welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : دور الشــيعــة في بناء الحضارة الاِسلاميّة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

دور الشــيعــة في بناء الحضارة الاِسلاميّة

(1)

دور الشــيعــة
في
بناء الحضارة الاِسلاميّة


(2)

(3)

تمهيد

إنّ الحديث عن دور الاِنسان في بناء الحضارة البشرية حديث ذو شجون لا يسع المرء وهو يتحدّث عنه إلاّ أن يتبيّـن بوضوح أثر العمق العقائدي في استقرار هذه الحضارات المتلاحقة والتي تركت ـ وبلا شكّ ـ لها بعض الآثار الدالّة عليها، وهذا العامل الداعم لقيام تلك الحضارات يكون وبلا أدنى ريب المفصل الاَساسي في هيكلية ذلك البناء الكبير.

ولقد شهدت الحياة البشرية على هذا الكوكب (الاَرض) حضارات متعدّدة، لكلّ ميزاتها وخصائصها التيضبطها التاريخ، وأفصحت عنها الاكتشافات الاَثرية.

ومن مشاهير هذه الحضارات: الحضارة الصينية، المصرية، البابلية، اليونانية، الرومانية، الفارسية، وأخيراً الحضارة الغربية القائمة في عصرنا الحاضر، ولكلّ من هذه الحضارات انطباعاتها الخاصة.

وأمّا الحضارة الاِسلامية و التي تتوسّط بين الحضارة الاَخيرة (الغربية) وما تقدّمها فهي تعدّ بلا شكّ من أكبر الحضارات في تاريخ الاِنسان وأكثرها اهتماماً بالعلم والفلسفة والاَدب والفنون. وهي الاَساس الوطيد الذي قامت عليه حركة النهضة الاَوروبية. ولقد وضع عشرات من العلماء موسوعات وكتباً لبيان ما قدّمته الحضارة الاِسلامية من خدمات جليلة إلى المجتمع البشري في المجالات المختلفة.

ولا يمكن لاَحد القول بأنّ الحضارة الاِسلامية حضارة عربية بحتة تفرَّد العرب في إقامة بنيانها وتثبيت أركانها، بقدر ما كانت تمثّل الجهد المتفاعل لجميع الشعوب الاِسلامية بقومياتها المختلفة من عرب وفرس وترك وغيرهم من القوميات، الذين ذابوا في الاِسلام ونسوا قوميّاتهم ومشخّصاتهم العنصرية والبيئية.


(4)

ومن هنا فإنّ أيّ تعبير عن الحضارة التي سادت إبّان تلك الحقبة الزاهرة من حياة البلاد العربية وما يجاورها، فإنّ المراد به الاِشارة إلى الحضارة الاِسلامية بكلّ أبعادها وأُسس بنيانها، والتي شارك فيها جميع المسلمين، المخلصين لرسالة السماء التي جاء بها نبيّ الرحمة محمّد _ صلى الله عليه وآعله وسلم _.

إنّ المسلمين الاَوائل وبفضل جهدهم المخلص في بناء حياة الاَُمم والشعوب، استطاعوا أن يقيموا للاِسلام حضارة عظيمة ورائعة مترامية الاَطراف كانت متوازية مع خطّ انتشار الدعوة الاِسلامية، فلا غرو أن تخفق راياتها في بقاع واسعة من العالم تمتد من حدود الصين شرقاً إلى المحيط الاَطلسي غرباً.

بلى لقد استطاع المسلمون أن يقيموا حضارة حقيقية ترتكز على أُسس أخلاقية وعقائدية سماوية، ضربت جذورها في أعماق البناء الاِنساني واستطاعت أن تجعل منه وكما أراد خالقه له أن يكون خليفته في أرضه.

وإذا كان «ويل دورانت» في كتابه الشهير «قصّة الحضارة» قد أشار إلى أنّ الحضارة تتألّف من عناصر أربعة، وهي:

1 ـ الموارد الاقتصادية.

2 ـ النظم السياسية.

3 ـ التقاليد الخلقية.

4 ـ متابعة العلوم والفنون.

وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق؛ لاَنّه إذا ما أمن الاِنسان من الخوف تحرّرت في نفسه دوافع التضلّع وعوامل الاِبداع والاِنشاء، وبعدئذ لا تنفكّ الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها(1).

فإنّ ما ذكره ذلك العالم الباحث من أُسس الحضارة وأركانها يرجع إلى تفسير


(1) ويل دورانت، قصة الحضارة 1: 3.


(5)

الحضارة بالمعنى الجامع الشامل للحضارة الاِلهية والماديّة، وأمّا بالنظر إلى الحضارة المرتكزة على الاَُسس الدينية فمن أهمّ أركانها توعية الاِنسان في ظلال الاعتقاد بالله سبحانه واليوم الآخر، حتى يكون هو الدافع إلى العمل والالتزام بالسلوك الاَخلاقي والديني، فالحضارة المنقطعة عن التوعية الدينية حضارة صناعية لا إنسانية، وتمدّن مادّي وليس بإلهي.

إنّ مؤسّس الحضارة الاِسلامية هو النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _، وقد جاء بسنن وقوانين دفعت البشرية إلى مكارم الاَخلاق كما دفعتهم إلى متابعة العلوم والفنون، واستغلال الموارد الطبيعية، وتكوين مجتمع تسود فيه النظم الاجتماعية المستقيمة.

ولا يشكّ في ذلك من قرأ تاريخ الاِسلام، وتاريخ النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _، خصوصاً إذا قارن بين حياة البشرية بعد بزوغ شمس الاِسلام بما قبلها.

ثمّ إنّ المسلمين شيّدوا أركان الحضارة الاِسلامية في ظل الخطوط التي رسمها النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ من خلال القرآن والسنّة، فأصبحت لهم قوّة اقتصادية، ونظم سياسية، وتقاليد دينية وخلقية، وأعطوا العلوم المختلفة جلّ اهتمامهم، فبرز منهم العديد من العلماء المتفوّقين والبارعين في شتّى مناحي العلم، ورفدوا حركة تطوّر الحضارة البشرية بجهودهم المخلصة، والتي تعكسها مؤلّفاتهم القيّمة والتي لا زالت حتّى يومنا هذا مثار إعجاب الجميع، بل إنّهم عمدوا إلى ترجمة كتب العلم المختلفة لدى غيرهم من الاَُمم، مثل الفرس واليونانيين وغيرهم، فأغنوا المكتبة الاِسلامية بسيل وافر من المؤلّفات القيّمة والمهمة.

لقد شملت الحضارة الاِسلامية كلّ ميادين الحياة المختلفة، فلم تلق جلّ جهدها في جانب واحد من جوانب الرقيّ الحضاري دون غيره، بل شمل اهتمامها كلّ جوانب الحياة المختلفة، وتلك حقيقة لا يمكن لاَحد الاِغضاء عنها، فإذا كانت كلّ حضارة من الحضارات المعروفة قد تميّزت برقيّ في جانب واحد من الجوانب


(6)

الحياتية، سواء الاقتصادي كان أو العسكري، فإنّ الحضارة الاِسلامية تتمتّع بمجموع هذه المميزات؛ فلم تترك ميزة دون أُخرى.

والذي يطيب لنا هنا ذكر مشاركة الشيعة في بناء هذه الحضارة، خصوصاً فيما يتعلّق بالركن الرابع وهو متابعة العلوم والفنون، وأمّا الاَركان الثلاثة الباقية فغير مطلوبة لنا في هذا المقام؛ وذلك لاَنّ الموارد الاقتصادية شارك فيها المسلمون انطلاقاً من دوافعهم النفسية من خلال الاهتمام بالاَُمور التالية:

1 ـ التنمية الزراعية بجوانبها المختلفة.

2 ـ استخراج وصناعـة المعادن المختلـفة، مثل الذهب والفضـة والاَحجار الكريمة بأنواعها النفيسة المختلفة.

3 ـ إحداث القنوات المائية وبناء السدود.

4 ـ الاهتمام بتطوير الثروة الحيوانية وتوسيعها.

