welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الطلاق المعلق والحلف بالطلاق وطلاق الحائض*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الطلاق المعلق والحلف بالطلاق وطلاق الحائض

16 - 17 - 18

الطلاق المعلق
والحلف بالطلاق وطلاق الحائض

تأليف

الفقيه المحقق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أفضل خلقه وخاتم رسله محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين هم عيبة علمه وحفظة سننه.

أمّا بعد، فانّ الإسلام عقيدة وشريعة، فالعقيدة هي الإيمان باللّه ورسله واليوم الآخر،والشريعة هي الأحكام الإلهية التي تكفل للبشرية الحياة الفضلى وتحقّق لها السعادة الدنيوية والأُخروية.

وقد امتازت الشريعة الإسلامية بالشمول، ووضع الحلول لكافّة المشاكل التي تعتري الإنسان في جميع جوانب الحياة قال سبحانه: (الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِيناً) .(1)


1-المائدة: 3 .


(4)

غير أنّ هناك مسائل فرعية اختلف فيها الفقهاء لاختلافهم فيما أثر عن مبلّغ الرسالة النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، الأمر الّذي أدّى إلى اختلاف كلمتهم فيها، وبما أنّ الحقيقة بنت البحث فقد حاولنا في هذه الدراسات المتسلسلة أن نطرحها على طاولة البحث، عسى أن تكون وسيلة لتوحيد الكلمة وتقريب الخطى في هذا الحقل، فالخلاف فيها ليس خلافاً في جوهر الدين وأُصوله حتّى يستوجب العداء والبغضاء، وإنّما هو خلاف فيما روي عنه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وهو أمر يسير في مقابل المسائل الكثيرة المتّفق عليها بين المذاهب الإسلامية.

ورائدنا في هذا السبيل قوله سبحانه: (وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَ لاَ تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً).(1)

جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


1-آل عمران: 103 .


(5)

14

الطلاق المعلّق

ينقسم الطلاق إلى منجَّز ومعلّق، والأوّل هو الطلاق الخالي في صيغته عن التعليق، والثاني على خلافه فيكون مضمون صيغة الطلاق، مقروناً بحصول أمر آخر، سواء أ كان ذلك الأمر، فعلَ المطلِّق أو فعلَ المطلَّقة أو غيرهما. إذا عرفت ذلك فنقول:

هل يشترط في صحّة الطلاق، التنجيز، أو يصحّ مع التعليق أيضاً، كما إذا قال: أنت طالق إن طلعت الشمس، أو أنت طالق إن قدم الحاج؟

والجواب: إنّ الطلاق المعلّق على قسمين:

1. قسم يعلّق على غير وجه اليمين وهذا كما في المثالين السابقين، ومثلهما ما إذا قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت


(6)

طالق، أو إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق.

2. قسم يعلّق على وجه اليمين وهو الذي يُقصد به الحثّ أو المنع، كما إذا قال: إن كلّمتِ فلاناً فأنت طالق، أو إن ذهبت إلى دار عدوي فأنت طالق، وربّما يكون المقصود حمل المخاطب على الثقة بكلام الحالف فيقول مَثلاً عند نقطة التفتيش:«ليس في حقيبتي ما هو ممنوع ولو كان فزوجتي طالق».

ونركز على البحث في القسم الأوّل ونحيل البحث في القسم الثاني، إلى المسألة الآتية.

فنقول: إنّ للشروط تقسيمات:

1. ما تتوقّف عليه صحّة الطلاق ككونها زوجة ـ و يقول: إن كنت زوجتي فأنت طالق ـ و ما لا تتوقف عليه كقدوم الحاج.

2. ما يعلم المطلق بوجوده عند الطلاق، كتعليقه بكون هذا اليوم يوم الجمعة، وأُخرى ما يشكّ في وجوده.


(7)

3. ما يذكر في الصيغة تبركاً، لا شرطاً و تعليقاً كمشيئته سبحانه، كما إذا قال: إن شاء اللّه فأنت طالق.

ومورد البحث هو القسم الثاني، أمّا الأوّل فالطلاق معلّق على مثل هذا الشرط لبّاً، سواء تكلم به أو لا، و أمّا الثالث فانّما يذكر تبركاً، لا اشتراطاً ، وهو كثير الدوران على لسان المسلمين.

إذا عرفت ذلك، نقول: إنّ بطلان الطلاق المعلّق من متفردات الفقه الإمامي، وإليك بعض كلمات فقهائنا:

1. قال السيد المرتضى: ممّا انفردت الإمامية به القول بأنّ الطلاق لا يقع مشروطاً وإن وجد شرطه، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وأوقعوا الطلاق عند وقوع شرطه الذي علّقه المتلفظ.(1)

2. قال الشيخ في «الخلاف»: إذا قال لها أنت طالق، إذا قدم فلان، فقدم فلان لا يقع طلاقه، وكذلك لو علّقه


1-الانتصار، كتاب الطلاق، المسألة16.


(8)

بشرط من الشروط أو بصفة من الصفات المستقبلة فانّه لا يقع أصلاً، لا في الحال ولا في المستقبل حين حصول الشرط والصفة وقال جميع الفقهاء: انّه يقع إذا حصل الشرط.(1)

وبما انّ المسألة عندنا موضع وفاق نقتصر على هذا المقدار، وقد وافقَنا فيها الظاهريّة، قال ابن حزم ـ الذي يُمثِّل فقهُه،فقه الظاهريين ـ :إذا قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، أو ذكر وقتاً ما، فلا تكون طالقاً بذلك لا الآن ولا إذا جاء رأس الشهر. برهان ذلك: انّه لم يأت قرآن ولا سنّة بوقوع الطلاق بذلك، وقد علّمنا اللّه الطلاق على المدخول بها وفي غير المدخول بها، وليس هذا فيما علّمنا (ومن يتعدّ حدود اللّه فقد ظلم نفسه).(2)

وقال السبكي: قد أجمعت الأُمّة على وقوع المعلّق كوقوع المنجّز، فإنّ الطلاق ممّا يقبل التعليق، ولا يظهر الخلاف في ذلك إلاّ عن طوائف من الروافض، ولما حدث مذهب


1-الخلاف: الجزء4، كتاب الطلاق، المسألة12.
2-المحلّى :10/213، المسألة 1970.


(9)

الظاهريّين المخالفين لإجماع الأُمّة المنكرين للقياس خالفوا ذلك ـ إلى أن قال ـ: ولكنّهم قد سبقهم الإجماع.(1)

أدلّة القائل بالبطلان

الأوّل:الطلاق المشروط غير مسنون

إنّ تعليق الطلاق بالشرط غير مسنون، والمشروع في كيفية الطلاق غيره، فيجب أن لا تتعلّق به حكم الفرقة، لأنّ الفرقة حكم شرعي، والشرع هو الطريق إليه، وإذا انتفى الدليل الشرعي، انتفى الحكم الشرعي.

الثاني: مقتضى الاستصحاب بقاء الزوجية

ثبوت الزوجية متيقّن، فلا ينتقل عنه إلى التحريم إلاّ بيقين ولا يقين في الطلاق المشروط.(2)


1-الدرة المضيئة:155ـ 156.
2- الانتصار:298ـ 299.


(10)

وإلى الأخير أشار الشيخ الطوسي أيضاً في خلافه فقال: الأصل بقاء العقد، وإيقاع هذا الضرب من الطلاق يحتاج إلى دليل، والشرع خال من ذلك.(1)

وإلى الوجه الأوّل يشير ابن حزم فيقول: وبرهان عدم الصحة انّه لم يأت قرآن ولا سنّة بوقوع الطلاق بذلك، وقد علّمنا اللّه الطلاق على المدخول بها، وفي غير المدخول بها، وليس هذا فيما علمنا(ومن يتعدّ حدود اللّه فقد ظلم نفسه).(2)

وتوضيح الوجه الأوّل: أنّ الطلاق ليس كالبيع والإجارة، حيث إنّ الأخيرين من الأُمور العقلائية، التي عليها رحى معاشهم وحياتهم فيُتّبع ما عليه العقلاء في ذينك الأمرين إلاّ إذا دلّ الدليل على اعتبار شيء زائد، وهذا بخلاف الطلاق فهو و إن كان أمراً عرفياً، لوجود الطلاق بين الناس قبل بزوغ شمس الإسلام لكن الإسلام تصرف فيه


1-الخلاف:4/458.
2- المحلّى:10/213، المسألة1970.


