welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - الجزء الثالث*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - الجزء الثالث

صفحه 1

شوارق الإلهام

في

شرح تجريد الكلام


صفحه 2

صفحه 3

تقديم وإشراف

العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

شوارق الإلهام

في

شرح تجريد الكلام

للحكيم المتألّه والمتكلم البارع

عبد الرّزاق اللاّهيجي

(... ـ 1072 هـ )

الجزء الثّالث

تحقيق

الشّيخ أكبر أسدعلي زاده


صفحه 4

لاهيجي ، عبد الرزاق بن علي، قرن 11 ق .

      شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام / عبد الرزاق اللاهيجي ; تقديم وإشراف جعفر السبحاني ; تحقيق أكبر أسد علي زاده . ـ قم: مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1429 ق . = 1387 .

      ج.    ISBN 964 - 357 - 209 - 9 (ج.2)

ISBN 964 - 357 - 245 - 5 (ج.3)

ISBN 964 - 357 - 190 - 4(دوره)

      فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.

      1 ـ نصير الدين طوسى، محمد بن محمد، 597 - 672 ق. تجريد الكلام في تحرير عقايد الإسلام ـ ـ نقد و تفسير. 2. كلام شيعه اماميه ـ ـ متون قديمى تا قرن 14. الف. نصير الدين طوسى، محمد بن محمد، 597 ـ 672 ق. تجريد الكلام في تحرير عقايد الإسلام. شرح. ب. سبحاني تبريزي، جعفر، 1308 ـ ، مشرف . ج. أسد عليزاده، اكبر، 1343 ـ ، محقق . د. عنوان. هـ . عنوان : تجريد الكلام في تحرير عقايد الإسلام. شرح .

1387 3028ت6ن/ 210BP    4172 / 297

اسم الكتاب:   … شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام / الجزء الثّالث

المؤلــف:   … عبد الرّزاق اللاّهيجي

تقديم وإشــراف:   … آية الله جعفر السبحاني

المحقّـق:   … أكبر أسد علي زاده

الطبعــة:   … الثانية ـ 1429 هـ

المطبعـة:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)

الكمّيّـة:   … 1000 نسخة

الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)

الصف والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط

حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

توزيع: مكتبة التوحيد

ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء

هاتف: 7745457 ـ 2925152

البريد الإلكترونيimamsadeq@gmail.com :

العنوان في شبكة المعلوماتwww.imamsadeq.org :


صفحه 5

بسم الله الرحمن الرحيم

(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ )

النحل: 125


صفحه 6

صفحه 7

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المشرف

تجرّد النفس

أو

الحدّ الفاصل بين المنهجين:

المادّي والإلهي

خصّ المصنّفُ هذا الجزءَ بالجوهر والجزءَ التالي بالأعراض، وقد قسّمَ الحكماءُ الجوهرَ إلى العقل والنّفس والصورة والهيولي والجسم، المركب منهما عند المشّائين منهم. وأمّا ما هوتعريف الجوهر؟ وما هي أقسامه؟ وما هو الملاك في تقسيمه إلى الأقسام الخمسة؟ فخارجٌ عن موضوعِ بحثنا في هذا التقديم، والّذي نحن بصدد بيانه هو تجرّد النفس الذي طرحه المصنّف في المسألة الرابعةِ من الفصل الرابع. واستدلّ عليها تبعاً للمتن بوجوه سبعة، وهي:

1. تجرّد عارض النفس وهو العلم: إذا كانت المعلومات مجرّدةً عن الموادّ فيكون معروضها ـ أعني: النفس ـ مجرّدة كذلك.


صفحه 8

2. عدم انقسام العلم: إنّ العلم العارض للنفس غير منقسم، فمعروضه كذلك. وفي الحقيقة هذان الدليلان وجهان لدليل واحد حيث يتطرق إلى تجرّد العلم ومن ثَمَّ إلى تجرّد العالِم وهو النفس .

3. قدرة النفوس البشرية على ما لا يتناهى: النفوس البشرية تقوى على ما لا تقوى عليه المقارنات للمادّة، لأنّها تقوى على ما لا يتناهى، والقوى الجسمانية لا تقوى على ما لا يتناهى.

4. عدم حلول النفس في البدن: إنّ النفس لو كانت جسمانية لحلّت في جزء من البدن من قلب أو دماغ، فيلزم أن تكون دائمة التعقّل له، أو غير عاقلة له أصلاً. والتالي باطل، لأنّ النفس تعقل القلب والدماغ في وقت دون وقت .

