welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : المسلم يرث الكافر دون العكس*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المسلم يرث الكافر دون العكس

20

المسلم
يرث الكافر دون العكس

تأليف

الفقيه المحقق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أفضل خلقه وخاتم رسله محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين هم عيبة علمه وحفظة سننه.

أمّا بعد، فانّ الإسلام عقيدة وشريعة، فالعقيدة هي الإيمان باللّه ورسله واليوم الآخر،والشريعة هي الأحكام الإلهية التي تكفل للبشرية الحياة الفضلى وتحقّق لها السعادة الدنيوية والأُخروية.

وقد امتازت الشريعة الإسلامية بالشمول، ووضع الحلول لكافّة المشاكل التي تعتري الإنسان في جميع جوانب الحياة قال سبحانه: (الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِيناً) .(1)


1-المائدة: 3 .


(4)

غير أنّ هناك مسائل فرعية اختلف فيها الفقهاء لاختلافهم فيما أثر عن مبلّغ الرسالة النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، الأمر الّذي أدّى إلى اختلاف كلمتهم فيها، وبما أنّ الحقيقة بنت البحث فقد حاولنا في هذه الدراسات المتسلسلة أن نطرحها على طاولة البحث، عسى أن تكون وسيلة لتوحيد الكلمة وتقريب الخطى في هذا الحقل، فالخلاف فيها ليس خلافاً في جوهر الدين وأُصوله حتّى يستوجب العداء والبغضاء، وإنّما هو خلاف فيما روي عنه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وهو أمر يسير في مقابل المسائل الكثيرة المتّفق عليها بين المذاهب الإسلامية.

ورائدنا في هذا السبيل قوله سبحانه: (وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَ لاَ تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً).(1)

جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


1-آل عمران: 103 .


(5)

المسلم يرث الكافر دون العكس

إنّ للإرث في الفقه الإسلامي موجبات و موانع.

أمّا الموجبات له فسببان: النسب والسبب. وقد قيل:

الإرث في الشرع بأمرين وجب * بـالنسب الثابت شرعـاًوسبب

وأمّا الموانع فهي: الكفر، والقتل، والرقّ، فنُهمِلُ الكلامَ في المانعين الأخيرين ، ونركّز على المانع الأوّل ضمن مسألتين:

الأُولى: توريث الكافر من المسلم

لا يرث الكافر المسلم مطلقاً، إجماعاً محقّقاً بين المسلمين، مع تضافر الروايات عليه.

قال المفيد في «المقنعة»: ولا يرث كافر مسلماً على


(6)

حال.(1)

وقال الطوسي في «المبسوط»: والكافر لا يرث المسلم بلا خلاف.(2)

وقال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أنّ الكافر لا يرث المسلم.(3)

وبما انّ هذه المسألة ممّا لم يختلف فيها اثنان، وهي مورد اتفاق بين الفريقين نكتفي بهذا المقدار ونركّز البحث على المسألة الثانية.

الثانية: توريث المسلم من الكافر

هذه المسألة اختلفت فيها كلمات الفقهاء، فالإمامية ولفيف من غيرهم على أنّه يرث الكافر، ولكن الأكثرية من غيرهم على المنع.

وتحقيق الكلام في هذه المسألة التي أصبحت مثار بحث وجدل واسع بين المذهبين، يتم ببيان أُمور:


1-المقنعة :700.
2-المبسوط:4/79.
3-المغني: 6/340.


(7)

1

استعراض كلمات الفقهاء

1. قال الشيخ الطوسي: ذهبت الإمامية قاطبة تبعاً لأئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، ومعاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان من الصحابة، ومسروق وسعيد و عبد اللّه بن معقل و محمد بن الحنفية وإسحاق بن راهويه من التابعين إلى أنّ المسلم يرث الكافر.

وقال جمهور الصحابة والفقهاء على أنّه لا يرث المسلم الكافر.(1)

2. وقال ابن قدامة: قال جمهور الصحابة والفقهاء: لا يرث المسلم الكافر. يروى هذا عن أبي بكر وعثمان وعلي وأُسامة بن زيد وجابر بن عبد اللّه ، وبه قال عمرو بن عثمان


1-الخلاف:4/23، كتاب الفرائض، المسألة16.


(8)

وعروة والزهري و عطاء و طاووس والحسن وعمر بن عبد العزيز وعمرو بن دينار والثوري وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي وعامّة الفقهاء، وعليه العمل.

وروي عن عمر ومعاذ ومعاوية ، أنّهم ورَّثوا المسلم من الكافر ولم يورِّثوا الكافر من المسلم. وحكي ذلك عن محمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين، وسعيد بن المسيب، و مسروق، وعبد اللّه بن معقل، والشعبي، والنخعي، ويحيى بن يعمر، وإسحاق; وليس بموثوق به عنهم، فإنّ أحمد قال: ليس بين الناس اختلاف في أنّ المسلم لا يرث الكافر.(1)

وجدير بالذكر انّهم ينسبون عدم الإرث إلى علي ـ عليه السَّلام ـ وعلي بن الحسين المعروف بزين العابدين ـ عليه السَّلام ـ مع أنّ روايات أئمة أهل البيت متضافرة على خلافه كما سيوافيك.


1-المغني:6/340.


