welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : دور الشــيعــة في بناء الحضارة الاِسلاميّة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

دور الشــيعــة في بناء الحضارة الاِسلاميّة

(1)

دور الشــيعــة
في
بناء الحضارة الاِسلاميّة


(2)

(3)

تمهيد

إنّ الحديث عن دور الاِنسان في بناء الحضارة البشرية حديث ذو شجون لا يسع المرء وهو يتحدّث عنه إلاّ أن يتبيّـن بوضوح أثر العمق العقائدي في استقرار هذه الحضارات المتلاحقة والتي تركت ـ وبلا شكّ ـ لها بعض الآثار الدالّة عليها، وهذا العامل الداعم لقيام تلك الحضارات يكون وبلا أدنى ريب المفصل الاَساسي في هيكلية ذلك البناء الكبير.

ولقد شهدت الحياة البشرية على هذا الكوكب (الاَرض) حضارات متعدّدة، لكلّ ميزاتها وخصائصها التيضبطها التاريخ، وأفصحت عنها الاكتشافات الاَثرية.

ومن مشاهير هذه الحضارات: الحضارة الصينية، المصرية، البابلية، اليونانية، الرومانية، الفارسية، وأخيراً الحضارة الغربية القائمة في عصرنا الحاضر، ولكلّ من هذه الحضارات انطباعاتها الخاصة.

وأمّا الحضارة الاِسلامية و التي تتوسّط بين الحضارة الاَخيرة (الغربية) وما تقدّمها فهي تعدّ بلا شكّ من أكبر الحضارات في تاريخ الاِنسان وأكثرها اهتماماً بالعلم والفلسفة والاَدب والفنون. وهي الاَساس الوطيد الذي قامت عليه حركة النهضة الاَوروبية. ولقد وضع عشرات من العلماء موسوعات وكتباً لبيان ما قدّمته الحضارة الاِسلامية من خدمات جليلة إلى المجتمع البشري في المجالات المختلفة.

ولا يمكن لاَحد القول بأنّ الحضارة الاِسلامية حضارة عربية بحتة تفرَّد العرب في إقامة بنيانها وتثبيت أركانها، بقدر ما كانت تمثّل الجهد المتفاعل لجميع الشعوب الاِسلامية بقومياتها المختلفة من عرب وفرس وترك وغيرهم من القوميات، الذين ذابوا في الاِسلام ونسوا قوميّاتهم ومشخّصاتهم العنصرية والبيئية.


(4)

ومن هنا فإنّ أيّ تعبير عن الحضارة التي سادت إبّان تلك الحقبة الزاهرة من حياة البلاد العربية وما يجاورها، فإنّ المراد به الاِشارة إلى الحضارة الاِسلامية بكلّ أبعادها وأُسس بنيانها، والتي شارك فيها جميع المسلمين، المخلصين لرسالة السماء التي جاء بها نبيّ الرحمة محمّد _ صلى الله عليه وآعله وسلم _.

إنّ المسلمين الاَوائل وبفضل جهدهم المخلص في بناء حياة الاَُمم والشعوب، استطاعوا أن يقيموا للاِسلام حضارة عظيمة ورائعة مترامية الاَطراف كانت متوازية مع خطّ انتشار الدعوة الاِسلامية، فلا غرو أن تخفق راياتها في بقاع واسعة من العالم تمتد من حدود الصين شرقاً إلى المحيط الاَطلسي غرباً.

بلى لقد استطاع المسلمون أن يقيموا حضارة حقيقية ترتكز على أُسس أخلاقية وعقائدية سماوية، ضربت جذورها في أعماق البناء الاِنساني واستطاعت أن تجعل منه وكما أراد خالقه له أن يكون خليفته في أرضه.

وإذا كان «ويل دورانت» في كتابه الشهير «قصّة الحضارة» قد أشار إلى أنّ الحضارة تتألّف من عناصر أربعة، وهي:

1 ـ الموارد الاقتصادية.

2 ـ النظم السياسية.

3 ـ التقاليد الخلقية.

4 ـ متابعة العلوم والفنون.

وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق؛ لاَنّه إذا ما أمن الاِنسان من الخوف تحرّرت في نفسه دوافع التضلّع وعوامل الاِبداع والاِنشاء، وبعدئذ لا تنفكّ الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها(1).

فإنّ ما ذكره ذلك العالم الباحث من أُسس الحضارة وأركانها يرجع إلى تفسير


(1) ويل دورانت، قصة الحضارة 1: 3.


(5)

الحضارة بالمعنى الجامع الشامل للحضارة الاِلهية والماديّة، وأمّا بالنظر إلى الحضارة المرتكزة على الاَُسس الدينية فمن أهمّ أركانها توعية الاِنسان في ظلال الاعتقاد بالله سبحانه واليوم الآخر، حتى يكون هو الدافع إلى العمل والالتزام بالسلوك الاَخلاقي والديني، فالحضارة المنقطعة عن التوعية الدينية حضارة صناعية لا إنسانية، وتمدّن مادّي وليس بإلهي.

إنّ مؤسّس الحضارة الاِسلامية هو النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _، وقد جاء بسنن وقوانين دفعت البشرية إلى مكارم الاَخلاق كما دفعتهم إلى متابعة العلوم والفنون، واستغلال الموارد الطبيعية، وتكوين مجتمع تسود فيه النظم الاجتماعية المستقيمة.

ولا يشكّ في ذلك من قرأ تاريخ الاِسلام، وتاريخ النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _، خصوصاً إذا قارن بين حياة البشرية بعد بزوغ شمس الاِسلام بما قبلها.

ثمّ إنّ المسلمين شيّدوا أركان الحضارة الاِسلامية في ظل الخطوط التي رسمها النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ من خلال القرآن والسنّة، فأصبحت لهم قوّة اقتصادية، ونظم سياسية، وتقاليد دينية وخلقية، وأعطوا العلوم المختلفة جلّ اهتمامهم، فبرز منهم العديد من العلماء المتفوّقين والبارعين في شتّى مناحي العلم، ورفدوا حركة تطوّر الحضارة البشرية بجهودهم المخلصة، والتي تعكسها مؤلّفاتهم القيّمة والتي لا زالت حتّى يومنا هذا مثار إعجاب الجميع، بل إنّهم عمدوا إلى ترجمة كتب العلم المختلفة لدى غيرهم من الاَُمم، مثل الفرس واليونانيين وغيرهم، فأغنوا المكتبة الاِسلامية بسيل وافر من المؤلّفات القيّمة والمهمة.

لقد شملت الحضارة الاِسلامية كلّ ميادين الحياة المختلفة، فلم تلق جلّ جهدها في جانب واحد من جوانب الرقيّ الحضاري دون غيره، بل شمل اهتمامها كلّ جوانب الحياة المختلفة، وتلك حقيقة لا يمكن لاَحد الاِغضاء عنها، فإذا كانت كلّ حضارة من الحضارات المعروفة قد تميّزت برقيّ في جانب واحد من الجوانب


(6)

الحياتية، سواء الاقتصادي كان أو العسكري، فإنّ الحضارة الاِسلامية تتمتّع بمجموع هذه المميزات؛ فلم تترك ميزة دون أُخرى.

والذي يطيب لنا هنا ذكر مشاركة الشيعة في بناء هذه الحضارة، خصوصاً فيما يتعلّق بالركن الرابع وهو متابعة العلوم والفنون، وأمّا الاَركان الثلاثة الباقية فغير مطلوبة لنا في هذا المقام؛ وذلك لاَنّ الموارد الاقتصادية شارك فيها المسلمون انطلاقاً من دوافعهم النفسية من خلال الاهتمام بالاَُمور التالية:

1 ـ التنمية الزراعية بجوانبها المختلفة.

2 ـ استخراج وصناعـة المعادن المختلـفة، مثل الذهب والفضـة والاَحجار الكريمة بأنواعها النفيسة المختلفة.

3 ـ إحداث القنوات المائية وبناء السدود.

4 ـ الاهتمام بتطوير الثروة الحيوانية وتوسيعها.

5 ـ صناعة الاَلبسة والاَقمشة وغيرها.

6 ـ صناعة الورق وكتابة الكتب ونشرها في العالم.

7 ـ إيجاد المواصلات البريّة و البحريّة، وتنظيم حركة الملاحة، ومحاربة قطّاع الطرق واللصوص في البرّ والبحر.

8 ـ العناية الفائقة بالتجارة، وعقد الاتّفاقيات التجارية مع البلدان المجاورة.

إلى غير ذلك ممّا يوجب ازدهار الوضع الاقتصادي، فلا يصح إبعاد قوم عن تلك الساحة وتخصيص الازدهار الاقتصادي بطائفة دون أُخرى؛ فإنّ الاِنسان حسب الفطرة والدافع الغريزي ينساق إلى ذلك.

وأمّا النظم السياسية؛ فإنّ الدول الاِسلامية المختلفة قد ساهمت في إرساء دعائمها وتثبيت أركانها خلال سني حكمها، ولا فرق في ذلك بين دول الشيعة منها كالحمدانيين والبويهيين والفاطميين وغيرهم كالساميين والسلاجقة وغيرهم.


(7)

وأمّا التقاليد الخلقية فقد كانت منبثقة من صميم الاِسلام، ومأخوذة من الكتاب والسنّة، كما أنّ التقاليد القومية للشعوب المختلفة، والتي لم تكن معارضة لمبادىَ الشريعة الاِسلامية السمحاء فقد فسح لها الاِسلام المجال ولم ينه عنها.

فلاَجل ذلك نركّز علىالركن الرابع منهذه الاَركان الاَربعة للحضارة، وهو متابعة العلوم والفنون، فهي الطابع الاَساسي للحضارة الاِسلامية، وبها تتميّز عمّا تقدّم عليها وما تأخّر، فنأتي بموجز عن دور الشيعة في بناء هذا الركن ـ أي ازدهار العلوموالفنونـليظهر أنّهمكانوا فيالطليعة، وكان لهم الدور الاَساسي في ازدهارها.

ولمّا كانت الحضارة الاِسلامية تستمدّ أسباب وجودها من الكتاب والسنّة، فكلّ من قدّم خدمة للقرآن والسنّة لفظاً ومعنى، صورة ومادة، فقد شارك في بناء الحضارة الاِسلامية. وإليك هذا البيان تأييداً لما أسلفنا:

1 ـ قدماء الشيعة وعلم البيان


2 ـ قدماء الشيعة وعلم النحو

إنّ دراسة القرآن بين الاَُمّة ونشر مفاهيمه يتوقّف على معرفة العلوم التي تعدّ مفتاحاً له؛ إذ لولا تلك العلوم لكانت الدراسة ممتنعة، ونشرها في ربوع العالم غير ميسور جدّاً. بل لولا هذه العلوم ونضجها لحرم جميع المسلمين حتّى العرب منهم منالاستفادة منالقرآنالكريم؛ لاَنّالفتوحات فرضتعلىالمجتمعالعربي الاختلاط مع بقية القوميات، وسبَّب ذلك خطراً على بقاء اللغة العربية، وكان العرب عند ظهور الاِسلام يعربون كلامهم على النحو الذي كان في القرآن، إلاّ من خالطهم من الموالي والمتعرّبين، ولكن اللحن لم يكثر إلاّ بعد الفتوح وانتشار العرب في الآفاق،


(8)

فشاع اللحن في قراءة القرآن، فمسّت الحاجة الشديدة إلى ضبط قواعد اللّغة(1).

فقام أبو الاَسود الدؤلي بوضع قواعد نحوية بأمر الاِمام أمير المؤمنين _ عليه السلام _، فأبو الاَسود إمّا واضع علم النحو أو مدوّنه، وكان من سادات التابعين، وقد صاحب عليّاً وشهد معه صفّين، ثمّ أقام في البصرة.

يقول الشيخ أبو الحسن سلامة الشامي النحوي: إنّ علياً دخل عليه أبو الاَسود يوماً. قال: فرأيته مفكّراً، فقلت له: ما لي أراك مفكّراً يا أمير المؤمنين؟ قال: «إنّي سمعت من بعض الناس لحناً، وقد هممت أن أضع كتاباً أجمع فيه كلام العرب».

فقلت: إن فعلت ذلك أحييت أقواماً من الهلاك.

فألقى إليَّ صحيفة فيها: «الكلام كلّه اسم وفعل وحرف، فالاسم ما دلّ على المسمّى، والفعل ما دلّ على حركة المسمّى، والحرف ما أنبأ عن معنى وليس باسم ولا فعل». وجعل يزيد على ذلك زيادات.

قال: واستأذنته أن أصنع في النحو ما صنع، فأذن، وأتيته به فزاد فيه ونقص.

وفي رواية: أنّه ألقى إليه الصحيفة وقال له: «انحَ نحو هذه» فلهذا سمّي النحونحواً(2).

ومن المعلوم أنّ هذه القواعد لم تكن لتسد الحاجة الملحّة، ولكن أبا الاَسود قام بإكمالها وضبطها وبتمييز المنصوب من المرفوع، والاسم من الفعل، بعلامات نسمّيها الاِعراب. فالروايات مجمعة على أنّ أبا الاَسود (وهو شيعي المذهب توفّي سنة (69هـ) إمّا مدوّن علم النحو أو واضعه، وأضحى ما دوّنه مصدراً لهذا العلم في


(1) جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية 1: 219.

(2) حسن الصدر، تأسيس الشيعة: 51 ولقد بلغ الغاية في ذلك المجال فنقل كلمات المؤرّخين فيما قام به الاِمام وتلميذه في تأسيس علم النحو.


(9)

العصور اللاحقة.

وهناك كلام لابن النديم دونك لفظه، يقول:

قال محمّد بن إسحاق: زعم أكثر العلماء أنّ النحو أُخذ عن أبي الاَسود الدؤلي، وأنّ أبا الاَسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب _ عليه السلام _.

ثمّ نقل عن الطبري وقال: إنّما سمّي النحو نحواً لاَنّ أبا الاَسود الدؤلي قال لعليّ _ عليه السلام _ وقد ألقى عليه شيئاً من أُصول النحو، قال أبو الاَسود: واستأذنته أن أصنع نحو ما صنع. فسمّي ذلك نحواً(1).

2 ـ وإذا كان أبو الاَسود الدؤلي واضعاً للنحو، فالخليل بن أحمد الفراهيدي هو المنقّح له والباسط له. قال أبو بكر محمّد بن الحسن الزبيدي: والخليل بن أحمد، أوحد العصر، وفريد الدهر، وجهبذ الاَُمّة، وأُستاذ أهل الفطنة، الذي لم ير نظيره، ولا عرف في الدنيا عديله، وهو الذي بسط النحو ومدّ أطنابه وبيّن علله وفتق معانيه وأوضح الحجاج فيه، حتّى بلغ أقصى حدوده، وانتهى إلى أبعد غايته... وسيوافيك أنّ الخليل من أصحاب الاِمام الصادق ومن شيعته.

ثمّ إنّ علماء الفريقين شاركوا في إنضاج هذا العلم وإيصاله إلى القمّة. وليس للمنصف بخس حق طائفة لمصالح أُخرى، ولكن لمّا كان الهدف هو بيان دور الشيعة في تطوير العلوم وتتبّعها فانّا نذكر من ألّف في علم النحو من قدماء الشيعة فقط، ومنهم:

1 ـ عطاء بن أبي الاَسود: قال الشيخ الطوسي في باب أصحاب الحسين بن عليّ: ومنهم ابن أبي الاَسود الدؤلي.

وقال الحافظ السيوطي في الطبقات: عطاء، أُستاذ الاَصمعي وأبو عبيدة(2).


(1) ابن النديم، الفهرست: 66 وللكلام صلة فمن أراد فليرجع إلى المصدر.

(2) تأسيس الشيعة: 65.


(10)

2 ـ أبو جعفر محمّد بن الحسن بن أبي سارة الرواسي الكوفي: قال السيوطي: هو أوّل من وضع من الكوفيين كتاباً في النحو وسمّـاه الفيصل، وهو أُستاذ الكسائي والفرّاء(1)..

قال النجاشي: روى هو وأبوه عن أبي جعفر وأبي عبد الله _ عليهما السلام _ وله: كتاب الوقف والابتداء، وكتاب الهمز، وكتاب إعراب القرآن(2).

3 ـ حمران بن أعين، أخو زرارة بن أعين: كان نحوياً إماماً فيه، عالماً بالحديث واللغة والقرآن، أخذ النحو والقراءة عن ابن أبي الاَسود، وأخذ عنه الفرّاء، وكان قد أخذ الحديث عن الاِمام السجّاد والباقر والصادق. وآل أعين بيت كبير بالكوفة من أجلّ بيوت الشيعة، ولاَبي غالب الزراري رسالة في ترجمة آل أعين قال: كان حمران من أكابر مشايخ الشيعة وكان عالماً بالنحو واللغة(3)..

4 ـ أبو عثمان المازني، بكر بن محمّد: قال النجاشي: كان سيّد أهل العلم بالنحو والعربية واللغة، ومقدّمته بذلك مشهورة، وكان من علماء الاِمامية، قد تأدّب على يد إسماعيل بن ميثم(4)، له في الاَدب: كتاب التصريف، كتاب ما يلحن فيه العامة، التعليق. مات سنة 248هـ(5).

5 ـ ابن السكيت، يعقوب بن إسحاق السكيت: كان مقدّماً عند أبي جعفر (الجواد) وأبي الحسن (الهادي) _ عليهما السلام _ وكانا يختصّانه. وله عن أبي جعفر _ عليه السلام _ رواية


(1) المصدر نفسه: ص 67.

(2) النجاشي: الرجال 2: 200 | 884.

(3) أبو غالب، رسالة في آل أعين: 2ـ3 بتلخيص.

(4) وهو من أئمّة المتكلّمين الشيعة.

(5) النجاشي، الرجال 1: 272 | 277 وذكره ابن النديم في أخبار النحويين واللغويين: 90، والخطيب البغدادي في تاريخ مدينة بغداد ج 7 | 3529.


(11)

ومسائل، وقتله المتوكّل لاَجل تشيّعه عام 244هـ، وأمره مشهور. وكان وجيهاً في علم العربية واللغة، ثقة، مصدّقاً، لا يطعن عليه. وله كتب: إصلاح المنطق، كتاب الاَلفاظ، كتاب ما اتّفق لفظه واختلف معناه، كتاب الاَضداد، كتاب المذكّر والمؤنث، كتاب المقصور والممدود، و...(1).

وسبب قتله: أنّ المتوكّل سأله يوماً وهو يعلّم ابنيه وقال: يا يعقوب، أيّهما أحبّ إليك، ابناي هذان، أم الحسن والحسين؟ فأجابه: «انّ قنبر خادم علي خير منك ومن ابنيك» فأمر المتوكّل، فسلّوا لسانه من قفاه فمات، وقد خلّف بضعة وعشرين أثراً في النحو واللغة والشعر(2).

6 ـ ابن حمدون، أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن حمدون: قال فيه النجاشي: الكاتب النديم شيخ أهل اللغة ووجههم. أُستاذ أبي العبّاس(3)وكان خصّيصاً بسيّدنا أبي محمّد العسكري وأبي الحسن قبله. له كتب. ثمّ ذكر كتبه(4).

7 ـ أبو إسحاق النحوي، ثعلبة بن ميمون: قال عنه النجاشي: كان وجهاً في أصحابنا، قارئاً، فقيهاً، نحويّاً، لغويّاً، راوية، وكان حسن العمل، كثير العبادة والزهد، روى عن الصادق والكاظم(5). وبما أنّ الاِمام الكاظم توفّي عام مائة وثلاثة وثمانين، فهو من أهل المائة الثانية.

8 ـ قتيبة النحوي الجعفي الكوفي: قال النجاشي: المؤدّب، المقرىَ، ثقة عين،


(1) رجال النجاشي 2: 425 | 1215.

(2) جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية 1: 424 وترجمه ابن خلّكان في وفياته، وياقوت في طبقات الاَُدباء وغيرهم.

(3) يريد ثعلباً (200 ـ 291هـ).

(4) النجاشى: الرجال 1: 237 | 228.

(5) المصدر نفسه: 1: 294 | 300، وذكره ابن حجر في لسان الميزان ج2 برقم 332.


(12)

روى عن الصادق _ عليه السلام _(1).

وذكره السيوطي في بغية الوعاة، ووصفه في تأسيس الشيعة بأنّه إمام أهل النحو واللغة(2).

9 ـ إبراهيم بن أبي البلاد: قال النجاشي: كان ثقة، قارئاً، أديباً، روى عن الصادق والكاظم _ عليهما السلام _(3).

10 ـ محمّد بن سلمة اليشكري: قال النجاشي: جليل من أصحابنا الكوفيين، عظيم القدر، فقيه، قارىَ، لغوي، راوية، خرج إلى البادية ولقى العرب وأخذ عنهم. وأخذ عنه يعقوب بن السكّيت. ثمّ ذكر كتبه(4)، وبما أنّه شيخ ابن السكيت فهو من أهل المائة الثانية وأوائل الثالثة.

11 ـ أبو عبد الله النحوي، الحسين بن أحمد بن خالويه: سكن حلب ومات بها، وكان عارفاً بمذهبنا، مع علمه بعلوم العربية، واللغة، والشعر. وله كتب، ومن كتبه: مستحسن القراءات والشواذّ، كتاب في اللغة(5).

ووصفه السيوطي في الطبقات: إنّه إمام اللغة والعربية، وغيرهما من العلوم الاَدبية، دفن ببغداد سنة 314هـ.

12 ـ أبو القاسم التنوخي: قال الشيخ رشيد الدين بن شهر آشوب: إنّه من جملة الشعراء المجاهرين بالشعر في مدح أهل البيت.

وقال ياقوت: كان في النحو وحفظ الاَحكام وعلم الهيئة والعروض قدوة،


(1) المصدر نفسه: 2: 185 | 867.

(2) تأسيس الشيعة: 76.

(3) النجاشي، الرجال 1: 102 | 31.

(4) المصدر نفسه 2: 218 | 897.

(5) المصدر نفسه 1: 188 | 159.


(13)

وكان يحفظ من اللغة والنحو شيئاً عظيماً(1).

ما ذكرناه نماذج من أئمّة اللغة من الشيعة الاِمامية في القرون الاَُولى، وأمّا من وليهم من الاَئمّة فحدّث عنهم ولا حرج، فإنّ ذكر أسمائهم ونبذٍ من حياتهم يدفعنا إلى تأليف كتاب مفرد، وقد كفانا في ذلك ما كتبه السيد الصدر في هذا المجال، فقد بلغ النهاية، وقد ذكر أئمّة النحو من الشيعة إلى القرن السابع(2)فبلغوا (041) إماماً وأُستاذاً ومؤلّفاً في الاَدب العربي، ولا سيما النحو، وبينهم شخصيات بارزة كالشريف المرتضى والشريف الرضى وابن الشجريّ الذي يقول في حقّه السيوطي: كان أوحد زمانه، وفرد أوانه في علم العربية ومعرفة اللغة وأشعار العرب، توفّي عام (542هـ).

ونجم الاَئمّة الرضي الاسترآبادي، إلى غير ذلك من الشخصيات البارزة.

3 ـ قدماء الشيعة وعلم الصرف

إنّ أوّل من دوّن الصرف أبو عثمان المازني، وكان قبل ذلك مندرجاً في علم النحو، كما ذكره في كشف الظنون، وشرحه أبو الفتح عثمان بن جنّي المتوفّى في(392هـ)(3).

وأبسط كتاب في الصرف، ما كتبه نجم الاَئمّة محمّد بن الحسن الاسترآبادي الغروي، وله شرح الشافية في الصرف، كما له شرح الكافية في النحو، وكلا كتابيه جليل الخطر، محمود الاَثر، قد جمع فيهما بين الدلائل والمباني.

قال في كشف الظنون: للكافية شروح أعظمها شرح الشيخ رضيّ الدين محمّد


(1) تأسيس الشيعة: 91.

(2) لاحظ تأسيس الشيعة: 39 ـ 137.

(3) كشف الظنون 1: 249 مادة «كافية».


(14)

ابن الحسن الطوسي الاستر آبادي النحوي. قال السيوطي: لم يؤلّف عليها، بل ولا في غالب كتب النحو مثله جمعاً وتحقيقاً، فتداوله الناس واعتمدوا عليه، وله فيه أبحاث كثيرة ومذاهب ينفرد بها، فرغ من تأليفه سنة (683هـ).

أقول: فرغ من شرح الكافية سنة (686هـ) في النجف الاَشرف، كما هو مذكور في آخر الكتاب.

ولنكتف بهذا المقدار عن مساهمة الشيعة مع غيرهم في بناء الاَدب العربي، وتجديد قواعده وإرسائها في مجالي النحو والصرف، وفيما ذكرناه غنى وكفاية.

4 ـ قدماء الشيعة وعلم اللغة

ونريد بعلم اللغة: الاشتغال بألفاظ اللغة من حيث أُصولها، واشتقاقاتها ومعانيها، وهو يعدّ بحقّ من العلوم الاِنسانية التي ساهمت بشكل مباشر في إقامة صرح الحضارة الاِسلامية، وقد ظهر في ميدان هذا العلم المهم جملة واسعة من علماء الشيعة، خلَّفوا آثاراً مهمة أصبحت زاداً لطلاّب العلم والمعرفة، ومن هؤلاء الاَفاضل:

1 ـ أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد البصري الفراهيدي الاَزدي: سيد أهل الاَدب، وهو أوّل من ضبط اللغة، وأوّل من استخرج علم العروض إلى الوجود، فهو أسبق العرب إلى تدوين اللغة وترتيب ألفاظها على حروف المعجم، فألّف كتابه «العين» الذي جمع فيه ما كان معروفاً في أيّامه من ألفاظ اللغة، وأحكامها، وقواعدها، ورتّب ذلك على حروف الهجاء، لكنّه رتّب الحروف حسب مخارجها من الحلق، فاللسان، فالاَسنان، فالشفتين، وبدأ بحرف العين وختمها بحروف


(15)

العلّة «واي» وسُمِّي الكتاب بأوّل لفظ من ألفاظه(1).

وكان الكتاب مخطوطاً عزيز النسخة، لكنّه رأى النور أخيراً وطبع محقّقاً.

والخليل بن أحمد الذي لا يشكّ أحد في تشيّعه من أعلام القرن الثاني الهجري، قال المرزباني: إنّه ولد عام مائة من الهجرة وتوفّي سنة (170) أو (175هـ)، وقال ابن قانع: إنّه توفّي سنة (160هـ)(2).

قد ألّف كتاباً في الاِمامة، أورده بتمامه محمّد بن جعفر المراغي في كتابه، واستدرك عليه ما لم يذكره وأسماه «الخليلي».

قال النجاشى: محمّد بن جعفر بن محمّد، أبو الفتح الهمداني الوادعي المعروف بـ «المراغي» كان يتعاطى الكلام، له: كتاب مختار الاَخبار، كتاب الخليلي في الاِمامة، وكتاب ذكر المجاز من القرآن(3).

قال العلاّمة في الخلاصة: كان خليل بن أحمد أفضل الناس في الاَدب وقوله حجّة فيه واخترع علم العروض، وفضله أشهر من أن يذكر، وكان إماميّ المذهب(4).

وقال ابن داود: الخليل بن أحمد شيخ الناس في علوم الاَدب، فضله وزهده أشهر من أن يخفى، كان إماميّ المذهب(5).

2 ـ أبان بن تغلب بن رباح الجريري: من أصحاب الباقر والصادق، قال النجاشي: كان قارئاً من وجوه القرّاء، فقيهاً، لغوياً، سمع من العرب، وحكى


(1) آداب اللغة العربية: 427 ـ 428.

(2) المامقاني: تنقيح المقال 1: 403 | 3739.

(3) النجاشي: الرجال 2: 318 | 1054.

(4) العلاّمة الحلّي، الخلاصة، القسم الاَول: 67.

(5) ابن داود الحلّي: الرجال، القسم الاَول: 88 | 574.


(16)

عنهم(1).

