welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : متعة النساء في الكتاب والسنة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

متعة النساء في الكتاب والسنة

13

متعة النساء
في الكتاب والسنة

تأليف

الفقيه المحقق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أفضل خلقه وخاتم رسله محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين هم عيبة علمه وحفظة سننه.

أمّا بعد، فانّ الإسلام عقيدة وشريعة، فالعقيدة هي الإيمان باللّه ورسله واليوم الآخر،والشريعة هي الأحكام الإلهية التي تكفل للبشرية الحياة الفضلى وتحقّق لها السعادة الدنيوية والأُخروية.

وقد امتازت الشريعة الإسلامية بالشمول، ووضع الحلول لكافّة المشاكل التي تعتري الإنسان في جميع جوانب الحياة قال سبحانه: (الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِيناً) .(1)


1-المائدة: 3 .


(4)

غير أنّ هناك مسائل فرعية اختلف فيها الفقهاء لاختلافهم فيما أثر عن مبلّغ الرسالة النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، الأمر الّذي أدّى إلى اختلاف كلمتهم فيها، وبما أنّ الحقيقة بنت البحث فقد حاولنا في هذه الدراسات المتسلسلة أن نطرحها على طاولة البحث، عسى أن تكون وسيلة لتوحيد الكلمة وتقريب الخطى في هذا الحقل، فالخلاف فيها ليس خلافاً في جوهر الدين وأُصوله حتّى يستوجب العداء والبغضاء، وإنّما هو خلاف فيما روي عنه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وهو أمر يسير في مقابل المسائل الكثيرة المتّفق عليها بين المذاهب الإسلامية.

ورائدنا في هذا السبيل قوله سبحانه: (وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَ لاَ تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً).(1)

جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


1-آل عمران: 103 .


(5)

تمهيد

الغريزة الجنسية

بين التحديد والإباحة الغربية

العلاقة الجنسية علاقة طبيعية راسخة في وجود كلّ إنسان في مقطع زمنيّ خاص، بنحو لا تجد لها مثيلاً في سائر العلاقات، وفي ظلّها تنفتح مشاعرُ الحب والعطف والحنان وتتعاظم المسؤولية بغية إرساء دعائم الأُسرة التي هي أوّل نواة المجتمع الإنساني الكبير.

إنّ تلبية الغريزة الجنسية تُعدّ من حاجات الإنسان الملحّة، ومن ضروريات الحياة، التي لا يختلف فيه اثنان. وليست حاجتُه إلى الزواج بأقلّ من حاجته إلى الطعام


(6)

والشراب.

إنّ الشريعة الإسلامية بما انّها خاتمة الشرائع، ونبيّها خاتم الأنبياء، وكتابها خاتمة الكتب، قد تناولت هذا الجانب من شخصية الإنسان وأشبعته بسنن وقوانين تنسجم مع سائر غرائزه الكامنة في وجوده.

وقد بلغت عناية الشريعة بالدعوة إلى تلبية الغريزة المذكورة حداً أن عدّ النكاح، سنّة إلهية والإعراض عنه إعراضاً عن الشريعة كما يجسّده حديث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «النكاح سنّتي فمن أعرض عن سنّتي فليس مني».(1)

وهذا يُعرب عن قدسية الزواج في الإسلام وانّه أرفع من أن يكون تبادلاً بين الإنسان والمال كما طاب لبعض الجدد المتأثرين بالغرب أن يسمّيه .(2)

ومهما حرص الإنسان على حياة التبتّل والعزوف عن الزواج، فانّه يظل يشعر بفراغ كبير لا يسدّه شيء سوى


1-جامع أحاديث الشيعة:25/38 رقم36412.
2-الزواج المؤقت عند الشيعة للكاتبة شهلا حائري:45.


(7)

الزواج.

وانطلاقاً من هذه الأهمية فقد شرّع الإسلام قوانين رائعة في تنظيم الغريزة الجنسية وسوقها في الاتجاه الصحيح الذي يكفل للإنسان إشباعها ، بأسلوب يتجاوب مع سائر ميوله و غرائزه ويحفظ له كرامته وشرفه، قال سبحانه: (وَأَنْكِحُوا الأَيامى مِنْكُم وَالصّالِحينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِنْ فضْلِهِ وَاللّهُ واسِعٌ عَليم).(1)

فقد سمح له في غير واحدة من الآيات، أن يلبّي حاجتَه الجنسية بطرق ثلاثة:

1. النكاح الدائم.

2. النكاح المؤقت.

3. ملك يمين.

ومهما يكن من أمر، فالذي دعانا إلى عقد بحث في النكاح المؤقت هو انّ الأخلاّء والألدّاء أجحفوا بحقه في


1-النور:32.


(8)

كتاباتهم.

أمّا الألدّاء فقد نظروا إليه بعين الحقد والحسد، نطرة الضُّرة، إلى الضُّرة ، فصوّروا محاسنه معايب.

وأمّا الأخلاّء فقد أكثروا فيه اللغط والتهويش، وأخذوا بالقضاء والإبرام من دون تدبر وتبصر وعدل وإنصاف، حتّى تجاوز بعضهم وعدّه زواجاً أقرب إلى الدعارة والزنا، ومعنى ذلك انّ صاحب الرسالة ـ والعياذ باللّه ـ رخّص الدعارة في أيام قلائل لأصحابه لأجل إخماد نار الشهوة فيهم «كبرت كلمة تخرج من أفواههم».

فما تنتظر من موضوع، خاض في تحليله وتبيينه العدو للطعن به، والصديق للجهل بحقيقته، أن لا تحوم حوله الشبهات. ولو انّ الصديق درس الموضوع دراسة معمّقة، وأحاط بما ورد فيه في الذكر الحكيم، وأحاديث الرسول لما كان يتفوّه بتلك الكلمة القارصة.

فالذي نشير إليه في هذه العجالة، هو انّ الإسلام عالج مشكلة الغريزة الجنسية بالدعوة إلى النكاح الدائم


(9)

وجعله أساساً في حياة الإنسان، و تلقى هذا النوع من النكاح كأمر ضروريّ وطعام روحيّ لكافة بني الإنسان.

وعلى الرغم من ذلك فقد تطرأ ظروف خاصة لا يتمكن الإنسان خلالها من سلوك الطريق العام (أي النكاح الدائم)، فكان لابدّ للشريعة الإسلامية أن تقول كلمتها في هذا المضمار، من خلال تقنين زواج خاصّ كعلاج مقطعيّ، فمن الخطأ أن نتصور انّ دعوة الإسلام إلى الزواج المؤقت كدعوته إلى الزواج الدائم، كلاّ، فالزواج الدائم تلبية للحاجة الجنسية في عامة مقاطع الحياة .

وأمّا النكاح المؤقت فهو ـ كما عرفت ـ دواء وليس بطعام، علاج لضروريات مقطعية يحول دون انتشار الفساد في المجتمع الإسلامي.

إذ ربما تطرأ على الإنسان ظروف لا يتيسر من خلالها الزواج الدائم، فلا يبقى أمامه سوى الأُمور الثلاثة التالية:

1. كبت جماح الشهوة.

2. التردّد على بيوت الدعارة والفساد.


(10)

3. النكاح المؤقت بالشروط التي وضعها الإسلام.

أمّا الأوّل فمن المستحيل عادة أن يصون به أحد نفسه ـ إلاّ من عصمه اللّه ـ ولا يطرق ذلك الباب إلاّ الأمثل فالأمثل من الناس وأين هو من عامة الناس؟!

وأمّا الثاني ففيه ـ مضافاً إلى هدم الكرامة الإنسانية ـ شيوع الفساد والأمراض وتداخل الأنساب فلم يبق إلاّ الطريق الثالث وهو النكاح المؤقت.

وعلى ذلك فالزواج المؤقت من أروع السنن الإسلامية التي سنّها الإسلام وأراد بها صون كرامة الإنسان.

وقد وقف الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ على عمق المشكلة ، فأدلى بكلمة قيّمة تقرع آذاننا وتُحذِّر المجتمع من تفاقم هذا الأمر عند إهماله لهذا العلاج، وقال: «لولا نهي عمر عن المتعة لما زنى إلاّ شقي أو شقية».

وهنا كلام للمفكّر الإسلامي الشهيد المطهري يقول فيه: «السمة المميزة لعصرنا هي اتساع المسافة الزمنية بين البلوغ الجنسي، والنضج الاجتماعي حين يصبح بمقدور المرء


(11)

تأسيسَ عائلة، فهل بإمكان الشُبّان قضاء فترة من التنسك المؤقت، وتحمّل قيود التقشف القاسية في انتظار تمكنهم من عقد زواج دائم.

و لنفترض انّ هناك شاباً مستعداً لتحمل هذا التنسك المؤقت، فهل ستكون الطبيعة مستعدة ـ عند الامتناع عن النكاح ـ بتحمل تلك العقوبات النفسية الفظيعة والخطرة التي يصاب بها الأشخاص الذين يمتنعون عن ممارسة النشاطات الجنسية الغريزية كما يدل على ذلك اكتشافات علماء النفس الآن.

فعند ذاك انّ أمام الشبان خيارين:

1. إمّا اتّباع النموذج الغربي المنحطّ ـ أعني: الإباحةَ الجنسية ـ القائم على إعطاء الحرية للشبّان والشابات على قدم المساواة.

2. أو الإقرار بشرعية الزواج المؤقت المحدد».

هذا وقد ضمّ بعض فلاسفة الغرب في العصور الأخيرة من الذين اشتهروا بالتحرر من القيود والحرية في الرأي،


(12)

أصواتَهم إلى صوت الإسلام في تشريعه الخالد للنكاح المؤقت.

فهذا هو «راسل» يرى أنّ سنن الزواج قد تأخرت بغير اختيار وتدبير فانّ الطالب كان يستوفي علومه قبل مائة سنة أو مائتي سنة في نحو الثامنة عشرة أو العشرين فيتأهب للزواج في سن الرجولة الناضجة، ولا يطول به عهد الانتظار إلاّ إذا آثر الانقطاعَ للعلم مدى الحياة، وقلّ من يؤثر ذلك بين المئات والأُلوف من الشبان.

أمّا في العصر الحاضر فالطلاب يبدأون التخصص في العلوم والصنائع بعد الثامنة عشرة أو العشرين، ويحتاجون بعد التخرج من الجامعات إلى زمن يستعدون فيه لكسب الرزق من طريق التجارة أو الأعمال الصناعية والاقتصادية. ولا يتسنّى لهم الزواج وتأسيس البيوت قبل الثلاثين، فهناك فترة طويلة يقضيها الشابّ بين سن البلوغ وبين سن الزواج لم يُحسب لها حسابها في التربية القديمة.

وهذه الفترة هي فترة النمو الجنسي، والرغبة الجامحة،


(13)

وصعوبة المقاومة للمغريات، فهل من المستطاع أن نسقط حساب هذه الفترة من نظام المجتمع الإنساني، كما أسقطها الأقدمون وأبناء القرون الوسطى؟

يقول الفيلسوف الآنف الذكر إنّ ذلك غير مستطاع، وإنّنا إذا أسقطناها من الحساب فنتيجة ذلك شيوع الفساد والعبث بالنسل بين الشبان والشابات، وإنّما الرأي عنده أن تسمح القوانين في هذه السن بضرب من الزواج بين الشبان والشابات، لا يَؤودهم بتكاليف الأسرة، ولا يتركهم لعبث الشهوات الموبقات وما يعقبه من العلل والمحرجات. وهذا ما سماه بـ«الزواج بغير أطفال»، وأراد أن يكون عاصماً من الابتذال ومدرّباً على المعيشة المزدوجة قبل السن التي تسمح بتأسيس البيوت.(1)

ولعلّ مراده من قوله: «الزواج بغير أطفال» هو استعمال موانع الحمل ومع ذلك فالالتزام بهذا الشرط أمر ممكن ولكنّه مشكل، وعلى فرض استعماله، فلو أنجبا طفلاً


1-الفلسفة القرآنية لعباس محمود العقاد: 87ـ 88.


(14)

فهو ولد شرعي يلحق بالوالدين.

إنّ الاقتراح الذي عرضه الفيلسوف الإنجليزي هو ما دعا إليه الإسلام منذ أكثر من 14 قرناً، ولكن الإسلام جعله في إطار تقنيني وتشريعي أضفى عليه مزيداً من الروعة والجمال وكمالاً من حيث القيود والشروط.

هذه دراسة موجزة حول النكاح المؤقّت نقدّمها للقراء الكرام راجين أن يُولوا عناية فائقة بهذا الموضوع ويتدارسوه من زوايا مختلفة حتّى تتبين لهم عظمة التشريع الإسلامي وانّ الأغيار جحدوا حقّه، وغيرهم جهلوه وما عرفوه.

واللّه من وراء القصد


(15)

آراء الفقهاء في المتعة

اتّفقت المذاهب الفقهية على أنّ متعة النساء كانت جائزة، أحلّها رسولُ اللّه بوحي منه سبحانه في برهة من الزمن وإنّما اختلفوا في استمرار حلّيتها وكونها منسوخة أم لا؟ فالشيعة الإمامية ولفيف من الصحابة والتابعين على بقاء الحلية خلافاً للمذاهب الأربعة وهي على التحريم.

ومن المعلوم انّ مسألة المتعة مسألة شائكة، يكتنفها شيء من الغموض والإبهام، وليس معنى ذلك أنّ المسألة تفقد الدليل الشرعي من الذكر الحكيم والسنّة المطهرة على حلّيتها بعد رحيل الرسول إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها.

بل يراد من الغموض، هو أنّ الكاتب مهما كان موضوعياً، ربما يُتّهم بالانسياق وراء الشهوات عند الخوض في هذه المسائل.

هذا، مع الاعتراف بأنّ ظاهرة المتعة ليست ظاهرة متفشية بين القائلين بحليتها ـ كما يتصوّرها المغفلون ـ بل تمارس في نطاق ضيق، وفي ظروف معينة.

وتبيين الحقّ يتم ضمن أُمور:


(16)

1

تعريفها ونبذ من أحكامها

الزواج المؤقت عبارة عن تزويج المرأة الحرة الكاملة نفسَها إذا لم يكن بينها وبين الزوج مانع ـ من نسب أو سبب أو رضاع أو إحصان أو عدّة أو غير ذلك من الموانع الشرعية ـ بمهر مسمّى إلى أجل مسمّى بالرضا و الاتفاق، فإذا انتهى الأجل تبين منه من غير طلاق، و يجب عليها بعد الدخول بها ـ إذا لم تكن يائسة ـ أن تعتد عدّة الطلاق إذا كانت ممّن تحيض وإلاّ فبخمسة وأربعين يوماً.

إنّ الزواج المؤقت كالزواج الدائم لا يتم إلاّ بعقد صحيح دالّ على قصد الزواج جدّاً ، وكلّ مقاربة تحصل بين رجل وامرأة من دون عقد فلا تكون متعة حتّى مع التراضي والرغبة، ومتى تم العقد كان لازماً يجب الوفاء به.


(17)

نبذ من أحكامها

إنّ أكثر الإشكالات التي تُثار على زواج المتعة نابعة من عدم الوقوف على حقيقتها وآثارها وأحكامها، فلنذكر شيئاً موجزاً منها حتّى يتبين انّ بين المتعة والسفاح بعد المشرقين.

إنّ لنكاح المتعة أحكاماً مشتركة بينه و بين النكاح الدائم، كما أنّ له أحكاماً خاصّة، وقد بسطنا الكلام في كلا القسمين من أحكامها في كتابنا «نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغرّاء» فمن أراد التفصيل فليرجع إليه.(1) وها نحن نذكر شيئاً من أحكامها المشتركة والمختصة، والفقيه العارف يميّز المشترك من المختص.

للنكاح المنقطع أركان أربعة:

أ ـ الصيغة. ب ـ المحل. ج ـ الأجل. د ـ المهر.

الف: الصيغة

وهي الإيجاب والقبول، ويكفي في الإيجاب أحد


1-نظام النكاح:2/47ـ 108.


(18)

الألفاظ الثلاثة: زوجتك ومتّعتك وأنكحتك، ويكفي في القبول كلّ لفظ دالّ على الرضا بذلك الإيجاب كقوله: قبلت النكاح أو المتعة.

