welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : البداء في الكتاب والسنّة*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

البداء في الكتاب والسنّة

(1)

بسم الله الرحمن الرحيم


(2)

(3)

البداء
في الكتاب والسنّة

تأليف

العلاّمة الفقيه
جعفر السبحاني


(4)

(5)

(6)

جعفر السبحاني، 1347ق.ـ

البداء في الكتاب والسنّة/تأليف جعفر السبحاني.ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1430ق.= 1387.

102ص.   5 ـ 377ـ357 ـ964ـ978ISBN:

1. البداء. الف. مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام). ب. العنوان.

4ب2س/44/218BP   42/297

اسم الكتاب:   … البداء في الكتباب والسنّة

المؤلف:   …العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني

الطبعة:   … الأُولى ـ 1430 هـ . ق

عدد النسخ :   …2000

المطبعة:   …مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

الناشــر:   …مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

مركز التوزيع

قم المقدسة

ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد

هاتف: 7745457 ; 09121519271

http://www.imamsadiq.org


(7)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.

أمّا بعد، فهذه رسالة موجزة حول البداء على ضوء الكتاب والسنّة.

تمهيد

البداء في اللغة هو ظهورُ ما خفي. يقول سبحانه: (وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ماعَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُون)(1) ، أي ظهر لهم آثار ما عملوا من السيّئات وأحاط بهم ما كانوا به يستهزئون.

وقال عزّ من قائل: (ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حتّى حِين)(2) ، أي ظهر لهم بعد ما رأوا الآيات الدالّة على براءة يوسف أن يسجنوه إلى حين


1 . الجاثية:33.
2 . يوسف:35.

(8)

ينقطع فيه كلام النّاس، وإلى غيرهما من الآيات التي تدلّ على أنّ البداء عبارة عن ظهور ما خفي.

وعلى ذلك فالبداء بهذا المعنى من خصائص من كان جاهلاً بعواقب الأُمور ثمّ يبدو له ما خفي عليه، ولأجل ذلك نسب البداء في القرآن إلى غيره سبحانه.

ومع ذلك أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) يستعمل كلمة البداء وينسبها إلى الله سبحانه، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة:

إنّه سمع من رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّ ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى «بدا لله » أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرصَ، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، قد قذّرني الناس، قال فمسحه فذهب عنه فأُعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو قال: البقر ـ هو شك في ذلك أنّ الأبرص والأقرع، قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر ـ فأُعطي ناقة عُشراء، فقال: يبارك الله لك فيها.


(9)

وأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحبّ إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عنّي هذا قد قذرني الناس قال: فمسحه، فذهب، وأُعطي شعراً حسناً، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر. قال: فأعطاه بقرة حاملاً، وقال: يبارك لك فيها.

وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله إليّ بصري، فأبصر به الناس، قال: فمسحه فردّ الله إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة والداً. فأُنتج هذان وولّد هذا، فكان لهذا واد من إبل، ولهذا واد من بقر، ولهذا واد من الغنم.

ثمّ إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين تقطّعت بي الحبال في سفري، فلابلاغ اليوم إلاّ بالله ثمّ بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيراً أتبلّغ عليه في سفري; فقال له: إنّ الحقوق كثيرة. فقال له: كأنّي أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيراً فأعطاكالله؟ فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر؟ فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت.

وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال


(10)

لهذا فرد عليه مثلما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت.

وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل وتقطّعت بي الحبال في سفري، فلابلاغ اليوم إلاّ بالله، ثمّ بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك، شاة أتبلّغ بها في سفري; فقال: قد كنت أعمى فرد الله بصري، وفقيراً فقد أغناني، فخذ ما شئت، فوالله لاأجحدك اليوم بشيء أخذته لله ، فقال: أمسك مالك فإنّما ابتليتم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك.(1)

هذا هو كلام الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) وقد استعمل لفظ البداء في حقّه سبحانه، ومن الطبيعي انّ النبيّ (صلى الله عليه وآله)لم يستعمل هذا اللفظ في معناه اللغوي لاستلزامه ـ و العياذ بالله ـ الجهل على الله سبحانه، بل استعمله في معنى آخر لمناسبة بينه وبين المعنى اللغوي.

وكم له من نظير في الكتاب والسنّة، وقد اشتهر انّ


1 . البخاري: الصحيح4/172، كتاب الأنبياء، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل.

(11)

كلام البلغاء مشحون بالمجاز.

إنّ البراهيـن العقلية الرصينة والآيات الباهرة القرآنية قد أسفـرت عن إحاطة علمه سبحانه بكلّ شيء في الأرض والسماء و ما مضى وما يأتي على نحو لا يتصوّر في مثله الظهور بعد الخفاء، ولنتبرك بذكر بعض الآيات فترك ذكر البراهين العقلية إلى محلها. قال عزّ من قائل:

(إِنَّ الله لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ فِي الأَرضِ وَلا فِي السَّماء).(1)

(وَما يَخْفى على الله مِنْ شَيْء فِي الأرضِ وَلا فِي السَّماء).(2)

(ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ في كِتاب مِنْ قَبلِ أَن نَبْرأَها إِنّ ذلك عَلى الله يَسِير).(3)

كيف يمكن طروء الخفاء عليه سبحانه مع أنّه


1 . آل عمران:5.
2 . إبراهيم:38.
3 . الحديد:22.

(12)

محيط بالعالم صغيره وكبيره، مادّيه ومجرّده، والأشياء كلّها قائمة به قياماً قيّومياً كقيام المعنى الحرفي بالاسمي؟! وغيبوبة المعنى الحرفي عن المعنى الاسمي تساوي فناءه.

