلا يكون الآخر طبيعيّاً، أو لا يطلب شيئاً منهما، فليس شيء منهما طبيعيّاً.

وأورد: أنّ فرض خروج الجسم عنهما لا على سمّتهما ينافي توجهه إليهما، فلا يكون مخلّى بطبعه.

وأجيب (2): بأنّ معنى تخلية الجسم أن لا يحبسه قاسر في مكان، والجسم الواقع لا على سمت المكانين غير محبوس بالقسر في مكان، إذ الكلام على تقدير أن لا يكون هناك قاسر.

وفيه نظر: إذ المانع يقول: إنّ الجسم محبوس بكونه لا على سمت لمكانين.

وقولك: «إذ الكلام على تقدير أن لا يكون هناك قاسر» عليك لا لك، فإنّك حين فرضته مع عدم القاسر فرضته مع القاسر .


1 . أجاب الآغا جمال الدين الخوانساري في حاشيته على شرح الجديد. لاحظ: شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصّدر: 206 .
2 . أجاب السيّد الصدر في حاشيته على شرح الجديد. لاحظ: شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصدر: 206 .


صفحه 173

نظير ذلك ما قال الشّيخ في "الشّفاء "«ولسائل أن يسأل إنّا لو توهّمنا النّار في مركز الفلك، لا ميل لجزء منها إلى جهة، فماذا كان يعرض لها في طبعها، أسكون بالطّبع وذلك محال، أو حركة إلى جهة ولا مخصّص لجهة؟

فنقول: كان يعرض لها السّكون، ولكن بالقسر، لأنّها كانت تقتضي أن يخرج (1) عن فرجة في واسطتها تنبسط عنها إلى الجهات بالسّواء، إلى أن يلقى كلّ جزء من المنبسط ما هو أقرب إليه من المكان الطبيعيّ، لكن الهواء المحيط، وغير ذلك كان حينئذ لا يمكنها من أن تداخلها نافذة هذا النفوذ، إذ هذا النفوذ لا يتأتى بالخرق، لأنّ الخرق يكون في جهة دون جهة، وهذا انبساط في كلّ جهة، فتكون ساكنة بالقسر .

وأيضاً، فإنّ الخلاء ممّا لا يجوز أن يحدث في الوسط الّذي عند انخراقه، وهذا القسر قسر عارض عن الطّبع، وهو عجيب جدّاً; فإنّ الطّبع يقتضي أمراً صار غير ممكن لعارض عرض، فأدّى ذلك إلى حكم غريب، ونحن لا ندري استحالة هذا العارض ولا نمنعها. انتهى»(2).

والتّحقيق: أنّ التقييد في الدّليل تكون الجسم لا على سمت المكانين غير لازم، فإنّ طلب جسم واحد في آن واحد لمكانين بالطّبع من حيث هما مكانان محال مطلقاً، سواء كان على سمتهما أو لا على سمتهما، كما يشهد به ادنى تأمّل .


1 . في المصدر: «أن تفرج».
2 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 312 .


صفحه 174

وحينئذ نقول: لو كان لجسم ما مكانان طبيعيّان، فحين الخروج عنهما مخلّى طبعه: إمّا أن يطلبهما معاً وهومحال، أو يطلب أحدهما فقط، فلايكون الآخر طبيعياً، أو لا يطلب لشيء منهما، فشيء منهما لا يكون طبيعيّاً.

ولا يرد عليه: أنّ خروجه عنهما معاً مانع عن طلبه إيّاهما، فإنّ الجسم لا يخلو عن أحد أمرين: إمّا أن يكون خارجاً عنهما معاً، أو عن أحدهما فقط، ولا ثالث لهما بالضّرورة، وعلى التقديرين، لا يطلبه أحد المكانين، فلا يكون أحد المكانين طبيعيّاً له حيث لا يطلبه في شيء من المحالات الممكنة له.

فإن قلت: بل يطلبه في بعض الأحوال وهو حين كونه أقرب إليه .

قلت: فالمطلوب له حقيقة هو مفهوم ما هو أقرب وهو أمر واحد وان تعدّد ما يصدق عليه لا شيء ممّا يصدق عليه بخصوصه، فليتدبّر.


صفحه 175

المبحث الثالث

في المكان الطّبيعي للمركّب(1)

قال: ومكان المركّب مكان الجزء الغالب أو ما اتّفق وجوده فيه .

أقول: قد عرفت أنّ المركّب من جهة الصّورة التّركيبيّة لا يقتضي مكاناً لما مرّ، ولأنّ التّركيب أمر يعرض بعد الإبداع وايجاد مكان على سبيل الإبداع قبل التّركيب، يطلبه المركّب، إذا وجد يقتضي تحقق الخلاء حال الإبداع، وهو محال كما سيأتي، فأمكنة المركّبات أمكنة البسائط بعينها.

فإن قلت: لا يجوز أن يوجد مركّب بالإبداع، بأن يوجد الفاعل مركّباً مع بسائطه دفعة واحدة، كما ذهبوا إليه في الافلاك الكلّية والجزئيّة.

قلت: المراد بالمركّب ما كان بين بسائطه فعل وانفعال يحصل من ذلك جهة وحدة حقيقيّة توهّم كون مكانه من هذه الجهة غير أمكنة بسائطه، وإلاّ فظاهر أنّ مثل الفلك الكلّي المركّب من الأفلاك الجزئيّة لا يستدعي مكاناً زائداً، ولا يذهب الوهم إليه أصلاً، لعدم جهة وحدة جسمانيّة هناك أصلاً.


1 . راجع: النّجاة: 1 / 167 ـ 168 ; والإشارات والتّنبيهات: 2 / 201 ـ 203 ; والمباحث المشرقيّة: 2 / 69 ـ 71 ; وايضاح المقاصد: 258 ـ 259 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 442 ـ 444 .


صفحه 176

والمركّب المتوقّف على حصول الفعل والانفعال بين بسائطه، يمتنع ايجاده مع بسائطه دفعة واحدة، لتوقّف الفعل والانفعال على حركة زمان لا محالة.

واعترض أيضاً: بأنّه يجوز أن يشغل مكان المركّب قبل حدوثه بسيط بالتّخلخل .

وأجيب: بأنّ التّخلخل (1) إنّما يكون بالحركة الّتي إنّما يحدث في زمان، ففي اثناء ذلك الزّمان يتحقّق الخلاء.

وأورد: أنّه إنّما يلزم الخلاء لو كان شغل ذلك بتخلخل واحد، أمّا لو كان بتخلخلات متعاقبة يتصّل كلّ تخلخل بتكاشف قبله، وهكذا إلى غير النّهاية، فلا يلزم الخلاء .

وأنّه يجوز أن يكون المراد بالتّخلخل هو رقّة القوام، فيجوز أن يكون بسيط أبدع رقيق القوام أرقّ ممّا يقتضيه طبيعته، ويزيد بذلك مقداره على مقدار الطّبيعي، وعلى هذا وإن لزم أن لا تكون العناصر البسيطة على وضعها الطّبيعي في زمان من الأزمنة، لكن لا برهان على استحالته.

وفيه: أنّ دوام القسر غير معقول، وإنّ الإبداع على خلاف مقتضى طبيعة الشّيء ممّا لا معنى له، وأمّا من جهة بسائطه، فيقتضي مكاناً هو بعض


1 . وهو اسم واقع على معنيين: أحدهما أن تكون المادّة انبسطت في الكمّ مترقّقة، وأمّا الآخر فكالماء للهواء. ويقال تخلخل لتباعد أجزاء الجسم بعضها عن بعض على فرج يشغلها ما هو ألطف من الجسم. لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 2 / 150 ـ 151 .


صفحه 177

أمكنة بسائطه، فإن كان أحد بسائطه يغلب في القوّة على غيره يكون المكان الطّبيعي للمركّب هو بعض أجزاء مكان الجزء الغالب بحسب اقتضاء القرب، كما مرّ في جواب النّقض بأجزاء العناصر، وإلاّ كانت الأجزاء الّتي امكنتها في جهة واحدة هي الغالبة، فمكانه هو ما يقتضيه الغالب بحسب هذه الجهة، فإن كان الغالب هو الماء والأرض، وكان المركّب مركّباً من العناصر الأربع كلّها مكانه الطّبيعي يكون واقعاً على الفصل المشترك بينهما مشتملاً عليه، في أيّ موضع منه يقتضيه القرب.

وكذا إن كان الغالب هو النّار والهواء، أو إن كان مركّباً من ثلاثة عناصر كالماء والهواء والنّار مثلاً، وكان موضع التّركيب موضع الماء مثلاً، كان الهواء والنّار الواقعان في جهة واحدة من حيّز الماء غالبين لا محالة، فيجد بأنّه إلى جهتيهما، فإذا حصل في حيّز الهواء وقف هناك بامضاء الهواء ولم يتجاوزه، لأنّ الجذب من هذا الحيّز إلى الجهتين على السّواء، وامساك الهواء إيّاه هناك لا يبطله تخالف حيّزي الماء والنّار، لكونهما متساويين في الجذب، هذا إذا كان المركّب مركّباً عن أكثر من بسيطين.

وأمّا إن كان مركّباً عن بسيطين، فإن كان أحدهما غالباً فالحكم للغالب كما مرّ، وإن كانا متساويين ; فإن كان المركّب منهما في الفصل المشترك بين حيّزيهما، فمكانه الطّبيعي يكون هناك، وإلاّ لم يحتسبا إلاّ بالقسر، سواء كان القسر من جامع، أو بأن يكون وضع أحدهما بحذاءجهة الآخر، بل يتفرقان لولا القسر.


صفحه 178

فهذا القسم من المركّب مكانه حيث ما اتّفق ذلك القسر فيه، هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام .

وهذا هو المطابق لكلام الشّيخ حيث قال في "طبيعيّات الشّفاء ": «وأمّا المركّبات، فإن تركّبها لا يخلو: إمّا أن يكون عن بسيطين، أو أكثر.

فإن كان عن بسيطين: فإمّا أن يكونا متساويين في القوّة أو أحدهما أغلب .

فإن كانا متساويين في القوّة، ولم يتّفق إن كان وضع أحدهما بحذاء جهة الآخر تفرّقاً، ولم يحتسبا، إلاّ بقسر جامع وإن تواجهت حركاتهما وبُعد كلّ من مكانه كبعد الآخر تقاوما، وقسر كلّ واحد الآخر توقفا إلاّ أن يطرأ على أحدهما معيّن، أو يكونا في الحدّ المشترك بين الحيّزين، فيجوز أن تقفا فيه بالطّبع .

وإن غلب قوّة أحدهما والقسر على المزاج حاصل، كان المكان الطّبيعي مكان الغالب .

وإن كان عن أكثر من بسيطين، وفيهما غالب فالحيّز للغالب .

وإن تساوت جواب الشّرط غاب البسيطان اللّذان جهتهما واحدة بالقياس إلى الموضع الّذي فيه التّركيب، كالماء والنّار والهواء، وموضع التّركيب الماء .

وحصل المركّب في أقرب الحيّزين وهو حيّز الهواء من حيّز وقوع التركيب وموضع الماء ولم يتجاوزه، إذ الجذب عنه إلى الجانبين سواء،


صفحه 179

والإمساك فيه عن البسيط الّذي يطلب ذلك الحيّز لا يبطله مخالف الحيزين.

وعسى أن لا يصحّ امتزاج من الأجسام البسيطة الّتي تتلازم به، إلاّ وهناك غالب يجمع ويقسر الأجزاء الأُخرى مانعاً إيّاها عن الحركة إلى أحيازها الخاصّة، أو تكون الأجزاء قد تصغرت تصغراً لا يمكنها أن يفعل في الأجسام الّتي بينهما وبين كلّياتها خرقاً، أو يكون قوّة قاسرة على الاجتماع غير قوى تلك البسائط. انتهى كلام الشّفاء».(1)

فقوله: فإن كان عن أكثر من بسيطين يشتمل القسمين اللّذين ذكرناهما ـ أعني : ما يكون تركيبه عن أربعة عناصر وما يكون تركيبه عن ثلاثة عناصر ـ إلاّ أنّه خصّ البيان بالثّاني وترك الأوّل لاشتراكه مع قسم واحد من المركّب من الاثنين في الوقوع في الفصل المشترك الّذي قد بيّنه أوّلاً. فتدبر.

فإن قيل (2): المركّب المتساوي البسيطان لو أخرج من المكان الّذي اتّفق وجوده فيه لم يعد إليه طبعاً، بل سكن أينما أخرج من امكنة بسائطه لعدم المرجّح، فلا يكون ذلك المكان طبيعيّاً له .

وأيضاً يجوز أن يكون له وللمركّب الّذي بعض بسائطه غالب صورة نوعيّة يقتضي حصوله في مكان الجزء المغلوب، أو المساوي.

قلنا: الجواب عن الأوّل: أنّ المركّب المذكور قد شرط الشّيخ كون بعد كلّ من بسيطيه من مكانه كبعد الآخر من مكانه، ولعلّ ذلك لأنّ الحركات


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 312 ـ 313 / الفصل الحادي عشر من المقالة الرابعة .
2 . تعرّض له الشّارح القوشجي وأجاب عنه. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 154 ـ 155 .


صفحه 180

الطّبيعيّة تشتد عند القرب من أمكنتها وتفتر عند البعد عنها فإذا خرج المركّب المذكور من المكان الّذي اتّفق ذلك فيه إلاّ في مكان آخر من أمكنة بسيطة أُخر لم يبق ذلك التّساوي فيه، لكونه أقرب إلى مكان أحد البسيطين لا محالة، فلا يكون هناك ذلك المركّب المفروض، بل يصير من القسم الّذي أحد بسيطيه غالب.

وعن الثّاني: أنّ الصّور النوّعيّة إنّما تفيض على حسب استعداد المواد، فالمركّب الّذي يكون أرضيّة مثلاً غالبة، يكون استعداد مقتضي الأرضيّة فيه أكثر من استعدادات مقتضيات سائر الأجزاء، فيجب أن تكون الصوّر الفائضة على حسب الاستعداد تابعة للاستعداد، فالفائضة على حسب الاستعداد المختلف يكون تابعة لاستعداد الغالب، ولا أقلّ من أن لا يكون منافية لمقتضاه، فلا يجوز كونها مقتضية لحصوله في مكان الجزء المغلوب، والفائضة على حسب الاستعداد المتساوي تكون تابعة للاستعداد المتساوي، فلا يجوز أن يكون مرجحّه للحصول في أحد أمكنة الأجزاء.


صفحه 181

المبحث الرّابع

في أنّ لكلّ جسم شكلاً طبيعيّاً(1)

قال: وكذا الشّكل، والطّبيعي هو الكرة.

أقول: يعني كما أنّ طبيعةَ كلُّ جسم تقتضي مكانّاً مخصوصاً كذلك تقتضي شكلاً مخصوصاً، لأنّ الشّكلّ ممّا يلزم الجسم بحسب الوجود، لأنّ كلّ جسم متناه لما سيأتي من تناهي الأبعاد، فيحيط به حدّ واحد أو أكثر، لأنّ المراد من الحدّ هو النّهاية، فيحصل له بسبب إحاطة الحدّ الواحد، أو الحدود هيئة، والمراد من الشّكل هو تلك الهيئة .

والمقصود، أنّ من هذا الشّكل اللاّزم للجسم في الوجود شيئاً طبيعيّاً له كما مرّ.

وما قيل (2) عليه: من أن حصول الشّكل للجسم يتوقّف على تناهي أبعاده ولا شكّ أنّ طبيعة المقسم لايقتضي تناهي أبعاده وما يعرض للشيء


1 . لاحظ البحث: النّجاة: 1 / 167 ; وشرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 203 ـ 208 ; والمباحث المشرقيّة: 2 / 71 ـ 74 ; والجديد في الحكمة: 344 ; وشرح عيون الحكمة: 2 / 75 ـ 77 ; وشرح الهداية الأثيريّة للميبدي: 68 ـ 69 ; وشرح الهداية الأثيريّة لصدر المتألّهين: 99 ـ 103 ; وايضاح المقاصد: 257 ـ 258 ; وشرح حكمة العين لمباركشاه: 398 ـ 399 .
2 . نقله الشارح القوشجي مع الجواب، لاحظ: شرح تجريد العقائد: 155 .


صفحه 182

بواسطة ليست مستندة إلى ذاته لا يكون عارضاً له لذاته .

مدفوع: بأنّ هذا مبني على مقدّمة ليست ببيّنة ولامبنيّة، وهي أنّ طبيعة الجسم لا تقتضي تناهي أبعاده، نعم التّناهي ليس بلازم لماهّية الجسم كالزّوجيّة للأربعة، بل لازم لوجوده، وليس بلازم بيّن لوجوده كالحرارة للنّار، بل لازم يحتاج إثباته إلى دليل، ولا يقتضي ذلك حاجة إلى واسطة في الثّبوت مع قيام البرهان على وجوب استناده إلى الطبيعة من غير واسطة غريبة .

والطّبيعي (1); أي الشّكل الطّبيعي للجسم البسيط، وإنّما لم يقيّد به اكتفاء بالشّهرة والظّهور، لعدم انضباط أشكال المركّبات من المعادن والحيوان والنبّات .

وما وقع في " شرح العلاّمة ": «من أنّ الشّكل الطّبيعي هو الاستدارة وباقي الأشكال قسري».(2)

توهّم من ظاهر العبارة هو الكرة.(3)

قالوا: لأنّ الطّبيعة في الجسم البسيط واحدة، والفاعل الواحد في القابل الواحد لا يفعل إلاّ فعلاً واحداً، وكلٌّ شكلٌ سوى الكرة، ففيه أفعال مختلفة، فإّن المضلّع من الأشكال يكون جانب منه خطّاً وآخر سطحاً وآخر نقطة .


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
2 . كشف المراد: المسألة الثّامنة من الفصل الأوّل من المقصد الثاني.
3 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 183

واعترض عليه: بالمنع والمعارضة والنّقض .

أمّا المنع:

فهو أنّا لا نسلم أنّ الفاعل هاهنا واحدٌ حقيقيٌّ حتّى لا يمكن أن يصدر عنه أفعال مختلفة ، لِمَ لا يجوز أن يكون لطبيعة البسيط جهات واعتبارات بها يكون مبدأ الأفعال مختلفة؟

وقال بعض الأفاضل (1): طبائع البسائط قد اقتضت آثاراً متعددّة كالطّبيعة الأرضيّة، فإنّها اقتضت اليبس والثّقل والبرودة والشّكل، فكيف يقول الفلاسفة أنّها لا تقتضي أفعالاً مختلفة، لأنّها طبيعة واحدة، بل مرادهم بما ذكروا أنّ المادّة في البسيط أمر واحد متشابه في جميع الأجزاء والطّبيعة الحالة فيها أيضاً كذلك، فإذا اقتضت شكلاً غير شكل الكرة جعلت أجزاء المادّة المتشابهة بعضها متخصّصاً بزاوية، وبعضها متخصّصاً(2) بنقطة، وبعضها بغير ذلك، وذلك ترجيح من غير مرجّح، لفرضِ أنّ أجزاء الجسم عن المؤثّرات الأجنبية.

فالوجه في الإيراد أن يقال: لا يقتضي الطّبيعة كلاًّ من افعالها بانفراده بأن تقضي الزّاوية بانفرادها والنّقطة بانفرادها، بل تقتضي شكلاً معيّناً كالمخروطيّة في مادّة مخصوصة.

والأجزاء المعروضة للأفعال المختلفة أجزاء فرضيّة لا تعيّن لها مستقلاًّ به يمتاز بعضها عن بعض بحسب نفسِ الأمر حتّى يصحّ أنْ يقال: أنّه


1 . لم نعثر على مصدره.
2 . في د : «مختصّة».


صفحه 184

يستدعي جعل بعضها محل الإنجذاب، أو الخطّ دون غيره سبباً مخصّصاً وعلّة مخصّصة، كما أنّه إذا اقتضت الطّبيعة شكل الكرة أيضاً فيجعل بعض الأجزاء كامنة وبعضها بارزة من غير مرجّح، لأنّ الأجزاء فرضيّة، ولا يمكن وجود الكرة إلاّ بأن يكون الأجزاء كذلك. انتهى ما قاله .

وأقول: أمّا ما قاله في إبراز مقصود الفلاسفة، فهو حقٌّ.

وأمّا ما قاله في توجيه الإيراد، فليس بشيء، لأن الطّبيعة إذا اقتضت المخروطيّة مثلاً في المادّة البسيطة، اقتضت أموراً موجودة مختلفة هي الزّاوية والنّقطة وغيرهما في أجزاء مفروضة متشابهة بجهات متشابهة .

وهذا اشنع ممّا لو اقتضت أموراً موجودة مختلفة في أجزاء موجودة متشابهة، لأنّ اختلاف وجودات الأجزاء وتشخّصاتها، وإن كانت الأجزاء متشابهة لعلّة يكفي للتّخصيص، بخلاف ما إذا كانت الأجزاء مفروضة مختصّة، فإنّه ليس هناك اختلاف في المخصّص مع كون مقتضيّات الطّبيعة مختلفة .

وأمّا في الكرة، فليس الإختلاف الّذي ذكره ـ أعني: كمون بعض الأجزاء وبروز بعضها ـ أموراً موجودة، فلا يقتضي مخصّصاً مختلفاً، فالعبرة ليست بوجود الأجزاء وامتيازها، بل بوجود الأُمور الحالة في الأجزاء وامتيازها مع كون الأجزاء مفروضة مختّصة، فليتدبّر جدّاً ليظهر أنّه كيف اشتبه الأمر عليه .

فحقّ تقرير البرهان على هذا المطلب: هو أنّ الطّبيعة في الجسم البسيط


صفحه 185

متشابهة وسارية في الأجزاء المتشابهة.

وكذا ما يلزم تلك الطّبيعة من المادّة المطلقة والجسميّة المشتركة وما يلحقها بحسب ذلك كلّها متشابهة وكلّ شكل غير الكرة مشتمل على أمور مختلفة موجودة .

وصدور مثل هذا الإختلاف عن طبيعة متشابهة في مادّة متشابهة يستلزم تخصيص بعض الأجزاء المتشابهة بالسّطح، وبعضها بالخطّ، وبعضها بالنّقطة، إلى غير ذلك من غير مخصّص، لكون جميع الأمور الّتي تبقى مع الجسم البسيط بعد فرض تخليته وطبعه متشابهة .

وما يمكن أن يلحقه من الأُمور المختلفة الغريبة مقطوع النّظر عنه في هذا الفرض وهومحال، لكونه ترجيحاً من غير مرجّح، فلا اعتراض عليه بالمنع.

وأمّا المعارضة:

فهي راجعةٌ هاهنا إلى أنّ دليلكم لا يستلزم مطلوبكم .

فتقريرها: أنّ البسائط إذا كانت مشتركة في الكرويّة، فيجوز استنادها إلى الجسميّة المشتركة، فلا يجب كونها طبيعية .

والجواب: أنّه لا يلزم من اشتراكها في مطلق شكل الكرة اشتراكها في الشّكل الواحد النّوعي، لأنّ مراتب الاستدارات أنواع مختلفة كما حقّق في موضعه .


صفحه 186

وأجاب عنه المصنّف في " شرح الإشارات ": «بأنّها من حيث هي مطلقة كذلك، أمّا من حيث هي متعيّنة فمتأخّرة عن المقادير الّتي تختلف باختلاف الطّبائع، وكذلك (1) كانت مستندة إلى الطّبائع» (2) .

وأجيب أيضاً: بأنّ غرض الحكماء ليس إلاّ أنّ الأجسام البسيطة إذا خليت وطبائعها كانت كرات، فإذا اقتضت الصوّرة الجسمية شكل الكرة يحصل غرضهم.

وفيه ما فيه.

وأمّا النّقض (3) فمن وجوه (4):

الأوّل: أنّ الأرض بسيطة وليست كرويّة لما عليها وفيها من التّلال(5) والوهاد (6) والكرويّة الجسميّة غير كافية، لكون الدّليل دالاًّ على الحقيقة.

والجواب: أنّ شكلها الطّبيعي هو الكرة إلاّ أنّه وقعت هناك اسباب خارجة كالرّياح والأمطار، فَانْثَلم بها جزء من الأرض، ولكون اليبوسة الّتي فيها حافظة لكلّ مايحصل لها من الأشكال طبيعيّاً أو قسريّاً، يبقى شكلها على ذلك الانْثِلام .


1 . في المصدر «لذلك» .
2 . شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 204 / النمط الثاني .
3 . وهو إبطال الدّليل .
4 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 155 .
5 . قطعة من الأرض أرفع قليلاً .
6 . أي الأرض المنخفضة.


صفحه 187

وكون اليبوسة المانعة عن العود إلى الشكّل الطّبيعي مستندة إلى الطّبيعة المقتضية لكرويّتها لا يوجب كون الشيء مقتضياً لشيء ولما يمنع منه، لأنّ اليبوسة ليست مانعة بالذّات عن الكرويّة، بل أنّ شأنها إلاّ حفظ الأشكال، فهي معيّنة للطّبيعة في مقتضاها في الحقيقة، لكن لمّا كان شأنها ذلك ولا تميّز لها ليعرف الطّبيعي والغريب حفظ الغريب أيضاً، فمنعها عن العود إلى الطّبيعي إنّما هو بالعرض، وإنّما عرض ذلك لزوالها عن الحالة الطّبيعية من وجه وبقائها عليها من وجه، هذا خلاصة ما قاله الشّيخ في "الشّفاء (1) "ولخّصّه المصنّف في "شرح الإشارات "(2) .

الثّاني: وهو ممّا أورده الإمام وهو: «أنّ متمّمات الأفلاك والنقر الّتي يرتكز فيها التّداوير والكواكب من الأفلاك مع بساطتها ; مخالفة بحسب الشّكل، لما تقتضيه الإستدارة، وأنتم لا تجوّزون حصول ذلك بالقسر.

وأجاب عنه المصنّف في " شرح الإشارات "بأنّ: اتّصال الصوّر الكماليّة ببعض البسائط في فطرتها الأُولى لأسباب تعود إلى العلل الفاعليّة غير ممتنع، كما أنّ اتّصالها ببعض المركّبات لأسباب تعود إلى العلل الفاعليّة في الفطرة الثّابتة غير ممتنع، فإنّ الكائن ـ نباتاً أو حيواناً ـ في هذه الفطرة إنّما تتّصل به صورة كماليّة نباتيّة، أو حيوانيّة مع بقاء صور أجزائه العنصريّة بحسب مزاجه، كذلك لا يبعد أن يتّصل في الفطرة الأُولى ببعض الأفلاك


1 . لاحظ: طبيعيّات الشّفاء: 1 / 310 ـ 311 .
2 . راجع: الإشارات والتّنبيهات: 2 / 204 ـ 205 .


صفحه 188

المستديرة صورة كماليّة تفرز (1) من ذلك الفلك كرة يختصّ بها هي فلك خارج المركز، أو تدوير، أو كوكب مع بقاء الصّورة الأُولى المتّصلة بجميع أجزاء الفلك الأوّل فيها، فيكون ذلك بحسب أمر في العلّة المقتضية لوجود ذلك الفلك، ويلزم من ذلك أن يبقى من الفلك الأوّل متمّم، أو نقرة متصوّرة بالصوّرة الأُولى فقط، على ما يشهد به علم الهيئة. انتهى».(2)

والتّفصيل: أنّ هذا النّقض لو جعل نقضاً على الدّعوى كما هو الظاهر .

فالجواب عنه: أنّ الكوكبَ مثلاً ليس من حيث صورته جزءاً للفلك، بل من حيث مادّته وهو من حيث المادّة ليس بمفروز من الفلك ليلزم أن يكون في الفلك من حيث هو فلك نقرة ويبطل بذلك استدارته، بل مفروز منه من جهة تعلّق صورة أُخرى بهذه الحصّة من مادّة الفلك .

ولا دخل لهذه الصّورة في كونه جزءاً للفلك، بل محلّ هذه الصّورة جزءٌ من فلك، فكون هذا الجزء مفروزاً من الفلك إنّما هو بالعرض، ولا يلزم في الفلك نقرة من حيث هو فلك بالذّات .

ولو جعل نقضاً على مقدّمة الدّليل ـ أعني: وجوب كون فعل الطّبيعة الواحدة متشابهاً ـ غير مختلف، بأن يقال: طبيعة الفلك لكونه بسيطاً يجب تشابه أفعاله، وقد اختلف من حيث وجود الأُمور المذكورة فيه.

فالجواب عنه: أنّ فعل طبيعة الفلك من حيث هي طبيعته في مادّة


1 . أي تعزل .
2 . الإشارات والتنبيهات: 2 / 206 ـ 207 .


صفحه 189

الفلك من حيث هي مادّته لم يختلف أصلاً.

والإختلاف المتحقّق هناك ليس من طبيعة الفلك وحدها، ولا من طبيعة الكوكب وحدها، بل من اجتماع عدّة من الطّبائع، فوقع الإختلاف هناك بالعرض لا بالذّات وفعل كلّ طبيعة من تلك الطّبائع في مادّتها من حيث هي مادّتها ليس إلاّ الإستدارة والتّشابه.

وقد يورد جميع الكرات المجوفة من الأفلاك وغيرها نقضاً على المقدّمة لتحقّق الإختلاف بالسّطحين في كلّ منها.

وأجاب عنه، الأستاذ (قدس سره) في " شرح الهداية الأثيريّة ": «بأنّ حقيقة كلّ من كلّيات الأفلاك والعناصر تقتضي لذاتها أن يكون له مكان خاصّ ووضع خاصّ وهيولى كلّ منها أيضاً لا تقبل إلاّ مقداراً معيّناً، فالطّبيعة اقتضت أوّلاً في مادّة كلّ منها مقداراً معيّناً في موضع معيّن، واقتضت بعد ذلك شكلاً يكون ذلك الشّكل أبسط الأشكال المتصوّرة في حقِّ ذلك الجسم، فحصل التجويف لا بمقتضى الطّبيعة بالذّات، بل بالعرض». (1)

وقد يتفصّى عنه بتوهّم فيضان صورة واحدة على كرة العالم الجسماني أوّلاً .

ثمّ طريان صورة أُخرى على بعض منها هو من اقصى الثّامن إلى مركز الأرض تفرز منها كرة التّاسع، فيحصل التّجويف فيها بالعرض .

ثمّ صورة أُخرى على بعض آخر هو من اقصى السّابع إلى المركز


1 . شرح الهداية الأثيريّة: 144 / الفن الثّاني من القسم الثّاني.


صفحه 190

تفرز كرة الثّامن مجوفة بالعرض، وهكذا إلى الكرة الثّالثة عشرة ـ أعني : جرم الأرض ـ فيحصل التّجويف في كلّ كرة هي فوق الأرض بالعرض لا بالذّات، كما في نقر الكواكب، وهذا باطل، لتقدّم الصّورة النّوعيّة على الصّورة الجسميّة تقدّماً بالذّات كهما على الهيولى، فلا يمكن سبق الاصمات على التّجويف، هذا إذا كانت الصّورة الأُولى الفايضة على الكلّ صورة جسميّة فقط .

وأمّا إن كانت صورة كماليّة نوعيّة كالصّورة الطّارية، فيلزم كون كلّ طارية أشرف وأكمل من السّابقة، فيلزم كون الأرض أشرف من الفلك بمراتب كثيرة، وكذا كلّ فلك ممّا هو فوقه بقدر ما بينهما من الأفلاك والصّور، هذا .

فإن قيل (1) بالجواب المذكور: وإن إندفع النّقض(2) لكن يبقى أنّه يلزم اجتماع صورتين نوعيّتين في الكوكب والتدّوير والخارج المركز وهو محال.

لا يقال (3): لا نسلّم استحالته، فإنّ صور العناصر باقية في المركّب، وقد حلّ فيه صورة أُخرى سارية في أجزائه.(4)

لأنا نقول: صورة المركّب سارية في جميع أجزائه المقداريّة المركّبة لا


1 . نقله الشارح القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 156 .
2 . أي الاعتراض بالنقض .
3 . القائل هو الشارح القوشجي، لاحظ: شرح تجريد العقائد: 156 .
4 . وهي العناصر، فيكون في كلّ عنصر هناك صورتان نوعيّتان.


صفحه 191

البسيطة، وإلاّ لزم كون جزء واحد ماء وياقوتاً مثلاً واستحالته بديهية .

بل يمكن أن يقال: بسائط المركّب ليست من الأجزاء المقداريّة للمركّب من حيث هو مركّب، وإن كانت أجزاء مقداريّة لمادّته، فالعناصر ليست أجزاء مقداريّة للياقوت مثلاً من حيث هو ياقوت، بل لجسميّته الّتي هي مادّة للصّورة الياقوتيّة .

وفيه كلام سيأتي في مبحث المزاج (1)، وأنّه إذا كان في الفلك صورتان كان فيه تركيب قويٌّ وطبايع فلا يكون بسيطاً.

لا يقال (2): معنى التركّب القوي أن يكون لجزء من الجسم قوّة، ولجزء آخر منه قوّة أُخرى،(3) وليس في الفلك كذلك إذ الصّورة الأُولى سارية في الكلّ، والثّانية مختصّة بالبعض .

لأنا نقول: فيلزم أن يكون فلك الثّوابت مركّباً من قوى وطبائع، وأنّه إذا جاز في الفلك اتّصال صور متعدّدة هي مبادي أفعال مختلفة فليجزي في سائر البسائط، فلا يلزم أن يكون شكلها مستديراً.

قلنا الجواب عن الأوّل: أنّا لا نسلّم أنّ صورة الفلك سارية في أجزائه كصورة الماء، وإلاّ لزم كون جزء الفلك فلكاً، كما أنّ جزء الماء ماء، إذ ذلك معنى سريان الصّورة في الأجزاء كما لا يخفى.


1 . المسألة السّابعة من الفصل الثّاني من هذا الجزء .
2 . القائل هو الشارح القوشجي. أنظر: شرح تجريد العقائد: 156 .
3 . إذا كان له جزآن كان له قوّتان، وليس الأمر في الفلك كذلك.


صفحه 192

وعن الثّاني: أنّه قد عرفت أنّه لا يلزم أن يكون في شيء من الفلك من حيث أنّه فلك صورتان مختلفتان ليلزم ذلك.

وعن الثّالث: أنّك قد عرفت أنّ فعل كلّ صورة في مادّتها من حيث هي مادّتها ليس إلاّ الإستدارة والتشّابه، فمن أين يلزم عدم استدارة اشكال البسائط، هذا؟

لكن هنا اشكالٌ قويٌّ كان قد سنح لي (1): وهو أنّ الجزء الّذي يبقى بعد إفراز الخارج المركز من الممثّل ويسمّى بالمتّمم، وكذا ما يبقى بعد إفراز التّدوير من الخارج وبعد إفراز الكوكب من التّدوير جسم لا محالة، وليس له طبيعة مختصّة به، ولا سرت فيه الصّورة الممثّليّة مثلاً لما مرّ، ولأنّه يلزم تعدّد أفراد النّوع الواحد المبدع هاهنا لانفصاله عن الممثّل وعن المتّمم الآخر، وكان كرة تامّة، وليس أيضاً موجوداً بعين وجود الكلّ، كما هو شأن الأجزاء المفروضة، فيلزم أن يكون الجسم موجوداً بما هوجسم بدون صورة نوعيّة، وإن يتحصّل الجنس في الخارج بلا فصل وبطلانه ممّا قد تقرّر عندهم.

والجواب عنه: أنّا لا نسلّم أنّه منفصل عمّا هو جزء له كالممثّل بالّذات أو بالعرض، بل هو منفصل عن الخارج من حيث الصّورة بالذّات وعن المتّمم الآخر بالعرض، وليس منفصلاً عن الممثّل لا بالذّات ولا بالعرض، بل هو متّحد الوجود معه ومتحصّل الصّور بصورته وليس موجوداً برأسه;


1 . أي عرض وخطر ببالي.


صفحه 193

أي منفصلاً عمّا هو جزء له أصلاً، ولا عمّا له صورة مختصّة ـ أعني: الخارج من حيث المادّة ـ بالّذات، بل بالعرض .

وذلك لما مرّ من أنّ الخارج ليس جزءاً للممثّل من حيث الصّورة، بل من حيث المادّة، ولا هو مفروز عنه من حيث المادّة، بل من حيث الصّورة، فلا اشكال، هذا .

وقال بعض الأفاضل لدفع النّقض المذكور: أنّ الدّليل على وجود الخارج المركز ليس إلاّ وجدان الإختلاف في الحركات التقويميّة المنسوبة إلى المتحيّرة على ما فصّل في مظانّه وكذا التدّوير، فيجوز أن يكون الفلك متّصلاً واحداً لا جزء له بالفعل، وتكون الحركات المختلفة منسوبة إلى أجزائها الفرضيّة ولا محذور فيه، إذ لا بُعد في أن تتحرّك الأجزاء الفرضيّة في المتّصل الواحد حركات متغايرات لحركة المتّصل، كما في الغمرات الّتي تقع في البحور وفي ريح المثارة، بل في جميع الأنهار العظيمة، إذ كثيراً ما يقف الماء الّذي في أطراف الأنهار ويتحرّك الباقي مع اتّصالهما، فخارج المركز من الفلك جزء مفروض، عرضته تلك الحركة المنحصرة المخصوصة المحسوسة، فإذا فرض فيه ذلك الجزء بتمامه يفرض الباقي من الفلك متمميّن مختلفي الجوانب.

وبالجملة: المتمّم جزء مفروض من كرة واحدة على شكل فعلي، ويمكن فرض هذا الجزء في كلّ كرة، وقس عليه التّدوير. انتهى مقاله .(1)


1 . لم نعثر على مصدره.


صفحه 194

ولا يخفى حاله.

ثمّ نقل عن بعض المحقّقين لدفع النّقض: إنّ الأنسب بقواعدهم أن يقال: إنّ صورة فلك الثوابت مثلاً صورة متفنن الفعل .

فإنّ الصّورة: قد تكون متشابه الفعل كصور البسائط العنصريّة، وقد تكون متفنن الفعل كصور المركّبات.

وما ادّعى من أنّ الفاعل الواحد في القابل الواحد لا يفعل أفعالاً مختلفة، فغير مسلّم في الفاعل المتفنن .

ثمّ ردّ هذا القول بما حاصله: أنّ هذا تخصيص لقاعدتهم من غير أن يرضوا به، لأنّه إذا جاز أن يكون لبسيط صورة متفنّن الفعل جاز في كلّ بسيط، فيضيع سعيهم، وهو كذلك .

الثّالث (1) أيضاً ممّا أورده الإمام (2): وهو أنّ القوّة المُصوّرة إن كانت بسيطة فمحلها: إمّا بسيط، وإمّا مركّب، والأوّل يقتضي أن يكون شكل الحيوان كرة، والثّاني يقتضي أن يكون مجموع كرات بعدد البسائط الّتي في المحلّ المركّب، وإن كانت مركّبة من قوى، فإن كانت تلك القوى في محالّ مختلفة، كان الحيوان أيضاً مجموع كرات، وإن كانت في محلّ واحد، فإن لم يمنع بعضها بعضاً عن مقتضاه، كان الحيوان كرة واحدة وإن منع.


1 . من وجوه النّقض .
2 . لاحظ: شرح الإشارت والتنبيهات: 2 / 207 و 208 ; والمحاكمات: 2 / 208 ; وشرح تجريد العقائد: 156 .


صفحه 195

فَلِمَ لا يجوز أن يكون مع طبائع البسائط ما يمنعها عن اقتضاء الاستدارة؟

والجواب: أنّا لا نسلّم أنّها لو كانت بسيطة في مركّب، أو كانت مركّبة في مركّب يلزم أن يكون الحيوان كرات، وإنّما يلزم لو كان فعل البسيط في المركّب فعله في واحد واحد، أو(1) كان فعل المركّب في المركّب فعل واحد واحد في واحد واحد هو (2) وهو غير لازم، بل المنفعل في الصّورة الثّانية الأُولى، وكذا الفاعل في الصورة الثّانية هو مجموع الأجزاء من حيث هو مجموع.

ثمّ إنّه لمّا ثبت أنّ طبيعة الجسم تقتضي المكان ويطلبه، دلّ ذلك على وجوده في الجملة ـ أعني: أعمّ أن يكون بالفعل، أو بالقوة ـ إذ لا معنى للطّلب الطبيعي لما لا يمكن وجوده، وهذا ـ أعني: الوجود في الجملة ـ كاف للمثبتين .

وأمّا ما يقال: من أن الطّلب يدلّ على الوجود بالفعل ضرورة، أنّ الجسم يطلب الحصول فيه لا تحصيله، وطلب الحصول في الشّيء لا يمكن إلاّ بعد وجوده.

ففيه :

أوّلاً: منع أنّ الجسم لا يطلب تحصيله .


1 . في المصدر: «وكان فعل المركّب».
2 . سقط عن د : لفظ «هو» .


صفحه 196

وثانياً: منع أنّ طلب الحصول فيه لا يمكن إلاّ بعد وجوده، مع أنّه منقوض بما يطلبه المتحرّك في الكم والكيف والوضع على ما لا يخفى .

وأيضاً دلّ ذلك على كون المكان ذا وضع إذ لا يجوز حصول ذي وضع فيما لا وضع له بالضّرورة، فثبت كون المكان موجوداً ذا وضع، كما ذهب إليه الحكماء، بل جمهور العقلاء.

ومن النّاس من نفى أن يكون للمكان وجود أصلاً .

وذكر الشّيخ في " الشّفاء " لهم حُججاً، وأجاب عنها :

الأُولى، أنّ المكان لو كان موجوداً لكان: إمّا جوهراً، أو عرضاً.

والجوهر (1); محسوس أو معقول: فإن كان جوهراً محسوساً، ولكلّ جوهر محسوس مكان، فللمكان مكان إلى غير النّهاية، وإن كان جوهراً معقولاً، فكيف يفارقه، ويقارنه الجوهر المحسوس، والمعقولات لاوضع لها ولا إشارة إليها، وكلّ ما يفارقه ويقارنه الجوهر المحسوس ; فهو ذو وضع وإليه إشارة، وإن كان عرضاً: فالّذي يحلّه هذا العرض كالّذي يحلّه البياض، والّذي يحلّه البياض يشتق منه الإسم، فيقال: مبيّض وأبيض.

فالجوهر الّذي يحلّه المكان يجب أن يشتقّ منه الإسم، فيكون هو المتمكّن فيكون مكان المتمكّن عرضاً، فيلزمه في النّقلة ويسير (2) معه حيث سار (3)، فلا يكون منتقلاً عنه كما تزعمون، بل منتقلاً معه.


1 . أي فإن كان جوهراً: فإمّا أن يكون محسوساً أو جوهراً معقولاً.
2 . في المصدر: «يصير ـ صار».
3 . في المصدر: «يصير ـ صار».


صفحه 197

والجواب عنهما: أنّ المكان عرض ويجوز أن يشتقّ منه اسم لما هو عرض فيه، لكن لم توقف عليه بالتعارف، ومثل هذا كثير، وإذ اشتق، فلا يجب أن يكون ذلك هو اللّفظ المتمكّن، فإن المتمكّن مشتق من التمكّن، وليس التّمكن هو كون الشّيء ذا مكان، على أنّه يجوز أن يكون في الشّيء عرض ويشتقّ منه الإسم لغيره كالولادة، فهي في الولد ويشتقّ منه الإسم للمولود، والعلم في العالم ويشتقّ منه الإسم للمعلوم، فيجوز أن يشتقّ من المكان اسم المتمكّن ولا يكون المكان فيه .

الثّانية: أنّ المكان لا يخلو: إمّا أنْ يكون جسماً أو غير جسم، فإن كان جسماً والمتمكّن يكون فيه، فهو مداخل له، ومداخلة الأجسام بعضها بعضاً محال، وكيف يكون جسماً ولا هو بسيط من الأجسام ولا مركّب منها، وإن كان غير جسم، فكيف يقولون: إنّه يطابق الجسم ويساويه، ومساوي الجسم جسم ؟

والجواب: أنّه غير جسم ولا مطابق للجسم، بل محيط به، بمعنى أنّه منطبق على نهاية .

وقولنا: إنّه مطابق له مجازاً، والمراد كون المكان مخصوصاً بالمتمكّن فيتخيّل أنّه مساو له بالحقيقة.

الثّالثة: أنّ الإنتقال ليس إلاّ الاستبدال لقرب وبعد. كما أنّ هذا الاستبدال يقع للجسم، فكذلك قد يقع للسّطح والخطّ وللنقطة .


صفحه 198

فيجب (1) أن يكون لها أيضاً مكان ومعلوم أنّ مكان النقّطة يجب أن يكون مساوياً لها حتّى لا يسعهُ غيرها وما يساوي النّقطة نقطة، فلم صارت أحدى النقطتين مكاناً والأُخرى متمكنة.

والجواب: أنّه إنّما يلزم ذلك لو قلنا: كلّ انتقال سواء كان بالّذات، أو بالعرض مثبت للمكان .

ونحن لا نقول كذلك، بل نقول: إنّ انتقال الشّيء بالّذات مثبت للمكان.

الرّابعة: أنّ المكان عندكم أمرٌ لابدَّ منه للحركة (2)، وكلُّ ما لابدّ منه للشّيء فهو علّة له، والمكان ليس علّة للحركة لا فاعلاً، ولا مادّة، ولا صورة وهذا ظاهر، ولا غاية، لأنّ المكان عندكم ممّا يحتاج إليه قبل الوصول إلى الغاية والتّمام.

والجواب: أنّا لا نسلّم أن كلّ ما لا بدّ منه للشّيء فهو علّة له، فإنّ المعلول ممّا لا بدّ منه للعلّة وليس بعلّة للعلّة.

ثمّ ذكر (3) للمثبتين أيضاً حُجَجاً:

منها: وجود النّقلة: فإنّ النّقلة مفارقة شيء لشيء وليس ذلك مفارقة جوهر ولا كمّ ولا كيف (4) ولا غير ذلك من المعاني، إذ جميع هذه يبقى مع


1 . فإن كان الانتقال يوجب للمنتقل مكاناً فيجب، الخ.
2 . إذ تجعلون الحركة محتاجة إليه فهو إحدى علل الحركة، لكنّه ليس بفاعل للحركة.
3 . الشيخ الرّئيس .
4 . في ذاته .


صفحه 199

النّقلة، بل إنّما ذلك مفارقة شيء كان الجسم فيه ثمّ استبدل به، وهو الّذي تسميّه مكاناً.

ومنها: وجود التّعاقب: فإنّا نشاهد الجسم يكون حاضراً، ثمّ نراه غائباً، ونرى جسماً آخر حضر حيث هو، مثلاً قد كانت جرة فيها ماء ثمّ حصل بعده فيها هواء أو دهن، والبديهة توجب أنّ هذا المعاقب عاقب شيئاً وخَلَفَهُ في أمر كان لذلك الشّيء أولاً، وكان الأوّل مختصّاً به، والآن فقد فاته، وذلك لا كيف ولا كمّ في ذات أحدهما ولا جوهر، بل الحيّز الّذي كان الأوّل فيه صار الآخر فيه .

ومنها: أنّ النّاس كلّهم يعقلون أنّ هنا فوق، وأنّ هاهنا أسفل، فليس يصير الشّيء فوقاً وأسفل بجوهر له أو كم أو كيف فيه أو غير ذلك، بل بالمعنى الّذي يسمّى مكاناً، وحتّى أنّ الأشكال التّعليميّة لا تتوهم إلاّ أن تتخصّص بوضع وحيّز، ولولا أنّ المكان موجود ومع وجوده ليس بنوع ولا فصول وخواصّ، لما كان بعض الأجسام يتحرّك طبعاً إلى فوق، وبعضها إلى أسفل .

قالوا: وقد بلغ من قوّة أمر المكان أنّ التّخيّل العامي بمنع وجود الشّيء لا في مكان، ويوجب أنّ المكان أمرٌ قائمٌ بنفسه يحتاج أن يكون معدّاً حتّى توجد فيه الأجسام.

ولمّا أراد استودوس الشّاعر أن يقول شعراً يحدث فيه عن ترتيب الخلقة لم ير أن يقدّم وجود المكان شيئاً، فقال: إنّ أوّل ما خلق الله تعالى


صفحه 200

المكان، ثمّ الأرض الواسعة. انتهى ما أردنا من " الشّفاء "(1).

وينبغي أن يعلم أنّ هذه الوجوه وأمثال ذلك تنبيهات على وجودِ أمر مسمّى بالمكان.

فإنّ الحقّ: أنّ المكان فطري الإنيّة وإن كان نظري الماهيّة، ولذلك اختلف العقلاء بعد اتّفاقهم على أنّ للجسم مكاناً في حقيقته والاحتمالات المذهوبة إلى كلّ منها ستة الثلاثة المشهورة، أعني: كون المكان سطحاً، أو بُعداً موجوداً، أو بعداً موهوماً.

والرابع: أنّ المكان هو الهيولى .

والخامس: أنّه هو الصّورة .

والسّادس: أنّه هو ما يستقر عليه الجسم .

والأوّل: مذهب أرسطو ومن تابعه .

والثّاني: مذهب أفلاطون وشيعته.

والثّالث: مذهب جمهور المتكلّمين .

وقد ذهب إلى كلّ من الرّابع والخامس جماعة من الأوائل .

والسّادس: هو المتعارف بين العامّة.

قال في " الشّفاء ": «لفظة المكان قد يستعملها العامّة على وجهين: فربّما عنوا بالمكان ما يكون الشّيء مستقراً عليه، ثمّ لا يتميّز لهم أنّه هو


1 . لاحظ: طبيعيّات الشّفاء: 1 / 111 ـ 114 .


صفحه 201

الجسم الأسفل أو السّطح الاعلى من الجسم الأسفل، إلاّ أن يتزعزعوا يسيراً عن العاميّة، فتخيل بعضهم هو السّطح الأعلى من الجسم الأسفل دون سائره.

وربّما عنوا بالمكان الشّيء الحاوي للشيء كالدن للشراب، والبيت للنّاس.

وبالجملة ما يكون فيه الشّيء، وإن لم يستقرّ عليه، وهذا هو الأغلب عندهم وإن لم يشعروا به .

إذ الجمهور منهم يجعلون السّهم ينفذ في مكان، والسماء والأرض عند من فهم صورة العالم منهم مستقرّة في مكان، وإن لم تعتمد على شيء.

لكنّ الحكماء وجدوا للشّيء الّذي يقع عليه اسم المكان بالمعنى الثّاني أوصافاً، مثل أن يكون فيه الشّيء، ويفارقه بالحركة، ولا يسعه معه غيره، ويقبل المثقلات إليه، ثمّ تدرجوا قليلاً إلى أن توهموا أنّه حاو.

إذا(1) كان المتمكّن موصوفاً بأنّه فيه، فلما أرادوا أن يعرفوا ماهيّة هذا الشّيء وجوهره، كأنّهم قسّموا في أنفسهم، فقالوا: إنّ كلّ ما يكون خاصّاً بالشّيء ولا يكون لغيره، فلا يخلو:

إمّا أن يكون داخلاً في ذاته، أو يكون خارجاً عن ذاته .

فإن كان داخلاً في ذاته: فإمّا أن يكون هيولاه، أو صورته، وإن


1 . في المصدر وفي د: «وإذ» .


صفحه 202

كان خارجاً عن ذاته، ومع ذلك يساويه ويخصّه، فهو إمّا نهاية سطح يلاقيه ويشغل بتماسّه ولا يماسّه غيره، إمّا محيط، وإمّا محاط مستقرّ عليه، أيّهما اتّفق، وإمّا أن يكون بعداً يساوي أقطاره، فهو يشغله بالاندساس فيه .

فمنهم من زعم: أنّ المكان هو الهيولى، وكيف لا والهيولى قابل للتّعاقب.

ومنهم من زعم: أنّ المكان هو الصّورة وكيف لا وهو أوّل حاو ومحدود.

ومنهم من قال: إنّ المكان هوالأبعاد، فقال: إنّ بين غايات الإناء الحاوي للماء أبعاداً مقطورة ثابتة، وأنّها يتعاقب عليها الأجسام المحصورة في الإناء.

وبلغ بهم الأمر إلى أن قالوا: هذا مشهور مفطور عليه البديهة، فإنّ النّاس كلّهم يحكمون أنّ الماء فيها بين أطراف الإناء، وأنّ الماء يزول ويفارق ويحصل الهواء في ذلك البعد بعينه، واحتجّوا أيضاً بضروب من الحجج. انتهى كلام " الشّفاء "»(1).

وسيأتي حججهم، وقوله: «فإمّا نهاية سطح» على سبيل الإضافة البيانيّة; أيّ نهاية هي سطح .

وقوله: «إمّا محيط، وإمّا محاط مستقرّ عليه» تفصيل له; أي ذلك


1 . انظر: طبيعيّات الشّفاء: 1 / 114 ـ 115 .


صفحه 203

السّطح: إمّا محيط بذلك الشّيء المتمكّن كباطن الكوز للماء، وإمّا محاط بالمتمكّن مستقرّ عليه وله.

ولعلّه إشارة إلى ما ذهب إليه بعضهم، من أنّ مكان الفلك الأعظم إنّما هو السّطح الظّاهر للفلك الثَّوابت، كما يشعر به قوله: «أيّهما اتّفق»، فتدبر .


صفحه 204

المبحث الخامس

في ماهيّة المكان (1)

قال: والمعقول من المكان البُعد، فإنّ الأمارات تُساعد عليه .

واعلم أنّ البُعد منه ما هو ملاق للمادّة وهو الحال في الجسم ويمانع مساويَه.

ومنه مفارق تحلّ فيه الأجسام ويلاقيها بجملتها ويداخلها بحيث ينطبق على بُعد المتمكّن ويتحدّ به، ولا امتناع; لخلوّه عن المادّة.

ولو كان المكان سطحاً لتضادّت الأحكام، ولم يعمّ المكان.

أقول: ثمّ إنّ المصنّف اختار المذهب المنسوب إلى أفلاطون فقال: والمعقول من المكان، وفي بعض النسّخ (2) «من الأوّل» والمعنى واحد، هو البعد فانّ الأماراتِ تُساعِد عليه ; أي علامات المكان متحققة في البُعد ومساعدة على كونه هو المكان.(3)


1 . راجع في ايضاح المقام الكتب التالية: الطّبيعة لأرسطاتالس: 1 / 302 ـ 328 / التّعليم الأوّل إلى الثّامن من المقالة الرّابعة ; والأسرار الخفيّة في العلوم العقليّة: 249 ـ 252 ; وشرح الهداية الأثيريّة لصدر المتألّهين: 92 ـ 96 ; ومرآة الأكوان: 257 ـ 265 ; وأبكار الأفكار: 2 / 395 ـ 398 ; وشرح المواقف: 5 / 114 / المقصد التاسع.
2 . كما في تجريد الاعتقاد; ومتن كشف المراد; والبراهين القاطعة.
3 . المكان لغةً الموضع كما في الصّحاح; والقاموس. وله إطلاقان: الأوّل بحسب الاشتقاق ،وهو موضع كون الشيء وحدوثه. والثّاني الإطلاق الاسمى، وهو ما يعتمد عليه المتمكّن عند القيام أو نحوه ممّا يحصل به الاستقرار .


صفحه 205

وذلك أنّهم جعلوا للمكان أمارات أربعاً:

الأُولى: جواز انتقال الجسم عنه إلى غيره .

والثّانية: استحالة حصول جسمين معاً فيما يشغله أحدهما.

والثّالثة: أنّه ينسب إليه الجسم بلفظة «في» وما في معناها.

والرّابعة: أنّه يختلف بالجهات مثل فوق وتحت وغيرهما.

والاوصاف المذكورة في كلام الشّيخ الّذي مرّ آنفاً يُشير إلى هذه الأمارات، وإنّما اتّفقوا على تلك الأمارات، لأنّ الشّيء إذا لم يسلّم فيه علامة، أو لازم، أو خاصّة، أو أمر في ذاته، لا يصلح النّزاع فيه، والاختلاف في حقيقته .

قالوا: الأمارة الأُولى: تمنع كون المكان هيولى أو صورة .

والشّيخ قد أبطل متمسّكها أيضاً بان قال: «فأمّا قياس مَنْ قال إنّ المكان يتعاقب عليه والهيولى متعاقب عليها، فقد علم أنّه غير منتج، اللّهم إلاّ أن يقال: وكلّ ما يتعاقب عليه مكان، فلا يسلّم حينئذ، لأنّ المكان هو بعض ما يتعاقب عليه وهو الّذي يتعاقب فيه الأجسام بالحصول فيه .

وكذلك (1) أنّ المكان أوّل حاو ومحدّد، فهو الصّورة وذلك أنّه ليس المكان كلّ أوّل حاو، بل الّذي يحوي شيئاً مفارقاً، وأيضاً الصّورة لا تحوي شيئاً، لأنّ المحوي منفصل عن الحاوي، والهيولى لا تنفصل عن الصّورة. انتهى »(2).


1 . وكذلك ما قيل إنّ المكان... الخ.
2 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 140 .


صفحه 206

وفي شرح المقاصد: «أنّ أفلاطون يعبّر عن البعد: تارةً بالهيولى، لتوارد الأجسام عليه توارد الصّورة على المادّة، وتارةً بالصّورة، لكونه عبارة عن الأبعاد. إذ الممتدة في الجهات بمنزلة الصّورة الاتصاليّة الجسميّة الّتي بها يقبل الجسم الأبعاد، ويتميّز عن المجرّدات .

ثمّ قال: وعلى هذا الإيراد ما يقال: إنّ امتناع كون حيّز الجسم جزء منه، في غاية الظّهور، فكيف يذهب إليه العاقل؟ انتهى».(1)

وأنت خبير بمخالفته لما نقلنا من " الشّفاء "فتدبّر. هذا.

والأمارة الثّالثة; تمنع كونه ما يستقرّ عليه الجسم.

والثّانية (2): يحتاج إليها في الفرق بين المكان والمحلّ، فإنّ المكان الواحد لا يجتمع فيه جسمان، والمحلّ الواحد يجتمع فيه حالاّن كالطّعم واللّون في جسم واحد، ولا يكفي جواز الانتقال في هذا الفرق، لكونه مفتقراً إلى إقامة البرهان على امتناع انتقال الصّور والأعراض، بخلاف جواز اجتماع حالّين في محلّ واحد، وامتناع اجتماع جسمين في مكان واحد، فإنّه ضروري.

والرّابعة (3): يحتاج إليها لإبطال زعم بعض، أنّ النّفس مكان للبدن، وذلك أنّ النّفس ليست في جهة، وإذا بطلت هذه الآراء بقيت الاحتمالات


1 . شرح المقاصد: 2 / 200 .
2 . أي الأمارة الثّانية.
3 . أي الأمارة الرّابعة.


صفحه 207

الثّلاثة المشهورة، بل الاثنان ـ أعني: البعد والسّطح ـ وأصحاب كلّ منهما يدّعون تحقّق الأمارات المذكورة فيما ذهبوا إليه، ولا نزاع في تحقّق الأمارة الثّانية والرّابعة في كلّ منهما، إنّما النّزاع في تحقق الأُولى والثّالثة.

وأصحاب البُعد يدعّون تحقّقها في البُعد دون السّطح ; قالوا: فإنّ النّاس كلّهم يحكمون بأنّ الماء في ما بين أطراف الإناء، ويريدون بها أطرافه الدّاخلة لا الخارجة، وما بين أطرافه الدّاخلة هو البُعد لا سطحه الباطن، إذ هو عينها.

وأيضاً يقولون: إنّ المكان كالإناء فارغ وممتلي، ويريدون الدّاخلة للخارجة، وما بين أطرافه الدّاخلة هو إلى البعد الّذي في باطنه، ولا يقولون إنّ السّطح فارغ وممتلي، بل يتحاشّون عن ذلك جدّاً .

وأصحاب السّطح يقولون: إنّ هذا مبنيّ على عادات الجمهور، وليس بحجّة في الأُمور العقليّة، على أنّهم يقولون فيما بينهم: أنّ الماء في الجرّة، والجرّة مملوّة منه، ولا يعرفون حال البُعد، الّذي تدعونه، بل يصفون الحاوي بهذه الصّفة، والحاوي أشبه بالبسيط منه بالبُعد، فإنّ البُعد لا يحيط بشيء، فلذلك لا يتحاشّون أن يقولوا إنّ الجرّة مملوّة .

وربّما توقّفوا أن يقولوا: إنّ البُعد الباطن مملوّ، والجرّة إسم لجوهر الخزف المعمول على شكل البسيط الباطن للمحيط، ولو كان البسيط يقوم بنفسه لكان مقام هذه الجرّة، ولكانوا يقولون في البسيط ما يقولون في الجرّة.


صفحه 208

فقد بان أنّهم إذا قالوا: إنّ الماء في الجرّة، أو قالوا: إنّ الجرّة فارغة، أو مملوّة وجعلوا ذلك كقولهم الماء في مكانه، اومكان الماء فارغ، أو مملوّ ذهبوا إلى المحيط .

