welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : رؤية الله سبحانه*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رؤية الله سبحانه

(1)

(4)

(5)

نحو قراءة جديدة للعقائد
         1

رؤية الله سبحانه

تأليف

العلاّمة الفقيه
جعفر السبحاني


(6)

جعفر السبحاني، 1347ق.ـ

رؤية الله سبحانه /تأليف جعفر السبحاني.ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1430ق.= 1387.

83ص.   8ـ 376ـ357 ـ964ـ978ISBN:

1. رؤية الله . الف. مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام). ب. العنوان.

1387 5ر2س/219BP   42/297

اسم الكتاب:   … رؤية الله سبحانه

المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني

الطبعة:   … الأُولى ـ 1430 هـ . ق

عدد النسخ :   …2000

المطبعة:   …مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

الناشــر:   …مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

مركز التوزيع

قم المقدسة

ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد

هاتف: 7745457 ; 09121519271

http://www.imamsadiq.org


(7)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.

أمّا بعد، فهذه رسالة موجزة حول مسألة رؤية الله في الآخرة ألّفتها على ضوء الكتاب والسنّة والعقل الحصيف.

تمهيد

إنّ مسألة رؤية الله سبحانه في الآخرة أثارت ضجة كبيرة في الأوساط الإسلامية، فالمفكِّرون الواعون على تنزيهه سبحانه عن التجسيم والتشبيه والجهة والرؤية،ومقلِّدة أخبار الآحاد والمخدوعون بالإسرائيليات على جواز الرؤية في الآخرة. ورائدنا في الرسالة، الكتاب، والسنّة الصحيحة، والعقل الحصيف الذي به عرفنا الله سبحانه و صفاته وأنبياءه ويأتي كلامنا فيها ضمن فصول:


(8)

1

الرؤية الحسّية فكرة يهودية مستوردة

لما انتشر الإسلام في الجزيرة العربية وضرب بجرانه أراضيها، ودخل الناس في الإسلام زرافات ووحداناً، لم تجد اليهود والنصارى محيصاً إلاّ الاستسلام للأمر الواقع، فدخلوا في الإسلام متظاهرين به غير معتقدين غالباً، إلاّ من شملتهم العناية الإلهية منهم و كانوا قليلين، ولكن الأغلبية الساحقة منهم خصوصاً الأحبار والرهبان بقوا على ما كانوا عليه من العقائد.

كانت الأحبار والرهبان عارفين بما في العهدين من القصص والحكايات والأُصول والعقائد، فعمدوا إلى


(9)

نشرها بين المسلمين بخداع خاص وبطريقة علمية، وكانت السذاجة سائدة على أكثر المسلمين فزعموهم علماء ربانيّين يحملون العلم، فأخذوا منهم ما يلقون، بقلب واع ونيّة صادقة، فأوجد ذلك أرضية صالحة لنشر القصص الخرافية والعقائد الباطلة خصوصاً فيما يرجع إلى التجسيم والتشبيه وتحقير الأنبياء في أنظار المسلمين بإسناد المعاصي الموبقة إليهم ، ولم تكن رؤية الله بأقلّ ممّا سبق في تركيزهم عليها، فما ترى في كتب الحديث قديماً وحديثاً من الأخبار الكثيرة حول التجسيم والتشبيه والرؤية ونسبة المعاصي إلى الأنبياء والتركيز على القدر والقضاء السالبين للاختيار، فكلّها من آفات المستسلمة من اليهود والنصارى، فحسبَها بعضُ السلف حقائق راهنة وقصصاً صادقة، فتلقّوها بقبول حسن ونشروها بين الخلف، ودام الأمر على ذلك حتّى يومنا هذا. ويكفيك الحديث التالي:

قصد الحنابلة الإمام العلاّمة محمد بن جرير الطبري يوم الجمعة في الجامع وسألوه عن حديث جلوسه


(10)

سبحانه على العرش ، فقال أبو جعفر: أمّا أحمد بن حنبل فلا يعتدّ بخلافه، فقالوا له: فقد ذكره العلماء في الاختلاف; فقال: ما رأيته روي عنه، ولا رأيت له أصحاباً يعوّل عليهم، وأمّا حديث الجلوس على العرش فمحال، ثمّ أنشد:

سبحان من ليس له أنيس *** ولا له في عرشه جليس

فلما سمعوا ذلك وثبوا فرموه بمحابرهم، وقد كانت أُلوفاً، فقام بنفسه ودخل داره فردموا داره بالحجارة حتّى صار على بابه كالتل العظيم، وركب «نازوك» صاحب الشرطة في عشرات أُلوف من الجند يمنع عنه العامّة، ووقف على بابه إلى الليل، وأمر برفع الحجارة عنه، وكان قد كتب على بابه البيت المتقدّم فأمر «نازوك» بمحو ذلك، وكتب مكانه بعضُ أصحاب الحديث:

لأحمدَ منزلٌ لا شك عَال *** إذا وَافى إلى الرحمن وافِدْ

فيُدْنيه ويقعده كريماً *** على رغم لهم في أنفِ حاسِدْ


(11)

عَلى عرشِ يُغَلِّفُهُ بطيب *** على الأكبادِ من بَاغ وعَانِدْ

له هذا المُقامُ يكونُ حقا *** كَذاك رواه ليثٌ عن مُجَاهِدْ(1)

أهكذا يُتعامل مع إمام كبير وفقيه عظيم، ومحدّث بصير مثل الطبري ولا ذنب له إلاّ أنّه إمام مفكّر، لا يؤمن بأساطير اليهود، و إن تلقّاها «مجاهد» ونظراؤه حقيقة راهنة؟!