كلّ ذلك يقودنا إلى التفتيش عن تفسير آخر للبداء ينسجم مع ما جاء في الحديث المنقول عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وإلاّ فالرسول وخلفاؤه وقاطبة علماء المسلمين أجل من أن ينسبوا إلى الله سبحانه البداء بالمعنى اللغوي الآنف الذكر.

وهذه الرسالة الماثلة بين يدي القارئ الكريم أخذت على عاتقها بيان التفسير الصحيح للبداء والمنسجم مع حديث الرسول (صلى الله عليه وآله) .

ويأتي كلّ ذلك ضمن أُمور:


(13)

1

تغيير المصير بالأعمال

الصالحة والطالحة

ذهبت اليهود إلى استحالة تعلّق مشيئة الله بغير ما جرى عليه قلم القضاء والقدر، فيمتنع تغيير ما قُدِّر إلى خلافه، وقد تبلورت تلك العقيدة في كلامهم بأنّ يد الله مغلولة، قال سبحانه حاكياً عنهم: (وَقالَتِ اليَهُود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيديهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاء وَلَيزيدَنَّ كَثيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبِّك طُغْياناً وَكُفراً).(1)


1 . المائدة:64.

(14)

وعلى هذا الأساس قالوا يد الله مغلولة عن القبض والبسط والأخذ والعطاء، وانّه إذا جرى قلمه وتقديره على شيء لا يبدّل ولا يغيّر فيخرج عن إطار قدرته.

واستنتجوا من هذا الأصل، امتناع نسخ الأحكام الشرعية أيضاً.

ثمّ إنّه سبحانه يردّ على تلك العقيدة في غير واحدة من الآيات ويقول:

(الحَمْدُ لله فاطِر السَّموات وَالأَرْضِ... يَزِيدُ فِي الخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ الله عَلى كُلّ شَيء قَدير).(1)

(وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّر وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كتاب إِنَّ ذلك عَلى الله يَسير).(2)

فالله سبحانه كما هو المقدِّر للمصير الأوّل، هو المقدّر أيضاً للمصير الثاني، فهو في كلّ يوم في شأن، وانّه جلّ و على يبدئ و يعيد، و يحيي ويميت، يزيد في


1 . فاطر:1.
2 . فاطر:11.

(15)

الرزق والعمر ويُنقص، كلّ ذلك حسب مشيئته الحكمية والمصالح الكامنة. فكما هو عالم بالتقدير الأوّل، عالم ـ في نفس ذلك الوقت ـ بأنّه سوف يزول و يخلفه تقدير آخر، لكن لا بمعنى وجود الفوضى في التقدير، بل بتبعية كلّ تقدير لملاكه وسببه.

إذا كان في هذه الآيات إلماع إلى إخلاف تقدير مكان تقدير، ففي الآيات التالية تصريحات بأنّ الإنسان هو الذي يستطيع أن يغيّر مصيره بصالح أعماله وطالحها، وأنّ التقدير الأوّل الذي نجم عن سبب في حياة العبد ليس تقديراً قطعياً لا يغيّـر، بل هو تقدير معلّق سيتغيّر إذا تغيّر سببه.

يقول سبحانه: (وَلَوْ أَنّ أَهلَ القُرى آمنوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَركات مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُون)(1) وليست هذه الآية، آية فريدة، بل هناك آيات كثيرة تُبيّن بأنّ للإنسان مقدرة واسعة على إخلاف تقدير مكان تقدير و قضاء مكان


1 . الأعراف:96.

(16)

قضاء، كلّ ذلك بمشيئته سبحانه و إرادته حيث زوّد العبدَ بحرية ومشيئة على أن يُخلف تقديراً مكان تقدير آخر، وها نحن نقتصر على نزر قليل منها حتّى يتّضح الحال.

1. (استغفروا ربَّكُم إِنّهُ كانَ غَفّاراً * يُرسِل السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدراراً * و

يمدِدْكم بِأَمْوال وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَكُمْ جَنّات وَيَجْعَل لَكُمْ أَنهاراً).(1)

2. (إِنَّ الله لا يُغَيّرُ ما بِقَوْم حتّى يُغَيّرُوا ما بأَنْفُسِهِمْ).(2)

3. (ذلِك بأَنَّ الله لَمْ يَك مُغيِّراً نِعْمة أَنعَمَها عَلى قَوم حَتّى يُغَيّروا ما بِأَنْفُسِهِمْ).(3)

4.(وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَل لَهُ مَخْرجاً * وَيَرْزُقهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب).(4)

5. (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ


1 . نوح:10ـ12.
2 . الرعد:11.
3 . الأنفال:53.
4 . الطلاق:2ـ3.

(17)

كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابي لَشديد).(1)

6. (وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبل فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهله مِنَ الكَربِ العَظيم).(2)

7.(وَأَيُّوبَ إِذْ نادى ربَّهُ أَنّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمين * فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرّ).(3)

8.(فَلولا أَنّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحينَ * لَلَبِثَ في بَطْنهِ إِلى يَوم يُبْعَثُون * فَنَبَذناهُ بِالعَراء وَهُوَ سَقِيم * وَأَنْبَتْنا عَلَيهِ شَجرةً مِنْ يَقطين).(4)

إنّ هذه الآيات تعرب عن أنّ الأعمال الصالحة مؤثّرة في مصير الإنسان وانّه يقدر بعمله الصالح على تغيير التقدير وتبديل القضاء ـ غير المبرم ـ ، لأنّه ليس في أفعال الإنسان الاختيارية مقدَّر محتوم حتّى يكون العبد في مقابله مكتوف الأيدي والأرجل.