ب: المحل

وهو الزوج والزوجة ويشترط فيهما ما يشترط في النكاح الدائم إلاّ ما استثني، فيشترط أن تكون الزوجة مسلمة ويجوز أن تكون كتابية على القول الأشهر بين الفقهاء.

وأمّا المسلمة فلا تتمتع إلاّ بالمسلم خاصة.

ولا يدخل على الزوجة المنقطعة بنت أُختها، ولا بنت أخيها إلاّ بإذنها، ولو فعل توقّف على إذنها، فإن ردت، بطل العقد .

ج: المهر

المهر ركن في عقد المتعة، يبطل العقد بعدم ذكره في العقد ويشترط أن يكون مملوكاً معلوماً، إمّا بالكيل أو الوزن أو المشاهدة و الوصف.


(19)

ولو وهب الزوج المدة لها قبل الدخول، لزمه النصف; ولو دخل استقرّ المهر كله.

د: الأجل

وهو ركن من عقد المتعة، ولو ترك الأجل فهنا قولان: يبطل، و قيل ينقلب العقد دائماً، ولابد أن يكون معيناً محروساً من الزيادة والنقصان.

يجوز العزل من المتمتع بها ولا يقف على إذنها خلافاً للدائمة فلا يجوز العزل إلاّ بإذنها.

وتبين المتمتع بها بانقضاء الأجل ولا يقع بها طلاق ولا يتوارثان إلاّ مع الشرط في متن العقد.

المتعة كالدوام فيما يحرم بالمصاهرة، فلو عقد على امرأة تمتعاً، حرمت عليه أُمّها مطلقاً، وبنتها مع الدخول، وهكذا سائر المحرمات المذكورة في باب التحريم بالمصاهرة.

وإذا دخل بها وانقضى أجلها فإن كانت من ذوات الحيض، وجب عليها الاعتداد بحيضتين، وإن لم تكن من


(20)

ذوات الإقراء، وهي في سنهنّ اعتدّت بخمسة وأربعين يوماً، وإن لم يكن دخل بها فلا عدّة عليها.

ولو مات عنها في الأجل اعتدّت بأربعة أشهر وعشرة أيّام، سواء دخل بها أو لا إن كانت حائلاً، وقيل شهران وخمسة أيّام، و إن كانت حاملاً اعتدت بأبعد الأجلين، ولو كانت أمة اعتدت حائلاً بشهرين وخمسة أيّام.(1)

والغرض من ذلك هو الإشارة إلى أنّ نكاح المتعة نكاح حقيقي، وهو كالنكاح الدائم في عامّة الأحكام إلاّ ما خرج بالدليل، وأهمّ الفروق عبارة عن:

1. الزوجة الدائمة تفارق بالطلاق و هذه تفارق بانقضاء الأجل.

2. الزوجة الدائمة يُنفق عليها، دونها.

3. الزوجة الدائمة ترث زوجها وهو يرثها، دونها.

4. انّ الدائم إذا طلقت تعتد بثلاثة أشهر أو بثلاث حيضات وهي تعتد بحيضتين أو خمسة وأربعين يوماً.


1-شرائع الإسلام:2/307; تحرير الأحكام:3/526.


(21)

وهذه الفروق الضئيلة لا تخرجها عن كونها زوجة، لها من الأحكام ما لغيرها ، مثلاً يقول سبحانه: (وَالّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُون* إِلاّ عَلى أَزواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومين)(1)والمتزوجة متعة داخلة في قوله سبحانه: (إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ) فهي زوجة حقيقة، لها من الأحكام ما للزوجة الدائمة إلاّ ما استثني بالدليل كما عرفت. وانتفاء بعض الأحكام أو تخصيصها في مورد المؤقتة، لا يسلب عنها عنوان الزوجيّة، وسيوافيك انّ الدائمة أيضاً تبين أحياناً بلاطلاق، أو لا ترث أو لا يَرثُها زوجها، أو لا يُنفق عليها فانتظر.


1-المؤمنون:5ـ6


(22)

2
الزواج المؤقت في صدر الإسلام

بزغت شمس الإسلام وكانت المتعة أمراً رائجاً بين الناس غير انّ الإسلام حدَّ لها حدوداً و جعل لها شروطاً كما مرّ، ويكفيك في ذلك دراسة تاريخها وذلك بملاحظة ما يلي:

1. ما رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانت متعة النساء في أوّل الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس معه من يصلح له ضيعته ولا يحفظ متاعه، فيتزوج المرأةَ إلى قدر ما يرى أنّه يفرغ من حاجته، فتنظر له متاعه وتصلح له ضيعته.(1)

2. أخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس


1- الدر المنثور:2/139ـ 140.


(23)

قال: كانت المتعة في أوّل الإسلام... فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج بقدر ما يرى أنّه يفرغ من حاجته لتحفظ متاعه وتصلح له شأنه.(1)

3. أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: كنّا نغزو مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وليس معنا نساؤنا فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك ورخص لنا أن نتزوج المرأة بالثوب إلى أجل، ثمّ قرأ عبد اللّه (يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا لاتُحرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللّهُ لَكُم)(2).(3)

4. أخرج عبد الرزاق وأحمد ومسلم عن سبرة الجهني قال: أذن لنا رسول اللّه عام فتح مكة في متعة النساء فخرجت أنا ورجل من قومي ولي عليه فضل في الجمال وهو قريب من الدمامة....(4)


1- الدر المنثور:2/139ـ 140.
2-المائدة:87.
3- صحيح البخاري:7/4، باب ما يكره من التبتل و الخصاء من كتاب النكاح.
4-الدر المنثور:2/140.


(24)

6. أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن جابر بن عبد اللّه وسلمة بن الأكوع، قال: كنّا في جيش فأتانا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: إنّه قد أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا.(1)

7. أخرج مسلم في صحيحه بسنده: خرج علينا منادي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد أذن لكم أن تستمتعوا، يعني متعة النساء.(2)

8. أخرج مسلم في صحيحه أيضاً بسنده عن سلمة بن الأكوع، وجابر بن عبد اللّه انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أتانا فأذن لنا في المتعة.(3)

والأحاديث الأخيرة ـ بشهادة ما تقدّمها ـ تكشف عن كون الاستمتاع بالمرأة في ظروف خاصة لغايات عقلائية كان أمراً معروفاً، والنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أرشد بإذنه إليه لا انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ابتكره.

فإذا كان مثل هذا الزواج أمراً رائجاً بين الناس في عصر الرسالة فلا منتدح للشارع إلاّ أن يتعرّض له من خلال الإمضاء أو الرد ولا يصحّ غض النظر عنه، بعد وضوح عدم


1-صحيح مسلم:4/130ـ131، باب نكاح المتعة.
2-صحيح مسلم:4/130ـ131، باب نكاح المتعة.
3-صحيح مسلم:4/130ـ131، باب نكاح المتعة.


(25)

كونه من قبيل السفاح، وإلاّ فمن المستحيل أن يحلله النبي ولو في فترة خاصة (قُل إِنَّ اللّهَ لا يأمُرُ بِالفَحشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمُون).(1)


1-الأعراف:28.


(26)

3

الزواج المؤقت

في الذكر الحكيم

قد سبق انّ المتعة كانت أمراً رائجاً بين الناس وانّه لا محيص للشارع من بيان حكمها إمضاءً أو ردّاً، و من حسن الحظ انّ الذكر الحكيم حسب نظر مشاهير المفسرين تعرض لها بالإمضاء(وإن ادّعى بعضهم كونها منسوخة) وذلك في قوله سبحانه:

1. (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأخَواتُكُمْ) ـ إلى أن قال سبحانه: (وَأَن ْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كانَ غَفُوراً رَحيماً).(1)


1-النساء:23.


(27)

2. (وَالْمُحْصناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنينَ غَيْرَ مُسافِحينَ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَريضَةِ إِنَّ اللّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً).(1)

3. (وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِنات).(2)

تفسير الآيات الثلاث

هذه الآيات الثلاث تحدد ما هو الحرام والحلال في أمر النساء.

أمّا الآية الأُولى وصدر الآية الثانية ، فيبيّنان ما هو الحرام من نكاح النساء، و هو عبارة عن:


1- النساء:24.
2- النساء:25.


(28)

1. الأُمّهات، 2. البنات، 3. الأخوات، 4. العمّات، 5. الخالات، 6. بنات الأخ، 7. بنات الأُخت، 8. الأُمّهات المرضعة، 9. الأخوات من الرضاعة، 10. أُمّهات النساء، 11. الربائب التي دُخل بأُمّهاتهن، 12. حلائل الأبناء، 13. الجمع بين الأُختين، 14. النساء المتزوجات، وقد أشار إلى الأخير في أوائل الآية الثانية وقال: (وَالْمُحْصناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) والمحصنات جمع المحصنة وهي المتزوجة فهي محرمة لمكان زوجها إلاّ صورة واحدة أخرجت بقوله: (إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ).

و أمّا ما هو المراد من هذا الاستثناء ففيه خلاف بين المفسرين فليرجع إلى محله.

إلى هنا تمّ بيان ما هو الحرام من نكاح النساء و قد أنهاها التشريع القرآني إلى 14، وبه تمّ تفسير الآية الأُولى وجزء من الآية الثانية التي عطف فيها «المحصنات» ذوات الأزواج إلى المحرمات.

وأمّا بقية الآية فقد ابتدأ بقوله:(وَأُحلّ لكم ما وراء )


(29)

ذلكم أَن تَبْتَغُوا بأَمولكم مُحصنين غير مُسافِحين فَما استمتَعْتُم بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجورهنّ فَريضةً وَلا جُناح عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الفَريضة).

فلنأخذ بتفسيرها ضمن مقاطع:

1. (وأُحل لَكُمْ ما وَراء ذَلكُم): المرادمن الموصول هو النساء غير المذكورات ولا غرو في استعمال ما مكان «من» كما في قوله سبحانه: (فَانكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثنى و ثُلاث وَرُبَاع).(1)

قوله ذلكم مركّب من (ذا) و (كم) و الأوّل للإشارة إلى ما سبق و الثاني خطاب للمؤمنين كافة، والمراد أحل لكم ما وراء المذكورات من النساء أيّها المؤمنون. و أمّا ما هو الوجه في استعمال «ذا» مكان «ذي» فليطلب من محلّه.

2. (أَن تَبتَغُوا بأَموالِكُم ) هو بدل البعض من الكل أو عطف بيان من قوله (ما وراء ذلكُم) وقد حذف مفعوله،


1-النساء:3.


(30)

ولعله نكاح النساء: أي تبتغوا بأموالكم نكاح النساء. وعلى أي تقدير فالجملة تبين الطريق المشروع في نكاح النساء غير المذكورات وانّه يجوز لكم نكاح النساء بصرف المال. و مصاديقه في بادي النظر تنحصر في ثلاثة:

أ. النكاح بأُجرة.

ب. نكاح الأمة.

ج. السفاح و هو الزنا.

3. (محصنين غير مسافحين): أي أن تطلبوا بأموالكم نكاح النساء في حال انّكم تريدون العفة لا السفاح والزنا ومعنى الجملة: متعفّفين، لا زانين وبذلك حرم القسم الثالث، وانّه ليس للمسلم أن يبتغي بأمواله مباشرة النساء عن طريق السفاح والزنا.

وتنحصر الحلية في القسمين الآخرين وهو نكاح الحرة ونكاح الأمة.

4. (فما استمتعتم به منهنّ فآتوهُن أُجورهن فريضة): وهذا المقطع يشير إلى نكاح الحرة كما أنّ الآية الثالثة تشير إلى


(31)

نكاح الإماء(1) وبما انّ نكاح الأَمَة خارج عن محل البحث، فلا نذكر فيه شيئاً، والمهم هو تفسير ما يرجع إلى نكاح الحرائر الوارد في قوله سبحانه:(فما استمتعتم به منهنّ فآتوهُن أُجورهن ) وهذا المقطع من الآية هو بيت القصيد في المقام من دون فرق بين كون (ما) «فما استمتعتم» شـرطيـة أو موصولـه عائدها هـو الضمير في لفظة «بـه» وعندئـذ يقـع الكلام في أنّ المراد منه هو النكاح الدائم أو النكاح المؤقت، والإمعان في القرائن الخارجية والقرائن المحتفة بالآية يعين الثاني ولا يبقى مجال لإرادة المعنى الأوّل، وإليك القرائن المعينة للمقصود.

القرينة الأُولى: الاستمتاع هو العقد على المتمتع بها

إنّ لفظ الاستمتاع ـ يوم نزول الآيةـ كان منصرفاً إلى عقد المتعة والزواج المؤقت على النحو الذي مرّ في أوّل البحث لا التلذذ والجماع وإن كان يطلق عليه أيضاً كقوله سبحانه:


1-أي قوله سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطع منكم أنْ يَنكح المحصنات...) .


(32)

(رَبّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْض)(1) ويرشدك إلى ما ذكرناه أمران:

1. تعابير الصحابة حيث يعبرون عن نكاح المتعة بلفظة «الاستمتاع».

أخرج مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد اللّه، قال: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول اللّه و أبي بكر حتّى ـ ثمة ـ نهى عنه عمر.(2)

أخرج مالك عن عروة بن الزبير انّ خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب، فقالت: إنّ ربيعة بن أُمية استمتع بامرأة مولّدة فحملت منه، فخرج عمر يجرّ رداءه فزعاً، فقال: هذه المتعة لو كنت تقدمت فيه لرجمته.(3)

إلى غير ذلك من الروايات والآثار التي ورد فيها الاستمتاع بصوره المختلفة وأريد به نكاح المتعة والعقد على امرأة بأجل مسمّى وأُجرة مسمّاة.


1-الأنعام:128.
2-صحيح مسلم:4/131، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.
3-الموطأ:2/30; سنن البيهقي:7/206.


(33)

2. انّ المراد من الاستمتاع في الآية هو العقد لا الاستمتاع بمعنى الانتفاع والتلذذ، بشهادة ترتب دفع الأُجرة على الاستمتاع ترتّبَ الجزاء على الشرط ويقول (فما استمتعتم به منهنّ فآتوهن أُجورهن)فلو أُريد من الاستمتاع هو العقد لصحّ الترتب، لأنّ المهر كلّه يجب بمجرد العقد من غير فرق بين الدائم والمؤقت غاية الأمر يسقط النصف بالطلاق قبل الدخول في العقد الدائم، و بانقضاء المدة قبله في المؤقت.

وأمّا لو أُريد من الاستمتاع هو التلذذ والانتفاع فلا يصحّ الترتب، لأنّ الأُجرة تلزم على الزوج قبل الاستمتاع، فالزوج يكون مكلّفاً بدفع المهر كلّه. سواء أكان هناك تلذذ أو لا، كلّ ذلك يؤيد أنّ المراد من الاستمتاع هو العقد.

قال الطبرسي:إنّ لفظ الاستمتاع، و التمتع وإن كان في الأصل واقعاً على الانتفاع والالتذاذ، لكنّه صار بعرف الشرعمخصوصاًبهذاالعقدالمعيّن،لاسيماإذاأضيفإلى النساء. فعلى هذا يكون معناه فمتى عقّدتم عليهن هذا


(34)

العقد المسمّى متعة فآتوهن أجورهن.

ويدلّ على ذلك انّ اللّه علّق وجوب إعطاء المهر بالاستمتاع وذلك يقتضي أن يكون معناه، هذا العقد المخصوص دون الجماع والاستلذاذ، لأنّ المهر لا يجب إلاّ بالعقد.(1)

ولعلّ الزمخشري يرى أنّ وجوب المهر لا يتوقف على الاستمتاع، عطف العقد على الجماع، و قال «فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو خلوة صحيحة أو عقد عليهن».(2)

القرينة الثانية: الحمل على غير المتعة يستلزم التكرار

يجب علينا إمعان النظر فيما تهدف إليه جملة: (فما استمتعتم به منهنّ فآتُوهنّ أُجورهنّ)، و هنا ثلاثة احتمالات:

أ. تحليل النكاح الدائم.


1-مجمع البيان:2/32، ط صيدا.
2-الكشاف:1/391، في تفسير الآية.


