welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : متعة النساء في الكتاب والسنة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

متعة النساء في الكتاب والسنة

13

متعة النساء
في الكتاب والسنة

تأليف

الفقيه المحقق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أفضل خلقه وخاتم رسله محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين هم عيبة علمه وحفظة سننه.

أمّا بعد، فانّ الإسلام عقيدة وشريعة، فالعقيدة هي الإيمان باللّه ورسله واليوم الآخر،والشريعة هي الأحكام الإلهية التي تكفل للبشرية الحياة الفضلى وتحقّق لها السعادة الدنيوية والأُخروية.

وقد امتازت الشريعة الإسلامية بالشمول، ووضع الحلول لكافّة المشاكل التي تعتري الإنسان في جميع جوانب الحياة قال سبحانه: (الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِيناً) .(1)


1-المائدة: 3 .


(4)

غير أنّ هناك مسائل فرعية اختلف فيها الفقهاء لاختلافهم فيما أثر عن مبلّغ الرسالة النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، الأمر الّذي أدّى إلى اختلاف كلمتهم فيها، وبما أنّ الحقيقة بنت البحث فقد حاولنا في هذه الدراسات المتسلسلة أن نطرحها على طاولة البحث، عسى أن تكون وسيلة لتوحيد الكلمة وتقريب الخطى في هذا الحقل، فالخلاف فيها ليس خلافاً في جوهر الدين وأُصوله حتّى يستوجب العداء والبغضاء، وإنّما هو خلاف فيما روي عنه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وهو أمر يسير في مقابل المسائل الكثيرة المتّفق عليها بين المذاهب الإسلامية.

ورائدنا في هذا السبيل قوله سبحانه: (وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَ لاَ تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً).(1)

جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


1-آل عمران: 103 .


(5)

تمهيد

الغريزة الجنسية

بين التحديد والإباحة الغربية

العلاقة الجنسية علاقة طبيعية راسخة في وجود كلّ إنسان في مقطع زمنيّ خاص، بنحو لا تجد لها مثيلاً في سائر العلاقات، وفي ظلّها تنفتح مشاعرُ الحب والعطف والحنان وتتعاظم المسؤولية بغية إرساء دعائم الأُسرة التي هي أوّل نواة المجتمع الإنساني الكبير.

إنّ تلبية الغريزة الجنسية تُعدّ من حاجات الإنسان الملحّة، ومن ضروريات الحياة، التي لا يختلف فيه اثنان. وليست حاجتُه إلى الزواج بأقلّ من حاجته إلى الطعام


(6)

والشراب.

إنّ الشريعة الإسلامية بما انّها خاتمة الشرائع، ونبيّها خاتم الأنبياء، وكتابها خاتمة الكتب، قد تناولت هذا الجانب من شخصية الإنسان وأشبعته بسنن وقوانين تنسجم مع سائر غرائزه الكامنة في وجوده.

وقد بلغت عناية الشريعة بالدعوة إلى تلبية الغريزة المذكورة حداً أن عدّ النكاح، سنّة إلهية والإعراض عنه إعراضاً عن الشريعة كما يجسّده حديث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «النكاح سنّتي فمن أعرض عن سنّتي فليس مني».(1)

وهذا يُعرب عن قدسية الزواج في الإسلام وانّه أرفع من أن يكون تبادلاً بين الإنسان والمال كما طاب لبعض الجدد المتأثرين بالغرب أن يسمّيه .(2)

ومهما حرص الإنسان على حياة التبتّل والعزوف عن الزواج، فانّه يظل يشعر بفراغ كبير لا يسدّه شيء سوى


1-جامع أحاديث الشيعة:25/38 رقم36412.
2-الزواج المؤقت عند الشيعة للكاتبة شهلا حائري:45.


(7)

الزواج.

وانطلاقاً من هذه الأهمية فقد شرّع الإسلام قوانين رائعة في تنظيم الغريزة الجنسية وسوقها في الاتجاه الصحيح الذي يكفل للإنسان إشباعها ، بأسلوب يتجاوب مع سائر ميوله و غرائزه ويحفظ له كرامته وشرفه، قال سبحانه: (وَأَنْكِحُوا الأَيامى مِنْكُم وَالصّالِحينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِنْ فضْلِهِ وَاللّهُ واسِعٌ عَليم).(1)

فقد سمح له في غير واحدة من الآيات، أن يلبّي حاجتَه الجنسية بطرق ثلاثة:

1. النكاح الدائم.

2. النكاح المؤقت.

3. ملك يمين.

ومهما يكن من أمر، فالذي دعانا إلى عقد بحث في النكاح المؤقت هو انّ الأخلاّء والألدّاء أجحفوا بحقه في


1-النور:32.


(8)

كتاباتهم.

أمّا الألدّاء فقد نظروا إليه بعين الحقد والحسد، نطرة الضُّرة، إلى الضُّرة ، فصوّروا محاسنه معايب.

وأمّا الأخلاّء فقد أكثروا فيه اللغط والتهويش، وأخذوا بالقضاء والإبرام من دون تدبر وتبصر وعدل وإنصاف، حتّى تجاوز بعضهم وعدّه زواجاً أقرب إلى الدعارة والزنا، ومعنى ذلك انّ صاحب الرسالة ـ والعياذ باللّه ـ رخّص الدعارة في أيام قلائل لأصحابه لأجل إخماد نار الشهوة فيهم «كبرت كلمة تخرج من أفواههم».

فما تنتظر من موضوع، خاض في تحليله وتبيينه العدو للطعن به، والصديق للجهل بحقيقته، أن لا تحوم حوله الشبهات. ولو انّ الصديق درس الموضوع دراسة معمّقة، وأحاط بما ورد فيه في الذكر الحكيم، وأحاديث الرسول لما كان يتفوّه بتلك الكلمة القارصة.

