welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الخمس في الكتاب والسنّة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الخمس في الكتاب والسنّة

12

الخمس
في الكتاب والسنّة

تأليف

الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أفضل خلقه وخاتم رسله محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين هم عيبة علمه وحفظة سننه.

أمّا بعد، فانّ الإسلام عقيدة وشريعة، فالعقيدة هي الإيمان باللّه ورسله واليوم الآخر،والشريعة هي الأحكام الإلهية التي تكفل للبشرية الحياة الفضلى وتحقّق لها السعادة الدنيوية والأُخروية.

وقد امتازت الشريعة الإسلامية بالشمول، ووضع الحلول لكافّة المشاكل التي تعتري الإنسان في جميع جوانب الحياة قال سبحانه: (الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِيناً) .(1)


1-المائدة: 3 .


(4)

غير أنّ هناك مسائل فرعية اختلف فيها الفقهاء لاختلافهم فيما أثر عن مبلّغ الرسالة النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، الأمر الّذي أدّى إلى اختلاف كلمتهم فيها، وبما أنّ الحقيقة بنت البحث فقد حاولنا في هذه الدراسات المتسلسلة أن نطرحها على طاولة البحث، عسى أن تكون وسيلة لتوحيد الكلمة وتقريب الخطى في هذا الحقل، فالخلاف فيها ليس خلافاً في جوهر الدين وأُصوله حتّى يستوجب العداء والبغضاء، وإنّما هو خلاف فيما روي عنه ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وهو أمر يسير في مقابل المسائل الكثيرة المتّفق عليها بين المذاهب الإسلامية.

ورائدنا في هذا السبيل قوله سبحانه: (وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَ لاَ تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً).(1)

جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


1-آل عمران: 103 .


(5)

الخمس في الكتاب والسنّة (1)

الأصل في ضريبة الخمس هو قوله سبحانه: (واعلَموا أنَّما غَنِمتُمْ مِن شيء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وللرَّسولِ ولِذي القُربى واليَتامى والمَساكينِ وابنِ السَّبيلِ إن كُنتُمْ آمَنتُمْ باللّهِ وما أنْزَلْنا على عَبدِنا يَومَ الفُرقانِ يَومَ التَقَى الجَمْعانِ واللّه على كُلِّ شيء قديرٌ).(2)

لا شك أنّ الآية نزلت في مورد خاص، أعني: يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان وهو غزوة «بدر» الكبرى ، لكن الكلام في مادة «الغنيمة» في قوله سبحانه: (ما غَنِمْتُمْ) هل


1. ربّما يُخيّل لبعض البسطاء أنّ الشيعة تنفرد بالقول بوجوب الخمس في غير الغنائم، ولأجل توضيح الحال ندرس الموضوع في ظل الكتاب والسنّة، وكلمات الفقهاء.
2. الأنفال: 41 .


(6)

هو عام لكلّ ما يفوز به الإنسان في حياته، أو خاص بما يظفر به في الحرب من السلب والنهب؟

وعلى فرض كونه عامّاً فهل المورد مخصّص أو لا؟

فيقع الكلام في مقامين:

الأوّل: الغنيمة مطلق ما يفوز به الإنسان

فالظاهر من أئمّة اللغة أنّه في الأصل أعم ممّا يظفر به الإنسان في ساحات الحرب، بل هو لغة لكلّ ما يفوز به الإنسان، وإليك بعض كلماتهم:

1. قال الخليل: الغُنْم: الفوز بالشيء في غير مشقة، والاغتنام : انتهاز الغنم.(1)

2. قال الأزهري: قال الليث: الغنم: الفوز بالشيء، والاغتنام انتهاز الغنم.(2)

3. قال الراغب: الغنم معروف ... والغُنْم: إصابته


1. كتاب العين:4/426، مادة غنم.
2. تهذيب اللغة: مادة «غنم».


(7)

والظفر به، ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العِدَى وغيرهم، قال: (واعلموا أنَّما غنمتم من شيء)، (فكلوا ممّا غنتم حلالاً طيّباً) والمغنم: ما يُغنم وجمعه مغانم، قال: (فَعندَ اللّهِ مغانمُ كثيرة). (1)

4. قال ابن فارس: «غنم» أصل صحيح واحد يدلّ على إفادة شيء لم يملك من قبل ثمّ يختص بما أُخذ من المشركين. (2)

5. قال ابن منظور: «الغُنْم» الفوز بالشيء من غير مشقّة. (3)

6. قال ابن الأثير: في الحديث: الرهن لمن رهنه، له غُنمه وعليه غُرمه، غُنْمه: زيادته ونماؤه وفاضل قيمته. (4)

7. قال الفيروز آبادي: «الغنم» الفوز بالشيء لا


1. المفرادت : مادة «غنم».
2. مقاييس اللغة: مادة «غنم».
3. لسان العرب: مادة «غنم».
4. نهاية اللغة: مادة «غنم».