نعم إنّما يمتنعون أن يقولوا في البسيط المطلق، أنّه فارغ، أو مملوّ، لأنّ البسيط المطلق ليس هو المكان، بل المكان بسيط بشرط الإحاطة، وإذا جعل بدل البسيط المطلق بسيط بهذه الصّفة لم يتحاشّوا عن ذلك، كذا في " الشّفاء " .

والتحقيق: أنّه لا شك في أنّ الأمارات متحقّقة في كلّ من البُعد والبسيط ولا يمنع عن ذلك عدم اطلاق النّاس ذلك فيما بينهم، ولا دخل لاطلاقهم له فيه، لكنّ العمدة إمكان وجود البعد الّذي يدعون كونه مكاناً وامتناعه.

ولأصحاب البسيط براهين قائمة على امتناع وجود البُعد الّذي يدّعون كونه مكاناً :

منها: لزوم التّداخل الممتنع بالضّرورة اللاّزمة من ملاقاة البُعد الجسمي مع البعد المكانّي ملاقاة بالأسر.(1)

والمصنّف أراد الجواب عن ذلك بقوله: واعلم أنّ البُعد منه ما هو ملاق للمادّة وهو الحال في الجسم ويمانع مساويَه.

ومنه مفارق تحلّ فيه الأجسام ويلاقيها بجملتها، ويداخلها بحيث


1 . أي برمَّتِهِ وجَميعهِ.


صفحه 209

ينطبق على بُعد المتمكّن ويتحدّ به، ولا امتناع لخلوّه عن المادّة.

ومعناه ظاهر، وحاصله تخصيص امتناع التدّاخل الضّروري بما يكون بين البُعدين المادّيين، ومنعه على تقدير أن يكون أحدهما ماديّاً والآخر مجرّداً.

ويرد عليه: إنّ هذا التّخصيص إنّما كان يتصّور لو امكن أن يكون للمادّة دخل في امتناع التّداخل ،لكن لادخل لها في ذلك أصلاً .

فإنّ العقل إنّما يحكم بامتناع التّداخل بين البعدين لمجرّد البعديّة، وكون الشّيء ذا حجم وعِظَم لا لأمر آخر .

والمراد من المادّة لو كان ما هو جزء للجسم عند المشائين، فليس لها حجمٌ وعظمٌ في حدّ ذاته، ولو كان المراد منها هو نفس الجسم على ما هو مذهبه، فإن لم يكن له حجمٌ وعظمٌ وامتدادٌ في حدّ ذاته لم يكن أيضاً منشأ لامتناع التّداخل، وإن كان له في حدّ ذاته حجمٌ وعظمٌ وامتدادٌ، بأن يكون الجسم نفس الإتصال الجوهري القائم بذاته على، ما مرّ تحقيق ذلك.

فأيّ فرق بين البعد الّذي هونفس الجسم البسيط القائم لا في محلّه، وبين الّذي سمّاه بعداً مجرّداً ليكون أحدهما منشأً لامتناع التّداخل، والآخر مصحّحاً للتداخل؟

قال الشّيخ في " الشّفاء ": «وكيف يمكن أن يكون بعدان معاً، ومن البيّن أنّ كلّ بعدين اثنين أكثر من بعد واحد، لأنّهما اثنان مجموع لا لأجل شيء آخر، وكلّ مجموع بُعد أكثر من بعد، فهو أعظم منه، لأنّ العظيم هو الّذي


صفحه 210

يزيد على القدر بقدر(1) خارج عن الشّيء، فالعظيم في المقادير كالكثير في الأعداد، وكلّ ما هو أكثرفي المقادير قدراً فهو أعظم .

والأجسام الّتي تمتنع عن التّداخل ليس الّذي يمنع ذلك من هذا الجسم أن يدخل في ذلك الجسم جملة ما يشتمل عليه من الصّور (2) والكيفيّات وغير ذلك، فإنّ الصّور والكيفيّات أيّها فرضت لو لم تكن وفرض الجسم موجوداً كان التّداخل ممتنعاً، وليس الهيولى هي الّتي تمتنع عن مداخلة هيولى أُخرى بالعدد، إلاّ أن تجعل ذات وضع، ولا يصير كذلك إلاّ بالعرض بسبب البّعد الّذي يعرض لها.

فحينئذ يتعرّض للتّجزي والانقسام، فيكون استعداد الهيولى لأن يمتنع (3) عليها التّداخل، أمراً يلحقها من البُعد .

وكيف يمكن أن تمانع هذه الهيولى ذات البعد لنفسها لا لامتناع البُعد الجسماني أن تلقى ذاته البُعد الجسماني الآخر؟

وليست الهيولى ممّا لا يقبل طبيعة البُعد وتلاقيه، ولا أيضاً ممّا لا يقبل بُعداً و(4)زيادة ويكشف قبولها التّخلخل، ذلك حين تحقّقه وتصحّحه.


1 . في المصدر: «بعدد».
2 . أي عليه الجسم من الصورة .
3 . في المصدر: «يحمل عليها بهذه المقابلة، وهي التّداخل، وغير التّداخل المقابل، أمراً يلحقها من البُعد».
4 . في المصدر: «أو».


صفحه 211

فإن كان البُعد لا يمنع (1) عن مداخله بعد آخر في نفسه، والهيولى مستعدّة، لأنّ يلقاها البُعد، وليس في طباعها بما هي هيولى ان تنفرد بحيّز فتقابل المداخلة، فوجب أن يكون التّداخل في الجسمين جائزاً.

فإنّ كلّ مؤلّف من شيئين، وليس إلاّ نفس موافقتهما (2) من غير أن حدث هناك استحالة وانفعال هي صورة ثالثة غيرهما.

فإنّ الحكم إذا كان جائزاً على كلّ واحد منهما، كان جائزاً على الجملة، وإذا لم يمنعه واحد واحد منهما، لم تمنعه الجملة، لكن جملة الجسم تمانع مداخلة جسم آخر، فهو بسبب أن في أجزائه ما يمنع ذلك، وأنّه ليس كلّ جزء منه غير مانع لذلك.

وإذ ليس الهيولى سبباً يمنع ذلك، ولا بسبب فعل خاصٍّ وانفعال خاصٍّ، فبقي أن تكون طبيعة البُعد لا تحتمل التّداخل.

فإن كان مع ذلك يجب للهيولى المتصوّرة بالبُعد أن لا تداخل البُعد، لم يجز أن يدخل الجسم في البُعد ألبتة. انتهى كلام " الشّفاء "ملخّصاً».(3)

وقال صاحب التّلويحات(4): تمانع الأجسام ليس إلاّ لكمالها البُعدي، والجسم لمّا جاز أن يلقى بعض الآخر ببعضه; دون الكلّ بالكلّ، فليس ذلك للجرمية، ولا للصّورة ولا للمادّة، فإنّها لو منعت ملاقاة الكلّ بالكلّ لمنعت ملاقاة البعض بالبعض، فإنّها متساوية في الكلّ والبعض.


1 . في المصدر: «لا يمتنع».
2 . في المصدر: «تؤلفهما».
3 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 120 ـ 122 ، الفصل السّابع من المقالة الثّانية .
4 . لم نعثر على مصدره .


صفحه 212

ولا تظن أنّ التقاء جسم لآخر بسطح عرضيّ دون ذاته، فإنّ السّطحين إن التقيا دون الجسمين فلكلّ طرف إلى الآخر وطرف إلى الجسم فالسّطح ذو عمق .

وكذا حال الخطّ والنّقطة ولا التقاء في عرضي جسمين بذاتيهما، لعدم قوامهما بنفسيهما .

فإذن ثبت أنّ التّمانع للتمام البُعدي، فلا يتصوّر التّداخل في الخلاء ولا في الملاء، والتقيّيد بالتّمام والكمال لإخراج السّطح والخطّ، فإنّه يجوز التّداخل فيهما من جهة عدم تماميّة بعديّتيهما، هذا.

والحاصل على ما قال المحقّق الشّريف (1): إنّ منشأ امتناع التّداخل هوالعظم والإمتداد.

فكلّ ما لم يتّصف بالعظم والإمتداد أصلاً جاز التّداخل فيه مطلقاً (2) كـ "النّقطة" .

وكلّ ما اتّصف بالعظم والإمتداد في جهة، أو جهتين فقط امتنع التّداخل فيه من تلك الجهة، أو الجهتين فقط كـ " الخطوط " يمتنع تداخلها في الطّول دون العرض والعمق، وكـ " السّطوح" يمتنع تداخلها في الطّول والعرض دون العمق .

وكلّ ما اتّصف بالعظم والإمتداد في الجهات كلّها امتنع التّداخل فيه مطلقاً.


1 . على ما نقله الشّارح القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 158 .
2 . أي من غير ان يتقيّد بجهة دون أُخرى .


صفحه 213

فإنّ (1) بديهة العقل تحكم بأنّ ما لا حجم له ولا عظم له، إذا لاقى نظيره لاقاه بأسره، ولم يتصّور في أحدها شيء خال عن الأخر(2)، ولا كونهما معاً أعظم من أحدهما فقط، (3) وذلك هو التّداخل.

وبأنّ (4) ما له حجمٌ وعظمٌ إذا لاقى نظيره في الجهة الّتي اتّصفت بالعظم فيهما كان مجموعهما أعظم من أحدهما.

فامتناع التّداخل إنّما هو بالذّات للأعظام والأحجام الموجبة لجواز فرض الانقسام، وهي (5) المقادير والأبعاد دون الهيولى، إذ ليست منقسمة إلاّ تبعاً .

وكذلك الصّورة الجسميّة، فإنّ انقسامها لما فيها من المقادير، لكنّها مستلزمة للمقدار (6) خارجاً وذهناً، لامتناع تصوّرها بدون مقدار سار فيها ممتدّ إلى الجهات، بخلاف الهيولى، فإنّها تستلزم الصّورة الجسمّية والمقدار في الخارج دون الذّهن، فظهر امتناع التّداخل في الأبعاد مطلقاً سواء كانت ماديّة أو مجرّدة.(7)


1 . قوله: «فإنّ» علّة لقوله: «فكلّ مالم يتّصف» .
2 . وإلاّ يلزم الانقسام ويلزم أيضاً أن يكون له عظم وحجم .
3 . فظهر من ذلك أنّ كلّ ما ليس له عظم وحجم إذا لاقى نظيره لابدّ أن يكون بطريق التّداخل له عظم وحجم وبالعكس .
4 . قوله: «بأنّ» علّة لقوله: «وكلّ ما اتّصف... الخ».
5 . أي الأعظام الموجبة لجواز فرض الانقسام .
6 . الممتنع فيه التّداخل بالذّات.
7 . لاحظ: شرح المواقف: 124 ـ 127 .


صفحه 214

وأمّا ما أورد عليه سيّد المدققين (1): من أنّه لو كان منشأ امتناع التّداخل هو العظم مطلقاً، لما جاز تداخل الخطّين ولا السّطحين، لكونهما متّصفين بالعظم، لكنّه جائز مطلقاً ; سواء كان من جهة العظم أو لا، إذ التّداخل هو الملاقاة بالأسر، فإذا حصلت حصل، ولا أثر في ذلك، لكون الملاقاة في جهة دون جهة، بل منشأ امتناع التّداخل كون الشّيء متحيّزاً بالذّات.

فمدفوع: بأنّ الملاقاة بالأسر في الخطّين مثلاً ، إنّما تحصل إذا تلاقيا من الجهة الّتي ليس لهما فيها عظم.

وأمّا إذا تلاقيا في الجهة الّتي لهما فيها عظم ـ أعني: الطّول ـ فلا تحصل هناك ملاقاة بالأسر، فإنّه إذا انطبق نقطة طرف هذا على نقطة طرف ذلك على الاستقامة، فلا يجوز أن ينطبق على نقطة أُخرى تفرض في ذلك الخطّ بعد النّقطة، وهكذا في سائر النّقاط، وإلاّ فيلزم صيرورة الطّولين طولاً واحداً وأن لا يكون الكلّ أعظم من الجزء ضرورة أنّ مجموع الخطّين المتلاقيين بالوصف المذكور قبل انطباق جميع النّقاط كان كلاّ لا محالة، وبعد انطباق النقاط يصير مجموعهما خطّاً واحداً هو جزء من مجموع الخطّين اللّذين كانا أوّلاً.

وأمّا إذا تلاقيا في العرض فلا يلزم ذلك، لأنّهما إذا تلاقيا في العرض تلاقيا بالأسر دفعة، ولا تدريج هناك ليكون في أوّل الملاقاة كلاًّ، وبعد تمام الملاقاة تصير جزءاً، وذلك لأنّ الخطّين لا امتداد لهما في العرض، بخلاف


1 . لم نعثر على مصدره.


صفحه 215

ما إذا كانا تلاقيا في الطّول، فإنّه كان لهما امتداد في الطّول، وتدريج في الملاقاة، وسواء في ذلك لو فرضنا متحيّرين بالّذات أوّلاً على أنّ كون منشأ التّداخل هو التحيّز بالذّات لا يضرّنا هاهنا، لأنّ البعد المكاني متحيّز بالذّات لا محالة.

والعجب أنّه قال: والسّر في جواز التّداخل في الأطراف دون الأجسام، أنّ الأطراف لمّا لم تكن بنفسه (1) منقسمة في الجهات الثّلاث، كان لها وجه منكشف صالح لأن يلاقيه طرف آخر بالأسر بخلاف الجسم، فإنّه لمّا كان منقسماً في الجهات الثّلاث لا يجوز فيه ذلك.

ومنها: ما قال الشّيخ في " الشّفاء ": «من أنّ هذا البعد لا يخلو: إمّا أن يكون موجوداً مع البعد الّذي للجسم المحويّ، أو لا يكون موجوداً، فإن لم يكن موجوداً، فليس مع وجود المتمكّن في المكان مكان، لأنّ المتمكّن هو هذا الجسم المحويّ، والمكان هو هذا البعد الّذي لا يوجد مع بعد الجسم .

وإن كان موجوداً معه، فلا يخلو: إمّا أن يكون له وجود هوغير وجود بعد الجسم المحويّ بالعدد، فهو ممايز له يقبل خواصّ وأعراضاً هي بالعدد له من دون الّتي لبعد الجسم المحويّ .

وإمّا أن لا يكون غيره، بل يتحدّ به، فيصير هو هو .

فإن كان غيره، فهناك بعد بين أطراف الحاويّ هو مكان، وبعد آخر في المتمكّن أيضاً وهو بين أطراف الحاوي غير ذلك بالعدد.


1 . سقط عن نسخة د : لفظ «بنفسه» .


صفحه 216

ولكنّ معنى قولنا: البعد الشّخصي الّذي بين هذين الشّيئين، هو أنّه هذا الأمر المتّصل بينهما الّذي يقبل القسمة الواحدة المشار إليها، فكلّ ما بين هذا الطّرف وهذا الطّرف هو هذا البُعد الّذي بين الطّرفين المحدودين(1)، فهو لا محالة واحدٌ شخصيّ لا غيره، فيكون كلّ ما بين هذا الطّرف وهذا الطّرف بُعداً شخصيّاً واحداً، وليس بُعداً وبُعداً آخرَ.

فإذا كان كذلك لم يكن بين هذا الطّرف وهذا الطّرف بُعد للجسم، وبُعد آخر .

لكنّ البعد الّذي للجسم بين الطّرفين موجود، فالبعد الآخر ليس بموجود .

وأمّا إن كان هو هو، فليس هناك إلاّ بُعد هذا الجسم، وكذلك إذا تعقبه جسم آخرَ لم يكن هناك بُعد إلاّ الّذي للجسم الآخر، فلا يوجد ألبتّة بين أطراف الحاوي بُعد هو غير بُعد المحويّ، ولا يجوز عندهم خلوّه ألبتّة عن المتمكنّ.

فإذن لا يوجد البعد المفرد إلاّ في توهّم محالات، مثل: أنّ يتوهّم إن يبقى ذلك الجسم الحاويّ غير منطبق النّهايات الدّاخلة بعضها على بعض ولا جسم فيه.

وهذا كمن يقول: إذا توهّمنا الخمسة منقسمة بمتساويين فيكون حينئذ زائداً على الفرد بواحد، فليس يجب إذا لزم هذا عن


1 . في المصدر: «فكلّ ما هو هذا البعد الّذي بين الطّرفين المحدودين».


صفحه 217

توهّم، محال هنا أن يكون له حقيقة في الوجود».(1)

ومنها: ما ذكره في " الشّفاء" وهو أنّه ; «لا يخلو إذا كان المتمكّن في الإناء قد ملأه من أن يلقى مادّته وهيولاه و (2) ذلك البعد المفطور أو لايلاقيها، فإن انفرد عنها وفارقها فلا يكون الجسم ذو الهيولى قد ملأ الإناء ولا دخل عليه، إذ يكون ذلك البُعد المفطور قائماً على حياله ليس ملاقياً لمادّة الجسم الدّاخل فيه، والجسم الدّاخل فيه لا تكون ذاته خاليّة عن مادّة، وإن سرى ذلك البُعد في ذات المادّة مع البعد الّذي في المادّة، فتكون المادّة قد سرى فيها بُعدان متساويان متّفقا الطّبيعة.

وقد علم أنّ الأُمور المتّفقة في الطّباع الّتي لا تتنّوع بفصول في جوهرها لاتتكّثر في هويّاتها، وإنّما تتكثّر بتكثّر المادّة الّتي تحملها، وإذا كانت المادّة لها واحدة لم تتكثّر ألبتّة، فلا يكون بُعدان» (3).

ومنها: ما قال أيضاً في " الشّفاء ": «وهو أنّ البُعد يقبل خواصّ الكم ـ أي الزّيادة والنّقصان وكونه متناهياً أو غير متناه وكونه ممسوحاً ومقدّراً وأمثال ذلك ـ وهذه الخواصّ بذاتها للكم، وبتوسط الكم ما يكون لغيره، فلا يخلو: إمّا أن يقال يقبلها الخلاء قبولاً أوّليّاً بالذّات، أو قبولاً بالعرض، فإن كان قبلها بالذّات فهو كمٌّ، وإن كان قبلها بالعرض فهو شيء ذو كم: إمّا عرض ذو كم، أو جوهر ذو كمٍّ .


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 119 ـ 120 / الفصل السّابع من المقالة الثانية .
2 . الواو زائدة.
3 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 122 .


صفحه 218

والعرض لا يكون ذو كم إلاّ لوجوده في جوهر ذي كمٍّ .

فيلزم أن يكون الخلاء ذاتاً مقارنة لجوهر وكم، وليس ذلك الكمّ إلاّ الكمّ المتّصل القابل للقسمة في الأقطار الثّلاثة، وإن كان كلّ واحد من الجوهر والكمّ داخلاً في تقويمه .(1)

وكلّ جوهر متّصف بهذه الصّفة، فهو جسمٌ، فالخلاء جسم، وإن كانا مقارنين له من خارج (2)، فأقلّ أحواله أن يكون عرضاً في جسم، والعرض في الجسم لا يدخله جسم، فالخلاء لا يدخله جسم، وإن كان يقبل ذلك بالذّات، فهولا محالة كمّ بالذّات، ومن طباع الكمّ بالذّات الّذي له ذهاب في الأبعاد الثّلاثة أن ينطبع به المادّة، وإن يكون جزءاً وهيئة للجسم المحسوس، فإن لم تنطبع به المادّة فلا يكون لأنّه كمّ، بل لأمر عارض .

وذلك العارض لا يخلو: إمّا أن يكون من شأنّه أن يقوم لا في موضوع، أو يكون ليس من شأنه أن يقوم لا في موضوع.

فإن كان من شأنه أن يقوم لا في موضوع، وقد قارن البُعد، فهذا البُعد لا يخرج عن أن يقوم مقارناً لقائم لا في موضوع غيره ممّا (3) يقارنه البُعد وتقوم به، وهو قائمٌ بنفسه، فهو موضوعٌ يقوم به بُعد الخلاء.


1 . أي تقويم بعد الخلاء; فيكون الخلاء مركّباً من الجوهر والكم.
2 . أي إن كان الجوهر والكم مقارنين للخلاء في الخارج من غير أن يكونا مقوّمين للخلاء، تكون مقارنتهما له مقارنة المعروض للعارض.
3 . في المصدر «فما».


صفحه 219

فإنّ الموضوع للبُعد ليس إلاّ شيئاً هو في نفسه لا في موضوع، ويقارنه بُعد ويكمّه .

وإن كان ليس من شأن ذلك المعنى أن يقوم لا في موضوع، فيكون لا وجود له مع ما هو معه إلاّ في موضوع، فكيف يصير به البُعد (1) قائماً لا في موضوع و (2) هو يحتاج إلى موضوع ؟

فإن قيل: إنّ موضوعه (3) هو البُعد (4)، وأنّه إذا حصل في موضوعه جعل موضوعه لا في موضوع، كان معنى هذا الكلام أن ما لا قوام له بنفسه يعرض لما لا قوام له في نفسه إلاّ في موضوع، فيجعله قائماً بنفسه لا في موضوع، (5) وهذا بيّن الاستحالة »(6).

ومنها: أنّه لو كان موجوداً لكان متناهياً لوجوب تناهي الأبعاد، فكان متشكّلاً، وقبول الشّكل سواء كان بالانفصال أو بالانفعال من لوازم المادّة، لاسيّما خصوصيّات الأشكال، فإنّها مستندة إلى خصوصيّات المقادير المستندة لا محالة إلى المادّة .


1 . أي بعد الخلاء المقارن للمعنى الّذي هو الأمر العارض الّذي ليس من شأنّه أن يكون لا في الموضوع .
2 . الواو: حالية.
3 . أي موضوع ذلك الأمر العارض.
4 . أي بُعد الخلاء.
5 . ويكون بعض هذه الأشياء هو في طبيعته عرض، ويعرض له أن يكون جوهراً، فتكون الجوهريّة ممّا يعرض لبعض الطّباع.
6 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 123 ـ 124 / الفصل الثامن من المقالة الثّانية.


صفحه 220

فلا يرد: أنّ اتّصاف البُعد بالشّكل لعلّه من قبيل اتّصاف الماهيّة بلوازمها; أي مطلق الموصوفيّة الغير المستدعية للانفعال .

ومنها: ما قال الإمام في " الملخّص (1) ": وهو أنّه لو أمكن أن يتشكّك العقل في أنّ هذا البعد الموجود بين طرفي (2)هذا الإناء بُعدان (3)، مع أنّ هذا المشار إليه بالحسّ ليس إلاّ الواحد، فليشكّك في هذا الشخص الإنساني الواحد في الحسّ، هل هو واحدٌ في الحقيقة، أو اشخاص متعدّدة ؟

لا يقال (4): حكمنا بأنّ الموجود فيما بين طرفي هذا الإناء بعدان، لأنّا لو قدّرنا خروج الماء عنه، وعدم دخولِ جسم آخر مع بقاء الطّرفين على تباعدهما، وعدم انطباقهما، قضى العقل بوجود بعد بينهما، فلمّا دخل فيه الماء علمنا أنّه اجتمع ذلك البُعد مع بُعد الماء، ولمّا لم يوجد مثل ذلك في الإنسان الواحد لم يلزمنا تجويزه.

لأنّا نقول: الحكم بوجود البُعد بين طرفي الإناء على التّقديرات المذكورة إنّما هو حكم الوهم، لا حكم العقل، لأنّ العقل يجوّز استحالة التّقادير المذكورة لعدم كون صحّتها بديهية، فلايمكنه الجزم بما يترتّب على تلك التّقادير إلاّ على سبيل الحكم الشّرطي وهو لا يستلزم صدق


1 . نقله الشّارح القوشجي وأجاب عنه. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 158 .
2 . قوله: «بين طرفي» صفة لقوله: «البُعد الموجود».
3 . أحدهما بعد المتمكّن من الماء والهواء مثلاً، والآخر البعد المجرّد والمستمرّ بالمكان.
4 . نقله المحقّق الشّريف ونقل جوابه عن الإمام الرّازي. لاحظ : شرح المواقف: 5 / 137 ـ 138 .


صفحه 221

المقدم، فلا يلزم صدق التّالي، بل أمثال ذلك شأن الوهم، كما مرّ في كلام الشيخ .

والحكم بعدم تعدّد الشخص الإنساني حكم العقل لا محالة، وغرضه أنّ العقل لا يفرّق بين الشّخص الإنساني والبُعد الموجود في ما بين طرفي الإناء، وهو كذلك، ففرق الوهم بينهما لا يضرّه، فليتدبّر.

وأيضاً، لا يلزم من انتفاء هذا الطّريق الّذي هو دليلٌ معيّنٌ انتفاء المدلول، بل يبقى الاحتمال بحاله على ما قال المحقّق الشّريف.

ومنها: أنّ البُعد لو كان موجوداً قائماً بذاته لكان جوهراً، وهو قابل للأبعاد لا محالة، فيكون جسماً بمعنى الصّورة، إذ لا معنى للجسم إلاّ الجوهر القابل للأبعاد، فلا يخلو: إمّا أن يكون الجسم محتاجاً إلى المادّة، كما هو مذهب المشّائين، أو لا، كما هو مذهب المصنّف .

فعلى الأوّل: يكون البُعد المكاني أيضاً محتاجاً إلى المادّة لكونه متّحداً في الحقيقة مع الجسم على ما عرفت.

وعلى الثّاني: يكون الجسم أيضاً مجرّداً كالبُعد .

وعلى التّقديرين ; فلا وجه لكون أحدهما متمكنّاً قابلاً للنُّقْلَةِ، والآخر مكاناً غير قابل لها، فيجب كون المكان أيضاً قابلاً للنُّقْلَةِ، فيحتاج إلى مكان آخر ،وهكذا إلى غير النّهاية، فيلزم التّساوي، لكونها مترتبة لا محالة .

قال الشّيخ في " الشّفاء ": «وقد قيل في إبطال ذلك ـ أي البُعد ـ شيء مبنيّ على استحالة وجود أبعاد في أبعاد بلا نهاية، ونحن لم نحصل إلى هذه


صفحه 222

الغاية فهم ذلك على حقيقة يوجب الرّكون إليها، وسندركها بعد أو يدركها غيرنا. انتهى».(1)

وأقول: يمكن أن يكون مراد القائل ما ذكرنا، فلا غبار عليه، هذا .

ومن هذا البرهان يظهر ظهوراً بيّناً إنّ إدّعائهم كون البُعد المكاني مخالفاً في الحقيقة للبعد الجسمي ـ أعني: الجوهر المتصّل بذاته ممّا لا صورة له أصلاً ـ ومخالفته البُعد العرضي لا ينفعهم كما لا يخفى .

ثمّ إنّ الشّيخ أورد في " الشّفاء " لأصحاب البُعد حُججاً :

منها: «أنّه لو كان المكان سطحاً يلقى سطح الشيء، فتكون الحركة هي مفارقة سطح متوجّهاً إلى سطح (2)، فالطائر الواقف في الهواء، والحجر الواقف في الماء، وهما يتبدلان عليه، وهو مفارق سطحاً إلى سطح يجب أن يكون متحرّكاً.

وذلك لأنّ ما يجعلونه مكانه يتبدّل عليه،فإن كان ساكناً فسكونه في أيّ مكان، إذ من شرط السّاكن أن يلزم مكانه (3)، إذ السّاكن قد صدق عليه هذا القول، فإذ ليس يلزمه السّطح فما الّذي يلزمه سوى البُعد الّذي شغله الّذي لا ينزعج ولا يتبدّل، بل يكون دائماً واحداً بعينه»(4).


1 . طبيّعيات الشّفاء: 1 / 123 .
2 . آخر.
3 . زماناً.
4 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 115 ـ 116 .


صفحه 223

وإلى هذه الحجّة أشار المصنّف بقوله: ولو كان المكان سطحاً لتضادّت الأحكام ; أي أحكام الجسم الواحد في حالة واحدة.

فإنّ الطير المذكور يصدق عليه أنّه متحرّك لتبدّل مكانه عليه وتبدّل الأمكنة: إمّا نفس الحركة الأينيّة، أو ملزوم لها مع أنّه ساكن بالضّرورة، وبعكس ذلك المنقول من بلد إلى بلد في صندوق متحرّك بالضّرورة ويصدق عليه أنّه ساكن، لعدم تبدّل السّطح المحيط، وعدم تبدّل المكان ملزوم للسّكون، أو نفسه.

والجواب عن الأوّل على ما في " الشّفاء ": «أنّ الطّير المذكور ليس بمتحرّك، ولا ساكن .

أمّا أنّه ليس بساكن: فلأنّه ليس عندنا في مكان واحد زماناً، اللّهم إلاّ أن يُعنى بالسّاكن لا هذا، بل الّذي لا يتبدّل نسبته إلى أمور ثابتة فيكون ساكناً بهذا المعنى، أو (1) الّذي لو خلّي وحاله وترك عليه مكانه، وحفظ ذلك المكان ولم يستبدل به من نفسه، كان حافظاً لمكان واحد ونحن لانريد الآن بالسّاكن الأوّل ولا هذا، فإن أردنا إحد المعنيين كان ساكناً.

وأمّا أنّه ليس بمتّحرّك: فلأنّه ليس مبدأ الاستبدال منه، والمتحرّك بالحقيقة هو الّذي مبدأ الاستبدال منه، وهو الّذي الكمال الأوّل لما بالقوّة فيه من نفسه .(2)


1 . في المصدر: «والّذي» .
2 . حتّى أنّه لو كان سائر الأشياء عنده بحالها لكان حاله يتغيّر.


صفحه 224

ثمّ قال: فليس بواجب أن يكون الجسم لا محالة ساكناً أو متحرّكاً، فإنّ للجسم أحوالاً لا يكون فيها ساكناً ولا متحرّكاً في مكان .

من ذلك أن لا يكون له مكان، ومن ذلك أن يكون له مكان، ولكن ليس له ذلك المكان بعينه في زمان ولا هو المبدأ في مفارقته، ومن ذلك أن يكون له مكان وهو له بعينه زماناً، ولكن أخذناه فيه لا في زمان، بل من حيث هو في آن يكون الجسم حينئذ لا ساكناً ولا متحرّكاً. انتهى »(1).

وعن الثّاني: أنّ المنقول في الصّندوق ساكن بالذّات وليس بمتّحرك بالذّات بل المتّحرك بالذّات هو الصنّدوق كما في المتّحرك في السّفينة .

فإن قلت: لكن إذا سافر إنسان محفوف بكرباس من بلد إلى بلد ; يلزم أن يكون ساكناً، لعدم تبدّل مكانه الّذي هو باطن الكرباس.

وكذا الحوت في الماء الجاري إذا تحرّك مثل حركته قدراً وجهة يلزم أن يكون ساكناً، وهذا ممّا لا مدفع له .

قلت: أمّا الجواب عن الأوّل: فهو أنّا لا نسلّم عدم تبدّل مكانه عليه، فإنّ مكانه ليس باطن الكرباس، بل باطن الهواء المحيط به، فإنّ الكرباس وسائر ما يحمله هو بمنزلة أجزائه.

وأمّا عن الثّاني: فهو أنّ إمكان حركة الحوت مساوية لحركة الماء ملازماً لسطحه المعيّن ممنوعٌ وإلاّ لزم مساواة وجود الشّيء مع عدمه .


1 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 1 / 140 ـ 141 .


صفحه 225

ألا ترى أنّه لو فرض عدم حركته لكان له هذه النّقلة بالعرض وتكون هذه الملازمة بعينها؟

فكيف يمكن أن تكون هذه الملازمة له مع فرض حركة؟

فلو فرض له حركة يجب كونها أسرع أو أبطأ من حركة الماء، ومع ذلك، فمعارض بحركة نملة على سطح الرّحى مساوية لحركتها في القدر ومخالفة لها في الجهة، فإنّه يلزم عدم تبدّل بُعدها لا محالة مع فرض حركتها.

ومنها: أنّ القول بالأبعاد يجعل كلّ جسم في مكان، وأصحاب البسيط الحاوي يلزمهم أن يكون من الأجسام ما لامكان له .

وإليه أشار بقوله :(1) ولم يعمّ المكان (2)، عطف على قوله: «لتضادّت الأحكام» أي لو كان المكان هو السّطح; لزم أن لا يكون المكان عامّاً لجميع الأجسام، ولا يكون الحكم المذكور سابقاً كليّاً، فإنّ الجسم المحدد للجهات لا محيط له، والحال أنّ الدّليل الّذي قد دلّ عليه كان عامّاً ومثبتاً للكليّة، كما مرّ .

والجواب: أنّ الحكم الكلّي المذكور عندهم هوأنّ لكلّ جسم حيّزاً طبيعيّاً وهو أعّم عندهم من المكان كما مرّ في كلام الشيخ في " طبيّعيات الشّفاء "من قوله: «لا جسم إلاّ ويلحقه أن يكون له حيّز إمّا مكان، وإمّا وضع وترتيب ».


1 . أي المصنّف (رحمه الله) .
2 . هذا وجه ثان دالّ على بطلان القول «بالسّطح» .


صفحه 226

فإن قيل: (1) كيف لا يكون للمحدّد مكان ونصفاه المتمايزان بحسب الحسّ يكون أحدهما فوق الأرض والآخر تحتها يستبدان المكان في حركته الدّوريّة؟ فإنّها وإن كانت وضعيّة لكلّ الفلك لكنّها مكانيّة بالنّسبة إلى الأجزاء .

ولو لم يكن لأجزاء المتّحرك بالاستدارة نقلة من مكان إلى مكان لم يكن للشّمس والقمر، ولا لشيء من الكواكب (2)نقلة من مكان إلى مكان آخر، والضّرورة تبطله.

فإذا كان كلّ جزء من أجزاء المحدّد في مكان كان المحدّد أيضاً في مكان هو مركّبٌ من أمكنة الأجزاء، وظاهر أنّه ليس له مكان هو السّطح، فوجب أن يكون مكانه هو البُعد.

أجيب بأنّ: أجزاء المتّحرك بالاستدارة إن كانت مفروضة فلا يكون لها أمكنة، فلا يعرض لها نقلة قطعاً،وإن كانت موجودة بالفعل كالكواكب، فالمعلوم من حالها بالضّرورة هو تبدّل أوضاعها بالقياس إلى الأُمور الثّابتة تبعاً للحركة الوضعيّة الثّابتة للكلّ، وأمّا انتقالها من مكان إلى مكان، فليس بمعلوم، هذا .

والشيخ أجاب عن الحجّة المذكورة بوجه دقيق لطيف: «وهو أنّ هذه الحجّة مبناها على أن يصير المكان بُعداً يجعل لكلّ جسم مكاناً .


1 . القائل هو الفاضل القوشجي. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 159 .
2 . الّتي هي أجزاء للافلاك.


صفحه 227

وهو أمرٌ صوابٌ واجبٌ وهذا التّصويب شهوة من الشّهوات، فإنّه إن لم يكن واجباً أن يكون كلّ جسم في مكان وجوباً في نفسه، كان سعينا باطلاً،(1) وعسى أن يكون الأوجب لبعض الأجسام أن لا يكون في مكان، وإن كان واجباً لم يحتّج إلى تدبير منّا ولو كانت هذه المقدمة واضحة (2)، وهو أنّ كلّ جسم في مكان، ولم يمكن أن يوجد لكلّ جسم حاو أو شيء من الأشياء المتوّهمة مكاناً غير البعد المفطور، وكان البُعد المفطور موجوداً، كانت الحاجة تمسّنا إلى أن نقول: بأنّ البُعد مكان.

وأمّا وليس شيء من ذلك واجباً فما أشدّ تحريفنا في أن نتمحّل حيلة، ليكون لنا أن نجعل كلّ جسم في مكان .

ولنسلّم أيضاً: أن كلَّ جسم في مكان، فليس يجب أن يكون ذلك المكان هو البعد، فإنّه يجوز أن يكون هذا المعنى ليس بمكان لكنّه لازم للمكان وعامّ لكلّ جسم عموم المكان.

فإن عُني بهذا القول إنّه يكون أشبه برأي الجمهور، وأن كلّ جسم في مكان، فليس ذلك حجّة، فإنّ نسبة هذا الرّأي إلى الجمهور والّذين هم العامّة من حيث لا يعتقدون مذهباً يذهبون إليه، بل يعملون ويقولون على ما في المشهور أوالوهم، كنسبة رأي آخر إليهم، وهو أنّ كلّ موجود في مكان، وأنّه يشار إليه .


1 . في المصدر: «كان سعينا في إيجابه سعياً باطلاً».
2 . في المصدر: «صحيحة».


صفحه 228

وهذان الرّأيان متساويان في أن العامّة تنصرف عنهما بتبصير وتعريف يرد عليهم بعد الفطرة العقليّة والوهميّة.

وقد عرّفناك أحوال هذه المقدّمات حيث تكلّمنا في المنطق، (1) وبيّنا أنّها وهميّات دون عقليّات، ولا يجب أن يلتفت إليها على أنّ حكمهم أنّ كلّ جسم في مكان ليس في تأكّد حكمهم أنّ كل موجود إليه إشارة وله حيّز، ولا هم (2) يفهمون من التّمكن غير ما يفهم من الوضع. انتهى كلام الشيخ» (3) .

ومنها: أنّ كون الجسم في مكان ليس بسطحه، بل بحجمه وكميّته، فيجب أن يكون ما فيه بجسميّته مساوياً له فيكون بُعداً ولأنّ المكان مساو للمتمكّن والمتمكّن جسم ذو ثلاثة أقطار فالمكان أيضاً ذو ثلاثة أقطار.

ومنها: أنّ المكان يجب أن يكون شيئاً لا يتحرّك بوجه ولا يزول، ونهايات المحيط قد تتحّرك بوجه مّا ويزول.

ومنها: أنّ النّار في حركتها إلى فوق والأرض في حركتها إلى أسفل يطلبان مكاناً بكليّتهما، ومحال أن يطلبا نهاية الجسم الّذي فوقه أو تحته.

فإنّ النّهاية محال أن يلاقيها كليّة الجسم، فإذن يطلب التّرتيب في البُعد.


1 . لاحظ: النجاة في المنطق والإلهيّات: 1 / 78 ـ 80 .
2 . في المصدر: «وهم».
3 . طبيّعيات الشّفاء: 1 / 144 / الفصل التّاسع من المقالة الثّانية.


صفحه 229

والشّيخ أجاب عن الأولى: «بأنّه إنْ عنى به أنّ الجسم بسطحه وحده لايكون في مكان، بل إنّما يكون في المكان بجسميّته، أو عنى أنّه لأنّه جسم يصلح أن يكون في مكان، فالقول حق، وليس يلزم منه أن يكون مكانه جسماً، فإنّه ليس يجب إذا كان أمر يقتضي حكماً مّا، أو إضافة إلى شيء مّا بسبب وصف له، أن يكون المقتضي بذلك الوصف .

فليس إذا كان الجسم يحتاج إلى مباد لكونه جسماً لا لكونه موجوداً، يجب أن تكون مبادية أيضاً أجساماً، أو كان العرض يحتاج إلى موضوع لكونه عرضاً أن يكون موضوعاً عرضاً.

وأمّا إن عنى به أنّ كلّ بُعد من حيث جسميّته يقتضي بعداً يكون فيه فهومصادرة على المطلوب الأوّل .

وبالجملة: أنّه ليس إذا كان بجسميّته يقتضي المكان يجب أن يكون يلاقي بجميع جسميته المكان، كما أنّه لو كان بجسميّته يقتضي الحاوي، فليس يلزم أن يكون بجميع جسميّته يلاقي الحاوي.

وبالجملة: فإنّه غير مسلّم أنّ الجسم يقتضي بجسميّته مكاناً إلاّ مقدار ما نسلّم أنّه بجسميّته يقتضي حاوياً.

ومعنى القولين جميعاً، إنّ جملة الجسم المأخوذ كشيء واحد يوصف بأنّه في مكان أو في حاو، وليس كون الشّيء بكليّته في شيء هو كونه ملاقياً له بكليّته.


صفحه 230

فإنّا نقول: إنّ جميع هذا الماء وجملته في هذه الجرة، ولا نعني به أنّ جملته ملاقية للجرة.

وعن الثّانية: أنّها مبنيّة على أنّ المكان لا يتّحرك، والمسلّم أنّ المكان لا يتحرّك بذاته، وأمّا أنّه لا يتحرّك لا بالذّات ولا بالعرض، فذلك غير مسلّم ولا هو مشهور(1).

فإنّ الجمهور لا يأبون أن يتحرّك مكان الشّيء، فإنّهم يرون الجرة مكاناً ويجوّزون لا محالة حركته.

وعن الثّالثة: أنّ طلب النّهاية على وجهين: طلبٌ ممكن، وطلبٌ محال.

وأمّا الطّلب المحال، فهو أن يكون ذو الحجم يطلب أن يدخل بحجمه سطحاً ونهاية جسم، والطلّب الممكن أن يطلب أن يلاقيه ملاقاة محاط به للمحيط.

وهذا المعنى يتحقّق مع وضع النّهاية مكاناً، ثمّ ليس إذا لم يطلب النّهاية، وجب أن يطلب ترتيباً في أبعاد مترتبة، بل ربّما طلب ترتيباً في الوضع فقط من غير حاجة أن يكون كلّ وضع في بُعد، بل على أن يكون كلّ وضع هونسبة ما بين جسم وجسم آخر يليه، (2) ولا أبعاد إلاّ أبعاد الأجسام المتتالية».(3)

ومن حججهم ; المبنيّة على وجوب وجود المكان بالفعل حين يطلبه


1 . في المصدر: «غير مسلّم ولا مشهور».
2 . في جهة.
3 . طبيّعيات الشّفاء: 1 / 142 ـ 143 و 145 .


صفحه 231

الجسم، أنّ المكان الّذي يطلبه الثّقيل المطلق وهوالّذي يقتضي أن ينطبق مركز ثقله على مركز الأرض كـ " الحجر مثلاً، موجود حال مّا يفرض الحجر متحرّكاً طالباً للحصول فيه ".

والحال أنّه لا سطح هناك موجود ليحيط بهذا الثّقيل، وقد عرفت ما فيه بما مرّ سابقاً.(1)

ومن حججهم; المبتنية على وجوب مساواة المكان للمتمكنّ لكونه منطبقاً عليه مالئاً له أن الشمعة المدوّرة إذا جعلناها صفحة رقيقة كان السّطح المحيط بها أضعاف المحيط بالمدوّرة .

وإذا جعلنا الصّفحة مدوّرة كان السّطح المحيط بها أقلّ من المحيط بالصّفحة الرّقيقة مع أنّ الجسم في الحالين واحد، (2) فقد ازداد وانتقض المكان والمتمكّن بحاله.

وأيضاً إذا حفرنا في الجسم حفرة، فقد انتقص الجسم وازداد مكانه وهو السّطح المحيط به .

وأيضاً زقّ الماء المملوّ منه إذا صبّ منه بعضه كان ذلك الزّق مماسّاً للماء بجميع سطحه الدّاخل، كما كان مماسّاً كذلك قبل الصّب، فقد نقص المتمكّن ومكانه بحاله .(3)


1 . من أنّا لا نسلّم أنّ طلب الحصول في الشّيء، لا يمكن إلاّ بعد وجوده، مع انّه منقوض بما يطلبه المتحرّك في الكمّ والكيف والوضع. لاحظ : ص 195 ـ 196 .
2 . والمكان مختلف فهذا باطل.
3 . راجع: شرح تجريد العقائد: 160 .


صفحه 232

والجواب عنه: أنّ معنى كون المتمكّن مالئاً للمكان ومساواته له أنّه لا يوجد شيء من مكانه إلاّ وهوملاق لسطحه الظّاهر، وفي الصّورة المذكورة كذلك لا محالة على أنّه قد يجاب عن الأوّل بمنع بقاء المتمكّن على حاله، لأنّه قد اختلف مقداره بالفعل وإن كانت المساحة واحدة .

وعن الثّاني: بأنّه وإن انتقص حجمه لكن ازداد سطحه الظّاهر المماسّ لمكانه.

وعن الثّالث: بمنع بقاء المكان بحاله لأنّه إذا صبّ منه بعض الماء فقد انتقص قربه من الاستدارة .

ومن حججهم (1) أيضاً: أنّا نعلم بالضرّورة أنّ المكان الّذي خرج عنه الحجر المسكّن في الهواء فملأه الهواء لم يبطل، والسّطح الّذي كان محيطاً بذلك الحجر قد بطل، فدلّ على أنّ المكان هو البُعد الّذي لم يبطل دون السّطح الّذي قد بطل، وعليه منع ظاهر. (2)

وبالجملة: فقد ظهر ظهوراً تاماً من تضاعيف ما ذكرنا، إنّ القول بالبُعد في غاية البُعد، والأقرب عندي من مذاهب البُعد هو القول بالبُعد الموهوم، لا كما اشتهر من المتكلّمين، بل بمعنى أنّ للعقل بمعونة القوّة المتخيّلة أن ينتزع من الأجسام المتقدّرة مقداراً مجرّداً عن المادّة مثل مقدار الجسم في


1 . راجع: شرح تجريد العقائد: 160 .
2 . أي وهو أنّه إن المكان الّذي هو بمعنى البُعد باق بالفعل فليس بمسلّم، وإن أراد بالقوّة فليس بينه وبين المكان الّذي هو بمعنى السّطح فرق.


صفحه 233

كونه مقداراً، ويحكم بأنّه مكان الجسم، فمكان كلّ جسم من الأجسام إنّما هو حصّة لبُعد الكلّ لمجموع كرة العالم الجسماني يتوهّم (1) قائمة لا في مادّة، ولا بعد في كون تلك الحصّة ممّا يقتضي طبيعة الجسم الحصول فيه، فيكون مكاناً طبيعيّاً له.

بيان ذلك: أنّ مجموع العالم الجسماني من حيث الجسميّة المطلقة مع قطع النّظر عن خصوصيّات الصّور النّوعية الموجبة لاختلاف الأجسام وانفصال بعضها عن بعض يتوهم كونه كرة واحدة شخصيّة لها مقدارٌ واحدٌ شخصيٌّ .

وباعتبار لحوق الصّور المختلفة النّوعية على أبعاضه الوهميّة بإفاضة العلل العقليّة صارت متكثّرة ومتعدّدة بالأنواع متخصّصاً كلّ منها بما يليق به من الحصّة الوهميّة لمقدار الكلّ، فمكان الأرض مثلاً، حصة من بعد كرة الكلّ حول المركز يقتضي الأرض بطبعها كونها متخصّص الحصول فيها.

ومكان المحدّد حصّة من ذلك البُعد حول المحيط يقتضي هو بطبعه كونه حاصلاً فيها، وهكذا في سائر الأجسام .

فالمكان الطّبيعي لكلّ جسم هو حصّة من البُعد الكلّ مأخوذة مع وضع وترتيب، كالكون عند المركز، اوعند المحيط، اوعلى نسبة مخصوصة من أحدهما.

وليس هذا من الوهميّات المحضة الّتي لا منشأ لها في الخارج حتّى لا


1 . في د : «يتفهم».


صفحه 234

يتصوّر اتّصافه بصفات الوجود، كالزّيادة والنّقصان، بل من الوهميّات النّفس الأمرية الّتي لها منشأ انتزاع في الخارج هو أعيان الكرات المنضودة بعضها فوق بعض.

وهذا الاحتمال ممّا سنح لي في سالف الأيّام، ثمّ وجدت في كلام بعض الأفاضل ما يقرب منه.

فإن قلت: إذا كان البُعد الّذي ذكرته موهوماً لم يكن الجسم متمكناً في الخارج ولم يكن مكان الجسم موجوداً فيه، وهذا خلاف ما يثبت بالأدّلة المذكورة.

قلت: لمّا كان هذا البُعد له منشأ انتزاع في الخارج; كان الحكم بكون الجسم متمكناً في الخارج صحيحاً بمعنى أنّ الجسم في الخارج بحيث يصحّ أن ينتزع له بُعد موهوم، ويحكم بكونه حاصلاً فيه .

ووجود المكان في الخارج على ما دّل عليه الدّليل أعمّ من أن يكون موجوداً بنفسه اوبما ينتزع هو منه.

وأمّا القول بالسّطح على ما قررّه الشيخ كما عرفت من تضاعيف ما ذكرنا، فهو وإن كان أيضاً قريباً، ولا يرد عليه شيء ممّا أوردوه، إلاّ أنّه لايتعيّن كما اعتقده; بل ينقدح بما ذكرنا من الاحتمال في البُعد .

قال، (1) بعد نقض مذاهب المبطلين في المكان بهذه العبارة: «فإذا


1 . أي الشّيخ الرئيس .


صفحه 235

كان المكان هو الّذي فيه الجسم وحده ولا يجوز أن يكون فيه معه (1) غيره إذا كان مساوياً، وكان يستجد ويفارق، ويتعاقب عليه عدّة متمكّنات، وكانت هذه الصّفات كلّها أو بعضها لا توجد إلاّلهيولى أو صورة أو بعد أو سطح ملاق كيف كان، وجميعها لا يوجد في الهيولى ولا في الصّورة، والبُعد لاوجود له خالياً ولاغير خال، والسّطح الغير الحاوي ليس بمكان ولا حاوي منه إلاّ الّذي هو نهاية الجسم الشّامل.

فالمكان هو السّطح الّذي هو نهاية الجسم الحاوي لا غيره، فهو حاو ومساو وثابت للمنتقلات، ويملأه المنتقل مشتغلاً ويفارقه المنتقل بالانتقال عنه، ويواصله بالانتقال إليه، ويستحيل أن يوجد فيه جسمان معاً، فقد ظهر وجود المكان ومائيته. انتهى».(2)

فأنت خبير: بتحقيق جميع هذه الأمور في البُعد الّذي ذكرناه وهو غير البُعد الّذي يتحقّق بطلانه كما لا يخفى. فهذان الاحتمالان ـ أعني: السّطح والبعد الموهوم الّذي ذكرناه ـ أقرب الاحتمالات، ويتوقّف التّعيين على التّرجيح .

فإن قيل: على القول بالسّطح، أنّ الجسم الّذي له محدّب ومقعّر كالكوز بنسبة سطحيه إلى الجسم المحيط بهذا الجسم كالهواء المحيط بالكوز، وإلى الجسم المُحاط له كالماء الّذي في الكوز نسبة واحدة، لأنّ


1 . معه جسم غيره .
2 . طبيّعيات الشّفاء: 1 / 137 / الفصل التّاسع من المقالة الثانية.


صفحه 236

المحيط كالهواء مماس بمعقر لمحدّب الكوز، والمحاط كالماء مماسّ بمحدّبه لمقعر الكوز، فيلزم أن يكون للكوز المتوسط بين الهواء والماء مكانان أحدهما مقعّر محيطٌ به والآخر محدّب مُحاط له، ولا كلام في التّسمية، إذ يجوز أن يسمّى أحدهما مكاناً في العرف دون الآخر لكن في حقيقة المكان فلو كان احدهما مكاناً لكونه مماسّاً لأحد سطحي المتمكّن بتمامه كان الآخر أيضاً كذلك، لذلك بعينه.

قلنا: يصدق على مقّعر المحيط أنّه مشتمل على المتوسّط وامتلائه بحيث لم يخرج عنه شيء ولم يبق شيء منه خالياً عنه، فلذلك كان مكاناً له بخلاف محدّب المحاط، فإنّه ليس كذلك، ولا يصدق عليه ذلك فهما ليسا على السّواء في ذلك ، هذا .


صفحه 237

المبحث السّادس

في الخلاء

قال: فهذا المكان لا يصحّ عليه الخلوّ من شاغل، وإلاّ لتساوت حركةُ ذي المعاوق حركةَ عديمه عند فرض معاوق أقلَّ، بنسبة زمانَيْهما.

أقول: إنّه قد اختلف في جواز الخلاء وامتناعه .(1)

والخلاء يقال بمعنيين:

أحدهما: البُعد المفروض الّذي هو المكان عند المتكلّمين وزعموا أنّه لا شيء محض.

ثانيهما: المكان الخالي عن الشّاغل سواء كان بُعداً موجوداً، أو موهوماً، أو سطحاً.


1 . راجع في إيضاح المقام الكتب التالية: الطبيعة لأرسطاطاليس: 1 / 338 ـ 363 / التعليم العاشر إلى التعليم الرّابع عشر من المقالة الرّابعة ; والفيزياء الطّبيعي لأرسطاطاليس: 117 ـ 131 / الفصل السّادس إلى العاشر من المقالة الرّابعة ; وطبيعيات الشّفاء: 1 / 123 / الفصل الثّامن من المقالة الثّانية ; والتّحصيل: 379 ـ 393 ; والأربعين في أصول الدّين: 2 / 32 ـ 38 ; وشرح عيون الحكمة: 2 / 83 ـ 99 ; وحكمة الإشراق: 89 ; وشرح حكمة الإشراق للقطب: 242 ـ 245 ; ونقد المحصل: 214 ـ 217 ; وشرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 164 ـ 167 ; والمقابسات: 290 ; والمعتبر في الحكمة: 2 / 44 ـ 69 ; ومطالع الأنظار: 181 ـ 187 ; وشرح حكمة العين: 402 ـ 409 ; ومرآة الأكوان: 271 ـ 278 .


صفحه 238

فالحكماء كلّهم سواء كانوا قائلين بالسّطح، أو بالبعد الموجود، متّفقون على امتناع الخلاء بالمعنى الأوّل، لما مرّ من قيام الأدلّة على وجود المكان .

وجمهور القائلين بالسّطح مع بعض القائلين بالبُعد الموجود، ذهبوا إلى امتناع الخلاء بالمعنى الثّاني أيضاً .

وبعض من القائلين بالبُعد الموجود وافقوا المتكلّمين في تجويز المعنى الثّاني، لكن خالفوهم في كون ذلك المكان الخالي بُعداً موهوماً.

قال الشّيخ في " الشّفاء ": «أصحاب البُعد على مذهبين :

منهم من يحيل أن يكون هذا البُعد يبقى فارغاً لامالئ له، بل يوجب أنّه لا يتخلّى عن مال ألبتّة إلاّ عند لحوق مال.

ومنهم من لايحيل ذلك، بل يجوّز أن يكون هذا البُعد خالياً تارة ومملوّاً تارةً، وهم أصحاب الخلاء.

وبعض القائلين بالخلاء يظنّ أنّ الخلاء ليس هو بُعداً، بل هو لا شيء، كأنّ الشّيء هو الجسم. انتهى».(1)

فإن قيل: المكان عند المتكلّمين لما كان عدماً صرفاً ولا شيئاً محضاً غير متحقّق أصلاً، فما معنى تجويز كونه خالياً عن الشّاغل وإمكان ذلك.

قلنا: معناه كون الجسمين بحيث لا يتماسّان، ولا يكون بينهما ما يماسّهما.


1 . طبيّعيات الشّفاء: 1 / 116 ـ 117 / الفصل السّادس من المقالة الثّانية.


صفحه 239

ثمّ إنّ المصنّف من القائلين بالبُعد الموجود المستلزم لامتناع الخلاء بالمعنى الأوّل، اختار امتناع الخلاء بالمعنى الثّاني أيضاً .

فقال: فهذا المكان لا يصحّ عليه الخلوّ عن شاغل.

واستدل عليه بقوله: وإلاّ(1) لتساوت (2) حركةُ ذي جنس المعاوق (3) حركةَ عديمه(4)، ويلزم ذلك التّساوي عند فرض معاوق ; أي فرد من ذلك الجنس يكون ذلك الفرد أقلّ من فرد آخر منه وتكون هذه الأقليّة بنسبة زمانَيهما ; أي زماني عديم المعاوق، وهذا الفرد من ذي المعاوق.

وتقريره على ما في كتب المتأخرين(5): «هو أنّه لو تحقّق الخلاء لزم أن يكون زمان الحركة مع المعاوق، مساوياً لزمان تلك الحركة بدون المعاوق، واللاّزم ظاهر البطلان .

بيان اللّزوم: أنّا نَفرض حركةَ جسم في فرسخ من الخلاء، ولا محالة تكون في زمان، ولنفرضه ساعة، ثمّ نفرض حركة ذلك الجسم بتلك القوّة بعينها في فرسخ من الملأ، ولا محالة تكون في زمان أكثر لوجود العائق، ولنفرضه ساعتين، ثمّ نفرض حركته بتلك القوّة في ملأ (6) أرق


1 . أي فلو خلا المكان عن الشّاغل.
2 . في أكثر النسخ: «لساوت».
3 . أي حركة الشّيء في الملاء.
4 . أي حركة ذلك الشّيء بعينه في الخلاء.
5 . ومنهم شارح المقاصد، والفاضل القوشجي.
6 . أي في الفرسخ.


صفحه 240

قواماً (1) من الملأ الأوّل على نسبة زمان حركة الخلاء إلى زمان حركة الملأ (2)، فيكون قوامه نصف قوام الأوّل على فرضنا، هذا.

فيلزم أن يكون زمان الحركة في الملأ الأرق ساعة، ضرورة أنّه إذا اتّحدت المسافة والمتحرّك، والقوّة المحرّكة لم يكن السرّعة والبطؤ ـ أعني: كثرة الزّمان وقلتّه ـ إلاّ بحسب كثرة المعاوق وقلتّه (3)، فيلزم تساوي (4) زمان حركة ذي المعاوق ـ أعني: الّتي في الملأ الأرق ـ وزمان حركة عديم المعاوق، أعني: الّتي في الخلاء .

وأعترض عليه: أوّلاً: بمنع إمكان قوام، يكون(5) على نسبة زمان الخلاء إلى زمان الملاء وإنما يتّم لو لم ينتهي القوام إلى ما لا أرق منه، وهو ممنوعٌ .

وثانياً: بمنع انقسام المعاوقة، بانقسام القوام، بحيث يكون جزء المعاوقة معاوقاً، وإنّما يتمّ لو ثبت أنّ المعاوقة قوّة سارية في الجسم، منقسمة بانقسامه، غير متّفقة (6) على قدر من القوام بحيث لا يوجد بدونه.


1 . أي أقل قِواماً.
2 . أي الملأ الأوّل .
3 . أي فإن كان المعاوق كثيراً يكون زمان الحركة أبطأ، وإن كان المعاوق قليلاً فيكون زمان الحركة أسرع، وإذا كان كذلك يلزم التّساوي .
4 . لأنّ المفروض في كلّ واحد من زمان الحركة في الملاء الرّقيق والحركة الّتي في الخلاء ساعة واحدة.
5 . نسبة المعاوقة.
6 . في المصدر: «متوقّفة».


صفحه 241

وثالثاً: بمنع امتناع أن ينتهي المعاوق، في الضعف إلى حيث يساوق وجوده عدمه.

ورابعاً: بتجويز أن يكون نسبة زمان الخلاء إلى زمان الملاء على وجه لا يوجد تلك النّسبة بين المعاوقتين، بأن تكون الأُولى من النّسب المقدارية، والثّانية من النّسب العددّية .(1)

وقد ثبت عدم لزوم اتّفاق النّسبتين كما مرّ.

وهذه المنوع الأربعة مندفعة:

أمّا الأوّل: فلعدم ابتناء الدّليل على كون المعّاوق ملأ ألبتّة على ما يأتي من كلام " الشّفاء " على أنّه على تقدير ابتنائه عليه، فعدم الانتهاء في مراتبَ القوام لازم من عدم إنتهاء الجسم في مراتبَ الانقسام.

وأما الثّاني: فلأنّ الكلام مفروض فيما كانت المعاوقة سارية كالصّور والطبائع المتشابهة لا غير سارية كالقوّة الحيوانيّة، فإنّ جزء الحيوان ليس بحيوان كما ذكره المصنّف في " شرح الاشارات (2) " .

وأمّا الثّالث: فلما قيل: من أنّ ذلك مكابرة صريحة، إذ ما دام يبقى قوام فله معاوقة بالظاهر، وإن كانت خفيفة، وبأنّ المنع عن التّأثير بسبب الضّعف والصّغر غير وارد، لأنّه مانع خارجي، وقد فرض عدم


1 . راجع: شرح المقاصد: 2 / 211 ـ 212 / المبحث الثالث من الفصل الثّاني; وشرح تجريد العقائد: 160 ـ 161.
2 . لاحظ: شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 225 .


صفحه 242

الموانع الخارجيّة. كذا قال المصنّف في "شرح الإشارات (1) " .

وأمّا الرّابع: فلما ذكر أستادنا صدر المتألهين (قدس سره) في " شرحه الهداية الأثيريّة ": «من أنّ حال ما يتعلّق بالمقدار من حيث قبوله الزّيادة والنّقصان بتبعيّة المقدار، كحال المقدار في سائر الأحكام، كقبول المساواة، والمفاوتة، والعادّية، والمعدوديّة، والتّشارك، والصّمم، والفرق بينه وبين المقدار إنّما هو في كون تلك الأحكام في أحدهما بالذّات وفي الآخر بالعرض»(2).

وخامساً: بما نسبوه إلى أبي البركات البغدادي (3): وهو أنّه لا يلزم من كون المُعاوقة على نسبة الزّمانين تساوي زماني عديم المعاوق وقليله.