فالذي نشير إليه في هذه العجالة، هو انّ الإسلام عالج مشكلة الغريزة الجنسية بالدعوة إلى النكاح الدائم


(9)

وجعله أساساً في حياة الإنسان، و تلقى هذا النوع من النكاح كأمر ضروريّ وطعام روحيّ لكافة بني الإنسان.

وعلى الرغم من ذلك فقد تطرأ ظروف خاصة لا يتمكن الإنسان خلالها من سلوك الطريق العام (أي النكاح الدائم)، فكان لابدّ للشريعة الإسلامية أن تقول كلمتها في هذا المضمار، من خلال تقنين زواج خاصّ كعلاج مقطعيّ، فمن الخطأ أن نتصور انّ دعوة الإسلام إلى الزواج المؤقت كدعوته إلى الزواج الدائم، كلاّ، فالزواج الدائم تلبية للحاجة الجنسية في عامة مقاطع الحياة .

وأمّا النكاح المؤقت فهو ـ كما عرفت ـ دواء وليس بطعام، علاج لضروريات مقطعية يحول دون انتشار الفساد في المجتمع الإسلامي.

إذ ربما تطرأ على الإنسان ظروف لا يتيسر من خلالها الزواج الدائم، فلا يبقى أمامه سوى الأُمور الثلاثة التالية:

1. كبت جماح الشهوة.

2. التردّد على بيوت الدعارة والفساد.


(10)

3. النكاح المؤقت بالشروط التي وضعها الإسلام.

أمّا الأوّل فمن المستحيل عادة أن يصون به أحد نفسه ـ إلاّ من عصمه اللّه ـ ولا يطرق ذلك الباب إلاّ الأمثل فالأمثل من الناس وأين هو من عامة الناس؟!

وأمّا الثاني ففيه ـ مضافاً إلى هدم الكرامة الإنسانية ـ شيوع الفساد والأمراض وتداخل الأنساب فلم يبق إلاّ الطريق الثالث وهو النكاح المؤقت.

وعلى ذلك فالزواج المؤقت من أروع السنن الإسلامية التي سنّها الإسلام وأراد بها صون كرامة الإنسان.

وقد وقف الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ على عمق المشكلة ، فأدلى بكلمة قيّمة تقرع آذاننا وتُحذِّر المجتمع من تفاقم هذا الأمر عند إهماله لهذا العلاج، وقال: «لولا نهي عمر عن المتعة لما زنى إلاّ شقي أو شقية».

وهنا كلام للمفكّر الإسلامي الشهيد المطهري يقول فيه: «السمة المميزة لعصرنا هي اتساع المسافة الزمنية بين البلوغ الجنسي، والنضج الاجتماعي حين يصبح بمقدور المرء


(11)

تأسيسَ عائلة، فهل بإمكان الشُبّان قضاء فترة من التنسك المؤقت، وتحمّل قيود التقشف القاسية في انتظار تمكنهم من عقد زواج دائم.

و لنفترض انّ هناك شاباً مستعداً لتحمل هذا التنسك المؤقت، فهل ستكون الطبيعة مستعدة ـ عند الامتناع عن النكاح ـ بتحمل تلك العقوبات النفسية الفظيعة والخطرة التي يصاب بها الأشخاص الذين يمتنعون عن ممارسة النشاطات الجنسية الغريزية كما يدل على ذلك اكتشافات علماء النفس الآن.

فعند ذاك انّ أمام الشبان خيارين:

1. إمّا اتّباع النموذج الغربي المنحطّ ـ أعني: الإباحةَ الجنسية ـ القائم على إعطاء الحرية للشبّان والشابات على قدم المساواة.

2. أو الإقرار بشرعية الزواج المؤقت المحدد».

هذا وقد ضمّ بعض فلاسفة الغرب في العصور الأخيرة من الذين اشتهروا بالتحرر من القيود والحرية في الرأي،


(12)

أصواتَهم إلى صوت الإسلام في تشريعه الخالد للنكاح المؤقت.

فهذا هو «راسل» يرى أنّ سنن الزواج قد تأخرت بغير اختيار وتدبير فانّ الطالب كان يستوفي علومه قبل مائة سنة أو مائتي سنة في نحو الثامنة عشرة أو العشرين فيتأهب للزواج في سن الرجولة الناضجة، ولا يطول به عهد الانتظار إلاّ إذا آثر الانقطاعَ للعلم مدى الحياة، وقلّ من يؤثر ذلك بين المئات والأُلوف من الشبان.

أمّا في العصر الحاضر فالطلاب يبدأون التخصص في العلوم والصنائع بعد الثامنة عشرة أو العشرين، ويحتاجون بعد التخرج من الجامعات إلى زمن يستعدون فيه لكسب الرزق من طريق التجارة أو الأعمال الصناعية والاقتصادية. ولا يتسنّى لهم الزواج وتأسيس البيوت قبل الثلاثين، فهناك فترة طويلة يقضيها الشابّ بين سن البلوغ وبين سن الزواج لم يُحسب لها حسابها في التربية القديمة.

