welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الميراث بالقرابة أو بالتعصيب*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الميراث بالقرابة أو بالتعصيب

22

الميراث بالقرابة
أو
بالتعصيب

تأليف

الفقيه المحقق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أفضل خلقه وخاتم رسله محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين هم عيبة علمه وحفظة سننه.

أمّا بعد، فانّ الإسلام عقيدة وشريعة، فالعقيدة هي الإيمان باللّه ورسله واليوم الآخر،والشريعة هي الأحكام الإلهية التي تكفل للبشرية الحياة الفضلى وتحقّق لها السعادة الدنيوية والأُخروية.

وقد امتازت الشريعة الإسلامية بالشمول، ووضع الحلول لكافّة المشاكل التي تعتري الإنسان في جميع جوانب الحياة قال سبحانه: (الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِيناً) .(1)


1-المائدة: 3 .


(4)

غير أنّ هناك مسائل فرعية اختلف فيها الفقهاء لاختلافهم فيما أثر عن مبلّغ الرسالة النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، الأمر الّذي أدّى إلى اختلاف كلمتهم فيها، وبما أنّ الحقيقة بنت البحث فقد حاولنا في هذه الدراسات المتسلسلة أن نطرحها على طاولة البحث، عسى أن تكون وسيلة لتوحيد الكلمة وتقريب الخطى في هذا الحقل، فالخلاف فيها ليس خلافاً في جوهر الدين وأُصوله حتّى يستوجب العداء والبغضاء، وإنّما هو خلاف فيما روي عنه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وهو أمر يسير في مقابل المسائل الكثيرة المتّفق عليها بين المذاهب الإسلامية.

ورائدنا في هذا السبيل قوله سبحانه: (وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَ لاَ تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً).(1)

جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


1-آل عمران: 103 .


(5)

الميراث بالقرابة

أو

بالتعصيب

الميراث بالتعصيب من خصائص الفقه السنّي وليس في الفقه الإمامي منه عين ولا أثر، بل هو منكر عند الإمامية أشدّ الإنكار كما سيوافيك، ولإيضاح المقام نقدّم أُموراً:

الأوّل: العَصَبة في اللغة والاصطلاح

العَصَبَة جمع عاصب كطلبة جمع طالب، وهو مأخوذ من العَصَب وهو الطيّ الشديد، يقال: عصب برأسه العمامة، شدّها ولفّها عليه، ومع كونها جمعاً لكن تطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وتجمع أيضاً على عَصَبات.


(6)

ويطلق على الذكر من أقارب الميت الذي لم تدخل في نسبته إلى الميت أُنثى، وسُمُّوا عصبة لأنّهم أصابوا به، أي أحاطوا بالميت، فالأب طرف والابن طرف والأخ طرف، والعم طرف، وهؤلاء كلّهم عَصَبَة، لأنّهم يحيطون بالميت كإحاطة العمامة بالرأس.

وفي مصطلح الفقهاء: العصبَة، هو الوارث بغير فرض وتقدير، فإذا كان معه ذو فرض أخذ بما فضل عنه قلّ أو كثر، وإن انفرد، أخذ الكل، وإن استغرقت الفروض المال، سقط.(1)

الثاني: أقسام العصبة

تنقسم العصبة عندهم إلى قسمين:

الأوّل: العصبة النَّسَبيّة.

الثاني: العصبة السببيّة.

أمّا القسم الأوّل فهو على ثلاثة أصناف:


1- المغني:6/226.


(7)

أحدها: العصبة بنفسه وهي كلّ ذكر لا يدخل في نسبته إلى الميت أُنثى، وتنحصر في أربعة.

أ. البنوة، وتسمّى جزء الميت.

ب. الأُبوة، وتسمّى أصل الميت.

ج. الأُخوة، وتسمّى جزء أبيه.

د. العمومة، وتسمّى جزء الجد.

ثانيها: عصبة بغيره، وهي الأُنثى التي يكون فرضها النصف حال الانفراد، والثلثين إذا كان معها أُخت أو أكثر، فإذا كان معها أو معهن أخ صار الجميع حينئذ عصبة به، وهي أربع:

1. البنت أو البنات.

2. بنت أو بنات الابن.

3. الأُخت أو الأخوات الشقيقات.

4. الأُخت أو الأخوات لأب.