(11)

كثيراً، وحدّ له حدوداً، يظهر ذلك من مطالعة الآيات الواردة في سورة البقرة، الآيات 226ـ 232، و الآية 237 و الآية 241، والآية 49 من سورة الأحزاب، و الآية 1ـ3 من سورة الطلاق، كلّ ذلك أضفى على الطلاق حقيقة وماهية، تختلف مع تلك التي بين العقلاء، فلا يتمسّك بما في يد العقلاء لتجويز ما شكّ، بل يجب أن يرجع إلى الشرع، فان تبيّن حكم الطلاق المعلّق فيُتبع، وإلاّ فالحكم هو الاحتياط.

يقول الفقيه الفقيد الشيخ محمد جواد مغنية ـ رضوان اللّه عليه ـ : إنّ الإمامية يضيّقون دائرة الطلاق إلى أقصى الحدود، و يفرضون القيود الصارمة على المطلِّق و المطلَّقة، وصيغة الطلاق و شهود، كلّ ذلك لأنّ الزواج عصمة ومودة ورحمة وميثاق من اللّه، قال اللّه تعالى: (وقد أفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْض وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَليظاً)(1)، وقال سبحانه: (وَمِنْ آياتِهِ انْ خَلَقَ لكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزواجاً لِتَسْكُنُوا إِليها وَجَعلَ بَيْنكُمْ مَودّة وَرحمةً).(2) إذن لا يجوز بحال أن ننقض هذه


1-النساء:21.
2-الروم:21.


(12)

العصمة والمودة والرحمة، و هذا العهد والميثاق، إلاّ بعد أن نعلم علماً قاطعاً لكلّ شك، بأنّ الشرع قد حلّ الزواج، ونقضه بعد أن أثبته وأبرمه.(1)

هذا كلّه حول الدليل الأوّل، و أمّا الثاني أي التمسّك بالاستصحاب و بقاء العقد، فكأنّه مكمّل له، فإذا شككنا في بقاء العقد ونقضه، فالاستصحاب هو المحكم، إلاّ إذا دلّ الدليل على نقض الحالة السابقة.

الثالث: الطلاق المعلّق خارج عن القسمين

دلّ قوله سبحانه:(الطّلاق مرّتان فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسريحٌ بِإحسان)(2) على أنّ الطلاق يجب أن يتمتع بأحد الأمرين: إمساك بمعروف بالرجوع إليها، أو تسريح بإحسان بتركها على حالها حتى تنقضي عدّتها، والطلاق بالأجل والشرط، خارج عن كلا القسمين، فلو قال في أوّل السنة:


1-الفقه على المذاهب الخمسة:414.
2-البقرة:229.


(13)

أنت طالق في نهاية السنة، أو أنت طالق عند رجوع الحجاج، فالمرأة لا مأخوذة ولا متروكة حتّى تنقضي عدّتها، لاحتمال عدم حصول المعلّق، فتبقى في الزوجية.

الرابع: المطلّقة أشبه بالمعلّقة

إنّ عناية الإسلام بنظام الأُسرة الذي أُسّه النكاح والطلاق، تقتضي أن يكون الأمر فيها منجّزاً لا معلّقاً، فإنّ التعليق ينتهي إلى ما لا تحمد عاقبته من غير فرق بين النكاح والطلاق، فالمرء إمّا أن يقدم على النكاح والطلاق أو لا، فعلى الأوّل ينكح أو يطلّق بتاتاً، وعلى الثاني يسكت حتّى يحدث بعد ذلك أمراً، والتعليق في النكاح والطلاق لا يناسب ذلك الأمر الهامّ، فقد قال سبحانه: (ولَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْـنَ النِّساءِ وَلو حَرَصْتُمْ فَلاَ تَـمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كَالمُعَلَّقَةِ وَإن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فإِنَّ اللّهَ كان غَفُوراً رَحيماً).(1)

واللّه سبحانه يشبّه المرأة التي يترك الزوج أداء حقّها


1-النساء:129.


(14)

الواجب عليه، بالمعلّقة التي هي لا ذات زوج ولا أيّم، فالمنكوحة معلّقاً، أو المطلّقة كذلك، أشبه شيء بالمعلّقة الواردة في الآية، فهي لا ذات زوج ولا أيّم.

الخامس: إجماع أئمّة أهل البيت

ـ عليهم السَّلام ـ

يظهر من مجموع الروايات الواردة في هذه المسألة وما يتلوها، إجماع أئمّة أهل البيت على بطلان الطلاق المعلّق.

روى بكير بن أعين عن أحدهما عليمها السَّلام أنّه قال:«ليس الطلاق إلاّ أن يقول الرجل لها ـ و هي طاهر من غير جماع ـ: أنت طالق، ويشهد شاهدي عدل، وكلّ ما سوى ذلك فهو ملغى».(1)

وأيّ تعبير أوضح من قوله: «وكلّ ما سوى ذلك فهو ملغى» مع شيوع الطلاق المعلق خصوصاً قسم الحلف في أعصارهم.


1-وسائل الشيعة:15، الباب16 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث1.


(15)

فإذا أضيف إلى ذلك ما روي عنهم عليهم السَّلام في بطلان الحلف بالطلاق، لأصبح الحكم واضحاً، لأنّ الحلف قسم من أقسام الطلاق المعلّق.

نعم ربّما استدلّ ببعض الوجوه العقلية على البطلان، وهي ليست تامّة عندنا، نظير:

أ . إنّ الطلاق المعلّق من قبيل تفكيك المنشـأ عن الإنشاء، لأنّ المفروض عدم وقوعه قبل الشرط، فيلزم تفكيك المنشأ عن الإنشاء.

وأنت خبير بعدم استقامة الدليل، فإنّ المنشأ بعد الإنشاء محقّق من غير فرق بين المنجّز والمعلّق، غير أنّ المنشأ تارة يكون منجّزاً وأُخرى معلّقاً، وفائدة الإنشاء أنّه لو تحقّق المعلّق عليه لا يحتاج إلى إنشاء جديد.

ب . ظاهر الأدلّة ترتّب الأثر على السبب فوراً، فاشتراط تأخّره إلى حصول المعلّق عليه، خلاف ظاهر الأدلّة.

يلاحظ عليه: أنّه ليس في الأدلّة ما يثبت ذلك، فالوارد في الأدلّة هو لزوم الوفاء بالإنشاء غير أنّ الوفاء يختلف حسب


(16)

اختلاف مضمونه.

وبذلك يظهر عدم صحّة الاستدلال على البطلان بما في «المحلّى» حيث قال: فإن كلّ طلاق لا يقع حين إيقاعه فمن المحال أن يقع بعد ذلك في حين لم يوقعه فيه.(1)

أدلّة القائل بالصحّة

استدلّ القائل بالصحّة بوجوه:

1. إطلاق قوله تعالى: (الطلاق مرّتان) حيث لم يفرق بين منجز ومعلّق.(2)

يلاحظ عليه: أنّ من شرائط التمسك بالإطلاق أو من شرائط انعقاد الإطلاق كـون المتكلّم بصـدد بيـان حكم الأمـر المشكوك فيه ، حتّى يستدلّ بسكوته على التسوية بين الأمر المشكوك فيه وغيره، كما في قوله: (وَالـّذينَ يُظاهـرونَ مِـنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لما قالُوا فَتَحريرُ رَقَبة مِن قَبْلِ أَنْ يَتماسَّا) (3)فإذا شكّ في شرطية الإيمان في تحرير الرقبة، يحكم


1-المحلى:10/213، المسألة 1970.
2-الفقه الإسلامي وأدلته:7/448.
3-المجادلة :3.


(17)

بعدم الشرطية بإطلاق الآية.

وأمّا إذا لم يكن بصدد بيان حكم الأمر المشكوك فيه، فلا يستدلّ بسكوته وعدم تعرّضه على التسوية كما في المقام، حيث إنّ قوله سبحانه بصدد بيان عدد الطلاق وانّه مرتان، وليس بصدد بيان كيفيته من حيث التنجيز والتعليق حتّى يتمسك بإطلاقه.