(8)

بمشقّة، وأغنمه كذا تغنيماً نفله إيّاه، واغتنمه وتغنّمه، عدّه غنيمة. (1)

8. وقال الزبيدي: الغنيمة والغنم بالضم، وفي الحديث: «الرهن لمن رهنه، له غُنْمه وعليه غرمه» غنمه أي زيادته ونماؤه وفاضل قيمته، والغنم الفوز بالشيء بلا مشقة.(2)

9. وقال في الرائد: غنم: يغنم: أصاب غنيمة في الحرب أو غيرها.(3)

10. انّ الغُنم يستعمل مقابل الغرم وهو الضرر، فيكون معناه بمقتضى المقابلة هو النفع، ومن القواعد الفقهية قاعدة «الغُنْم بالغرم» ومعناه انّ من ينال نفع شيء يتحمّل ضرره.

ودليل هذه القاعدة هو قول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه»، قال


1. قاموس اللغة: مادة «غنم».
2. تاج العروس:ج9: مادة «غنم».
3. الرائد:2: مادة «غنم».


(9)

الشافعي: غنمه زيادته، وغرمه هلاكه ونقصه.(1)

وهذه النصوص تعرب عن أنّ المادّة لم توضع لما يفوز به الإنسان في الحروب، بل معناها أوسع من ذلك وإن كان يغلب استعمالها في العصور المتأخّرة عن نزول القرآن في ما يظـفر به في ساحة الحرب.

ولأجل ذلك نجد أنّ المادة استعملت في مطلق ما يفوز به الإنسان في الذكر الحكيم والسنّة النبويّة.

لقد استعمل القرآن لفظة «المغنم» فيما يفوز به الإنسان وإن لم يكن عن طريق القتال، بل كان عن طريق العمل العادي الدنيوي أو الأُخروي، إذ يقول سبحانه:

(يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا إذا ضَـربتُمْ في سَبيلِ اللّهِ فَتَبيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَنْ ألقى إليكُمُ السَّلامَ لَستَ مُؤمِناً تَبتَغونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنيا فَعِندَ اللّهِ مَغانِمُ كَثيرة) . (2)

والمراد بـالمغـانم الكثيرة: هو أجر الآخرة، بدليـل


1. الموسوعة الفقهية:31/301، مادة غنم.
2. النساء: 94.


(10)

مقابلـته لعرض الحياة الدنيا، فيدل على أنّ لفظ المَغْنم لا يختصّ بالأُمور والأشياء التي يحصل عليها الإنسان في هذه الدنيا أو في ساحات الحرب فقط، بل هو عام لكلّ مكسب وفائدة وإن كان أُخرويّاً.

كما وردت هذه اللفظة في الأحاديث وأُريد منها مطلق الفائدة الحاصلة للمرء.

روى ابن ماجة في سننه: أنّه جاء عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «اللّهمّ اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرما».(1)

وفي مسند أحمد عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «غنيمة مجالس الذكر الجنّة». (2)

وفي وصف شهر رمضان عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «غنم للمؤمن». (3)

وفي نهاية ابن الأثير: الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة ،


1. سنن ابن ماجة: كتاب الزكاة، باب ما يقال عند إخراج الزكاة، الحديث 1797.
2. مسند أحمد: 2/330و 374 و 524.
3. المصدر نفسه: ص 177.


(11)

سمّـاه غنيمة لما فيه من الأجر والثواب.(1)

فقد بان ممّا نقلناه من كلمات أئمّة اللغة وموارد استعمال تلك المادة في الكتاب والسنّة، أنّ العرب تستعملها في كل مورد يفوز به الإنسان، من جهة العدى وغيرهم، وإنّما صار حقيقة متشرعة في الأعصار المتأخّرة في خصوص ما يفوز به الإنسان في ساحة الحرب، ونزلت الآية في أوّل حرب خاضها المسلمون تحت لواء رسول اللّه، ولم يكن الاستعمال إلاّ تطبيقاً للمعنى الكلّـي على مورد خاص.

الثاني: المورد غير مخصّص

إذا كان مفهوم اللفظ عامّاً يشمل كافّة ما يفوز به الإنسان، فلا يكون وروده في مورد خاص، مخصّصاً لمفهومه ومضيّقاً لعمومه، فإذا وقفنا على أنّ التشريع الإسلامي فرض الخمس في الركاز والكنز والسيوب أوّلاً، وأرباح المكاسب ثانياً، فيكون ذلك التشريع مؤكّداً لإطلاق الآية، ولا يكون


1. النهاية: مادة «غنم».


(12)

وروده في الغنائم الحربية رافعاً له. وإليك ما ورد في السنّة من الروايات في الموردين:

1. وجوب الخمس في الركاز من باب الغنيمة

اتّفقت السنّة على أنّ في الركاز الخمس وإنّما اختلفوا في المعادن، فالواجب هو الخمس لدى الحنفية والمالكية، وربع العشر عند الشافعية والحنابلة.