فكلّ صنف من هذه الأصناف الأربعة يكون عصبة بغيره وهو الأخ ويكون الإرث بينهم للذكر مثل حظ الأُنثيين.


(8)

ثالثها: العصبة مع الغير وهي كلّ أُنثى تحتاج في كونها عاصبة إلى أُنثى أُخرى وتنحصر العصبة مع الغير في اثنتين فقط من الإناث، وهي:

أ. الأُخت الشقيقة أو الأخوات الشقيقات مع البنت أو بنت الابن.

ب. الأُخت لأب أو الأخوات لأب مع البنت أو بنت الابن، ويكون لهن الباقي من التركة بعد الفروض.

وأمّا القسم الثاني، أي العصبة السببية هو المولى المعتِقُ، ذكراً كان أم أُنثى، فإذا لم يوجد المعتِق فالميراث لعصبته الذكور.(1)

الثالث: أقسام نسبة الفروض مع مجموع التركة

الفروض الستة المقدرة في كتاب اللّه، تارة تتساوى مع مجموع التركة، كبنتين وأبوين، وحينئذ لا عول ولا تعصيب، حيث تأخذ البنتان الثلثين، والأبوان الثلث.


1- فقه السنّة: 3/442، ط بيروت.


(9)

وأُخرى تنقص الفروض عن التركة، كبنت واحدة، فإن فرضها النصف أو بنتين فإن فرضهما الثلثان، فهل يردّ الباقي إليها أو إليهما بالقرابة كما عليه الإمامية، أو يردّ إلى العصبة كما عليه فقهاء السنّة ويسمّى الميراث بالتعصيب؟

وثالثة تزيد الفروض على مجموع التركة، كزوج وأبوين وبنت،فإنّ فرض الزوج الربع والبنت النصف والأبوين الثلث، والتركة لا تتحمل ربعاً و نصفاً وثلثاً، و هذا هو العول الذي سيوافيك حكمه في المسألة الآتية.

الرابع: إيضاح التوريث بالتعصيب

المراد من التعصيب هنا هو توريث العصبة مع ذي فرض قريب، كما إذا كان للميت بنت أو أكثر، وليس له ولد ذكر.

أو لم يكن له أولاد أصلاً لا ذكور ولا إناث، وله أُخت أو أخوات وليس له أخ، وله عمّ.

فانّ مذاهب السنة تجعل أخ الميت شريكاً مع البنت أو


(10)

البنات، في المثال الأوّل، كما تجعل العم أيضاً شريكاً مع الأُخت أو الأخوات كذلك في المثال الثاني.

هذا ما لدى السنّة، وأمّا الإمامية فالإرث بالتعصيب باطل مطلقاً و إنّما الميراث بالفرض المسمى في كتاب اللّه، أو بالقرابة أو الأسباب التي يورث بها من الزوجيّة والولاء.

ففي المثالين المذكورين إن بقي من الفرض يجب رده على صاحب الفرض القريب، فالتركة عندهم بكاملها للبنت أو للبنات وليس لأخ الميت شيء، وإذا لم يكن له أولاد ذكور ولا إناث و كان له أُخت أو أخوات، فالمال كلّه للأُخت والأخوات ولا شيء للعمّ، لأنّ الأُخت أقرب منه، و الأقرب يحجب الأبعد.

وبالجملة ليس للتعصيب دور في الميراث وإنّما يدور الميراث على الفروض والقرابة والسببية : الزوجية والولاء.

الخامس: ضابطة الميراث عند الفريقين

إنّ الضابطة لتقديم بعض الأقرباء النسبيّين على


(11)

البعض الآخر عند الإمامية أحد أمرين:

1. كونه صاحب فريضة في الكتاب، قال سبحانه: (آباؤكُمْ وأبناؤكُمْ لا تَدرونَ أيُّهم أقربُ لَكُمْ نَفْعاً فَريضةً مِنَ اللّهِ إنّ اللّهَ كانَ عَليماً حَكيماً) .(1)

2. القربى إذا لم يكن صاحب فريضة، فالأقرب إلى الميّت، هو الوارث للكلّ، أو لما فضل عن التركة، قال سبحانه: (وأُولُوا الأرحامِ بَعضهُم أوْلى بِبَعض في كِتابِ اللّهِ إنّ اللّهَ بِكُلِّ شيء عليم) .(2)

وأمّا عند أهل السنّة فالملاك بعد الفرض، هو التعصيب ـ بالمعنى الذي عرفت ـ بعد أصحاب الفرض، وإن بعد عنهم، كالأخ عندما يموت، عن بنت أو بنتين، أو العم عندما يموت عن أُخت أو أُختين فيرث الأخ أو العم، الفاضل من التركة، بما أنّهما عصبة، ويُردّ عندنا إلى أصحاب الفروض، وربّما لا يترتّب على الخلاف ثمرة، كما في الموردين التاليين:


1- النساء:11.
2- الأنفال:75.