وقال ياقوت: ذكره أبو جعفر الطوسي في مصنّفي الاِمامية. وقال: هو ثقة جليل القدر عظيم المنزلة، وقال: كان قارئاً، فقيهاً، لُغويّاً، نبيهاً، ثبتاً(2).

3 ـ ابن حمدون النديم: شيخ أهل اللغة ووجههم وأُستاذ أبي العباس ثعلب(3).

4 ـ أبو بكر محمّد بن الحسن بن دريد الاَزدي: الاَديب اللغوي، صاحب الجمهرة في اللغة، مات هو وأبو هاشم الجبّائي في يوم واحد، فقال الناس: مات علم اللغة والكلام. وألّف كتاب «جمهرة اللغة» على منوال كتاب « العين» للخليل، واختصره الصاحب بن عباد وسمّـاه «جوهرة الجمهرة»(4).

5 ـ الصاحب بن عباد: عظيم الشأن، جليل القدر في العلم والاَدب، وألّف الصدوق (306ـ381هـ) كتاب عيون أخبار الرضا _ عليه السلام _ لاَجله، ومن كتبه في اللغة: «المحيط» عشرة مجلدات، قد عرفت تلخيص «الجوهرة»، وأمّا تشيّعه فحدّث عنه ولا حرج.

وكم له من قصائد في مدح أهل البيت نذكر منها:

ألم تعلموا أنّ الوصيّ هو الذي * آتى الزكاة وكان في المحراب

ألم تعلموا أنّ الوصيّ هو الذي * حكم الغدير له على الاَصحاب(5)

وهكذا فإنّنا نتوقّف عند هذا الحد من إيراد نماذج من كبار القدماء الذين شاركوا المسلمين في تأسيس العلوم العربية وتطويرها، ومن أراد التفصيل فليطلبه


(1) النجاشي: الرجال 1: 73 | 6.

(2) ياقوت: معجم الاَدباء 1: 107.

(3) الطوسي: الفهرست 11: 56. وقد تقدم ذكره في أساتذة النحو.

(4) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 2: 195.

(5) الغدير 4: 66 وله قصائد أُخرى مذكورة فيه.


(17)

من محالّه(1).

5 ـ قدماء الشيعة وعلم العروض

كما أسلفنا سابقاً من أنّ الشيعة بمفكّريها كانت هي المبتكرة لعلم النحو بتوجيه من الاِمام علي _ عليه السلام _ باب علم النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _؛ فإنّها أيضاً المبتكرة لعلم العروض والمؤسسة لبنيانه الشامخ، وإليك أسماء بعض روّاده ورجاله:

1 ـ الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري: قال ابن خلّكان: هو الذي استنبط علم العروض وأخرجه إلى الوجود، وحصر أقسامه في خمس دوائر يستخرج منها خمسة عشر بحراً(2).

2 ـ كافي الكفاة الصاحب بن عباد: الطائر الصيت، له كتاب الاِقناع في العروض(3).

وقد توالى التأليف بعده إلى عصرنا هذا، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى المعاجم حول مصنّفات الشيعة الاِمامية.

ومن أبرز ما ألّف في العروض أخيراً أثران:

أحدهما: للسيد الشريف هبة الدين الشهرستاني (1301ـ1386هـ) أسماه «رواشـح الفيـوض في علم العـروض» وقـد طبــع في طهـران (1324هـ).

ثانيهما: منظومة رصينة قيّمة قلّما رأى الدهر مثلها للشيخ مصطفى التبريزي(1298 ـ 1338هـ) شرحها العلاّمة أبو المجد الشيخ محمّد رضا


(1) لاحظ تأسيس الشيعة للسيد الصدر فقد ترجم فيه (24) شخصاً كلّهم من أقطاب علم اللغة، وللمناقشة في بعض ما ذكره وإن كان له مجال لكنّه لا يحطّ من عظم الجهد الذي بذله في طريق تأليفه.

(2) وفيات الاَعيان 2: 244 | 220.

(3) قال في كشف الظنون 1: 140: الاقناع في العروض لاَبي القاسم إسماعيل عباد الوزير المعروف بالصاحب المتوفّى سنة (385هـ)، كشف الظنون 1: 132.


(18)

الاَصفهاني (1286ـ1362هـ) وأسماها «أداء المفـروض في شرح أُرجوزة العروض» وإليك مستهلّها:

الحمد لله على إسباغ ما * أولى لنا من فضله وأنعما

وخصّنا منه بواف وافر * من بحر جوده المديد الزاخر

صلّى على نبيّنا المختار * ما عاقب الليل على النهار

وآله معادن الرساله * بهم يداوي علل الجهاله

خذها ودع عنك رموز الزامرة * كعادة تجلى عليك بارزة

تجمع كلّ ظاهر وخافِ * في علمي العروض والقوافي(1)

6 ـ قدماء الشيعة وطرائف الشعر

لا نريد من الشعر في المقام الاَلفاظ المسبوكة، والكلمات المنضَّدة على أحد الاَوزان الشعرية، وانّما نريد منه ما يحتوي على المضامين العالية في الحياة، وما يبثّ روح الجهاد في الاِنسان، أو الذي يشتمل على حجاج في الدين أو تبليغ للحقّ. وعلى مثل هذا الشعر بنيت الحضارة الاِنسانية، وهو مقياس ثقافة الاَُمّة ورقيّها، وله خلود عبر القرون لا تطمسه الدهور والاَيّام.

فما نقرأه في الذكر الحكيم من التنديد بالشعراء من قوله تعالى: (والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوون )(2)، إنّما يراد بذلك الشعراء المأجورون الذين يتاجرون بالشعر فيقلبون الحقائق، ويصنعون من الظالم مظلوماً، ومن المظلوم ظالماً، ولاَجل ذلك قال سبحانه: (أَلمْ تَرَ أَنَّـهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَـهيمُونَ * وأَنَّـهُمْ يَقُولُونَ ما لا)


(1) نحتفظ منها بنسخة بخطّ السيد الاِمام الخميني1 وفرغ من نسخها عام 1346هـ.

(2) الشعراء: 224.


(19)

يَفْعَلُونَ)(1).

ومن هنا فإنّا نعني بحديثنا هنا أُولئك الشعراء الذين أوقفوا أشعارهم في خدمة كلمة الحق وإعلاء شأن الدين الحنيف. ولقد ظهرت في سماء الشعر وفي القرون الاَُولى للعهد الاِسلامي من بين رجالات الشيعة طائفة من الشعراء حظوا برعاية أهل البيت: وتقديرهم.

وإليك أسماء بعض من شعراء الشيعة مع ذكر أبيات من شعرهم الخالد:

1 ـ قيس بن سعد بن عبادة:

سيّد الخزرج، و الصحابي الجليل، كان زعيماً مطاعاً، كريماً ممدوحاً، وكان من شيعة عليّ _ عليه السلام _ ومن أشدّ المتحمّسين له، بعثه أميراً على مصر سنة (36هـ)، وهو وأبوه وأهل بيته من الذين لم يبايعوا أبا بكر وقالوا: لا نبايع إلاّ عليّاً(2).

ومن أشعاره التي أنشدها بين يدي أمير المؤمنين _ عليه السلام _ في صفّين:

قلتُ لما بغى العدوّ علينا * حسبنا ربّنا ونعم الوكيلُ

حسبنا الذي فتح البصـ * ـرة بالاَمس والحديث الطويلُ

وعليٌّ إمامنا وإمامٌ * لسوانا أتى به التنزيلُ

يوم قال النبيّ من كنت مو * لاه فهذا مولاه خطبٌ جليلُ

إنّما قاله النبيّ على الاَُمّـ * ـة حتمٌ ما فيه قالٌ وقيلُ(3)


(1) الشعراء: 225 ـ 226.

(2) الطبري، التاريخ 3: 462.

(3) المفيد، الفصول المختارة: 87؛ الكراجكي، كنز الفوائد: 234؛ سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص:20.


(20)

2 ـ الكميت بن زيد (60 ـ 126هـ):

شاعر مقدم، عالم بلغات العرب، خبير بأيّامها، و من شعراء مضر. كان معروفاً بالتشيّع لبني هاشم، مشهوراً بذلك، وقد حظي بتقدير أئمّة أهل البيت لاِجهاره بالحق، ولجهاده في سبيله، وهاشمياته المقدّرة بـ 578 بيتاً خلّدت ذكراه في التاريخ وهي مشتملة على ميمية وبائية ورائية وغيرها.

وإليك أبياتاً من عينيّته:

ويوم الدوح دوح غدير خمٍّ * أبان له الولاية لو أُطيعا

ولكن الرجال تبايعوها * فلم أر مثلها خطراً مبيعا

إلى أن قال:

أضاعوا أمر قائدهم فضلّوا * وأقومهم لدى الحدثان ريعا

تناسوا حقّه وبغوا عليه * بلا ترة وكان لهم قريعا

فقل لبني أُميّة حيث حلّوا * وإن خفت المهنّد والقطيعا

ولقد طبع ديوان الكميت غير مرّة، وشرحه الاَُستاذ محمد شاكر الخيّاط والاَُستاذ الرافعي(1).

3 ـ السيد الحميري (ت 173هـ):

أبو هاشم إسماعيل بن محمّد الملقّب بالسيّد، الشاعر المعروف، ومن المكثرين المجيدين، ومن الثلاثة الذين عدّوا أكثر الناس شعراً في الجاهلية والاِسلام وهم: «السيّد» و «بشار» و «أبو العتاهية»، وكان السيّد الحميري متفانياً في حبّ العترة الطاهرة فلم يكن يرى لمناوئيهم حرمة وقدراً، وكان يشدّد النكير عليهم في كلّ


(1) اقرأ حياة الكميت في الغدير 2: 180ـ212.


(21)

موقف ويهجوهم بألسنة حداد في كلّ حول وطول.

ومن قصائده المعروفة عينيّته، وقد شرحها عدة من الاَُدباء ومستهلّها:

لاَُمّ عمرو باللوى مربَع * طامسة أعلامها بلقعُ

تروع عنها الطير وحشيّة * والوحشُ من خيفته تفزعُ(1)

4 ـ دعبل الخزاعي (المتوفّى 246هـ):

أبو عليّ دعبل بن عليّ الخزاعي، من بيت علم وفضل وأدب، يرجع نسبه إلى بديل بن ورقاء الخزاعي الذي دعا له النبيّ _ صلى الله عليه وآعله وسلم _.

قال النجاشي: أبو علي الشاعر المشهور في أصحابنا، صنّف كتاب طبقات الشعراء، ومن أراد التوغّل في حياته وسيرته فليقرأ النواحي الاَربعة من حياته:

1 ـ تهالكه في ولائه لاَهل البيت:.

2 ـ نبوغه في الشعر والاَدب والتاريخ وتآليفه.

3 ـ روايته للحديث والرواة عنه ومن يروي عنهم.

4 ـ سيرته مع الخلفاء ثمّ ملحه ونوادره ثمّ ولادته ووفاته(2).

وإليك مطلع تائيّته المعروفة:

تجاوبن بالاَرنان والزفراتِ * نوائح عجم اللفظ والنطقات

5 ـ الاَمير أبو فراس الحمداني (320 ـ 357هـ):

أبو فراس الحارث بن أبي العلاء، قال عنه الثعالبي: كان فرد دهره، وشمس


(1) إقرأ ترجمة السيّد في الغدير 2: 213 ـ 289.

(2) لاحظ حياته في الغدير 2: 369ـ386. وقد تقدّم الكلام في تائيته في الفصل الاَوّل والثاني من هذا الكتاب فراجع.


(22)

عصره، أدباً وفضلاً وكرماً ونبلاً ومجداً وبلاغة وبراعة وفروسية وشجاعة، وشعره مشهور سائر بين الحسن والجودة، والسهولة والجزالة، والعذوبة والفخامة، والحلاوة والمتانة(1).

وتبعه في إطرائه والثناء عليه ابن عساكر.

من قصائده المعروفة ميميّته التي مستهلّها:

الحقّ مهتضم والدين مخترم * وفيء آل رسول الله مقتسمُ

والناس عندك لا ناس فيحفظهم * سوم الرعاة ولا شاءٌ ولا نعمُ

إلى أن قال:

يا للرجال أما لله منتصر * من الطغاة أما لله منتقم

بنو عليّ رعايا في ديارهم * والاَمر تملكه النسوان والخدمُ

إلى أن قال:

أبلغ لديك بني العباس مالكةً * لا يدّعوا ملكها ملاّكها العجمُ

أيّ المفاخر أمست في منازلكم * وغيركم آمر فيها ومحتكمُ

أنّى يزيدكم في مفخر علَمٌ * وفي الخلاف عليكم يخفق العلمُ

يا باعة الخمر كُفّوا عن مفاخركم * لمعشرٍ بَيْعهم يوم الهياج دمُ(2)


(1) يتيمة الدهر: 270.

(2) الغدير 3: 399 ـ401.


(23)

ويطيب لي في هذا المقام أن أُشير إلى أسماء بعض من أنجبتهم مدرسة أهل البيت: في حلبة الشعر والاَدب في القرن الرابع والخامس، من أُناس معدودين في القمّة، يمكن للقارىَ الكريم أن يجد الشيء الكثير عن حياتهم في دواوينهم، أو في كتب الاَدب المختلفة:

1 ـ ابن الحجّاج البغدادي (المتوفّى 321هـ) صاحب القصيدة المعروفة:

يا صاحب القبّة البيضاء في النجف * من زار قبرك واستشفى لديك شُفي

2 ـ الشريف الرضي (359 ـ 406هـ) الغني عن كل تعريف وبيان.

3 ـ الشريف المرتضى (355 ـ 436هـ) وهو كأخيــه أشـهر من أن يعرّف.

4 ـ مهيار الديلمي (المتوفّى 448هـ) الذي يُعد في الـرعيل الاَوّل من شعراء القرن الرابع وله غديريات كثيرة منها:

هل بعد مفترق الاَظغان مجتمع * أم هل زمان بهم قد فات يرتجع

هذا عرض موجز لبعض الشعراء البارزين من الشيعة، وفيه كفاية لمن أراد الاِجمال، و أمّا من أراد التوسّع فليرجع إلى الكتب التالية:

1 ـ الاَدب في ظلّ التشيّع: للشيخ عبد الله نعمة.

2 ـ تأسيس الشيعة: للسيّد حسن الصدر، الفصل السادس.

3 ـ الغدير: للعلاّمة الاَميني بأجزائه الاَحد عشر.

7 ـ قدماء الشيعة وعلم التفسير

إنّ القرآن هو المصدر الرئيسي للمسلمين في مجالي العقيدة والشريعة، وهو


(24)

المعجزة الخالدة للنبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _، وقد قام المسلمون بأروع الخدمات لهذا الكتاب الاِلهي على وجه لا تجد له مثيلاً بين أصحاب الشرائع السابقة، حتّى أسّسوا لفهم كتابهم علوماً قد بقي في ظلّها القرآن مفهوماً للاَجيال، كما قاموا بتفسيره وتبيين مقاصده بصور شتى، لا يسع المقام ذكرها. فأدّوا واجبهم تجاه كتاب الله العزيزـشكر الله مساعيهم ـ من غير فرق بين الشيعة والسنّة.

إنّ مدرسة الشيعة منذ أن ارتحل النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ إلى يومنا هذا، أنتجت تفاسير على أصعدة مختلفة، وخدمت الذكر الحكيم بصور شتّى، نأتي بوجه موجز، لما ألّف في القرون الاِسلامية الاُولى.

إنّ أئمّة أهل البيت ـ بعد الرسول الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ ـ هم المفسّـرون الحقيقيون للقرآن الكريم، حيث فسّروا القرآن بالعلوم التي نحلهم الرسول _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ بأقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم التي لا تشذّ عن قول الرسول _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ وفعله وحجته، ومن الظلم الفادح أن نذكر الصحابة والتابعين في عداد المفسّـرين ولا نعترف بحقوق أئمّة أهل البيت وهم عديله باتفاق الجميع.

وهذا ما فعله في كتابه محمّد حسين الذهبي، جعل عليّاً ـ وهو الوصي وباب علم النبيّ _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ ـ في الطبقة الثالثة من حيث نقل الرواية عنه، وجعل تلميذه ابن عباس في الدرجة الاَُولى!!(1)، ولم يذكر عن بقية الاَئمّة شيئاً مع كثرة ما نقل عنهم في مجال التفسير من الروايات الوافرة.

أقول: ما إن ارتحل النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ حتّى عكف المسلمون على دراسة القرآن وتدبره، بيد أنّهم وجدوا أنّ لفيفاً من المسلمين كانوا عاجزين عن فهم بعض ألفاظ القرآن. والقرآن وإن نزل بلغة الحجاز إلاّ أنّه يحوي ألفاظاً غير رائجة فيها، وربّما كانت رائجة بين القبائل الاَُخرى، وهذا النوع من الاَلفاظ ما سمّوه بـ «غريب


(1) الذهبي، التفسير والمفسّـرون 1: 89 ـ90.


(25)

القرآن» وقد سأل ابن الاَزرق ـ رأس الخوارج ـ ابن عبّاس عن شيء كثير من غريب القرآن وأجاب عنه مستشهداً بشعر العرب الاَقحاح، وقد جمعها السيوطي في إتقانه(1).

وبما أنّ تفسير غريب القرآن كان الخطوة الاَُولى لتفسيره، فقد ألّف أصحابنا في إبّان التدوين كتباً في ذلك المضمار، نذكر قليلاً من كثير:

1 ـ غريب القرآن، لاَبان بن تغلب بن رباح البكري (ت 141هـ)(2).

2 ـ غريب القرآن، لمحمّد بن السائب الكلبي، من أصحاب الاِمام الصادق _ عليه السلام _(3)

خ.

3 ـ غريب القرآن، لاَبي روق، عطية بن الحارث الهمداني الكوفي التابعي، قال ابن عقدة: كان ممّن يقول بولاية أهل البيت(4).

4 ـ غريب القرآن، لعبد الرحمن بن محمّد الاَزدي الكوفي، جمع فيه ما ورد في الكتب الثلاثة المتقدّمة(5).

5 ـ غريب القرآن، للشيخ أبي جعفر أحمد بن محمّد الطبري الآملي الوزير الشيعي (ت 313هـ)(6).

وقد توالى التأليف حول غريب القرآن في القرون الماضية، فبلغ العشرات، وكان أخيرها ـ لا آخرها ـ ما ألّفه السيّد محمّد مهدي الخرسان في جزأين(7).


(1) السيوطي، الاِتقان 4: 55 ـ 88.

(2) النجاشي، الرجال 1: 73 | 6.

(3) المصدر نفسه: 78 | 6.

(4) ابن النديم، الفهرست: 57، النجاشي، الرجال 1: 78.

(5) النجاشي، الرجال 1: 78.

(6) ابن النديم، الفهرست: 58.

(7) الطهراني آقا بزرك، الذريعة 16: 50 | 208.


(26)

مجازات القرآن:

إذا كان الهدف من هذه الكتب بيان معاني مفردات القرآن وألفاظه، فإنّ في الجانب الآخر منه لون آخر من التفسير يهدف لبيان مقاصده ومعانيه إذا كانت الآية مشتملة على المجاز والكناية والاستعارة. إليك أخي القارىَ الكريم نماذج قليلة ممّا أُلّف في ذلك المجال بيد أعلام الشيعة:

1 ـ مجاز القرآن، لشيخ النحاة الفرّاء يحيىبنزياد الكوفي (المتوفّى عام 207هـ)، وقد طبع أخيراً في جزأين(1).

2 ـ مجاز القرآن، لمحمّد بن جعفر بن محمّد، أبو الفتح الهمداني. قال النجاشي: له كتاب «ذكر المجاز من القرآن»(2).

3 ـ مجازات القرآن، للشريف الرضي المسمّى بتلخيص البيان في مجازات القرآن، وهو أحسن ما أُلّف في هذا الباب وهو مطبوع.

التفسير بصور متنوّعة:

وهناك لون آخر من التفسير، يعمد فيه المفسّـر إلى توضيح قسم من الآيات تجمعها صلة خاصّة كالمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، وآيات الاَحكام، وقصص الاَنبياء، وأمثال القرآن، وأقسامه، والآيات الواردة في مغازي النبيّ _ صلى الله عليه وآعله وسلم _، والنازلة في حقّ العترة الطاهرة: إلى غير ذلك من الموضوعات التي لا تعمّ جميع آيات القرآن، بل تختصّ بموضوع واحد.

وكان علماء الشيعة قد شاركوا غيرهم من علماء المسلمين في هذا الجانب


(1) المصدر نفسه 19: 351 | 1567.

(2) النجاشي، الرجال 2: 319 | 1054.


(27)

الحيوي والمهم، ورفدوا المكتبة الاِسلامية بهذه الاَنواع من التفاسير، ومن أراد أن يقف عليها فعليه أن يرجع إلى المعاجم، وأخص بالذكر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة.

الشيعة والتفسير الموضوعي:

إنّ نزول القرآن نجوماً، وتوزّع الآيات الراجعة إلى موضوع واحد في سور متعدّدة، يطلب لنفسه نمطاً آخر، غير النمط المعروف بالتفسير الترتيبي؛ فإنّ النمط الثاني يتّجه إلى تفسير القرآن سورة بعد سورة، وآية بعد آية، وأمّا النمط الاَوّل فيحاول فيه المفسّـر إيراد الآيات الواردة في موضوع خاصّ، في مجال البحث، وتفسير الجميع جملة واحدة وفي محلّ واحد.

فيستمدّ المفسّـر من المعاجم المؤلّفة حول القرآن، ومن غيرها، في الوقوف على الآيات الواردة في جانب معيّـن، مثلاً في خلق السماء والاَرض، أو الاِنسان، أو أفعاله وحياته الاَخروية، فيفسّـر المجموع مرّة واحدة، ويرفع إبهام آية بآية أُخرى، ويخرج بنتيجة واحدة، وهذا النوع من التفسير وإن لم يهتم به القدماء واكتفوا منه بتفسير بعض الموضوعات كآيات الاَحكام، والناسخ والمنسوخ، إلاّ أنّ المتأخّرين منهم بذلوا جهدهم في طريقه، ولعلّ العلاّمة المجلسي (1037ـ1110هـ) كان أوّل من فتـح هذا البــاب على مصراعيه في موسوعته الموسومة بـ«بحار الاَنوار»، حيث أورد في أوّل كل باب من أبواب كتابه المتخصّصة جملة الآيات الواردة حول موضوع الباب، ثمّ لجأ إلى تفسيرها إجمالاً، ثمّ أورد ما جمعه من الاَحاديث التي لها صلة بالباب.

وقد قام كاتب هذه السطور بتفسير الآيات النازلة حول العقائد والمعارف وخرج منه حتّى الآن سبعة أجزاء وانتشر باسم «مفاهيم القرآن» نسأل الله تعالى التوفيق لاِتمامه.


(28)

الشيعة والتفسير الترتيبي:

قد تعرّفت على أنّ المنهج الراسخ بين القدماء وأكثر المتأخّرين هو التفسير الترتيبي، وقد قام فضلاء الشيعة من صحابة الاِمام علي والتابعين له إلى العصر الحاضر بهذا النمط من التفسير، إمّا بتفسير جميع سوره، أو بعضها، والغالب على التفاسير المعروفة في القرون الثلاثة الاَُولى، هو التفسير بالاَثر، ولكن انقلب النمط إلى التفسير العلمي والتحليلي من أواخر القرن الرابع. فأوّل من ألّف من الشيعة على هذا المنهاج هو الشريف الرضي (359 ـ 406هـ) مؤلّف كتاب «حقائق التأويل» في عشرين جزءاً(1)، ثمّ جاء بعده أخوه الشريف المرتضي فسلك مسلكه في أماليه المعروفة بـ «الدرر والغرر»، ثمّ توالى التأليف على هذا المنهاج من عصر الشيخ الاَكبر الطوسي (385 ـ 460هـ) مؤلّف «التبيان في تفسير القرآن» في عشرة أجزاء كبار، إلى عصرنا هذا.

فقد قامت الشيعة في كلّ قرن بتأليف عشرات التفاسير وفق أساليب متنوّعة، ولغات متعدّدة. لا يحصيها إلاّ المتوغّل في المعاجم وبطون المكتبات.

ولقد فهرسنا على وجه موجز أسماء مشاهير المفسّـرين من الشيعة وأعلامهم في 14 قرناً، وفصّلنا كلّ قرن عن القرن الآخر، واكتفينا بالمعروفين منهم؛ لاَنّ ذكر غيرهم عسير ومحوج إلى تأليف حافل. فبلغ عددهم (122) مفسّراً. ومن أراد الاِلمام بذلك فعليه الرجوع إلى المقدّمة التي قدّمناها لتفسير التبيان للشيخ الطوسي، ولاَجل ذلك نطوي الكلام في المقام.


(1) وللاَسف لم توجد منه نسخة كاملة في عصرنا الحاضر إلاّ الجزء الخامس وهو يكشف عن عظمة هذا السفر ويدل على جلالة المؤلّف.


(29)

8 ـ قدماء الشيعة وعلم الحديث

إنّ السنّة هي المصدر الثاني للثقافة الاِسلامية بجميع مجالاتها، ولم يكن شيء أوجب بعد كتابة القرآن وتدوينه وصيانته من نقص أو زيادة، من كتابة حديث الرسول _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ وتدوينه وصيانته من الدسّ والدجل، وقد أمر به الرسول الاَكرم _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ غير مرّة، فقد روى الاِمام أحمد عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّه قال للنبيّ _ صلى الله عليه وآعله وسلم _: يا رسول الله أكتب كلّ ما أسمع منك؟ قال: «نعم». قلت: في الرضا والسخط؟ قال _ صلى الله عليه وآعله وسلم _: «نعم، فإنّه لا ينبغي لي أن أقول في ذلك إلاّ حقّاً»(1).

إنّ الله سبحانه أمر بكتابة الدَّين حفظاً له، واحتياطاً عليه، وإشفاقاً من دخول الريب فيه، فالعلم الذي حفظه أصعب من حفظ الدَّين أحرى بأن يكتب ويحفظ من دخول الريب والشكّ فيه(2).

فإذا كان النبيّ _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ لا ينطق عن الهوى وإنّما ينطق عن الوحي الذي يوحى إليه(3)ُـ فيجب حفظ أقواله وأفعاله أُسوة بكتاب الله المجيد، حتّى لا يبقى المسلم في حيرة من أمره، ويستغني عن المقاييس الظنّية والاستنباطات الذوقية.

وبالرغم من وضوح الاَمر و أهميته القصوى إلاّ أنّ الخلافة الاِسلامية باجتهاداتها حالت دون ذلك، بل وحاسبت عليه حتّى أنّ الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب قال لاَبي ذر وعبد الله بن مسعود وأبي الدرداء: « ما هذا الحديث الذي تفشون عن محمّد؟»(4).

ولقد أضحى عمل الخليفة سنّة فاتّبعه عثمان ومشى على خطاه معاوية،


(1) مسند أحمد 2: 207.

(2) الخطيب البغدادي، تقييد العلم: 70.

(3) اقتباس من قوله سبحانه: صما ضَلَّ صاحبُكُم وما غوى * وما ينطقُ عن الهوى * إنْ هو إلاّ وحيٌ يُوحىش، النجم: 2ـ4. (4) كنز العمال 10: 293 | 29479. وفيه: ما هذه الاَحاديث التي قد أفشيتم عن رسول الله في الآفاق.


(30)

فأصبح ترك كتابة الحديث سنّة إسلامية، وعدّت الكتابة شيئاً منكراً مخالفاً لها.

إنّ الرزيّة الكبرى هي المنع عن التحدّث بحديث رسول الله _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ وكتابته وتدوينه، وفسح المجال في نفس الوقت للرهبان والاَحبار للتحدّث بما عندهم من صحيح وباطل، ولقد أذن عمر لتميم الداري النصراني الذي استسلم في عام تسعة من الهجرة أن يقصّ(1).

ولما تسنّم عمر بن عبد العزيز منصب الخلافة، أدرك ضرورة تدوين الحديث، فكتب إلى أبي بكر بن حزم في المدينة، أن يقوم بتدوين الحديث قائلاً: إنّ العلم لا يهلك حتّى يكون سرّاً(2).

