welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : متعة الحجّ على ضوء الكتاب والسنّة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

متعة الحجّ على ضوء الكتاب والسنّة

سلسلة المسائل الفقهية
10

متعة الحجّ
على ضوء الكتاب والسنّة

تأليف

الفقيه المحقق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أفضل خلقه وخاتم رسله محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين هم عيبة علمه وحفظة سننه.

أمّا بعد، فانّ الإسلام عقيدة وشريعة، فالعقيدة هي الإيمان باللّه ورسله واليوم الآخر ،والشريعة هي الأحكام الإلهية التي تكفل للبشرية الحياة الفضلى وتحقّق لها السعادة الدنيوية والأُخروية.

وقد امتازت الشريعة الإسلامية بالشمول، ووضع الحلول لكافّة المشاكل التي تعتري الإنسان في جميع جوانب الحياة قال سبحانه:(الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِيناً).(1)


1- المائدة: 3 .


(4)

غير أنّ هناك مسائل فرعية اختلف فيها الفقهاء لاختلافهم فيما أثر عن مبلّغ الرسالة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، الأمر الذي أدّى إلى اختلاف كلمتهم فيها، وبما أنّ الحقيقة بنت البحث فقد حاولنا في هذه الدراسات المتسلسلة أن نطرحها على طاولة البحث، عسى أن تكون وسيلة لتوحيد الكلمة وتقريب الخطى في هذا الحقل، فالخلاف فيها ليس خلافاً في جوهر الدين وأُصوله حتّى يستوجب العداء والبغضاء، وإنّما هو خلاف فيما روي عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وهو أمر يسير في مقابل المسائل الكثيرة المتّفق عليها بين المذاهب الإسلامية.

ورائدنا في هذا السبيل قوله سبحانه: (وَاعْتَصمُوا بِحَبْلِ اللّه جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْكُنْتُمْ أَعداءً فَألّفَ بين قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتهِ إِخْواناً...).(1)

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ


1- آل عمران: 103 .


(5)

متعة الحجّ

التمتّع بمعنى التلذّذ، يقال: تمتّع واستمتع بكذا ومن كذا: انتفع وتلذّذ به زماناً طويلاً، والمتعة في مصطلح الفقهاء يستعمل في موارد ثلاثة:

1. متعة الحجّ الواردة في قوله سبحانه: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلى الحَجّ).(1) وسيوافيك توضيحها.

2. متعة الطلاق، وهي ما تصل إلى المرأة بعد الطلاق من قميص وإزار وملحفة، وإليه يشير قوله سبحانه:(لاَ جُناحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلى الْمُحْسِنِين).(2)


1- البقرة:196.
2- البقرة:236.


(6)

وهل هذه المتعة لخصوص من لم يسمّ لها صداق؟ أو لكلّ مطلقة سوى المختلعة والمباراة والملاعنة؟ أو لكلّ مطلقة سوى المفروض لها إذا طلقت قبل الدخول فانّ لها نصف الصداق ولا متعة لها خلاف.(1)

3. متعة النساء ويسمّى بالزواج المؤقت، وهي عبارة عن تزويج المرأة الحرّة الكاملة نفسها إذا لم يكن بينها و بين الزوج مانع ـ من نسب أو سبب أو رضاع أو إحصان أو عدّة أو غير ذلك من الموانع الشرعية ـ بمهر مسمّى إلى أجل مسمّى بالرضا والاتّفاق، فإذا انتهى الأجل تبين منه من غير طلاق، ويجب عليها مع الدخول بها ـ إذا لم تكن يائسة ـ أن تعتد عدّة الطلاق إذا كانت ممّن تحيض، وإلاّ فبخمسة وأربعين يوماً. والأصل فيه قوله سبحانه: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساء إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيمانُكُمْ كِتابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأَحلَّ لَكُمْ ماوَراءَ ذلِكُمْ إِنْ تَبْتَغُوا )


1- مجمع البيان:1/340.


(7)

بِأَموالِكُمْ مُحْصِنينَ غَيْرَ مُسافِحينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَ آتُوهُنَّ أُجُورهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَريضَةِ إِنَّ اللّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً).(1)

والمتعة بالمعنى الأوّل والثاني مورد اتّفاق بين الفقهاء، واختلفوا في المتعة بالمعنى الثالث; فالشيعة الإمامية على حلّيّتها وعدم منسوخيتها، وأكثر الجمهور على التحريم، والتفصيل في محلّه.


1- النساء:24.


(8)

أقسام الحج الثلاثة

ينقسم الحجّ إلى أقسام ثلاثة: تمتع، وقران، و إفراد.

فلنبيّـن هذه الأقسام على ضوء المذهب الإمامي ثمّ نردفه بتوضيحها وفقاً لمذهب أهل السنّة.

أمّا التمتع في الفقه الإمامي فهو عبارة عن إحرام المكلّف من الميقات بالعمرة المتمتع بها إلى الحجّ، ثمّ يدخل مكة فيطوف سبعة أشواط بالبيت، ويصلّي ركعتي الطواف بالمقام، ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ثمّ يقصّـر، فإذا فعل ذلك فقد أحلّ من كلّ شيء أحرم منه، فله التمتّع بأي شيء شاء من الأُمور المحلّلة بالذات إلى أن ينشئ إحراماً آخر للحجّ.

ثمّ ينشئ إحراماً آخر للحج من مكة يوم التروية وإلاّ فيما يعلم معه إدراك الوقوف، ثمّ يمضي إلى عرفات


(9)

فيقف بها إلى الغروب، ثمّ يفيض إلى المشعر الحرام فيقف به بعد طلوع الفجر، ثمّ يفيض إلى منى و يرمي جمرة العقبة، ثمّ يذبح هديه، ثمّ يحلق رأسه، ثمّ يأتي مكة ليومه أو من غده، فيطوف للحج ويصلّي ركعتين، ثمّ يسعى سعي الحجّ، ثمّ يطوف طواف النساء ويصلّـي ركعتيه، ثمّ يعود إلى منى ليرمي ما تخلّف عليه من الجمار الثلاث، يوم الحادي عشر، والثاني عشر.(1)

وأمّا الإفراد فهو أن يحرم من الميقات أو من حيث يصحّ له الإحرام منه بالحجّ، ثمّ يمضي إلى عرفات فيقف بها، ثمّ يقف بالمشعر الحرام، ثمّ يأتي منى فيقضي مناسكه بها، ثمّ يأتي إلى مكة يطوف بالبيت للحج ويصلّـي ركعتين ويسعى للحجّ ويطوف طواف النساء ويصلي ركعتين، فيخرج من الإحرام فيحل له كلّ المحرمات.

ثمّ يأتي بعمرة مفردة من أدنى الحلّ.


1- تحرير الأحكام:1/557.


(10)

وأمّا القِران فهو نفس حجّ الإفراد إلاّ أنّه يضيف إلى إحرامه سياقَ الهدي، وإنّما يسمّى بالقِران لسوقه الهدي فيقرن حجّه بسوقه. فالقران والإفراد شيء لا يفترقان إلاّ في حال واحدة، وهي انّ القارن يسوق الهدي عند إحرامه، وأمّا من حجّ حجّة الإفراد فليس عليه هدي أصلاً.

إنّ التمتع فرض من نأى عن المسجد الحرام وليس من حاضريه، ولا يجزئه غيره مع الاختيار.

وأمّا القران والإفراد فهو فرض أهل مكة وحاضريها.

وحدّ حاضري المسجد الحرام الذين لا متعة عليهم من كان بين منزله ومكة دون 48 ميلاً من كلّ جانب، ويعادل 88 كيلومتراً .(1)

والحاصل: انّ من نأى عن مكة أكثر من 48 ميلاً لا يجوز له إلاّ التمتع.

وأمّا القران والإفراد فهما فرض أهل مكة ومن كان


1- ربما قيل 12 ميلاً ، فيعادل 22 كيلومتراً.


(11)

بينه و بينها دون 48 ميلاً أو دون 12 ميلاً، ولا يجوز لهما غير هذين النوعين.

ثمّ إنّ من وظيفته التمتع لا يجوز أن يعدل إلى غيره، إلاّ لضيق وقت أو حيض، فيجوز العدول حينئذ إلى الإفراد على أن يأتي بالعمرة بعد الحجّ. وحدّ الضيق هو انّه إذا اعتمر لا يتمكّن من الوقوف بعرفة عند الزوال.

ولا يجوز لمن فرضه القران أو الإفراد كأهل مكة وضواحيها أن يعدل إلى التمتع إلاّ مع الاضطرار، كخوف الحيض المتوقّع. هذه هي صور أقسام الحجّ الثلاثة، ويتلخص الكلّ في الأُمور التالية:

1. انّ حجّ التمتع للنائي عن مكة وحجّ الإفراد والقران لغير النائي.

2. لا يجوز للمتمتع أن يعدل إلى غيره إلاّ عند الضرورة، وهكذا للمفرد والقارن إلاّ عند الضرورة.

3. انّ حجّ الإفراد والقران شيء واحد يفترقان في


(12)

سوق الهدي وعدمه.

4. لا يجوز التداخل بين إحرامين، فلا يجوز لمن أحرم أن ينشئ إحراماً آخر حتّى يكمل أفعال ما أحرم له.

5. ويشترط في حجّ التمتع وقوعه في أشهر الحجّ ـ وهي: شوال، وذوالقعدة، وذوالحجّة ـ وأن يأتي بالحجّ والعمرة في سنة واحدة، ولو أحرم بالعمرة المتمتع بها في غير أشهر الحجّ لم يجز له التمتع بها.(1)

إلى هنا تمّ بيان صور الأقسام الثلاثة على مذهب الإمامية، وإليك بيان أقسام الحجّ وفق مذهب أهل السنّة، فنقول:

قالوا: من أراد الحجّ والعمرة جاز له في الإحرام بهما ثلاث كيفيات.

الأوّل: الإفراد، وهو أن يحرم بالحجّ وحده، فإذا فرغ


1- راجع الشرائع:1/174ـ177; وتحريرالأحكام:1/557ـ 559; جواهر الكلام، وغيرها من الكتب الفقهية للشيعة الإمامية.


(13)

من أعماله أحرم بالعمرة وطاف وسعى لها ويأتي بأعمال العمرة.

الثاني: القران، وهو الجمع بين الحج والعمرة في إحرام واحد حقيقة أو حكماً (وسيوافيك تفصيلهما) .

