welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : متعة الحجّ على ضوء الكتاب والسنّة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

متعة الحجّ على ضوء الكتاب والسنّة

سلسلة المسائل الفقهية
10

متعة الحجّ
على ضوء الكتاب والسنّة

تأليف

الفقيه المحقق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أفضل خلقه وخاتم رسله محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين هم عيبة علمه وحفظة سننه.

أمّا بعد، فانّ الإسلام عقيدة وشريعة، فالعقيدة هي الإيمان باللّه ورسله واليوم الآخر ،والشريعة هي الأحكام الإلهية التي تكفل للبشرية الحياة الفضلى وتحقّق لها السعادة الدنيوية والأُخروية.

وقد امتازت الشريعة الإسلامية بالشمول، ووضع الحلول لكافّة المشاكل التي تعتري الإنسان في جميع جوانب الحياة قال سبحانه:(الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِيناً).(1)


1- المائدة: 3 .


(4)

غير أنّ هناك مسائل فرعية اختلف فيها الفقهاء لاختلافهم فيما أثر عن مبلّغ الرسالة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، الأمر الذي أدّى إلى اختلاف كلمتهم فيها، وبما أنّ الحقيقة بنت البحث فقد حاولنا في هذه الدراسات المتسلسلة أن نطرحها على طاولة البحث، عسى أن تكون وسيلة لتوحيد الكلمة وتقريب الخطى في هذا الحقل، فالخلاف فيها ليس خلافاً في جوهر الدين وأُصوله حتّى يستوجب العداء والبغضاء، وإنّما هو خلاف فيما روي عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وهو أمر يسير في مقابل المسائل الكثيرة المتّفق عليها بين المذاهب الإسلامية.

ورائدنا في هذا السبيل قوله سبحانه: (وَاعْتَصمُوا بِحَبْلِ اللّه جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْكُنْتُمْ أَعداءً فَألّفَ بين قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتهِ إِخْواناً...).(1)

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ


1- آل عمران: 103 .


(5)

متعة الحجّ

التمتّع بمعنى التلذّذ، يقال: تمتّع واستمتع بكذا ومن كذا: انتفع وتلذّذ به زماناً طويلاً، والمتعة في مصطلح الفقهاء يستعمل في موارد ثلاثة:

1. متعة الحجّ الواردة في قوله سبحانه: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلى الحَجّ).(1) وسيوافيك توضيحها.

2. متعة الطلاق، وهي ما تصل إلى المرأة بعد الطلاق من قميص وإزار وملحفة، وإليه يشير قوله سبحانه:(لاَ جُناحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلى الْمُحْسِنِين).(2)


1- البقرة:196.
2- البقرة:236.


(6)

وهل هذه المتعة لخصوص من لم يسمّ لها صداق؟ أو لكلّ مطلقة سوى المختلعة والمباراة والملاعنة؟ أو لكلّ مطلقة سوى المفروض لها إذا طلقت قبل الدخول فانّ لها نصف الصداق ولا متعة لها خلاف.(1)

3. متعة النساء ويسمّى بالزواج المؤقت، وهي عبارة عن تزويج المرأة الحرّة الكاملة نفسها إذا لم يكن بينها و بين الزوج مانع ـ من نسب أو سبب أو رضاع أو إحصان أو عدّة أو غير ذلك من الموانع الشرعية ـ بمهر مسمّى إلى أجل مسمّى بالرضا والاتّفاق، فإذا انتهى الأجل تبين منه من غير طلاق، ويجب عليها مع الدخول بها ـ إذا لم تكن يائسة ـ أن تعتد عدّة الطلاق إذا كانت ممّن تحيض، وإلاّ فبخمسة وأربعين يوماً. والأصل فيه قوله سبحانه: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساء إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيمانُكُمْ كِتابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأَحلَّ لَكُمْ ماوَراءَ ذلِكُمْ إِنْ تَبْتَغُوا )


1- مجمع البيان:1/340.


(7)

بِأَموالِكُمْ مُحْصِنينَ غَيْرَ مُسافِحينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَ آتُوهُنَّ أُجُورهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَريضَةِ إِنَّ اللّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً).(1)

والمتعة بالمعنى الأوّل والثاني مورد اتّفاق بين الفقهاء، واختلفوا في المتعة بالمعنى الثالث; فالشيعة الإمامية على حلّيّتها وعدم منسوخيتها، وأكثر الجمهور على التحريم، والتفصيل في محلّه.


1- النساء:24.


(8)

أقسام الحج الثلاثة

ينقسم الحجّ إلى أقسام ثلاثة: تمتع، وقران، و إفراد.

فلنبيّـن هذه الأقسام على ضوء المذهب الإمامي ثمّ نردفه بتوضيحها وفقاً لمذهب أهل السنّة.