وهذه الفترة هي فترة النمو الجنسي، والرغبة الجامحة،


(13)

وصعوبة المقاومة للمغريات، فهل من المستطاع أن نسقط حساب هذه الفترة من نظام المجتمع الإنساني، كما أسقطها الأقدمون وأبناء القرون الوسطى؟

يقول الفيلسوف الآنف الذكر إنّ ذلك غير مستطاع، وإنّنا إذا أسقطناها من الحساب فنتيجة ذلك شيوع الفساد والعبث بالنسل بين الشبان والشابات، وإنّما الرأي عنده أن تسمح القوانين في هذه السن بضرب من الزواج بين الشبان والشابات، لا يَؤودهم بتكاليف الأسرة، ولا يتركهم لعبث الشهوات الموبقات وما يعقبه من العلل والمحرجات. وهذا ما سماه بـ«الزواج بغير أطفال»، وأراد أن يكون عاصماً من الابتذال ومدرّباً على المعيشة المزدوجة قبل السن التي تسمح بتأسيس البيوت.(1)

ولعلّ مراده من قوله: «الزواج بغير أطفال» هو استعمال موانع الحمل ومع ذلك فالالتزام بهذا الشرط أمر ممكن ولكنّه مشكل، وعلى فرض استعماله، فلو أنجبا طفلاً


1-الفلسفة القرآنية لعباس محمود العقاد: 87ـ 88.


(14)

فهو ولد شرعي يلحق بالوالدين.

إنّ الاقتراح الذي عرضه الفيلسوف الإنجليزي هو ما دعا إليه الإسلام منذ أكثر من 14 قرناً، ولكن الإسلام جعله في إطار تقنيني وتشريعي أضفى عليه مزيداً من الروعة والجمال وكمالاً من حيث القيود والشروط.

هذه دراسة موجزة حول النكاح المؤقّت نقدّمها للقراء الكرام راجين أن يُولوا عناية فائقة بهذا الموضوع ويتدارسوه من زوايا مختلفة حتّى تتبين لهم عظمة التشريع الإسلامي وانّ الأغيار جحدوا حقّه، وغيرهم جهلوه وما عرفوه.

واللّه من وراء القصد


(15)

آراء الفقهاء في المتعة

اتّفقت المذاهب الفقهية على أنّ متعة النساء كانت جائزة، أحلّها رسولُ اللّه بوحي منه سبحانه في برهة من الزمن وإنّما اختلفوا في استمرار حلّيتها وكونها منسوخة أم لا؟ فالشيعة الإمامية ولفيف من الصحابة والتابعين على بقاء الحلية خلافاً للمذاهب الأربعة وهي على التحريم.

ومن المعلوم انّ مسألة المتعة مسألة شائكة، يكتنفها شيء من الغموض والإبهام، وليس معنى ذلك أنّ المسألة تفقد الدليل الشرعي من الذكر الحكيم والسنّة المطهرة على حلّيتها بعد رحيل الرسول إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها.

بل يراد من الغموض، هو أنّ الكاتب مهما كان موضوعياً، ربما يُتّهم بالانسياق وراء الشهوات عند الخوض في هذه المسائل.

هذا، مع الاعتراف بأنّ ظاهرة المتعة ليست ظاهرة متفشية بين القائلين بحليتها ـ كما يتصوّرها المغفلون ـ بل تمارس في نطاق ضيق، وفي ظروف معينة.

وتبيين الحقّ يتم ضمن أُمور:


(16)

1

تعريفها ونبذ من أحكامها

الزواج المؤقت عبارة عن تزويج المرأة الحرة الكاملة نفسَها إذا لم يكن بينها وبين الزوج مانع ـ من نسب أو سبب أو رضاع أو إحصان أو عدّة أو غير ذلك من الموانع الشرعية ـ بمهر مسمّى إلى أجل مسمّى بالرضا و الاتفاق، فإذا انتهى الأجل تبين منه من غير طلاق، و يجب عليها بعد الدخول بها ـ إذا لم تكن يائسة ـ أن تعتد عدّة الطلاق إذا كانت ممّن تحيض وإلاّ فبخمسة وأربعين يوماً.

إنّ الزواج المؤقت كالزواج الدائم لا يتم إلاّ بعقد صحيح دالّ على قصد الزواج جدّاً ، وكلّ مقاربة تحصل بين رجل وامرأة من دون عقد فلا تكون متعة حتّى مع التراضي والرغبة، ومتى تم العقد كان لازماً يجب الوفاء به.


(17)

نبذ من أحكامها

إنّ أكثر الإشكالات التي تُثار على زواج المتعة نابعة من عدم الوقوف على حقيقتها وآثارها وأحكامها، فلنذكر شيئاً موجزاً منها حتّى يتبين انّ بين المتعة والسفاح بعد المشرقين.

إنّ لنكاح المتعة أحكاماً مشتركة بينه و بين النكاح الدائم، كما أنّ له أحكاماً خاصّة، وقد بسطنا الكلام في كلا القسمين من أحكامها في كتابنا «نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغرّاء» فمن أراد التفصيل فليرجع إليه.(1) وها نحن نذكر شيئاً من أحكامها المشتركة والمختصة، والفقيه العارف يميّز المشترك من المختص.

للنكاح المنقطع أركان أربعة:

أ ـ الصيغة. ب ـ المحل. ج ـ الأجل. د ـ المهر.

الف: الصيغة

وهي الإيجاب والقبول، ويكفي في الإيجاب أحد


1-نظام النكاح:2/47ـ 108.


(18)

الألفاظ الثلاثة: زوجتك ومتّعتك وأنكحتك، ويكفي في القبول كلّ لفظ دالّ على الرضا بذلك الإيجاب كقوله: قبلت النكاح أو المتعة.

ب: المحل

وهو الزوج والزوجة ويشترط فيهما ما يشترط في النكاح الدائم إلاّ ما استثني، فيشترط أن تكون الزوجة مسلمة ويجوز أن تكون كتابية على القول الأشهر بين الفقهاء.

وأمّا المسلمة فلا تتمتع إلاّ بالمسلم خاصة.

ولا يدخل على الزوجة المنقطعة بنت أُختها، ولا بنت أخيها إلاّ بإذنها، ولو فعل توقّف على إذنها، فإن ردت، بطل العقد .