(9)

2

الكتاب حجّة قطعية

لا يعدل عنه إلاّ بدليل قطعي

إنّ الكتاب حجّة قطعية سنداً ودلالة في غير المجملات والمبهمات والمتشابهات ولا ترفع اليد عن مثله إلاّ بدليل قطعي آخر، فإنّ كون الكتاب حجّة ليس ككون خبر الواحد حجّة، بل هو من الحجج القطعية الذي لا يعادله شيء إلاّ نفس كلام المعصوم، لا الحاكي عنه الذي يحتمل أن يكون كلام المعصوم أو موضوعاً على لسانه، و قد سمّاه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حديث الثقلين بالثقل الأكبر، ومعه كيف يمكن رفع اليد عن ظواهر القرآن بخبر الواحد وإن كان ثقة؟!

ولذلك قلنا في الأُصول: إنّ رفع اليد عن إطلاق


(10)

الكتاب وعمومه بمجرّد ورود خبر ثقة مشكل جدّاً، إلاّ إذا احتفّ الخبر بقرينة توجب اطمئنان الإنسان بصدوره من المعصوم يجعله بمثابة تسكن النفس إليه، ولأجل ذلك لم تجوّز طائفة من الأُصوليّين تخصيص القرآن بخبر الواحد.

قال الشيخ الطوسي ـ بعد نقل الآراء في تخصيص الكتاب وتقييده بخبر الواحد ـ:

والذي أذهب إليه انّه لا يجوز تخصيص الكتاب بها [بأخبار الآحاد] على كلّ حال، سواء خُصّ أم لم يخصّ، بدليل متّصل أو منفصل، والذي يدلّ على ذلك انّ عموم القرآن يوجب العلم، وخبر الواحد يوجب غلبة الظن، ولا يجوز أن يترك العلم بالظن على حال، فوجب بذلك أن لا يخصّ العموم به.(1)

وأيّده المحقّق الحلّيّ فقال: لا نسلّم انّ خبر الواحد دليل على الإطلاق، لأنّ الدلالة على العمل به،هي الإجماع على استعماله فيما لا يوجد عليه دلالة فإذا وجدت


1-عدّة الأُصول:1/135.


(11)

الدلالة القطعية سقط وجوب العمل.(1)

وحاصل كلامهما وجود الشكّ في سعة دليل حجّية خبر الواحد، وانّه هل يعمّ ما إذا كان في المورد دليل قطعي مثل الكتاب؟!

إنّ كثيراً من الأُصوليّين وإن كانوا يتعاملون مع الكتاب العزيز معاملة سائر الحجج، أعني: السنّة الحاكية، لكنّ الكتاب أعظم شأناً من أن يكون عِدْلاً لأمثالها بل هو حجة قطعية، فعموم القرآن وإطلاقاته حجّة على المجتهد إلاّ إذا وقف على حجّة أُخرى تسكن النفس إليها ويطمئن بها المجتهد ، فعند ذلك يقيّد عموم القرآن وإطلاقاته به.

إذا عرفت ذلك فلندخل في صلب الموضوع ونقدّم أدلّة القائلين بالإرث على أدلّة نفاته.


1-المعارج:46.


(12)

3

أدلّة القائلين

بإرث المسلم من الكافر

استدلّ القائلون بأنّ المسلم يرث الكافر مطلقاً ، كتابياً كان أو وثنياً بوجوه:

1. إطلاقات الكتاب العزيز

إنّ مقتضى إطلاقات الكتاب وعموماته، هو التوارث في الحالتين، من دون فرق بين إرث الكافر، المسلم وبالعكس، قال سبحانه:

(يُوصيكُمُ اللّهُ في أَولادِكُمْ لِلذَّكَر مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيين فإِنْ كُنَّ نِساءً فَوق اثْنَتَين فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وإِن كانت واحدةً فلها)


(13)

النِّصف).(1)

و قال سبحانه: (ولكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْن مِنْ بَعْدِ وَصِيّة يُوصينَ بِها أَوْ دَيْن...).(2)

وقال سبحانه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّه يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ إِنِ امْرؤٌا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَد وَلَهُ أُختٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ...).(3)

غير أنّ الدليل القطعي وهو اتّفاق المسلمين قام على إخراج إرث الكافر من المسلم من تحت هذه الإطلاقات والعمومات.

وأمّا إرث المسلم من الكافر فخروجه رهن دليل قطعي تسكن إليه النفس حتّى يعد عديلاً للقرآن في الحجّية ويخصّ الكتاب أو يقيّد بهذا الدليل، فلابدّ من دراسة الروايات التي استدلّ بها على عدم توريث المسلم من الكافر، وانّه هل هي بهذه المثابة أو لا؟ وستتم دراسته في الفصل القادم.


1-النساء:11.
2-النساء:12
3-النساء:176.


(14)

2. إجماع الإمامية على الإرث

اتّفقت الإمامية على أنّ المسلم يرث الكافر مطلقاً، و لم يختلف فيه اثنان منهم، وقد مرّت الإشارة إلى إجماع الطائفة في كلام الشيخ الطوسي، ولنذكر غيرها، حتّى يتّضح اتّفاقهم في المسألة.

