welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الفكر الخالد في بيان العقائد/ج2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الفكر الخالد في بيان العقائد/ج2

( 3 )

الفكر الخالد
في بيان العقائد

حوارات عقائدية بتحليل عقلي رصين، وشواهد قرآنية محكمة مستلّة من تفسير «منشور جاويد»

تأليف

آية الله جعفر السبحاني

إعداد

اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

تعريب

خضر ذوالفقاري

الجزء الثاني


( 4 )

هوية الكتاب

اسم الكتاب: الفكر الخالد في بيان العقائد / ج 2

تأليف: آية الله جعفر السبحاني

إعداد: اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

تعريب: خضر آتش فراز (ذو الفقاري)

المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الطبعة: الأُولى ـ 1425 هـ. ق / 1383 هـ . ش

الكمية: 2000 نسخة

الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)


( 5 )

الفصل الأوّل:

المعارف القرآنية


( 6 )

( 7 )

66

مفهوم الوحي في القرآن

سؤال: من المفاهيم التي لها دور فعّال في حركة الرسالة وقد ركّزت عليها الأديان التوحيدية عامة والإسلام خاصة، مفهوم الوحي، فماهي حقيقة الوحي، وما هو المراد منه؟

الجواب: من المصطلحات والمفاهيم التي وردت في القرآن الكريم مصطلح «الوحي»، وقبل أن نسلّط الأضواء على هذا المفهوم من زواية الرؤية القرآنية وما هي المجالات والأُطر التي استعمل فيها القرآن هذا المصطلح، نرى من اللازم أن نسلّط الأضواء على المعنى اللغوي لهذا المصطلح:

قال ابن فارس: «الوحي أصل يدلّ على إلقاء علم في إخفاء».(1)

وقال الراغب: «أصل الوحي الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة قيل«أمر وحي»، وقد يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض».(2)

وقال ابن منظور: «الوحي: الإشارة، والكتابة،والرسالة، والإلهام، والكلام


1 . مقاييس اللغة:6/93، مادة «وحى».

2 . مفردات الراغب:515، مادة «وحى».


( 8 )

الخفي، وكلّ ما ألقيته إلى غيرك».(1)

وبالأخذ بعين الاعتبار، الكلمات التي نقلناها من كبار أصحاب الاختصاص من اللغويين العرب، يمكن القول حينئذ : إنّ الوحي هو ذلك الإلقاء إلى الغير الذي يكمن فيه عنصران: الأوّل: الخفاء، والثاني: السرعة. وإذا ما أُطلق على الارتباط بين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وبين اللّه سبحانه وعلى عملية تلقّي الأحكام والتعاليم الإلهية مصطلح «الوحي» فإنّ هذا الإطلاق في الواقع ينطلق من هذه الحيثية، وذلك باعتبار أنّ ذلك نوع من التعليم غير الاعتيادي الخفي المقترن بالسرعة.

والذي يظهر من الشيخ المفيد(قدس سره) أنّ المقوّم لإطلاق الوحي والعنصر اللازم له هو «الخفاء في التعليم» حيث ذهب إلى أنّ الوحي هو الإعلام بخفاء، بطريق من الطرق.(2)

والحال انّ عنصر السرعة أيضاً يعدّ من مقوّمات الوحي بالإضافة إلى الخفاء.

بعد أن تعرّفنا على المعنى اللغوي لمصطلح «الوحي» ننتقل إلى الحديث عن تحليل وتحقيق المراد من الوحي في القرآن الكريم، وهنا يمكن الإشارة إلى مجموعة من المعاني التي استخدم فيها هذا المصطلح، ومنها:

الف: الإدراك الغريزي

لقد كشفت العلوم الحديثة كعلم الأحياء ـ و خاصة في مجال دراسة


1 . لسان العرب:15/379.

2 . انظر تصحيح الاعتقاد: 120، فصل في كيفية نزول الوحي.


( 9 )

الحيوانات التي تقوم على أساس غريزي ـ انّ هذه الحيوانات تقوم بفعّاليات وحركات وأعمال حيّرت العقول وأدهشت الفكر الإنساني، فعلى سبيل المثال زنابير النحل وما تقوم به من الأعمال المدهشة التي تتسم بالدقة والإتقان والتنظيم وتوزيع المهام والأدوار. وكذلك العنكبوت وما ينسجه من البيوت رغم وصفها في القرآن الكريم بأنّها أوهن البيوت فإنّها مع ذلك تتّصف بالدقة والإتقان، فإنّ كلّ هذه الأعمال نابعة من عامل داخلي ونداء غريزي.

وبعبارة أُخرى: أنّها تقوم بذلك بصورة أُتوماتيكية ومن دون الحاجة إلى تعليم خارجي، وأنّها تطوي مسيرة حياتها اعتماداً على العنصر الأوّل وهو العنصر الداخلي الغريزي.

ولا ريب أنّ هذه الأعمال ـ التي تقوم بها تلك الحيوانات والتي يعجز الإنسان عن القيام بها ـ لا يمكن أن تصدر من دون علّة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية لا يمكن القول إنّ هذه الحيوانات إنّما تقوم بهذه الأعمال بعد إعمال فكر وطي سلسلة من الحسابات العقلية وإجالة الفكر بين حسابات الربح والخسارة.

إذاً لابدّ من الإذعان انّ ذلك لا يكون إلاّ وليد نوع من التعليم الخفي والرمزي الذي أُلقي إلى تلك الحيوانات، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله سبحانه:

(وَأَوحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذي مِنَ الجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ *ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكي سُبُلَ رَبِّكِ ذُللاً...).(1)


1 . النحل:68ـ69.