5. استغناء النفس في التعقّل عن المحلّ: إنّ النفس الناطقة تستغني في عارضها وهو التعقّل عن المحّل، بدليل أنّها تعقل ذاتها ولآلتها من غير حاجة إلى آلة كما مرّ، فتكون في ذاتها مستغنية عن المحلّ، وإلاّ لكان المحلّ آلة لها في التعقّل، فلا تكون مستغنية عن الآلة في تعقّلها أيضاً. هذا خلف.

6. عدم تبعية النفس للجسم: إنّ النفس الناطقة لو كانت منطبعة في الجسم لكانت تابعة له في الضعف والكمال كالسمع والبصر، والتالي باطل. فإنّ الإنسان في سنّ الانحطاط يقوى تعقّله ويزداد مع كون البدن في النقصان والانحطاط.

7. النفس الناطقة ليست منطبعة في الجسم: إنّ النفس الناطقة غير


صفحه 9

منطبعة في الجسم لحصول ضد ما هو حاصل للقوى المنطبعة من حيث هي منطبعة، للنفس الناطقة.

توضيحه: أنّ القوى الداركة بالآلات يعرض لها الكلال من إدامة العمل، والأمر في القوى العقلية بالعكس، فإنّ إدامتها للعقل وتصوّرها للأُمور الّتي هي أقوى يُكسبها قوّة وسهولة قبول لما بعدها.

هذه هي الوجوه الّتي استند إليها المؤلّف في هذا الجزء (1)، وقد وقعت هذه الأدلّة موضع نقاش، وذكرها الشارح ودفع عنها، لكنّ الأدلّة الدالّة على تجرّد النفس أكثر من ذلك، وقد ذكر بعض المحقّقين من المعاصرين أنّه جمع أدلّة تجرّدها من المصادر العلمية حيث ناهزت أكثر من سبعين دليلاً.

وقال: إنّ عدّة منها تدلّ على تجرّدها البرزخيّة، وطائفة منها تدلّ على تجرّدها العقلية .(2)

أقول: اللازم في هذه العصور دراسة تجرّد النفس دراسة أوسع من ذلك لأجل أمرين:

1. أنّ تجرّد النفس هو الحدّ الفاصل بين الماديّين والإلهيّين، لأنّ الفئة الأُولى قالوا بمساواة الوجود للمادّة وأنّه ليس وراءها ملأ ولا خلأ «وليس وراء عبّادان قرية»، ولكن الطائفة الثانية قالوا بسعة الوجود وأنّه أعمّ من


1 . لاحظ هذا الجزء: 459، 473 .
2 . كشف المراد: 278 تعليقة العلاّمة الحجة الشيخ حسن حسن زاده الآملي ـ دام ظلّه ـ .


صفحه 10

المادّة، وركّزوا على أنّ العلوم المادّية لها حق الإثبات لا النفي، بمعنى أنّ له أن يقول: إنّ الذرّة موجودة وأنّها تتشكّل من جزأين: «الكترون» و «بروتون»، وأمّا أنّه ليس وراء الذرّة عالم آخر فليس له حقّ النفي، لأنّه يعتمد في قضائه على التجربة، والغاية المتوخّاة منها إثبات ظاهرة مادّية موجودة، وأمّا نفي ما وراء تلك الظاهرة فلا يرومه المجرّب في مختبراته. فإذن التجربة أداة وضعت لدراسة الأمر المادّي وتحليله من دون نظر إلى ما وراء المادّة.

فإذا قام الدليل القطعي على وجود عالم أو عوالم فوق عالم المادّة، يكون دليلاً قاطعاً على سعة الوجود وضيق المادّة، وبرهاناً دامغاً على إبطال المادّيّة.

2. أنّ المعاد الجسماني الّذي اتّفق عليه المتكلّمون ورُوّاد الحكمة المتعالية ـ قدس الله أسرارهم ـ لا يتحقّق إلاّ بالقول بتجرّد الروح والنفس الناطقة عن المادّة وأنّها باقية بعد الموت، وفناء البدن.

فإذا قامت القيامة ورجع الروح إلى نفس البدن الّذي اجتمعت أجزاؤه بأمر الله سبحانه، يكون المعاد يوم القيامة هو نفس الإنسان الموجود في الدنيا.