وقد استدلّت الحنفية على وجوب الخمس في المعادن بالكتاب والسنّة والقياس فقالوا:

أمّا الكتاب : فقوله تعالى: (واعْلَمُوا انّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فأنّ للّهِ خُمُسَهُ) ويعدّ المعدن غنيمة، لأنّه كان في محلّه من الأرض في أيدي الكفرة، وقد استولى عليه المسلمون عنوة.

وأمّا السنّة: فقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «العجماء جُبار ـ أي هدر لا شيء فيه ـ و البئر جبار والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» والركاز يشمل المعدن والكنز، لأنّه من الركز أي المركوز، سواء من الخالق أو المخلوق.


(13)

وأمّا القياس: فهو قياس المعدن على الكنز الجاهلي، بجامع ثبوت معنى الغنيمة في كلّ منهما، فيجب الخمس فيهما.(1)

ترى أنّ الحنفية تستدلّ على وجوب الخمس في المعادن بآية الغنيمة ولا تصلح للاستدلال إلاّ أن يراد بها المعنى اللغوي لا المعنى الاصطلاحي.

وما جاء في ثنايا الاستدلال بأنّ المعدن غنيمة، لأنّه كان في محلّه من الأرض في أيدي الكفرة وقد استولى عليه المسلمون عنوة، غير تام، بل الظاهر انّ المعدن ـ بما هو هو ـ مع قطع النظر عن تلك الحيثية «غنيمة»، و إلاّ يتوجّه عليه إشكالان:

1. عدم وجوب الخمس في المعادن التي لم تكن عليها يد الكفر، كما في الصحارى الخالية عن أيّة سلطة عبر التاريخ.

2. انّ أمر «الغنيمة» دائر بين كونها حقيقة في خصوص


1. الفقه الإسلامي وأدلّته:2/776.


(14)

ما يفوز به الإنسان في ساحة الحرب أو مطلق ما يفوز به الإنسان، و أمّا الفوز بالشيء بعد مرور قرن أو قرون على الحرب فهو لم يقل به أحد، و من الواضح انّ أكثر المعادن التي عليها يد الدولة الإسلامية أو آحاد الناس من هذا القبيل.

هذا و قد تضافرت الروايات عن طريق أهل السنّة على وجوب الخمس في الأُمور الأربعة:

أ. الركاز.

ب. الكنز.

ج. المعدن.

د. السيوب.

روى لفيف من الصحابة كابن عباس وأبي هريرة وجابر وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك، وجوب الخمس في الركاز والكنز والسيوب، وإليك قسماً ممّا روي في هذا المجال:

1. في مسند أحمد وسنن ابن ماجة واللفظ للأوّل: عن


(15)

ابن عباس قال:

قضى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الركاز، الخمس (1).

2. وفي صحيحي مسلم والبخاري واللفظ للأوّل: عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «العجماء جرحها جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس». (2)

قال أبو يوسف في كتاب «الخراج»: كان أهل الجاهلية إذا عطبَ الرجل في قُلَيب جعلوا القليب عَقَله، وإذا قتلته دابة جعلوها عقله، وإذا قتله معدن جعلوه عقله. فسأل سائل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن ذلك؟ فقال: «العجماء جبار، والمعدن جبار، والبئر جبار، وفي الركاز الخمس» فقيل له: ما الركاز يا رسول اللّه؟ فقال: «الذهب والفضة الذي خلقه اللّه في الأرض يوم خلقت» .(3)


1. مسند أحمد : 1/314; سنن ابن ماجة: 2/839، ط 1373 هـ.
2. صحيح مسلم : 5/127، باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، من كتاب الحدود; صحيح البخاري: 1/182، باب في الركاز الخمس.
3. الخراج: 22.


(16)

3. وفي مسند أحمد: عن الشعبي عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «السائمة جبار، والجُبّ جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» قال الشعبي: الركاز: الكنز العادي. (1)

4. وفيه أيضاً: عن عبادة بن الصامت قال:من قضاء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّ المعدن جبار، والبئر جبار، والعجماء جرحها جبار. والعجماء: البهيمة من الأنعام وغيرها، والجبار هو الهدر الذي لا يُغرم ، وقضى في الركاز الخمس. (2)

5. وفيه: عن أنس بن مالك قال: خرجنا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى خيبر فدخل صاحب لنا إلى خربة يقضي حاجته فتناول لبنة ليستطيب بها فانهارت عليه تبرا، فأخذها فأتى بها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأخبره بذلك، قال: «زنها» فوزنها فإذا مائتا درهم فقال النبي: «هذا ركاز وفيه الخمس». (3)


1. مسند أحمد: 3/335.
2. مسند أحمد: 5/326.
3. المصدر نفسه: 3/128.


(17)

6. وفيه: أنّ رجلاً من مزينة سأل رسول اللّه مسائل جاء فيها: فالكنز نجده في الخرب وفي الآرام؟ فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : « فيه وفي الركاز الخمس» .(1)

7. وفي نهاية اللغة ولسان العرب وتاج العروس في مادة «سيب» واللفظ للأوّل: وفي كتابه ـ أي كتاب رسول اللّه ـ لوائل بن حجر: «وفي السيوب الخمس» السيوب: الركاز.