ومن العوامل التي فسحت المجال للأحبار والرهبان لنشر ما في العهدين بين المسلمين، حظر تدوين حديث الرسول (صلى الله عليه وآله)ونشره ونقله والتحدّث به أكثر من مائة سنة، فأوجد الفراغ الذي خلفه هذا العمل، أرضية مناسبة لظهور بدع يهودية ونصرانية وسخافات مسيحية وأساطير يهودية خصوصاً من قبل كهنة اليهود و رهبان النصارى.


1 . قال الطبري في التفسير: حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي قال: حدثنا ابن فضيل عن ليث عن مجاهد في قوله: عسى أن يبعثك، الخ قال: يجلسه معه على عرشه. لاحظ مقدمة اختلاف الفقهاء للطبري:11.

(12)

يقول الشهرستاني: وضع كثير من اليهود الذين اعتنقوا الإسلام أحاديث متعدّدة في مسائل التجسيم والتشبيه، وكلّها مستمدة من التوراة.(1)

قال ابن خلدون: إنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنّما غلبت عليهم البداوة والأُمّية، وإذا تشوّقوا إلى معرفة شيء ممّا تتوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكوّنات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم و هم أهل التوراة من اليهود و من تبع دينهم من النصارى مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه و عبد الله بن سلام و أمثالهم

فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم، و تساهل المفسرون في مثل ذلك وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها كلّها كما قلنا من التوراة أو ممّا كانوا يفترون.(2)

ومن أكابر أحبار اليهود الذين تظاهروا بالإسلام هو


1 . الملل والنحل:1/117.
2 . مقدّمة ابن خلدون: 439.

(13)

كعب الأحبار، فقد خدع عقول المسلمين وحتى الخلفاء والمترجمين له من علماء الرجال، وقد أسلم في زمن أبي بكر، وقدم من اليمن في خلافة عمر فأخذ عنه الصحابة وغيرهم.

قال الذهبي: العلاّمة الحبر الذي كان يهودياً فأسلم بعد وفاة النبيّ، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر، وجالس أصحاب محمد، فكان يحدّثهم عن الكتب الإسرائيلية ويحفظ عجائب ـ إلى أن قال: ـ حدّث عنه أبو هريرة ومعاوية وابن عباس وذلك من قبيل رواية الصحابي عن تابعي وهو نادر عزيز، وحدّث عنه أيضاً أسلم «مولى عمر» وتبيع الحميري ابن امرأة كعب، وروى عنه عدّة من التابعين كعطاء بن يسار وغيره مرسلاً، وقع له رواية في سنن أبي داود والترمذي والنسائي.(1)

وعرّفه الذهبي أيضاً في بعض كتبه بأنّه من أوعية العلم.(2)


1 . سير أعلام النبلاء: 3/489.
2 . تذكرة الحفّاظ: 1/52.

(14)

فقد وجد الحبر الماكر جوّاً ملائماً لنشر الأساطير والقصص الوهمية، وبذلك بثّ سمومه القتّالة بين الصحابة والتابعين، وقد تبعوه وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً.

وقد تنبّه إلى جسامة الخسارة التي أحدثها ذلك الحبر، لفيف من السابقين،

منهم ابن كثير في تفسيره حيث إنّه بعد ما أورد طائفة من الأخبار في قصة ملكة سبأ مع سليمان(عليه السلام)قال: والأقرب في مثل هذه السياقات أنّها متلقّاة عن أهل الكتاب، ممّا وجد في صحفهم كروايات كعب ووهب ـ سامحهما الله تعالى ـ في ما نقلاه إلى هذه الأُمّة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب ممّا كان وما لم يكن، وممّا حُرِّف وبُدِّل ونُسِخَ، وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ.(1)

والذي يدلّ على عمق مكره وخداعه لعقول المسلمين أنّه ربّما ينقل شيئاً من العهدين، وفي الوقت


1 . ابن كثير: التفسير، قسم سورة النمل: 3/339.

(15)

ذاته نرى أنّ بعض الصحابة الذين تتلمذوا على يديه وأخذوا منه، ينسب نفس ما نقله«كعب» إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) ، والذي يبرّر ذلك العمل حسن ظنّهم وثقتهم به، فحسبوا المنقول شيئاً صحيحاً، فنسبوه إلى النبيّ، زاعمين أنّه إذا كان كعب الأحبار عالماً به، فالنبيّ أولى بالعلم منه.

فإن كنت في شك من ذلك فاقرأ نصّين في موضوع واحد أحدهما للإمام الطبري في تاريخه ينقله عن كعب الأحبار في حشر الشمس والقمر يوم القيامة، والآخر للإمام ابن كثير صاحب التفسير ينقله عن أبي هريرة عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله)، ومضمون الحديث ينادي بأعلى صوته بأنّه موضوع مجعول على لسان الوحي نشره الحبر الخادع وقَبِلَه الساذج من المسلمين ونسبه إلى نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله).