الثالث: التمتع، وهو أن يعتمر أوّلاً ثمّ يحجّ من عامه.

هذا إجمال الأقسام الثلاثة عند مذهب أهل السنّة، وفي تفاصيلها اختلاف بينهم.

فالذي يهمنا أمران:

الأوّل: تفسير القِران، فالقِران عند أهل السنّة هو الجمع بين الحجّ والعمرة في إحرام واحد، وصفة القران عندهم أن يُهل بالعمرة والحج معاً من الميقات ويقول: اللّهم إني أريد الحجّ والعمرة فيسِّـرهما لي وتقبّلهما مني، فهي عندهم كحجّ التمتع إلاّ أنّه يهلّ بالعمرة والحجّ بنيّة واحدة ولا يتحلّل بين العمرة والحجّ.


(14)

وفي «المغني» لابن قدامة: إنّ الإحرام يقع بالنسك من وجوه ثلاثة:

1. تمتع، وإفراد ، وقران.

فالتمتع أن يُهلَّ بعمرة مفردة من الميقات في أشهر الحجّ، فإذا فرغ منها أحرم بالحجّ من عامه.

والإفراد أن يهل بالحجّ مفرداً.

والقران أن يجمع بينهما في الإحرام بهما أو يحرم بالعمرة ثمّ يدخل عليها الحجّ قبل الطواف، فأي ذلك أحرم به جاز.

وأمّا الأفضل، فاختارت الحنابلة انّ الأفضل هوالتمتع ثمّ الافراد ثمّ القران، وممّن روي عنه اختيار التمتع: ابن عمر و ابن عباس وابن الزبير وعائشة وحسن وعطاء وطاووس ومجاهد و جابر بن زيد والقاسم وسالم وعكرمة وهو أحد قولي الشافعي.

وروى المروزي عن أحمد: إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسقه فالتمتع أفضل، لأنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قرن


(15)

حين ساق الهدي ومنع كلّ من ساق الهدي من الحل حتّى ينحر هديه.(1)

هذا إجمال ما عليه المذاهب الأربعة، ولعلّ الاختلاف بين المذهب الإمامي وسائر المذاهب في ماهية النسك الثلاثة، قليل، ولو كان هناك اختلاف فإنّما هو في موضعين:

1. في تفسير القران، فحجّ القران عند الإمامية هو نفس حجّ الافراد، غير انّ المفرد لا يسوق الهدي والقارن يسوق.

وسوق الهدي شأن غير النائي عن مكة بالمقدار المذكور.

2. انّهم بتفسير القران بالجمع بين العمرة والحج، جوّزوا ذلك بالصورتين التاليتين:

أ. أن يهلّ بالعمرة والحجّ معاً من الميقات بنيّة الأمرين معاً، وهو الجمع الحقيقي.


1- المغني:3/233.


(16)

ب: أن يهلّ بالعمرة فقط ثمّ بالحجّ قبل أن يطوف للعمرة أكثر الطواف.

قال ابن رشد: أمّا القران فهو أن يهلّ بالنسكين معاً أو يهلّ بالعمرة في أشهر الحجّ ثمّ يردف ذلك بالحجّ قبل أن يحل من العمرة والقارن يلزمه الهدي إن كان آفاقيّاً وإلاّ فلا.

وربّما يقال ويصحّ العكس عند أكثر الفقهاء بأن يحرم بالحجّ ثمّ يدخل العمرة عليه، لكنّه مكروه عند الحنفية .(1)

وأمّا الشيعة الإمامية فلا تجوّز القران بين الحجّ والعمرة بنيّة واحدة، ولا إدخال أحدهما على الآخر، ولا بنيّة حجّتين ولا عمرتين في سنة واحدة.

إذا عرفت ذلك فتحقيق المقام رهن البحث في أُمور:


1- راجع : بداية المجتهد:3/293ـ 301; الهداية في شرح البداية:1/150ـ 154; المغني:3/232;الفقه على المذاهب الأربعة:1/688ـ 695.


(17)

الأوّل:

في بيان الأحكام الواردة في الآية

يقول سبحانه: (وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَة للّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيّام فِي الْحَجِّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشْرَةٌ كامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ شَديدُ الْعِقابِ).(1)

الآية المباركة تتضمن أحكاماً نشرحها حسب مقاطع الجمل.


1- البقرة:196.


(18)

1. إتمام الحج والعمرة للّه

يقول سبحانه:(وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَة للّهِ ) فما هو المراد من الإتمام؟

إنّه سبحانه يأمر بإتمام الحجّ والعمرة، والمراد من الإتمام في المقام وغيره هو إنجاز العمل كاملاً لا ناقصاً، كما أنّ المراد من كون الإتمام للّه، كون العمل بعيداً عن الرياء والسمعة، والذي يعرب عن كون المراد من الإتمام هو الإكمال، أمران:

أ: أُطلق الإتمام في القرآن الكريم وأُريد به الإكمال، كقوله سبحانه: (وَإِذ ابْتَلى إِبراهيمَ ربُّهُ بِكَلمات فَأَتَمَّهُنَّ)(1) وقوله سبحانه:(ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلى اللَّيل)(2) وقوله سبحانه: (وَيَأْبى اللّهُ إِلاّ أنْ يُتمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُون)(3) وقوله سبحانه: (وَيُتِمُّ نعمتَهُ عَليْكَ )


1- البقرة:124.
2- البقرة:187.
3- التوبة:32.


(19)

وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها على أَبَوَيْكَ).(1)

ب: قوله سبحانه: (فَإِنْ احصرتُم) أي منعكم حابس قاصر عن إتمام الحجّ فعليكم بما استيسر من الهدي، فالجملة قرينة على أنّ المراد من الإتمام، الإكمال.

وعلى ذلك جرى المفسرون في تفسير الجملة الآنفة الذكر، قال الشيخ الطوسي: يجب أن يبلغ آخر أعمالها بعد الدخول فيها، ثمّ عزاه إلى مجاهد والمبرد وأبي علي الجبائي.(2)

وقال الرازي: إنّ الإتمام يراد به فعل الشيء كاملاً وتامّاً، فالمراد الإتيان به بما جاء في ذيل الآية من حكم الحصر.(3)

هذا هو المفهوم من الآية، وأمّا تفسير الآية بإفراد كلّ واحد منهما بإنشاء سفر مستقل، فممّا لا تدلّ عليه الآية .


1- يوسف:6.
2- التبيان:1/154.
3- تفسير الرازي:5/139.


(20)

نعم انّ العرب في عصر الجاهلية كانوا يفرّقون بين الحجّ والعمرة، فكانوا يأتون بالعمرة في غير أشهر الحج وبالحجّ في أشهره، وكانوا يفردون كلاًّ عن الآخر، وكانت سيرتهم على ذلك إلى أن أدخل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ العمرةَ في الحجّ حتّى أمر من لبّى بالحج في أشهر الحجّ وأحرم له، أن يجعله عمرة ثمّ يتحلّل ويحرم للحج ثانياً، وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «دخلت العمرة في الحجّ إلى الأبد» كما سيوافيك تفسيره.

نعم روي ذلك مرفوعاً عن أبي هريرة، كما روي أنّ عمر كان يترك القران والتمتع ويذكر أنّ ذلك أتمّ للحجّ والعمرة وأن يعتمر في غير شهور الحجّ، فانّ اللّه تعالى يقول: (الحَجُّ أَشهرٌ مَعْلُومات) وروى نافع عن ابن عمر أنّه قال: «فرّقوا بين حجِّكم وعمرتكم».(1)

كما روي ذلك القول عن قتادة أنّه قال: «الاعتمار في غير أشهر الحج»(2)، ولعلّه أراد العمرة المفردة لا عمرة


1- تفسير الرازي:5/145.
2- التبيان:1/154.


(21)

التمتّع التي لا تنفكّ عن الحجّ.

فظهر ممّا ذكرنا انّ المراد بإتمام الحجّ والعمرة للّه هو إكمالهما على النحو المقدور، فإن لم يمنع حابس يكمله بإتيان عامّة الأجزاء وإن حُصِـر، يخرج من الإحرام على النحو الذي سيوافيك، وهو أيضاً نوع من الإتمام.

وأمّا تفسير الإتمام بإنشاء السفر لكلّ من العمرة والحجّ، فغير مفهوم من الآية ومخالف لسيرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حيث أمر أصحابه بإدخال العمرة في الحجّ وتبديل النيّة من الحجّ إلى العمرة، و قد كان ذلك شاقّاً على أصحابه، لأنّهم كانوا قد احرموا للحجّ على النحو الرائج في العصر السابق، فمن حاول تفسير الآية بتفكيك العمرة عن الحجّ بإنشاء سفرين: أحدهما في أشهر الحجّ والآخر يعني: العمرة في غيره، فقد فسَّـر الآية برأيه أوّلاً، وخالف سنّة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ثانياً.


(22)

2. إذا أُحصر بالعدو أو المرض

لمّا أمر سبحانه حجاج بيته بإتمام الحجّ والعمرة وإكمالهما، حاول بيان وظيفة المحصر الذي يمنعه حابس عن إكمال الحجّ والعمرة، فقال: (فَإِنْ أُحصرْتُمْ فَما اسْتَيْسَر مِنَ الهَدي).

أصل الحصر، الحبس، ومنه يقال للّذي لا يبوح بسرّه «حَصِـر » لأنّه حبس نفسه عن البوح، و المعروف انّ لفظ الحصر مخصوص بمنع العدو إذا منعه عن مراده وضيّق عليه، وربما يستعمل في مطلق المانع ويقال: أُحصر بالمرض وحُصر بالعدو.

وعلى ذلك فالمحصِـر عليه التحلّل بالذبح، ولا يتحلّل قبل الذبح كما قال سبحانه: (فَإِنْ أُحصرْتُمْ فَما اسْتَيْسَر مِنَ الهَدي) أي ما تيسّـر منه، وقيل الهدي جمع الهدية كالتمر جمع التمرة، والمراد من الهدي ما يهدى إلى بيت اللّه عزّ وجلّ تقرّباً إليه، أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأيسره شاة.


(23)

3. لا يتحلّل قبل الذبح

إنّ المحصر يتحلّل بالذبح، فلا يتحلّل من الإحرام حتّى ينحر أو يذبح. قال سبحانه: (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الهَديُ مَحِلّه) وأمّا ما هو المراد من المحل؟ فهناك أقوال ثلاثة:

أ: الحرم فإذا ذبح به في يوم النحر أحل.