وكون المتكلّم في بيان المقام من مقدمات انعقاد الإطلاق كما هو محرر في محله.

2. المسلمون عند شروطهم، والطلاق المعلّق من قبيل الأُمور المشروطة.

يلاحظ عليه : أنّ قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «المسلمون عند شروطهم» ضابطة شرعية يستدلّ بها إذا شكّ في لزوم العمل بالشرط وعدمه، ـ بعد ثبوت صحة الاشتراط ـ كما إذا اشترطت الزوجة في عقد النكاح أن لايمنعها الزوج من مواصلة الدراسة أو العمل في خارج البيت إذا لم يكن مخلاً بحقّ الزوج، ففي مثل هذا المورد ـ بعد ثبوت أصل مشروعية


(18)

التعليق ـ يتمسك بالكبرى ويلزم الزوج بالعمل بالشرط.

وأمّا إذا شكّ في جواز أصل تعليق الإنشاء، وانّه هل يصحّ أو لا، لاحتمال خصوصية في الطلاق، فلا يتمسك بالكبرى لإثبات أصل مشروعية الصغرى، وهذا واضح لمن له إلمام بالأُصول.

ونظير الشرط، النذر، والعهد واليمين، فإنّما يستدلّ بكبرياتها على لزوم العمل إذا ثبتت المشروعية، وأمّا إذا شكّ في صحّة النذر ، فلا يتمسك بالكبرى لإثبات صحة الصغرى، فلو نذر أن يتوضأ بالماء المضاف، أو بالنبيذ، فلا يصلح قوله: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُم)(1) لإثبات مشروعية التوضّؤ بهما.

3. انّ القائلين بالصحّة استدلوا بآثار وفتاوى من ابن مسعود، وأبي ذرّ الغفاري، وعائشة، والحسن البصري وغيرهم من الفقهاء، ومعلوم أنّ أقوالهم وآراءهم حجّة على أنفسهم لا على غيرهم ما لم يثبت صدورها عن المعصوم.


1- الحج:29.


(19)

15

الحلف بالطلاق


(20)


(21)

15

الحلف بالطلاق

قد عرفت أنّ الحلف بالطلاق من أقسام الطلاق المعلّق ويفارق المسألة السابقة في انّ الغاية فيها ربط مضمون صيغة الطلاق بفعل المطلّق أو المطلّقة أو غيرهما كطلوع الشمس وقدوم الحاج من دون أن يكون فيه حث على الفعل أو منع عنه، بخلاف الحلف بالطلاق، فانّ الغاية فيه هو الحث أو المنع من العمل، أو حمل المخاطب على الثقة بكلامه، وإنّما سمّي حلفاً تجوّزاً لمشاركته الحلف في الغاية وهو الحث أو المنع أو تأكيد الخبر، كقوله «واللّه لأفعلن» وليس في الواقع حلفاً.

وقبل الخوض في المقصود نقدم أُموراً:


(22)

الأوّل: ليس للطلاق إلاّ صيغة واحدة

ذهبت الإمامية تبعاً لأئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ إلى أنّه ليس للطلاق إلاّ صيغة واحدة ، روى بكير بن أعين عن أحدهما عليمها السَّلام قال: «ليس الطلاق إلاّ أن يقول الرجل لها ـ و هي طاهر من غير جماع ـ: أنت طالق، و يشهد شاهدي عدل، وكلّ ما سوى ذلك فهو ملغى».(1)

خلافاً لأهل السنّة فقد أجازوا الطلاق بكلّ ما دلّ عليه لفظاً، وكتابة، وصراحة، وكناية مثل: أنت عليّ حرام، أو أنت بريّة، أو اذهبي فتزوجي، أو حبلك على غاربك، أو الحقي بأهلك، إلى غير ذلك من الصيغ. وللبحث في تعيّن الصيغة الواحدة أو كفاية كلّ ما دلّ على الطلاق، مقام آخر.

الثاني: تسويد الصفحات بأقسام الحلف بالطلاق

ذهبت الإمامية إلى بطلان الحلف بالطلاق، لأنّه من


1-وسائل الشيعة:15، الباب16 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث1.


(23)

أقسام المعلّق الذي أوضحنا حاله، وبذلك أراحوا أنفسهم من تسويد الصفحات الطوال العراض بأقسام الحلف بالطلاق، في حين زخرت كتب فقهاء السنّة بآراء وفتاوى لم يبرهنوا عليها بشيء من الكتاب والسنّة، والراجع إلى تلك الصفحات التي ربما تستغرق 45 صفحة يذعن بأنّ الطلاق أُلعوبة يتلاعب بها الرجل بصور شتى، وإن كنت في شك من ذلك فلاحظ الكتابين المعروفين:

1.المغني: تأليف محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن محمـد بن قدامة (المتوفّـى عام 620) وهـو أوسـع كتاب فقهي ظهـر عند الحنابلة مع الترجيح بين الأقوال بالدليل المقنع لهم. فقد خصّص (45) صفحـة من كتابه لهذا النوع من الصيغ. (1)

2. الفقه على المذاهب الأربعة: تأليف الشيخ عبد الرحمن الجزيري، ألّفه ليعرض الفقه بثوبه الجديد على الجيل الجديد، ومع ذلك تجده قد خصّص لهذا النوع من صور


1-لاحظ الجزء السابع 369ـ 414 بتصحيح الدكتور محمد خليل هراس.


(24)

الطلاق صفحات كثيرة. (1) وإليك نماذج من هذه الصور حتى تقف على صدق ما قلناه; ننقلها من «المغني» لابن قدامة.

1.إن قال لامرأتيه: كلّما حلفت بطلاقكما فأنتما طالقتان، ثمّ أعاد ذلك ثلاثاً، طلّقت كل واحدة منهما ثلاثاً.

2. إن قال لإحداهما: إن حلفت بطلاقك، فضرّتك طالق، ثمّ قال للأُخرى مثل ذلك ...

3.وإن كان له ثلاث نسوة فقال: إن حلفتُ بطلاق زينب، فعمرة طالق، ثم قال: وإن حلفت بطلاق عمرة، فحفصة طالق، ثمّ قال: إن حلفت بطلاق حفصة، فزينب طالق، طلّقت عمرة، وإن جعل مكان زينب عمرة طلّقت حفصة، ثمّ متى أعاده بعد ذلك طلّقت منهنّ واحدة ...

4. ومتى علّق الطلاق على صفات فاجتمعن في شيء واحد وقع بكلّ صفة ما علّق عليها كما لو وجدت متفرّقة وكذلك العتاق، فلو قال لامرأته: إن كلّمت رجلاً فأنت


1-الفقه على المذاهب الأربعة، الجزء الرابع.


(25)

طالق، وإن كلّمت طويلاً فأنت طالق، وإن كلّمت أسود فأنت طالق، فكلّمت رجلاً أسود طويلاً، طلّقت ثلاثاً . (1)

إلى غير ذلك من الصور التي لا يترتب على نقلها سوى إضاعة الوقت والورق.

الثالث: بطلان الحلف بالطلاق عند البعض

المشهور عند أهل السنّة هو صحّة الطلاق بالحلف به، ومع ذلك ذهب لفيف من الصحابة والتابعين إلى كونه باطلاً ، ووافقهم بعض المتأخّرين من الظاهريين كابن حزم، وابن تيمية من الحنابلة.

قال ابن حزم: وصحّ خلاف ذلك (وقوع الطلاق باليمين) عن السلف.

1. روينا من طريق حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن: انّ رجلاً تزوّج امرأة وأراد سفراً فأخذها أهل امرأته فجعلها طالقاً إن لم يبعث بنفقتها إلى شهر، فجاء الأجل ولم


1- المغني:7/369ـ 376.


(26)

يبعث بشيء، فلمّـا قدم خاصموه إلى عليّ، فقال عليّ ـ عليه السَّلام ـ : اضطهدتموه حتى جعلها طالقاً، فردّها عليه. (1)

2. روينا من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء: في رجل قال لامرأته: أنتِ طالق إن لم أتزوّج عليك. قال: إن لم يتزوّج عليها حتى تموت أو يموت، توارثا. والحكم بالتوارث آية بقاء العلقة.