( 10 )

وعلى هذا الأساس تكون الأعمال المدهشة للنحل كالتنظيم الهندسي للخلية وتوزيع الأدوار والحراسة ومنع الزنابير المريضة من دخول الخلية والتجول بين الأزهار ومص رحيقها،وتحويلها إلى شهد لذيذ و... كلّ ذلك إنّما هو وليد العامل الغريزي.

ب: الإلهام والإلقاء في القلب

لقد استعمل مصطلح الوحي في القرآن بمعنى آخر وهو: الإلقاء إلى القلب، بمعنى أنّ الملقى إليه يصل إلى تلقّي الشيء ومعرفته من دون أن يرى الملقي أو يخضع إلى تعليمه المباشر له، وهذا التلقّي في الحقيقة معلول لعاملين، هما:

1. طهارة النفس: فقد تصل النفس في بعض الأحيان وبسبب الطهر المعنوي والسمو الروحي والمعنوي والنورانية التي تتحلّى بها، إلى مقام تكتمل فيه لياقاتها وقدراتها بحيث تكون على استعداد لتلقّي الحقائق من الموجودات النورانية والشخصيات الكاملة، بل تصل إلى درجة تلقي تلك الحقائق من الذات المقدّسة للّه سبحانه.

2. وتارة أُخرى قد تنحط النفس بحيث تصل إلى درجة من الدناءة والخسّة والوقوع في الظلمة، بحيث ترتبط حينئذ بما يسانخها من الأرواح الخبيثة وتتلقّى منها التعاليم الفاسدة والأفكار المنحطّة والمخادعة التي لا أساس لها أبداً.

وإذا ما استعملت كلمة«الوحي» في الحالتين فما ذلك إلاّ بسبب وجود ملاك الإطلاق وهو توفّر صفتي: الخفاء، والسرعة، في تلك التعاليم، والأفضل أن نطلق على القسم الأوّل عبارة «الإلهام والإشراق» وعلى القسم الثاني «الوسوسة الشيطانية».


( 11 )

ج: وحي الشريعة

إنّ الإنسان العادي قد يتوصّل إلى النتائج التي يتوخّاها من خلال الحسّ والتجربة، أو إجالة الفكر والتدبّر والاستدلال، ولكن ذلك لا يعني انحصار طرق المعرفة وسبلها بهذين الطريقين، بل هناك طريق ثالث للمعرفة يفاض على النفس من العالم العلوي يكون الهدف منه هداية المجتمع الإنساني وسوقه إلى الكمال والرقي والتعالي، وهذا ما يطلق عليه اسم «الوحي التشريعي».

والحقيقة أنّ هذا الوحي التشريعي لا يختلف من جهة الماهية والحقيقة عن القسمين السابقين، نعم النكتة الكامنة في هذا القسم هي مسألة الهداية وإرشاد الناس إلى المبدأ والمعاد. وهذه الخصيصة أخذت باعتبارها قيداً لازماً لهذا النوع من الوحي حيث قال تعالى:

(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرينَ).(1)

وعلى هذا الأساس فإنّ الأنبياء وإن كانوا يمتلكون وسائل المعرفة كالحس والعقل ولكن شريعتهم لا تكون نتاج تلك الوسائل المعرفية، بل أنّها جميعاً تتعلّق بالعالم العلوي حيث ينزل الوحي على نفوسهم وأرواحهم وبأمر من اللّه سبحانه حاملاً رسالته وتشريعاته سبحانه، ولذلك لا يخطأون أدنى خطأ في ضبط وحفظ وإبلاغ وبيان الأحكام الإلهية.

ولذلك فكلّ محاولة لتفسير ووضع حركة الأنبياء في إطار الهداية، بأنّها وليدة الحس والعقل، أو هي نتاج الاستعداد والنبوغ الذاتي للأنبياء، لا تبعد ه عن كونها محاولة انحرافية يسير صاحبها في طريق أعوج، ومن المستحيل أن توصله محاولته تلك إلى الهدف الذي يرومه، والحقيقة أنّ السبب الذي دعا أصحاب هذا


1 . الشعراء:193ـ 194.


( 12 )

التفكير الخاطئ إلى مثل هذه المحاولات هو عدم اعتقادهم بوجود عالم خارج عالم المادة والطبيعة، فلذلك اضطروا إلى أن يضفوا على جميع الحوادث صبغة مادية وانّها نتاجات بشرية نابعة من علل مادية لا غير.

وقد وصف اللّه سبحانه وتعالى طائفة من الأنبياء بقوله:

(وَجَعلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدينَ) .(1)

وحينئذ لابدّ من معرفة المراد من الوحي في هذه الآية.

إنّ أغلب المفسّرين قالوا: إنّ المراد من الوحي هنا هو الوحي التشريعي الذي ينزل على جميع الأنبياء ليبيّن لهم وظائفهم ووظائف العباد والمهام التي لابدّ من القيام بها والتي تنظم حياتهم، وعلى هذا فالآية ناظرة إلى نوع خاص من أنواع الوحي لا إلى جميعها.