ب: الموضع الذي يُصد فيه، لأنّ النبي نحر هديه بالحديبية وأمر أصحابه ففعلوا مثل ذلك، وليست الحديبية من الحرم.

ج: التفصيل بين المحصِـر بالعدو، والمحصر بالمرض. فالأوّل يذبح في المحل الذي صُدّ فيه، وأمّا الثاني ينتظر إلى أن يذبح في يوم النحر.

4. حكم المريض ومن برأسه أذى

لمّا منع سبحانه حلق الرأس قبل بلوغ الهدي محلّه


(24)

رخّص لطائفتين وإن لم يذبحوا:

أحدهما: المريض الذي يحتاج إلى الحلق للمداواة.

والثاني من كان برأسه أذىً.

وقال:( فمن كان منكم مريضاً أو به أذى ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) فالمحرم المعذور يحلق رأسه قبل الذبح، وفي الوقت نفسه يكفِّر بأحد الأُمور الثلاثة، وكلّ واحد منها فدية، أي بدل وجزاء من العمل الذي تركه لأجل العذر، وهو أن يصوم أو يتصدّق أو يذبح شاةً. وأمّا الصوم فيصوم ثلاثة أيّام، وأمّا الصدقة فيتصدّق على ستة مساكين أو عشرة، وأمّا النسك فيذبح شاة، وهو مخيّـر بين الأُمور الثلاثة.

5. التمتّع بالعمرة إلى الحجّ

يقول سبحانه: (فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدي)، كان كلامه سبحانه في المحصر، والكلام في المقام في غير المحصر ومن حصل له


(25)

الأمن وارتفع المانع كما يدلّ عليه قوله سبحانه:(فإِذا أَمنتم)، فعلى قسم من المكلّفين(1) إذا أتوا بالعمرة ثمّ أحرموا للحج فعليه ما تيسّـر من الهدي في يوم النحر في أرض منى.

المراد من التمتع في ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الحَج) هو التمتع بمحظورات الإحرام بسبب أداء العمرة فيبقى متحلّلاً متمتِّعاً إلى أن يحرم للحج، وعندئذ يجب عليه ما تيسّـر من الهدي.

والآية تصرح بأنّ صنفاً من المكلّفين، وهم الذين فرض عليهم حجّ التمتع يحلّ لهم التمتع بعامة المحظورات إلى زمن إحرام الحجّ، فاستنكار التمتع بين العمرة والحجّ ـ لأجل استلزامه تعرّس الحاج بين العمرة والحج ورواحه إلى المواقف ورأسه يقطر ماءً ـ إطاحة بالوحي وتقديم للرأي على الوحي، كما سيوافيك تفصيله.


1- أي غير حاضري المسجد الحرام كما سيأتي في الآية.


(26)

وإنّما ذكر من أعمال الحجّ الكثيرة خصوصَ الهدي، فقال: (فما استيسر من الهدي) مع أنّ من تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فعليه الاحرام أوّلاً ثمّ الوقوف في عرفة، ثمّ الافاضة إلى المشعر والمزدلفة، ثمّ منها إلى منى ورمي الجمرات والذبح والحلق إلى غير ذلك.

أقول: إنّما خصّ ذلك بالذكر لاختصاص الهدي بحكم خاص، وهو سبحانه بصدد بيان حكمه، وهو انّه إذا عجز عن الهدي فله بدل، بخلاف سائر الأعمال فانّ ذاتها مطلوبة وليس لها بدل، فقال سبحانه مبيّنـاً لبـدل الهـدي.

6. الفاقد للهدي

بيّـن سبحانه حكم من لم يجد الهدي(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيّام فِي الْحَجِّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشْرَةٌ كامِلَة)أي انّه يصوم بدل الهدي ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة إذا رجع إلى موطنه على وجه يكون الجميع عشرة


(27)

كاملة، وأمّا أيّام الصوم فقد ذكرت في الكتب الفقهية، وهي اليوم السابع والثامن والتاسع.

7. التمتع بالعمرة إلى الحجّ وظيفة الآفاقي

إنّه سبحانه أشار بأنّ التمتع بالعمرة إلى الحجّ فريضة من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، وقال: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) أي ما تقدّم ذكره حين التمتع بالعمرة إلى الحجّ ليس لأهل مكة و من يجري مجراهم وإنّما هو لمن لم يكن من حاضري مكة، وأمّا الحاضر فهو من يكون بينه و بينها دون 48ميلاً، وعلى قول آخر أقلّ من 12 ميلاً من كلّ جانب على الاختلاف .

ثمّ إنّه سبحانه أتمّ الآية بالأمر بالتقوى، أي العمل بما أمر والنهي عمّـا نهى، وذلك لأنّه سبحانه شديد العقاب، فقال:(واتقوا اللّه واعلموا انّ اللّه شديد العقاب).


(28)

هذا هو تفسير الآية المباركة جئنا به ليكون قرينة واضحة على تفسير ما سنسرد من الروايات والأحاديث من احتدام النزاع بين النبي وأصحابه في كيفية الحجّ ودام حتّى بعد رحيله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

والمهم في المقام في إفادة المقصود هو الجملتان التاليتان:

1.(وَأَتِمُّوا الحَجّ وَالعُمرة للّه).

2. (فَمَنْ تَمَتَّع بِالعُمرة إِلى الحَجّ).

فالأُولى تدلّ على إكمالهما دون افرادهما في الزمان، كما أنّ الثانية تدلّ على لزوم التحلّل والتمتّع بين العملين.

***


(29)

الثاني:

متعة الحجّ سنّة أبدية

تضافرت الروايات الصحاح على أنّ متعة الحجّ سنّة أبدية إلى يوم القيامة لا تتغيّـر ولا تتبدّل، بل تبقى بحالها إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها، ونذكر في ذلك ما رواه الشيخان ولا نتجاوز عنهما.

1. روى مسلم عن عمرة قالت: سمعت عائشة - رضي اللّه عنها - تقول: خرجنا مع رسول اللّه لخمس بقين من ذي القعدة ولا نرى إلاّ أنّه الحج حتّى إذا دنونا من مكة أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحل....(1)

2. أخرج مسلم عن جابر - رضي اللّه عنه - انّه قال:


1- صحيح مسلم:4/32، باب وجوه الإحرام.


(30)

أقبلنا مهلِّين مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بحجّ مفرد، وأقبلت عائشة - رضي اللّه عنها - بعمرة، حتّى إذا كنّا بسَرِف عركت حتّى إذا قدمنا طُفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يُحل منّا من لم يكن معه هدي، قال: فقلنا: حلُّ ماذا؟ قال: الحلّ كلّه، فواقعنا النساء وتطيّبنا بالطيب ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلاّ أربع ليال، ثمّ أهللنا يوم التروية...(1)

3. أخرج مسلم عن جابر - رضي اللّه عنه - قال: خرجنا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مهلّين بالحج معنا النساء والولدان، فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقال لنا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : من لم يكن معه هدي فليحلل، قال: قلنا: أيّ الحل؟ قال: الحلّ كلّه، قال: فأتينا النساء ولبسنا الثياب ومسسنا الطيب، فلمّـا كان يوم التروية أهللنا بالحج.(2)


1- صحيح مسلم:4/35، باب وجوه الإحرام.
2- صحيح مسلم:4/36، باب وجوه الإحرام.


(31)

4. أخرج مسلم عن عطاء، قال: حدّثني جابر بن عبد اللّه الأنصاري انّه حجّ مع رسول اللّه عامَ ساق الهدي معه، وقد أهلُّوا بالحجّ مفرداً، فقال رسول اللّه: أحلُّوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت و بين الصفا والمروة وقصّروا وأقيموا حلالاً، حتّى إذا كان يوم التروية فأهلّوا بالحجّ، واجعلوا التي قدمتم بها متعة، قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمّينا الحج؟ قال: افعلوا ما آمركم به فانّـي لولا أنّي سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به ولكن لا يحلّ منّي حرام حتّى يبلغ الهدي محله، فافعلوا.(1)

5.أخرج مسلم عن جابر بن عبداللّه قال: قدمنا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مهلِّين بالحجّ، فأمرنا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن نجعلها عمرة ونحل، قال: وكان معه الهدي فلم يستطع أن يجعلها عمرة.(2)

6. أخرج مسلم عن جابر بن عبد اللّه في حديث


1- صحيح مسلم:4/37، باب وجوه الإحرام.
2- صحيح مسلم:4/ 38، باب وجوه الإحرام.


(32)

مفصّل انّه قال: لسنا ننوي إلاّ الحجّ، لسنا نعرف العمرة، حتّى إذا أتينا البيت معه استلم الركن ـ إلى أن يقول: ـ حتّى إذا كان آخر طوافه (النبي) على المروة، فقال: لو انّي استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليُحلّ وليجعلها عمرة، فقام سراقة بن مالك بن جُعشم فقال: يا رسول اللّه، ألعامنا أم لأبد؟ فشبّك رسول اللّه أصابعه واحدة في الأُخرى، فقال: دخلت العمرة في الحج مرتين: لا، بل لأبد أبد.(1)

هذا بعض ما رواه مسلم، وتركنا البعض الآخر وربّما يأتي لمناسبة خاصة.

وإليك ما رواه البخاري في صحيحه.

1. أخرج البخاري عن عائشة زوج النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، قالت: خرجنا مع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حجّة الوداع فأهللنا بعمرة،


1- صحيح مسلم:4/40، باب حجة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .


(33)

قال النبي: من كان معه هدي فليهل بالحجّ مع العمرة، ثمّ لا يحلّ حتّى يحلّ منهما جميعاً.(1)

2. أخرج البخاري عن ابن عباس انّه سئل عن متعة الحجّ، فقال: أحلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبـي في حجّة الوداع وأهللنا فلمّـا قدمنا مكة، قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : اجعلوا إهلالكم بالحجّ عمرة إلاّ من قلّد الهدي، طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب.(2)

هذا بعض ما رواه البخاري ويأتي بعضه الآخر، وما رواه الشيخان يدلّ على أُمور:

1. انّ حجّ التمتع فريضة من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.

2. انّ التمتّع بين العمرة والحجّ سنّة فيها وليس


1- صحيح البخاري:2/140، باب كيف تحل الحائض والنفساء.
2- صحيح البخاري:2/144، باب قول اللّه لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.


(34)

لأحد أن يعترض على التمتع بين الأمرين .