3. ومن طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن غيلان بن جامع، عن الحكم بن عتيبة قال: في الرجل يقول لامرأته: أنتِ طالق إن لم أفعل كذا ثمّ مات أحدهما قبل أن يفعل، فإنّهما يتوارثان.

إنّ في عدم اعتداد الإمام عليّ بالطلاق ـ بلا إكراه ـ والحكم بالتوارث في الروايتين الأخيرتين دلالة على عدم الاعتداد باليمين بالطلاق.


1- ظاهر الحديث: أنّ الإمام ردّ المرأة لوقوع الطلاق مكرهاً، وبما أنّه لم تكن هناك كراهة ولم يطلب أهل المرأة سوى النفقة، يحمل على خلاف ظاهره، من بطلان الطلاق لأجل الحلف به.


(27)

4. ومن طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج: أخبرني ابن طاووس عن أبيـه أنّه كان يقول: الحلف بالطلاق ليس شيئاً. قلت: أكان يراه يمينـاً؟ قـال: لا أدري.

قال ابن حزم بعد نقل هذه الروايات: فهؤلاء علي بن أبي طالب وشريح (1) وطاووس لا يقضون بالطلاق على من حلف به فحنث، ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ ثم يقول: من أين أجزتم الطلاق بصفة ولم تجيزوا النكاح بصفة، والرجعة بصفة كمن قال: إذا دخلت الدار فقد راجعت زوجتي المطلّقة، أو قال: فقد تزوّجتك، وقالت هي مثل ذلك، وقال الولي مثل ذلك ولا سبيل إلى فرق. (2)

هذا و قد فصّل ابن تيميّة بين التعليق الذي يقصد به الإيقاع والذي يقصد به اليمين.


1- نقل رواية عن شريح تركنا نقلها لعدم دلالتها. وكان عليه عطف عطاء عليه أيضاً.
2- المحلّـى: 10/212ـ213.


(28)

فالأوّل أن يكون مريداً للجزاء عند الشرط وإن كان الشرط مكروهاً له، لكنّه إذا وجد الشرط فانّه يريد الطلاق لكون الشرط أكره إليه من الطلاق، كما إذا قال لزوجته: «إن خنت فأنت طالق»، فخانت الزوجة، فهذا موقع للطلاق عند الصفة لا حالف ووقوع الطلاق في مثل هذا هو المأثور عن الصحابة.

والثاني هو التعليق الذي يقصد به اليمين، ويمكن التعبير عن معناه بصيغة القسم، كما إذا قال: «إن خنتِ فأنت طالق» بقصد زجرها أو تخويفها باليمين لإيقاع الطلاق (في المستقبل) إذا فعلت، لأنّه لا يكون مريداً لها ـ له ـ و إن فعلت لكون طلاقها أكره إليه من مقامها على تلك الحال فهو علق بذلك لقصد الحظر والمنع لا لقصد الإيقاع فهذا حالف ليس بموقع.(1)

حاصل تفصيله: يرجع إلى التفريق بين الحلف على النتيجة، والحلف على الفعل، فعلى الأوّل يتحقّق الطلاق،


1-الفتاوى الكبرى:3/9.


(29)

إذا حصل المعلّق عليه ولا يتصوّر فيه الحنث، لصيرورة الزوجة عندئذ مطلقة، شاء الزوج أم لم يشأ، لأنّ المنشأ صيرورتها مطلقة عند وقوع المعلق عليه وأمّا على الثاني، فالمنشأ قيامه بالفعل في المستقبل وتطليقها، وعندئذ يتصوّر فيه الحنث ولو كان ابن تيمية ملمّاً بفقه الشيعة ومصطلحاتهم، لسهل عليه التعبير عن مقصده بما قلناه.

نعم الحلف على النتيجة، إنّما يصحّ إذا لم يتوقّف حصولها على سبب خاص، ككون الشيء ملكاً لزيد، وأمّا إذا توقّف على سبب خاص أو شكّ في توقّفها عليه، كما هو الحال في الطلاق، فالحلف به، لا يفيد في حصولها.

إذا عرفت هذه الأُمور يقع الكلام في محورين:

الأوّل: صحة الطلاق بالحلف به عند حصول المعلّق عليه.

الثاني: حكم الزوجة في الفترة التي لم يتحقق المعلّق عليه.

وإليك الكلام في الأوّل:


(30)

بطلان الطلاق بالحلف به

ذهبت الإمامية ـ كما عرفت ـ إلى بطلانه، وقد اشتهرت الطائفة في باب الطلاق بإنكار أُمور:

1. طلاق المرأة وهي حائض.

2. طلاق المرأة دون حضور عدلين.

3. الحلف بالطلاق.

والدليل على بطلان الحلف بالطلاق، هو نفس الدليل على بطلان الطلاق المعلّق، لما عرفت من أنّ الأوّل من أقسام الثاني، ونزيده بياناً بما ورد عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ في خصوص الحلف بالطلاق.

عن أبي أُسامة الشحام، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّ لي قريباً لي أو صهراً حلف إن خرجت امرأته من الباب فهي طالق ثلاثاً، فخرجت، فقد دخل صاحبها منها ما شاء اللّه من المشقة، فأمرني أن أسألك، فأصغى إليّ، فقال: «مره فليُمسكها فليس بشيء»، ثمّ التفت إلى القوم فقال: «سبحان


(31)

اللّه يأمرونها أن تتزوّج ولها زوج». (1)

ونُعيد هنا كلمة لبعض المشايخ، مرّت بنا في الصفحات الماضية، قال: إنّ الزواج عصمة ومودة ورحمة وميثاق من اللّه. قال تعالى: (وَقَدْ أَفْضَى بَعضُكُمْ إِلى بَعْض وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَليظاً)(2)، وقال سبحانه: (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً).(3) إذن لا يجوز بحال أن ننقض هذه العصمة والمودة والرحمة، وهذا العهد والميثاق، إلاّ بعد أن نعلم علماً قاطعاً لكلّ شكّ بأنّ الشرع قد حلّ الزواج، ونقضه بعد أن أثبته وأبرمه.(4)

دليل القائل بالصحّة

استدلّ القائل بالصحّة بما مرّ في الطلاق المعلّق من


1-الوسائل: الجزء 15، الباب 18 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 3.
2-النساء:21.
3-الروم:21.
4- الفقه على المذاهب الخمسة: 414.


(32)

أنّه التزم أمراً عند وجود شرطه فلزمه ما التزمه مثلاً التزم بأنّه إذا كلّمت الزوجة فلاناً فهي طالق.

يلاحظ عليه: أنّه عبارة أُخرى للتمسّك بقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «المسلمون عند شروطهم» و قد سبق انّه لايستدلّ بالكبرى على صحّة الصغرى فانّ معنى قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «المسلمون عند شروطهم» هو انّهم عند شروطهم التي ثبتت صحّة الاشتراط بها في الإنشاء، دون ما إذا شكّ في صحّة الاشتراط.

وربما يستدلّ عليه بالإجماع، كما ذهب إلى ذلك السبكي في «الدرة»، وقد عرفت وجود الخلاف بين الصحابة والتابعين فكيف يدّعي الإجماع؟!

حكم المرأة في الفترة

لو قلنا ببطلان الحلف بالطلاق وانّ وجوده وعدمه سيان، تكون المحلوف عليها زوجته، سواء تحقّق المعلّق عليه أو لا، فيكـون البحث أشبـه بالسالبة بانتفـاء الموضـوع، وقـد مـرّ في كلام أبـي عبـد اللّه ـ عليه السَّلام ـ :«سبحـان اللّه يأمرونها أن


(33)

تتـزوّج ولها زوج».

وأمّا على القول بصحّة الإنشاء وصيرورتها مطلّقة عند تحقّق المعلّق عليه فمقتضى القاعدة جواز مسها في الفترة بين إنشاء الصيغة وتحقّق المعلّق عليه، وقد روى ابن حزم عن ابن عباس جواز مسّها قبل رأس الشهر إذا علّق الطلاق عليه، و مع ذلك نقل عن سعيد بن المسيب حرمة المس قبل رأس شهر.