1. قال المفيد(336ـ 413هـ): ويرث أهل الإسلام بالنسب والسبب أهلَ الكفر والإسلام، ولا يرث كافر مسلماً على كلّ حال. فإن ترك اليهودي، أو النصراني، أو المجوسي، ابناً مسلماً وابناً على ملّته، فميراثه عند آل محمد لابنه المسلم دون الكافر; ولو ترك أخاً مسلماً و ابناً كافراً، حجب الاخُ المسلم الابنَ في الميراث وكان أحقّ به من الابن الكافر، وجرى الابن الكافر مجرى الميت في حياة أبيه، أو القاتل الممنوع بجنايته من الميراث.(1)

2. وقال السيد المرتضى(355ـ 436هـ) في «الانتصار»: و ممّا انفردت به الإمامية عن أقوال باقي الفقهاء


1-المقنعة:700.


(15)

في هذه الأزمان القريبة وإن كان لها موافق في متقدّم الزمان: القول بأنّ المسلم يرث الكافر وإن لم يرث الكافر، المسلم.

وقد روى الفقهاء في كتبهم موافقة الإمامية على هذا المذهب عن سيدنا علي بن الحسين ـ عليه السَّلام ـ و محمد بن الحنفية وعن مسروق و عبد اللّه بن معقل المزني وسعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان .(1)

3. وقال الطوسي(385ـ 460هـ): والكافر لا يرث المسلم بلا خلاف، والمسلم يرث الكافر عندنا، حربياً كان أو ذمّيّاً، أو كافر أصل، أو مرتداً عن الإسلام.(2)

4. وقال ابن زهرة(511ـ585هـ): إنّ الكافر لا يرث المسلم، فأمّا المسلم فانّه يرث الكافر عندنا وإن بعد نسبه. ويدلّ على ذلك الإجماع الماضي ذكره، وظاهر آيات الميراث، لأنّه إنّما يخرج من ظاهرها ما أخرجه دليل قاطع .(3)


1-الانتصار:587، المسألة323.
2-المبسوط:4/79.
3-غنية النزوع:328، تحقيق مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ .


(16)

5. وقال ابن إدريس(539ـ 598هـ): قد بيّنا فيما مضى انّ الكافر لا يرث المسلم، فأمّا المسلم فانّه يرث الكافر عندنا وإن بعد نسبه ويحجب من قرب عن الميراث بلا خلاف بيننا.(1)

6. وقال الكيدري (...ـ 600هـ) :المسلم يرث الكافر، وإن بعد نسبه، أمّا بالعكس فلا، كما مضى.(2)

7. وقال المحقّق الحلي:(602ـ 676هـ): ويرث المسلم الكافر، أصلياً ومرتداً، ولو مات كافر وله ورثة كفّار، ووارث مسلم، كان ميراثه للمسلم.(3)

8. قال الشهيد الثاني ـ معلّقاً على كلام المحقّق «ويرث المسلم الكافر»ـ: هذا موضع وفاق بين الأصحاب.(4)

إلى غير ذلك من الكلمات الّتي يجدها الباحث في


1-السرائر:3/266.
2-إصباح الشيعة بمصباح الشريعة :370.
3-الشرائع:2/814.
4-مسالك الأفهام:13/31.


(17)

مظانّها، ولا حاجة إلى نقلها تفصيلاً.

وهذا النوع من الإجماع الموسوم بالإجماع المحصّل حجّة بنفسه حسب أُصول المخالفين، وكاشف عن رأي المعصوم على أُصولنا ، وهو حجّة قطعية لا يعدل عنها إلى غيرها.

3. الروايات المتضافرة عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ

قد تضافرت الروايات على أنّ المسلم يرث الكافر ولا عكس، وقد جمعها الشيخ الحرّ العاملي في كتاب الفرائض الباب الأوّل من أبواب موانع الإرث، وهي تناهز عشر روايات، وإليك استعراضها:

1. أخرج الصدوق بسند صحيح عن أبي ولاّد، قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «المسلم يرث امرأته الذمّيّة، وهي لا ترثه».(1)

ومورد الرواية هو إرث المسلم زوجته، ولكن المورد غير مخصّص خصوصاً بقرينة ما يأتي من المطلقات والعمومات.


1-الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث،الحديث 1و2.


(18)

2. أخرج الصدوق عن الحسن بن صالح، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «المسلم يحجب الكافر ويرثه، والكافر لا يحجب المسلم ولا يرثه».(1)

وعلى ذلك فلو كان للكافر ابن كافر، وأخ مسلم يحجب الأخ إرث الابن الكافر; والكلام في المقام في إرث المسلم، الكافر، و كونه ـ وراء ذلك ـ حاجباً عن إرث الكافر مسألة ثانية، ولا ملازمة عقلاً بين المسألتين، إذ يمكن الفصل بين المسألتين عقلاً، بأن يكون وارثاً ، لا حاجباً.

نعم دلّت الروايات على كونه حاجباً أيضاً، فيحجب إرث الكافر من الكافر، سواء كان الحاجب متّحداً مع الممنوع في الطبقة أو متأخّراً عنه، فالولد المسلم يحجب الولد الكافر، كما أنّ الأخ المسلم يحجب إرث الولد الكافر.

3. أخرج الشيخ بسند معتبر عن أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «لا يرث الكافر المسلم، وللمسلم أن يرث


1-الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث،الحديث 1و2.