3. انّ العرب في الجاهلية والإسلام كانوا يُحرمون بالحجّ في أشهر الحجّ لا للعمرة، ولذلك أحرم أصحاب النبي وأزواجه للحجّ تبعاً للسيرة السائدة بين العرب من اختصاص أشهر الحجّ بالحجّ فلمّـا دنوا من مكة(1) أو قضوا أعمال العمرة أمرهم النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بجعل الإحرام عمرة والعدول إليها، وقد كان ثقيلاً عليهم، كما ستوافيك الروايات في هذا الباب.

4. انّ التمتع بين العمرة والحجّ سنّة أبدية لا تختص بعام دون عام ولا بقوم دون قوم.

5. انّ من ساق الهدي معه ليس له أن يتحلّل ولا يخرج من الإحرام إلاّ إذا بلغ الهدي محلّه وكان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ممّن ساق الهدي، ولذلك لم يخرج حتّى أبلغ هديه محله، وقد كان عمل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مظنة سؤال للصحابة حيث


1- الترديد لأجل اختلاف الروايات في ذلك، فلاحظ.


(35)

أمرهم بالتحلّل وبقي نفسه على إحرامه فنبّههم النبي بأنّه ساق الهدي ولكنّه لو وُفّق للحجّ في المستقبل لما ساق الهدي، وإلى ذلك يشير قوله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سُقت الهدي».

إنّ في هذا الموضوع روايات في السنن الأربع اقتصرنا بما ذكرنا، وللقارئ أن يرجع إلى السنن والمسانيد فانّه يجد أمثال ما ذكرناه بوفرة.


(36)

الثالث:

سيرة العرب قبل الإسلام في الحجّ

يظهر ممّا سردناه من الروايات وما سيوافيك انّ العرب لم تكن تعرف العمرة في أشهر الحجّ وإنّما تأتي بها في غيرها، ولذلك تعاظم عليهم إدخال العمرة في الحجّ، ولأجل إيقاف القارئ على تلك الحقيقة عن كثب، نذكر بعض ما ورد:

1. أخرج البخاري عن ابن عباس - رضي اللّه عنه - قال: كانوا يرون أنّ العمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور، ويجعلون محرم صفراً ويقولون: إذا برأ الدَّبرَ، وعفا الأثر، وانسلخ صفر حلّت العمرة لمن اعتمر. قدم النبي وأصحابه صبيحة رابعة مهلّين بالحجّ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول اللّه أي


(37)

الحل؟ قال: الحلّ كلّه.(1)

والحديث يدلّ بوضوح على أنّ إفراز العمرة عن الحجّ كان سنّة جاهلية سادت على الحج لأسباب غير معلومة وكانوا يصرون على أنّ العمرة بعد انقضاء صفر وفي الحقيقة بعد انقضاء محرّم، ولكن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قام بوجه هذه البدعة مدة إقامته في المدينة، فقد اعتمر ثلاث عُمَر في ذي القعدة الحرام كما أتى بعمرة رابعة في حجّه في شهر ذي الحجّة في حجة الوداع، وإليك العُمر التي أحرم لها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ طيلة حياته:

الأُولى: عمرة الحديبية، وهي أوّلهنّ سنة ست، فصدّه المشركون عن البيت، فنحر البُدْن وحلق هو وأصحابه رؤوسهم وحلُّوا من إحرامهم ورجعوا إلى المدينة.

الثانية: عمرة القضاء في العام المقبل في نفس ذلك الشهر.


1- صحيح البخاري:2/142 ، باب التمتع والاقران والافراد بالحجّ.


(38)

الثالثة: عمرته من الجعرّانة لما خرج إلى حنين ثمّ رجع إلى مكة فاعتمر من الجعرانة داخلاً إليها.

الرابعة: عمرته التي قرنها مع حجته.


(39)

الرابع:

احتدام النزاع بين الصحابة

في حياة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

قد عرفت أنّ العرب في العصر الجاهلي يفرزون العمرة عن الحجّ ويأتون بها في غير أشهر الحجّ، وقد كان الجمع بينهما من أفجر الفجور، وقد ترسخت تلك الفكرة عند العرب في العصر الجاهلي حتّى أضحت جزءاً من كيانهم، فالدعوة إلى إدخال العمرة في الحج كانت دعوة على خلاف ما شبّوا وشاخوا عليه، ولذلك لمّا أمرهم النبي بإدخال العمرة إلى الحجّ وجعل الإهلال للحجّ عمرة، تعاظم أمرهم وثارت ثورتهم، وقاموا بوجه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على نحو أثاروا غضبه ، وإليك بعض ما روي في المقام:


(40)

1. أخرج مسلم عن عطاء قال: سمعت جابر بن عبد اللّه - رضي اللّه عنه - في ناس معي قال: أهللنا أصحاب محمد بالحجّ خالصاً وحده، قال عطاء: قال جابر: فقدم النبي صبح رابعة مضت من ذي الحجّة فأمرنا أن نحل، قال عطاء: قال: حلّوا وأصيبوا النساء، قال عطاء: ولم يعزم عليهم ولكن أحلهنّ لهم، فقلنا: لما لم يكن بيننا و بين عرفة إلاّ خمس، أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكرنا المني.

قال: يقول جابر بيده كأنّي أنظر إلى قوله «بيده» يحركها، قال: فقام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فينا فقال: قد علمتم انّي أتقاكم للّه وأصدقكم وأبرّكم ولولا هديي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي فحلّوا، فحللنا وسمعنا وأطعنا.

قال عطاء: قال جابر: فقدم عليّ من سعايته فقال: بم أهللت، قال: بما أهلّ به النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال له رسول اللّه:


(41)

فأهد، وامكث حراماً، قال: وأهدى له علي هدياً، فقال سراقة بن مالك بن جُعشم: يا رسول اللّه: ألعامناهذا أم لأبد، فقال: لأبد.(1)

2. روى مسلم عن جابر بن عبد اللّه(رض) قال: أهللنا مع رسول اللّه بالحجّ، فلمّـا قدمنا مكة أمرنا أن نحلّ ونجعلها عمرة، فكبر ذلك علينا وضاقت به صدورنا، فبلغ ذلك النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فما ندري أشيء بلغه من السماء أم شيء من قبل الناس، فقال:أيّها الناس أحلّوا فلولا الهدي الذي معي، فعلتُ كما فعلتم، قال: فأحللنا حتّى وطئنا النساء وفعلنا ما يفعل الحلال حتّى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر، أهللنا بالحج.(2)

3. أخرج مسلم عن عائشة انّها قالت: قدم


1- صحيح مسلم:3/36، باب بيان وجوه الإحرام وانّه يجوز افراد الحجّ والتمتع والقران.
2- صحيح مسلم:3/37، باب بيان وجوه الإحرام وانّه يجوز افراد الحجّ والتمتع والقران.


(42)

رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لأربع مضين من ذي الحجّة أو خمس فدخل عليَّ وهو غضبان ، فقلت: من أغضبك يا رسول اللّه، أدخله اللّه النار؟ قال: أو ما شعرت انّي أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون، ولو اني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتّى اشتريه ثمّ أحلّ كما حلّوا.(1)

هذا غيض من فيض ممّا يحكي عن حالة عصيان بين الصحابة في ذلك الموضوع وانّهم لم يستجيبوا بادئ بدء لأمر الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتّى أغضبوه، فأين عملهم هذا من قوله سبحانه: (وَما كانَ لِمَؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)(2) وقوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَليم).(3)

أي لا تتقدّموا على اللّه ورسوله، ولا تقدّموا قولكم على قولهما.


1- صحيح مسلم:3/33، باب بيان وجوه الإحرام.
2- الأحزاب:36.
3- الحجرات:1.


(43)

الخامس:

عودة التقاليد الجاهلية

حجّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مع أصحابه وعلّمهم مناسك الحجّ ومواقفه وسننه وطقوسه فأعاد كلّ ما حُرّف إلى محله، ولكن للأسف انّ عمر بن الخطاب، قدم الاجتهاد على النص ومنع من متعة الحج وشدد النكير عليه وتبعه عثمان ودام الأمر عليه إلى العهود التالية، وكفى في ذلك ما رواه الشيخان وغيره.

1. روى مسلم عن أبي موسى قال: قدمت على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: أحججت؟ فقلت: نعم، فقال: بم أهللت؟ قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، قال: فقد أحسنت طف بالبيت


(44)

وبالصفا والمروة وأحلّ(1) قال: فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثمّ أتيت امرأة من بني قيس فَفَلَتْ رأسي ثمّ أهللت بالحج، قال: فكنت أفتي به الناس حتّى كان في خلافة عمر.

فقال له رجل: يا أبا موسى أو يا عبد اللّه بن قيس، رويدك بعض فُتياك فانّك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النُّسك بعدك، فقال: يا أيّها الناس ما كنّا أفتيناه فتيا فليتَّئد(2) فانّ أمير المؤمنين قادم عليكم فيه فائتَمُّوا.

قال: فقدم عمر فذكرت ذلك له، فقال: إن نأخذ بكتاب اللّه فانّ كتاب اللّه يأمر بالتمام، وإن نأخذ بسنّـة رسـول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فـانّ رسـول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لـم يحلّ حتّى بلـغ


1- مع أنّ أبا موسى علّق إحرامه بإحرام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومع ذلك أمر النبي بإحلاله بعد العمرة، وستوافيك الإجابة عنه في آخر الرسالة في خاتمة المطاف ص75 فانتظر.
2- فليتأنّ.


(45)

الهدي محله.(1)

والعجب من أبي موسى مع أنّه كان يفتي الناس بما جرت عليه سيرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولكنّه في خلافة عمر عدل عن هدي الرسول وأمر الناس بالتأنّـي مع أنّه سمع من السائل بأنّه حدث جديد في النسك.

نعم استدلّ عمر على إخراج العمرة عن الحجّ بأمرين:

الأوّل: ما في كتاب اللّه حيث أمر سبحانه: (وَأَتِمُّوا الحجّ والعُمرة).

الثاني: سيرة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حيث لم يحل حتّى بلغ الهدي محله.

وكلا الاستدلالين من الوهن بمكان.

أمّا الاستدلال بالكتاب فقد عرفت أنّ معنى إتمام الحجّ والعمرة إكمالهما في مقابل المحصر الذي لا يستطيع الإكمال، وأين هو من إخراج العمرة عن الحجّ؟!


1- صحيح مسلم:4/44، باب في نسخ التحلّل من الإحرام.