فإنّ الحركة بنفسها تستدعي زماناً وبسبب المعاوقة زماناً فيستجمعهما واجدة المعاوقة ويختصّ بأحدهما فاقدتها، فإذن زمان نفس الحركة غير مختلف في جميع الأحوال، إنّما يختلف زمان المعاوقة بحسب قلّتها وكثرتها، ويختلف زمان الحركة بعد انضياف ما يجب من ذلك إليه، فلا يلزم المحال.

وأجاب المصنّف عنه في " شرح الإشارات "بما تقريره: «هو أنّ الحركة بنفسها لا تستدعي زماناً ـ لأنّها يمتنع أن يوجد إلاّ على حدّ مّا من السّرعة والبطء ـ لأنّها لو وجدت لا مع حدّ من السّرعة والبطء في زمان كانت


1 . لاحظ: شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 225 .
2 . شرح الهداية الأثيريّة: 152 ـ 153 / فصل في أنّ الفلك قابل للحركة المستديرة.
3 . لاحظ: شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 221 ـ 222 .


صفحه 243

بحيث إذا فرض وجود أُخرى في نصف ذلك الزّمان، أو في ضعفه كانت لا محالة أبطأ أو أسرع (1)، فكانت مع حدّ من السّرعة والبطء حين فرضناها لا مع حدّ منهما. هذا خلف ».(2) فهي مفردة غير موجودة وما لا وجود له لا يستدعي شيئاً أصلاً.

وقال صاحب المحاكمات: «فيه نظر من وجهين:

أمّا أوّلاً: فلأنّه لو صحّ ذلك يلزم أن لا يقتضي شيء شيئاً بحسب نفسه، لأنّ كلّ شيء يفرض، فهو لا يخلو عن أحد النّقيضين; أي نقيضين كانا، فهو مفرداً (3) عنهما غير موجود، بل كلّ شيء فرض فله لازم لايكون وحده موجوداً بدون اللاّزم، وما لاوجود له لا يستدعي شيئاً، فلابدّ أن يكون لأحد النّقيضين، أو اللاّزم دخل في اقتضاء الشّيء.

وأمّا ثانياً: فلأنّ المراد بالأفراد: إمّا الماهيّة لا بشرط شيء، فلا نسلّم أنّها غير موجودة، وإمّا الماهيّة بشرط لا شيء، فمسلّم أنّها غير موجودة، لكن لا يلزم أن يكون للسّرعة والبطء دخل في اقتضاء الحركة.

ثمّ قال: ويمكن التفصيّ عن النّظرين، بأن يقال: ليس المطلوب أنّ للسّرعة والبطء دخلاً في اقتضاء الزّمان، بل أنّ الحركة لا تقتضي الزّمان إلاّ مع وصف السّرعة والبطء لا به، فإنّ الحركة لا تقتضي إلاّ إذا وجدت في


1 . من المفروضة.
2 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 222 ـ 223 .
3 . في د: «منفردة»، وفي المصدر: «منفرداً».


صفحه 244

الخارج، ولا يوجد في الخارج إلاّ إذا كانت سريعة أو بطيئة. وهذا القدر كاف في تقرير البرهان. انتهى»(1).

وأقول: ما ذكره وإن كان كافياً في تقرير البرهان ،ولا ينافيه فرض وجود الحركة في الخلاء مجرّدة عن السّرعة والبطء على ما توهّمه الشّارح القوشجي (2) كما سيأتي، لأنّ ذلك لا يستدعي إمكان المفروض ،بل يكفي إمكان الفرض وهو حاصل، لأنّ فرض كون الخلاء مكاناً يستلزم تحقّق أمارات المكان ـ أعني: جواز انتقال الجسم منه وإليه وفيه ـ وهو ملزومٌ لجواز فرض الحركة فيه لا محالة، لكن لا يندفع به كلام المعترض، فإنّ كون الحركة مقتضية للزّمان مع وصف السّرعة والبطء لا به، لا ينافي كون الحركة بنفسها مقتضية قدراً من الزّمان ،وبسبب المعاوقة قدراً آخر منه، ولا يثبت بذلك دعوى المصنّف: «أنّ الحركة بنفسها لا يستدعي شيئاً (3)»، وهو ظاهر على ما ذكره شارح المقاصد(4).

بل التحقيق أنّ مراد المصنّف هو أنّ الحركة لا تقتضي لأجل نفسها قدراً من الزّمان، ولأجل المعاوقة قدراً آخر منه على ما يقتضيه كلام المعترض، كما لا يخفى على من تدبّر فيه، بل ما يقتضيه من الزّمان لأجل نفسها هو الّذي يقتضيه لأجل المعاوقة، إذ لا وجود لها منفردةً عن المعاوقة،


1 . المحاكمات: 2 / 218 .
2 . لاحظ: شرح تجريد العقائد: 162 .
3 . انظر: شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 218 .
4 . انظر: شرح المقاصد: 2 / 213 ـ 214 .


صفحه 245

أي لا يتصحّح لها وجوداً لا في ضمن كونها مع المعاوق، كما لا يتصحّح للماهيّة الملزومة وجود إلاّ مع لازمها، ولا يتصحّح للجنس وجود إلاّ مع فصله، وكلّ ما لا يمكن وجوده منفرداً عن شيء آخر، إذا اقتضى شيئاً ; لا يمكن أن يقتضيه لأجل نفسه منفردةً عن ذلك الشّيء.

وبالجملة: كما أنّ المقتضي هو الماهيّة، لا بشرط، لا بشرط لا (1) كذلك المقتضى لأجله.

فإن قلت: كون الحركة مقتضية لأجل نفسها لا بشرط المعاوق زماناً، لا ينافي كونها لأجل نفسها بشرط المعاوق أيضاً مقتضية لزمان آخر.

قلت: تحقق اللاّ بشرط : إمّا أن يكون في ضمن بشرط لا، وإمّا أن يكون في ضمن بشرط شيء، ضرورة أنّه لا تحقّق له بصرافة لا بشرطيّته إلاّ في اعتبار العقل، ولمّا لم يكن تحقّق الحركة لا بشرط في ضمن بشرط لا، تعيّن أن يكون تحقّقها في ضمن بشرط شيء ـ أعني: بشرط المعاوق ـ فيكون الزّمان الّذي اقتضته لأجل نفسها هو الّذي اقتضته لأجل المعاوق بعينه .

فإن قلت: لم لايجوز أن يكون الزَّمان الّذي اقتضته الحركة لأجل نفسها بشرط المعاوق زائداً على ما لو اقتضته لأجل نفسها منفردة عن المعاوق، كما إذا فرضت في الخلاء، فيكون زمان قليل المعاوق زائداً على زمان الحركة في الخلاء، هذا هو مراد المعترض.


1 . في د: «لا بشرط كذلك المقتضى». وليس فيه «لا بشرط لا».


صفحه 246

قلت: لا يمكن أن يتعيّن الزّمان لأجل نفس الحركة منفردة عن المعاوق، وإن فرض كونها صادرة عن قوّة معيّنة وبحسب جسم معيّن، لأنّه يمكن فرض وقوعها بحسب هذه القوّة في نصف هذا الزّمان المفروض، إذا لم يكن هناك معاوق، فزمان الحركة في الخلاء لا يمكن أن يتعيّن في نفس الأمر ليتصوّر الزّيادة عليه، بل تعيّنه إنّما هو بحسب الفرض والتّقدير، لا بحسب الواقع، فليتدبّر .

والشّارح القوشجي (1): توهّم أنّ المصنّف فهم من كلام المعترض، أنّ المقتضي هو الحركة بشرط لا.

فدفعه: بأنّ الحركة بشرط لا; ليست بموجودة، فكيف يقتضي شيئاً؟

فأورد عليه: أنّ مقتضى المعترض هو أنّ الحركة لا بشرط المعاوق يقتضي شيئاً من الزّمان ويسبب المعاوق شيئاً آخر، وهذا لا يقتضي أن يكون منفردة عن المعاوق مستدعية للزّمان .

قال: والعجب منه مع كونه علماً في التّحقيق وعالماً للتّدقيق أنّه أبطل قول المعترض بالمعنى الّذي فهمه بمقدّمات أكثرها في محلّ المنع، ولم يتنبّه أنّه مبنى الدّليل وبابطاله ينهدم بنيانه.

لأنّه إذا لم يمكن وجود الحركة منفردة عن المعاوق لم يمكن فرض الحركة في الخلاء، وهو مبنى الدّليل .


1 . لاحظ: شرح تجريد العقائد: 162 .


صفحه 247

ثمّ طوّل (1) الكلام بإيراد المنوع، ولما كانت تلك المنوع بأسرها ساقطة مع كونها غير قادحة فيما هو مناط الجواب الّذي قد عرفت تحقيقه، أعرضنا عن ذكرها والتّطويل بدفعها، هذا .

وأمّا الشّيخ فقد قال في " الشّفاء " في تقرير هذا البرهان: «أنّا نشاهد الأجسام تتحرّك بالطّبع إلى جهات مّا، وتختلف مع ذلك في السّرعة والبطء، فلا يخلو اختلافها في السّرعة والبطء أن يكون: إمّا لأمر في المتحرّك  منها  أو لأمر في المسافة، فلنترك الّذي من قبل المتحرّك.

وأمّا الّذي يكون من قبل المسافة، فهو أنّها كلّما كانت أرق كان قطعها أسرع، وكلّما كانت أغلظ كان قطعها أبطأ (2).

والرقّة والغلظة تختلف في الزيّادة والنّقصان، ونحن نتحقّق أنّ السّبب في ذلك المقاومة، فكلّما قلت المقاومة زادت السّرعة، وكلّما زادت المقاومة زاد البطء.(3)

فإذا تحرّك جسم في الخلاء لم يخلو: إمّا أن يقطع المسافة الخالية بالحركة في زمان، أو لا في زمان، ومحال أن يكون ذلك لا في زمان، لأنّه


1 . أي الشّارح القوشجي.
2 . وذلك بحسب المتحرّك بالطّبع الواحد، فإنّ الترقيق شديد الانفعال عن الدّافع الخارق، والغليظ الكثيف، شديد المقاومة له. ولذلك ليس نفوذ المتحرّك في الهواء كنفوذه في الأرض والحجارة، ونفوذه في الماء بين الأمرين .
3 . فيكون المتحرّك تختلف سرعته وبطؤه بحسب اختلاف المقاومة، وكلّما فرضنا قلّة مقاومة وجب أن تكون للحركة أسرع، وكلّما فرضنا كثرة مقاومة وجب أن تكون الحركة أبطأ.


صفحه 248

يقطع البعض من المسافة قبل قطعه الكلّ، فيجب أن يكون ذلك في زمان، ويكون لذلك الزّمان نسبة لا محالة إلى زمان الحركة في ملاء مقاوم، ويكون مثل زمان مقاومه لو كانت نسبتها إلى مقاومة الملأ نسبة الزّمانين، وأبطأ من زمان مقاومة هي أصغر في النّسبة إلى المقاومة المفروضة من نسبة الزّمان إلى الزّمان.

ومحال أن تكون نسبة زمان الحركة حيث لا مقاومة ألبتّة، كنسبة زمان حركة في مقاومة مّا، لو صحّ لها وجود، فضلاً عن أن تكون أبطأ من زمان مقاومة أُخرى لو توهّمت أقلّ من المقاومة القليلة الأُولى، بل يجب أن لا تكون لما يوجبه أيّة مقاومة توهّمت موجودة من الزّمان نسبة إلى زمان لا مقاومة أصلاً، فيجب إذن أن تكون الحركة لا في زمان لا، وليست في زمان، وهذا محال.

ولا نحتاج في بياننا هذا أن نجعل لهذه المقاومة الّتي هي النّسبة المذكورة استحقاق وجود أو عدم.

لأنّا نقول: إنّ زمان هذه الحركة في الخلاء يكون مساوياً لزمان حركة في مقاومة مّا، لو كانت موجودة.

وهذه المقدّمة صادقة، وأوضحنا صدقها، وكلّ حركة في الخلاء، فهي حركة في عدم مقاومة.

وهذه المقدّمة أيضاً صادقة، وكلّ حركة في عدم مقاومة، فليست مساوية ألبتة لحركة في مقاومة مّا على نسبة مّا، لو كانت موجودة، فيلزم من


صفحه 249

هذه المقدّمات أن لا حركة في الخلاء هي مساوية الزّمان لزمان حركة في مقاومة مّا لو كانت، ويلزم منه ومن الأولى أن لا شيء من الحركات في الخلاء حركة في الخلاء، وهذا خلف. هذا كلامه مع تلخيص مّا(1).

ثمّ قال: «وممّا يمكن أن يقول القائل على هذا أنّ كلّ قوّة محرّكة تكون في جسم، فإنّها تقتضي بمقدار الجسم في عظمه ومقدارها في شدّتها وضعفها، زماناً لو لم تكن مقاومة أصلاً، ثمّ بعد ذلك، فقد يزداد الأزمنة بحسب زيادة مقاومات ما، وليس يلزم أن تكون كلّ مقاومة ما يؤثّر في ذلك الجسم، فإنّه ليس يلزم إذا كانت مقاومة ما يؤثّر أن يكون نصفها يؤثّر .

ونصف نصفها يؤثّر، فإنّه ليس يلزم إذا كان عدّة يحرّكون ثقلاً وينقلونه أن يكون نصف العدة يحرّك شيئاً، أو كانت قطرات كثيرة تثقب المقطور عليه ثقباً أن يكون قطرة واحدة تؤثّر أثراً، فيجوز أن يكون المقاومة الّتي زمانها على نسبة زمان مقاومة الخلاء لا يؤثّر شيئاً، وإنّما تؤثّر مقاومة أُخرى لو كانت موجودة .

فالجواب: عن هذا أنّا اخذنا المقاومة على أنّها لو كانت موجودة مقاومة مؤثّرة، لكان زمانها زمان حركة في لا مقاومة، وإنّما لم نحتج أن نقول مقاومة مؤثّرة، لأنّ المقاومة إذا قيل إنّها غير مؤثّرة، كان كما يقال مقاومة غير مقاومة، فمعنى المقاومة هو التّأثير لا غير.

وهذا التّأثير على وجهين:


1 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 1 / 130 ـ 131 .


صفحه 250

أحدهما: الكسر من الجسميّة ومن قوّة الميل.

والثّاني: ما يظنّ من إحداث المقاومة سكوناً، فلا تزال تحدث سكونات عن مقاومات متشافعة، لا يحسّ بأفرادها، ويحسّ بالجملة، كالبطء .

وأنت ستعلم بعد أنّه ما من تأثير على أحد الوجهين، إلاّ وفي طباع المتّحرك أن يقبل أقلّ منه، لو كان مؤثّر يؤثّره .

فيجب من ذلك أن يكون بعض تلك المقاومات الّتي تحتملها طبيعة الجسم، مساوياً في زمانه لغير المقاومة، وهذا محال.

فقد ظهر أنّه لا يكون في الخلاء حركة طبيعيّة ألبتة. انتهى كلامه »(1).

وهذا السّؤال ـ كما يرى ـ مشتمل على منعين: هما الخامس المنسوب إلى أبي البركات (2)، والثّالث من تلك المنوع الخمسة.

والجواب بحسب الظاهر جواب عن ثانيهما فقط، ولعلّ السّبب في ذلك هو أنّ المنع الأوّل غير ضائر بدون الثّاني، فيكون الجواب عن الثّاني جواباً عن الأوّل بالحقيقة .

بيان ذلك: أنّ الدّليل متوقّف على تحقّق مقاومة تكون نسبتها إلى مقاومة أُخرى نسبة زمان الحركة في الخلاء إلى زمان الحركة في الملاء، نسبة المقاومة إلى المقاومة نسبة الزّمان إلى الزّمان ـ أعني: الزّمانين اللّذين


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 131 ـ 132 .
2 . لاحظ : شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 221 ـ 222 .


صفحه 251

بأزاء المقاومتين ـ ففي الحركة في الملاء لو لم يكن زمان بأزاء الحركة، بل كان الزّمان بأزاء المقاومة فقط، كما هو دعوى المستدلّ، فذاك، ولو كان بأزاء الحركة أيضاً زمان على ما ادّعاه المعترض، فللمستدلّ أن يفرض نسبة المعاوقة إلى المعاوقة، كنسبة زمان الخلاء إلى زمان معاوقة الملاء ـ أعني: إلى الزّمان الّذي بأزاء المعاوقة فقط ـ فيصير زمان المعاوقة وزمان اللاّمعاوقة متساويين، وهو محال ولا يقدح في ذلك كون مجموع زماني الحركة والمعاوقة زائداً على زمان اللاّمعاوقة، كما ادّعاه المعترض .

ويدلّ على ما ذكرنا صريحاً قول الشّيخ، فيجب من ذلك أن يكون بعض تلك المقاومات الّتي يحملها طبيعة الجسم مساوياً في زمانه لغير المعاوقة كما لا يخفى.

ولعمري أنّ هذا هو حقّ .

الجواب عن الاعتراض المنسوب إلى أبي البركات: وقد خفي على غيرنا والمنّة لله علينا .

واعلم، أنّ لأصحاب الخلاء حججاً أوردها الشّيخ في " الشّفاء "وأجاب عنها:

منها: «أنّا نرى الأجسام تتخلخل وتتكاثف من غير دخول شيء أو خروجه، فالتّخلخل إذن تباعد الأجزاء تباعداً يترك ما بينها خالياً، والتّكاثف رجوع الأجزاء إلى ملاء الخلاء المتخلخل .


صفحه 252

ومنها: أنّا نرى إناء مملوّاً من رماد يسع ملاؤه ماء، فلولا أنّ هناك خلاء استحال أن يسع ملاؤه ماء .

وأيضاً أنّ الدَّن (1) يملأ شراباً ثمّ يجعل ذلك الشّراب بعينه في زِقّ(2)، ثمّ يجعلان في ذلك الدّنّ بعينه، فيسع الدّنّ الزِقّ والشّراب معاً، فلولا أنّ في الشّراب خلاء قد انحصر فيه مقدار مساحة الزِقّ، لاستحال أن يسع الزِقّ والشّراب معاً ما كان يملؤه الشّراب وحده.

وأيضاً النّامي إنّما ينمو بنفوذ شيء فيه، فلا شكّ أنّ ذلك الشّيء ينفذ لا في الملاء ولكن في الخلاء.

وكذا كلّ متحرّك: إمّا أن يتحرّك في خلاء، وأمّا أن يتحرّك في ملأ، لكنّه إن تحرّك في ملاء، فقد دخل ملاء في ملاء، فبقى أن يتحرّك في الخلاء.

ومنها: أنّ القارُورة (3) تمصّ، ثمّ تكبّ على الماء فيدخلها الماء، ولو كانت مملوّة لما وسعت شيئاً آخر يدخل فيها .

ومنها: أنّ المتحرّك إذا تحرّك، فلا يخلو: إمّا أن يدفع الملأ، فتحرّكه، وإمّا أنّ يداخله، لكنّ المداخلة محالة، فبقى أن يدفعه ويحرّكه.

وكذلك حال ما دفعه فيما يتحرّك فيه، فيلزم إذا تحرّك متحرّك أن


1 . جمع دِنان: الرّاقود العظيم لا يقعد إلاّ أن يُحضَر له، وهو وعاء كبير، يستعمل للشراب.
2 . هو جلد يستعمل لحمل الماء.
3 . جمع قوارير وهو إناء يُجعل فيه الشراب والطيّب ونحوهما.


صفحه 253

يتحرّك العالم، وأن يكون إذا تحرّك متحرّك بعنف أن يتموّج العالم تموّجاً بعنف ومضاهياً لتموّجه»(1).

والجواب عن الأوّل: «أنّ التكّاثف على وجهين: تكاثف باجتماع الأجزاء المنبثّة في هواء يتخلّلها بأن يخرج الهواء عن الخلل، فيقوم الأجزاء مقامه من غير أن يكون هناك خلاء تنفذ فيه، وتكاثف (2) لا بأن الأجزاء المتفرّقة اجتمعت، بل بأنّ المادّة نفسها تقبل حجماً أصغر تارة وحجماً أكبر أُخرى، إذا كان كلاهما أمرين عارضين لها، ليس أحدهما أولى بها من الآخر.

فإذا قيل: حجماً أصغر، قيل: إنّه متكاثف، ولمقابله متخلخل .

وهذا أمر قد تبيّن في موضعه، على أنّه لو لم يسلّم ذلك لم يضرّ، غايته أن لا يكون من القسم الثّاني بل من القسم الأوّل (3).

وعن الثّاني: أعني: عن حديث الرمّاد ـ أنّ ذلك كذبُ صرف، ولو كان ذلك صحيحاً كان الإناء كلّه خالياً، لارماد فيه أصلاً .

وعن حديث الدّن والشّراب أنّه يجوز أن يكون المقدار الّذي للزقّ لا يظهر تفاوته في الدّن حسّاً، ويجوز أيضاً أن يكون الشّراب ينعصر ويخرج


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 117 ـ 118 .
2 . أي ويقابله تخلخل وتكاثف الخ.
3 . في المصدر: «تبيّن في صناعة أُخرى، وإن لم يبيّن في هذا الموضع لم يضر، إذ تكون غاية ذلك أنّ هذا القسم يبطل ويبقى».


صفحه 254

منه بخار وهواء، فيصغر حَجْمُه، ويجوز أيضاً أن يصغر بتكاثف طبيعيّ أو قسري; أي التكّاثف الحقيقي .

وعن حديث النّامي، أنّ الغذاء ينفذ بقوته بين متماسّين من أجزاء الأعضاء وتحريكهما بالتبعيد ليسكن بينهما فيتفسح (1) الحجم، ولو كان الغذاء إنّما ينفذ في الخلاء لكان الحجم بعد دخوله وقبله حَجْماً واحداً فلايحصل نموّ وزيادة، وكذا كلّ متحرك.

وعن الثّالث: ـ أعني: حديث القارورة ـ أنّه مبنيّ على ما ذكر في التّخلخل والتكّاثف، وهو أنّه من الجائز أن يكون الجسم يستفيد حَجْماً أصغر، وحَجْماً أكبر، وإن يكون من ذلك ما هو طبيعي ومنه ما هو قسريّ.

فإذا كان هذا جائزاً لم يكن كلّ انتقاص جزء من جسم يوجب أن يبقى الباقي على حجمه الأوّل حتّى يكون إذا أخذ جزء من هواء، مالئ لقارورة يجب أن يبقى الباقي على حاله، فيكون ما وراءه خلاء، فإذا لم تجب هذا جاز أن يكون الهواء بطبعه يقتضي حَجْماً.

ثمّ إنّه يضطرّ في حال إلى أن يصير أعظم بأن يقتطع منه جزء بالقسر من غير أن يجعل إلى استخلاف جسم بدل ما يقتطع منه وفي حجمه سبيل .

فإذا كان اقتطاع ذلك الجزء منه لا يمكن إلاّ أن ينبسط انبساطاً يصير الباقي في حجم الأوّل، لامتناع وقوع الخلاء(2)، وكان هذا الإنبساط ممكناً


1 . في المصدر: «فينفسح»، وفي د: «فينفتح».
2 . ووجوب الملاء .


صفحه 255

وكان القاسر قوّة تحوج إلى خروج هذا الممكن إلى الفعل بجذبه إيّاه في جهة ولزوم سطحه لما يليه في جهته، وذلك بسط منه وتعظيم إيّاه بالقسر، أطاع القاسر فانبسط انبساطاً عظيماً، وصار بعض ما انبسط واقعاً خارج القارورة وهو المخصوص، وبقى الباقي ملأ على القارورة ضرورة، وقد ملأها منبسطاً لضرورة الجذب الماصّ بقدر القارورة .

فإذا أزال ذلك المصّ، وجاز أن يرجع إلى قوامه الأوّل بأن يجذب ماء أو هواء إلى شغل المكان الّذي يتحرّك عنه متقلّصاً، عاد إلى قوامه الأوّل .

وأمّا الجواب عن الرّابع: فمناسب لهذا الجواب، وذلك لأنّ المتحرك يدفع ما يليه من قدام من الهواء، ويمتدّ ذلك إلى حيث لا يطيع فيه الهواء المتقدّم للدّفع، فيتلبد الموج بين المندفع وغير المندفع، ويضطّر إلى قبول حجم أصغر، وما خلفه يكون بالعكس، فيكون بعضه ينجذب معه، وبعضه يعصي، فلا ينجذب فيتخلّخل ما بينهما إلى حجم أكبر، بجذب (1) من ذلك ووقوف معتدل عند قوام معتدل، هذا».(2)

ومن أقوى حججهم المذكورة في كتب المتأخرين(3)، أنّه لو فرضنا صفحة ملساء ; أي الجسم الّذي له سطح مستو ليس فيه ارتفاع وانخفاض، ولا انضمام أجزاء من غير اتّصال، وهو ممكن باعترافكم فوق أُخرى مثلها،


1 . في المصدر: «يحدث» .
2 . انتهى كلام الشّيخ. لاحظ: طبيعيّات الشّفاء: 1 / 145 ـ 148 .
3 . لاحظ: شرح المقاصد: 2 / 206 و 207 ; وشرح المواقف: 5 / 139 ـ 145 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 403 ـ 405.


صفحه 256

بحيث يتماسّ سطحا هما المستويان، ولا يكون بينهما جسم، ورفعنا إحداهما عن الأُخرى دفعة ; أي بأن يرتفع جميع الأجزاء معاً، ففي أوّل زمان الارتفاع يلزم الخلاء في الوسط، ضرورة أنّه إنّما تميلى الوسط بالهواء الواصل إليه من الخارج بعد المرور من الأطراف .

والجواب; منع إمكان ارتفاع إحداهما من الأُخرى، ولا استبعاد في ذلك الأُخرى إلى الجلدة المبلولة المشدودة على وسطها حبل الّتي يلعب بها الصّبيان، فيلقونها على حجر عظيم ويرفعونه بها، وضرورة امتناع الخلا يظهر آثاراً غريبة في الطّبيعة، وعلى تقدير التّسليم فالإرتفاع حركة يستدعي زماناً يجوز فيه مرور الهواء من الأطراف إلى الوسط .

وما قيل: من أنّ اللامماسّة انيّة وحركة الهواء تدريجيّة، فيلزم الخلاء في الوسط، فعلى تقدير التّسليم لاشك أنّها لا يحصل إلاّ بعد الحركة كالمماسّة.

بيان ذلك: أنّك قد عرفت أنّ الحادث على ثلاثة أقسام: دفعي، وتدريجي، ونفس زماني، واللامماسّة من القسم الثّالث، وكلّ ما كان من هذا القبيل يتحقّق في نفس الزّمان، وفي كلّ آن يفرض فيه دون آن الطرف، فهي انيّة بهذا المعنى لا أنّها دفعيّة ; أي واقعة في آن الطّرف، ففي نفس ذلك الزمّان الّذي هو ظرف لوجودها يمكن حركة الهواء من الطّرف إلى الوسط، وكونها واقعة في كلّ آنّ مفروض في ذلك الزّمان أيضاً لا يمنع ذلك، إذ كلّ


صفحه 257

آن كذلك، فقبله بعض من ذلك الزمّان وفي ذلك البعض من الزّمان يمكن وقوع حركة الهواء .

والعجب من بعض الأفاضل (1) حيث ادّعى أنّه ممّن تفطّن بنفسه للقسم الثّالث وعد اللامماسّة من هذا القبيل، ثمّ عجز عن التفصّي عن هذه الشّبهة وزعمها حجّة قوّية فاستقرّ رأيه على إمكان الخلاء بهذه الحجّة .

والأعجب أنّ هذه الشّبهة على تقدير قوّتها على ما زعمه إنّما هي واردة على المنع الثّاني، لا على المنع الأوّل ـ أعني: منع امكان الإرتفاع ـ وهو الأصل .

والعمدة في الجواب عند القوم، وإن كان المنع الثّاني على ما حرّرنا أدفع وأقمع لمادّة الجدال، وأتمّ على قانون البرهان مع كونه في غاية الدّقة واللّطافة، هذا.

وقال الشّيخ في الشّفاء: «وأوّل شيء خيل اعتقاد الخلاء هو الهواء، وذلك لأنّ الظنّ العامي الأوّل هو أنّ ما ليس بجسم ولا في جسم فليس بموجود .

ثمّ ظنّهم الأوّل في الأجسام الموجودة، هو أن يكون محسوسة بالبصر، ومالا يحسّ بالبصر يظنّ أنّه ليس بجسم .(2)

فلذلك يتخيّل من أمر الهواء أنّه ليس بملأ، بل لا شيء، فكان الإناء


1 . وهو السيد المحقّق الداماد. لاحظ : الأفق المبين: 297 ـ 301 .
2 . ثمّ يوجب أنّه ليس لشيء.


صفحه 258

الّذي فيه هواء لا يتخيّل (1) من أمره أوّل الأمر أنّ فيه شيئاً، بل يتخيّل أنّ هناك أبعاداً خالية، فأوّل من نبّههم بأن أراهم الأزقاق المنفوخة تقاوم المسّ، واظهر لهم بالمسّ أنّ الهواء جسم كسائر الأجسام في أنّه جسم .

فمِن الذين أراهم ذلك من رجع، فلم يرَ أن هاهنا خلأً موجوداً، إذ صار الشّي الّذي كان يظنّه خلاء، هو الملأ، ومنهم من سلّم أنّ الهواء ليس بخلأ صرف، بل ملأ، ويخالطه خلأ، ولم يخل عن الملأ، (2) إذ وجد حججاً وقياسات أنتجت أنّ الخلأ موجود. ثمّ ذكر تلك الحجج الّتي نقلناها، هذا».(3)

ولمّا كان طلب الجسم للمكان ليس من حيث هو مكان فقط، بل مأخوذاً مع ترتيب ووضع من الجهات كما مرّ كان البحث عن الجهة من هذه الجهة مناسباً للبحث عن المكان، بل من تتمة البحث عنه من حيث هو مطلوب للجسم.


1 . عندهم.
2 . في المصدر: «من الخلاء» .
3 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 117 .


صفحه 259

المبحث السّابع

في الجهة (1)

قال: والجهة طرف الإمتداد، الحاصل في مأخذ الإشارة، وليست منقسمةً .

وهي من ذوات الأوضاع المقصودة بالحركة، للحصول فيها، وبالإشارة .

والطّبيعي منها فوق وسفل، وما عداهما غير متناه.

أقول: فالمصنّف بعد الفراغ عن البحث من المكان أراد أن يبحث عن الجهة.

فقال: والجهة طرف الإمتداد، الحاصل ذلك الطرف في مأخذ الإشارة .(2)

والحاصل: أنّ طرف كلّ امتداد جهة، لكن لا من حيث هو طرف


1 . راجع لمزيد التحقيق في هذاالمقام: جواب الشيخ عن سؤال أحمد السَّهلي: 445 ـ 447 / الفصل الثّاني ; وشرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 167 ـ 191 ; والنّجاة: 1 / 159 ـ 163 ; وشرح عيون الحكمة: 2 / 65 ـ 72 ; ومناهج اليقين في أصول الدّين: 51 ـ 52 ; وايضاح المقاصد: 265 ـ 268 ; وشرح حكمة العين: 410 ـ 415 ; والبراهين القاطعة: 1 / 290 ـ 292 / المسألة الحادية عشرة; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 450 ـ 460 .
2 . أي أنّ طرف الإمتداد له اعتباران، فبالنّسبة إلى الإمتداد يسمّى نهاية وطرفاً; وبالنّسبة إلى الحركة والإشارة يسمّى جهة، ومن حيث إنّ الإمتداد لابدّ له من مأخذ الإشارة الحسيّة، فالجهة إنّما يعتبر طرف الإمتداد المبدء من المشير .


صفحه 260

مطلقاً، بل من حيث هو واقع في مأخذ الإشارة; أي من حيث ينتهي الإشارة إليه .

وليست (1) منقسمةً ; أي من حيث هي جهة، وهذه الحيثيّة في كونها طرفاً، ومنتهى لامتداد مأخذ الإشارة، وذلك لأنّ الطّرف والمنتهى من حيث هو طرفٌ ومنتهى لا معنى لانقسامه، وإن انقسم من جهة أُخرى، فالجهة عرض لا جوهر، لكونها طرفاً للامتداد، إما نقطة إن لم ينقسم أصلاً، أو خطّ إن انقسم من جهة واحدة أُخرى، أو سطح إن انقسمت من جهتين أُخريين.

وهي من ذوات الأوضاع المقصود بالحركة، للحصول فيها ; (2) أي في مكان يليها، أو يقرب منها، لاستحالة حصول المتحرّك في نفس الجهة، لكونها غير منقسمة من حيث هي جهة، وامتناع حصول المنقسم في غير المنقسم، ولما عرفت من أنّ مقصد المتحرّك الأيني إنما هو المكان لا الجهة ومثل ذلك شائع، كما يقال تحرك فلان في جهة كذا; أي تحرّك في سمت يتأدّى إليها .

والمقصودة بالاشارة (3)، وهذا الكلام إشارة إلى الاستدلال على كون


1 . أي الجهة .
2 . يعني أنّ الجهة ليست أمراً مجرّداً عن الموادّ وعلائقها، بل هي من ذوات الأوضاع الّتي تتناولها الإشارة الحسّيّة وتُقصَد بالحركة وبالإشارة، فتكون موجودةً، لأنّ المعدوم لا يكون منتهى للإشارة الحسّيّة ومقصدَ المتحرّك للحصول فيه، مع أنّ الجهة يُقصد بالحركة الحصولُ فيها بمعنى الوصول إليها والقرب منها، لأنّه المتعارف في التّعبير، هذا ما افاده العلاّمة الحلّي (رحمه الله) .
3 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 261

الجهة أمراً موجوداً ذا وضع، وذلك لاستحالة كون المعدوم أو المجرّد مقصوداً بالحركة للحصول فيما يليه، أو في قربه، أو مقصوداً بالإشارة الحسيّة، فإنّها المتبادرة إلى الذّهن عند الاطلاق، وإنّما اكتفى بذكر الوضع دون الوجود لاستلزامه إيّاه .

والطبيعيّ منها; أي من الجهة فوق وسفل، فإنّهما لا يتبدّلان أصلاً، بمعنى أنّه لا يصير الفوق سفلاً ولا السّفل فوقاً، لكونهما متعيّنين بالطّبع ومتخالفين بجسمه، بخلاف الأربعة (1) الباقية من الست المشهورة بين النّاس، لكونها متخالفة بحسب الوضع دون الطّبع، لكون تعيّناتها وامتياز بعضها عن البعض بمجرّد الوضع والجعل، لا أمراً راجعاً إلى ما في طبائعها، فإنّ المشرق مثلاً إنّما صار قداماً للمتوجّه إلى المشرق والمغرب خلفه، والجنوب يمينه والشّمال شماله، لانّهم جعلوا ما بازاء وجه الإنسان قداماً وما وراء ظهره خلفاً، وما بأزاء يمينه يميناً، وما بأزاء شماله شمالاً، ولذلك إذا توجه إلى المغرب يتبدّل الجميع ويصير ما كان قدامه خلفه وبالعكس، وما كان يمينه شماله وبالعكس .

وأمّا الفوق والسّفل، فلم يصيرا فوقاً وسفلاً، لكون الأوّل بازاء رأس الإنسان، والثّاني بأزاء رجله، ولذلك إذا صار القائم منكوساً لا يصير ما يلي رأسه حينئذ فوقاً وما يلي رجله حينئذ تحتاً، بل يصير رأسه من تحت، ورجله من فوق.


1 . اليمين، واليسار، والخلف، والأمام.


صفحه 262

فإن قلت (1): بل هما أيضاً يتبّدلان بالقياس إلى شخصين قائمين على طرفي قطر من الأرض، بل إلى شخص واحد قائم في وقتين عليهما، فإنّ مايلي رأس كلّ منهما يلي قدم الآخر، فيكون ما هو فوق بالقياس إلى الشّخص الأوّل تحتاً بالقياس إلى الشخّص الثّاني.

قلت: ما يلي رأس الأوّل مثلاًوإن صدق عليه أنّه يلي قدم الثّاني لكن لا يصدق أنّه يليها بالطبع.

لا يقال (2): الشخص القائم على طرف قطر الأرض وقوع رأسه وقدمه إنّما هو على النّحو الطّبيعي، فيصدق أن ما يلي رأسه بالطّبع يلي قدم الآخر بالطبع.

لأنّا نقول: نعم لكن على أن يكون قولنا بالطبّع صفة للرّأس والقدم، ومرادنا من نفي الصّدق ليس ذلك، بل على أن يكون بالطّبع متعلّقاً بقولنا يلي.

ومعنى هذا التعلّق أنّ لرأس كلّ شخص نسبة طبيعيّة مع الجهة مغايرة للنّسبة الطّبيعيّة الّتي لقدم الشّخص الآخر، وإلاّ لكان قدم الشخص الآخر لو فرضناها حيث رأس الشّخص الأوّل واقعة على النّسبة الطبيعيّة، وليس كذلك، فليس ما يقرّب رأس أحد الشخّصين قُرباً طبيعيّاً ما يقرّب قدم الشخّص الآخر قرباً طبيعيّاً، فتفطن.


1 . القائل هو الفخر الرّازي. لاحظ : شرح الإشارات والتّنبيهات: 1 / 172 ـ 173 .
2 . نقله قطب الدين في المحاكمات وأجاب عنه. لاحظ : المحاكمات: 2 / 172 .


صفحه 263

وقوله: وما عداهما غير متناه، إشارة إلى أنّ كون الجهات ستّاً (1) أمرٌ مشهوري، وليس بواجب، وسبب الشّهرة أمران :

عامي: وهو كون الإنسان ذا أطراف ستّة ممتازة كما مرّ .

وخاصي: وهو كون الجسم قابلاً لفرض أبعاد ثلاثة متقاطعة على زوايا قوائم على ما مرّ في مبحث تعريف الجسم، فله بحسب كلّ امتداد من تلك الثلاثة طرفان هما جهتان، وهذا أمر لا يعرفه إلاّ الخواصّ بخلاف الأوّل، فإنّه ممّا يعرفه العوام .

ولا يخفى تطبيق الاعتبارين وظاهر أن امتياز جوانب الإنسان على النّحو المخصوص واعتبار أخذ الإمتدادات على الوجه المذكور ممّا لا دخل له في كون الجهة جهة.

فإنّك قد عرفت أنّ طرف كلّ امتداد وجهة باعتبار والإمتدادات الممكنة الإنفراض في الإنسان وكلّ جسم، بل بالقياس إلى كلّ نقطة غير محصورة، فالجهات إذن غير متناهية .


1 . راجع في علّة جعل الجهات ستّاً إلى: الأجوبة عن مسائل البيروني: 417 ـ 418 / المسألة الثالثة.


صفحه 264

صفحه 265

الفصل الثّاني

 

في الأجسام

أي في تفصيل الأجسام البسيطة الفلكيّة والعنصريّة وذكر عددها والإشارة إلى ترتيبها، وبيان بعض أحوالها، أعني: أحوالها من جهة التّفصيل ومن حيثيّة خصوصيّة كونها فلكيّة أو عنصريّة.

والإشارة إلى تركّيب المرّكبات .

وفي هذا الفصل مسائل :


صفحه 266

صفحه 267

المسألة الأُولى

في عدد الأفلاك الكليّة(1)

قال: وهي قسمان: فلكيّة وعنصريّة، أمّا الفلكيّة منها تسعة واحد غير مُكَوْكَب محيطٌ بالجميع وتحته فلك الثّوابت.

ثم أفلاك الكواكب السيّارة السبعة، وتشتمل على أفلاك أخر تداوير، وخارجة المركز والمجموع أربعة وعشرون .

وتشتمل على كواكب سبعة سيّارة، وألف ونيّف وعشرين كوكباً ثوابت.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان أعداد الفلكيّة والإشارة إلى ترتيبها، وما يشتمل عليها من الأفلاك الجزئيّة والكواكب، فَمهّد أوّلاً انقسام الجسم إلى الفلكيّ والعنصريّ بقوله: وهو قسمان: فلكيّة(2); هي الأفلاك مع ما يشتمل عليها.


1 . راجع في ايضاح المقام: رياضيّات الشّفاء: 2 / علم الهيئة / المقالة الثّامنة إلى المقالة الثّالثة عشرة ; والمدخل إلى علم أحكام النّجوم لأبو نصر القمي: 2 ـ 11 / الفصل الأوّل إلى الفصل الرّابع ; والأزمنة والأمكنة: 230 ـ 238 / الباب الثاني عشر، شرح المواقف: 7 / 78 ـ 82، والهيئة والإسلام: 260 ـ 277 / المسألة الحادية عشرة; وشرح المقاصد: 3 / 145 ـ 148 .
2 . راجع لمزيد تحقيق في حقيقة الفلك إلى: الهيئة والإسلام: 64 ـ 79 / المسألة الأُولى .


صفحه 268

وعنصريّة: هي العناصر (1) وما يتركّب منها.

ثمّ قال: أمّا الفلكيّة (2) فالكلّية منها تسعة.

اعلم، أنّه لا سبيل لنا إلى العلم بوجود الأفلاك وإثبات عددها، وبيان أحوالها إلاّ من طريق الإحساس بحركات الأجرام النيّرة العالية المسمّاة بالكواكب، واختلاف تلك الحركات جهة وسرعة وبطؤاً وقوفاً ورجوعاً، إلى غير ذلك من الإختلافات الّتي وجدوها بالحسّ والرّصد.

وذلك بعد تحقيق أصول صحيحة يحكم بها العقل بالبرهان، أو بضرب من الحدس، أو بما وقع الاتّفاق عليه، كوجوب اسناد كلّ حركة إلى جسم يتحرّك بالذّاتِ وتحرّك ما يشتمل عليه بالعرض، وامتناع الخلاء، ووجوب الاتّصال في الحركات المستديرة البسيطة ووجوب التّشابه فيها وعدم وقوع الإنخراق والإلتيام على أجرامها الموصوفة بالشدّة والإحكام اتّفاقاً بطريق العادة .

فوجدوا أوّلاً لجميع الكواكب حركة سريعة من المشرق إلى المغرب، وهي الّتي بها يتحقّق طلوعها وغروبها، ويتمّ قريباً من يوم وليلة، وبها يتحقق اللّيل والنّهار، وهي المسمّاة بالحركة اليوميّة، وبالحركة الأُولى وبحركة الكلّ، فأثبتوا لها فلكاً واحداً يشتمل على الجميع، ثمّ وجدوا لكلّ


1 . الأربعة وهي النّار والهواء والماء والأرض، وما في الأرض من الإنسان والحيوان والنّبات والمعدن.
2 . وهي تنقسم إلى قسمين: إمّا كليّة ; وهي الّتي ليست جزءاً لفلك أُخرى، وإمّا جزئيّة; وهي الّتي تكون جزءاً لفلك أخرى، فالكليّة منها تسعة الخ .


صفحه 269

من الكواكب السّبعة المعروفة بالسّيارة حركة من المغرب إلى المشرق مخالفة لحركة آخر منها في السّرعة والبطؤ، فاثبتوا لكلّ واحدة منها فلكاً. ثمّ وجدوا بعد مدّة طويلة لجميع الكواكب الّتي هي غير السّبعة حركة واحدة غريبة بطيئة جدّاً، فاثبتوا لها فلكاً على حدة، فحصلت تسعة أفلاك لتسع حركات، وهي المسمّاة بالأفلاك الكليّة.

فالمراد من الفلك الكليّ ما يستند إليه واحدة من الحركات التّسعة، واحدٌ (1) من تلك التّسعة، وهو الّذي يستند إليه الحركة اليوميّة غير مُكَوْكَب(2)، ولذلك سمّي بالفلك الأطلس، لخلوّه عن نقش الكوكب، كالأطلس الخالي عن النّقش محيطٌ بالجميع ، ولذلك يسمّي بفلك الأفلاك وبالفلك الأعظم (3).

وتحته فلك الثّوابت، وسمّي بفلك البروج (4) أيضاً لا نفراض دوائر البروج أوّلاً عليه لكون الكواكب الّتي أخذ أسم كلّ بروج من شكلها مركوزة فيه .

ثمّ أفلاك الكواكب السّبعة السّيّارة،(5) على الترتيب المشهور، وهي


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
2 . من كلام المصنّف (رحمه الله) أي فلا يكون فيها كوكباً.
3 . أي الفلك الحاوي لجميع الأفلاك .
4 . والبروج عبارة عن: الحمل، والثّور، والجوزاء، والسّرطان،والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت .
5 . راجع في توضيح كلّ واحد من السّيّارة إلى رسالة في الأجرام العلويّة للشيخ الرّئيس: 133 ـ 139 .


صفحه 270

الزُّحَلَ ، ثمّ المشتري ، ثمّ المريخ ، ثمّ الشّمس ، ثمّ الزّهرة ، ثمّ عُطارِد، ثمّ القمر .

وسمّيت سيّارة لكونها ذوي حركات خاصّة سريعة في الجملة.

وسمّيت الخمسة منها ـ ما خلا الشّمس والقمر ـ متحيّرة، لكونها في حركاتها الخاصّة تارةً مستقيمة، وتارةً واقفة، وتارةً راجعة كالمتحيّر في أمره.

ووجه التّرتيب :(1) أنّ زُحل يكسف بعض الثّوابت فيكون تحتها، وينكسف بالمشتري فيكون فوقه، والمشتري ينكسف بالمرّيخ فهو فوقه، وهذه الثّلاثة تسمّي علويّة، ثمّ الشّمس، إذ لها اختلاف منظر دون العلويّة.

والمراد باختلاف المنظرة وبعد ما بين طرفي الخطّين المارّين بمركز الكواكب الواصلين إلى فلك البروج، أحدهما من مركز العالم، والآخر من موضع النّاظر، فوجود ذلك البعد يدلّ على القرب منا، وعدمه على البعد، وعلى تقدير الوجود ما هو أقلّ، فهو أبعد، وهو موجود للشّمس وليس بموجود للعلويّة، فيكون تحتها.

وأمّا الزّهرة وعطارد، فلا جزم بكونهما تحت الشّمس، أوفوقها، إذ لا يكسفها غير القمر، ولا يدرك كسفها بشيء من الكواكب، لإحتراقها عند مقارنتها، ولايعرف لهما اختلاف منظر أيضاً، لأنّه إنّما يعرف بآلة ذات


1 . راجع: شرح حكمة العين لمباركشاه: 538 ـ 543 ; وشرح المقاصد: 3 / 141 ـ 146 ; الآراء الطبيعيّة لفلوطرخس: 131 ـ 132 .


صفحه 271

الشّعبتين تنصب في سطح دائرة نصف النّهار، وهما لا يبعدان عن الشّمس كثيراً ولا يصلان إلى نصف النّهار ظاهراً، فحكموا بكونهما تحت الشّمس استحساناً، لتكون متوسّطة بين السّتة بمنزلة شمسة القلادة.

وتأكدّ ذلك بمناسبات أُخر، مثل: أنّ العلويّة تبعد عنها الأبعاد الأربعة، وهي التّسديس، والتّربيع، والتّثليث، والمقابلة والسّفليين لا يبعدان عنها إلاّ أقلّ هذه الأبعاد وهو التّسديس .

والقمر يكون له معها جميع الإتّصالات أيضاً، لكن على نسق آخر، وهو أنّه في مقابلتها ومقارنتها يكون في أوج حامله، وفي تربيعها في حضيضه .

وإلى ذلك أشار المصنّف في " التذكرة (1)" حيث قال: إذ الستّة مربوطة عليها العلويّة بوجه، والسّفليان بوجه، والقمر بوجه آخر إلى غير ذلك .

وبما ذكره الشّيخ،(2) وبعض من تقدّمه: أنّه رأى الزُّهرة كشامة على وجه الشّمس .

وبعضهم ادّعى: أنّه رآها وعطارد كشامتين عليها وسميّا سفليين لذلك، والزُّهرة منهما فوق عطارد لإنكسافها به، والقمر تحت الكلّ لإنكساف الكلّ به.

وأمّا خصوص العدد التّسعة، فجزموا بأنّه لا أقلّ منها.


1 . التّذكرة في علم الهيئة، لم نعثر به .
2 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 2 / 38 .


صفحه 272

والمصنّف في " التذكرة " جوّز أن يكون ثمانية حيث قال: واسناد أحدى الأوّليين إلى المجموع لا إلى فلك خاصّ بها لم يكن ممتنعاً، لكن لم يذهبوا إلى ذلك.

وقال العلاّمة الشّيرازي صاحب التّحفة (1): إنّي سمعتُ من الأستاذ خاتم الحكماء (2) 1، إنّ جواز اسناد أحدى الأوّليين إلى المجموع لا إلى فلك خاصّ بها معلّل بجواز اتّصال نفس بالثّمانية، وأُخرى بالثّامنة، ويكون دوائر البروج والمنطقتان مفروضة على محدّب الثّامنة .

فقلت: فعلى هذا يمكن أن تكون الأفلاك الكليّة سبعة فقط، بأن يفرض الثّوابت ودوائر البروج على محدّب ممثّل زُحل ونفسان يتّصل إحداهما بمجموع السّبعة وتحرّكها إحدى الأوّليين والأُخرى بالسّابعة، وتحرّكها الأُخرى، ولكن بشرط أن يفرض دوائر البروج متحرّكة بالحركة بالسّريعة دون البطيئة، كتحرّكها متوهّمة على سطوح الممثّلات بالسّريعة دون البطيئة، لينتقل الثّوابت بها من برج إلى برج كما هو الواقع، فإستحسن واثنى عليّ، انتهى .(3)

وهذا الاحتمال مبنيّ على أن لا يوجد كوكب من الثّوابت على أوج زُحل، وعلى أن لا يوجد كوكب منها لها مقادير يعتدّ بها على حوالي ذلك


1 . التّحفة الشّاهيّة في علم الهيئة لقطب الدّين محمود بن مسعود الشّيرازي المتوفى (710 هـ).
2 . يريد المصنّف (رحمه الله) .
3 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 165 ; وحاشية العلياري على شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصدّر: 220 .


صفحه 273

الأوج، بحيث لا يحتملها ثخن المتمّم هاهنا.

ثمّ من الجائز أن يكون الأفلاك ثمانية بطرح الفلك الخاصّ بالثّوابت، لإمكان أن يكون جميعها مركوزة في محدّب ممثّل زُحل، أو بعضها فيه، وبعضها في متمّمة المحوى، بل في ممثّل المشتري، والمريّخ، ممّا لم يقع في سمت حركات العلويّة، ويتحرّك الفلك الثّامن الحركة السّريعة من دون تكلّف تعلّق نفس واحدة بمجموع الثّمانية، أو بمجموع السّبعة، ومن دون حاجة إلى دقّة النّظر في فرض دوائر البروج متحرّكة بالسّريعة دون البطيئة، وإلى كون البروج وهميّة، فهذا الاحتمال أولى من الاحتمالين المذكورين.

كذا قال بعض شرّاح التّذكرة: وقد يورد على ما في " التّحفة " أنّه يستلزم كون قطب العالم، أي قطب الحركة اليوميّة متحرّكاً بحركة الثّوابت، ومنتقلاً عن موضعه قدر انتقالها، كما أنّ قطب حركة الثّوابت متحرّك بالحركة اليوميّة، وذلك مع كونه خلاف الواقع يستلزم تحرّك كلّ من الشّيئين بحركة الآخر.

والجواب: أنّ قطب الحركة اليوميّة حينئذ يكون نقطة نوعيّة من محدّب فلك الثّوابت غير متحركة بحركته لا نقطة شخصيّته منه، فلا يلزم محذور .

وبذلك يندفع أيضاً ما توهمّ; من أنّه يلزم على هذا التجويز سكون أربع نقاط في سطح واحد متحرّك، وإن يكون سطح واحد بعينه محدّباً للمتّحرّك اليومي ومتحركاً بحركته ومحدّباً للفلك الثّوابت ومتحرّكاً بحركته.


صفحه 274

أمّا إندفاع الأوّل: ممّا ذكر فظاهر.

وأمّا إندفاع الثّاني: فلأنّه كما يجوز أن يكون جسم واحد بعينه كخارج المركز مثلاً فلكاً مستقلاًّ متحرّكاً برأسه، وجزءاً من فلك آخر ومتحرّكاً بحركته .

فلِمَ لا يجوز مثل ذلك في سطح واحد؟ وما الفرق بينهما في ذلك؟

وكما لا استبعاد في كون سطح واحد سطحاً لجسمين باعتبارين، وفي كون واحد من الجسمين متحرّكاً بنفسه وبحركة الآخر من جهتين، فكذا لا استبعاد في حركة ذلك السّطح أيضاً بالحركتين، هذا .

وقال المحقّق الدّواني: يجوز أن يكون الأفلاك الكلّية اثنين، بأن يفرض الأفلاك الخارجة المراكز كلّها سوى خارج القمر في ثخنِ ممثّل واحد، بحيث لا يكون السّطوح الّتي يثبتونها بين الممثّلات إلاّ بين ذلك الممثّل وممثّل القمر، فينحصر الأفلاك الكلّية فيهما. انتهى.(1)

وأنت خبير: بأنّ ذلك قليل الجدوى جدّاً، إذ الفرض تقليل الأجرام لا رفع الإنفصال، فتدبّر .

هذا هو الكلام في جانب القلّة، وأما في جانب الكثرة، فلا قطع، لاحتمال أن يكون كلّ واحد من الثّوابت أو كلّ طائفة منها في فلك على حدة، وإن يكون أفلاك كثيرة غير مكوكبة.

ثمّ إنّهم وجدوا حركة كلّ من السّيارات مختلفة بالإسراع والإبطاء


1 . لم نعثر على مصدره.


صفحه 275

والتّقارب والتّباعد بالنسّبة إلى مركز العالم وغير ذلك، ولكون الإختلاف منفيّاً عن الحركةِ المفردةِ جعلوا كلاًّ من تلك الأفلاك السَّبعة الكليّة مركباً من عدّةِ أفلاك جزئيّة، ليمكن استناد الإختلاف إلى حركتها المركّبة، وذلك بقدر ما يقتضيه الضّرورة .

فأثبتوا لكلّ من السّيارات غير الشّمس تدويراً خارج مركز يشتمل عليهما فلكه الكلّي المسمّى بالممثّل خارج المركز في ثخن الممثل، ومفروز (1) منه بحيث يتماسّ محدّبه لمحدّبه ومقعره لمقعره بنقطتين مسمّاتين بالأوج والحَضِيض (2)مُشتملٌ على الأرضِ كالممثّل.

والتّدوير في ثخن الخارج بحيث يُماسَّ محدّبِهِ لمحدّبِهِ، ومقعّرِهِ معاً بنقطتين مسمّاتين بالذِّروةِ، وَالحَضِيضُ غيرُ مشتمل على الأرضِ، بل مركوزٌ في الخارج، ولذلك سمّى الخارج بالحامل لحمله التّدوير، والكوكب مَرْكوزٌ في التّدوير، بحيث يكون قُطر الكوكب مساوياً لنصفِ قُطر التّدوير.

وأمّا الشّمس فيكفي فيها: إمّا الخارج، أو التّدوير مع الحاملِ الموافقِ المركز، لكن بطليموس (3) رجّح الخارج لكون أصل الخارج أبسط، لكونه


1 . أي معزول، مقطوع ومفصول.
2 . بمعنى عكس الأوج .
3 . أقلاديوس بطليموس (Ptolemee = ) (100 ـ 170 م) من علماء اليونان فلكيّ، جغرافي وفيلسوف، كان مولده ومنشأه بالإسكندرية من أرض مصر ورصد فيه وبنى على ارصاد ابرخيس، له تصانيف متعددة ومنها: «المجسطي» وهو أوّل كتاب دوّن فيه كلّ فروع علم الفلك القديم، نقلها اسحاق بن حنين، وأصلحها ثابت بن قُرّة، كان المرجع الأكبر في هذا العلم. راجع: محبوب القلوب: 1 / 378 ـ 384 / برقم 33 ; وتاريخ الحكماء لشهرزوري: 296 برقم 33.


صفحه 276

يتمّ بحركة واحدة، بخلاف أصل التّدوير، فإنّه يتمّ بحركتين حركة التّدوير، وحركة حامله.

وأمّا حركة الأوج، فمشتركة بين الأصلين.

وأيضاً التّدوير يستلزم مداراً خارج المركزِ، والخارجُ لا يستلزم تدويراً.

وأمّا بحسب الجِرم، فلا أبسطيّةَ للخارج، لأنّ الخارج أيضاً يستدعي حاملاً له لإمتناع الخلأ لكن لا حاجة إلى حركته.

وأثبتوا للعُطارِد; فلكاً آخر أيضاً خارج المركز، فله فَلكان خارِجَا المركز يشتمل ممثّله على أحدهما، وهو المسمّى بالمَديرِ، لإدارته مركز حامل التّدوير، ويشتمل المَدير على الخارج المركز الآخر الحامل للتّدوير، فلعُطارِد أوجان وحضيضان.

وأثبتوا للقمر أيضاً; فلكاً آخر زائداً على الخارج، والتّدوير مسمّى بالمائلِ في جوفِ ممثّله المسمّى بِفَلَكِ الجوزهر هذه صورة تلك الأفلاك، فالأفلاك الجزئيّة للعلويّة.

والزُّهرة ثمانية: لكلّ منها اثنان خارج وتدوير .

ولعُطارِد ثلاثة: التّدوير، والحامل، والمدبّر .

والقمر أيضاً، ثلاثة: الحامل، والمائل، والتّدوير.


صفحه 277

فمجموع أفلاكهما الجزئيّة ستّة، وهي مع الثّمانية المذكورة أربعة عشر، وهي مع خارج الشّمس على أصل الخارج خمسة عشر، وهي مع الأفلاك الكليّة التّسعة، أعني: الأطلس، وفلك الثّوابت والممثّلات السّبع للسّيارات السّبع .

ومنها جوزهر القمر، كما عرفت أربعة وعشرون، كما قال (1) وتشتمل; أي تلك الأفلاك الكليّة على أفلاك أخر(2)تداوير، وخارجة المراكز، هي الأفلاك الجزئيّة الّتي فصّلناها.

وقد طوى ذكر المسائل طيّاً وذلك باب واسع .

ثمّ تداركه بقوله: والمجموع ; أي مجموع الأفلاك الكليّة والجزئيّة أربعة وعشرون كما عددنا لك.

والشارح القوشجي مع مهارته في الهيئة توهّم: أنّ جوزهر القمر الّذي هو ممثّله فَلَكٌ جزئيٌ، وصرّح بأنّه ليس فلكاً كليّاً، وإلاّ لكان المائل أيضاً فلكاً كليّاً، فيصير عدد الأفلاك الكليّة عشرة، فزعم أنّ مجموع الأفلاك الكليّة والجزئيّة خمسة وعشرون، لكون الأفلاك الجزئيّة حينئذ ستّة عشر مع كون الكليّة تِسعة .

ثمّ خطّأ المصنّف في جعله إيّاها أربعة وعشرون .(3)


1 . أي المصنّف (رحمه الله).
2 . في بعض النسخ كلمة «أخر» ساقطة.
3 . لاحظ: شرح تجريد العقائد: 167 .


صفحه 278

وليت شعري أنّه من أين جاءت له هذه الملازمة ـ أعني: استلزام كون الجوزهر فلكاً كلّياً كون المائل فلكاً كليّاً ـ والحال أنّ الفلك الكلّي يجب أن يشتمل على مجموع أفلاكه الجزئيّة، والجوزهر كذلك، فإنّه مشتمل على مائل القمر وحامله وتدويره اشتمال إحاطة، والمائل لا يشتمل إلاّ على الحامل والتدّوير، دون الجوزهر، إذ لا معنى لإشتمال المُحاط على المُحيط، بخلاف العكس .

وأيضاً، فإذا لم يكن شيء من الجوزهر والمائل فلكاً كليّاً ولا الحامل والتدوير وهو أظهر .

فأين الفلك الكلّي للقمر، فكيف يصير الأفلاك الكليّة تسعة؟

وبالجملة: لو كان مطلق الاشتمال الشّامل للإشتمال الإحاطي كافياً في كون الفلك كلّياً كان الجوزهر فلكاً كلّياً للقمر دون المائل، ولو لم يكن مطلق الاشتمال كافياً، بل لابدّ من اشتمال الكلّ على الأجزاء لم يكن للقمر فلك كليّ أصلاً، فلا وجه لكون المجموع خمسة وعشرون كما زعمه.

وتشتمل على كواكب سبعة سيّارة (1) هي الّتي عددناها يشتمل كلّ فلك من الأفلاك السّبعة الكلّية على واحد منها على التّرتيب المذكور.

وألف ونيّف (2)، هو يطلق على كلّ عدد بين العقدين.

والمراد هاهنا اثنان على ما صرّح به في " التّذكرة " أو خمسة على ما


1 . في بعض النسخ «سبعة متحيّرة».
2 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 279

قيل: وعشرين كوكباً ثوابت سمّيت بها لثبات وضع بعضها مع بعض، أو لبطء حركتها جدّاً بحيث لا يدرك إلاّ بدقة وبعد مدّة، وهذه هي الثّوابت الّتي رصدوها وعيّنوا مواضعها طولاً وعرضاً، وأمّا الغير المرصودة، فلا سبيل إلى حصرها.