1 . إبراهيم:7.
2 . الأنبياء:76.
3 . الأنبياء:83ـ84.
4 . الصافات:143ـ 146.

(18)

تغيير المصير بالأعمال في الروايات

دلّ غير واحد من الروايات على أنّ الأعمال الصالحة أو غيرها تُغيّـر التقدير، كما ورد عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) انّ الصدقة والاستغفار والدعاء وصلة الرحم وما أشبه ذلك يغير التقدير.

وما هذا إلاّ لأنّ التقدير لم يكن تقديراً قطعياً، بل تقديراً معلّقاً على عدم الإتيان بصالح الأعمال أو بطالحها، فإذا وجد المعلّق عليه يتبدّل التقدير بتقدير آخر، كلّ ذلك بعلم ومشيئة منه سبحانه، فهو عندما يقدر عالم ببقاء التقدير أو بتبدّله ـ في المستقبل ـ إلى تقدير آخر، فلو كان هناك جهل فإنّما هو في جانب العباد لا في ساحة المقدِّر، فانّه عالم بعامة الأشياء والتقديرات ثابتها ومتغيّرها.

سنّة الله الحكيمة في عباده

إنّه سبحانه حسب حكمته الحكيمة جعل تقدير العباد على قسمين نذكرهما بالتفصيل التالي:


(19)

1. تقدير قطعي لا يقبل المحو والتغيير، وذلك كسنّته سبحانه في موت الإنسان وفنائه، فقوله سبحانه: (إِنّك مَيّتٌ وَإِنّهُمْ مَيّتُون)(1) من السنن القطعية التي لا تتغيّر ولا تتبدّل، وكم له من نظير كقوله سبحانه: (أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ).(2)

2. تقدير معلق غير قطعي مشروط بشرط خاص، فلو قدّر الصلاح فهو مشروط بعدم ارتكاب ما يخرجه من الصلاح، وإذا قدّر خلافه فهو أيضاً مشروط بعدم تعاطيه ما يدخله مدخل الهدى، كلّ ذلك لحكمة.

إنّ تلك السنّة ـ الّتي تُمكّن الإنسان من تغيير مصيره ـ بصيص أمل للمذنبين، لئلاّ يقنطوا، ولئلاّ ينقطع رجاؤهم من رحمته سبحانه، بل تبقى اضبارة أعمالهم مفتوحة حتّى السنين الأخيرة من أعمارهم، كما هي إنذار للصالحين بأن لا يغتروا بأعمالهم الصالحة، وذلك لأنّ العبرة بخواتيم الأعمال، فلو صدر منهم في فترة أُخرى


1 . الزمر:30.
2 . الأنبياء:105.

(20)

من حياتهم ما يغضب الرب فسوف يتغيّر تقديره سبحانه من صلاح إلى طلاح.

وبما انّ لهذه السنة أثراً تربوياً في الأُمّة، نرى أنّ الروايات كالآيات تركّز على تمكّن الإنسان من تغيير مصيره من خير إلى شر و من شر إلى خير، وقد تضافرت الروايات عن النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله)وأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)في هذا المقام نذكر فيما يلي نماذج منها.

أثر الدعاء في تغيير المصير

أخرج الحاكم عن ابن عباس(رضي الله عنه) قال: لا ينفع الحذر عن القدر ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر.(1)

وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنّف» وابن أبي الدنيا في الدعاء عن ابن مسعود (رضي الله عنه): قال: ما دعا عبد بهذه الدعوات إلاّ وسّع الله له في معيشته:

«يا ذا المن ولا يُمنّ عليه، يا ذا الجلال والإكرام يا ذا


1 . الدر المنثور:4/661.

(21)

الطول، لا إله إلاّ أنت ظهر اللاجين وجار المستجيرين، ومأمن الخائفين إن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب شقياً فامح عني اسم الشقاء واثبتني عندك سعيداً،وإن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب محروماً مقتراً على رزقي، فامح حرماني ويسّر رزقي وأثبتني عندك سعيداً موفقاً للخير، فإنّك تقول في كتابك الذي أنزلت (يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أُم الكتاب).(1)

روى الكليني بسنده عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «إنّ الدعاء يرد القضاء ينقضه كما يُنقض السلك وقد أُبرم إبراماً».(2)

وروى الكليني بسند عن أبي الحسن موسى(عليه السلام): «عليكم بالدعاء، فانّ الدعاء لله والطلب إلى الله يردّ البلاء وقد قدّر وقضى ولم يبق إلاّ إمضاؤه، فإذا دعي الله عز ّوجلّ وسئل صرف البلاء صرفة».(3)


1 . الدر المنثور:4/661. ولعل المراد من «أُم الكتاب» غير ما هو المصطلح.
2 . الكافي:2/169، باب انّ الدعاء يردّ البلاء والقضاء، الحديث1.
3 . الكافي:2/470، باب انّ الدعاء يرد البلاء، الحديث8.

(22)

أثر الصدقة في تغيير المصير

روى السيوطي في «الدر المنثور» عن علي(عليه السلام): انّه سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن هذه الآية(يمحو الله)؟ فقال له: «لأقرّنّ عينيك بتفسيرها ولأقرّنّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها: الصدقة على وجهها، وبرّ الوالدين، واصطناع المعروف يحوّل الشقاء سعادة،ويزيد في العمر ، ويقي مصارع السوء».(1)

وكما أنّ للأعمال الصالحة أثراً في المصير وحسن العاقبة، وشمول الرحمة وزيادة العمر وسعة الرزق، كذلك الأعمال الطالحة والسيئات في الأفعال فانّ لها تأثيراً ضد أثر الأعمال الحسنة.