(46)

وأمّا سيرة النبي فقد كشف قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ النقاب عن عدم إحلاله، لأنّه ساق الهدي وكلّ من ساق الهدي لا يحلّ إلاّ أن يبلغ الهدي محله.

2. أخرج مسلم عن أبي نضرة، قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد اللّه، فقال: على يدي دار الحديث، تمتعنا مع رسول اللّه، فلمّـا قام عمر قال: إنّ اللّه كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وانّ القرآن قد نزل منازله فأتمّوا الحجّ والعمرة للّه كما أمركم اللّه وابتّوا نكاح هذه النساء.(1)

3. وروى أيضاً بالاسناد السابق انّ عمر قال: فافصلوا حجّكم من عمرتكم فانّه أتمّ لحجّكم وأتمّ لعمرتكم.(2)

ويدلّ الحديث على أنّ فصل الحج عن العمرة ظهر في عصر عمر، وقد عرفت أنّ استدلاله بقوله


1- صحيح مسلم:4/48، باب في متعة الحجّ والعمرة.
2- صحيح مسلم:4/48، باب في متعة الحجّ والعمرة.


(47)

سبحانه(وَأَتِمُّوا الحجّ والعمرة للّه) لا يمتّ إلى هذا الباب بصلة، و قوله في ذيل الحديث الثاني (فافصلوا حجكم من عمرتكم) صريح في فصل الحجّ من العمرة والإتيان بها في غير أشهر الحجّ، و قد مرّ انّ العرب في العصر الجاهلي ترى الجمع بينهما من أفجر الفجور فكأنّ الرجل تأثر مما رسب في ذهنه فحرّم متعة الحج.

4. أخرج مسلم عن أبي موسى انّه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك ببعض فُتياك فانّك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النُّسك بعدُ حتى لقيه بعدُ فسأله، فقال عمر: قد علمت أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد فعله وأصحابه ولكن كرهت أن يظلّوا معرسين بهنّ في الأراك(1) ، ثمّ يروحون في الحجّ تقطر رؤوسهم.(2)

الحديث يكشف عن أنّه اجتهد أمام النص، لأنّه يكره أن يذهب الحاج إلى عرفة ورأسه يقطر ماءً. وصار ذلك سبباً للمنع عن السنّة القطعية.(3)


1- الأراك موضع بعرفة قرب نمرة.
2- صحيح مسلم:4/45.
3- سيوافيك البحث عن سبب استنكاره ص 50.


(48)

وقد استنكر الخليفة متعة الحجّ إلى حدّ كان الأعاظم من الصحابة على خوف من أن يتفوّهوا بجوازه وكانوا يوصون أن لا ينقل عنهم ماداموا على قيد الحياة، وهذا هو عِمْران بن حصين يوصي بعدم إفشاء كلامه مادام حيّاً.

أخرج مسلم عن قتادة، عن مطرِّف قال: بعث إلي عِمْران بن حُصين في مرضه الذي توفّي فيه، فقال: إنّي محدِّثك بأحاديث لعل اللّه ينفعك بها بعدي، فإن عشتُ فأكتُم عني وإن مُتُّ فحدِّث بها إن شئت، انّه قد سُلِّم عليَّ وأعلم انّ نبي اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد جمع بين حج وعمرة ثمّ لم ينزل فيها كتاب اللّه ولم ينه عنها نبيّ اللّه قال رجل فيها برأيه ما شاء.(1)

صورة ثانية

وأخرج أيضاً عن مطرِّف بن عبد اللّه بن الشّخّير،


1- صحيح مسلم:4/48، باب جواز التمتع.


(49)

عن عِمران بن حُصَين قال: اعلم أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جمع بين حجّ وعمرة ثمّ لم ينزل فيها كتاب ولم ينهنا عنهما رسول اللّه، قال فيها رجل برأيه ما شاء.(1)

صورة ثالثة

وأخرج أيضاً عن مطرِّف، قال: قال لي عمران بن حصين انّي لأُحدّثك بالحديث اليوم ينفعك اللّه به بعد اليوم، وأعلم أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد أعمر طائفة من أهله في العشر فلم تنزل آية تنسخ ذلك ولم ينه عنه حتّى مضى لوجهه، ارتأى كلّ امرئ بعد ما شاء أن يرتئي.(2)

صورة رابعة

وأخرج البخاري عن قتادة، قال: حدّثني مطرف عن عمران قال: تمتّعنا على عهد رسول اللّه فنزل القرآن، قال رجل برأيه ما شاء.(3) فانّ قول عمران بن حصين فإن


1- صحيح مسلم:4/48، باب جواز التمتع.
2- صحيح مسلم:4/47، باب جواز التمتع.
3- صحيح البخاري:2/144باب التمتع.


(50)

عشت فاكتم عنّي وإن مُت فحدث بها إن شئت، أو قوله: «قال رجل فيها برأيه ما شاء» يعرب عن وجود ضغط وكبت من جانب الخليفة في المسألة.

ثمّ إنّ السبب لنهي الخليفة عن متعة الحجّ أحد أمرين:

الأوّل: كراهته أن يكون الحجّاج معرسين بهن في الأراك ثمّ يروحون إلى الحج ورؤوسهم تقطر ماء.

قال أبو حنيفة عن حمّاد، عن إبراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد قال: بينما أنا واقف مع عمر بن الخطاب بعرفة عشية عرفة، فإذا هو برجل مرجّل شعره، يفوح منه ريح الطيب، فقال له عمر: أمحرم أنت؟ قال: نعم، فقال عمر: ما هيأتك بهيئة محرم، إنّما المحرم، الأشعث، الأغبر، الأذفر، قال: إنّي قدمت متمتّعاً وكان معي أهلي وإنّما أحرمت اليوم، فقال عمر عند ذلك: لا تتمتعوا في هذه الأيام، فإنّي لو رخصت في المتعة لعرسوا بهنّ في الأراك ثمّ راحوا بهنّ حجاجاً.(1)


1- زاد المعاد:1/214، ط مصر، المطبعة المصرية.


(51)

روى سعيد بن المسيب: انّ عمر بن الخطاب نهى أنّ المتعة في أشهر الحجّ، وقال: فعلتها مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأنا أنهى عنها، وذلك أنّ أحدكم يأتي من أُفق من الآفاق شعثاً نَصَباً معتمراً في أشهر الحج وإنّما شعثه ونصبه وتلبيته في عمرته ثمّ يقدم فيطوف بالبيت ويحلّ ويلبس ويتطيّب ويقع على أهله إن كانوا معه حتّى إذا كان يوم التروية أهلّ بالحج وخرج إلى منى يلبّي بحجة لا شعث فيها ولا نصب ولا تلبية إلاّ يوماً، والحجّ أفضل من العمرة، لو خلّينا بينهم و بين هذا لعانقوهنّ تحت الأراك مع أنّ أهل البيت ليس لهم ضرع ولا زرع، وإنّما ربيعهم فيمن يطرأ عليهم.(1)

الثاني: خوف تسرب الفقر إلى سكان البيت حيث ليس لهم ضرع ولا زرع فمنع عن الجمع بين العمرة والحجّ حتّى يتقاطر الحاج في عامة الشهور إلى البلد الأمين،


1- كنز العمال:5/164 رقم 12477.


(52)

ولأجل هذه الغاية منع عن الجمع حتّى يكون الحجّ في عام والعمرة في عام آخر.

روى أبو نعيم في «حلية الأولياء»: انّ عمر بن الخطاب نهى عن المتعة في أشهر الحجّ، وقال: فعلتها مع رسول اللّه وأنا أنهى عنها وذلك: انّ أحدكم يأتي من أُفق من الآفاق شعثاً نصباً معتمراً أشهر الحجّ وإنّما شعثه ونصبه وتلبيته في عمرته ثمّ يقدم فيطوف بالبيت ويحل ويلبس ويتطيّب ويقع على أهله إن كانوا معه حتّى إذا كان يوم التروية أهلّ بالحج وخرج إلى منى يلبي بحجّة لا شعث فيها ولا نصب ولا تلبية إلاّ يوماً، والحجّ أفضل من العمرة، لو خلّينا بينهم وبين هذا لعانقوهن تحت الأراك وإنّ أهل هذا البيت (أي أهل مكة) ليس لهم ضرع ولا زرع وإنّما ربيعهم في من يطرأ عليهم.(1) و قد مرّ ما يؤيّده من رواية سعيد بن المسيب.

هذا وانّه سبحانه نقل دعاء الخليل حيث سأله


1- حلية الأولياء:5/205.


(53)

سبحانه أن يرزق سكنة مكة من الثمرات وقال: (رَبّنا إِنّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيتي بِواد غَيْر ذِي زَرع عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّم ليُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَل أَفْئدةً مِنَ النّاسِ تَهوِي إِلَيْهِمْ وَارزُقْهُمْ مِنَ الثَّمراتِ لَعَلَّهُمْ يشكُرُون).(1)

وقد استجاب سبحانه دعاء أبيهم إبراهيم، يقول سبحانه: (وَقالُوا إِنْ نَتَّبع الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْء رِزْقاً مِنْ لَدُنّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ).(2) وعندئذ فلا حاجة للمنع عن السنّة النبوية بُغية توفير أرزاقهم.

ولعمر الحقّ انّ هذه الأعذار لا تبرّر تغيّـر الشريعة وتبديلها والمنع من المناسك التي شرعها سبحانه وبلغها نبيه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وصاحب الشريعة أعرف بمصالح المسلمين ومصالح سدنة مكة وسكنتها .

وقد بلغ منع الخليفة عن متعة الحجّ حتّى قال في


1- إبراهيم:37.
2- القصص:57.


(54)

بعض خطبه: «متعتان كانتا على عهد رسول اللّه وأنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما: متعة الحجّ ومتعة النساء» و في لفظ الجصاص: لو تقدمت فيها لرجمت. وفي رواية أُخرى : أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحجّ.(1)

حجّ التمتع على عهد عثمان

وقد اتّبع عثمان سلفه فيما أبدع وأحدث في المناسك فقد منع من الجمع بين العمرة والحجّ.

روى ابن حزم انّ عثمان بن عفان سمع رجلاً يُحلّ بعمرة وحجّ فقال: عليَّ بالمهلّ، فضربه وحلقه.(2)


1- البيان والتبيين:2/193; أحكام القرآن:1/290 ـ293; الجامع لأحكام القرآن:2/261; زاد المعاد:2/184، ط مصر.
2- المحلى:7/107، ط منشورات دارالآفاق الجديدة، بيروت.