(35)

ب. التأكيد على دفع المهر بعد الاستمتاع.

ج. نكاح المتعة.

أمّا الأوّل فالحمل عليه يوجب التكرار بلا وجه، لأنّه سبحانه بيّن حكمه في الآية الثالثة من تلك السورة، قال سبحانه: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثنَى وثُلاثَ ورُباعَ فإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدة).(1)

وأمّا الثاني فهو مثل الأوّل، حيث بيّنه في الآية الرابعة من هذه السورة وقال: (وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً)(2) بل بينه في آيتين أُخريين أعني قوله: (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتتَيْتُمُوهُنّ).(3)

وقال سبحانه: (وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبدالَ زَوج مَكان زَوج )


1-النساء:3.
2-النساء:4.
3-النساء:19.


(36)

وَآتَيْتُمْ إِحداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئاً أَتأْخُذُونَهُ بُهتاناً وَإِثماً مُبِيناً).(1)

فلم يبق من الوجوه المحتملة التي تهدف إليها الجملة إلاّ نكاح المتعة .

القرينة الثالثة: الجملتان المتقدّمتان

إنّ في الجملتين المتقدّمتين على قوله: (فما استمتعتم به...) أعني:

1. (أن تبتغوا بأموالكم).

2. (محصنين غير مسافحين).

إشارة إلى الزواج المؤقت وانّ المراد من الاستمتاع هو نكاح المتعة والعقد على المتمتع بها.

أمّا الجملة الأُولى فتدلّ على أنّها بصدد بيان النكاح الذي يُبتغى بالأموال على نحو يكون فيه للمال (الصداق) دور كبير، بحيث لولاه لبطل، وليس هو إلاّ نكاح المتعة الذي


1-النساء:20.


(37)

عرف بأنّه: «أجل مسمّى وأجر مسمّى» فالأجر في نكاح المتعة ركن ولولاه لبطل(1) بخلاف النكاح الدائم إذ لا يجب فيه ذكره، يقول سبحانه: (لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَريضَةً)(2) ولذلك قالوا يُستحبّ أن لا يعرى النكاح عن تسمية الصداق، لأنّ النبي كان يزوّج بناته وغيرهن ويتزوج فلم يكن يخلي ذلك من صداق.(3)

أمّا الجملة الثانية فاللّه سبحانه يؤكد قبل الأمر بعقد الاستمتاع على كون الزوجين ـ محصنين غير مسافحين ـ أي أن يكون اللقاء بنيّة التعفّف لا الزنا، وبما انّ عقد المتعة قد ينحرف عن مجراه ومسيره الصحيح فيتخذ لنفسه لون السفاح لا الزواج، أمر سبحانه بأن يكون الهدف هو الزواج لا السفاح.


1- وقد مرّ عند بيان أحكام نكاح المتعة، انّه لو نسي ذكر المهر أو لم يذكره بطل العقد، فنكاح المتعة من أوضح مصاديق قوله سبحانه (أن تبتغوا بأموالكم).
2-البقرة:236 .
3-المغني:7/136.


(38)

وبما انّ نكاح الإماء أيضاً مظنة لذلك الأمر إذ الغالب على الإماء هو روح الابتذال، قيّد سبحانه نكاح الإماء في الآية الثالثة بقوله: (مُحصَنات غَيْرَ مُسَافِحات وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدَان).(1)

فافتتاح الكلام بجملتين حاملتين مفهوم المتعة قرينة على أنّ المراد من قوله: (فَما استمتعتم) عقد النكاح كما أنّ هاتين الجملتين بما انّهما تحملان مفهوم نكاح المتعة سوّغ دخول الفاء على قوله: (فما استمتعتم به منهن) لأنّ فاء التفريع لا تستعمل إلاّ إذا سبق الكلام فيه ولو إجمالاً.

القرينة الرابعة: تفسيره في لسان الصحابة بنكاح المتعة

فسّر لفيف من الصحابة والتابعين قوله: (فما استمتعتم به منهن) بنكاح المتعة، نذكر منهم ما يلي:

1. أخرج الحاكم وصحّحه من طرق عن أبي نضرة قال ابن عباس«فما استمتعتم به منهنّ» «إلى أجل مسمّى» فقلت


1-النساء:25.


(39)

ما نقرأها كذلك، فقال ابن عباس: واللّه لأنزلها اللّه كذلك.(1)

2. أخرج عبد بن حميد و ابن جرير عن قتادة في قراءة أُبيّ بن كعب«فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى».(2)

3. أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن سعيد بن جبير، قال: في قراءة أُبيّ بن كعب «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى».(3)

وظهور هذه الروايات في كون قوله «إلى أجل مسمّى» جزءاً من الآية، محمول على تأويل الآية وتحقيق معناها. وإلاّ فالقرآن مصون من التحريف والنقص والزيادة.

4. أخرج عبد بن حميد و ابن جرير عن مجاهد: فما استمتعتم به منهن، قال: يعني نكاح المتعة. (4)

5. أخرج الطبري عن السدي قال: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى فآتوهن أُجورهن فريضة قال: فهذه المتعة، الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمّى ويشهد


1-الدر المنثور:2/484ـ 488.
2-الدر المنثور:2/484ـ 488.
3-الدر المنثور:2/484ـ 488.
4-انظر الدر المنثور:2/484ـ 488 ولاحظ تفسير الطبري:5/8ـ10.


(40)

شاهدين وينكح بإذن وليها وإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل وهي منه برية وعليها أن تستبرئ ما في رحمها وليس بينهما ميراث ليس يرث واحد منهما صاحبه.(1)

6. أخرج الإمام أحمد باسناد رجاله كلّهم ثقات عن عمران بن الحصين، قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه وعملنا بها مع رسول اللّه فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي حتّى مات.(2)

7. أخرج الطبري في تفسيره باسناد صحيح عن شعبة عن الحكم قال: سألته عن هذه الآية أمنسوخة هي؟ قال: لا.(3)

8. أخرج البيهقي عن أبي نضرة عن جابر قال: قلت: إنّ ابن الزبير ينهى عن المتعة وانّ ابن عباس يأمر بها، قال: على يدي جرى الحديث تمتعنا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومع أبي بكر


1-تفسير الطبري:5/8ـ10.
2-مسند أحمد:4/446.
3-تفسير الطبري:5/9.


(41)

فلمّا ولي عمر خطب الناس: إنّ رسول اللّه هذا الرسول، و إنّ القرآن هذا القرآن، وإنّهما كانتا متعتان على عهد رسول اللّه وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: إحداهما متعة النساء ولا أقدر على رجل تزوج امرأة إلى أجل إلاّ غيّبته بالحجارة، والأُخرى متعة الحجّ.(1)

إلى غير ذلك من الروايات الواردة حول تفسير الآية الحاكية عن استمرار الحلية أو منسوخيتها، فانّ النسخ فرع القول بدلالتها على نزولها في نكاح المتعة من الصحابة والتابعين وفي مقدمهم الإمام أمير المؤمنين و أهل بيته، فقد فسروا الآية بنكاح المتعة.


1-سنن البيهقي:7/206.


(42)

القرينة الخامسة: اتّفاق أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ على نزول الآية في المتعة

اتّفق أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ على نزول الآية في نكاح المتعة، والروايات عنهم متضافرة أو متواترة، نكتفي بالقليل منها:

1. أخرج الكليني عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر عن المتعة فقال: نزلت في القرآن (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أُجورهن فريضة).(1)

2. أخرج الكليني عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: سمعت أبا حنيفة يسأل أبا عبد اللّه عن المتعة، فقال : «عن أي المتعتين تسأل؟» فقال: سألتك عن متعة الحجّ فأنبئني عن متعة النساء أحق هي؟ فقال:«سبحان اللّه أما تقرأ كتاب اللّه (فما استمتعتم به منهن فاتوهن أُجورهن فريضة) فقال أبو حنيفة: واللّه كأنّها آية لم أقرأها قط.(2)


1-الكافي:5/448ـ449، أبواب المتعة، الحديث1و6.
2-الكافي:5/448ـ449، أبواب المتعة، الحديث1و6.


(43)

القرينة السادسة: تصريح الصحابة بالحلّية

لا شكّ انّ من سبر تاريخ المسألة في عصر ظهور الاختلاف في استمرار الحلّية وعدمها، يقف على أنّ الصحابة قالوا بحلّية المتعة سواء أقالوا ببقائها واستمرارها أم ذهبوا إلى منسوخيتها، و كان أفضل مصدر لقولهم، هو نفس الآية مضافاً إلى تقرير النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وقد عرفت فيما سبق أسماء لفيف من الصحابة فسروا الآية بنكاح المتعة، ونأتي الآن بأسماء من قالوا بحلية المتعة وإن لم يصرحوا بمصدر فتواهم. وقد ذكرهم ابن حزم في «المحلّى».

قال:ولا يجوز نكاح المتعة وهو النكاح إلى أجل وكان حلالاً على عهد رسول اللّه ثمّ نسخها اللّه تعالى على لسان رسوله نسخاً باتاً إلى يوم القيامة، وقد ثبت على تحليلها بعد رسول اللّه جماعة من السلف رضي اللّه عنهم، منهم من الصحابة رضي اللّه عنهم: أسماء بنت أبي بكر الصديق، و جابر بن عبد اللّه، و ابن مسعود، وابن عباس، و معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن حريث ، و أبو سعيد الخدري، و سلمة


(44)

و معبد أبناء أُمية بن خلف، و رواه جابر بن عبد اللّه عن جميع الصحابة مدة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و مدة أبي بكر و عمر إلى قرب آخر خلافة عمر، واختلف في إباحتها عن ابن الزبير، وعن علي فيها توقف وعن عمر بن الخطاب انّه إنّما أنكرها إذا لم يشهد عليها عدلان فقط و أباحها بشهادة عدلين.

ومن التابعين: طاووس و عطاء و سعيد بن جبير و سائر فقهاء مكة.(1)

وقد اعتمد السيد المرتضى على قول هؤلاء في رد من سخر من الشيعة، حيث قال الساخر:

قول الروافض نحن أطيبُ مولد * قـول أتى بخـلاف قـول محمـد

نكحوا النساء تمتعا فولدن مـن * ذاك النكـاح فأين طيب المـولـد

إنّ انتماء شيعة أهل البيت بطيب المولد يرجع إلى أُمور أُخرى ولا يمتّ بكونهم مواليد نكاح المتعة، فانّ نكاح المتعة ـ


1-المحلى:9/519ـ520.


(45)

على الرغم من اتّفاقهم على حلّيته ـ بينهم قليل جداً، كما هو واضح لمن عاشرهم.

وإليك جواب السيد المرتضى :

انّ التمتع سنَّة مفروضة * ورد الكتابُ بها وسنة أحمد

وروى الرواةُ بأنّ ذلك قد جرى * من غير شك في زمان محمد

ثمّ استمرّ الحالُ في تحليلها * قد صحّ ذلك في الحديث المسندِ

عن جابر و عن ابن مسعود التقي * وعن ابن عباس كريم المولد

حتّى نهى عمرٌ بغير دلالة * عنها فكدّر صفوَ ذاك المورد

لا بل مواليد النواصب جدّدت * دينَ ا لمجوس فأين دين محمد

وقد وقفت على ما روي عن ابن عباس و ابن مسعود


(46)

في استمرار حلّيتها، و إليك ما روي عن جابر في صحيح مسلم.

أخرج مسلم في صحيحه عن أبي نضرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد اللّه، فقال: على يديَ دار الحديثُ تمتعنا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فلما قام عمر، قال: إنّ اللّه كان يُحل لرسوله ما شاء بما شاء و انّ القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحجّ والعمرة للّه كما أمركم اللّه وأبتُّوا نكاح هذه النساء فلئن أُوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته بالحجارة.(1)

فبالتمسك بقوله سبحانه: (فأتموا الحجّ والعمرة للّه)حرّم فصل العمرة عن الحجّ بالتحليل بينهما. وبالتالي أنكر حجّ التمتع.

وبقوله: «ابتُّوا نكاح هذه النساء» أنكر نكاح المتعة.

وأمّا انّ عمر أوّل من نهى عن هذا النكاح فسيوافيك بيانه.


1-صحيح مسلم:4/38، باب في المتعة بالحجّ والعمرة من كتاب الحجّ.


(47)

4

المتعة في السنّة النبوية

قد تعرفت على دلالة الـذكـر الحكيـم على حلّيـة المتعـة واستمرارها إلى يومنا هذا، وآن الأوان للبحث فيهـا على ضوء السنّة النبوية، التـي مضى شطر منها عنـد تفسير الآيـة مـن قِبـل الصحابـة والتـابعين، ولنذكـر من الروايات ما يـدلّ على حليّــة المتعة واستمرارها من الصحاح والمسانيد:

1. أخرج الحفاظ عن عبد اللّه بن مسعود انّه قال: كنّا نغزو مع رسول اللّه وليس لنا نساء فقلنا: يا رسول اللّه ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك ثمّ رخص لنا أن ننكح بالثوب إلى أجل ثمّ قرأ علينا : (يا أيّها الذين آمنوا لا تحرموا طيّبات ما )


(48)

أحلّ اللّه لكم).(1)

وغرضه من تلاوة الآية هو الإطاحة بقول من حرّمها من غير دليل، فنكاح المتعة عند ابن مسعود من الطيبات التي أحلّها اللّه سبحانه، وليس لأحد تحريم الطيبات.

2. أخرج مسلم عن جابر بن عبد اللّه وسلمة بن الأكوع، قال: خرج علينا منادي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فقال: إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد أذن لكم أن تستمتعوا (يعني: متعة النساء).وفي لفظ: إنّ رسول اللّه أتانا فأذن لنا في المتعة.(2)

3. أخرج مسلم عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد اللّه يقول: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسولاللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و أبي بكر حتّى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث.(3)


1- صحيح البخاري:7/4، باب ما يكره من التبتل والخصاء من كتا ب النكاح; صحيح مسلم:4/130، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.
2-المصدر السابق، وانظر صحيح البخاري:7/13، باب نهي الرسول عن نكاح المتعة من كتاب النكاح.
3-صحيح مسلم:4/131، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.


(49)

4. أخرج مسلم في صحيحه عن أبي نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد اللّه، فأتاه آت فقال ابن عباس و ابن الزبير اختلفا في المتعتين ، فقال جابر: فعلناهما مع رسول اللّه ثمّ نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما.(1)

5. أخرج الترمذي انّ رجلاً من أهل الشام سأل ابن عمر عن المتعة، فقال: هي حلال، فقال الشامي: إنّ أباك قد نهى عنها؟ فقال ابن عمر: أرأيت إن كان أبي قد نهى عنها وقد صنعها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أأمر أبي نتّبع أم أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(2)

6. أخرج مسلم في صحيحه عن عروة بن الزبير انّ عبد اللّه بن الزبير قام بمكة فقال: إنّ ناساً أعمى اللّه قلوبهم كما أعمى أبصارهم يُفتون بالمتعة يُعرّض برجل (ابن عباس) فناداه فقال: إنّك لجلف جاف، فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين(يريد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ) فقال له ابن الزبير: فجرّب بنفسك، فواللّه لئن فعلتها لأرجمنّك


1-صحيح مسلم:4/131، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.
2-سنن الترمذي:3/186برقم 824.


(50)

بأحجارك.(1)

والعجب من ابن الزبير حيث يرجم من ينكح نكاح المتعة ـ تبعاً لسلفه ـ مع أنّ الحدود تُدرأ بالشبهات، فالفاعل يعتقد بكونه نكاحاً حلالاً لا سفاحاً، وله من الكتاب والسنّة دليل ومع هذه الشبهة كيف يُرجم إلاّ أن يكون غرضه التهديد والتخويف.

7. أخرج مسلم عن ابن شهاب انّه قال: فأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف اللّه انّه بينا هو جالس عند رجل جاءه رجلٌ فاستفتاه في المتعة فأمره بها، فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: مهلاً ما هي واللّه لقد فُعِلتْ في عهد إمام المتقين.(2)

8. أخرج أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن نعيم الأعرجي قال: سأل رجل ابن عمر في المتعة ـ وأنا عنده ـ متعة النساء، فقال: واللّه ما كنّا على عهد رسول اللّه زانين ولا


1-صحيح مسلم:4/133، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.
2-صحيح مسلم:4/133ـ 134، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.