1.قال الطبري: عن عكرمة قال: بينا ابن عباس ذات يوم جالس إذ جاءه رجل فقال: يا ابن عباس سمعت العجب من كعب الحبر يذكر في الشمس والقمر قال:


(16)

وكان متّكئاً فاحتفر ثم قال: وما ذاك؟ قال: زعم يُجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنّهما ثوران عقيران فيُقذفان في جهنم، قال عكرمة: فطارت من ابن عباس شفة ووقعت أُخرى غضباً، ثم قال: كذب كعب، كذب كعب، كذب كعب، ثلاث مرّات، بل هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام، الله أجلّ وأكرم من أن يعذّب على طاعته، ألم تسمع قول الله تبارك وتعالى: (وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْـنِ)إنّما يعني دؤوبهما في الطاعة، فكيف يعذِّب عبدين يُثني عليهما أنّهما دائبان في طاعته. قاتلَ الله هذا الحبر وقبّح حبريته، ما أجرأه على الله وأعظم فريته على هذين العبدين المطيعين للّه، قال: ثم استرجع مراراً.(1)

2. قال ابن كثير: روى البزار عن عبد العزيز بن المختار قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن في هذا المسجد مسجد الكوفة، وجاء الحسن فجلس إليه فحدث قال: حدثنا أبو هريرة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «إنّ


1 . الطبري: التاريخ: 1/44، ط بيروت.

(17)

الشمس والقمر ثوران في النار عقيران يوم القيامة» فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أُحدثك عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)وتقول أحسبه قال: وما ذنبهما؟! ثم قال: لا يروى عن أبي هريرة إلاّ من هذا الوجه.(1)

إنّ كعب الأحبار لمّا أسلم بعد رحيل الرسول لم يتمكّن من إسناد ما رواه من الأسطورة إلى النبيّ الأكرم، ولو كان مدركاً لحياته وإن كان قليلاً لنسبها إليه ولكن حالت المشيئة الإلهية دون أمانيّه الباطلة.

ولكنّ أبا هريرة لمّا صحب النبي واستحسن الظن بكعب الأحبار ـ أُستاذه في الأساطير ـ نسب الرواية إلى النبي(صلى الله عليه وآله).

هذا نموذج قدّمته إلى القارئ لكي يقف على دور الأحبار والرهبان في نشر البدع اليهودية والنصرانية بين المسلمين، ولا يُحسن الظن بمجرّد النقل بلا تأكيد من صحته.

هذا غيض من فيض وقليل من كثير ممّا لعب به


1 . ابن كثير: التفسير: 4/475، ط دار الاحياء.

(18)

مستسلمة اليهود والنصارى في أحاديثنا وأُصولنا، ولولا أنّ الله سبحانه قيّض في كل آونة رجالاً مصلحين كافحوا هذه الخرافات وأيقظوا المسلمين من السبات، لذهبت هذه الأساطير بروعة الإسلام وصفائه وجلاله.

(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله

وَاللهُ خَيرُ الماكِرين)(1)


1 . الأنفال:30.

(19)

2

الرؤية في العهد القديم

قد سبق انّ الرؤية فكرة مستوردة أدخلها مستسلمة أهل الكتاب بين المسلمين ونشروها بينهم حتّى صارت عقيدة إسلامية ربما يُكفّر من ينكرها، وقد استمد الأحبار والرهبان في نشر تلك الفكرة من العهدين المتوفّرين بين أيديهم، و ها نحن نذكر نصوصاً من العهد القديم حول الرؤية ليتّضح صدق ما قلناه.

1. وقال (الرب) لا تقدر أن ترى وجهي لأنّ الإنسان لا يراني ويعيش. قال الرب هو ذا عندي مكان، فتقف على الصخرة، ويكون من اجتاز مجدي أني أضعك في


(20)

نقرة من الصخرة وأترك بيدي حتّى أجتاز، ثمّ أرفع يدي فتنظر ورائي و أمّا وجهي فلا يُرى .

سفر الخروج آخر الاصحاح الثالث والثلاثين.

وعلى هذا فالرب يُرى قفاه ولا يرى وجهه.

2. رأيت السيد جالساً على كرسي عال ... فقلت ويل لي لأنّ عيني قد رأتا الملك رب الجنود.

سفر أشعيا الاصحاح 6 الفقرة 1ـ6.

والمقصود من السيد هو الله جلّ ذكره.

3. كنت أرى انّه وضعت عروش وجلس القديم الأيام، لباسَه أبيض كالثلج وشعر رأسه كالصوف النقي وعرشه لهيب نار.

سفر دانيال الاصحاح 7 الفقرة 91.

4. أمّا أنا فبالبرّ أنظر وجهك.

مزامير داود الاصحاح 17 الفقرة15.

5. فغضب الرب على سليمان لأنّ قلبه مال عن الرب إله إسرائيل الذي تراءى له مرتين.

سفر الملوك الأوّل الاصحاح 11 الفقرة 9.