ويترتب على ذلك التوارث إذا مات أحدهما قبل رأس الشهر، فيرث على قول ابن عباس، لأنّها زوجته ولا يرث على القول الآخر.

كما روى عن مالك التفصيل بين كون المعلّق عليه مشكوك الوجود في المستقبل، فيجوز فيها ويتوارثان إذا مات أحدهما قبل تحقّق المعلّق عليه، دون ما إذا كان محقّق الوجود، فلا يجوز فيها ولا يتوارثان.(1)


1-المحلى:10/213ـ214، ونقل قولاً رابعاً لا يخلو من إبهام ولذا تركنا نقله.


(34)

خاتمة المطاف

هل تتعلّق الكفّارة إذا حنث

قال الشهيد: تختصّ الكفّارة بما إذا حلف باللّه أو أسمائه الخاصة لتحقّق ما يحتمل المخالفة والموافقة في المستقبل.(1)

وقال العلاّمة: اليمين عبارة عن تحقيق ما يمكن فيه الخلاف بذكر اسم اللّه أو صفاته.(2) إلى غير ذلك من الكلمات المتضافرة من اختصاص الكفّارة بالحلف باللّه وصفاته ولا ينعقد الحلف باليمين على غير اللّه وصفاته وإن كان المحلوف به هو الكعبة والقرآن والنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وعلى ذلك فالبحث عن الكفّارة على أُصولنا أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع لعدم انعقاد اليمين بغير اللّه وصفاته.


1-الدروس:2/161.
2-القواعد :3/266.


(35)

نعم ذهبت المالكية إلى أنّ أيمان المسلمين ستة أشياء، وهي: اليمين باللّه تعالى، والطلاق البات لجميع الزوجات، أو عتق ما يملك من العبيد والإماء، والتصدق بثلث المال، والمشي بحج وصوم عام. ونُقل قريب من ذلك من الحنابلة.(1)

واختاره ابن تيمية فقال: إنّ هذا يمين من أيمان المسلمين فيجري فيها ما يجري في أيمان المسلمين، وهو الكفارة عند الحنث، إلاّ أن يختار إيقاع الطلاق فله أن يوقعه ولا كفّارة.(2)

ولكن من أين ثبت انّه من أيمان المسلمين، ليكونَ للطلاق من القداسة ما للفظ الجلالة، فلاحظ.

ومن عجيب الأمر ما أحدثه الحجاج بن يوسف الثقفي المعروف بأيمان البيعة، فكان يأمر الناس عند البيعة لعبد الملك بن مروان أن يحلفوا بالطلاق والعتاق واليمين باللّه وصدقة المال، فكان هذه الأيمان الأربعة ، أيمان البيعة


1-الموسوعة الفقهية:17/251.
2-الفتاوى الكبرى:3/12و13.


(36)

القديمة المبتدعة.

ثمّ أحدث المستحلفون من الأمراء عن الخلفاء والملوك وغيرهم أيماناً كثيرة تختلف فيها عاداتهم.(1)

ومع ذلك فلا خلاف بين فقهاء السنة عدا ابن تيميّة في كلامه السابق انّ الحلف بغير اللّه لاتجب بالحنث فيه الكفّارة، إلاّ ما روي عن أكثر الحنابلة في وجوب الكفارة على من حنث في رسول اللّه، لأنّه أحد شطري الشهادتين اللّتين يصير بهما الكافر مسلماً.

ثمّ إنّ الحنث إنّما يتصوّر إذا حلف على الفعل بأن يطلقها في المستقبل عند حصول المعلّق عليه، فإذا حصل ولم يطلق، حصل الحنث دون ما إذا حلف على النتيجة أي صيرورة المرأة مطلقة أو ماله صدقة أو عبده معتقاً بنفس هذه الصيغة إذا حصل المعلّق عليه من دون حاجة إلى صيغة أُخرى، إذ تكون المرأة عندئذ مطلقة، شاء الحالف أم لم يشأ. ومثله كون أمواله صدقة وعبيده عتقاء، وقد مرّ توضيحه عند نقل كلام ابن تيمية.


1-الموسوعة الفقهية:7/250.


(37)

16

الطلاق في الحيض والنفاس

أو

في طهر المواقعة


(38)


(39)

16

الطلاق في الحيض والنفاس

أو

في طهر المواقعة

اتّفقت الإمامية على أنّ الطلاق في الحيض والنفاس حرام تكليفاً و باطل وضعاً، وهكذا الطلاق في طهر المواقعة، وأمّا جمهور الفقهاء من السنّة فاتّفقوا على وقوع الطلاق مع اتّفاقهم على وقوع الإثم فيه على المطلِّق. وقبل الخوض في تحرير دليل المسألة، نقدّم أُموراً:

الأوّل: تقسيم الطلاق إلى سُنّي و بدعيّ

قسَّم الفقهاء الطلاق من حيث وصفه الشرعي إلى


(40)

سُنّي وبدعي; ويريدون بالسنّي ما وافق السنّة في طريقة إيقاعه، والبدعي ما خالف السنّة في ذلك.

فمن مصاديق الطلاق السُّني هو أن يطلّق الزوج زوجته طلقة واحدة رجعية في طهر لم يطأها فيه، وعلى ذلك فالطلاق في الطهر الذي واقعها أو في حالة الحيض والنفاس طلاق بدعي، وهذا ممّا لا كلام فيه.

الثاني: في تفسير شرطية الطهر في الطلاق السنّي

اتّفقت كلمتهم على أنّ طهارة المرأة من الحيض والنفاس طلاق سنّي ومقابله بدعي، إلاّ أنّ الكلام في مفاد شرطية الطهر، فهل هو شرط الصحة والإجزاء، أو شرط الكمال والتمام؟

وبعبارة أُخرى: هل التكليف في المقام تكليف وضعي بمعنى كونها شرطاً لصحّة الطلاق ولولاه كان الطلاق باطلاً، أو انّه حكم تكليفي متوجّه إلى المطلِّق، وهو انّه يجب أن يُحلّ العقدة في حال كونها طاهرة من الحيض والنفاس فلو تخلّف


(41)

أثم وصحّ الطلاق؟

فالإمامية وقليل من غيرهم كسعيد بن المسيب (1) وابن عليّة كما يأتي على الأوّل(شرط الصحّة) وأكثر المذاهب على الثاني( حكم تكليفي).

الثالث: نقل كلمات الفقهاء

قال الشيخ الطوسي في «الخلاف»: الطلاق المحرَّم، هو أن يطلّق مدخولاً بها غير غائب عنها غيبة مخصوصة، في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه، فما هذا حكمه فانّه لا يقع عندنا، والعقد ثابت بحاله. وبه قال ابن عليّة، وقال جميع الفقهاء: إنّه يقع وإن كان محظوراً، ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه ومالك والأوزاعي والثوري والشافعي.(2)

وقال ابن رشد في حكم من طلّق في وقت الحيض: إنّ الجمهور قالوا: يُمضى طلاقه، وقالت فرقة: لا ينفذ ولا يقع، والذين قالوا: ينفذ، قالوا:يؤمربالرجعة، وهؤلاء افترقوا فرقتين،


1-تفسير القرطبي:18/150.
2- الخلاف:4، كتاب الطلاق، المسألة2.


(42)

فقوم رأوا انّ ذلك واجب، وأنّه يجبر على ذلك، وبه قال مالك وأصحابه، وقالت فرقة: بل يندب إلى ذلك ولا يجبر، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد.(1)

وفي الموسوعة الفقهية: اتّفق جمهور الفقهاء على وقوع الطلاق البدعي، مع اتّفاقهم على وقوع الإثم فيه على المطلق لمخالفته السنّة المتقدّمة.

فإذا طلق زوجته في الحيض وجب عليه مراجعتها، رفعاً للإثم لدى الحنفية في الأصح عندهم، وقال القدوري من الحنفية: إنّ الرجعة مستحبة لا واجبة.

وذهب الشافعي إلى أنّ مراجعة من طلقها بدعياً سنّة، وعبر الحنابلة عن ذلك بالاستحباب.(2)

الرابع: ما هو المراد من القُرء؟

اتّفق الفقهاء على أنّ المطلقات يتربصن بأنفسهن


1-بداية المجتهد:2/64.
2-الموسوعة الفقهية:29/35.