ويدلّ على ذلك من الآيات قوله سبحانه:

(وَضَرَب الله مَثلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَان فَكَفَرتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجُوعِ وَالْخَوفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ).(2)


1 . الدر المنثور:4/661.
2 . النحل:112.

(23)

وقال سبحانه: (وَلَقَدْ أَخذْنا آلَ فِرعَونَ بِالسّنِينَ وَنَقْص مِنَ الثَّمرات لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ).(1)


1 . الأعراف:130.

(24)

2

البداء

في الكتاب العزيز

لقد عرفت أنّه ليس للإنسان مصير واحد لا يُردّ ولا يبُدّل، بل ما كتب وقدّر يتغيّر بصالح الأعمال وطالحها، فليس الإنسان في مقابل التقدير مسيّراً، ولكنّه بعدُ مخيّر في أن يغيّـر التقدير بصالح أفعاله أو بسيّئاتها.

ومن حسن الحظ انّ الكتاب يركّز على ذلك ويعرب عن أنّ لله سبحانه لوحين:

1. لوح المحو والإثبات.


(25)

2. أُمّ الكتاب.

فما في اللوح الأوّل خاضع للتغيير والتبديل، فليس ما كتب فيه أمراً قطعياً لا يغيّر ولا يتبدّل، قال سبحانه: (وَمَا كَانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بآية إِلاّ بِإِذْنِ الله لِكُلِّ أَجَل كِتَابٌ * يَمْحُو الله ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ).(1)

وهذه الآية هي الأصل في البداء في الشريعة الإسلامية، وها نحن ننقل بعض كلمات المحقّقين من المفسّرين حتّى يقف القارئ على المعنى الصحيح للبداء ويعلم أنّه ممّا أصفقت عليه الأُمّة ولا يوجد بينهم أيُّ خلاف في ذلك.

1. روى الطبري(المتوفّى310هـ) في تفسير الآية عن لفيف من الصحابة والتابعين أنّهم كانوا يدعون الله سبحانه بتغيير المصير وإخراجهم من الشقاء ـ إن كتب عليهم ـ إلى السعادة مثلاً: كان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يقول وهو يطوف بالكعبة: اللّهم إن كنت كتبتني


1 . الرعد:38ـ 39.

(26)

في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتني على الذنب ] الشقاوة[ فامحني وأثبتني في أهل السعادة، فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أُمّ الكتاب.

وروى نظير هذا الكلام عن ابن مسعود، وابن عباس، وشقيق وأبي وائل.(1)

وروى عن ابن زيد أنّه قال في قوله سبحانه: (يمحوا الله ما يشاء) بما ينزل على الأنبياء ،ويُثبت ما يشاء مما ينزل على الأنبياء وقال وعنده أُمّ الكتاب لايُغيّر ولايُبدَّل.(2)

2. قال الزمخشرى(المتوفّى 528هـ): ( يمحوا الله ما يشاء) ينسخ ما يستصوب نسخه ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته أو ينزله غير منسوخ.(3)

3. ذكر الطبرسي(471ـ 548هـ): لتفسير الآية وجوهاً متقاربة وقال: «الرابع: أنّه عامٌّ في كل شيء فيمحو من الرزق ويزيد فيه، ومن الأجل، ويمحو


1 . الطبري: التفسير (جامع البيان ): 13 /112ـ114.
2 . الطبري: التفسير(جامع البيان): 13 /112ـ114.
3 . الكشاف:2/169.

(27)

السعادة والشقاوة ويثبتهما.(روي ذلك ) عن عمربن الخطاب، وابن مسعود وأبي وائل، وقتادة. وأُمّ الكتاب أصل الكتاب الذي أُثبتت فيه الحادثات والكائنات.

وروى أبو قلابَة عن ابن مسعود أنّه كان يقول: اللّهم إن كنت كتبتني في الأشقياء فامحنى من الأشقياء...».(1)

4. قال الرازي(المتوفّى 608هـ): إنّ في هذه الآية قولين:

القول الأوّل: إنّها عامّة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ، قالوا: إنّ الله يمحو من الرزق ويزيد فيه، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر، وهو مذهب عمر و ابن مسعود، والقائلون بهذا القول كانوا يدعون ويتضرّعون إلى الله تعالى في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء. وهذا التأويل رواه جابر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله).

والقول الثاني: إنّ هذه الآية خاصّة في بعض الأشقياء دون البعض.


1 . مجمع البيان:6/398.

(28)

ثم قال: فإن قال قائل: ألستم تزعمون إنّ المقادير سابقة قد جفَّ بها القلم وليس الأمر بأنف، فكيف يستقيم مع هذا المعنى، المحو والإثبات؟

قلنا: ذلك المحو والإثبات أيضاً مما جفّ به القلم، فلأنّه لايمحو إلا ما سبق في علمه وقضائه محوه.(1)

5. وقال القرطبي(المتوفّى671هـ) ـ بعد نقل القولين وإن المحو والإثبات هل يعمّـان جميع الأشياء أو يختصان ببعضها ـ: مثل هذا لايدرك بالرأي والاجتهاد ، وإنّما يؤخذ توقيفاً فإن صحَّ فالقول به يجب أن يوقف عنده، وإلاّ فتكون الآية عامّة في جميع الأشياء، وهو الأظهر ـ ثم نقل دعاء عمر بن الخطاب في حال الطواف ودعاء عبدالله بن مسعود ثم قال: روى في الصحيحين عن أبي هريرة قال: سمعت النبي(صلى الله عليه وآله)يقول: «مَن سرَّه أن يبسط له في رزقهِ ويُنسَأ له في أثره (أجله) فليصل رحمه».(2)


1 . تفسير الرازي:10/64ـ65.
2 . الجامع لأحكام القرآن: 5/329.