5 ـ صناعة الاَلبسة والاَقمشة وغيرها.

6 ـ صناعة الورق وكتابة الكتب ونشرها في العالم.

7 ـ إيجاد المواصلات البريّة و البحريّة، وتنظيم حركة الملاحة، ومحاربة قطّاع الطرق واللصوص في البرّ والبحر.

8 ـ العناية الفائقة بالتجارة، وعقد الاتّفاقيات التجارية مع البلدان المجاورة.

إلى غير ذلك ممّا يوجب ازدهار الوضع الاقتصادي، فلا يصح إبعاد قوم عن تلك الساحة وتخصيص الازدهار الاقتصادي بطائفة دون أُخرى؛ فإنّ الاِنسان حسب الفطرة والدافع الغريزي ينساق إلى ذلك.

وأمّا النظم السياسية؛ فإنّ الدول الاِسلامية المختلفة قد ساهمت في إرساء دعائمها وتثبيت أركانها خلال سني حكمها، ولا فرق في ذلك بين دول الشيعة منها كالحمدانيين والبويهيين والفاطميين وغيرهم كالساميين والسلاجقة وغيرهم.


(7)

وأمّا التقاليد الخلقية فقد كانت منبثقة من صميم الاِسلام، ومأخوذة من الكتاب والسنّة، كما أنّ التقاليد القومية للشعوب المختلفة، والتي لم تكن معارضة لمبادىَ الشريعة الاِسلامية السمحاء فقد فسح لها الاِسلام المجال ولم ينه عنها.

فلاَجل ذلك نركّز علىالركن الرابع منهذه الاَركان الاَربعة للحضارة، وهو متابعة العلوم والفنون، فهي الطابع الاَساسي للحضارة الاِسلامية، وبها تتميّز عمّا تقدّم عليها وما تأخّر، فنأتي بموجز عن دور الشيعة في بناء هذا الركن ـ أي ازدهار العلوموالفنونـليظهر أنّهمكانوا فيالطليعة، وكان لهم الدور الاَساسي في ازدهارها.

ولمّا كانت الحضارة الاِسلامية تستمدّ أسباب وجودها من الكتاب والسنّة، فكلّ من قدّم خدمة للقرآن والسنّة لفظاً ومعنى، صورة ومادة، فقد شارك في بناء الحضارة الاِسلامية. وإليك هذا البيان تأييداً لما أسلفنا:

1 ـ قدماء الشيعة وعلم البيان


2 ـ قدماء الشيعة وعلم النحو

إنّ دراسة القرآن بين الاَُمّة ونشر مفاهيمه يتوقّف على معرفة العلوم التي تعدّ مفتاحاً له؛ إذ لولا تلك العلوم لكانت الدراسة ممتنعة، ونشرها في ربوع العالم غير ميسور جدّاً. بل لولا هذه العلوم ونضجها لحرم جميع المسلمين حتّى العرب منهم منالاستفادة منالقرآنالكريم؛ لاَنّالفتوحات فرضتعلىالمجتمعالعربي الاختلاط مع بقية القوميات، وسبَّب ذلك خطراً على بقاء اللغة العربية، وكان العرب عند ظهور الاِسلام يعربون كلامهم على النحو الذي كان في القرآن، إلاّ من خالطهم من الموالي والمتعرّبين، ولكن اللحن لم يكثر إلاّ بعد الفتوح وانتشار العرب في الآفاق،


(8)

فشاع اللحن في قراءة القرآن، فمسّت الحاجة الشديدة إلى ضبط قواعد اللّغة(1).

فقام أبو الاَسود الدؤلي بوضع قواعد نحوية بأمر الاِمام أمير المؤمنين _ عليه السلام _، فأبو الاَسود إمّا واضع علم النحو أو مدوّنه، وكان من سادات التابعين، وقد صاحب عليّاً وشهد معه صفّين، ثمّ أقام في البصرة.

يقول الشيخ أبو الحسن سلامة الشامي النحوي: إنّ علياً دخل عليه أبو الاَسود يوماً. قال: فرأيته مفكّراً، فقلت له: ما لي أراك مفكّراً يا أمير المؤمنين؟ قال: «إنّي سمعت من بعض الناس لحناً، وقد هممت أن أضع كتاباً أجمع فيه كلام العرب».

فقلت: إن فعلت ذلك أحييت أقواماً من الهلاك.

فألقى إليَّ صحيفة فيها: «الكلام كلّه اسم وفعل وحرف، فالاسم ما دلّ على المسمّى، والفعل ما دلّ على حركة المسمّى، والحرف ما أنبأ عن معنى وليس باسم ولا فعل». وجعل يزيد على ذلك زيادات.

قال: واستأذنته أن أصنع في النحو ما صنع، فأذن، وأتيته به فزاد فيه ونقص.

وفي رواية: أنّه ألقى إليه الصحيفة وقال له: «انحَ نحو هذه» فلهذا سمّي النحونحواً(2).

ومن المعلوم أنّ هذه القواعد لم تكن لتسد الحاجة الملحّة، ولكن أبا الاَسود قام بإكمالها وضبطها وبتمييز المنصوب من المرفوع، والاسم من الفعل، بعلامات نسمّيها الاِعراب. فالروايات مجمعة على أنّ أبا الاَسود (وهو شيعي المذهب توفّي سنة (69هـ) إمّا مدوّن علم النحو أو واضعه، وأضحى ما دوّنه مصدراً لهذا العلم في


(1) جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية 1: 219.

(2) حسن الصدر، تأسيس الشيعة: 51 ولقد بلغ الغاية في ذلك المجال فنقل كلمات المؤرّخين فيما قام به الاِمام وتلميذه في تأسيس علم النحو.


(9)

العصور اللاحقة.

وهناك كلام لابن النديم دونك لفظه، يقول:

قال محمّد بن إسحاق: زعم أكثر العلماء أنّ النحو أُخذ عن أبي الاَسود الدؤلي، وأنّ أبا الاَسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب _ عليه السلام _.

ثمّ نقل عن الطبري وقال: إنّما سمّي النحو نحواً لاَنّ أبا الاَسود الدؤلي قال لعليّ _ عليه السلام _ وقد ألقى عليه شيئاً من أُصول النحو، قال أبو الاَسود: واستأذنته أن أصنع نحو ما صنع. فسمّي ذلك نحواً(1).

2 ـ وإذا كان أبو الاَسود الدؤلي واضعاً للنحو، فالخليل بن أحمد الفراهيدي هو المنقّح له والباسط له. قال أبو بكر محمّد بن الحسن الزبيدي: والخليل بن أحمد، أوحد العصر، وفريد الدهر، وجهبذ الاَُمّة، وأُستاذ أهل الفطنة، الذي لم ير نظيره، ولا عرف في الدنيا عديله، وهو الذي بسط النحو ومدّ أطنابه وبيّن علله وفتق معانيه وأوضح الحجاج فيه، حتّى بلغ أقصى حدوده، وانتهى إلى أبعد غايته... وسيوافيك أنّ الخليل من أصحاب الاِمام الصادق ومن شيعته.

ثمّ إنّ علماء الفريقين شاركوا في إنضاج هذا العلم وإيصاله إلى القمّة. وليس للمنصف بخس حق طائفة لمصالح أُخرى، ولكن لمّا كان الهدف هو بيان دور الشيعة في تطوير العلوم وتتبّعها فانّا نذكر من ألّف في علم النحو من قدماء الشيعة فقط، ومنهم:

1 ـ عطاء بن أبي الاَسود: قال الشيخ الطوسي في باب أصحاب الحسين بن عليّ: ومنهم ابن أبي الاَسود الدؤلي.

وقال الحافظ السيوطي في الطبقات: عطاء، أُستاذ الاَصمعي وأبو عبيدة(2).


(1) ابن النديم، الفهرست: 66 وللكلام صلة فمن أراد فليرجع إلى المصدر.

(2) تأسيس الشيعة: 65.


(10)

2 ـ أبو جعفر محمّد بن الحسن بن أبي سارة الرواسي الكوفي: قال السيوطي: هو أوّل من وضع من الكوفيين كتاباً في النحو وسمّـاه الفيصل، وهو أُستاذ الكسائي والفرّاء(1)..