ومع ذلك فلم يقدر ابن حزم على القيام بما أمر به الخليفة؛ لاَنّ رواسب الحظر السابق المؤكّد من قبل الخلفاء حالت دون أُمنيته، إلى أن زالت دولة الاَُمويين وجاءت دولة العبّاسيين، فقام المسلمون بتدوين الحديث في عصر أبي جعفر المنصور سنة (143هـ)، وأنت تعلم أخي القارىَ الكريم أنّ الخسارة التي لحقت بالتراث الاِسلامي من منع تدوين السنّة لا تجبر بتدوينه بعد مضي قرن ونيّف، وبعد موت الصحابة وكثير من التابعين الذين رأوا النور المحمدي وسمعوا منه الحديث، ولم يحدّثوا بما سمّعوه إلاّ سرّاً ومن ظهر القلب إلى مثله.

أضف إلى ذلك أنّ الاَحبار والرهبان والمأجورين للبلاط الاَُموي نشروا كلّ كذب وافتراء بين المسلمين.

اهتمام الشيعة بتدوين الحديث:

قام الاِمام أمير المؤمنين علي _ عليه السلام _ بتأليف عدّة كتب في زمان النبيّ _ صلى الله عليه وآعله وسلم _، فقد أملى


(1) كنز العمال 10: 281.

(2) صحيح البخاري 1: 27.


(31)

رسول الله كثيراً من الاَحكام عليه وكتبها الاِمام واشتهر بكتاب علي، وقد روى عنه البخاري في صحيحه في باب «كتابة الحديث»(1)وباب «أثم من تبرّأ من مواليه»(2) وتبعه 7 ثلّة من الصحابة الذين كانوا شيعة له، وإليك أسماء من اهتمّ بتدوين الآثار وما له صلة بالدين، وإن لم يكن حديث الرسول.

1 ـ قام أبو رافع صحابي الرسول _ صلى الله عليه وآعله وسلم _ بتدوين كتاب السنن والاَحكام والقضايا(3).

2 ـ وقام الصحـابي الكبير سلمان الفـارسي: (ت 34هـ) بتأليف كتاب حديث الجاثليق الرومي الذي بعثه ملك الروم بعد وفاة الرسول _ صلى الله عليه وآعله وسلم _.

قال الشيخ الطوسي: روى سلمان حديث الجاثليق الذي بعثه ملك الروم بعد النبيّ _ صلى الله عليه وآعله وسلم _(4).

3 ـ وألّف الصحابي الورع أبو ذر الغفاري المتوفّى سنة 32هـ كتاب الخطبة التي يشرح فيها الاَُمور بعد رسول الله _ صلى الله عليه وآعله وسلم _(5).

هذا ما يرجع إلى الصحابة من الشيعة، وأمّا الشيعة من غير الصحابة ـ أعني: التابعين وتابعي التابعين منهم ـ فقد قام عدد منهم بتدوين السنّة إلى عصر الغيبة الكبرى، وقد تكفّلت بذكرهم و ذكر تآليفهم معاجم الرجال قديماً وحديثاً، وإليك عرضاً موجزاً من محدّثي الشيعة ومؤلّفيهم في القرن الاَوّل وبداية القرن الثاني.


(1) صحيح البخاري 1: 27 كتاب العلم.

(2) المصدر نفسه 8: 154، كتاب الفرائض، الباب 20.

(3) النجاشي، الرجال 1: 64 | 1.

(4) الطوسي الفهرست: 8.

(5) المصدر نفسه: 54.


(32)

طبقات محدّثي الشيعة

الطبقة الاَُولى:

1 ـ الاَصبغ بن نباتة المجاشعي، كان من خاصّة أمير المؤمنين _ عليه السلام _ روى عنه _ عليه السلام _ عهد الاَشتر، ووصيته إلى ابنه محمّد(1).

2 ـ عبيد الله بن أبي رافع المدني، مولى النبيّ _ صلى الله عليه وآعله وسلم _، كان كاتب أمير المؤمنين _ عليه السلام _ له كتاب قضايا أمير المؤمنين _ عليه السلام _ وتسمية من شهد مع أمير المؤمنين الجمل وصفّين والنهروان(2).

3 ـ ربيعة بن سميع، له كتاب في زكاة النعم عن أمير المؤمنين _ عليه السلام _(3).

4 ـ سليم بن قيس الهلالي، أبو صادق، له كتاب مطبوع باسم: سليم بن قيس.

5 ـ عليّ بن أبي رافع، قال النجاشي عنه: تابعيّ من خيار الشيعة، كانت له صحبة مع أمير المؤمنين _ عليه السلام _، وكان كاتباً له، وحفظ كثيراً، وجمع كتاباً في فنون من الفقه: الوضوء، والصلاة، وسائر الاَبواب(4).

6 ـ عبيد الله بن الحرّ الجعفي، الفارس، الفاتك، الشاعر، له نسخة يرويها عن أمير المؤمنين _ عليه السلام _(5).

7 ـ زيد بن وهب الجهني، له كتاب خطب أمير المؤمنين _ عليه السلام _ على المنابر في الجمع والاَعياد وغيرها(6).


(1) النجاشي الرجال 1: 70 | 4.

(2) الطوسي، الفهرست: 107.

(3) النجاشي، الرجال 1: 67 | 2.

(4) النجاشي، الرجال 1: 65 | 1.

(5) المصدر نفسه 1: 71 | 5.

(6) الطوسي، الفهرست: 72.


(33)

الطبقة الثانية:

1 ـ الاِمام السجّاد زين العابدين علي بن الحسين _ عليهما السلام _، له الصحيفة الكاملة، المشتهرة بزبور آل محمّد:.

2 ـ جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، أبو عبد الله، (ت 128هـ)، له كتب(1).

3 ـ لوط بن يحيى بن سعيد، شيخ أصحاب الاَخبار بالكوفة، له كتب كثيرة، أوردها الشيخ في رجاله وعدّه في أصحاب الحسن والصادق _ عليهما السلام _(2).

4 ـ جارود بن منذر، الثقة، أورده الشيخ في أصحاب الحسن والباقر والصادق:، له كتب(3).

الطبقة الثالثة:

وهم من أصحاب السجّاد والباقر _ عليهما السلام _:

1 ـ برد الاِسكاف، من أصحاب السجاد والصادقين:، له كتاب(4).

2 ـ ثابت بن دينار، أبو حمزة الثمالي الاَزدى، الثقة، (ت 150هـ)، روى عنهم:، له كتاب، وله النوادر والزهد، وله تفسير القرآن(5).

3 ـ ثابت بن هرمز الفارسي، أبو المقدّم العجلي، مولاهم الكوفي، روى نسخة عن عليّ بن الحسين:(6).


(1) النجاشي، الرجال 1: 313 | 330.

(2) الطوسي، الرجال: 279 من أصحاب الصادق _ عليه السلام _ ولاحظ تعليقة المحقّق.

(3) المصدر نفسه: 112 في أصحاب الباقر _ عليه السلام _.

(4) النجاشي، الرجال 1: 284 | 289.

(5) المصدر نفسه 1: 289 | 294.

(6) المصدر نفسه 1: 292 | 296.


(34)


4 ـ بسّام بن عبد الله الصيرفي ، مولي بني أسد ، أبو عبد الله ، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله _ عليهما السلام _ ، له كتاب(1) .

5 ـ محمّد بن قيس البجلي ، له كتاب قضايا أمير المؤمنين _ عليهما السلام _(2) .

6 ـ حجر بن زائدة الحضرمي ، روى عن الباقر والصادق _ عليهما السلام _ ، له كتاب(3) .

7 ـ زكريا بن عبد الله الفياض ، له كتاب(4) .

8 ـ ثوير بن أبي فاختة «أبو جهم الكوفي» ، واسم أبي فاختة : سعيد بن علاقة(5) .

9 ـ الحسين بن ثور بن أبي فاختة ، سعيد بن حمران ، له كتاب نوادر(6) .

10 ـ عبد المؤمن بن القاسم بن قيس الأنصاري ، (ت 147هـ ) ، عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب السجّاد والصادقين _ عليهما السلام _ ، له كتاب(7) .

ولقد خصّص أبو عمرو الكشي باباً للمحدّثين المتقدّمين من الشيعة وجعله في صدر رجاله ، وتبعه النجاشي في رجاله فخصّ الطبقة الأُولى بباب ، ثمّ أورد أسماء الرواة على حسب الحروف الهجائية .

ولقد أجاد الشيخ الطوسي في التعرّف على طبقات الشيعة بعد رسول الله إلى عصره ، فذكر الأئمّة الاثني عشر ، وذكر أصحاب كلّ إمام وفق الترتيب الزمني ، ثمّ


(1) المصدر نفسه 1 : 282 / 286 .

(2) الطوسي ، الفهرست : 131 .

(3) النجاشي ، الرجال 1 : 347 / 382 .

(4) النجاشي ، الرجال 1 : 391 / 452 .

(5) المصدر نفسه ، 295 / 301 .

(6) المصدر نفسه ، 166 / 124 .

(7) المصدر نفسه ، 2 : 168 / 653 .

(35)

ذكر باباً آخر باسم من لم يرهم ولكن روى عنهم بالواسطة .

وأحسن كتاب أُلّف في هذا المجال هو ما ألّفه أُستاذنا الجليل السيد النحرير المحقّق البروجردي ـ رحمه الله ـ الذي أخرج رجال الشيعة في (34) طبقة ، من عصر الصحابة إلى زمانه (1292 ـ 1380هـ ) فهذا الكتـاب يكشف عن سبق الشيعة في نظم الحديث وتدوينه ، وأنّهم لم يقيموا لمنع الخلفاء وزناً ولا قيمة . وبذلك حفظوا نصوص النبيّ الأكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _وأهل بيته وقدموها إلى المجتمع الإسلامي ، فعلى جميع علماء المسلمين أن يتمسّكوا بهذا الحبل الذي هو أحد الثقلين .

هذا عرض موجز لمحدّثي الشيعة من عصر الإمام أمير المؤمنين علي _ عليه السلام _ إلى عصر السجّاد والباقر _ عليهما السلام _ وأمّا الطبقات الأُخرى فيأتي الكلام في فصل قدماء الشيعة والفقه; لأنّهم تجاوزوا التحديث إلى درجة الاجتهاد .

9 ـ قدماء الشيعة والفقه الإسلامي

إنّ الفقه الشيعي هو الشجرة الطيّبة الراسخة الجذور ، المتّصلة الأُسس بالنبّوة ، والتي امتازت بالسعة ، والشمولية ، والعمق ، والدقّة ، والقدرة على مسايرة العصور المختلفة ، والمستجدّات المتلاحقة من دون أن تتخطّى الحدود المرسومة في الكتاب والسنّة .

إنّ الفقه الإمامي يعتمد في الدرجة الأُولى على القرآن الكريم ، ثمّ على السنّة المحمّدية المنقولة عن النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن طريق العترة الطاهرة _ عليهما السلام _ أو الثقات من أصحابهم والتابعين لهم بإحسان .

وكما يعتمد الفقه الشيعي على الكتاب والسنّة ، فإنّه كذلك يتّخذ من العقل مصدراً في المجال الذي له الحقّ في إبداء الرأي ، كأبواب الملازمات العقلية ، أو قبح


(36)

التكليف بلا بيان ، أو لزوم البراءة اليقينية عند الاشتغال اليقيني .

ولا يكتفي بذلك ، بل يستفيد من الإجماع الكاشف عن وجود النص في المسألة أو موافقة الإمام المعصوم مع المجمعين في عصر الحضور .

إنّ الشيعة الإمامية قدّمت في ظلّ هذه الأُسس الأربعة فقهاً يتناسب مع المستجدّات ، جامعاً لما تحتاج إليه الأُمّة ، ولم يقفل باب الاجتهاد ، منذ رحلة النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إلى يومنا هذا ، بل فتح بابه طيلة القرون ، فأنتج عبر العصور فقهاء عظاماً ، وموسوعات كبيرة ، لم يشهد التاريخ لها ولهم مثيلا ، وإليك عرضاً موجزاً لمشاهير فقهائهم مع الإيعاز إلى بعض كتبهم في القرن الثاني والثالث .

فقهاء الشيعة في القرن الثاني :

تخرّجت من مدرسة أهل البيت وعلى أيدي أئمة الهدى _ عليهم السلام _ عدّة من الفقهاء العظام لا يستهان بعددهم ، فبلغوا الذروة في الاجتهاد ، كزرارة بن أعين ، ومحمّد بن مسلم ، وبريد بن معاوية ، والفضيل بن يسار ، وكلّهم من أفاضل خرّيجي مدرسة أبي جعفر الباقر وولده الصادق _ عليهما السلام _ فأجمعت الطائفة على تصديق هؤلاء ، وانقادت لهم في الفقه والفقاهة .

ويليهم في الفضل لفيف آخر ، هم أحداث خرّيجي مدرسة أبي عبد الله الصادق _ عليه السلام _ ، أمثال : جميل بن دراج ، و عبد الله بن مسكان ، وعبد الله بن بكير ، وحمّاد بن عثمان ، وحمّاد بن عيسى ، وأبان بن عثمان .

وهناك ثلّة أُخرى يعدّون من تلاميذ مدرسة الإمام موسى الكاظم وابنه أبي الحسن الرضا _ عليهما السلام _ منهم : يونس بن عبد الرحمن ، ومحمّد بن أبي عمير ، وعبد الله بن المغيرة ، والحسن بن محبوب ، والحسين بن عليّ بن فضال ، وفضالة بن


(37)

أيّوب(1) .

وأكثر هؤلاء من فقهاء القرن الثاني وأوائل القرن الثالث .

هؤلاء أعلام الشيعة في الفقه والحديث في القرن الثاني ، وكلّهم خرّيجو مدرسة أهل البيت _ عليهم السلام _ ولقد خلّفوا آثاراً علمية باسم الأصل ، والكتاب ، والنوادر ، والجامع ،والمسائل ، وعناوين أُخرى .

أصحاب الجوامع الفقهية في القرن الثالث :

لقد تخرّج من مدرسة أهل البيت _ عليهم السلام _ جملة كبيرة من أعاظم الفقهاء; أوقفوا علمهم في خدمة هذا الدين الحنيف; فشمّروا عن سواعدهم ، وسخّروا أنفسهم قدر ما مكَّنهم الله تعالى عليه ، فخلَّفوا جوامع فقهيّة مهمّة كانت ولا زالت خير زاد للمسلمين ، ومن هؤلاء الأعلام :

1 ـ يونس بن عبد الرحمن ، الّذي وصفه ابن النديم في فهرسته بعلاّمة زمانه ، له جوامع الآثار ، والجامع الكبير ، وكتاب الشرائع .

2 ـ صفوان بن يحيى البجلي ، الذي كان أوثق أهل زمانه ، صنّف ثلاثين كتاباً .

3 و 4 ـ الحسن والحسين ابنا سعيد بن حمّاد الأهوازي ، صنّفا ثلاثين كتاباً .

5 ـ أحمد بن محمّد بن خالد البرقي، (ت274هـ ) ، صاحب كتاب المحاسن وغيره.

6 ـ محمّد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمّي ، (ت 293هـ ) ، صاحب نوادر الحكمة وكتاب الجامع المعروف .

7 ـ أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي ، (ت 221هـ ) ، صاحب الجامع المعروف .


(1) أبو عمرو الكشي ، الرجال : 206 ،322 ،466 ، وراجع رجال النجاشي في ترجمتهم وذكر آثارهم ومنزلتهم في الفقه .

(38)

فقهاء الشيعة في القرن الرابع :

هؤلاء هم فقهاء الشيعة في القرن الثالث وتليهم عدّة أُخرى في القرن الرابع نذكر أسماءهم على وجه الإجمال :

1 ـ الحسن بن علي بن أبي عقيل ، شيخ الشيعة وفقيهها ، صاحب كتاب المتمسّك بحبل آل الرسول ، المعاصر للكليني .

2 ـ عليّ بن الحسين بن بابويه ، (ت 329هـ ) ، صاحب كتاب الشرائع .

3 ـ محمّد بن الحسن بن الوليد القمي ، شيخ القميين وفقيههم ومتقدّمهم ، مات سنة 343هـ ، ولقد بلغ في الوثاقة والدقة على حد يسكن إليه الشيخ الصدوق في تصحيحاته وتضعيفاته .

4 ـ جعفر بن محمّد بن قولويه، أُستاذ الشيخ الصدوق ، و مؤلّف كامل الزيارات، يقول النجاشي عنه : إنّه من ثقات أصحابنا وأجلاّئهم في الفقه والحديث .

5 ـ محمّد بن عليّ بن الحسين الصدوق (306 ـ 381هـ ) مؤلّف من لا يحضره الفقيه والمقنع والهداية .

6 ـ محمّد بن أحمد بن الجنيد المعروف بالإسكافي ، (ت 385هـ ) .

قال عنه النجاشي : وجه في أصحابنا ، ثقة جليل القدر ، صنّف فأكثر ، ثمّ ذكر فهرس كتبه ، ومنها كتاب تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة ، وكتاب الأحمدي للفقه المحمّدي .

مشاهير الفقهاء في القرن الخامس :

وفي القرن الخامس نبغ فقهاء كبار ، ازدان الفقه الشيعي بل الإسلامي بأسمائهم وآرائهم ، ومنهم : الشيخ المفيد (336ـ413هـ ) والسيّد المرتضى (355 ـ 436هـ ) والشيـخ الكراجكي (ت 449هـ ) والشيخ الطوسي (385 ـ 460هـ ) وسلار الديلمي مؤلّف المراسم (ت463هـ ) ، وابن البرّاج (401 ـ 489هـ ) مؤلّف المهذّب ،


(39)

وغيرهم من الذين ملأت أسماؤهم كتب التراجم والرجال .

ومن أراد الوقوف على حياتهم وكتبهم فعليه الرجوع إلى الموسوعات الرجالية ، وأخص بالذكر كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة .

هذا عرض موجز لمشاركة الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية على المستوى الفقهي . ويشهد الله أنّ علماء الشيعة قاموا بهذه الجهود في ظروف قاسية ورهيبة ، وكانت الحكومات الظالمة ومرتزقتها لا ينفكّون عن مطاردتهم وإيداعهم في السجون وعرضهم على السيف ، ومع ذلك نرى هذا الإنتاج العلمي الهائل في مجال الفقه . والذي لو تأمل فيه علماء المسلمين بفرقهم المختلفة ، وتجنّبوا أهواء التعصب ، لأقرُّوا بلا ريب بما فيه من سعة الفكر ، وعمق النظر ، وغزارة الانتاج .

هذا هو الشيخ الطوسي الذي ألّف المبسوط في الفقه المقارن (في 8 أجزاء) في زمن كانت الفتن الطائفية على أوجها ، والشيعة هم الضحية في هذه المخاضات العسرة ، والتي امتدت ألسنتها نحو الشيخ الطوسي نفسه ، فأُحرقت داره ، ومكتبته
في كرخ بغداد ، فالتجأ سرّاً إلى النجف الأشرف ، تاركاً بلده الذي عاش فيه قرابة نصف قرن ، وأين هؤلاء من الفقهاء الذين تنعّموا بالهدوء والاستقرار ، واستقبلتهم السلطات الحاكمة بصدر رحب ، وأُجيزوا مقابل أبيات معدودة من الشعر الرخيص ، أو كتيب أو رسالة صغيرة بالهبات والعطايا .

10 ـ قدماء الشيعة وعلم أُصول الفقه

إنّ السنّة النبوية بعد القرآن الكريم هي المصدر للتشريع ، وقد سبق أنّ الخلافة  ـ بعد رحلة الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ـ حالت دون تحديث ما تركه بين الأُمّة ، وكتابته وتدوينه . فلم تدوّن السنّة إلى عصر أبي جعفر المنصور ، إلاّ صحائف غير منظّمة ولا مرتّبة ، إلى أن شرع علماء الإسلام في التدوين سنة (53هـ )(1) .


(1) جلال الدين السيوطي ، تاريخ الخلفاء : 261 .

(40)

إنّ الحيلولة بين السنّة وتدوينها ونشرها أدّت إلى نتائج سلبية عظيمة ، منها قصور ما وصل إلى الفقهاء في ذلك العصر صحيحاً من الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن تلبية متطلّباتهم في مجال الأحكام ، حتّى اشتهر عن إمام الحنفية أنّه لم يثبت عنده من أحاديث الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في مجال التشريع إلاّ سبعة عشر حديثاً .

ونحن وإن كنّا لا نتوافق مع ما حُكي عن النعمان ، ولكن نؤكّد على شيء آخر ، وهو أنّ ما ورد في مجموع الصحاح والمسانيد والسنن الأعم من الصحيح والضعيف في مجال الأحكام الشرعية لا يتجاوز 500 حديث .

قال السيّد محمّد رشيد رضا : إنّ أحاديث الأحكام الأُصول لا تتجاوز 500 حديث تمدّها(1) أربعة آلاف موقوفات و مراسيل .

ويقول أيضاً في تفسيره : يقولون إنّ مصدر القوانين الأُمّة ، ونحن نقول بذلك في غير المنصوص في الكتاب والسنّة . كما قرّره الإمام الرازي والمنصوص قليل جدّاً(2) .

وما ذكره من قضية الإمداد ، يوحي إلى الموقوفات عن الصحابة ، من دون
أن يثبت صدورها عن النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فهذه الموقوفات تعرب عن اجتهادات الصحابة في المسألة . ومن المعلوم أنّ قول الصحابي لا يكون حجّة إلاّ إذا نسبه
إلى الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

هذا وإنّ الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ ) جمع كلّ ما ورد في مجال التشريع في كتاب أسماه بلوغ المرام من أدلّة الأحكام(3) وهو كتاب صغير جدّاً .

إنّ افتقاد النصّ في مجال التشريع الذي واجه فقهاء أهل السنّة بعد رحلة


(1) الوحي المحمّدي : 212 ، ط 6 . نعم أنهاه ابن حجر في كتابه «بلوغ المرام» إلى (1596) حديثاً لكن كثيراً منها لا يتضمّن حكماً شرعياً ، وإنّما هي أحاديث أخلاقية وغيرها ، فلاحظ .

(2) تفسير المنار 5 : 189 .

(3) بلوغ المرام من أدلّة الأحكام ، ط مصر تحقيق محمّد حامد الفقيّ .

(41)

الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، هو الذي دعاهم إلى التفحّص عن الحلّ لهذه الأزمة حتّى تسدّ حاجاتهم الفقهية ، فعكفوا على المقاييس الظنّية التي ما أنزل الله بها من سلطان ، كالقياس ، و الاستقراء ، والاستحسان ، وسدّ الذرائع ، وسنّة الخلفاء ، أو سنّة الصحابة ، أو رأي أهل المدينة ، إلى غير ذلك من القواعد ، أسّسوا عليها فقههم عبر قرون متمادية ، وقد جاء ذلك نواة لتأسيس علم أُصول الفقه بصورة مختصرة نمت ونضجت في الأجيال .

وأمّا الشيعة فحيث إنّهم لم يفتقدوا سنّة الرسول بعد وفاته لوجود باب علم النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ; علي _ عليه السلام _ والأئمّة المعصومين بين ظهرانيهم ، فلم تكن هناك أيّة حاجة للعمل بتلك المقاييس ، وبالتالي لم يكن هناك أيّ دافع للاتّجاه نحو أُصول الفقه .

نعم لمّا كان الإسلام ديناً عالمياً ، والنبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ خاتم الأنبياء ، والأُصول والسنن مهما كثرت لا يمكن أن تلبّي بحرفيّتها حاجات المسلمين إلى يوم القيامة ، انبرى أئمّة
أهل البيت إلى إملاء ضوابط وقواعد يرجع إليها الفقيه عند فقدان النص أو إجماله أو تعارضه إلى غير ذلك من الحالات التي يواجه بها الفقيه . وتلك الأُصول هي التي تكون أساساً لعلم أُصول الفقه ، ولقد جمعها عدّة من الأعلام في كتاب خاصّ أفضلها «الفصول المهمّة في أُصول الأئمّة» للشيخ المحدّث الحرّ العاملي المتوفّى سنة (1104هـ ) .

ومن هنا فإنّا يمكننا القول إنّ وجود أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ بين ظهراني الشيعة أغنى هذه الطائفة عن الحاجة الملحّة لتدوين مسائل أُصول الفقه إبّان تلك الفترة الماضية ، إلاّ أنّ هذا لا يعني أنّه لم ينبرِ لفيف من صحابة الأئمّة لدراسة بعض مسائل الفقه نظير :


(42)

1 ـ هشام بن الحكم (ت 199هـ ) ، صنّف كتاب الألفاظ(1) .

2 ـ يونس بن عبد الرحمن ، صنّف كتاب اختلاف الحديث ومسائله . وهو مبحث تعارض الحديثين(2) .

3 ـ إسماعيل بن عليّ بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت (237 ـ 311هـ ) .

قال عنه النجاشي : كان شيخ المتكلّمين من أصحابنا . وذكر مصنّفاته وعدّ منها كتاب الخصوص والعموم(3) .

وذكره ابن النديم في فهرسته ، وعدّ من مصنّفاته كتاب إبطال القياس ، وكتاب نقض اجتهاد الرأي على ابن الراوندي(4) .

4 ـ أبو محمّد الحسن بن موسى النوبختي ، من علماء القرن الثالث ، له كتاب الخصوص والعموم والخبر الواحد والعمل به(5) .

5 ـ أبو منصور صرّام النيشابوري ، من علماء القرن الثالث وأوائل القرن الرابع ، له إبطال القياس(6) .

6 ـ محمّد بن أحمد بن داود بن عليّ (ت 368هـ ) ، قـال النجاشي : شيخ هذه الطائفة وعالمها ، له كتاب الحديثين المختلفين(7) .

7 ـ محمّد بن أحمد بن الجنيد المتوفّى سنة (381هـ ) ، له كتاب كشف التمويه


(1) النجاشي : الرجال 2 : 398 / 1165 وهو مردّد بين كونه كتاب لغة أو أدب ، أو كونه باحثاً عن الألفاظ التي يستخدمها الفقيه في استنباط الأحكام لكون الأمر للوجوب والمرّة والتكرار ، أو الفورية والتأخير إلى غير ذلك .

(2) الطوسي : الفهرست : 211 / 810 والنجاشي 2 : 420 .

(3) النجاشي ، الرجال 1 : 121 برقم 67 .

(4) ابن النديم ، الفهرست : 265 ط مطبعة الاستقامة القاهرة .

(5) النجاشي ، الرجال 1 : 180 ـ 181 / 146 .

(6) الطوسي ، الفهرست ، قسم الكنى 381 / 588 .

(7) النجاشي ، الرجال 2 : 305 / 1046 .

(43)

والالتباس في إبطال القياس(1) .

والطابع السائد على هذه الكتب هو دراسة بعض المسائل الأُصولية ، كحجّية خبر الواحد ، أو حلّ مشكلة اختلاف الحديثين ، أو نقد بعض الأساليب الرائجة في تلك الأجيال في استنباط الأحكام ، كالقياس وغيره ، ولا يصح عدّها كتباً أُصولية بالمعنى المصطلح .

نعم; يمكن عدّها مرحلة أُولى ونواة بالنسبة إلى المرحلة الثانية .

وأمّا المرحلة الثانية فقد امتازت بالسعة والشمول ، بإدخال كثير من المسائل الأدبية والكلامية في علم أُصول الفقه ، وأوّل من فتح هذا الباب للشيعة على مصراعيه :

1 ـ معلم الأُمّة الشيخ المفيد (336ـ413هـ ) ألّـف رسـالة في هذا المضمار وأدرجها تلميذه العلاّمة الكراجكي في كتابه كنز الفوائد(2) .

وألّف بعده تلميذه الجليل علم الهدى المعروف بالسيّد المرتضى كتابه القيّم «الذريعة إلى أُصول الشريعة» ، والذي طبع في جزأين ، وقد رأيت منه نسخة مخطوطة في مدينة قزوين كتب فيها : إنّ تاريخ فراغ المؤلّف منه عام (400هـ ) .