(29)

6. قال ابن كثير (المتوفّـى774هـ) بعد نقل قسم من الروايات: ومعنى هذه الروايات أنّ الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها ويثبت منها ما يشاء ،وقد يُستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد عن ثوبان قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): « إن ّ الرجل ليُحْرَمُ الرزقَ بالذنب يصيبه ولايرد القَدَرُ إلاّ بالدعاء، ولايزيد في العمر إلا البر». ثم نقل عن ابن عباس: الكتاب كتابان: فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت عنده ما يشاء،وعنده أُمّ الكتاب.(1)

7. روى السيوطي(المتوفّى911هـ) عن ابن عباس في تفسير الآية: هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله، ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة فهو الذي يمحو ، والذي يثبت: الرجل يعمل بمعصية الله تعالى وقد سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله سبحانه وتعالى. ثم نقل ما نقلناه من الدعاء عن لفيف من الصحابة والتابعين.(2)


1 . ابن كثير: التفسير 2/520.
2 . الدر المنثور 4/660. لاحظ ما نقله في المقام من المأثورات كلّها تحكي عن تغيير التقدير بالأعمال والأفعال.

(30)

8. ذكر الألوسي( المتوفّى1270هـ) عند تفسير الآية قسماً من الآثار الواردة حولها وقال: أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن عليّ ـ كرم الله وجهه ـ أنّه سأل رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن قوله تعالى: (يمحوا الله ما يشاء...) الآية فقال له عليه الصلاة والسلام: «لأقرَّنَّ عينك بتفسيرها، ولأُقرَّنَّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها: الصدقه على وجهها، وبر الوالدين واصطناع المعروف، محوِّل الشقاء سعادة، ويزيد في العمر، ويقي مصارع السوء». ثم دفع الإشكال عن استلزام ذلك، بتغير علم الله سبحانه، ومن شاء فليرجع.(1)

9. وقال صديق حسن خان(المتوفّى1307هـ) في تفسير الآية: وظاهر النظم القرآني العموم في كل شيء ممّا في الكتاب، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة أو رزق أو عمر أو خير أو شرّ ، ويبدل هذا بهذا ،ويجعل هذا مكان هذا. لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن


1 . روح المعاني13/117.

(31)

عباس وأبو وائل وقتادة والضحاك وابن جريج وغيرهم...(1)

10. وقال القاسمي(المتوفّى1333هـ): تمسك جماعة بظاهر قوله تعالى: (يمحوا الله ما يشاء ويثبت)فقالوا: إنّها عامَّة في كل شيء كما ـ يقتضيه ظاهر اللفظ ـ قالوا : يمحو الله من الرزق ويزيد فيه، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر.(2)

11.وقال المراغي(المتوفّى1371هـ) في تفسير الآية: وقد أُثر عن أئمة السلف أقوال لاتناقض فيها، بل هي داخلة فيما سلف. ثم نقل الأقوال بإجمال.(3)

وهذه الجمل والكلم الدرّية المضيئة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، والمفسرين تعرب عن الرأي العام بين المسلمين في مجال إمكان تغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة ومنها الدعاء والسؤال، وأنّه ليس كل تقدير حتمياً لا يُغيّر ولا يبدّل، وإنّ لله سبحانه


1 . فتح البيان5/171.
2 . محاسن التأويل: 9/372.
3 . تفسير المراغي :5/155.

(32)

لوحين: لوح المحو والإثبات، ولوح «أُمّ الكتاب». والذي لايتطرق التغيير إليه هو الثاني دون الأوّل ، وإنّ القول بسيادة القدر على اختيار الإنسان في مجال الطاعة والمعصية، قول بالجبر، الباطل بالعقل والضرورة، ومحكمات الكتاب. ومن جنح إليه لزمه القول بلغوية إرسال الرسل وإنزال الكتب (ذَلِك ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ).(1)


1 . ص: 27.

(33)

3

النزاع في البداء لفظي

لم يزل النزاع بين الشيعة والسنّة في وصف الله سبحانه بالبداء قائماً على قدم وساق، فالشيعة الإمامية تعتبر البداء من صميم الدين بحجّة انّه بمعنى تغيّر المصير بصالح الأعمال وطالحها، وتنكره بمعنى الظهور بعد الخفاء كما سيوافيك; والسنّة ترفض البداء بالمعنى المحال وهو ظهور الشيء بعد الخفاء، وتكفّر القائل به لاستلزامه نسبة الجهل إلى الله سبحانه وتنسبه إلى الشيعة.

ومن الواضح انّ المقبول لدى الشيعة يغاير موضوعاً و محمولاً مع ما هو المرفوض لدى السنّة، فلا يرد مثل


(34)

ذلك الإيجاب والسلب على مورد واحد، حيث لا نجد بين الأُمّة الإسلامية من ينكر علم الله سبحانه وإحاطته بما في الأرض والسماء، كما لا نجد فيهم من ينكر تغير المصير بصالح الأعمال.

فالفريقان يتنازعان ولكنّهما يتفقان في المعنى الإيجابي، كما أنّهما يتّفقان في المعنى السلبي.

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ المسألة لم تطرح في جوّ هادئ حتّى يقف كلّ طائفة على ما لدى الطائفة الأُخرى من المعنى لهذا الأصل. ونحن ندعو إلى عقد مؤتمر علمي لدراسة هذه المسألة بدقة لإزالة الشك والالتباس عنها وعن غيرها من المسائل المختلف فيها .