(55)

السادس:

الصحابة وتحريم متعة الحج

قد استنكر لفيف من الصحابة عمل الخليفة وتحريمه متعة الحج بحماس نذكر منهم بعضهم:

1. الإمام علي بن أبي طالب

- عليه السَّلام -

قد كان الإمام أمير المؤمنين يكافح البدع والمحدثات الطارئة على الشريعة بحماس ولا يعير أهمية لنهي الناهي مهما كان له السطوة والشوكة.

1. روى البخاري عن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان وعلياً، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما; فلمّـا رأى علي، أهلّ بهما، لبّيك بعمرة وحجة، قال: ما كنت لأدع سنّة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لقول أحد.(1)


1- صحيح البخاري:2/142، باب التمتع والاقران والإفراد بالحج.


(56)

2. أخرج البخاري عن سعيد بن المسيب قال: اختلف عليّ وعثمان وهما بعُسفان ، في المتعة، فقال علي: ما تريد إلاّ أن تنهى عن أمر فعله النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فلمّـا رأى ذلك عليّ أهلّ بهما جميعاً.(1)

3. روى مالك في «الموطأ»: انّ المقداد بن الأسود دخل على عليّ - عليه السَّلام - بالسهَيا وهو يُنجع بكَرات له دقيقاً وخَبطاً، فقال: هذا عثمان بن عفان ينهى أن يقرن بين الحج والعمرة، فخرج علي  - عليه السَّلام - وعلى يديه أثر الدقيق والخبط فما أنسى أثر الدقيق والخبط على ذراعيه، حتّى دخل على عثمان فقال: أنت تنهى عن أن يقرن بين الحجّ والعمرة، فقال عثمان: ذلك رأيي، فخرج علي  - عليه السَّلام - مغضباً وهو يقول: لبيك اللّهم لبيك بحجة وعمرة معاً.(2)

4. عن سعيد بن المسيب قال: حجّ علي و عثمان فلمّـا كنّا ببعض الطريق نهى عثمان عن التمتع، فقال


1- صحيح البخاري:2/143، باب التمتع.
2- موطأ مالك:336، باب القران في الحج، الحديث40


(57)

علي: إذا رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا، فلبّى علي وأصحابه بالعمرة، فلم ينههم عثمان».(1)

5. روى عبد اللّه بن الزبير، قال: أنا واللّه لمع عثمان بالجحفة ومعه رهط من أهل الشام وفيهم حبيب بن مسلمة الفهري، إذ قال عثمان وذكر له التمتع بالعمرة إلى الحجّ : أن أتمّوا الحجّ وخلّصوه في أشهر الحجّ، فلو أخّرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زورتين كان أفضل، فانّ اللّه قد وسع في الخير.

فقال له علي: «عمدت إلى سنّة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ورخصة رخّص للعباد بها في كتابه، تضيق عليهم فيها وتنهى عنها، وكانت لذي الحاجة ولنائي الدار»، ثمّ أهلّ بعمرة وحجّة معاً، فأقبل عثمان على الناس.

فقال: وهل نهيت عنها؟ إنّي لم أنه عنها إنّما كان رأياً أشرت به، فمن شاء أخذ به، ومن شاء تركه.


1- سنن النسائي:5/152، كتاب الحجّ باب حج التمتع; مستدرك الصحيحين:1/472.


(58)

قال: فما أنسى قول رجل من أهل الشام مع حبيب ابن مسلمة: انظر إلى هذا كيف يخالف أمير المؤمنين؟ واللّه لو أمرني لضربت عنقه، قال: فرفع «حبيب» يده فضرب بها في صدره و قال: اسكت فانّ أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أعلم بما يختلفون فيه.(1)

2.عبد اللّه بن عمر

ولم يكن عليّ  - عليه السَّلام - هو الوحيد بين الصحابة في الاستنكار ـ و إن كان وحيداً في شدة استنكاره ـ بل كان هناك من يستنكر التحريم بين الفينة والأُخرى، روى القرطبي في تفسيره عن سالم قال: إنّي لجالس مع ابن عمر في المسجد إذ جاءه رجل من أهل الشام فسأله عن التمتّع بالعمرة إلى الحجّ، فقال ابن عمر: حسن جميل، قال: فإنّ أباك كان ينهى عنها، فقال: ويلك فإن كان أبي نهى عنها


1- جامع العلم : 270، طبع دارالكتب الحديثة، مصر.


(59)

وقد فعله رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأمر به أفبقول أبي آخذ أم بأمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟! قم عنّي.(1)

وسئل عبد اللّه بن عمر عن متعة الحج؟ قال: هي حلال، فقال له السائل: إنّ أباك قد نهى عنها، فقال: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أأمر أبي يتبع أم أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟! فقال الرجل: بل أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: لقد صنعها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(2)

صورة ثانية

قال سالم: سئل ابن عمر عن متعة الحجّ فأمر بها فقيل له: إنّك تخالف أباك؟ قال: إنّ أبي لم يقل الذي تقولون إنّما قال: أفردوا العمرة من الحجّ، أي انّ العمرة لا تتم في شهور الحجّ إلاّ بهدي وأراد أن يزار البيت في غير شهور الحجّ، فجعلتموها أنتم حراماً وعاقبتم الناس


1- تفسير القرطبي:2/388.
2- سنن الترمذي:3/186 برقم 824.


(60)

عليها، وقد أحلّها اللّه عزّ وجلّ وعمل بها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: فإذا أكثروا عليه. قال: أفكتاب اللّه عزّ وجلّ أحقّ أن يُتبع أم عمر؟!(1)

صورة ثالثة

قال سالم: كان عبد اللّه بن عمر يفتي بالذي أنزل اللّه عزّ وجلّ من الرخصة في التمتع وسنّ فيه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فيقول ناس لعبد اللّه بن عمر: كيف تخالف أباك وقد نهى عن ذلك؟!

فيقول لهم عبد اللّه: ويلكم، ألا تتقون اللّه؟ أرأيتم إن كان عمر نهى عن ذلك يبتغي فيه الخير ويلتمس فيه تمام العمرة فلم تحرّمون وقد أحلّه اللّه وعمل به رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟ أفرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أحقّ أن تتّبعوا سنّته أو عمر؟! إنّ عمر لم يقل لك: إنّ العمرة في أشهر الحجّ حرام ولكنّه قال: إن أتمّ العمرة أن تفردوها من أشهر الحجّ.(2)


1- السنن الكبرى:5/21.
2- السنن الكبرى:5/21.


(61)

3. استنكار ابن عباس

وممّن استنكر عمل الخليفة ومن لفّ لفّه، حبر الأُمّة عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنه. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: تمتّع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فقال عروة: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: ما يقول عريّة؟!(1)قال: نقول نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون، أقول قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ويقولون: قال أبو بكر وعمر.(2)

4. استنكار أُبي بن كعب

وممّن استنكر تحريم المتعة ولم ير نهي الخليفة صالحاً للأخذ هو الصحابي العظيم: أُبي بن كعب أخرج السيوطي عن مسند ابن راهويه وأحمد انّ عمر بن الخطاب همّ أن ينهى عن متعة الحجّ فقام إليه أُبي بن


1- مصغَّر عروة
2- مسند أحمد:1/337.


(62)

كعب فقال: ليس ذلك لك، قد نزل بها كتاب اللّه واعتمرناها مع رسول اللّه، فنزل عمر.(1)

5. استنكار سعد بن أبي وقاص

إنّ سعد بن أبي وقاص كان ممّن يعظِّمه عمر بن الخطاب ويحترمه وكان يأمر ابنه عبد اللّه باتّباعه، وقد أنكر تحريم متعة الحجّ. أخرج الإمام مالك عن محمد بن عبد اللّه بن حارث، أنّه حدّثه: أنّه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان وممّا يذكر انّ التمتع بالعمرة أي الحج، فقال الضحاك بن قيس: لا يفعل ذلك إلاّ من جهل أمر اللّه عزّ وجلّ، فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي، فقال الضحاك: فانّ عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك، فقال سعد: قد صنعها رسول اللّه وصنعناها معه.(2)


1- الدر المنثور:1/520، ط دارالفكر.
2- الموطأ:294، برقم63، باب ما جاء في التمتع; زاد المعاد:1/179 ط مصر.


(63)

عن محمد بن عبد اللّه بن نوفل قال: سمعت عامَ حجّ معاوية يسأل سعد بن مالك كيف تقول بالتمتع بالعمرة إلى الحجّ؟ قال: حسنة جميلة، قال: قد كان عمر ينهى عنها فأنت خير من عمر؟! قال: عمر خير مني وقد فعل ذلك النبي وهو خير من عمر.(1)

6. عمران بن حصين

قد استنكر عمران بن حصين تحريم متعة الحج وأوصى في أُخريات عمره وفي المرض الذي توفّـي فيه أن يُحدَّث عنه: انّ نبي اللّه جمع بين حجّ وعمرة ثمّ لم ينزل فيها كتاب اللّه ولم ينه عنها نبي اللّه وإنّما نهى عنها رجل برأيه، دون دليل في كتاب اللّه وسنّة رسوله.(2)

وقد توالى الاستنكار في العهود اللاحقة وإن كان المرتقون على صهوات الحكم مصرّين على اتّباع السلف


1- سنن الدارمي:2/36، ط دارالفكر.
2- صحيح مسلم:4/48، باب جواز التمتع.


(64)

إلى أن زالت الحكومة الأُموية وأخذ بنو عباس بزمام الحكم، فانتشر القول بجواز التمتع بالعمرة إلى الحجّ، وذلك لأنّ الجواز موقف جد العباسيّين فرفعوا الحرج عن المسلمين، وتبنّى أحمد بن حنبل في عهدهم دخولها في الحج، وذاع القول به إلى يومنا هذا بين المذاهب خصوصاً بين الحنابلة.

التمتّع بالعمرة إلى الحج وشروطه

قد عرفت أنّ حجّ التمتّع عبارة عن الإهلال بالعمرة ثمّ الإهلال بعد الإتيان بها ثمّ الإحرام إلى الحجّ، وإليه يشير قوله سبحانه: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدي).

قال القرطبي: التمتّع بالعمرة إلى الحجّ عند العلماء على أربعة أوجه منها وجه واحد مجتمع عليه، والثلاثة مختلف فيها.