2 ـ الشيخ الطوسي : (385ـ460هـ ) ألّف كتاب عدّة الأُصول والذي يحتلّ مكانة رفيعة في هذا الميدان ، حتّى أنّه أُعيد طبعه لمرات متكرّرة .

وهكذا يمكن القول بأنّ هذه الكتب كوّنت اللبنة الأساسية التي توسعت بواسطتها وانتشرت آراء الشيعة في علم الأُصول .

وأمّا في المرحلة الثالثة من مراحل تطوّر علم الأُصول لدى الشيعة فقد شهدت بزوغ جملة واسعة من كبار العلماء توسّعوا بشكل كبير في تثبيت وشرح


(1) المصدر نفسه 2 : 304 / 1048 .

(2) كنز الفوائد 2 : 15 ـ 30 ، ط بيروت .

(44)

الأبعاد الأساسية لعلم الأُصول ، فكان من نتاج تلك المرحلة :

1 ـ التقريب في أُصول الفقه للشيخ أبي ليلى المعروف بسلاّر بن عبد العزيز الديلمي صاحب المراسم ، توفّـي عام (463هـ ) .

2 ـ غنية النزوع إلى علمي الأُصول والفروع ، تأليف أبي المكارم حمزة بن علي المعروف بابن زهرة ، المتوفّى عام (585هـ ) .

3 ـ المصادر ، تأليف الشيخ سديد الدين الحمصي ، المتوفّى حدود سنة (600هـ ) .

هذه هي المراحل الثلاث التي مرّ بها علم الأُصول ، وقد تلتها مراحل أُخرى إلى أن بلغت في القرن الرابع عشر ذروتها وقمّتها ، و أعلى مراحل كمالها ، ويتّضح ذلك من ملاحظة ماأُلّف من عصرالأُستاذالأكبرالمحقّق البهبهاني (1118 ـ 1206هـ ) إلى يومنا; فقد راج التحقيق في المسائل الأُصولية من عصره إلى عصر الشيخ مرتضى الأنصاري (1212 ـ 1281هـ ) وعصر تلميذه الشيخ محمّد كاظم
الخراساني (1255 ـ 1329هـ ) ففي هذه الفترة ; أي القرون الثلاثة ، أُلّفت مئات الكتب والرسائل في ذلك المجال ، ولا أُغالي إذا قلت : إنّه لم تبلغ طائفة من الطوائف الإسلامية تلك الدرجة التي وصلت إليها الشيعة في علمي الفقه والأُصول من جانب كثرة الانتاج والاستيعاب ودقّة النظر ، شكر الله مساعيهم .

11 ـ قدماء الشيعة وعلم المغازي والسير

مغازي النبيّ الأكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _جزء من تاريخ حياته وسيرته ، والرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _قدوة وأُسوة ، وفعله كقوله حجّة بلا إشكال ، وقد وضع بعضهم كتباً في فقه السيرة(1) فكان على المسلمين ضبط دقيقها وجليلها ، وقد قاموا بذلك لولا أنّ

(1) كزاد المعاد لابن القيّم، وفقه السيرة للغزّالي المعاصر له.

(45)

الخلافة حالت دون الأُمنية ، ولكن قيّض الله سبحانه ، رجالا في الشيعة في ذلك المجال ضبطوا سيرة الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومغازيه ، منهم :

1 ـ ابن إسحاق ، محمّد بن إسـحاق (ت 151هـ ) عـدّه الشيخ الطوسي في رجاله(1) من أصحاب الإمام الصادق . ولأجل انتمائه إلى بيت النبوّة وصفه ابن حجر في التقريب : «بأنّه إمام المغازي ، صدوق ، يدلّس ، ورمي بالتشيّع والقدر»(2) .

وفي مختصر الذهبي : أنّه كان صدوقاً من بحور العلم .

في تاريخ اليافعي عن شعبة بن الحجّاج أنّه قال : محمّد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث(3) .

وعن الشافعي : من أراد أن يتبحَّر في المغازي فهو عيال محمّد بن إسحاق(4) .

و لمّا كان المترجم شيعياً مجاهراً في ولائه لأهل البيت عمد ابن هشام (ت212هـ ) بتلخيص كتابه على أساس حذف ما لا يلائم نزعته ، فحذف أكثر ما له صلة بفضائل الإمام علي وأهل بيته .

فعلى المسلمين الغياري الباحثين عن الحقيقة التفحّص في مكتبات العالم وفهارسها ، حتّى يعثروا على النسخة الأُمّ ، وينشروا هذا الكنز الدفين خدمة للدين وإحياءً لسيرة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وكان قد أعلن أحد المستشرقين أنّه قد عثر على الأصل ونشره باسم سيرة ابن إسحاق إلاّ أنّه جزء من السيرة لا كلّها .

ومن حسن الحظّ أنّ سيرة ابن إسحاق وإن لم تكن موجودة بصورتها لكنّها


(1) الطوسي ، الرجال : 281 .

(2) ابن حجر التقريب 2 : 144 / 40 .

(3) مرآة الجنان 1 : 313 .

(4) المامقاني ، تنقيح المقال 3 : 79 / 1038 .

(46)

موجودة بمادتها ، فقد بثّها الطبرسي (470 ـ 548هـ ) في أجـزاء مجمع البيان ، وابن الجوزي (ت597هـ ) في المنتظم ، وابن كثير في تاريخه وغيرهم . فيمكن للباحثين ، استخراج مادة السيرة متفرّقة عن هذه الكتب ، وملخّصها المعروف بالسيرة النبوية لابن هشام .

2 ـ عبيد الله بن أبي رافع ، وكان قد سبق ابن إسحاق ، وهو من أصحاب الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب _ عليه السلام _ ، فقد ألّف كتاباً أسماه «تسمية من شهد مع أمير المؤمنين الجمل وصفّين والنهروان من الصحابة» ذكره الشيخ في الفهرست(1) ، إلاّ أنّه أُلّف في مغازي الإمام علي _ عليه السلام _ لا في مغازي الرسول الأكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

3 ـ جابر الجعفي (ت 128هـ ) ألّف كتباً في ذلك المجال : قال النجاشي : جابر: عربيّ قديم، ثمّ ذكر نسبه وعدّ من كتبه : كتاب الجَمل ، وكتاب صفّين ، وكتاب النهروان ، وكتاب مقتل أمير المؤمنين _ عليه السلام _ ، وكتاب مقتل الحسين _ عليه السلام _(2) .

4 ـ أبان بن عثمان الأحمر البجلي الكوفي ، هو ممّن ألّف في ذلك المجال أيضاً والذي أخذ عنه أبوعبيدة معمّر بن المثنّى (110ـ209هـ ) وأبو عبدالله بن القاسم ابن سلاّم (157 ـ 224هـ ) وأكثروا الحكاية عنه في أخبار الشعراء والنسب والأيّام .

له كتاب حسن يجمع المبتدأ والمغازي والوفاة والردّة(3) . وقد جمع فيه أخبار ابتداء أمر النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من مبعثه ومغازيه ووفاته ، وأخبار يوم السقيفة وارتداد بعض القبائل .


(1) الطوسي ، الفهرست : 202 .

(2) النجاشي ، الرجال 1 : 313 / 330 .

(3) المصدر نفسه 1 : 80 / 7 وفي فهرست الشيخ / 62 يجمع المبدأ والمبعث .

(47)

5 ـ ومن مشاهير هذا الفن من الشيعة أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي الغامدي ، شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ، روى عن جعفر بن محمّد _ عليهما السلام _ . وصنّف كتباً : منها كتاب المغازي ، كتاب السقيفة ، كتاب الردّة ، كتاب فتوح الإسلام . . .(1) .

6 ـ ومن أعلامه نصر بن مزاحم (212هـ ) ألّف كتبـاً كثيرة في ذلك المجال ، لعلّ أهمها كتاب «وقعة صفّين» الشهير(2) .

7 ـ هشام بن محمّد بن السائب الكلبي (المتوفّى 206هـ ) أعلم علماء النسب والسير والآثار ، ذكره النجاشي وقال : الناسب ، العالم بالأيّام ، المشهور بالفضل والعلم ، وكان يختصّ بمذهبنا ، ثمّ ذكر كتبه(3) .

هذا عرض موجز لمن شارك المسلمين من قدماء الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية عن طريق تدوين السيرة والمغازي والمقاتل والتاريخ ، وأمّا المتأخّرون فسل عنهم ولا حرج ، وراجع المعاجم كأعيان الشيعة للسيد الأمين العاملي ، والذريعة لشيخنا الطهراني .

12 ـ قدماء الشيعة وعلم الرجال

اهتمّ علماء الشيعة بعد عصر التابعين بعلم الرجال ، وأولوه اهتماماً كبيراً ، فبرزت منهم ثلّة كبيرة من سادة هذا العلم ، وسنحاول هنا أن نذكر أوائل المؤلّفين منهم :

1 ـ عبد الله بن جبلة الكناني (ت 219هـ ) .

قال النجاشي : وبيت جبلة مشهور بالكوفة ، كان فقيهاً ثقة مشهوراً ، له


(1) المصدر نفسه 2 : 384 / 1149 .

(2) المصدر نفسه 2 : 191ـ192 / 873 .

(3) المصدر نفسه 2 : 399 / 1167 .

(48)

كتب ، منها كتاب الرجال . . .(1) .

2 ـ عليّ بن الحسن بن فضّال ، كان فقيه أصحابنا بالكوفة ووجههم وثقتهم ، وعارفهم بالحديث ، من أصحاب الإمام الهادي والعسكري ، له كتب منها كتاب الرجال(2) .

3 ـ الحسن بن محبوب السّراد (150ـ224هـ ) الراوي عن ستّين رجلا من أصحاب الصادق _ عليه السلام _ ، له كتاب «المشيخة» وكتاب «معرفة رواة الأخبار»(3) .

4 ـ أبو عمرو الكشّي ، البصير بالأخبار والرجال ، تلميذ الشيخ العيّاشي ، وكتابه المعروف بـ «معرفة الرجال» هو الذي لخّصه الشيخ الطوسي وأسماه بـ  «اختيار معرفة الرجال» وهو الموجود في الأعصار الأخيرة .

5 ـ الشيخ أبو العبّاس أحمد بن عليّ النجاشي (372ـ450هـ ) من نقّاد هذا الفن ومن أجلاّئه وأعيانه حاز قصب السبق في ميدان علم الرجال ، له كتاب فهرس مصنّفي الشيعة المعروف برجال النجاشي .

6 ـ والشيخ الطوسي (385ـ460هـ ) الغني عن التعريف ، عمل كتابين أحدهما الفهرست والآخر الرجال ، ويعدّان من أُمّهات الكتب الرجالية .

وتوالى التأليف في علم الرجال كما في قرينه علم الدراية إلى عصرنا هذا ، وقد أنهى الشيخ الطهراني ، المؤلّفين من الشيعة في علم الرجال فبلغوا قرابة خمسمائة مؤلّف ، شكر الله مساعي الجميع .

هذا عرض موجز لمشاركة علماء الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية عن


(1) النجاشي ، الرجال 2 : 13 / 561 .

(2) المصدر نفسه 2 : 82 / 674 .

(3) الطوسي ، الفهرست : 71 / 162 ; ابن شهر آشوب ، معالم العلماء : 333 / 182; الطهراني ، مصفّى المقال :  128 .

(49)

طريق تأسيس العلوم وإكمالها وتطويرها ، وأنت إذا وقفت على جهودهم الجبّارة في القرون الأُولى وما بعدها إلى عصرنا الحاضر ، تقف على طائفة كبيرة من عمالقة العلم وجهابذة الفضل ، كرّسوا حياتهم الثمينة في إرساء صرح الحضارة الإسلامية ورفع قواعدها ، فخلّدوا لأنفسهم صحائف بيضاء ، ولصالح أُمّتهم حضارة إنسانية ، كل ذلك في ظروف قاسية ، وسلطات ظالمة شديدة الكلب ، وأضغان محتدمة ، إلاّ في فترات يسيرة .

13 ـ قدماء الشيعة والعلوم العقلية

جاء الإسلام ليحرّر عقل الإنسان وتفكيره من الأغلال المتراكمة الموروثة التي توارثها قهراً من الأجيال الماضية ، فهو يخاطب العقل ويدعوه إلى التأمّل والتفكير ، ويخاطب القلب والضمير بما حوله من الأدلّة الناطقة ، ويكفي في توضيح ذلك أنّ الذكر الحكيم استعمل مادة «العقل» بمختلف صورها (47) مرّة ، و«التفكّر» (18) مرّة ، و «اللب» (16) مرّة و «التدبّر» (4) مرات و «النُهى» مرتين . فبذلك نهى عن التقليد وحثّ على التعقّل ببيانات مختلفة .

فتارة يدعو الإنسان إلى التأمّل فيما حوله من الكائنات لما فيها من دلائل
ناطقة على وجوده سبحانه وصفاته . قال سبحانه : (ءَأنْتُمْ أشَدُ خَلْقَاً أمِ السَّماءُ بَناها * رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها * وأغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها * والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها * أخْرَجَ مِنْها ماءَها ومَرْعاها * وَالجِبالَ أرْساها * متاعاً لَكُمْ ولأنْعامِكُمْ)(1) .

وأُخرى يدعوه إلى التفكير والاستدلال المنطقي ، فقال سبحانه : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ )


(1) النازعات : 27 ـ 33 .

(50)

غَيْـرِ شَيء أمْ هُمُ الخالِقُونَ * أمْ خَلَقُوا السَّمواتِ والأرْضَ بَلْ لا يوقِنُونَ))(1)فعالج المشاكل العلمية والفلسفية تارة بالدعوة إلى النظر في الكون نـظرة ثاقبة فاحصة ، وأُخرى بالحثّ على التفكير في المعارف بأُسلوب منطقي وبرهاني ، وبذلك أيقظ عقول المسلمين وحثّهم على التأمّل والتدبّر في العلوم المختلفة ، دون التقليد الأعمى والتتبّع غير المتبصّر ، وجعل لأُولئك المكانة المتميّزة .

غير أنّ المسلمين سوى قليل منهم تنكّبوا عن هذا الطريق ، خصوصاً فيما يرجع إلى المعارف العليا ، فصاروا بين مشبّه ومعطّل ، فالبسطاء منهم بنوا عقائدهم بالجمود على المفردات الواردة في الكتاب والسنّة ، وبذلك استغنوا عن أيّ تعقّل وتفكّر ، إلى أن بلغت جرأتهم إلى حدّ قال بعضهم في الخالق : اعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عمّـا وراء ذلك(2)!!! فهؤلاء هم المجسّمة والمشبّهة ، وأمّا غيرهم فاختاروا تعطيل العقول عن التفكّر في الله سبحانه ، فقالوا : أُعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبّية ، فمن شَغَل ما أُعطي لإقامة العبودية بإدراك الربوبية فاتته العبودية ، ولم يدرك الربوبية(3) .

فالأكثرية الساحقة في القرون الأُولى كانوا بين مشبّه ومعطّل ، غير أنّه سبحانه شملت عنايته أُمّة من المسلمين رفضوا التشبيه والتعطيل ، وسلكوا طريقاً ثالثاً وقالوا بأنّه يمكن للإنسان التعرّف على ما وراء الطبيعة بما فيها من الجمال والكمال عن طريقين :

1 ـ النظرة الفاحصة إلى عالم الوجود وجمال الطبيعة كما وردت في القرآن الكريم .


(1) الطور : 35ـ36 .

(2) الشهرستاني ، الملل والنحل 1 : 105 ط دار المعرفة ، لبنان .

(3) علاقة الاثبات والتفويض نقلا عن الحجّة في بيان المحجة : 33 .

(51)

2 ـ ترتيب المقاييس المنطقية للوصول إلى الحقائق العليا ، وهذا أيضاً هو الخطّ الذي رسمه القرآن الكريم ، وسار على هذا الخطّ الأئمّة _ عليهم السلام _ من أوّلهم إلى آخرهم . ترى ذلك في كلام الإمام علي _ عليه السلام _ بوضوح ، في أحاديثه وخطبه ورسائله ، ولا يسعنا هنا أن نستعرض ولو بعضاً ممّا له _ عليه السلام _ في هذا المجال ، إلاّ أنّا نكتفي بحديث واحد .

سأله سائل : هل يقدر ربّك أن يُدخل الدنيا في بيضة من غير أن يُصغّر الدنيا أو يُكبّـر البيضة؟ فقال :«إنّ الله تبارك وتعالى لا يُنسب إلى العجز ، والذي سألتني لا يكون»(1) .

إنّ خطب الإمام علي _ عليه السلام _ ورسائله وقصار حكمه كانت هي الحجر الأساس لكلام الشيعة وآرائهم في العقائد والمعارف ، ولم يتوقّف نشاط الشيعة في ذلك المجال ، بل ونتيجة لتوالي الأئمة _ عليهم السلام _ إمام بعد إمام ، كان يعني ذلك استمرار عين المنهج السابق الذي ربّى عليه الإمام عليّ _ عليه السلام _ شيعته ، فواصل الأئمّة من بعده ـ عليهم وعليه السلام ـ في حياتهم تربية شيعتهم ، فشحذوا عقولهم بالدعوة
إلى التدبّر والتفكّر في المعارف ، حتّى تربّى في مدرستهم عمالقة الفكر من عصر سيّد الساجدين إلى عصر الإمام العسكري ، تجد أسماءهم وتآليفهم وأفكارهم في المعاجم وكتب الرجال ، وقد نبغ في عصر أئمّة أهل البيت مفكّرون بارزون أدّوا لعموم المسلمين خدمات لا تنكر ، وأشرعوا أبواب المعرفة للباحثين والمفكّرين الذين تلوهم ، ومن هؤلاء :

متكلّمو الشيعة في القرن الثاني :

1 ـ زرارة بن أعين : مولى بني عبد الله بن عمرو السمين بن أسعد بن همام بن


(1) الصدوق ، التوحيد : 130 باب «القدرة» برقم 9 .

(52)

مرّة بن ذهل بن شيبان ، أبو الحسن : شيخ أصحابنا في زمانه ، ومتقدّمهم ، وكان قارئاً ، فقيهاً ، متكلّماً ، شاعراً ، أديباً ، قد اجتمعت فيه خصال الفضل والدين ، صادقاً فيما يرويه .

قال أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه : رأيت له كتاباً في الاستطاعة والجبر(1) .

وقال ابن النديم : وزرارة أكبر رجال الشيعة فقهاً وحديثاً ومعرفة بالكلام والتشيّع(2) . وهو من الشخصيات البارزة للشيعة التي أجمعت الطائفة على تصديقهم ، وهو غنيّ عن التعريف والتوصيف .

2 ـ محمّد بن عليّ بن النعمان بن أبي طريفة البجلي : مولى الأحول «أبو جعفر» كوفي ، صيرفي يلقب بـ «مؤمن الطاق» و «صاحب الطاق» ، ويلقّبه المخالفون بـ «شيطان الطاق» . . . وكان دكّانه في طاق المحامل في الكوفة ، فيرجع إليه في النقد فيردّ ردّاً فيخرج كما يقول ، فيقال «شيطان الطاق» .

أمّامنزلته في العلم وحسن الخاطر فأشهر، وقد نسبت إليه أشياء لم تثبت عندنا.

وله كتاب «افعل لا تفعل» وهو كتاب حسن كبير ، وقد أدخل فيه بعض المتأخّرين أحاديث تدلّ على فسادها ، ويذكر تباين أقاويل الصحابة .

وله كتاب «الاحتجاج في إمامة أمير المؤمنين _ عليه السلام _ » وكتاب كلامه على الخوارج ، وكتاب مجالسه مع أبي حنيفة والمرجئة . . .(3) .

وقال ابن النديم : وكان متكلّماً حاذقاً ، وله من الكتب كتاب الإمامة ، كتاب


(1) النجاشي ، الرجال 1 : 397 / 481 ; الطوسي ، الفهرست / 314 ; الكشّي ، الرجال / 62 ; الذهبي ، ميزان الاعتدال ج2 / 2853 .

(2) ابن النديم ، الفهرست : 323 .

(3) النجاشي ، الرجال 2 : 203 / 887 ; الطوسي ، الرجال أصحاب الكاظم / 18; والفهرست للطوسي / 594 ; الكشي ، الرجال / 77 .

(53)

المعرفة ، كتاب الردّ على المعتزلة في إمامة المفضول ، كتاب في أمر طلحة والزبير وعائشة(1) .

3 ـ هشام بن الحكم : قال ابن النديم : هو من متكلّمي الشيعة الإمامية وبطانتهم ، وممّن دعا له الصادق _ عليه السلام _ ، فقال : «أقول لك ما قال رسول الله لحسّان : لا تزال مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك» .

وهو الذي فتق الكلام في الإمامة ، وهذّب المذهب ، وسهّل طريق الحجاج فيه ، وكان حاذقاً بصناعة الكلام حاضر الجواب(2) .

ويقول الشهرستاني : وهذا هشام بن الحكم ، صاحب غور في الأُصول ، لا ينبغي أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة; فإنّ الرجل وراء ما يلزم به على الخصم ، ودون ما يظهره من التشبيه ، وذلك أنّه ألزم الغلاة . . .(3) .

وقال النجاشي : هشام بن الحكم ، أبو محمّد مولى كندة ، وكان ينزل بني شيبان بالكوفة ، انتقل إلى بغداد سنة (199هـ ) ، ويقال : إنّه مات في هذه السنة ، له كتاب يرويه جماعة . ثم ذكر أسماء كتبه فبلغت ثلاثين كتاباً(4) .

وأمّا أحمد أمين فيقول عنه : أكبر شخصية شيعية في الكلام ، وكان جداً قويّ


(1) ابن النديم ، الفهرست : 264 وأيضاً 258 .

(2) المصدر نفسه : 257 .

(3) الشهرستاني ، الملل والنحل 1 : 185 .

(4) النجاشي ، الرجال 2 : 397 / 1165 . وذكر أسماء كتبه على النحو التالي :
علل التحريم ، الفرائض ، الإمامة ، الدلالة على حدث الأجسام ، الردّ على الزنادقة ، الرد على أصحاب الاثنين ، التوحيد ، الرد على هشام الجواليقي ، الردّ على أصحاب الطبائع ، الشيخ و الغلام في التوحيد ، التدبير في الإمامة ، الميزان ، إمامة المفضول ، الوصيّة والردّ على منكريها ، الميدان ، اختلاف الناس في الإمامة ، الجبر والقدر ، كتاب الحكمين ، الرد على المعتزلة وطلحة والزبير ، القدر ، الألفاظ ، الاستطاعة ، المعرفة ، الثمانية أبواب ، على شيطان الطاق ، الأخبار ، الردّ على المعتزلة ، الردّ على ارسطاطاليس في التوحيد ، المجالس في التوحيد ، المجالس في الإمامة .

(54)

الحجّة ، ناظر المعتزلة وناظروه ، ونقلت له في كتب الأدب مناظرات كثيرة متفرقّة تدل على حضور بديهيته وقوّة حججه .

إنّ الرجل كان في بداية أمره من تلاميذ أبي الشاكر الديصاني ، صاحب النزعة الإلحادية في الإسلام ، ثمّ تبع الجهم بن صفوان الجبري المتطرّف المقتول بترمذ عام (128هـ ) ، ثمّ لحق بالإمام الصادق _ عليه السلام _ ودان بمذهب الإمامية ، وما تنقل منه من الآراء التي لا توافق أُصول الإمامية ، فإنّما هي راجعة إلى العصرين اللّذين كان فيهما على النزعة الإلحادية أو الجهمية ، وأمّا بعد ما لحق بالإمام الصادق _ عليه السلام _ فقد انطبعت عقليته بمعارف أهل البيت إلى حدّ كبير ، حتّى صار أحد المناضلين عن عقائد الشيعة الإمامية(1) .

4 ـ قيس الماصر : أحد أعلام المتكلّمين ، تعلّم الكلام من عليّ بن الحسين _ عليهما السلام _ .

روى الكليني : أنّه أتى شاميّ إلى أبي عبد الله الصادق _ عليه السلام _ ليناظر أصحابه ، فقال _ عليه السلام _ ليونس بن يعقوب : أُنظر من ترى بالباب من المتكلّمين . . . إلى أن قال يونس : فأدخلت زرارة بن أعين وكان يحسن الكلام ، وأدخلت الأحول وكان
يحسن الكلام ، وأدخلت هشام بن الحكم وهو يحسن الكلام ، وأدخلت قيس الماصر وكان عندي أحسنهم كلاماً وقد تعلّم الكلام من عليّ بن الحسين _ عليهما السلام _(2) .

5 ـ عيسى بن روضة حاجب المنصور : قال عنه النجاشي : كان متكلّماً ، جيد الكلام ، وله كتاب في الإمامة . وقرأت في بعض الكتب : أنّ المنصور لمّا كان


(1) إنّ للعلاّمة الحجّة الشيخ عبد الله نعمة كتاباً في حياة هشام بن الحكم ، وقد أغرق نزعاً في التحقيق ، وأغنانا عن كلّ بحث وتنقيب .

(2) الكليني ، الكافي 1 : 171 .

(55)

بالحيرة ، تسمّع على عيسى بن روضة ، وكان مولاه ، وهو يتكلّم في الإمامة فأُعجب به واستجاد كلامه(1) .

6 ـ الضحّاك ، أبو مالك الحضرمي : كوفي ، عربي ، أدرك أبا عبد الله _ عليه السلام _وقال قوم من أصحابنا : روى عنه ، وقال آخرون : لم يرو عنه ، روى عن أبي الحسن ، وكان متكلّماً ثقة ثقة في الحديث ، وله كتاب في التوحيد رواه عنه عليّ بن الحسن الطاطري(2) فالرجل من متكلّمي القرن الثاني .

وقال ابن النديم : من متكلّمي الشيعة ، وله مع أبي عليّ الجبّائي مجلس في الإمامة وتثبيتها بحضرة أبي محمّد القاسم بن محمّد الكوفي ، وله من الكتب : كتاب الإمامة ، نقض الإمامة على أبي عليّ ولم يتمّه(3) .

7 ـ عليّ بن الحسن بن محمّد الطائي : المعروف بـ «الطاطري» كان فقيهاً ثقة في حديثه ، له كتب منها : التوحيد ، الإمامة ، الفطرة ، المعرفة ، الولاية(4) وغيرها .

وعدّه ابن النديم من متكلّمي الإمامية وقال : ومن القدماء الطاطري ، وكان شيعياً ، وله من الكتب كتاب الإمامة حسن(5) .

8 ـ الحسن بن عليّ بن يقطين بن موسى ، مولى بني هاشم ، وقيل مولى بني أسد ، كان فقيهاً متكلّماً ، روى عن أبي الحسن والرضا _ عليهما السلام _ ، وله كتاب مسائل أبي الحسن موسى _ عليه السلام _(6) وبما أنّ أبا الحسن الأوّل توفّي عام (183هـ ) ، والثاني توفّي عام (203هـ ) ، فالرجل من متكلّمي القرن الثاني وأوائل الثالث .


(1) النجاشي ، الرجال 2 : 145 / 794 .

(2) المصدر نفسه 1 : 451 / 544 .

(3) ابن النديم ، الفهرست : 266 .

(4) النجاشي ، الرجال 2 : 77 / 665 .

(5) ابن النديم ، الفهرست : 266 .

(6) النجاشي ، الرجال 1 : 148 /9 .

(56)

وذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الإمام الرضا _ عليه السلام _(1) .

9 ـ حديد بن حكيم : أبو علي الأزدي المدائني ، ثقة ، وجه ، متكلّم ، روى عن أبي عبدالله ، وأبي الحسن _ عليهما السلام _ و له كتاب يرويه محمّد بن خالد(2) .

10 ـ فضّال بن الحسن بن فضّال : وهو من متكلّمي عصر الصادق _ عليه السلام _وذكره الطبرسي في احتجاجه ومناظرته مع أبي حنيفة ، فلاحظ(3) .