(21)

وقد رأيت الرب جالساً على كرسيه و كلّ جند البحار وقوف لديه.

سفر الملوك الأول الاصحاح 22 الفقرة 19.

6. كان في سنة الثلاثين في الشهر الرابع في الخامس من الشهر وأنا بين المسبيين عند نهر خابور، انّ السماوات انفتحت فرأيت رؤى الله إلى أن قال ـ هذا منظر شبه مجد الرب، ولمّا رأيته خررت على وجهي و سمعت صوت متكلّم.

سفر حزقيال الاصحاح 1، الفقرة 1ـ28.

هذه نماذج ممّا في العهد القديم حول الرؤية، وعليه اعتمد الحبر الماكر في نشر أفكاره، و قد كان يركّز على فكرتين يهوديتين.

الأُولى: فكرة التجسيم.

الثانية: رؤية اللّه.

يقول في الفكرة الأُولى: إنّ الله تعالى نظر إلى الأرض فقال: إنّي واطئ على بعضك.فاستعلت إليه


(22)

الجبال، وتضعضعت له الصخرة، فشكر لها ذلك فوضع عليها قدمه فقال: هذا مقامي، ومحشر خلقي و هذه جنتي و هذه ناري، و هذا موضع ميزاني، و أنا ديان الدين.(1)

ففي هذه الكلمة من هذا الحبر تصريح على تجسيمه تعالى أوّلاً، و تركيز على أنّ الجنة والنار والميزان ستكون على هذه الأرض، ومركز سلطانها سيكون على الصخرة، و هذا من صميم الدين اليهودي المحرّف. هذا حول التجسيم.

وأمّا تركيزه على الرؤية فقد أشاع فكرة التقسيم، فقال: إنّ الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى و محمد، و منه انتشرت هذه الفكرة، أي فكرة التقسيم بين المسلمين.(2)

ومن أعظم الدواهي انّ الرجل تزلّف إلى الخلفاء في خلافة عمر و عثمان و حدّث عن الكثير من القصص


1 . حلية الأولياء لابن نعيم الاصفهاني:6/20.
2 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:3/237.

(23)

الخرافية، و بعدما توفّي عثمان تزلّف إلى معاوية و نشر في عهده ما يؤيد به ملكه و دولته، و من كلماته في حقّ الدولة الأموية، يقول: مولد النبي بمكة، و هجرته بطيبة، وملكه بالشام.(1)

وبذلك أضفى على الدولة الأموية صبغة شرعية، وجعل ملكهم وسلطتهم امتداداً لملك النبي وسلطته.

إنّ فكرة الرؤية تسرّبت إلى المسلمين من المتظاهرين بالإسلام كالأحبار و الرهبان، و صار ذلك سبباً لجرأة طوائف من المسلمين على جعلها في ضمن العقيدة الإسلامية(2)، بحيث يُكفّر منكرها أحياناً و يفسق.

ولمّا صارت تلك العقيدة راسخة في القرنين الثاني والثالث بين المسلمين، عاد المتكلّمون للبرهنة والاستدلال


1 . الدارمي في السنن:1/5.
2 . مقالات الإسلاميين رسالة الأشعري في عقيدة أهل الحديث، الفقرة21.

(24)

على بطلان الفكرة من الكتاب أوّلاً و السنّة ثانياً، ولولا رسوخها بينهم لما تحمّلوا عبء الاستدلال وجهد البرهنة، و سوف يوافيك انّ الكتاب العزيز يرد فكرة الرؤية ويستعظم أمرها وينكرها ويستفظعها بشدة وحماس، وما استدلّ به على جواز الرؤية من الكتاب فلا مساس له بالموضوع، فانتظر حتّى يأتيك البيان.


(25)

3

الرؤية في منطق العلم والعقل

إنّ الرؤية في منطق العلم والعقل لا تتحقّق إلاّ إذا كان الشيء مقابلاً أو حالاً في المقابل، من غير فرق بين تفسيرها حسب رأي القدماء أو حسب العلم الحديث، فإنّ القدماء كانوا يفسرون الرؤية على النحو التالي:

خروج الشعاع من العين وسقوطه على الأشياء ثمّ انعكاسه عن الأشياء وبرجوعه إلى العين تتحقق الرؤية، ولكن العلم الحديث كشف بطلان هذا التفسير، و قال:

إنّها عبارة عن صدور الأشعة من الأشياء ودخولها إلى العين عن طريق عدستها وسقوطها على شبكية العين


(26)

فتتحقّق الرؤية.

وعلى كلّ تقدير فالضرورة قاضية على أنّ الإبصار بالعين متوقّف على حصول المقابلة بين العين والمرئي، أو حكم المقابلة كما في رؤية الصور في المرآة، و هذا أمر تحكم به الضرورة وإنكاره مكابرة واضحة، فإذا كانت ماهية الرؤية هي ما ذكرناه فلا تتحقّق فيما إذا تنزّه الشيء عن المقابلة أو الحلول في المقابل.

وبعبارة واضحة: انّ العقل والنقل اتّفقا على كونه سبحانه ليس بجسم ولا جسماني ولا في جهة، والرؤية فرع كون الشيء في جهة خاصة، وما شأنه هذا لا يتعلّق إلاّ بشيء جسمانىّ واقع في جهة خاصة لا بالمجرد عن هذه الأُمور.