نصوص علماء الإمامية في البداء

1. قـال الصـدوق(306ـ381هـ) فـي «باب الاعتقاد بالبداء»: إنّ اليهود قالوا: إنّ الله تبارك وتعالى قد فـرغ من الأمر، قلنا: بل هو تعالى «كلّ يوم هو في شـأن» لا يشغله شـأن عن شأن، يحيي ويميت، ويخلق ويرزق ويفعل ما يشاء، وقلنـا: (يَمْحُوا الله ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ


(35)

الْكِتابِ)(1).(2)

2. قال الشيخ المفيد(336ـ413هـ): معنى البداء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ وأمثاله من: الإفقار بعد الإغناء، والإمراض بعد الإعفاء، والإماتة بعد الإحياء، وما يذهب إليه أهل العدل خاصة، من الزيادة في الآجال والأرزاق والنقصان منها بالأعمال.(3)

3. قال السيد المرتضى(355ـ 436هـ): البداء في لغة العرب هو الظهور من قوله: «بدا الشيء: إذا ظهر وبان، والمتكلّمون تعرّفوا فيما بينهم أن يسمّوا ما يقتضي هذا البداء باسمه، فقالوا: إذا أمر الله تعالى بالشيء في وقت مخصوص على وجه معيّن ومكلّف واحد، ثمّ نهى عنه، فهو بداء، والبداء على ما حدّدناه لا يجوز على الله تعالى لأنّه علم بنفسه، ولا يجوز له أن يتجدّد كونه عالماً ، ولا أن يظهر له من المعلومات ما لم يكن ظاهراً.

وقد وردت أخبار آحاد لا توجب علماً، ولا تقتضي


1 . الرعد:39.
2 . عقائد الإمامية، المطبوع في ذيل شرح الباب الحادي عشر:73.
3 . أوائل المقالات:53، باب القول في البداء والمشيئة.

(36)

قطعاً بإضافة البداء إلى الله، وحملها محقّقو أصحابنا على أنّ المراد بلفظة البداء فيها النسخ للشرائع ولا خلاف بين العلماء في جواز النسخ للشرائع.(1)

ترى أنّ السيد الشريف يتبرّأ من البداء بمعنى ظهور الشيء بعد خفائه، ويفسّر الروايات بمعنى النسخ وهو صحيح، لكن يجب أن يضاف إليه بأنّ النسخ يستعمل في التشريع، والبداء في التكوين.

4. وقال الشيخ الطوسي(385ـ 460هـ): البداء حقيقة في الظهور، ولذلك يقال: بدا لنا سور المدينة، وبدا لنا وجه الرأي و قال الله تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا)(2) و (وبدا لَههُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا).(3)

فأمّا إذا أُضيفت هذه اللفظة إلى الله تعالى، فمنه ما


1 . رسائل الشريف المرتضى، المسألة5، ص 117، المسألة الرازيّة. وقد نقل العلاّمة المجلسي خلاصة نظرية السيد في بحار الأنوار:4/129، ومرآة العقول:2/131 حيث قال: الرابع ما ذكره السيد المرتضى.
2 . الجاثية:33.
3 . الزمر:47ـ48.

(37)

يجوز إطلاقه عليه ومنه ما لا يجوز; فأمّا ما يجوز من ذلك، فهو ما إذا أفاد النسخ بعينه، ويكون إطلاق ذلك عليه ضرباً من التوسّع، وعلى هذا الوجه يحمل جميع ما ورد عن الصادقين(عليهما السلام)من الأخبار المتضمّنة لإضافة البداء إلى الله، دون ما لا يجوز عليه من حصول العلم بعد أن لم يكن.

ووجه إطلاق ذلك فيه تعالى، هو أنّه إذا كان منه ما يدلّ على النسخ، يظهر به للمكلّفين مالم يكن ظاهراً، ويحصل لهم العلم به بعد أن لم يكن حاصلاً لهم، أطلق على ذلك لفظ البداء.(1)

ترى أنّ شيخ الطائفة أيضاً يفسّر البداء بالنسخ، ولكن نضيف إلى ما ذكره أنّ النسخ يستعمل في نسخ الحكم والبداء في نسخ التكوين، أعني: تغيير المصير بصالح الأعمال وطالحها .

5. وقال الشيخ أيضاً في كتاب «الغيبة»: إنّه لا يمتنع


1 . عدة الأُصول:2/29. ولاحظ كتاب الغيبة للشيخ الطوسي، ص 263.

(38)

أن يكون الله تعالى قد وقّت هذا الأمر (الحادثة المعيّنة) في الأوقات التي ذكرت، فلما تجدّد ما تجدّد، تغيّرت المصلحة واقتضت تأخيره إلى وقت آخر ـ إلى أن قال : ـ و على هذا يُتأوّل ما روي في تأخير الأعمار عن أوقاتها و الزيادة فيها عند الدعاء وصلة الأرحام، وما روي في تنقيص الأعمار عن أوقاتها إلى ما قبله عند فعل الظلم وقطع الرحم، وغير ذلك، وهو تعالى و إن كان عالماً بالأمرين، فلا يمتنع أن يكون أحدهما معلوماً بشرط، والآخر بلا شرط، و هذه الجملة لا خلاف فيها بين أهل العدل، وعلى هذا يتأوّل أيضاً ما روي من أخبارنا المتضمّنة للفظ البداء ويبيّن أنّ معناها النسخ على ما يريده جميع أهل العدل، فيما يجوز فيه النسخ أو تغيّر شروطها، إن كان طريقها الخبر عن الكائنات.(1)

6. وقال السيّد المحقّق الداماد(...ـ1041هـ): البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع، فما في الأمر التشريعي والأحكام التكليفية فهو نسخ وفي الأمر


1 . الغيبة للشيخ الطوسي، ص 262ـ 264، طبعة النجف.