قالوا:

«السيوب: عروق من الذهب والفضة تَسيب في المعدن، أي تتكوّن فيه وتظهر» والسيوب: جمع سيب، يريد به ـ أي يريد النبي بالسيب ـ المال المدفون في الجاهلية، أو المعدن لأنّه من فضل اللّه تعالى وعطائه لمن أصابه». (2)

تفسير ألفاظ الأحاديث

العجماء: الدابة المنفلتة من صاحبها، فما أصابت في


1. المصدر نفسه: 2/186.
2. النهاية : مادة «سيب».


(18)

انفلاتها فلا غرم على صاحبها، والمعدن جبار يعني: إذا احتفر الرجل معدناً فوقع فيه انسان فلا غرم عليه، وكذلك البئر إذا احتفرها الرجل للسبيل فوقع فيها إنسان فلا غرم على صاحبها، وفي الركاز الخمس، والركاز: ما وجد من دفن أهل الجاهلية، فمن وجد ركازاً أدّى منه الخمس إلى السلطان وما بقي له. (1)

والآرام: الأعلام وهي حجارة تجمع وتنصب في المفازة يُهتدى بها، واحدها إرَم كعنب. وكان من عادة الجاهلية أنّهم إذا وجدوا شيئاً في طريقهم لا يمكنهم استصحابه، تركوا عليه حجارة يعرفونه بها حتى إذا عادوا أخذوه. (2)

وفي «لسان العرب» وغيره من معاجم اللغة،: ركَزَه يركُزُه رَكزاً: إذا دفنه. والركاز: قطع ذهب وفضة تخرج من الأرض، أو المعدن. واحده الركزة، كأنّه ركز في الأرض.

وفي نهاية اللغة: والركزة: القطعة من جواهر الأرض


1. سنن الترمذي: 6/145، باب ما جاء في العجماء.
2. النهاية : مادة «ارم».


(19)

المركوزة فيها، وجمع الركزة: الركاز.

إنّ هذه الروايات تعرب عن وجود ضريبة غير الزكاة، هي الخمس وعليه كلام أبي يوسف في كتابه «الخراج» وإليك نصّه:

كلام أبي يوسف في المعدن والركاز

قال أبو يوسف: في كل ما أُصيب من المعادن من قليل أو كثير، الخمس، ولو أنّ رجلاً أصاب في معدن أقل من وزن مائتي درهم فضّة أو أقل من وزن عشرين مثقالاً ذهباً فإنّ فيه الخمس، وليس هذا على موضع الزكاة إنّما هو على موضع الغنائم (1)، وليس في تراب ذلك شيء إنّما الخمس في الذهب الخالص والفضة الخالصة والحديد والنحاس والرصاص، ولا يحسب لمن استخرج ذلك من نفقته عليه شيء، وقد تكون النفقة تستغرق ذلك كلّه فلا يجب إذن فيه خمس عليه، وفيه


1. ترى أنّ أبا يوسف يعد الخمس الوارد في هذا الموضع من مصاديق الغنيمة الواردة في آية الخمس وهو شاهد على كونها عامة مفهوماً.


(20)

الخمس حين يفرغ من تصفيته قليلاً كان أو كثيراً، ولا يحسب له من نفقته شيء من ذلك، وما استخرج من المعادن سوى ذلك من الحجارة ـ مثل الياقوت والفيروزج والكحل والزئبق والكبريت والمغرّة ـ فلا خمس في شيء (1) من ذلك، إنّما ذلك كلّه بمنزلّة الطين والتراب.

قال: ولو أنّ الذي أصاب شيئاً من الذهب أو الفضة أو الحديد أو الرصاص أو النحاس، كان عليه دين فادح لم يُبطل ذلك الخمس عنه، ألا ترى لو أنّ جنداً من الأجناد أصابوا غنيمة من أهل الحرب خُـمِّسَت ولم ينظر أعليهم دين أم لا، ولو كان عليهم دين لم يمنع ذلك من الخمس.

قال: وأمّا الركاز فهو الذهب والفضة الذي خلقه اللّه عزّ وجلّ في الأرض يوم خلقت، فيه أيضاً الخمس، فمن أصاب كنزاً عاديّاً في غير ملك أحد ـ فيه ذهب أو فضة أو جوهر أو ثياب ـ فإنّ في ذلك الخمس وأربعة أخماسه للذي


1. هذا رأي أبي يوسف، واطلاق الآية يخالفه مضافاً إلى مخالفته مع روايات أئمّة أهل البيت فإنّها تفرض الخمس في الجميع.


(21)

أصابه وهو بمنزلة الغنيمة يغنمها القوم فتخمَّس وما بقي فلهم.