نعم، بالالتفات إلى المباحث السابقة يمكن القول: إنّ للوحي معنىً واحداً لا غير، وانّه قد استعمل في القرآن الكريم في هذا المعنى الواحد، و انّ الاختلاف وقع في المتعلّق. ثمّ إنّ الملاك المجوّز لهذا الاستعمال موجود في جميع أنواع الوحي وهو: انّ الجميع تشترك في كونها نوعاً من التعليم الخفي المقترن بالسرعة، سواء كان الطرف المتلقّي هو الإنسان أو سائر الحيوانات والجمادات، وسواء كان التعليم يتعلّق بهداية الناس وإرشادهم أو لا، وسواء كان المعلم اللّه سبحانه أو غيره.(2)


1 . الأنبياء:73.

2 . منشور جاويد:10/79ـ 95.


( 13 )

67

اللّه ومسألة الهداية والضلالة

سؤال: حينما نراجع القرآن الكريم نجد أنّ هناك طائفة من الآيات تصفه بأنّه تعالى هو الهادي وانّ أمر الهداية بيده سبحانه، وفي المقابل توجد طائفة أُخرى من الآيات الكريمة تصفه سبحانه بأنّه هو المضلّ، بمعنى أنّه هو الذي يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء، وحينئذ يطرح السؤال التالي: كيف يتسنّى لنا توجيه تلك الآيات بحيث نصفه سبحانه بالهادي تارة والمضل تارة أُخرى؟

الجواب: انّ تحليل هذا التساؤل المهم وبيان أمر الهداية والضلالة المنسوبين إليه سبحانه لا يمكن أن يتمّ من دون جمع الآيات ودراستها بإمعان وتحليلها تحليلاً علمياً محكماً، ولكن يمكن من خلال التفريق بين نوعين من الهداية: الهداية العامة، والهداية الخاصة، ومن خلال الإمعان في معنى الهداية الخاصة يتّضح جلياً معنى الإضلال والخذلان الإلهي.

الهداية العامّة

والمراد منها أنّه سبحانه من خلال نداء الفطرة الإنسانية ودعوة العقل، وبعث الرسل والأنبياء، يمهد طريق الهداية والسعادة أمام جميع الناس، وكذلك


( 14 )

يبيّن لهم طريق الشقاء والانحراف، وقد تعلّقت الإرادة والمشيئة الإلهية بأن يقع جميع أفراد البشر تحت هذا النوع من الهداية والإرشاد، ويشهد على ذلك الكثير من الآيات المباركة كقوله تعالى:

(...قَدْجاءَكُمُ الحََقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بَِِوَكِيل).(1)

فقد أشار القرآن الكريم في الآية المذكورة إلى الهداية العامة وشموليتها بقوله: (فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) وانّ هذه الهداية شاملة للجميع بحيث يتسنّى للكلّ أن يستفيدوا من تلك الوسائل الموصلة إلى الهداية، والتي تتمثل في «الفطرة والعقل وبعث الرسل» فانّه سبحانه جهّز الجميع بتلك الطاقات والإمكانات ولم يحرم منها أحداً من الناس.

الهداية الخاصة

والمراد من هذا النوع من الهداية هو الإمداد الغيبي الذي يوصل الإنسان إلى مراده بصورة أسرع، وهذا النوع خارج عن قدرات الإنسان وإمكاناته، وانّه يختص بجملة من الأفراد الذين استضاءُوا بنور الهداية العامة واستفادوا منها، الذين لم يخالفوا نداء الفطرة ودليل العقل ودعوة الرسل، وهكذا استطاعوا وضع أنفسهم تحت مصب الرحمة الإلهية، وفي طريق نسيم الهداية الربانية لينالوا السعادة القصوى والكمال المطلق، يقول سبحانه في حقّ هذه الطائفة:(وَالّذِينَ اهْتَدَوا زادَهُمْ هُدىً...).(2)


1 . يونس:108.

2 . محمد:17.


( 15 )

وقال سبحانه أيضاً: (وَالّذِينَ جاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).(1)

فإذا اتّضح انّ المراد من الهداية هو تهيئة وتوفير سبل السعادة ووسائل الرشاد لمن استفاد من الهداية العامة وتثبيتهم وتسديدهم في مزالق الحياة إلى سبل النجاة. وانّ المراد من الضلالة هو منعهم وحرمانهم من هذه المواهب وخذلانهم في الحياة وإيكالهم إلى أنفسهم، من هنا نجد أنّ طائفة من آيات الذكر الحكيم التي تتعلّق بالضلالة تقول:

(وَيُضِلُّ اللّهُ الظّالِمين...).(2)

و(كَذلِكَ يُضِلُّ اللّه مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرتابٌ).(3)

(...كَذلِكَ يُضِلُّ اللّهُ الكافِرين).(4)

فهذه الآيات ونظائرها في القرآن الكريم كثيرة جداً حيث تبيّن وبوضوح تام العلّة والسبب في ضلال هؤلاء إذ تقول: لأنّهم ظالمون ومسرفون وكافرون ومرتابون و... فلذلك فهم ضالّون، وهذا يعني وبوضوح أنّهم لم يستفيدوا من تلك الإمكانات والمواهب التي منحهم اللّه سبحانه إيّاها في مرحلة الهداية العامة، فلذلك لم يقعوا مورداً للعناية الإلهية الخاصة ولم يشملهم ذلك اللطف وتلك الرحمة الإلهية حيث منعهم سبحانه من تلك المواهب التي أفاضها في مرحلة الهداية الخاصة، لأنّهم ـ و بسبب فسقهم وظلمهم وإسرافهم ـ لم يكونوا جديرين بهذا اللطف الإلهي الخارج عن العادة.


1 . العنكبوت:69.

2 . إبراهيم:27.

3 . غافر:34.

4 . غافر:74.