قال النجاشي: روى هو وأبوه عن أبي جعفر وأبي عبد الله _ عليهما السلام _ وله: كتاب الوقف والابتداء، وكتاب الهمز، وكتاب إعراب القرآن(2).

3 ـ حمران بن أعين، أخو زرارة بن أعين: كان نحوياً إماماً فيه، عالماً بالحديث واللغة والقرآن، أخذ النحو والقراءة عن ابن أبي الاَسود، وأخذ عنه الفرّاء، وكان قد أخذ الحديث عن الاِمام السجّاد والباقر والصادق. وآل أعين بيت كبير بالكوفة من أجلّ بيوت الشيعة، ولاَبي غالب الزراري رسالة في ترجمة آل أعين قال: كان حمران من أكابر مشايخ الشيعة وكان عالماً بالنحو واللغة(3)..

4 ـ أبو عثمان المازني، بكر بن محمّد: قال النجاشي: كان سيّد أهل العلم بالنحو والعربية واللغة، ومقدّمته بذلك مشهورة، وكان من علماء الاِمامية، قد تأدّب على يد إسماعيل بن ميثم(4)، له في الاَدب: كتاب التصريف، كتاب ما يلحن فيه العامة، التعليق. مات سنة 248هـ(5).

5 ـ ابن السكيت، يعقوب بن إسحاق السكيت: كان مقدّماً عند أبي جعفر (الجواد) وأبي الحسن (الهادي) _ عليهما السلام _ وكانا يختصّانه. وله عن أبي جعفر _ عليه السلام _ رواية


(1) المصدر نفسه: ص 67.

(2) النجاشي: الرجال 2: 200 | 884.

(3) أبو غالب، رسالة في آل أعين: 2ـ3 بتلخيص.

(4) وهو من أئمّة المتكلّمين الشيعة.

(5) النجاشي، الرجال 1: 272 | 277 وذكره ابن النديم في أخبار النحويين واللغويين: 90، والخطيب البغدادي في تاريخ مدينة بغداد ج 7 | 3529.


(11)

ومسائل، وقتله المتوكّل لاَجل تشيّعه عام 244هـ، وأمره مشهور. وكان وجيهاً في علم العربية واللغة، ثقة، مصدّقاً، لا يطعن عليه. وله كتب: إصلاح المنطق، كتاب الاَلفاظ، كتاب ما اتّفق لفظه واختلف معناه، كتاب الاَضداد، كتاب المذكّر والمؤنث، كتاب المقصور والممدود، و...(1).

وسبب قتله: أنّ المتوكّل سأله يوماً وهو يعلّم ابنيه وقال: يا يعقوب، أيّهما أحبّ إليك، ابناي هذان، أم الحسن والحسين؟ فأجابه: «انّ قنبر خادم علي خير منك ومن ابنيك» فأمر المتوكّل، فسلّوا لسانه من قفاه فمات، وقد خلّف بضعة وعشرين أثراً في النحو واللغة والشعر(2).

6 ـ ابن حمدون، أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن حمدون: قال فيه النجاشي: الكاتب النديم شيخ أهل اللغة ووجههم. أُستاذ أبي العبّاس(3)وكان خصّيصاً بسيّدنا أبي محمّد العسكري وأبي الحسن قبله. له كتب. ثمّ ذكر كتبه(4).

7 ـ أبو إسحاق النحوي، ثعلبة بن ميمون: قال عنه النجاشي: كان وجهاً في أصحابنا، قارئاً، فقيهاً، نحويّاً، لغويّاً، راوية، وكان حسن العمل، كثير العبادة والزهد، روى عن الصادق والكاظم(5). وبما أنّ الاِمام الكاظم توفّي عام مائة وثلاثة وثمانين، فهو من أهل المائة الثانية.

8 ـ قتيبة النحوي الجعفي الكوفي: قال النجاشي: المؤدّب، المقرىَ، ثقة عين،


(1) رجال النجاشي 2: 425 | 1215.

(2) جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية 1: 424 وترجمه ابن خلّكان في وفياته، وياقوت في طبقات الاَُدباء وغيرهم.

(3) يريد ثعلباً (200 ـ 291هـ).

(4) النجاشى: الرجال 1: 237 | 228.

(5) المصدر نفسه: 1: 294 | 300، وذكره ابن حجر في لسان الميزان ج2 برقم 332.


(12)

روى عن الصادق _ عليه السلام _(1).

وذكره السيوطي في بغية الوعاة، ووصفه في تأسيس الشيعة بأنّه إمام أهل النحو واللغة(2).

9 ـ إبراهيم بن أبي البلاد: قال النجاشي: كان ثقة، قارئاً، أديباً، روى عن الصادق والكاظم _ عليهما السلام _(3).

10 ـ محمّد بن سلمة اليشكري: قال النجاشي: جليل من أصحابنا الكوفيين، عظيم القدر، فقيه، قارىَ، لغوي، راوية، خرج إلى البادية ولقى العرب وأخذ عنهم. وأخذ عنه يعقوب بن السكّيت. ثمّ ذكر كتبه(4)، وبما أنّه شيخ ابن السكيت فهو من أهل المائة الثانية وأوائل الثالثة.

11 ـ أبو عبد الله النحوي، الحسين بن أحمد بن خالويه: سكن حلب ومات بها، وكان عارفاً بمذهبنا، مع علمه بعلوم العربية، واللغة، والشعر. وله كتب، ومن كتبه: مستحسن القراءات والشواذّ، كتاب في اللغة(5).

ووصفه السيوطي في الطبقات: إنّه إمام اللغة والعربية، وغيرهما من العلوم الاَدبية، دفن ببغداد سنة 314هـ.

12 ـ أبو القاسم التنوخي: قال الشيخ رشيد الدين بن شهر آشوب: إنّه من جملة الشعراء المجاهرين بالشعر في مدح أهل البيت.

وقال ياقوت: كان في النحو وحفظ الاَحكام وعلم الهيئة والعروض قدوة،


(1) المصدر نفسه: 2: 185 | 867.

(2) تأسيس الشيعة: 76.

(3) النجاشي، الرجال 1: 102 | 31.

(4) المصدر نفسه 2: 218 | 897.

(5) المصدر نفسه 1: 188 | 159.


(13)

وكان يحفظ من اللغة والنحو شيئاً عظيماً(1).

ما ذكرناه نماذج من أئمّة اللغة من الشيعة الاِمامية في القرون الاَُولى، وأمّا من وليهم من الاَئمّة فحدّث عنهم ولا حرج، فإنّ ذكر أسمائهم ونبذٍ من حياتهم يدفعنا إلى تأليف كتاب مفرد، وقد كفانا في ذلك ما كتبه السيد الصدر في هذا المجال، فقد بلغ النهاية، وقد ذكر أئمّة النحو من الشيعة إلى القرن السابع(2)فبلغوا (041) إماماً وأُستاذاً ومؤلّفاً في الاَدب العربي، ولا سيما النحو، وبينهم شخصيات بارزة كالشريف المرتضى والشريف الرضى وابن الشجريّ الذي يقول في حقّه السيوطي: كان أوحد زمانه، وفرد أوانه في علم العربية ومعرفة اللغة وأشعار العرب، توفّي عام (542هـ).

ونجم الاَئمّة الرضي الاسترآبادي، إلى غير ذلك من الشخصيات البارزة.

3 ـ قدماء الشيعة وعلم الصرف

إنّ أوّل من دوّن الصرف أبو عثمان المازني، وكان قبل ذلك مندرجاً في علم النحو، كما ذكره في كشف الظنون، وشرحه أبو الفتح عثمان بن جنّي المتوفّى في(392هـ)(3).

وأبسط كتاب في الصرف، ما كتبه نجم الاَئمّة محمّد بن الحسن الاسترآبادي الغروي، وله شرح الشافية في الصرف، كما له شرح الكافية في النحو، وكلا كتابيه جليل الخطر، محمود الاَثر، قد جمع فيهما بين الدلائل والمباني.