(51)

مسافحين.(1)

9. أخرج أحمد في مسنده عن ابن الحصين انّه قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه تبارك و تعالى وعملنا بها مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتّى مات.(2)

10. روى ابن حجر عن سمير(لعلّه سمرة بن جندب) قال: كنّا نتمتع على عهد رسول اللّه.(3)

ولنقتصر على هذا المقدار، وقد تعرفت على أسماء المحلّلين للمتعة من الصحابة والتابعين في كلام ابن حزم في «المحلّى».(4)

قال أبو عمر (صاحب الاستيعاب): أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلّهم يرون المتعة حلالاً على مذهب ابن عباس و حرمها سائر الناس.(5)


1-مسند أحمد:2/95.
2-مسند أحمد:4/436.
3-الاصابة:2/181.
4-لاحظ ص43 من هذه الرسالة.
5- تفسير القرطبي:5/133.


(52)

وقال القرطبي في تفسيره : أهل مكة كانوا يستعملونها كثيراً.(1)

وقال الرازي في تفسيره: ذهب السواد الأعظم من الأُمّة إلى أنّها صارت منسوخة، وقال السواد منهم إنّها بقيت كما كانت .(2)

وهذه الكلمات المنثورة في الكتب والتي تجد لها نظائر كثيرة تُثبت انّ المتعة كانت أمراً حلالاً في عهد رسول اللّه ودامت إلى شطر من خلافة عمر، فمن حاول إثبات النسخ فعليه أن يأتي بدليل قاطع يصلح لنسخ القرآن الكريم، فانّ خبر الواحد لا يُنسخ به القرآن، والقرآن دليل قطعي لا ينسخ إلاّ بدليل قطعي.

والذي يعرب عن عدم وجود الناسخ هو انّ التحريم يُسنَدُ إلى عمر وانّه هو المحرم كما سيوافيك لفظه، فلو كان هناك تحريم من رسول اللّه لما أسند عمر التحريم إلى نفسه!!


1-تفسير القرطبي:5/132; فتح الباري:9/142.
2-تفسير الرازي:10/53.


(53)

قال الرازي: إنّ الأُمّة مجمعة على أنّ نكاح المتعة كان جائزاً في الإسلام ولا خلاف بين أحد من الأُمّة فيه إنّما الخلاف في طريان الناسخ، فنقول: لو كان الناسخ موجوداً، لكان ذلك الناسخ إمّا أن يكون معلوماً بالتواتر أو بالآحاد، فإن كان معلوماً بالتواتر، كان علي بن أبي طالب وعبد اللّه بن عباس وعمران بن الحصين منكرين لما عرف ثبوته بالتواتر من دين محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وذلك يوجب تكفيرهم، وهو باطل قطعاً، وإن كان ثابتاً بالآحاد فهذا أيضاً باطل، لأنّه لما كان ثبوت إباحة المتعة معلوماً بالإجماع والتواتر، كان ثبوته معلوماً قطعاً، فلو نسخناه بخبر الواحد لزم جعل المظنون رافعاً للمقطوع وانّه باطل.

قالوا: وممّا يدلّ أيضاً على بطلان القول بهذا النسخ، إنّ أكثر الروايات انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، وأكثر الروايات انّه عليه الصلاة والسلام أباح المتعة في حجّة الوداع وفي يوم الفتح، وهذان اليومان متأخران عن يوم خيبر، وذلك يدلّ على فساد ما روي انّه ـ عليه السَّلام ـ نسخ المتعة يوم خيبر، لأنّ الناسخ يمتنع تقدّمه على المنسوخ،


(54)

وقول من يقول: إنّه حصل التحليل مراراً والنسخ مراراً ضعيف، لم يقل به أحد من المعتبرين ، إلاّ الذين أرادوا إزالة التناقض عن هذه الروايات.(1)

وسيوافيك اضطراب أقوال المحرّمين ـ ربّما ناهزت الستة ـ في عدد التحليل والتحريم ومكانهما ، وهذا النوع من الاضطراب، يورث الشكّ في أصل التحريم، فانتظر.


1-تفسير الرازي:10/52.


(55)

5

المتعة في التفاسير غير الروائية

لقد تعرفت على موقف التفاسير الروائية من تفسير الآية بالنكاح المؤقت، حيث نقل الطبري و السيوطي والثعلبي نزول الآية في المتعة، فهلمّ معي الآن لندرس ما ذكره سائر المفسرين فانّهم بين من فسروا الآية بنكاح المتعة بقول واحد أو جعلوا نزولها في نكاح


(56)

المتعة أحد القولين، وها نحن ننقل في المقام شيئاً موجزاً.

1. يقول الزمخشري: قيل نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتح اللّه مكة على رسوله.(1)

2. قال القرطبي: قال الجمهور: إنّها نزلت في نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام .(2)

3. وقال البيضاوي: نزلت الآية في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتحت مكة.(3)

4. وقال ابن كثير: وقد استدِلّ بعموم الآية على نكاح المتعة، ولا شكّ انّه كان مشروعاً في ابتداء الإسلام ثمّ نُسخ، وقد قيل بإباحتها للضرورة وهي رواية واحدة عن الإمام أحمد.(4)

5. وقال أبو السعود: نزلت في المتعة التي هي النكاح إلى وقت معلوم (5) وقد تعرفت على كلام الرازي تفصيلاً.

6. وقال الشوكاني: قال الجمهور: إنّ المراد بالآية نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام ويؤيد ذلك قراءة أُبيّ بن كعب وابن عباس و سعيد بن جبير «فما استمتعتم به منهن


1-الكشاف:1/519.
2-الجامع لأحكام القرآن:5/130.
3-أنوار التنزيل:1/375.
4-تفسير ابن كثير:1/474.
5-هامش تفسير الرازي:2/251.


(57)

إلى أجل مسمى فآتوهن أُجورهن».(1)

7. وقال علاء الدين البغدادي في تفسيره المعروف بتفسير« الخازن»: المراد من حكم الآية هو نكاح المتعة، وهو أن ينكح امـرأة إلـى مـدة معلومة بشـيء معلوم، فإذا انقضت المدة بانت منه بغير طلاق، وكان هذا في ابتداء الإسلام .(2)

8. وقال الآلوسي: قراءة ابن عباس وعبد اللّه بن مسعود، الآية: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى» ثمّ قال: ولا نزاع عندنا في أنّها قد حلّت ثمّ حرمت.(3)

وفيما ذكرنا غنى وكفاية غير انّ هؤلاء الأعاظم ـ عفا اللّه عنّا و عنهم ـ بين من نسب الحلية إلى صدر الإسلام كالقرطبي وابن كثير والخازن ومن نسبها إلى عام الفتح كالزمخشري و البيضاوي، وقد عرفت أنّ نكاح المتعة كان أمراً


1-تفسير الشوكاني:1/414 كما في الغدير:6/235.
2-تفسير الخازن:1/357.
3-روح المعاني:5/5.


(58)

رائجاً حين بزوغ شمس الإسلام، و انّ التشريع الإسلامي، أنفذه وحدّد له حدوداً وأكمله حتى عاد نكاحاً صحيحاً، يحل مشاكل الأُمة في أوقات حرجة.


(59)

6

شبهات وحلول

عرفنا فيما سبق دلالة الذكر الحكيم والسنّة النبوية على حلّية المتعة واستمرارها بعد رحيله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فلا مناص للمسلم من القول بجوازها، ومن حرّمها فقد حرّم ما أحل اللّه.

ثـمّ إنّ جمـعاً ممّـن لـم يقـفوا على حـدود المتعة ولا علـى حقيقتها راحـوا ينحتـون شبهات واهيـة حول تحليل المتعة، ونحن نذكر تلكم الشبهـات واحدة تلو الأُخـرى حتّـى يتّضح انّ التشريع الإلهي من أحكم التشريعات وأنصعها، فلا يتزلزل بهذه الشبهات التي هي أوهـن من بيت العنكبوت.


(60)

الشبهة الأُولى: المتعة وتكوين الأُسرة

الهدف من تشريع النكاح هو تكوين الأُسرة وإيجاد النسل وهو يختص بالنكاح الدائم دون المنقطع الذي لا يترتب عليه سوى استجابة للقوة الشهوية و صب الماء والسفح.

قال الدكتور الدريني: شرع النكاح في الإسلام لمقاصد أساسية قد نصّ عليها القرآن الكريم صراحة ترجع كلّها إلى تكوين الأُسرة الفاضلة التي تشكّل النواة الأُولى للمجتمع الإسلامي بخصائصه الذاتية من العفّة والطهر والولاية والنصرة والتكافل الاجتماعي، ثمّ يقول: إنّ اللّه إذ يربط الزواج بغريزة الجنس لم يكن ليقصد مجرد قضاء الشهوة، بل قصد أن يكون على النحو الذي يحقّق ذلك المقصد بخصائصه من تكوين الأُسرة التي شرع أحكامها التفصيلية في القرآن الكريم.

وعلى هـذا فانّ الاستمتـاع مجـرداً عن الإنجـاب وبنـاء الأُسرة، يحبـط مقصد الشارع من كلّ أصل تشريع


(61)

النكـاح.(1)

يلاحظ عليه بوجوه:

الأوّل: أنّ الأُستاذ خلط علّة التشريع ومناطه، بحكمته، فإنّ العلّة عبارة عمّـا يدور الحكم مدارها، يحدث الحكم بوجودها ويرتفع بارتفاعها، وهذا بخلاف الحكمة، فربّما يكون الحكم أوسع منها، وإليك توضيح الأمرين:

إذا قال الشارع اجتنب المسكر، فالسكر علّة وجوب الاجتناب بحجّة تعليق الحكم على ذلك العنوان، فما دام المائع مسكراً، له حكمه، فإذا انقلب إلى الخلّ يرتفع.

وأمّا إذا قال: ( والمُطَلَّقاتُ يَتَربَّصْنَ بأنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنيَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللّهُ فِي أرحامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤمِنَّ بِاللّهِ واليومِ الآخِرِ...).(2)


1-الدكتور الدريني في تقديمه لكتاب «الأصل في الأشياء الحلية... ولكن المتعة حرام» وكلّما ننقله منه فهو من تقديمه لهذا الكتاب ولاحظ أيضاً : المنار:5/8 فانّ عامة اعتراضاته مأخوذة من هذا الكتاب. كما أنّ المنار، في طرح الشبهات عيال على غيره حيّا اللّه الأمانة.
2-البقرة:228.


(62)

فالتربّص ـ لأجل تبيّـن وضع الرحم، وإنّها هل تحمل ولداً أو لا؟ ـ حكمة الحكم، لا علّته، ولأجل ذلك نرى أنّ الحكم أوسع منها بشهادة أنّه يجب التربّص على من نعلم بعدم وجود حمل في رحمها.

1. كما إذا كانت عقيماً لا تلد أبداً.

2. إذا كان الرجل عقيماً.

3. إذا غاب عنها الزوج مدة طويلة كستة أشهر فما فوق، ونعلم بعدم وجود حمل في رحمها.

4. إذا تبيّن عن طريق إجراء التجارب الطبّية، خلوُّ رحمها عنه.

ومع العلم بعدم وجود الحكمة في هذه الموارد فحكم الآية محكمة وإن لم تكن حكمة الحكم موجودة، وهذا لا ينافي ما توافقنا عليه من تبعية الأحكام للمصالح، فانّ المقصود منه هو وجود الملاكات في أغلب الموارد لا في جميعها.

إذا عرفت الفرق بين الحكمة والعلّة تقف على أنّ الأُستاذ خلط بين العلة والحكمة، فتكوين الأُسرة والإنجاب


(63)

والتكافل الاجتماعي كلّها من قبيل الحِكَم بشهادة أنّ الشارع حكم بصحّة الزواج في موارد فاقدة لهذه الغاية.

1. يجوز زواج العقيم بالمرأة الولود.

2. يجوز زواج المرأة العقيم بالرجل المنْجِب.

3. يجوز نكاح اليائسة.

4. يجوز نكاح الصغيرة.

5. يجوز نكاح الشاب من الشابة مع العزم على عدم الإنجاب إلى آخر العمر.

أفيصح للأُستاذ أن يشطب على هذه الأنكحة بقلم عريض بحجّة افتقادها لتكوين الأُسرة؟!

على أنّ من الأُمور الواضحة هو أنّ أغلب المتزوّجين في سنّ الشباب بالزواج الدائم لا يقصدون إلاّ قضاء الوطر، واستيفاء اللذة من طريقها المشروع، ولا يخطر ببالهم طلب النسل، وإن كان يحصل لهم قهراً.

الثاني: يجب على الأُستاذ التفصيل بين من يتزوّج متعة لغاية الإنجاب وتشكيل الأُسرة بخصائصها الذاتية من


(64)

العفّة، والطهر، والولاية، والنصرة، والتكافل الاجتماعي، وبين من يتزوّج لقضاء الوطر، ودفع الشهوة بهذا الطريق، فيُحرّم الثاني دون الأوّل، وأمّا إنّه لماذا يتزوّج زواجاً مؤقتاً للإنجاب وتشكيل الأُسرة؟ فلأجل وجود بعض التسهيلات في المؤقت دون الدائم.

إنّ الأُستاذ كأكثر من كتب عن المتعة من أهل السنّة، يتعامل مع المتمتع بها معاملة الغانيات المفتوحة أبوابهنّ، يدخل عليهنّ في كل يوم رجل ويجتمع معهنّ ذلك اليوم ثم يفارق ويأتي رجل آخر بهذه الخصوصية. فلو كان هذا معنى التمتّع بالمرأة والزواج المؤقت، فالشيعة الإمامية بريئون من هذا التشريع الذي يرادف الزنا إلاّ في التسمية. ولكن المتعة تُباين ذلك مائة بالمائة، فربّما يكون هناك نساء توفّـي عنهنّ أزواجهنّ ولهنّ جمالهنّ وكمالهنّ، وربّما لا يتمكّن الرجل من الزواج الدائم لمشاكل اجتماعية، ومع ذلك يرغب في الزواج من هذه الطبقة من النساء، مبتغياً رفع العنت أوّلاً وتشكيل الأُسرة بمالها من الخصوصيات ثانياً.


(65)

والحق أنّ ما اختمر في ذهن الكاتب وغيره من المتعة أشبه بالنساء المبتذلات في بيوت خاصة، ومحلاّت معيّنة فمثل ذلك لا يمكن أن تُضفى عليه المشروعية، غير أنّ المتعة الشرعية غير ذلك، وربّما يتوقّف التزوّج بهنّ على طي عقبات، فيشترط فيها ما يشترط في الدائم، ويفارق الدائم بأُمور أوضحها: الطلاق والنفقة. وأمّا التوارث فيتوارثان بالاشتراط على الأقوى، ومثل ذلك يلازم الغايات المطلوبة للنكاح غالباً.

والحق أنّ الغاية القصوى في كل مورد رخّص فيه الشارع العلاقة الجنسية بعامّة أقسامها حتى ملك اليمين وتحليل الإماء في بعض المذاهب الفقهيّة هو صيانة النفس عن الوقوع في الزنا والسفاح. وأمّا سائر الغايات من تشكيل الأُسرة، و التكافل الاجتماعي، فإنّما هي غايات ثانوية تحصل بالنتيجة سواء توخّاها الزوجان أم لا.

والغاية القصوى موجودة في الزواج المؤقت، وأنّ الهدف من تشريعه هو صيانة النفس عن الحرام لمن لا يتمكّن


(66)

من الزواج الدائم، ولأجل ذلك استفاض عن ابن عباس قوله: «يرحم اللّه عمر ما كانت المتعة إلاّ رحمة من اللّه رحم بها أُمّة محمد ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلاّ شقيّ». (1) وروي النص باختلاف طفيف عن عليّ ـ عليه السَّلام ـ أيضاً.(2)

إنّ قوله سبحانه: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلهِِ...) (3) دليل على أنّ الغاية من تجويز النكاح، والنهي عن الرهبانية هو صيانة النفس عن الفحشاء ودفعها إلى التعفّف، وهذه الغاية كما عرفت موجودة في جميع الأنكحة والعلاقات الجنسية من الزواج الدائم إلى الزواج المؤقّت إلى ملك اليمين إلى تحليل الإماء بشروطها المقرّرة في الفقه.