(12)

كما لو اجتمع الأب مع الابن، فالأب يأخذ فرضه وهو السدس، وما بقي يأخذه الابن بالاتّفاق لكن عندنا بالقرابة وعند أهل السنّة بالعصبة.

ومثله لو اجتمع الأب مع ابن الابن فبما أنّ الأولاد تنزل منزلة الآباء فللأبالسدس والباقي لابن الابن عندنا بالقرابة وعندهم بالتعصيب.

لكنتظهر الثمرة في موارد أُخر. كما إذا كانت العصبة بعيدة عن ذي فرض، كالأخفيما إذا ترك بنتاً أو بنات، ولم يكن له ولد ذكر، أو العم فيما إذا ترك أُختاًأوأخوات ولم يكن له أخ، فعلى مذهب الإمامية لا يرد إلى البعيد أبداً، سواءكانأخاً أو عمّـاً، لأنّ الضابط في التقديم والتأخير هو الفرض والقرابة، وأمّا الأخوالعم فهما ليسا من أصحاب الفروض قطعاً، كما أنّهما بعيدان عن الميّت مع وجود البنت أو الأُخت، فيرد عليهما الفاضل،فالبنتترث النصف فرضاً والنصف الآخر قرابة، وهكذا الصورة الأُخرى.

وأمّا على مذاهب أهل السنّة، فبما أنّهم حكموا بتوريث


(13)

العصبة مع ذي فرض قريب، يردّون الفاضل إلى الأخ في الأوّل، والعم في الثاني.

قال الشيخ الطوسي: القول بالعصبة باطل عندنا ولا يورث بها في موضع من المواضع، وإنّما يورث بالفرض المسمّى أو القربى، أو الأسباب التي يورث بها من الزوجية والولاء وروي ذلك عن ابن عباس، لأنّه قال فيمن خلّف بنتاً وأُختاً: إنّ المال كلّه للبنت دون الأُخت(1)، ووافقه جابر بن عبد اللّه في ذلك.

وروى موافقة ابن عباس عن إبراهيم النخعي، روى عنه الأعمش ولم يجعل داود الأخوات مع البنات عصبة، وخالف جميع الفقهاء في ذلك وأثبتوا العصبات من جهة الأب والابن.(2)


1- وهي عصبة بالغير أي الأخ.
2- الخلاف:4/62، كتاب الفرائض، المسألة80.


(14)

السادس: عدم الثمرة فيما إذا كان قريب مساو لا فرضله

إذا بقى من سهام التركة شيء ـ بعد إخراج الفريضة ـ وكان بين الورثة من لا فرض له لا فرق بين القولين ولا تترتب عليهما ثمرة.

وبعبارة أُخرى: إذا اجتمع من لا فرض له مع أصحاب الفرض ففيها يردّ الفاضل على المساوي الذي ليس له سهم خاص في الكتاب، سواء قلنا بالتعصيب أم لا. وإليك بعض الأمثلة:

1. إذا ماتت عن أبوين وزوج.

2.إذا مات عن أبوين وزوجة.

فالزوج في الأوّل، والزوجة في الثاني، والأُمّ في كليهما من أصحاب الفروض دون الأب، فما فضل بعد أخذهم، فهو لمن لا فرض له، أي الأب، فللزوج والزوجة نصيبهما الأعلى وللا ُم الثلث، والباقي للأب لأنّه لا فرض له، نعم الأب من أصحاب الفروض إذا كان للميّت ولد قال سبحانه:


(15)

(ولأبَويهِ لِكُلِّ واحِد منهُما السُّدسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ وَلَد)(1)بخلاف الأُمّ فهي مطلقاً من ذوات الفروض.