ج: المهر

المهر ركن في عقد المتعة، يبطل العقد بعدم ذكره في العقد ويشترط أن يكون مملوكاً معلوماً، إمّا بالكيل أو الوزن أو المشاهدة و الوصف.


(19)

ولو وهب الزوج المدة لها قبل الدخول، لزمه النصف; ولو دخل استقرّ المهر كله.

د: الأجل

وهو ركن من عقد المتعة، ولو ترك الأجل فهنا قولان: يبطل، و قيل ينقلب العقد دائماً، ولابد أن يكون معيناً محروساً من الزيادة والنقصان.

يجوز العزل من المتمتع بها ولا يقف على إذنها خلافاً للدائمة فلا يجوز العزل إلاّ بإذنها.

وتبين المتمتع بها بانقضاء الأجل ولا يقع بها طلاق ولا يتوارثان إلاّ مع الشرط في متن العقد.

المتعة كالدوام فيما يحرم بالمصاهرة، فلو عقد على امرأة تمتعاً، حرمت عليه أُمّها مطلقاً، وبنتها مع الدخول، وهكذا سائر المحرمات المذكورة في باب التحريم بالمصاهرة.

وإذا دخل بها وانقضى أجلها فإن كانت من ذوات الحيض، وجب عليها الاعتداد بحيضتين، وإن لم تكن من


(20)

ذوات الإقراء، وهي في سنهنّ اعتدّت بخمسة وأربعين يوماً، وإن لم يكن دخل بها فلا عدّة عليها.

ولو مات عنها في الأجل اعتدّت بأربعة أشهر وعشرة أيّام، سواء دخل بها أو لا إن كانت حائلاً، وقيل شهران وخمسة أيّام، و إن كانت حاملاً اعتدت بأبعد الأجلين، ولو كانت أمة اعتدت حائلاً بشهرين وخمسة أيّام.(1)

والغرض من ذلك هو الإشارة إلى أنّ نكاح المتعة نكاح حقيقي، وهو كالنكاح الدائم في عامّة الأحكام إلاّ ما خرج بالدليل، وأهمّ الفروق عبارة عن:

1. الزوجة الدائمة تفارق بالطلاق و هذه تفارق بانقضاء الأجل.

2. الزوجة الدائمة يُنفق عليها، دونها.

3. الزوجة الدائمة ترث زوجها وهو يرثها، دونها.

4. انّ الدائم إذا طلقت تعتد بثلاثة أشهر أو بثلاث حيضات وهي تعتد بحيضتين أو خمسة وأربعين يوماً.


1-شرائع الإسلام:2/307; تحرير الأحكام:3/526.


(21)

وهذه الفروق الضئيلة لا تخرجها عن كونها زوجة، لها من الأحكام ما لغيرها ، مثلاً يقول سبحانه: (وَالّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُون* إِلاّ عَلى أَزواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومين)(1)والمتزوجة متعة داخلة في قوله سبحانه: (إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ) فهي زوجة حقيقة، لها من الأحكام ما للزوجة الدائمة إلاّ ما استثني بالدليل كما عرفت. وانتفاء بعض الأحكام أو تخصيصها في مورد المؤقتة، لا يسلب عنها عنوان الزوجيّة، وسيوافيك انّ الدائمة أيضاً تبين أحياناً بلاطلاق، أو لا ترث أو لا يَرثُها زوجها، أو لا يُنفق عليها فانتظر.


1-المؤمنون:5ـ6


(22)

2
الزواج المؤقت في صدر الإسلام

بزغت شمس الإسلام وكانت المتعة أمراً رائجاً بين الناس غير انّ الإسلام حدَّ لها حدوداً و جعل لها شروطاً كما مرّ، ويكفيك في ذلك دراسة تاريخها وذلك بملاحظة ما يلي:

1. ما رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانت متعة النساء في أوّل الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس معه من يصلح له ضيعته ولا يحفظ متاعه، فيتزوج المرأةَ إلى قدر ما يرى أنّه يفرغ من حاجته، فتنظر له متاعه وتصلح له ضيعته.(1)

2. أخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس


1- الدر المنثور:2/139ـ 140.


(23)

قال: كانت المتعة في أوّل الإسلام... فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج بقدر ما يرى أنّه يفرغ من حاجته لتحفظ متاعه وتصلح له شأنه.(1)

3. أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: كنّا نغزو مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وليس معنا نساؤنا فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك ورخص لنا أن نتزوج المرأة بالثوب إلى أجل، ثمّ قرأ عبد اللّه (يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا لاتُحرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللّهُ لَكُم)(2).(3)

4. أخرج عبد الرزاق وأحمد ومسلم عن سبرة الجهني قال: أذن لنا رسول اللّه عام فتح مكة في متعة النساء فخرجت أنا ورجل من قومي ولي عليه فضل في الجمال وهو قريب من الدمامة....(4)


1- الدر المنثور:2/139ـ 140.
2-المائدة:87.
3- صحيح البخاري:7/4، باب ما يكره من التبتل و الخصاء من كتاب النكاح.
4-الدر المنثور:2/140.


(24)

6. أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن جابر بن عبد اللّه وسلمة بن الأكوع، قال: كنّا في جيش فأتانا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: إنّه قد أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا.(1)

7. أخرج مسلم في صحيحه بسنده: خرج علينا منادي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد أذن لكم أن تستمتعوا، يعني متعة النساء.(2)

8. أخرج مسلم في صحيحه أيضاً بسنده عن سلمة بن الأكوع، وجابر بن عبد اللّه انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أتانا فأذن لنا في المتعة.(3)

والأحاديث الأخيرة ـ بشهادة ما تقدّمها ـ تكشف عن كون الاستمتاع بالمرأة في ظروف خاصة لغايات عقلائية كان أمراً معروفاً، والنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أرشد بإذنه إليه لا انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ابتكره.