1-الدر المنثور: 2/141.
2-لاحظ تفسير الرازي: 3/200 المسألة الثالثة في بيان نكاح المتعة.
3- النور:33. وقوله: (وَمِنْ آياتِهِ ان جعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزواجاً لِتسْكُنُوا إِليها ) (الروم:2).


(67)

الشبهة الثانية

المتعة خارجة عن الحصر المحلل

أمر سبحانه بحفظ الفروج إلاّ في موردين و قال: (وَالّذينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافظُونَ) *إِلاّ على أَزواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِين* فَمَنِ ابتغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُون)(1) والمراد من قوله فمن ابتغى هم المتجاوزون عمّا أحله اللّه لهم إلى ما حرمه عليهم، والمرأة المتمتع بها ليست زوجة ليكون لها على الرجل مثل الذي له عليها بالمعروف.(2)

يلاحظ عليه: أنّ المستشكل لم يدرس حقيقة المتعة إلاّ بما دارت على الألسن من تشبيه المتعة بالنساء المبتذلات في


1-المؤمنون:5ـ7.
2-الدكتور الدريني في تقديمه، ص 26.


(68)

بيوت خاصة ومحلات معينة، ومن المعلوم انّ مثل هذه المرأة غير داخلة في قوله : (إِلاّ على أزواجهم).

وأمّا المتمتع بها فهي زوجة حقيقة لا تحل بلا عقد ولا تحرم إلاّ بانقضاء الأجل ويجب عليها الاعتداد بعد الفراق، كما تقدّم عند شرح نبذ من أحكامها إلى غير ذلك من الأحكام المذكورة فمثل ذلك داخل في قوله :( إلاّ على أزواجهم).

ونحن نسأل القائل: إذا صحّ ما يقوله من أنّها ليست زوجة فكيف أحلّها الذكر الحكيم والرسول الكريم في غير موقف من المواقف؟ فهل يتوهم انّه سبحانه أحلّ الفحشاء أو انّ نبيه دعا أصحابه إليها، وهو القائل سبحانه:(وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ)(1) كلّ ذلك يبعث الباحث إلى القول بأنّ المتمتع بها زوجة بلا شك.

ونسأله ثانية عن الزوجين اللّذين يتزوجان نكاحَ دوام ولكن ينويان الفراق بالطلاق بعد سنة، فهل هذا نكاح


1-النور:33.


(69)

صحيح أو لا؟ لا أظن أنّ فقيهاً من فقهاء الإسلام يمنع ذلك إلاّ إذا أفتى بغير دليل ولا برهان، فأي فرق يكون حينئذ بين المتعة وهذا النكاح الدائم سوى أنّ المدّة مذكورة في الأوّل دون الثاني؟

يقول صاحب المنار: إنّ تشديد علماء السلف والخلف في منع المتعة يقتضي منع النكاح بنيّة الطلاق، وإن كان الفقهاء يقولون إنّ عقد النكاح يكون صحيحاً إذا نوى الزوج التوقيت ولم يشترطه في صيغة العقد، ولكن كتمانه إيّاه يعدّ خداعاً وغشّاً وهو أجدر بالبطلان من العقد الذي يشترط فيه التوقيت .(1)

أقول: نحن نفترض أنّ الزوجين رضيا بالتوقيت لبّاً، حتى لا يكون هناك خداع وغشّ، فهو صحيح بلا إشكال.


1-تفسير المنار:5/17.


(70)

الشبهة الثالثة

لو كانت زوجة

فلماذا لا ينفق عليها ولا ترث؟

إنّ المرأة المتمتع بها ليست أمة كما هو واضح ولا زوجة لعدم ترتّب آثار عقد النكاح الصحيح عليها كالنفقة والإرث والطلاق وقد استدلّ به غير واحد من المانعين ونقلها الرازي في تفسيره عنهم فقال:

وهذه المرأة لا شكّ انّها ليست مملوكة ولا زوجة، ويدلّ عليه أنّها لو كانت زوجة لحصل التوارث بينهما لقوله تعالى: (وَلَكُمْ نِصْف ما تَرك أَزواجكُم) بالاتفاق لا توارث بينهما، وثانياً لثبت النسب لقوله عليه الصلاة والسلام: «الولد


(71)

للفراش وللعاهر الحجر» وبالاتفاق لا يثبت، ثالثاً ولوجبت العدة عليها لقوله تعالى: (وَالّذينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزوَاجاً يَتَرَبَّصْن بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعةَ أَشْهُر وَعَشْراً).(1)

يلاحظ عليه: بأنّ المستدلّ خلط آثار الشيء بمقوماته، فالذي يضرّ هو فقدان المقومات لا بعض الآثار، فانّ النكاح رابطة وعلقة بين الزوجين، كما أنّ البيع رابطة بين المالين، فالذي يجب وجوده هو ما جاء في التعريف من وجود الزوجين، أو وجود المالين، وأمّا ما وراء ذلك فإنّما هي آثار ربّما تترتّب ، وربّما تتخلّف، فقد ذكر من آثار النكاح: النفقة، والإرث، والطلاق. وزعم أنّ فقدان واحد منها يوجب فقدان حقيقة النكاح، ولكنّ الأمر ليس كذلك، بشهادة الموارد التالية التي تفقد الآثار ولا تَفقد حقيقة النكاح:

1. الزوجة الناشزة لا تجب نفقتها مع أنّها زوجة.

2. الزوجة الصغيرة زوجة ولا تجب نفقتها.

3. الزوجة القاتلة لا ترث الزوج مع أنّها زوجة.


1-البقرة:234.


(72)

4. الزوجة المسلمة زوجة ولا ترث زوجها الكافر عند أهل السنّة.

5. الزوجة المجنونة وغيرها من ذوي العاهات تفارق بلا طلاق قال الخرقي في متن المغني: «وأي الزوجين وجد بصاحبه جنوناً أو جذاماً أو برصاً أو كانت المرأة رتقاء أو قرناء أو عفلاء أو فتقاء أو الرجل مجنوناً فلمن وجد ذلك منهما بصاحبه الخيار في فسخ النكاح» (1) أي تبين بلا طلاق.

إلى غير ذلك من الموارد التي يبين فيها الزوجان بلا طلاق ممّا ذكره الفقهاء في مجوّزات الفسخ.

6. الزوجة التي باهلها الزوج تبين بلا طلاق.

وأمّا الاعتداد فقد مرّ انّها تعتدّ بعد انقضاء الأجل وعند موت الزوج.

ولا أدري من أين يقول إنّها لا تثبت النسب، إذ لا


1-المغني: 7/ 109 تصحيح محمد خليل، ولاحظ الخلاف للطوسي: 2/396 فصل في العيوب المجوّزة للفسخ المسألة 124.


(73)

فرق بين النكاحين في موارد ثبوت النسب.

قال السدّي ـ أحد التابعين ـ في تعريفه لنكاح المتعة: الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمّى ويشهد شاهدان، وينكح بإذن وليّها، وإذا انقضت المدّة فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة وعليها أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث.

و كان (1)على الباحث أن يدرس مقوّمات الموضوع ويميّزها عن آثارها، وعلى ذلك فالمتمتّع بها داخلة في قوله: (إلاّ على أزواجهم) بلا إشكال، و يترتّب على عقدها آثار خاصة، وإن كان يفقد بعض آثار النكاح الدائم.


1- تفسير الطبري : 5/9.


(74)

الشبهة الرابعة

لو كانت جائزة

لما أمرَ بنكاح الإماء والاستعفاف

لو كان نكاح المتعة زواجاً صحيحاً ونكاحاً مطابقاً للأُصول فلماذا أمر اللّه تعالى بالاستعفاف، وقال: (وَلْيَسْتَعْفِف الَّذينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتّى يُغنيهم اللّه مِنْ فَضْلِهِ)(1) لأنّ أعباء الاستمتاع وتكاليفه سهلة ميسورة فلا حاجة إذن إلى الأمر بالاستعفاف، وهذا دليل على أنّه ليس للمسلم إلاّ طريق واحد وهو النكاح أو الاستعفاف؟

يلاحظ عليه: أنّ الكاتب خلط بين النساء المتعفّفات،


1-النور:33


(75)

والمبتذلات في النوادي والفنادق وبيوت الدعارة، وقد عرفت أنّ كثيراً من النساء لعلوّ طبعهنّ لا يخضعن للمتعة وإن كانت حلالاً، إذ ليس كل حلال مرغوباً عند الكل، ولأجل ذلك تصل النوبة إلى الاستعفاف، وربما لا يجد الشاب نكاحاً مؤقتاً ولا دائماً.

***

لو كانت المتعة جائزة لما وصلت النوبة إلى نكاح الإماء مع أنّه سبحانه قيّد نكاحهن بعدم الاستطاعة على نكاح الحرائر دائماً أو منقطعاً حسب الفرض و قال: (ومَنْ لَم يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أن يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُم مِنْ فَتَياتِكُمُ المُؤمِنات )(1) لأنّ في نكاح المتعة مندوحة عن ذلك كلّه، لو كان جائزاً.

يقول الأُستاذ مصطفى الرافعي: فلو كانت المتعة جائزة على الإطلاق لما كانت ثمة حاجة ـ كما يقول المانعون ـ إلى


1-النساء:25 .


(76)

نكاح الأمة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ هذه الشبهة نظير ما سبق من الشبهة والجواب عن الجميع واحد، ومصدرهما الذهنيّة الخاطئة بالنسبة إلى المتعة، وتصور انّ المرأة المتمتع بها لا تختلف عن النساء المبتذلات اللاتي يعرضن أنفسهن في النوادي والفنادق و بيوت الدعارة، فانّ الالتذاذ بهن يُغني عن نكاح الإماء وما أكثرها في تلك البيوت.

ولكن المتمتع بهنّ ـ يا أُستاذ ـ حرائر عفاف لا صلة بينهن و بين المتواجدات في دمن الفحشاء.

إنّ إغناء نكاح المتعة عن نكاح الإماء، رجم بالغيب، إذ ليس بالوفرة التي يتخيّلها الكاتب حتّى يُستغنى بها عن نكاح الإماء، فانّ كثيراً من النساء الثيّبات تأبى نفوسهنّ عن العقد المنقطع ، فضلاً عن الأبكار، فليس للشارع إلاّ فتح طريق ثالث ـ وراء النكاح الدائم والمنقطع ـ و هو نكاح الإماء عند عدم الطول و خوف العنت.


1-إسلامنا في التوفيق بين السنّة والشيعة:152، في فصل زواج المتعة.


(77)

الشبهة الخامسة

اندراج المتعة ضمن السفاح

وقد بلغ تجرّؤ بعض الكتّاب من المعاصرين إلى حدّ ألحقه بالسفاح و قال: ولطالما نهى القرآن عن السفاح، و حرّمه تحريماً قاطعاً، وحاسماً بالنسبة إلى الرجال والنساء على السواء ودعا إلى النكاح المشروع الدائم ورغّب فيه.(1)

يلاحظ عليه: أنّ المسلمين عامة أصفقوا على أنّ نبي الإسلام أحلّ المتعة في فترة سواء أكانت في فتح خيبر، أم فتح مكة، أم غيرهما. ولو افترضنا انّ المتعة داخلة تحت السفاح، يكون معنى ذلك انّ الشريعة الإسلامية أمرت بالزنا والسفاح، ونزل الوحي السماوي على تشريعه!! ولا أظن مسلماً على أديم


1- الدكتور الدريني في تقديمه:31.


(78)

الأرض يتفوّه بذلك، فانّ معناه انّ اللّه ورسوله أمر بالفحشاء مع(إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون).(1)

والمسلم المؤمن بالحسن والقبح والعارف بمقاصد الشريعة لا يخطر بباله انّه سبحانه جوّز الزنا للمسلمين في فترة من الزمن وأمر بالقبح مكان الأمر بالحُسْن، كلّ ذلك يفرض علينا أن ندرس المتعة من جديد حتّى نقف على حدودها وشرائطها وأحكامها، وعندئذ يتجلّى الحقّ بأجلى مظاهره، ولا يبقى شكّ في أنّ نكاح المتعة، لا يفترق عن النكاح الدائم في الماهية والحقيقة وإن كانا يفترقان في بعض الأحكام، نظير نكاح الاماء، الذي ندب إليه الوحي، بقوله: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِنات...).(2) فنكاح الإماء لا يفترق عن نكاح الحرائر جوهراً وحقيقة، وإن


1-الأعراف:28.
2-النساء:25.


(79)

افترقا في بعض الأحكام الشرعية.

ولو انّ الكاتب أمعن في أحكام المتعة التي تقدم الحديث عنها في صدر الرسالة، لأذعن بأنّ بين نكاح المتعة والسفاح فرقاً شاسعاً ، فانّ متعة النكاح من المسائل الفقهية الفرعية التي اختلفت أنظار الفقهاء في استمرار حلّيتها لا أصلها كسائر المسائل الفقهية المختلف فيها، فعندئذ يطرح هذا السؤال وهو: لماذا يُثار هذا الصخب حول هذه المسألة، وما هو السبب لرشق السهام في حلبة القائلين بالحلّية؟ أو ليس من الأفضل أن نمرّ على هذه المسألة كسائر المسائل الفقهية من دون تفسيق وتكفير؟ ومع الأسف الشديد صارت المسألة من المسائل التي تُشهّر بها طائفة من المسلمين ويُطعن عليها لقولهم بحليّتها، وليس القول بحليتها من خصائص تلك الطائفة فحسب، بل سبقهم إليه لفيف من الصحابة والتابعين في عصر تضاربت فيه الأقوال، وقد تقدّمت أسماؤهم.

وأظن ـ و ظن الألمعي صواب ـ انّ وراء هذا الهياج


(80)

والضوضاء، خلفيات سياسية تتلخص في تبرير عمل الخليفة الثاني الذي قام بتحريم متعة النكاح كمتعة الحج، فحرّم ما أحله اللّه تبارك و تعالى.

ولما كان هذا الأمر ثقيلاً في ميزان العدل، راح رجال من هنا و هناك بنحت شبهات حول الحلية ليسهل تعاطي الحرمة التي فرضها الخليفة على مثل هذا النكاح.

هب انّهم بررّوا عمل الخليفة وموقفه حيال هذه المسألة فبماذا يبررّون العديد من المواقف التي اتّخذها الخليفة قبال النص؟! مثلاً: حكم على الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد بلا تخلّل العدة والرجوع، بأنّها تُحسبُ تطليقات ثلاث خلافاً لنصّ الكتاب والسنّة، وقد وقف الخليفة على مضاعفات عمله بعد ما بلغ السيلُ الزبى.

والفقيه الموضوعي يجعل الكتاب والسنّة قدوة لفتياه من دون أن يتّخذ موقفاً مسبقاً في مسألة حتّى يسهل له الوصول إلى الحق.


(81)

الشبهة السادسة

المتمتع يقصد السفح لا الإحصان

إنّ المتمتّع في النكاح المؤقت لا يقصد الإحصان دون المسافحة، بل يكون قصده مسافحة، فإن كان هناك نوع ما من إحصان نفسه ومنعها من التنقّل في دِمنِ الزنا، فإنّه لا يكون فيه شيء ما من إحصان المرأة التي تؤجر نفسها كل طائفة من الزمن لرجل فتكون كما قيل:

كرة حُذِفْت بصوالجة * فتلقّفها رجل رجـل(1)

يلاحظ عليه: أنّه من أين وقف على أنّ الإحصان في النكاح المؤقّت يختص بالرجل دون المرأة، فإنّا إذا افترضنا كون العقد شرعياً، فكل واحد من الطرفين يُحصن نفسه من هذا


1- تفسير المنار: 5/13.


(82)

الطريق، وإلاّ فلا محيص عن التنقل في دمن الزنا. والذي يصون الفتى والفتاة عن البغي أحد الأُمور الثلاثة:

1. النكاح الدائم، 2. النكاح المؤقّت بالشروط الماضية، 3. كبت الشهوة الجنسية.