إنّ ما ذكرناه من أساتذة الكلام كانوا نماذج مصغّرة من تلامذة أهل البيت _ عليهم السلام _ وخرّيجي مدرستهم ، وقد اكتفينا بذكر هذه الطائفة تجنّباً عن الإطالة والإسهاب ، ومن ابتغى الاستزادة فعليه بالمراجع التاريخية وكتب الكلام المختلفة التي حفلت بأسماء الأعلام الباقين ، أمثال حمران بن أعين الشيباني ، وهشام بن سالم الجواليقي ، والسيد الحميري ، والكميت الأسدي(4) .

متكلّمو الشيعة في القرن الثالث :

1 ـ الفضل بن شاذان بن خليل أبو محمّد الأزدي النيشابوري : كان أبوه من أصحاب يونس ، وروى عن أبي جعفر الثاني وقيل الرضا _ عليهما السلام _ وكان ثقة ، أحد أصحابنا الفقهاء ، والمتكلّمين ، وله جلالة في هذه الطائفة ، وهو في قدره أشهر من أن نصفه ، وذكر الكنجي أنّه صنّف مائة وثمانين كتاباً .

وذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الإمام الهادي والعسكري . وقد توفّي عام (260هـ ) فهو من متكلّمي القرن الثالث . وقد ذكر النجاشي فهرس كتبه فراجع


(1) الشيخ الطوسي ، الرجال / 7 .

(2) النجاشي ، الرجال 1 : 377 / 383 ، وذكره الخطيب في تاريخه ج 8 / 4377 .

(3) التستري ، قاموس الرجال 4 : 313 .

(4) لاحظ أعيان الشيعة 1 : 134ـ135 .

(57)

للاستزادة(1) .

2 ـ حكم بن هشام بن حكم : أبو محمّد ، مولى كندة ، سكن البصرة ، وكان مشهوراً بالكلام ، كلّم الناس ، وحكي عنه مجالس كثيرة ، ذكر بعض أصحابنا أنّه رأى له كتاباً في الإمامة(2) وقد توفّـي والده عام (200هـ  أو 199هـ ) فهو من متكلّمي أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث .

3 ـ داود بن أسد بن أعفر : أبو الأحوص البصري ـ رحمه الله ـ شيخ جليل ، فقيه متكلّم من أصحاب الحديث ، ثقة ثقة ، وأبوه من شيوخ أصحاب الحديث الثقات ، له كتب منها : كتاب في الإمامة على سائر من خالفه من الأُمم ، والآخر مجرّد الدلائل والبراهين(3) .
وذكره الشيخ الطوسي في الفهرست في باب الكنى وقال : إنّه من جملة متكلّمي الإمامية ، لقيه الحسن بن موسى النوبختي وأخذ عنه ، واجتمع معه في الحائر على ساكنه السلام ، وكان ورد للزيارة(4) ، فبما أنّه من مشايخ


(1) النجاشي ، الرجال 2 : 168 / 838 ، والطوسي ، الرجال / 1و2 في أصحاب الهادي والعسكري ، والكشّي ، الرجال / 416 . وذكر النجاشي أسماء كتبه على النحو التالي :
النقض على الاسكافي في تقوية الجسم ، الوعيد ، الردّ على أهل التعطيل ، الاستطاعة ، مسائل في العلم ، الأعراض والجواهر ، العلل ، الإيمان ، الردّ على الثنوية ، إثبات الرجعة ، الردّ على الغالية المحمّدية ، تبيان أصل الضلالة ، الردّ على محمّد بن كرّام ، التوحيد في كتب الله ، الرد على أحمد بن الحسين ، الردّ على الأصمّ ، في الوعد والوعيد آخر ، الردّ على بيان إيمان ابن رباب (الخارجي) ، الردّ على الفلاسفة ، محنة الإسلام ، الأربع مسائل في الإمامة ، الردّ على المنّانية ، الرد على المرجئة ، الردّ على القرامطة ، الردّ على البائسة ، اللطيف ، القائم _ عليه السلام _ ، كتاب الإمامة الكبير ، حذو النعل بالنعل ، فضل أميرالمؤمنين _ عليه السلام _ ، معرفة الهدى والضلالة ، التعري والحاصل ، الخصال في الإمامة ، المعيار والموازنة ، الردّ على الحشوية ، الردّ على الحسن البصري في التفضيل ، النسبة بين الجبرية والبترية .

(2) النجاشي ، الرجال 1 : 328 / 349 .

(3) النجاشي ، الرجال 1 : 364 / 412 .

(4) الطوسي ، الفهرست : 221 / 875 .

(58)

الحسن بن موسى النوبختي المعـاصر للجبّائي (ت 303هـ ) فهو من متكلّمي القرن
الثالث .

4 ـ محمّد بن عبد الله بن مملك الاصبهاني : أصله من جرجان ، وسكن إصبهان ، جليل في أصحابنا ، عظيم القدر والمنزلة له كتب منها كتاب الجامع في سائر أبواب الكلام كبير ، كتاب المسائل والجوابات في الإمامة ، كتاب مواليد الأئمة _ عليهم السلام _ ، كتاب مجالسه مع أبي على الجبّائي (235ـ303هـ )(1) .

5 ـ ثبيت بن محمّد ، أبو محمّد العسكري : صاحب أبي عيسى الوراق (محمّد بن هارون) متكلّم حاذق ، من أصحابنا العسكريين ، وكان أيضاً له اطّلاع بالحديث والرواية ، والفقه ، له كتب في الحديث والإمامة وغيرها(2) .

6 ـ إسماعيل بن محمّد بن إسماعيل بن هلال المخزومي : أبو محمّد ، أحد أصحابنا ، ثقة فيما يرويه له كتاب التوحيد ، كتاب المعرفة ، كتاب الإمامة(3) .

7 ـ محمّد بن هارون ، أبو عيسى الوراق : له كتاب الإمامة ، وكتاب السقيفة .

قال ابن حجر : له تصانيف على مذهب المعتزلة ، وقال المسعودي له مصنّفات حسان في الإمامة وغيرها ، وكانت وفاته سنة (247هـ )(4) .

8 ـ إبراهيم بن سليمان بن أبي داحة المزني : مولى آل طلحة بن عبيد الله ، أبوإسحاق ، وكان وجه أصحابنا البصريين في الفقه والكلام والأدب والشعر(5) .


(1) النجاشي ، الرجال 2 : 297 / 1034 .

(2) المصدر نفسه 1 : 293 / 298 ، وثبيت على وزن زبير .

(3) المصدر نفسه 1 : 120 / 66 .

(4) النجاشي الرجال 2 : 280 / 1017 ; ابن حجر : لسان الميزان ج5 / 1360 ، المحقّق الداماد ، الرواشح السماوية : 55 ومر ذكره في ترجمة ثبيت ، وما في كلام ابن حجر من عدّه من المعتزلة ، ناشئ عن الخلط بين المعتزلة والإمامية .

(5) المصدر نفسه 1 : 87 / 13 .

(59)

9 ـ الشكّال : قال ابن النديم : صاحب هشام بن الحكم وخالفه في أشياء إلاّ في أصل الإمامة ، وله من الكتب : كتاب المعرفة ، كتاب في الاستطاعة ، كتاب الإمامة ، كتاب على من أبى وجوب الإمامة بالنصّ(1) .

10 ـ الحسين بن اشكيب : ثقة مقدّم ، ذكره أبو عمرو في كتاب الرجال في أصحاب أبي الحسن العسكري _ عليه السلام _ ووصفه بأنّه عالم متكلّم مؤلّف للكتب له من الكتب : كتاب الردّ على من زعم أنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان على دين قومه ، والردّ على الزيدية(2) .

11 ـ عبد الرحمن بن أحمد بن جبرويه ، أبو محمّد العسكري : متكلّم من أصحابنا ، حسن التصنيف ، جيّد الكلام . من كتبه : كتاب الكامل في الإمامة ، كتاب حسن(3) .

12 ـ عليّ بن منصور ، أبو الحسن ، كوفي سكن بغداد ، متكلّم من أصحاب هشام ، له كتب ، منها كتاب التدبير في التوحيد والإمامة(4) .

13 ـ عليّ بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم بن يحيى التمّار : أبو الحسن مولى بني أسد ، كوفي ، سكن البصرة ، وكان من وجوه المتكلّمين من أصحابنا ، كلّم أبا الهذيل (135 ـ 235هـ ) والنظّام (160 ـ 231هـ ) له مجالس وكتب منها كتاب الإمامة ، كتاب مجالس هشام بن الحكم وكتاب المتعة(5) .

وقال ابن النديم : أوّل من تكلّم في مذهب الإمامة عليّ بن إسماعيل بن ميثم التمّار ، وميثم (جدّه) من أجلّة أصحاب عليّ ـ رضي الله عنه ـ ولعليّ من الكتب

كتاب الإمامة و كتاب الاستحقاق(6) .


(1) ابن النديم الفهرست : 264 .

(2) النجاشي الرجال 1 : 146 / 87 .

(3) النجاشى ، الرجال 2 : 47 / 623 .

(4) المصدر نفسه 2 : 71 / 656 .

(5) النجاشي ، الرجال 2 : 72 / 659 .

(6) ابن النديم ، الفهرست : 263 .

(60)

متكلّمو الشيعة في القرن الرابع :

1 ـ الحسن بن علي بن أبي عقيل : أبو محمّد العماني ، الحذّاء ، فقيه متكلّم ثقة ، له كتب في الفقه والكلام ، منها كتاب «المتمسّك بحبل الرسول»(1) .

2 ـ إسماعيل بن عليّ بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت : كان شيخ المتكلّمين من أصحابنا وغيرهم ، له جلالة في الدنيا والدين ، يجري مجرى الوزراء في جلالة الكتاب ، صنّف كتباً كثيرة ، منها : كتاب الاستيفاء في الإمامة ، التنبيه في الإمامة .

وقال ابن النديم : أبو سهل ، إسماعيل بن عليّ بن نوبخت ، من كبار الشيعة ، وكان أبو الحسن الناشئ يقول : إنّه أُستاذه ، وكان فاضلا ، عالماً ، متكلّماً ، وله مجالس بحضرة جماعة من المتكلّمين . . . وذكر فهرس كتبه(2) .

3 ـ الحسين بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه : (أخو الصدوق) القمي أبو عبد الله ، ثقة ، روى عن أبيه إجازة ، وله كتب منها : كتاب التوحيد ونفي التشبيه ، وقد توفّي أخوه عام (381هـ ) فهم من أعيان القرن الرابع ، وهو وأخوه ولدا بدعوة صاحب الأمر _ عليه السلام _ ، ترجمه ابن حجر في لسان الميزان(3) .

4 ـ محمّد بن بشر الحمدوني «أبو الحسين السوسنجردي» : متكلّم جيد الكلام ، صحيح الاعتقاد ، كان يقول بالوعيد ، له كتب ، منها : كتاب المقنع في الإمامة ، كتاب المنقذ في الإمامة(4) .


(1) النجاشي ، الرجال 1 : 153 / 99 .

(2) ابن النديم ، الفهرست : 265 .

(3) النجاشي ، الرجال 1 : 189 / 161 ; ابن حجر ، لسان الميزان 2 : 306 /1260 .

(4) المصدر نفسه 2 : 298 / 1037 .

(61)

وقال ابن النديم : السوسنجردي من غلمان أبي سهل النوبختي ويكنّى أباالحسن ، ويعرف بالحمدوني منسوباً إلى آل حمدون ، وله من الكتب كتاب الإنقاذ في الإمامة(1) .

وقال ابن حجر : كان زاهداً ورعاً متكلّماً ، على مذهب الإمامية ، وله مصنّفات في نصرة مذهبه(2) .

5 ـ يحيى أبو محمّد العلوي من بني زبارة : علوي ، سيّد ، متكلّم ، فقيه ، من أهل نيشابور . قال الشيخ الطوسي : جليل القدر ، عظيم الرئاسة ، متكلّم ، حاذق ، زاهد ، ورع ، لقيت جماعة ممّن لقوه وقرأوا عليه ، له كتاب إبطال القياس ، وكتاب في التوحيد(3) .

6 ـ محمّد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي ، أبو جعفر : متكلّم ، عظيم القدر حسن العقيدة ، قويّ في الكلام ، له كتب في الكلام ، وقد سمع الحديث ، وأخذ عنه ابن بطّة وذكره في فهرسته الذي يذكر فيه من سمع منه فقال : وسمعت من محمّد بن عبد الرحمن بن قبة .

وقال ابن النديم : أبو جعفر بن محمّد بن قبة من متكلّمي الشيعة وحذّاقهم ، وله من الكتب : كتاب الإنصاف في الإمامة ، كتاب الإمامة(4) .

وقال العلاّمة الحلّي عنه : «وكان حاذقاً شيخ الإمامية في عصره»(5) .

7 ـ عليّ بن وصيف ، أبو الحسن الناشئ : (271ـ365هـ ) ذكـره النجاشي


(1) ابن النديم ، الفهرست : 266 .

(2) ابن حجر ، لسان الميزان 5 : 93 / 304 .

(3) النجاشي ، الرجال 2 : 413 / 1192 ، وقد جاءت ترجمته أيضاً / 1195 ، الشيخ الطوسي ، الفهرست/803 .

(4) ابن النديم ، الفهرست : 262 .

(5) العلاّمة ، الخلاصة ـ القسم الأوّل ـ : 143 .

(62)

وقال : الشاعر المتكلّم ، ذكر شيخنا ـ رضي الله عنه ـ أنّ له كتاباً في الإمامة(1) .

وقال الطوسي: كان شاعراً مجوّداً في أهل البيت _ عليهم السلام _ ومتكلّماًبارعاًوله كتب(2).

وقال ابن خلّكان : من الشعراء المحبّين ، وله في أهل البيت قصائد كثيرة ، وكان متكلّماً بارعاً ، أخذ علم الكلام عن أبي سهل إسماعيل بن عليّ بن نوبخت المتكلّم ، وكان من كبار الشيعة ، وله تصانيف كثيرة ، وقال ابن كثير : إنّه كان متكلّماً ، بارعاً من كبار الشيعة ، فهو من متكلّمي القرن الرابع(3) .

10 ـ الحسن بن موسى ، أبو محمد النوبختي : شيخنا المبرز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة وبعدها ، له على الأوائل كتب كثيرة ، منها :

1 ـ كتاب الآ راء والديانات ، يقول النجاشي : كتاب كبير حسن يحتوي على علوم كثيرة قرأت هذا الكتاب على شيخنا أبي عبد الله (المفيد) ـ رحمه الله ـ .

2 ـ كتاب فرق الشيعة .

3 ـ كتاب الردّ على فرق الشيعة ما خلا الإمامية .

4 ـ كتاب الجامع في الإمامة(4) .

والرجل من أكابر متكلّمي الشيعة ، عاصر الجبّائي (ت 303هـ ) ، والبلخي
(ت 319هـ ) ، وأبا جعفر بن قبة المتوفّى قبل البلخي ، فهو من أعيان متكلّمي الشيعة في أواخر القرن الثالث ، وأوائل القرن الرابع .


(1) النجاشي ، الرجال 2 : 105 / 707 .

(2) الطوسي ، الفهرست : 233 ط ليدن .

(3) المامقاني ، تنقيح المقال 2 : 313 / 8549 .

(4) النجاشي ، الرجال 1 : 179 / 146 ; ترجمه ابن حجر في لسان الميزان 2 : 258 / 1075 ، وترجمه هبة الدين الشهرستاني في مقدّمة فرق الشيعة .

(63)

وقال عنه ابن النديم : أبو محمّد الحسن بن موسى بن أُخت أبي سهل بن نوبخت ، متكلّم فيلسوف كان يجتمع إليه جماعة من النقلة لكتب الفلسفة ، مثل أبي عثمان الدمشقي ، وإسحاق وثابت وغيرهم ، وكانت المعتزلة تدّعيه ، والشيعة تدّعيه ولكنّه إلى حيّز الشيعة ما هو (كذا) لأنّ آل نوبخت معروفون بولاية عليّ وولده _ عليهم السلام _ في الظاهر ، فلذلك ذكرناه في هذا الموضع . . . وله مصنّفات ومؤلّفات في الكلام والفلسفة وغيرها . ثمّ ذكر فهرس كتبه ولم يذكر إلاّ القليل من الكثير(1) .
أقول : إنّ بيت نوبخت من أرفع البيوتات الشيعية نبغ منه فلاسفة كبار ، متكلّمون عظام ، لا يسعنا هنا الحديث عنهم ، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتب المؤلّفة حول هذا البيت .

هؤلاء هم بعض أعلام الشيعة و متكلّموهم في القرون الأربعة من الذين ذادوا عن حياض الإسلام والتشيّع ببيانهم وبنانهم ، أتينا بأسمائهم في هذا المقام كنموذج عن رجالات الشيعة الأفذاذ الذين ساهموا مع إخوانهم من المفكّرين المسلمين في بناء صرح الحضارة الإسلامية الخالد ، ونختم بحثنا هذا بذكر أكبر فطاحلة الكلام ورجاله الأفذاذ ، رجل قلّ أن يسمع الدهر بمثله ، ونقصد به شيخ الأُمّة وأُستاذ المتكلّمين شيخنا المفيد (336 ـ 413هـ ) الذي نطق بفضله وعلمه وورعه وتقاه لسان كل موافق ومخالف ، وإليك نموذجاً ممّا ذكره أصحاب التذكرة وعلماء الرجال في كتبهم على وجه الإيجاز ، ونركّز على كلمات أهل السنّة و مع ذكر القليل من كلمات الشيعة في حقّه .

1 ـ قال عنه معاصره ابن النديم (ت 388هـ ) في الفهرست :

ابن المعلم أبو عبد الله ، في عصرنا انتهت رئاسة متكلّمي الشيعة إليه ، مقدّم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه ، دقيق الفطنة ، ماضي الخاطرة ، شاهدته


(1) ابن النديم ، الفهرست : 265 ـ 266 الفن الثاني من المقالة الخامسة .

(64)

فرأيته بارعاً . . .(1) .

2 ـ وقال عبد الرحمن بن الجوزي (ت 597هـ ) :

شيخ الإمامية وعالمها ، صنّف على مذهبه ، ومن أصحابه المرتضى ، كان لابن المعلم مجلس نظر بداره ـ بدرب رياح ـ يحضره كافّة العلماء ، له منزلة عند أُمراء الأطراف ، لميلهم إلى مذهبه(2) .

3 ـ وقال أبو السعادات عبد الله بن أسعد اليافعي (ت 768هـ ) :

وفي سنة ثلاث عشرة وأربعمائة توفّي عالم الشيعة وإمام الرافضة ، صاحب التصانيف الكثيرة ، شيخهم المعروف بالمفيد ، وابن المعلّم أيضاً ، البارع في الكلام والجدل والفقه ، وكان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية . قال ابن أبي طي : وكان كثير الصدقات ، عظيم الخشوع ، كثير الصلاة والصوم ، خشن اللباس ، وقال غيره : كان عضد الدولة ربّما زار الشيخ المفيد ، وكان شيخاً ربعة نحيفاً أسمر ، عاش ستّاً وسبعين سنة ، وله أكثر من مائتي مصنّف ، وكانت جنازته مشهورة وشيّعه ثمانون ألفاً من الرافضة والشيعة(3) .

4 ـ ووصفه أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي (ت 774هـ ) بقوله :

شيخ الإمامية الروافض ، والمصنّف لهم ، والمحامي عن حوزتهم ، وكان يحضر مجلسه خلق كثير من العلماء وسائر الطوائف(4) .

5 ـ وقال الذهبي (ت 748هـ ) :

عالم الشيعة وإمام الرافضة وصاحب التصانيف الكثيرة ، قال ابن أبي طي في تاريخه ـ تاريخ الإمامية : ـ هو شيخ مشايخ الطائفة ولسان الإمامية ورئيس الكلام


(1) ابن النديم ، الفهرست 266 في فصل أخبار متكلّمي الشيعة .

(2) ابن الجوزي ، المنتظم 15 : 157 .

(3) اليافعي ، مرآة الجنان 3 : 28 ط الهند .

(4) ابن كثير ، البداية والنهاية 11 : 15 .

(65)

والفقه والجدل ، وكان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة العظيمة في الدولة البويهية(1) .

6 ـ قال ابن حجر (ت 852هـ ) بعد نقل ما ذكره الذهبي :

وكان كثير التعقيب والتخشّع والإكباب على العلم ، تخرّج به جماعة ، وبرع في المقالة الإمامية حتّى يقال : له على كلّ إمامي منّة ، وكان أبوه معلماً بواسط ، وما كان المفيد ينام من الليل إلاّ هجعة ثمّ يقوم يصلي أو يطالع أو يدرس أو يتلو القرآن(2) .

7 ـ وقال عنه ابن العماد الحنبلي (ت 1089هـ ) :

ابن المعلم ، عالم الشيعة ، إمام الرافضة ، وصاحب التصانيف الكثيرة ، قال ابن أبي طي في تاريخ الإمامية : هو شيخ مشايخ الطائفة ولسان الإمامية ورئيس الكلام ، والفقه ، والجدل ، وكان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية(3) .

هذا جانب ممّا ترجم له أهل السنّة ، وأمّا الشيعة فنقتصر على كلام تلميذيه الطوسي والنجاشي توخّياً للاختصار :

1 ـ يقول الشيخ الطوسي (385ـ460هـ ) في الفهرست :

المفيد يكنّى أباعبدالله ، المعروف بابن المعلم ، من جملة متكلّمي الإمامية ، انتهت إليه رئاسة الإمامية في وقته ، وكان مقدّماً في العلم ، وصناعة الكلام ، وكان
فقيهاً متقدّماً فيه ، حسن الخاطر ، دقيق الفطنة ، حاضر الجواب ، وله قريب من مائتي مصنّف كبار وصغار ، وفهرست كتبه معروف ، ولد سنة (338هـ ) ، وتوفّي


(1) الذهبي ، العِبَر 2 : 225 .

(2) ابن حجر ، لسان الميزان 5 : 368 / 1196 .

(3) ابن العماد الحنبلي ، شذرات الذهب 3 : 199 وفيه مكان الطائفة «الصوفية» وهو لحن .

(66)

لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة (413هـ ) ، وكان يوم وفاته يوماً لم ير أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه وكثرة البكاء من المخالف والموافق(1) .

2 ـ ويقول تلميذه الآخر ، النجاشي (372ـ450هـ ) :

شيخنا وأُستاذنا ـ رضي الله عنه ـ فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية والوثاقة والعلم . ثمّ ذكر تصانيفه(2) .

وهكذا وبعد أن أوردنا بعضاً من رجالات الطائفة الذين برعوا في علم الكلام حتّى نهاية القرن الرابع ، أودّ أن أُشير إلى بعض أساتذة الفلسفة الذين لمعت أسماؤهم في سماء العالم الإسلامي بعد القرن الرابع الهجري .

مشاهير أئمّة الفلسفة بعد القرن الرابع :

1 ـ الشيخ أبو علي بن سينا : إذا كان الشيخ المفيد أكبر متكلّم للشيعة ظهر في العراق ، فإنّ الشيخ الرئيس ابن سينا (370ـ428هـ ) أكبر فيلسوف إسلامي شيعي ظهر في المشرق ، وهو من الذين دفعوا عجلة الفكر والعلم إلى الأمام خطوات كثيرة ، وقد ذاع صيته شرقاً وغرباً ، وكتبت عنه دراسات ضافية من المسلمين والمستشرقين ، ونحن في غنى عن إفاضة القول في ترجمة حياته ، وآثاره التي خلّفها ، والتلاميذ الذين تربّوا في مدرسته ، ولكن نشير إلى كتابين من كتبه لما لهما من الشهرة والمكانة :

ألف ـ الشفاء : وهو يشتمل على المنطق والطبيعيات والإلهيات والرياضيات وقد طبع أخيراً في مصر في أجزاء ، وبالإمعان فيما ذكره في مبحث النبوّة يعلم منه مذهبه ، قال : والاستخلاف بالنص أصوب ، فإنّ ذلك لا يؤدّي إلى التشعّب


(1) الشيخ الطوسي ، الفهرست / 710 .

(2) النجاشي ، الرجال 2 : 327 / 1068 .

(67)

والتشاغب والاختلاف(1) .

باء ـ الإشارات : وهو يشتمل على المنطق والطبيعيات والإلهيات ، وهو من أحسن مؤلّفاته ، وفيه آراؤه النهائية ، وقد وقع موقع العناية لمن بعده ، فشرحه الإمام الرازي (543ـ606هـ ) والمحقّق الطوسي (597ـ672هـ ) والشرح الثاني كان محور الدراسة في الحوزات العلمية .

2 ـ نصير الدين الطوسي : سلطان المحقّقيـن وأُستـاذ الحـكماء والمتكلّمين (597ـ672هـ ) وهو أشهر من أن يذكر ، شارك في جميع العلوم النظرية فأصبح أُستاذاً محقّقاً مؤسّساً ، أثنى عليه الموافق والمخالف .

3 ـ الشيخ كمال الدين ، ميثم بن عليّ بن ميثم البحراني (636 ـ 699هـ ) الفيلسوف المحقّق ، والحكيم المدقّق ، قدوة المتكلّمين ، تظهر جلالة شأنه و سطوع برهانه من الإمعان في شرحه لنهج البلاغة في أربعة أجزاء ، وله «قواعد المرام في الكلام» وكلاهما مطبوعان .

4 ـ العلاّمة الحلّي : شيخ الشيعة جمال الدين المعروف بالعلاّمة الحلّي (648 ـ 726هـ ) له الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد ، وكشف المراد في الكلام ، وكتبه في المنطق والكلام والفلسفة تنوف على العشرين .

5 ـ قطب الدين الرازي (ت 766هـ ) تلميذ العلاّمة الحلّي وأُستاذ الشهيد الأوّل ، له شرح المطالع في المنطق ، والمحاكمات بين العلمين : الرازي ونصير الدين الطوسي .

إلى غير ذلك من العقول الكبيرة التي ظهرت في الحوزات الشيعية ، كالفاضل المقداد (ت 808هـ ) مؤلّف نهج المسترشدين في الكلام ، والشيخ بهاء الدين العاملي (953ـ1030هـ ) ، والسيد محمّد باقر المعروف بالداماد (ت 1040هـ ) ، وتلميذه


(1) الشفاء ، قسم الإلهيات 2 : 564 ط إيران .

(68)

المعروف بصدر المتألّهين مؤلّف الأسفار الأربعة (971 ـ 1050هـ ) ، وغيرهم ممّن يتعسّر علينا إحصـاء أسمائهم فضلا عن تحرير تراجمهم .

هذه لمحة عابرة عن مشاركة الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية في مجال
العلوم العقلية ، والتي اقتصرنا فيها على ذكر ما يتّسع به المجال من بعض
المشاهير منهم إلى أواسط القرن الحادي عشر ، حيث إنّ هناك العديد من الأسماء
الكبيرة واللامعة .

هذا وقد قام المتتبّع المتضلّع الشيخ عبد الله نعمة بتأليف كتاب حول فلاسفة الشيعة ومتكلّميهم أسماه «فلاسفة الشيعة» فسدّ بذلك بعض الفراغ جزاه الله خيراً .

ومن الجانب الآخر يجد المرء أنّ هذا العطاء المقدّس في علوم التفكير والبرهنة لم يزل متواصلا لدى الشيعة وحتّى عصرنا الحاضر هذا ، حيث ظهرت العديد من الشخصيات الفذّة والبارزة ، رفدت المكتبة الإسلامية بمؤلّفات غنيّة في الكلام والفلسفة والمنطق ، في الوقت الذي عاش فيه كثير من هؤلاء العلماء والمفكّرين في ظروف قاهرة ومصاعب جمّة ، لعبت فيها السلطات الجائرة دوراً كبيراً في مطاردة وتصفية الكثير منهم ، حتّى صار ذلك سبباً في اختفاء آثارهم وضياعها ، بل وتراكم الأساطير حولها .