(39)

التكويني والمكوّنات الزمانية بداء، فالنسخ كأنّه بداء تشريعي، والبداء كأنّه نسخ تكويني، ولا بداء في القضاء ولا بالنسبة إلى جناب القدّوس الحق.

ـ إلى أن قال: ـ و كما حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي وانقطاع استمراره، لا رفعه وارتفاعه عن وعاء الواقع، فكذلك حقيقة البداء انبتات (1) استمرار الأمر التكويني وانتهاء اتصال الإفاضة.(2)

7. قال العلاّمة المجلسي(1037ـ1110هـ): إنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) بالغوا في البداء ردّاً على اليهود الذين يقولون: إنّ الله قد فرغ من الأمر، وردّاً على النظّام وبعض المعتزلة الذين يقولون: إنّ الله خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه وإنّما التقدّم يقع في ظهورها لا في حدوثها ووجودها، فنفت أئمّة أهل البيت ذلك المعنى وأثبتوا انّه تعالى كلّ يوم في شأن، في إعدام شيء وإحداث آخر، وإماتة شخص وإحياء آخر، إلى غير ذلك،


1 . انقطاع.
2 . نبراس الضياء، ص 56.

(40)

لئلاّ يترك العباد التضرّع إلى الله ومسألته وطاعته والتقرّب إليه ما يصلح أُمور دنياهم وعقباهم، وليرجوا عند التصدّق على الفقراء وصلة الأرحام وبر الوالدين والمعروف والإحسان ما وُعدوا عليها من طول العمر وزيادة الرزق وغير ذلك.(1)

8.وقال السيد عبد الله شبّر(...ـ 1241هـ): للبداء معان، بعضها يجوز عليه، وبعضها يمتنع، وهو بالفتح والمدّ أكثر ما يطلق في اللغة على ظهور الشيء بعد خفائه، وحصول العلم به بعد الجهل، واتّفقت الأُمّة على امتناع ذلك على الله سبحانه إلاّ من لا يعتدّ به، ومن نسبه إلى الإماميّة فقد افترى عليهم كذباً، والإمامية براء منه، وقد يطلق على النسخ، وعلى القضاء المجدّد، وعلى مطلق الظهور، وعلى غير ذلك من المعاني.

ثمّ استشهـد على هـذا بما ورد من أنّ الصدقة والدعاء يغيّران القضاء، إلى غير ذلك ممّا روي في هذا


1 . بحار الأنوار:4/130.

(41)

المضمار.(1)

هذا هو قول علماء الشيعة وأكابرهم، ترى أنّ الجميع يفسّر البداء بما يقارب النسخ الذي اتّفق المسلمون على جوازه، غير أنّ مجال النسخ هو التشريع ومجال البداء هو التكوين.

كلام الإمام شرف الدين في البداء

وهناك كلامٌ للإمام شرف الدين (1290ـ 1377هـ) قد كشف اللثام عن حقيقة البداء بوجه يقنع كلّ باحث يرتاد الحقيقة، وبما أنّ كلامه فصل حاسم نأتي به تفصيلاً ليقف القارئ على مدى اضطهاد الشيعة، قال: إنّ الله قد ينقص من الرزق وقد يزيد فيه، وكذا الأجل والصحّة والمرض والسعادة والشقاء، والمحن والمصائب والإيمان والكفر وسائر الأشياء كما يقتضيه قوله تعالى: (يَمْحُوا الله ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ).

وهذا مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبي


1 . مصابيح الأنوار:1/33.

(42)

وائل وقتادة، وقد رواه جابر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وكان كثير من السلف الصالح يدعون ويتضرّعون إلى الله تعالى أن يجعلهم سعداء لا أشقياء، وقد تواتر ذلك عن أئمّتنا في أدعيتهم المأثورة وورد في السنن الكثيرة، أنّ الصدقة على وجهها، وبرّ الوالدين، واصطناع المعروف يحوّل الشقاء، سعادة ويزيد في العمر، وصحّ عن ابن عباس انّه قال: لا ينفع الحذر من القدر ولكنّ الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر.

هذا هو البداء الذي تقول به الشيعة، تجوّزوا في إطلاق البداء عليه بعلاقة المشابهة، لأنّ الله عزّ وجلّ أجرى كثيراً من الأشياء التي ذكرناها على خلاف ما كان يظنّه الناس فأوقعها مخالفة لما تقتضيه الأمارات والدلائل، وكان مآل الأُمور فيها مناقضاً لأوائلها، والله عز ّوجلّ هو العالم بمصيرها ومصير الأشياء كلّها، وعلمه بهذا كلّه قديم أزليّ، لكن لمّا كان تقديره لمصير الأُمور يخالف تقديره لأوائلها. كان تقدير المصير أمراً يشبه «البداء» فاستعار له بعض سلفنا الصالح هذا اللّفظ مجازاً،


(43)

أو كأنّ الحكمة قد اقتضت يومئذ هذا التجوّز.

وبهذا ردّ بعض أئمّتنا قول اليهود: إنّ الله قدّر في الأزل مقتضيات الأشياء، وفرغ الله من كلّ عمل إذا جرت الأشياء على مقتضياته، قال (عليه السلام): بأنّ لله عزّ وجلّ في كلّ يوم قضاءً مجدّداً بحسب مصالح العباد لم يكن ظاهراً لهم، وما بدا لله في شيء إلاّ كان في علمه الأزلي، فالنزاع في هذه بيننا و بين أهل السنّة لفظيّ لأنّ ما ينكرونه من البداء الذي لا يجوز على الله عزّ وجلّ تبرّأ الشيعة منه، وممّن يقول به، براءتها من الشرك بالله ومن المشركين.