قال في كشف الظنون: للكافية شروح أعظمها شرح الشيخ رضيّ الدين محمّد


(1) تأسيس الشيعة: 91.

(2) لاحظ تأسيس الشيعة: 39 ـ 137.

(3) كشف الظنون 1: 249 مادة «كافية».


(14)

ابن الحسن الطوسي الاستر آبادي النحوي. قال السيوطي: لم يؤلّف عليها، بل ولا في غالب كتب النحو مثله جمعاً وتحقيقاً، فتداوله الناس واعتمدوا عليه، وله فيه أبحاث كثيرة ومذاهب ينفرد بها، فرغ من تأليفه سنة (683هـ).

أقول: فرغ من شرح الكافية سنة (686هـ) في النجف الاَشرف، كما هو مذكور في آخر الكتاب.

ولنكتف بهذا المقدار عن مساهمة الشيعة مع غيرهم في بناء الاَدب العربي، وتجديد قواعده وإرسائها في مجالي النحو والصرف، وفيما ذكرناه غنى وكفاية.

4 ـ قدماء الشيعة وعلم اللغة

ونريد بعلم اللغة: الاشتغال بألفاظ اللغة من حيث أُصولها، واشتقاقاتها ومعانيها، وهو يعدّ بحقّ من العلوم الاِنسانية التي ساهمت بشكل مباشر في إقامة صرح الحضارة الاِسلامية، وقد ظهر في ميدان هذا العلم المهم جملة واسعة من علماء الشيعة، خلَّفوا آثاراً مهمة أصبحت زاداً لطلاّب العلم والمعرفة، ومن هؤلاء الاَفاضل:

1 ـ أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد البصري الفراهيدي الاَزدي: سيد أهل الاَدب، وهو أوّل من ضبط اللغة، وأوّل من استخرج علم العروض إلى الوجود، فهو أسبق العرب إلى تدوين اللغة وترتيب ألفاظها على حروف المعجم، فألّف كتابه «العين» الذي جمع فيه ما كان معروفاً في أيّامه من ألفاظ اللغة، وأحكامها، وقواعدها، ورتّب ذلك على حروف الهجاء، لكنّه رتّب الحروف حسب مخارجها من الحلق، فاللسان، فالاَسنان، فالشفتين، وبدأ بحرف العين وختمها بحروف


(15)

العلّة «واي» وسُمِّي الكتاب بأوّل لفظ من ألفاظه(1).

وكان الكتاب مخطوطاً عزيز النسخة، لكنّه رأى النور أخيراً وطبع محقّقاً.

والخليل بن أحمد الذي لا يشكّ أحد في تشيّعه من أعلام القرن الثاني الهجري، قال المرزباني: إنّه ولد عام مائة من الهجرة وتوفّي سنة (170) أو (175هـ)، وقال ابن قانع: إنّه توفّي سنة (160هـ)(2).

قد ألّف كتاباً في الاِمامة، أورده بتمامه محمّد بن جعفر المراغي في كتابه، واستدرك عليه ما لم يذكره وأسماه «الخليلي».

قال النجاشى: محمّد بن جعفر بن محمّد، أبو الفتح الهمداني الوادعي المعروف بـ «المراغي» كان يتعاطى الكلام، له: كتاب مختار الاَخبار، كتاب الخليلي في الاِمامة، وكتاب ذكر المجاز من القرآن(3).

قال العلاّمة في الخلاصة: كان خليل بن أحمد أفضل الناس في الاَدب وقوله حجّة فيه واخترع علم العروض، وفضله أشهر من أن يذكر، وكان إماميّ المذهب(4).

وقال ابن داود: الخليل بن أحمد شيخ الناس في علوم الاَدب، فضله وزهده أشهر من أن يخفى، كان إماميّ المذهب(5).

2 ـ أبان بن تغلب بن رباح الجريري: من أصحاب الباقر والصادق، قال النجاشي: كان قارئاً من وجوه القرّاء، فقيهاً، لغوياً، سمع من العرب، وحكى


(1) آداب اللغة العربية: 427 ـ 428.

(2) المامقاني: تنقيح المقال 1: 403 | 3739.

(3) النجاشي: الرجال 2: 318 | 1054.

(4) العلاّمة الحلّي، الخلاصة، القسم الاَول: 67.

(5) ابن داود الحلّي: الرجال، القسم الاَول: 88 | 574.


(16)

عنهم(1).

وقال ياقوت: ذكره أبو جعفر الطوسي في مصنّفي الاِمامية. وقال: هو ثقة جليل القدر عظيم المنزلة، وقال: كان قارئاً، فقيهاً، لُغويّاً، نبيهاً، ثبتاً(2).

3 ـ ابن حمدون النديم: شيخ أهل اللغة ووجههم وأُستاذ أبي العباس ثعلب(3).

4 ـ أبو بكر محمّد بن الحسن بن دريد الاَزدي: الاَديب اللغوي، صاحب الجمهرة في اللغة، مات هو وأبو هاشم الجبّائي في يوم واحد، فقال الناس: مات علم اللغة والكلام. وألّف كتاب «جمهرة اللغة» على منوال كتاب « العين» للخليل، واختصره الصاحب بن عباد وسمّـاه «جوهرة الجمهرة»(4).

5 ـ الصاحب بن عباد: عظيم الشأن، جليل القدر في العلم والاَدب، وألّف الصدوق (306ـ381هـ) كتاب عيون أخبار الرضا _ عليه السلام _ لاَجله، ومن كتبه في اللغة: «المحيط» عشرة مجلدات، قد عرفت تلخيص «الجوهرة»، وأمّا تشيّعه فحدّث عنه ولا حرج.

وكم له من قصائد في مدح أهل البيت نذكر منها:

ألم تعلموا أنّ الوصيّ هو الذي * آتى الزكاة وكان في المحراب

ألم تعلموا أنّ الوصيّ هو الذي * حكم الغدير له على الاَصحاب(5)

وهكذا فإنّنا نتوقّف عند هذا الحد من إيراد نماذج من كبار القدماء الذين شاركوا المسلمين في تأسيس العلوم العربية وتطويرها، ومن أراد التفصيل فليطلبه


(1) النجاشي: الرجال 1: 73 | 6.

(2) ياقوت: معجم الاَدباء 1: 107.

(3) الطوسي: الفهرست 11: 56. وقد تقدم ذكره في أساتذة النحو.

(4) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 2: 195.

(5) الغدير 4: 66 وله قصائد أُخرى مذكورة فيه.


(17)

من محالّه(1).

5 ـ قدماء الشيعة وعلم العروض

كما أسلفنا سابقاً من أنّ الشيعة بمفكّريها كانت هي المبتكرة لعلم النحو بتوجيه من الاِمام علي _ عليه السلام _ باب علم النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _؛ فإنّها أيضاً المبتكرة لعلم العروض والمؤسسة لبنيانه الشامخ، وإليك أسماء بعض روّاده ورجاله:

1 ـ الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري: قال ابن خلّكان: هو الذي استنبط علم العروض وأخرجه إلى الوجود، وحصر أقسامه في خمس دوائر يستخرج منها خمسة عشر بحراً(2).

2 ـ كافي الكفاة الصاحب بن عباد: الطائر الصيت، له كتاب الاِقناع في العروض(3).

وقد توالى التأليف بعده إلى عصرنا هذا، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى المعاجم حول مصنّفات الشيعة الاِمامية.

ومن أبرز ما ألّف في العروض أخيراً أثران:

أحدهما: للسيد الشريف هبة الدين الشهرستاني (1301ـ1386هـ) أسماه «رواشـح الفيـوض في علم العـروض» وقـد طبــع في طهـران (1324هـ).

ثانيهما: منظومة رصينة قيّمة قلّما رأى الدهر مثلها للشيخ مصطفى التبريزي(1298 ـ 1338هـ) شرحها العلاّمة أبو المجد الشيخ محمّد رضا


(1) لاحظ تأسيس الشيعة للسيد الصدر فقد ترجم فيه (24) شخصاً كلّهم من أقطاب علم اللغة، وللمناقشة في بعض ما ذكره وإن كان له مجال لكنّه لا يحطّ من عظم الجهد الذي بذله في طريق تأليفه.