المحاولة اليائسة في تجويز الرؤية

إنّ مفكّري الأشاعرة الذين لهم قدم راسخة في المسائل العقلية لمّا وقفوا أمام هذا الدليل ذهبوا يميناً و يساراً للجمع بين الرؤية والتنزيه، وإليك بيان ذلك:


(27)

1. الرؤية بلا كيف

هذا العنوان هو الذي يجده القارئ في كتب الأشاعرة وربّما يعبر عنه خصومهم بـ«البلكفة» ومعناه انّ الله تعالى يُرى بلا كيف و انّ المؤمنين في الجنة يرونه بلا كيف، أي منزّهاً عن المقابلة والجهة والمكان.

يلاحظ عليه: أنّ تمنّي الرؤية بلا مقابلة ولا جهة ولا مكان، أشبه برسم أسد بلا رأس ولا ذنب على جسد بطل، فالرؤية التي لا يكون المرئي فيها مقابلاً للرائي ولا متحقّقاً في مكان ولا متحيزاً في جهة كيف تكون رؤية بالعيون والأبصار؟!

والحقّ انّ قول الأشاعرة أو بعض أهل الحديث «بلا كيف» مهزلة لا يعتمد عليها، فانّ الكيفية ربما تكون من مقوّمات الشيء و لولاها لما كان له أثر، فمثلاً يقولون: إنّ لله يداً و رجلاً و عيناً وسمعاً بلا كيف، ويصرحون بثبوت واقعيات هذه الصفات حسب معانيها اللغوية لله سبحانه لكن بلا كيفية.

وهذا كما ترى فأنّ اليد في اللغة العربية وضعت


(28)

للجارحة حسب ما لها من الكيفية، فإثبات اليد لله بالمعنى اللغوي مع حذف الكيفية، يكون مساوياً لنفي معناها اللغوي و يكون راجعاً إلى تفسيرها بالمعاني المجازية التي يفرّون منها فرار المزكوم من المسك، و مثله القدم والوجه.

وبعبارة أُخرى: انّ الحنابلة والأشاعرة يصرّون على أنّ الصفات الخبرية كاليد والرجل والقدم و الوجه في الكتاب والسنّة يجب ان تفسر بنفس معانيها اللغوية، ولا يجوز لنا حملها على معانيها المجازية كالقدرة في اليد مثلاً، و لمّا رأوا انّ ذلك يلازم التجسيم التجأوا إلى قولهم: «يد بلا كيف» أو «وجه بلا كيف»، ولكنّهم غفلوا عن انّ الكيفية في اليد والوجه وغيرهما مقوّمة لمفاهيمها، فنفي الكيفية يساوق نفي المعنى اللغوي، فكيف يمكن الجمع بين المعنى اللغوي والحمل عليه بلا كيف؟! ومنه يعلم حال الرؤية بالبصر والعين فإنّ التقابل مقوّم لمفهومها، فإثباتها بلا كيف يلازم نفي أصل الرؤية، و الكلام في المقام إنّما هو النظر بالبصر والرؤية


(29)

بالعين، لا الرؤية بالقلب أو في النوم فانّها خارجة عن محط البحث.

2. اختلاف الأحكام باختلاف الظروف

إنّ بعض المتّفقين من الجدد لمّا وجدوا انّ الرؤية لا تنفك عن الجهة التجأوا إلى القول بأنّ كلّ شيء في الآخرة غيره في الدنيا، ولعلّ الرؤية تتحقّق في الآخرة بلا هذا اللازم السلبي. وهذا ما سمعته عن بعض المشايخ في دمشق. في مجلس كان غاصّا بالمشايخ.

يلاحظ عليه: بأنّه رجم بالغيب، فإن أرادوا من المغايرة بأنّ الآخرة ظرف للتكامل وانّ الأشياء توجد في الآخرة بأكمل وجودها وأمثلها، فهذا لا مناقشة فيه، يقول سبحانه: (كُلّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرة رِزقاً قالُوا هذا الَّذي رُزِقنا مِنْ قَبلُ وأُوتُوا بِهِ مُتشابهاً).(1) وإن أرادوا انّ القضايا العقلية البديهية تتبدّل في الآخرة إلى نقيضها، فهذا يوجب انهيار النُّظم الكلامية والأساليب العلمية التي


1 . البقرة:25.

(30)

يعتمد عليها المفكّرون من أتباع الشرائع وغيرهم، إذ معنى ذلك انّ النتائج المثبتة في جدول الضرب سوف تتبدّل في الآخرة إلى ما يباينها، فتكون النتيجة ضرب 2×2=5 أو 10 أو...و انّ قولنا: «كلّ ممكن يحتاج إلى علّة» يتبدّل في الآخرة إلى أنّ الممكن غني عن العلّة، فعند ذلك لا يستقر حجر على حجر و تنهار جميع المناهج الفكرية، ويصير الإنسان سوفسطائياً بحتاً.