( 16 )

وحال هؤلاء كحال من يسأل عن الطريق فيرشد إليه ويقال له: اسلك هذا الطريق، فإذا وصلت إلى المكان الفلاني فإنّك ستجد هناك علامة كذا، حينها تكون قد وصلت إلى مرادك ومقصودك.

فلا ريب انّ هذا الفرد إنّما يستفيد من هذا الإرشاد في حالة واحدة وهي فيما إذا سلك ذلك الطريق ووصل إلى العلامة التي أُشير إليها، وهذا يعني أنّ الوصول إلى المقصد الثاني والاستفادة من العلامة التي هي دليله لا تتمّ إلاّ بعد الاستفادة من الدليل الأوّل، وهو طي ذلك الطريق الذي وصف له. وأمّا إذا لم يستفد من الدليل الأوّل ولم يسلك ذلك الطريق، أو أنّه سار على عكس الطريق الذي رسم ووصف له، فلا ريب أنّه لا يمكن له أن يستفيد من الدليل الثاني (العلامة) ثمّ الوصول إلى مراده.

إذاً ومن خلال هذا المثال الحسّي يتّضح لنا جلياً مفاد قوله تعالى: (فَيُضِلُّ اللّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهدي مَنْ يَشاءُ)، فإنّ الآية تشير وبلا ريب إلى الهداية الخاصة، وانّ المراد من الهداية هو توفير مقدّمات السعادة والهداية الخاصة، والمراد من الضلالة قطع تلك العناية الإلهية، ولا علاقة للآية أبداً بمسألة الجبر لا من بعيد ولا من قريب.

إذا اتضّح هذا الجانب من البحث، لابدّ من الإشارة إلى عامل آخر من عوامل الضلالة الذي يتعلّق بانحراف وضلال الإنسان فقط وهو:

العامل الثاني من عوامل الضلال

إنّ القرآن الكريم يذكر ـ و في مناسبات مختلفة ـ مجموعة من العوامل التي لا تكون نتيجتها إلاّ الانحراف والضلال وإخراج الإنسان عن الصراط المستقيم


( 17 )

والطريق القويم، وإنّ معرفة هذه العوامل لمن أراد السعادة والتكامل والفوز بالرضوان تكون سبباً للصلاح والفلاح والتكامل، لأنّه صحيح أنّ تلك العوامل مهلكة وانّها سبب الانحطاط والانحراف لمن استسلم لها وأسلس لها العنان بحريته وإرادته فأهوت به في درك المهالك، إلاّ أنّ نفس تلك العوامل تكون سبباً لنجاة وهداية وتكامل المؤمنين الواعين والمنتبهين إلى خطورة الطريق ووعورة المسلك وتكون سبباً لثبات واستحكام أُسسهم الدينية والأخلاقية.

وذلك لأنّ الإنسان عندما يدرك انّ له رقيباً وعدواً يرصد حركاته وسكناته، فلا ريب أنّ هذا الإدراك وهذا الوعي لا يخلو من نفع وفائدة، لأنّ العدو سيكون السبب في معرفة الإنسان بنقاط الضعف والخلل الموجودة فيه ثمّ السعي لمعالجتها وإصلاحها.

وهكذا الكلام في المجتمع فإنّ المجتمع الذي تنتفي فيه الرقابة والمنافسة الشريفة، والمعقولة، فإنّه سيصاب لا محالة بحالة من الركود والخمول والتراجع إلى الوراء ثمّ تكون عاقبة ذلك كلّه الاندثار والإبادة.

إنّ «الشيطان» هو العدو اللدود للإنسان، وإنّ هذا العدو الذي أقسم على غواية الإنسان وإضلاله(فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعين *إِلاّ عِبادكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصين)(1) فهذا العدو الخطير ـ نفسه ـ يُعدّ سبباً لتكامل عباد اللّه المخلصين الذين عرفوه وأدركوا خططه ومكره وحبائله، وصمّموا على مواجهته وإفشال وإحباط جميع خططه وتمزيق جميع مصائده وتقطيع حبائله. وذلك لأنّ الإنسان عندما يدرك أنّ هناك عدواً خفياً يتحيّن الفرص للانقضاض عليه وإلقائه في الهلكة، حينئذ يبقى هذا الإنسان يقظاً منتبهاً يرصد ما حوله ويحاول الاستفادة


1 . ص:82ـ 83.


( 18 )

من كلّ إمكاناته واستعدادته للخلاص من هذا العدو الماكر، وحينئذ سوف تتكامل قدراته وتترسّخ أُسسه وتقوى إرادته و....

ثمّ إنّ وجود العدو بالنسبة إلى الإنسان ـ فرداً أو جماعة ـ كوجود الميكروبات التي تحفّز في داخل الإنسان عوامل المقاومة والمواجهة ثم توفر له عوامل الاستقامة والثبات، ولذلك فإنّ الإنسان الذي يسعى للعيش في فضاء خال من كلّ أنواع الميكروبات ولا يتناول من الطعام والفواكه إلاّ المعقم، فلا ريب سوف يسقط أمام أيّ حالة يتعرض فيها لهجوم الميكروبات الخفية التي لم يلتفت إليها، مثله مثل الرواتع الخضرة(1) التي تسقط أمام النسيم فضلاً عن الأعاصير، ولذلك نجد الأطباء ـ اليوم ـ ينصحون بانتهاج طريق وسط بالنسبة إلى الميكروبات للحفاظ على سلامة البدن في مقابل تعرضه لهجوم تلك الموجودات الخفية.(2)


1 . الأشجار والأعشاب الغضّة الناعمة التي تنبت في الأرض الندية.