أمّا التمتع في الفقه الإمامي فهو عبارة عن إحرام المكلّف من الميقات بالعمرة المتمتع بها إلى الحجّ، ثمّ يدخل مكة فيطوف سبعة أشواط بالبيت، ويصلّي ركعتي الطواف بالمقام، ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ثمّ يقصّـر، فإذا فعل ذلك فقد أحلّ من كلّ شيء أحرم منه، فله التمتّع بأي شيء شاء من الأُمور المحلّلة بالذات إلى أن ينشئ إحراماً آخر للحجّ.

ثمّ ينشئ إحراماً آخر للحج من مكة يوم التروية وإلاّ فيما يعلم معه إدراك الوقوف، ثمّ يمضي إلى عرفات


(9)

فيقف بها إلى الغروب، ثمّ يفيض إلى المشعر الحرام فيقف به بعد طلوع الفجر، ثمّ يفيض إلى منى و يرمي جمرة العقبة، ثمّ يذبح هديه، ثمّ يحلق رأسه، ثمّ يأتي مكة ليومه أو من غده، فيطوف للحج ويصلّي ركعتين، ثمّ يسعى سعي الحجّ، ثمّ يطوف طواف النساء ويصلّـي ركعتيه، ثمّ يعود إلى منى ليرمي ما تخلّف عليه من الجمار الثلاث، يوم الحادي عشر، والثاني عشر.(1)

وأمّا الإفراد فهو أن يحرم من الميقات أو من حيث يصحّ له الإحرام منه بالحجّ، ثمّ يمضي إلى عرفات فيقف بها، ثمّ يقف بالمشعر الحرام، ثمّ يأتي منى فيقضي مناسكه بها، ثمّ يأتي إلى مكة يطوف بالبيت للحج ويصلّـي ركعتين ويسعى للحجّ ويطوف طواف النساء ويصلي ركعتين، فيخرج من الإحرام فيحل له كلّ المحرمات.

ثمّ يأتي بعمرة مفردة من أدنى الحلّ.


1- تحرير الأحكام:1/557.


(10)

وأمّا القِران فهو نفس حجّ الإفراد إلاّ أنّه يضيف إلى إحرامه سياقَ الهدي، وإنّما يسمّى بالقِران لسوقه الهدي فيقرن حجّه بسوقه. فالقران والإفراد شيء لا يفترقان إلاّ في حال واحدة، وهي انّ القارن يسوق الهدي عند إحرامه، وأمّا من حجّ حجّة الإفراد فليس عليه هدي أصلاً.

إنّ التمتع فرض من نأى عن المسجد الحرام وليس من حاضريه، ولا يجزئه غيره مع الاختيار.

وأمّا القران والإفراد فهو فرض أهل مكة وحاضريها.

وحدّ حاضري المسجد الحرام الذين لا متعة عليهم من كان بين منزله ومكة دون 48 ميلاً من كلّ جانب، ويعادل 88 كيلومتراً .(1)

والحاصل: انّ من نأى عن مكة أكثر من 48 ميلاً لا يجوز له إلاّ التمتع.

وأمّا القران والإفراد فهما فرض أهل مكة ومن كان


1- ربما قيل 12 ميلاً ، فيعادل 22 كيلومتراً.


(11)

بينه و بينها دون 48 ميلاً أو دون 12 ميلاً، ولا يجوز لهما غير هذين النوعين.

ثمّ إنّ من وظيفته التمتع لا يجوز أن يعدل إلى غيره، إلاّ لضيق وقت أو حيض، فيجوز العدول حينئذ إلى الإفراد على أن يأتي بالعمرة بعد الحجّ. وحدّ الضيق هو انّه إذا اعتمر لا يتمكّن من الوقوف بعرفة عند الزوال.

ولا يجوز لمن فرضه القران أو الإفراد كأهل مكة وضواحيها أن يعدل إلى التمتع إلاّ مع الاضطرار، كخوف الحيض المتوقّع. هذه هي صور أقسام الحجّ الثلاثة، ويتلخص الكلّ في الأُمور التالية:

1. انّ حجّ التمتع للنائي عن مكة وحجّ الإفراد والقران لغير النائي.

2. لا يجوز للمتمتع أن يعدل إلى غيره إلاّ عند الضرورة، وهكذا للمفرد والقارن إلاّ عند الضرورة.

3. انّ حجّ الإفراد والقران شيء واحد يفترقان في


(12)

سوق الهدي وعدمه.

4. لا يجوز التداخل بين إحرامين، فلا يجوز لمن أحرم أن ينشئ إحراماً آخر حتّى يكمل أفعال ما أحرم له.

5. ويشترط في حجّ التمتع وقوعه في أشهر الحجّ ـ وهي: شوال، وذوالقعدة، وذوالحجّة ـ وأن يأتي بالحجّ والعمرة في سنة واحدة، ولو أحرم بالعمرة المتمتع بها في غير أشهر الحجّ لم يجز له التمتع بها.(1)

إلى هنا تمّ بيان صور الأقسام الثلاثة على مذهب الإمامية، وإليك بيان أقسام الحجّ وفق مذهب أهل السنّة، فنقول:

قالوا: من أراد الحجّ والعمرة جاز له في الإحرام بهما ثلاث كيفيات.