3. عدم المبالاة بإثبات الجهة

إنّ أساتذة الجامعات الإسلامية في الرياض ومكة المكرمة والمدينة المنورة بدل أن يجهدوا أنفسهم في فهم المعارف ويتجردوا في مقام التحليل عن الآراء المسبقة، نرى أنّهم يدعمون شباب الجامعات و خرّيجيها بدعم مالي وفكري ليجمعوا من هنا و هناك أُموراً حول الرؤية، فخرجوا بنتيجة هي إثبات الجهة لله حتّى يتسنّى لهم إثبات الرؤية، و هذا العمل أشبه بدفع الفاسد بالأفسد، وإن كنت في شك من ذلك فاستمع لما


(31)

يلي:

يقول الدكتور أحمد بن محمد آل حمد خريج جامعة أُم القرى: إنّ إثبات رؤية حقيقية بالعيان من غير مقابلة أو جهة، مكابرة عقلية لأنّ الجهة من لوازم الرؤية، وإثبات اللزوم ونفي اللازم مغالطة ظاهرة.

ومع هـذا الاعتـراف تخلّص عـن الالتـزام بإثبـات الجهـة لله بقـوله: إنّ إثبـات صفة العلـو لله تبـارك و تعالـى ورد في الكتـاب والسنّـة في مـواضـع كثيـرة جدّاً، فلا حرج في إثبات رؤية الله تعالى في هذا العلو الثابت له تبارك وتعالى، ولا يقدح هذا في التنزيه، لأنّ من أثبت هذا أعلم البشر بما يستحقّ الله تعالى من صفات الكمال.

أمّا لفظة الجهة فهي من الألفاظ المجملة التي لم يرد نفيها ولا إثباتها بالنص

فنأخذ حكم مثل هذه الألفاظ.(1)


1 . رؤية الله تعالى: 61، نشر معهد البحوث العلمية في مكة المكرمة.

(32)

يلاحظ عليه:

أوّلاً: من أين ادّعى انّ الكتاب والسنّة أثبت العلو لله الذي هو مسـاوق للجهـة، فإن أراد قـوله سبحانه: (الرَّحمنُ عَلى العَرشِ استَوى)(1) فقد حقّق في محلّه بأنّ استواءه على العرش كناية عن استيلائه على السماوات والأرض، وعدم عجزه عن التدبير، وأين هو من إثبات العلوّ للّه؟! وقد أوضحنا مفاد هذه الآيات في محاضراتنا الكلامية.(2)

وإن أراد ما جمعه ابن خزيمة وأضرابه من حشويات المجسّمة والمشبّهة، فكلّها بدع يهودية أو مجوسية تسرّبت إلى المسلمين يرفضها القرآن الكريم وروايات أئمة أهل البيت(عليهم السلام).

ثانياً: إذا افترضنا صحّة كونه موجوداً في جهة عالية ينظر إلى السماوات والأرض، فكيف يكون محيطاً بكل


1 . طه:5.
2 . الإلهيات:1/330ـ 340.

(33)

شيء وكلّ شيء قائماً به؟! (وهُوَ مَعَكُمْ أَيْن ما كُنتم)(1) فإذا كان هذا معنى التنزيه فسلام الله على التجسيم، ولعلّ شاعر المعرة تمنّى الموت لمثل هذه الأقوال والآراء وقال:

يا موت زر إنّ الحياة ذميمة *** ويا نفس جدي إنّ دهرك هازل

أقول: إنّ الذي تستهدفه رسالات السماء كان يتلخّص في توحيده سبحانه وأنّه واحد لا نظير له ولا مثيل أوّلاً، وتنزيهه سبحانه عن مشابهة الممكنات والموجودات ثانياً.

لكنّ لفيفـاً مـن أصحاب الحديث بعد رحيل الرسول توغّلوا في وحل الشرك والتجسيم وأبطلوا كلتا النتيجتين; فقالوا بحماس بقدم القرآن وعدم حدوثه، فأثبتوا بذلك مِثْلاً لله في الأزلية وكونه قديماً كقدمه سبحانه.

وأثبتوا لله سبحانه العلوَّ والجهة اغتراراً ببعض الظواهر والأحاديث المستوردة، فأبطلوا بذلك تنزيهه


1 . الحديد:4.

(34)

سبحانه وتعاليه عن مشابهة المخلوقات.

فخالفوا رسالات السماء في موردين أصليّين:

1. التوحيد، بالقول بقدم القرآن.(1)

2. التنزيه بإثبات الجهة والرؤية.

(كالَّتي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوّة أنْكاثاً) . (2)


1 . القول بقدم القرآن غير القول بقدم علمه سبحانه،. فلا يختلط عليك الأمر.
2 . النحل : 92.