صفحه 280

المسألة الثّانية

في أحكام متعلّقة بالأفلاك(1)

وفيها ثلاثة أحكام :

الحكم الأوّل

في أنّ الأفلاك كلّها بسيطٌ

قال: والكلّ بسائطُ .

أقول: فمنها(2) ما أشار إليه بقوله: والكلّ، أي الأفلاك (3)، بل الفلكيّات بأجمعها بسائط ; أي غير مركّبة من أجسام مختلفة الطبائع .

اعلم، أنّ السّبب اللّميّ في بساطة الفلك، وكذا في سائر أحواله إنّما هو كونه محدِّداً للجهات .


1 . لاحظ : شرح المواقف: 7 / 87 ـ 108 ; وشرح حكمة العين: 477 / المقالة الثّالثة ; والبراهين القاطعة: 1 / 299 ـ 302 ; وايضاح المقاصد: 301 / المقالة الثّالثة ; وشرح تجريد العقائد: 167 ـ 169 .
2 . أي من أحكام الأفلاك وهوالحكم الأوّل.
3 . بأسرها.


صفحه 281

وبيان ذلك: أنّك قد عرفت أنّ الطّبيعي من الجهات هو الفوقُ والتّحتُ، ومعنى كونهما طبيعييّن أنّهما جهتان متعيّنتان بالطّبع ومتقابلتان بالطّبع .

أمّا الأوّل: فلأنّا نَرى بعض الأجسام يتحرّك بالطبع إلى الفوق، وبعضها يتحرّك بالطّبع إلى تحت، فلولا أنّهما متمايزتان بحسب الطّبع، لما كان كذلك.

وأمّا الثّاني: فلأنّ الطّالب لإحديهما بالطّبع هارب عن الأُخرى بالطّبع، وأيضاً إحديهما ما يلي رأس الشّخص بالطّبع والأُخرى ما يلي قدمه بالطّبع، وهما ظرفان لإمتداد واحد، فهما متقابلتان، ويلزم من ذلك أنّ إحداهما إذا كانت غاية القرب من جسم يكون الأُخرى غاية البعد عنه، إذا تمهّد ذلك، فنقول: تحدِّد الجهتين وتعيّن وضعهما لا يخلو :

إمّا أن يكون في شيء متشابِه; خلأ كان أو ملأ.

وإمّا أن يكون في شيء مختلف.

والأوّلُ محالٌ، لعدمِ أولويّةِ بعض الحدود المفروضة المتشابهة، بأن يكون جهة متعيّنة من سائرها، ولكون الحدود فيهما بالفرض وغير متناهية، وكون الجهتين بالطّبع واثنين، فحسب، فإذن، الثّاني حقٌّ، وهو كونُ التعيّنِ بشيء مختلف خارج ممّا يتشابه، وذلك الشّيء يكون لا محالة جسماً أو جسمانيّاً، لكون الجهة ذات وضع وتعيّن ذات الوضع لا يمكن إلاّ أن يكون بذي وضع .


صفحه 282

وأيّا مَا كان، فتحدِّد الجهة إنّما يكون بجسم، وهو: إمّا جسم واحد يحدّد الجهتين معاً، أو جسمان يحدّد كلّ واحد منهما واحدة منهما.

والجسم الواحد لا يمكن أن يحدّد من حيث هو واحد إلاّ جهة واحدة، والمطلوب تحديد الجهتين معاً، فبقى أن يكون المحدِّد: إمّا جسماً واحداً لامن حيث هو واحدٌ، وإمّا جسمين .

والجسمان: إمّا أن يكون أحدهما محيطاً بالآخر، أو يكونا متباينين، وكلاهما باطلان.

أمّا الأوّل: فلأنّ تحدِّد الجهتين لو كان بمحيط ومحاط حتّى يكون تحدّد إحداهما بالمحيط، وتحدّد الأُخرى بالمحاط، كان المحاط لا محالة كالمركز، لأنّ إحدى الجهتين يجب أن يكون غاية البعد من الأُخرى .

والّذي في غاية البعد من المحيط ليس إلاّ المركز، فحينئذ يكفي المحيط في التّحديد ويكون المحاط حشواً بحيث لو فرض عدمه لكان التّحديد بحاله.

وأمّا الثّاني: فلأنّ كلّ واحد من الجسمين المتباينين، فإنّما يمكن أن يتحدّد به جهة القرب فقط دون جهة البُعد، فإنّ البُعد حينئذ يكون خارجاً، والبعد الخارج لا يتعيّن في حدٍّ، فإنّ كلّ حدٍّ يفرض فوراؤه أبعد منه، بخلاف ما إذا كان البعد في حشو الجسم، بأن يكون الجسم محيطاً، فإنّه حينئذ يكون فيه حدّ معيّن هو غاية البعد حتّى أنّ كلّ حدٍّ يفرض وراءه لا يكون أبعد منه، بل يكون من جهة أقرب .


صفحه 283

وممّا يوضح ذلك ما ذكره الشّيخ في " الشّفاء ": أنّ كلّ جسم من الجسمين المتباينين يتحدّد بسطحه جهة القرب يكون جميع سطحه جهة القرب،(1) ويكون حاله إلى ما هو خارج عنه من جميع الجوانب سواء، لأنّ سطحه في نفسه سطحٌ واحدٌ متشابهٌ(2) من جسم واحد متشابه نسبة إلى ما هو خارج عنه نسبة واحدة متشابهة، فلو كان في خارجه من بعض الجوانب جسمٌ، جازَ أن يتوهّم في كلّ جانب جسم يتحرّك إلى ذلك الجسم المحدّد الحركة المقرّبة منه.

فإذا فرضنا جسماً يتحرّك إلى ذلك الجسم من الجانب الّذي لا يلي الجسم الآخر فهذه الحركة حركة مستقيمة إلى جهة وليست من صفاتها، لكنّ الحركة المستقيمة إلى جهة لا يكون إلاّ من مقابلها، ضرورة أنّ الحركة إلى فوق لا تكونُ إلاّ من تحت، وبالعكس.

وأيضاً لو حدّد جسم جهة واحدة بالنّوع، لكونها قربا منه، وجب أن يكون كلّ قرب منه من أيّ جانب هو تلك الجهة، فتكون الجهة الأُخرى كلّ بعد منه، فإنّ تحدّد جميع أبعاده بالجسم الآخر كان محيطاً، وإن لم يتحدّد به، بل به وبالاجسام الأُخر، فتلك الأجسام إن لم يكن واقعة في أبعاد متساوية من الجسم الأوّل، فجهاتُ البعدِ جهات مختلفة بالنّوع في مقابلة جهة واحدة بالنّوع، وأنّه محالٌ، وإن كانت (3) واقعة في أبعاد متساوية،


1 . أي جهة قرب الفوق أو التّحت .
2 . في د: «متشابه الجهة».
3 . أي تلك الأجسام.


صفحه 284

فجهة البعد عن الجسم الأوّل جهة واحدة بالنّوع، وتلك الأجسام كجسم واحد محيط بالجسمِ الأوّل، فيكون تحدّد الجهتين على سبيل محيط ومركز، لكن الجسمَ الواقع في المركز داخلٌ في الأمر بالعرض، والمحيط كاف في تحديد الجهتين. انتهى كلام " الشّفاء ".(1)

فلمّا بطل هذا القسم أيضاً ـ أعني: كون التحدّد بجسمين ـ ثبت أن تحدّد الجهتين يتمّ بجسم واحد لا من حيث هو واحدٌ، ولا على أيّ وجه اتّفق، بل من حيث الإحاطة، وهي الحال الموجبة لتحديدين متقابلين كما مرّ، فإذن، محدّد الجهات جسم واحد محيط بالأجسام ذوات الجهات ولا جسم محيطاً بسائر الأجسام سوى الفلك، فيثبت أنّ الفلك محدّد للجهات وهو المطلوب.

ونقول أيضاً: لا يجوز أن يكون الفلك قابلاً للحركة المستقيمة، لأنّ المتحرّك بالحركة المستقيمة يطلب جهة لا محالة، وكلّ ما يطلب جهة يجب أن يكون الجهة متحدّدة قبله لا به، لأنّه مستحيل أن يكون في شيء إمكان طلب الجهة إلاّ والجهة حاصلة، لأنّك قد عرفت أنّ طلب الجهة إنّما هو طلب للوصول إليها، أو للقرب منها لا طلب لتحصيلها.

وكذا لا يجوز أن يكون شيء من أجزائه قابلاً للحركة المستقيمة، وإلاّ لزم تحدّد الجهة قبل تلك الأجزاء لا بما يتركّب من تلك الأجزاء لعين ما ذكرنا.


1 . لاحظ: طبيعيّات الشّفاء: 1 / 251 ـ 253. نقل بالمعنى .


صفحه 285

ثمّ إذا تمهدّ ما ذكرنا نقول: يجب أن يكون الفلك بسيطاً، أي غير مركّب من أجسام مختلفة بالطّبع، لأنّ الأجسام المختلفة بالطّبع لها أمكنة مختلفة بالطّبع، فيكون كلّ من تلك الأجسام قابلاً للحركة المستقيمة إلى مكانه الّذي له بالطّبع، فيلزم تحدّد الجهة قبله، والمفروض أنّ تحدّد الجهة إنّما هو بالفلك المركّب منه، و هذا خلف .

فإن قيل (1): لِمَ لا يَجوز أن يكون تلك الأجسام حين كونها أجزاء للفلك واقعة في أمكنتها الطبيعيّة، بأن تكون أمكنتها الطبيعيّة متجاورةً، ولا تكون قابلة للحركة إليها؟

ولو سُلِّم أنّها خرجت حال التأليف عن أحيازها الطبيعيّة، فلِمَ لا يجوز أن تكون أحيازها الطبيعيّة مع أحيازها الّتي فيها حالَ التأليف متساويةَ البُعد من مركز العالم، فإذا انتقلت إليها انتقلَت بالحركة على دائرةِ مركزِها مركز العالم، فلا يحتاج أن يتحرّك إلى إحدى جهتي الفوق والتحت، والفلك إنّما يحدّد جهتي الفوق والتحت لا كلّ جهة، فلا يلزم تحدّد الجهتين قبله لا به. ولو سلّم أنّ انتقالها إلى أمكنتها الطبيعيّة إنّما هو بالحركة إلى إحدى جهتي الفوق والتّحت، فلا يلزم من ذلك إلاّ تحدّد الجهةِ قَبْل حركة الأجزاء، ولا استحالة في ذلك، وإنّما المحال أن يتحدّد قبل وجودها؟(2)

قلنا: أمّا الجواب عن الأوّل: فهو أنّ كلاًّ من تلك الأمكنة يكون حينئذ


1 . القائل هو الشّارح القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 167 ـ 168 .
2 . أي قبل وجود الأفلاك.


صفحه 286

في غاية القرب من المحدّد، فيكون جميع تلك الأمكنة متّحدة بالنّوع لا مختلفة، لأنّك قد عرفت أنّ المكان الطّبيعي ليس مطلوباً لكونه نفس المكان، بل لكونه مع وضع وترتيب مع الجهات، فمع اتّحاد نوع الوضع وهو غاية القرب لا يمكن أن يكون الأمكنة مختلفة بالنوّع، وإذا لم يكن الأمكنة مختلفة بالنّوع لم يكن الأجسام المقتضية لها مختلفة بالنّوع.

وظهر من ذلك الجواب عن الثّاني أيضاً، لأنّ تلك الأمكنة حينئذ تكون كلّها فوقاً، لكونها غاية القرب من المحدّد، فيكون غير مختلفة، على أنّه قد قيل: لا معنى للحركة إلى المكان الطّبيعي على الدائرة، لوجوب كون الطّلب على أقرب الطّرق، فيكون الوَتر أقرب من القوس، فتدبّر .

وأمّا الجواب عن الثّالث، فهو: أنّ إمكان الحركة المستقيمة يقتضي تحدّد الجهة قبله وهو مقارن لوجود الأجزاء حال التأليف لفرض كونها واقعة في غير أمكنتها الطبيعيّة، على أنّ شيئاً من محدّد الجهة وأجزائه لا يمكن مفارقته للجهة، فلا يمكن عروض الحركة المستقيمة له بعد تحديد الجهة أيضاً.

قال الشّيخ في " طبيعيّات الشّفاء ": «الجسم الّذي من شأنه أن يتحرّك بالطبع على الاستقامة لا يصلح أن يحدّد الجهة، لأنّه لا يخلو: إمّا أن تقتضي طباعه الكون في تلك الجهة، أو لا تقتضي، فإن لم تقتض، فكيف تتحدّد به الجهة وجائز أن لا يكون هو عندها؟

وإن اقتضى طباعه الكون في تلك الجهة، وكان مع ذلك أن يعرض له


صفحه 287

أن لا يكون في تلك الجهة وهو بالطّبع يطلبها، فإن كان في طبيعة ذلك الجسم إمكان أن يعرض له طلب تلك الجهة، ولكنّه من المستحيل أن يوصف بأنّ فيه إمكان طلب تلك الجهة، إلاّ وتلك الجهة حاصلة، فيكون لا جزء لذلك الجسم إلاّ ويمكن في طباعه أن يعرض له أن لا يكون في تلك الجهة، وتكون تلك الجهة حاصلة في نفسها يطلبها كلّ جزء منه.(1)

فإن لم يوجد هذا الممكن، فإنّما لايوجد، لا لأمر (2) في طباعِ جزء جزء (3)، بل بسبب من خارج وهو فِقدانُ ناقل عن موضعه الطّبيعي .

وإذا كان كذلك، فالجهةُ غير متحدّدةِ الذّات بهذا الجسم، وقد فرض بهذا الجسم، و هذا خلف .(4)

وبيّن من ذلك أيضاً، أنّ الجهة الواحدة بالنّوع تتحدّد بجسم واحد بالطّبع،(5) فإنّ المحدّد بالإحاطة لا يصلح أن يكون منتظماً من أجسام شتى، فإنّه ليس يجب أن يكون بعض تلك الأبعاد يستحقّ أن يوجد فيها جسم بعينه يلزمه، وبعض آخر يستحقّ جسماً آخر مخالفاً له بالطّبع يلزمه، ولا يجوز أن يكون انقسام تلك الجهة المحيطة إلى أجسام مختلفة الأنواع اتّفاقاً من غير وجوب، وبقى كذلك، ويكون ترتيب الأجسام المختلفة في النّوع


1 . في المصدر: «كلّ جزء جزء منها».
2 . في المصدر: «لأنّه».
3 . من الجسم إلى آخر أجزائه المعدودة بحسب عدد تلك التّجزية.
4 . فقد بان أنّه ليس يجوز أن يكون أيّ جسم اتّفق محدّداً للجهة المعيّنة.
5 . ليس من شأنه الزّوال على الإستقامة ألبتة.


صفحه 288

في إحاطة أبعد البُعد عن الجسم المحاطة به ممّا (1) طرأ أو يزول، وإلاّ لكانت الأجسام تحصل في تلك الإحاطة ويخرج عنها، ويكون تحدّد الجهة حاصلاً قبلها.

فنعلم من هذا أنّ المحدّد بالإحاطة يجب أن يكون جسماً واحداً لا يزول، اللّهم إلاّ بالاستدارة.

فإذا كان كذلك لم يكن في ضمنه جهات بالطّبع، إلاّ الّتي تأخذ نحوه من المركز، أو الّتي تأخذ عنه نحو المركز، واللّواتي تعارضها، فإنّ نهاياتها لا تختلف بالطّبع، فإنّها تنتهي إلى أجسام واحدة بأعيانها، ولا يتحدّد أطرافها بحدود مختلفة يكون بعضها غاية قرب، وبعضها غاية بُعد .

ونقول: إنّ غاية القرب من الجسم المحدّد المطلوب قربه بالحركة، ليس يجب أن تكون غاية قرب مِن كلّ جزء منه، فإنّه يستحيل أن يكون لمتحرّك واحد على بُعد واحد كخطّ واحد وصولٌ إلى كلّ جزء من المقرّب إليه .

وأمّا غايةُ البُعد، فيجوز أن يكون غاية بعد من جميع الأجزاء إذا حصل عند المركز، وإذا انتهى خطّ من المحيط إلى المركز ثم عداه، فإنّ الطّرف الّذي ابتدأ منه هو في غاية القرب، والطّرف الآخر ليس في غاية البعد، فإنّه يلي المحيط، وإن كان لا يلي كلّه .

فقد قلنا: إنّه ليس شرط القرب من المحيط أن يكون قريباً من كلّه، بل


1 . في المصدر: «فليس ممّا» .


صفحه 289

من شيء منه، وإن كان غاية البعد من شيء آخر منه، وذلك، لأنّه لا يقرّب من شيء منه غاية القرب إلاّ صار على غاية البعد من مقابله بالوضع ليس بالطبع، فإنّ أجزاء المستدير لا مقابلة لها إلاّ بالعرض الوضعيّ الإضافي، فإنّها وإن كانت من حيث المسافة غاية البُعد، فليس من حيث الطّبع، ومن حيث القُرب والبُعد الّذي في الطّبع لغاية البُعد، بل لا بعد هناك من هذه الجهة، بل هناك اتّفاق من حيث إنّها تلي طبيعة واحدة وجسماً واحداً.

بهذا يعلم صورة الجهات الّتي تتحرّك إليها الأجسام الطّبيعية. انتهى كلام "الشّفاء " على نحو من التّلخيص ».(1)

وقال المصنّف في "شرح الإشارات ": «لمحدّد الأوّل لا يجوز أن يكون مؤلّفاً من أجسام مختلفة أو متشابهة، لأنّ اختصاص كلّ جسم منها بأن يكون في جهة من الأشياء الدّاخلة فيه دون جهة يقتضي امتناع تأخّر الجهة عن أجزائه المتقدمة عليه، ويلزم من ذلك تقدّم الجهة على محدّدها. انتهى ».(2)

وهذا أمرٌ زائدٌ على البساطَةِ، والغرض منه أن ليس للمحدِّدِ أجزاء بالفعل، أجزاؤه مفروضةٌ فَحْسب، وهو ليس في كلام الشيخ في «الشّفاء» على ما نقلنا .

وأومئ إليه في " الإشارات " حيث قال: «ويكون، أي المحدّد متشابه


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 253 ـ 255 / الفصل الرابع عشر من المقالة الثالثة .
2 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 191 .


صفحه 290

نسبة وضع ما نفرض له أجزاء، فيكون مستديراً» (1) فأراد المصنّف تمشية ذلك .

وأورد صاحب المحاكمات عليه: «أنّ المحدّد لا يحدّد سائر الجهات، بل جهات الحركات الطبيعيّة، فالوقوع في سائر الجهات لا يستلزم الخلف، وأنّه لا يلزم إلاّ تقدّم الجهات على كون تلك الأجزاء ذوي جهات لا على ذوات تلك الأجزاء، وإنّه منقوض بأجزائه الفرضيّة، فإنّ بعضها يلي المحدّب، فهوأبعد من المركز، وبعضها يلي المقعّر، وهو أقرب إليه ».(2)

والجواب عن الأوّل: أنّ جميع تلك الأجسام يكون واقعة في جهة الفوق، لأنّ جميع تلك الجهات فوق، ولا مخصّص، لكون واحد من الأجسام المتشابهة في واحد منها دون آخر.

وعن الثّاني: أنّه لا معنى لتحديد الجسم جهة أوّلاً، ثمّ صيرورته ذا تلك الجهة، وذلك ظاهرٌ .

وعن الثّالث: أنّه لا اختصاص للأجزاء الفرضيّةِ بالجهاتِ إلاّ بالفرضِ، بخلاف الأجزاء الموجودة.


1 . الإشارات والتّنبيهات: 215 ـ 216 .
2 . لاحظ: المحاكمات بين شرحي الإشارات المطبوع مع شرح الإشارات: 2 / 191 ـ 192 (نقل بالمعنى) .


صفحه 291

الحكم الثّاني

في أنّ الأفلاك غير موصوفة بالكيفيّات الفعليّة والإنفعاليّة

قال: خاليةٌ من الكيفيّات الفعليّة والإنفعاليّة ولوازمها.

أقول: ومنها (1) أنّ الأفلاك كلّها خالية عن الكيفيّات الفعليّة: أي الحرارة والبَرودة سمّيتا بها، لكون الفعل فيهما أظهر من الإنفعال.

وذلك، لأنّ هاتين الكيفيّتين توجبان لمحلّهما ميلاً صاعداً وهابطاً فيكون قابلاً للحركة المستقيمة، وهي ممتنعة على الفلك، وكذا عن الكيفيات الإنفعاليّة ; أي الرّطوبة واليبوسة، لكون الإنفعال فيهما أظهر من الفعل.

وذلك، لأنّهما كيفيّتان تقتضيان لمحلّهما سهولة قبول الإشكال وعسره، ولا يتصوّر ذلك القبول سواء كان بيسر أو بعسر إلاّ بالحركة المستقيمة الممتنعة على الفلك.

وكذا خالية عن لوازمها ، أي لوازم تلك الكيفيّات، كالخفة والثقل والتّخلخل، والتّكاثف. لاستدعائها الحركة المستقيمة.

فإن قلت: اقتضاء تلك الكيفيّات ولوازمها لمقتضيّاتها المستلزمة


1 . أي من أحكام الأفلاك وهو الحكم الثّاني.


صفحه 292

للحركة المستقيمة فيما يلينا ـ أعني: في العناصر ـ لا يستلزم اقتضاؤها لها في الأفلاك أيضاً، لجواز أن يكون مادّة العناصر قابلة لتلك الآثار، بخلاف موادّ الأفلاك. سيّما على مذهبهم، ومن وجود المقتضي بدون القابل لا يلزم وجود ما هو مقتضاه.

قلت: كلّ مادّة تقبل كيفيّة يجب أن تقبل مقتضاها ولازمها أيضاً، إذ ذلك هو معنى القبول، فلا معنى لقبول مادّة الفلك للحرارة مثلاً دون الخفة، فليتدبّر .

واعلم، أنّ هذه الأحكام كلّها لكونها مبتنية على امتناع الحركة المستقيمة الثّابت من سبيل تحديد الجهات إنّما تجري في محدِّد الجهات فقط ، ولهم سبيل آخر في إثبات امتناع الحركة المستقيمة على الفلك، وهو كونه مشتملاً على مبدأ الميل المستدير، وبيان ذلك الاشتمال من طريقين :

أحدهما من سبيل اللمّ: وهو أنّ الفلك لكونه بسيطاً ليس بعض أجزائه الّتي يفرض أولى بما هو عليه من الوضع والمحاذاة من بعض، فلا يكون شيء من ذلك واجباً لطباعها، بل الانتقال عنه جائز، بأن يتبدّل وضع إلى وضع على الاستدارة، ففي طباعها ميلٌ مستديرٌ، لوجوب وجود ميل في كلِّ قابل للحركةِ، كما سيأتي في مباحث الأعراض.(1)

لكن هذا الطّريق أيضاً مختصّ بالمحدّد، لأنّ البساطة في الفلك لا تثبت إلاّ من امتناع الحركة المستقيمة وهومستند: إمّا إلى التّحديد، وإمّا إلى


1 . لاحظ : الجزء الرابع من هذا الكتاب : المبحث الرّابع من الفصل الخامس.


صفحه 293

وجود مبدأ الميل المستدير، لكن الثّاني هاهنا يشتمل على المصادرة، فبقي استناده إلى التّحديد، وهو مختصّ بالمحدّد.

وثانيهما من سبيل الإنّ: وهو وجود الحركة المستديرة في الفلكيّات المعلوم بالحسّ والرّصد، فلابدّ أن يكون فيها مبدأ ميل مستدير، وإلاّ لم تقبل الحركة المستديرة، لا بالطبع: وذلك لفرض عدم المبدأ فيها، ولا بالقسر: وذلك لأنّ ما لا ميل فيه بالطّبع لا تقبل ميلاً قسريّاً .

وبرهانه برهان امتناع الخلأ، وتقريره هنا: أنّه لو أمكن أن يقبل ما لا ميل فيه بالطّبع ميلاً قسرّياً، فليتحرّك بالقسر مسافة في زمان، وليتحرّك في تلك المسافة جسم آخر فيه مبدء ميل ومعاوقة مّا، وظاهر أنّه يتحرّكها في زمان أطول، وليكن جسم ثالث فيه مبدأ ميل ومعاوقة أقلّ على نسبة زمانيٍّ ذي الميل الأوّل، وعديم الميل، فيكون في مثل زمان عديم الميل يتحرّك مثل مسافته، لأنّ مع وحدة المتحرك يكون نسبة الزّمان إلى الزّمان كنسبة المسافة إلى المسافة، فتكون الحركة مع المعاوق كهي لامعه وهو محال.

ومبنى ذلك كماعرفت على أنّه لابدّ في الحركة من معاوق: إمّا داخليّ، وهو مبدأ الميل الطّباعي، وإمّا خارجيّ، وهو قوام ما في المسافة.

قال المصنّف في " شرح الإشارات ": «أمّا الّذي من خارج ذاته، فهو كاختلاف قوام ما يتحرّك فيه، كالهواء والماء بالرّقة والغلظة.

وأمّا الّذي ليس من خارج ذاته، فهو لا يمكن أن يعاوق الحركة الطّبيعيّة، لأنّ ذات الشّيء لا يمكن أن تقتضي شيئاًوتقتضي ما يعوّقه عن


صفحه 294

اقتضاء ذلك، بل هو الّذي يعاوق القسريّة وهو الطّبيعة، أو النفس اللّتان هما مبدء الميل الطِّباعي، فإذن يلزم من ارتفاع هذين المعاوقين ـ أعني: الخارجيّ والداخليّ ـ ارتفاع السّرعة والبُطؤ من الحركة ويلزم منه انتفاء الحركة، ولأجل ذلك استدّل الحكماء بأحوال هاتين الحركتين تارةً على امتناع عدم معاوق خارجيٍّ، فبيّنوا امتناع وجود الخلأ، وتارةً على وجوب وجود معاوق داخليٍّ، فأثبتوا مبدأ ميل طبيّعي في الأجسام الّتي يجوز أن تتحرّك قسراً، وهومسئلتنا هذه. انتهى ».(1)

ولمّا لم يكن فيما يتحرّك بالاستدارة دخل لقوام ما في المسافة، فلابدّ فيه من المعاوق الدّاخلي ـ أعني: مبدأ الميل ـ فحيث لم يكن كما فرض لا يمكن أن يتحرّك، وإلاّ لزم المحال.

وإذا ثبت أنّ في طبع الفلك ميل مستدير، فيستحيل أن يكون فيه ميلٌ مستقيمٌ.

قال في الإشارات: «الجسم الّذي في طباعه ميلٌ مستديرٌ يستحيل أن يكون في طباعه ميل مستقيم، لأنّ الطّبيعة الواحدة لا تقتضي توجّهاً إلى شيء وصرفاً عنه».(2)

وقال المصنّف في شرحه: «وبرهانه ما مضى، وهو أنّ الطّبيعة الواحدة لا تقتضي أمرين مختلفين، وعبّر عنه هاهنا بعبارة أخصّ بهذا الموضع وهو


1 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 219 ـ 220 .
2 . الإشارات والتّنبيهات: 222 .


صفحه 295

«أنّ الطّبيعة الواحدة لا تقتضي توجهّاً إلى شيء» أي بالحركة المستقيمة «وصرفاً عنه» أي بالمستديرة. انتهى» .(1)

فإن قيل (2): لا نسلّم المنافاة بين الميلين، إذ ليست المستديرة صارفة عن جهة، بل هي غير مقتضية للتوجّه إليها، ولذلك قد يجتمعان في جسم واحد ويحصل باجتماعهما فيه حركة مركّبة كالدّحرجة في الكرة، وكما في العَجْلَة، وأيضاً كرة النّار متحرّكة على الاستدارة مشايعة للفلك على ما قالوا، مع أنّ فيها مبدأ ميل مستقيم .

وأيضاً فيما صوَّرَه المصنّف في " التذكرة " لحلّ بعض الإشكالات بتحرّك الكوكب في دورة واحدة على قطر واحد صعوداً مّرة، ونزولاً أُخرى، مع أنّ فيه مبدأ ميل مستدير، ولذلك تتحرّك الكواكب على أنفسها في مواضعها المرتكزة فيها عند بعضهم، وهو الأصحّ .

قلنا: أمّا منع اقتضاء المستديرة الصّرف عن الجهةِ، فمكابرةٌ، ألا تَرى أنَّها تقتضي توجّه بعض الأجزاء إلى جهة؟! وصرف البعض الآخر، بل ذلك البعض في النّصف الآخر من الدّور عن تلك الجهة، وأمّا النقّض، فلا نسلّم اجتماعهما فيه من جهة واحدة، بل أحدهما بالذّات والآخر بالعرض.

فإن قيل (3): الجسم الّذي في طباعه ميل مستقيم، قد تقتضي الحركة عند حصوله في مكانه، وقد يقتضي السّكون عند حصوّله فيه .


1 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 238 .
2 . القائل هو الشّارح القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 168.
3 . نقله المصنّف في شرح الإشارات: 2 / 238 ـ 239 ، وأجاب عنه .


صفحه 296

فلِمَ لاَ يجوز أن يقتضي جسم ميلاً مستقيماً عند إحدى حالتيه، وميلاً مستديراً عند الحالة الأُخرى؟ وذلك لأنّ الطّبيعة الواحدة إنّما لا تقتضي أمرين بانفرادها، أمّا بحسب اعتبارين فقد تقتضي.

قلنا: إنّ اقتضاء الحركة والسّكون بالحقيقة شيءٌ واحدٌ يقتضيه الطّبيعة الواحدة، وذلك الشّيء هو استدعاء المكان الطّبيعيّ فقط، فإن كان غير حاصل، فذلك الإستدعاء يستلزم حركة تحصله، وإن كان حاصلاً، فهو بعينه يستلزم سكوناً، ومعناه أنّه لا يستلزم حركة، فهو إذن ليس بشيء آخر غير ما اقتضته أوّلاً; أي عند الحركة .

فإنّ اقتضاء الحركة إنّما كان حينئذ لكونها وسيلة إلى الحصول في المكان الطّبيعي، وظاهر أنّ استدعاء الوسيلة إنّما هو لأجل ما هو وسيلة إليه، فهي مطلوبة بالعرض، فالمطلوب الّذات عند الحركة والسّكون كليهما شيءٌ واحدٌ غيرُ مختلف ألبتة.

فأمّا اقتضاء الحركة المستديرة، فهو أمرٌ مغايرٌ لاستدعاء المكان الطّبيعي وليس أحدهما وسيلة إلى الآخر، إذ ليس في الأمكنة مكانٌ طبيعيٌّ، ولا في الأوضاع وضعٌ طبيعيٌّ يطلبه المتحرّك على الإستدارة، بل المطلوب بالحركة المستديرة أمرٌ عقليٌّ خارجٌ عن جنسِ المطلق بالحركة المستقيمة، ولذلك أُسندت إحدى الحركتين إلى الطّبيعة، بخلاف الأُخرى، فإذن ليس مبدؤهما شيئاً واحداً .

وبالجملة: فالحركة المستقيمة والمستديرة أمران مختلفان بالذّات،


صفحه 297

فلا يمكن أن تقتضيهما الطّبيعة الواحدة بالذّات.

وأمّا استدعاء الحركة إلى المكان الطبيّعي والسّكون عنده، فهما أمران متّحدان بالّذات وبالقصد الأوّل، وإن كانا متغايرين لا بالذّات، فيجوز أن تقتضيهما الطّبيعة الواحدة بالذّات، وعند هذا السّبيل لا ينتهض على إثبات بساطة يظهر أنّ هذا الفلك وسائر ما يتوقف على بساطته لتوقّفه على كون الطّبيعة واحدة، وهو المراد من البساطة، فلا جدوى، ولهذا السّبيل في تعميم الأحكام المذكورة وغيرها ممّا يدعون عمومها للأفلاك.

ولذلك خصّها الشّيخ في " الإشارات " بالمحدّد فقال: «وقد بان أيضاً أنّ المحدّد للجهات لا مبدأ مفارقة لموضعه الطّبيعيّ، فلا ميل مستقيم فيه، فهو ممّا وجوده عن صانعه بالإبداع; ليس ممّا يتكوّن عن جسم يفسد إليه، أو يفسد إلى جسم يتكوّن عنه; بل إن كان له كونٌ وفسادٌ فعن عدم وإليه، ولهذا فإنّه لا ينخرق ولا ينمي ولا يذبل ولا يستحيل استحالة تؤثّر في الجوهر كتسخنُّ الماء المؤدّي إلى فساده. انتهى كلام الشّيخ». (1)

لكنّ المصنّف ذكر في شرحه: «أنّ جميع الأحكام المذكورة ثابتة لما توجد فيه الحركة المستديرة من السّماويّات وإن لم يتعرّض الشيخ لذلك. انتهى» .(2)

بل التّحقيق: أنّ تلك الأحكام مختّصةٌ بالمحدِّد، وإنّما يمكن الحكم بها على غيره بضرب من الحدس لا غير.


1 . الإشارات والتّنبيهات: 222 .
2 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 242 .


صفحه 298

الحكم الثّالث

في أنّ الأفلاك كلّها شفّافة

قال: شفّافة.

أقول: ومنها (1) أنّ الأفلاك كلّها شفافةٌ لا يحجب ما وراؤها من الكواكب عن الأبصار، وهذا إنّما ينتهض على غير الأطلس، والسّبب اللميّ في ذلك خلوّها عن الكيفيّات الموجبة لصحة الأبصار، فيعمّ الأطلس أيضاً .

وأعلم، أنّ من أحكام الأفلاك أيضاً أنّها كُريّة الأَشكال مستديرتها، وهذا أمرٌ زائدٌ على ما مرّ من وجوب كون المحدّد محيطاً، لأنّ الإستدارة أخصّ من الإحاطة ; إلاّ أنّها أيضاً لازمة من كونه محدّداً للجهات، كما مرّ في كلام "الإشارات ": من كون نسبة أجزائه المفروضة متشابهة، أي بعضها إلى بعض وجميعها إلى المركز، لأنّها إن اختلفت فصار بعض الأجزاء أقرب إلى المركز من بعض، لزم من اختصاص القريب بجهة وبعد غير جهة البعيد، وبُعدهُ اختلاف جهات أجزاء المحدِّد على ما ذكره المصنّف في شرحه.

ولا يرد عليه الكُرة باعتبار المحدَّب والمقعّر من الأجزاء، كما مرّ، لكونها فرضيّةٌ محضةٌ، لا امتياز بينها في الواقع، بخلاف غير الكُري من


1 . أي من أحكام الأفلاك وهوالحكم الثّالث .


صفحه 299

البيضي والعدسي وغير ذلك، فإنّ أجزائها وإن كانت فرضيّة أيضاً لاتّصالها لا كالمضلعات، لكنّها ليست فرضيّةً محضةً، بل هناك امتيازاتٌ متحققةٌ في نفس الأمر، وإن لم نفرضها، فليتفطّن .

هذا إثبات استدارة المحدِّد من سبيل التّحديد بلا توسّط البساطة، وأمّا بتوسّطها، فهو أظهر لما ثبت من وجوب كون الشّكل الطّبيعي للبسيط كُرَة.

ونقل (1) عن أرسطو على كرويّة المحدِّد (2): أنّه لو كان مضلعاً لزم الخلأ عند خروج الزّوايا عن أحيازها وكذا لو كان بيضيّاً، أو عدسيّاً لاحتاج إلى فراغ وموضع خال، وأنّ الكرة لا تحتاج إلى ذلك.

وأعترض عليه: بأنّ البيضي إذا تحرّك على قطره الأطول، والعدسي على قطره الأقصر، لا يلزم الخلأ .

ونقل الشّيخ عن بعض مفسري كلامه (3) اعتذاراً عنه في ذلك: وهو أنّه ينبغي أن يحمل كلامه على أحسن الوجوه، من أنّ الحركة الدوّريّة في الكرة لا يقع فيها بوجه من الوجوه خلأ، وقد يمكن ذلك في الشّكل البيضي إذا تحرّك على قطره الأقصر، والعدسّي على قطره الأطول.(4)


1 . الناقل والمعترض هو أبو الريحان أحمد بن محمد بن أحمد البيروني المتوفى (421 هـ . ق) .
2 . وتمسّك به الرّازي على كرويّة المحدِّد، بأنّه لو كان مضلعاً، الخ. لاحظ : المباحث المشرقيّة: 2 / 107 .
3 . أي كلام أرسطو ومنها ما قال ثامسطيوس (317 ـ 388 م) في تفسيره لكتاب «السماء والعالم» أنّه ينبغي أن يحمل، الخ .
4 . انظر: الأجوبة عن المسائل البيروني: 425 ـ 427 / المسألة السادسة وجوابها.


صفحه 300

ورد عليه: بأنّه يجوز أن تكون حركة الفلك إذا كان بيضيّاً على غير ـ قطره الأطول ممتنعاً، وكذا على غير قطره الأقصر إذا كان عدسيّاً، فلا يلزم الخلأ إلاّ على فرضِ أمر مستحيل ولا محدود فيه .

وعندي أنّ كلام أرسطو لا غبار عليه، إذ مراده أنّ المحدّد لو كان غيرُ كُرِي يحصل تمايز في سطحه المحدّب لا محالة، ولزم من ذلك تمايز في العدم المحض بحسب الخارج ويتبعه خلأ، سواء كان تحرّك المحدّد أو لا.

ويظهر ذلك ظهوراً بيّناً من فرض تحرّكه على بعض الوجوه سواء كان ممكناً أو ممتنعاً.

وليس غرضه أنّ تحقّق الخلاء يتوقّف على تحرّكه على بعض الوجوه، ليرد أنّ ذلك الوجه من الحركة لعلّه ممتنع، فلا يلزم الخلأ إلاّ على فرض ممتنع، فليتدبر جدّاً .

ومن الإقناعيّات (1) على كُرَويّة الأفلاك أنّ الشّكل الكرويّ أفضل الأشكال، فهو أليق بالجرم السمّاوي .

أما الأوّل: فلأنّه أقدمها بالطّبع حيث يتصّف بالوحدة الطّبيعيّة وغيره بالكثرة العارضة من الزّوايا والأضلاع والوحدة قبل الكثرة، وما بالطبّع أقدم ممّا بالقسر .

وأيضاً إثبات جميع الأشكال المضلعة يتوقّف على إثبات الشّكل الكُرويّ، وإثباته لا يتوقف على شيء منها، كما يظهر بمراجعة كتب الهندسة


1 . أيضاً قول الفلاسفة. لاحظ : شرح الهداية الأثيريّة لصدر المتألهين: 140 ـ 141 .


صفحه 301

وأتمّها بالذّات، لأنّه ذو مبدأ محدود وهو المركز، وغاية محدودة هي المحيط والأبعاد بينهما محدودة، فمتى زيد، أو نقص منه، لم يكن كروياً بخلاف سائر الأشكال، وأحوطها لما يحويه، لأنّه يشتمل على كلّ شكل يكون قطره مساوياً لقطره، وليس يشتمل عليه شيء ممّا يساويه في المقدار.

ويدلّ على كرويّة الفلك من هذا الوجه قوله تعالى: (وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ)(1) واحكمها في القوام، لأنّ القانون الهندسي دلّ على أنّ ذوات الأضلاع الكثيرة تنحلّ إلى ما هي أبسط منها ـ أعني: المثلّثات ـ وهي إلى مثلثات أخرى، وليس هذا متأتّياً في الكرة وأصونها عن الآفات، لأنّ الجسم ذا الزّاوية معرض لها بسبب عروضها لزواياه لخلوّها عمّا يقاومها على مقاومة المصادم بخلاف الكُرِي.

ويدلّ على الكرويّة من هذا السّبيل قوله تعالى: (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُور)(2) .

وأمّا الثاني: فلأنّ الجرم السّماوي هو أفضل الأجسام وأكملها لا محالة، فيجب أن يختصّ بما هو أفضل الأشكال وأشرفها، هذا.


1 . الذاريات: 47 .
2 . الملك: 3 .


صفحه 302

المسألة الثّالثة

في البحث عن عدد العناصر (1)

قال: وأمّا العناصر فأربعةٌ: كُرةُ النّار، وكُرَةُ الهواء، وكُرةُ الماء، وكُرةُ الأرض .

واستُفيد عددُها من مزاوجات الكيفيّات الفعليّة والانفعاليّة.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان عدد العناصر (2) كما قال :

وأمّا العناصر (3) فأربعةٌ (4): كرةُ النّار المحاطة بفلك القمر بحيث يماسّ محدّبها لمقعره.


1 . لاحظ : البحث في الكون والفساد لأرسطو: 201 ـ 214 / الكتاب الثاني ; وتلخيص كتاب الأسطقسات لجالينوس: 32 ـ 72 ; والنّجاة: 1 / 189 / المقالة الخامسة ; والمباحث المشرقيّة: 2 / 108 / القسم الثّاني; والإشارات والتّنبيهات: 2 / 251 ; والاسرار الخفيّة في العلوم العقليّة; 340 / المبحث الثاني والرّابع والخامس من المقالة الخامسة; وشرح الهداية الأثيرية للميبدي: 116، الفصل الأوّل من الفنّ الثّالث; وشرح المواقف: 7 / 137 ـ 141 ; وشرح الهداية الأثيريّة لصدر المتألهين: 188 .
2 . جمع العنصر، هو الأصل في اللّغة العربيّة كاسطقس في اللّغة اليونانيّة.
3 . في أكثر النسخ: «العناصر البسيطة».
4 . بالاستقراء; إذ العنصر: إمّا بارد أو حارّ وعلى التّقديرين إمّا رطب أو يابس، فالبارد الرّطب هو الماء، والبارد اليابس هو الأرض، والحارّ اليابس هو النّار والحارّ الرّطب هو الهواء،وهذه الأربعة من حيث إنّها تتركّب منها المركّبات تُسمّى أسطقسات، ومن حيث إنّها تنحلّ إليها المركّبات تُسمّى عناصر، ومن حيث إنّها يحصل بنضدها عالمُ الكونِ والفَساد تُسمّى أركاناً، ومن حيث إنّها ينقلب كلٌّ منها إلى الآخَر تُسمّى أُصولَ الكون والفساد، هذا ما افاده الميبدي في شرحه .


صفحه 303

وكُرَةُ الهواء المحاطة بكرة النّار.

وكُرَةُ الماء المحاطة بكرة الهواء.

وكُرَةُ الأرض المحاط أكثرها بالماء البسيطة كما سيأتي .

وإنّما أطلق الكرة عليها لكون الكرويّة مقتضى طبائعها لكونها بسائط مع بقاءِ كلّ واحدة منها على هيئة الإستدارة ـ أعني: الأحاطة ما أمكن ـ وإن خرجت من الكرويّة الحقيقيّة .

أمّا النّار، فلاشتغال الأدْخِنَة المُرتَفِعَة إليها قبل إن تَصل إليها، فمقعرها يخرج بذلك عن الإستدارة الحقيقيّة، وإن كان محدّبها باقياً عليها.

وأمّا كُرَة الهواء فمحدّبها لما ذكرنا، ومقعّرها لتِلالِ الأَرض ; ووهادها وأمواج البحار، وبذلك يظهر خروج كُرِتيّ الماء والأرض أيضاً عن الكرويّة الحقيقيّة.

وقد يعطف كلّ من الثّلاثة الأخيرة على كُرَةِ النّار، ليكون إشارة إلى خروج كلّ منها عن الكُرَوّية الحقيقيّة بخلاف النّار، لكونها قويّة على إحالَةِ ما يصل إليها، فليتامّل .

واستُفيد عددُها (1) من مزاوجات الكيفيّات الفعليّة والإنفعاليّة، معناه; أنّهم وَجدوا الأجسامَ العُنصريَّةَ تخلو عن الكيفيّات المُبْصرِة والمَسموعَة والمَشمومَة والمَذوقَة.


1 . أي كونها أربعة.


صفحه 304

ولا تخلو عن جنسين من الكيفيّات المَلموسة (1) هما جنس الحرارة والبرودة، وجنس الرّطوبة واليبوسة.

والسّبب في ذلك: أنّ إحساس الحواس الأربعة لهذه المحسوسات إنّما يكون بتوسّط جسم مّا، كالهواء أو الماء، ولا يمكن أن يتوسّط المتوسّط بين نفسه وغيره، فإذن كل واحدة من هذه الحواسّ لا يدرك المتوسّط الّذي يتوسّط إليها بل تجده خالياً عمّا تدركه هي، وهي لا تخلو عن الملموسةِ، لأنّها لا تحتاج إلى متوسّط، ولذلك سمّيت الملموسات أوائل المحسوسات، ويخلو الحيوان عن تلك المشاعر، بخلاف اللّمس، ثمّ وجدوا ما لا يخلو عن جنسين من الملموسة لا يخلو: إمّا عن حرارة ويُبوسة، أو عن حرارة ورطوبة، أوعن بُرودة ورُطوبة، أو عن بُرودة ويُبوسة ولم يجد، وإمّا يشتمل على واحدة منها فقط، ولا يمكن اجتماع أكثر من اثنين منها.

فالجامع بين الحَرارةِ واليُبوسةِ ولم يُوجد إلاّ ما يشتمل على مَرتبة معيّنة من كلّ منهما هو النّارُ.

والجامع بين الحَرارةِ والرُّطوبةِ كذلك هو الهواءُ.

والجامع بين البُرودةِ والرُّطوبة كذلك هو الماء، وبين البُرودةِ واليُبوسةِ كذلك هـو الأرض.


1 . وهي: الحرارة، والبُرودة، والرُّطوبة، واليُبوسة، واللَّطافة، والكَثافة، واللُزُوجة، والهَشاشة، والجَفاف، والبلَّة، والثِّقَل، والخِفَّة; وقد يَعدوّن من جملتها: الخشونَةَ، والمَلاسةَ، والصَّلابةَ، واللّينَ. راجع: طبيعيّات الشفاء: 2 / 150 / الفصل التّاسع من الفنّ الثّالث .


صفحه 305

وهذا البيان كما تَرى مبنيٌّ على الوِجدان واعتبار أحوال الأجسام الّتي تَلينا لا على ضبط الاحتمالات العقليّة،(1) فلا يرد أنّه يجوز أن يكون فيما غَابَ عَنّا عُنصرٌ خال عن الكيفيّات الأَربعةِ، أو مُشتملةٌ على واحدة منها فقط.

فإن قيل (2): إن أردتُّم بهذه الكيفيّات ما هي في نهاية الشدّةِ لا يكونُ الهواءُ حارّاً رطباً، لأنّ حرارتَهُ ليست في الغاية، وإن أردتُّمْ أَعمَّ من ذلك، ولا شك أنّ مراتِبَها غيرُ محصورة، فإن أَثبتُّم لكلِّ حدٍّ عنصراً، لَزِمَ عدمُ الإنحصارِ وإلاّ لَزِمَ الترجّح (3) بِلا مُرجّح .

قلنا: لم نستفد الحصر من نفس الكيفيّات، بل من ازدواجها، فكلُّ حرارة مُزْدَوِجَة مع الرُّطّوبة، وهي ليست إلاّ مرتبةً معيّنةً، هي حرارةُ الهواء، وهكذا في غيره.

وقد يستفاد الحصر من نفس الكيفيّات، فيُراد ما هو في الغاية، كما فَعَل الشّيخ في "الإشارات " حيثُ قال: «فالبالغُ في الحَرارةِ بطبْعه هو النّارُ، والبَالغُ في البُرودة بطبعه هو الماءُ، والبالغُ في المَيَعان هو الهَواء، والبالغ في الجُمودة هو الأرضُ».(4)


1 . أي إنّ كلامهم في هذا المقام مبنيّ على الظّاهر الّذي هو اعتبار الأجسام الّتي تَلينا بالوجدان والتّجربة والتّفتيش عنها بالاستقراء، لا على البيانات القياسيّة وضبط الاحتمالات العقليّة.
2 . نقله الشّارح القوشجي وأجاب عنه. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 169 .
3 . في د: «التّرجيح».
4 . الإشارات والتّنبيهات: 224.


صفحه 306

وإنّما فعل ذلك وإن كان بيان الحصر بالإزدواج هو المشهور، لأنّ إثبات بعض تلك الكيفيّات لبعض هذه الأجسام لا يخلو عن صعوبة، كالحرارة للهواء، أو اليُبوسة للنّار، كما صرّح به في " الشّفاء " (1) .

وكان قد بنى الكلام في " الإشارات " على المشاهدة والوجدان، وعلى الأحكام الّتي لا تدفع، لأعلى التّعمّق في البحث .

وقد حاذى في ذلك كلام الفارابي في " عيون المسائل " حيث قال: «الجسم الشّديد الحرارة بطبعه هو النّار، والشّديد البرودة بطبعه هو الماء، والجاري (2) هو الهواء، والشّديد الإنعقاد هو الأرض ».(3)

كذا ذكر المصنّف في " الشرح " .(4)


1 . قال: إثبات حرّ الهواء ويبس النّار، وخصوصاً يبس النّار، وإيضاح القول فيه يصعب. انظر: طبيعيّات الشّفاء: 2 / 155 .
2 . في المصدر: «الشديد الجري».
3 . عيون المسائل: 73 / برقم 18 .
4 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 251 ـ 253 .


صفحه 307

المسألة الرابعة

في انقلاب العناصر (1)

قال: وكّل منها ينقلب إلى الملاصق، وإلى الغير بوسط أو وسائط .

أقول: إنّ هذه المسألة في جواز إنقلاب العناصر بعضها إلى بعض بأن يخلع كلّ واحد منها صورته ويلبس صورة عنصر آخر، وبذلك علم اشتراكها في المادّة ويسمّى خلع الصوّرة فساداًولبسها كوناً.

قال المصنّف في " شرح الإشارات ": «تغيّرات الأجسام بصورها لا تقع في زمان، لأنّ الصّورة لا تشتدّ ولا تضعف، بل تقع في آن، وتسمّى فساداً وكوناً.(2) وتغيّراتها بكيفيّاتها تقع في زمان لأنّها تشتدّ وتضعف، وتسمّى استحالة.

والفساد والكون إنّما يقع بين جسمين يفسد أحدهما ويتكوّن الآخر.

ولمّا كانت العناصر أربعةً، وكان من الممكن أن يفرض هذا التغيّر بين


1 . راجع في ايضاح المقام: الكون والفساد لأرسطو: 215 ـ 233 ; وطبيعيّات الشّفاء: 2 / النفس / 189 ـ 194 ; شرح المقاصد: 3 / 175 ـ 178 ; وشرح المواقف: 7 / 155 ـ 159 ; و مرآة الأكوان: 346 ـ 348 ; وشرح الهداية الأثيريّة للميبدي: 117 ـ 119 .
2 . في المصدر: «تسمّى فساداً أو كوناً».


صفحه 308

كلّ واحد منها،(1) وكلّ واحد من (2) الثّلاثة الباقية كانت أنواع الكون والفساد اثني عشر الحاصل من ضرب الأربعة في الثلاثة.

لكن الواقع منها أوّلاً هو ما يكون بين عنصرين متجاورين لا على سبيل الطّفرة، فإنّ الأطراف لا يتكوّن من الأطراف إلاّ بعد تكوّنها أوساطاً، أعني: لا يتكوّن الهواء من الأرض إلاّ بعد تكونّه ماءً، وحينئذ يكون ذلك التكوّن بالحقيقة تكوّنين (3).

والعناصر المتجاورة تقع بينها ثلاثة ازدواجات: أحدها بين النّار والهواء، والثّاني بين الهواء والماء، والثّالث بين الماء والأرض، ويشتمل كلّ ازدواج على نوعين متعاكسين من الكون والفساد.

فإذن الأنواع الأُولى ستّة وهي بسائط، وأربعة من الباقية تتركّب من بسيطين، وهي تكوّن الهواء من الأرض، وتكوّن الماء من النّار وعكساهما.

واثنان تتركّبان من ثلاثة بسائط وهما تكوّن الأرض من النّار، وعكسه».(4)

وإلى هذا أشار بقوله: وكلّ منها ينقلب إلى الملاصق، وإلى الغير ; أي إلى غير الملاصق بوسط واحد، أو وَسائِطَ متعدّدة ـ أعني: اثنين ـ كما عرفت تفصيل ذلك.


1 . في المصدر: «كلّ واحد منهما».
2 . في د: «وكلّ واحد منها مع الثّلاثة الباقية».
3 . أي مركّباً من تكوّنين.
4 . شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 257 ـ 258 .


صفحه 309

وامّا بيان ذلك: فلنبدأ بالإزدواج بين الهواء والماء، لأنّ الكون والفساد بينهما أظهر.

أمّا إنقلابُ الهواءِ ماءً، فاستشهد عليه بشيئين(1):

أحدهما: النَدِيّ (2) الحادث على ظهر الإناء إذا برد بالجَمَد، وذلك لأنّ النَدِيّ الّذي يحدث هناك: إمّا أن يتكوّن من الهواء، وهو المطلوب، وإمّا أن لا يتكوّن منه.

بل: إمّا أن يجتمع من الهواء المطيف به على ما ذهب إليه منكروا الكون والفساد كالشّيخ أبي البركات (3) وغيره، زعما منهم (4): أنّ في الهواء المطيف بالإناء أجزاء لطيفة مائيّة لكنّها لصغرها وجذب حرارة الهواء إيّاها لم يتمكّن من خرق الهواء والنّزول على الإناء، فلما برّد الإناء الّذي يليه زالت السّخونة من تلك الأجزاء، فكثفت وثقلت فنزلت واجتمعت على الإناء .

وإمّا أن يترشّح ممّا في داخله .

والأوّل (5): باطلٌ، لأنّ الهواء المطيف بالإناء لا يمكن أن يشتمل على اجزاء كثيرة من الماء خصوصاً في الصّيف، فإنّ الأجزاء المائية إن كانت


1 . أنظر: شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 259 .
2 . جمعه الأنداء وهو المطر.
3 . ولاحظ تفصيل مذهبه في المعتبر في الحكمة: 2 / الفصل الأوّل من الجزء الثالث .
4 . لاحظ : المحاكمات في شرحي الإشارات: 2 / 260.
5 . أي قوله: «أن يجتمع من الهواء المطيف به على ما ذهب إليه منكروا الكون والفساد الخ».


صفحه 310

باقية، فقد تتصاعد جدّاً لفرطِ حرارة هوائية، ولا تبقى مجاورة للإناء.

وعلى تقدير بقائها هناك، يلزم أحد ثلاثة أشياء:

إمّا نفاذ تلك الأجزاء إذا تواتر حدوث النَدِيّ بعد تنحيته من الإناء مرّة بعد أخرى، فينقطع حصوله على الإناء مع كون الإناء بحاله الأولى.

وإما تناقصها، فيكون حصوله كلّ مرّة أنقص ممّا كان قبلها.

وإمّا تراخي أزمنة حصوله، فيكون بين كلّ حصولين زمان أطول ممّا بين حصولين قبلهما.

وذلك على تقدير أن تجتمع الأجزاء الّتي تكون في الهواء أبعد من الإناء إليه، مع أنّ ذلك بعيد جدّاً، لأنّ تلك الأجزاء الصغيرة مع جذبِ حرارة الهواء إيّاها لا تتمكّن من خرقِ حجم كثير من الهواءِ.

ولكن الوجود يخالف جميع ذلك، لأنّا نرى حدوث النَدِيّ مرّة بعد أُخرى على وتيرة واحدة بشرط أن ينحّي من الإناء ما حدث عليه، ويكون الإناء على حالة من التبرّد.

فإن قيل(1): يجوز أن يلحق تلك الأجزاء مدد من بخارات الأرض، فإنّها متجدّدة دائماً، فتجاور الإناء دائماً.

وأيضاً يجوز أن يتحرّك الأبعد إلى مكان الأقرب في زمانِ حركتِهِ إلى الإناء، فلا يلزم شيءٌ من تلك الأُمور الثّلاثة .


1 . تعرّض له الشّارح القوشجي مع جوابه، لاحظ: شرح تجريد العقائد: 170 ـ 171 .


صفحه 311

وأيضاً إنْ كانت برودة الإناء مقتضية لفساد الهواء اللطيف به ماء لوجب أن يصير كلّ ذلك الهواء ماء، ويسيل (1) لا محالة حينئذ ويتّصل به هواء آخر، ويصير أيضاً إلى أن يجري الماء جرياناً صالحاً، وإذ ليس ذلك، فعلم أنّه حدث من أجزاء مائيّة قليلة المدد.

وأيضاً لوجب أن تركّب النَدِيّ جميع سطح الإناء بلا فُرْجة، لأنّ جميعه في غاية البرودة والهواء متّصل بجميعه، فيلزم اتّصال القطرات بعضها ببعض، وليس كذلك، بل الرّاكب على سطح الإناء قطرات متفاصلة كحبات متفرقة .

وأيضاً تبريد (2) الإناء للهواء ليس بأعظم من تبريد الأراضي الجمديّة إياه في صميم الشّتاء، بل في المواضع الّتي تخفى الشمس عنها ستّة أشهر، وذلك يقتضي انقلاب أكثر الهواء ماء.

وأيضاً بعد نزول الثلج يصير الهواء أبرد ممّا كان قبله ويوم الصّحو أبرد من يوم المطر، فإذن يلزم أن يستمر الثلج والمطر إلى أن يتغير الفصل والهواء .

قلنا الجواب عن الأوّلين: (3) أنا نفرض ذلك في بيت أو صندوق من رصاص أو حديد مثلاً مسدودة الطرق والمنافذ بحيث لا يمكن وصول مدد


1 . أي الماء.
2 . هذا الاعتراض وما بعده من الفخر الرّازي. انظر: شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 262 .
3 . هما قوله: «يجوز أن يلحق تلك الأجزاء الخ» وقوله: «وأيضاً يجوز أن يتحرّك الأبعد إلى مكان الأقرب الخ» .


صفحه 312

من بخارات الأرض، ولا حركة من خارج البيت، أو الصندوق .

وعن الثّالث: (1) أنّ جرم الإناء لصلابته لا يتكيّف بالكيفيّات الغريبة سريعاً، وعند التكيّف تحفظ الكيفيّة بطيئاً، فإذا ألحّ عليه القوّة المكيّفة أشتّد تكيّفه بها فوق ما يشتدّ تكيّف غيره، ولذلك ربما توجد الأواني الرصّاصيّة المشتملة على المائعات الحارّة أسخن من تلك المائعات.

فالإناء المذكور لشدّة تبردّه يفسد الهواء المطيف به ماء، والماء لسرعة تكيّفه بالكيفيّات الغريبة يحيله الهواء المطيف به ظاهره عن البرودة الشدّيدة سريعاً، فلا يفسد الهواء ما دام على سطح الإناء، أما إذا تنحى عنه واتّصل الهواء بسطح الإناء عاد إلى فساده.

وعن الثّلاثة الأخيرة (2) ما في " شرح الإشارات ": من أنّ ذلك ليس بقادح في غرضنا، لأنّا لم ندّع أنّ السبّب في ذلك أيّ برودة هي، ولا أنّها على أيّ شرط ينبغي أن تكون، ولا أنّ المانع إيّاها عن ذلك أيّ شيء هو .

وإذا لم ندّع حصر الأسباب الموجبة للكون والفساد، فلا يلزمنا النّقض بعدم الكون والفساد عند حصول برودة مّا .

فلعلّ ذلك الفقدان شرطٌ أو وجود مانع، وإن لم تعلمها بالتّفصيل، (3) هذا.


1 . وهو قوله: «وأيضاً إن كانت برودة الإناء مقتضية لفساد الهواء اللّطيف الخ».
2 . هي قوله: «وأيضاً لوجب أن تركّب الندى جميع سطح الإناء بلا فرجة الخ» وقوله: «وأيضاً تبريد الإناء للهواء ليس بأعظم الخ» وقوله: «وأيضاً بعد نزول الثلج يصير الهواء أبرد ممّا كان قبله الخ».
3 . لاحظ : شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 262 .


صفحه 313

والثاني:(1) أيضاً باطل لوجوه :

أحدها: أنّ النّدى قد يوجد من غير أن يكون فيه ماء، بل بسبب وجود الجمد الّذي لم يتحلل بعد .

وثانيها: أنّ ذلك يقتضي أن لا يوجد النّدى إلاّ في موضع الرّشح، لكنّه يوجد في غير ذلك الموضع أيضاً .

وثالثها: أنّ الماء إذا كان حارّاً وجب أن يوجد الرّشح أيضاً، بل ينبغي أن يكون أكثر لأنّ الحار ألطف، وأقبل للرّشح لرقّة قوامه.

وليس كذلك الإستشهاد الثّاني في السّحاب المتولّد في قُلَل الجبال دفعة من صَحْوِ الهواء، لا من انسياق السَّحاب إلى ذلك الموضع من موضع آخر .