فأمّا الوجه المجتمع عليه فهو التمتع المراد بقول اللّه


(65)

جلّ وعز: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدي)وذلك أن يحرم الرجل بعمرة في أشهر الحجّ وأن يكون من أهل الآفاق، وقدم مكة ففرغ منها ثمّ أقام حلالاً بمكة إلى أن أنشأ الحجّ منها في عامه ذلك قبل رجوعه إلى بلده، أو قبل خروجه إلى ميقات أهل ناحيته، فإذا فعل ذلك كان متمتعاً وعليه ما أوجب اللّه على المتمتع، وذلك ما استيسر من الهدي يذبحه ويعطيه للمساكين بمنى أو بمكة، فإن لم يجد صام ثلاثة أيّام، وسبعة إذا رجع إلى بلده، وليس له صيام يوم النحر بإجماع من المسلمين واختلف في صيام أيّام التشريق.

فهذا إجماع من أهل العلم قديماً وحديثاً في المتعة، ورابطها ثمانية شروط:

الأوّل: أن يجمع بين الحجّ والعمرة.

الثاني: في سفر واحد.

الثالث: في عام واحد.

الرابع: في أشهر الحجّ.


(66)

الخامس: تقديم العمرة.

السادس: لا يمزجها، بل يكون إحرام الحجّ بعد الفراغ من العمرة.

السابع: أن تكون العمرة والحجّ عن شخص واحد.

الثامن: أن يكون من غير أهل مكة.

وتأمّل هذه الشروط فيما وصفنا من حكم التمتع تجدها.(1)

وهذا هو الذي مُنع عنه بعد رحيل الرسول، لا غير.

ونهى عنه عمر بن الخطاب و تبعه عثمان ومعاوية ومن بعدهم.


1- الجامع لأحكام القرآن:2/391.


(67)

السابع:

التبريرات المختلقة للحظر المفروض

لمّا كان النهي عن متعة الحجّ، يضاد صريح الكتاب، وعمل النبي وسنّته، وعمل أكابر أصحابه، حاول غير واحد تأويل النهي، بوجوه نذكر منها وجهين:

1. فسخ الحجّ إلى العمرة

ربما يقال: انّ المنهي، هو فسخ الحجّ إلى العمرة التي يأتي بعدها فمن أحرم للحجّ، فله أن يأتي بأعماله ثمّ ينشئ إحراماً آخر للعمرة، فليس له أن يعدل عن حجّ القران إلى حجّ التمتع، وهذا هو الذي ينقله بدر الدين العيني الحنفي عن بعضهم، وإليك نصّه : قال عياض وغيره جازمين بأنّ المتعة التي نهى عنها عمر و عثمان هي


(68)

فسخ الحجّ إلى العمرة، لا العمرة التي يحجّ بعدها.

ولمّا كان التأويل بمكان من الوهن ـ حيث تدفعه النصوص السابقة عن جابر و ابن عباس وعمران بن حصين و سعد بن أبي وقاص، كما تدفعه نصوص العلماء على أنّ المنهي عنه هو الجمع بين العمرة والحجّ ـ ردّ عليه بدر الدين الحنفي و قال: قلت يرد عليهم ما جاء في رواية مسلم في بعض طرقه التصريح بكونه متعة الحجّ، وفي رواية له انّ رسول اللّه أعمر بعض أهله في العشر، وفي رواية :جمع بين حج وعمرة، و مراده التمتع المذكور و هو الجمع بينهما في عام واحد.(1)

قلت: ويخالف هذا التأويل، كلمات المحرِّم:

الف: أنّـي أخشى أن يعرّسوا بهن في الأراك ثمّ يروحوا بهنّ حجاجاً.


1- عمدة القاري في شرح صحيح البخاري:4/568.


(69)

ب: انّي لو رخصت في المتعة لهم لعرسوا بهن في الأراك ثمّ راحوا بهنّ حجاجاً.

ج. كرهت أن يكونوا معرسين بهنّ في الأراك ثمّ يروحون في الحج تقطر رؤوسهم.

د: انّ أهل البيت ليس لهم ضرع ولا زرع وإنّما ربيعهم في من يطرأ عليهم.

فانّ هذه الكلمات صريحة في أنّ النهي عن الجمع بين العمرة والحج، بل ليس للوافد إلاّ الحجّ، ثمّ الإتيان بالعمرة في العام المقبل، لاستكراهه التعرس بالنساء بين العملين أو ليفيض الزائر في عامة الشهور إلى مكة المكرمة.

2. اختصاص التمتّع بالصحابة

إنّ في الفقه الإسلامي باباً باسم خصائص النبي والأُمور أو الأحكام المختصة به، وقد ذكرها العلاّمة الحلّي برمّتها في كتاب «تذكرة الفقهاء» أوائل كتاب النكاح ولم تسمع إذن الدنيا، خصائص الصحابة وانّ لهم خصائص كخصائص النبي مع أنّ حكمه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على الأوّلين كحكمه


(70)

على الآخرين، وحلال محمّد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة.

لكن لما كان تحريم التمتع، و المنع عن الجمع بين العمرة والحجّ، يضاد الكتاب والسنّة القطعية حاول بعضهم تأويله قائلاً بأنّ الجمع بينهما من خصائص أصحاب النبي، حتّى عزوه إلى أبي ذر، حسب ما رواه مسلم.

أخرج مسلم عن أبي ذر انّه قال: كانت متعة الحجّ لأصحاب محمد خاصّة.(1)

وفي رواية أُخرى: لا تصلح المتعتان إلاّ لنا خاصة يعني: متعة النساء ومتعة الحجّ .(2)

وقد أيّدوه ببعض الآثار التي قال في حقّها ابن القيم الجوزية: إنّ تلكم الآثار الدالّة على الاختصاص بالصحابة بين باطل لا يصحّ عمّن نُسب إليه ألبتة، وبين صحيح عن قائل غير معصوم لا يعارض به نصوص


1- الجمع بين الصحيحين: 1/271 رقم368.
2- الجمع بين الصحيحين: 1/271 رقم368.


(71)

المشرِّع المعصوم.(1)

وفي صحيح الشيخين وغيرهما عن سراقة بن مالك قال: متعتنا هذه يا رسول اللّه لعامنا هذا أم لأبد؟ قال: لا بل لأبد أبد.

وفي صحيحة أُخرى عن سراقة: قام رسول اللّه خطيباً فقال: ألا إنّ العمرة قد دخلت في الحجّ إلى يوم القيامة.(2)

وقد مرّ نقل البخاري انّ العرب كانت تعدّ العمرة في أشهر الحجّ قبل الإسلام من أفجر الفجور، وقد نهض النبي بأمر من اللّه بإعادة السنّة الإبراهيمية إلى الساحة، فاعتمر أربع عمر كلّها في أشهر الحجّ.

3. عزوه إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وطروء النسيان على الصحابة

قد تعرفت على مدى صحة التأويلين السابقين


1- زاد المعاد:1/207.
2- مسند أحمد:4/175; سنن البيهقي:4/352.


(72)

وبُعدهما عن النصوص الواردة في الموضوع فهلمَّ معي نقرأ ما انتحله ابن أبي سفيان حيث نسب النهي عن الجمع بين العمرة والحجّ إلى رسول اللّه، ولما سأل أصحاب النبي عن هذا النهي و واجه استنكارهم له، رماهم بالنسيان.

أخرج أبو داود عن معاوية بن أبي سفيان انّه قال لأصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هل تعلمون انّ رسول اللّه نهى عن كذا أو كذا، وركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم، قال: فتعلمون انّه نهى ان يقرن بين الحجّ والعمرة؟ فقالوا: أمّا هذا فلا، فقال: أما إنّها معهن ولكن نسيتم.(1)

ولو كان المسؤول شخصاً أو شخصين من أصحاب النبي لكان احتمال تطرق النسيان إليه أو إليهما مبرر، ولكنّه سأل أصحاب النبي، الظاهر في أنّ المسؤول كان جماعة كثيرة، فهل يحتمل أن يتسرب النسيان إلى هؤلاء، الذين طالت صحبتهم مع النبي ولا يذكره إلاّ ابن


1- سنن أبي داود:2/157 رقم الحديث1794.


(73)

أبي سفيان الذي أسلم عام الفتح وقصرت صحبته وقلّ سماعه؟!

كيف و قد كان مع النبي أُلوف من الصحابة رأوا بأُمّ أعينهم عمل النبي وقوله وحثّه وترغيبه إلى الجمع بين العمرة والحجّ، والإحلال بينهما من المحظورات.

قال ابن القيم: لما عزم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على الحج علم الناس انه حاج فتجهّزوا للخروج معه وسمع بذلك مَنْ حول المدينة فقدموا يريدون الحج مع رسول اللّه ووافاه في الطريق خلائق لا يحصون، فكان من بين يده ومن خلفه و عن يمينه وشماله مدّ البصر.(1)


1- زادالمعاد:1/175، طبع مصر.


(74)

خاتمة المطاف

في أُمور:

الأوّل : اتّفقت كلمة شرّاح الصحيحين على أنّ المراد من «رجل» في قوله: «وقال رجل برأيه» هو عمر بن الخطاب، قال القسطلاني في شرح قوله: «قال رجل برأيه ما يشاء» هو عمر بن الخطاب لا عثمان بن عفان، لأنّ عمر أوّل من نهى عنها فكان من بعده تابعاً له في ذلك.

ففي صحيح مسلم انّ ابن الزبير كان ينهى، وابن العباس يأمر بها فسألوا جابراً فأشار إلى أنّ أوّل من نهى عنها عمر.(1)

وقال النووي في شرح صحيح مسلم: هو عمر بن الخطاب، لأنّه أوّل من نهى عن المتعة، فكان من بعده من


1- إرشاد الساري:4/169.


(75)

عثمان وغيره تابعاً له.(1)

الثاني: أخرج مسلم عن طارق بن شهاب عن أبي موسى قال: كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعثني إلى اليمن فوافقته في العام الذي حجّ فيه، فقال لي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : يا أبا موسى كيف قلت حين أحرمت؟ قال: قلت: لبّيك إهلالاً كإهلال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فقال: هل سقت هدياً؟ فقال: لا، قال: فانطلق فطف بالبيت وبين الصفا والمروة ثمّ أحل.(2)

هنا سؤال هو انّ علي بن أبي طالب و أبا موسى علّقا أحرامهما بإحرام النبي، فأمر عليّاً بالدوام على إحرامه، وأمر أبا موسى بجعله عمرة فما هو الفارق بين الإحرامين؟

أقول: قد أجاب عنه النووي في شرحه و قال: إنّ


1- شرح النووي:8/451.
2- شرح صحيح مسلم للنووي:8/450.