قال: ولو أنّ حربياً وجد في دار الإسلام ركازاً و كان قد دخل بأمان، نزع ذلك كلّه منه ولا يكون له منه شيء، وإن كان ذمّياً أُخذ منه الخمس كما يؤخذ من المسلم، وسلِّم له أربعة أخماسه. وكذلك المكاتب يجد ركازاً في دار الإسلام فهو له بعد الخمس .... (1)

إنّ الناظر في فتاوى العلماء وروايات الواردة في وجوب الخمس في الركاز الذي هو الكنز عند الحجازيين والمعدن عند أهل العراق يقف على أنّ إيجابه من باب انّه فوز بالشيء بلا بذل جهد، كالغنائم المأخوذة في الغزوات، وهذا يعرب عن أنّ مدلول الآية أوسع ممّا يتصوّر في بدء الأمر.

يقول ابن الأثير ناقلاً عن مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا والذي سمعت أهل العلم يقولون: إنّ الركاز إنّما هو دفن يوجد من دفن الجاهلية، ما لم يطلب بمال ولم يتكلّف فيه نفقة، ولا كبير عمل ولا مؤونة، فأمّا ما طلب


1. الخراج: 22.


(22)

بمال، وتكلّف فيه كبير عمل فأصيب مرة وأخطئ مرة، فليس بركاز.

والركاز عند أهل الحجاز كنز الجاهلية ودفنها، لأنّ صاحبه ركزه في الأرض، أي أثبته وهو عند أهل العراق، المعدن، لأنّ اللّه تعالى ركزه في الأرض ركزاً، والحديث إنّما جاء في التفسير الأوّل منهما، وهو الكنز الجاهلي على ما فسّره الحسن وإنّما كان فيه الخمس لكثرة نفعه وسهولة أخذه، والأصل فيه أنّ ما خفت كلفته كثر الواجب فيه، وما ثقلت كلفته قلّ الواجب فيه.(1)

ويؤيد ذلك ما رواه الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ عن آبائه ـ عليهم السَّلام ـ في وصية النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لعلي ـ عليه السَّلام ـ قال: «يا علي إنّ عبد المطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن أجراها اللّه له في الإسلام... ووجد كنزاً فأخرج منه الخمس وتصدّق به فأنزل اللّه:(وَاعْلَمُوا انّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فانّ للّه خمسه)». إلى غير ذلك من الأخبار.(2)


1. جامع الأُصول:4/620ـ621.
2. الوسائل: 6، الباب5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث3.


(23)

ترى أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جعل الكنز من مصاديق الغنيمة الواردة في الآية المباركة، وهذا يعرب عن سعة مفهوم الآية.

غير أنّ الشيعة الإمامية عمّمتها إلى أرباح المكاسب ولكن السنّة خصصتها بالركاز والكنز والمعدن، وسيوافيك ما يدلّ على وجوب الخمس في أرباح المكاسب في روايات أهل السنّة.

2. الخمس في أرباح المكاسب

هذا هو بيت القصيد في المقام، والهدف من عنوان المسألة هو إثبات ذلك، حيث يظهر من غير واحد من الروايات أنّ النبيّ الأكرم أمر بإخراج الخمس من مطلق ما يغنمه الإنسان من أرباح المكاسب وغيرها، وإليك بعض ما ورد في المقام:

1. قدم وفد عبد القيس على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقالوا: إنّ بيننا وبينك المشركين وإنّا لا نصل إليك إلاّ في شهر الحرام، فَمُرنا بأمر فصل، إنْ عملنا به دخلنا الجنة وندعو إليه مَن


(24)

وراءنا» فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع; آمركم: بالإيمان باللّه، وهل تدرون ما الإيمان؟ شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتعطوا الخمس من المغنم». (1)

ومن المعلوم أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يطلب من بني عبد القيس أن يدفعوا غنائم الحرب كيف وهم لا يستطيعون الخروج من حيّهم في غير الأشهر الحرم، خوفاً من المشركين. فيكون قد قصد المغنم بمعناه الحقيقي في لغة العرب وهو ما يفوزون به فعليهم أن يعطوا خمس ما يربحون.

وهناك كتب ومواثيق، كتبها النبيّ وفرض فيها الخمس على أصحابها وستتبيّـن بعد الفراغ من نقلها، دلالتها على الخمس في الأرباح وإن لم تكن غنيمة حربية، فانتظر.

2. كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن:


1. صحيح البخاري: 4/250، باب «واللّه خلقكم وما تعملون» من كتاب التوحيد، وج1/13 و 19 ، وج3/53; صحيح مسلم:1/ 35 ـ 36 باب الأمر بالإيمان; سنن النسائي: 1/333; مسند أحمد: 1/318; الأموال: 12 وغيرها.


(25)

«بسم اللّه الرحمن الرحيم ... هذا ... عهد من النبي رسول اللّه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى اللّه في أمره كلّه، وأن يأخذ من المغانم خمس اللّه، وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عُشر ما سقى البعل وسقت السماء، ونصف العُشر ممّا سقى الغرب» .(1)

والبعل ما سُقِيَ بعروقه، والغَرَب: الدلو العظيمة.