وبذلك تقف على ضعف وركاكة ما ذكره المستشرق آدم متز في حقّ كلام الشيعة :

«أمّا من حيث العقيدة والمذهب ، فإنّ الشيعة هم ورثة المعتزلة ، ولابدّ أن يكون قلّة اعتداد المعتزلة بالأخبار المأثورة ممّا لاءم أغراض الشيعة ، ولم يكن للشيعة في القرن الرابع مذهب كلامي خاصّ بهم»(1) .


(1) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ، تعريب محمّد عبد الهادي أبو ريدة 1 : 106 ، ط الثالثة .

(69)

إنّ الشيعة عن بكرة أبيهم كانوا مقتفين أثر أئمّتهم ، ولم يكونوا ورثة للمعتزلة ولا لغيرهم ، وإنّما أخذت المعتزلة أُصول مذهبهم عن أئمّة أهل البيت ، كما هو واضح للجميع ، بل والمعروف كثرة المناظرات بين الشيعة والمعتزلة منذ عصر الإمام الصادق _ عليه السلام _ وإلى عصر المفيد وما بعده .

نعم ، ما أضعف ما ذهب إليه هذا المستشرق ، وفي ذلك دلالة واضحة على سطحيّة الآراء التي يذهب إليها الغرباء في الحكم على عقائد المسلمين ، ولسنا نلومه بقدر ما نلوم به إخواننا المسلمين ومفكّريهم الذين يستندون في كثير من مذاهبهم على أقوال هؤلاء وتخرّصاتهم ، حتّى أنّ الشيخ المفيد وضع كتباً في نقد المعتزلة ، كما وضع قبله بعض أئمّة المتكلّمين من الشيعة ردوداً على المعتزلة ، فكيف يكون الشيعة ورثة للمعتزلة؟ نعم إنّ القائل خلط مسألة الاتّفاق في بعض المسائل بالتبعية والاقتفاء ، فالشيعة والمعتزلة تتّفقان في بعض الأُصول ، لا أنّ أحدهما عيال على الآخر .


(70)

14 ـ قدماء الشيعة والعلوم الكونية

لم يكن اتّجاه الشيعة مختصّاً بالعلوم العقلية كالكلام والفلسفة والمنطق فحسب ، بل امتدّ نشاطهم وحركتهم الفكرية إلى العلوم الرياضية ، والكونية ، فتجد هذا النشاط بارزاً في مؤلّفاتهم طيلة القرون الماضية ، ونحن نأتي هنا بذكر موجز عن مشاهير علمائهم ومؤلّفاتهم في القرون الأُولى تاركين غيرهم للمعاجم :

1 ـ هشام بن الحكم (ت 199هـ ) ، له آراء في الأعراض كاللون والطعم والرائحة ، وقد أخذ منه إبراهيم بن سيّار النظّام ، وحاصل هذا الرأي أنّ الرائحة جزئيات متبخّرة من الأجسام تتأثّر بها الغدد الأنفية ، وأنّ الأطعمة جزئيات صغيرة تتأثّر بها الحليمات اللسانية(1) .

2 ـ إنّ بيت آل نوبخت بيت شيعي عريق ، فقد قاموا بترجمة الكثير من كتب العلوم والمعرفة من اللغة الفارسية إلى العربية ، كما برع منهم من له باع طويل في كثير من العلوم ، ومنها العلوم الكونية .

قال ابن النديم : آل نوبخت معروفون بولاية علي وولده .

وقال الأفندي في رياض العلماء : بنو نوبخت طائفة معروفة من متكلّمي الإمامية منهم :

أ ـ أبو الفضـل بن نوبخت ، قال ابن النـديم : كان في خـزانة الحكمة لهارون الرشيد ، وقال ابن القفطي في تاريخ الحكماء : إنّه مذكور مشهور من أئمّة المتكلّمين وذُكر في كتب المتكلّمين . وكان في زمن هارون الرشيد وولاّه القيام بخزانة كتب الحكمة ، وهو من متكلّمي أواخر القرن الثاني .

ب ـ ولده إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت ، من متكلّمي القـرن الثالث .


(1) عبد الله نعمة ، فلاسفة الشيعة : 56 .

(71)

ج ـ يعقوب بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت ، متقدّم في الحكمة والكلام والنجوم(1) .

3 ـ أبو عليّ أحمد بن محمّد بن يعقوب بن مسكويه ، من أعيان الشيعة وأعلام فلاسفتهم ، صنّف في علوم الأوائل ، وله تعليقات في المنطق ، ومقالات جليلة في أقسام الحكمة والرياضة(2) .

4 ـ جابر بن حيّان ، ويعدّ من أشهر علماء الشيعة وأقدمهم الذين برزوا في علم الكيمياء ، وهو أوّل من أشار إلى طبقات العين قبل «يوحنا بن ما سويه» (ت 243هـ ) وقبل حنين بن إسحاق (ت 264هـ ) وأوّل من أثبت إمكان تحويل المعدن الخسّيس إلى الذهب والفضة ، فلم تقف عبقريته في الكيمياء عند هذا الحدّ ، بل دفعته إلى ابتكار شيء جديد في الكيمياء فأدخل فيها ما سمّـاه بعلم الميزان ، والمقصود منه معادلة ما في الأجسام والطبائع ، وجعل لكلّ جسم من الأجسام ، موازين خاصّة(3) وقد أُلّفت حول جابر وعبقريته كتب كثيرة ، فمن أراد فليرجع إليها ، وقد اتّفق الكلّ على أنّه تلميذ الإمام الصادق _ عليه السلام _ .

5 ـ الشريف أبو القاسم عليّ بن القاسم القصري ، وهو من علماء القرن الرابع ، ذكره ابن طاووس في فرج المهموم في عداد منجّمي الشيعة(4) .

وهذه نماذج من علماء الشيعة في الطبيعيات والفلكيات ، وأمّا المتأخّرون ، فحدّث عنهم ولا حرج ، وقد أتى بقسم كبير منهم الشيخ عبد الله نعمة في كتابه «فلاسفة الشيعة» فمن أراد فليرجع إليه ، غير أنّا نذكر هنا المحقّق الطوسي الذي له حقّ على الأُمّة جمعاء ، والذي تقول في حقّه المستشرقة الألمانية :


(1) العاملي ، أعيان الشيعة 1 : 135 .

(2) محمّد باقر الخوانساري ، روضات الجنات 1 : 254 .

(3) فلاسفة الشيعة 1 : 57 .

(4) فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم : 128 ، ط النجف 1368هـ .

(72)

«وحصل نصير الدين الطوسي على مرصده ، فكان معهداً للأبحاث لا مثيل له ، وزوّده بالآلات الفلكية التي زادت في شهرة المعهد ، ورفعت مكانته . . . ويحكى أنّ زائراً قصد ابن الفلكي نصير الدين في مرصده في مراغة ، فلمّـا رأى الآلات الفلكية المتنوّعة ذُهل ، وقد ازداد دهشة حين رأى «المحلقة» ذات الخمس حلقات والدوائر من النحاس : أولاها : تمثل خطّ الطول الذي كان مركّزاً في الأسفل ، وثانيتها : خطّ الاستواء ، وثالثتها : الخطّ الاهليلجي ، ورابعتها : دائرة خطّ الأرض ، وخامستها : دائرة الانقلاب الصيفي والشتوي ، وشاهد أيضاً دائرة السمت التي يمكن للمرء بواسطتها أن يحدّد سمت النجوم ، أي الزاوية الناتجة على خطّ أُفقي ثابت وخطّ أُفقي آخر صادر عن كوكب في السماء .

وتقول أيضاً : إنّ نصير الدين أحضر إلى مكتبة المعهد أربعمائة ألف مجلّد كانت قد سرقت من مكتبات بغداد وسورية وبلاد بابل ، وقد استدعى علماء ذوي شهرة طائرة من إسبانيا ودمشق وتفليس والموصل إلى مدينة مراغة لكي يعملوا على وضع الازياج بأسرع وقت ممكن»(1) .

ويناسب في المقام ذكر إجمالي عمّـا قدّموا من الخدمة في مجال الجغرافية وعلم البلدان فنقول :

الجغرافية وتقويم البلدان


نذكر في المقام رحّالتين طافا البلاد الإسلامية وكتبا ما يرجع إلى جغرافية البلدان ، وقد صار كتاباهما أساساً للآخرين :

1 ـ أحمد بن أبي يعقوب بن واضح ، المعروف باليعقوبي ، المتوفّى في أواخر


(1) السيدة زيغريد هونكه ، شمس العرب تسطع على الغرب : 133 والصحيح أن يسمّى : شمس الإسلام .

(73)

القرن الثالث ، فهو أوّل جغرافي بين العرب ، وصف الممالك معتمداً على ملاحظاته الخاصّة ، ومتوخّياً قصد ما أراد من وصف البلد وخصائصها ، وهو يقول عن نفسه : إنّه عنى في عنفوان شبابه وحدّة ذهنه بعلم أخبار البلدان ومسافة ما بين كل بلد وبلد ، لأنّه سافر حديث السنّ ، واتّصلت أسفاره ، ودام تغرّبه ، وقد طاف في بلاد المملكة الإسلامية كلّها ، فنزل أرمينيّة ، وورد خراسان ، وأقام بمصر والمغرب ، بل سافر إلى الهند وكان متى لقى رجلا سأله عن وطنه ومصره ، وعن زرعه ما هو؟ وساكنيه من هم؟ عرب أو عجم؟ وعن شرب أهله ولباسهم ودياناتهم ومقالاتهم ، من غير أن يلحقه من ذلك ملال ولا فتور ، وقد وصف المملكة الإسلامية مبتدئاً ببغداد وصفاً منظّماً مع إصابة جديرة بالثقة والإعجاب(1) .

2 ـ أبو الحسن عليّ بن الحسين المسعودي (ت 346هـ ) فقد ألّف في ذلك المضمار كتابه «مروج الذهب ومعادن الجوهر» وكتابه الآخر «التاريخ في أخبار الأُمم من العرب والعجم» وكتابه الثالث «التنبيه والأشراف» فقد اشتمل وراء التاريخ على الجغرافية وتقويم البلدان ، وقد جرّه حُبّه للاستطلاع إلى السفر إلى بلاد بعيدة ، فكتب ما رآه وشاهده .


(1) آدم متز ، الحضارة الإسلامية 2 : 34 وكتاب اليعقوبي في الجغرافية هو كتاب «البلدان» المنتشر .

(74)

بلدان الشيعة وأماكن تواجدهم

يمثّل الشيعة شريحة كبيرة من المجتمع الإسلامي الكبير المتوزّع في بقاع العالم المختلفة ، حيث ساهموا كما أسلفنا مع إخوانهم المسلمين في بناء الحضارة الإسلامية ، وإقامة صرح الدين الحنيف ، ونشره في أصقاع المعمورة ، وسنحاول في بحثنا هذا استعراض وجود الشيعة في بلدان العالم مع ذكر مختصر عن جوامعهم ومعاهدهم ودورهم وأعدادهم ، لكي يكون القارئ الكريم على تصوّر واضح عنهم .

بلدان الشيعة :

ينتشر الشيعة في جميع أنحاء العالم بنسب مختلفة ، وربّما تعد بعض البلدان
معقل الشيعة ومزدحمها حيث يكون المذهب السائد فيها هو مذهب التشيع ،
في حين تتفاوت هذه النسبة في بلدان أُخرى . وإليك أسماء بعضها ، وهي إيران ، والعراق ، وسورية ، والسعودية ، وتركيا ، وأفغانستان ، والباكستان ، والهند ، واليمن ، ومصر ، والإمارات العربية المتّحدة ، والبحرين ، والكويت ، ومسقط ، وعمان ، والتبت ، والصين ، وآذربيجان ، وطاجيكستان ، وباقي الجمهوريات المتحرّرة بانحلال الاتحاد السوفيتي ، وماليزيا ، وأندونيسيا ، وسيلان ، وتايلند ، وسنغافورة ، وشمال أفريقيا ، والصومال ، والأرجنتين ، وبريطانيا ، وألمانيا ، وفرنسا ، وألبانيا ، والولايات المتّحدة ، وكندا وغيرها من الدول المختلفة التي يضيق المجال بحصرها .

ولا بأس بالإيعاز إلى خصوصيّات بعض البلدان; إذ فيه تسليط لبعض الضوء للتعرّف على ماضي التشيّع وما لاقاه أتباعه من العدوان والويلات والمصائب .


(75)

التشيّع حجازي المحتد والمولد :

التشيّع حجازي المحتد والمولد; إذ فيه نشأ ، وفي تربته غرست شجرته ، ثمّ نمت وكبرت ، فصارت شجرة طيّبة ذات أغصان متّسقة وثمار يانعة . وفيه حثّ النبيّ الأكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ على ولاء الإمام عليّ بن أبي طالب _ عليه السلام _ وسمّى أولياءه شيعة ، وحدّث بحديث الثقلين ، وجعل أئمة أهل البيت قرناء الكتاب في العصمة ولزوم الاقتفاء والطاعة ، وفيه رَقى النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ المنبر الذي صنعوه من رحال الإبل وأخذ بيد وصيّه ووليّ عهده عليّ المرتضى وحمد الله وأثنى عليه وقال : «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» فقالوا : اللّهمّ بلى ، ولما أخذ من الجمع المحتشد الإقرار بأولويّته على النفس والنفيس عرَّف عليّاً خليفة بعده وقال : «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه» ونزل من المنبر ثمّ نزلت آيات من الذكر الحكيم تشير إلى هذه البيعة وتؤكّدها ، ومن ثمّ تبودلت التهاني والتحيّات بين الإمام والصحابة(1) .

وقد أشار إلى بعض ما ذُكر مؤلّف خطط الشام وقال : «إنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _هو الذي حثّ على ولاء عليّ وأهل بيته _ عليهم السلام _ وهو أوّل من سمّى أولياءه بالشيعة ، وفي عهده ظهر التشيّع وسمّي جماعة بالشيعة(2) .

ولما ارتحل النبيّ الأكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إلى دار البقاء تناسى أُولو القوّة والمنعة من الصحابة عهد النبيّ الأكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فحالوا بين النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأُمنيته كما حالوا بين أُمّته وإمامها ، فتداولوا كُرة الخلافة بينهم ، وأخذوا بمقاليد الحكم واحداً بعد آخر ، والإمام منعزل عن الحكم ، لا عمل له إلاّ هداية الأُمّة وإرشادها بلسانه


(1) لقد أفرد علماء الإمامية كتباً كثيرة أشاروا فيها إلى بيعة الغدير التي حدثت بعد عودة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والمسلمين من حجّة الوداع ، وقد بسطوا القول فيها وعضدوها بالأدلّة القوية والثابتة ، كما أنّ كتب أهل السنّة حافلة بهذا الخبر تصريحاً أو إشارة إليه ، فمن شاء فليراجع .

(2) محمد كرد علي ، خطط الشام 5 : 251 .

(76)

وبيانه وقلمه وبنانه .

ولقد كان الذي دعا عليّاً إلى السكوت والانحياز ، هو مشاهدة ظاهرة الردّة الطارئة على المجتمع الإسلامي عن طريق مسيلمة الكذاب ، وطليحة بن خويلد الأفّاك ، وسجاح بنت الحرث الدجّالة ، وأتباعهم الرعاع الذين كانوا على الدين الفتيّ خطراً جدّياً كان من الممكن أن يؤدّي إلى محق الإسلام وسحق المسلمين . ويحدّث عن هذه الحقيقة الإمام في رسالته التي أرسلها مع مالك الأشتر إلى أهل مصر ، حيث يقول فيها : «فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم»(1) .

رأي الإمام أنّ صيانة الإسلام وردّ عادية الأعداء تتوقّفان على المسالمة والموادعة ، فألقى حبل الخلافة على غاربها ، تقديماً للأهمّ على المهمّ ، وتبعته شيعته صابرين على مضض الحياة ومرّها .

بقي الإمام منعزلا عن الحكم قرابة ربع قرن إلى أن قتل عثمان في عقر داره ، وانثال الناس إلى دار عليّ من كلّ جانب مجتمعين حوله كربيضة الغنم ، يطلبون منه القيام بالأمر وأخذ مقاليد الحكم ، وفيهم شيعته المخلصون الأوفياء ، فلم ير بدّاً من قبول دعوتهم لقيام الحجّة بوجود الناصر(2) .

ولمّا نكث الناكثون البيعة ، وقادوا حبيسة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ «عائشة» معهم إلى البصرة ، ارتحل الإمام بأنصاره وشيعته إلى العراق إلاّ قليلا بقوا في الحجاز لقلع مادّة الفساد قبل أن تستفحل ، ولمّا قلع عين الفتنة ، استوطن الإمام الكوفة ،


(1) الشريف الرضي ، نهج البلاغة ، الكتاب 62 .

(2) إشارة إلى قوله _ عليه السلام _ : «أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر . . .لألقيت حبلها على غاربها» نهج البلاغة ، الخطبة 3 .

(77)

واستوطنها معه شيعته ، وصارت الكوفة عاصمة التشيّع ، ومعقله ، وفيها نما وأينع وأثمر ومنها انحدر إلى سائر البلدان ، بعد ما كان الحجاز مهبط التشيّع ومغرسه ومحتده . فكان حجازي المحتد والمغرس ، عراقي النشوء والنمو ، ولم يكن يوم ذاك يتظلّل في ظلال التشيّع إلاّ عربي صميم ، من عدنانيّ وقحطانيّ ، ولم يكن بينهم فارسيّ ولا بربريّ الأصل ولا شعوبيّ العقيدة يمقت العرب .

وهكذا فإنّا يمكننا القول بأنّ مهد التشيّع الأوّل كان في أرض الحجاز الطيّبة ومنها درج واشتد حتّى تسامق وتطاول وأصبح له وجود في كلّ بقاع المعمورة .

ولا زال الشيعة يعيشون مع إخوانهم المسلمين في مكّة المكرّمة ، والمدينة المنوّرة ، وحضرموت ، ونجران ، وغيرها ، كما توجد في أنحاء من أرض الحجاز الكثير من القبائل العربية الشيعية أمثال بني جهم ، وبنو عليّ ، وغيرهم .

وأمّا المنطقة الشرقية كالإحساء والقطيف والدمّام ، فأكثر سكّانها من الشيعة .

التشيّع عراقي النشوء والنمو :

قد عرفت أنّه لمّا غادر الإمام المدينة المنوّرة متوجّهاً إلى العراق واستوطن الكوفة هاجر كثير من شيعته معه واستوطنوا العراق ، فصار ذلك أقوى سبب لنشوء التشيّع ونموّه في العراق ، ولا سيما في الكوفة ، فصارت معقل الشيعة ، ولمّا قضى الإمام نحبه حاولت السلطة الأُموية وعمّـالها استئصال التشيّع منها بأبشع صورة مستخدمة في ذلك شتّى الأساليب الإجرامية الرهيبة من دون أيّ وازع من ضمير .

وبالرغم من أنّ العراق وأخصّ منه الكوفة كان علوي النزعة هاشمي الولاء ، إلاّ أنّ الحسين ابن الإمام عليّ _ عليهما السلام _ قتل بسيف الكوفيين ، وسقط عطشان وحوله أجساد أبنائه وأبناء أخيه وأصحابه ،إلاّ أنّ ذلك لا يدلّ على انسلاخهم عن


(78)

التشيّع; لأنّ الشيعة يوم ذاك كانوا بين مسجون في زنزانات الأُمويين ، أو مرعوب متخاذل فاقد للتصميم والحمية ، أو منتظر لما تؤول إليه الأُمور ، أو ناصر التحق
بالحسين في أحلك الظروف . هؤلاء هم الشيعة .

وأمّا الذين شاركوا في قتل الحسين فلم يكونوا من الشيعة أبداً ، بل كانوا أتباع الأُمويين والمنضوين تحت راياتهم . فلما قتل الحسين أثار قتله شجون الشيعة ، وبقوا يتحيّنون الفرص للانقضاض على الحكم الأُموي الفاسد وأتباعه ، حتّى تهيّأت الفرصة عند خروج المختار من سجنه ، فالتفوا حوله في ثورة كبيرة اقتلعت جذور الاُمويين واقتصّت من أعوانهم قتلة الحسين وأهل بيته وأصحابه .

وقد حاول الأُمويون جعل العراق أُموياً ، وبذلوا جهوداً حثيثة في سبيل هذا الأمر ، إلاّ أنّ جهودهم ذهبت أدراج الرياح ، وبقي العراق هاشمياً وعلوياً ، حتّى أنّ دعوة العباسيين نجحت في بداية الأمر في العراق في ظلّ طلب ثأر الحسين وأهل بيته ، وكانت الدعوة للرضا من آل محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

لقد تبلور التشيّع بعد حادثة الطفّ بقليل واتّسع نطاقه وصار العراق مركزه ، وكانت القوافل من أنحاء العراق وغيره من بلاد المسلمين تؤمّ قبر الحسين وأصحابه ، فصارت مشاهد أهل البيت فيها معمورة بالزائرين والمجاورين ، وكانت المآتم تقام في حواضرها تخليداً لذكرى استشهاد الإمام الحسين المفجع ، واتّخذت الشيعة قرب مشاهد أئمّتهم ، حوزات علمية ومعاهد فكرية ، فازدهر العراق بعمالقة الفكر ، وأساتذة الفقه ، وأساطين الكلام ، وأعان على نشر التشيّع ونموّه في العراق نشوء دول وإمارات للشيعة في القرن الرابع وما بعده .
يقول الشيخ المظفّر(1) : وساعد على نمو التشيّع وانتشاره في العراق ، أن تكوّنت


(1) انظر : محمد حسين المظفر ، تاريخ الشيعة : 69ـ71 و 110 ـ 111 .

(79)

من الشيعة فيه سلطنات دول وإمارات كسلطنة آل بويه ، وإمارة بني مزيد في الحلّة والنيل ، وبني شاهين في البطائح ، وبني حمدان وآل المسيّب في الموصل ، ونصيبين ، وكدولة بعض المغول أمثال محمّد خدابنده وابنه أبي سعيد ، وأمّا محمود غازان فقد قيل بتشيّعه وهناك أمارات عليه إلاّ أنّه لم يصارح به ، وكدولة الجلائرية التي أسّسها الشيخ حسن الجلائري أحد قوّاد المغول وابن أُخت محمود غازان ومحمّد خدابنده ، وكانت بغداد عاصمة ملكه ، وكالدولة الصفوية التي ناصرت التشيّع ونشرته في البلاد بشتّى الطرق ، فكأنّما هي دولة دينية تأسّست لنشر مذهب أهل البيت .

وأيّد مذهب التشيّع أيضاً أن انعقدت عدّة وزارات من رجاله ، فقد استوزر السفاح أوّل ملوك بني العباس أبا سلمة الخلاّل الكوفي الهمداني داعية أهل البيت ، وقتله على التشيّع .

واستوزر المنصور : محمّد بن الأشعث الخزاعي .

واستوزر المهدي : أبا عبد الله يعقوب بن داود ، وحبسه لتشيّعه ، واستوزر الرشيد : عليّ بن يقطين ، وجعفر بن الأشعث الخزاعي .

واستوزر المأمون : الفضل بن سهل ذا الرياستين لجمعه بين القلم والسيف ، وقتله عندما أحسّ بميله إلى الرضا _ عليه السلام _ ، واستوزر من بعده أخاه الحسن بن سهل .

واستوزر المعتزّ والمهتدي : أبا الفضل جعفر بن محمود الإسكافي .

واستوزر المقتدي : أبا شجاع ظهير الدين محمّد بن الحسين الهمداني ، وعزله لتشيّعه .

واستوزر المستظهر : أبا المعالي هبة الدين بن محمّد بن المطلّب ، وعزله لتشيّعه ، ثمّ أعاده على أن لا يخرج من مذهب أهل السنّة ، ثمّ تغيّـر عليه وعزله .


(80)

واستوزر الناصر والظاهر والمستنصر : مؤيّد الدين محمّد بن عبد الكريم القمّي من ذريّة المقداد ـ رضوان الله عليه ـ .

واستوزر المستعصم آخر ملوك بني العباس : أبا طالب محمّد بن أحمد العلقمي الأسدي ، وأقرّه هولاكو على الوزارة ، ولمّا مات ـ رحمه الله ـ استوزر : ولده أبا الفضل عزّالدين . إلى ما سوى هؤلاء .

وأمّا الإمارات ، والقيادات ، والكتابة ، والخزانة ، فما أكثرها ، أمثال : إمارة آل قشتمر ، وآل أبي فراس الشيباني ، وآل دبيس كما أشرنا إليهم .

وقيادة طاهر بن الحسين الخزاعي ، وقيادة أولاده كابنه عبد الله ، ومحمّد بن عبد الله وغيرهما ، وتولّيهم إمارة هراة .

وكان عبد الله بن سنان خازناً للمنصور والمهدي والهادي والرشيد ، وكان من ثقات الرواة لأبي عبد الله الصادق _ عليه السلام _ . إلى ما يعسر استقصاؤه .

وكفاك برهاناً على أنّ التشيّع كان ضارباً أطنابه على بسيطة العراق ، ما كان من نقابة الطالبيين في بغداد ، فما أكثر ما كان يتولاّها الشيعة ، أمثال الشريف الرضي وأبيه وابنه وأخيه المرتضى ، وقد تولّوا المظالم أيضاً ، وتولّى الشريف الرضي وأبوه أيضاً إمارة الحاج ، كما تولاّها ثلاث عشرة حجّة حسام الدين أبو فراس جعفر بن أبي فراس الشيباني .

وتولّى آل طاووس نقابة الطالبيين في العراق عامة ، تولاّها منهم السيّدان العلمان رضي الدين وغياث الدين عبد الكريم(1) .

كما تولّى الأوقاف في العراق وغيرها ممّا كان تحت حكم المغول الخواجا نصير


(1) انظر : الحوادث الجامعة ، في حوادث عام (661هـ ) وما ذكره فيها من تولّي السيد رضي الدين بن طاووس نقابة الطالبيين بالعراق ، وذكر أنّ وفاته عام (664هـ ) ، وفي حوادث عام (693هـ ) قال : وفيها توفّي النقيب غياث الدين عبد الكريم بن طاووس .

(81)

الدين الطوسي ـ طاب ثراه ـ وعندما قبض عليها ، أقام ببغداد ، وتصفّح الأوقاف ، وأدار أخبار الفقهاء والمدرّسين ، وقرّر القواعد في الوقف ، وأصلحها بعد اختلالها(1) ، ومن بعده تولاّها ابنه أحمد فخر الدين ، ولمّا وليها حذف الحصّة الديوانية في الوقوف ، ووفّرت على أربابها(2) .

وهكذا فإنّ الاستقراء الموضوعي لسكان العراق يكشف بوضوح التفوّق الكبير في عدد الشيعة على ماعداهم ، فجنوب العراق يغلب على سكّانه الشيعة بشكل واضح جدّاً ، وأما وسطه فتتركّز شيعته في أغلب محافظاته أمثال محافظة النجف وكربلاء وبابل وواسط والسماوة والديوانية وغيرها ، وأما شمال العراق فتقلّ نسبة الشيعة فيه بشكل ملحوظ ، إلاّ أنّ هناك أعداداً لا بأس بها في محافظتي الموصل وكركوك .

الشيعة في اليمن :

دخل التشيّع في اليمن بعد أن أسلموا على يد عليّ _ عليه السلام _ ، حيث يحدّثنا التاريخ : أنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بعث خالد بن الوليد إلى اليمن ليدعوهم إلى الإسلام ، فأقام هناك ستّة أشهر فلم يجيبوه إلى شيء . فبعث النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عليّ بن أبي طالب _ عليه السلام _ وأمره أن يُرجع خالد بن الوليد ومن معه .

قال البراء : فلمّـا انتهينا إلى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر فجمعوا له فصلّى بنا عليّ الفجر ، فلمّا فرغ صفّنا صفّاً واحداً ثمّ تقدّم بين أيدينا فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قرأ عليهم كتاب رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فأسلمت همدان كلّها في يوم واحد ، وكتب بذلك إلى رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، فلمّا قرأ كتابه خرّ ساجداً ثمّ جلس فقال :


(1) انظر : تاريخ مختصر الدول ، للعبري : 500 ; والحوادث الجامعة ، في حوادث عام (672هـ ) .