وأمّا لو قلنا بأنّه ليس هناك وراء البدن شيء آخر، وأنّ الإنسان يُفنى بتفرّق أجزاء بدنه، فالقول بالمعاد الجسماني يواجه أمراً مشكلاً، إذ كيف يمكن أن يقال: إنّ المعاد هو نفس المبتدأ مع وجود الفاصل الزمني عبر


صفحه 11

قرون، الملازم لكون المعاد ـ حين ذاك ـ مثلاً للمبتدأ لا عينه؟

فلو فرضنا أنّ اللبنة بعد ما جفّت، كسرها أحد وطيّنها وصنع منها لبنة جديدة، يكون المعاد غير المبتدأ، وما ذلك إلاّ لفقد الصلة بين المعدوم والموجود، فالقائل بالمعاد الجسماني يقول: إنّ المعاد بعد الفناء هو نفس المبتدأ لا مماثل له، ولا محيص عن القول بوجود حلقة بين المبتدأ والمعاد تحفظ وحدة الأمرين، وإنّما يختلفان زماناً لا عيناً.

وإن شئت قلت: إنّ المعاد جسمانياً وروحانياً ـ كما هوالحقّ ـ عبارة عن القول بتركّب الإنسان من بدن ونفس، فللبدن كمال ومجازاة، وللنفس كمال ومجازاة. والّذي يُحقِّق العينية هو وجود الصلة بين البدن الدنيوي والآخروي .

هذا ما يستفاد من الذكر الحكيم في قوله: (أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ * قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)(1).


1 . السجدة: 10 ـ 11 .


صفحه 12

إنّ القرآن يجيب عن شبهة القوم ـ أعني: ضلال الإنسان بموته وتشتّت أجزاء بدنه في الأرض ـ بجوابين :

أوّلهما: قوله: (بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ) .

و ثانيهما: قوله: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) .

والأوّل: راجع إلى بيان باعث الإنكار، وهو أنّ السبب الواقعي لإنكار المعاد، ليس ما يتقوّلونه بألسنتهم من من ضلال الإنسان وتفرّق اجزاء بدنه في الأرض، وإنّما هو ناشئ من تبنّيهم موقفاً سلبياً في مجال لقاء الله، فصار ذلك مبدأً لطرح هذه الشبهة.

والثاني: جواب عقلي عن هذا السؤال، وتُعْلم حقيقتُه بالإمعان في معنى لفظ «التوفّي»، فهو وإن كان يفسّر بالموت، ولكنّه تفسير باللازم، و المعنى الحقيقي له هو الأخذ تماماً. وقد نصّ على ذلك أئمة أهل اللغة، قال ابن منظور في «اللسان»: «توفّي فلان وتوفّاه الله: إذا قبض نفسه، وتَوفَّيْت المال منه، واستوفيته: إذا أَخَذته كلّه، وتوفّيت عدد القوم: إذا عددتهم كلّهم. وأنشد أبو عبيدة:

إنّ بني الأدرد ليسوا من أحد *** و لا توفّاهم قريش في العدد

أي لا تجعلهم قريش تمام عددهم ولا تستوفي بهم عددهم». (1)

و آيات القرآن الكريم بنفسها كافية في ذلك، وأنّ التوفّي ليس بمعنى الموت، بل بمعنى الأخذ تماماً الّذي ربّما يتصادقان يقول سبحانه: (اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) (2). فإنّ لفظة «التي»، معطوفة على الأنفس، وتقدير الآية: والله يتوفّى التي لم تمت في منامها. ولو كان التوفّي بمعنى الإماتة، لما استقام معنى الآية، إذ يكون معناها حينئذ: الله


1 . لسان العرب: 15 / 400، مادة «وفى».
2 . الزمر: 42.


صفحه 13

يميت التي لم تَمُتْ في منامِها. وهل هذا إلاّ تناقض؟ فلا مناص من تفسير التوفّي بالأخذ، وله مصاديق تنطبق على الموت تارة، كما في الفقرة الأُولى; وعلى الإنامة أُخرى، كما في الفقرة الثانية.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى قوله سبحانه: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ)، فمعناه: يأخذكم ملك الموت الذي وكّل بكم ثم إنّكم إلى الله ترجعون. وهذا مآله إلى أنّ شخصيّتكم الحقيقية لا تضل أبداً في الأرض، وما يرجع إليها يأخذه ويقبضه ملك الموت، وهو عندنا محفوظ لا يتغيّر ولا يتبدّل ولا يضلّ، وأمّا الضالّ، فهو البدن الذي هو بمنزلة اللباس لهذه الشخصية.