قال الخرقي في متن المغني: وإذا كان زوج وأبوان، أُعطي الزوج النصف والأُم ثلث ما بقي، وما بقي فللأب، وإذا كانت زوجة أُعطيت الزوجة الربع، والأُمّ ثلث ما بقي، وما بقي للأب.

قال ابن قدامة: هاتان المسألتان تسمّيان العُمَريّتين لأنّ عُمَر قضى فيهما بهذا القضاء، فتبعه على ذلك عثمان وزيد بن ثابت وابن مسعود، وروي ذلك عن علي، وبه قال الحسن والثوري ومالك والشافعي ـ رضي اللّه عنهم ـ وأصحاب الرأي، وجعل ابن عباس ثلث المال كلّه للا ُمّ في المسألتين، ويروى ذلك عن علي.(2)


1- النساء:11.
2- المغني : 6/236 ـ 237. وهذا ونظائره الكثيرة في الفرائض يعرب عن عدم وجود نظام محدّد في الفرائض في متناول الصحابة، ومع أنّهم يروون عن النبي أنّ أعلم الصحابة بالفرائض هو زيد بن ثابت وانّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «أفرضهم زيد، وأقرأهم أُبيّ». لكنّه تبع قضاء عمر ولم يكن عنده شيء في المسألة التي يكثر الابتلاء بها.


(16)

3. ذلك الفرض ولكن كان للأُمّ حاجب، فللزوج والزوجة نصيبهما الأعلى وللأُمّ السدس، والكلّ من أصحاب الفرض، والباقي للأب الذي لا فرض له.

4. إذا مات عن أبوين وابن وزوج أو زوجة، فلهما نصيبهما الأدنى ـ لأجل الولد ـ وللوالدين السدسان والباقي للابن الذي لا فرض له.

5. إذا مات عن زوج أو زوجة وإخوة من الأُمّ، وإخوة من الأبوين أو من الأب، فللزوج النصف أو للزوجة الربع، وللإخوة من الأُم الثلث، والباقي لمن لا فرض له، أي الإخوة من الأبوين أو الذين يتقرّبون بالأب.

ففي هذه الصورة فالزائد بعد إخراج الفرائض للمساوي في الطبقة الذي لا فرض له. ولعلّ هذه الصورة موضع اتّفاق بين الفقهاء: السنّة والشيعة.

السابع: ترتّب الثمرة إذا لم يكن قريب مساو لا فرض له

إذا لم يكن بين الورثة ـ وراء أصحاب الفروض ـ


(17)

قريب مساو لا فرض له وزادت سهام التركة عن الفروض، فهناك رأيان مختلفان بين الفقهاء: الشيعة والسنّة.

1. الشيعـة كلّهم على أنّ الزائـد يرد إلى أصحاب الفرائض عدا الزوج والزوجة (1) بنسبة سهامهم، فإذا مات عن أبوين وبنت وليس في طبقتهم من ينتمي إلى الميّت بلا واسطة سواهم، يرد الفاضل ـ أي السدس ـ عليهم بنسبة سهامهم، فيرد السدس عليهم أخماساً فللأبوين: الخمسان من السدس، وللبنت ثلاثة أخماس منه، ولا تخرج التركة عن هذه الطبقة أبداً.

2. أهل السنّة يرون أنّه يرد إلى أقرباء الميّت من جانب الأب والابن وهم العصبة.

إذا عرفت هذه الأُمور فلندرس أدلّة القولين:


1- اتّفقت عليه المذاهب كلّها قال ابن قدامة: «فأمّا الزوجان فلا يرد عليهما، باتّفاق أهل العلم» المغني: 6/257.


(18)

دراسة أدلّة نفاة التعصيب

احتجّت الإمامية على نفي التعصيب ـ وانّه لا دور له في الميراث وانّه مع وجود الأقرب وإن كان ذا فرض لا يرد إلى البعيد وإن كان ذكراً ـ بالكتاب والسنّة، وإليك دراسة ما يدلّ على نفيه من الكتاب:

الآية الأُولى

مشاركة النساء للرجال في الميراث

قال سبحانه: (لِلرِّجالِ نَصيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدان وَالأَقرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالأَقربُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصيباً مَّفْرُوضاً).(1)


1- النساء:7.


(19)

وجه الاستدلال: انّ ظاهر الآية انّ النساء في درجة الرجال من حيث الاستحقاق وانّ كلّ مورد يرث فيه الرجل، ترث فيه المرأة إلاّ ما خرج بالدليل كالقاتل والمرتد.