(2) انظر : الحوادث الجامعة ، في حوادث عام (683هـ ) .

(82)

«السلام على همدان ، السلام على همدان» ثمّ تتابع أهل اليمن على الإسلام(1) .

فكان تمسّكهم بعرى الإسلام على يد عليّ _ عليه السلام _ ، وصار هذا أكبر العوامل لصيرورتهم علويين مذهباً ونزعة . وفي ظلّ هذه النزعة ضحّوا بأنفسهم ونفيسهم بين يدي عليّ _ عليه السلام _ في حروبه .

أضف إليه أنّهم سمعوا من المصطفى _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فضائل إمامهم ومناقبه غير مرّة ، وهذا ممّا زادهم شوقاً وملأ قلوبهم حبّاً وولاءً له ، فقد روى المحدثون : أنّ اليمانّيين طلبوا من النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن يبعث إليهم رجلا يفقّههم في الدين ويعلّمهم السنن ويحكم بينهم بكتاب الله ، فبعث النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ علياً وضرب على صدره وقال : «اللّهمّ اهد قلبه ، وثبّت لسانه» . قال الإمام عليّ _ عليه السلام _ : «فما شككت في قضاء بين اثنين حتّى الساعة»(2) .

بقي الإمام عليّ _ عليه السلام _ بينهم مدّة يفقّههم في الدين ، ويقضي بكتاب الله ، ويحلّ المشاكل القضائية ، بما تنبهر به العقول .

ومن هنا تتوضّح الصورة عن حقد الأُمويين على أهل اليمن وقسوتهم في تعاملهم معهم ، كما فعل ذلك بسر بن أُرطاة عند حملته على اليمن ، حيث لم يترك محرّماً إلاّ استحلّه ، ولا جريمة إلاّ فعلها فلحقته اللعنة في الدارين .

نعم إنّ شيعة أهل اليمن كانوا من خلّص شيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب _ عليه السلام _ ، فلا غرو ولا غرابة أن يذكرهم في شعره بقوله :

فلو كنت بوّاباً على باب جنّة * لقلت لهمدان ادخلي بسلام

وممّا يدل على فرط حبّهم وولائهم لعليّ _ عليه السلام _ ما قاله سيّدهم سعيد بن قيس


(1) ابن الأثير ، الكامل 2 : 300 في حوادث السنة العاشرة ،ط دار صادر .

(2) كنز العمال 6 : 158 و 392 باب فضائل عليّ .

(83)

الهمداني ـ رضوان الله عليه ـ في وقعة الجمل :

قل للوصيّ أقبلت قَحطانُها * فادع بها تكفيكها هَمدَانُها
همُ بنوها وهُم أُخوانها(1)

نعم رحل يحيى بن الحسين الرسّي العلوي من العراق إلى اليمن في القرن الثالث ودعا إلى المذهب الزيدي في ظلّ ولاء أهل البيت وأخذ بمجامع القلوب وانتشرت دعوته فانتموا إلى زيد ، فالشيعة إلى اليوم في اليمن زيديّو المذهب يهتفون في الأذان بـ «حيّ على خير العمل» .

ويوجد هناك شيعة إماميّة قليلون .

كانت الحكومة منذ دعوة الرسّي العلوي بيد الزيدية ، وكان آخر حاكم مقتدر زيدي يحكم البلاد هو حميد الدين يحيى المتوكّل على الله ، ولما اغتيل هو وولداه الحسن والمحسن ، وحفيده الحسين بن الحسن بيد بعض وزرائه عام (1367هـ ) في ظلّ مؤامرة أجنبية ، قام مكانه ولده الإمام بدر الدين ، ولم يكن له نصيب من الحكم إلاّ مدّة قليلة حتّى أُزيل عن الحكم عن طريق انقلاب عسكري ، وبذلك انتهى الحكم الزيدي في اليمن ، ولكنّ اليمنيّين بقوا على انتمائهم إلى التشيّع .

الشيعة في سورية ولبنان :

ظلّ التشيّع سائداً في الشام وحلب وبعلبك وجبل عامل منذ القرن الأوّل إلى يومنا هذا ، ومن المعروف أنّ أبا ذر الصحابي الجليل هو الذي بذر بذرته ، أو غرس شجرته ، وذلك عندما نفاه عثمان من المدينة إلى الشام ، وكان يجول في الشام وضواحيه وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، من دون أن يخاف قوّة أو سطوة ،


(1) ابن ابي الحديد شرح نهج البلاغة 1 : 144 ـ 145 .

(84)

أو إهانة أو قسوة ، وطبع الحال يقتضي أن يبوح بما انطوت عليه جوانحه من الولاء لعليّ وأهل بيته ، يدعو له على القدر المستطاع ، فنمت بذرة التشيّع في ظلّ التستّر والتقيّة ، وأمّا اليوم فالشيعة مجاهرون ولهم شأن عند الدولة ، ولهم مظاهر في الشام وضواحيه ، ترى اسم عليّ والحسين مكتوبين تحت قبّة المسجد الأُموي ، وفي
الجانب الشرقي مسجد خاصّ باسم رأس الحسين ، وفي نفس البلد قباب مشيّدة لأهل البيت ، أمثال زينب بنت عليّ _ عليهما السلام _ و رقيّة بنت الحسين _ عليهما السلام _ في الوقت نفسه لا تجد أثراً لمعاوية(1) ويزيد والحكّام الأُمويين . إنّ في ذلك لعبرة لأُولي الألباب .

قويت شوكة التشيّع في سورية بعد قيام دولة الحمدانيين في الشام والجزيرة ، وكان لسيف الدولة أياد بيضاء في رفع منارة التشيّع ، كيف وأبو فراس صاحب القصيدة الميمية هو ابن عمّه الذي يقول :

الحقّ مهتضم والدين مخترمُ * وفَيءُ آل رسول الله مقتسمُ

وأمّا جبل عامل فقد انتشر فيه التشيّع منذ دخل إلى الشام ووجد في تلك البقاع مرتعاً خصباً ونفوساً متلهّفة ، فتعلّق به أهله تعلّقاً شديداً حتّى لقد برز منهم العديد من العلماء الكبار طبقوا البلاد شهرة وصيتاً أخصّ منهم بالذكر :

1 ـ محمّد بن مكّي المعروف بالشهيد الأوّل (734 ـ 786هـ ) وكان إماماً في الفقه ، ولكنّه صلب بيد الجور ، ثمّ رجم ، ثمّ أُحرق ، بذنب أنّه شيعي موال لأهل البيت ولا يفتي بفتوى أئمّة المذاهب الأربعة .

وله كتب فقهية أشهرها كتاب اللمعة الدمشقية ، ألّفه في السجن خلال


(1) نعم في داخل البلد بيت يقال فيه قبر معاوية لا يزوره أحد إلاّ للعبرة والاطّلاع على ما آلت إليه أعمالهم من مصير بائس بعد مماتهم .

(85)

أُسبوع ولم يكن عنده من الكتب الفقهية سوى المختصر النافع للمحقّق الحلّي
(600 ـ 676هـ ) .

2 ـ زين الدين بن عليّ الجبعي (911ـ966هـ ) المعروف بالشهيد الثاني صاحب الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقية ، والمسالك في شرح الشرائع الذي يتضمّن مجموع الكتب الفقهية مع ذكر المستند والدليل . وقد امتدت إليه أيدي الظلم كسلفه الشهيد الأوّل ، حيث اعتقل بأمر الخليفة العثماني ثمّ قتله معتقلوه قرب شاطئ البحر وحُزّ رأسه من جسده وأُرسل إلى السلطان .

وتاالله إنّـها لجرائم بشعة تقشعرّ منها الأبدان ، ويندى لها جبين البشرية خجلا ، فما معنى هذه القسوة المتناهية في قتل الشيعة وعلمائها ، وإذا كان هذا مصير الشيعة من قبل الحكومات المتعاقبة والظالمة ، فهل يلومهم أحد على اتّخاذهم التقية حجاباً لحقن دمائهم وحفظ أعراضهم؟! لا أعتقد أن يلومهم عليها عاقل; لأنّ الملام من دفعهم إليها لا هم .

أقول : ورغم هذا الإسراف في مطاردة الشيعة وقتلهم ، فقد ظهر في جبل عامل بعد هذين العالمين الجليلين ، علماء فضلاء وفقهاء عظام ، ولم يزل منار التشيّع مرتفعاًولواؤه خفّاقاًبهم، ولقد تحمّلوا عبرالقرون وخصوصاًفي عهدالسلطة العثمانية المصاعب الجسام والتي ذكرها التاريخ في صفحات سوداء لا تنسى ، ولا سيما في عهد أحمد باشا الجزّار ، ممثّل الدولة العثمانية في بلاد الشام من (1195 ـ 1198هـ ) .

ولقد ألّف الشيخ الحرّ العاملي كتاباً أسماه أمل الآمل في علماء جبل عامل طبع في جزأين ، واستدرك عليه السيد الجليل حسن الصدر .

وأمّا بالنسبة إلى بعلبك فهي من المدن الشيعية العريقة ، والتي ظهر بها التشيّع منذ دخل بلاد الشام وراج في ظلّ الدولة الحمدانية ، ووجد في نفوس أهلها خير موطن ، فاحتضنوه وتمسّكوا به .


(86)

الشيعة في مصر :

دخل التشيّع مصر في اليوم الذي دخل فيه الإسلام ، ولقد شهد جماعة من شيعة عليّ _ عليه السلام _ فتح مصر ، منهم : المقداد بن الأسود الكندي ، وأبو ذر الغفاري ، وأبورافع ، وأبو أيوب الأنصاري ، وزارها عمّار بن ياسر في خلافة عثمان(1) . وهؤلاء ما كانوا يبطنون فكرة التشيّع التي كانوا يؤمنون بها منذ عهد رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

ولأجل ذلك حين قتل عثمان ، بإجهاز المصريين عليه ، بايعوا عليّاً كما بايع أهلها طوعاً ورغبة .

لمّا بعث عليّ _ عليه السلام _ قيس بن سعد أميراً على مصر بايع أهلها طوعاً ، إلاّ قرية يقال لها خربتاء(2) .

كان هذا نواة لمذهب التشيّع في تلك البلاد ، وإن تغلّب عليها الأمويون بعد ذلك حين قَتلَ عمرو بن العاص ومعاوية بن حديج ـ اللذين أرسلهما معاوية بن أبي سفيان إلى مصر ـ والي عليّ _ عليه السلام _ على مصر محمّد بن أبي بكر بشكل بشع ، ثمّ جعلوا جثّته في جيفة حمار وأحرقوها بالنار ، وهو أُسلوب يدلّ على انحراف كبير عن الدين ، وانسلاخ عن أبسط معاني الإنسانية ، ولكن للحقّ دولة وللباطل جولة ، فهذه الأعمال الإجرامية وما ارتكبه العباسيون من الجرائم صارت سبباً لابتعاد الناس عن السلطات المتعاقبة الظالمة وتعاطفهم مع العلويين واحتضانهم لهم ، ويظهر ذلك بوضوح عند قيام الدولة الفاطمية الشيعية هناك والتفاف المسلمين حولها ، والتي كان لها الدور الأكبر في انتشار التشيّع واعتناق المسلمين له في شمال أفريقيا ، حيث امتدّ نفوذها وسلطانها إلى الجزائر والمغرب وتونس وليبيا ،


(1) الخطط المقريزية 2 : 74 .

(2) المصدر نفسه 4 : 149 ; الجزري ، الكامل 3 : 61 حوادث عام (36) .

(87)

وكذا إلى السودان جنوب مصر .

لقد اعتنق المصريّون التشيّع برغبة وجهروا بحيّ على خير العمل ، وتفضيل عليّ على غيره ، كما جهروا بالصلاة على النبيّ وآله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

لقد قامت في عهد الفاطميين مراسم عاشوراء ، وعيد الغدير ، ولم تزل
هذه المراسم إلى يومنا هذا . وكان التشيّع مخيّماً على مصر في عهد الفاطميين وضارباً أطنابه في القرى والبلدان ، لولا أنّ صلاح الدين الأيوبي أزال سلطتهم ومذهبهم من مصر بقوّة السيف والنار ، والتاريخ يشهد على عظم الجرائم
وقسوتها التي قام بها صلاح الدين وأتباعه في سبيل هذا الأمر . وهذه الصفحة من
تاريخ مصر مليئة بالأسى والحزن ، راح ضحيتها العديد من أتباع المذهب المحمّدي ، إلاّ أنّها لم تستطع أن تقضي عليه ، فلا زال هناك الكثير من الشيعة
ومن المتعاطفين روحياً معهم ، والذين يعبّـرون عن ذلك بوضوح في حرصهم
على زيارة المشاهد المعروفة برأس الإمام الحسين _ عليه السلام _ ومرقد أُخته السيدة
زينب ـ رضوان الله عليها ـ .

الشيعة في إيران :

إنّ التشيّع هو المذهب الساحق في إيران من أوائل القرن العاشر (905هـ ) إلى يومنـا هذا وذلك أنّ الدولة الصفويّة الشيعية هي التي أشاعت التشيّع في إيران ، وفي عصرها ثبّتت أركانه ، وتعلّق به المسلمون تعلّقاً عظيماً ، وتزايد عدد الشيعة بتقادم السنين ، فإن بلغ عدد النفوس في إيران الإسلامية قرابة ستّين مليوناً ، فالأكثرية هم الشيعة ، ولا يتجاوز عدد سائر الطوائف عن أربعة ملايين نسمة ، يرفل الجميع بثوب الأُخوّة الإسلامية والمحبّة والتفاهم في ظلّ العقائد العظيمة التي يتمسّك بها الشيعة والتي تحدّد علاقتهم بإخوانهم من سائر المذاهب الإسلامية ،


(88)

والتي كرّسها قيام الجمهورية الإسلامية المباركة ، بزعيمها الراحل الإمام الخميني _ قدس سره _ والذي دعا إلى تقوية الترابط بين المذاهب الإسلامية المختلفة ، وأمر بإثبات أيّام معيّنة خلال العام سمّيت بأُسبوع الوحدة ، وعلى نفس خطاه واصل خلفه سماحة آية الله السيد عليّ الخامنئي تعهّد شجرة الوحدة بتكافل جميع المسؤولين في الدولة الإسلامية المباركة ، والتي يلمسها بوضوح كلّ من زار هذه الدولة أو مرّ بها .

أسباب اعتناق الفرس للإسلام و لمذهب التشيّع :

ثمّ إنّ هنا أُموراً لا محيص عن طرحها وتحليلها; لأنّها من المواضيع التي كثر فيها اللغط ، وقد أكثر المستشرقون وغيرهم فيها الصخب والهياج وهي :

1 ـ ما هو السبب الحقيقي لدخول الفرس في الإسلام؟

2 ـ ما هو السبب الحقيقي لجنوحهم إلى آل البيت؟

3 ـ سببان مزعومان : الأصهار ، وإرادة هدم الإسلام .

وإليك تحليل تلك النقاط :

1 ـ ما هو السبب الحقيقي لدخول الفرس في الإسلام؟

إنّ الفرس دخلوا في الإسلام كدخول سائر الشعوب ، والعلّة في الجميع واحدة أو متقاربة ، وحاصلها : أنّهم وقفوا على أنّ في هذه الشريعة الغرّاء من سمات العدل والمساواة ، ورفض التمييز العنصري ، والنظام الطبقي ، وأنّ الناس فيه كأسنان المشط لا فضل لأعجمي على عربي ولا لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى ، وكانت الثورة الإسلامية تحمل يوم تفجّرها رايات العدل العظيمة ، فكان ذلك هو الدافع المهمّ للشعوب للدخول في الإسلام ، والانضواء تحت رايته ، من غير فرق بين قوم دون قوم وشعب دون شعب .


(89)

2 ـ ما هو السبب الحقيقي لولائهم آل البيت  ـ عليهم السلام ـ ?

إنّ السبب الحقيقي لولائهم وجنوحهم إلى أهل البيت هو أنّهم شاهدوا أنّ علياً وأهل بيته ـ خلافاً للخلفاء عامّتهم ـ يكافحون فكرة القومية ويطبّقون المساواة ، فأخذوا يتحنّنون إليهم حيناً بعد حين ، وشبراً بعد شبر ، فكان ذلك نواة لبذر الولاء في قلوب بعضهم ، يرثه الأبناء من الآباء ، وإن لم يكن الحبّ ـ يوم ذاك ـ ملازماً للقـول بخلافتهم عن الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _وإمامتهم بعده ، بل كان حبّاً وودّاً خالصاً لأسباب نفسية لا قيادية ، وتدلّ على ذلك عشرات من القضايا نذكر بعضها :

1 ـ روى الفضل بن أبي قرة عن الإمام الصادق _ عليه السلام _ قال : «أتت الموالي أمير المؤمنين _ عليه السلام _ فقالوا : نشكو إليك هؤلاء العرب ، إنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _كان يعطينا معهم العطايا بالسويّة ، وزوّج سلمان ، وبلالا ، وصهيباً ، وأبوا علينا هؤلاء ، فقالوا : لا نفعل ، فذهب إليهم أمير المؤمنين _ عليه السلام _ فكلّمهم فيهم ، فصاح الأعاريب : أبينا ذلك يا أبا الحسن ، أبينا ذلك ، فخرج وهو مغضب يجرّ رداءه وهو يقول : يا معشر الموالي إنّ هؤلاء قد صيّـروكم بمنزلة اليهود والنصارى ، يتزوّجون إليكم ولا يزوّجونكم ، ولا يعطونكم مثل ما يأخذون ، فاتَّـجروا بــارك الله لكم ; فانّي قد سمعـت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول : الرزق عشرة أجزاء ، تسعة أجزاء في التجارة وواحد في غيرها»(1) .

2 ـ وروى أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن سعيد الثقفي في غاراته : عن عبّاد ابن عبد الله الأسدي ، قال : كنت جالساً يوم الجمعة ، وعليّ _ عليه السلام _ يخطب على منبر من آجر ، وابن صوحان جالس ، فجاء الأشعث ، فجعل يتخطى الناس فقال : يا أمير المؤمنين غلبتنا هذه الحمراء على وجهك ، فغضب ، فقال ابن صوحان : ليبين


(1) الكليني ، الكافي 5 : 318 .

(90)

اليوم من أمر العرب ما كان يخفى ، فقال عليّ _ عليه السلام _ : «من يعذرني من هؤلاء الضياطرة ، يقبل أحدهم يتقلّب على حشاياه ، ويهجّد قوم لذكر الله ، فيأمرني أن أطردهم فأكون من الظالمين ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد سمعت محمّداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول : ليضربنّكم والله على الدين عَوداً كما ضربتموهم عليه بدءاً» .

قال المغيرة : كان عليّ _ عليه السلام _ أميل إلى الموالي وألطف بهم ، وكان عمر أشدّ تباعداً منهم(1) .

3 ـ روى ابن شهر آشوب : لما ورد بِسبي الفرس إلى المدينة أراد عمر بيع النساء ، وأن يجعل الرجال عبيد العرب ، وعزم على أن يحملوا العليل والضعيف ، والشيخ الكبير في الطواف وحول البيت على ظهورهم ، فقال أمير المؤمنين _ عليه السلام _ : «إنّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : أكرموا كريم قوم وإن خالفوكم ، وهؤلاء الفرس حكماء كرماء ، فقد ألقوا إلينا بالسلام ، ورغبوا في الإسلام ، وقد أعتقت منهم لوجه الله حقّي وحقّ بني هاشم» فقالت المهاجرون والأنصار : قد وهبنا حقّنا لك يا أخا رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _فقال : «اللّهمّ فاشهد أنّهم قد وهبوا ، وقبلت وأعتقت» ، فقال عمر : سبق إليها عليّ ابن أبي طالب _ عليه السلام _ ونقض عزمي في الأعاجم(2) .

4 ـ روى الصدوق عن الإمام الصادق _ عليه السلام _ : قال : قال رجل له : إنّ الناس يقولون : من لم يكن عربياً صلباً ، أو مولى صريحاً ، فهو سفلي ، فقال : «وأيّ شيء المولى الصريح»؟! فقال له الرجل : من ملك أبواه ، فقال : «ولِـمَ قالوا هذا» ؟! قال : يقول رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : مولى القوم من أنفسهم ، فقال : «سبحان الله ، أما بلغك أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : أنا مولى من لا مولى له ، أنا مولى كلّ مسلم ،


(1) الثقفي ، الغارات : 340 ط بيروت ، الحمراء : الموالي ، الضياطرة جمع الضياطر : الضخام الذين لا عناد عندهم .

(2) ابن شهر آشوب ، مناقب آل أبي طالب 4 : 48 .

(91)

عربيّها وعجميّها ، فمن والى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أليس يكون من نفس رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثمّ قال : «أيّهما أشرف ، من كان من نفس رسول الله> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أو من كان من نفس أعرابي جلف بائل على عقبيه؟ ثمّ قال : من دخل في الإسلام رغبة ، خير ممّن دخل رهبة ، ودخل المنافقون رهبة ، والموالي دخلوا رغبة»(1) .

5 ـ روى الفضل بن شاذان (ت 260هـ ) : أنّ عمـر بن الخطاب نهى عن أن يتزوّج العجم في العرب وقال : لأمنعنّ فروجهنّ إلاّ من الأكفاء(2) .

6 ـ روى المفيد : أنّ سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ دخل مجلس رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ذات يوم فعظّموه وقدّموه وصدّروه إجلالا لحقّه ، وإعظاماً لشيبته ، واختصاصه بالمصطفى _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وآله فدخل عمر فنظر إليه ، فقال : من هذا العجمي المتصدّر فيما بين العرب؟ فصعد رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _المنبر فخطب ، فقال : «إنّ الناس من عهد آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط ، لا فضل للعربي على العجمى ، ولا للأحمر على الأسود إلاّ بالتقوى ، سلمان بحر لا ينزف ، وكنز لا ينفد ، سلمان منّا أهل البيت ، سلسل يمنح الحكمة ويؤتي البرهان»(3) .

7 ـ روى الثقفي في الغارات : أنّ امرأتين أتتا علياً _ عليه السلام _ عند القسمة ، إحداهما من العرب ، والأُخرى من الموالي ، فأعطى كلّ واحدة خمسة وعشرين درهماً ، وكرّاً من الطعام ، فقالت العربية : يا أمير المؤمنين ، إنّي امرأة من العرب ، وهذه امرأة من العجم ، فقال عليّ _ عليه السلام _ : «إنّي لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلا على بني إسحاق»(4) .


(1) الصدوق ، معاني الأخبار : 405 .

(2) الفضل بن شاذان ، الإيضاح : 280 .

(3) المفيد ، الاختصاص : 341 .

(4) الغارات : 341 .

(92)

8 ـ روى المفيد عن ربيعة وعمارة وغيرهما : أنّ طائفة من أصحاب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب مشوا إليه عند تفرّق الناس عنه وفرار كثير منهم إلى معاوية ، طلباً لما في يديه من الدنيا ، فقالوا له : يا أمير المؤمنين ، أعط هذه الأموال ، وفضّل هؤلاء الأشراف من العرب وقريشاً على الموالي والعجم ، ومن يخاف خلافه عليك من الناس وفراره إلى معاوية .

فقال لهم أمير المؤمنين _ عليه السلام _ : «أتأمروني أن أطلب النصر بالجور؟! لا والله لا أفعل ما طلعت شمس ولاح في السماء نجم ، ولو كانت أموالهم لي لواسيت بينهم ، فكيف وإنّما هي أموالهم»(1) .

9 ـ روى المبّرد : قال الأشعث بن قيس لعليّ بن أبي طالب _ عليه السلام _ وأتاه يتخطّى رقاب الناس وعليّ على المنبر ، فقال : يا أمير المؤمنين غلبتنا هذه الحمراء على قربك ، قال : فركض على المنبر برجله ، فقال صعصعة بن صوحان العبدي : ما لنا ولهذا؟ ـ يعني الأشعث ـ ليقولنّ أمير المؤمنين اليوم في العرب قولا لا يزال يذكر ، فقال عليّ : «من يعذرني من هذه الضياطرة ، يتمرّغ أحدهم على فراشه تمرّغ الحمار ، ويهجر قوم للذكر ، فيأمرني أن أطردهم ، ما كنت لأطردهم فأكون من الجاهلين ، والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ليضربنّكم على الدين عَوداً كما ضربتموهم عليه بدءاً»(2) .

هذه الشواهد الكثيرة توقفنا على السبب الحقيقي لتوجّه الفرس والموالي إلى آل البيت ، وأنّه لم يكن إلاّ لصمودهم في طريق تحقيق العدل والمساواة ، والمكافحة ضد العنصرية والتعصّب .


(1) المفيد ، المجالس : 57 طبعة النجف .

(2) الكامل 2 : 53 ، ط مصر سنة 1339هـ .

(93)

3 ـ سببان مزعومان : الإصهار ، وإرادة هدم الإسلام :

أولا : هل الإصهار كان سبباً للولاء :

روى الزمخشري في ربيع الأبرار وغيره : أنّ الصحابة جاءوا بسبي فارس في خلافة الخليفة الثاني كان فيهم ثلاث بنات ليزدجرد ، فباعوا السبايا ، وأمر الخليفة ببيع بنات يزدجرد فقال الإمام عليّ : «إنّ بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهن» فقال الخليفة : كيف الطريق إلى العمل معهنّ؟ فقال : «يقوَّمن ومهما بلغ ثمنهنَّ قام به من يختارهنَّ» فقوِّمن فأخذهنَّ عليّ فدفع واحدة لعبد الله بن عمر ، وأُخرى لولده الحسين ، وأُخرى لمحمّد بن أبي بكر ، فأولد عبد الله بن عمر : ولده سالماً ، وأولد الحسين : زين العابدين ، وأولد محمّد : ولده القاسم ، فهؤلاء أولاد خالة ، وأُمّهاتهم بنات يزدجرد(1) .

وقد استند إلى هذه القصّة أحمد أمين في فجر الإسلام ، والدكتور حسن إبراهيم في التاريخ السياسي للإسلام(2) ، وذهبا إلى أنّ الاصهار صار سبباً لتشيّع الفرس .

لن ندخل في نقاش مع هذه القصّة وأنّها هل هي صادقة أو ممّا وضعه أصحاب الأساطير ، وكفانا في هذا الأمر ما ألّفه زميلنا العزيز الدكتور السيد جعفر شهيدي(3) ، ولو وقفنا إلى جانب هذه القصّة وسلّمنا بها ، فإنّا نسأل أيّ صلة بين دخول الفرس في التشيّع ومصاهرة الإمام الحسين يزدجرد ، فلو كانت تلك علّة فليكن تسنّن الفرس لأصهار عبد الله بن عمر ومحمّد بن أبي بكر لهم ، فإنّ الرجلين من أبناء الخليفتين ، على أنّ هذا التفسير يدلّ على سطحية في التفكير وسقم في المنطق لا يقرّ به العقلاء .


(1) ربيع الأبرار 3 : 19 .

(2) تاريخ الإسلام السياسي 2 : 7 .

(3) الإمام علي بن الحسين ، باللغة الفارسية .

(94)

ثانياً : إرادة هدم الإسلام :

أثار بعض أعداء الإسلام ، ومن أعماه الحقد وخبث السريرة ، الكثير من الشبهات حول تمسّك الفرس بالمذهب الشيعي ، وولائهم العميق لأهل البيت ـ عليهم السلام ـ  ، ومن هذه الشبهات السقيمة التي وجدت من يطبّل لها ويزمّر ، هي أنّ الفرس ما دخلوا في المذهب الشيعي إلاّ للتستّر من أجل هدم الإسلام تحت هذا الغطاء .