الأوّل: الإفراد، وهو أن يحرم بالحجّ وحده، فإذا فرغ


1- راجع الشرائع:1/174ـ177; وتحريرالأحكام:1/557ـ 559; جواهر الكلام، وغيرها من الكتب الفقهية للشيعة الإمامية.


(13)

من أعماله أحرم بالعمرة وطاف وسعى لها ويأتي بأعمال العمرة.

الثاني: القران، وهو الجمع بين الحج والعمرة في إحرام واحد حقيقة أو حكماً (وسيوافيك تفصيلهما) .

الثالث: التمتع، وهو أن يعتمر أوّلاً ثمّ يحجّ من عامه.

هذا إجمال الأقسام الثلاثة عند مذهب أهل السنّة، وفي تفاصيلها اختلاف بينهم.

فالذي يهمنا أمران:

الأوّل: تفسير القِران، فالقِران عند أهل السنّة هو الجمع بين الحجّ والعمرة في إحرام واحد، وصفة القران عندهم أن يُهل بالعمرة والحج معاً من الميقات ويقول: اللّهم إني أريد الحجّ والعمرة فيسِّـرهما لي وتقبّلهما مني، فهي عندهم كحجّ التمتع إلاّ أنّه يهلّ بالعمرة والحجّ بنيّة واحدة ولا يتحلّل بين العمرة والحجّ.


(14)

وفي «المغني» لابن قدامة: إنّ الإحرام يقع بالنسك من وجوه ثلاثة:

1. تمتع، وإفراد ، وقران.

فالتمتع أن يُهلَّ بعمرة مفردة من الميقات في أشهر الحجّ، فإذا فرغ منها أحرم بالحجّ من عامه.

والإفراد أن يهل بالحجّ مفرداً.

والقران أن يجمع بينهما في الإحرام بهما أو يحرم بالعمرة ثمّ يدخل عليها الحجّ قبل الطواف، فأي ذلك أحرم به جاز.

وأمّا الأفضل، فاختارت الحنابلة انّ الأفضل هوالتمتع ثمّ الافراد ثمّ القران، وممّن روي عنه اختيار التمتع: ابن عمر و ابن عباس وابن الزبير وعائشة وحسن وعطاء وطاووس ومجاهد و جابر بن زيد والقاسم وسالم وعكرمة وهو أحد قولي الشافعي.

وروى المروزي عن أحمد: إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسقه فالتمتع أفضل، لأنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قرن


(15)

حين ساق الهدي ومنع كلّ من ساق الهدي من الحل حتّى ينحر هديه.(1)

هذا إجمال ما عليه المذاهب الأربعة، ولعلّ الاختلاف بين المذهب الإمامي وسائر المذاهب في ماهية النسك الثلاثة، قليل، ولو كان هناك اختلاف فإنّما هو في موضعين:

1. في تفسير القران، فحجّ القران عند الإمامية هو نفس حجّ الافراد، غير انّ المفرد لا يسوق الهدي والقارن يسوق.

وسوق الهدي شأن غير النائي عن مكة بالمقدار المذكور.

2. انّهم بتفسير القران بالجمع بين العمرة والحج، جوّزوا ذلك بالصورتين التاليتين:

أ. أن يهلّ بالعمرة والحجّ معاً من الميقات بنيّة الأمرين معاً، وهو الجمع الحقيقي.


1- المغني:3/233.


(16)

ب: أن يهلّ بالعمرة فقط ثمّ بالحجّ قبل أن يطوف للعمرة أكثر الطواف.

قال ابن رشد: أمّا القران فهو أن يهلّ بالنسكين معاً أو يهلّ بالعمرة في أشهر الحجّ ثمّ يردف ذلك بالحجّ قبل أن يحل من العمرة والقارن يلزمه الهدي إن كان آفاقيّاً وإلاّ فلا.

وربّما يقال ويصحّ العكس عند أكثر الفقهاء بأن يحرم بالحجّ ثمّ يدخل العمرة عليه، لكنّه مكروه عند الحنفية .(1)

وأمّا الشيعة الإمامية فلا تجوّز القران بين الحجّ والعمرة بنيّة واحدة، ولا إدخال أحدهما على الآخر، ولا بنيّة حجّتين ولا عمرتين في سنة واحدة.

إذا عرفت ذلك فتحقيق المقام رهن البحث في أُمور:


1- راجع : بداية المجتهد:3/293ـ 301; الهداية في شرح البداية:1/150ـ 154; المغني:3/232;الفقه على المذاهب الأربعة:1/688ـ 695.


(17)

الأوّل:

في بيان الأحكام الواردة في الآية

يقول سبحانه: (وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَة للّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيّام فِي الْحَجِّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشْرَةٌ كامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ شَديدُ الْعِقابِ).(1)

الآية المباركة تتضمن أحكاماً نشرحها حسب مقاطع الجمل.