(19)

الكافر، إلاّ أن يكون المسلم قد أوصى للكافر بشيء».(1)

4. أخرج الشيخ عن عبد الرحمن بن أعين، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ في النصراني يموت و له ابن مسلم، أيرثه؟ قال: «نعم، إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يزدنا بالإسلام إلاّ عزّاً، فنحن نرثهم وهم لايرثوننا».(2)

5. ما أخرجه الصدوق بسند موثّق عن سماعة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن المسلم هل يرث المشرك؟ قال ـ عليه السَّلام ـ : «نعم، فأمّا المشرك فلا يرث المسلم».(3)

6. أخرج الفقيه بسند معتبر عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، قال: سمعته، يقول: «لا يرث اليهودي والنصراني المسلمين، ويرث المسلمون اليهود والنصارى».(4)

7. أخرج الشيخ في «التهذيب» عن أبي العباس (البقباق)قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «لا يتوارث أهل ملّتين(يرث هذا هذا، ويرث هذا هذا) إلاّ أنّ المسلم يرث


1-الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3، 4، 5، 7.
2-الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3، 4، 5، 7.
3-الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3، 4، 5، 7.
4-الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3، 4، 5، 7.


(20)

الكافر والكافر لا يرث المسلم».(1)

8. أخرج الكليني بسند صحيح عن جميل وهشام ،عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ انّه قال: فيما روى الناس عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «لا يتوارث أهل ملّتين، قال: نرثهم ولا يرثونا، انّ الإسلام لم يزده في حقّه إلاّ شدّة».

وفي رواية الشيخ الطوسي: «انّ الإسلام لم يزده إلاّ عزّاً في حقّه».(2)

ثمّ إنّ الرواية السابعة والثامنة تفسران ما رواه الجمهور عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من أنّه لا يتوارث أهل ملّتين كما سيوافيك بيانه، وحاصل التفسير: انّ نفي التوارث كما يحصل بعدم إرث كلّ الآخر، يتحقّق أيضاً بعدم إرث الكافر المسلم دون المسلم، الكافر.

وبذلك أيضاً يفسر بعض الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت بنفس اللفظ النبوي أو قريب منه، نظير الروايات التالية:


1- الوسائل، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث15، 14، 20.
2- الوسائل، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث15، 14، 20.


(21)

9. أخرج الشيخ بسند معتبر عن حنان بن سدير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته يتوارث أهل ملّتين؟ قال: «لا».(1)

10. ونظيره ما رواه علي بن جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، عن أخيه موسى بن جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، قال: سألته عن نصراني يموت ابنه وهو مسلم، فهل يرث، فقال: «لا يرث أهل ملّة».

وفي المصدر :لا يرث أهل ملّة ملّةً.(2)

وهو محمول على عدم التوارث من الطرفين فلا ينافي إرث المسلم الكافر.

إلى هنا تمّت دراسة ما دلّ على إرث المسلم الكافر، وهي متضافرة تفيد الاطمئنان بالصدور.

الروايات المعارضة

ثمّ إنّ هناك روايات ربّما يتراءى التعارض بينها و بين


1- الوسائل، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث15، 14، 20.
2-لاحظ الوسائل:17 ، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث24.


(22)

ما سبق، لا تعارضاً مطلقاً، بل تعارضاً نسبياً، وهي القول بإرث المسلم الكافر إلاّ في مورد الزوج والزوجة أو خصوص الزوجة.

ومقتضى صناعة الفقه تخصيص المطلقات السابقة بهذه الروايات المتعارضة، إلاّ أنّها فاقدة للحجّية فيطرح تخصيصها بها، وإليك ما يعارضها بظاهره:

1. ما رواه الصدوق مرسلاً، قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل النصراني تكون عنده المرأة النصرانية فتسلم أو يسلم ثمّ يموت أحدهما؟ قال: «ليس بينهما ميراث».(1)

2. رواية عبد الملك بن عمير القبطي، عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال للنصراني الذي أسلمت زوجته: «بضعها في يدك، ولا ميراث بينكما».(2)

3. رواية عبد الرحمن البصري، قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «قضى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في نصراني، اختارت


1-الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث12و22.
2-الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث12و22.


(23)

زوجته الإسلام و دار الهجرة: أنّها في دار الإسلام لا تخرج منها، و أنّ بضعها في يد زوجها النصراني، وأنّها لا ترثه ولا يرثها».(1)

4. رواية عبد الرحمن بن أعين قال: قال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «لا نزداد بالاسلام إلاّ عزّاً، فنحن نرثهم ولا يرثونا، هذا ميراث أبي طالب في أيدينا، فلا نراه إلاّ في الولد والوالد، ولا نراه في الزوج والمرأة».(2)

وهذه الروايات لا يعتمد عليها في مقابل ما تضافر.

أمّا الأُولى فهي مرسلة الصدوق في «المقنع» وليست مسندة إلى المعصوم.

وأمّا الثانية ـ فهي مضافاً إلى كونها مرسلة لما في سندها من قوله: عن أُمّي الصيرفي أو بينه و بينه رجل، عن عبد الملك بن عمير القبطي ـ فإنّ عبد الملك لم يوثّق.

وأمّا الثالثة فسندها وإن كان موثّقاً ومقتضى الجمع


1- الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث،الحديث 23و19.
2- الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث،الحديث 23و19.