فإذا كان مثل هذا الزواج أمراً رائجاً بين الناس في عصر الرسالة فلا منتدح للشارع إلاّ أن يتعرّض له من خلال الإمضاء أو الرد ولا يصحّ غض النظر عنه، بعد وضوح عدم


1-صحيح مسلم:4/130ـ131، باب نكاح المتعة.
2-صحيح مسلم:4/130ـ131، باب نكاح المتعة.
3-صحيح مسلم:4/130ـ131، باب نكاح المتعة.


(25)

كونه من قبيل السفاح، وإلاّ فمن المستحيل أن يحلله النبي ولو في فترة خاصة (قُل إِنَّ اللّهَ لا يأمُرُ بِالفَحشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمُون).(1)


1-الأعراف:28.


(26)

3

الزواج المؤقت

في الذكر الحكيم

قد سبق انّ المتعة كانت أمراً رائجاً بين الناس وانّه لا محيص للشارع من بيان حكمها إمضاءً أو ردّاً، و من حسن الحظ انّ الذكر الحكيم حسب نظر مشاهير المفسرين تعرض لها بالإمضاء(وإن ادّعى بعضهم كونها منسوخة) وذلك في قوله سبحانه:

1. (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأخَواتُكُمْ) ـ إلى أن قال سبحانه: (وَأَن ْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كانَ غَفُوراً رَحيماً).(1)


1-النساء:23.


(27)

2. (وَالْمُحْصناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنينَ غَيْرَ مُسافِحينَ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَريضَةِ إِنَّ اللّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً).(1)

3. (وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِنات).(2)

تفسير الآيات الثلاث

هذه الآيات الثلاث تحدد ما هو الحرام والحلال في أمر النساء.

أمّا الآية الأُولى وصدر الآية الثانية ، فيبيّنان ما هو الحرام من نكاح النساء، و هو عبارة عن:


1- النساء:24.
2- النساء:25.


(28)

1. الأُمّهات، 2. البنات، 3. الأخوات، 4. العمّات، 5. الخالات، 6. بنات الأخ، 7. بنات الأُخت، 8. الأُمّهات المرضعة، 9. الأخوات من الرضاعة، 10. أُمّهات النساء، 11. الربائب التي دُخل بأُمّهاتهن، 12. حلائل الأبناء، 13. الجمع بين الأُختين، 14. النساء المتزوجات، وقد أشار إلى الأخير في أوائل الآية الثانية وقال: (وَالْمُحْصناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) والمحصنات جمع المحصنة وهي المتزوجة فهي محرمة لمكان زوجها إلاّ صورة واحدة أخرجت بقوله: (إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ).

و أمّا ما هو المراد من هذا الاستثناء ففيه خلاف بين المفسرين فليرجع إلى محله.

إلى هنا تمّ بيان ما هو الحرام من نكاح النساء و قد أنهاها التشريع القرآني إلى 14، وبه تمّ تفسير الآية الأُولى وجزء من الآية الثانية التي عطف فيها «المحصنات» ذوات الأزواج إلى المحرمات.

وأمّا بقية الآية فقد ابتدأ بقوله:(وَأُحلّ لكم ما وراء )


(29)

ذلكم أَن تَبْتَغُوا بأَمولكم مُحصنين غير مُسافِحين فَما استمتَعْتُم بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجورهنّ فَريضةً وَلا جُناح عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الفَريضة).

فلنأخذ بتفسيرها ضمن مقاطع:

1. (وأُحل لَكُمْ ما وَراء ذَلكُم): المرادمن الموصول هو النساء غير المذكورات ولا غرو في استعمال ما مكان «من» كما في قوله سبحانه: (فَانكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثنى و ثُلاث وَرُبَاع).(1)

قوله ذلكم مركّب من (ذا) و (كم) و الأوّل للإشارة إلى ما سبق و الثاني خطاب للمؤمنين كافة، والمراد أحل لكم ما وراء المذكورات من النساء أيّها المؤمنون. و أمّا ما هو الوجه في استعمال «ذا» مكان «ذي» فليطلب من محلّه.

2. (أَن تَبتَغُوا بأَموالِكُم ) هو بدل البعض من الكل أو عطف بيان من قوله (ما وراء ذلكُم) وقد حذف مفعوله،


1-النساء:3.


(30)

ولعله نكاح النساء: أي تبتغوا بأموالكم نكاح النساء. وعلى أي تقدير فالجملة تبين الطريق المشروع في نكاح النساء غير المذكورات وانّه يجوز لكم نكاح النساء بصرف المال. و مصاديقه في بادي النظر تنحصر في ثلاثة:

أ. النكاح بأُجرة.

ب. نكاح الأمة.

ج. السفاح و هو الزنا.

3. (محصنين غير مسافحين): أي أن تطلبوا بأموالكم نكاح النساء في حال انّكم تريدون العفة لا السفاح والزنا ومعنى الجملة: متعفّفين، لا زانين وبذلك حرم القسم الثالث، وانّه ليس للمسلم أن يبتغي بأمواله مباشرة النساء عن طريق السفاح والزنا.

وتنحصر الحلية في القسمين الآخرين وهو نكاح الحرة ونكاح الأمة.