والشيخ قد حكى أنّه شاهد ذلك بجبال "طبرستان " و " طوس "وغيرهما، وقد يشاهد أهل المساكن الجبليّة، أمثال ذلك كثيراً.

وأمّا عكسُ ذلك ـ أعني: انقلابُ الماءِ لهواء، فظاهر عند تخلّل الأبخرة بحيث يتلطّف بالكلّية، كما يشاهد عند غليان القِدْر.

وأمّا الإزدواج بين النّار والهواء.

فأمّا انقلاب النّار هواءً، فظاهر من الشعل المرتفعة، فإنّها تضمحلّ في الهواء على ما يشاهد، ولا تبقى لها حرارة محسوسة، ولذلك لا ترى ولا تحرق ما يقابلها.


1 . وهو أن يقال: الندى يترشّح ممّا في داخل الإناء، الخ .


صفحه 314

وأمّا عكسه ـ أعني : انقلاب الهواء ناراً، فيكون بالحاح النفخ على الكِيرِ وسَدِّ الطُّرق الّتي يدخل منها الهواء الجديد، كما يشاهد من يزاول ذلك .

وأمّا الإزدواج بين الماء والأرض.

فأمّا انقلاب الماء أرضاً، فعند انعقاد المياه الجارية الَّتي تشرب بحيث تصير حجارة صُلْبَة قريبة الأحجام من تلك المياه في زمان قليل، فليس تكوّن الحَجَر من تلك المياهِ، بسبب أنّ فيها أجزاءً أرضيّة إنعَقَدَت حَجراً بعد ما ذهب عنها الماء بالتّبخّر، أو التصوّب وإلاّ لم يكن اتّفاق ذلك إلاّ في زمان معتدٍّ به، مع تفاوت كثير بين حَجْميهما.

قال أستاذنا الحكيم الإلهي 1 في " شرح الهداية": «بل الحقّ أنّ ذلك الخاصيّة (1) في بعض المَواضع من الأرض خلق الله فيها قوّة معدنيّة شديدةَ التّأثير في التّحجر إذا صادفتها المياه تحجّرت، وربّما كانت في باطن الأرض، فظهرت بالزّلازل .

ومن هذا القبيل ما نقل من انقلاب بعض النّاس حجراً.

وقد شوهدت في بعض البلاد أشباح حجرّية على هيئات أشخاص إنسيّة من رجال، ونساء، وولدان، ولا يعوزها من التّشكيل والتّخطيط شيء وأشخاص بهيميّة.

وسائر أُمور يتعلّق بالإنسان على حالات مخصوصة، وأوضاع يغلب


1 . في المصدر: «ذلك إنّما هو بخاصيّة».


صفحه 315

على الظّن أنّها كانت قوالب إنسيّة، وما يتعلّق بها، فلا يبعد ظهور مثل هذه القوّة على قوم غضب الله عليهم. انتهى» .(1)

وأمّا عكسه ـ أعني: انقلاب الأرض ماءً ـ فعندما يحلّل الإجساد الصّلبة الحجريّة مِياهً سَيّالةً يعرف ذلك أصحاب الحِيَل ـ أعني: طلاّب الإكسير ـ ويكون ذلك بتصييرها أملاحاً: إمّا بالإحراق، أو بالسّحق مع ما يَجري مَجْرى الأملاح، كالنوّشادر.

ثمّ إذابتها بالماء كما يشاهد في الأجزاء الأرضيّة النديّة المحترقة ، كيف تصير ملحاً ويذوبّ بالماء، وهذِهِ هي الانقلابات بغيرِ وَسَط، ومنها يعلم الانقلابات بوَسَط أو وَسَائِطَ.

وأمّا أنّ الانقلاب بغير الوسطِ يختصّ بالمجاورين، كما قيل: فيكذبه على ما قيل تولّد الصّاعِقَة من النّار، كما سيأتي في كلام الشّيخ .(2)

وما يأتي في الكتاب ; من أنّ النّار قويّة على إحالة المركّبات إلى نفسها.


1 . شرح الهداية الأثيريّة: 189 / الفن الثّالث / من القسم الثّاني.
2 . ص 314 من هذا الجزء.


صفحه 316

المسألة الخامسة

في أحكام كلّ واحد من العناصر (1)

وفيها مباحث:

المبحث الأوّل

في أحكام النّار

قال: فالنّارُ: حارّةٌ، يابسةٌ، شَفّافةٌ، متحرّكةٌ بالتبعيّة، لها طبقَة واحدَة وقوّية على إحالة المركّب إليها.

أقول: فالنّارُ: حارّةٌ يابسة، أمّا حرارتها، فظاهرة لا يشك فيها (2)، وأمّا يبوستها، فخفية واستدلّوا عليها بوجوه:

الأوّل: أنّها تَفني الرُّطوبة عن الجسم المجاور لها، وإن كان بتَخليل


1 . راجع لمزيد التحقيق إلى: ايضاح المقاصد: 341 / المقالة الرابعة: وكشف المراد: المسألة الثّانية من الفصل الثّاني من المقصد الثّاني ; وشرح حكمة العين: 547 / المقالة الرّابعة; وشرح تجريد العقائد: 171 ـ 173 .
2 . لأنّها حارّةٌ بشهادة الحسّ.


صفحه 317

الأجزاء الرَّطبة اللَّطيفة، فإنّها إنّما تَفعل ذلك بالمنافاة لا بالخاصيّة، ولا منافاة بين الحرارة والرُّطوبة، فيجب أن يكون ذلك ليبوستها.

الثّاني: أنّها لو لم يكن يابسةً، لكانت رَطبةً، إذ لم يَجدوا عنصراً بكيفيّة واحدة فقط، ولو كانت رَطْبةً، لكانت استحالة الأجسام الرَّطبة إليها أسرع من أستحالة الأجسام اليابسة، لأنّ الاستحالة إلى العنصر الموافق في الكيفيّةِ أَسْهَل منها إلى المخالفِ فيها، وليس كذلك، بل الأمر بالعكس كما في الحَطَب الرَّطب واليَابس.

وفيه: أنّ عُسر استحالة الرَّطب إليها لعلّ لبرَد المائيّة الّتي فيه، ولهذا إذا كان الرَّطبُ حارّاً كالهواء، يستحيل إليها سريعاً، والحَطبُ الرَّطبُ إذا أحمى يسرع إليه الاشتعال.

لا يقال: إذا كان برودةَ الرَّطب تقتضي عُسر استحالته، فيبوسة اليابس يقتضي أيضاً عسر استحالته، فيلزم أن لا يكون الحطب اليابس أسرع اشتعالاً.(1)

لأنّا نقول: البرودةُ كيفيّةٌ فعليّةٌ، فلا يقوّي قوّتها اليُبوسة الّتي هي كيفيّةٌ انفعاليةٌ، فتأمّل.

الثّالث: ما ذكره الشّيخ في " الإشارات " من أنّها: «إذا خَمِدت (2)


1 . لاحظ : شرح تجريد العقائد: 171 .
2 . النّار.


صفحه 318

وفارقها سخونتها، يتكوَّن منها أجسام صلبة أرضيّة، يقذفها السّحاب الصّاعق».(1)

قال المصنّف في شرحه: «وفيه نظر، لأنّه قال (2) أيضاً في بعض أقواله: إنّها تتولّد من الأدْخِنَةِ والأَبْخِرِة المتَصَعِدَةِ عن الأرض المُحتبسة في السّحاب، والدُّخان هو المُتحلّل اليابس من الأرض كما أنّ البخار هو المتحلّل الرّطب، وهوأجزاء، أرضيّةٌ صغارٌ اكتسبت حرارة، فتصاعدت لأجلها وخالَطَت الهواء، وهذا أظهر قوليه في الصّاعقة.

وأيدّه الفاضل الشّارح(3): بأنّ الصَّواعِق على ما حكى الشّيخ تُشبه الحديدَ تارةً، والنُّحاسَ تارةً، والحَجَر تارةً.

فلو كانت مادّتها النّار لما اختلف هذا الإختلاف، بل كانت مادّتها الأَدْخِنَة والأَبْخِرَة الشّبيهة بموادّ هذه الأجسام في معادنها، انتهى».(4)

وقيل: (5) إنّها رَطبة، لأنّها سَهلَة القبول للتشكّل .

ويرد عليه: أنّه على تقدير تسليمه لعلّه لمخالطة الهواء، ولا يدل على كون النّار الّتي عند الفلك كذلك.

ولا يمكن أن يقال: (6) إنّ حرارتَها أيضاً لعَّلها لمُخالَطَةِ الهواء، وإلاّ


1 . الإشارات والتّنبيهات: 224 .
2 . أي الشّيخ الرئيس.
3 . وهو الفخر الرّازي.
4 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 254 ـ 255 .
5 . نقله الشارح القوشجي وأجاب عنه: لاحظ: شرح تجريد العقائد: 171 .
6 . القائل هو الشّارح القوشجي.


صفحه 319

لكانت أقلُّ حرارةً من الهواء، وليس لك أن تقول: إنّها أَسْهَلُ قبولاً للتشكُّل من الهواء.

شفّافةٌ ،(1) لا تمنع نفوذ الشّعاع فيها، والمراد النار البسيطة الصّرفة، وهي ما عند الفلك .

وإنّما حكموا بكون النار عند الفلك لما وجدوا من طلب هذه النّار الموجودة عندنا وحركتها إلى فوق مكان الهواء، فتحدّسوا من ذلك أنّ لها أصلاً ومعدناً هناك.

وأيضاً دلّ على ذلك ما وجدوا من حُدوث ذوات الأذناب وما يشبهها هناك.

وكونها شّفافةٌ ظاهرة حيث لا تمنع نفوذ الشّعاع، ويكون ذلك لعدم الضوء واللّون أصلاً.

فتفسير الشّفاف أيضاً بما لا لون له ولا ضوء ليس بسهو ; على ما زعمه الشارح القوشجي (2) مستنداً بأنّ الزّجاج الملوّن شّفافٌ، حيث لم يمنع من نفوذ الشّعاع فيه.

وذلك لأن الزّجاج الملوّن ليس بشفّافِ صرف، بل بقدر ما فيه من لون ما يمنع الشعاع لا محالة فتدبّر .

قال الشّيخ في " الإشارات ": «اعلم أنّ استضاءة النارِ الساترةِ لما ورائها،


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
2 . لاحظ: شرح تجريد العقائد: 172 .


صفحه 320

إنّما يكون لها إذا علقت شيئاً أرضيّاً ينفعل بالضوء عنها، ولذلك أُصول الشُعل.

وحيث النار قويّة، هي شفّافةٌ لا يقع لها ظلّ، ويقع لما فوقها ظلٌّ عن مصباح آخر.

ثمّ قال: فبيّن من هذا أنّ النار البسيطة شفّافة كالهواء.

وإذا استحال إليها النّار المركّبة ـ الّتي تكون منها الشُّهُب ـ استحالةً تامّةً، شفَّت فَظُنّ أنّها طفئت.

ولعلّ ذلك من أسباب طفوئها احياناً عندنا».(1)

كما إذا ألقينا شِيحَة (2) في تنور مسعّر صارت النّار فيه شفّافة لقوّتها، فإنّ الشيحة تشتعل ثمّ تنطفي .

متحركة بالتبعيّة (3)، أي بتبعية الفلك بدليل حركة ذوات الأذناب الحادثة بقُرب كُرة الأثير (4) حركة طوليّة موافقة للحركة اليوميّة وقد يشاهد لها مع ذلك حركة خاصّة أيضاً سواء كانت طوليّة، أو عرضيّة لكنّها مستقيمة.

وإنّما حكموا بكون حركة كرة الأثير هذه الحركة المستديرة بتبعيّة الفلك لما فيها من مبدء ميل مستقيم، كما يشاهد من النّار الموجودة عندنا،


1 . الإشارات والتّنبيهات: 228 ـ 229 .
2 . نبات طيّب الرائحة.
3 . من كلام المصنّف (رحمه الله).
4 . الهواء الحارّ الّذي يلي فلك القمر.


صفحه 321

فلا يجامعه مبدء ميل مستدير، كما مرّ.

لها طبقة واحدة، هي النّار الصّرفة البسيطة ـ أعني: الغير المخلوطة مع غيرها ـ وما يخالط منها مع الهَواء عدّوه في طبقاتِ الهواءِ.

وقوّية على إحالة المركّب إليها، عطفٌ على قوله: «لها طبقة واحدة»، وفي بعض النّسخ (1): «وقوّة على إحالة المركّب إليها» وحينئذ يكون عطفاً على قوله: «طبقة واحدة» .

وما يقال من حديث سمندر، لو صحّ فلعله البطؤ الانفعال، كما في كثير من الجواهر المعدنيّة، أو لخاصيّة فيه، فلا ينافي كليّة الحكم.


1 . كما في متن: كشف المراد، وتجريد الاعتقاد، والبراهين القاطعة.


صفحه 322

المبحث الثّاني

في أحكام الهواء

قال: والهواء: حارٌّ، رَطْبٌ، شَفّافٌ وهو ظاهرٌ، له أربعُ طبقات .

أقول: والهواءُ: حارٌّ، لأنّ الماء بالتَّسخين والتَلّطيف يصير هواءً، وما يحسّ منه من البُرودة إنّما هو بمجاورة الأرض والماء، والمخالَطَة مع الأبخرة.

رَطْبٌ، بشهادة الحسّ، شفّافٌ وهو ظاهرٌ(1)، له أربعُ طبقات(2) .

الأُولى: هي المخلوطة بالنّار ويتلاشى منها الأدخنة الغليظة المرتفعة، ويتكونّ منها الكواكب ذوات الأذناب، وما يشبهها من النيازك والأعمدة (3) وغيرها .

الثّانية: الهواء الصِّرف أو القَريب من الصّرافَة، ويضمحلّ فيها الأَدْخِنَة اللّطيفة، ويحصل منها الشُّهب.


1 . لعدم إدراكه صرفاً بالبصر.
2 . الأُولى: الطبقةً الّتي تَلي الأرضَ.
الثّانية: الطبقة الباردة.
الثّالثة: الطبقَةُ الصّرفَة من الهواء.
الرّابعة: الطبقة الّتي يخالطها شيٌ من النّار، انظر: الأسرار الخفيّة في العلوم العقليّة: 350.
3 . جمع «عمود».


صفحه 323

الثّالثة: الهواء البارد بما يخالطه من الأَبْخِرة الباقي على برودتِهِ، لعدم وُصُول أثرِ الشّعاع المنعكس من وجه الأرض إليه .

الرّابعة: الهواء الكثيف المجاور للأرض والماء الغير الباقي على صرافة برودته المكتسبة، لمكان الأشعّة المنعكسة.


صفحه 324

المبحث الثّالث

في أحكام الماء

قال: والماء: باردٌ، رَطْبٌ، شَفّاف، محيط بثلاثة أرباع الأرض تقريباً، له طبقة واحدة.

أقول: والماء: بارد رَطْبٌ، بشهادة الحسّ شفّاف شفيفة دون شفيف الهواء، ولذلك يرى محيط بثلاثة أرباع الأرض تقريباً.

فإنّ كلاًّ من العناصر على هيئة الاستدارة محيطٌ بعضها ببعض، فالأرض كُرَة مصمّتة،وقد أحاط القريب من ثلاثة أرباعها الماء.

فالماء على هيئةِ كُرَة مجوّفة غير تامّة، قد قطع بعض جوانبها وملأت من الأرض .

فمجموع الماء والأرض معاً بمنزلة كُرَة واحدة تامّةِ الهيئة، له طبقة واحدة، هي البحر المحيط بالأرض، ولم يبق على صرافته،لنفوذ آثار الأشعّة فيه، ومخالَطَةِ بالأجزاء الأرضيّة، وليس له ما يميّز بين أبعاضه بحيث يختلف في بعض الأحكام اختلافاً يعتدّ به.


صفحه 325

المبحث الرّابع

في أحكام الأرض

قال: والأرضُ: باردةٌ، يابسةٌ، ساكنة في الوسط، شَفّافَةٌ، لها ثلاثُ طبقات.

أقول: والأرضُ باردةٌ، لأنّها إذا خلّيت وطبيعتها ولم يفرض معها ما يبرّدها بالقسر أو يسخّنها كذلك، بل ولو فرض ما يسخّنها تسخيناً قليلاً ظهر عنها برد محسوس.

ولذلك لو وضع حجر محموم في هواء طلق أو قليل الحرارة جدّاً، ومضى عليه زمان ما يحسّ منه البرد لا محالة، سيّما من باطنه إذا شقّ.

فاندفع ما قيل (1): من أنّه لا دليل لهم على ذلك، والتّجربة لا تفي بذلك، إذ لا نسلّم خلوّ الأرض في زمان من الأزمنة عمّا يبرّدها وفرض الخلو لا يفيد، فتدبّر .

وأيضاً كثافتها ليست إلاّ لبرودتها، إذ لا وجه لأن تكون ليبوستها على ما توهّم، وإلاّ لكانت النّار كثيفة .

يابسةٌ بشهادة الحسّ.

ساكنة في الوسط. أمّا كونها في الوسط ; أي بحيث ينطبق مركز حجمها


1 . القائل هو الشّارح القوشجي. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 172 .


صفحه 326

على مركز العالم، فلأنّها لو لم يكن كذلك لكان مايلاً :

إمّا إلى أحد الخافقين المشرق أو المغرب .

وإمّا إلى أحد سمتي الرّأس والقدم.

وإمّا إلى أحد قطبي الشّمال والجنوب.

وإمّا إلى غير هذه الجهات.

فعلى الأوّل: يلزم أن لا يكون زمان ارتفاع الكواكب وانخفاضها مدّة ظهورها متساويين، لأنّ دائرة نصف النّهار المارّة بسمتي الرأس والقدم المميّزة لزماني الارتفاع، والانخفاض، لا يمكن أن تمرّ حينئذ بقطبي العالم، فلا تنصّف المدارة، بل تقسمها بقسمين مختلفين أعظمهما ما يلي جهة الشّرق إن كان ميل الأرض إلى جهة الغرب، وبالعكس إن كان بالعكس.

وعلى الثّاني: يلزم أن لا يكون دائرة الأفق الّتي قطباها سمتا الرّأس والقدم، ومارة بمركز الأرض مارّة بمركز العالم، فلاتكون عظيمة، فلا تنصّف الفلك، بل تقسيمها قسمين مختلفين أعظمهما ما يلي سمت الرأس إن كان ميل الأرض إلى سمت القدم،وبالعكس إن كان بالعكس.

وعلى الثّالث: يلزم أن لا يتطابق ظلاّ الشمس وقتي طلوعها وغروبها في يوم واحد عند كونها على مُعَدِّل النّهار، بل يتقاطع الظلان على مركز المقياس.


صفحه 327

وعلى الرّابع: يلزم مع ما ذكر إمكان انخساف القمر في غير مقاطراته الحقيقيّة للشّمس.

واللوّازم بأسرها باطلة، كما يظهر لمن يعتبر الأُمور المذكورة، فمركز حجم الأرض هو مركز العالم .

وأمّا أنّها مع كونِها في الوسط ساكنة فيه وليست بمتحرّكة حركة وضعيّة، كما زعم بعض الأوائل(1): أنّ شروقَ الكواكب وأفولها بسببِ حركة الأرض حركة وضعيّة من المغرب إلى المشرق، لا بسبب حركة الفلك.

زعمهم استحالة تحرّك الكوكب حركتين مختلفتين في زمان واحد، وإن كانت إحداهما بالعرض، ولا يمكنهم إسناد الحركة البطيئة إلى الأرض، لتعدّدها واختلافها، فأسندوا الحركة السّريعة اليوميّة إلى الأرض.

فإنّها إذا تحرّكت كذلك، وفرضت الكواكب ساكنة في أفلاكها، أو متحرّكة بحركة أبطأ منها ظهرت لنا منها كلّ ساعة من جانبِ المشرقِ ما يكون محجوبة عنّا بحدبة الأرض، واحتجبت منّا في جانب الغرب مايكون ظاهرة لنا هناك.

فلأنّها لو تحرّكت كذلك ـ أعني: حركة مستديرة ـ لزم أن يكون فيها مبدأ ميل مستدير مع كونِها ذات ميل مستقيم، وقد مرّ (2) امتناع ذلك .

وأمّا ما قيل: من أنّ ذلك يوجب أن لا يقع المرميّ في الهواء على


1 . لاحظ: شرح تجريد العقائد: 173 .
2 . في الحكم الثّاني من المسألة الثّانية من هذا الجزء.


صفحه 328

موضعه الأوّل، بل أن يقع في الجانب الغربيّ منه، أو يوجب أن يكون حركة مّا انفصل منها، كالسّهم والطّائر إلى جهة حركتها أبطأ، وإلى خلافها أسرع .

ففيه: أنّه يجوز أن يكون الهواء المتّصل بالأرض مع ما فيه مشايعاً لها، كما يشايع الأثير الفلك، فلا يلزمه شي من ذلك،كذا قال المصنّف في "التّذكرة ".

شفّافةٌ ; أي ما وجد بسيطاً منها وهوما يلي المركز.

وحكي بعضهم: أنّه قد حفر له قناة، فخرج من البئر ماء يحسّ بثقله وصلابته من غير أن يحسّ بالبصر.

فلا يرد ما توهّمه الشارح القوشجي: من أنّ الحكم بتشفيف (1) الأرض ينافي وقوع الانخساف، إذ لو كان ينفذ شعاع الشمس في الأرض، فأيّ شيء يحجب نورها عن القمر وحكم لأجل ذلك بانّه من قبيل طغيان القلم.(2)

لها ثلاث طبقات: الأُولى: الأرض من الصّرفة المحيطة بالمركز.

الثّانية: الطّبقة الطّينية وهي المجاورة للماء.

الثّالثة: الطّبقة المنكشفة من الماء، وهي الّتي تحتبس فيها الأَبْخِرَة والأَدْخِنَة ويتولّد منها، المعادن، والنباتات، والحيوانات، وينقسم إلى البراري والجبال، وهي المعروفة بالرّبع المسكون المنقسم إلى الأقاليم السّبعة.


1 . في المصدر: «بشفوف».
2 . لاحظ: شرح تجريد العقائد: 173 .


صفحه 329

وأمّا السّبب في انكشافها.

فقد قيل: هو انجذاب الماء إلى ناحية الجنوب لغلبة الحرارة فيها بسبب قُرْب الشّمس، لكون حضيض الشّمس في البروج الجنوبية، وكونها في القرب أشدّ شعاعاً من كونها في البُعد، وكون الحرارة اللاّزمة من الشّعاع الأشدّ الأقوى لا محالة، وشأن الحرارة جذب الرّطوبات.

وعلى هذا يمكن أن ينتقل العمارة من الشّمال إلى الجنوب، ثمّ من الجنوب إلى الشّمال.

وهكذا بسبب انتقال الأوج من أحدهما إلى الآخر، ويكون العادة دائماً حيث أوج الشمسّ لئلاّ يجتمع في الصيّف قُرب الشمسّ من سمت الرّأس، وقُربها من الأرض، فيبلغ الحرارة إلى حدِّ النِّكايَةِ والإحراقِ، ولا البعدان في الشّتاء، فيبلغ البرد إلى حدّ النِّكايةِ والتَّضْحِيحِ .(1)

وقيل: سبب كثرة الوهاد والأغوار في ناحية الشّمال باتّفاق من الأسباب الخارجة، فينحدر المياه إليها بالطّبع، ويبقى المواضع المرتفعة مكشوفة.

وقيل: ليس له سبب معلوم غير العناية الإلهية لتصير مستقراً للإنسان وغيره من الحيوانات ومادة لما يحتاج إليه من المعادن والنبات.

وأما انقسامها إلى الأقاليم السبّعة: فبيانه أنّه لما لم يكن على


1 . في د: «التَفْحِيح».


صفحه 330

خط الإستواء، وهو عبارة عن الدائرة الحادثة في سطح الأرض بتوهّم قطع مَعْدِل النَّهار، أعني: منطقة الحركة اليوميّة إيّاها، ولاعلى ما يدانيه شمالاً وجنوباً عمارة يعتدّ بها لفرط الحرارة، ولم يكن حول القطبين عمارة أصلاً، لفرط البرودة وقع معظم العمارة في الرّبع المسكون بين ما يجاوز عشرة درجات في العرض عن خطّ الإستواء إلى أن يبلغ العرض قريب خمسين.

فقسّموا هذا القدر سبعةَ أقسام في العرض حسب ما ظهر لهم من تفاوت تشابه الأحوال في الحَرّ والبَرد، فاعتبروا في الطّول الامتداد من المشرق إلى المغرب، وفي العرض تفاضل نصف ساعة في مقادير النّهار الأطول، يعني نهار كون الشّمس في الانقلاب الصيفيّ.

فكل واحد من الأقاليم منحصرٌ بين نصفي مدارين موازيين لخطّ الاستواء أشبه شيء بانصاف الدّفوف، ولا محالة يكون أحد طرفيه وهو الشّمالي أضيق.

ومبدأ الأقليم الأول: حيث العرض اثنى عشر درجة، وثلثا درجة .

والثّاني: حيث العرض عشرون وربع وخمس.

والثالث: حيث العرض سبع وعشرون ونصف.

والرابع: حيث العرض ثلاث وثلاثون ونصف وثمن.

والخامس: حيث العرض تسع وثلاثون إلاّ عشر.


صفحه 331

والسادس: حيث العرض ثلاث وأربعون وربع وثمن .

والسابع: حيث العرض سبع وأربعون وخمس وآخر، حيث العرض خمسون وثلث.

ومنهم من جعل مبدأ الأوّل خطّ الإستواء وآخر السابع منتهى العمارة.


صفحه 332

المسألة السادسة

في البحث عن المركّبات

قال: وأمّا المرّكبات: فهذه الأربعة أُسطقساتها، وهي حادثةٌ عند تفاعل بعضها في بعض.

فتفعل الكيفيّة في المادّة فتنكسر صرافة كيفيّتها، وتحصل كيفيّة متشابهة في الكلّ متوسّطة هي المزاج مع حفظ صور البسائط.

أقول: إنّ هذه المسألة في تركيب المركّبات من هذه الأربعة، وبيان حصول المزاج منها، ولهذه الأربعة اعتبارات.

منها: أنّها أُصول الكون والفساد لما مرّ من انقلاب بعضها إلى بعض.

ومنها: أنّها أركان العالم، إذ بنضدها يتمّ العالم الجسماني.

ومنها: أنّها ينحلّ إليها المركّبات، وبهذا الاعتبار تسمّى عناصر .

ومنها: أنّها يتركّب منها المركّبات، وبهذا الاعتبار يسمّى أسطقسّات، على ما قال: وأمّا المركّبات: فهذه الأربعة أسطقسّاتها.

وانّما علموا ذلك، من أنّ المركّبات إذا حُلّلت بالقَرْع (1) والإنبيق(2)


1 . وعاء يستخدم في المختبرات الكيمياويّة آنذاك.
2 . وعاء يستخدم في التقطير.


صفحه 333

ظهر منها أجزاء أرضيّة ومائيّة وهوائيّة بخاريّة، فهذه ثلاثة ولابدّ من نار للنَضجِ وهي الرّابعة، وأمّا وجود النّار، فظاهرٌ محسوسٌ.

وما قيل: (1) من أنّ النّار لا يمكن وجودها في المركّب، إذ اختلاطها بالأجزاء الأرضيّة والمائيّة سبب لانطفائها.

فأجيب عنه: بأنّ حافظ التّركيب يحفظها عن الانطفاء، ومن كون تحليل المركّبات إلى هذه الأربعة يظهر كون تركّبها منها.

وهي: أي المركّبات يعني بحسب الأشخاص، حادثةٌ عند تفاعل بعضها في بعض، لكونه مسبوقاً بحركة واجتماع.

وأمّا حدوث المركّبات بحسب الأنواع، فيثبت بإثبات حدوث الأجسام كلّها.

ثمّ أشار إلى كيفيّة التّفاعل.

وبيان ذلك: أنّ في كلّ عنصر مادّة وصورة وكيفيّة، والفاعل لا يمكن أن يكون هي المادّة، لأنّها منفعلة محضة كما مرّ.

ولا أن يكون المنفعل هي الصّورة، لأنّ شأنها الفعل والتّأثير، لا القبول والانفعال، فبقى أن يكون الفاعل، إمّا الصّورة أو الكيفيّة، والمنفعل: إمّا المادة أو الكيفيّة، لكن لا فرق بين فعل الصّورة والكيفيّة هاهنا، لأنّ فعل الصوّرة في غير مادّتها لا يكون إلاّ بتوسط الكيفيّة، وهذا معنى قوله: فتفعل الكيفيّة، أي لابدّ من فعل الكيفيّة.


1 . نقله الشارح القوشجي وأجاب عنه. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 174 .


صفحه 334

وإذا كان فعل الكيفيّة ممّا لابدّ منه، فالمنفعل لا يمكن أن يكون هو الكيفيّة نفسها، لأنّ الفعلين حينئذ: إن كانا معاً، يلزم اجتماع الفاعلين، فليزم اجتماع الفعل والانفعال من جهة واحدة.

وإن كانا على التّرتيب يلزم أن يعود المنفعل المغلوب فاعلاً غالباً، فتعيّن أن يكون المنفعل هو المادّة، لكن معنى انفعال المادّة هاهنا هو استحالتها في كيفيّتها، وهذا معنى قوله: في المادّة، فتنكسر صرافة كيفيّتها .

فإن قلت: ما ذكره هاهنا مخالف لما قال في " شرح الإشارات ": «من أنّ العناصر إذا امتزجت وتفاعلت، فلا يمكن أن يفعل كلّ واحد منها في الآخر من حيث ينفعل عن ذلك الآخر، لأنّ الفعل; إن كان متقدّماً على الانفعال صار الغالب مغلوباً عن مغلوبه، وإن كان متأخّراً عنه صار المغلوب غالباً على غالبه، وإن حصلا معاً كان الشيءالواحد غالباً ومغلوباً معاً عن شيء واحد، وكلّها محال.

فإذن يفعل كلّ واحد منها بصورته، وينفعل في كيفيّته، ولا يمكن العكس، لأنّ الانفعال في الصورة يقتضي الانفعال في الكيفيّة الصّادرة عنها، إذ المعلولات تابعة لعللها ولا ينعكس، بل إنّما تكسره الصورة وتنكسر الكيفيّات. انتهى». (1)

فجعل هناك الفاعل هو الصّورة والمنفعل هو الكيفيّة، وهاهنا الفاعل هو الكيفيّة والمنفعل هو المادّة، على أنّه يلزم هاهنا أمر آخر وهو أنّه جعل


1 . شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 276 .


صفحه 335

المنفعل هو المادّة في كيفيّتها، ولا فرق بين انفعال الكيفيّة وبين انفعال المادّة في الكيفيّة، فيلزم كون الكيفيّة فاعلة ومنفعلة.

قلت: أمّا المخالفة، فمندفعة بما ذكرنا من أنّه لا فرق بين فاعليّة الصورة وفاعليّة الكيفيّة، لكون فعل الصّورة في غير مادّتها بتوسّط الكيفيّة، وكذا لافرق بين انفعال المادّة وانفعال الكيفيّة .

وقد صرّح هو أيضاً بذلك في " شرح الإشارات " حيث قال: «وهاهنا بحث أنّكم حكمتم فيما مرّ أنّ الصّورة إنّما تفعل في سائر الموادّ بتوسّط الكيفيّات الفعليّة، وهاهنا جعلتم الصّور فاعلة، والكيفيّات منفعلة.

فقد ناقضتم كلامكم بوجهين:

أحدهما: أنكم جعلتم الصّور فاعلة.

والثّاني: جعلتم الكيفيّات الفعليّة منفعلة.

والجواب: أنّا لم نجعل الكيفيّات أنفسها منفعلة، بل المنفعلة هي المادّة، ولكن انفعالها هي استحالتها في تلك الكيفيّات، وأيضاً لم يجعل الصّور فاعلة في غير موادّها بذاتها، بل بتلك الكيفيّات. انتهى» .(1)

وهذا ـ أعني: توجيه ما ذكره هاهنا بما يطابق ما ذكره في "شرح الإشارات "وهو مذهب الحكماء ـ وإن كان خلاف الظاهر، فإن كان ظاهر كلامه هاهنا أنّه اختار مذهب الأطباء من كون التّفاعل بين الكيفيّات لعدم


1 . شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 277 .


صفحه 336

قولهم بالصّور النّوعية، كما صرّح به في "شرح المقاصد "(1)، إلاّ أنّه ممّا لا بدّ منه كما ستعلم.

وأما الآخر: فلا منافاة بين كون الكيفيّة فاعلة من جهة الصورة ومنفعلة من جهة المادّة، فهذا هو مآل كلام المصنّف في الكتابين.

وهذا هو المنسوب إلى بعضهم(2): من أنّ المحيص هاهنا يلتزم أنّ جواز كون كيفيّة واحدة غالبة ومغلوبة من جهتين: غالبة من جهة الصورة الفاعلة، ومغلوبة من جهة المادة المنفعلة .

فإن قلت:(3) الصّورة إنّما تفعل بكيفيّتها، فهي لم تفعل ما لم تكن كيفيتها غالبة، فلو توقّف كون الكيفية غالبة على كون الصوّرة فاعلة لزم الدّور.

وأيضاً إنكسار الكيفيّة ومغلوبيتها عبارة عن إنعدام تلك الكيفية وحدوث كيفية في المادّة أضعف منها، فلا يتصوّر كون كيفيّة واحدة غالبة ومغلوبة من جهتين.

قلت: لا نسلّم أنّ فاعليّة الصوّرة في غير مادّتها يتوقّف على غالبية الكيفيّة، بل يتوقف على وجود الكيفية، لتعدّ مادّة الغير لقبول فعلها، فكلّ من الكيفيّتين تعدّ مادّة الأُخرى في زمان واحد، فإذا تمّ الاستعدادان تنعدم


1 . انظر شرح المقاصد: 3 / 208 ـ 209 .
2 . لاحظ: شرح تجريد العقائد: 175 .
3 . القائل هو الشارح القوشجي. انظر: شرح تجريد العقائد: 175 .


صفحه 337

الكيفيّتان، ويتكيّف المادّتان بكيفيّتين أُخريين.

فالغالبيّة في الحقيقة إنّما هي للصورة، والمغلوبيّة للمادّة والإعداد، ثمّ الإنعدام للكيفيّة على ما هو شأن المعدّ، فالفعل المنسوب إلى الكيفيّة ليس إلاّ الإعداد.

فظهر أنّه لا مخلّص عن ورود إشكال اجتماع الفعل والانفعال، أو صيرورة المغلوب غالباً إلاّ بالقول بفاعليّة الصّورة.

وحينئذ يمكن اختيار كلّ من الشقّين في الإشكال، أعني: كون الفعلين معاً، وتقريره ما عرفت وكونهما على التّرتيب .

نقول في تقريره: لا نسلّم استحالة صيرورة المغلوب غالباً في الإعداد إنّما ذلك فيما هو فاعلٌ على الحقيقة، فيجوز أن ينكسر الكيفيّة.

أو لا نسلّم تصير معدّة لإنكسار الكيفيّة المتضّادة الّتي كانت معدّة لإنكسار الأولى، وسيجيء ذلك في كلام الشيخ في إبطال مذهب المخترع.

ويمكن أن يكون هذا هو مراد من اختار في دفع الإشكال، أنّ الكاسِر هو أصل الكيفيّة، والمُنْكَسر سَوْرة الكيفيّة، أعني: أن يكون مراده هو الإعداد لا الفاعليّة الحقيقيّة .

وهكذا ينبغي أن يحقّق هذا المقام الّذي هو من مزال الأقدام.

وأمّا ما قيل:(1) من أنّ الصّورة ليست بفاعلة هاهنا، لأنّ الماء الحارّ إذا


1 . نقله الرازي وأجاب عنه. لاحظ: المباحث المشرقيّة: 2 / 154 .


صفحه 338

امتزج بالماء البارد انكسرت الحرارة والبرودة، وحصل هناك كيفيّة متوسّطة بينهما وليس هناك صورة مسخنة، فتعيّن أن يكون الفاعل هو الكيفيّة .

فجوابه على ما في " شرح المقاصد " (1): هو أنّ الصّورة المسخّنة هاهنا هي الصوّرة المائيّة بتوسّط الحرارة العارضة، فإنّ من قواعدهم، أنّ صورة كلّ عنصر تفعل في مادّته بالذّات، وفي غيرها بتوسّط الكيفيّة، سواء كانت ذاتيّة، أو عرضيّة.

ثمّ أنّهم اعتبروا في هذا التّفاعل تصغّر أجزاء العناصر وتماسّها ـ كما أشرنا إليه ـ لا لأنّ تأثير الجسم لا يمكن بدون التّماس، كما ذهب إليه بعضهم.

إذ التماس ليس بشرط في تأثير الأجسام، كما في تسخين الشّمس الأرض وجذب المغناطيس الحديد، بل لأنّ التّفاعل لحصول المزاج لا يكون إلاّ بطريق المماسّة.

ولذلك كلّما كان التّصغر أكثر، كان الامتزاج أشدّ لكون المماسّة حينئذ أتمّ، هذا.

واعتبروا أن يكون هذا التّفاعل الّذي هو سبب المزاج من العناصر الأربعة لأنّ في كلّ منها فائدة لا يتّم بدونها أمر الكيفيّة المتوسّطة المتشابهة المسّماة بالمزاج على ما قال: وتحصل كيفيّة متشابهة في الكلّ متوسّطة، هي المزاج، ولهذا ترى المركّب من الماء والتّراب، لا يترتّب عليه آثار الأمزجة.


1 . أنظر: شرح المقاصد: 3 / 201 ـ 204 .


صفحه 339

وهذا إشارة إلى تعريف المزاج، وإنّما اعتبروا (1) فيه التشابه، والمراد منه أن يكون الحاصل في كلّ جزء من الأجزاء المركّبة، أو البسيطة للمزج يماثل الحاصل في الجزء الآخر ويساويه في الحقيقة النوعيّة من غير تفاوت إلاّ بالمحلّ، حتّى أنّ الجزء النّاري كالجزء المائي في الحرارة والبرودة، والرّطوبة واليبوسة، وكذا الهوائي والأرضي، لكون هذا المعنى معتبراً في حقيقة المزاج.

إذ لو اختلفت الكيفيات في أجزاء الممتزج حقيقة، وكان التشابه في الحسّ لشدّة امتزاج الكيفيّات العنصريّة الباقية على حالها (2)، لما كان هناك فعل وانفعال، ولم تتحقّق كيفية وجدانيّة بها يستعدّ الممتزج لفيضان صورة من الصّور التّركيبية الّتي قد مرّت الإشارة إليها.

وأمّا اعتبار التوسّط فيه، والمراد منه أن يكون أقرب إلى كلّ من الكيفيتين المتّضادتين ممّا يقابلها، بمعنى أن يستسخن بالقياس إلى الجزء البارد، ويستبرد بالقياس إلى الجزء الحارّ، وكذا في الرطوبة واليبوسة، فللإحتراز عن توابع المزاج كالألوان والطعوم والرّوائح، والمراد هوتوسّط مّا، كما صرّح به الشيخ " في الإشارات ". (3)

وقال المصنّف في شرحه: «أي إذا كان الحارّ مثلاً عشرة أجزاء والبارد


1 . لاحظ: المباحث المشرقية: 2 / 155 / الفصل الأوّل من الباب الثّالث ; وشرح المقاصد: 3 / 208.
2 . بحيث لا تتميّز عند الحس.
3 . لاحظ: الإشارات والتنبيهات: 227 .


صفحه 340

خمسة  أجزاء  كانت الكيفيّة المتوسّطة أقرب إلى الحرارة منها إلى البرودة على نسبة الثلث والثّلثين، فلايكون الكيفيّة متوسطة على الإطلاق دائماً، بل توّسطاً مّا، هذا» .(1)

مع حفظ صُور البسائط (2)، إشارة إلى ردِّ مذهب جماعة نقله الشيخ حيث قال في "طبيعيّات الشّفاء ": «لكن قوماً اخترعوا، في قرب زماننا، مذهباً غريباً عجيباً، وقالوا: إنّ البسائط، إذا امتزجت وانفعل بعضها عن بعض، يتأدّى ذلك بها إلى أن تخلع صورها، فلا يكون الواحد منها صورته الخاصّة، وتلبس حينئذ صورة واحدة، فتصير لها هيولى واحدة.

فمنهم من جعل تلك الصّورة أمراً متوسّطاً بين صورها ذات الحميّة، ويرى أنّ الممتزج يستعدّ بذلك لقبول الصّور النوّعيّة الّتي للمركّبات.

ومنهم من جعل تلك الصّورة صورة أُخرى هي صورة من النّوعيّات.(3)

ثمّ ردّ هذا المذهب بوجهين:

الوجه الأوّل: قوله: لو كان هذا الرأي حقّاً، لكان المركّب، إذا تسلّط عليه النّار، فعلت فيه فعلاً متشابهاً، فلم يكن القرع والإنبيق يميّزه إلى شيء قاطر متبخّر لا يثبت على النّار ألبتة، وإلى شيء أرضي لا يقطر ألبتة .


1 . شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 277 .
2 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
3 . وجعل المزاج أمراً عارضاً لا صورة .


صفحه 341

فإنّه إن كان كلّ جزء منه كالآخر، تساوى الاستعداد في جميعه; أو إن اختلف فعسى أن يكون اختلافه بالأشدّ والأضعف، حتّى كان بعض الأجزاء أسرع استعداداً، وبعضها أبطأ استعداداً.

ومع ذلك، فما كان يكون ذلك فيها، وهي متلبّسة صورة واحدة لا تمايز بينها; بل لابدّ من تمايز.

وذلك التّمايز لا يخلو:

إمّا أن يكون بأمور عرضيّة، أو صُور جوهريّة.

فإن كانت أموراً عرضيّة: فإمّا أن تكون من الأعراض الّتي تلزم طبيعة الشيء، أو من الأعراض الواردة من خارج.

فإن كانت من الأعراض الّتي تلزم طبيعة الشيء، فالطّبائع الّتي تلزمها أعراض مختلفة مختلفة .(1)

وإن كانت من أعراض وردت عليها من خارج: فإمّا أن تكون الأجزاء الأرضية مثلاً، تقتضي في كلّ مثل ذلك التّركيب، أن تكون إذا امتزجت، يعرض لها من خارج دائماً مثل ذلك العارض، أو لا تقتضي .

فإن كانت تقتضي، وجب من ذلك أن يكون لها عند الامتزاج خاصيّة استعداد لقبول ذلك، اوخاصية استعداد لحفظ ذلك، ليس ذلك لغيرها.


1 . في المصدر: «هي مختلفة».


صفحه 342

وذلك الاستعداد: إمّا أن يكون أمراً جوهرياً، فيتمايز بالجوهر، فتكون البسائط متميزة في المركّب بجواهرها، أو أمراً عرضيّاً، فيعود الكلام من رأس.

وإمّا أن لا يكون الأجزاء الأرضيّة; مثلاً تقتضي في كلّ مركّب، مثل ذلك التّركيب، أن تكون إذا امتزجت يلزمها من خارج، بل ذلك قد يتفق في بعضها اتفاقاً.

ولو كان كذلك لكان ذلك بالأوّل، ولم يكن كلّ مثل ذلك التّركيب موجباً لاختلاف ذلك التميّز، وكان يمكن أن يوجد من اللحوم لحم في نوعه يقطر كلّه، ولا يرسب، أو يرسب كلّه، ولا يقطر .

وكذلك كان يجب أن لا يكون التّحليل مفنياً (1) للحيوانات والنبّاتات بإفناء مادّة وإبقاء مادّة، أعني: إفناء المتحلّل الرّطب، وإبقاء اليابس.

والوجه الثّاني: قوله: ثمّ لننظر أنّ هذه العناصر، إذا اجتمعت، فما الّذي تبطل صورها الجوهريّة، فلا يخلو: إمّا أن يظنّ أنّ النّار مثلاً، تبطل صورة الأرض، أو شيء خارج عنهما، يكون ذلك الشّيء من شأنه أن يبطل صورتها إذا اجتمعت.

فإن كانت النّار تبطل صورة الأرض: فإمّا أن تكون مبطلة لصورة الأرض، وناريّتها موجودة، أو مبطلة وصورتها (2)معدومة.


1 . في المصدر: «معيناً».
2 . في المصدر: «وناريّتها معدومة» .


صفحه 343

فإن أبطلت، والنّاريّة معدومة، فيكون إبطالها للصّورة الأرضيّة بعد عدم النّار، أو مع عدم الناريّة.

وعدم ناريّتها في هذا الموضع أيضاً إنّما هو بسبب الأرض .

والكلام في ذلك هو الكلام بعينه .(1)

وإمّا أن يكون شيء آخر خارج، هو الّذي يبطل صورة كلّ واحد منها إذا اجتمعت.

فإن كان يحتاج في إبطال الصّورة النّارية، مثلاً، وإعطاء الصّورة الأُخرى إلى الأرض، والأرض موجودة، أو الأرض معدومة، فقد دخلت الأرض في هذه المعونة، وعاد الكلام من رأس .

وإن كان لا يحتاج، فلا حاجة إلى المزاج في سلب الصّورة النّاريّة وإعطاء الصّورة الأُخرى، بل البسيط يجوز أن تتكون عنه الكائنات بلا مزاج.

ثمّ قال: فأمّا الاستحالة، فلا يلزم فيها مثل هذا القول.

فإنّ النّار مثلاً، إذا كانت علّة لتسخين مادّه الأرض كانت علّة، وهي نار بالفعل، وتسخن بسخونة موجودة فيها، وإن انتقصت، لأنّها أيضاً تقبل البرد بمادّتها من الأرض بالفعل .

فتكون فاعلة بهيئة ومنفعلة بمادّة .

وتكون الهيئة، عندما تفعل بالمادة موجودة، والمادّة عندما تنفعل


1 . والحاصل: أنّه لمّا عدمت النّارية والأرضيّة أبطلت إحداهما صورة الأُخرى، وهذا محال.


صفحه 344

موجودة، فلا يعرض فيها هذا الشّك. انتهى كلام "الشّفاء "(1)». وهذا ما وعدناك آنفاً.

ثمّ إنّه أشار في " الإشارات " إلى هذا المذهب وردّه بقوله: «وإذ امتزجت لم تفسد قواها، وإلاّ فلامزاج»(2) .

فنقل المصنّف في شرحه المذهب المشار إليه عن " الشّفاء " ولم يلتفت إلى الجوابين المذكورين فيه، بل فسّر قول "الإشارات ": «فلا مزاج بأنّه لا مزاج، بل هو فسادٌ ما وكون، لأنّ المزاج إنّما يكون عند بقاء الممتزجات باعيانها، هذا كلام المصنّف». (3)

فاعترض عليه: (4) بأنّه ربّما يلتزم هذا القائل أنّ الموجود في جميع الامتزاجات بين المتخالفات المستتبعة لصور المركّبات كون وفساد لصور الممتزجات، وليس هناك استحالة في الكيفيّات وتوسّط بينها على ما ذكرتموه.

وظنّى أنّ مراد الشّيخ ليس ذلك، بل مراده هو الإشارة إلى الجواب الثّاني من الجوابين اللّذين نقلناهما من " الشّفاء "أعني قوله: «وإن كان لا يحتاج، فلا حاجة إلى المزاج في سلب الصّورة النّاريّة وإعطاء الصّورة الأُخرى، بل البسيط يجوز أن يتكوّن عنه الكائنات بلا مزاج»،


1 . طبيعيّات الشّفاء: 2 / 133 ـ 136 / الفصل السابع من الفن الثالث.
2 . الإشارات والتنبيهات: 227 .
3 . لاحظ: شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 275 .
4 . المعترض هو الشّارح القوشجي. انظر: شرح تجريد العقائد: 176 .


صفحه 345

فإنّ هذا هو مناط الجواب الثّاني ; أي فلاحاجة إلى امتزاج بين العناصر، فليتدبّر .

ثمّ قال في " الشّفاء ": «لكن من الأُمور المشكلة الّتي بالحري أن يورد شكّاً يؤيّد هذا المذهب المحدث هو أنّه إن كان الممتزج لا تتغيّر جواهر بسائطه، وإنما تتغيّر كمالاتها، فتكون النّار موجودة فيه، ولكنّها مبردة (1) قليلاً، والماء موجوداً ،ولكنّه مسخّن قليلاً.

ثمّ يستفيد بالمزاج صوراً زائدة على صور البسائط، وتكون تلك الصّور ليست من الصّور الّتي لا تسوي(2) في الكلّ من الصّور الاجتماعية، مثل صور التأليف كالأشكال والأعداد .

فإنّ المغناطيسيّة واللّحمية مثلاً ليست من الصّور الّتي تكون من هيئات اجتماع آحاد (3) حتّى تكون للجملة، (4) ولا لواحد من آحاد الجملة.

بل هي سارية (5) في كلّ جزء، فالجزء الموجود من الأسطقسّات في المركّب، وهو نارٌ مستحيلةٌ ولم يفسد، قد اكتسبت صورة اللّحميّة، فيكون من شأن النّار في نفسها إذا عرض لها نوعٌ من الاستحالة أن تصير لحماً.


1 . في المصدر: «مفترة».
2 . في المصدر: «لا تسري».
3 . عدد أو آحاد مقادير.
4 . في المصدر: «أو لا لواحد».
5 . أي وإذا كان كذلك، كانت هذه الصّورة سارية في كلّ جزء، الخ .


صفحه 346

وكذلك كلّ واحد من البسائط ،ولا تمنعها عن ذلك صورها(1)، فيكون حينئذ من شأن البسائط أن تقبل صُور هذه الأنواع وإن لم تتركّب.

فنقول(2): ليس اعتراض هذه الشّبهة على أحد المذهبين أولى من اعتراضها على المذهب الآخر.

فإنّ صاحب هذا المذهب أيضاً يرى أنّ اجتماع العناصر وحصول الفعل والانفعال شرطٌ في أن يخلع صورها، وتلبس الصّورة التّركيبيّة، ولولا ذلك لما كان لتركبها فائدة.

فيجب من ذلك: أنّ تلك الاستحالة إذا عرضت للمفرد منها قبل المفرد وحدة (3) تلك الصّورة، فإن كان لا يقبلها، لأنّ تلك الاستحالة يستحيل فيها إلاّ أن تصغّر أجزاؤها، وتتجاور فاعلة ومنفعلة على أوضاع مخصوصة، وأن تكون تلك الصّورة مستحيلة أن تستحفظ إلاّ بتلك المجاورة، وأنّ الصّورة لا تحلّ مادّة لا يستحفظها، اوغير هذا من العلل، فهو جواب مشترك للطائفتين. انتهى ملخّصاً».(4)

وقد سبق في مباحث المكان الطبيعي (5) ما له تعلّق بهذا الكلام .

واعلم، أن القول بالمزاج مبنيّ على القول بالاستحالة، وهو ظاهر على


1 . كما لا تمنع صورة الأرض في الجزء المتدخن أن تقبل حرارة مصعدة .
2 . يعني الشّيخ الرئيس .
3 . في د: «وحده».
4 . طبيعيّات الشّفاء: 2 / 136 ـ 137 .
5 . انظر: المبحث الأوّل من المسألة الثّانية عشرة من الفصل الأوّل من هذا الجزء.


صفحه 347

القول بالكون أيضاً، فإنّ الأجزاء النّاريّة المخالطة للمركّبات لا تهبط عن الأثير، بل تتكوّن هناك.

وكان في المتقدّمين من ينكرهما معاً كأنكساغوراس (1) وأصحابه القائلين بالخليط.(2)

فإنّهم كانوا ينكرون التغيّر في الكيفيّة وفي الصّورة ويزعمون أنّ الأركان الأربعة لا يوجد منها شيء صرفاً، بل هي مختلطة من تلك الطّبايع ومن سائر الطّبايع النوعيّة.

وإنّما سمّي بالغالب الظّاهر منها، ويعرض لها عند ملاقاة الغير أن يبرز


1 . أنكساغوراس الأقلازوماني (Anazagorasof cluzomenae =) فيلسوف يوناني ولد في أقلازومانيا (آسيا الصغرى) نحو عام (500 ق. م) ومات في المسباقيوم عام (428 أو 427 ق.م) كان قبل ارسطاطليس، وقد ملأ كتبه من أقواله وآرائه ومذاهبه. راجع: محبوب القلوب: 1 / 352 ـ 354 ; ومعجم الفلاسفة: 106. لاحظ في تفصيل مذهبه موسوعة الفلسفة للبدوي: 1 / 236 ـ 239 ; والملل والنحل الشهرستاني: 2 / 64 ـ 65 / الباب الأوّل برقم 2 .
2 . قال صاحب المحاكمات: القائلون بالخليط قالوا: في الاجسام أجزاء على طبيعة اللّحم، وأجزاء على طبيعة العظم، وأجزاء على طبيعة الحنطة، وأجزاء على طبيعة الشعير، وهكذا .
فإذا اجتمع منها أجزاء كثيرة لانجذاب المتشابهات بعضها إلى بعض أحسّ بها على تلك الطبيعة. وكذلك الكيفيّات الّتي تحدث للأجسام ليس بطريق الاستحالة، بل لأنّ الأجزاء الّتي لها تلك الكيفيّة كانت كامنة في الجسم، فبرزت، حتّى أنّ الماء إذا تسخن لم يستحلّ في كيفيّة، بل لأنّ أجزاء ناريّة كمنت فيه فبرزت بسبب ملاقاة النّار، وآخرون زعموا أنّ أجزاء ناريّة نفذت في الماء من الخارج، فاختلطت بالأجزاء الباردة فاحسّ بالكلّ كأنّه حارّ. لاحظ: تفصيل توضيحه وجوابه في المحاكمات بين شرحي الإشارات المطبوع مع شرح الإشارات: 2 / 278 ـ 280 ; وكذا أشار الشّيخ الرّئيس إلى الخليط وأجاب عنه. أنظر: طبيّعيات الشّفاء: 1 / الفصل الثّاني عشر من المقالة الثالثة.


صفحه 348

منها ما كان كامناً فيها، فيغلب ويظهر للحسّ بعدما كان مغلوباً وغائباً عنه لا على أنّه يحدث، بل على أنّه يبرز، ويكمن فيها ما كان بارزاً، فيصير مغلوباً وغائباً بعدما كان غالباً وظاهراً.

وبأزائهم قوم زعموا أن الظاهر ليس على سبيل بروز، بل على سبيل نفوذ من غيره فيه، كالماء مثلاً، فإنّه إنّما يتسخّن بنفوذ أجزاء ناريّة فيه من النّار المجاورة له .

والمذهبان متقاربان، فإنّهما يشتركان في أن الماء مثلاً لم يستحل حارّاً لكن الحارّ نار يخالطه .

ويفترقان في أنّ أحدهما يرى أنّ النّار برزت من داخل الماء، والأخرى يرى أنّها وردّت عليه من خارجه، وإنّما دعاهم على ذلك الحكم بامتناع كون شيء لا عن شيء، وامتناع صيرورة شيء شيئاً آخر. كذا في "شرح الإشارات" (1) مطابقاً لما في "الشّفاء " .

ثمّ قال في " الشّفاء ": «فالسبب في غلطهم هو ظنّهم أنّه إذا كان مسلّماً أنّ الشّيء لا يكون عن لا شيء، فقد صحّ أنّ كلّ شيء يكون عن مشابهه في الطّبع، وأنّه إذا كان مسلّماً أن لا شيء لا يكون موضوعاً لشيء استحال أن يكون الشّيء عن لا شيء.

أمّا الأوّل، فلنضعه مسلّماً، فيجوز أن يكون الشّيء لم يتكوّن عن لا شيء، ولكن تكون عن شيء ليس مثله في النّوع، ولا مشابهه في الطّبع.


1 . لاحظ : شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 278 ـ 279 .


صفحه 349

قال: وأمّا المقدّمة الأُخرى، وهي أن لا شيء لا يكون موضوعاً للشيء، هذا إذا قيل أنّه كأنّه عنه وهو موجود فيه .

وأمّا إذا كان الوضع أنّ الشّيء كان عن لا شيء، بعد لا شيء لم يصر لا شيء موضوعاً للشيء، والأولى أن يقال حينئذ، لا عن شيء حتّى لا تقع هذه الشّبهة. انتهى». (1)

والشيخ نبّه في "الإشارات (2) " على فساد المذهب الأوّل بما شرحه: «أنّ النّار الكثيرة الّتي تنفصل عن خشبة الغَضا، وتبقى في ظاهر جمرها وباطنها، لا يمكن أن تكون موجودة بالفعل في باطنها على سبيل الكُمون غير محرقة إيّاها، بل لو لم تكن في الغضا إلاّ النّاريّة الباقية بعد التجمّر، لامتنع التّصديق بوجودها بالفعل فيه وجوداً لا يبرزه الرضّ والسحق، ولايدرك باللّمس والنّظر.

فكيف يمكن أن تصدّق بوجود جميع تلك النّاريّة الّتي انفصلت عنها حالة الإشتعال مع هذه الباقية ؟

وكذلك النّاريّة الفاشية في الزّجاج الذّائب لو كان قبل ذلك في الزّجاج موجوداً، لكان مُبْصِرَاً، كما كان بعد البروز، إذ هو شفّاف لا يمنع البصر عن النّفوذ فيه والإحساس لما في باطنه.

واعترض عليه الإمام: بأنّ حرارة الأدوية الحارّة كالفرفيون إنّما تكون


1 . ملخّصاً، لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 2 / 94 ـ 95 / الفصل الثّالث من الفنّ الثّالث .
2 . الإشارات والتّنبيهات: 228 .


صفحه 350

لكثرة الأجزاء النّاريّة فيها مع أنّها غير ظاهرة للحسِّ عند السحق والرضّ.

فَلِمَ لا يجوز أن يكون هاهنا مثله ؟

فإن قيل: ليس فيها أجزاء ناريّة ،لكنّها تسخّن بدن الحيّ عند انفعاله عنها بالخاصيّة، كان قولاً بأنّها تسخّن بالخاصيّة لا بالكيفيّة، وهذا خلاف ما قالته الأطبّاء.

وأجاب عنه: بأنّ الأجزاء النّاريّة الّتي في الفرفيون ربّما لا تظهر للحسّ، لكونها منكسرة الكيفيّة للمزاج، فإن قالوا بمثله ; ناقضوا مذهبهم، وإلاّ لزمهم ما مرّ ».(1)

وعلى بطلان المذهب الثّاني بخمسة أُمور من المشاهدات:

الأوّل: أنّ السّخونة يحدث بالحركة العنيفة فيما يغلب عليه أحد العناصر الثّلاثة الباقية من غير حصول ناريّة (2) غريبة يمكن نفوذها في المتسخّن، كالمَحْكُوك، وهو الشّيءُ اليابسِ الصُلبِ الّذي يُماسّهُ مِثْلهُ مماسّةً عنيفةً كخشبتين يابستين، فإنّ المحكوك منها تحمى، بل تحترق من غير نار، وهو ممّا يغلب عليه الأرضيّة .

وكالمُتَخَلْخِل، وهو الّذي يجعل قوامه بالقسر دقيقاً متخلخلاً كهواء الكير بالحاح النفخ فيه، ومنع الهواء الخارج من الدّخول عليه، فانّه يتسخّن


1 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 282 ـ 283 .
2 . في المصدر: «من غير وصول نار».


صفحه 351

لا محالة، لأنّ الحركة الشّديدة المقتضية لرقّة القوام وتخلخله تقتضي السخونة أيضاً .

وكالمَخَضْخَض، وهو الجسم الرّطب كالماء ونحوه الّذي تحرك تحريكاً شديداً، فإنّه يتسخّن أيضاً .

الثّاني: أنّ المايعين المتشابهين إذا سخنا في إنائين أحدهما مستحصف ; أي مستحكم الجرم، كالنحاس مثلاً، والثاني متخلخل; أي مشتمل على الفرج، والمسامات الصّغيرة كالخزف .

فلو كان التسخُّن بنفوذ النّار وفشوها في المائع; لوجب أن يتسخّن الّذي في المتخلخل قبل الآخر، لسهولة النفوذ فيه دون الآخر، وليس الأمر كذلك .

الثّالث: أنّ الإناء المصموم المقدوم يجب على تقدير هذا المذهب أن يمنع عن تسخنّ ما فيه تسخنّاً بالغاً، لامتناع دخول شيء يعتدّ به إلاّ بعد خروج شيء يعتدّ به منه، إذ التّداخل محال، وليس كذلك.

الرّابع: القماقم الصيّاحة إذا ملئت ماء وسدّ رأسها سدّاً محكماً، ووضعت على نار قويّة، فإنّها تنشقّ بعد صيرورة أكثر مائها ناراً، وتصيح صيحة عظيمة هائلة، فحدوث السخونة والنّار في داخلها مع امتناع دخول النّار فيها، وخروج الماء منها يدلّ على الاستحالة والكون معاً.