2 . منشور جاويد:3/153ـ 156.


( 19 )

68

وصف القرآن بأنّه عربي مبين

سؤال: هناك بعض الآيات التي تصف القرآن الكريم بأنّه عربي مبين، وحينئذ يطرح التساؤل التالي: إذا كان القرآن عربياً وواضحاً فما هي الحاجة ياترى إلى تفسيره وبيانه؟

الجواب: حينما أدرك المشركون عجزهم أمام القرآن الذي تحدّاهم ـ وهم سادة البلاغة ورجال الأدب في ذلك الوقت، فكّروا في الخروج من هذا المأزق الذي وقعوا فيه، ولذلك أخذوا بالبحث عن مبدأ ومنشأ القرآن الكريم، ولذلك ذكروا مجموعة من التفسيرات التي هي من وحي خيالهم الباطل حيث قالوا: إنّ محمداً قد أخذ القرآن من غلامين روميّين هما «جبر» و«يسار»(1) ومن غيرهما،ولقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله سبحانه:

(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ).(2)


1 . انظر الكشاف:2/218.

2 . النحل:103.


( 20 )

«العجم» في اللغة هو «الإبهام»، و«الأعجمي» هو الإنسان الذي لا يفصح وإن كان عربياً، وبما أنّ العرب يجهلون اللغات الأُخرى غير العربية لذلك أطلقوا على غير العربي لفظ«العجمي»، لأنّه لا يفهم اللغة العربية بصورة صحيحة، أو أنّه لا يستطيع النطق، بصورة جيدة وصحيحة.

فإذا أخذنا بنظر الاعتبار سبب النزول هذا والذي نقله بعض المفسّرين، حينئذ يمكن القول : إنّ الهدف والغاية من هذه الآية هو الرد على هذا التوهم الباطل حيث تبيّن الآية الحقيقة التالية:

كيف يتلقّى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) هذا القرآن الذي هو في قمة الفصاحة والبلاغة، والبيان،والمرونة والسلاسة والعذوبة وبلسان عربي مبين وواضح، من أُناس يجهلون اللغة ولا يعرفون من أسرارها وفنونها شيئاً، لأنّهما روميان؟!! ولو فرضنا انّهما يعرفان اللغة العربية فلا شكّ انّهما ليسا بهذا المستوى من الإدراك البلاغي وهذه القوة من الفصاحة.

وعلى هذا الأساس يكون مفاد الآية بيان انّ القرآن الكريم كلام صحيح وخطاب بليغ منزه عن أدنى خلل أو تحريف، وما كان كذلك لا يمكن أن يكون وليد فكر الغلامين «يسار» و «جبر» أو غيرهما.

ولكن النكتة الجديرة بالالتفات إليها هي انّ كون القرآن بليغاً أو فصيحاً وعارياً من التحريف والخطأ لا يلازم عدم الحاجة إلى توفير بعض المقدّمات للوصول إلى تفسيره، وانّ الحاجة إلى تلك المقدّمات التفسيرية لا تنافي كونه (عربي مبين).

وهانحن نجد في جميع أرجاء العالم أنّهم يدوّنون كتبهم الدراسية والعلمية بأُسلوب سلس وبعبارات واضحة بعيدة عن التعقيد والإبهام. ومع ذلك نجد أنّهم بحاجة في الكثير من الأحيان إلى وجود المعلم والأُستاذ.


( 21 )

وبعبارة أوضح: انّ الآية تريد الإشارة إلى نكتة مهمة وهي انّ اللّه سبحانه حينما يصف القرآن بأنّه «عربي مبين» يعني أنّ هذا القرآن وضع مطابقاً للأُسلوب العربي والقواعد العربية المحكمة وليس على طريقة الأعاجم الذي يجهلون اللغة العربية ويرصفون كلمة إلى جنب كلمة أُخرى ظناً منهم انّهم يتكلّمون اللغة العربية، بل أنّ هذا الكتاب موافق لأُسس اللغة العربية وانّه مصون وبعيد من التحريف والخطأ والإغماض والتعقيد في العبارة.

ونختم الحديث هنا بكلام لأمير المؤمنين(عليه السلام)، حينما أرسل ابن عباس للاحتجاج على الخوارج ومناظرتهم، فقال له (عليه السلام):

«لا تخاصمهم بالقرآن فإنّ القرآن ذو وجوه و حمال، تقول و يقولون، و لكن حاججهم بالسنّة فإنّهم لن يجدوا عنها محيصاً».(1)

فإنّ هذه الفقرة القيمة توضح وبجلاء انّ بعض آيات القرآن تحتمل عدّة وجوه ومحتملات،ولا يمكن معرفة المراد منها إلاّ بعد أن نطوي مجموعة من المقدّمات ولا يمكن الاكتفاء بالمعرفة ببعض الأُصول الأدبية واللغوية لرفع هذا الإبهام.

وهذا الكلام يرشدنا إلى أنّ جميع آيات الذكر الحكيم ليست من الكلام المحكم والصريح، بل يوجد فيها الكثير من المتشابه الذي يحتاج في بيانه إلى مجموعة من المقدّمات العلمية الأُخرى.(2)


1 . نهج البلاغة، الخطبة77.

2 . منشور جاويد:3/312ـ 314.