وما يقوله الشيعة من البداء بالمعنى الذي ذكرناه يقول به عامّة المسلمين، وهو مذهب عمر بن الخطّاب وغيره كما سمعت، وبه جاء التنزيل (يَمْحُوا الله ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ)(1) ، و (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن)(2) ، أي كلّ وقت وحين يُحدث أُموراً ويجدّد أحوالاً من إهلاك


1 . الرعد:39.
2 . الرحمن:29.

(44)

وإنجاء وحرمان وإعطاء ، وغير ذلك كما روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وقد قيل له: ما ذلك الشأن؟ فقال: من شأنه سبحانه وتعالى أن يغفر ذنباً ويفرّج كرباً ويرفع قوماً، ويضع آخرين.

هذا هو الذي تقول به الشيعة وتسمّيه بداءً، وغير الشيعة يقولون به، لكنّهم لا يسمّونه بداءً، فالنزاع في الحقيقة إنّما هو في تسميته بهذا الاسم وعدم تسميته به، ولو عرف غير الشيعة أنّ الشيعة إنّما تُطلِق عليه هذا الاسم مجازاً لا حقيقة، لتبيّن ـ حينئذ ـ لهم أنّه لا نزاع بيننا و بينهم حتّى في اللفظ، لأنّ باب المجاز واسع عند العـرب إلى الغـاية، و مـع هـذا كلّه فان أصرّ غيرنا على هذا النزاع اللفظي وأبى التجوّز بإطلاق البداء على ما قلناه، فنحن نازلون على حكمه فليبدل لفظ البداء بما يشاء «وليتّق الله ربّه» في أخيه المؤمن «ولا يبخس منه شيئاً» (ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشياءَهُمْ وَلا تَعْثَوا فِي الأَرضِ مُفْسِدينَ * بَقِيتُ الله خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ


(45)

مُؤْمِنين)(1).(2)

كلام المصلح الكبير كاشف الغطاء في البداء

وممّن صرّح بأنّ النزاع بين الشيعة والسنة نزاع لفظي، وأنّ الإيجاب والسلب من الطرفين لا يتوجهان على موضوع واحد، هو العلاّمة المصلح الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء حيث يقول في كتاب «الدين والإسلام»:

يحسب عامّة المسلمين (جمع الله كلمتهم) أنّ هذه الكلمة (البداء) ممّا انفردت به الإمامية واعتدُّوها شناعة عليهم، ولو تمحصّت الحقائق واستوضحت المقاصد وزالت أغشيةُ الأوهام التي تحول بين الحقيقة والأفهام لانكسرت السورة وانكبحت الشرّة، ولعرف الجميع أنّهم متّفقون على مقالة واحدة وأنّ النزاع بينهم لم يكن إلاّ لفظياً .


1 . هود:85ـ 86.
2 . أجوبة مسائل جار الله: 101ـ 103.

(46)

وهكذا أكثر الخلافيات التي تضارب فيها المسلمون، التضاربَ الذي جرّ عليهم الويلات وآل بجمعهم إلى الشتات وصيّرهم بالحالة التي تراها وتسمع بها اليوم، وكلّ تلك المنازعات إلاّ الطفيف قد عملت فيها عوامل الشدّة ونظر الشنآن والحدّة وعدم التروّي والأناة في تبلُّغ المقاصد وتفهُّم المرامي والغايات، حتّى بلغ الأمر إلى أوخم عاقبة وأسود مغبّة، وإلى الله المشتكى والرغبةُ في إدالة هذه الحال والنزوع عن تلك الضرايب فإنّه الحريّ بالإجابة إن شاء الله.(1)

فذلكة البحث

هذه بعض نصوص علماء الإمامية (2) قديماً وحديثاً أتينا بها ليقف القارئ على أنّ البداء عقيدة مشتركة بين المسلمين، وإنّما يستوحش منه من يستوحش لأجل عدم وقوفه على معناه، ولتصوّره أنّ


1 . الدين والإسلام:1/168ـ169.
2 . وقد تركنا ذكر كثير من النصوص في هذا المجال لخوف الاطالة.

(47)

المراد هو ظهور الأمر لله بعد الخفاء عليه. وقد عرفت اتّفاق علمائنا تبعاً للقرآن والسنّة على امتناع إطلاقه على الله سبحانه، وإنّما المراد تغيير ما قدِّر بالدعاء والعمل، وهناك كلمات لسائر مشايخنا لم نذكرها وإنّما نشير إلى أسمائهم فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى مؤلفاتهم نظراء:

1. ميرزا رفيع النائيني في شرح الكافي، و قد نقله العلاّمة المجلسي في البحار: 4/129.

2. المحدّث الكبير محمد محسن الفيض الكاشاني في علم اليقين:1/177، والوافي:1/507، الباب الخامس.

3. شيخنا المجيز الشيخ آقا بزرگ الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة:3/51ـ53.

4. المحقّق العلاّمة الشيخ فضل الله الزنجاني في تعليقاته على كتاب «أوائل المقالات»، ص 94.

5. السيد حسين مكي في كتابه«عقيدة الشيعة في الإمام الصادق وسائر الأئمّة».(1)


1 . الإمام الصادق(عليه السلام):47ـ48، ط دار الأندلس، بيروت.

(48)

إلى غير ذلك من المحقّقين العظام.