4. (فما استمتعتم به منهنّ فآتوهُن أُجورهن فريضة): وهذا المقطع يشير إلى نكاح الحرة كما أنّ الآية الثالثة تشير إلى


(31)

نكاح الإماء(1) وبما انّ نكاح الأَمَة خارج عن محل البحث، فلا نذكر فيه شيئاً، والمهم هو تفسير ما يرجع إلى نكاح الحرائر الوارد في قوله سبحانه:(فما استمتعتم به منهنّ فآتوهُن أُجورهن ) وهذا المقطع من الآية هو بيت القصيد في المقام من دون فرق بين كون (ما) «فما استمتعتم» شـرطيـة أو موصولـه عائدها هـو الضمير في لفظة «بـه» وعندئـذ يقـع الكلام في أنّ المراد منه هو النكاح الدائم أو النكاح المؤقت، والإمعان في القرائن الخارجية والقرائن المحتفة بالآية يعين الثاني ولا يبقى مجال لإرادة المعنى الأوّل، وإليك القرائن المعينة للمقصود.

القرينة الأُولى: الاستمتاع هو العقد على المتمتع بها

إنّ لفظ الاستمتاع ـ يوم نزول الآيةـ كان منصرفاً إلى عقد المتعة والزواج المؤقت على النحو الذي مرّ في أوّل البحث لا التلذذ والجماع وإن كان يطلق عليه أيضاً كقوله سبحانه:


1-أي قوله سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطع منكم أنْ يَنكح المحصنات...) .


(32)

(رَبّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْض)(1) ويرشدك إلى ما ذكرناه أمران:

1. تعابير الصحابة حيث يعبرون عن نكاح المتعة بلفظة «الاستمتاع».

أخرج مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد اللّه، قال: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول اللّه و أبي بكر حتّى ـ ثمة ـ نهى عنه عمر.(2)

أخرج مالك عن عروة بن الزبير انّ خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب، فقالت: إنّ ربيعة بن أُمية استمتع بامرأة مولّدة فحملت منه، فخرج عمر يجرّ رداءه فزعاً، فقال: هذه المتعة لو كنت تقدمت فيه لرجمته.(3)

إلى غير ذلك من الروايات والآثار التي ورد فيها الاستمتاع بصوره المختلفة وأريد به نكاح المتعة والعقد على امرأة بأجل مسمّى وأُجرة مسمّاة.


1-الأنعام:128.
2-صحيح مسلم:4/131، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.
3-الموطأ:2/30; سنن البيهقي:7/206.


(33)

2. انّ المراد من الاستمتاع في الآية هو العقد لا الاستمتاع بمعنى الانتفاع والتلذذ، بشهادة ترتب دفع الأُجرة على الاستمتاع ترتّبَ الجزاء على الشرط ويقول (فما استمتعتم به منهنّ فآتوهن أُجورهن)فلو أُريد من الاستمتاع هو العقد لصحّ الترتب، لأنّ المهر كلّه يجب بمجرد العقد من غير فرق بين الدائم والمؤقت غاية الأمر يسقط النصف بالطلاق قبل الدخول في العقد الدائم، و بانقضاء المدة قبله في المؤقت.

وأمّا لو أُريد من الاستمتاع هو التلذذ والانتفاع فلا يصحّ الترتب، لأنّ الأُجرة تلزم على الزوج قبل الاستمتاع، فالزوج يكون مكلّفاً بدفع المهر كلّه. سواء أكان هناك تلذذ أو لا، كلّ ذلك يؤيد أنّ المراد من الاستمتاع هو العقد.

قال الطبرسي:إنّ لفظ الاستمتاع، و التمتع وإن كان في الأصل واقعاً على الانتفاع والالتذاذ، لكنّه صار بعرف الشرعمخصوصاًبهذاالعقدالمعيّن،لاسيماإذاأضيفإلى النساء. فعلى هذا يكون معناه فمتى عقّدتم عليهن هذا


(34)

العقد المسمّى متعة فآتوهن أجورهن.

ويدلّ على ذلك انّ اللّه علّق وجوب إعطاء المهر بالاستمتاع وذلك يقتضي أن يكون معناه، هذا العقد المخصوص دون الجماع والاستلذاذ، لأنّ المهر لا يجب إلاّ بالعقد.(1)

ولعلّ الزمخشري يرى أنّ وجوب المهر لا يتوقف على الاستمتاع، عطف العقد على الجماع، و قال «فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو خلوة صحيحة أو عقد عليهن».(2)

القرينة الثانية: الحمل على غير المتعة يستلزم التكرار

يجب علينا إمعان النظر فيما تهدف إليه جملة: (فما استمتعتم به منهنّ فآتُوهنّ أُجورهنّ)، و هنا ثلاثة احتمالات:

أ. تحليل النكاح الدائم.


1-مجمع البيان:2/32، ط صيدا.
2-الكشاف:1/391، في تفسير الآية.


(35)

ب. التأكيد على دفع المهر بعد الاستمتاع.

ج. نكاح المتعة.

أمّا الأوّل فالحمل عليه يوجب التكرار بلا وجه، لأنّه سبحانه بيّن حكمه في الآية الثالثة من تلك السورة، قال سبحانه: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثنَى وثُلاثَ ورُباعَ فإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدة).(1)

وأمّا الثاني فهو مثل الأوّل، حيث بيّنه في الآية الرابعة من هذه السورة وقال: (وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً)(2) بل بينه في آيتين أُخريين أعني قوله: (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتتَيْتُمُوهُنّ).(3)

وقال سبحانه: (وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبدالَ زَوج مَكان زَوج )


1-النساء:3.
2-النساء:4.
3-النساء:19.


(36)

وَآتَيْتُمْ إِحداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئاً أَتأْخُذُونَهُ بُهتاناً وَإِثماً مُبِيناً).(1)

فلم يبق من الوجوه المحتملة التي تهدف إليها الجملة إلاّ نكاح المتعة .