الخامس: أنّ الجمد مبرّد ما يوضع فوقه والأجزاء الباردة لا تتصعد بالطبع، بل تنزل ولا قاسر هناك، فإذن هو للاستحالة.(1)


1 . لاحظ : شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 279 ـ 282 .


صفحه 352

المسألة السّابعة

في اختلاف المزاج(1)

قال: ثُمّ تَختلف الأمزجة في الإعداد بحسب قُربها وبُعْدها من الاعتدال، مع عدم تناهيها بحسب الشّخص، وإن كان لكلّ نوع طرفا إفراط وتفريط وهي تسعة.

أقول: إنّ هذه المسألة في الإشارة إلى أنّ اختلاف المركّبات أجناساً وأنواعاً، بل أصنافاً وأشخاصاً، إنّما هو لاختلاف الأمزجة الّتي بها يستعدّ الممتزج لفيضان صورة مِن واهبِ الصُّور جلّ قدسه.

وأشار إليه بقوله: ثمّ تختلف الأمزجة في الإعداد بحسب قربها وبعدها من الاعتدال، مع عدم تناهيها بحسب الشخص .

بيان ذلك: أنّ المركّبات التامّة ـ أعني: ما له صورة حافظة للتّركيب ـ ثلاثة:

ذو صورة لا نفس له، ويسمّى معدنيّاً.


1 . راجع لمزيد التحقيق حول هذا المبحث : تلخيص كتاب المزاج لجالينوس: 75 ـ 162 ; ومقالة في أصناف المزاج لجالينوس: 374 ـ 386 ; وطبيعيّات الشّفاء: 2 / 133 / الفصل السّابع من الفنّ الثّالث ; المعتبر في الحكمة: 2 / 168 / الفصل الثّالث إلى التّاسع من الجزء الثّالث; والمباحث المشرقيّة: 2 / 150 / الباب الثّالث من الفنّ الأوّل ; والتّحصيل: 729 / الفصل الثّاني من الباب الثّاني; وايضاح المقاصد: 361 ـ 363 ; وشرح حكمة العين: 595 ـ 620 ; ورسالة المزاج لصدر المتألهين (= ضمن كتاب مجموعة رسائل فلسفيّة): 407 ـ 425.


صفحه 353

وذو صورة، هي نفس غاذية ونامية، ومولّدة للمثل، لا حسّ ولا حركة إراديّة له، ويسمّى نباتاً .

وذو صورة، هي نفس غاذية ونامية، ومولدة للمثل، وحسّاسة، ومتحرّكة بالإرادة، ويسمّى حيواناً.

وجميع هذه الصّور كمالات أولى مختلفة.

فإنّ الكمال: ينقسم إلى منوّع; هو صورة كالإنسانيّة، وهو أوّل شيء يحلّ في المادّة، وإلى غير منوّع ; هو عرضٌ كالضّحك ،وهو كمال ثان يعرض للنّوع بعد الكمال الأوّل.

فهذه الصّور كمالات مختلفة الآثار يصدر من الحيواني ما يصدر من النّباتيّ، ومن النبّاتيّ ما يصدر من المعدنيّ، من غير عكس.

وكلّ واحد من هذه الثّلاثة جنس لأنواع لا ينحصر بعضُها فوقَ بعض .

وكذلك يشتمل كلّ نوع على أصناف، وكلّ صنف على أشخاص لا حصر لها بحيث لا يتشابه اثنان من الأنواع، ولا من الأصناف، ولا من الأشخاص .

وليس هذا الاختلاف بسبب الهيولى، ولا بسبب الجسميّة، فإنّهما مشتركان، ولا بسبب المبدأ المفارق، فإنّه كما سنبيّن موجود أحدي الذّات متساوي النسبة إلى جميع المادّيات.

فهو إذن بسببِ أمور مختلفة في الهيولى بعد الصّورةِ الجسميّةِ، هي


صفحه 354

هذه الصّور الأربع النّوعيّة الّتي أجسامُها موادّ المركّبات كما مرّ.

والاختلاف ليس بسبب هذه الصوّر أنفسها، لأنّ الاختلاف الّذي يكون بسببها لا يزيد على أربعة، فهوإذن بحسب أحوالها في التّركيب، وفيما يعرض بعد، والتّركيب يختلف باختلاف مقادير الأسطقسّات في القلّة والكثرة بقياس بعضها إلى بعض اختلافاً لا نهاية له، ويختلف ما يعرض بعد التركيب باختلاف ذلك لا محالة.

فتلك الاختلافات الغير المتناهية هي أسباب اختلاف المركّبات، كذا في "شرح الإشارات "(1).

ثمّ نقول: تلك الاختلافات ـ أعني اختلافات مقادير الأسطقسّات ـ إنّما تصير أسباباً لاختلاف المركّبات، لأنّها أسباب لاختلاف الأمزجة، لأنّ المزاجَ هي الكيفيّةُ المتوسطةُ بين كيفيّات تلك المقادير.

ثمّ اختلاف الأمزجةِ سببٌ لاختلاف المركّبات، لكون المزاج معدّاً لفيضان الصّورة التركيبّية على الممتزج.

وبيان ذلك الإعداد على ما في "شرح الإشارات" هو: «أنّ انكسار تضادّ الكيفيّات واستقرارها على كيفيّة متوسّطة وحدانيّة نسبة مآلها إلى مبدئها الواحد وبسببها يستحقّ أن يفيض عليها صورة، أو نفساً تحفظها، فكلّما كان الانكسار أتمّ كانت النسّبة أكمل، والنّفس الفائضة بمبدئها أشبه ».(2)


1 . لاحظ: شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 268 ـ 270 .
2 . شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 287 .


صفحه 355

ومعناه أنّ اجتماع الكثرة في وحدة نسبة زائدة لتلك الكثرة على ما كان لكلّ واحد من تلك الكثرة مع المبدأ.

ولا محالة هذه النّسبة الزّائدة أتمّ وأكمل من الّتي لكلّ منها، وهذه الأتميّة مختلفة، اختلاف تلك الوحدة في الشدّة والضّعف.

فكلّما كانت الوحدة أتمّ ـ وذلك بأن يكون الانكسار أتمّ كانت المناسبة أتمّ ـ فتكون الصّورة الفائضة بحسبها أكمل .

فلا يرد ما أورده المحقّق الدّواني: من أنّ هذه الوحدة لو كانت مستدعية للإفاضة المذكورة، لكان استدعاء الوحدة المتحققة في كلّ عنصر على حدةِ، لذلك أولى، لأنّ وحدتها أكمل فليس .

ومع ذلك فقد أجاب عنه سيد المدققين بمنع الأولويّة، إذ لا وحدةَ هناك، كيف وكلّ عنصر مشتمل على كيفيّتين، هذا.(1)

قال الشّيخ في " الإشارات " مطابقاً لكلام الفارابي(2): «أنظر إلى حكمة الصّانع: بدأ فخَلَقَ أُصولاً; فخَلَق منها أمزجةً شتّى، وأَعدَّ كلَّ مزاج لنوع;


1 . لاحظ : شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصّدر: 236.
2 . فإنّه قال في المختصر الموسوم بعيون المسائل بهذه ا لعبارة: حكمة الباري تعالى في الغاية لأنّه خلق الأُصول وأظهر منها الأمزجة المختلفة، وخصّ كلّ مزاج بنوع من الأنواعِ وجعل كلّ مزاج كان أبعد عن الاعتدال سبب كلّ نوع كان أبعد عن الكمال، وجعل النّوع الأقرب من الاعتدال مزاج البشر حتّى يصلح لقبول النّفس النّاطقة. لاحظ: عيون المسائل: 73 ـ 74 / برقم 19.


صفحه 356

وجَعل إخراج (1) الأمزجةِ عن الاعتدال لإخراج (2) الأنواعِ عن الكمال; وجعل أقربَها من الاعتدال الممكن مزاجَ الإنسان، ليستوكره نفسه الناطقة».(3)

واعترض الإمام على قوله (4): «وأقربها من الاعتدال الممكن مزاج الإنسان» بأنّ المباحث الطبيّة شهدت بأنّ أعدل الأعضاء جلد الأصابع، وأخرجها عن الاعتدال القلب، فكان ينبغي أنْ تتعلّق النفس بتلك الجلدة لا بالقلب».

أجاب عنه المصنّف: «بأنّ كون جلد الأصابع أعدل الأعضاء لا يقتضي كونه أعدل الأمزجة على الإطلاق .

فإنّ الأعضاء من حيث هي أعضاء ليست بقريبة من الاعتدال لغلبة الجزأين الثّقيلين عليها، وأيضاً ليست الأعضاء ممّا تتعلّق بها النّفس أوّلاً، والمزاج المستعدّ لقبول الصّورة الحيوانيّة فضلاً عن الإنسانيّة ليس هو مزاجُ الأعضاء، بل هو مزاجُ الأرواح الّتي تقرب الأجزاء الثّقيلة والخفيفة فيها من التّساوي.

فهي أوّل شيء تتعلّق النّفوس به، ثمّ إنّ تلك النّفوس تحتاج بسبب محافظة تلك الأرواح وإكمالها الشّخصي والنّوعي أوّلاً إلى عضو يحصر


1 . في المصدر: «أخرج» .
2 . في المصدر: «لأخرج» .
3 . الإشارات والتّنبيهات: 229 .
4 . أي الشيخ الرّئيس .


صفحه 357

تلك الأرواح، ويمنعها عن التّفرّق هو القلب.

ثمّ إلى عضو يغذّيها هو الكبد، وإلى عضو يعدّها لأن تصير مبدأً للحسّ والحركة هو الدّماغ.

ثمّ إلى سائر الأعضاء عضواً بعد عضو بحسب حاجاتها في أفعالها المختلفة المترتّبة إلى أن تنتهي إلى جلد الأنملة وغيره.

فيتمّ بجميع ذلك الشّخص على التفصيل المذكور في كتب الطّب. انتهى» .(1)

فإن قلت(2): «قد صرّح الشّيخ في مواضع من كتاب " القانون ": «أنّ الرّوح والقلب أحر ما في البدن» (3) حارّان جدّاً مايلان إلى الإفراط، فالقول بقرب الخفيف والثّقيل فيهما إلى التّساوي ممّا ينافيه .

بل الحقّ في الجواب: أنّ كلام الشّيخ في الاعتدال النّوعي لا العضوي، فإن تعلّق النّفس إنّما يكون بمجموع البدن ضرورة أن تعلّقها بحسب التّدبير والتصرّف، وذلك لا يتمّ إلاّ بأعضاء آلية .

فالمزاج المعدّ لفيضان النّفس ليس مزاج عضو من الأعضاء، بل هو مزاج جميع البدن ـ أعني: أمزجة الأعضاء ـ وذلك المزاج أقرب إلى الاعتدال من أمزجة الأنواع .


1 . شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 287 ـ 289 .
2 . نقله صاحب المحاكمات وأجاب عنه. لاحظ: المحاكمات بين شرحي الإشارات المطبوع مع شرح الإشارات: 2 / 288 .
3 . القانون في الطّب: 1 / 23 / الفصل الثّاني من التعليم الثالث من الفنّ الأوّل من الكتاب الأوّل .


صفحه 358

وأمّا أن أوّل تعلّق النّفس بالرّوح أو القلب، فذلك هو بحث آخر، وإنّما ذهبوا إليه، لأنّ تعلّق النّفس للاستكمال، والاستكمال به إنّما يكون بالأعمال والحركات الصّادرة من الأرواح الّتي منشأها القلب».(1)

قلت: أمّا المنافاة، فمنتفيةٌ بأنّ معنى كون حرارة القلب غالبة مثلاً أنّها غالبة على حرارة سائر الأعضاء، لا أنّها غالبة على البرودة الّتي في القلب، لينافي القول بكون الخفيف والثّقيل فيه قريباً من التّساوي، كيف ولو كان كذلك لم يكن الأجزاء الباردة في القلب أكثر من الأجزاء الحارّة مع غلبة الأرضيّة فيه.

وأمّا الجواب: فهو الّذي أشار إليه المصنّف ـ كما لا يخفى على المتأمّل وكون متعلّق النفس أوّلاً هوالرّوح ـ لا ينافيه، وليس ذلك بحثاً آخر، بل إشارة إلى تفصيل التعلّق بمجموع البدن إجمالاً، فليتدبّر جدّاً .

وإن كان لكلّ نوع طرفا إفراط وتفريط ; إشارة إلى أنّ أمزجة كلّ نوع من المركّبات، وإن كانت غير محصورة بحسب الأشخاص، لكنّها محصورة بين طرفي إفراط وتفريط، إذا خرج المزاج عنهما لم تكن مزاج ذلك النّوع .

بيان ذلك: أنّ لكلّ نوع مزاجاً يناسب آثاره وخواصّه المطلوبة منه، لكن ليس لهذا المزاج حدّ معيّن لا يتجاوزه إلى جانبيه، إذ ليس أفراد نوع واحد كالإنسان مثلاً على أمزجة متساوية في الحرارة، وسائر الكيفيات .

كيف والشّخص الواحد يتفاوت مزاجه في الكيفيّات المتقابلة بحسب


1 . انتهى كلام صاحب المحاكمات .


صفحه 359

أسبابه المختلفة، بل كلّ نوع من المركّبات له مزاجٌ محصورٌ بين طرفين، إذا جاوزهما هلك، مثلاً مزاج الإنسان يحتمل زيادة الحرارة إلى حدّ معيّن لو تجاوزه لم يكن مزاج الإنسان، بل ربّما كان مزاج نوع آخر كالأسد .

وكذا يحتمل نقصان الحرارة إلى حدّ معيّن، لو تجاوزه كان مزاج نوع آخر كالثّعلب، فلو حصل شيء من هذين المزاجين للإنسان هلك، وهكذا في سائر الكيفيّات .

وبهذا الاعتبار ـ أعني: باعتبار انحصار مزاج كلّ بين الطّرفين ـ يتوهّم بينهما امتداد يسمّى عرض المزاج النّوعي.

وهي ;(1) أي الأمزجة بحسب الوقوع على الاعتدال والخروج عنه أقسام تسعة(2)، لأنّ مقادير الكيفيّات المتضادّة في الممتزج إن كانت متساوية، فالمزاج معتدل، وهو قسم واحدٌ، وإن لم يكن متساوية، فالمزاج غير معتدل وهو على ثمانية أقسام، لأنّ الخروج عن التّساوي :

إمّا بكيفيّة واحدة من الأربع، وهو أربعة أقسام .

وإمّا بكيفيتين غير متضادّتين منها، لامتناع الخروج بالمتضادّين، وهو أربعة أقسام أُخر فالمجموع تسعة.

والمشهور أنّ المزاج المعتدل غير موجود، كما يدل عليه كلام "الإشارات "المنقول من قوله: «وجعل أقربها من الاعتدال الممكن مزاج الإنسان».(3)


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
2 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
3 . الإشارات والتنبيهات: 228.


صفحه 360

وقال المصنّف في شرحه: «إنّما قال ذلك(1)، لأنّ الاعتدال الحقيقيّ عنده ليس بموجود».(2)

وهذا من المصنّف يدلّ على خلاف فيه .

وعلى هذا يكون التّقسيم إلى التّسعة بمجرّد الاحتمال العقلي كما صرّح به في "القانون"(3) .

واستدل على المشهور بأنّ الأجزاء حينئذ تكون مساوية الميول إلى أحيازها الطّبيعيّة، فلا يقسّر بعضها بعضاً، فيتفرق قبل حصول الفعل والانفعال المستدعي زماناً لا محالة، وبأنّه لا يكون له حينئذ مكان طبيعيّ لإمكان أحد بسائطه، لعدم الترجيح، ولا غيره للزوم الخلاء قبل حدوثه (4) كما مرّ.

واجيب (5) عن الأوّل: بمنع استلزام التّساوي في مقدار الكيفيّات التساوي في مقدار الميول، لما مرّ في مبحث المكان (6) على أنّه ربّما يحصل بقاء الاجتماع بأسباب خارجة كأصل الاجتماع.


1 . أي أقربها من الاعتدال الممكن.
2 . شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 287 .
3 . أنظر: القانون في الطّب: 1 / 19 ـ 23 / الفصل الأوّل من التّعليم الثالث من الفنّ الأوّل من الكتاب الأوّل .
4 . أي حدوث المركّب.
5 . أجاب الشّارح القوشجي. لاحظ: شرح تجريد العقائد: 178 ـ 179 .
6 . لاحظ : ص 200 / المبحث الخامس .


صفحه 361

وعن الثّاني: بما مرّ (1) أيضاً، وقد يطلق المعتدل على ما يوفّر عليه من كيفيّات العناصر وكميّاتها القسط الّذي ينبغي له، ويليق بحاله،(2) ويقيّد بالطّبي (3) كالأوّل بالحقيقي .(4)

والمعتدل على الأوّل يكون مشتّقاً من التّعادل بمعنى التّساوي، وعلى الثّاني من العدل في القسمة، وغير المعتدل بهذا المعنى أيضاً ثمانية أقسام، وعلى هذا تكون الأقسام كلّها موجودة.

فإن قيل: في كون غير المعتدل بهذا المعنى موجوداً تأمّلٌ لأنّ كلّ مخلوق قد وفّر القسط اللاّئق به بحسب نوعه أو صنفه أو شخصه ضرورة، وإلاّ لم يكن ذلك النّوع، أو الصنّف أو الشخص.

قلنا: إنّما يلزم ذلك لو كان القسط اللاّئق بحال الشّيء معناه أن يكون من مقوّماته، ولم يكن ممّا يتفاوت ويقبل الزِّيادة والنِّقصان وهو غيرُ لازم.

واعترض (5) على حصر الغير المعتدل الطّبي في ثمانية: بأنّ الخروج هاهنا بكيفيتين متضادتين ممكن، فيجوز بواحدة وباثنتين وبالثلاث وبالأربع .


1 . في كلام المصنّف (رحمه الله) .
2 . ويكون أنسب بافعاله مثلاً: شأن الأسد الجرأة والإقدام، وشأن الإرنب الخوف والجبن، فيليق بالأوّل غلبة الحرارة وبالثّاني غلبة البرودة.
3 . أي المعتدل بالمعنى الثّاني يقال له المعتدل الفرضي والطّبي.
4 . أي المعتدل بالمعنى الأوّل يقال له المعتدل الحقيقي.
5 . والمعترض هو أبو الحسن علي بن عمر الكاتبي في المنصّص في شرح الملخّص. لاحظ: شرح المقاصد: 3 / 220 .


صفحه 362

فالأوّل: ثمانية أقسام حاصلة من ضرب أربع هي عدد الكيفيّات في اثنين هما الزّيادة والنقصان.

والثّاني: أربعة وعشرون قسماً حاصلة من ضرب ستة هي اعتبار كلّ من الأربع مع كلّ من الثلاثة الباقية في أربعة، هي زيادة الكيفيتين ونقصانهما، وزيادة كلّ منهما مع نقصان الأُخرى .

والثّالث: اثنان وثلاثون قسماً حاصلة من ضرب أربعة، هي اعتبار كل واحدة من متضادّتين: إمّا مع المتضادّتين الباقيتين جميعاً، وإمّا مع مضادّتها واحدة من الباقيين فقط في ثمانية هي زيادة الكيفيات الثّلاث ونقصانها وزيادة كل من الثلاثة مع نقصان الأُخريين.

والرّابع: ستّة عشر على عدد الحالات الممكنة، وهي زيادة الكيفيّات الأربع ونقصانها، أو زيادة كلّ منها مع نقصان الثّلاثة الباقية وبالعكس، فهذه عشرة وزيادة كلّ اثنين مع نقصان الآخرين، وهذه ستّة، لأنّ الاثنين: إمّا الفاعلتان، وإمّا المنفعلتان، وإمّا كل من الفاعلتين مع كلّ من المنفعلتين .

وأجيب(1): بان الاعتدال الطّبي في المزاج مبنيّ على التّناسب بين الكيفيّات على الوجه الّذي ينبغي، فإذا كان اللاّئق بحال المركّب أن تكون مثلاً حرارته ضعف برودته، ورطوبته ضعف يبوسته، فهذه النّسبة ما دامت تكون مرعية كان مزاجه معتدلاً.

ولا يقدح في ذلك أن تكون الأجزاء الحارّة مثلاً عشرين، والباردة


1 . لاحظ: شرح تجريد العقائد: 180 .


صفحه 363

عشرة، أو الحارّة ثلاثين، والباردة خمسة عشر، إلى غير ذلك ممّا روعي فيه تلك النّسبة.

وأمكن أن يتركّب منه نوع ذلك المركّب، فلا يتصوّر حينئذ بزيادة الأجزاء الحارّة والباردة كون المركّب أحرّ وأبرد ممّا ينبغي، لأنّ كون الحرارة ضعف البرودة إن كان باقياً مع تلك الزيّادة كان المزاج معتدلاً، وإن لم يكن باقياً معها.

فأمّا أن تكون الحرارة أقلّ من الضّعف، فيكون أبرد ممّا ينبغي، أو أكثر، فيكون أحرّ ممّا ينبغي، فظهر أنّ الخارج عن الاعتدال الطّبي ثمانية، كما أنّ الخارج عن الاعتدال الحقيقي كذلك .


صفحه 364

صفحه 365

الفصل الثالث

 

في بقية أحكام الأجسام

وهي أحكامها العامّة، أي الأحوال الّتي تعرضها من حيث هي أجسام، كما مرّت الإشارة إليه غير مرّة.

وفيه مسائل:


صفحه 366

صفحه 367

المسألة الأُولى

في وجوب تناهي الأبعاد(1)

قال: وتشترك الأجسامُ في وجوب التّناهي لوجوب اتّصاف ما فرض له ضدّه به عند مقايسته بمثله مع فرض نقصانه عنه .

ولحفظ النّسبة بين ضِلْعَي الزّاوية وَمَا اشتملا عليه مع وجوب اتّصاف الثّاني به .

أقول: إنّ هذه المسألة في إثبات تناهي الأبعاد وكون وجوب تناهي الأبعاد من أحكام الجسم إنّما هو بالنّظر إلى أنّ البعد المتحقّق بلا خلاف هو البعدُ الجسميُّ بخلاف الخلاء.

وإليه أشار بقوله: وتشترك الأجسام كلّها في وجوب التّناهي; أي تناهي


1 . راجع لمزيد التحقيق في هذا البحث : طبيعيّات الشّفاء: 1 / الفصل السابع ـ العاشر من الفنّ الأوّل من المقالة الثّالثة ; وشرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 59 ـ 89 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 356 ـ 370 / البحث التاسع من المقالة الأُولى من الفصل الثالث ; والمباحث المشرقية: 1 / 192 ـ 203 / الفصل الحادي عشر من الفنّ الأوّل; وأبكار الأفكار في أُصول الدّين: 2 / 305 ـ 315 ; وشرح المقاصد: 3 / 92 ـ 103 ; والحكمة المتعالية في الأسفار: 4 / 21 ـ 29 ; وشرح المواقف: 7 / 236 ـ 244 / المقصد السابع من المرصد الثّاني من الموقف الرّابع ; وايضاح المقاصد: 171 ـ 180 / المسألة الثالثة من البحث السابع من المقالة الثالثة .


صفحه 368

أبعادها، فإنّ التّناهي وعدمه ممّا يعرضان بالذّات للكمّ وبواسطته لغيره.

ونقل (1) القول بلا تناهي الأبعاد عن حكماء الهند وجماعة من المتقدمين، وأبي البركات من المتأخّرين، وغيرهم من الحكماء والمتكلّمين على امتناعه لوجوه:

الأوّل: برهان التطبيق: وقد مرّ (2)، وتقريره هاهنا: أنّه لو كانت الأبعاد غير متناهية، فلنا أن نفرض خطّاً غير متناه من مبدأ معيّن ونفرض خطّاً آخر غير متناه بعد ذلك المبدأ بذراع مثلاً، ثمّ نطبق الثّاني على الأوّل، فلا بدّ وإن ينقطع الثّاني، وإلاّ يلزم أن يكون النّاقص مثل الزّائد وهو محالٌ.

وإذا انقطع الثّاني يصير متناهياً، والأوّل زائد عليه بمقدار متناه، وهو ذراعٌ، فيكون الأوّل أيضاً متناهياً، فيلزم تناهيهما على تقدير لا تناهيهما، فيلزم اجتماع المتقابلين وهو محال، وما يلزم منه المحال فهو أيضاً محال.

وإلى هذا أشار بقوله: لوجوب اتّصاف ما فرض له ضدّه، أي ضدّ التَّناهي وهو عدم التّناهي به (3); أي بالتّناهي وهو متعلّقٌ بالاتّصاف فيلزم اجتماع المتقابلين.

وذلك الوجوب إنّما هو عند مقايسته (4); أي مقايسة هذا الّذي فرض


1 . نقله العلاّمة في كشف المراد; وفي نهاية المرام في علم الكلام: 1 / 356، وفخر الدّين الرّازي في محصّل أفكار المتقدمين والمتأخرين: 100.
2 . في الجزء الثّاني من هذا الكتاب: 338 .
3 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
4 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 369

له ضدّ التّناهي، أي هذا المفروض غير متناه بمثله (1); أي بغير متناه آخر مع فرض نقصانه(2)، أي نقصان ذلك الآخر عنه ; أي عن الغير المتناهي المفروض أوّلاً.

الثّاني: البرهان السّلمي: وحاصله أنّه لو كانت الأبعاد غير متناهية، لزم إمكان انحصار الغير المتناهي بين حاصرين وهو محالٌ بالبديهة.

وجه اللّزوم على ما هو موروث عن القدماء، هو أنّا نخرج من نقطة خطين متباعدين، كساقي مثلّث، فلا شكّ أنّهما كلّما يمتدان يزداد البُعد بينهما، فلو امتدّا إلى غير النّهاية كانت زيادة البُعد بينهما إلى غير النّهاية.

وأورد عليه الشّيخ في " الشّفاء ": «أنّه ليس إذا كان البُعد دائماً يزيد يجب أن يحصل هناك بعد غير متناه، بل يكون التزايد ذاهباً إلى غير النّهاية، وكلّ زيادة، فهي بمتناه على متناه; فكلّ بعد يكون متناهياً.

وهذا كما تعرفه في أمر العدد أنّه يقبل الزيّادة إلى غير النّهاية، ويكون كلّ عدد يحصل متناهياً، ولا يتحصل عدد لا نهاية له، لأنّه لا يزيد عدد في النّظام الغير المتناهي على عدد قبله إلاّ بمتناه.

قال: فهذا ما عندي، وعسى أن يكون عند غيري وجه محقّق لبيان ذلك.

ثمّ قال: فإن اشتهى أحد أن يبيّن أنّه لابدّ من بُعد غير متناه بين الخطّين، فليس طريق البيان ما يقولون، ما لم يحصّل فيه على وجهه، ولا يقدر أن غيرنا يحصله، بل يجب أن يقولوا هكذا: لنفرض بعداً بين نقطتين


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .
2 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 370

من الخطّين الذاهبين إلى غير النّهاية متقابلتين، ولنصل بينهما بخطٍّ يكون وتراً لزّاوية التّقاطع، فلأنّ ذهاب الخطّين في زيادة البُعد هو إلى غير النّهاية.

فإذا الزّيادات على ذلك البُعد موجودة بغير النّهاية، ويمكن أن توجد متساوية، ولأنّ الزّيادات الّتي توجد على ما تحت تجتمع بالفعل فيما هو فوق، مثلاً أنّ زيادة الثّاني على الأوّل موجودة للثّالث مع زيادة أُخرى، فيجب أن تكون الزّيادات الغير المتناهية موجودة بالفعل في بُعد من الأبعاد.

وذلك: لأنّ الزّيادات بالفعل موجودة، وكلّ زيادة بالفعل موجودة، فهي توجد لواحد، فيلزم أن يكون بعد موجود فيه زيادات غير متناهية بالفعل متساوية، فيكون ذلك البعد زائداً على المتناهي الأوّل بما لا نهاية له، فيكون بعداً غير متناه، لكنّه إذا فصل على هذا الوجه كان الخلف ظاهراً، ليس يحتاج فيه إلى الحركة، لأنّ هذا الغير المتناهي لا يمكن أن يوجد إلاّ بين الخطّين، فيكون متناهياً وغير متناه، وهذا محال. انتهى» .(1)

فقد زاد الشّيخ على ما كان في الأصل أُموراً:

أحدها: تحصيل البعد الاصليّ، وذلك بفرض نقطتين متقابلتين وصل بينهما بخطّ يكون وتراً لزاوية التّقاطع.

وثانيها: اعتبار وجود الزّيادات الغير المتناهية بالفعل على ذلك البُعد.

وثالثها: اعتبار كون تلك الزّيادات بقدر واحد، وإنّما اعتبره ليظهر كون المشتمل على غير المتناهي منها غير متناه، فإنّها لو كانت متناقصة لم


1 . طبيعيّات الشّفاء: 1 / 215 / الفصلّ الثّامن من المقالة الثّالثة .


صفحه 371

يظهر، بل لم يصح، ولم يعتبر كونها متزايدة لاشتمالها على المتساوية، فإذا ظهر الخلف في المتساوية يكون ذلك في الزائدة أظهر.

ورابعها: اعتبار اجتماع زيادة كلّ بُعد مع زيادةِ بُعد فوقه، فلزم اجتماع جميع زيادات تحتانيّة في بعد فوقها، وبهذا إندفع عنه المنع الّذي أورده هو على القدماء، لأنّ كون كلّ زيادة في بُعدِ فوقه يستلزم كون مجموع زيادات في بُعد فوقها، ولمّا كان جميع الزيادات الغير المتناهية أيضاً مجموع زيادات، وجب كونه أيضاً في بُعد .

وذكر في " الإشارات (1) " هذه الأُمور في المقدّمات، ثمّ ركّب الحجّة منها، لكن لمّا كان هذا الحكم ـ أعني: كون كلّ مجموع في بُعد ظاهراً في المجموعات المتناهية الآحاد دون المجموع الغير المتناهي الآحاد لمعارضة الوهم فيه العقل ـ فيقبل (2) المنع بحسب الظاهر، ولهذا قال الإمام: «وجميع هذه المقدّمات جليّةٌ إلاّ مقدمّةً واحدةً وهي قولنا: ولمّا كان كلّ واحدة من تلك الزّيادات حاصلة في بعد، وجب أن يكون الكلّ حاصلاً في بعد، فإنّ للمطالب أن يطالب عليه بالدّليل. وهذه المقدّمة إن أمكن إثباتها بالبُرهان استّمر البُرهان وإلاّ سَقَطَ . انتهى» .(3)

ولا ينفع في دفع هذا المنع ما قاله المصنّف : «من أنّ الشّيخ لم يجعل كون الكلّ حاصلاً في بُعد معلّلاً بكون كلّ واحد حاصلاً في بُعد فقط، بل


1 . لاحظ: الإشارات والتنبيهات: 194 ـ 195 .
2 . قوله: «فيقبل» جواب لقوله «لمّا كان».
3 . انظر: شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 67 .


صفحه 372

جعله معلّلاً بكون كلّ واحد وكلّ مجموع يمكن أن يوجد أيضاً حاصلاً في بُعد»(1).

استدل في " الإشارات " عليه بقوله: «وإلاّ فيكون إمكان وقوع الأبعاد إلى حدٍّ ليس للزائد عليه إمكان».(2)

يعني لو لم يكن جميع تلك الزّيادات في بُعد كان ذلك لأجل أن يكون هناك بُعد لا يكون ما فيه من الزيادة في بعد آخر فوقه، بأن لا يكون بُعد آخر فوقه، فيكون إمكان الأبعاد المفترضة بينهما محدوداً بحد معيّن، لا يمكن أن يوجد ما هو أزيد منه، وهو خلافُ ما فَرَضناه في المقدّمات، هذا.

فإن قيل(3): الحجّة مبنيّة على فرض بُعد هو آخر الأبعاد، وذلك لا يمكن إلاّ مع فرض تناهي الإمتدادين، إذ لو كانا غير متناهيين لكان لا بُعد إلاّ وفوقه بُعد، فلا يوجد بعد هو آخر الأبعاد، فإذن دليلكم مبنيٌّ على مقدّمة لا يمكن إثباتها إلاّ بعد إثبات المطلوب .

قلنا: لا نسلّم كون الحجّة موقوفة على فرض بُعد هو آخر الأبعاد، بل هو موقوفةٌ على إمكان فرض الإمتدادين على الوجه المذكور، وفرض عدد الأبعاد الغير المتناهية، وفرض عدد الزّيادات الغير المتناهية، وكلّ ذلك لاشكّ في صحته .

ثمّ يلزم بعد ذلك أن يكون تلك الزّيادات الغير المتناهية موجودة في


1 . انظر: شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 67 .
2 . الإشارات والتّنبيهات: 195 .
3 . نقله المصنّف في شرح الإشارات وأجاب عنه. لاحظ: شرح الإشارات: 2 / 70 .


صفحه 373

بُعد واحد، ويلزم كون هذا البعد آخر الأبعاد كما يلزم كونه غير متناه، ومحصوراً بين حاصرين، فكما لا يضرّنا هذا لا يضرّنا ذاك.

والحاصل: أنّه فرق بين كون الحجّة مبنيّة على فرض أمر مناف لفرض الحجّة، وبين كون الحجّة مستلزمة لأمر مناف لفرضها، والّذي يضرّ الحجّة هو الأوّل دون الثّاني، فإنّ جميع الحجج الخلفية من هذا القبيل .

واعلم: أنّ المؤنة كلّ المؤنة في تتميم هذا البرهان إنّما هوالزام كون بعد واحد، مشتملاً على الزيادات الغير المتناهية بحيث ينحسم منازعة الاوهام عنه.

وهذا قد استصعب على القوم غاية الإستصعاب ولو شئت نظرت إلى " شرح الإشارات (1) " و "المحاكمات (2) " في هذا ا لباب .

ولقد استقصينا الكلام في حواشينا على ذلك " الشرح " (3) في كلّ قشر ولباب.

وعندي أنّ ذلك ليس بتلك المثابة، فإنّ بُعد فرض كون الأبعاد والزّيادات إلى غير النّهاية، ولزوم كون كلّ زيادة في بُعدِ فوقها يلزم لا محالة أن يزداد البُعد الأصل إلى غير النّهاية، فيصير غير متناهية، لأنّ الزّائد زيادات بقدر واحد إلى غير النّهاية غير متناه بالضرورة، هذا.


1 . لاحظ: شرح الإشارات والتنبيهات: 2 / 60 ـ 73 .
2 . المحاكمات في شرحي الإشارات: 2 / 60 ـ 73 .
3 . لم نعثر عليه.


صفحه 374

الثّالث: البرهان التّرسي: ثمّ إنّ لأجل عظم هذه المؤنة تصرّفوا في هذا البرهان واخترعوا براهين أخر يقرّب منه ليخف المؤنة.

فأوّل من تصرّف فيه ولخّصه هوصاحب الإشراق في " المطارحات (1) ": ففرض بعد ما بين الخطّين بقدر امتدادهما فلو امتدّا إلى غير النّهاية امتدّ البُعد بينهما إلى غير النّهاية بالضّرورة .

ولما كان في إمكان ذلك المفروض نوع خفاء، حاول (2) سلوك طريق يوجب كون زاوية مبدأ الخطين ثلثي قائمة، ليلزم ذلك للزوم تساوي الزّاويتين الحادثتين من الخطّ الواصل بين كلّ نقطتين متقابلتين من ساقي المثّلث، ولزوم كون زوايا المثلّث مساوية لقائمتين، فيلزم كون كلّ من الزّاويتين ثلثي قائمة، ويلزم من تساوي الزّوايا تساوي الأضلاع، كلّ ذلك بما بيّنه إقليدس .

فاخترع (3) البرهان الترسيّ، وتقريره: أنّا نخرج من مركز جسم مستدير كالتّرس ستّة خطوط قاسمة له إلى ستّة أقسام متساوية، فيكون كلّ من الزّوايا السّت ثلثي قائمة، لأنّ مجموع البُعد المحيط على كلّ نقطة منقسم إلى أربع قوائم، فإذا قسّم ستّة أقسام متساوية يصير كلّ قسم ثلثي قائمة.

وكذا كلّ من الزّاويتين الحادثتين من الخطّ الواصل بين الضّلعين كما


1 . لم نعثر عليه في المطارحات لكنه موجود في رسالة الأَلواحُ العِماديّة: 8 ـ 9 / اللّوح الأوّل .
2 . أي صاحب الإشراق .
3 . أي صاحب الاشراق.


صفحه 375

مرّ، فيصير كلّ قسم مثلّثاً متساوي الزّوايا والأضلاع ويلزم من امتداد الضّلعين إلى غير النّهاية امتداد بعد ما بينهما إلى غير النّهاية مع كونه محصوراً بين حاصرين .(1)

وعلى هذا البرهان حمل الشّارح القديم والمحشّي الشّريف(2) قوله: ولحفظ النسبة بين ضلعي الزّاوية وما اشتملا عليه، أي بعد ما بينهما مع وجوب اتّصاف الثّاني; أي ما اشتملا عليه به، أي بالتناهي، وذلك بحمل الزّاوية على زاوية تكون بمقدار ثلثي قائمة، ولا يخفى بعده، والظّاهر أنّ هذا تصرّف آخر في البرهان السّلمي .

الرّابع: برهان حفظ النّسبة: وبرهان آخر ينبغي أن يسمّى ببرهان حفظ النّسبة، وتقريره: أنّ كلّ زاوية لضلعيها نسبة ما إلى بُعد بينهما وتلك النّسبة محفوظة بالغاً ما بلغ.

يعني إذا امتدّا عشرة أذرع، وكان بُعد ما بينهما حينئذ ذراعاً، فإذا امتدّا عشرين ذراعاً كان بُعد ما بينهما ذراعين، وإذا امتدّا ثلاثين كان ثلاثة أذرع، وهكذا.

ولا شك أنّ بُعد ما بينهما متناه لكونه محصوراً بين حاصرين، فإذا ذهب الضّلعان إلى غير النّهاية يلزم أن يكون نسبة المتناهي ـ أعني: الإمتداد الأوّل وهو عشرة أذرع في هذا الفرض ـ إلى المتناهي ـ أعني: البعد الأوّل


1 . لاحظ: شرح المقاصد: 3 / 97 ـ 98 .
2 . لاحظ : شرح المواقف: 7 / 241 ـ 242 .


صفحه 376

وهو ذراع بالفرض ـ كنسبة غير المتناهي ـ أعني: الضّلعين الذّاهبين إلى غير النّهاية ـ إلى المتناهي ـ أعني: بعد ما بينهما هذا خلف .

والعجب أنّ صاحب المواقف أورد هذا الّذي ذكره المصنّف بعبارة أُخرى فقال: «الرّابع: نفرض ساقي مثلّث كيف اتّفق، فللانفراج إليها نسبة محفوظة بالغاً ما بلغ، فلو ذهبا إلى غير النهاية لكان ثمة بعد متناه، نسبته إلى غير المتناهي كنسبة المتناهي إلى المتناهي. انتهى».(1)

والظّاهر أنّه قد أخذه من كلام المصنّف .

وقد شرحه المحقّق الشّريف (2) بما ذكرناه في شرح كلام المصنّف زاعماً أنّه تلخيصٌ فعله صاحب المواقف للبرهان السّلمي ولم يتفطّن أنّه هو معنى كلام المصنّف، فحمله على ما حمله، هذا.

واعلم: أنّ هذه الثلاثة ـ أعني البرهان السّلمي، والبرهان التٌّرسي، وبرهان حفظ النّسبة ـ إنّما تدلّ بحسب الظّاهر على امتناع لا تناهي الأبعاد من جميع الجهات، أو من جهتين، لا على امتناعه في جهة واحدة، كان يفرض أسطوانة غير متناهية ضرورة توقّف ذهاب الضّلعين متباعدة إلى غير النّهاية على اللاّتناهي في جانب العرض أيضاً إلاّ أنّه يمكن دفعه عن برهان حفظ النّسبة، فإنّ كون النّسبة محفوظة بالغاً ما بلغ لا يتوقّف على ذهاب الضّلعين جميعاً إلى غير النّهاية، بل يجب حفظ النّسبة مع انتهاء أحد الضّلعين أيضاً .


1 . المواقف في علم الكلام: 255 .
2 . لاحظ: شرح المواقف: 7 / 241 .


صفحه 377

وأمّا ما أورده الشّارح القوشجي على الثّلاثة: «بأنّ الاستحالة (1) إنّما نشأت من فرض أمرين (2) متناقضين كفرض وجود زيد مع عدمه، فإنّ وجود خطٍّ واصل بين الضّلعين يستحيل مع عدم تناهيهما، فإنّ الخطّ الواصل بينهما إنّما يصل بين نقطتين منهما، فهما ينتهيان بتينك النّقطتين، لكون كلّ منهما محصوراً بين حاصرين» .(3)

فأجاب عنه سيّد المدققين: «بأنّا لا نفرض مع فرض الخطّين أن يكون بين طرفيهما خطّ واصل حتّى كنّا فرضنا أمرين متناقضين، بل فرضنا ضلعي زاوية مطلقة، أو مخصوصة هي ثلثا قائمة غير متناهيين على تقدير لا تناهي الأبعاد.

ومن البيّن جواز ذلك على التقدير المذكور، ويلزم من ذلك أن يكون بينهما انفراج يكون نسبته إلى الضّلعين المفروضين نسبة متناه إلى متناه، وانفراج يصح معه أن يفرض خطّ مساو للضّلعين المفروضين، وكلّ منهما مستلزم للخلف، هذا».(4)

لكن يرد مثل الإيراد المذكور على ما قيل (5): من أنّه يمكن إثبات امتناع


1 . أي ما لا نهاية له محصوراً بين حاصرين.
2 . وهوكون السّاقين غير متناهين مع كونهما مثلين بالخطّ الواصل .
3 . شرح تجريد العقائد: 181 .
4 . شرح تجريد العقائد مع حاشية المحقّق الدّواني والسيّد الصّدر: 241 .
5 . القائل هو الميرزاجان حبيب الله الباغنوي الشيرازي المتوفّى (994 هـ) في حاشيته على شرح تجريد العقائد: ص 241. لاحظ : ترجمته في معجم المؤلفين: 3 / 188 ; والكنى والالقاب: 3 / 221.


صفحه 378

اللاّنهاية في الأسطوانة، بأن يفرض أحد ضلعي المثلث ما يساوي طول الأسطوانة، والآخر ما يسعه عرضها، فحينئذ نقول: مجموع الضّلعين المتناهيين أطول من الضّلع الغير المتناهي الطولي، وأيضاً كونه محصوراً بين حاصرين، وذلك، لأنّ فرض كون أحد أضلاع المثلث غير متناه، أو فرض كون غير المتناهي أحد أضلاع المثّلث فرض أمرين متناقضين بلا شبهة.

الخامس الثّالث (1): برهان المسامتة: وتقريره: أنّا إذا فرضنا كرة خرج عن مركزها قطر متناه مواز لخط غير متناه، وتحرّكت الكرة حتّى زالت الموازاة إلى المسامتة فلابدّ أن يوجد في الخطّ الغير المتناهي نقطة هي أوّل نقطة المسامتة، لأنّ المسامتة ما كانت ثمّ حصلت، فيكون لها أوّل بالضّرورة.

لكن وجود أوّل نقطة المسامتة في الخطّ الغير المتناهي محالٌ، لأنّ كلّ نقطة تفرض في الخطّ الغير المتناهي أوّل نقطة المسامتة يكون المسامتة معها بحركة، وبزاوية حادثة في المركز، والزاويّة والحركة قابلتان للقسمة إلى غير النّهاية .

والمسامتة ببعض كلّ واحدة منهما قبل المسامتة بكلّها وهي مع نقطة أُخرى فوق تلك النقطة المفروضة .

فإمّا أن تسامتهما معاً وهو ضروري البطلان.

أو تسامت التّحتانيّة دون الفوقانيّة، فيلزم الطّفرة.


1 . على بيان الشارح .


صفحه 379

أو تسامت الفوقانيّة قبل التّحتانية، فما فرض أوّل نقطة المسامتة لايكون أوّل نقطة المسامتة، هذا خلف.

فإن قيل: ما ذكرتم في بيان بطلان التالي دالّ على بطلان الملازمة، لأنّه لو تحرّك القطر لم يجب أن يكون في الخطّ الغير المتناهي نقطة هي أوّل نقطة المسامتة، لأنّ مسامتة القطر إنّما يكون بزاوية وحركة منقسمتين، فكل نقطة تفرض أوّل نقطة المسامتة لم تكن أوّلاً .

وأيضاً هذه الدّلالة يتوقّف على انقسام الزاوية والحركة إلى غير النّهاية وهو يستلزم عدم تناهي الأبعاد، لأنّا إذا فرضنا أطول الأبعاد ـ أعني: قطر العالم ـ وتحرّك قطر الكرة من الموازاة إلى المسامتة يحدث زاوية في المركز، ولنفرض أنّ المسامتة بتلك الزّاوية مع طرف قطر العالم ولكن المسامتة ببعضها قبل المسامتة بكلّها، ولابدّ أن يكون مع نقطة أُخرى.

ولمّا انقسمت الزّاوية إلى غير النّهاية كانت هناك مسامتات مع نقاط غير متناهية فوق طرف القطر، فيكون القطر ممتدّاً إلى غير النّهاية.

وأيضاً لا نسلّم أنّ المسامتة ببعض الزاوية قبل المسامتة مع النقطة المفروضة.

وإنّما يكون كذلك لو وجد هناك مسامتة ببعض الزاوية.

وإنّما يكون كذلك لو وجد بعض الزّاوية، لكنّ الزّاوية منقسمة بالقوّة لا بالفعل .


صفحه 380

فالشّبهة إنّما وردت من وضع ما بالقوّة مكان ما بالفعل، ولو كان كذلك لامتنع حركة القطر على قوس من الدّائرة، بل حركة متحرّك، لأنّ الحركة إلى نصف القوس قبل الحركة إلى كلّها، والحركة إلى نصف نصفها قبل الحركة إلى نصفها، فيتوقّف قطع المسافة على حركات غير متناهية وأنّه محال.

قلنا: أمّا الإعتراض الأوّل: فينبغي أن يحمل على المعارضة في المقدمة لا على منع الملازمة، فإنّه غير موجّه حيث استدللنا عليها بأنّ المسامتة ما كانت ثمّ حدثت. وإذا حمل على المعارضة.

فالجواب عنها: أوّلاً بالنّقض بكلّ قياس استثنائي استثنى فيه نقيض التّالي، فإنّه لو صحّ ما ذكر، لصحّ فيه الاستدلال على نفي الملازمة بما ذكر في بيان استحالة اللاّزم.

ثمّ بالحلّ: بأنّ هذا لا ينفي الملازمة، لأنّ الملزوم المحال جاز أن يستلزم النّقيضين، على أنّا نقول: لو كانت الأبعاد غير متناهية، وتحرّك القطر من الموازاة إلى المسامتة: فإمّا أن يوجد أوّل نقطة المسامتة في الخطّ الغير المتناهي أو لا يوجد، وكلاهما محال، ويبطل الإعتراض بالكليّة.

وأمّا الثّاني فالجواب عنه: أنّ المسامتة بالنّقطة الموهومة المحضة والاختراعيّة البحتة ممّا لا اعتبار له، بخلاف المسامتة مع النّقطة المفروضة في بعد موجود، وبُعد طرفِ قطر العالم لا يوجد ملأ ولا خلأ، فكيف يتصوّر فرض النّقطة هناك؟


صفحه 381

وهل هذا إلاّ مثل فرض النّقطة في المجردّات؟ بل هذا أقرب، لأنّه موجود، والأوّل معدوم صرف.

والحاصل: أنّ الحكم بوجود نقطة المسامتة في الخطّ، وإن كان وهميّاً، لكنّه لمّا كان مطابقاً لما في نفس الأمر يصحّ ذلك الحكم لا محالة، بخلاف الحكم بوجود نقطة المسامتة فيما وراء طرف قطر العالم، فإنّه ليس له منشأ انتزاع أصلاً، ولا يصحّ ذلك الحكم، فلا يلزم عدم تناهي الأبعاد في نفس الأمر.

وأمّا الجواب عن الثّالث: فهو أنّ انقسام الحركة والزّاوية وإن كان بالقوّة لا بالفعل، لكنّ الحكم به يطابق لما في نفس الأمر، وبذلك يسقط منع كون المسامتة ببعض الزّاوية قبل المسامتة بكلّها مع النّقطة المفروضة، ولكون هذا الانقسام غير خارجيّ، وغير واقع بالفعل لم يلزم امتناع حركة القطر على قوس من الدّائرة ولا امتناع الحركة وقطع المسافة المتناهية مطلقاً.

لا يقال: وجود نقطة المسامتة لمّا كان في الوهم، سواء كان الخطّ متناهياً، أو غير متناه، قلنا أن نفرض أوّل نقطة المسامتة في الخط الغير المتناهي أيضاً، إذ لا منع عن الفرض .

لأنّا نقول: فرض أوّل نقطة المسامتة في الخطّ الغير المتناهي وإن كان ممكناً، لكنّه لا يمكن أن يتعيّن نقطة في الوهم للأوّليّة، إذ كلّ نقطة تفرض أوّلاً يمكن فرض نقطة أُخرى قبلها في الخطّ الغير المتناهي،


صفحه 382

بخلاف المتناهي، فإنّ النّقطة الّتي انتهى الخطّ في الخارج، هي المتعيّنة في الوهم، لكونها أوّل نقطة المسامتة، إذ لا يمكن فرض نقطة قبلها فرضاً صحيحاً .

واعلم، أنّ هذه الحجّة ضعيفة، لأنّ المسامتة المذكورة ـ أعني: مسامتة الخطّ مع الخطّ ـ من قبيل الحادث في نفس الزّمان الّذي قد عرفته، فلا تستدعي إلاّ أن يكون لها زمان هو أوّل أزمنة وجودها، فلا يكون المسامتة الحادثة فيه مسبوقة بمسامتة في زمان سابق عليه .

فإذا وجدت كانت المسامتة حاصلة في كلّ آن يفرض في ذلك الزّمان وتلك الآنات المفروضة فيه غير متناهية لا تقف عند حدّ فكذا المسامتات المتوهمة فيها كلّ واحدة منها إنّما هي مع نقطة أُخرى، فلا يتعيّن نقطة أولى يقف الوهم عندها.

والسّر في ذلك: أنّ المسامتة، أعني: كون الخطّين بحيث لو أخرجا، أو أحدهما لتلاقيا ضدّ الموازاة، فبأدنى حركة ينتقل الخطّ المذكور من الموازاة إلى المسامتة، ففي كلّ آن من الآنات المفروضة في زمان هذه الحركة غير آن طرفه يصدق على الخطّ المذكور أنّه مسامت للخطّ الآخر، وغير مواز له، ولهذا ينتقض هذه الحجّة بالخطّين المتناهيين، ولعلّ لضعفها لم يتعرّض المصنّف لها.

السّادس: برهان الموازاة: وقد يتصرّف في هذه الحجّة أيضاً، وأوّل من تصرّف فيها صاحب التلويحات، فأخذ منها برهان التخلّص.


صفحه 383

وتقريره: أنّا نفرض خطّاً غير متناه منطبقاً على قطر كرة مقاطعاً لخط آخر غير متناه.

ثم نفرض حركة الكرة إلى الموازاة، فلا بدّ من أن يتخلّص أحد الخطّين عن الآخر ليحصل الموازاة، وهو لا يتصوّر إلاّ بنقطة هي طرف أحد الخطّين، وقد فرضناهما غير متناهيين، هذا خلف .

ويرد عليه منع إمكان الحركة على الغير المتناهي.

وأمّا إيراد هذا المنع في برهان المسامتة على ما فعله أبو البركات، وتبعه صاحب المطارحات، فلا وجه له، لأنّ المفروض هناك حركة قطر لكرة وهو متناه.

ثمّ تصرّف فيه صاحب المحاكمات فقال: ونحن نقول: «بازاء هذا البرهان لو فرضنا قطر الكرة مسامتاً لخطٍّ غير متناه، ثمّ تحرّك القطر إلى الموازاة، وجب أن يكون في الخطّ الغير المتناهي نقطة في آخر (1) نقطة المسامتة وهو باطل .

بيان الملازمة: أنّ المسامتة لو كانت وما بقيت، فلا بدّ أن يكون لها نهاية.

وأمّا بطلان اللاّزم، فلأنّ كلّ نقطة تفرض في الخطّ الغير المتناهي أنّها آخر نقطة المسامتة، فالمسامتة مع النّقطة الّتي فوقها بعد المسامتة معها، لأنّ النّقطة المفروضة تكون على سَمْت من سموت المسامتة، وكلّ سَمْت


1 . في د : « هي» كما في المصدر .


صفحه 384

مسامتة، فبينه وبين سمتّ الموازاة زاوية وحركة للقطر قطعاً، والمسامتة ببعض تلك الزاّوية، و (1) ببعض تلك الحركة يكون بعد المسامتة بها، فما فرضناه آخر نقطة المسامتة لا يكون آخر نقطة المسامتة وهو محال.

وإذا كان ذلك البرهان برهان المسامتة، فلنسم هذا برهان الموازاة. انتهى» .(2) ويرد عليه أيضاً ما ورد على برهان المسامتة.


1 . في المصدر: «أو».
2 . المحاكمات بين شرحي الإشارات: 2 / 70 ـ 71 .


صفحه 385

المسألة الثانية

في اختلاف الأجسام وتماثلها

قال: واتحاد الحدّ وانتفاء القسمة فيه، يدّل على الوحدة .

أقول: اعلم، أنّ المتكلّمين (1) القائلين بتركّب الجسم من الأجزاء الّتي لا يتجزأ ذهبوا إلى أنّ تلك الأجسام كلّها متماثلة; أي متّحدة في تمام الحقيقة.

فالنّار كالماء، والفلك كالعنصر في الذّات والحقيقة، وإنّما التّمايز بينها بعوارض لازمة، أو مفارقة، لا بأُمور مقومّة ذاتيّة .

وخالفهم النّظام في ذلك وقال: بتخالفها. وزعموا(2) أن هذا أصل يبتني عليه كثير من قواعد الإسلام، كإثبات القادر المختار، وكثير من أحوال النبّوة والمعاد.


1 . لاحظ: قول المتكلمين في الكتب التالية: نهاية المرام في علم الكلام: 2 / 573 ـ 577 ; والمطالب العالية من العلم الألهي: 6 / 189 ـ 191 / الفصل الثاني من المقالة الثالثة; وأنوار الملكوت في شرح الياقوت: 2 / 21 / المسألة الثالثة من المقصد الثّاني; أوائل المقالات للشيخ المفيد: 95 ; وإشراق اللاّهوت في نقد شرح الياقوت: 59 ـ 64 / المسألة الثالثة من المقصد الثاني; ومناهج اليقين في أُصول الدّين: 43 ـ 44 ; والمحيط بالتكليف: 198 / الفصل الثّاني من السفر الخامس; وأُصول الدين للبغدادي: 52 ـ 55 .
2 . الأشاعرة: لاحظ: شرح المقاصد: 3 / 83 ـ 84 ; وشرح تجريد العقائد: 181 ـ 182 .


صفحه 386

فإنّ اختصاص كلّ جسم حينئذ بصفاته المعيّنة لابدّ أن يكون لمرجّح مختار، لكون نسبة الموجب إلى الكلّ على السّواء، ولما جاز على كلّ جسم ما يجوز على الآخر، كالبردُ على النّار، والخرق على السّماء، ثبت جواز ما نقل من المعجزات وأحوال القيامة.(1)

واستدلوا بوجوه:

الأوّل: التباس الأجسام بعضها ببعض عند إستوائها في الأعراض.

الثّاني: إستوائها في قبول جميع الأعراض .

الثالث: اشتراكها في الحيّز، ولا معنى للجسم إلاّ الحاصل في الحيّز. ولا يخفى ضعف الجميع.

وذهب إلى هذا المذهب ـ أعني: إلى تماثل الأجسام في تمام الماهيّة ونفي الصّورة النّوعيّة الجوهريّة ـ صاحب الإشراق(2) من الحكماء، ولما كان هذا المذهب سخيفاً جدّاً استبعد المصنّف نسبته إلى العلماء، بل حمل مذهبهم في التماثل على مذهب الحكماء، أعني: الإتّحاد في الحقيقة الجسميّة لا في تمام الماهيّة، وحمل مذهب النظّام على المخالفة في الحقيقة الجسميّة.

فقال في "تلخيص المحصّل": «الحد الدالّ على الماهيّة الجسم على اختلاف الأقوال فيه واحدٌ عند كلّ قوم بلا وقوع القسمة فيه.


1 . لاحظ: محصل أفكار المتقدّمين والمتأخرين: 98 ـ 99 .
2 . انظر: حكمة الإشراق: 74 ـ 76 .


صفحه 387

ولذلك اتّفق الكلّ على تماثله، فإنّ المختلفات إذا اجتمعت في حدٍّ واحد وقع فيه التّقسيم ضرورةً، كما يقال: إنّ الجسم: إمّا القابل للأبعاد، أو المشتمل عليها ويراد بها الطّبيعي والتّعليمي، والنظّام يقول بتخالفها لتخالف خواصّها، وذلك يوجب تخالف الأنواع لا تخالف المفهوم من الحدّ. انتهى».(1)

وإلى هذا أشار بقوله: واتحاد الحدّ وانتفاء القسمة فيه; أي في الحدّ يدلّ على الوحدة .

قال شارح المقاصد: «ومن أفاضل الحكماء من توهم ـ ويعني به المصنّف ـ أنّ المراد بتماثلها اتّحادها في مفهوم الجسم، إن كانت هي أنواعاً مختلفة .

ثمّ قال: ومنشأ هذا التوّهم استبعاد أن يذهب عاقل إلى أنّ الماء والنّار حقيقة واحدة، لا يختلف إلاّ بالعوارض كالإنسان دون الفصول، والمنوّعات كالحيوان، كيف ولم يسمع نزاع في أنّ الجسم جنسٌ بعيدٌ. انتهى» .(2)


1 . تلخيص المحصّل: 210 .
2 . شرح المقاصد: 3 / 84 .


صفحه 388

المسألة الثالثة

في بقاء الأجسام (1)

قال: والضّرورة قضت ببقائها.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان أنّ الأجسام باقية زمانين وأكثر ولا يتجدّد آنا فآناً، كما قالت الأشاعرة في الأعراض، خلافاً للنظّام .(2)

وإليه الإشارة بقوله: والضرورة قضت ببقائها.

قال شارح المقاصد: «بمعنى أنّا نعلم بالضّرورة أن كتبنا وثيابنا وبيوتنا ودوابّنا هي بعينها الّتي كانت من غير تبدّل في الذّات، بل إن كان ففي العوارض والهيئات، لا بمعنى أنّ الحسّ يشاهدها باقية ليرد الاعتراض بأنّه يجوز أن يكون ذلك بتجدّد الأمثال كما في الأعراض.

ثم قال: وما ذكر في عدم بقاء الأعراض من أنّها لو بقيت لامتنع فناؤها لما كان جارياً في الأجسام أيضاً على ما سبق .


1 . أنظر البحث في الكتب التالية: نهاية المرام في علم الكلام: 2 / 578 ـ 584 ; وشرح المواقف: 7 / 231 ـ 233 ; وإرشاد الطّالبين إلى نهج المسترشدين: 55 ـ 56 ; واوائل المقالات: 96 ـ 97 ; وكتاب الانتصار للخياط المعتزلي: 19 ـ 22 ; وشرح تجريد العقائد: 182 .
2 . لاحظ: محصّل أفكار المتقدمين والمتأخرين: 99 .


صفحه 389

اعتبر النظّام قيام الدّليل على صحّة فنائها، فالتزم أنّها لا تبقى زمانين، وإنّما يتجدّد بتجدّد الأمثال كالأعراض.

ثمّ قال: وزعم بعضهم أنّ قول النظّام بعدم بقاء الأجسام مبنيّ على أنّ الجسم عنده مجموع أعراض، والعرض غير باق أيضاً .

وقد نبهناك على أنّ مذهبه ليس أن الجسم عرض، بل أنّ مثل اللّون والطّعم والرّايحة من الأعراض أجسام، قائمةٌ بانفسها. انتهى ».(1)

وفي شرح الفاضل القوشجي نقلاًعن المصنّف: (2) أنّ هذا النّقل من النظّام غير معتمد عليه .

فقد قيل: إنّه قال باحتياج الأجسام إلى المؤثّر حال البقاء، فذهب وهم النَقَلة إلى أنّه لا يقول ببقائها، هذا» .(3)

ومنهم من حمل كلام المصنّف على البقاء بمعنى الدّوام وامتناع الفناء والانعدام، بل غاية أمرها التفرّق والانقسام .

كذا نقله شارح المقاصد: ثمّ قال: «وأنت خبيرٌ: بأنّ دعوى الضّرورة في ذلك في غاية الفساد، كيف وقد صرّح بجوازه في بحث المعاد؟» (4)


1 . شرح المقاصد: 3 / 85 ـ 87 .
2 . لاحظ: نقد المحصّل: 211 .
3 . شرح تجريد العقائد: 182 .
4 . شرح المقاصد: 3 / 85 .