(2) وفيات الاَعيان 2: 244 | 220.

(3) قال في كشف الظنون 1: 140: الاقناع في العروض لاَبي القاسم إسماعيل عباد الوزير المعروف بالصاحب المتوفّى سنة (385هـ)، كشف الظنون 1: 132.


(18)

الاَصفهاني (1286ـ1362هـ) وأسماها «أداء المفـروض في شرح أُرجوزة العروض» وإليك مستهلّها:

الحمد لله على إسباغ ما * أولى لنا من فضله وأنعما

وخصّنا منه بواف وافر * من بحر جوده المديد الزاخر

صلّى على نبيّنا المختار * ما عاقب الليل على النهار

وآله معادن الرساله * بهم يداوي علل الجهاله

خذها ودع عنك رموز الزامرة * كعادة تجلى عليك بارزة

تجمع كلّ ظاهر وخافِ * في علمي العروض والقوافي(1)

6 ـ قدماء الشيعة وطرائف الشعر

لا نريد من الشعر في المقام الاَلفاظ المسبوكة، والكلمات المنضَّدة على أحد الاَوزان الشعرية، وانّما نريد منه ما يحتوي على المضامين العالية في الحياة، وما يبثّ روح الجهاد في الاِنسان، أو الذي يشتمل على حجاج في الدين أو تبليغ للحقّ. وعلى مثل هذا الشعر بنيت الحضارة الاِنسانية، وهو مقياس ثقافة الاَُمّة ورقيّها، وله خلود عبر القرون لا تطمسه الدهور والاَيّام.

فما نقرأه في الذكر الحكيم من التنديد بالشعراء من قوله تعالى: (والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوون )(2)، إنّما يراد بذلك الشعراء المأجورون الذين يتاجرون بالشعر فيقلبون الحقائق، ويصنعون من الظالم مظلوماً، ومن المظلوم ظالماً، ولاَجل ذلك قال سبحانه: (أَلمْ تَرَ أَنَّـهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَـهيمُونَ * وأَنَّـهُمْ يَقُولُونَ ما لا)


(1) نحتفظ منها بنسخة بخطّ السيد الاِمام الخميني1 وفرغ من نسخها عام 1346هـ.

(2) الشعراء: 224.


(19)

يَفْعَلُونَ)(1).

ومن هنا فإنّا نعني بحديثنا هنا أُولئك الشعراء الذين أوقفوا أشعارهم في خدمة كلمة الحق وإعلاء شأن الدين الحنيف. ولقد ظهرت في سماء الشعر وفي القرون الاَُولى للعهد الاِسلامي من بين رجالات الشيعة طائفة من الشعراء حظوا برعاية أهل البيت: وتقديرهم.

وإليك أسماء بعض من شعراء الشيعة مع ذكر أبيات من شعرهم الخالد:

1 ـ قيس بن سعد بن عبادة:

سيّد الخزرج، و الصحابي الجليل، كان زعيماً مطاعاً، كريماً ممدوحاً، وكان من شيعة عليّ _ عليه السلام _ ومن أشدّ المتحمّسين له، بعثه أميراً على مصر سنة (36هـ)، وهو وأبوه وأهل بيته من الذين لم يبايعوا أبا بكر وقالوا: لا نبايع إلاّ عليّاً(2).

ومن أشعاره التي أنشدها بين يدي أمير المؤمنين _ عليه السلام _ في صفّين:

قلتُ لما بغى العدوّ علينا * حسبنا ربّنا ونعم الوكيلُ

حسبنا الذي فتح البصـ * ـرة بالاَمس والحديث الطويلُ

وعليٌّ إمامنا وإمامٌ * لسوانا أتى به التنزيلُ

يوم قال النبيّ من كنت مو * لاه فهذا مولاه خطبٌ جليلُ

إنّما قاله النبيّ على الاَُمّـ * ـة حتمٌ ما فيه قالٌ وقيلُ(3)


(1) الشعراء: 225 ـ 226.

(2) الطبري، التاريخ 3: 462.

(3) المفيد، الفصول المختارة: 87؛ الكراجكي، كنز الفوائد: 234؛ سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص:20.


(20)

2 ـ الكميت بن زيد (60 ـ 126هـ):

شاعر مقدم، عالم بلغات العرب، خبير بأيّامها، و من شعراء مضر. كان معروفاً بالتشيّع لبني هاشم، مشهوراً بذلك، وقد حظي بتقدير أئمّة أهل البيت لاِجهاره بالحق، ولجهاده في سبيله، وهاشمياته المقدّرة بـ 578 بيتاً خلّدت ذكراه في التاريخ وهي مشتملة على ميمية وبائية ورائية وغيرها.

وإليك أبياتاً من عينيّته:

ويوم الدوح دوح غدير خمٍّ * أبان له الولاية لو أُطيعا

ولكن الرجال تبايعوها * فلم أر مثلها خطراً مبيعا

إلى أن قال:

أضاعوا أمر قائدهم فضلّوا * وأقومهم لدى الحدثان ريعا

تناسوا حقّه وبغوا عليه * بلا ترة وكان لهم قريعا

فقل لبني أُميّة حيث حلّوا * وإن خفت المهنّد والقطيعا

ولقد طبع ديوان الكميت غير مرّة، وشرحه الاَُستاذ محمد شاكر الخيّاط والاَُستاذ الرافعي(1).

3 ـ السيد الحميري (ت 173هـ):

أبو هاشم إسماعيل بن محمّد الملقّب بالسيّد، الشاعر المعروف، ومن المكثرين المجيدين، ومن الثلاثة الذين عدّوا أكثر الناس شعراً في الجاهلية والاِسلام وهم: «السيّد» و «بشار» و «أبو العتاهية»، وكان السيّد الحميري متفانياً في حبّ العترة الطاهرة فلم يكن يرى لمناوئيهم حرمة وقدراً، وكان يشدّد النكير عليهم في كلّ


(1) اقرأ حياة الكميت في الغدير 2: 180ـ212.


(21)

موقف ويهجوهم بألسنة حداد في كلّ حول وطول.

ومن قصائده المعروفة عينيّته، وقد شرحها عدة من الاَُدباء ومستهلّها:

لاَُمّ عمرو باللوى مربَع * طامسة أعلامها بلقعُ

تروع عنها الطير وحشيّة * والوحشُ من خيفته تفزعُ(1)

4 ـ دعبل الخزاعي (المتوفّى 246هـ):

أبو عليّ دعبل بن عليّ الخزاعي، من بيت علم وفضل وأدب، يرجع نسبه إلى بديل بن ورقاء الخزاعي الذي دعا له النبيّ _ صلى الله عليه وآعله وسلم _.

قال النجاشي: أبو علي الشاعر المشهور في أصحابنا، صنّف كتاب طبقات الشعراء، ومن أراد التوغّل في حياته وسيرته فليقرأ النواحي الاَربعة من حياته:

1 ـ تهالكه في ولائه لاَهل البيت:.

2 ـ نبوغه في الشعر والاَدب والتاريخ وتآليفه.

3 ـ روايته للحديث والرواة عنه ومن يروي عنهم.

4 ـ سيرته مع الخلفاء ثمّ ملحه ونوادره ثمّ ولادته ووفاته(2).

وإليك مطلع تائيّته المعروفة:

تجاوبن بالاَرنان والزفراتِ * نوائح عجم اللفظ والنطقات

5 ـ الاَمير أبو فراس الحمداني (320 ـ 357هـ):

أبو فراس الحارث بن أبي العلاء، قال عنه الثعالبي: كان فرد دهره، وشمس


(1) إقرأ ترجمة السيّد في الغدير 2: 213 ـ 289.

(2) لاحظ حياته في الغدير 2: 369ـ386. وقد تقدّم الكلام في تائيته في الفصل الاَوّل والثاني من هذا الكتاب فراجع.