فينتج أنّ الضال ـ حسب نظركم ـ لا يُشكِّل شخصية الإنسان، وما يشكّلها ويقوّمها فهو محفوظ عند الله، الذي لا يضلّ عنده شيء.

و الآية تعرب عن بقاء الروح بعد الموت وتجرّدها عن المادة وآثارها، وهذا الجواب هو الأساس لدفع أكثر الشبهات التي تطرأ على المعاد الجسماني العنصري.

فإذا كان لتجرّد النفس تأثير في الفلسفة والعقيدة الدينية، فكان من اللازم صب الاهتمام الكثير على دراسته وعدم الاقتناع بما ذكره القدماء من المشّائين وغيرهم ونقلت في الكتب، ولأجل تلك الغاية نأتي ببعض البراهين الّتي لم يذكرها المصنّف. وتُقنع الباحث النابه.


صفحه 14

 

البرهان الأوّل: ثبات الشخصية في دوّامة التغيّرات الجسديّة

و هذا البرهان يتألّف من مقدّمتين:

الأُولى: أنّ هناك موجوداً تنسب إليه جميع الأفعال الصادرة عن الإنسان، ذهنية كانت أو بدنية.

ولهذا الموجود حقيقة، وواقعية يشار إليها بكلمة «أنا».

الثانية: أنّ هذه الحقيقة التي تعدّ مصدراً لأفعال الإنسان، ثابتة وباقية ومستمرة في مهبّ التغيرات، وهذه آية التجرّد.

أمّا المقدّمة الأُولى، فهي غنية عن البيان ، لأنّ كلّ واحد منّا ينسب أعضاءه إلى نفسه ويقول: يدي، رجلي، عيني، أذني، قلبي،... كما ينسب أفعاله إليها، ويقول: قرأت، كتبت، أردت، أحببت، وهذا ممّا يتساوى فيه الإلهي والمادي ولا ينكره أحد، وهو بقوله: «أنا» و «نفسي»، يحكي عن حقيقة من الحقائق الكونية، غير أنّ اشتغاله بالأعمال الجسمية، يصرفه عن التعمّق في أمر هذا المصدر والمبدأ، وربّما يتخيّل أنّه هو البدن، ولكنّه سرعان ما يرجع عنه إذا أمعن قليلاً حيث إنّه ينسب مجموع بدنه إلى تلك النفس المعبّر عنها بـ «أنا». ويقول بدني.

وأمّا المقدّمة الثانية: فكلّ واحد منّا يحسّ بأنّ نفسه باقية ثابتة في دوّامة التغيّرات والتحوّلات التي تطرأ على جسمه، فمع أنّه يوصف تارة بالطفولة، وأُخرى بالصبا، وثالثة بالشباب، ورابعة بالكهولة، فمع ذلك يبقى


صفحه 15

هناك شيء واحد يُسند إليه جميع هذه الحالات، فيقول: أنا الذي كنت طفلاً ثم صرت صبياً، فشاباً، فكهلاً، وكل إنسان يحسّ بأنّ في ذاته حقيقة باقية وثابتة رغم تغيّر الأحوال وتصرّم الأزمنة; فلو كانت تلك الحقيقة التي يحمل عليها تلك الصفات أمراً مادياً، مشمولاً لسنّة التغيّر، والتبدّل، لم يصحّ حمل تلك الصفات على شيء واحد، حتى يقول: أنا الذي كتبت هذا الخط يوم كنت صبياً أو شابّاً، فلولا وجود شيء ثابت ومستمر إلى زمان النطق، للزم كذب القضية، وعدم صحّتها، لأنّ الشخص الذي كان في أيام الصبا، قد بطل ـ على هذا الفرض ـ وحدث شخص آخر .

لقد أثبت العلم أنّ التغيّر والتحوّل من الآثار اللازمة للموجودات المادية، فلا تنفك الخلايا التي يتكوّن منها الجسم البشري، عن التغيّر والتبدّل، فهي كالنهر الجاري تخضع لعملية تغيير مستمر، ولا يمضي على الجسم زمن إلاّ وقد احتلّت الخلايا الجديدة مكان القديمة. وقد حسب العلماء معدَّل هذا التجدّد، فظهر لهم أنّ التبدّل يحدث بصورة شاملة في البدن، مرة كل عشر سنين.