فالأوّل ربّما يكون غير ميسور خصوصاً للطالب والطالبة اللّذين يعيشان بِمِنَح ورواتب محدودة يجريها عليهما الوالدان أو الحكومة، و الثالث أي كبت الشهوة الجنسية أمر شاق لا يتحمّله إلاّ الأمثل فالأمثل من الشباب، والمثلى من النساء، وهم قليلون، فلم يبق إلاّ الطريق الثاني، فيُحصنان نفسيهما عن التنقّل في بيوت الدعارة.

إنّ الدين الإسلامي هو الدين الخاتم، ونبيّه خاتم الأنبياء، وكتابه خاتم الكتب، وشريعته خاتمة الشرائع، فلابدّ أن يضع لكل مشكلة اجتماعية حلولاً شرعية، يصون بها كرامة المؤمن والمؤمنة، وما المشكلة الجنسية عند الرجل والمرأة إلاّ إحدى هذه النواحي التي لا يمكن للدين الإسلامي أن يهملها، وعندئذ يطرح هذا السؤال نفسه:


(83)

ماذا يفعل هؤلاء الطلبة والطالبات الذين لا يستطيعون القيام بالنكاح الدائم، وتمنعهم كرامتهم ودينهم عن التنقّل في بيوت الدعارة والفساد، والحياة المادية بجمالها تؤجّج نار الشهوة في نفوسهم؟ فمن المستحيل عادة أن يصون أحدٌ نفسَه إلاّ من عصم اللّه، فلم يبق طريق إلاّ زواج المتعة، الذي يشكّل الحل الأنجح لتلافي الوقوع في الزنا، وتبقى كلمة الإمام علي بن أبي طالب ترنّ في الآذان محذّرة من تفاقم هذا الأمر عند إهمال العلاج الذي وصفه المشرّع الحكيم له، حيث قال ـ عليه السَّلام ـ : «لولا نهي عمر عن المتعة لما زنى إلاّ شقي أو شقيّة».

وأمّا تشبيه المتعة بما جاء في الشعر فهو يعرب عن جهل الشاعر ومن استشهد به بحقيقة نكاح المتعة وحدودها، فإنّ ما جاء فيه هي المتعة الدورية التي ينسبها الرجل(1) إلى الشيعة، وهم براء من هذا الإفك، إذ يجب على المتمتّع بها بعد انتهاء المدّة الاعتداد على ما ذكرنا، فكيف يمكن أن تؤجّر


1-لاحظ كتابه: السنّة والشيعة: 65ـ66.


(84)

نفسها كل طائفة من الزمن لرجل؟! سبحان اللّه ما أجرأهم على الكذب على الشيعة والفرية عليهم، وما مضمون الشعر إلاّ استهزاء بالوحي والتشريع الإلهي، فقد اتّفقت كلمة المحدّثين والمفسّـرين على التشريع، و لو كان هناك نهي أو نسخ فإنّما هو بعد التشريع والعمل.


(85)

الشبهة السابعة

نسخ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حلية المتعة

(1)

بحثنا ـ فيما سبق ـ في حلّية المتعة ودلائل ذلك من القرآن المجيد والسنّة المطهّرة، وسيرة جمع من الصحابة القائلين بحلّيتها بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

ووقفنا أيضاً عند الشبهات المثارة حولها، والتي حيكت لأغراض خاصة، وتبيّن لنا من خلال الردود، أنّها: مهلهلة النسج، بعيدة عن الواقع، مفتقرة إلى الحجج والبراهين.

وبقيت هنا شبهة أُخرى. و هي العمدة في تحريمها


1-لمّا كان القائلون بالتحريم يعرّجون على تلك الشبهة أكثر من سائر الشُّبَه، بسطنا الكلام في دحضها بوجوه سبعة على نحو لا يبقى لمشكّك شك ولا لمرتاب ريب في عدم صدور أيّ تحريم من النبي الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .


(86)

عند الفقهاء حيث قالوا: إنّ حلّية المتعة منسوخة، نسخها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مستدلّين بأحاديث تصل إلى لفيف من الصحابة، منهم:

1. سلمة بن الأكوع

أخرج مسلم عن أياس بن سلمة، عن أبيه قال: رخّص رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عام أوطاس في المتعة ثلاثاً ثمّ نهى عنها.(1) وعام أوطاس هو عام الفتح (السنة الثامنة من الهجرة) وأوطاس واد بديار هوازن.

2. سبرة بن معد الجهني

أخرج مسلم عن سبرة انّه قال: أذن لنا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالمتعة فانطلقت أنا ورجل إلى امرأة من بني عامر كأنّها بكرة عيطاء فعرضنا عليها أنفسنا فقالت: ما تعطي؟ فقلت: ردائي وقال صاحبي: ردائي، و كان رداء صاحبي أجود من ردائي، وكنت أشبُّ منه، فإذا نظرت إلى رداء صاحبي أعجبها وإذا


1-صحيح مسلم:4/131، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.


(87)

نظرت إليّ أعجبتُها، ثمّ قالت: أنت ورداؤك يكفيني، فمكثت معها ثلاثاً، ثمّ إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: من كان عنده شيء من هذه النساء التي يتمتع فليخلّ سبيلها.(1)

وقد أخرج مسلم عن الربيع بن سبرة عن أبيه سبرة هذا الحديث بألفاظ مختلفة تصل طرقها إلى عشرة، وربما يظن الغافل انّها روايات عشر مع أنّها رواية واحدة بطرق مختلفة تصل إلى شخص واحد وهو سبرة بن معد الجهني، وسيوافيك وجود الاختلاف فيما روي عنه على نحو يسقطها عن الاعتبار.

3. ابن مسعود

أخرج عبد الرزاق و ابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود، قال: المتعة منسوخة نسخها الطلاق والصدقة والعدة والميراث.

والرواية (2)مكذوبة على لسان ابن مسعود، وقد مرّ انّه أحد القائلين بحلية المتعة مستشهداً فآية تحريم الطيبات(3) ثمّ


1-صحيح مسلم:4/131، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.
2-الدر المنثور:2/486.
3-لاحظ ص 47.


(88)

كيف خفي عليه انّ انتفاء بعض الأحكام في مورد المتعة يعد تخصيصاً لعموم ما دلّ على الفراق بالطلاق، والميراث بالزوج، لا نسخاً لحلية المتعة؟ثم كيف تنسخها آية العدّة مع أنّ على المتمتَّع بها، عدة الفراق والوفاة كما سلف.

4. أبو ذر

أخرج البيهقي عن أبي ذر، قال: إنّما أحلت لأصحاب رسول اللّه متعة النساء ثلاثة أيّام نهى عنها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(1)

5. ابن عباس

أخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر والنحاس من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله: (فَما استمتعتم به منهنّ فآتوهُنّ أُجورهن فريضة)قال: نسختها (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)، (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)، (واللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ )


1-الدر المنثور:2/486.


(89)

الْمَحيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُر).(1)

إنّ حبر الأُمّة، تلميذ الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ أعرف بكتاب اللّه و سنّة رسوله من أن يقول بنسخ ما شرعه كتابه سبحانه، بهذه الآيات، مع أنّ المتمتع بها ممّن كتب عليها العدة؟!

6. علي بن أبي طالب

أخرج مسلم عن يحيى بن يحيى بسند يتصل إلى عبد اللّه والحسن ابني محمد بن علي(الحنفية)،عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية.(2)

أخرج مسلم بهذا السند عن علي انّه سمع ابن عباس يليّن في متعة النساء، فقال: مهلاً يابن عباس فانّ رسول اللّه نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأنسية.(3) والحديثان


1-الدر المنثور:2/485.
2-صحيح مسلم:4/134، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.
3-صحيح مسلم:4/135، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.


(90)

مكذوبان على الإمام، كيف وهو و بيته الرفيع ممّن ينادون باستمرار الحلية وقد ملأ الخافقين كلامه: لولا نهي عمر عن المتعة لما زنى إلاّ شقي؟!

7. عمر بن الخطاب

أخرج البيهقي عن عمر انّه خطب فقال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة و قد نهى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عنها، لا أوتى بأحد نكحها إلاّ رجمته.(1)

يلاحظ على هذه الشبهة ـ وراء ما عرفت في ضمن النقل ـ أُمور:

الأوّل: وجود التعارض بين الروايات

لو افترضنا صحّة الاحتجاج بهذه الروايات على أنّها نسخت نكاح المتعة لكن هناك روايات صحيحة رواها مسلم في صحيحه تدلّ على استمرار الحلية تصل إلى بعض الصحابة، منهم:


1-الدر المنثور:2/486.


(91)

1. جابر بن عبد اللّه

1. أخرج مسلم عن أبي الزبير قال: سمعت جابر بن عبد اللّه يقول: كنّا نستمتع بالقَبْضَة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأبي بكر حتّى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث.(1)

2. أخرج مسلم عن ابن نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد اللّه فأتاه آت فقال ابن عباس و ابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع رسول اللّه ثمّ نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما.(2)

2. عبداللّه بن مسعود

كنّا نغزو مع رسول اللّه وليس معنا نساؤنا فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك ورخّص لنا أن نتزوج المرأة بالثوب إلى أجل، ثمّ قرأ عبداللّه(يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا تُحرّمُوا )


1-صحيح مسلم:4/131، باب نكاح المتعة.
2-صحيح مسلم:4/131، باب نكاح المتعة.


(92)

طَيّبات ما أَحلّ اللّه لَكُمْ).(1)

3. عبد اللّه بن عمر

أخرج الترمذي: انّ رجلاً من أهل الشام سأل ابن عمر عن متعة النساء، فقال: هي حلال، فقال: إنّ أباك قد نهى عنها، فقال ابن عمر: أرأيت إن كان أبي قد نهى عنها وقد سنّها رسول اللّه، أنترك السنة ونتبع قول أبي؟!(2)

4. عبد اللّه بن العباس

وقد مضت رواياته، وسيوافيك بعض من تمتع من الصحابة في عصر الخليفة غير مبال لتهديده وتخويفه.

إلى غير ذلك من صحاح الروايات التي مرت، ومع وجود هذا التعارض تسقط الروايات من كلا الجانبين، ويكون المرجع كتابَ اللّه العزيز، فهو راسخ كالجبل الأشمّ، فما لم يثبت النسخ فعلى الفقيه الرجـوع إلى كتـاب اللّه لحسم الموقف.


1-الدر المنثور:2/485.
2-سنن الترمذي:3/186برقم824.


(93)

الثاني: التعارض في الروايات الحاكية للتحريم

إنّ في نفس الروايات الحاكية للتحريم اضطراباً شديداً، و تعارضاً في زمان التحريم ومكانه وعدده. ولأجل إيقاف القارئ على وجوه الاضطراب نذكر ما ورد في ذلك.

أ. التحريم في خيبر

أخرج مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن علي انّ رسول اللّه نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية.(1)

ب. التحريم في أرض هوازن

أخرج مسلم عن أياس بن سلمة عن أبيه قال: رخص لنا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عام أوطاس في المتعة ثلاثاً ثمّ نهى عنها.(2)


1-الدر المنثور:2/486.
2-صحيح مسلم:4/131، باب نكاح المتعة.


(94)

وقد أقام النبي في مكة المكرمة العشر الأواخر من شهر رمضان وأياماً من شهر شوال ثمّ غادر مكة إلى هوازن، وعلى ذلك فقد استغرق التحليل والتحريم بعد الفتح ثلاثة أيّام في أرض أوطاس، وهو واد بديار هوازن ولم يكن أي تحليل وتحريم في أرض مكة.

ج. التحريم في أرض مكة

أخرج مسلم عن سبرة انّه غزا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فتح مكة قال: فأقمنا بها خمس عشرة(ثلاثين بين ليلة ويوم) فأذن لنا رسول اللّه في متعة النساء فخرجت أنا ورجل من قومي ولي عليه فضل في الجمال وهو قريب من الدمامة، إلى أن قال: حتّى إذا كنّا بأسفل مكة أو بأعلاها فتلقتنا فتاة مثل البكرة ـ إلى أن قال: ـ ثمّ استمتعت منها فلم أخرج حتّى حرمها رسول اللّه.

وفي رواية أُخرى عنه: أمرنا رسول اللّه بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة ثمّ لم نخرج منها حتّى نهانا عنها.(1)


1-صحيح مسلم:4/133، باب نكاح المتعة.


(95)

فأين التحريم في غزوة خيبر التي وقعت في أوائل السنة السابعة من الهجرة من التحريم في أرض أوطاس في الغزوة التي وقعت في العشر الثاني من شهر شوال من العام الثامن أو من التحريم في أرض مكة التي دخلها رسول اللّه في الثامن عشر من شهر رمضان وخرج منها بعد مضي قرابة عشرين يوماً.

وبهذا، لا يمكن الركون إلى هذه الروايات المتعارضة.

الثالث: خلو حديث الرسول عن التحريم في المواقف المذكورة

إنّ من تتبع كلمات الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في المواقف المذكورة لم يجد أيّ أثر للتحريم، امّا غزوة خيبر فقد كان مسير الرسول إليها في شهر محرم الحرام ولا نجد في كتب السيرة أي تصريح للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حول المتعة ، على أنّ المتعة تختص بالحرائر وأمّا سبايا خيبر فمقتضى الحال انّهم كانوا إماء للمسلمين ـ على فرض جواز استرقاهن ـ فكيف يحلّل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ التمتع بالإماء اللواتي هن ملك يمين؟! يقول


(96)

سبحانه: (وَالّذينَ هُمْ لِفُرُوجهِمْ حافِظُونَ*إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومين).(1)

ومن سبر كتب السير لم يجد في كلمات الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أي أثر لتحريم المتعة .

وإليك بعض كلامه في خيبر:

روى ابن إسحاق عن حنش الصنعاني، قال: غزونا مع رُويفع بن ثابت الأنصاري المغرب فافتتح قرية من قُرى المغرب يقال لها جِربة، فقام فينا خطيباً، فقال: يا أيّها الناس إنّي لا أقول فيكم إلاّ ما سمعت من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقوله فينا يوم خيبر، قام فينا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال:

لا يحل لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن


1-المؤمنون:5 ـ 6.


(97)

يسقي ماءه زرع غيره، يعني إتيان الحبالى من السبايا حتّى يستبرئها، ولا يحلّ لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي حتّى يستبرئها، ولا يحلّ لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يبيع مغنماً حتّى يقسم، ولا يحل لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتّى إذا أعجفها ردها فيه، ولا يحل لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يلبس ثوباً من فيء المسلمين حتّى إذا أخلقه رده فيه.(1)

والمكان المناسب لتحريم المتعة هو هذا الموضع من كلامه ولا نرى فيه أثراً لتحريم المتعة .

يقول ابن القيم:«وقصة خيبر لم يكن الصحابة يتمتعون باليهوديات، ولا استأذنوا في ذلك رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولا نقله أحد قط في هذه الغزوة، ولا كان للمتعة فيها ذكر ألبتة لا فعلاً ولا تحريماً، فانّ خيبر لم يكن فيها مسلمات وإنّما كنّ يهوديّات، وإباحة نساء أهل الكتاب لم يكن ثبت بعدُ. وإنّما أُبحْن بعدُ.(2)

وأمّا فتح مكة فقد ذكر أهل السير خطبة النبي وانّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قام على باب الكعبة فقال: لاإله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده إلى آخر الخطبة التي جاء في آخرها:


1-سيرة ابن هشام:2/331.
2-زاد المعاد:2/158و 204.


(98)

اذهبوا فأنتم الطلقاء.(1) فأين حلّل المتعة وأين حرّمها؟! أو ليس جديراً بالنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يقول على رؤوس الاشهاد بأنّ ما حلله صار حراماً وأفضل المواقف لهذه الأُمور حين إلقاء الخطب.

والعجب انّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خطب في حجّة الوداع وذكر فيها النساء ولم يذكر شيئاً لا من تحريم المتعة ولا تحليلها: فقال: أمّا بعد، أيّها الناس فانّ لكم على نسائكم حقاً ولهن عليكم حقّاً، لكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فانّ اللّه قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيراً فانّهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإنّكم إنما أخذتموهن بأمانة اللّه واستحللتم فروجهن بكلمات اللّه، فاعقلوا أيّها الناس قولي فإنّي قد بلغت.(2)


1-سيرة ابن هشام:2/412
2-سيرة ابن هشام:2/604.