(22)

عصره، أدباً وفضلاً وكرماً ونبلاً ومجداً وبلاغة وبراعة وفروسية وشجاعة، وشعره مشهور سائر بين الحسن والجودة، والسهولة والجزالة، والعذوبة والفخامة، والحلاوة والمتانة(1).

وتبعه في إطرائه والثناء عليه ابن عساكر.

من قصائده المعروفة ميميّته التي مستهلّها:

الحقّ مهتضم والدين مخترم * وفيء آل رسول الله مقتسمُ

والناس عندك لا ناس فيحفظهم * سوم الرعاة ولا شاءٌ ولا نعمُ

إلى أن قال:

يا للرجال أما لله منتصر * من الطغاة أما لله منتقم

بنو عليّ رعايا في ديارهم * والاَمر تملكه النسوان والخدمُ

إلى أن قال:

أبلغ لديك بني العباس مالكةً * لا يدّعوا ملكها ملاّكها العجمُ

أيّ المفاخر أمست في منازلكم * وغيركم آمر فيها ومحتكمُ

أنّى يزيدكم في مفخر علَمٌ * وفي الخلاف عليكم يخفق العلمُ

يا باعة الخمر كُفّوا عن مفاخركم * لمعشرٍ بَيْعهم يوم الهياج دمُ(2)


(1) يتيمة الدهر: 270.

(2) الغدير 3: 399 ـ401.


(23)

ويطيب لي في هذا المقام أن أُشير إلى أسماء بعض من أنجبتهم مدرسة أهل البيت: في حلبة الشعر والاَدب في القرن الرابع والخامس، من أُناس معدودين في القمّة، يمكن للقارىَ الكريم أن يجد الشيء الكثير عن حياتهم في دواوينهم، أو في كتب الاَدب المختلفة:

1 ـ ابن الحجّاج البغدادي (المتوفّى 321هـ) صاحب القصيدة المعروفة:

يا صاحب القبّة البيضاء في النجف * من زار قبرك واستشفى لديك شُفي

2 ـ الشريف الرضي (359 ـ 406هـ) الغني عن كل تعريف وبيان.

3 ـ الشريف المرتضى (355 ـ 436هـ) وهو كأخيــه أشـهر من أن يعرّف.

4 ـ مهيار الديلمي (المتوفّى 448هـ) الذي يُعد في الـرعيل الاَوّل من شعراء القرن الرابع وله غديريات كثيرة منها:

هل بعد مفترق الاَظغان مجتمع * أم هل زمان بهم قد فات يرتجع

هذا عرض موجز لبعض الشعراء البارزين من الشيعة، وفيه كفاية لمن أراد الاِجمال، و أمّا من أراد التوسّع فليرجع إلى الكتب التالية:

1 ـ الاَدب في ظلّ التشيّع: للشيخ عبد الله نعمة.

2 ـ تأسيس الشيعة: للسيّد حسن الصدر، الفصل السادس.

3 ـ الغدير: للعلاّمة الاَميني بأجزائه الاَحد عشر.

7 ـ قدماء الشيعة وعلم التفسير

إنّ القرآن هو المصدر الرئيسي للمسلمين في مجالي العقيدة والشريعة، وهو


(24)

المعجزة الخالدة للنبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _، وقد قام المسلمون بأروع الخدمات لهذا الكتاب الاِلهي على وجه لا تجد له مثيلاً بين أصحاب الشرائع السابقة، حتّى أسّسوا لفهم كتابهم علوماً قد بقي في ظلّها القرآن مفهوماً للاَجيال، كما قاموا بتفسيره وتبيين مقاصده بصور شتى، لا يسع المقام ذكرها. فأدّوا واجبهم تجاه كتاب الله العزيزـشكر الله مساعيهم ـ من غير فرق بين الشيعة والسنّة.

إنّ مدرسة الشيعة منذ أن ارتحل النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ إلى يومنا هذا، أنتجت تفاسير على أصعدة مختلفة، وخدمت الذكر الحكيم بصور شتّى، نأتي بوجه موجز، لما ألّف في القرون الاِسلامية الاُولى.

إنّ أئمّة أهل البيت ـ بعد الرسول الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ ـ هم المفسّـرون الحقيقيون للقرآن الكريم، حيث فسّروا القرآن بالعلوم التي نحلهم الرسول _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ بأقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم التي لا تشذّ عن قول الرسول _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ وفعله وحجته، ومن الظلم الفادح أن نذكر الصحابة والتابعين في عداد المفسّـرين ولا نعترف بحقوق أئمّة أهل البيت وهم عديله باتفاق الجميع.

وهذا ما فعله في كتابه محمّد حسين الذهبي، جعل عليّاً ـ وهو الوصي وباب علم النبيّ _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ ـ في الطبقة الثالثة من حيث نقل الرواية عنه، وجعل تلميذه ابن عباس في الدرجة الاَُولى!!(1)، ولم يذكر عن بقية الاَئمّة شيئاً مع كثرة ما نقل عنهم في مجال التفسير من الروايات الوافرة.

أقول: ما إن ارتحل النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ حتّى عكف المسلمون على دراسة القرآن وتدبره، بيد أنّهم وجدوا أنّ لفيفاً من المسلمين كانوا عاجزين عن فهم بعض ألفاظ القرآن. والقرآن وإن نزل بلغة الحجاز إلاّ أنّه يحوي ألفاظاً غير رائجة فيها، وربّما كانت رائجة بين القبائل الاَُخرى، وهذا النوع من الاَلفاظ ما سمّوه بـ «غريب


(1) الذهبي، التفسير والمفسّـرون 1: 89 ـ90.


(25)

القرآن» وقد سأل ابن الاَزرق ـ رأس الخوارج ـ ابن عبّاس عن شيء كثير من غريب القرآن وأجاب عنه مستشهداً بشعر العرب الاَقحاح، وقد جمعها السيوطي في إتقانه(1).

وبما أنّ تفسير غريب القرآن كان الخطوة الاَُولى لتفسيره، فقد ألّف أصحابنا في إبّان التدوين كتباً في ذلك المضمار، نذكر قليلاً من كثير:

1 ـ غريب القرآن، لاَبان بن تغلب بن رباح البكري (ت 141هـ)(2).

2 ـ غريب القرآن، لمحمّد بن السائب الكلبي، من أصحاب الاِمام الصادق _ عليه السلام _(3)

خ.

3 ـ غريب القرآن، لاَبي روق، عطية بن الحارث الهمداني الكوفي التابعي، قال ابن عقدة: كان ممّن يقول بولاية أهل البيت(4).

4 ـ غريب القرآن، لعبد الرحمن بن محمّد الاَزدي الكوفي، جمع فيه ما ورد في الكتب الثلاثة المتقدّمة(5).

5 ـ غريب القرآن، للشيخ أبي جعفر أحمد بن محمّد الطبري الآملي الوزير الشيعي (ت 313هـ)(6).

وقد توالى التأليف حول غريب القرآن في القرون الماضية، فبلغ العشرات، وكان أخيرها ـ لا آخرها ـ ما ألّفه السيّد محمّد مهدي الخرسان في جزأين(7).


(1) السيوطي، الاِتقان 4: 55 ـ 88.

(2) النجاشي، الرجال 1: 73 | 6.

(3) المصدر نفسه: 78 | 6.

(4) ابن النديم، الفهرست: 57، النجاشي، الرجال 1: 78.

(5) النجاشي، الرجال 1: 78.

(6) ابن النديم، الفهرست: 58.

(7) الطهراني آقا بزرك، الذريعة 16: 50 | 208.


(26)

مجازات القرآن:

إذا كان الهدف من هذه الكتب بيان معاني مفردات القرآن وألفاظه، فإنّ في الجانب الآخر منه لون آخر من التفسير يهدف لبيان مقاصده ومعانيه إذا كانت الآية مشتملة على المجاز والكناية والاستعارة. إليك أخي القارىَ الكريم نماذج قليلة ممّا أُلّف في ذلك المجال بيد أعلام الشيعة:

1 ـ مجاز القرآن، لشيخ النحاة الفرّاء يحيىبنزياد الكوفي (المتوفّى عام 207هـ)، وقد طبع أخيراً في جزأين(1).