( 22 )

69

المراد من التأويل

سؤال: لقد ورد في القرآن كثيراً مصطلح «التأويل»، ما هو المراد من هذا المصطلح؟ وماذا يعني تأويل الآية؟

الجواب: يقول الراغب في مفرداته: «التفسير» يقال فيما يختص بمفردات الألفاظ.(1) والحال انّ التأويل أكثر ما يستعمل في المعاني والجمل، فقال الراغب: التأويل: من الأول، أي الرجوع إلى الأصل، ومنه الموئل للموضع الذي يرجع إليه.(2)

قال صاحب «كشف الظنون»: قال الراغب: التفسير أعمّ من التأويل وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل وأكثر ما يستعمل في الكتب الإلهية.

وقال غيره: التفسير بيان لفظ لا يحتاج إلاّ وجهاً واحداً، والتأويل توجيه لفظ متوجه إلى معان مختلفة إلى واحد منها بما ظهر من الأدلّة.(3)


1 . مفردات الراغب:380، مادة «فسّر» .

2 . مفردات الراغب:31، مادة «أول».

3 . كشف الظنون:1/242 بحث «علم التأويل»، و297 بحث «علم التفسير» و قد ذكر في هذين البحثين نظريات وآراء متقاربة جداً حول التفاوت والاختلاف بين التأويل والتفسير، أعرضنا عن ذكرها روماً للاختصار.


( 23 )

ومن خلال هذه التعاريف والتعاريف الأُخرى للتأويل والتفسير يتّضح أنّ تفسير الآية لدى طائفة من المفسّرين غير تأويلها. فتوضيح الآية من جهة مفرداتها، والهيئة التركيبية وباقي الخصوصيات المتعلّقة بظاهر الآية يكون تفسيراً للآية، والحال انّ إرجاع الآية إلى المراد النهائي منها وبالاستعانة بالآيات الأُخرى والروايات وسائر الأدلّة العقلية والنقلية، يكون تأويلاً للآية.

إنّ الاتّجاه العام لدى المفسّرين في القرنين الثالث والرابع (كالطبري) في تفسيره «جامع البيان» يميلون إلى الترادف بين مصطلحي «التأويل» و«التفسير»، ولذلك نراهم يطلقون على تفسير الآية لفظ «تأويل الآية»، وهذا النوع من الاستعمال يشعر بأنّهم يذهبون إلى الترادف بين المصطلحين كما قلنا، إلاّ أنّ الاتّجاه الآخر ـ و هو اتّجاه من تأخّر عنهم من المفسّرين ـ يذهب إلى أنّ التفسير يخالف التأويل، وانّ لكلّ من المصطلحين مجاله الخاص به.

وعلى كلّ حال سواء قلنا: إنّ هذا التفصيل بين التأويل والتفسير صحيح أم لا، فإنّ المفسّرين ولقرون متمادية قد ساروا على هذا المنهج واعتبروا انّ تفسير الآية يغاير تأويلها، حيث اعتبروا التفسير هو كشف الستار وتوضيح وبيان مفردات الآية وجملها. والحال انّ التأويل هو إرجاع الآية إلى المراد النهائي منها.

ثمّ إنّ لأُستاذنا الكبير العلاّمة الطباطبائي في هذا المجال نظرية خاصة ذكرها في تفسيره للآية السابعة من سورة آل عمران.

ولا ريب انّ مصطلحي «التأويل» و «التفسير» كلاهما يستعمل ويستفاد منه لرفع الإبهام والغموض الموجود في الآية، ولكن كلّما كان الإبهام والغموض يتعلّق بمعاني مفردات الآية ومضمون الجملة أو الجمل،يطلق على هذا الرفع عنوان التفسير، وأمّا إذا كان الإبهام والغموض متعلّقاً بالمقصود النهائي من الآية


( 24 )

وناتجاً من كثرة الاحتمالات وتعدّد الوجوه المرادة من الآية، فحينئذ يطلق على عملية رفع الإبهام هنا وتعيين المحتمل النهائي أو الوجه المراد منها، لفظ التأويل.

وبعبارة أُخرى: انّ التفسير: إزاحة الستار عن معنى و مضمون مفردات وجمل الآية بنحو يتّضح فيه معنى ألفاظ وجمل الآية الواردة فيها، ومن المعلوم هنا أنّه لا يمكن القول إنّ للتفسير مرحلتين: المرحلة الأوّلية، والمرحلة النهائية، أو المراد الأوّلي والمراد النهائي، وإنّما يوجد مضمون واحد لا غير يتّضح وبصورة تامّة من خلال معرفة معاني المفردات والجمل، أو من خلال التعرّف على سبب النزول أو سياق الآيات.

والحال انّ في «التأويل» مضمون الآية ـ مفردات و جمل ـ واضح جدّاً، ولكن نفس هذا المضمون قد يكون كناية عن المراد النهائي أو يكون جسراً للعبور إلى المعنى الآخر للآية، وحينئذ تكون عملية إرجاع الآية إلى المراد والمقصود النهائي تأويلاً للآية، ويطلق على تلك العملية«تأويل الآية».(1)


1 . منشور جاويد:3/227، 229، 247، 248.


( 25 )

70

المراد من قوله:(قُل الرُّوح)

سؤال: ورد في القرآن الكريم وبالتحديد في سورة الإسراء الآية 85 قوله تعالى:

(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي...).

ما المراد من الروح هنا؟

الجواب: انّ الأحاديث والروايات الإسلامية الواردة في تفسير الآية تشير إلى أنّ المراد من الروح في الآية هو مَلَك كبير، ومن بين مجموع الروايات الاثنتي عشرة التي ذكرها صاحب تفسير «البرهان»(1) والروايات السبع التي رواها صاحب «نور الثقلين»(2) توجد رواية واحدة تفسّر الروح، بروح الإنسان.