القرينة الثالثة: الجملتان المتقدّمتان

إنّ في الجملتين المتقدّمتين على قوله: (فما استمتعتم به...) أعني:

1. (أن تبتغوا بأموالكم).

2. (محصنين غير مسافحين).

إشارة إلى الزواج المؤقت وانّ المراد من الاستمتاع هو نكاح المتعة والعقد على المتمتع بها.

أمّا الجملة الأُولى فتدلّ على أنّها بصدد بيان النكاح الذي يُبتغى بالأموال على نحو يكون فيه للمال (الصداق) دور كبير، بحيث لولاه لبطل، وليس هو إلاّ نكاح المتعة الذي


1-النساء:20.


(37)

عرف بأنّه: «أجل مسمّى وأجر مسمّى» فالأجر في نكاح المتعة ركن ولولاه لبطل(1) بخلاف النكاح الدائم إذ لا يجب فيه ذكره، يقول سبحانه: (لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَريضَةً)(2) ولذلك قالوا يُستحبّ أن لا يعرى النكاح عن تسمية الصداق، لأنّ النبي كان يزوّج بناته وغيرهن ويتزوج فلم يكن يخلي ذلك من صداق.(3)

أمّا الجملة الثانية فاللّه سبحانه يؤكد قبل الأمر بعقد الاستمتاع على كون الزوجين ـ محصنين غير مسافحين ـ أي أن يكون اللقاء بنيّة التعفّف لا الزنا، وبما انّ عقد المتعة قد ينحرف عن مجراه ومسيره الصحيح فيتخذ لنفسه لون السفاح لا الزواج، أمر سبحانه بأن يكون الهدف هو الزواج لا السفاح.


1- وقد مرّ عند بيان أحكام نكاح المتعة، انّه لو نسي ذكر المهر أو لم يذكره بطل العقد، فنكاح المتعة من أوضح مصاديق قوله سبحانه (أن تبتغوا بأموالكم).
2-البقرة:236 .
3-المغني:7/136.


(38)

وبما انّ نكاح الإماء أيضاً مظنة لذلك الأمر إذ الغالب على الإماء هو روح الابتذال، قيّد سبحانه نكاح الإماء في الآية الثالثة بقوله: (مُحصَنات غَيْرَ مُسَافِحات وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدَان).(1)

فافتتاح الكلام بجملتين حاملتين مفهوم المتعة قرينة على أنّ المراد من قوله: (فَما استمتعتم) عقد النكاح كما أنّ هاتين الجملتين بما انّهما تحملان مفهوم نكاح المتعة سوّغ دخول الفاء على قوله: (فما استمتعتم به منهن) لأنّ فاء التفريع لا تستعمل إلاّ إذا سبق الكلام فيه ولو إجمالاً.

القرينة الرابعة: تفسيره في لسان الصحابة بنكاح المتعة

فسّر لفيف من الصحابة والتابعين قوله: (فما استمتعتم به منهن) بنكاح المتعة، نذكر منهم ما يلي:

1. أخرج الحاكم وصحّحه من طرق عن أبي نضرة قال ابن عباس«فما استمتعتم به منهنّ» «إلى أجل مسمّى» فقلت


1-النساء:25.


(39)

ما نقرأها كذلك، فقال ابن عباس: واللّه لأنزلها اللّه كذلك.(1)

2. أخرج عبد بن حميد و ابن جرير عن قتادة في قراءة أُبيّ بن كعب«فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى».(2)

3. أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن سعيد بن جبير، قال: في قراءة أُبيّ بن كعب «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى».(3)

وظهور هذه الروايات في كون قوله «إلى أجل مسمّى» جزءاً من الآية، محمول على تأويل الآية وتحقيق معناها. وإلاّ فالقرآن مصون من التحريف والنقص والزيادة.

4. أخرج عبد بن حميد و ابن جرير عن مجاهد: فما استمتعتم به منهن، قال: يعني نكاح المتعة. (4)

5. أخرج الطبري عن السدي قال: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى فآتوهن أُجورهن فريضة قال: فهذه المتعة، الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمّى ويشهد


1-الدر المنثور:2/484ـ 488.
2-الدر المنثور:2/484ـ 488.
3-الدر المنثور:2/484ـ 488.
4-انظر الدر المنثور:2/484ـ 488 ولاحظ تفسير الطبري:5/8ـ10.


(40)

شاهدين وينكح بإذن وليها وإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل وهي منه برية وعليها أن تستبرئ ما في رحمها وليس بينهما ميراث ليس يرث واحد منهما صاحبه.(1)

6. أخرج الإمام أحمد باسناد رجاله كلّهم ثقات عن عمران بن الحصين، قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه وعملنا بها مع رسول اللّه فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي حتّى مات.(2)

7. أخرج الطبري في تفسيره باسناد صحيح عن شعبة عن الحكم قال: سألته عن هذه الآية أمنسوخة هي؟ قال: لا.(3)

8. أخرج البيهقي عن أبي نضرة عن جابر قال: قلت: إنّ ابن الزبير ينهى عن المتعة وانّ ابن عباس يأمر بها، قال: على يدي جرى الحديث تمتعنا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومع أبي بكر


1-تفسير الطبري:5/8ـ10.
2-مسند أحمد:4/446.
3-تفسير الطبري:5/9.


(41)

فلمّا ولي عمر خطب الناس: إنّ رسول اللّه هذا الرسول، و إنّ القرآن هذا القرآن، وإنّهما كانتا متعتان على عهد رسول اللّه وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: إحداهما متعة النساء ولا أقدر على رجل تزوج امرأة إلى أجل إلاّ غيّبته بالحجارة، والأُخرى متعة الحجّ.(1)

إلى غير ذلك من الروايات الواردة حول تفسير الآية الحاكية عن استمرار الحلية أو منسوخيتها، فانّ النسخ فرع القول بدلالتها على نزولها في نكاح المتعة من الصحابة والتابعين وفي مقدمهم الإمام أمير المؤمنين و أهل بيته، فقد فسروا الآية بنكاح المتعة.