وبعبارة أُخرى: انّه أوجب توريث جميع النساء والأقربين، ودلّت على المساواة بين الذكور والإناث في استحقاق الإرث ـ لا في مقداره ـ ، لأنّها حكمت بأنّ للنساء نصيباً كما حكمت بأنّ للرجال نصيباً، مع أنّ القائل بالتعصيب يُورّث الرجال دون النساء مع كونهما في رتبة واحدة، وذلك في الصور التالية:

1. لو مات وترك بنتاً، وأخاً وأُختاً، فالفاضل عن فريضة البنت يرد إلى الأخ، ويحكم على الأُخت بالحرمان.

2. لو مات وترك بنتاً، وابن أخ، وابن أُخت، فالقائل بالتعصيب يعطي النصف للبنت، والنصف الآخر لابن الأخ، ولا شيء لابن أُخته مع أنّهما في درجة واحدة.

3. لو مات وترك أُختاً، وعمّـاً، وعمّة، فالفاضل عن فريضة الأُخت يرد إلى العم، لا العمّة.


(20)

4. لو مات وترك بنتاً، وابن أخ، وبنت أخ، فإنّهم يعطون النصف للبنت، والنصف الآخر لابن الأخ، ولا يعطون شيئاً لبنت الأخ مع كونهما في درجة واحدة.

فالآية تحكم بوراثة الرجال والنساء معاً وبوراثة الجميع، والقائل بالتعصيب يورّث الرجال دون النساء والحكم به أشبه بحكم الجاهلية المبني على هضم حقوق النساء كما سيوافيك بيانه.

وحمل ظهور الآية في مشاركة الرجال والنساء، على خصوص الميراث المفروض، لاالميراث لأجل التعصيب كما ترى، لأنّه حمل بلا قرينة في الآية ، وعلى خلاف إطلاقها.

والحاصل: أنّ نتيجة القول بالتعصيب هو توريث الرجال وإهمال النساء على ما كانت الجاهلية عليه.

قال العلاّمة الصافي في تفسير قوله سبحانه: (للرِّجالِ نصيبٌ مِمّا تَركَ الوالِدانِ والأقربونَ...)قد أبطل اللّه بهذه الآية النظام الجاهلي المبنيّ على توريث الرجال دون النساء، مثل توريث الابن دون البنت، وتوريث الأخ دون الأُخت، وتوريث


(21)

العم دون العمّة، وابن العم دون بنته، فقرّر بها مشاركة النساء مع الرجال في الإرث، إذا كنّ معهم في القرابة في مرتبة واحدة، كالابن والبنت، والأخ والأُخت، وابن الابن وبنته، والعم والعمّة وغيرهم، فلا يوجد في الشرع مورد تكون المرأة مع المرء في درجة واحدة إلاّ وهي ترث من الميت بحكم الآية ... فكما أنّ القول بحرمان الرجال الذين هم من طبقة واحدة نقض لهذه الضابطة المحكمة الشريفة، كذلك القول بحرمان النساء أيضاً ... ومثل هذا النظام ـ الذي تجلّى فيه اعتناء الإسلام بشأن المرأة ورفع مستواها في الحقوق المالية كسائر حقوقها ـ يقتضي أن يكون عامّاً لا يقبل التخصيص والاستثناء. (1)

قال السيد المرتضى: توريث الرجال دون النساء مع المساواة في القربيوالدرجة، من أحكام الجاهلية، وقد نسخ اللّه بشريعة نبيّنا محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أحكام الجاهلية، وذمّ من أقام عليها واستمرّ على العمل بها بقوله: (أَفَحُكْمَ الجاهليّةِ يَبْغُونَ )


1- مع الشيخ جاد الحق، شيخ الأزهر:15ـ16.


(22)

وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكماً)(1) وليس لهم أن يقولوا إنّنانخصّص الآية التي ذكرتموها بالسنّة، وذلك أنّ السنّة التي لا تقتضي العلمالقاطع لا يُخصَّص بهاالقرآن، كما لم يُنسخ بها، وإنّما يجوز بالسنّة أن يخصّص وينسخ إذا كانت تقتضي العلم واليقين، ولا خلاف في أنّ الأخبار المروية في توريث العصبة أخبارآحاد لا توجب علماً، وأكثر ما يقتضيه غلبة الظن، على أنّ أخبار التعصيبمعارضة بأخبار كثيرة ترويها الشيعة من طرق مختلفة في إبطالأن يكونالميراث بالعصبة، وأنّه بالقربى والرحم، وإذا تعارضت الأخبار رجعنا إلى ظاهر الكتاب.(2)


1- المائدة:5.
2- الانتصار:278.