كما أورد السيوطي في تفسير «الدرّ المنثور» روايات كثيرة لتفسير الآية من المحتمل أنّه لا توجد فيها أكثر من رواية واحدة تفسّر الروح بالروح الإنسانية والحيوانية.


1 . تفسير البرهان:2/444ـ 445.

2 . نور الثقلين:3/215ـ 219.


( 26 )

عقيدة اليهود حول جبرئيل

إنّ آيات الذكر الحكيم والروايات الصادرة لبيان سبب نزول تلك الآيات تحكي لنا أنّ المجتمع اليهودي، أو على أقلّ تقدير، انّ اليهود المعاصرين للنبي الأكرم كانوا ينظرون إلى جبرئيل(عليه السلام)نظرة عداء ويعتبرونه خصماً وعدواً لدوراً لهم ويطلقون عليه صفة ملك العذاب، كما أنّهم يعتقدون أنّ اللّه تعالى أمره بوضع النبوة في سلالة بني إسرائيل، ولكنّه وضعها في أبناء إسماعيل، ولذلك فإنّ عبارة «خان الأمين» التي ينسبها الجهلة من الكتّاب المتعصّبين إلى الشيعة ظلماً إنّما هي في الواقع عبارة هؤلاء اليهود.

وقد أشار الطبرسي إلى عداوة اليهود لجبرئيل: قال صوريا ـ أحد أحبار اليهود ـ للنبي: أي ملك يأتيك بما ينزل اللّه عليك؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): جبريل. قال صوريا: ذاك عدونا ينزل بالقتال والشدة والحرب، وميكائيل ينزل باليسر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك لآمنّا بك.(1)

فأنزل اللّه سبحانه وتعالى هذه الآية في ردّ معتقدهم فقال سبحانه:

(قُلْ مَنْ كانَ عَدُوّاً لِجبريلَ فإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّه مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشرى لِلْمُؤْمِنينَ).(2)

وقال سبحانه أيضاً:

(مَنْ كانَ عَدُوّاً لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِريَن).(3)


1 . تفسير الفخر الرازي:1/437، ط مصر1308; مجمع البيان:1/325 ، دار المعرفة.

2 . البقرة:97.

3 . البقرة:98.


( 27 )

اتّضح جلياً من هذه الآيات أنّهم كانوا ولأسباب معينة يعتبرون «الروح الأمين»عدوّاً لهم، إلاّ أنّ القرآن الكريم يعتبره معصوماً من الزلل والخطأ ويصفه بأنّه رسول اللّه، كما أنّ القرآن يردُّ على اتّهام اليهود لجبرئيل(عليه السلام) بالخيانة بوصفه(عليه السلام)بالأمين، فيقول سبحانه:

(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ).(1)

وبالالتفات إلى هذه المقدّمات وخاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار انّ اليهود الذين أثاروا التساؤل، وانّ عقيدتهم بجبرئيل كانت عقيدة خاصة، وانّ موقفهم منه سلبي، وانّه عندهم ملك العذاب الذي أخبر عن زوال مملكة بني إسرائيل على يد نبوخذنصر، وهو الذي خان في مسألة النبوة حيث نقلها من نسل بني إسرائيل إلى نسل آخر. نعم بالالتفات إلى كلّ هذه القرائن والمطالب يمكن القول انّ مرادهم من السؤال هو «الروح الأمين» حيث كانوا يسعون إلى معرفة رأي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه لعله يكون موافقاً لرأيهم فيتّخذون ذلك وسيلة للاستفادة منه. وأمّا إذا كان رأي الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) مخالفاً لرأيهم فانّهم في هذه الصورة يخالفونه،ولذلك نجدهم يطلبون من قريش أن يوجّهوا نفس التساؤل إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عن «الروح».

وعلى هذا الأساس من المستبعد أن يكون المراد من الروح هي «الروح» التي هي بداية الحياة، إضافة إلى أنّ هذا التفسير لم يرو إلاّ في رواية واحدة، وأبعد من ذلك أن يقال: انّ المقصود من السؤال هو معرفة قدم أو حدوث الروح، أي هل الروح قديمة أو حادثة؟ وذلك لأنّ هذا المفهوم من المفاهيم التي كانت بعيدة عن الذهن العربي أو اليهودي في ذلك ولم يكن ذلك هو مرادهم قطعاً.

إلى هنا اتّضح جلياً انّ المراد من «الروح» في متن السؤال هو «الروح الأمين


1 . الشعراء:193ـ 194.


( 28 )

جبرئيل»، وهنا لابدّ من العودة إلى القرآن الكريم واستنطاقه لمعرفة الجواب القرآني عن هذا التساؤل ما هو؟

وبعبارة أُخرى: لقد ثبت أنّ المراد من الروح في قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) هو «الروح الأمين»، ولكن لابدّ من معرفة المراد من الجواب القرآني(قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) ما هو؟

يقول ابن عباس: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لجبرائيل:«ما منعك أن تزورنا أكثر ممّا تزورنا؟» فنزل:

(وَما نَتَنزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّك)(1).(2)

وهكذا يتّضح أنّ قوله تعالى: (قُلِالرُُّّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي) هي جواب عن تساؤلات أحبار اليهود ورهبانهم الذين حاولوا الحصول على ما يسند معتقدهم وموقفهم ضد جبرئيل(عليه السلام)، إلاّ أنّ الجواب كان رادعاً ودامغاً لهم حيث أثبت أنّ جبرئيل(عليه السلام)هو أحد رسل اللّه سبحانه الذين لا يعصونه أبداً (وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُون)، وأنّه قد سخّر كلّ وجوده لإطاعة أمره سبحانه وتنفيذ ما يوكل إليه من المهام بكلّ دقة وأمانة، وقد وصل إلى درجة من الالتزام حتى تجسّدت فيه تلك الصفات وترسّخت، كالإنسان الذي يصل من جهة العدالة والنزاهة والطهارة إلى درجة يصبح كأنّه العدل والعدالة نفسهما.(3)


1 . مريم:64.