(43)

ثلاثة قروء، غير أنّهم اختلفوا في معنى «القرء» الذي يجمع على قروء، فالشيعة الإمامية على أنّ المراد منه هو الأطهار الثلاثة .

وقد تبعوا في ذلك ما روي عن علي  ـ عليه السَّلام ـ ; روى زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: إنّي سمعت ربيعة الرأي يقول: إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة بانت منه، وإنّما القرء ما بين الحيضتين وزعم انّه أخذ ذلك برأيه، فقال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «أخذه عن علي  ـ عليه السَّلام ـ » قال: قلت له: وما قال فيها علي  ـ عليه السَّلام ـ ؟قال: «كان يقول: إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها ولا سبيل عليها وإنّما القرء ما بين الحيضتين».(1)

روى زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ سمعت ربيعة الرأي يقول: من رأيي انّ الاقراء التي سمّى اللّه عزّ وجلّ في القرآن إنّما هو الطهر فيما بين الحيضتين، فقال: «إنّما بلغه عن علي  ـ عليه السَّلام ـ » فقلت:أكان علي  ـ عليه السَّلام ـ يقول ذلك، فقال: «نعم، إنّما القرء الطهر الذي يُقرأ فيه الدم، فيجمعه، فإذا جاء المحيض


1-الوسائل:15، الباب15 من أبواب العدد، الحديث4، ولاحظ الحديث1.


(44)

دفعه».(1)

وذهب أصحاب سائر المذاهب إلاّ من عرفت إلى أنّ المراد منها هي الحيضات والتحقيق في محلّه، وإنّما ذكرنا ذلك مقدّمة لتفسير الآية الآتية.

الخامس: عدم احتساب الحيضة من العدّة

إذا طلق زوجته في الحيض والنفاس فلا تحسب تلك الحيضة من الإقراء الثلاثة عند القائلين بصحّة الطلاق، بل تحسب الحيضة الثانية بعد انقضاء الأُولى بالدخول في طهرها، وعلى هذا الأصل ذكر بعض الباحثين بأنّ الحكمة في المنع من الطلاق في الحيض هو انّ ذلك يُطيل على المرأة العدة، فانّها إن كانت حائضاً لم تحتسب الحيضة من عدتها، فتنتظر حتى تطهر من حيضها وتتم مدة طهرها، ثمّ تبدأ العدة من الحيضة التالية.(2)


1- الوسائل:15، الباب14 من أبواب العدد، الحديث4.
2-نظام الطلاق في الإسلام:27.


(45)

هذا على مذهب أهل السنّة من تفسير القروء، وبالتالي العدّة بالحيضات.

و تطول العدة أيضاً على القول بتفسير «القرء» بالطهر، إذا لا تحتسب الحيضة من عدتها فتنتظر حتّى تطهر من حيضها وتبدأ العدة من يوم طهرت.

السادس: طلاق عبد اللّه بن عمر هو الأصل

إنّ دليل القائل بالجواز في حال الحيض رواية عبد اللّه بن عمر، وقد وردت بألفاظ كثيرة، حتّى أوجدت في الرواية اضطراباً، وسيوافيك صورها ومعالجة اضطرابها وانطباقها على المختار.

إذا عرفت هذه الأُمور فلنذكر الدليل على بطلان الطلاق.

الاستدلال بالكتاب على شرطية الطهر

يقول سبحانه:(يا أَيُّها النَّبيُّ إِذا طلَّقْتُمُ النِّساءَ )


(46)

فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللّهَ رَبَّكُمْ لا تخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجنَ إِلاّ أَنْ يَأْتينَ بِفَاحِشة مُبَيِّنة وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْري لَعَلَّ اللّه يُحدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً).(1)

والآية ظاهرة في أنّ المسلم إذا أراد أن يطلّق زوجته فعليه أن ينتظر الوقت المناسب للدخول في العدة بحيث يكون الوقت الذي تطلّق فيه جزءاً من العدة، فلو طُلِّقت في حالة الحيض، فانّها لا تحسب منها بالاتّفاق.

قال القرطبي: معنى فطلقوهنّ لعدتهنّ، أي في الزمان الذي يصلح لعدتهن، وحصل الإجماع على أنّ الطلاق في الحيض ممنوع، و في الطهر مأذون فيه.(2)

توضيح ذلك: انّ الآية دالّة على شرطية الطهارة من الحيض مطلقاً، سواء فسرت ثلاثة قروء ـ و بالتالي قوله:«لعدتهن» ـ بالأطهار الثلاثة، أو بالحيضات الثلاث .


1-الطلاق:1.
2-تفسير القرطبي:18/153.


(47)

وذلك انّه إذا قلنا بأنّ المراد من قوله «لعدتهن» هي الأطهار الثلاثة، فاللام في قوله: (لعدتهنّ) عندئذ ظاهرة في الغاية والتعليل والمعنى فطلقوهن لغاية أن يعتددن، والأصل هو ترتّب الغاية على ذيها بلا فصل ولا تريّث(ما لم يدلّ دليل على الخلاف)، مثل قوله سبحانه: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)(1) وقوله تعالى: (وَما أَنْزلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فيهِ)(2)، واحتمال كون اللام للعاقبة التي ربّما يكون هناك فصل بين الغاية وذيها، مثل قوله سبحانه: (فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَونَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً)(3) غير صحيح، لأنّ موردها فيما إذا كانت النتيجة مرتبة على ذيها ترتّباً قهرياً غير إرادي كما في الآية، ومثل قولهم: لدوا للموت وابنوا للخراب.

وأمّا إذا قلنا بأنّ المراد من قوله: «لعدتهن» هو الحيضات الثلاث فبما انّ الطلاق في حال الحيض حرام


1- النحل:44.
2-النحل:64
3- القصص:8.


(48)

تكليفاً في عامة المذاهب الفقهية، فلا يصحّ تفسير اللام بالظرفية إن طلقوهن في عدتهن(الحيضات) أو بالغاية فطلقوهن لغاية اعتدادهنّ بعد الطلاق، لما عرفت من أنّ الحيضة التي وقع الطلاق فيها لا تحسب من الثلاث، فلا محيص من تفسير الآية بتقدير كلمة «مستقبلات لعدتهن» كما تقول: «لقيته لثلاث بقين من الشهر» تريد مستقبلاً لثلاث، و بما انّ المراد بـ«عدتهن» هو الحيضات الثلاث، فيكون المراد بمستقبلها، هو أيّام الطهر من الحيض، أي طلقوهن في حال كونهن مطهرات، مستقبلات لعدتهنّ، أي الحيضات الثلاث.

قال القرطبي: معنى (فطلقوهن لعدتهن) أي من قَبْل عدتهن أو لقبل عدتهن، و هي قراءة النبي كما قال ابن عمر في صحيح مسلم وغيره: فَقَبْل العدة آخر الطهر حتى يكون القرء هو الحيض.

هذا ولكن الحقّ هو الوجه الأوّل، فانّ لازم ذلك اختصاص الطلاق بآخر الطهر، ويترتّب عليه انّه لو طلق في أوّل الطهر لا يصلح، إذ لا يكون عندئذ مستقبلاً للعدة، لأنّ


(49)

المفروض انّ الحيض لم يقبل بعد، ولعلّ هذا دليل على عدم صحّة تفسير (لعدتهنّ)بالحيضات وتعيّن تفسيرها بالأطهار.

وعلى كلّ تقدير فالآية ظاهرة في شرطية الطهارة في صحّة الطلاق، سواء أفسرت «العدّة» بالأطهار أو بالحيضات .

الاستدلال بالسنّة

تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ على اشتراط الطهارة.

روى الكليني بسند صحيح عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ قال: «كلّ طلاق لغير السنّة فليس بطلاق، أن يطلّقها وهي حائض أو في دم نفاسها أو بعد ما يغشاها قبل أن تحيض فليس طلاقها بطلاق». (1)

هذا ما لدى الشيعة وأمّا ما لدى السنّة فالمهم لديهم في


1-الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 9، وغيره.