1- البقرة:196.


(18)

1. إتمام الحج والعمرة للّه

يقول سبحانه:(وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَة للّهِ ) فما هو المراد من الإتمام؟

إنّه سبحانه يأمر بإتمام الحجّ والعمرة، والمراد من الإتمام في المقام وغيره هو إنجاز العمل كاملاً لا ناقصاً، كما أنّ المراد من كون الإتمام للّه، كون العمل بعيداً عن الرياء والسمعة، والذي يعرب عن كون المراد من الإتمام هو الإكمال، أمران:

أ: أُطلق الإتمام في القرآن الكريم وأُريد به الإكمال، كقوله سبحانه: (وَإِذ ابْتَلى إِبراهيمَ ربُّهُ بِكَلمات فَأَتَمَّهُنَّ)(1) وقوله سبحانه:(ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلى اللَّيل)(2) وقوله سبحانه: (وَيَأْبى اللّهُ إِلاّ أنْ يُتمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُون)(3) وقوله سبحانه: (وَيُتِمُّ نعمتَهُ عَليْكَ )


1- البقرة:124.
2- البقرة:187.
3- التوبة:32.


(19)

وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها على أَبَوَيْكَ).(1)

ب: قوله سبحانه: (فَإِنْ احصرتُم) أي منعكم حابس قاصر عن إتمام الحجّ فعليكم بما استيسر من الهدي، فالجملة قرينة على أنّ المراد من الإتمام، الإكمال.

وعلى ذلك جرى المفسرون في تفسير الجملة الآنفة الذكر، قال الشيخ الطوسي: يجب أن يبلغ آخر أعمالها بعد الدخول فيها، ثمّ عزاه إلى مجاهد والمبرد وأبي علي الجبائي.(2)

وقال الرازي: إنّ الإتمام يراد به فعل الشيء كاملاً وتامّاً، فالمراد الإتيان به بما جاء في ذيل الآية من حكم الحصر.(3)

هذا هو المفهوم من الآية، وأمّا تفسير الآية بإفراد كلّ واحد منهما بإنشاء سفر مستقل، فممّا لا تدلّ عليه الآية .


1- يوسف:6.
2- التبيان:1/154.
3- تفسير الرازي:5/139.


(20)

نعم انّ العرب في عصر الجاهلية كانوا يفرّقون بين الحجّ والعمرة، فكانوا يأتون بالعمرة في غير أشهر الحج وبالحجّ في أشهره، وكانوا يفردون كلاًّ عن الآخر، وكانت سيرتهم على ذلك إلى أن أدخل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ العمرةَ في الحجّ حتّى أمر من لبّى بالحج في أشهر الحجّ وأحرم له، أن يجعله عمرة ثمّ يتحلّل ويحرم للحج ثانياً، وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «دخلت العمرة في الحجّ إلى الأبد» كما سيوافيك تفسيره.

نعم روي ذلك مرفوعاً عن أبي هريرة، كما روي أنّ عمر كان يترك القران والتمتع ويذكر أنّ ذلك أتمّ للحجّ والعمرة وأن يعتمر في غير شهور الحجّ، فانّ اللّه تعالى يقول: (الحَجُّ أَشهرٌ مَعْلُومات) وروى نافع عن ابن عمر أنّه قال: «فرّقوا بين حجِّكم وعمرتكم».(1)

كما روي ذلك القول عن قتادة أنّه قال: «الاعتمار في غير أشهر الحج»(2)، ولعلّه أراد العمرة المفردة لا عمرة


1- تفسير الرازي:5/145.
2- التبيان:1/154.


(21)

التمتّع التي لا تنفكّ عن الحجّ.

فظهر ممّا ذكرنا انّ المراد بإتمام الحجّ والعمرة للّه هو إكمالهما على النحو المقدور، فإن لم يمنع حابس يكمله بإتيان عامّة الأجزاء وإن حُصِـر، يخرج من الإحرام على النحو الذي سيوافيك، وهو أيضاً نوع من الإتمام.

وأمّا تفسير الإتمام بإنشاء السفر لكلّ من العمرة والحجّ، فغير مفهوم من الآية ومخالف لسيرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حيث أمر أصحابه بإدخال العمرة في الحجّ وتبديل النيّة من الحجّ إلى العمرة، و قد كان ذلك شاقّاً على أصحابه، لأنّهم كانوا قد احرموا للحجّ على النحو الرائج في العصر السابق، فمن حاول تفسير الآية بتفكيك العمرة عن الحجّ بإنشاء سفرين: أحدهما في أشهر الحجّ والآخر يعني: العمرة في غيره، فقد فسَّـر الآية برأيه أوّلاً، وخالف سنّة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ثانياً.


(22)

2. إذا أُحصر بالعدو أو المرض

لمّا أمر سبحانه حجاج بيته بإتمام الحجّ والعمرة وإكمالهما، حاول بيان وظيفة المحصر الذي يمنعه حابس عن إكمال الحجّ والعمرة، فقال: (فَإِنْ أُحصرْتُمْ فَما اسْتَيْسَر مِنَ الهَدي).