(24)

الصناعي هو تخصيص ما دلّ على إرث المسلم الكافر بهذه الرواية و تكون النتيجة: إرث المسلم الكافر، إلاّ الزوجة المسلمة فإنّها لا ترث الزوج الكافر.

ولكن العمل بهذه الرواية في مقابل ما تضافر وتواتر عنهم غير صحيح، مضافاً إلى أنّ مقتضى التعليل الوارد في رواية عبد الرحمن بن أعين عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «لا يتوارث أهل ملّتين، نحن نرثهم ولا يرثونا، إنّ اللّه عز ّوجلّ لم يزدنا بالإسلام إلاّ عزّاً». (1)هو عدم الفرق بين الزوجة وغيرها، لأنّ التعليل آب عن التخصيص.

وأمّا الرواية الرابعة فيرد عليها أمران:

الأوّل: انّ ظاهر الرواية هو عدم إيمان أبي طالب، وهذا ممّا اتّفق أئمّة أهل البيت على خلافه.

الثاني: انّ إخراج الزوجة والزوج خلاف مقتضى التعليل الوارد في نفس هذه الرواية.

أضف إلى ذلك إعراض المشهور عن هذه الروايات


1-انظر الرواية الرابعة.


(25)

الأربع ومخالفتها لصحيح أبي ولاّد(الرواية الأُولى) على نحو التباين.

فخرجنا بالنتيجة التالية: انّ الرأي السائد عند أتباع أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ هو إرث المسلم الكافر، من دون فرق في المسلم بين كونه زوجاً أو زوجة.

وأمّا هذه الروايات الأربع، فهي بين ضعيفة كمرسلة الصدوق و رواية عبد الملك بن عمير، أو مخالفة للتعليل الآبي عن التخصيص، كالرواية الثالثة، أو مخدوش في المضمون لاشتماله على كفر أبي طالب، مضافاً إلى أنّ إخراج الزوج والزوجة خلاف التعليل الوارد فيها وخلاف صحيحة أبي ولاّد.

إلى هنا تمّت دراسة الروايات المروية عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ .

الرابع: الآثار المروية في السنن

ثمّ إنّ هناك آثاراً مروية عن الصحابة تؤيّد موقف


(26)

الإمامية في المسألة، وإليك بعض ما وقفنا عليه:

1. أخرج أبو داود عن عبد اللّه بن بريدة، انّ أخوين اختصما إلى يحيى بن يعمر، يهودي ومسلم فورّث المسلم منهما، وقال: حدّثني أبو الأسود انّ رجلاً حدّثه، انّ معاذاً حدّثه، قال: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: الإسلام يزيد ولا ينقص، فورث المسلم.(1)

2. أخرج أبو داود عن عبد اللّه بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الدؤلي انّ معاذاً أتى بميراث يهودي وارثه مسلم، بمعناه عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(2)

3. أخرج الدارمي عن مسروق قال: كان معاوية يورِّث المسلم من الكافر ولا يورث الكافر من المسلم، قال : قال مسروق: وما حدث في الإسلام قضاء أحب إليّ منه، قيل لأبي محمد تقول بهذا، قال: لا .(3)


1-سنن أبي داود:3/126، حديث رقم2912.
2-سنن أبي داود:3/126، برقم 2913.
3-سنن الدارمي: 370، باب في ميراث أهل الشرك وأهل الإسلام.


(27)

قال السيد المرتضى بعد نقل قضاء معاذ: ونظائر هذا الخبر موجودة كثيرة في رواياتهم.

وعلى كلّ تقدير ففي الكتاب مع ما تضافر من الروايات عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وفي هذه الآثار كفاية لمن رام الحق، ولكن لا يتم الإفتاء إلا بدراسة دليل المخالف فانتظر.

الخامس: حرمان المسلم خلاف الامتنان

إنّ من درس موارد الحرمان في الإرث يقف على أنّه إمّا للإرغام، أو لضعة الوارث.

والأوّل كما في القاتل فلا يرث المقتول، وذلك لأنّه حاول بقتله أن يرثه معجلاً، فانعكس الأمر وصار محروماً بتاتاً.

والثاني كما في الرق حيث لا يرث الحر لضعة مرتبته ودرجته.

فعلى ضوء ما ذكرنا يجب أن يرث الكافر المسلم دون


(28)

العكس، وإلاّ يلزم أن يكون حرمان المسلم إرث الكافر إرغاماً له، وهو كما ترى.

وإن شئت قلت: إنّ التشريع الإسلامي قائم على الترغيب والترهيب، ففي الموضع الذي يكون المورِّث كافراً والوارث على وشك اعتناق الإسلام، فلو قيل له أنت لو أسلمت يكون جزاء إسلامك هو حرمانك من عطايا والدك وأُمّك التي يتركها لك، فهو يرجع إلى الوراء ويتعجب من هذا التشريع الذي يُرهب مكان الترغيب، ويبعِّد بدل التقريب إلى الإسلام ويعده على طرف النقيض من الترغيب.

إلى هنا تمّ ما دلّ على إرث المسلم الكافر.

فحان حين البحث في أدلّة نفاة الإرث وهي على قسمين:

1. الأحاديث الواردة في الموضوع.

2. الآثار المنقولة عن الصحابة.

فإليك دراسة كلّ واحد على حدة.