صفحه 390

المسألة الرابعة

في جواز خلوّ الأجسام عن بعض الكيفيّات (1)

قال: ويجوز خلوّها عن الكيفيّات المذوقة، والمرئيّة، والمشمومة كالهواء.

أقول: إنّ هذه المسألة في جواز خلوّ الأجسام عن بعض الكيفيات المحسوسة على ما قال: ويجوز خلوّها عن الكيفيّات المذوقة، أي الطّعوم .

والمرئيّة ; أي الألوان والأضواء .

والمشمومة; أي الرّوايح كالهواء فإنّه خال عن هذه الكيفيّات، لأنّا لا تحسّ بها، وعدم الاحساس فيما من شأنه أن يحسّ به من غير مانع يقتضي النّفي وإلاّ لأدّى إلى السفسطة .

ونقلوا عن الأشعري (2) الخلاف فيه، وهو سفسطة.


1 . راجع لمزيد الاطلاع حول هذا البحث : إشراقُ اللاّهوت في نقد شرح الياقوت: 64 ـ 66 / المسألة الرّابعة من المقصد الثّاني; واوائل المقالات: 96 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 585 ـ 592 ; وشرح الأُصول الخمسة: 111 ; والباقلاني وآراؤه الكلاميّة: 365 ; والشامل في أُصول الدّين: 98 ـ 107 ; ومقالات الإسلاميّين واختلاف المُصلّين: 310 ـ 312 .
2 . لاحظ: شرح تجريد العقائد: 182 ـ 183 ; ونقد المحصل: 212 ـ 213 ; قال البغدادي: ذهب شيخنا أبو الحسن الأشعري إلى استحالة تعري الأجسام من الألوان والأكوان والطّعوم والرّوائح. أنظر: كتاب أُصول الدين: 56 / المسألة العاشرة .


صفحه 391

المسألة الخامسة

في جواز رؤية الأجسام

قال: ويجوز رؤيتها بشرط الضوء واللّون، وهو ضروري.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان أنّ الأجسام مرئية بذواتها أم لا؟

وعند الحكماء (1): المرئي بالذّات هو الألوان والأضواء القائمة بسطوح الأجسام، والأجسام مرئيّة بالعرض لا بالذّات .

والمتكلّمون(2) : على أنّها مرئيّة بذواتها على ما قال: ويجوز رؤيتها بشرط الضوء واللّون، وهو ضروريٌّ.


1 . لاحظ تفصيل أنظارهم في الكتب التالية: نقد المحصل: 213 ـ 214 ; واشراق اللاّهوت في نقد شرح الياقوت: 66 ـ 68 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 2 / 593 ـ 596 ; ومقالات الإسلاميّين واختلاف المصلّين: 361 ـ 363 .
2 . المصدر السابق.


صفحه 392

المسألة السّادسة

في حدوث الأجسام كلّها(1)

قال: الأجسام كلُّها حادثة.

أقول: إنّ الأجسام كلّها حادثة على ما ذهب إليه الملّيّون.


1 . إنّ هذه المسألة من المسائل الشريفة وعليها تبتني قواعد الإسلام، وهي المعركة العظيمة بين المتكلّمين والحكماء وفيها أقوال ثلاثة :
   الأوّل: أنّ العالم محدث بذاته وصفاته، وهو مذهب المسلمين وغيرهم من أرباب الملل وبعض قدماء الحكماء .
   الثّاني: أنّه قديم بذاته وصفاته، وهو قول أرسطو وأتباعه، ومن المتأخرين قول أبو نصر الفارابي والشّيخ الرئيس .
   الثّالث: أنّه قديم بذاته وحادث بصفاته، وهو قول سقراط، انكسا غُوراس، فيثاغورس، تاليس الملطي، وجميع الثنوية، كالمانوية والدّيصانية والمرقونية والماهانية. لاحظ تفصيل مذهبهم في الكتب التالية: نقد المحصل: 189 ـ 209 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 3 / 4 ـ 183 ; وارشاد الطالبين: 66 ـ 69 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 35 ـ 43 ; وشرح المواقف: 7 / 220 ـ 231 ; واشراق اللاّهوت في نقد شرح الياقوت: 91 / المقصد الثالث ; والمعتبر في الحكمة: 3 / الفصل السابع والتاسع; والجمع بين رأيي الحكيمين: 58 ـ 65 ; والمطالب العالية من العلم الإلهي: 4 / القسم الأوّل والثّاني; نهاية الأقدام في علم الكلام: 5 / القاعدة الأُولى ; والحكمة المتعالية في الأسفار: 5 / الفصل الثالث والرابع من الفن الخامس; ولباب العقول في الرّد على الفلاسفة في علم الأُصول للمكلاتي: 61 ـ 108 ; وأُصول الدين للبغدادي: 59 / المسألة الحادية عشرة من الأصل الثّاني; والباقلاني وآراؤه الكلاميّة: 349 / الفصل الثالث ; ورسالة في الحدوث لصدر المتألهين: 152 ـ 241 / خاتمة الرسالة; والتذكرة في أحكام الجواهر والأعراض: 92 ـ 109 ; وقرة العيون في المعارف والحكم: 367 ـ 375 .


صفحه 393

وقد خالف فيه من أهل التّوحيد الحكماء، ومن غيرهم الدّهريّة، وهم جماعة منسوبة إلى الدّهر، لاسنادهم الحوادث إليه، ويبالغون في ذلك حتّى ظنّ أنّهم لا يثبتون صانعاً وراءه، كذا في الحواشي الشّريفيّة.

وتفصيل مذهب الحكماء: أنّ الأجسام الفلكيّة عندهم قديمة بموادّها وصورها وأعراضها من الضوء والشّكل، وأصل الحركة والوضع، والعنصريات قديمةٌ بموادّها لا بصورها إلاّ بحسب الجنس، بمعنى أنّها لم تزل عنصراً ما، وقدماؤهم على أنّ الأجسام قديمة بذواتها لا بصفاتها .

واختلفوا في تلك الذّوات الّتي ادّعوا قدمها أنّها جسمٌ، أو ليست بجسم، وعلى تقدير الجسميّة أنّها العناصر الأربعة جملتها، أو واحد منها، والبواقي حدثت منه بتلطيف أو تكثيف .

والسّماء من دخان مرتفع من ذلك الجسم، أو جوهرة غير العناصر حدثت منها العناصر، والسّموات، أو أجسام صغار صُلبة لا تقبل الانقسام إلاّ بحسب الوهم، وعلى تقدير عدم الجسميّة .

فقيل: نورٌ وظلمةٌ، حدث العالم من امتزاجهما.

وقيل: نفس وهيولى، تعلّقت الأُولى بالأُخرى، فحدثت الكائنات.

وقيل: وحدات تحيّزت فصارت نقطاً، واجتمعت النّقط فصارت خطّاً، واجتمعت الخطوط فصارت سطحاً، واجتمعت السطوح فصارت


صفحه 394

جسماً، كذا في " شرح المقاصد "نقلاً من كتب الإمام (1).

ثمّ قال: والظّاهر أنّها رموز وإشارات على ما هو دأب المتقدّمين من الحكماء، هذا .(2)

والمصنّف أشار إلى مذهب الملّيين بقوله: والأجسام كلّها حادثة; أي مسبوقة بالعدم سبقاً، لا يجامع السّابق المسبوق، وهذا هو المتبادر من المسبوقيّة بالعدم، وهو محلّ النّزاع، ويسمّون المسبوقيّة بالعدم بهذا المعنى حدوثاً زمانيّاً.

والعدم السّابق هذا السّبق قدماً زمانيّاً كلاهما بحسب الاصطلاح، لا بمعنى وجوب كون المسبوق مسبوقاً بالزّمان، أو كون العدم السابق واقعاً في الزّمان، لما مرّ في مباحث الأُمور العامة(3): «أنّ الزمان غير معتبر في مفهوم القدم والحُدوث الزّمانيين» لكن جماهير المتكلّمين، وغير المحقّقين منهم يجعلون هذا العدم السّابق أمراً متعدداً بحسب الوهم غيرقارّ الذّات، فلزمهم أن يقولوا بالزّمان الوهمي، وجميع شبه القوم، أو أكثرها إنّما ترتّبت على هذه الأوضاع، وذلك ليس ممّا يلزم أن يسلّم منهم ولا شيء من ذلك ممّا يمكن أن يكون حقّاً مطابقاً لما هو الأمر في نفسه، ولعلّك ستطّلع على حقيقة الأمر.


1 . لاحظ : محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين: 89 ـ 98 ; والمطالب العالية من العلم الإلهي: 4 / 19 ـ 23 .
2 . راجع: شرح المقاصد: 3 / 108 ـ 109 .
3 . لاحظ: الجزء الأوّل من هذا الكتاب : 387، المسألة السادسة والعشرون.


صفحه 395

وقد عرفت هناك أنّ المتكلّمين يسمّون هذا النّوع من السّبق إذا لم يكن بسبب وقوع كلّ من السّابق والمسبوق في الزّمان سبقاً بالذّات كما في سبق أجزاء الزّمان بعضها على بعض، ويجعلون سبق عدم الحادث الزّماني على وجوده من هذا النّوع، ويخصّون السّبق بالزّمان بما كان بسبب الوقوع في الزّمان، والقدم المقابل الحدوث بهذا المعنى هو القدم الزّماني .

وأمّا الحدوث الذّاتي، فهو المسبوقية بالعدم سبقاً لجامع السّابق المسبوق، ويقابله القدم الذاتي والعدم السّابق هذا السبق يسمّى عدماً ذاتيّاً، وهو من لوازم ماهيّة لممكن، وليس بجعل الجاعل.

وقد عرفت منّا أنّ سبقه على الوجود إنّما هو سبق بالماهيّة، وقيل أنّه سبق بالطبع، فكلّ حادث بالزّمان، فهو حادثٌ بالذّات من غير عكس، وكلّ قديم بالذّات قديم بالزّمان من غير عكس، فما هو قديم بالزّمان عند الحكماء من العالم حادث بالذّات .

وهم يكتفون بالحدوث الذّاتي في إثبات الصّانع، لكون علّة الحاجة إلى المؤثّر عندهم هو الإمكان كما مرّ .(1)

والمتكلمون يحتاجون إلى الحدوث الزّماني من جهتين:

إحداهما: جهة إثبات الصانع، لكون علّة الحاجة عندهم وهو الحدوث الزّماني .


1 . لاحظ: الجزء الأوّل من هذا الكتاب : 358، المسألة الثّانية والعشرون .


صفحه 396

والثّانية: جهة إثبات كون الصّانع مختاراً بالاختيار الّذي هو مرادهم، كما ستعلم.

ومن وافق الحكماء منهم في علة الحاجة كالمصنّف، فحاجته إلى الحدوث الزّماني إنّما هي من الجهة الثّانية فقط .


صفحه 397

براهين إثبات حدوث الأجسام (1)

قال: لعدم انفكاكها من جزئيّات متناهية حادثة.

فإنّها لا تخلو عن الحركة والسّكون، وكلٌّ منهما حادث، وهوظاهر.

وأمّا تناهي جزئيّاتهما (2)، فلأنّ وجود ما لا يتناهى محال للتطبيق.

ولوصف كلّ حادث بالإضافتين المتقابلتين، ويجب زيادة المتّصف بإحداهما من حيث هو كذلك على المتّصف بالأُخرى، فينقطع النّاقص والزّائد أيضاً .

والضّرورة قضت بحدوث ما لا ينفك من حوادث متناهية.

فالأجسام حادثة، ولمّا استحالة قيام الأعراض إلاّ بها، ثبت حدوثها.

أقول: وعمدة ما استدلّوا به على حدوث الأجسام، هو ما أورده


1 . لاحظ: تفصيل أدلّة المتكلّمين في هذا البحث في الكتب التالية: كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد: 135 ـ 147 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 3 / 15 ـ 135 / المسألة الثّانية المبحث السادس; ودلالة الحائرين لموسى بن ميمون: 1 / 214 ـ 221 ; والتوحيد للنيسابوري: 231 ـ 283 / باب في أنّ ما لم يخل من المحدث يجب أن يكون محدثاً; والمحيط بالتكليف: 65 ـ 73 ; وقواعد المرام في علم الكلام: 57 ـ 59 ; وأنوار الملكوت في شرح الياقوت: المسألة الأُولى من المقصد الثالث; واللّوامع الإلهيّة في المباحث الكلاميّة: 145 / اللاّمع السادس ; والمطالب العالية من العلم الإلهي: 4 / 245 ـ 322 / المقالة الأُولى والثانية من القسم الثاني; وشرح تجريد العقائد: 183 ـ 185 ; كتاب التوحيد لأبي منصور الماتريدي: 10 ـ 17 ; والبراهين في علم الكلام: 1 / 6 / المسألة الأُولى; مقالة في حدوث العالم لابن سوار البغدادي: 243 ـ 247 .
2 . في متن كشف المراد: «تناهي جزئيّاتها» والضّمير راجع إلى الأجسام .


صفحه 398

المصنّف وتقريره: أنّ الأجسام لا تخلو عن جزئيات متناهية حادثة، وكلّ ما كان لا تخلو عن جزئيّات متناهية حادثة، فهو حادثٌ، والأجسام كلُّها حادثةٌ.

أمّا الصّغرى ; وهي الّتي أشار إليها بقوله: لعدم انفكاكها عن جزئيّات متناهية حادثة، فلوجهين:

أحدهما: أنّ الأجسام لا تخلو عن الأعراض بالضّرورة، والأعراض كلُّها حادثةٌ، لعدم بقائها زمانين، كما هو مذهب الأشعري. ولمّا لم يكن هذا ـ أعني: عدم بقاء العرض زمانين ـ ثابتاً أعرض المصنّف عن هذا الوجه .

وثانيهما: أنّ الأجسام لا تخلو عن حركة وسكون، لأنّ كلَّ جسم فله وضعٌ وموضعٌ، فإن كان منتقلاً عن أحدهما كان متحرّكاً، وإلاّ كان ساكناً.

وكلّ جزئي من جزئيّات الحركة والسّكون حادثٌ، لأنّ الزّمان معتبرٌ في مفهوم كلّ منهما، وهو يقبل القسمة إلى أجزاء غير مجتمعة كلّ منهما زمان، فيكون كلّ منها أيضاً كذلك، فكل حركة مثلاً قابلة للقسمة إلى أجزاء كلّ منها حركة، فكلّ حركة مسبوقة :

إمّا بحركة أُخرى، أو بسكون، وكلّ منهما واقع في زمان سابق على زمان هذه الحركة، وكذا كلّ سكون مسبوق: إمّا بسكون آخر، أو بحركة على الصّفة المذكورة.

وإلى هذا الوجه أشار بقوله: فإنّها لا تخلو عن الحركة والسّكون، وكلّ منهما; أي كلّ جزئي من جزئيّاتهما بقرينة ما مرّ من قوله: «من جزئيّات متناهية» حادث، لكونه كما ذكرنا مسبوقاً لا محالة بجزئي آخر: إمّا من نوعه،


صفحه 399

أو من مقابله، ولذا قال: (1) وهو; أي حدوث كلّ منهما ظاهرٌ.

وهذا دليل آخر على إرادة حدوث كلّ جزئي من جزئيّات الحركة والسّكون. فإنّ هذا هو الظّاهر، كما بيّنا لا حدوث ماهيّة الحركة والسكون كيف ولو كان كذلك لم يحتجّ إلى التمّسك بتناهي الجزئيّات وإثباته الّذي هي المؤنة العظمى في هذه المسألة ببرهان التطبيق وغيره على ما قال: وأمّا تناهي جزئيّاتهما (2)، فلأنّ وجود ما لا يتناهى محال للتّطبيق على ما مرّ في مبحث إبطال التّسلسل ،(3) وقد عرفت هناك عدم كفايته في غير المجتمع من اللاّنهاية.

وقال المصنّف في " نقد المحصّل ": «الدليل الّذي اعتمد عليه جمهور المتكلمين في مسألة الحدوث يحتاج إلى إقامة حجّة على امتناع وجود حوادث لا أول لها في جانب الماضي .

فنورد أوّلاً; ما قيل فيه وعليه، ثمّ أذكر ما عندي فيه .

فأقول: الأوائل قالوا، في وجوب تناهي الحوادث الماضية: أنّه لمّاكان كلّ واحد منها حادثاً كان الكل حادثاً .

واعترض عليه: بأنّ حكم الكلّ يخالف الحكم على الآحاد.

ثمّ قالوا: الزيّادة والنّقصان يتطرّقان إلى الحوادث الماضية، فتكون


1 . أي المصنّف (رحمه الله) .
2 . أي جزئيّات الحركة والسّكون.
3 . انظر: الجزء الثّاني من هذا الكتاب: 334 / براهين إبطال التّسلسل .


صفحه 400

متناهية، وعُورِضَ بمعلومات الله ومقدوراته، فإنّ الأُولى أكثر من الثّانية مع كونهما غير متناهيين.

ثمّ قال المحصّلون منهم: الحوادثُ الماضيةُ إذا أُخذت تارةً مبتدأةً من الآن مثلاً ذاهبةً في الماضي، وتارةً مبتدأةً من قبل (1) هذا الوقت من السنّة الماضية ذاهبةً في الماضي، وطبّقت إحداهما على الأُخرى في التوهّم بأن يجعل المبدآن واحداً، وهما في الذّهاب إلى الماضي متطابقان استحال تساويهما ; وإلاّ كان وجود الحوادث الواقعة في الزّمان الذّي بين الآن وبين السّنة الماضية وعدمهما واحداً، واستحال كونُ المبتدأة من السّنة الماضية زائدة على المبتدأة من الآن، لأنّ ما ينقص من المتساويين لا يكون زائداً على كلّ واحد منهما، فإذن يجب أن يكون المبتدأة من السنّة الماضية أنقص من المبتدأة من الآن في ذلك الجانب.

ولايمكن ذلك إلاّ بانتهائها قبل انتهاء المبتدأة من الآن، ويكون الأنقص متناهياً، والزّائد عليه بقدر متناه يكون متناهياً، فيكون الكلّ متناهياً .

واعترض عليهم: بأنّ هذا التطبيق لا يقع إلاّ في الوهم، وذلك يكون بشرط ارتسام المتطابقين فيه، وغير المتناهي لا يرتسم في الوهم، ومن البيّن أنّهما لا يحصّلان في الوجود معاً، فضلاً عن توهّم التطبيق فيهما في الوجود، فإذن هذا الدّليل موقوفٌ على حصول ما لا يحصل، لا في الوهم ولا في الوجود.


1 . في المصدر: «من مثل».


صفحه 401

وأيضاً الزّيادة والنّقصان إنّما فرض في الطّرف المتناهي، لا في الطّرف الّذي وقع النّزاع في تناهيه، وهو غير مؤثّر فيه، فهذا حاصل كلامهم في هذا الموضع .

وأنا أقول: (1) إنّ كلَّ حادث موصوفٌ بكونه سابقاً على ما بعده وبكونه لاحقاً بما قبله، والاعتباران مختلفان.

فإذا اعتبرنا الحوادث الماضية المبتدأة من الآن تارةً من حيث كلّ واحد منها سابق، وتارةً من حيث هو بعينه لاحق، كانت السّوابق واللّواحق المتباينتان بالاعتبار متطابقتين في الوجود، ولا يحتاج في تطابقهما إلى توهّم التطبيق .

ومع ذلك يجب كون السّوابق أكثر من اللّواحق في الجانب الّذي وقع النّزاع فيه .

فإذن اللّواحق متناهية في الماضي، لوجوب انقطاعها قبل انقطاع السّوابق .

والسّوابق زائدة عليها بمقدار متناه فتكون متناهية أيضاً. انتهى كلام " نقد المحصل "(2) ».

فهذا الّذي عوّل عليه المصنّف فيه هو البرهان الّذي استخرجه من برهان التّطبيق، وقد مرّ في مبحث إبطال التسلسل .(3)


1 . من كلام المصنّف (رحمه الله) في نقد المحصل .
2 . نقد المحصل: 208 ـ 209 .
3 . لاحظ: الجزء الثّاني من هذا الكتاب: 352 / براهين إبطال التّسلسل .


صفحه 402

وقوله: «المبتدأة من الآن» يوهم دخول الحادث الآنيّ الّذي ليس إلاّ المسبوق المحض في الاعتبار، لكن يخرجه، قوله: «من كلّ واحد منها سابق تارةً ومن حيث هو بعينه لاحق».

وقد عرفت هناك أنّ هذا هو الفارق بين هذا البرهان (1) وبرهان التضايف الآتي بعده.

وعندي أنّ هذا البرهان أيضاً ليس بمعوّل عليه في تناهي الحوادث، لأنّ تطابق واحد بواحد وإن لم يحتج إلى توهّم تطبيق، لكن تطابق الجميع بالجميع ليظهر زيادة إحداهما على الأُخرى محتاج إلى ذلك لا محالة.

ولوصف (2) كلّ حادث بالإضافتين (3) المتقابلتين، ويجب زيادة المتّصف بإحداهما ـ من حيث هو كذلك ـ على المتّصف بالأُخرى، فينقطع النّاقص والزّائد (4) أيضاً .

هذا هو بُرهان التّضايف، ولم يذكره فيما سبق، وتقريره: أنّ كلّ واحد من آحاد السّلسلة سواء كانت مترتّبة من علل ومعلولات، أو من حوادث متعاقبة إلى ما لا نهاية لها متّصف بوصفين متقابلين تقابل التّضايف، هما السّابقيّة على ما بعده، والمسبوقيّة بما قبله ما عدا المعلول الأخير والحادث


1 . أي برهان التطبيق .
2 . هذا البرهان الثّاني في تناهي الحوادث وهو المسمّى بـ «برهان التّضايف».
3 . أي بالسابقيّة لما بعده والمسبوقيّة لما قبله .
4 . الناقص هو الّذي اتّصف بالسبق مثلاً وحده، والزائد هو ما اتّصف بالسبق واللّحوق معاً.


صفحه 403

اليومي، فإنّ كلاًّ منهما مسبوق محض وليس بسابق على شيء والمتضايفان متكافئان، بحيث يكون عدد أحدهما مساوياً لعدد الآخر، فلو لم ينته السّلسلة من الجانب الآخر، بحيث أن يكون عدد المسبوق من حيث هو مسبوق، أزيد من عدد السّابق من حيث هو سابق وهو محال، لوجُوب التكافؤ، فيجب أن ينقطع النّاقص وهو عدد السّابق ليحصل هناك سابق محض لا يكون مسبوقاً بشيء، ويحصل التكافؤ، فيجب انقطاع الزايد أيضاً، وهو عدد المسبوق، إذ لم يكن زيادة إلاّ بواحد والزائد على المتناهي بقدر متناه متناه بالظاهر وهو المطلوب .

وأقول: هذا البرهان أيضاً لا يجري في إثبات تناهي الحوادث المتعاقبة.

أمّا أوّلاً: فلأنّ ظهور الزّيادة والنّقصان في عدد المتضايفين يتوقّف على حصول تلك العدد في الوهم، حيث لا اجتماع لها في الوجود; وذلك ممتنع .

وأمّا ثانياً: فلأنّه إن أريد أنّ الحادث اليومي مسبوق محض، أي ليس بسابق على شيء مجامع معه في الوجود فلا نسلّم أنّه مسبوق أيضاً بشيء بهذا المعنى، وإن أريد مطلقاً، فهو سابق أيضاً على الحادث الّذي يأتي بعده، كما أنّه مسبوق بحادث مضي قبله، هذا.

وأمّا الكبرى، فضروريّ على ما أشار إليه بقوله: والضّرورة (1) قضت


1 . هذا كبرى القياس، أي لمّا بيّن أنّ الأجسام لا تنفك عن الحركة والسّكون، وبيّن حدوثهما وتناهيهما وجب القول بحدوث الأجسام، لأنّ الضّرورة قضت بحدوث ما لا ينفك عن حوادث متناهيةٌ.


صفحه 404

بحدوث ما لا ينفك من الحوادث المتناهية ، وإلاّ لزم انفكاكه عنها بالظاهر، فالأجسام حادثة، وهو المطلوب .(1)

ولمّا استحال قيام الأعراض ; أي الجسمانيّة، إلاّ بها ; أي بالأجسام ثبت حدوثها أيضاً، فثبت حدوث العالم الجسماني بأسره، بل العالم مطلقاً لعدم ثبوت المجرّدات العقليّة، ولحدوث النّفوس النّاطقة، كما سيأتيان جميعاً.(2)


1 . هذا نتيجة القياس، أي نتيجة ما ذكر من الدّليل، وهو القول بحدوث الأجسام.
2 . في هذا الجزء: 413 / الفصل الرابع .


صفحه 405

أدّلة القائلين بقدم الأجسام والردّ عليها (1)

قال: بل اختصّ الحدوث بوقته، إذ لا وقت قبله .

بل المختار يرجّح أحد مقدوريه لا لأمر مرجّح عند بعضهم .

والمادّة منفيّة .

والقبليّة لا تستدعي زماناً.

أقول: ولمّا أقام الحجّة على الحدوث أراد أن يشير إلى الجواب عن بعض شبه القدم الّتي هي أقواها .

وهي أربع شُبَه جميعها مبنيّة على كون الحدوث بمعنى المسبوقيّة بالعدم المقدّر بالزّمان الوهمي على ما هو من أوضاع المتكلّمين .

الأُولى: أنّ العالم لو كان حادثاً في وقت هو جزءٌ من الزّمان الوهمي مسبوق بأجزاء وهميّة غير متناهية على ما هو مذهبكم، مع تساوي نسبة


1 . راجع لمزيد الاطّلاع: حجج في قدم العالم لبرقلس (في ضمن كتاب الأفلاطونيّة المُحدَثَة عند العرب): 34 ـ 42 ; و نهاية المرام في علم الكلام: 3 / 136 ـ 179 / المسألة الثالثة من البحث السادس; والأسرار الخفيّة في العلوم العقليّة: 533 ـ 540 ; وقواعد المرام: 59 ـ 62 ; ونهاية الأقدام: 30 ـ 53 ; ولباب العقول: 95 ـ 108 ; ونقد المحصل: 205 ; بيان الفلاسفة في امتناع حدوث العالم ; والتوحيد للنيسابوري: 284 / فصل في ذكر شبههم ; وشرح الأُصول الخمسة: 115 ـ 120 ; المطالب العالية: 4 / 35 ـ 239 / المقالة الثانية إلى المقالة الثانية عشرة من القسم الأوّل; والتذكرة في أحكام الجواهر والأعراض: 102 ـ 109 ; والمسائل الخمسون: 22 ; والبراهين في علم الكلام: 1 / 27 ـ 39 .


صفحه 406

جميع الأجزاء إلى إمكان حدوثه فيه، لزم التخصيص بلا مخصّص وهو محالٌ بالضّرورة .

والجواب: منع تلك الأوضاع، بل اختصّ الحدوث بوقته المفروض المقّدر له، إذ لا وقت قبله، لا موجوداً وهو ظاهر، ولا مفروضاً، لأنّ الحدوث لا يستدعيه كما مرّ غير مرّة .

الثّانية: أنّ موجد الأجسام لا يجوز أن يكون مختاراً; لأنّ المختار لا يفعل إلاّ لغاية مرجّحة، فيلزم استكماله بالغير وهومحال، لكونه واجب الوجود كما سيأتي، بل يجب أن يكون موجباً، فأثره قديم لامتناع التخلّف كما مرّ.

والجواب: أنّا لا نسلّم أنّ المختار لا يفعل إلاّ لغاية مرجّحة، بل المختار يرجّح أحد مقدوريه لا لأمر مرجّح (1) عند بعضهم، وهو الأشعري(2) .

فإنّ الممتنع عنده هو الترجّح بلا مرجّح دون التّرجيح بلا مرجّح، ولو سلّم، فلا نسلّم كون الغاية زائدة على ذاته تعالى، ليلزم استكماله بالغير، بل ذاته هي غاية الايجاد عند المحققين، ولو سلّم كون الغاية زائدة على ذاته فلا نسلّم كون الغاية له، وراجعة إليه، ليلزم استكماله بها، بل هي لغيره عند المعتزلة،(3) فإنّ أفعال الله تعالى عندهم معلّلة بأغراض راجعة إلى العباد،


1 . سقط عن أكثر النسخ لفظ «مرجّح» .
2 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 122 ـ 123 ; و 3 / 337 ـ 340 ; وشرح المواقف: 7 / 228 ـ 230 ; وشرح تجريد العقائد: 187 .
3 . انظر: شرح العقائد: 187 .


صفحه 407

كما سيجيء تفاصيل ذلك، ولو سلّم أنّ الفاعل موجب بالمعنى الّذي مختار الحكماء كما سيأتي (1)، فلا نسلّم لزوم قدم الأثر والتّخلّف، إنّما يلزم لو كان الحدوث بمعنى المسبوقيّة بالعدم المتقدّر ليمكن فرض حدوث الأثر في شيء من أجزائه، وأمّا إذا كان بمعنى المسبوقيّة بالعدم المطلق على ما مرّ (2)، فلا .

الثّالثة: أنّ الجسم مركّب من المادّة والصّورة، والمادّة إن كانت حادثة احتاجت إلى مادّة أُخرى، لاستحالة الحدوث لا عن مادّة، وهكذا فيتسلسل وهو باطل، فهي قديمة، وقد ثبت في موضعه امتناع انفكاكها من الصّورة والمادّة مع صورة مّاهي الجسم، فثبت قدم الجسم وهو المطلوب.

والجواب: أنّ المادّة منتفية (3) عندنا كما مرّ، ولو سلّم، فلا نسلّم كونها قديمة، وما ذكرتم من امتناع الحدوث لا عن مادّة إنّما يتمّ في الحدوث بمعنى المسبوقيّة بالعدم الزّماني كما في الحوادث اليوميّة .

وأمّا في الحدوث بالمعنى المتنازع فيه وهو المسبوقيّة بالعدم المطلق فلا .

الرّابعة: شبهة قدم الزّمان، وهي أنّ الزّمان لو كان حادثاً لكان عدمه قبل وجوده قبليّة لا تجامع القبل منها البعد، وكلّ قبليّة كذلك، فهي زمانيّة، فيلزم


1 . في الجزء الخامس من هذا الكتاب: المسألة الأُولى من الفصل الثّاني والفصل الأوّل من المقصد الثالث .
2 . ص 395 ـ 396 من هذا الجزء.
3 . من كلام المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 408

أن يكون قبل الزّمان زمان، وهو زمان عدمه وهو محال.

والجواب: ما مرّ من أنّ القبليّة المذكورة لا تستدعي زماناً كما في قبليّة أجزاء الزّمان بقياس بعضها إلى بعض .

فإن قلت: فعلى ما ذكرت لم يثبت لا حدوث العالم ولا قدمه .

قلت: نعم والحقّ أنّه لا برهان عقلاً على شيء منهما، وذلك جائزٌ فيما لا يكون من الأُصول .

ونقل عن أرسطو: أنّ المسألة قد تكون جدليّة بكِلا طرفيْها لفقدان الحُجَجِ البرهانيّة في طَرفَيْها، وعدّ من ذلك مسألة العالم حادث أم أزلي؟

لكن ذلك لا يضرّنا في اعتقاد الحدوث الحاصل بالاجماع وبخبر الصّادق، وذلك كاف، لأنّ المسألة ليست من الأُصول ـ أعني: ممّا يتوقّف عليه ثبوت الشّرع ـ لأنّ الإمكان كاف في إثبات الصانع كما مرّ.(1)

والاختيار الّذي يقول به الحكماء ـ أعني: كون الصانع ذا علم وحكمة وقدرة وإرادة ـ كاف في ثبوت النبوّة، ولا حاجة فيه إلى الاختيار الجزافي الّذي يتوقّف إثباته على الحدوث كما سيأتي ليلزم الدّور، وهذا الحدوث الثّابت بالاجماع إنّما هو بمعنى مسبوقيّة العالم بالعدم الغير المجامع للوجود، وكون ذلك العدم واقعاً في الزّمان، أو مقدّراً كالزّمان .

فقد عرفت أنّه من أوضاع المتكلّمين ،وليس من إجماع أصحاب الشّرايع .


1 . ص 395 ـ 396 من هذا الجزء .


صفحه 409

فإن قلت: أليس السّابق الغير المجامع للمسبوق يجب أن يكون: إمّا نفس الزمّان، أو مقارناً له ؟

وذلك لأنّ مناط عدم الاجتماع إنّما هو كون الشّيء أمراً مقتضياً غير قارّ الذّات، فالعدم المذكور يجب أن يكون جزء من هذا الأمر المقتضي، أو مقارناً بجزء منه.

قلت: كون المناط هو ذلك لا يستلزم الانحصار في هذين، بل كون شيء مّا طرفاً ونهاية لهذا الأمر المقتضي مصحّح لعدم الاجماع أيضاً .

والعدم المذكور كذلك، فإنّه عبارة عن انتهاء الزّمان، فهو طرفه كما أنّ الأمر في سائر الأطراف كذلك.

فإنّ النّقطة إنّما هي نهاية الخطّ وعدم له، والخطّ نهاية السّطح وعدم له، وكذا السّطح للجسم إلاّ أنّ هذه الأطراف مجامعة لذوي الأطراف في الوجود لكونها أموراً قارّة، بخلاف طرف الزّمان، فإنّه غير مجامع معه في الوجود، لكونه غير قار ولا استبعاد في عدم اجتماع ما هو جزء له مع جزء آخر منه.

وما قال الشّيخ في " الشّفاء(1) ": من أنّ الزّمان لو كان له آن الطّرف لكان له بعد ذلك الآن عدم، فكان لا يجامع وجوده، فكان هناك زمان.

فجوابه: أنّا لا نسلّم أنّه يلزم أن يكون للزّمان بعد ذلك الآن عدم، وإنّما يلزم ذلك; لو كان هناك بعد وهو ممنوع .


1 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 1 / 148 / الفصل العاشر من المقالة الثّانية.


صفحه 410

كيف والمفروض انتهاء الزّمان الّذي هو مناط القبليّة والبعديّة بهذا الآن، بل عدم الزّمان إنّما هونفس هذا الطّرف، أو مقارن له، لا أنّه بعده نظير ذلك انتهاء الأبعاد القارّة الجسميّة إلى ما ليس فوقه ووراءه خلأ ولا ملأ، وذلك، لأنّه ليس هناك فوق ووراء ليمكن أن يكون خالياً، أو مملوّاً، ولا أنّ هناك وراء وفوقاً، لكنّه ليس بمملوٍّ ولا خال، وإلاّ لزم ارتفاع المتقابلين.

ولهذا قيل: إنّ الزّمان أسوة حسنة بالمكان، فمعنى كون وجود العالم مسبوقاً بالعدم، هو انتهاء وجوده إلى عدم هو انتهاؤه وطرفه، لا أنّه بعده.

ولعمري أنّ هذا هو أقصى ما يمكن أن يحاجّ به على سبيل الجدل في تصحيح الحدوث الزّماني للعالم الجسماني ولا ثقة إلاّ بالله.


صفحه 411

الفصل الرّابع

 

في الجواهر المجرّدة

وفيه مسائل :


صفحه 412

صفحه 413

المسألة الأُولى:

في العقول المجرّدة (1)

قال: أمّا العقل، فلم يثبت دليل على امتناعه.

وأدلّةُ وجوده مدخولة كقولهم: «الواحد لا يصدر عنه أمران».

ولا سبقَ لمشروط باللاّحق في تأثيره أو وجودِه، ولا لما انتفت صلاحيّة التّأثير عنه، لأنّ المؤثّر مختار .

وقولهم: استدارة الحركة توجب الإرادةَ المستلزمةَ للتّشبّه بالكامل; إذ طلب الحاصل ـ فعلاً أو قوّةً ـ يوجب الانقطاع، وغيرُ الممكن محالٌ; لتوقّفه على دوام ما أوجبنا انقطاعه، وعلى حصر أقسام الطلب، مع المنازعة في امتناع طلب المحال.


1 . راجع في ايضاح المقام الكتب التالية: كتاب الإيضاح لأرسطو طاليس: 5 ـ 25 ; ومقالة اللاّم لأرسطو طاليس: 5 ـ 11 ; وشرح حرف اللاّم لثامسطيوس: 12 ـ 21 ; والهيّات الشّفاء: 2 / 402 ـ 409 ; وشرح حكمة الاشراق للقطب: 241 ـ 256 ; وشرح حكمة الاشراق للشهرزوري: 355 ـ 374 ; والمعتبر في الحكمة: 3 / 145 ـ 168 ; وايضاح المقاصد: 113 ـ 114 و 153 ـ 155 و 223 ـ 225 ; وشرح حكمة العين لمباركشاه: 198 ـ 199 و 251 ـ 255 و 350 ـ 356 ; وشرح الإشارات والتنبيهات: 3 / 243 ـ 263 ; والمباحث المشرقيّة: 2 / 501 ـ 515 ; وشرح المواقف: 7 / 254 ـ 257 ; والأسرار الخفيّة في العلوم العقليّة: 541 ـ 551 / البحث الثامن من المقالة الخامسة ; وشرح الهداية الأثيريّة للميبدي: 182 / الفن الثالث.


صفحه 414

وقولِهم: لا علّيّة بين المتضائفين، وإلاّ لأمكن الممتنعُ أو عُلّلَ الأقوى بالأضعف، لِمَنع الامتناع الذّاتي.

أقول: إنّ هذه المسألة في تزييف ما قالوا في إثبات العقل على ما قال: أمّا العقل; أي قد سبق أنّها عقل أو نفس .

أمّا العقل، فلم يثبت دليل على امتناعه .

وما قيل (1) لو وجد لشارك الباري تعالى في التجرّد ولزم تركّب الباري ممّا به الاشتراك وما به الامتياز، فغير ملتفت إليه لظهور فساده، لأنّ المشاركة في العوارض لاسيّما السلوب غير مستلزم للتركيب .

وأدّلةُ وجوده مدخولة. استدلّوا على وجود العقل بوجوه قد زيّفها المصنّف(2):

الأوّل: أنّ الصّادر الأوّل لمّا وجب أن يكون واسطة في ايجاد غيره وجب أن يكون مؤثّراً مستقلاًّ بالوجود والتّأثير، فلا يمكن أن يكون جسماً، لتركّبه من أمرين; هما المادّة والصّورة .

فلا يجوز صدوره أوّلاً عن الواحد الحقيقي كما مرّ (3)، ولا صورة أو


1 . إنّ جماعة من المتكلّمين نَفَوْا هذه الجواهر، واحتجّوا بأنّه لو كان هاهنا موجود ليس بجسم ولا جسماني لكان مشاركاً لواجب الوجود في هذا الوصف، فيكون مشاركاً له في ذاته، هذا ما أفاد العلاّمة في شرحه.
2 . لاحظ : كشف المراد: المسألة الأُولى من الفصل الرابع من المقصد الثّاني ; وشرح تجريد العقائد: 188 ـ 190 ; وشرح المقاصد: 3 / 355 ـ 359 .
3 . لاحظ: الجزء الثّاني من هذا الكتاب: 295، الحكم الثّالث من المسألة الثّانية من الفصل الثالث.


صفحه 415

نفساً، لكون كلّ منهما مشروطاً في التّأثير بالمادّة المتأخّرة عنه، ولا عرضاً، لكونه مشروطاً في الوجود بالموضوع المتأخّر عنه على ذلك التّقدير، ولا مادّة لانتفاء صلاحيّة التّأثير عنها، لكونها قابلة محضة، فيجب أن يكون عقلاً حيث لا مانع فيه وهو المطلوب.

وهذا، معنى قوله: كقولهم «الواحد لا يصدر عنه أمران»، إشارة إلى نفي كون المعلول الأوّل جسماً .

ولا سبق لمشروط باللاّحق أي بما هو متأخّر عنه في تأثيره، إشارة إلى نفي كونه صورة أو نفساً.

أو وجوده، عطفٌ على تأثيره، إشارة إلى نفي كونه عرضاً .

ولا لما انتفت صلاحية التّأثير عنه، عطفٌ على لمشروط، إشارة إلى نفي كونه مادّة .

ثمّ أشار إلى تزييف هذا الوجه بقوله: لأنّ المؤثّر مختار، تعليل لكون هذا الوجه مدخولاً، يعني امتناع صدور الكثير إنّما هو عن الواحد الّذي هو غير مختار بالاختيار الجزافي الزائد، كما في الواجب تعالى عند الحكماء.

وأمّا عن المختار بالاختيار الزّائد كالواجب تعالى عند المتكلّمين فغير ممتنع، لأنّه ليس واحداً حقيقيّاً بالمعنى المراد في تلك المسألة كما مرّ هناك، وهذا على تقدير تسليم كون الجسم مركّباً وهو ممنوعٌ عند المصنّف كما مرّ.

الثّاني: أنّ الأفلاك متحرّكة على الاستدارة والدّوام .


صفحه 416

أمّا الأوّل: فلما مرّ .

وأمّا الثّاني: فلكونها في الجملة حافظة للزّمان الّذي لا نهاية لامتداده كما مرّ في شبهة الزّمان (1)، وسيأتي أنّه مقدار غير قارٍّ، فيجب أن يكون محلّه هيئة غير قارّة، هي الحركة، ولا حركة يحتمل الدّوام سوى حركة الفَلك، لكونه مصوناً عن الفساد كما مرّ، فهي محلّ للزّمان وحافظة له.

وهذا وإن كان مختصّاً بواحد من الأفلاك وهو الفلك الأعظم ، لكن جميع الأفلاك كلّ بالحدس، وهي لكونها مستديرة لا يمكن أن تكون طبيعيّة، لأنّ الحركة المستديرة تطلب وضعاً، ثمّ تتركه لآن، والمطلوب بالطّبع لا تكون مهروباً عنه بالطّبع، بل هي إراديّة، لأنّ الإرادة لها ذلك والحركة الإراديّة تكون لغاية لا محالة، وهي لا تجوز أن تكون نفس الحركة، لأنّها ليست مطلوبة لذاتها، بل ليتأدّي إلى غيرها وهو المراد بالغاية، وهي إمّا حسيّة أو عقليّة.

والحسيّة: إمّا جذبٌ ملايمٌ فشهويّة، وإمّا دفعٌ منافرٌ فغضبيّة، وهما مختصّان بالأجسام الّتي لها مادّة منفعلة تلتذّ بالحالة الملائمة كما في أنواع الحيوانات، والأفلاك ليست كذلك.

وأيضاً كلّ حركة إلى لذيذ أو غلبة على النّحو الموجود في الحيوانات متناهية فانحصرت غايتها في العقليّة كما في حركاتنا الصّادرة عن عقلنا العملي.


1 . في هذا الجزء: 407 ـ 408 / أدّلة القائلين بقدم الأجسام / الدّليل الرّابع.


صفحه 417

ودوام الحركة إنّما يكون لدوام الطّلب الّذي يقتضيه فرط المحبّة وهو العشق، فيكون تلك الغاية أمراً معشوقاً مختاراً عقليّاً، ويكون إمّا شيئاً غير محصّلِ الذّات، أو شيئاً محصّل الذّات.

وإن لم يكن محصّل الذّات ; وجب التحصّل بالحركة، وإلاّ لكان الطّلب طلباً للاشيء وهو محال.

والشيء المحصّل بالحركة يكون أيناً، أو وضعاً، أو كيفاً، أو كمّاً، أو ما يتبعها من كمالات الجسم، وحينئذ إنّما يكون الحركة لتنال ذات المعشوق.

وإن كان شيئاً محصّل الذّات، والحركة لا محالة يتوجّه نحو حصول حال مّا للمتحرك :

فإمّا أن يكون تلك الحال حالاً من المعشوق كمماسّة، أو موازاة، أو ملاقاة، لم يكن حاصله، فحصلت بالحركة، وحينئذ يكون الحركة لتنال حالاً من المعشوق .

وإمّا أن لا يكون تلك الحال حالاً منه، ويجب أن يكون ممّا يناسب: إمّا ذات المعشوق أو حالة من أحواله، وإلاّ فلا مدخل للمعشوق في الغرض من الحركة، فإذاً يكون هذا القسم لأجل نيل حال يشبه ذات المعشوق أو حاله.

والقسم الأوّل ـ أعني: ما يكون المطلوب شيئاً غير محصّل الذّات محصّلاً بالحركة ـ لا يخلو: إمّا أن يحصل وقتاً مّا، أو لا يحصل أبداً.

إن حصل وقتاً مّا ; وجب انقطاع الحركة والطّلب عند حصوله.


صفحه 418

وإن لم يحصل أبداً; وكان المتحرّك يطلبه أبداً، فهو طالب المحال وهو محال من التّصوّر العقلي المحض. فإذن المعشوق ليس من كمالات المتحرّك، ولا ممّا يتحصّل بالحركة ذاته أو حاله، بل هو شيء متحصّل الذّات خارج عنه، وليس من شأنه أن ينال، فظهر أنّه (1) يريد المتحرّك ينل الشّبه به.

ثمّ لا يخلو: إمّا أن يكون تحريكه ليَنِل شبه ليستقرّ ككمال مّا قارّ يوجد فيه شبيهاً بكمال المعشوق وهو محال، وإلاّ لزم:

إمّا الوقوف عند النّيل أو طلب المحال.

وإمّا أن يكون لينل شبه لا يستقرّ، بل يستبقى نوعه بالتّعاقب، فيكون متشبّهاً بموجود كامل هو فوقه واشرف منه، إذ لا تشبّه بمن هو في مرتبته، أو أدون منه ولوجوب كونه متعدّداً، لكون حركات الأفلاك مختلفة لا يمكن أن يكون هو واجب الوجود الّذي لا يمكن تعدّده كما سيأتي، بل عقل .

فثبت تعدّد العقول أيضاً ويكون التشبه بها هو الاستفاضة منها، والإفاضة على السّافل، لا لكونها إفاضة على السّافل، بل لكونها تشبّهاً بالعالي بالخروج عمّا له بالقوّة إلى الفعل.

وإلى هذا أشار بقوله: وكقولهم استدارةُ الحركة توجب الإرادة المستلزمةَ للتشبه بالكامل، إذ طلب الحاصل فعلاً; أي وقتاً ما أو قوة ; أي غير


1 . في د : جملة «فظهر أنّه» ساقطة.


صفحه 419

حاصل أصلاً مع إمكانه، فإنّ إمكان الحصول حصول بالقوّة يوجب الانقطاع وغير الممكن (1) محال.(2)

وهذا الوجه أيضاً مدخول (3)، لتوقّفه على دوام ما أوجبنا انقطاعه، حيث أثبتنا حدوث الأجسام وأعراضها .

وفيه نظر: إذ الحدوث لا يستلزم الانقطاع، على أنّه لا نزاع في عدم انقطاع الزّمان لثبوت الخلود في الجنّة والنّار إلاّ أن يذهب إلى كون الزّمان أمراً موهوماً محضاً، وفيه ما فيه .

و (4) على حصر أقسام الطّلب ، فيما ذكر وهو ممنوع لاحتمال أن يكون طلب المحسوس لأمر آخر كمعرفته أو التشبّه به مع المنازعة في امتناع طلب المحال .

ولا يخفى على المتأمّل فيما ذكر من تقرير الدّليل ضعف هذين المنعين :

أمّا الأوّل: فلأنّ حصر الطّلب في الحسّي والعقلي حصر في متقابلين، لأنّ المراد منهما: إمّا الجزئي والكلي، وإمّا ما يدرك بالحسّ وما لا يدرك به،


1 . أي وطلب غير الممكن محال.
2 . يعني أنّ الكمال المطلوب ليس حاصلاً بالفعل وإلاّ انقطعت الحركة، ولا حاصلاً بالقوّة وإلاّ لانقطعت أيضاً، ولا غير الممكن، لأنّ شعور الفلك مانع عن طلبه غير الممكن، فيتعيّن أن تكون الحركة لطلب كمال يحصل بالتّدريج إلى الأبد.
3 . أي وهذا الدّليل غير تامّ أيضاً .
4 . أي أيضاً يتوقّف هذا الدّليل على حصر أقسام الطّلب.


صفحه 420

وأمّا حصر الحسيّ في الجذب والدفع، فلأنّ كلّ متصوّر جزئي لا يكون جذب ملائم ولا دفع منافر عند المدرك لا يصلح أن يكون غرضاً له بالضّرورة .

وأمّا الثّاني: ـ أعني: منع امتناع طلب المحال ـ فلأنّ ذلك من الإرادة المنبعثة عن إرادة كليّة يتصوّر بها الجوهر العاقل المجرّد عن الغواشي المادّية في غاية الظهور.

الثّالث (1): أنّ علّة الأجسام لا يجوز أن يكون واجب الوجود بلا واسطة لما مرّ ، ولا أن يكون الأجسام بعضها علّة لبعض:

إمّا مطلقاً: فلما تقريره يستدعي مقدمات:

الأُولى: أنّ الجسم إنّما يفعل بصورته، لأنّه إنّما يكون هو موجوداً بالفعل بصورته ويكون فاعلاً من حيث هو موجود بالفعل، فإنّ ما لا يكون موجوداً بالفعل لا يمكن أن يكون فاعلاً، ولا يمكن أن يفعل بمادته، لأنّه بها يكون موجوداً بالقوّة ولا يكون من حيث هو بالقوّة فاعلاً .

الثّانية: أنّ الأفعال الصّادرة عن القوى الجسمانيّة إنّما يصدر عنها بمشاركة الوضع لما مرّ في مباحث العلل، فلا يمكن أن يكون فاعلاً لما لا وضع له .

الثّالثة: أنّ فاعل الجسم يكون فاعلاً أوّلاً لجزئية ـ أعني: مادّته وصورته ـ لأنّ فعل المركّب مسبوق بفعل أجزائه .


1 . أي الدّليل الثّالث على إثبات وجود العقل. لاحظ : المشارع والمطارحات: 445 ـ 461 .


صفحه 421

وإذا تمهدت هذه المقدّمات فنقول: لو صدر جسم عن جسم لزم أن يكون القوّة الجسمانيّة وهي صورة الجسم الفاعل مؤثّرة فيما لا وضع له وهو كلّ واحد من الهيولى والصّورة كلّية هما جزءان للجسم الصّادر وهو محال .

وإمّا خاصّاً: وهو أن يكون الأجسام المحيطة بعضها علّةً لبعض.

فإمّا أن يكون المحوي علّة للحاوي وهو محال، فإنّ الوهم لا يذهب إلى تعليل الأقوى بالأضعف.

وإمّا أن يكون الحاوي علّة للمحوي وهو أيضاً محالٌ، لما تقريره يستدعي مقدّمات:

أوّلها: أنّ الجسم لا يمكن أن يكون علّة موجودة لشيء إلاّ بعد صيرورته شخصاً معيّناً، فإنّ الطّبائع النّوعيّة ما لم يكن اشخاصاً معينة لم توجد في الخارج.

وثانيها: أنّ العلّة لمّا كانت متقدّمة بالذّات على معلولها كان وجوب المعلول ووجوده متأخّرين عن وجود العلّة، فإن اعتبر المعلول مع وجود العلّة كان له حينئذ الإمكان، لأنّه لم يجب بعد، وكلّ ما لم يجب وكان من شانه أن يجب فهو ممكن .

وثالثها: أنّ الشّيئين اللّذين يكونان معاً لا معيّة المصاحبة الاتفاقيّة، بل معيّة بحيث لا يمكن أن ينفكّ أحدهما عن الآخر، فإنّهما لا يتخالفان في الوجوب والإمكان، لأنّ تخالفهما في ذلك يقتضي إمكان انفكاكهما.


صفحه 422

وبعد تمهيدها نقول: لو كان الحاوي علّة للمحويّ لسبقه متشخّصاً وحينئذ كان وجود المحويّ إذا اعتبر مع وجود الحاوي المتشخّص موصوفاً بالإمكان.

ولكن عدم الخلأ في داخل الحاوي أمر يقارن اعتباره اعتبار وجود المحويّ بحيث لا يمكن إنفكاكه عنه، فإذن يلزم أن يكون هو أيضاً مع وجود الحاوي المتشخّص ممكناً، لكنّه في جميع الأحوال واجب وإلاّ لكان الخلأ ممكناً، لكنه يمتنع لذاته، هذا خلف .

وإلى هذا الوجه الخاصّ أشار بقوله: وقولهم: لا علّيّة بين المتضايفين: أي الحاوي والمحويّ، وإلاّ لأمكن الممتنع أو علّل الأقوى، وهو الحاوي بالأضعف، وهو المحويّ، وهذا الوجه أيضاً مدخول لمنع الامتناع الذّاتي، أي لا نسلمّ أنّ الخلأ ممتنع لذاته وإلاّ لكان عدمه واجباً لذاته، لكن وجوب عدمه بالذات ينافي وجوب ما يلازمه ـ أعني: وجود المحويّ بالغير ـ وإلاّ لأمكن الإنفكاك بينهما.

فالمراد بالمنع، هو المنع اللّغوي، فإنّه إشارة إلى معارضة للمقدّمة ـ أعني: امتناع الخلأ بالذّات لا المعنى العرفي ـ لأنّه طلب الدّليل وقد أقام الدّليل عليه فيما سبق، هذا.

وقال المصنّف في " شرح الإشارات " لدفع هذه المعارضة بهذه العبارة: «واعلم أنّ قولنا: الخلأ ممتنع لذاته ليس معناه أنّ للخلأ ذاتاً هي المقتضية لامتناع وجوده، بل معناه أنّ تصوّره هو المقتضى لامتناع وجوده .


صفحه 423

والمقارن للمحويّ هونفي ما يتصوّر منه .

فإنّ المحوي من حيث هو ملأ لا يتصوّر إلاّ مع ذلك نفيّ، وذلك النّفي لا يتصوّر مع إلاّ مع تصوّر المحوي من حيث هو ملأ.

ثمّ قال: وإذا تحقّق هذا سقط ما يمكن أن يتشككّ به وهو أن يقال: كون عدم الخلأ واجباً لذاته ينافي كون ما معه ـ أعني: وجود المحويّ واجباً لغيره .

وذلك لأنّ ذلك الغير الّذي يفيد وجوده المحويّ في هذا الفرض هو الّذي يجعل المحويّ بحيث يمكن أن يتصوّر معه خلأ حتّى يحكم بوجوب عدمه بالنّفي المذكور، ولذلك حكم بامتناع إفادته وجود المحويّ .

والحاصل: أنّ المحويّ يكون واجباً لغيره إذا لم يكن معلولاً للحاوي، أمّا مع كونه معلولاً للحاوي فهو ممتنعٌ لذاته لا واجب لغيره. انتهى».(1)

وتوضيحه: أنّه لما لم يتحقق وجوب المحويّ على فرض كونه معلولاً للحاوي في مرتبة وجوب الحاوي فيتصوّر هناك ـ أعني: في مرتبة وجوب الحاوي ـ خلأ في داخله لا محالة، وعدم ذلك الخلأ المتصوّر إنّما يجب ويتحقّق مع وجوب وجود المحويّ في داخله في مرتبة متأخّرة من تلك المرتبة .

ووجوب وجود المحويّ أيضاً إنّما يتحقّق مع عدم الخلأ المتصوّر في داخل الحاوي، فهما ـ أعني: وجوب وجود المحويّ بالحاوي، ووجوب


1 . شرح الإشارات والتنبيهات: 3 / 225 ـ 228 .


صفحه 424

تحقّق عدم الخلأ المتصوّر في داخله ـ معان في التّحقق ومتلازمان في الوجود والتصوّر، فيكون على هذا الفرض عدم هذا الخلأ مع كونه واجباً بالغير كوجود هذا المحوي، فيكون تأخّر وجوب المحوي عن وجوب الحاوي ـ أعني: كونه معلولاً له ـ ممتنعاً بالذّات، لامتناع كون الواجب بالذّات واجباً بالغير بالذّات.

ونحن ندّعي الملازمة لكن لا بين مطلق وجوب وجود المحويّ وبين مطلق عدم الخلأ، بل بين وجوب وجود المحويّ بالحاوي وبين عدم الخلأ المتصوّر في داخل الحاوي اللّذين لزم كون كليهما واجبين بالغير في هذا الفرض، ثمّ نستدلّ بها على أنّ كون المحويّ معلولاً للحاوي ممتنع بالذّات .

فقوله: «والحاصل أنّ المحويّ يكون واجباً لغيره، الخ» معناه أنّ وجوب المحويّ بالغير إنّما يتحقّق في نفس الأمر إذا لم يكن معلولاً للحاوي، ولا ندّعي ملازمته مع عدم الخلأ، إذ لا يتصوّر خلأ حينئذ والملازمة المدّعاة، إنّما هي مع عدم الخلأ المتصوّر .

وأمّا إذا فرض كونه معلولاً للحاوي، فهو ممتنعٌ بالذّات في نفس الأمر، وواجب بالحاوي بحسب الفرض، فالملازمة بينه بحسب هذا الفرض وبين عدم الخلأ، لا يستلزم الملازمة بين واجب بالغير في نفس الأمر وبين واجب بالذّات، ليلزم التّنافي بينهما، هذا .

وأعلم، أنّ الدّلائل البرهانيّة والشّواهد الفرقانيّة على وجود الجواهر


صفحه 425

المجرّدة المسمّاة بالعقول كثيرة; ومن مارس أحاديث الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين ورزق فهم رموزها وإشاراتها، لم يشك في ذلك.

وحَسبُك من مُحكماتها ما روي عن أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه على ما أورده بعض الأعاظم 1 في بعض تصانيفه، أنّه سئل عن العَالَم العلويّ، فقال: «صورٌ عاريةٌ عن الموادّ عالية عن القُوَّة والاستعداد، تَجلّى لها ربّها (1) فأشرقت، وطَالَعها فَتَلاَلأتٌ، وأَلقى في هويّتها مثاله، فأظهر عنها أفعاله، وخلق الإنسان ذَا نَفْس ناطِقة، إن زَكَاها بالعلم فقد شابهت جواهر أوائل عَلَّلَها، وإذا اعتدل مزاجُها وفارقَت الأضدادُ فقد شارك بها السَّبْع الشّداد».(2)

صدق ولي الله عن رسول الله عن الله، ولا ينافي ثبوت المجرّدات العقليّة حدوث العالم على ما حققّنا .

والمتكلّمون لمّا تصدّوا لإثبات الحدوث من طريق الحركة وهي لا تجري عليها، استنكفوا من ثبوتها، ولا يلزم ذلك على تلك الطريقة أيضاً ، لأنّ تلك المجرّدات عند مثبتيها مرتبطة بالجسمانيات نحو من الارتباط غير منفكة عنها انفكاكاً تخلفياً محدوث الجسمانيات بأي طريق كان مستلزم لحدوثها لا محالة.


1 . في المصدر كلمة «ربّها» ساقطة.
2 . لاحظ : غرر الحكم ودرر الكلم: 231 / برقم 4622 ; والصراط المستقيم: 1 / 223 / الفصل التاسع عشر.


صفحه 426

المسألة الثّانية

في تحديد النّفس (1)

قال: وأمّا النّفسُ فهو كمال أوّل لجسم طبيعيٍّ آليٍّ ذي حياة بالقوّة.

أقول: ومقصود المصنّف بالبحث هاهنا هو النّفس الإنسانيّة النّاطقة، وإن كانت الخارجة من قسمة الجوهر أعم منها، لكونها شاملة للنّفوس المجرّدة الفلكية أيضاً .

واسم النّفس يطلق على ما هو أعمّ من المجرّدة، فإنّها تطلق على بعض الصّور الحالّة في المادّة كالصُّور النّوعيّة النّباتيّة والحيوانيّة، فيقال: نفس نباتيّة ونفس حيوانيّة، ويخصّان مع النّاطقة الإنسانيّة باسم النّفس الأرضيّة .

وصرّح في " شرح الإشارات " «بأنّ إطلاق (2) النّفس على الأرضيّة والسماويّة، ليس بمعنى واحد بعد اشتراكهما في معنى.


1 . راجع لمزيد الاطلاع إلى: أثولوجيا لأرسطاطاليس: الميمر السّابع; وكتاب النّفس: المقالة الأُولى والثّانية; وشرح أثولوجيا لابن سينا: 39 ـ 55 و 66 ـ 74 ; ورسالة النفس لابن رشد: 34 ـ 35 ; وكتاب النفس لابن باجة: 19 ـ 42 / الفصل الأوّل; وتعليقات على كتاب النّفس للشيخ الرئيس: 75 ـ 116 ; ونقد المحصّل: 378 ـ 382 ; والمباحث المشرقيّة: 2 / 220 ـ 224 / الفصل الأوّل من الفن الثّاني ; والأسرار الخفيّة في العُلوم العقليّة: 362 ـ 364 / المبحث الأوّل من المقالة السّادسة.
2 . في المصدر: «إنّما فصّل النّفس».


صفحه 427

فالمعنى المشترك قولنا: كمال أوّل لجسم طبيعيّ.