2 . مجمع البيان:3/521.

3 . منشور جاويد:3/204ـ 211 و 215و 216.


( 29 )

71

الراسخون في العلم

سؤال: ورد في سورة آل عمران قوله تعالى: (...وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّه وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ...).(1)

ما المراد من قوله: (الراسخون في العلم)؟ ومن هم هؤلاء الذين تعنيهم الآية أو تشملهم؟

الجواب: الرسوخ لغة بمعنى «الثبات» و«النفوذ»، و المقصود من الآية الشريفة أنّ علم الإنسان ومعارفه لها أصالتها وجذورها، ولأجل هذا التناسب أطلق القرآن الكريم على بعض علماء اليهود ـ الذين يتحلّون بسعة من العلم والمعرفة في مجال الدين ـ وصف «الراسخون في العلم»، و قال تعالى في حقّهم:

(لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمينَ الصَّلَوةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَ الْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتيهِمْ أَجْراً عَظِيماً).(2)


1 . آل عمران:7.

2 . النساء:162.


( 30 )

ففي هذه الآية أُطلق هذا الوصف على طائفة من بني إسرائيل الذين لهم معرفة واسعة وشاملة بالتوراة ويعلمون بالبشارة التي وردت فيها بحقّ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وصفته التي ذكرها النبي موسى(عليه السلام)في توراته.

وهذا الاستعمال للآية في علماء بني إسرائيل يفيد بأنّ الآية ذات مفهوم واسع وشامل بحيث يشمل كلّ العلماء والمفكّرين الذين لهم قدم راسخة ومعرفة أصيلة وعميقة في العلم والمعرفة.

وإذا مالاحظنا في بعض الروايات انّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) قد وصفوا أنفسهم بصفة «الراسخون في العلم»ففي حقيقة الأمر انّ ذلك من قبيل تطبيق المفهوم على المصداق الأكمل والفرد الممتاز واللامع، إذ انّ أهل البيت ـ و بلا ريب ـ هم أشهر وألمع الشخصيات الإسلامية في سماء العلم والمعرفة والفهم.

ونحن هنا نذكر كنموذج; رواية واحدة في هذا المجال، ومن أراد المزيد من الاطّلاع فعليه مراجعة المصادر التي نذكرها في الهامش.(1)

قال الإمام الصادق(عليه السلام):

«نحن الراسخون في العلم و نحن نعلم تأويله».(2)

والذين يدركون منهج أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في تفسير آيات الذكر الحكيم، يعرفون جيداً انّ منهجهم(عليهم السلام) هو تطبيق المفاهيم الكلّية على المصاديق الممتازة، أو المنسية والمهمولة، ومن الطبيعي انّ هذا ليس من باب الحصر، بل من باب التطبيق على المصاديق الممتازة كما قلنا، ولذلك يمكن تطبيق تلك المفاهيم على مصاديق أُخرى تتحلّى بالوصف الذي يوجد في المفهوم الوارد في الآية.


1 . الكافي:1/213; تفسير البرهان:1/270ـ 271; تفسير نور الثقلين:1/260ـ 265.

2 . الكافي:1/213.


( 31 )

وإذا ما أدركنا حقيقة هذا المنهج وعرفنا المراد منه، فحينئذ سوف تحلّ عقدة الكثير من الآيات الواردة في هذا المجال والتي فسّرت في أهل البيت(عليهم السلام).

وإنّ جهل بعض الكتّاب بمنهج أهل البيت(عليهم السلام)، في تفسير الآيات كان سبباً لطرح الروايات التي تطبق مفهوم«الراسخون في العلم» على أهل البيت(عليهم السلام).والحال انّ هذه الروايات من الروايات التطبيقية ـ التطبيق على الفرد الأكمل ـ للمفاهيم على مصاديقها الكاملة وليست من قبيل المنهج الحصري.

نعم هناك روايات يظهر منها الانحصار وانّ مصداق الآية منحصر في أهل البيت(عليهم السلام)فقط،ولكن يمكن الإجابة عن هذه الطائفة من الروايات: بأنّها ناظرة إلى مرتبة العلم ودرجته القصوى التي يتحلّى بها أهل البيت(عليهم السلام) والتي لا يدانيهم فيها أحدٌ من الناس.وهذا الاستعمال والحصر ليس غريباً لمن له معرفة في القرآن الكريم، فعلى سبيل المثال: نجد الأنبياء مع عظمتهم ومنزلتهم في العلم والمعرفة التي حباهم اللّه بها، ولكنّهم حينما يقارنون بين علمهم وعلمه سبحانه الغير متناهي يذعنون لتلك الحقيقة ويقولون كما قال سبحانه: (لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوب)(1).(2)


1 . المائدة:109.

2 . منشور جاويد:2/361ـ 363.

Website Security Test