(29)

4

أدلّة القائلين بعدم التوريث

استدلّ القائلون بعدم توريث المسلم من الكافر بأحاديث وآثار، نشير إلى الجميع.

1. حديث عمرو بن شعيب

أخرج أبوداود بسنده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عبد اللّه بن عمرو، قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا يتوارث أهل ملّتين شتى».(1)

وأخرج الدارقطني بسنده عن عمرو بن شعيب، قال: أخبرني أبي، عن جدّي عبد اللّه بن عمرو، انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قام


1-سنن أبي داود3/126، برقم2911.


(30)

يوم فتح مكة، قال: «لا يتوارث أهل ملّتين». (1)

وأخرجه البيهقي بنفس السند، قال: لا يتوارث أهل ملّتين شتّى. وفي لفظ آخر: ولا يتوارثون أهل ملّتين.(2)

ورواه أيضاً ابن ماجة في سننه.(3)

ونقله الدارمي عن عمر مرسلاً عن النبي، وعن أبي بكر و عمر موقوفاً أنّ رسول اللّه و أبا بكر وعمر قالوا: لا يتوارث أهل دينين . ونقل عن عمر قال: لا يتوارث أهل ملّتين.(4)

ولكن الاستدلال غير تام دلالة وسنداً.

أمّا الدلالة فقد أُشير إليه في غير واحد من روايات أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، وحاصله: انّ الحديث بصدد نفي التوارث لا الإرث من كلّ جانب ويصدق نفي التوارث بعدم توريث


1-سنن الدارقطني :2/72، برقم16.
2-سنن البيهقي:6/218، باب لا يرث المسلم الكافر.
3-سنن ابن ماجة: 2/912، الحديث2731.
4-سنن الدارمي:2/369.


(31)

الكافر من المسلم دون العكس، فلو قيل: ما تضارب زيد وعمرو، كفي في صدقه عدم الضرب من جانب واحد، فيقال: لم يكن هنا تضارب بل ضرب من جانب واحد، فالنبي بصدد نفي التوارث وهو لا ينافي الإرث من جانب واحد، وهذه الروايات وإن مرّت الإشارة إليها لكن نأت بواحد منها.

أخرج الكليني عن جميل وهشام، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ انّه قال: فيما روي الناس عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ انّه قال: لا يتوارث أهل ملّتين، قال: «نرثهم ولا يرثونا، انّ الإسلام لم يزده في حقّه إلاّ شدة».(1)

هذا كلّه حول دلالة الرواية، وأمّا السند فقد تفرّد بروايته عمرو بن شعيب و أبوه وجدّه عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، أفيمكن ترك الكتاب بالخبر الذي تفرد به هؤلاء؟!

على أنّ عمرو بن شعيب مطعون به ، فقد ترجم له ابن حجر في «التهذيب» ترجمة ضافية على نحو يسلب سكون


1- لاحظ الرواية الثامنة.


(32)

النفس إلى روايته، حيث قال: قال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد:حديثه عندنا واه.

وقال علي عن ابن عيينة: حديثه عند الناس فيه شيء.

وقال أبو عمرو بن العلا : كان يعاب على قتادة وعمرو بن شعيب انّهما كانا لا يسمعان شيئاً إلاّ حدّثا به.

وقال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: له أشياء مناكير، وإنّما يكتب حديثه يعتبر به فأمّا أن يكون حجّة فلا.

إلى أن قال: و قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: إذا حدّث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه فهو كتاب، ومن هنا جاء ضعفه.(1)

فمن قرأ ترجمته المفصّلة في هذا الكتاب وأقوال العلماء المتضاربة في حقّه، يقف على أنّه لا يمكن تقييد الكتاب وتخصيصه بروايته.


1-تهذيب التهذيب:8/48برقم80.


(33)

2. حديث أُسامة

أخرج البخاري عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أُسامة بن زيد انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم.(1)

أخرج مالك عن عمرو بن عثمان بن عفان، عن أُسامة بن زيد، انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: لا يرث المسلم الكافر.(2)

أخرج مسلم بنفس هذا السند انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم.(3)

وأخرجه البيهقي في سننه(4) ، إلى غير ذلك من المصادر.

يلاحظ على الاستدلال: أوّلاً: أنّه خبر واحد تفرّد بنقله


1-فتح الباري:12/40 برقم 6764.
2-الموطأ:2/519، الحديث10.
3-صحيح مسلم:5/59، كتاب الفرائض.
4-سنن البيهقي:6/218.


(34)

أُسامة بن زيد كما تفرد بنقله من نقل عنه، وطبيعة المسألة تقتضي أن يقوم بنقلها غير واحد من الصحابة والتابعين لا سيّما في العهد النبوي ومن بعده حيث إنّ شرائح كبيرة من المجتمع كانت تبتلي بتلك الظاهرة ، فتفرّد أُسامة بسماع الحكم دون غيره يورث الشك بالرواية.

وثانياً: أنّ ابن شهاب في سند البخاري ينقل عن علي بن الحسين، وهو عن عمرو بن عثمان، عن أُسامة انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»(1)، مع أنّ أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ومنهم علي بن الحسينعليمها السَّلام كانوا يروون و يفتون على خلاف ذلك، فقد اشتهر أنّ آل محمّد متفردون بهذا الرأي.