2 ـ مجاز القرآن، لمحمّد بن جعفر بن محمّد، أبو الفتح الهمداني. قال النجاشي: له كتاب «ذكر المجاز من القرآن»(2).

3 ـ مجازات القرآن، للشريف الرضي المسمّى بتلخيص البيان في مجازات القرآن، وهو أحسن ما أُلّف في هذا الباب وهو مطبوع.

التفسير بصور متنوّعة:

وهناك لون آخر من التفسير، يعمد فيه المفسّـر إلى توضيح قسم من الآيات تجمعها صلة خاصّة كالمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، وآيات الاَحكام، وقصص الاَنبياء، وأمثال القرآن، وأقسامه، والآيات الواردة في مغازي النبيّ _ صلى الله عليه وآعله وسلم _، والنازلة في حقّ العترة الطاهرة: إلى غير ذلك من الموضوعات التي لا تعمّ جميع آيات القرآن، بل تختصّ بموضوع واحد.

وكان علماء الشيعة قد شاركوا غيرهم من علماء المسلمين في هذا الجانب


(1) المصدر نفسه 19: 351 | 1567.

(2) النجاشي، الرجال 2: 319 | 1054.


(27)

الحيوي والمهم، ورفدوا المكتبة الاِسلامية بهذه الاَنواع من التفاسير، ومن أراد أن يقف عليها فعليه أن يرجع إلى المعاجم، وأخص بالذكر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة.

الشيعة والتفسير الموضوعي:

إنّ نزول القرآن نجوماً، وتوزّع الآيات الراجعة إلى موضوع واحد في سور متعدّدة، يطلب لنفسه نمطاً آخر، غير النمط المعروف بالتفسير الترتيبي؛ فإنّ النمط الثاني يتّجه إلى تفسير القرآن سورة بعد سورة، وآية بعد آية، وأمّا النمط الاَوّل فيحاول فيه المفسّـر إيراد الآيات الواردة في موضوع خاصّ، في مجال البحث، وتفسير الجميع جملة واحدة وفي محلّ واحد.

فيستمدّ المفسّـر من المعاجم المؤلّفة حول القرآن، ومن غيرها، في الوقوف على الآيات الواردة في جانب معيّـن، مثلاً في خلق السماء والاَرض، أو الاِنسان، أو أفعاله وحياته الاَخروية، فيفسّـر المجموع مرّة واحدة، ويرفع إبهام آية بآية أُخرى، ويخرج بنتيجة واحدة، وهذا النوع من التفسير وإن لم يهتم به القدماء واكتفوا منه بتفسير بعض الموضوعات كآيات الاَحكام، والناسخ والمنسوخ، إلاّ أنّ المتأخّرين منهم بذلوا جهدهم في طريقه، ولعلّ العلاّمة المجلسي (1037ـ1110هـ) كان أوّل من فتـح هذا البــاب على مصراعيه في موسوعته الموسومة بـ«بحار الاَنوار»، حيث أورد في أوّل كل باب من أبواب كتابه المتخصّصة جملة الآيات الواردة حول موضوع الباب، ثمّ لجأ إلى تفسيرها إجمالاً، ثمّ أورد ما جمعه من الاَحاديث التي لها صلة بالباب.

وقد قام كاتب هذه السطور بتفسير الآيات النازلة حول العقائد والمعارف وخرج منه حتّى الآن سبعة أجزاء وانتشر باسم «مفاهيم القرآن» نسأل الله تعالى التوفيق لاِتمامه.


(28)

الشيعة والتفسير الترتيبي:

قد تعرّفت على أنّ المنهج الراسخ بين القدماء وأكثر المتأخّرين هو التفسير الترتيبي، وقد قام فضلاء الشيعة من صحابة الاِمام علي والتابعين له إلى العصر الحاضر بهذا النمط من التفسير، إمّا بتفسير جميع سوره، أو بعضها، والغالب على التفاسير المعروفة في القرون الثلاثة الاَُولى، هو التفسير بالاَثر، ولكن انقلب النمط إلى التفسير العلمي والتحليلي من أواخر القرن الرابع. فأوّل من ألّف من الشيعة على هذا المنهاج هو الشريف الرضي (359 ـ 406هـ) مؤلّف كتاب «حقائق التأويل» في عشرين جزءاً(1)، ثمّ جاء بعده أخوه الشريف المرتضي فسلك مسلكه في أماليه المعروفة بـ «الدرر والغرر»، ثمّ توالى التأليف على هذا المنهاج من عصر الشيخ الاَكبر الطوسي (385 ـ 460هـ) مؤلّف «التبيان في تفسير القرآن» في عشرة أجزاء كبار، إلى عصرنا هذا.

فقد قامت الشيعة في كلّ قرن بتأليف عشرات التفاسير وفق أساليب متنوّعة، ولغات متعدّدة. لا يحصيها إلاّ المتوغّل في المعاجم وبطون المكتبات.

ولقد فهرسنا على وجه موجز أسماء مشاهير المفسّـرين من الشيعة وأعلامهم في 14 قرناً، وفصّلنا كلّ قرن عن القرن الآخر، واكتفينا بالمعروفين منهم؛ لاَنّ ذكر غيرهم عسير ومحوج إلى تأليف حافل. فبلغ عددهم (122) مفسّراً. ومن أراد الاِلمام بذلك فعليه الرجوع إلى المقدّمة التي قدّمناها لتفسير التبيان للشيخ الطوسي، ولاَجل ذلك نطوي الكلام في المقام.


(1) وللاَسف لم توجد منه نسخة كاملة في عصرنا الحاضر إلاّ الجزء الخامس وهو يكشف عن عظمة هذا السفر ويدل على جلالة المؤلّف.


(29)

8 ـ قدماء الشيعة وعلم الحديث

إنّ السنّة هي المصدر الثاني للثقافة الاِسلامية بجميع مجالاتها، ولم يكن شيء أوجب بعد كتابة القرآن وتدوينه وصيانته من نقص أو زيادة، من كتابة حديث الرسول _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ وتدوينه وصيانته من الدسّ والدجل، وقد أمر به الرسول الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ غير مرّة، فقد روى الاِمام أحمد عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّه قال للنبيّ _ صلى الله عليه وآعله وسلم _: يا رسول الله أكتب كلّ ما أسمع منك؟ قال: «نعم». قلت: في الرضا والسخط؟ قال _ صلى الله عليه وآعله وسلم _: «نعم، فإنّه لا ينبغي لي أن أقول في ذلك إلاّ حقّاً»(1).

إنّ الله سبحانه أمر بكتابة الدَّين حفظاً له، واحتياطاً عليه، وإشفاقاً من دخول الريب فيه، فالعلم الذي حفظه أصعب من حفظ الدَّين أحرى بأن يكتب ويحفظ من دخول الريب والشكّ فيه(2).

فإذا كان النبيّ _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ لا ينطق عن الهوى وإنّما ينطق عن الوحي الذي يوحى إليه(3)ُـ فيجب حفظ أقواله وأفعاله أُسوة بكتاب الله المجيد، حتّى لا يبقى المسلم في حيرة من أمره، ويستغني عن المقاييس الظنّية والاستنباطات الذوقية.

وبالرغم من وضوح الاَمر و أهميته القصوى إلاّ أنّ الخلافة الاِسلامية باجتهاداتها حالت دون ذلك، بل وحاسبت عليه حتّى أنّ الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب قال لاَبي ذر وعبد الله بن مسعود وأبي الدرداء: « ما هذا الحديث الذي تفشون عن محمّد؟»(4).

ولقد أضحى عمل الخليفة سنّة فاتّبعه عثمان ومشى على خطاه معاوية،


(1) مسند أحمد 2: 207.

(2) الخطيب البغدادي، تقييد العلم: 70.

(3) اقتباس من قوله سبحانه: صما ضَلَّ صاحبُكُم وما غوى * وما ينطقُ عن الهوى * إنْ هو إلاّ وحيٌ يُوحىش، النجم: 2ـ4. (4) كنز العمال 10: 293 | 29479. وفيه: ما هذه الاَحاديث التي قد أفشيتم عن رسول الله في الآفاق.