أصل الحصر، الحبس، ومنه يقال للّذي لا يبوح بسرّه «حَصِـر » لأنّه حبس نفسه عن البوح، و المعروف انّ لفظ الحصر مخصوص بمنع العدو إذا منعه عن مراده وضيّق عليه، وربما يستعمل في مطلق المانع ويقال: أُحصر بالمرض وحُصر بالعدو.

وعلى ذلك فالمحصِـر عليه التحلّل بالذبح، ولا يتحلّل قبل الذبح كما قال سبحانه: (فَإِنْ أُحصرْتُمْ فَما اسْتَيْسَر مِنَ الهَدي) أي ما تيسّـر منه، وقيل الهدي جمع الهدية كالتمر جمع التمرة، والمراد من الهدي ما يهدى إلى بيت اللّه عزّ وجلّ تقرّباً إليه، أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأيسره شاة.


(23)

3. لا يتحلّل قبل الذبح

إنّ المحصر يتحلّل بالذبح، فلا يتحلّل من الإحرام حتّى ينحر أو يذبح. قال سبحانه: (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الهَديُ مَحِلّه) وأمّا ما هو المراد من المحل؟ فهناك أقوال ثلاثة:

أ: الحرم فإذا ذبح به في يوم النحر أحل.

ب: الموضع الذي يُصد فيه، لأنّ النبي نحر هديه بالحديبية وأمر أصحابه ففعلوا مثل ذلك، وليست الحديبية من الحرم.

ج: التفصيل بين المحصِـر بالعدو، والمحصر بالمرض. فالأوّل يذبح في المحل الذي صُدّ فيه، وأمّا الثاني ينتظر إلى أن يذبح في يوم النحر.

4. حكم المريض ومن برأسه أذى

لمّا منع سبحانه حلق الرأس قبل بلوغ الهدي محلّه


(24)

رخّص لطائفتين وإن لم يذبحوا:

أحدهما: المريض الذي يحتاج إلى الحلق للمداواة.

والثاني من كان برأسه أذىً.

وقال:( فمن كان منكم مريضاً أو به أذى ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) فالمحرم المعذور يحلق رأسه قبل الذبح، وفي الوقت نفسه يكفِّر بأحد الأُمور الثلاثة، وكلّ واحد منها فدية، أي بدل وجزاء من العمل الذي تركه لأجل العذر، وهو أن يصوم أو يتصدّق أو يذبح شاةً. وأمّا الصوم فيصوم ثلاثة أيّام، وأمّا الصدقة فيتصدّق على ستة مساكين أو عشرة، وأمّا النسك فيذبح شاة، وهو مخيّـر بين الأُمور الثلاثة.

5. التمتّع بالعمرة إلى الحجّ

يقول سبحانه: (فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدي)، كان كلامه سبحانه في المحصر، والكلام في المقام في غير المحصر ومن حصل له


(25)

الأمن وارتفع المانع كما يدلّ عليه قوله سبحانه:(فإِذا أَمنتم)، فعلى قسم من المكلّفين(1) إذا أتوا بالعمرة ثمّ أحرموا للحج فعليه ما تيسّـر من الهدي في يوم النحر في أرض منى.

المراد من التمتع في ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الحَج) هو التمتع بمحظورات الإحرام بسبب أداء العمرة فيبقى متحلّلاً متمتِّعاً إلى أن يحرم للحج، وعندئذ يجب عليه ما تيسّـر من الهدي.

والآية تصرح بأنّ صنفاً من المكلّفين، وهم الذين فرض عليهم حجّ التمتع يحلّ لهم التمتع بعامة المحظورات إلى زمن إحرام الحجّ، فاستنكار التمتع بين العمرة والحجّ ـ لأجل استلزامه تعرّس الحاج بين العمرة والحج ورواحه إلى المواقف ورأسه يقطر ماءً ـ إطاحة بالوحي وتقديم للرأي على الوحي، كما سيوافيك تفصيله.


1- أي غير حاضري المسجد الحرام كما سيأتي في الآية.


(26)

وإنّما ذكر من أعمال الحجّ الكثيرة خصوصَ الهدي، فقال: (فما استيسر من الهدي) مع أنّ من تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فعليه الاحرام أوّلاً ثمّ الوقوف في عرفة، ثمّ الافاضة إلى المشعر والمزدلفة، ثمّ منها إلى منى ورمي الجمرات والذبح والحلق إلى غير ذلك.

أقول: إنّما خصّ ذلك بالذكر لاختصاص الهدي بحكم خاص، وهو سبحانه بصدد بيان حكمه، وهو انّه إذا عجز عن الهدي فله بدل، بخلاف سائر الأعمال فانّ ذاتها مطلوبة وليس لها بدل، فقال سبحانه مبيّنـاً لبـدل الهـدي.