وإلى هذا الرأي السقيم يذهب ضمناً أحمد أمين في تخرّصاته دون أن يحاسب نفسه على تقوّلاته التي هي أشدّ المعاول هدماً في صرح الإسلام لا الفرس الذين يتّهمهم ظلماً وجوراً ، حيث قال : والحقّ أنّ التشيّع كان مأوى يلجأ إليه كلّ من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد ، ومن كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزرادشتية وهندية ، ومن يريد استقلال بلاده والخروج على مملكته ، كلّ هؤلاء كانوا يتّخذون حبّ أهل البيت ستاراً!!(1)

وقد استغل هذه الأُطروحة الخبيثة الكاتب الأمريكي «لو تروب ستودارد» في كتابه «حاضر العالم الإسلامي» الذي نقله إلى العربية الأمير شكيب أرسلان ، وتجد الفكرة أيضاً عند صاحب المنار ، ومحبّ الدين الخطيب ، وغيرهم من كتّاب العصر .

وهذا الكلام أشبه بكلام من أعمى الله بصره وبصيرته ; فإنّ من نظر إلى تاريخ الفرس يجد أنّهم خدموا الإسلام بنفسهم ونفيسهم وأقلامهم وآرائهم من غير فرق بين الشيعي والسنّي ، وخدمات المذهب الشيعي للإسلام أعظم من أن تحصى ، وأوضح من أن تخفيها إرهاصات الحاقدين ، وقد تقدّم منّا في الصفحات الأُولى وما بعدها دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية ، وما شيعة الفرس إلاّ جزءاً من


(1) فجر الإسلام : فصل الشيعة .

(95)

عموم الشيعة المسلمين ، ولهم أياد بيضاء مشكورة في خدمة الإسلام ، ولن يضرّهم نفث السموم وتخرّص المتخرّصين .

دول الشيعة


رغم أنّ الأُمويين حاولوا جاهدين القضاء على التشيّع ، وأراد العباسيّون الوقوف في وجه انتشاره بعد اليأس عن استئصاله ، إلاّ أنّه بلطف الله تعالى نما وازدهر عبر القرون بالرغم من تلك العوائق ، بل قامت لهم هنا وهناك دول ودويلات نظير :

1 ـ دولة الأدارسة في المغرب (194 ـ 305هـ ) .

2 ـ دولة العلويين في الديلم (205 ـ 304هـ ) .

3 ـ دولة البويهيين في العراق وما يتّصل به من بلاد فارس (321 ـ 447هـ ) .

4 ـ دولة الحمدانيين في سورية والموصل وكركوك (293 ـ 392هـ ) .

5 ـ دولة الفاطميين في مصر (296 ـ 567هـ ) .

6 ـ دولة الصفويين في إيران (905 ـ 1133هـ ) .

7 ـ دولة الزنديين (1148 ـ 1193هـ ) .

8 ـ دولة القاجاريين (1200 ـ 1344هـ ) .

أضف إلى ذلك وجود إمارات للشيعة في نقاط مختلفة من العالم .
أقول : إنّ إفاضة القول في مؤسّسي هذه الدول وترجمة أحوالهم وما آل إليه مصيرهم يحوجنا إلى تأليف كتاب مستقلّ في ذلك ، فمن أراد الاطّلاع على ذلك فليراجع الكتب المؤلّفة في هذه المواضيع(1) .


(1) راجع كتاب «الشيعة والتشيّع» للكاتب القدير محمّد جواد مغنية ـ رضوان الله عليه ـ .

(96)

الجامعات العلمية للشيعة


الإسلام دين العلم والمعرفة ، دفع الإنسان من حضيض الجهل والأُميّة إلى أعلى مستويات العلم والكمال من خلال تشجيعه على القراءة والكتابة(1) ، والتدبّر في آثار الكون ومظاهر الطبيعة ، ونبذ التقليد في تبنّي العقيدة ، فأراد للإنسان حياة نابضة بالفكر والثقافة .

وقد كانت للشيعة خلال القرون الماضية جامعات وحوزات علمية نشير إلى بعضها إجمالا :

1 ـ المدينة المنورة :

إنّ المدينة المنوّرة هي المنطلق العلمي الأوّل لنشر العلم والثقافة فهي المدرسة الأُولى للمسلمين ، نشأ فيها عدّة من الأعلام من شيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب _ عليه السلام _ ، وعلى رأسهم : ابن عباس حبر الأُمّة ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، وأبو رافع الذي هو من خيار شيعة الإمام علي مؤلّف كتاب السنن والأحكام والقضاء(2) ، وغيرهم .

ثمّ جاءت بعدهم طبقة من التابعين تخرّجوا من تلك المدرسة على يد الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين _ عليهما السلام _ ولقد روى الكليني عن الإمام الصادق أنّه قال : «كان سعيد بن المسيّب ، والقاسم بن محمّد بن أبي بكر ، وأبو خالد الكابلي من ثقات علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ »(3) .


(1) قال سبحانه : (اقْرَأ بِاسْمِ رَبّك الَّذِي خَلَقَ) وهي أوّل سورة نزلت على النبي الأكرم _ صلى الله عليه وآله _  . وأقسم الله عزّوجلّ بالقلم فقال سبحانه : (ن و القلم) وبذلك أوقف المجتمع الإنساني على العلم وعلوّ شأنه .

(2) النجاشي ، الرجال : 64 / 1 .

(3) الكليني ، الكافي كما في تأسيس الشيعة : 299 .

(97)

وازدهرت تلك المدرسة في عصر الإمامين الباقر والصادق _ عليهما السلام _ وزخرت بطلاّب العلوم ووفود الأقطار الإسلامية ، فكان بيتهما جامعة إسلامية يزدحم فيها رجال العلم وحملة الحديث ، يأتون إليها من كلّ فجّ عميق .

2 ـ الكوفة وجامعها الكبير :

قد سبق أنّ الإمام أمير المؤمنين هاجر من المدينة إلى الكوفة واستوطن معه خيار شيعته ومن تربّى على يديه من الصحابة والتابعين .

ولقد أتى ابن سعد في طبقاته الكبرى على ذكر جماعة من التابعين الذين سكنوا الكوفة(1) وكان قد أعان على ازدهار مدرسة الكوفة مغادرة الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ المدينة المنوّرة إلى الكوفة أيّام أبي العباس السفاح حيث بقي فيها مدّة سنتين .

وقد اغتنم الإمام فرصة ذهبية أوجدتها الظروف السياسية آنذاك ، وهي أنّ الحكومة العباسية كانت جديدة العهد بعد سقوط الدولة الأُموية ولم يكن للعباسيين يومذاك قدرة على الوقوف في وجه الإمام لانشغالهم بأُمور الدولة ، بالإضافة إلى أنّهم كانوا قد رفعوا شعار العلويين للوصول إلى السلطة ، فلم يكن من مصلحتهم في تلك الفترة الوقوف في وجه الإمام _ عليه السلام _ ، فعمد في زمن وجوده _ عليه السلام _إلى نشر علوم جمّة ، وتخرّج على يديه الكثير من الطلبة النابغين .

هذا الحسن بن على بن زياد الوشّاء يحكي لنا ازدهار مدرسة الكوفة في تلك الظروف كما ينقله عنه النجاشي :

أدركت في هذا المسجد ـ يعني مسجد الكوفة ـ تسعمائة شيخ كلّ يقول : حدّثني جعفر بن محمّد . ويضيف النجاشي : كان هذا الشيخ عيناً من عيون هذه


(1) الطبقات الكبرى : 6 وقسّمهم إلى تسع طبقات .

(98)

الطائفة وله كتب ، ثمّ ذكر أسماءها(1) .

وكان من خرّيجي هذه المدرسة لفيف من الفقهاء الكوفيين ، نظير أبان بن تغلب بن رباح الكوفي ، ومحمّد بن مسلم الطائفي ، وزرارة بن أعين ، إلى غير ذلك ممّن تكفّلت كتب الرجال بذكرهم والتعريف بهم .

ولقد ألّف فقهاء الشيعة ومحدّثوهم في هذه الظروف في الكوفة (6600) كتاب ، ولقد امتاز من بينها (400) كتاب اشتهرت بالأُصول الأربعمائة(2) فهذه الكتب هي التي أدرجها أصحاب الجوامع الحديثية في كتبهم المختلفة .

ولم تقتصر الدراسة آنذاك على الحديث والتفسير والفقه ، بل شملت علوماً أُخرى ساعدت على تخريج جملة واسعة من المؤلّفين الكبار الذين صنّفوا كتباً كثيرة في علوم مختلفة ومتنوّعة كهشام بن محمّد بن السائب الكلبي الذي ألّف أكثر من مائتي كتاب(3) ، وابن شاذان ألّف 280 كتاباً(4) ، وابن عمير صنّف 194 كتاباً ، وابن دوّل الذي صنّف 100 كتاب(5) ، وجابر بن حيان أُستاذ الكيمياء والعلوم الطبيعية ، إلى غير ذلك من المؤلّفين العظام في كافّة العلوم الإسلامية .

3 ـ مدرسة قم والري :

دخل الفرس الإسلام وكان أكثرهم على غير مذهب الشيعة ، نعم كانت قم والري وكاشان وقسم من خراسان مركزاً للشيعة ، وقد عرفت أنّ الأشعريين


(1) النجاشي ، الرجال 1 : 137 / 79 .

(2) وسائل الشيعة ج20 الفائدة الرابعة . وقد بيّنا الفرق بين الكتاب والأصل في كتابنا «كلّيات في علم الرجال» .

(3) الطهراني ، الذريعة 1 : 17 .

(4) المصدر نفسه .

(5) المصدر نفسه .

(99)

هاجروا ـ خوفاً من الحجّاج ـ إلى قم وجعلوها موطنهم ومهجرهم ، وكانت تلك الهجرة نواة للشيعة في إيران .

كانت مدرسة الكوفة مزدهرة بالعلم والثقافة ، رغم ما كانت تتعرّض له من مضايقات من قبل العباسيين ، إلاّ أنّها لم تقف عائقاً أمام تطوّر العلوم المختلفة وازدياد طلب العلم فيها ، ولما هاجر إبراهيم بن هاشم الكوفي تلميذ يونس بن عبد الرحمن وهو من أصحاب الإمام الرضا _ عليه السلام _ إلى قم ، نشر فيها حديث الكوفيين فصارت مدرسة قم والري مزدهرة بعد ذاك بالمحدّثين والرواة الكبار . وساعد على ذلك بسط الدولة البويهية نفوذها على تلك البلدان ، ولقد تخرّج من تلك المدرسة علماء ومحدّثون منهم :

1 ـ عليّ بن إبراهيم شيخ الكلينى . الذي كان حيّاً سنة (307هـ )(1) .

2 ـ محمّد بن يعقوب الكليني ، (ت 329هـ ) ، مؤلّف الكافي في الفروع والأُصول .

3 ـ عليّ بن الحسين بن بابويه ، والد الشيخ الصدوق صاحب الشرائع ، (ت329هـ ) .

4 ـ ابن قولويه أبو القاسم جعفر بن محمّد (285 ـ 368هـ ) من تلامذة الكليني وأُستاذ الشيخ المفيد .

والذي يدلّ على وجود النشاط الفكري في أوائل القرن الثالث ما رواه الشيخ في كتاب الغيبة : أنّه أنفذ الشيخ حسين بن روح ـ رضي الله تعالى عنه ـ النائب الخاصّ للإمام المنتظر ـ عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ كتاب التأديب إلى قم وكتب إلى جماعة الفقهاء بها وقال لهم : انظروا ما في هذا الكتاب ، وانظروا فيه شيء


(1) الطهراني : الذريعة 4 : 302 / 1316 .

(100)

يخالفكم . فكتبوا إليه : إنّه كلّه صحيح . . .(1) .

فهذه الرواية وغيرها تعرب عن وجود نشاط فكري وفقهي في ذينك البلدين في القرن الثالث والرابع ، وكفى في فضلها أنّ كتاب «الكافي» وكتاب «من لا يحضره الفقيه» وكتب محمّد بن أحمد بن خالد البرقي (ت 274هـ ) من ثمار هذه المدرسة العظيمة .

4 ـ مدرسة بغداد :

كانت مدرسة الكوفة تزدهر بمختلف النشاطات العلمية عندما كانت بغداد عاصمة الخلافة ، ولمّا دبّ الضعف في السلطة العباسية وصارت السلطة بيد البويهيين تنفّس علماء الشيعة في أكثر مناطق العراق ، فأُسّست مدرسة رابعة للشيعة في العاصمة أنجبت شخصيات مرموقة تفتخر بها الإنسانية نظير :

1 ـ الشيخ المفيد (336 ـ 413هـ ) تلك الشخصــية الفـذّة الـذي اعترف المؤالف والمخالف بعلمه ، وذكائه ، وزهده ، وتقواه ، وكان شيخ أساتذة الكلام في عصره الذي شهد قمة الجدل الفكري والعقائدي بين المدارس الفكرية المختلفة ، وكان ـ رحمه الله ـ عظيم الشأن رفيع المنزلة ، له كرسي للتدريس في مسجد براثا في بغداد ، يقصده العلماء والعوام للاستزادة من علمه ، وله أكثر من (200) مصنّف في مختلف العلوم .

2 ـ السيد المرتضى علم الهدى (355 ـ 436هـ ) ، قــال عنـه الثعالبي في يتيمته (1 : 53) قد انتهت الرئاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف والعلم والأدب والفضل والكرم .

وفي تاريخ ابن خلّكان : كان إماماً في علم الكلام والأدب والشعر .


(1) الطهراني ، الذريعة 3 : 210 / 775 .

(101)

السيد المرتضى الذي حاز من العلوم ما لم يدانه فيها أحد في زمانه ، أخذ العلم على يد أُستاذ المتكلّمين الشيخ المفيد ـ رحمه الله ـ وله مصنّفات كثيرة لا يسعنا عدّها هنا ، منها : الانتصار ، تنزيه الأنبياء ، جمل العلم والعمل وغيرها .

3 ـ السيد الرضي (359 ـ 406هـ ) ، علم من أعلام عصره في العلم والحديث والأدب ، درس العلم هو وأخوه السيد المرتضى على يد الشيخ المفيد ـ رحمه الله ـ له مؤلّفات جمّة منها : خصائص الأئمّة ، معاني القرآن ، حقائق التأويل .

4 ـ الشيخ الطوسي (385 ـ 460هـ ) وهو شيخ الطائفة ومن أعلام الأُمّة ، تربّى على يد شيخه المفيد والسيد المرتضى . وله مؤلّفات جمّة غنية عن التعريف ، منها كتابا : «التهذيب» و «الاستبصار» وهما من المصادر المهمّة عند الشيعة .

وكانت مدرسة بغداد زاهرة في عهد هذه الأعلام واحد بعد الآخر ، وقام كلّ منهم بدور كبير في تطوير العلوم وتقدّمها ، وكان يحضر في حلقات دروسهم مئات من المجتهدين والمحدّثين من الشيعة والسنّة .

واستمرّ هذا الحال إلى أن ضعفت سلطة البويهيين ، ودخل طغرل بك الحاكم التركي بغداد ، فأشعل نار الفتنة بين الطائفتين السنّة والشيعة ، وأحرق دوراً في الكرخ ، ولم يكتف بذلك حتّى كبس دار الشيخ الطوسي وأخذ ما وجد من دفاتره وكتبه ، وأحرق الكرسي الذي كان الشيخ يجلس عليه(1) .

5 ـ مدرسة النجف الأشرف :

إنّ هذه الحادثة المؤلمة التي أدّت إلى ضياع الثروة العلمية للشيعة وقتل العديد من الأبرياء ، دفعت الشيخ الطوسي ـ رحمه الله ـ إلى مغادرة بغداد واللجوء إلى النجف الأشرف وتأسيس مدرسة علمية شيعية في جوار قبر أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ


(1) ابن الجوزي ، المنتظم 16 : 8 و 16 حوادث عام 447 ـ 449 ، ط بيروت .

(102)

 ، وشاء الله تبارك وتعالى أن تكون هذه المدرسة مدرسة كبرى أنجبت خلال ألف سنة من عمرها عشرات الآ لاف من العلماء والفقهاء والمتكلّمين والحكماء .

والمعروف أنّ الشيخ الطوسي هو المؤسّس لتلك الجامعة العلمية المباركة ، وهو حقّ لا غبار عليه ، ومع ذلك يظهر من النجاشي وغيره أنّ الشيخ ورد عليها وكانت غير خالية من النشاط العلمي . يقول في ترجمة الحسين بن أحمد بن المغيرة : له كتاب عمل السلطان أجازنا بروايته أبو عبد الله بن الخمري الشيخ صالح في مشهد مولانا أمير المؤمنين سنة (400هـ )(1) .

ولقد استغلّ الشيخ تلك الأرضية العلمية ، وأعانته على ذلك الهجرة العلمية الواسعة التي شملت أكثر الأقطار الشيعية ، فتقاطرت الوفود إليها ، من كلّ فجّ ، فصارت حوزة علمية ، وكلّيّة جامعة في جوار النبأ العظيم عليّ أمير المؤمنين ـ من
عصر تأسيسها (448هـ ) ـ إلى يومنا هذا ، ولقد مضى على عمرها قرابة (1000) سنة ، وهي بحقّ شجرة طيبة أصلها في الأرض وفرعها في السماء آتت أُكلها كلّ حين بإذن ربّها .

إنّ لجامعة النجف الأشرف حقوقاً كبرى على الإسلام والمسلمين عبر القرون ، فمن أراد الوقوف على تاريخها والبيوتات العلمية التي أنجبتها ، فعليه الرجوع إلى كتاب «ماضي النجف وحاضرها» يقع في ثلاثة أجزاء(2) . وقد قام الشيخ هادي الأميني بتخريج أسماء طائفة من العلماء الذين تخرّجوا من هذه المدرسة الكبرى ، فراجع .


(1) النجاشي، الرجال 1 : 190 / 162 .

(2) تأليف الشيخ جعفر آل محبوبة ، ط النجف .

(103)


6 ـ مدرسة الحلّة :

في الوقت الذي كانت جامعة النجف تزدهر وتنجب جملة من العلماء الأفذاذ ، تأسّست للشيعة في الحلّة الفيحاء جامعة كبيرة أُخرى كانت تحفل بكبار العلماء ، وتزدهر بالنشاط الفكري ، عقدت فيها ندوات البحث والجدل ، وأُنشئت فيها المدارس والمكاتب ، وظهر في هذا الدور فقهاء كبار كان لهم الأثر الكبير في تطوير الفقه الشيعي وأُصوله ، نأتي بأسماء بعضهم :

1 ـ المحقّق الحلّي ، نجم الدين أبو القاسم جعفر بن سعيد ، من كبار فقهاء الشيعة ، يصفه تلميذه ابن داود بقوله : الإمام العلاّمة ، واحد عصره ، كان ألسن أهل زمانه ، وأقواهم بالحجّة ، وأسرعهم استحضاراً(1) توفّي عام (676هـ ) . له من الكتب : «شرائع الإسلام» في جزأين ، وهو أثر خالد شرحه العلماء وعلّقوا عليه . واختصره في كتاب أسماه «المختصر النافع» وشرحه أيضاً وأسماه «المعتبر في شرح المختصر» .

2 ـ العلاّمة الحلّي ، جمال الدين حسن بن يوسف (648 ـ 726هـ ) تخرّج على يد خاله المحقّق الحلّي في الفقه ، وعلى يد المحقّق الطوسي في الفلسفة والرياضيات ، وعرف بالنبوغ وهو بعد لم يتجاوز سنّ المراهقة ، وقد بلغ الفقه الشيعي في عصره القمة ، وله موسوعات فيه أجلّها «تذكرة الفقهاء» ولعلّه لم يؤلّف مثله .

3 ـ فخر المحققّين ، محمّد بن الحسن بن يوسف (682ـ771هـ ) ولَد العلاّمة الحلّي ، تتلمذ على يد أبيه ، ونشأ تحت رعايته وعنايته ، وألّف والده قسماً من كتبه بالتماس منه ، وقد تتلمذ عليه إمام الفقه الشهيد الأوّل (734 ـ 786هـ ) .

إلى غير ذلك من رجال الفكر كابن طاووس ، وابن ورّام ، وابن نما، وابن أبي الفوارس الحلّيِّين ، الذين حفلت بهم مدرسة الحلّة ، ولهم على العلم وأهله أياد


(1) ابن داود ، الرجال : 62 / 304 ، القسم الأوّل .

(104)

بيضاء ، لا يسعنا ذكر حياتهم .

7 ـ الجامع الأزهر :

امتدّ سلطان الدولة الفاطمية من المحيط الأطلسي غرباً ، إلى البحرالأحمر شرقاً ، ونافست الدولة الفاطمية الشيعية خلافة الحكّام العباسيين في بغداد ، وكان المعزّ لدين الله ـ أحد الخلفاء الفاطميين بمصر ـ رجلا مثقّفاً ومولعاً بالعلوم والآداب ، وقد اتّخذ بفضل تدبير قائده العسكري القاهرة عاصمة للدولة الجديدة ، وبنى الجامع الأزهر ، وعقدت فيه حلقات الدرس ، وكان يركّز على نشر المذهب الشيعي بين الناس ، وقد أمر أن يؤذّن في جميع المساجد بـ «حيّ على خير العمل» ومنع من لبس السواد شعار العباسيين .

إنّ المسلمين عامّة ـ وفي طليعتهم المصريون ـ مدينون في ثقافتهم وازدهار علومهم وتقدّمهم في مجال العلم والصنعة للفاطميين وهممهم العالية; فإنّ الجامع
الأزهر لا يزال مزدهراً من يوم بني إلى يومنا هذا باعتباره أعظم الجامعات العلمية(1) ، وهي كانت جامعة شيعية من بدء تأسيسها إلى قرنين .

وإن شئت أن تقف على صورة صغيرة من خدماتهم الجليلة فاقرأ ما كتبه السيّد مير علي حيث ذكر : «كان الفاطميون يشجّعون على العلم ، ويكرمون العلماء ، فشيّدوا الكلّيّات ، والمكاتب العامة ، ودار الحكمة ، وحملوا إليها مجموعات عظيمة من الكتب في سائر العلوم والفنون ، والآلات الرياضية ، لتكون رهن البحث والمراجعة ، وعيّنوا لها أشهر الأساتذة ، وكان التعليم فيها حرّاً على نفقة الدولة ، كما كان الطلاّب يمنحون جميع الأدوات الكتابية مجّاناً ، وكان الخلفاء يعقدون المناظرات في شتّى فروع العلم ، كالمنطق والرياضيات والفقه والطب ،


(1) بروكلمان ، تاريخ الشعوب الإسلامية 2 : 108 .

(105)

وكان الأساتذة يرتدون لباساً خاصاً عرف بالخلعة ، أو العباءة الجامعية ـ كما هي الحال اليوم ـ وأُرصدت للإنفاق على تلك المؤسّسات ، وعلى أساتذتها ، وطلاّبها ، وموظّفيها ، أملاك بلغ إيرادها السنوي (43) مليون درهم ، ودعي الأساتذة من آسيا والأندلس لإلقاء المحاضرات في دار الحكمة ، فازدادت بهم روعة وبهاء(1) .

وقد ألّف غير واحد من المؤرّخين كتباً ورسائل حول الأزهر الشريف ومن أراد التفصيل فليرجع إليها .

8 ـ مدارس الشيعة في الشامات :

كانت الشيعة تعيش تحت الضغط والإرهاب السياسي من قبل الأُمويين والعباسيين ، فلمّا دبّ الضعف في جهاز الخلافة العباسية ، وظهرت دول شيعية في العراق ـ خصوصاً دولة الحمدانيين في الموصل وحلب ـ استطاعت الشيعة أن تجاهر بنشاطها الثقافي ، وفي ظلّ هذه الحرّية أُسّست مدارس شيعية في جبل عامل ، وحلب ، تخرّج منها العديد من العلماء الأفذاذ والفضلاء .

فأمّا حلب فقد ازدانت بالعديد من الأسماء اللامعة كأبناء زهرة وغيرهم ، من رجال العلم والأدب .

وأمّا مدرسة جبل عامل فقد كانت تتراوح بين القوّة والضعف ، إلى أن رجع الشهيد الأوّل من العراق إلى مسقط رأسه «جزّين» ، فأخذت تلك المدرسة في نفسها نشاطاً واسعاً ، وقد تخرّج من تلك المدرسة منذ تلك العهود إلى يومنا هذا مئات من الفقهاء والعلماء لا يحصيها إلاّ الله سبحانه ، ومن الشخصيات البارزة في هذه المدرسة : المحقّق الشيخ علي الكركي مؤلّف «جامع المقاصد» (المتوفّى عام 940هـ ) وبعده الشيخ زين الدين المعروف بالشهيد الثاني (911 ـ 966هـ ) .


(1) السيد مير علي ، مختصر تاريخ العرب : 510 ط 1938م .

(106)

هذا غيض من فيض وقليل من كثير ، ممّن أنجبتهم هذه التربة الخصبة بالعلم والأدب .

ولنكتف بهذا المقدار من الإشارة إلى الجامعات الشيعية ; فإنّ الإحصاء يحوجنا إلى بسط في المقال ، ويطيب لنا الإشارة إلى أسماء المعاهد الأُخرى مجرّدة .

جامعات أُخر للشيعة في أقطار العالم :

كانت للشيعة جامعات متعدّدة في أقطار العالم المختلفة لم تزل بعضها زاهرة إلى اليوم . فالشرق الإسلامي كأفغانستان والباكستان والهند تزخر بالشيعة ، ولهم هناك جامعات وكلّيّات في هراة ولكنهو وبومبي ، كما أنّ للشيعة نشاطات ثقافية في آسيا الجنوبية الشرقية كماليزيا وتايلند ، ومن أراد الوقوف على الخرّيجين من هذه المدارس فعليه أن يقرأ تاريخ هذه البلاد ، خصوصاً بلاد الهند .

ومنذ تسنّم الصفويّة منصّة الحكم أُسّست في إيران حوزات فقهية وكلامية وفلسفية زاهرة ، وقد تخرج منها آلاف من العلماء ، ومن هذه الجامعات : جامعة
أصفهان ، وطهران ، وخراسان ، وتبريز ، وقزوين ، وزنجان ، وشيراز ، وأخيراً الجامعة الكبرى للشيعة في قم المحمية بجوار فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر _ عليه السلام _ . وقد أُسِّست هذه الجامعة سنة (1340هـ ) على يد رجل العلم والزهد الشيخ عبد الكريم اليزدي (1274 ـ 1355هـ ) ، ولم تزل هذه الجـامعة مشعَّة زاهرة ، وقد تقاطر إليها الأساتذة ووفود الطلاب من نقاط شتّى ، ومن جنسيّات مختلفة منذ أوّل يومها ، ويتجاوز عدد الطلاب فيها في هذه السنين (25000 طالب) ، وفيها مكتبات زاخرة ، ومؤسّسات علمية ، ومراكز تحقيقية ، ومطابع حديثة ، وعمالقة الفكر وأساتذة القلم ، ومنها تفجّرت الثورة الإسلامية على يد أحد خرّيجيها ألا وهو الإمام الخميني ـ قدس الله سره ـ فانبثقت أنوارها على ربوع العالم ، وأيقظت


(107)

الأُمّة من سباتها العميق .


عدد الشيعة

إنّ مراكز الإحصاء في العالم تخضع لنفوذ أعداء الإسلام خصوصاً الصهاينة ، وقد صار ذلك سبباً لعدم وجود إحصاء دقيق بأيدينا عن عدد المسلمين وعامّة طوائفهم ومنهم الشيعة . ولكن القرائن تشهد على أنّ الشيعة بطوائفها الثلاث : الإمامية والزيدية والإسماعيلية يؤلّفون خمس أو ربع المسلمين ، فلو كان عدد المسلمين ـ على ما يقولون ـ مليار نسمة فالشيعة تبلغ (200) مليون ، وأكثرهم عدداً هم الإمامية المعروفون بالاثني عشرية أو الجعفرية .

نسأله سبحانه أن يرفع كلمة التوحيد في ربوع العالم ، ويوفّق المسلمين لتوحيد الكلمة ورصّ الصفوف ، إنّه على ذلك لقدير .

Website Security Test