(35)

4

موقف الذِّكر الحكيم

من أمر الرؤية إجمالاً

إنّ الذكر الحكيم يصف الله سبحانه بصفات تهدف جميعها إلى أنّه منزّه عن الجسم والجسمانية، وأنّه ليس له مثل ولا نظير، ولا ندّ ولا كفو، وأنّه محيط بكل شيء، ولا يحيطه شيء، إلى غير ذلك من الصفات المنزّهة التي يقف عليها الباحث عند جمع الآيات الواردة في هذا المجال، وبدورنا نشير إلى بعض منها:

قال سبحانه:

1. (فاطِرُ السَّمواتِ والأرضِ جَعلَ لَكُمْ مِنْ


(36)

أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الأنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فيهِ لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وهوَ السَّميعُ البَصيرُ).(1)

2. (قُلْ هُوَ الله أحدٌ * الله الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ * ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحَدٌ) .(2)

3. (هُوَ الأوّلُ والآخِرُ والظّاهرُ والباطِنُ وهُوَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ) .(3)

4. (هُوَ الَّذِي خَلقَ السَّمواتِ والأرضَ في سِتَّةِ أيّام ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرضِ وما يَخْرُجُ مِنْها وما يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنتُمْ والله بِما تَعمَلُونَ بَصِيرٌ).(4)

5. (هُوَ الله الَّذِي لا إلهَ إلاّ هُوَ المَلِك القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤمِنُ المُهَيْمِنُ العَزيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبحانَ


1 . الشورى: 11 .
2 . الإخلاص: 1ـ 4 .
3 . الحديد:3.
4 . الحديد : 4.

(37)

الله عَمّـا يُشرِكُونَ).(1)

6. (هُوَ الله الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسماءُ الحُسنى يُسبِّحُ لَهُ ما في السَّمواتِ وَالأرضِ وَهُوَ العَزيزُ الحكيمُ) .(2)

7. (ما يَكونُ مِنْ نَجوى ثَلاثَة إلاّ هُوَ رابِعُهُم ولا خَمسة إلاّ هُوَ سادِسُهُمْ ولا أَدنى مِنْ ذلك ولا أكثرَ إلاّ هوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يومَ القِيامة إنَّ الله بِكُلِّ شَيء عَليمٌ).(3)

8. (ألا إنَّهُمْ في مِرْيَة مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَـيء مُحيطٌ).(4)

9. (الله لا إلهَ إلاّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَومٌ لَهُ ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَينَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ولا يُحِيطُونَ بِشَيء مِنْ عِلمِهِ إلاّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ


1 . الحشر : 23 .
2 . الحشر : 24 .
3 . المجادلة : 7.
4 . فصلت:54.

(38)

السَّمواتِ والأرضَ ولا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وهوَ العَليُّ العَظيمُ).(1)

10. (لا تُدرِكُهُ الأبصارُ وهوَ يُدرِك الأبصارَ وهوَ اللَّطِيفُ الخَبيرُ ).(2)

وحصيلة هذه الآيات أنّه لا يوجد في صحيفة الوجود له مثل، وهو أحد لا كفو له، لم يلد ولم يولد بل هو أزليّ، فبما أنّه أزليّ الوجود، فوجوده قبل كل شيء أي لا وجود قبله، وبما أنّه أبديّ الوجود فهو آخر كل شيء إذ لا وجود بعده، وبما أنّه خالق السماوات والأرض فالكون قائم بوجوده فهو باطن كل شيء، كما أنّ النظام البديع دليل على وجوده فهو ظاهر كل شيء.

لا يحويه مكان لأنّه خالق السماوات والأرض وخالق الكون والمكان، فكانَ قبل أن يكون أيّ مكان، وبما أنّ العالم دقيقه وجليله، فقير محتاج إليه قائم به، فهو مع الأشياء معيّة قيومية لا معيّة مكانية، ومع الإنسان أينما


1 . البقرة : 255 .
2 . الأنعام:103.

(39)

كان. فلا يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعهم ولا خمسة إلاّ هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلاّ هو معهم أينما كانوا وذلك مقتضى كونه قيّوماً وما سواه قائماً به، ولا يمكن للقيوم الغيبوبة عمّـا قام به، وفي النهاية هو محيط بكل شيء لا يحيطه شيء، فقد أحاط كرسيّه السماوات والأرض، فالجميع محاط وهو محيط، ومن كان بهذه المنزلة لا تدركه الأبصار الصغيرة الضعيفة ولا يقع في أُفقها ولكنّه لكونه محيطاً ، يدرك الأبصار.

هذه صفاته سبحانه في القرآن ذكرناها على وجه الإيجاز وأوردناها بلا تفسير. وقد ثبت في محله أنّ من سمات العقيدة الإسلامية كونها عقيدة سهلة لا إبهام فيها ولا لغز فلو وجدنا شيئاً في السنّة أو غيرها يصطدم بهذه الصفات فيحكم عليه بالتأويل إن صحّ السند، أو بالضرب عرض الجدار إن لم يصح، فمن تلا هذه الآيات وتدبّر فيها، يحكم بأنّه سبحانه فوق أن يقع في وهم الإنسان وفكره ومجال بصره وعينه; وعند ذلك لو قيل له: إنّه جاء في الأثر أنّكم سترون ربّكم يوم القيامة كما ترون هذا


(40)

(البدر) لا تضامون في رؤيته(1) ، يتلقّاه أمراً مناقضاً لما تلوناه من الآيات ويحدث في نفسه ويقول: الخالق البارئ الذي هو ليس بجسم ولا جسماني، لا يحويه مكان، محيط بالسماوات والأرض، كيف يُرى يوم القيامة كالبدر في جهة خاصة وناحية عالية مع أنّه كان ولا علو ولا جهة، بل هو خالقهما؟! وأين هذه الرؤية من وصفه سبحانه بأنّه لا يحويه مكان ولا يقع في جهة وهو محيط بكل شيء؟!