6. الفاقد للهدي

بيّـن سبحانه حكم من لم يجد الهدي(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيّام فِي الْحَجِّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشْرَةٌ كامِلَة)أي انّه يصوم بدل الهدي ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة إذا رجع إلى موطنه على وجه يكون الجميع عشرة


(27)

كاملة، وأمّا أيّام الصوم فقد ذكرت في الكتب الفقهية، وهي اليوم السابع والثامن والتاسع.

7. التمتع بالعمرة إلى الحجّ وظيفة الآفاقي

إنّه سبحانه أشار بأنّ التمتع بالعمرة إلى الحجّ فريضة من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، وقال: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) أي ما تقدّم ذكره حين التمتع بالعمرة إلى الحجّ ليس لأهل مكة و من يجري مجراهم وإنّما هو لمن لم يكن من حاضري مكة، وأمّا الحاضر فهو من يكون بينه و بينها دون 48ميلاً، وعلى قول آخر أقلّ من 12 ميلاً من كلّ جانب على الاختلاف .

ثمّ إنّه سبحانه أتمّ الآية بالأمر بالتقوى، أي العمل بما أمر والنهي عمّـا نهى، وذلك لأنّه سبحانه شديد العقاب، فقال:(واتقوا اللّه واعلموا انّ اللّه شديد العقاب).


(28)

هذا هو تفسير الآية المباركة جئنا به ليكون قرينة واضحة على تفسير ما سنسرد من الروايات والأحاديث من احتدام النزاع بين النبي وأصحابه في كيفية الحجّ ودام حتّى بعد رحيله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

والمهم في المقام في إفادة المقصود هو الجملتان التاليتان:

1.(وَأَتِمُّوا الحَجّ وَالعُمرة للّه).

2. (فَمَنْ تَمَتَّع بِالعُمرة إِلى الحَجّ).

فالأُولى تدلّ على إكمالهما دون افرادهما في الزمان، كما أنّ الثانية تدلّ على لزوم التحلّل والتمتّع بين العملين.

***


(29)

الثاني:

متعة الحجّ سنّة أبدية

تضافرت الروايات الصحاح على أنّ متعة الحجّ سنّة أبدية إلى يوم القيامة لا تتغيّـر ولا تتبدّل، بل تبقى بحالها إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها، ونذكر في ذلك ما رواه الشيخان ولا نتجاوز عنهما.

1. روى مسلم عن عمرة قالت: سمعت عائشة - رضي اللّه عنها - تقول: خرجنا مع رسول اللّه لخمس بقين من ذي القعدة ولا نرى إلاّ أنّه الحج حتّى إذا دنونا من مكة أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحل....(1)

2. أخرج مسلم عن جابر - رضي اللّه عنه - انّه قال:


1- صحيح مسلم:4/32، باب وجوه الإحرام.


(30)

أقبلنا مهلِّين مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بحجّ مفرد، وأقبلت عائشة - رضي اللّه عنها - بعمرة، حتّى إذا كنّا بسَرِف عركت حتّى إذا قدمنا طُفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يُحل منّا من لم يكن معه هدي، قال: فقلنا: حلُّ ماذا؟ قال: الحلّ كلّه، فواقعنا النساء وتطيّبنا بالطيب ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلاّ أربع ليال، ثمّ أهللنا يوم التروية...(1)

3. أخرج مسلم عن جابر - رضي اللّه عنه - قال: خرجنا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مهلّين بالحج معنا النساء والولدان، فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقال لنا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : من لم يكن معه هدي فليحلل، قال: قلنا: أيّ الحل؟ قال: الحلّ كلّه، قال: فأتينا النساء ولبسنا الثياب ومسسنا الطيب، فلمّـا كان يوم التروية أهللنا بالحج.(2)


1- صحيح مسلم:4/35، باب وجوه الإحرام.
2- صحيح مسلم:4/36، باب وجوه الإحرام.


(31)

4. أخرج مسلم عن عطاء، قال: حدّثني جابر بن عبد اللّه الأنصاري انّه حجّ مع رسول اللّه عامَ ساق الهدي معه، وقد أهلُّوا بالحجّ مفرداً، فقال رسول اللّه: أحلُّوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت و بين الصفا والمروة وقصّروا وأقيموا حلالاً، حتّى إذا كان يوم التروية فأهلّوا بالحجّ، واجعلوا التي قدمتم بها متعة، قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمّينا الحج؟ قال: افعلوا ما آمركم به فانّـي لولا أنّي سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به ولكن لا يحلّ منّي حرام حتّى يبلغ الهدي محله، فافعلوا.(1)

5.أخرج مسلم عن جابر بن عبداللّه قال: قدمنا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مهلِّين بالحجّ، فأمرنا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن نجعلها عمرة ونحل، قال: وكان معه الهدي فلم يستطع أن يجعلها عمرة.(2)

6. أخرج مسلم عن جابر بن عبد اللّه في حديث


1- صحيح مسلم:4/37، باب وجوه الإحرام.
2- صحيح مسلم:4/ 38، باب وجوه الإحرام.