1-سنن البيهقي:7/206.


(42)

القرينة الخامسة: اتّفاق أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ على نزول الآية في المتعة

اتّفق أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ على نزول الآية في نكاح المتعة، والروايات عنهم متضافرة أو متواترة، نكتفي بالقليل منها:

1. أخرج الكليني عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر عن المتعة فقال: نزلت في القرآن (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أُجورهن فريضة).(1)

2. أخرج الكليني عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: سمعت أبا حنيفة يسأل أبا عبد اللّه عن المتعة، فقال : «عن أي المتعتين تسأل؟» فقال: سألتك عن متعة الحجّ فأنبئني عن متعة النساء أحق هي؟ فقال:«سبحان اللّه أما تقرأ كتاب اللّه (فما استمتعتم به منهن فاتوهن أُجورهن فريضة) فقال أبو حنيفة: واللّه كأنّها آية لم أقرأها قط.(2)


1-الكافي:5/448ـ449، أبواب المتعة، الحديث1و6.
2-الكافي:5/448ـ449، أبواب المتعة، الحديث1و6.


(43)

القرينة السادسة: تصريح الصحابة بالحلّية

لا شكّ انّ من سبر تاريخ المسألة في عصر ظهور الاختلاف في استمرار الحلّية وعدمها، يقف على أنّ الصحابة قالوا بحلّية المتعة سواء أقالوا ببقائها واستمرارها أم ذهبوا إلى منسوخيتها، و كان أفضل مصدر لقولهم، هو نفس الآية مضافاً إلى تقرير النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وقد عرفت فيما سبق أسماء لفيف من الصحابة فسروا الآية بنكاح المتعة، ونأتي الآن بأسماء من قالوا بحلية المتعة وإن لم يصرحوا بمصدر فتواهم. وقد ذكرهم ابن حزم في «المحلّى».

قال:ولا يجوز نكاح المتعة وهو النكاح إلى أجل وكان حلالاً على عهد رسول اللّه ثمّ نسخها اللّه تعالى على لسان رسوله نسخاً باتاً إلى يوم القيامة، وقد ثبت على تحليلها بعد رسول اللّه جماعة من السلف رضي اللّه عنهم، منهم من الصحابة رضي اللّه عنهم: أسماء بنت أبي بكر الصديق، و جابر بن عبد اللّه، و ابن مسعود، وابن عباس، و معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن حريث ، و أبو سعيد الخدري، و سلمة


(44)

و معبد أبناء أُمية بن خلف، و رواه جابر بن عبد اللّه عن جميع الصحابة مدة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و مدة أبي بكر و عمر إلى قرب آخر خلافة عمر، واختلف في إباحتها عن ابن الزبير، وعن علي فيها توقف وعن عمر بن الخطاب انّه إنّما أنكرها إذا لم يشهد عليها عدلان فقط و أباحها بشهادة عدلين.

ومن التابعين: طاووس و عطاء و سعيد بن جبير و سائر فقهاء مكة.(1)

وقد اعتمد السيد المرتضى على قول هؤلاء في رد من سخر من الشيعة، حيث قال الساخر:

قول الروافض نحن أطيبُ مولد * قـول أتى بخـلاف قـول محمـد

نكحوا النساء تمتعا فولدن مـن * ذاك النكـاح فأين طيب المـولـد

إنّ انتماء شيعة أهل البيت بطيب المولد يرجع إلى أُمور أُخرى ولا يمتّ بكونهم مواليد نكاح المتعة، فانّ نكاح المتعة ـ


1-المحلى:9/519ـ520.


(45)

على الرغم من اتّفاقهم على حلّيته ـ بينهم قليل جداً، كما هو واضح لمن عاشرهم.

وإليك جواب السيد المرتضى :

انّ التمتع سنَّة مفروضة * ورد الكتابُ بها وسنة أحمد

وروى الرواةُ بأنّ ذلك قد جرى * من غير شك في زمان محمد

ثمّ استمرّ الحالُ في تحليلها * قد صحّ ذلك في الحديث المسندِ

عن جابر و عن ابن مسعود التقي * وعن ابن عباس كريم المولد

حتّى نهى عمرٌ بغير دلالة * عنها فكدّر صفوَ ذاك المورد

لا بل مواليد النواصب جدّدت * دينَ ا لمجوس فأين دين محمد

وقد وقفت على ما روي عن ابن عباس و ابن مسعود


(46)

في استمرار حلّيتها، و إليك ما روي عن جابر في صحيح مسلم.

أخرج مسلم في صحيحه عن أبي نضرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد اللّه، فقال: على يديَ دار الحديثُ تمتعنا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فلما قام عمر، قال: إنّ اللّه كان يُحل لرسوله ما شاء بما شاء و انّ القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحجّ والعمرة للّه كما أمركم اللّه وأبتُّوا نكاح هذه النساء فلئن أُوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته بالحجارة.(1)

فبالتمسك بقوله سبحانه: (فأتموا الحجّ والعمرة للّه)حرّم فصل العمرة عن الحجّ بالتحليل بينهما. وبالتالي أنكر حجّ التمتع.

وبقوله: «ابتُّوا نكاح هذه النساء» أنكر نكاح المتعة.

وأمّا انّ عمر أوّل من نهى عن هذا النكاح فسيوافيك بيانه.


1-صحيح مسلم:4/38، باب في المتعة بالحجّ والعمرة من كتاب الحجّ.