3. كتب إلى شرحبيل بن عبد كلال، و حارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال قيل ذي رعين، ومعافر وهمدان:

«أمّا بعد، فقد رجع رسولكم وأعطيتم من المغانم خمس اللّه» .(2)

4. كتب إلى سعد هُذيم من قضاعة، وإلى جذام كتاباً واحداً يعلّمهم فرائض الصدقة، ويأمرهم أن يدفعوا الصدقة والخمس إلى رسوليه أُبيّ وعنبسة أو من أرسلاه». (3)


1. فتوح البلدان : 1/ 81 باب اليمن; سيرة ابن هشام: 4/ 265; تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك: 1/ 157.
2. الوثائق السياسية: 227 برقم 110. (ط 4 بيروت).
3. الطبقات الكبرى: 1/270.


(26)

5. كتب للفُجَيع ومن تبعه:

«من محمد النبيّ للفجيع، ومن تبعه وأسلمَ وأقام الصلاةَ وآتى الزكاة وأطاع اللّه ورسوله وأعطى من المغانم خمس اللّه ...». (1)

6. كتب لجنادة الأزدي وقومه ومن تبعه:

«ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطاعوا اللّه ورسوله وأعطوا من المغانم خمس اللّه وسهم النبي وفارقوا المشركين، فإنّ لهم ذمّة اللّه وذمّة محمد بن عبد اللّه» .(2)

7. كتب لجهينة بن زيد فيما كتب:

«إنّ لكم بطون الأرض وسهولها وتلاع الأودية وظهورها، على أن ترعوا نباتها وتشربوا ماءها، على أن تؤدّوا الخمس». (3)

8. كتب لملوك حمير فيما كتب:


1. المصدر نفسه: 304 ـ 305.
2. المصدر نفسه: 270.
3. الوثائق السياسية: 265 برقم 157.


(27)

«وآتيتم الزكاة ، وأعطيتم من المغانم: خمس اللّه، وسهم النبي وصفيّه وما كتب اللّه على المؤمنين من الصدقة». (1)

9. كتب لبني ثعلبة بن عامر:

«من أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأعطى خمس المغنم وسهم النبي والصفي». (2)

10. كتب إلى بعض أفخاذ جهينة:

«من أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأطاع اللّه ورسوله وأعطى من الغنائم الخمس».(3)

إيضاح الاستدلال بهذه المكاتيب

يتبيّـن ـ بجلاء ـ من هذه الرسائل أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يكن يطلب منهم أن يدفعوا خمس غنائم الحرب التي اشتركوا فيها، بل كان يطلب ما استحقّ في أموالهم من خمس وصدقة.

ثم إنّه كان يطلب منهم الخمس دون أن يشترط ـ في


1. فتوح البلدان: 1/ 82; سيرة ابن هشام: 4/ 258.
2. الإصابة: 2/ 189; أُسد الغابة: 3/34.
3. الطبقات الكبرى: 1/271.


(28)

ذلك ـ خوض الحرب واكتساب الغنائم.

هذا مضافاً إلى أنّ الحاكم الإسلامي أو نائبه هما اللّذان يليان بعد الفتح قبض جميع غنائم الحرب وتقسيمها بعد استخراج الخمس منها، ولا يَملِك أحد من الغزاة عدا سلب القتيل شيئاً ممّا سلب وإلاّ كان سارقاً مغلاّ ً.

فإذا كان إعلان الحرب وإخراج خمس الغنائم على عهد النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من شؤون النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فماذا يعني طلبه الخمس من الناس وتأكيده في كتاب بعد كتاب، وفي عهد بعد عهد؟

فيتبيّـن أنّ ما كان يطلبه لم يكن مرتبطاً بغنائم الحرب. هذا مضافاً إلى أنّه لايمكن أن يقال: إنّ المراد بالغنيمة في هذه الرسائل هو ما كان يحصل الناس عليه في الجاهلية عن طريق النهب، كيف وقد نهى النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن النهب والنهبى بشدّة، ففي كتاب الفتن باب النهي عن النُّهبة عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :

«من انتهب نهبة فليس منّا» (1) ، وقال: «إنّ النهبة لا تَحِلّ». (2)


1. سنن ابن ماجة: 2/ 1298 برقم 3937 و 3938، كتاب الفتن.
2. سنن ابن ماجة: 2/ 1298 برقم 3937 و 3938، كتاب الفتن.


(29)

وفي صحيح البخاري ومسند أحمد عن عبادة بن الصامت: بايعنا النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن لا ننهب. (1)

وفي سنن أبي داود، باب النهي عن النهبى، عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأصاب الناس حاجة شديدة وجهدٌ، وأصابوا غنماً فانتهبوها، فإنّ قدورنا لتغلي، إذ جاء رسول اللّه يمشي متّكئاً على قوسه فأكفأ قدورنا بقوسه، ثمّ جعل يُرمِّل اللحم بالتراب، ثمّ قال: «إنّ النُّهبة ليست بأحلَّ من الميتة». (2)

وعن عبد اللّه بن زيد: نهى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن النهبى والمثلة. (3)

إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في كتاب الجهاد.