(99)

الرابع: اضطراب كلماتهم في زمان التحريم

ما ذكر من التعارض في زمان التحليل والتحريم ومكانهما يرجع إلى خصوص ما رواه مسلم في صحيحه، وأمّا اختلاف فقهاء السنة في تحليلها وتحريمها عدداً وزماناً ومكاناً فحدِّث عنه ولا حرج، فقد ذكر النووي تفصيلها ونحن نذكر ملخصه:

1. أُحلت وحُرّمت في غزوة خيبر. رووه عن علي ـ عليه السَّلام ـ .

2. ما حُلّت إلاّ في عمرة القضاء وهو المروي عن الحسن البصري. وروى هذا عن سبرة الجهني.

3. أُحلّت وحرمت يوم الفتح وهو المروي عن سبرة الجهني أيضاً.

4. نهى عنها النبي في غزوة تبوك كما في رواية إسحاق بن راشد عن الزهري....

5. أباحها يوم أوطاس.

6. أباحها يوم حجة الوداع.


(100)

هذه الأقوال نقلها النووي في شرحه على صحيح مسلم وناقش في بعضها ثمّ قال: إنّ الذي جرى في حجّة الوداع مجرّد النهي كما جاء في غير رواية ويكون تجديده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ النهي عنها يومئذ لاجتماع الناس و ليبلغ الشاهد الغائب ولتمام الدين وتقرر الشريعة كما قرر غير شيء و بين الحلال والحرام يومئذ وبتَّ تحريم المتعة حينئذ لقوله إلى يوم القيامة.(1)

وقدعزب عن النووي انّه لو صحّ ما ذكره أخيراً كان الأنسب أن يُنهى عن هذا الأمر الهام عند إيراد الخطبة في حجّة الوداع في ذلك المحتشد العظيم الذي لم ير مثله إلاّ في الغدير عندما أوصى بالنساء و قال: فانّ لكم على نسائكم حقّاً...

وقد عرفت أنّه ليس هناك أيّ أثر للتحريم في ذلك الموقف العظيم.

وقال ابن قدامة: اختلف أهل العلم في الجمع بين هذين الخبرين ـ تحريم المتعة يوم خيبر و في فتح مكة ـ فقال


1-شرح صحيح مسلم:9/191.


(101)

قوم في حديث علي (نهى عن متعة النساء يوم خيبر و عن لحوم الحمر الأهلية) تقديم وتأخير، وتقديره: انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نهى عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، ونهى عن متعة النساء ولم يذكر ميقات النهي عنها، و قد بيّنه الربيع بن سبرة في حديثه: انّه كان في حجة الوداع ،لأنّه قال : اشهد على أبي انّه حدّث أنّ النبي نهى عن المتعة في حجة الوداع.

وقال الشافعي: لا أعلم شيئاً أحلّ اللّه ثمّ حرمه، ثمّ أحلّه، ثمّ حرمه، إلاّ المتعة، فحمل الأمر على ظاهره، وانّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حرمها يوم خيبر ثمّ أباحها في حجة الوداع ثلاثة أيام ثم حرمها.(1)

إنّ التشريع على هذا المنوال، أشبه بتقنين إنسان غير عالم بعواقب الأُمور، غير محيط بمصالحها ومفاسدها، فيحكم وينقض من دون تروّ وتفكير، ونبيّ الإسلام هو نبيّ العظمة والقداسة قد أُوتي من العلم ما لم يؤت أحد من العالمين قال


1-المغني:7/572.


(102)

سبحانه: (و كان فضل اللّه عليك عظيما)(1) و نُجلّ ساحته عن التشريع الأشبه بالتلاعب بالأحكام.

وقال ابن حجر في «فتح الباري»: قال السهيلي: وقد اختلف في وقت تحريم نكاح المتعة، فأغربُ ما روي في ذلك، رواية من قال في غزوة تبوك، ثمّ رواية الحسن انّ ذلك كان في عمرة القضاء، والمشهور في تحريمها إنّ ذلك كان في غزوة الفتح كما أخرجه مسلم من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه، و في رواية عن الربيع أخرجها أبو داود انّه كان حجّة الوداع ، قال: ومن قال من الرواة كان في غزوة أوطاس فهو موافق لمن قال عام الفتح.

ثمّ قال ابن حجر: فتحصّل ممّا أشار إليه ستة مواطن: خيبر، ثمّ عمرة القضاء ، ثمّ الفتح، ثمّ أوطاس، ثمّ تبوك، ثمّ حجّة الوداع، إلى أن قال: ومن قال لا مخالفة بين أوطاس والفتح لأنّ الفتح كان في رمضان ثمّ خرجوا إلى أوطاس في


1- النساء:113.


(103)

شوال.

ثمّ أخذ ابن حجر بالنقض والإبرام بما لا يسعنا نقله.(1)

وعلى كلّ حال فهذا الاختلاف الكبير يجرّ الباحث إلى التشكيك في أصل التحريم، وإلاّ فكيف خفي زمان التحريم ومكانه على المسلمين حتّى صاروا طوائف ستّاً، لا سيما في مسألة كمسألة المتعة التي يُبتلى بها الناس في حلّهم وترحالهم؟ فلا يمكن نسخ القرآن الكريم بهذه الأخبار المشوّّشة المضطربة.

ثمّ إنّ ابن القيم ممن حاول أن يجتهد في المسألة ويجمع بين المتعارضين فأورد السؤال بما هذا لفظه:

فإن قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد اللّه قال: كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و أبي بكر حتّى نهى عنها عمر


1-فتح الباري:9/170.


(104)

في شأن عمرو بن حريث، و فيما ثبت عن عمر انّه قال: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنا أنهى عنهما: متعة النساء ومتعة الحجّ.

ثمّ أجاب وقال: الناس في هذا طائفتان:

1. طائفة تقول انّ عمر هو الذي حرّمها ونهى عنها وقد أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ باتّباع ما سنّه الخلفاء الراشدون، ولم تر هذه الطائفة تصحيح حديث سبرة بن معبد في تحريم المتعة عام الفتح، فانّه من رواية عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جدّه و قد تكلّم فيه ابن معين ولم ير البخاري إخراج حديثه في صحيحه مع شدة الحاجة إليه وكونه أصلاً من أُصول الإسلام.

ولو صحّ عنده لم يصبر عن إخراجه والاحتجاج به، قالوا: ولو صحّ حديث سبرة لم يخْفَ على ابن مسعود حتّى يروي انّهم فعلوها ويحتج بالآية. وأيضاً ولو صحّ لم يقل عمر انّها كانت على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأنا أنهى عنها وأعاقب عليها، بل كان يقول: انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حرّمها ونهى عنها،


(105)

قالوا: ولو صحّ لم تفعل على عهد الصديق وهو عهد خلافة النبوة حقّاً.

والطائفة الثانية: رأت صحة حديث سبرة، ولو لم يصحّ فقد صحّ حديث علي ـ عليه السَّلام ـ انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حرم متعة النساء فوجب حمل حديث جابر على أنّ الذي أخبر عنها بفعلها لم يبلغه التحريم، ولم يكن قد اشتهر حتّى كان زمن عمر، فلمّا وقع فيها النزاع ظهر تحريمها واشتهر وبهذا تتألف الأحاديث الواردة فيها.(1)

ولا يخفى على الباحث قوة منطق الطائفة الأُولى، وأمّا ما نقله عن الطائفة الثانية فيتلخص في الأُمور التالية:

1. صحّة حديث سبرة.

2. صحّة الحديث عن علي انّ رسول اللّه حرم المتعة.

3. انّ جابر بن عبد اللّه لم يبلغه التحريم.

أمّا الأوّل فقد عرفت وجود التعارض في حديث سبرة


1-زاد المعاد:2/205ـ 206.


(106)

على وجه يسقطه عن الاحتجاج به وانّ البخاري لم يخرّجه.

وأمّا الثاني أي المنقول عن علي فهو مكذوب على لسانه، لأنّ عليّاً وبيته الرفيع اشتهروا بالقول بجواز المتعة وهو القائل: لولا نهي عمر عن المتعة لما زنى إلاّ شقي.

وأمّا الثالث وهو عدم بلوغ التحريم إلى صحابي عظيم كجابر بن عبد اللّه الأنصاري إلى أن اشتهر الحكم في زمان عمر فهو أمر غريب، لأنّ المسألة ليست من المسائل المغفول عنها حتّى لا يبلغه التحريم على أنّك عرفت انّ جابراً نسب التحريم إلى نفس الخليفة دون النبي.

الخامس: نقل أحاديث متعارضة عن راو واحد

وانّ أغرب ما في الباب هو أن تُنسب إلى علي روايتان متعارضتان، فقد أخرج مسلم عن محمد الحنفية بن علي بن أبي طالب انّه سمع علي بن أبي طالب يقول لابن عباس نهى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن متعة النساء يوم خيبر و عن أكل لحوم الحمر الإنسية.(1)مع أنّه اشتهر عن علي قوله: «لولا نهي عمر


1-صحيح مسلم:4/135، باب نكاح المتعة


(107)

عن المتعة ما زنى إلاّ شقي».(1)

وقال الرازي: وأمّا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ فالشيعة يروون عنه إباحة المتعة وروى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ انّه قال: «لولا انّ عمر نهى الناس عن المتعة ما زنى إلاّ شقي».(2)

وأغرب من ذلك انّهم يروون عن ابن عباس تحريم المتعة.

أخرج البخاري عن أبي جمرة قال: سئل ابن عباس عن متعة النساء فرخّص فيها، فقال له مولى له: إنّما كان ذلك و في النساء قلة والحال شديد! فقال ابن عباس: نعم.(3) مع أنّ ابن عباس قد اشتهر بالفتيا بحلية المتعة.

أخرج مسلم عن عروة بن الزبير انّ عبد اللّه بن الزبير قام بمكة، فقال: إنّ ناساً أعمى اللّه قلوبهم كما أعمى


1-تفسير الطبري:3/200; الدر المنثور:2/486.
2-تفسير الرازي:10/50.
3-الدر المنثور:2/486.


(108)

أبصارهم يفتون بالمتعة يعرّض برجل، فناداه فقال: أنت لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل في عهد إمام المتقين ـ يريد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ فقال له ابن الزبير: فجرب بنفسك فواللّه لئن فعلتها لأرجمنّك بأحجارك.

أخرج الحافظ ابن أبي شيبة عن نافع: انّ ابن عمر سئل عن المتعة؟ فقال: حـرام، فقيل له: إنّ ابن عباس يفتي بها، قـال: فهلا ترمـرم بها ـ تزمزم ـ في زمان عمـر.(1)

السادس: استناد التحريم إلى نفس الخليفة

قد تضافرت الروايات على نسبة التحريم إلى الخليفة نفسه وانّه هو الذي حرمها وأوعد مرتكبيها بالرجم، ولا يسعنا نقل ما ذكره أهل السير والتاريخ في ذلك الموقف فنقتصر بالقليل عن الكثير:

1. قال عمران بن حصين: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه وأمرنا بها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ثمّ لم تنزل آية تنسخ آية متعة


1- الدر المنثور:2/487.


(109)

الحج ولم ينه عنها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتّى مات، قال رجل برأيه بعد ما شاء.(1)

2. قال عمران بن حصين: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه ففعلناها مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولم ينزل قرآن يحرمه،ولم ينه عنها حتّى مات، قال رجل برأيه ما شاء.(2)

3. أخرج مسلم عن أبي الزبير قال: سمعت جابر بن عبد اللّه يقول: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و أبي بكر حتّى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث.(3) وسيوافيك ما ورد في شأن ابن حُريث.

4. أخرج أيضاً عن أبي نضرة قال: كنتُ عند جابر بن عبد اللّه فأتاه آت فقال: ابن عباس وابن الزبير اختلفا في


1-صحيح مسلم:4/49 باب جواز التمتع وفي الحديث إشارة إلى كلتا المتعتين.
2- صحيح البخاري:6/33.
3-صحيح مسلم:4/131، باب نكاح المتعة


(110)

المتعتين ، فقال جابر: فعلناهما مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ثمّ نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما.(1)

5. أخرج مسلم عن أبي نضرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنهما، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد اللّه فقال: على يديّ دار الحديث تمتعنا مع رسول اللّه فلما قام عمر، قال: إنّ اللّه كان يحلّ لرسوله ما شاء بما شاء، وانّ القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحجّ والعمرة للّه كما أمركم اللّه.

وأبتّوا نكاح هذه النساء فلن أُوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته بالحجارة .(2)

والمقطع الأوّل راجع إلى تحريم التحلل بين العمرة والحجّ، كما أنّ المقطع الثاني راجع إلى تحريم متعة النساء.

6. ما تضافر من أنّ عمر بن الخطاب قال على المنبر:


1-المصدر نفسه.
2-صحيح مسلم:4/38، باب في المتعة بالحجّ والعمرة.


(111)

متعتان كانتا مشروعتين في عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأنا أنهى عنهما : متعة الحجّ، ومتعة النكاح.(1)

إنّ خطبة عمر من الخطب المتسالم عليها، وقد اكتفينا من المصادر بالقليل عن الكثير حتّى أنّ المتكلّم الأشعري القوشجي في شرحه على تجريد الاعتقاد حاول تأويله دون أن يناقش سنده، وإليك نصّه.

7. قال عمر وهو على المنبر: أيّها الناس ثلاث كنّ على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأنا أنهى عنهنّ وأحرمهنّ وأعاقب عليهنّ: متعة النساء، ومتعة الحجّ، وحيّ على خير العمل. ثمّ اعتذر عنه بقوله: إنّ ذلك ليس مما يوجب قدحاً فيه، فانّ مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية ليس ببدع.(2)


1-تفسير الفخر الرازي:5/370; زاد المعاد لابن القيم:2/184; سنن البيهقي:7/206; المبسوط:4/37; المغني:7/571; الشرح الكبير:7/537; المحلى:7/107; بداية المجتهد:1/268; أحكام القرآن للجصاص:2/152; كنز العمال:16/519 برقم 45715ـ 45722; مسند أحمد:3/325.
2-شرح التجريد:484 الطبعة الحجرية.


(112)

8. قال الراغب في «المحاضرات»، قال: يحيى بن أكثم لشيخ بالبصرة بمن اقتديت في جواز المتعة قال: بعمر بن الخطاب، قال: كيف و عمر كان أشدّ الناس فيها؟ فقال: لأنّ الخبر الصحيح انّه صعد المنبر، فقال: إنّ اللّه ورسوله قد أحلاّ لكم متعتين وأنا محرّمُهما عليكم وأُعاقب عليهما، فقبلنا شهادته ولم نقبل تحريمه.(1)

السابع: سيرة الصحابة بعد رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

إنّ سبر كتب التاريخ والسير يثبت أنّ سيرة الصحابة بعد رحيل النبي استمرت على الحلية وكانوا يستمتعون بلا حرج، وإنّما بدأ الاختلاف عندما أفتى الخليفة بتحريمها في أُخريات خلافته.

وقد مرت أسماء طائفة من الصحابة الذين استمتعوا بعد رحيل الرسول ولم يعترض عليهم أحد و قد وقفت على أحاديث لفيف منهم:


1-المحاضرات:2/94.


(113)

1. جابر بن عبد اللّه الأنصاري.

2. عبد اللّه بن مسعود.

3. عمران بن حصين.

إلى غير ذلك ممن مرت أسما ؤهم، وهانحن نذكر هنا نزراً يسيراً ممّن استمتع بعد الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وهم من الصحابة العدول وإن أثار حفيظة المحرّم.

1. أخرج الحافظ عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير عن جابر: قدم عمرو بن حريث الكوفة فاستمتع بمولاة فأتى بها عمرو حبلى فسأله فاعترف، قال: فذلك حين نهى عنها عمر.(1)

2. أخرج المتقي الهندي عن سليمان بن يسار عن أُمّ عبد اللّه ابنة أبي خيثمة انّ رجلاً قدم من الشام فنزل عليها، فقال: إنّ العزبة قد اشتدت عليّ فابغيني امرأة أتمتع بها، قالت: فدللته على امرأة فشارطها وأشهدوا على ذلك عدولاً،


1-فتح الباري:9/141.