وثالثاً : أنّ الدارمي نقل الحديث عن علي بن الحسين، عن أُسامة بحذف عمرو بن عثمان من السند.(2)

وقد نقل المرتضى في«الانتصار» أنّ الزهري نقله عن عمرو بن عثمان ولم يذكر علي بن الحسين، فالاختلاف في


1-مسند أحمد:5/208.
2-سنن الدارمي:2/370.


(35)

السند يوجب الطعن في الرواية.(1)

ورابعاً: أنّ أحمد بن حنبل ينقل عن مالك، عن الزهري، عن علي بن الحسينعليمها السَّلام ، عن عمرو بن عثمان، عن أُسامة بن زيد عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا يرث المسلم الكافر» (2) الظاهر في عدم سماعه من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، مباشرة خلافاً لما رواه البخاري الظاهر في ذلك وهذا أيضاً اختلاف واضطراب في الرواية، يحطّ من الاعتماد عليها.

3. حديث عامر الشعبي

عن عامر الشعبي انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأبا بكر وعمر قالوا: لا يتوارث أهل دينين.

ولكن الرواية مرسلة، لأنّ الشعبي(3) ولد بالكوفة سنة 19هـ و قيل: سنة 21هـ، ورأى الإمام عليّاً و صلّى خلفه، فكيف ينقل عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟! والمعروف أنّ الشعبي كان من


1-نقله المرتضى في الانتصار:590.
2-مسند أحمد:5/208.
3-انظر موسوعة طبقات الفقهاء:1/414 برقم181.


(36)

الموالين لبني أُميّة أعداء أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، فكيف يمكن الاعتماد على روايته؟!

4. الاستدلال بالآثار المروية عن الصحابة

وقد استدلّ بالروايات الموقوفة على الصحابة من دون أن تسند إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهي كثيرة:

1. أخرج الدارمي عن عامر الشعبي، عن عمر قال: لا يتوارث أهل ملّتين.(1)

2. عن عامر انّ المغيرة بنت الحارث توفيت باليمن وهي يهودية، فركب الأشعث بن قيس وكانت عمّته إلى عمر في ميراثها، فقال عمر: ليس ذلك لك، يرثها أقرب الناس منها من أهل دينها، لا يتوارث ملّتان.(2)

3. عن ابن سيرين، قال عمر بن الخطاب: لا يتوارث ملّتان شتّى ولا يحجب من لا يرث.(3)

يلاحظ على الاستدلال بهذه الآثار: أنّها موقوفات لم


1-سنن الدارمي:2/369، 370; سنن البيهقي:6/218.
2-سنن الدارمي:2/369، 370; سنن البيهقي:6/218.
3-سنن الدارمي:2/369، 370; سنن البيهقي:6/218.


(37)

تسند إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فهي حجّة على أصحابها على أنّ قوله: «لا يتوارث أهل ملّتين» أو قوله: «لا يتوارث ملّتان شتّى» لا يصلح دليلاً على عدم توريث المسلم من الكافر، لماعرفت من أنّه يهـدف إلى نفي التـوارث، و يكفي في صدقـه عـدم توريث الكافـر من المسلم. نعـم فهم الخليفـة وأضرابـه، نفي الإرث من كـلّ جانب، ففهمهم حجّة على أنفسهم دون غيرهم.

ولذلك يمكن أن يقال: انّ الحرمان من كلا الطرفين كان سنّة للخليفة لمصلحة رآها، وليس ذلك ببعيد، فإنّ له نظيراً غير هذا المورد.

أخرج مالك في موطّئه عن الثقة عنده انّه سمع سعيد بن المسيب يقول: أبى عمر بن الخطاب أن يورث أحداً من الأعاجم، إلاّ أحداً ولد في العرب.(1)

قال مالك: وإن جاءت امرأة حامل من أرض العدو ووضعته في أرض العرب، فهو ولدها يرثها إن ماتت و ترثه إن


1-الموطأ:2/520 برقم 14.


(38)

مات.(1)

وبذلك يعلم أنّ ما نسب إلى سعيد بن المسيب انّه قال: مضت السنّة أن لا يرث المسلم الكافر.(2) فلعلّ مراده من السنّة هو سنّة الخلفاء لا سنّة الرسول، وإلاّ لنسبها إليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

وأمّا ما رواه البيهقي في سننه عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب انّ عمر بن الخطاب قال: لا نرث أهل الملل ولا يرثونا.(3)

فهو مخدوش، لأنّ المعروف انّ سعيد بن المسيب ممّن يقول بالإرث، وقد نقله عنه غير واحد من الفقهاء.

وفي الحاوي: وحكي عن معاذ بن جبل ومعاوية انّ المسلم يرث الكافر ولا يرث الكافر المسلم، وبه قال محمد بن الحنفية وسعيد بن المسيب ومسروق والنخعي والشعبي


1-الموطأ:2/520 برقم 14.
2- نقله المرتضى في الانتصار: 589.
3-سنن البيهقي:6/219.


(39)

وإسحاق بن راهويه.(1)

ونقله أيضاً النووي في شرح صحيح مسلم.(2)

إلى هنا تمت دراسة أدلّة المانعين، وهي على أقسام:

1. غير تامّة دلالة، أعني: ما يركز على نفي التوارث بين المسألتين الذي يصدق بنفي الإرث من جانب الكافر فقط.