ولا يكون التناقض بين الوصفين بأقل من التناقض الموجود في العقيدة النصرانية من أنّه سبحانه واحد وفي الوقت نفسه ثلاثة، وكلّما حاول القائل بالرؤية الجمع بين العقيدتين، لا يستطيع أن يرفع التعارض والاصطدام بين المعرفتين في أنظار المخاطبين بهذه الآيات والرواية، ومن جرّد نفسه عن المجادلات الكلامية والمحاولات الفكرية للجمع بين المعرفتين يرى التعريفين متصادمين، فأين القول بأنّه سبحانه بعيد عن الحسّ


1 . البخاري:الصحيح:4/200.

(41)

والمحسوسات، منزّه عن الجهة والمكان، محيط بعوالم الوجود، ومن تنزّله سبحانه وتعالى منزلة الحسّ والمحسوسات، واقعاً بمرأى ومنظر من الإنسان يراه ويبصره كما يبصر البدر، يشاهده في أُفق عال؟! وقد تعرّفت على أنّ السهولة في العقيدة وخلوّها من الألغاز من سمات العقيدة الإسلامية، فالجمع بين المعرفتين كجمع النصارى بين كونه سبحانه واحداً وثلاثاً.

هذا من جانب، ومن جانب آخر نرى أنّه سبحانه كلّما طرح مسألة الرؤية في القرآن الكريم فإنّما طرحها باستعظام من أن ينالها الإنسان ويتلقّى سؤالها وتمنّيها من الإنسان أمراً فظيعاً وقبيحاً وتطلّعاً إلى ما هو دونه.

1. قال سبحانه: (وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَك حَتّى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرونَ * ثُمَّ بَعثناكُمْ مْن َبعدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرونَ).(1)

2. وقال سبحانه: (يَسأَلُك أهْلُ الكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ


1 . البقرة:55 ـ 56 .

(42)

عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أكبَرَ مِنْ ذلك فَقالُوا أرِنَا الله جَهْرَةً فَأَخذتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِنْ بَعدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلك وآتَينا مُوسى سُلطاناً مُبِيناً).(1)

3. وقال سبحانه: (ولَمّا جاءَ مُوسى لمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيك قَالَ لَنْ تَرانِي ولكِنِ انْظُرْ إلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسوفَ تَراني فَلَمّا تَجَلّـى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّـا أفاقَ قالَ سُبحانَك تُبتُ إلَيك وأنَا أوّلُ المؤمنينَ).(2)

4. وقال سبحانه: (و اختـارَ مُـوسى قَـومَهُ سَبعِيـنَ رَجُـلاً لِميقاتِنـا فَلَمّـا أَخَـذَتْهُـمُ الرَّجْفَـةُ قـالَ رَبِّ لَـوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهُـم مِـنْ قَبـلُ وإيّايَ أَتُهلِكُنا بِما فعلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إنْ هِيَ إلاّ فِتْنَتُك تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وتَهدِي مَنْ تَشاءُ أَنتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وارحَمنا وأنتَ خَيرُ الغافِرينَ).(3)


1 . النساء :153.
2 . الأعراف :143 .
3 . الأعراف : 155 .

(43)

فالمتدبّر في هذه الآيات يقضي بأنّ القرآن الكريم يستعظم الرؤية ويستفظع سؤالها ويقبّحه ويعدّ الإنسان قاصراً عن أن ينالها على وجه ينزل العذاب غبَّ سؤالها. فلو كانت الرؤية أمراً ممكناً ولو في وقت آخر لكان عليه سبحانه أن يتلطّف عليهم بأنّكم سترونه في الحياة الآخرة لا في الحياة الدنيا، ولكنّا نرى أنّه سبحانه يقابلهم بنزول الصاعقة فيقتلهم ثم يحييهم بدعاء موسى، كما أنّ موسى لمّا طلب الرؤية وأُجيب بالمنع، تاب إلى الله سبحانه وقال: (أنا أوّل المؤمنين) بأنّك لا تُرى.

فإذا كانت الرؤية نعمة عظمى كما يدّعيها القوم، فلا وجه لنزول العذاب عند طلبها، غاية الأمر يجاب السائل بعدم الإمكان في الدنيا.

فالإمعان بما ورد فيها من عتاب وتنديد، بل وإماتة وإنزال عذاب يدلّ بوضوح على أنّ الرؤية فوق قابلية الإنسان، وطلبه إليها أشبه بالتطلّع إلى أمر محال.

فعند ذلك لو قيل للمتدبّر بالآيات: إنّه روى قيس بن أبي حـازم أنّـه حـدّثـه جـرير و قال: خرج علينا رسول


(44)

الله (صلى الله عليه وآله)ليلة البدر فقال: «إنّكم سترون ربّكم يوم القيامة كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته»(1) ; يجد الحديث مناقضاً لما ورد في هذه الآيات، ويحدِّث نفسه أنّه كيف صار الأمر الممتنع أمراً ممكناً، والإنسان غير المؤهّل للرؤية مؤهّلاً لها؟!


1 . البخاري:الصحيح:4/200.