(114)

فمكث معها ما شاء اللّه أن يمكث.

ثمّ إنّه خرج فأخبر عن ذلك عمر بن الخطاب فأرسل إليّ فسألني أحقّ ما حُدّثْتُ؟ قلت: نعم. قال: فإذا قدم فأذنيني، فلمّا قدم أخبرته فأرسل إليه، فقال: ما حملك على الذي فعلتَه؟ قال: فعلته مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ثمّ لم ينهنا عنه حتّى قبضه اللّه، ثمّ مع أبي بكر فلم ينهنا عنه حتّى قبضه اللّه، ثمّ معك فلم تحدث لنا فيه نهياً، فقال عمر: أما والذي نفسي بيده لو كنت تقدّمت في نهي لرجمتك، بينوا حتّى يعرف النكاح من السفاح.(1)

3. نقل ابن حجر عن ابن الكلبي انّ سلمة بن أُميّة بن خلف الجمحي استمتع من سلمى مولاة حكيم بن أُمية بن الأوقص الأسلمي، فولدت له، فجحد ولدها، فبلغ ذلك عمر فنهى عن المتعة. وروى أيضاً انّ سلمة استمتع بامرأة فبلغ عمر فتوعّده.(2)


1-كنز العمال:16/522برقم45726.
2-الإصابة:2/63.


(115)

الشبهة الثامنة

الزواج المؤقت

ومشكلة الإنجاب

كانت الشبهة السابقة تدور حول حلّية المتعة كتاباً وسنّة أو منسوخيّتها كذلك.

ولكن ثمة شبهة أُخرى وهي ترجع إلى مشكلة اجتماعية مفادها انّ الرجل إذا نزل بلدة واستمتع بامرأة مسلمة وقضى وطره منها ثمّ تركها وغادر البلدة والمرأة حبلى فحينها تثار مشكلة المولود وانتسابه إلى الأب، وربما يبقى المولود إلى آخر عمره لا يعرف أباه، ويولّد ذلك بمرور الزمن عقداً نفسية لا يمكن تجاوزها.

وحسم هذه المشكلة يتم بالبيان التالي:


(116)

1. انّ المشكلة مشتركة بين الزواج الدائم والمؤقت، فربما يتوافق الزوجان على عقد دائم عرفي مع إقامة الشهود والولي فربما يغادر الزوج البلد ويتركها من دون أن يطلع الزوجة على مكانه والزوجة حبلى، فتثار حينها مشكلة الولد كنظيرتها في النكاح المؤقت.

2. انّ الملاك في تشريع القوانين وتقنينها هو انسجامها مع مصالح المجتمع على الوجه الغالب ولا تضر المفسدة في شوّاذ الأُمور ونوادرها، إذ قلّما يُؤمِّن القانون مصالح المجتمع بالتمام، فعلى الباحث أن يطالع القانون وآثاره الإصلاحية في أكثر الموارد دون أن يأخذ بنظر الاعتبار الموارد الشاذّة.

هذا والذي يحسم جذور الإشكال انّ على المرأة المتزوجة إذا خافت من مضاعفات النكاح المؤقت أن لا ترضى إلاّ بالعزل أوّلاً ثمّ الإشهاد على الزواج ثانياً، سواء كان الإشهاد واجباً كما في فقه السنّة، أو مستحباً كما في فقه الشيعة، وأولى من ذلك أن تكون هناك وثيقة رسمية تكفل لها حقوقها في المحاكم الرسمية كالزواج الدائم.

نعم يتجلّى الإشكال في أكثر البلاد الإسلامية ، التي لم


(117)

يُعترف فيها بالمتعة تحليلاً، و أمّا إذا كان هناك اعتراف رسمي بالزواج المؤقت فيكون المؤقت والدائم على حدّ سواء.

وتتلو هذه الشبهة شبهة أُخرى ربما تتّحدان جوهراً وتختلفان صورة، وهي مسألة اختلاط الأنساب وضياع النسل وعقد عابر الطريق والمجهول في النكاح المؤقت، وهذه الشبهة هي التي طرحها السيد الراوي البغدادي في المقام.

والشبهة نابعة من عدم الإمعان في حقيقة النكاح المؤقت، وقد عرفت أنّ من أحكامه العدّة: عدة الفراق، وعدة الوفاة، وفي ظلّه يحفظ النسل ويمنع اختلاط المياه، فلا يجوز لأحد أن يتمتع بامرأة تمتع بها غيره حتّى تخرج من عدة ذلك الغير وإلاّ كان زانياً و مع اعتبار العدة فأين يكون اختلاط الأنساب وضياع النسل؟!

وحصيلة الكلام: انّه يجب على الزوج أن يتعرف حال المتمتع بها حتّى إذا ولدت ولداً أُلحق به كي لا تضيع الأنساب وكذلك المتمتع بها إذا انتهى أجلها يجب عليها أن تعتد.


(118)

الشبهة التاسعة

أُكذوبة

المتعة الدورية

إنّ طرح مثل هذه الشبهة ممّا يندى له الجبين ويأسف له العقل السليم، وفي الحقيقة هي ليست شبهة، بل فرية وافتراء على شريحة واسعة من المسلمين الذين أخذوا عقيدتهم من معين أهل بيت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ العذب الذين عرّفهم النبي بأنّهم أعدال القرآن وقرناؤه وقال:« إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي».

وحاصل الشبهة: انّ المرأة الواحدة يتناوبها ويتعاقبها عدة من الرجال بحسب ساعاتهم، فعندئذ فبمن يلحق الولد.


(119)

أقول: إنّ ما نسبه إلى القائلين بالحلية يعرب عن أنّ صاحب الشبهة أعياه البرهان حتى التجأ إلى الكذب والفرية، وقد عرفت في صدر البحث أحكام المتعة ووجوب العدة ومع ذلك كيف يمكن تصحيح تلك المتعة الدورية التي هي في الواقع زنا لا غير؟!

وهنا كلام قيم للإمام المصلح الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء الذي كان قلبه ينبض بالحب والأمل الكبير للمّ شمل الأُمّة وجمع شتاتها، يقول رداً على طرح تلك الشبهة:

فاللازم أوّلاً: ان تدلنا على كتاب جاهل من الشيعة ذكر فيه تحليل هذا النحو من المتعة فضلاً عن عالم من علمائهم، وإذا لم تدلنا على كتابة منهم أو كتاب، فاللازم إن تحد حد المفتري الكذاب، كيف وإجماع الإمامية على لزوم العدة في المتعة وهي على الأقل خمسة وأربعون يوماً، فأين التناوب والتعاقب عليها حسب الساعات؟!

وإن كنت تريد انّ بعض العوام والجهلاء الذين لا


(120)

يبالون بمقارفة المعاصي وانتهاك الحرمات قد يقع منهم ذلك، فهذا مع أنّه لا يختص بعوام الشيعة بل لعلّه في غيرهم أكثر، ولكن لا يصحّ أن يسمّى هذا تحليلاً، إذ التحليل ما يستند إلى فتوى علماء المذهب لا ما يرتكبه عصاتهم وفسّاقهم، وهذا النحو من المتعة عند علماء الشيعة من الزنا المحض الذي يجب فيه الحدّ ولا يلحق الولد بواحد، كيف وقد قال سيد البشر: «الولد للفراش وللعاهر الحجر».(1)

وقال العلاّمة الأميني ـ ردّاً على صاحب المنار الذي نسب المتعة الدورية إلى الشيعة ـ ما هذا لفظه:

نسبة المتعة الدوريّة وقل: الفاحشة المبيّنة إلى الشيعة إفكٌ عظيمٌ تقشعرُّ منه الجلود، وتكفهرُّ منه الوجوه، وتشمئزُّ منه الأفئدة، وكان الأحرى بالرَّجل حين أفك أن يتّخذ له مصدراً من كتب الشيعة ولو سواداً على بياض من أيِّ ساقط منهم، بل نتنازل معه إلى كتاب من كتب قومه يسند ذلك إلى الشيعة، أو سماع عن أحد لهج به، أو وقوف


1-أصل الشيعة وأُصولها:151، مطبعة العرفان، صيدا.


(121)

منه على عمل ارتكبه أُناسٌ ولو من أوباش الشيعة وأفنائهم، لكنّ المقام قد أعوزه عن كلّ ذلك، لأنّه أوّل صارخ بهذا الإفك الشائن، ومنه أخذ القصيمي في [الصراع بين الإسلام والوثنيّة] وغيره.(1)


1-الغدير:3/286.


(122)

الشبهة العاشرة

تحاشي الأشراف من تعاطيها

وهناك من يجعل تحاشي الأشراف دليلاً على عدم الحلية ويقول: لو كانت المتعة حلالاً فلماذا نرى أنّ أشراف الشيعة وأعيانهم يتحاشون من تعاطيها بينهم، فلم يسمع من يقول حضرنا تمتُّع السيد الفلاني أو الفاضل الفلاني بالآنسة بنت السيد الفلاني كما يقال: حضرنا عقد نكاح الفاضل الفلاني بآنسة الفاضل، بل أكثر جريانها وتعاطيها في الساقطات والسافلات، فهل ذلك إلاّ لقضاء الوطر وإن حصل منه النسل قهراً؟

فنقول: إنّ هذه الشبهة ممّا تضحك منها الثكلى، كيف يعد التحاشي دليلاً على الحرمة والإقبال دليلاً على الحلية، فانّ


(123)

الطلاق أمر مشروع لكن يتحاشى منه الأشراف غالباً، فهل يمكن أن يستدلّ بتحاشيهم على حرمته؟!

إنّ القائل بادر إلى طرح هذه الشبهة نتيجة استفلاسه عن دحض أدلّة الزواج المؤقت بحجج دامغة، فالتجأ إلى هذه الشبهة غافلاً عن أنّ النكاح المؤقت كما مرّ في المقدمة دواء لمقطع زمني خاص وليس هو السبيل الأمثل، وانّ المتمتِّع إنّما يتمسك بأهداب المتعة حين الاضطرار وعدم مقدرته على الزواج الدائم، ولهذا السبب لا يعقد له في النوادي ولا تُقام له الحفلات ولا تبعث له التبريكات، يقول العلاّمة كاشف الغطاء: أمّا تحاشي أشراف الشيعة وسراتهم من تعاطيها فهو عفّة وترفّع واستغناء واكتفاء بما أحلّ اللّه لهم من تعدّد الزوجات الدائمة مثنى وثلاث و رباع، فإن أرادوا الزيادة على ذلك جاز لهم التمتع بأكثر من ذلك كما يفعله بعض أهل الثروة والبذخ من رؤساء القبائل وغيرهم.

وعلى كلّ فإنّ تحاشي الأشراف والسراة لا يدلّ على الكراهة الشرعية فضلاً عن عدم المشروعية، ألا ترى أنّ


(124)

الصحابة والتابعين ـ رضوان اللّه عليهم ـ كانوا كثيراً ما يتسرون بالإماء ويتمتعون بملك اليمين ويلدن لهم الأولاد الأفاضل.

أمّا اليوم فالأشراف يأنفون من ذلك مع أنّه حلال بنص القرآن العزيز.(1)

***

هذه هي المتعة وهذه هي حقيقتها ودلائلها الساطعة من الكتاب والسنّة وسيرة الصحابة بعد رحيل النبي، وهذه شبهاتها الواهية وأجوبتها الواضحة، وعندئذ:

فما هذا النكير والنفير، والنبز والتعيير على الشيعة في أمر المتعة يا فقهاء الإسلام ويا حملة الأحكام؟!

والحق كما يقوله المصلح الكبير الشيخ كاشف الغطاء: لو انّ المسلمين عملوا بها على أُصولها الصحيحة من العقد، والعدة، والضبط، وحفظ النسل منها، لانسدت بيوت المواخير وأوصدت أبواب الزنا والعهار، ولارتفعت أو قلت


1-أصل الشيعة وأُصولها:151ـ 152، مطبعة العرفان، صيدا.


(125)

ويلات هذا الشر على البشر، ولأصبح الكثير من تلك المومسات المتهتكات، مصونات محصنات، ولتضاعف النسل وكثرت المواليد الطاهرة، واستراح الناس من اللقيط والنبيذ، وانتشرت صيانة الأخلاق وطهارة الأعراق إلى كثير من الفوائد والمنافع التي لا تعد ولا تحصى.

وللّه در عالم بني هاشم وحبر الأُمة عبد اللّه بن عباس (رض) في كلمته الخالدة الشهيرة التي رواها ابن الأثير في «النهاية» والزمخشري في «الفائق» وغيرهما حيث قال: ما كانت المتعة إلاّ رحمة رحم اللّه بها أُمّة محمّد ولولا نهيه عنها ما زنا إلاّ شقي، وقد أخذها من عين صافية من أُستاذه ومعلّمه ومربّيه أمير المؤمنين، وفي الحق انّها رحمة واسعة، وبركة عظيمة ولكن المسلمون فوّتوها على أنفسهم وحرموا من ثمراتها وخيراتها ووقع الكثير في حمأة الخنا والفساد والعار والنار والخزي والبوار(أَتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير).(1)


1-أصل الشيعة وأُصولها:148.


(126)

خاتمة المطاف

لا يخفى انّ كلّ هذا الضجيج الذي أثير حول النكاح المؤقت ما ظهر إلاّ لتبرير عمل الخليفة الثاني الذي حرم ما نص على حلّيته الذكر الحكيم و السنّة النبوية وسيرة الصحابة وقضاء الفطرة الإنسانية، فلم يجدوا بُدّاً إلاّ القول بمنسوخية التشريع في حياة الرسول و جاء عمل الخليفة الثاني كتعزيز وتأكيد لقول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، غير انّ هذا التبرير لا يعضده التاريخ ويزيّفه قول الخليفة نفسه، فانّه نسب صراحة التحريم إلى نفسه، وقد مرّ نصّه وذلك بعد ما وقف على قضية عمرو بن حريث وانّه تمتع، فثارت ثورته من العمل المذكور فقال ما قال.

وأجود ما يقال في تبرير عمل الخليفة انّ تحريمه انطلق من مصلحة زمنية في نظره دعته إلى تحريمها والكيد بفاعلها.


(127)

وما ذكرناه من التوجيه هو الذي مال إليه الشيخ كاشف الغطاء ـ رضوان اللّه عليه ـ فقال: إذا أردنا أن نسير على ضوء الحقائق، ونعطي المسألة حقّها من التمحيص والبحث عن سرّ ذلك الارتباك وبذرته الأُولى ـ التي نمت وتأثلت ـ لا نجد حلاً لتلك العقدة إلاّ أنّ الخليفة قد اجتهد برأيه لمصلحة رآها بنظره للمسلمين في زمانه وأيامه، اقتضت أن يمنع من استعمال المتعة منعاً مدنياً لا دينياً، لمصلحة زمنية، ومنفعة وقتية، ولذا تواتر النقل عنه أنّه قال: «متعتان كانتا على عهد رسول اللّه وأنا أُحرِّمهما وأُعاقب عليهما». ولم يقل انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حرّمهما أو نسخهما، بل نسب التحريم إلى نفسه وجعل العقاب عليها منه لا من اللّه سبحانه.(1)

ولو انّ مخالفي النكاح المؤقت اعتمدوا على التوجيه الذي بذله الشيخ كاشف الغطاء، لانصاعوا لأدلّة النكاح المؤقت الدامغة، وبما انّ تحريم الخليفة كان تحريماً مؤقتاً نابعاً من مصلحة زمنية، فإذا ارتفع المانع عاد المقتضي، حينها يأخذ


1-أصل الشيعة وأُصولها:138.


(128)

النكاح المؤقت مكانته في التشريع الإسلامي و لحل محلّ المحرم ولصلحت الأُمة الإسلامية في حاضرها ومستقبلها، وبذلك يتجسّد القول الخالد لأمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «لولا النهي عن المتعة لما زنا إلاّ شقي».

قال سبحانه :

(ولا تَقُولُوا لما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللّهِ الكَذِبَ إِنّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُون).(1)


1- النحل:116.

Website Security Test