2. تامّة سنداً ودلالة، مثلما أخرجه البخاري، لكنّه خبر واحد لا يقاوم الكتاب.

3. غير تامّة سنداً كرواية عمرو بن شعيب، وقد عرفت ضعفها.

4. آثار موقوفة ليست حجّة إلاّ على أصحابها.

بقي للمانعين دليل آخر وحاصله: انّ الإرث من آثار الولاية، ولا ولاية بين الكافر والمسلم .


1-الحاوي:8/78.
2-شرح صحيح مسلم:11/52.


(40)

5. انقطاع الولاية بين الكافر والمسلم

استدلّ القائل بنفي التوريث مطلقاً بوجه آخر، وهو انّه سبحانه قال: (وَالّذِينَ كَفَرُوا بَعضهُم أولياءُ بَعْض)(1) فإنّ الآية بصدد بيان نفي الولاية من الكفّار والمسلمين، فإن كان المراد به الإرث فهو إشارة إلى أنّه لا يرث المسلم الكافر، وإن كان المراد به مطلق الولاية ففي الإرث الولاية لأحدهما على الآخر.(2)

وقال ابن حجر: إنّ التوارث يتعلّق بالولاية، ولا ولاية بين المسلم والكافر، لقوله تعالى: (لاَ تتَّخِذُوا اليَْهُودَ وَالنَّصارَى أَولياءَ بَعْضُهُمْ أَولياءُ بعْض)(3) .(4)

يلاحظ عليه بأمرين:

أوّلاً: بأنّ الإرث من آثار الولاية في العتق وضمان الجريرة، فميراث المعتَق للمعتِق لأجل الولاء، وهكذا الأمر في


1- الأنفال:73.
2-المبسوط للسرخسي:30/30.
3-المائدة:51.
4- فتح الباري:12/50.


(41)

ضمان الجريرة.

وأمّا الوراثة في غير هذين الموردين فلم يعلم أنّه من آثار الولاية، بل من آثار النسب والسبب.

والذي يدلّ على ذلك انّ التوارث أمر عقلائي لا يختصّ بأصحاب الشرائع، بل يعمّ قاطبة البشر، والملاك عند الجميع هو العلقة التكوينية بين أصحاب النسب أو الاعتبارية في السبب ووجود الولاية بين الوالد والولد أو غيرهما وإن كان أمراً ثابتاً مع العلقة التكوينية، لكن ليس كلّ مقرون بها يكون موضوعاً للوراثة.

والذي يوضح ذلك انّ الفقهاء يذكرون عند بيان أسباب الإرث، السببَ والنسَب مقابل الولاء.

أسباب ميراث الورى ثلاثة * كـــل يفيـــد ربّـــه الـوراثــة

وهـي نكـاح وولاء ونسـب * ما بعدهن من مواريث سبب(1)


1-المجموع:17/48.


(42)

وثانياً: أنّ كون الولاية هي السبب للميراث يخالف ما عليه الحنفية و من تبعهم من أنّ المسلم، يرث المرتد مع انقطاع الولاية بين المسلم والمرتد.

قال النووي في شرح المهذب: قال أبو حنيفة والثوري: ما اكتسبه قبل الردة ورث عنه، وما اكتسب بعد الردة يكون فيها.(1)

وقال النووي في شرح صحيح مسلم: أمّا المسلم فلا يرث المرتد عند الشافعي ومالك وربيعة وابن أبي ليلى وغيرهم، بل يكون ماله فيئاً للمسلمين.

وقال أبو حنيفة والكوفيون والأوزاعي وإسحاق: يرثه ورثته من المسلمين، وروي ذلك عن علي و ابن مسعود وجماعة من السلف.(2)

وقال في الشرح الكبير عن أحمد ما يدلّ على أنّ ميراث


1-المجموع:17/57.
2-شرح النووي لصحيح مسلم:11/52.


(43)

المرتد لورثته من المسلمين، يروى ذلك عن أبي بكر الصديق و علي وابن مسعود(رض)، وبه قال سعيد بن المسيب وجابر بن زيد والحسن وعمر بن عبد العزيز وعطاء والشعبي والحكم والأوزاعي والثوري وابن شبرمة وأهل العراق وإسحاق.(1)

ومن غريب القول: إنّ المسلم لا يرث الكافر ولكن الكافر يرث عتيقه المسلم، وهو منقول عن أحمد كما في الموسوعة الفقهية.(2)

ونكتفي بهذا المقدار من البحث، ولعلّ فيه غنى وكفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد، وأمّا الكلام في الفروع


1-المغني:7/167.
2-الموسوعة الفقهية:3/25، مادة إرث نقله عن العذب الفائض:1/31.


(44)

الأُخرى، أعني:

1. حجب المسلم الكافر.

2. إذا أسلم الكافر قبل القسمة وبعدها.

3. اشتراط عدم حجب المسلم الكافر في عقد الذمّة.

فنحيل الكلام فيها إلى مجال آخر، فإنّ هذه الفروع اختلفت فيها كلمة الفريقين بخلاف الفرع الأوّل، فجماهير أهل السنّة على المنع والإمامية على الجواز، وقد دام هذا الخلاف إلى يومنا هذا، ولعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً.

الحمد للّه ربّ العالمين

Website Security Test