(23)

الآية الثانية

الضابطة في الميراث هي الأقربية

قال سبحانه: (وأولوا الأرحامِ بعضُهُمْ أولى بِبعض في كِتابِ اللّهِ إنَّ اللّهَ بِكُلِّ شيء عليم).(1)

وقال في آية أُخرى: (النَّبِيُّ أَولى بِالْمُؤْمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمّهاتُهُمْ وَأُولوا الأرْحام بَعْضُهُمْ أَولى بِبَعْض فِي كِتابِ اللّه مِنَ المُؤْمِنينَ وَالْمُهاجِرين إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوليائكُمْ مَعْروفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً).(2)

وجه الاستدلال: أنّ الآية ظاهرة في أنّ ذوي الأرحام والقرابة بعضهم أحقّ بميراث بعضهم من غيرهم، والمروي عن جماعة من المفسّرين انّ الآية ناسخة لما قبله من التوارث


1- الأنفال:75.
2- الأحزاب:6.


(24)

بالمعاقدة والهجرة وغير ذلك من الأسباب، فقد كانوا يتوارثون بالمؤاخاة، فانّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان قد آخى بين المهاجرين والأنصار.

ثمّ إنّ وجه الأولوية هو الأقربية، فكلّ من كان أقرب إلى الميت في النسب كان أولى بالميراث، سواء كان ذا سهم أو غير ذي سهم، وسواء كان عصبة أو غير ذي عصبة.(1)

قال العلاّمة الطباطبائي: جعل الولاية بين أُولي الأرحام والقرابات، وهي ولاية الإرث، فانّ سائر أقسام الولاية لا ينحصر فيما بينهم.

والآية تنسخ ولاية الإرث بالمؤاخاة التي أجراها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بين المسلمين في أوّل الهجرة، وتُثبت الإرث بالقرابة، سواء كان هناك ذو سهم أو لم يكن، و كان عصبة أو لم يكن، فالآية مطلقة كما هو ظاهر.(2)

وقد استدلّ بالآية بعض الفقهاء والمفسّرين في مورد


1- مجمع البيان:2/563.
2- الميزان:9/142.


(25)

الإرث وفسروه بالنحو التالي الموافق لما ذكرنا .

قال السرخسي في مبسوطه: والميراث يبنى على الأقرب، قال اللّه تعالى: (ما ترك الوالدان والأقربون) وزيادة القرب تدلّ على قوة الاستحقاق.

وقال أيضاً: فإن كان بعضهم أقرب فهو بالميراث أحقّ.

وقال أيضاً: وميراث ذوي الأرحارم يبنى على القرب.(1)

و ممّا يدلّ على أنّ مفاد الآية هو منع القريب البعيد هو انّ بعض فقهاء السنة تمسك بالآية على أُولوية بعض العصبة على بعض، مثلاً: قدّموا الأخ على ابن الأخ، والعم على ابن العم، حتّى أنّهم يقدّمون الأخ لأبوين على ابن الأخ لأب، كما أنّ العمّ لأبوين يقدّمونه على العمّ لأب، وابن العم لأبوين على ابن العم لأب، تمسكّاً بالآية.(2)


1- المبسوط: 29/139، 30/13و 20.
2- تفسير القرطبي:8/58و 59.


(26)

وبما انّ الآية وردت في سورتين مدنيتين، فهي تؤكد على نسخ ما كان شائعاً في الجاهلية من تقديم الأقوياء على الضعفاء، والرجال على النساء في الميراث، وتضع ملاكاً جديداً، هو الأقربية للميت، فالأقرب يرث ويمنع غيره من دون فرق بين الرجل والمرأة.

وعلى ضوء ذلك فكيف يرث الأخ أو العم مع وجود الأقرب ـ أعني: البنت أو الأُخت ـ وهما أقرب إلى الميّت من الأخ والعم،لأنّ البنت تتقرّب إلى الميّت بنفسها، والأخيتقرّب إليه بالأب، والأُخت تتقرّب إلى الميّت بالأب، والعمّ يتقرّب إليه بواسطة الجد، والأُخت تتقرّب بواسطة، والعم يتقرّب بواسطتين، وأولاده بوسائط.