و على هذا، فعملية فناء الجسم المادي الظاهري مستمرة، ولكن الإنسان، في الداخل (أنا)، لا يتغيّر. ولو كانت حقيقة الإنسان هي نفس هذه الخلايا لوجب أن يكون الإحساس بحضور «أنا» في جميع الحالات أمراً باطلاً، وإحساساً خاطئاً.

و حاصل هذا البرهان عبارة عن كلمتين: وحدة الموضوع لجميع المحمولات،


صفحه 16

وثباته في دوّامة التحوّلات. وهذا على جانب النقيض من كونه مادياً.

البرهان الثاني : علم الإنسان بنفسه مع الغفلة عن بدنه (1)

إنّ الإنسان قد يغفل في ظروف خاصة عن كلّ شيء، عن بدنه وأعضائه، ولكن لا يغفل أبداً عن نفسه، سليماً كان أم سقيماً، وإذا أردت أن تجرب ذلك، فاستمع إلى البيان التالي:

إفرض نفسك في حديقة زاهرة غنّاء، وأنت مستلق لا تُبصر أطرافك ولا تتنبّه إلى شيء، ولا تتلامس أعضاؤك، لئلا تحسّ بها، بل تكون منفرجة،مرتخية في هواء طلق، لا تحسّ فيه بكيفية غريبة من حرٍّ أو برد أو ما شابه، ممّا هو خارج عن بدنك. فإنّك في مثل هذه الحالة تغفل عن كلّ شيء حتى عن أعضائك الظاهرة، وقواك الداخلية، فضلاً عن الأشياء التي حولك، إلاّ عن ذاتك، فلو كانت الروحُ نفسَ بدنك وأعضائك وجوارحك وجوانحك، للزم أن تغفل عن نفسك إذا غفلت عنها، والتجربة أثبتت خلافه.

و بكلمة مختصرة: «المغفول عنه، غير اللامغفول عنه ». وبهذا يكون إدراك الإنسان نفسه من أوّل الإدراكات وأوضحها.


1 . هذا البرهان ذكره الشيخ الرئيس في الإشارات : 2 / 92. والشفاء قسم الطبيعيات في موردين ص 282 و 464.


صفحه 17

 

البرهان الثالث : عدم الانقسام آية التجرّد

الانقسام والتجزّؤ من آثار المادة، غير المنفكّة عنها، فكلّ موجود مادّي خاضع لهما بالقوة، وإذا عجز الإنسان عن تقسيم ذلك الموجود، فلأجل فقدانه أدواته اللازمة. ولأجل ذلك ذكر الفلاسفة في محلّه، بطلان الجزء الذي لا تتجزّأ. وما يسمّيه علم الفيزياء، جزءاً لايتجزأ، فإنّما هو غير متجزّئ بالحسّ، لعدم الأدوات اللازمة، وأمّا عقلاً فهو منقسم مهما تناهى الانقسام، لأنّه إذا لم يمكن الانقسام، وعجز الوهم عن استحضار ما يريد أن يقسّمه ـ حتى بالمكبّرات ـ بسبب صغره، يفرض العقل فيه شيئاً غير شيء، فحكم بأنّ كل جزء منه يتجزّأ إلى غير النهاية، ومعنى عدم الوقوف أنّه لا ينتهي انقسامه إلى حدّ إلاّ ويتجاوز عنه. (1)

و من جانب آخر، كلّ واحد منّا إذا رجع إلى ما يشاهده في صميم ذاته، ويعبّر عنه بـ«أنا»، وجده معنىً بسيطاً غير قابل للانقسام والتجزّي، فارتفاع أحكام المادة دليل، على أنّه ليس بمادّي.

إنّ عدم الانقسام لا يختص بما يجده الإنسان في صميم ذاته ويعبّر عنه بـ«أنا»، بل هو سائد على وجدانياته أيضاً من حبّ، وبغض، وإرادة، وكراهة، و تصديق، وإذعان. وهذه الحالات النفسانية، تظهر فينا في ظروف خاصة ، ولا يتطرق إليها الانقسام الذي هو من أظهر خواص المادة.

إعطف نظرك إلى حبّك لولدك، وبغضك لعدوك فهل تجد فيهما


1 . لاحظ شرح المنظومة، للحكيم السبزواري: 206.


صفحه 18

تركّباً؟ وهل ينقسمان إلى جزء فجزء؟ كلا، ولا.

فإذا كانت الذات والوجدانيات غير قابلة للانقسام، فلا تكون منتسبةً إلى المادة التي يعدّ الانقسام من أظهر خواصّها.