(76)

عليّاً كان معه هدي كما كان مع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الهدي فبقي على إحرامه كما بقي النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وكلّ من معه هدي، وأبوموسى لم يكن معه هدي فتحلّل بعمرة كمن لم يكن معه هدي ولولا الهدي مع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لجعلها عمرة.(1)

الثالث: انّ في حظر متعة الحجّ لعبرة لمن سبر التاريخ، وحاول الوقوف على الوقائع التي جرت فيه، فهذا هو النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد حجّ ومعه آلاف من أصحابه و من تبعه من الأعراب حيث أمر فيه بإدخال العمرة في الحجّ والاحلال بينهما و قد شهد به الكبير والصغير والداني والنائي، وبالرغم من ذلك فقد غلب منطقُ القـوة على قـوة المنطق عُقْب رحيله حتى صار التمتع بالعمـرة إلى الحـجّ من المحرمات التي يعاقب عليها مرتكبها أشدّ العقـوبة، مع أنّ هذه المسألة لم تكن مصدر تهديد


1- شرح صحيح مسلم:8/450.


(77)

للسلطات الحاكمة.

فإذا كان هذا هو حالها فما ظنك بالمسائل السياسية التي تهدِّد المنافع الشخصية للبعض، فلا غرو في أن يقف أصحاب الآراء والأهواء بوجه الحقّ الذي أمر به النبي.

وبذلك يسهل على القارئ الكريم الوقوف على مغزى مخالفة بعض الصحابة للحقّ المشروع لعلي  - عليه السَّلام - في الخلافة.

إنّ كثيراً من الباحثين من أهل السنّة يأوّلون ما ورد من النصوص حول خلافة الإمام أمير المؤمنين في أوائل البعثة وأواسطها وأواخرها ويفسرونها بالدعوة إلى نصرة علي ومحبّته، يقول الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر في وقته في رسالته إلى السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي:


(78)

إنّ أُولي البصائر النافذة والرؤية الثاقبة ينزّهون الصحابة عن مخالفة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في شيء من ظواهر أوامره ونواهيه ولا يجوّزون عليهم غير التعبّد بذلك، فلا يمكن أن يسمعوا النص على الإمام ثمّ يعدلوا عنه أوّلاً وثانياً وثالثاً، وكيف يمكن حملهم على الصحّة في عدولهم عنه مع سماعهم النصّ عليه؟ ما أراك بقادر على أن تجمع بينهما.

وما ذكر(1)ه شيخ الأزهر نابع من حسن ظنه بالصحابة كافة، ولكن لو سبر أخبارهم لوقف على أنّهم خالفوا النصوص في موارد كثيرة، ومنها متعة الحجّ على الرغم من أنّها لم تشكّل تهديداً لمصالحهم بل كانت مجرد استهجان للتحلّل بين العمرة والحجّ.

وأمّا النصوص التي تتعرض لمصالحهم الشخصية،


1- المراجعات: ص 234، المراجعة 83.


(79)

فقد كانوا يخالفونها في حياته فكيف بعد رحيله؟! والموارد التي لم يتعبّد السلف من الصحابة بالنصوص فيها أكثر من أن تذكر في ذلك المجال، وكفانا في ذلك ما قام به السيد شرف الدين العاملي في كتابه القيم «النص والاجتهاد» فقد جمع شطراً وافراً من اجتهادات الصحابة مقابل النص، وقد أنهاها إلى 66 مورداً، نقتصر منها على هذا النموذج:

رزية يوم الخميس التي حيل فيها بين النبي وما كان يرومه من كتابة أمر بالغ الأهمية، فانّها من أشهر القضايا وأكبر الرزايا أخرجها أصحاب الصحاح والسنن ونقلها الإمام البخاري في صحيحه، بسنده إلى عبيد اللّه بن عتبة ابن مسعود عن ابن عباس، قال: لمّا حضر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : هلمّ أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده، فقال عمر: إنّ النبي قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب


(80)

اللّه، فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قرِّبوا يكتب لكم النبي كتاباً لا تضلّـوا بعده، ومنهـم مـن يقـول ما قـال عمـر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي، قال لهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : قوموا، فكان ابن عبـاس يقول: إنّ الرزية كـلّ الرزيـة ما حـال بين رسـول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهـم ولغطهم.(1)

ويكشف عن ذلك الحوار الذي جرى بين الخليفة وابن عباس الذي نقله على وجه التفصيل شارح نهج البلاغة ابن أبي الحديد في شرحه، يقول:

قال عمر بن الخطاب لابن عباس: يا ابن عباس أتدري ما منع الناس منكم؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين.

قال: لكنّي أدري.

قال: ما هو، يا أمير المؤمنين؟


1- صحيح البخاري:1/30، باب كتابة العلم.


(81)

قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة، فتُجْحفوا الناس جحفاً، فنظرت قريش لأنفسها فاختارت، ووفقت فأصابت.(1)

وبما انّ المقام لا يقتضي التبسّط فلنقتصر على ذلك.

الرابع: المعروف انّ الخليفة حرم متعة الحجّ لاستلزامه التحلّل بين العمرة والحجّ، وهذا ممّا كان يستهجنه الخليفة ويعرب عنه قوله:

«إنّي أخشى أن يعرّسوا بهنّ تحت الأراك ثمّ يروحوا بهنّ حجّاجاً»، وقوله: «كرهت أن يظلّوا معرسين بهنّ ثمّ يروحون في الحجّ تقطر رؤوسهم».

وعلى ذلك فقد رخص في الإفراد والقران، أمّا الفارد فلأنّ العمرة يؤتى بها بعد الحجّ، وأمّا القران فانّ الحاج بما انّه يهل بالعمرة والحجّ معاً فلا يتحلّل بين العملين.


1- شرح نهج البلاغة:12/53، في شرح قوله : للّه بلاد فلان.


(82)

ولكنّه بالنسبة إلى سائر أقواله فقد منع عن حجّ القران أيضاً، وذلك لأنّه كان يصر بفصل الحجّ عن العمرة مستدلاً بأنّه ليس لأهل هذا البلد ضرع ولا زرع.(1) وكان ينادي بقوله:«فافصلوا حجّكم عن عمرتكم فانّه أتم لحجّكم وأتمّ لعمرتكم»(2) ومعنى ذلك حرمان أكثر الناس من العمرة التي دعا إليها سبحانه بقوله: (فأتمّوا الحجّ والعمرة)، إذ ربما لا تتهيّأ الأسباب لإقامة الآفاقي في مكة المكرمة حتّى يحول الحول فيأتي بالعمرة نزولاً لنهي الخليفة.

وما أبعد عمل الخليفة وما يرويه ابن عباس، ويقول: واللّه ما أعمر رسول اللّه عائشة في ذي الحجّة إلاّ ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، وقال كانوا يرون أنّ العمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور في الأرض.(3)


1- مرّ كلامه ص 46، 51، 52.
2- مرّ كلامه ص 46، 51، 52.
3- صحيح البخاري:3/69.


(83)

الخامس: قد روى عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ما مرّ من احتدام النزاع بين النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولفيف من صحابته في إدخال العمرة في الحجّ والتحلّل بعد الأُولى.

روى الشيخ الطوسي بسند صحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه - عليه السَّلام - عن آبائهعليهم السَّلام قال:« لمّا فرغ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من سعيه بين الصفا والمروة أتاه جبرئيل - عليه السَّلام - عند فراغه من السعي وهو على المروة، فقال: إنّ اللّه تعالى يأمرك أن تأمر الناس أن يحلّوا إلاّ من ساق الهدي. فأقبل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على الناس بوجهه، فقال: يا أيّها الناس هذا جبرئيل ـ و أشار بيده إلى خلفه ـ يأمرني عن اللّه عزّ وجلّ أن آمر الناس أن يحلّوا إلاّ من ساق الهدي ف آمرهم بما أمر اللّه به.

فقام إليه رجل فقال: يا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نخرج إلى منى ورؤوسنا تقطر من النساء. وقال آخرون: يأمرنا بشيء ويصنع هو غيره. فقال: يا أيّها الناس لو استقبلت من


(84)

أمري ما استدبرت صنعت كما صنع الناس، ولكنّي سُقت الهدي ولا يحلّ من ساق الهدي حتّى يبلغ الهدي محلّه. فقصر الناس وأحلّوا وجعلوها عمرة.

فقام إليه سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي فقال يا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : هذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: بل للأبد إلى يوم القيامة وشبّك بين أصابعه. وأنزل اللّه تعالى في ذلك قرآناً: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدي)(1).(2)

السادس: انّ رسول اللّه أقام بالمدينة عشر سنين فلما نزل قوله سبحانه: (وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِر يَأْتينَ مِنْ كُلِّ فَج عَمِيق)(3) أمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم بانّ رسول اللّه يحجّ في عامه هذا


1- البقرة:196.
2- التهذيب:5/30، باب ضروب الحجّ، الحديث3.
3- الحج:27.


(85)

فاتبعه من حضر المدينة وأهل العوالي والاعراب .

واختلفت كلمة أهل السنة في كيفية حجّه إلى أقوال ووجوه:

1. انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان قارناً لا مفرداً. وهذا خيرة ابن قيم الجوزية، وأقام على مختاره ما يربو على 21 دليلاً.(1)

2. انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حجّ حجّاً مفرداً لم يعتمر فيه واحتجّوا برواية عائشة في الصحيحين انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أهل بالحجّ.

3. انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حجّ متمتّعاً تمتعاً حلّ فيه من إحرامه ثمّ أحرم يوم التروية بالحجّ مع سوق الهدي.

4. حجّ متمتعاً تمتعاً لم يحل منه لأجل سوق الهدي.

هذه الوجوه ذكرها ابن قيم الجوزية وبسط الكلام في أدلّة القائلين ونقدها.(2) وأمّا ما هو الحقّ حسب


1- زاد المعاد1/216ـ220.

2- لاحظ زاد المعاد:1/222ـ232.


(86)

روايات أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ فموكول إلى محلّه وقد استدلّ صاحب الحدائق على أنّه لم يكن متمتعاً بقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي.(1)

(إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكرى لِمَنْ كانَ كانَ لَهُ )

قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْـعَ وَهُوَ شَهيـدٌ).(2)


1- الحدائق:14/313.
2- سورة ق:37.

Website Security Test