وممّا يدل على أنّ الآية في بيان تقديم الأقرب فالأقرب ـ مضافاً إلى ما مرّ من أنّها وردت ناسخة للتوارث بمعاقدة الإيمان والتوارث بالمهاجرة اللَّذين كانا ثابتين في صدر الإسلام ـ أنّ عليّاً كان لا يعطي الموالي شيئاً مع ذي رحم، سمّيت له فريضة أم لم تسم له فريضة وكان يقول:


(27)

«(وأُولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّهِ إنّ اللّهَ بكلِّ شيء عليم) قد علم مكانهم فلم يجعل لهم مع أُولي الأرحام». (1)

وروى زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ في قول اللّه: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّهِ) : إنّ بعضهم أولى بالميراث من بعض، لأنّ أقربهم إليه رحماً أولى به، ثمّ قال أبو جعفر: أيّهم أولى بالميت وأقربهم إليه؟ أُمّه؟ أو أخوه؟ أليس الأُمّ أقرب إلى الميّت من إخوته وأخواته؟ (2)

وروي عن زيد بن ثابت أنّه قال : من قضاء الجاهلية أن يورث الرجال دون النساء. (3)

وربما يثار على الاستدلال بالآية استفساران:


1- الوسائل:17، الباب8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث10و11و12.
2- الوسائل:17، الباب8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث10و11و12.
3- الوسائل:17، الباب8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث10و11و12.


(28)

الأوّل: تخصيص الآية بما دلّ على ميراث العصبة

إنّ قوله سبحانه: (وأُولوا الأَرحام بعضهم أَولى ببَعض) لا يعدو إمّا أن يكون مطلقاً أو عاماً، فالمطلق يُقيّد والعام يخصص بما ورد من توريث العصبة بعد استيفاء ذوي الفروض فروضهم وإن كانوا بُعَداء.

يلاحظ عليه: ـ بعد غضّ النظر عن الضعف الطارئ على أدلّة التعصيب سنداً ودلالة كما سيوافيك ـ انّ الآية المباركة تأبى على التخصيص والتقييد، لأنّها تحكي عن تشريع صدر استجابةً لميول ورغبات البشر، وهو انّ الإنسان أرأف وأميل بالوارث الأقرب من الأبعد، فتخصيص مثل ذلك التشريع يأباه الطبع السليم، مثل قوله سبحانه: (ما عَلى المُحْسِنينَ مِنْ سَبيل وَاللّه غَفُورٌ رَحيم)(1) ، أو قوله سبحانه: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(2) ، وقوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لا يُضيعُ أَجْر المُحْسِنين)(3) وأمثالها.


1- التوبة:91.
2- الحج:78.
3- التوبة:120.


(29)

والشاهد على إبائها التخصيص والتقييد انّه لو قيل (وأُولوا الأَرحام بعضهم أَولى بِبَعض) إلاّ في مورد كذا لما استحسنه الطبع ولاستهجنه، مثل ما إذا قيل (إِنّ اللّه لا يُضيعُ أَجْر المُحْسِنين) إلاّ في مورد كذا ..

الثاني: حرمان الرجال من الميراث في الفقه الإمامي

إذا دلّت الآية على المشاركة، فكما أنّ حرمان النساء مخالف لها، فكذلك حرمان الرجال مع أنّه ثابت في القول بعدم التعصيب، وذلك كما في المثال التالي:

إذا مات الرجل عن بنت وعم أو ابن عم، فإنّ التركة كلّها للبنت عندهم ولا حظّ لهما. وهو حرمان الرجال دون النساء عكس القول بالتعصيب، ويشتركان في الحرمان ومخالفة الذكر الحكيم.

يلاحظ عليه: أنّ الحرمان في المثال لأجل عدم الاستواء في القرابة. ألا ترى أنّ ولد الولد (ذكوراً كانوا أو إناثاً) لا يرثون مع الولد، لعدم التساوي في الدرجة والقرابة، وإن كانوا


(30)

يدخلون تحت التسمية بالرجال والنساء، وإذا كانت القرابة والدرجة مراعاة بين العم وابنه، فلا يساوي ـ العم ـ البنت في القربى والدرجة، وهو أبعد منها كثيراً.