فظهر ممّا ذكرنا أنّ الروح وآثارها، والنفس والنفسانيات، كلّها موجودات واقعية خارجة عن إطار المادة، ومن المضحك قول المادي إنّ التفحّص، و التفتيش العلمي في المختبرات لم يصل إلى موجود غير مادّي، حتى نذعن بوجوده، فقد عزب عنه أنّ القضاء عن طريق المختبرات يختصّ بالأُمور المادّية، وأمّا ما يكون سنخ وجوده على طرف النقيض منها، فليست المختبرات محلاً وملاكاً للقضاء بوجوده وعدمه.

هذا وللحكيم المتأله المؤسس السيد العلاّمة الطباطبائي بحوث شيقة حول تجرد النفس في كتابه «أُصول الفلسفة الإسلامية» وما ذكرناه قبس من افاضاته وانوار علومه 1 .

وفي الختام نشكر المحقّق الفاضل، حيث قدَّم هذا الجزء إلى الطبع مزداناً بتعاليق أرشد فيها القارئ الكريم إلى مكان المسائل في الكتب، حتّى يرجع إليها من أراد التبسّط .

والحمد لله رب العالمين

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

قم المقدسة

1 رجب المرجب من شهور عام 1427 هـ


صفحه 19

المقصد الثاني

في الجواهر والأعراض

وفيه فصولٌ خمسة:

أربعة منها في الجواهر

والخامس في الأعراض


صفحه 20

صفحه 21

مدخلٌ

في تقديم مباحث الجواهر على الأعراض

ووَجه تَقديم مباحثِ الجواهر على مباحثِ الأعراض ظاهرٌ،(1) لتقدّم الجوهر طَبْعاً، فنَاسب التّقدّم وَضْعاً.

ومنهم من يَعكس (2)، نظراً إلى أنّه قد يستدلّ بأحوال بعض الأعراض على أحوال الجواهر، فلا يحتاج إلى الحوالة.

وهذا ضعيفٌ، لأنّ ذلك قليلٌ، ومع ذلك، فالقدر المحتاج إليه من ذلك على وجه يحتاج بذلك الوجه إليه معلوم، وغير محتاج إلى الحوالةِ، وذلك،


1 . لأنّ وجود العرض متوقّف على وجود الجوهر طبعاً ووضعاً، فناسب ذلك أن يقدّم بيان أحواله على بيان أحوال العرض .
2 . أي ومنهم من قدّم مباحث الأعراض على الجواهر، كفخر الدّين الرّازي في " المباحث المشرقيّة "والإيجي في "المواقف" والتفتازاني في "شرح المقاصد" وصدر المتألهين في "الأسفار" قال: إنّ التّرتيب الطبيعيّ وإن استدعى تقديم مباحث الجواهر وأقسامها على مباحث الأعراض وأقسامها، لكن أخّرنا البحث عن الجواهر لوجهين:
أحدهما: أنّ أكثر أحوالها لا يبرهن إلاّ بأُصول مقررّة في أحكام الأعراض.
وثانيها: أنّ معرفتها كونها متبوعة للأعراض شديدة المناسبة، لأن يقع في العلم الألهي وعلم المفارقات الباحث عن ذوات الأشياء واعيانها، دون أن يقع في الفلسفة الباحثة عن الكلّيات والمفهومات العامّة وأقسامها الأوّلية. لاحظ: الأسفار: 4 / 2 ـ 3 .


صفحه 22

كأحوال الحركة والسّكون الّتي قد يستدلّ بها على حدوث الأجسام، وكقطع المسافة المتناهية في زمان متناه المستدلّ به على عدم تركّب المسافة من الأجزاء الّتي لا يتجزّأ، وكمعرفة البُعد والزّاوية والقائمة المحتاج إليها في تعريف الجسم، فلا يصلح أن ترتكب لأجله مخالفة الوضع الطبع الّذي ممّا لا ينبغي أن يقع من المحصّلين من غير ضرورة.

وأمّا ترجيح نظر مقدّم الجواهر بعمومِ العلِّة بالنّسبة إلى جميع أفرادها بخلاف علّة تقديم الأعراض، فإنّها يجري في البعض، ويحتاج في التّعميم إلى عدم ملائمة التّوسيط، فمعارض بترجيح العكس من حيث إنّ التّوقف في الأوّل إنّما هو بحسب الوجود الخارجي بخلافه، فإنّه بحسب الوجود الذّهني الّذي هو مناسب لباب الوضع والتّعليم كما قيل.

Website Security Test