(32)

مفصّل انّه قال: لسنا ننوي إلاّ الحجّ، لسنا نعرف العمرة، حتّى إذا أتينا البيت معه استلم الركن ـ إلى أن يقول: ـ حتّى إذا كان آخر طوافه (النبي) على المروة، فقال: لو انّي استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليُحلّ وليجعلها عمرة، فقام سراقة بن مالك بن جُعشم فقال: يا رسول اللّه، ألعامنا أم لأبد؟ فشبّك رسول اللّه أصابعه واحدة في الأُخرى، فقال: دخلت العمرة في الحج مرتين: لا، بل لأبد أبد.(1)

هذا بعض ما رواه مسلم، وتركنا البعض الآخر وربّما يأتي لمناسبة خاصة.

وإليك ما رواه البخاري في صحيحه.

1. أخرج البخاري عن عائشة زوج النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، قالت: خرجنا مع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حجّة الوداع فأهللنا بعمرة،


1- صحيح مسلم:4/40، باب حجة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .


(33)

قال النبي: من كان معه هدي فليهل بالحجّ مع العمرة، ثمّ لا يحلّ حتّى يحلّ منهما جميعاً.(1)

2. أخرج البخاري عن ابن عباس انّه سئل عن متعة الحجّ، فقال: أحلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبـي في حجّة الوداع وأهللنا فلمّـا قدمنا مكة، قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : اجعلوا إهلالكم بالحجّ عمرة إلاّ من قلّد الهدي، طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب.(2)

هذا بعض ما رواه البخاري ويأتي بعضه الآخر، وما رواه الشيخان يدلّ على أُمور:

1. انّ حجّ التمتع فريضة من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.

2. انّ التمتّع بين العمرة والحجّ سنّة فيها وليس


1- صحيح البخاري:2/140، باب كيف تحل الحائض والنفساء.
2- صحيح البخاري:2/144، باب قول اللّه لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.


(34)

لأحد أن يعترض على التمتع بين الأمرين .

3. انّ العرب في الجاهلية والإسلام كانوا يُحرمون بالحجّ في أشهر الحجّ لا للعمرة، ولذلك أحرم أصحاب النبي وأزواجه للحجّ تبعاً للسيرة السائدة بين العرب من اختصاص أشهر الحجّ بالحجّ فلمّـا دنوا من مكة(1) أو قضوا أعمال العمرة أمرهم النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بجعل الإحرام عمرة والعدول إليها، وقد كان ثقيلاً عليهم، كما ستوافيك الروايات في هذا الباب.

4. انّ التمتع بين العمرة والحجّ سنّة أبدية لا تختص بعام دون عام ولا بقوم دون قوم.

5. انّ من ساق الهدي معه ليس له أن يتحلّل ولا يخرج من الإحرام إلاّ إذا بلغ الهدي محلّه وكان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ممّن ساق الهدي، ولذلك لم يخرج حتّى أبلغ هديه محله، وقد كان عمل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مظنة سؤال للصحابة حيث


1- الترديد لأجل اختلاف الروايات في ذلك، فلاحظ.


(35)

أمرهم بالتحلّل وبقي نفسه على إحرامه فنبّههم النبي بأنّه ساق الهدي ولكنّه لو وُفّق للحجّ في المستقبل لما ساق الهدي، وإلى ذلك يشير قوله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سُقت الهدي».

إنّ في هذا الموضوع روايات في السنن الأربع اقتصرنا بما ذكرنا، وللقارئ أن يرجع إلى السنن والمسانيد فانّه يجد أمثال ما ذكرناه بوفرة.


(36)

الثالث:

سيرة العرب قبل الإسلام في الحجّ

يظهر ممّا سردناه من الروايات وما سيوافيك انّ العرب لم تكن تعرف العمرة في أشهر الحجّ وإنّما تأتي بها في غيرها، ولذلك تعاظم عليهم إدخال العمرة في الحجّ، ولأجل إيقاف القارئ على تلك الحقيقة عن كثب، نذكر بعض ما ورد:

1. أخرج البخاري عن ابن عباس - رضي اللّه عنه - قال: كانوا يرون أنّ العمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور، ويجعلون محرم صفراً ويقولون: إذا برأ الدَّبرَ، وعفا الأثر، وانسلخ صفر حلّت العمرة لمن اعتمر. قدم النبي وأصحابه صبيحة رابعة مهلّين بالحجّ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول اللّه أي


(37)

الحل؟ قال: الحلّ كلّه.(1)

والحديث يدلّ بوضوح على أنّ إفراز العمرة عن الحجّ كان سنّة جاهلية سادت على الحج لأسباب غير معلومة وكانوا يصرون على أنّ العمرة بعد انقضاء صفر وفي الحقيقة بعد انقضاء محرّم، ولكن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قام بوجه هذه البدعة مدة إقامته في المدينة، فقد اعتمر ثلاث عُمَر في ذي القعدة الحرام كما أتى بعمرة رابعة في حجّه في شهر ذي الحجّة في حجة الوداع، وإليك العُمر التي أحرم لها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ طيلة حياته:

الأُولى: عمرة الحديبية، وهي أوّلهنّ سنة ست، فصدّه المشركون عن البيت، فنحر البُدْن وحلق هو وأصحابه رؤوسهم وحلُّوا من إحرامهم ورجعوا إلى المدينة.