وليس كذلك العمومة والعمّـات وبنات العم وبنو العم، لأنّ درجة هؤلاء واحدة وقرباهم متساوية والمخالف يورِّث الرجال منهم دون النساء، فظاهر الآية حجّة عليه وفعله مخالف لها، وليس كذلك قولنا في المسألة التي وقعت الإشارة إليها، وهذا واضح فليتأمّل. (1)


1- الانتصار:283.


(31)

الآية الثالثة

توريث الأُخت مشروط بعدم وجود الولد

قال سبحانه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُل اللّه يُفتِيكُمْ فِي الكَلالَة إِن امرؤا هلك لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَد فَإِنْ كانَتا اثنَتين فَلَهما الثلثان مِمّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَة رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن يُبَيِّن اللّه لَكُمْ أَنْ تَضِلُوا وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم). (1)

إنّ ظاهر قوله سبحانه: (إِن امرؤا هَلكَ لَيْسَ لَهُ وَلد وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما ترك) هو انّ توريث الأُخت من الأخ مشروط بعدم وجود الولد له مع أنّه يلزم في بعض صور التعصيب توريث الأُخت مع وجود الولد (البنت) للميّت،


1- النساء:176.


(32)

وذلك فيما إذا كان التعصيب بالغير كأُخت أو أخوات لأبوين، أو أُخت وأخوات لأب، فإنّهنّ عصبة بالغير من جانب الأب فلو مات عن بنت وأُخت لأبوين أو لأب، فالنصف للبنت، والنصف الآخر للعصبة وهي الأُخت أو الأخوات مع أنّ وراثة الأُخت مشروطة بعدم الولد في صريح الآية. قال الخرقي: والأخوات مع البنات عصبة، لهنّ ما فضل، وليس لهنّ معهنّ فريضة مسمّـاة.

وقال ابن قدامة في شرحه: والمراد بالأخوات هاهنا، الأخوات من الأبوين، أو من الأب، وإليه ذهب عامّة الفقهاء إلاّ ابن عباس ومن تابعه، فإنّه يروى عنه أنّه كان لا يجعل الأخوات مع البنات عصبة فقال في بنت وأُخت: للبنت النصف ولا شيء للأُخت. فقال ابن عباس: أنتم أعلم أم اللّه، يريد قول اللّه سبحانه: (إنِ امْرؤاْ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُختٌ فَلَها نِصفُ ما تَركَ ...) فإنّما جعل لها الميراث بشرط عدم الولد.

ثمّ إنّ ابن قدامة ردّ على الاستدلال بقوله: إنّ الآية تدل


(33)

على أنّ الأُخت لايفرض لها النصف مع الولد، ونحن نقول به، فإنّ ما تأخذه مع البنت ليس بفرض، وإنّما هو بالتعصيب كميراث الأخ، وقد وافق ابن عباس على ثبوت ميراث الأخ مع الولد مع قول اللّه تعالى: (وهو يرثها إنْ لم يَكُنْ لَها ولَد) وعلى قياس قوله «ينبغي أن يسقط الأخ لاشتراطه في توريثه منها عدم ولدها». (1)

حاصل كلامه: أنّ الأُخت ترث من الأخ النصف في حالتي وجود الولد وعدمه، غاية الأمر عند عدم الولد ترث فرضاً، وعند وجوده ترثه عصبة.

يلاحظ عليه: أنّ المهم عند المخاطبين هو أصل الوراثة، لا التسمية تارة بالفرض و أُخرى بالتعصيب، فانّ الأسماء ليس بمطروحة لهم; فإذا كان الولد وعدمه غير مؤثّر فيها، كان التقييد لغواً، وما ذكره من أنّها ترث النصف عند الولد تعصيباً لا فرضاً أشبه بالتلاعب بالألفاظ، والمخاطب بالآية هو العرف العام، وهو لا يفهم من الآية سوى حرمان


1- المغني:6/227.


(34)

الأُخت عند الولد وتوريثها معه باسم آخر، يراه مناقضاً.

وما نسبه إلى ابن عباس من أنّه كان يرى ميراث الأخ مع الولد، غير ثابت، وعلى فرض تسليمه فهـو ليس بحجة.

Website Security Test