(50)

تصحيح طلاق الحائض هو رواية عبد اللّه بن عمر، حيث طلّق زوجته وهي حائض، وقد نقلت بصور مختلفة نأتي بها.(1)

الأُولى: ما دلّ على عدم الاعتداد بتلك التطليقة

1. روى أبو الزبير قال: سألت جابراً عن الرجل يطلّق امرأته وهي حائض؟ فقال: طلّق عبد اللّه بن عمر امرأته وهي حائض، فأتى عمر رسول اللّه فأخبره بذلك فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ليراجعها فانّها امرأته.

2. روى نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر أنّه قال في الرجل يطلّق امرأته وهي حائض، قال ابن عمر: لا يعتدّ بها.

الثانية: ما يتضمّن التصريح باحتساب تلك التطليقة طلاقاً صحيحاً

1. يونس بن جبير قال: سألت ابن عمر قلت: رجل طلّق امرأته وهي حائض؟ فقال: تعرف عبد اللّه بن عمر؟


1-راجع للوقوف على تلك الصور، السنن الكبرى: 7/ 324ـ 325.


(51)

قلت: نعم ، قال: فانّ عبد اللّه بن عمر طلّق امرأته وهي حائض، فأتى عمر ـ رضى اللّه عنه ـ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فسأله، فأمره أن يراجعها ثمّ يطلّقها من قبل عدّتها. قال، قلت: فيعتدّ بها؟ قال: نعم، قال: أرأيت إن عجز واستحمق.

2. يونس بن جبير قال: سألت ابن عمر قلت: رجل طلّق امرأته، وهي حائض؟ قال: تعرف ابن عمر؟ إنّه طلّق امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأمره أن يراجعها، قلت: فيعتد بتلك التطليقة؟ قال: فمه؟ أرأيت إن عجز واستحمق.

3. يونس بن جبير قال: سمعت ابن عمر قال: طلّقت امرأتي وهي حائض. فأتى عمر بن الخطاب ـ رضى اللّه عنه ـ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فذكر ذلك له، فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ليراجعها، فإذا طهرت فليطلّقها، قال: فقلت لابن عمر: فاحتسبت بها؟ قال: فما يمنعه؟ أرأيت إن عجز واستحمق.

4. أنس بن سيرين قال: سمعت ابن عمر يقول: طلَّقت امرأتي وهي حائض، قال: فذكر ذلك عمر للنبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ


(52)

قال، فقال: ليراجعها فإذا طهرت فليطلقها. قال: فقلت له ـ يعني لابن عمرـ: يحتسب بها؟ قال: فمه؟

5. أنس بن سيرين: ذكر نحوه غير أنّه قال: فليطلّقها إن شاء. قال: قال عمر ـ رضى اللّه عنه ـ: يا رسول اللّه أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: نعم.

6. أنس بن سيرين قال: سألت ابن عمر عن امرأته التي طلّق؟ فقال: طلّقتها وهي حائض. فذكر ذلك لعمر ـ رضى اللّه عنه ـ فذكره للنبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: مره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلّقها لطهرها. قال: فراجعتها ثمّ طلّقتها لطهرها. قلت: واعتدّت بتلك التطليقة التي طلّقت وهي حائض؟ قال: مالي لا أعتدّ بها، وإن كنت عجزت واستحمقت.

7. عامر قال: طلّق ابن عمر امرأته


(53)

وهي حائض واحدة، فانطلق عمر إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأخبره، فأمره إذا طهرت أن يراجعها ثمّ يستقبل الطلاق في عدّتها ثمّ تحتسب بالتطليقة التي طلّق أوّل مرّة.

8. نافع عن ابن عمر ـ رضى اللّه عنه ـ أنّه طلّق امرأته، وهي حائض، فأتى عمر ـ رضى اللّه عنه ـ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فذكر ذلك له فجعلها واحدة.

9. سعيد بن جبير عن ابن عمر ـ رضى اللّه عنه ـ قال: حُسِبَتْ عليَّ بتطليقة.

الثالثة: ما ليس فيه تصريح بأحد الأمرين

1. ابن طاووس عن أبيه : أنّه سمع ابن عمر سئل عن رجل طلق امرأته حائضاً؟ فقال: أتعرف عبد اللّه بن عمر؟ قال: نعم. قال: فإنّه طلّق امرأته حائضاً، فذهب عمر ـ رضى اللّه عنه ـ إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأخبره الخبر، فأمره أن يراجعها. قال: لم أسمعه يزيد على ذلك لأبيه.

2. منصور بن أبي وائل: إنّ ابن عمر طلّق امرأته، وهي حائـض، فأمره النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يراجعها حتى تطهر، فإذا طهرت طلّقها.

3. ميمون بن مهران عن ابن عمر أنّه طلّق امرأتـه في حيـضها، قـال: فأمرهرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يرتجعها حتى تطهر،


(54)

فإذا طهرت فإن شاء أمسك قبل أن يجامع.

4. سئل أبو الزبير عن رجل طلّق امرأته حائضاً؟ قال: طلّق عبد اللّه بن عمر ـ رضى اللّه عنهما ـ امرأته وهي حائض على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فسأل عمر ـ رضى اللّه عنه ـ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: إنّ عبد اللّه بن عمر طلّق امرأته وهي حائض؟ فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ليراجعها، فردّها عليّ وقال: إذا طهرت فليطلّق أو ليمسك، قال ابن عمر: وقرأ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : (يا أيُّها النَّبيُّ إذا طَلَّقتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنّ لِعدَّتِهنَّ)أي في قبل عدّتهنّ.

وبعدتصنيف هذه الروايات نبحث عن الفئة الراجحة منها بعد معرفة طبيعة الإشكالات التي تواجه كلاً منها ومعالجتها.

معالجة الصور المتعارضة

لا شك أنّ الروايات كانت تدور حول قصة واحدة، لكن بصور مختلفة، فالحجة بينها مردّدة بين تلك الصور


(55)

والترجيح مع الأُولى لموافقتها الكتاب وهي الحجّة القطعية، وما خالف الكتاب لا يحتج به، فالعمل على الأُولى.

وأمّا الصورة الثالثة، فيمكن إرجاعها إلى الأُولى لعدم ظهورها في الاعتداد والصحّة، نعم ورد فيه الرجوع الذي ربّما يتوهّم منه، الرجوع إلى الطلاق الملازم لصحّته، لكن ليس بشيء.

فانّ المراد من المراجعة فيها هو المعنى اللغوي لا مراجعة المطلّقة الرجعية، ويؤيّد ذلك أنّ القرآن يستعمل كلمة الرد أو الإمساك، فيقول: (وبعُولَتهنَّ أحقُّ بِردِّهنَّ).(1)

وقال سبحانه: (الطلاقُ مرَّتانِ فإمساكٌ بِمَعروف) (2)، وقال سبحانه: (فأمسكوهنَّ بِمعرُوف) (3) ، وقال تعالى: (ولاتُمْسِكُوهنَّ ضِراراً لِتعتَدوا)(4).

نعم استعمل كلمة الرجعة في المطلّقة ثلاثاً إذا تزوّجت رجلاً آخر فطلّقها، قال سبحانه: (فإنْ طَلَّقَها فَلا تَحلُّ لَهُ مِنْ )


1-البقرة: 228.
2-البقرة: 229.
3-البقرة: 231.
4-البقرة:231.


(56)

بَعدُ حَتى تَنكِحَ زَوجاً غيرَه فَإنْ طَلَّقها فَلا جُناحَ عَلَيهِما أنْ يَتَراجَعا). (1)

بقي الكلام في النصوص الدالة على الاحتساب، أعني: الصورة الثانية، فيلاحظ عليها بأُمور:

1. مخالفتها للكتاب، وما دلّ على عدم الاحتساب .

2. أنّ غالب روايات الاحتساب لا تنسبه إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وإنّما إلى رأي ابن عمر وقناعته، فلو كان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد أمر باحتسابها، لكان المفروض أن يستند ابن عمر إلى ذلك في جواب السائل، فعدم استناده إلى حكم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ دليل على عدم صدور ما يدل على الاحتساب من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نفسه، فتكون هذه النصوص موافقة للنصوص التي لم تتعرّض للاحتساب، لأنّها كلّها تتّفق في عدم حكم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ باحتساب التطليقة، غايته اشتمل بعضها على نسبة الاحتساب إلى ابن عمر نفسه، وهو ليس حجّة لإثبات الحكم الشرعي.