والمعنى الّذي ينضاف إلى ذلك، فيتحصّل النّفس الأرضيّة متناولةً للنّفوس النّباتيّة والحيوانيّة والإنسانيّة هو أن يقول بعد قولنا لجسم طبيعيّ آليّ، ذي حياة بالقوّة.

ومعناه كونه ذا آلاف يمكن أن يصدر عنها بتوسّطها وغير توسطّها ما بصدد من أفاعيل الحياة الّتي هي التغذّي، والنموّ، والتّوليد، والإدراك، والحركة الإراديّة، والنّطق.

والمعنى الّذي ينضاف إلى ذلك فيتحصّل النّفس السّماويّة هو أن نقول بعد قولنا: لجسم طبيعيّ; ذي إدراك وحركة تتبعان تعقّلاً كلّياً حاصلاً بالفعل. انتهى ».(1)

ونقل صاحب المحاكمات عن الإمام أيضاً في "الملخّص " ما حاصله: «إن زعم المحقّقين أنّه لا يمكن تعريف النّفس بما يندرج فيه النّفوس الثّلاثة; أي النّباتيّة، والحيوانيّة، والفلكيّة، بل مقوليّة النّفس عليها إنّما هي بالاشتراك اللّفظي .

ثمّ قال: ونحن نقول: إنّا نشاهد أجساماً تغتذي وتنمو وتولد المثل، وأجساماً تدرك وتحرّك بالإرادة دائماً أو ليس بدائم وليس ذلك لجسميّتها، فبقي أن يكون لها مباد غير جسميّتها، ولاشكّ أنّ تلك المبادئ مختلفة، فإن جعلنا اسم النّفس لتلك المبادئ المختلفة كان على سبيل الاشتراك.


1 . لاحظ : شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 290 ـ 291 .


صفحه 428

وأمّا أنّه لا يمكن تعريف النّفس بحيث يعم النّفوس الثّلاثة، فذلك منظور فيه .

فقد صرّح الشّيخ: «بأنّ كلّما يكون مبدأً لصدور أفاعيل ليست على وتيرة واحدة عادمةً للإرادة فإنّا نسمّيه نفساً»(1)، فهذا المعنى مشترك بين النّفوس الثّلاثة، لأنّ مبدأ أفاعيل كذلك: إمّا أن يكون مبدأ أفاعيل لا يكون على وتيرة واحدة وهو النفس الأرضيّة، أو يكون مبدأ أفاعيل على وتيرة واحدة لكن لا يكون عادمة للإرادة وهو النفس السمّاوية. انتهى كلام المحاكم»(2).

وتبعه في هذا النّظر شارح المقاصد (3)، وهو ليس بشيء .

أمّا توجيه الاشتراك: فلأنّ جعل اسم النّفس لتلك المبادئ المختلفة إنّما يستلزم الاشتراك لو لم يكن ذلك باعتبار مفهوم مشترك بين تلك المبادئ وهو غير لازم.

وأمّا نظره: فلأن اشتراك المعنى المذكور بين الثّلاثة إنما يستلزم كون اسم النّفس مشتركاً معنويّاً بينها لو كان ذلك المعنى مسمّى لاسم النّفس، وكلام الشّيخ لا يدلّ على ذلك، بل على خلافه، فإنّ ضمير نسمّيه راجع إلى كلّ، لا إلى مدخوله، أعني: ما الموصولة، فتدبّر .

ثمّ إن اشتهيت توضيح المرام فاعلم، أنّ المراد في هذا المقام إنّما هو


1 . انظر: طبيعيّات الشفاء: 2 / كتاب النفس / 5 .
2 . المحاكمات: 2 / 291.
3 . انظر: شرح المقاصد: 3 / 300 ـ 302 .


صفحه 429

تحديد النّفس من حيث هو نفس وشرح هذا الاسم، وبيان أنّ إطلاقه على تلك المبادئ بأيّ معنى هو لا تعريف ما يطلق عليه لفظ النّفس وجميع تلك المبادئ الّتي يطلق عليها هذا اللّفظ في مفهوم مشترك، وإن لم يوضع له اسم النّفس .

قال الشّيخ في الفنّ السّادس من " طبيعيّات الشّفاء " في " النّفس " بهذه العبارة: «الفصل الأوّل في إثبات النّفس وتحديدها من حيث هي نفس .

نقول: أوّل ما يجب أن يتكلّم فيه إثبات وجود الشّيء الّذي يسمّى نفساً ثمّ يتكلّم فيما يتبع ذلك .

فنقول: إنّا قد نشاهد أجساماً يحسّ ويتحرك بالإرادة، بل نشاهد أجساماً تغتذي وتنمو وتولّد المثل وليس ذلك لها لجسميّتها .

فبقي أن تكون في ذواتها مباد لذلك غير جسميتها، والشيء الّذي تصدر عنها هذا الافعال.

وبالجملة: كل ما يكون مبدأ الصدور أفاعيل ليست على وتيرة واحدة عادمةً للإرادة، فإنما نسمّيه نفساً.

وهذه اللّفظة اسم لهذا الشّيء لا من حيث جوهره، بل من جهة إضافة ما له أي من جهة ما هو مبدأ لهذه الأفاعيل، ونحن نطلب جوهره والمقولة الّتي يقع فيها من بعد.

ولكنّا الآن إنّما أثبتنا وجود شيء هو مبدأ لما ذكرنا، وأثبتنا وجوده من جهة ما له عرض مّا ويحتاج وأن يتوصّل من هذا العارض الّذي له إلى أن


صفحه 430

يتحقّق ذاته لنعرف ماهيّته، كأنّا قد عرفنا أنّ لشيء يتحرّك محرّكاً مّا.

ولسنا نعلم من ذلك أنّ ذات هذا المحرّك ما هو، فنقول: إذا كانت الأشياء الّتي ترى أنّ النّفس موجودة لها; أجساماً، وإنّما يتمّ وجودها من حيث هي نباتٌ وحيوانٌ بوجود هذا الشّيء، وهذا الشّيء جزء من قوامها.

وأجزاء القوام كما علمت في مواضع هي يكون على قسمين: جزءٌ يكون به الشّيء هو ما هو بالفعل، وجزء يكون به الشّيء هو ما هو بالقوّة إذ هو بمنزلة الموضوع .

فلو كانت النّفس من القسم الثّاني، ولاشكّ أنّ البدن من ذلك القسم، فالحيوان والنّبات لا يتمّ حيواناً ونباتاً بالبدن ولا بالنّفس فيحتاج إلى كمال آخر هو المبدأ بالفعل لما قلنا، فذلك هو النّفس وهو الّذي كلامنا فيه، بل ينبغي أن يكون النّفس هو ما به يكون النّبات والحيوان بالفعل نباتاً وحيواناً.

وإن كان جسماً أيضاً، فالجسم صورته ما قلنا، (1) فلا يكون من حيث هو جسم ذلك المبدأ، بل يكون كونه مبدأ من جهة تلك الصّورة .

ثمّ قال: فبيّن أنّ ذات النّفس ليست بجسم، بل هو جزءٌ للحيوان والنّبات، هو صورة أو كالصّورة .

ثمّ شرع في بيان أنّ النّفس لِمَ قيل إنّها كمال ولم يقل إنّها صورة أو قوّة؟ فقال: فنقول الآن: إنّ النّفس يصحّ أن يقال لها بالقياس إلى ما يصدر


1 . وإن كان جسماً بصورة مّا.


صفحه 431

عنها من الأفعال قوّة، وكذلك يجوز أن يقال لها بالقياس إلى ما تقبلها ما من الصّور المحسوسة والمعقولة على معنى آخر قوّة .

ويصحّ أن يقال أيضاً، لها بالقياس إلى المادّة الّتي تحلّها فيجتمع منهما جوهر نباتي أو حيواني صورة، ويصحّ أن يقال لها أيضاً بالقياس إلى استكمال الجنس بها نوعاً محصّلاً (1) كمال، لأنّ طّبيعة الجنس تكون ناقصة غير محدودة ما لم يحصلها طبيعة الفصل (2) مضافاً إليها، فإذا انضاف كَمُل النّوع .

فالفصل كمال النّوع، (3) ثمّ كلّ صورة كمال، وليس كلُّ كمال صورةٌ، فإنّ الملك كمال المدينة، والرّبان كمال السّفينة، وليسا بصورتين للمدينة والسفينة، فما كان من الكمال مفارق الذات لم يكن بالحقيقة صورة للمادّة وفي المادّة.

فإنّ الصّورة الّتي هي في المادّة هي الصّورة المنطبعة فيها القائمة بها، اللّهمّ إلاّ ان يصطلح ويقال لكمال النّوع صورة النّوع.

وبالجملة: فإنّه قد استقرّ الاصطلاح على أن يكون الشّيء بالقياس إلى المادّة صورة، وبالقياس إلى الجملة غاية وكمالاً، وبالقياس إلى التحريك مبدأ فاعليّاً وقوّة محرّكة.


1 . أي محصّلاً في الأنواع العالية أو السّافلة كمال .
2 . الفصل البسيط أو غير البسيط إذا انضاف إليها.
3 . بما هو نوع وليس لكلّ نوع فصل بسيط، بل إنّما هو للأنواع المركّبة الذّوات من مادّة وصورة، والصّورة منها هو الفصل البسيط لما هو كماله .


صفحه 432

وإذا كان الأمر كذلك فالصّورة تقتضي نسبته إلى شيء بعيد من ذات الجوهر الحاصل منها (1)، وذلك الشّيء هو المادّة لأنّها صورة باعتبار وجودها للمادّة.

والكمال يقتضي نسبة إلى الشيء التّام الّذي تصدر عنه الأفاعيل لأنّه كمال بحسب اعتباره للنّوع.

فبيّن من هذا أنّا إذا قلنا في تعريف النّفس ; أنّه كمال كان أدلّ على معناها، وكان أيضاً يتضمّن جميع انواع النّفس من جميع وجوهها، ولا تشذ النّفس المفارقة للمادّة عنه.

وأيضاً إذا قلنا: إنّ النّفس كمال فهو أولى من أن نقول: قوّة، لأنّ الأُمور الصّادرة عن النّفس منها ما هي من باب الحركة، ومنها ما هي من باب الإحساس والإدراك وبالحري أن يكون الإدراك لها لا بما لها قوّة هي مبدأ فعل، بل مبدأ قبول.

والتّحريك بالحري أن يكون لها لا بما لها قوّة هي مبدأ قبول، بل مبدأ فعل، وليس أن ينسب إليها أحد الأمرين بأنّها قوّة عليه أولى من الآخر.

فإن قيل لها: قوّة وعُني بها الأمران جميعاً كان ذلك باشتراك الاسم .

وإن (2) اقتصر على أحد الوجهين، عرض ما قلنا.

وشيء آخر وهو أنّه لا يتضمّن الدّلالة على ذات النّفس من حيث هي نفس مطلقاً، بل من جهة دون جهة .


1 . وإلى شيء يكون به الجوهر الحاصل هو ما هو بالقوّة، وإلى شيء لا تنسب الأفاعيل إليه .
2 . وإن قيل قوّة واقتصر الخ .


صفحه 433

وقد بيّنا في الكتب المنطقيّة أنّ ذلك غير جيّد ولا صواب .

ثمّ قال: ونقول: إنّا إذا عرفنا أنّ النّفس كمال بأيّ بيان وتفصيل فصّلنا الكمال، لم يكن بعد عرفنا النّفس وماهيّتها، بل عرفناها من حيث هي نفس، واسم النّفس ليس يقع عليها من حيث جوهرها، بل من حيث هي مدبّرة للأبدان ومقيسة إليها.

فلذلك يؤخذ البدن في حدّها، كما يؤخذ مثلاً البناء في حدّ الباني، وإن كان لا يؤخذ في حدّه من حيث هو إنسان.

ولذلك صار النّظر في النّفس من العلم الطّبيعي، لأنّ النّظر في النّفس من حيث هي نفس نظر فيها من حيث هي علاقة بالمادّة والحركة.

ثمّ قال: لكن الكمال على وجهين: كمال أوّل، وكمال ثان.

فالكمال الأوّل: هو الّذي يصير به النّوع نوعاً بالفعل كالشكل للسيف.

والكمال الثّاني: هو أمر من الأمور الّتي تتبع نوع الشّيء من أفعاله وانفعالاته، كالقطع للسيف، والتميّز والرّؤية والإحساس والحركة للإنسان.

فإنّ هذه كمالات لا محالة للنّوع، لكن ليست أوليّة، فإنّه ليس يحتاج النّوع في أن يصير هو ما هو بالفعل إلى حصول هذه الأشياء له بالفعل، بل إذا حصل له مبدأ هذه الأشياء بالفعل .(1)

فالنّفس كمال أوّل، ولأنّ الكمال كمال الشّيء، فالنّفس كمال لشيء،


1 . حتّى صار له هذه الأشياء بالقوّة بعد ما لم تكن بالقوّة إلاّ بقوّة بعيدة تحتاج إلى أن يحصل قبلها شيء حتّى يصير بالحقيقة بالقوّة صار حينئذ الحيوان حيواناً بالفعل .


صفحه 434

وهذا الشّيء هو الجسم، ويجب أن يؤخذ الجسم بالمعنى الجنسي لا المادّي المساوي.

وليس هذا الجسم الّذي النّفس كماله كلّ جسم، فإنّها ليست كمال الجسم الصّناعي كالسّرير والكرسي وغيرهما، بل كمال الجسم الطّبيعي .

ولا كلّ جسم طبيعي، فليس النّفس كمال نار ولا أرض ولا هواء ، بل في عالمنا كمال جسم طبيعيّ يصدر عنه كمالاته الثّابتة بالآت يستعين بها في أفعال الحياة الّتي أوّلها التغذّي والنّمو.

فالنّفس الّتي نحدّها هي كمال أوّل لجسم طبيعي آلي له أن يفعل أفعال الحياة.

ثمّ أورد (1) شكوكاً على هذا الحدّ من جملتها: أنّ لقائل أن يقول: إنّ هذا الحدّ لا يتناول النّفس الفلكيّة فإنّها تفعل بلا الآت، وإن تركتم ذكر الآلات واقتصرتم على ذكر الحياة لم يغنكم ذلك شيئاً، فإنّ الحياة الّتي لها ليس هو التّغذي والنّمو، ولا أيضاً الحسّ .

وأنتم تعنون بالحياة الّتي في الحدّ هذا، وإن عنيتم بالحياة ما للنّفس الفلكيّة من الإدراك مثلاً والتّصور العقلي والتّحريك لغاية إرادية، أخرجتم النبات من جملة ما يكون له نفس.

ثمّ قال في الجواب: فنقول: وأمّا الأجسام السّماويّة فإنّ فيها مذهبين: مذهب من يرى أنّ كلّ كوكب يجتمع منه ومن عدّة قد دبرت لحركته جملة


1 . الشيخ الرّئيس .


صفحه 435

جسم كحيوان واحدة فيكون حينئذ كل واحدة من الكرات يتمّ فعلها بعدة أُخر ذات حركة، فتكون هي كالآلات .

وهذا القول لا يستمرّ في كلّ الكرات.

ومذهب من يرى أنّ كلّ كرة فلها في نفسها حياة مفردة، وخصوصاً ويرى جسماً تاسعاً، ذلك الجسم واحد بالفعل لا كثرة فيه.

فهؤلاء يجب أن يروا أنّ اسم النّفس إذا وقع على النّفس الفلكيّة وعلى النّفس النّباتيّة فإنّها تقع بالاشتراك، وأنّ هذا الحدّ إنّما هو للنّفس الموجودة للمركّبات، وأنّه إذا احتيل حتّى تشترك الحيوانات والفلك في معنى اسم النّفس، خرج معنى النبات من تلك الجملة، على أنّ هذه الحيلة صعبة، وذلك لأنّ الحيوانات والفلك لا تشترك في معنى اسم الحياة، ولا في معنى اسم النّطق أيضاً، لأنّ النطق الّذي ههنا يقع على وجود نفس لها العقلان الهيولائيّان، وليس هذا ممّا يصحّ هناك على ماترى .

فإنّ العقل هناك عقل بالفعل، والعقل بالفعل غير مقوّم للنّفس الكائنة جزء حدّ للنّاطق.

وكذلك الحسّ ههنا يقع على القوّة الّتي بها تدرك المحسوسات على سبيل قبول أمثلتها والانفعال منها، وليس هذا أيضاً ممّا يصحّ هناك على ما ترى .

ثمّ إن اجتهد فجعل النّفس كمالاً أوّلاً لما هو متحرّك بالإرادة ويدرك


صفحه 436

من الأجسام حتّى تدخل فيه الحيوانات والنّفس الفلكية، خرج النّبات من تلك الجملة.

وهذا هو القول المحصّل»(1). انتهى ما أردناه من كلام " الشّفاء " مع أدنى تلخيص في بعض المواضع لإزالة الخفاء.

وإذا عرفت جميع ما ذكرنا عرفت أنّ ما اشتمل عليه قوله (2): وأمّا النّفس فهو كمالُ أوّل لجسم طبيعيّ آلي ذي حياة بالقوّة ; أي يكون من شأنه أن يصدر عنه أفعال من شأنها أن يصدر عن ذوي الحياة مطلقاً أعم من جميعها وبعضها تعريف للنفس الأرضية الشّاملة للنّباتيّة والحيوانيّة والإنسانيّة صادق على كلّ واحد دون الصّورة المعدنيّة لخروجها بقيد «آليّ» كالنّفس الفلكيّة، على التحقيق مع أنّ المقصود ليس تعريفها .

أمّا أوّلاً: فلما أشرنا إليه من أنّه لا يبحث إلاّ عن النّفس الإنسانيّة.

وأمّا ثانياً: فلعدم انطباق عنوان الفصل على مطلق النّفس الأرضيّة .

ولعلّه إنّما فعل ذلك لكونها جنساً للنّفس الإنسانية; فاكتفى بتعريف الجنس إشارة إلى أنّه هو العمدة في الاحتياج إلى ان التّعريف هاهنا، فإذا عرف الجنس سهل تميّز الأنواع بعضها عن بعض لظهور أنّ الأفعال الصّادرة بالآلات عن الأحياء من الأرضيّات على أقسام ثلاثة.

قسمٌ يعمّ الأحياء وغيرها ممّا يفعل بالآلات، كالتّغذية والتّنمية والتّوليد .


1 . طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النّفس / 5 ـ 12 .
2 . أي المصنّف (رحمه الله) .


صفحه 437

وقسمٌ يخصّها شاملاً لجميع أنواعها، كالحسّ والحركة الإراديّة .

وقسمٌ يخصّها مختصاً ببعض منها، كالتّعقل .

وما يصدر عنه الأخصّ يصدر عنه الأعمّ من غير عكس، فما يصدر عنه التّعقل يصدر عنه جميع أفعال الحياة، فهو نوعٌ من النّفس الأرضيّة، وما يصدر عنه الحسّ والحركة يصدر عنه التغذية ونحوها دون التعقّل، وهو نوع آخر، وما لا يصدر عنه إلاّ القسم العامّ نوع ثالث، فإذا أريد تعريف نوع نوع من هذه الأنواع الثلاثة قيل في تعريف النّفس النّباتيّة بعد قولنا: إلى يغتذي وينمو ويولّد فقط بدلاً عن قولنا: ذي حياة بالقوّة، وفي تعريف النّفس الحيوانيّة يغتذي، ونحوه ويحسّ ويتحرّك فقط، وفي تعريف النّفس الإنسانيّة يغتذي ونحو ويحسّ ويتعقّل جميعاً.

فهذه القيود الثّلاثة قد اشتمل عليها قيد ذي حياة بالقوّة، ولو قيل بدل هذه القيود في الأوّل من جهة ما يغتذي وينمو ويولد فقط، وفي الثّاني من جهة ما يحسّ ويتحرّك فقط، وفي الثّالث من جهة ما يتعقل فقط، لصح أيضاً ويرجع إلى ما ذكرنا.

ويمكن أن يكون مراد المصنّف من قوله: «ذي حياة بالقوّة» ما من شأنّه أن يصدر عنه جميع أفعال الحياة، فيصير مختصاً بالإنسان ويخرج النفس النباتيّة والحيوانية بهذا القيد، ويصير التّعريف تعريفاً للنّفس الإنسانيّة على ما هو المقصود ولو لا تصريحه في " شرح الإشارات " (1) على ما نقلنا:


1 . انظر: شرح الاشارات والتنبيهات: 2 / 290 ـ 291.


صفحه 438

بأنّ المراد من ذي حياة بالقوّة هو المعنى الأعمّ، وهو الّذي ذكرناه أوّلاً، لأمكن الجزم بهذا التّوجيه الثّاني.

وأمّا توجيه الحصر المستفاد من قوله: «وأمّا النّفس فهو كمالٌ أوّل الخ» حيث يدلّ على أنّ النّفس الخارجة من القسمة وهي المجرّدة منحصرة في هذا المعرّف فمشكل على التوجيهين لمكان النّفوس المجرّدة الفلكيّة .

أمّا على التّوجيه الثّاني فظاهرٌ، وأمّا على الأوّل فكذلك أيضاً.

فإنّ النّفس المجردّة غير منحصرة فيما هذا المعرّف جنس له ـ أعني: النّفس النّاطقة ـ اللّهم إلاّ أن يكون المصنّف غير قائل في هذا الكتاب بالنّفس المجردّة في الأفلاك، بل بالمنطبعة فقط، كما كان رأي المشّائين قبل الشيخين .(1)

ثمّ إنّ فائدة قيد ذي حياة بالقوّة على ما ظهر من كلام " الشّفاء " هو الاحتراز عن النّفس السّماوية عند من يرى كون الفلك جسماً آلياً، فإنّ ما يصدر عنه من أفاعيل الحياة يكون بالفعل ودائماً، وإلاّ فلا حاجة إلى هذا القيد، ولهذا لم يذكره الأكثرون .

وذهب أبو البركات (2) إلى أنّه: «إنّما يذكر عوض قولهم: «آليّ» فيقال: كمال أوّل طبيعي لجسم ذي حياة بالقوّة .(3)


1 . أي: الفارابي والشيخ الرئيس.
2 . لاحظ : المعتبر في الحكمة: 2 / 299 ـ 300 .
3 . أي من شأنه أن يحيا بالنشور ويبقى بالغَذاء، وربّما يحيا بالإحساس والتّحريك.


صفحه 439

وعبارة القدماء (1): كمال أوّل طبيعيّ آليّ.

واحترزوا بطبيعيّ عن الكمالات الصناعيّة، كالتشكيلات الحاصلة بفعل الإنسان .

وقد يقال: كمال أوّل لجسم طبيعيّ آليّ (2) بتأخّر طبيعيّ، وهو إمّا غلط في النّقل، وإمّا مقصود به المعنى الّذي ذكرنا .

كذا نقل عنه شارح المقاصد، ثمّ قال: «فظهر أنّ ما يقال من أنّ بعضهم رفع طبيعيّاً صفة لكمال، ليس معناه أن يرفع مع التّأخّر صفة لكمال، ويخفض بعده آليّ صفة لجسم، فإنّه في غاية القبح، وكذا لو رفع حينئذ آليّ صفة لكمال مع ذكر ذي حياة صفة لجسم، بل معناه أنّه تقدّم فيرفع على ما قال الإمام: إنّ بعضهم جعل طبيعيّاً صفة للكمال فقال: كمال أوّل طبيعي لجسم أوّل آلي(3). انتهى كلام " شرح المقاصد " (4) ».


1 . ومنهم أرسطوطاليس. لاحظ : الآراء الطبيعيّة: 157 .
2 . لاحظ : الآراء الطبيعيّة: 158 ; وكتاب النّفس لابن باجة: 28 ـ 29 ; والمعتبر في الحكمة: 2 / 300.
3 . لاحظ : المباحث المشرقية: 2 / 223 .
4 . شرح المقاصد: 3 / 300 .


صفحه 440

المسألة الثّالثة

في مغايرة النّفس النّاطقة للمزاج والبدن

قال: وهي مغايرةُ لما هي شرطٌ فيه لاستحالة الدّور، وللممانعة في الاقتضاء، ولبطلانِ أحدهما مع ثبوت الآخر.

وهي مغايرةٌ لما يقع الغفلة عنه، ولما يقع المشاركة به، ولما يقع التبدّل فيه .

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان مغايرة النّفس النّاطقة للمزاج وللجسميّة الخاصّة، أعني: البدن .

وأخر أنّه للجسميّة المشتركة، وهي، أعني: المغايرة أعمّ من التجرّد كما سيأتي في المسألة الآتية.

واحتجّ على الأوّل بوجوه :(1)

الوجه الأوّل: وهو ما يدلّ على مغايرة النفس النّاطقة من حيث هي نفس، يلزم من حيث هي صورة نوعيّة مطلقاً للمزاج، هو أنّ المزاج واقع بين اضداد متداعية إلى الإنفكاك وهو ظاهر، فيحتاج إلى جابر جامع إيّاها


1 . أي مغايرة النفس النّاطقة للمزاج. لاحظ : شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 298 ـ 305 ; والتحصيل: 729 ـ 739 / الفصل الثّاني من كتاب النّفس ; وكشف المراد: المسألة الثّالثة من الفصل الرّابع من المقصد الثّاني; وشرح تجريد العقائد: 196 ـ 197 ; وشرح المقاصد: 3 / 305 ـ 308 و 331 ـ 332 ; والأسرار الخفيّة في العلوم العقليّة: 369 ـ 370 .


صفحه 441

حافظ لها على الاجتماع وهو النّفس، فالنّفس متقدّمة على الالتيام المتقدّم على المزاج، فيكون متقدمة على المزاج وشرطاً لحصوله، فكيف يكون نفسه ؟

وإليه أشار بقوله: وهي مغايرةٌ لما هي شرطٌ فيه لاستحالة الدّور.

وعليه إعتراض مشهور: وهو أنّكم قلتم إنّ المركّبات إنّما يستعدّ لقبول صورها من مبدئها بحسب أمزجتها المختلفة، فيجب من ذلك تقدّم الأمزجة على تلك الصّور.

وهاهنا تقولون: إنّ النّفس الّتي هي صورة للحيوان جامعة لأسطقساته متقدمة على المزاج، وهل هذا إلاّ تناقض ؟

وأجاب الإمام عن ذلك(1) : بأنّ الجامع لأجزاء النّطفة نفس الوالدين.

ثمّ إنّه بقى ذلك المزاج في تدبير نفس الأمّ إلى أن يستعدّ لقبول نفس، ثّم إنّها تصير بعد حدوثها حافظة له وجامعة لسائر الأجزاء بطريق إيراد الغذاء.

ونقل في بعض رسائله عن الشّيخ (2) لمّا طالبه بهمنيار بالحجّة على أنّ الجامع للعناصر في بدن الإنسان هو الحافظ لها .

أنّه قال: كيف أبرهن على ما ليس .

فإنّ الجامع لأجزاء بدن الجنين هو نفس الوالدين، والحافظ لذلك


1 . لاحظ : شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 303 ـ 304 .
2 . انظر: المباحثات: 170 / برقم ـ 482 ـ 484 و 269 ـ 270 / برقم 781 و 782 .


صفحه 442

الاجتماع أوّلاً القوّة المصوّرة لذلك البدن، ثمّ نفسه الناطقة.

ثمّ قال: وتلك القوّة ليست قوّة واحدة باقية في جميع الأحوال، بل هي قوى متعاقبة بحسب الاستعدادات المختلفة لمادّة الجنين.

وبالجملة: فإنّ تلك المادّة تبقى في تصرّف المصوّرة إلى أن يحصل تمام الاستعداد لقبول النّفس النّاطقة، فحينئذ توجد النّفس .

وأورد عليه المصنّف: بأنّ هذا مخالفٌ لما صرّح به الشّيخ، حيث قال في "الشّفاء " (1): «فالنّفس الّتي لكلّ حيوان هي جامعة أُسطقسّات بدنه، ومؤلّفها، ومركّبها على نحو تصلح معه أن تكون بدناً لها، وهي حافظة لهذا البدن على النّظام الّذي ينبغي .(2)

وبأنّه إن كانت نفس الأُمّ مدبّرة للمزاج، فكيف فوضّت التّدبير بعد مدّة إلى النّاطقة؟ وإنّما يجري أمثال هذا بين فاعلين غير طبيعيّين يفعلان بإرادات متجدّدة .

وبأنّه إن كانت المصوّرة مدبّرة، وهي من القوى الخادمة للنّفس الّتي تكون بمنزلة آلات لها.

فكيف حدثت (3) قَبل حدوث النّفس الّتي هي مخدومها؟ وكيف فعلت بذاتها؟


1 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 2 / النفس / 25.
2 . فقول الشيخ في «الشّفاء» و «الاشارات» يخالف ما ذهب إليه الفاضل الشّارح هاهنا، وما نقله عن الشّيخ في رسالته، وأيضاً إن كانت نفس الأمّ الخ.
3 . في المصدر: «فكيف خدمت المصوّرة».


صفحه 443

فإنّ الآلة ليست من شأنها أن تفعل من غير مستعمل إيّاها. هذا إيراده على الإمام (1) .

وتجويز كون المتصوّرة القائمة بالمني خادمة لنفس الأمّ مستنداً بكونها فائضة لتصوير أجزائه وتشكيلاتها، كما توهّمه صاحب المحاكمات،(2) ليس بسديد كما لا يخفى .

ثمّ قال (3): «وما تقتضيه القواعد الحكميّة الّتي أفادها الشّيخ وغيره هو أنّ نفس الأبوين تجمع بالقوّة الجاذبة أجزاء غذائيّة، ثمّ تجعلها أخلاطاً وتفرز منها بالقوّة المولّدة مادّة المني وتجعلها مستعدّة لقبول قوّة من شأنها إعداد المادّة لصيرورتها إنساناً فتصير بتلك القوّة منيّاً وتلك القوّة تكون صوّرة حافظة لمزاج المني كالصُّور المعدنيّة، ثمّ إنّ المني يتزايد كمالاً في الرّحم بحسب استعدادات تكتسبها هناك إلى أن يصير مستعدّاً لقبول نفس أكمل يصدر عنها مع حفظ المادّة الأفعال النّباتيّة، فتجذب الغذاء وتضيفها إلى تلك المادّة فتنميها وتتكامل المادّة بتربيتها إيّاها فتصير تلك الصّورة مصدراً مع ما كان يصدر عنها لهذه الأفاعيل، وهكذا إلى أن تصير مستعدّة لقبول نفس أكمل يصدر عنها مع جميع ما تقدّم الأفعال الحيوانيّة أيضاً .

فتصدر عنها تلك الأفعال أيضاً فيتمّ البدن ويتكامل إلى أن يصير


1 . انظر: شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 304 .
2 . لاحظ : المحاكمات بين شرحي الإشارات: 2 / 304 .
3 . أي المصنّف في «شرح الإشارات» .


صفحه 444

مستعدّاً لقبول نفس ناطقة يصدر عنها مع جميع ما تقدّم النّطق وتبقى مدبّرة في البدن إلى أن يحلّ الأجل .

وقد شبّهوا تلك القوى في أحوالها من مبدأ حدوثها إلى استكمالها نفساً مجرّدة بحرارة تحدث في فحم من نار مشتعلة تجاوره، ثمّ تشتدّ .

فإنّ الفحم بتلك الحرارة يستعدّ لأن يتجمّر، وبالتجمّر يستعدّ لأن يشتعل ناراً شبيهة بالنّار المجاورة.

فمبدأ الحرارة الحادثة في الفحم كتلك الصّورة الحافظة، واشتدادها كمبدأ الأفعال النّباتيّة، وتجمّرها كمبدأ الأفعال الحيوانيّة، واشتعالها ناراً كالنّاطقة.

وظاهر أنّ كلّما يتأخّر يصدر عنه مثل ما يصدر عن المتقدّم وزيادة .

فجميع هذه القوى كشيء واحد متوجّه من حدٍّ مّا من النّقصان إلى حدٍّ مّا من الكمال، واسم النّفس واقع منها على الثّلاثة الأخيرة.

فهي على اختلاف مراتبها نفس لبدن المولود.

ويتبيّن من ذلك أنّ الجامع للأجزاء الغذائيّة الواقعة في المنيّين هو نفس الأبوين وهو غير حافظها والجامع للأجزاء المضافة إليها إلى أن يتمّ البدن وإلى آخر العمر، والحافظة للمزاج هو نفس المولود، وقول الشّيخ: «إنّهما واحدٌ» بهذا الاعتبار، وقوله: «إنّ الجامع غير الحافظ» بالاعتبار الأوّل.

وبالجملة: فالغرض هاهنا على التّقديرين ـ أعني: أنْ يكون الجامع


صفحه 445

والحافظ شيئين أو شيئاً واحداً ـ حاصل، لأنّ المزاج محتاج إلى شيء آخر هو النّفس سواء كانت نفس ذلك البدن أو نفساً أُخرى. انتهى» (1) .

وهذا هو الجواب عن الاعتراض المذكور وحاصله: أنّ المزاج الواقع بين أجزاء المني أوّلاً يتوقّف على نفس الأبوين ليجمع تلك الأجزاء ويحفظها معاً، ويتوقّف على هذا المزاج الصّورة الكماليّة الحافظة للتّركيب ـ أعني: الصّورة المنويّة ـ ثمّ إذا وقع في الرّحم يحصل لها باستعدادات يكتسبها هناك الصّورة الفاعلة للأفعال النّباتيّة، ويحصل له فيه بالتّغذية والتّنمية مزاج آخر يتوقّف جمعاً وحفظاً على هذه الصّورة الّتي هي نفس نباتيّة للمولود، فيستعدّ به، لأن يفيض عليه الصّورة الفاعلة لأفعال الحيوان فيكمل له أمر التّغذية والتّنمية، والمزاج الحاصل له بتكامل التّغذية والتّنمية يتوقّف على هذهِ الصّورة الّتي هي نفس حيوانيّة للمولود جمعاً وحفظاً، ويتوقّف عليه تعلّق النّفس النّاطقة، فيبلغ أمر التّغذية والتّنمية بنوع من التّدبير غاية الكمال، فيحصل له مزاج هو أكمل الأمزجة في شأن هذا الشّخص، ويتوقّف هذا المزاج الكامل جمعاً وحفظاً على النّفس النّاطقة إلى حلول الأجل، فيكون كلّ مزاج موقوفاً حدوثاً وبقاءً على صورة أو نفس ليست هي موقوفة على ذلك المزاج الّذي هو مقارن لها بالزّمان، بل على مزاج آخر سابق عليه بالزّمان سبق المعدّ لما هو معدّ له ولا يلزم الدّور.

فمناط الجواب: إنّما هو على احتياج كلّ مزاج إلى علّة مبقية له مجامعة


1 . شرح الإشارات والتّنبيهات: 2 / 304 ـ 305 .


صفحه 446

معه سواء كانت عين العلّة المحدثة أو غيرها، فلا يمكن الذّهاب إلى غير النّهاية، وإلاّ لزم التّسلسل المحال.

فلا يرد ما توهّمه الشارح القوشجي ما حاصله (1): تجويز توقّف كلّ مزاج على نفس سابقة عليه، وتوقّف كلّ نفس على مزاج سابق عليها، وهكذا إلى غير النّهاية، هذا.

واعلم، أنّ التّحقيق على ما هو الظاهر من الجواب المذكور .

وصرّح به المحقّق الشّريف وغيره من المحقّقين: هو أنّ مادّة بدن الإنسان تخلع صورة وتلبس أُخرى إلى أن يستعدّ لتدبير النّفس النّاطقة، لا ما توهّمه بعضهم من كون البدن الإنساني مشتملاً على صورة بدنيّة معدنيّة لحفظ التّركيب، ونفس نباتيّة للتّغذية والتّنمية والتّوليد، ونفس حيوانيّة للإحساس والتحريك، ونفس ناطقة للتعقّل والتدبّر، فإنّ ذلك سخيف جدّاً.

وقال في شرح المقاصد: «إنّ ذلك مقتضى قواعدهم من أنّ كل نفس مبدأ لآثار مخصوصة، وأنّ لكلّ نوع من الأجسام صورة نوعيّة، هي جوهر حالّ في المادّة، وأنّ البدن الإنساني يتمّ جسماً خاصّاً، ثم تتعلّق به النفس الناطقة، لكن ذكر في " شرح الإشارات " وغيره: أن ليس الأمر كذلك. انتهى».(2)

فإن قيل: بدن الجنين إذا خلع الصّورة النّباتيّة ولبس الصّورة الحيوانيّة،


1 . انظر: شرح تجريد العقائد: 196 .
2 . لاحظ : شرح المقاصد: 3 / 303.


صفحه 447

فعند تعلّق النّفس النّاطقة المجرّدة لو خلع الصّورة الحيوانية أيضاً، لزم بقاء المادّة بلا صورة مخالطة لها قائمة بها مقوّمة إيّاها ضرورة امتناع كون المجرّد صورة مقوّمة للمادّة.

وما قيل: من أنّ النّفس النّاطقة تفيض منها صورة نوعيّة انسانيّة هي آلة لتصرفها في البدن كما سيأتي بعيد عن التّحقيق، على أنّه على ذلك التّقدير أيضاً بعد تعلّق النّاطقة، وقبل فيضان تلك الصّورة ولو بالذّات يلزم الأشكال بعينه.

قلنا: لا برهان على امتناع كون المجرّد صورة مقومّة للمادّة مطلقاً، إنّما الممتنع كون المجرّد مقوّماً للمادّة لقيامه بالمادّة، وليس بمعتبر في التقويم أن يكون المقوّم قائماً بما هو مقوّم له، وسيأتي بيان كيفيّة كون النّفس النّاطقة صورة نوعيّة للمادّة الإنسانيّة إن شاء الله العزيز .

الوجه الثّاني: ما اشار إليه بقوله: وللممانعة في الاقتضاء .(1)

وتقريره: أنّ النّفس والمزاج قد يتمانعان في الاقتضاء، فإنّ كثيراً ما يريد النّفس الحركة إلى جهة والمزاج يمانعها في نفس الحركة، بأن يقتضي السّكون كالماشي على الأرض، أو في جهتها، بأن يقتضي الحركة إلى جهة أُخرى كالصّاعد إلى موضع عال، والتمانع في الاقتضاء يدلّ على مغايرة المقتضيين.


1 . يعني أنّ النّفس تقتضي شيئاً والمزاج يقتضي شيئاً آخر، فإنّ الماشي مزاجه يقتضي السّكون ونفسه تقتضي الحركة، فيبيّن أنّهما شيئان، إذ لا يعقل أن يقتضي شيء واحد أمرين متقابلين.


صفحه 448

فإن قلت (1): الممانع للنّفس في الحركة، أو في جهتها، هو طبايع الممتزجات وهي غير المزاج.

قلت: المزاج كيفيّة تابعة لتلك الطبايع، فلا يجوز أن يخالفها في الاقتضاء .

الوجه الثّالث: أنّ المزاج يزول بحسب الإنسان كالطّفل، والشاب، والشيخ، والنّفس باقيّة لا تزول، والباقي غير الزائل .

وإليه أشار بقوله: ولِبطلانِ أحدهما مع ثبوت الآخر.

وقد يقرّر هذا الوجه: بأنّ النّفس باقية عند بطلان المزاج، لأنّه إذا أوردا على البدن كيفيّة مضادّة لمزاجه كما إذا غلب عليه برودة شديدة، أو حرارة شديدة، فإنّه يبطل حينئذ الكيفيّة المزاجية الأصلية ويحدث كيفيّة أُخرى مشابهة للكيفيّة المضادّة الواردة عليه مع أنّ النّفس باقية غير باطلة، لكونها مدركة لتلك الكيفيّة المضادّة، ولا يمكن أن يكون المدرك لها هو الكيفيّة المزاجيّة الأصليّة لبطلانها، ولا الكيفية المزاجيّة العارضة لمشابهتها إيّاها، والإدراك إنّما يكون بالانفعال، والشيء لا ينفعل عن شبيهه .

وقد يلخّص هذا التّقرير، فيحصل وجه على حدة وهو أن يقال: لو كان مبدأ الإدراك ـ أعني: النّفس ـ هو المزاج لم يحصل إدراك باللّمس، لأنّ المزاج كيفيّة ملموسة، فالوارد عليه إن كان شبيهة لم ينفعل عنها فلا يدرك، وإن كان كيفيّة مضادّة له انعدم بها، فكيف يدركها، هذا .


1 . القائل هو الشّارح القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 196 .


صفحه 449

وإلى الثّاني(1) ، أعني: مغايرة النفس للبدن وأجزائه (2) وهو المراد بالجسميّة الخاصّة.

أشار بقوله: وهي مغايرة لما يقع الغفلة عنه.

وهو إشارة إلى ما قاله في " الإشارات " من قوله: «أرجع إلى نفسك وتأمّل: هل إذا كنت صحيحاً، بل وعلى بعضِ أحوالك بحيث تفطن للشيء فِطنةً صحيحة، هل تَغفُل عن وجودِ ذاتك ولا تثبت نفسَك؟

ما عندي أنّ هذا يكون للمستبصر، حتّى أنّ النائم في نومه والسّكران في سُكره لا تَعزبُ ذاته عن ذاته، وإن لم يثبت تمثّلُهُ لذاته في ذكره.

ولو توهَّمت أنّ ذاتك قد خُلِقتَ أوّلَ خلقها صحيحة العقل والهيئة، وفرض أنّها على جملة من الوضع والهيئة لا تُبصِر أجزاؤها ولا تتلامس أعضاؤها، بل هي منفرجة ومعلَّقة لحظةً مّا في هواء طلق، وجدتَها قد غفلت عن كلِّ شيء إلاّ عن ثبوت إنيّتها».(3)

وقال في " الشّفاء " بعد الفراغ عن تحديد النّفس بهذه العبارة: «ويجب أن نشير في هذا الموضع إلى إثبات وجود النّفس الّتي لنا إثباتاً على سبيل التّنبيه والتّذكير إشارة شديدة الموقع عند من له قوّة على ملاحظة الحقّ نفسه من غير احتياج إلى تثقيفه وقرع عصاه وصرفه عن المغلطات.


1 . أي واحتجّ على الثّاني الخ .
2 . نسب إلى جمهور المتكلّمين أنّهم ذهبوا إلى أنّ النّفس الناطقة هي البدن. كما في: المطالب العالية من العلم الالهي: 7 / 35 ; وشرح المواقف: 7 / 250 .
3 . الإشارات والتنبيهات: 233.


صفحه 450

فنقول: يجب أن يتوهّم واحد منّا كأنّه خلق دفعة وخلق كاملاً، لكنّه حجب بصره عن ملاحظة الخارجات، وخلق يهوي في هواء أو خلاء هويّاً لا يصدمه فيه قوام الهواء صدم مّا يحوج إلى أن يحسّ، وفرّق بين أعضاء فلم تتلاق ولم تتماسّ، ثم يتأمّل هل ثبت وجود ذاته ؟

فلا يشكّ في إثباته لذاته موجوداً ولا يثبت مع ذلك طرفاً من أعضائه ولا باطناً من أحشائه، ولا قلباً ولا دماغاً ولا شيئاً من الأشياء من خارج، بل كان ثبت ذاته ولا يثبت لها طولاً ولا عرضاً ولاعمقاً، ولو أنّه أمكنه في تلك الحالة أن يتخيّل يداً أو عضواً آخرَ لم يتخلّله جزء من ذاته ولا شرطاً في ذاته، وأنت تعلم أنّ المثبت غير الّذي لم يثبت .

فإذن المثبتة سبيل إلى أن ينتبه على وجود النّفس شيئاً غير الجسم، بل غير جسم، وأنّه عارف به مستشعر له، وإن كان ذاهلاً عنه يحتاج أن يقرع عصاه. انتهى كلام الشّفاء». (1)

فإن قيل(2): إنّ ذات الإنسان عندنا هي أجزاؤه الأصليّة الجسمانية، ولا نسلّم أنّه يغفل عنها، بل إنّما يغفل عن الأجزاء الفضليّة وعن الأعراض والقوى الحالة فيها.

قلنا: لو كان المراد من الأجزاء الأصليّة هي الأعضاء المتكونة عن النّطفة كما هو الظاهر، فامكان الغفلة عنها لا يقبل المنع كيف وهي الأعضاء المأخوذة في تقرير هذا التّنبيه، وإن كان المراد منها هو الأجزاء الّتي لا


1 . طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النّفس / 13.
2 . ذكره الشارح القوشجي وأجاب عنه. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 197 .


صفحه 451

يتجزأ، أو أمراً آخر، فالمطلوب هاهنا ليس نفي ذلك كما لا يخفى .

وأمّا ما قيل (1) في الجواب: من أنّه لو كان لا يغفل عن أجزائه الأصليّة لكان عالماً بأنّها ما هي لا نقول يجب أن يعلمها بحقيقتها، بل لوجه يمتاز عمّا عداها من سائر الأعضاء وغيرها، وأكثر النّاس لا يعلمونها كذلك مع أنّهم يعلمون انفسهم ولو بوجه يمتاز به عمّا عداها .

ففيه: منع هذه الملازمة كما لا يخفى على المتأمّل .

وأشار إلى الثّالث ـ أعني: مغايرة النّفس للجسميّة المشتركة ـ بقوله: ولما تقع المشاركةُ به.

يعني أنّ الجسميّة هي ما به يشارك كلّ بدن مع غيره من الأبدان والنّفس هي ما به يمتاز كل احد عن غيره وما به الاشتراك غير ما به الامتياز بالضّرورة، فالنفس غير الجسميّة .

فإن قيل (2): إن أراد بالجسميّة طبيعتها الكليّة المشتركة فذلك ممّا لايشتبه على أحد، فكيف يجعل مسألة، وإن أراد أن الجسم المشخّص، فذلك هو البدن بعينه، وليس ممّا يقع به فيه الشركة.

قلنا: المراد هو الجسميّة المشتركة باعتبار حصصها المتعيّنة بالإضافة وذلك ليس ممّا لا يمكن أن يشتبه، فتدبّر.

وأمّا قوله: ولما تقع التبدّلُ فيه، فإشارة إلى وجه عام للثّلاثة.

وتقريره: أنّ البدن وأجزاءه الجسميّة دائمة التبّدل بالتّحلل والاغتذاء، وكذا ما يحلّ فيها لاستلزام تبدّل المحلّ بتبدّل الحالّ مع كون النّفس باقية


1 . القائل هو الشارح القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 197 .
2 . القائل هو الشارح القوشجي. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 197 .


صفحه 452

بالضّرورة، وغير المتبدّل غير المتبدّل، فالنّفس مغايرة لجميع تلك الأُمور .

وما قيل عليه (1): من أنّ التبدّل إنّما يقع في الأجزاء الفضليّة دون الأصليّة الّتي لعلّها هي النّفس، أو ما يحلّ فيها .

ففيه أيضاً: أنّ المراد من الأجزاء الأصليّة لو كان ما ذكرنا فمنع وقوع التّبدّل فيها لا ينبغي أن يصدر من المحصّلين وإلاّ فليس الغرض هاهنا إثبات مغايرة النّفس لها.

واعلم، أنّ الاستدلال يتبدّل المحلّ على تبدّل الحالّ، لو صحّ مطلقاً، لزم أن لايكون نفوس الحيوان والنّبات أيضاً صوراً حالة في محالّها ضرورة بقاء الذّات فيهما أيضاً .

ولهذا ذهب بعضهم إلى تجرّد تلك النّفوس، وإليه مالَ صاحب الإشراق .(2)

والتحقيق: أنّ هذا الاستدلال إنّما يصحّ فيما كان الحالّ عرضاً .

وأمّا إذا كان صورة جوهريّة، فلا يصحّ، لجواز أن يكون المادّة معتبرة على وجه الإبهام، فيجوز أن يتبدّل، ولا يلزم منه تبدّل الصّورة، وهذا لا يضرّ مقصد المصنّف، إذ نفى كون النّفس صورة ماديّة ليس بمقصود في هذه المسألة كما أشرنا إليه غير مّرة، فلا ينتقض هذا الدّليل بنفوس الحيوان والنّبات .


1 . ذكره الشارح القوشجي وأجاب عنه. لاحظ : شرح تجريد العقائد: 197 .
2 . لاحظ : المشارع والمطارحات: 496 / الفصل الرّابع من المشرع السّابع; وحكمة الإشراق: 204 ـ 206.


صفحه 453

المسألة الرّابعة

في تجرّد النّفس النّاطقة

قال: وهي جوهرٌ مجرّدٌ لتَجرّد عارضها، وعدم انقسامهِ، وقوّتها على ما تعجز عنه المقارناتُ، ولحصولِ عارضها بالنّسبة إلى ما يعقل محلاًّ منقطعاً، ولاستلزامِ استغناءَ المعروض، ولانتفاء التبعيّة، ولحصول الضّد.

أقول: إنّ هذه المسألة في بيان تجرد النّفس الناطقة وأنّها ليست بجسم ولاقائمة في جسم ومادّة أصلاً.

واعلم، أنّ النّاس اختلفوا في حقيقة النّفس اختلافاً عظيماً(1):

فقيل: هي النّار السّارية في الهيكل المحسوس.(2)

وقيل: الهواء .(3)


1 . راجع لمزيد الاطلاع حول الأقوال في النّفس: طبيّعيات الشفاء: 2 / 14 ـ 21 / كتاب النفس / الفصل الثّاني من المقالة الأُولى ; ونقد المحصلّ: 378 ـ 382 ; والمطالب العالية من العلم الإلهي: 7 / 35 ـ 138 / المقالة الثّانية; وشرح المقاصد: 3 / 298 ـ 316 ; وشرح المواقف: 7 / 247 ـ 250 ; واللّوامع الإلهيّة في المباحث الكلاميّة: 419 ـ 420 و 542 ـ 554 .
2 . هذا قول ذيمقراطيس = Democritus (460 ـ 360 ق. م) وفلوطرخس = Plutarchus(46 ـ 127 پ. م). لاحظ : كتاب النفس لأرسطو: 8 ; والآراء الطبيعيّة لفوطرخس: 159.
3 . القائل هو ديوجانس الكلبي = Diegene - Lecynique (413 ـ 327 ق. م) ; واصحاب انكساغوراس. لاحظ: الآراء الطبيعية: 158 ; والبراهين في علم الكلام: 1 / 273 .


صفحه 454

وقيل: الماء .(1)

وقيل: العناصر الأربعة والمحبّة والغلبة ; أي الشّهوة والغضب .(2)

وقيل: الأخلاط الأربعة .(3)

وقيل: الدّم.(4)

وقيل: نفس كلّ شخص (5) مزاجه الخاص.(6)

وقيل: جزأ لا يتجزّأ في القلب.(7)

وكثير من المتكلّمين; على أنّها الأجزاء الأصليّة الباقية من أوّل العمر إلى آخره، وكأنّ هذا مراد مَنْ قال: هي هذا الهيكل المخصوص والبنيّة المحسوسة; أي الّتي من شأنها أن يحسّ بها.

وجمهورهم; على أنّها جسم مخالف الماهيّة للجسم الّذي يتولّد منه


1 . هذا قول طاليس الملطي = Thalesdemilet (640 ـ 548 ق. م). لاحظ: البراهين في علم الكلام: 1 / 273 .
2 . هذا قول إنباذقلس = Empedocles (492 ـ 430 ق. م). انظر: كتاب النفس لأرسطو: 9 ; وطبيعيّات الشّفاء: 2 / 15 / كتاب النفس. وكذلك أبيقور = Epicure (341 ـ 271 ق. م) وديكارخس = Dicaerchus. لاحظ: الآراء الطبيعيّة: 157 ـ 158 .
3 . وهي الدّم والبلغم والصفرة والمرة.
4 . القائل هو قريطياس = Qritias (م / 403 ق. م). انظر: كتاب النفس لأرسطو: 12.
5 . في نسخة د: «شيء».
6 . وهو قول جالينوس كلاوديوس = Galien,Qlaude (131 ـ 201 پ. م) لاحظ : تعليقات المحقّق السبزواري على الأسفار المطبوع مع الأسفار: 8 / 10 .
7 . هذا قول أحمد بن يحيى بن الرّاوندي المعتزلي المتوفى (298 هـ . ق). لاحظ: المواقف في علم الكلام: 259 ; ومحصل أفكار المتقدمين والمتأخرين: 172.


صفحه 455

الأعضاء، نورانيّ، علويّ، خفيف، حيّ لذاته، نافذ في جواهر الأعضاء، سار فيها سريان ماء الورد في الورد، والنّار في الفحم، لا يتطرّق إليه تبدّل ولا انحلال بقاؤه في الاعضاء حياة، وانتقاله عنها إلى عالم الأرواح موت .

وقيل (1): أنّها أجسام لطيفة متكّونة في القلب سارية في الأعضاء من طريق الشرايين، أي العروق الضاربة أو متكوّنة في الدماغ نافذة في الأعضاء الثابتة إلى جملة البدن .

واختيار المحقّقين من الفلاسفة، وأهل الإسلام (2): أنّها جوهر مجرّد في ذاته متعلّق بالبدن تعلّق التّدبير والتّصرف، ومتعلّقه أوّلاً هو ما ذكره المتكلّمون من الرّوح القلبي المتكوّن في جوفه الأيسر من بخار الغذاء ولطيفه وتفيده قوّة بها يسري في جميع البدن فيفيد عند كلّ عضو قوّة يتمّ بها نفعه من القوى الّتي سيأتي ذكرها.

وتمسّك القائلون بكونها من قبيل الأجسام بوجوه :

الأوّل: أنّ المدرك للكليّات ـ أعني: النفس ـ هو بعينه المدرك


1 . القائل هو إبراهيم بن النظام المتوفى (231 هـ . ق) على ما نقل في المواقف في علم الكلام: 259 ; ومحصل أفكار المتقدمين والمتأخرين: 172.
2 . وهو قول أبو حامد الغزالي المتوفى (505 هـ . ق)، وأبو القاسم الراغب الاصفهاني المتوفى (502 هـ . ق) من الأشاعرة; واسماعيل بن علي بن اسحاق بن أبي سهل النوبخت المتوفى (311 هـ . ق) ومحمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد المتوفى (413 هـ . ق) والمصنّف (رحمه الله)، من الإماميّة; ومن المعتزلة: معمّر بن عباد السّلمي واتباعه. لاحظ: المطالب العالية من العلم الإلهي: 7 / 381 ; وكشف المراد: المسألة الخامسة من الفصل الرّابع من المقصد الثّاني ; وأُصول الدّين للفخر الرّازي: 117 ـ 118 ; ومشكلة الصراع بين الفلسفة والدّين: 134 ـ 136 ; ومصطلحات جامع العلوم: 943 .


صفحه 456

للجزئيّات، لأنّا نحكم بالكلي على الجزئي، كقولنا: هذه الحرارة حرارة، والحاكم بين الشيئين، لابدّ أن يتصوّرهما، والمدرك للجزئيات جسم، لأنّا نعلم بالضّرورة أنّا إذا لمسنا النّار، كان المدرك لحرارتها، هو العضو اللاّمس، ولأنَّ غير الإنسان من الحيوانات يدرك الجزئيات، مع الاتّفاق على أنّا لا نثبت لها نفوساً مجرّدة.

وردّ: بأنّا لا نسلّم أنّ المدرك لهذه الحرارة هوالعضو اللاّمس، بل النّفس بواسطته .

فإن قيل (1): يلزم: إمّا إثبات النّفوس المجردّة للحيوانات الأخر، وإمّا كون جعل إحساساتها للقوى والأعضاء، وإحساسات الإنسان للنّفس بواسطتها مع القطع بعدم التفاوت تهكّماً.

قلنا: احساسات سائر الحيوانات أيضاً إنّما هي لنفوسها المنطبعة بواسطة تلك الأعضاء والقوى، لا لنفس تلك القوى والأعضاء، ولا يلزم من كون النّفس المنطبعة الّتي هي الصّورة النّوعيّة الحيوانيّة مدركة أن يكون كلّ قوّة منطبعة، وإن لم يكن صوّرة نوعيّة أيضاً مدركة، فليتدّبر .

الثّاني: أنّ كلاًّ منّا يعلم قطعاً أنّ المشار إليه بأنّا وهو معنى النّفس، يتصّف بأنّه حاضرٌ هناك، وقائمٌ وقاعدٌ وماش وواقفٌ ونحو ذلك من خواصّ الأجسام، والمتصّف بخاصّة الجسم جسم .

وقريب من ذلك ما يقال: إنّ للبدن إدراكات هي بعينها إدراكات المشار


1 . القائل هو شّارح المقاصد. انظر: شرح المقاصد: 3 / 306.


صفحه 457

إليه بأنّا ـ أعني: النفس ـ مثل إدراك حرارة النّار وبرودة الجَمد، وحلاوة العسل، وغير ذلك من المحسوسات، فلو كانت النّفس مجردّة، بل مغايرة للبدن، امتنع أن تكون صفتها عين صفته .

والجواب: أنّ المشار إليه بأنّا وإن كان هو النّفس على الحقيقة، لكن كثيراً ما يشار به إلى البدن أيضاً، لشدّة ما بينهما من التّعلق، بحيث توصف بخواصّ الأجسام كالقيام والقعود، وكإدراك المحسوسات عند من يجعله لنفس الأعضاء والقوى لا للنفس بواسطتها، فإنّ المراد به البدن لتلك العلاقة لا للغفلة .

وعدم الفرق بين المشار إليه بـ «أنّا» وبين «البدن» كما توهّم (1) من هذا الكلام، ليلزم كون النّفس في غاية الغفلة .

الثّالث: أنّها لو كانت مجرّدة لكانت نسبتها إلى جميع الأبدان على السّواء، فلم تتعلّق ببدن دون آخر، وعلى تقدير التعلّق، جاز أن تنتقل من بدن إلى بدن آخر، وحينئذ لم يصحّ القطع بأنّ زيداً الآن هو الّذي كان بالأمس .

وردّ: بأنّا لا نسلّم أنّ نسبتها إلى الكلّ على السّواء، بل كلّ أحد لا يليق بمزاجه واعتداله إلاّ تلك النّفس الفائضة بحسب استعداده الحاصل باعتداله الخاص.


1 . المتوهم هو شمس الدّين محمد السمرقندي صاحب الصحائف. لاحظ : شرح المقاصد: 3 / 307 .


صفحه 458

الرّابع: النّصوص الظاهرة من الكتاب (1) والسنّة (2) تدلّ على أنّها تبقى بعد خراب البدن وتتصف بما هو من خواصّ الأجسام كالدّخول في النّار، وعرضها عليها، وكالترفرف حول الجنازة، وككونها في قناديل من نور، أو في جوف طيور خضر، وأمثال ذلك.

ولاخفاء في احتمال التأويل، وكونها على طريق التّمثيل.


1 . قوله تعالى: (وَ لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)آل عمران: 169.
   انّ المحتضر إذا وقف على سوء مصيره يتمنّى عوده إلى الدنيا ليتدارك ما فات منه، يقول سبحانه: (حَتَّى إِذا جَاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيَما تَرَكْتُ)المؤمنون / 99 ـ 100 .
   ولكن يخيب سعيه، ويُردُّ طلبه، ويقال له: (كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائلُها ومِنْ وَرَائهِم بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)المؤمنون / 100 .
   والآية تحكي عن وجود حياة برزَخية مخفية للمشركين.
   ويصف حياة المجرمين، لاسيما آل فرعون، بقوله: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوَّاً وعَشِيَّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ) غافر / 46 .
   فالآية تحكي عن أنّ آل فرعون يعرضون على النار صباحاً ومساءً، قبل القيامة. وأمّا بعدها فيقحمون في النار.
2 . ومن السنّة ما روي عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)أنّه قال ليونس بن ظبيان: ما يقول النّاس في أرواح المؤمنين؟ فقال يونس: يقولون: تَكُونُ في حواصل طيور خُضْر في قناديل تحت العرش. فقال (عليه السلام): سبحان الله! المؤمن أكرمُ على الله من ذلك أن يَجعل روحهُ في حَوْصَلة طائر أخضر. يا يونس ! إذا قَبَضهُ اللهُ تعالى صَيَّر رُوحَهُ في قالب كقَالبه في الدُّنيا فيأكَلوُن ويَشربون، فإذا قَدِمَ عليهم القادِمُ عَرفُوهُ بتلكَ الصُّورة الَّتي كانت في الدّنيا. تهذيب الأحكام: 1 / 466 / باب 23 / ح 171 .
   وكم له من نظير من طرق الخاصّة ولاحظ أيضاً: صحيح مسلم: كتاب الامارة / باب في بيان أنّ أرواح الشهداء في الجنّة، وأنّهم أحياء عند ربّهم يرزقون; وسنن ابن ماجه: كتاب الجنائز.


صفحه 459

ولهذا تمسّك بها القائلون بتجرّد النّفوس زعماً منهم، أنّ مجرّد مغايرتها للبدن يفيد ذلك، كذا في " شرح المقاصد (1) ".

وأختار المصنّف مذهب المحققّين فقال: وهي جوهرٌ مجرّدٌ، أمّا جوهريّتها فلازمة من تجرّدها، أعني: قيامها بذاتها وعدم كونها