الثانية: عمرة القضاء في العام المقبل في نفس ذلك الشهر.


1- صحيح البخاري:2/142 ، باب التمتع والاقران والافراد بالحجّ.


(38)

الثالثة: عمرته من الجعرّانة لما خرج إلى حنين ثمّ رجع إلى مكة فاعتمر من الجعرانة داخلاً إليها.

الرابعة: عمرته التي قرنها مع حجته.


(39)

الرابع:

احتدام النزاع بين الصحابة

في حياة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

قد عرفت أنّ العرب في العصر الجاهلي يفرزون العمرة عن الحجّ ويأتون بها في غير أشهر الحجّ، وقد كان الجمع بينهما من أفجر الفجور، وقد ترسخت تلك الفكرة عند العرب في العصر الجاهلي حتّى أضحت جزءاً من كيانهم، فالدعوة إلى إدخال العمرة في الحج كانت دعوة على خلاف ما شبّوا وشاخوا عليه، ولذلك لمّا أمرهم النبي بإدخال العمرة إلى الحجّ وجعل الإهلال للحجّ عمرة، تعاظم أمرهم وثارت ثورتهم، وقاموا بوجه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على نحو أثاروا غضبه ، وإليك بعض ما روي في المقام:


(40)

1. أخرج مسلم عن عطاء قال: سمعت جابر بن عبد اللّه - رضي اللّه عنه - في ناس معي قال: أهللنا أصحاب محمد بالحجّ خالصاً وحده، قال عطاء: قال جابر: فقدم النبي صبح رابعة مضت من ذي الحجّة فأمرنا أن نحل، قال عطاء: قال: حلّوا وأصيبوا النساء، قال عطاء: ولم يعزم عليهم ولكن أحلهنّ لهم، فقلنا: لما لم يكن بيننا و بين عرفة إلاّ خمس، أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكرنا المني.

قال: يقول جابر بيده كأنّي أنظر إلى قوله «بيده» يحركها، قال: فقام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فينا فقال: قد علمتم انّي أتقاكم للّه وأصدقكم وأبرّكم ولولا هديي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي فحلّوا، فحللنا وسمعنا وأطعنا.

قال عطاء: قال جابر: فقدم عليّ من سعايته فقال: بم أهللت، قال: بما أهلّ به النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال له رسول اللّه:


(41)

فأهد، وامكث حراماً، قال: وأهدى له علي هدياً، فقال سراقة بن مالك بن جُعشم: يا رسول اللّه: ألعامناهذا أم لأبد، فقال: لأبد.(1)

2. روى مسلم عن جابر بن عبد اللّه(رض) قال: أهللنا مع رسول اللّه بالحجّ، فلمّـا قدمنا مكة أمرنا أن نحلّ ونجعلها عمرة، فكبر ذلك علينا وضاقت به صدورنا، فبلغ ذلك النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فما ندري أشيء بلغه من السماء أم شيء من قبل الناس، فقال:أيّها الناس أحلّوا فلولا الهدي الذي معي، فعلتُ كما فعلتم، قال: فأحللنا حتّى وطئنا النساء وفعلنا ما يفعل الحلال حتّى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر، أهللنا بالحج.(2)

3. أخرج مسلم عن عائشة انّها قالت: قدم


1- صحيح مسلم:3/36، باب بيان وجوه الإحرام وانّه يجوز افراد الحجّ والتمتع والقران.
2- صحيح مسلم:3/37، باب بيان وجوه الإحرام وانّه يجوز افراد الحجّ والتمتع والقران.


(42)

رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لأربع مضين من ذي الحجّة أو خمس فدخل عليَّ وهو غضبان ، فقلت: من أغضبك يا رسول اللّه، أدخله اللّه النار؟ قال: أو ما شعرت انّي أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون، ولو اني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتّى اشتريه ثمّ أحلّ كما حلّوا.(1)

هذا غيض من فيض ممّا يحكي عن حالة عصيان بين الصحابة في ذلك الموضوع وانّهم لم يستجيبوا بادئ بدء لأمر الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتّى أغضبوه، فأين عملهم هذا من قوله سبحانه: (وَما كانَ لِمَؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)(2) وقوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَليم).(3)

أي لا تتقدّموا على اللّه ورسوله، ولا تقدّموا قولكم على قولهما.


1- صحيح مسلم:3/33، باب بيان وجوه الإحرام.
2- الأحزاب:36.
3- الحجرات:1.

Website Security Test