1-البقرة: 230.


(57)

وأمّا الرواية الأُولى لنافع فقد نسب الحكم بالاحتساب في إحدى الصيغتين إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نفسه (الرواية 8 من القسم الثاني) ، بينما رويت الثانية بصيغة أُخرى تضمّنت النسبة إلى ابن عمر بعدم الاحتساب (الرواية 2 من القسم الأوّل).

وأمّا رواية أنس فرويت بصيغتين تدلاّن على أنّ الحكم بالاحتساب هو قناعة ابن عمر نفسه لا قول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ (الرواية 4و 6 من القسم الثاني) وبصيغة ثالثة نسبت الاحتساب إلى النبيّ (الرواية 5 من القسم الثاني) ومع هذا الاضطراب لا تصلح الرواية لإثبات نسبة الحكم بالاحتساب إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نفسه.

3. أنّ فرض صحّة التطليقة المذكورة لا يجتمع مع أمر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بإرجاعها وتطليقها في الطهر هذا، لأنّ القائلين بصحّة الطلاق في الحيض لا يصحّحون إجراء الطلاق الثاني في الطهر الذي بعده، بل يشترطون بتوسّط الحيض بين الطهرين وإجراء الطلاق في الطهر الثاني. فالأمر من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بإرجاعها وتطليقها في الطهر الثاني ينافي احتساب تلك


(58)

تطليقة صحيحة.

4. اشتهر في كتب التاريخ أنّ عمر كان يعتبر ولده عاجزاً عن الطلاق، وظاهره يوحي بأنّ ما فعله لم يكن طلاقاً شرعاً.

وبعد ملاحظة كل ما قدّمناه يتّضح عدم ثبوت نسبة الاحتساب إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والذي يبـدو أنّ النـص ـ على فرض صـدوره ـ لم يتضمّن احتســـاب التطليقة من قبل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وانّما هي إضافات أو توهّمات بسبب قناعة ابنعمرأو بعض من هم في سلسلة الحديث، ولذلك اضطربت الصيغ في نقل الحادثة.

بقيت هنا رواية ثالثة لنافع وهي: إنّعبد اللّه بن عمر طلّق امرأته وهي حائض، في عهد رسولاللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فسألعمربن الخطاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن ذلك؟ فقال له رسولاللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :فليراجعها، ثمّ ليتركهاحتى تطهر ثم تحيض ثمّ تطهر، ثمّ إن شاء أمسكبعدوإنشاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدّة التي أمر اللّه عزّ وجلّ أن يطلّق لها النساء.


(59)

فالظاهر انّ الرواية من أدلّة القول بالبطلان، إذ لا تدلّ على صحّة التطليقة الأُولى إلاّ بادّعاء ظهور «الرجوع» في صحّة الطلاق وقد علمت ما فيه.

وأمّا أمره بالطلاق في الطهر الثاني بعد توسّط الحيض بين الطهرين حيث قال: «مره فليراجعها، ثمّ ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر. ثمّ إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلّق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر اللّه عزّ وجلّ أن يطلّق لها النساء» وكان بإمكانه أن يطلقها في الطهر الأوّل حسب مختارنا فلعلّ أمره بمضي طهر وحيض، لأجل مؤاخذة الرجل حيث تسرّع في الطلاق وجعله في غير موضعه فأُرغم أن يصبر طهراً وحيضاً، فإذا استقبل طهراً ثانياً فليطلّق أو يمسك.

وبعد كلّ هذا لا يصحّ الاعتماد على رواية عبد اللّه بن عمر، لاضطراب النقل عنه، خصوصاً مع ملاحظة الكتاب العزيز الدالّ على وقوع الطلاق في العدّة.


(60)

الطلاق في طهر المواقعة

قد عرفت أنّ الطلاق في حالة الحيض والنفاس حرام تكليفاً وباطل وضعاً وإن ذهب جمهور الفقهاء إلى الحرمة التكليفية دون الوضعية.

بقي الكلام في طلاق الزوجة في طهر المواقعة، فهو أيضاً من الطلاق البدعيّ، حكمه حكم الطلاق في الحيض والنفاس.

ويدلّ عليه من طرق أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ صحيحة الفضلاء(1) كلّهم عن أبي جعفر وأبي عبد اللّهعليمها السَّلام انّهما قالا: «إذا طلّق الرجل في دم النفاس أو طلّقها بعد ما يمسّها فليس طلاقه إيّاها بطلاق».(2)

وروى أيضاً عمر بن أُذينة، عن بكير بن أعين وغيره، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ كلّ ذلك لغير السنّة فليس بطلاق، أن


1-المراد: زرارة و محمد بن مسلم و بكير بن أعين وبُريد و فضيل و إسماعيل الأزرق و معمر بن يحيى.
2-الوسائل:15، الباب 8 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث5.


(61)

يطلقها وهي حائض أو في دم نفاسها أو بعدما يغشاها، قبل أن تحيض فليس طلاقه بطلاق».(1)

هذا عند الشيعة الإمامية وأمّا فقهاء السنّة فلهم أقوال ثلاثة :

1. إذا أوقع الزوج الطلاق في طهر جامعها فيه، كان الطلاق عند الجمهور حراماً شرعاً.

2. قالت الحنفية: مكروه تحريميّاً، وهو المسمّى طلاقاً بدعيّاً.

3. ذهبت المالكية إلى القول بتحريم الطلاق في الحيض أو النفاس و يكره في غيرهما.(2)

وعلى كلّ تقدير فإنّ الطلاق في هذه الحالة حرام تكليفاً، أو مكروه عند المالكية ولا يضرّ بصحّة الطلاق، ويمكن الاستدلال على بطلانه في طهر المواقعة بالكتاب والسنّة.


1-الوسائل:15، الباب 8 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 9.
2-الفقه الإسلامي وأدلّته:7/402.


(62)

أمّا الكتاب فلقوله سبحانه: (فطلّقوهُنّ لعدتهنّ).

فإن قلنا بأنّ المراد من قوله: (لعدتهنّ) هي الأطهار الثلاثة فواضح، سواء قلنا: إنّ اللام بمعنى «في» فإنّ المراد إيقاع الطلاق في الزمان الذي يصلح للاعتداد، أو بمعنى الغاية والمراد إيقاع الطلاق لغاية الاعتداد، وعلى كلا الوجهين يجب أن يترتّب الاعتداد على إيقاع الطلاق بلا تريث ، فلا تعمّ الآية الطلاقَ في طهر المواقعة، لأنّه لا يصلح للاعتداد، ظرفاً و غاية في عامّة المذاهب.

وأمّا إن قلنا بأنّ المراد بها، هي الحيضات الثلاث، فكذلك، لما عرفت من أنّ المراد بالآية، هو إيقاع الطلاق مستقبلاً لعدتهن، وبما انّ الحيضة التي تقدّمها طهر المواقعة، لا تحسب من العدة، فالآية لا تعمّ إيقاعه في مثل ذلك الطهر، لأنّه ليس من أقسام «مستقبلات عدة».

وأمّا السنّة فيمكن الاستدلال برواية ابن عمر أنّه طلّق امرأة له وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فتغيظ فيها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ثمّ قال: ليراجعها، ثمّ يمسكها حتّى تطهر، ثمّ


(63)

تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلّقها، فليطلّقها قبل أن يمسها، فتلك العدّة كما أمر اللّه تعالى.

وفي لفظ : فتلك العدّة التي أمر اللّه أن يطلق لها النساء.

وأمّا كيفية الاستدلال: فلأنّ النبي بصدد بيان كيفية إيقاع الطلاق وشروطه، فأمر بإيقاعها في الطهر الثاني بشرط أن لايمسّها، فلو كان الطلاق في الطهر الذي واقعها صحيحاً، لما خصّه النبي بالطهر المشروط.

وأمّا عدم تجويز إيقاعه في الطهر الأوّل، فلأجل مؤاخذة الرجل حيث تسرّع في الطلاق، وجعله في غير موضعه فأُرغم أن يصبر طهراً و حيضاً ، كما مرّ.

Website Security Test