وقد كانت النُّهبة والنهبى عند العرب تساوق الغنيمة


1. صحيح البخاري:2/ 48 باب النهب بغير إذن صاحبه.
2. سنن أبي داود: 3/66 برقم2705.
3. رواه البخاري في الصيد، راجع التاج : 4/ 334.


(30)

والمغنم ـ في مصطلح يومنا هذا ـ الذي يستعمل في أخذ مال العدو.

فإذا لم يكن النهب مسموحاً به في الدين، وإذا لم تكن الحروب التي تُخاض بغير إذن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جائزة، لم تكن الغنيمة في هذه الوثائق غير ما يفوز به الناس من غير طريق القتال بل من طريق الكسب وما شابهه، ولا محيص حينئذ من أن يقال: إنّ المراد بالخمس الذي كان يطلبه النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هو خمس أرباح الكسب والفوائد الحاصلة للإنسان من غير طريق القتال أو النهب الممنوع في الدين.

وفي الجملة: إنّ الغنائم المطلوب في هذه الرسائل النبويّة أداء خمسها إمّا أن يراد بها ما يُستولى عليه من طريق النهب والإغارة، أو ما يستولى عليه من طريق محاربة بصورة الجهاد، أو ما يستولى عليه من طريق الكسب والكد.

والأوّل ممنوع، بنصّ الأحاديث السابقة فلا معنى أن يطلب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خمس النهبة.

والثاني يكون أمر الغنائم بيد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مباشرة، فهو


(31)

الذي يأخذ كل الغنائم ويضرب لكلّ من الفارس والراجل ما له من الأسهم بعد أن يستخرج الخمس بنفسه من تلك الغنائم، فلا معنى لأن يطلبه النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من الغزاة، فيكون الثالث هو المتعيّـن.

وورد عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ما يدلّ على ذلك، فقد كتب أحد الشيعة إلى الإمام الجواد ـ عليه السَّلام ـ قائلاً: أخبرني عن الخمس أعَلـى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصنّاع وكيف ذلك؟ فكتب ـ عليه السَّلام ـ بخطّه: «الخمس بعد المؤونة». (1)

وفي هذه الإجابة القصيرة يظهر تأييد الإمام ـ عليه السَّلام ـ لما ذهب إليه السائل، ويتضمّن ذكر الكيفية التي يجب أن تراعى في أداء الخمس.

وعن سماعة قال: سألت أبا الحسن (الكاظم) ـ عليه السَّلام ـ عن الخمس؟ فقال: «في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير». (2)


1. الوسائل : ج6 الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.
2. المصدر نفسه، الحديث 6.


(32)

وعن أبي علي ابن راشد (وهو من وكلاء الإمام الجواد والإمام الهادي عليمها السَّلام) قال: قلت له (أي الإمام الهادي ـ عليه السَّلام ـ ): أمرتني بالقيام بأمرك، وأخذ حقّك، فأعلمت مواليك بذلك فقال لي بعضهم: وأي شيء حقّه؟ فلم أدر ما أُجيبه؟ فقال: «يجب عليهم الخمس»، فقلت: وفي أي شيء؟ فقال: «في أمتعتهم وصنائعهم» ، قلت: والتاجر عليه، والصانع بيده؟ فقال: «إذا أمكنهم بعد مؤونتهم». (1)

إلى غير ذلك من الأحاديث والأخبار المرويّة عن النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأهل بيته الطاهرين ـ عليهم السَّلام ـ التي تدلّ على شمول الخمس لكلّ مكسب.

ثمّ إنّ هنا سؤالاً وهو إذا كان إخراج الخمس من أرباح المكاسب فريضة إلهية فلماذا كان أمراً متروكاً قبل الصادقين ـ عليمها السَّلام ـ؟ فانّ الأخبار الدالة عليه مروية عنهماعليمها السَّلام وعمّن بعدهما من الأئمّة ، بل أكثرها مروية عن الإمامين


1. المصدر نفسه، الحديث 3.


(33)

الجواد والهادي ـ عليمها السَّلام ـ، وهما من الأئمة المتأخّرين، فهل كان هذا الحكم مهجوراً عند الفريقين بعد عصر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى عصر الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ؟

والجواب هو انّه قد عرفت تضافر الروايات النبوية على وجوب الخمس في كلّ ما يربح الرجل ويفوز، وأمّا عدم قيام الخلفاء به فلأجل عدم وقوفهم على هذا التشريع، كما أنّ عدم قيام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بهذه المهمة على رؤوس الأشهاد لأجل تفشّي الفقر بين المسلمين يومذاك، والناس كانوا حديثي عهد بالإسلام، وكانت المصلحة تقتضي تأخير إجراء التشريع إلى الأعصار اللاحقة.

وأمّا عصر الصادقينعليمها السَّلام الذي ورد فيه بعض الروايات ثمّ وردت تترى إلى عصر الجوادينعليمها السَّلام ، فلأجل تكدّس الأموال بين المسلمين، الأمر الذي اقتضى الإجهار بالحكم ودعوة الشيعة إلى العمل به، وإلاّ فأصل تشريع الخمس كان في عصر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كما عرفت.