(30)

فأصبح ترك كتابة الحديث سنّة إسلامية، وعدّت الكتابة شيئاً منكراً مخالفاً لها.

إنّ الرزيّة الكبرى هي المنع عن التحدّث بحديث رسول الله _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ وكتابته وتدوينه، وفسح المجال في نفس الوقت للرهبان والاَحبار للتحدّث بما عندهم من صحيح وباطل، ولقد أذن عمر لتميم الداري النصراني الذي استسلم في عام تسعة من الهجرة أن يقصّ(1).

ولما تسنّم عمر بن عبد العزيز منصب الخلافة، أدرك ضرورة تدوين الحديث، فكتب إلى أبي بكر بن حزم في المدينة، أن يقوم بتدوين الحديث قائلاً: إنّ العلم لا يهلك حتّى يكون سرّاً(2).

ومع ذلك فلم يقدر ابن حزم على القيام بما أمر به الخليفة؛ لاَنّ رواسب الحظر السابق المؤكّد من قبل الخلفاء حالت دون أُمنيته، إلى أن زالت دولة الاَُمويين وجاءت دولة العبّاسيين، فقام المسلمون بتدوين الحديث في عصر أبي جعفر المنصور سنة (143هـ)، وأنت تعلم أخي القارىَ الكريم أنّ الخسارة التي لحقت بالتراث الاِسلامي من منع تدوين السنّة لا تجبر بتدوينه بعد مضي قرن ونيّف، وبعد موت الصحابة وكثير من التابعين الذين رأوا النور المحمدي وسمعوا منه الحديث، ولم يحدّثوا بما سمّعوه إلاّ سرّاً ومن ظهر القلب إلى مثله.

أضف إلى ذلك أنّ الاَحبار والرهبان والمأجورين للبلاط الاَُموي نشروا كلّ كذب وافتراء بين المسلمين.

اهتمام الشيعة بتدوين الحديث:

قام الاِمام أمير المؤمنين علي _ عليه السلام _ بتأليف عدّة كتب في زمان النبيّ _ صلى الله عليه وآعله وسلم _، فقد أملى


(1) كنز العمال 10: 281.

(2) صحيح البخاري 1: 27.


(31)

رسول الله كثيراً من الاَحكام عليه وكتبها الاِمام واشتهر بكتاب علي، وقد روى عنه البخاري في صحيحه في باب «كتابة الحديث»(1)وباب «أثم من تبرّأ من مواليه»(2) وتبعه 7 ثلّة من الصحابة الذين كانوا شيعة له، وإليك أسماء من اهتمّ بتدوين الآثار وما له صلة بالدين، وإن لم يكن حديث الرسول.

1 ـ قام أبو رافع صحابي الرسول _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ بتدوين كتاب السنن والاَحكام والقضايا(3).

2 ـ وقام الصحـابي الكبير سلمان الفـارسي: (ت 34هـ) بتأليف كتاب حديث الجاثليق الرومي الذي بعثه ملك الروم بعد وفاة الرسول _ صلى الله عليه وآعله وسلم _.

قال الشيخ الطوسي: روى سلمان حديث الجاثليق الذي بعثه ملك الروم بعد النبيّ _ صلى الله عليه وآعله وسلم _(4).

3 ـ وألّف الصحابي الورع أبو ذر الغفاري المتوفّى سنة 32هـ كتاب الخطبة التي يشرح فيها الاَُمور بعد رسول الله _ صلى الله عليه وآعله وسلم _(5).

هذا ما يرجع إلى الصحابة من الشيعة، وأمّا الشيعة من غير الصحابة ـ أعني: التابعين وتابعي التابعين منهم ـ فقد قام عدد منهم بتدوين السنّة إلى عصر الغيبة الكبرى، وقد تكفّلت بذكرهم و ذكر تآليفهم معاجم الرجال قديماً وحديثاً، وإليك عرضاً موجزاً من محدّثي الشيعة ومؤلّفيهم في القرن الاَوّل وبداية القرن الثاني.


(1) صحيح البخاري 1: 27 كتاب العلم.

(2) المصدر نفسه 8: 154، كتاب الفرائض، الباب 20.

(3) النجاشي، الرجال 1: 64 | 1.

(4) الطوسي الفهرست: 8.

(5) المصدر نفسه: 54.


(32)

طبقات محدّثي الشيعة

الطبقة الاَُولى:

1 ـ الاَصبغ بن نباتة المجاشعي، كان من خاصّة أمير المؤمنين _ عليه السلام _ روى عنه _ عليه السلام _ عهد الاَشتر، ووصيته إلى ابنه محمّد(1).

2 ـ عبيد الله بن أبي رافع المدني، مولى النبيّ _ صلى الله عليه وآعله وسلم _، كان كاتب أمير المؤمنين _ عليه السلام _ له كتاب قضايا أمير المؤمنين _ عليه السلام _ وتسمية من شهد مع أمير المؤمنين الجمل وصفّين والنهروان(2).

3 ـ ربيعة بن سميع، له كتاب في زكاة النعم عن أمير المؤمنين _ عليه السلام _(3).

4 ـ سليم بن قيس الهلالي، أبو صادق، له كتاب مطبوع باسم: سليم بن قيس.

5 ـ عليّ بن أبي رافع، قال النجاشي عنه: تابعيّ من خيار الشيعة، كانت له صحبة مع أمير المؤمنين _ عليه السلام _، وكان كاتباً له، وحفظ كثيراً، وجمع كتاباً في فنون من الفقه: الوضوء، والصلاة، وسائر الاَبواب(4).

6 ـ عبيد الله بن الحرّ الجعفي، الفارس، الفاتك، الشاعر، له نسخة يرويها عن أمير المؤمنين _ عليه السلام _(5).

7 ـ زيد بن وهب الجهني، له كتاب خطب أمير المؤمنين _ عليه السلام _ على المنابر في الجمع والاَعياد وغيرها(6).


(1) النجاشي الرجال 1: 70 | 4.

(2) الطوسي، الفهرست: 107.

(3) النجاشي، الرجال 1: 67 | 2.

(4) النجاشي، الرجال 1: 65 | 1.

(5) المصدر نفسه 1: 71 | 5.

(6) الطوسي، الفهرست: 72.


(33)

الطبقة الثانية:

1 ـ الاِمام السجّاد زين العابدين علي بن الحسين _ عليهما السلام _، له الصحيفة الكاملة، المشتهرة بزبور آل محمّد:.

2 ـ جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، أبو عبد الله، (ت 128هـ)، له كتب(1).

3 ـ لوط بن يحيى بن سعيد، شيخ أصحاب الاَخبار بالكوفة، له كتب كثيرة، أوردها الشيخ في رجاله وعدّه في أصحاب الحسن والصادق _ عليهما السلام _(2).

4 ـ جارود بن منذر، الثقة، أورده الشيخ في أصحاب الحسن والباقر والصادق:، له كتب(3).

الطبقة الثالثة:

وهم من أصحاب السجّاد والباقر _ عليهما السلام _:

1 ـ برد الاِسكاف، من أصحاب السجاد والصادقين:، له كتاب(4).

2 ـ ثابت بن دينار، أبو حمزة الثمالي الاَزدى، الثقة، (ت 150هـ)، روى عنهم:، له كتاب، وله النوادر والزهد، وله تفسير القرآن(5).

3 ـ ثابت بن هرمز الفارسي، أبو المقدّم العجلي، مولاهم الكوفي، روى نسخة عن عليّ بن الحسين:(6).


(1) النجاشي، الرجال 1: 313 | 330.

(2) الطوسي، الرجال: 279 من أصحاب الصادق _ عليه السلام _ ولاحظ تعليقة المحقّق.

(3) المصدر نفسه: 112 في أصحاب الباقر _ عليه السلام _.

(4) النجاشي، الرجال 1: 284 | 289.

(5) المصدر نفسه 1: 289 | 294.

(6) المصدر نفسه 1: 292 | 296.

Website Security Test