(34)

مواضع الخمس في القرآن الكريم

يُقسَّم الخمس حسب تنصيص الآية على ستة أسهم، فيفرق على مواضعها الواردة في الآية، قال سبحانه: (واعلَموا أنَّما غنِمتُمْ مِن شيء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وللرَّسولِ ولِذي القُربى واليَتامى والمَساكينِ وابنِ السَّبيل) (1) غير أنّه يطيب لي تعيين المراد من ذي القربى.

يُقصد بـ(ذي القربى) صاحب القرابة والوشيجة النسبية، ويتعيّـن فرده، بتعيين المنسوب إليه. وهو يختلف حسب اختلاف مورد الاستعمال، ويستعان في تعيينه بالقرائن الموجودة في الكلام وهي: الأشخاص المذكورون في الآية، أو ما دلّ عليها سياق الكلام.

1. قال سبحانه: (وما كَانَ للنَّبيِّ والَّذينَ آمَنُوا أَن )


1. الأنفال:41.


(35)

يَستَغفِروا لِلمُشْـرِكينَ وَلَوْ كانُوا أُوْلِـي قُرْبى)(1) والمراد أقرباء المذكورين في الآية، أي النبيّ والمؤمنين لتقدّم قوله: (والّذين آمنوا).

2. وقال سبحانه: (وإذا قُلتُمْ فَاعدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُربى)(2)، والمراد أقرباء المخاطبين في الآية بقوله : (قلتم) و (فاعدلوا) .

3. وقال سبحانه: (وإذا حضرَ القسمةَ أُولوا القُربى)(3) والمراد أقرباء من يقسم ماله أعني الميّت مطلقاً.

فقد أُريد من ذي القربى في هذه الآيات الثلاث، مطلق القريب دون أقرباء النبي خاصة، لما عرفت من القرائن بخلاف الآيتين التاليتين، فإنّ المراد ، أقرباء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لنفس الدليل.

4. قوله سبحانه: (ما أفاءَ اللّهُ على رَسُولهِ مِن أهلِ )


1. التوبة:113.
2. الأنعام:152.
3. النساء:8.


(36)

القُرى فَللّهِ وللرَّسولِ ولِذِي القُربى).(1)

5. وقوله سبحانه: (قُل لا أسألكُمْ عليه أجراً إلاّ المودَّةَ في القُربى) (2). المراد في الآيتين قرابة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لتقدّم ذكره وعدم صلاحية السياق إلاّ لذلك.

وأمّا آية الخمس من سورة الأنفال المتقدّم ذكرها ،فقد اتّفق المفسّرون على أنّ المراد من ذي القربى قرابة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فسدس الخمس لذي القربى و هو حكم خالد ثابت غير منسوخ إلى يوم القيامة.

وأمّا الأسداس الثلاثة الباقية فهي للأصناف الثلاثة المذكورة في الآية ـ أعني: اليتامى والمساكين وابن السبيل ـ وهل المراد مطلق اليتامى والمساكين وأبناء السبيل، أو يتامى آل محمّد و مساكينهم وأبناء سبيلهم، وبالجملة: الثلاثة من ذوي القربى على الخصوص؟ والسياق هنا وإن لم يقتض الالتزام بأحدهما، إلاّ أنّ السنّة الشريفة الواردة عن الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأهل بيته اقتضت الأخير كما يأتي في البحث التالي.


1. الحشر:7.
2. الشورى:23.


(37)

مواضع الخمس في السنّة

وأمّا السنّة فهي أيضاً تدعم ما هو مفاد الآية:

روي عن ابن عباس: كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقسم الخمس على ستة: للّه وللرسول سهمان وسهم لأقاربه حتى قبض.(1)

إنّ السهم الوارد في قوله:«وسهم لأقاربه» تعبير آخر عن ثلاثة أسهم من الخمس يدل عليه قوله «على ستة: للّه وللرسول سهمان» فانّ معناه سهم للّه، وسهمان للرسول، أي سهم لنفس الرسول وسهم «لذي القربى» فتبقى الأسهم الثلاثة في الخمس و من لأقاربه، أعني: اليتامى والمساكين وابن السبيل.

وهذا هو الذي عليه الإمامية في تقسيم الخمس.

و روي عن أبي العالية الرياحي(2): كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة، فتكون أربعة أخماس لمن


1. تفسير النيسابوري المطبوع بهامش الطبري: 10/4.
2. أبو العالية الرياحي: هو رفيع بن مهران، مات سنة 90. لاحظ تهذيب التهذيب: 3/246.


(38)

شهدها، ثمّ يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه الذي قبض كفّه، فيجعله للكعبة و هو سهم اللّه، ثمّ يقسّم ما بقي على خمسة أسهم، فيكون سهم للرسول وسهم لذي القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين و سهم لابن السبيل. قال: والذي جعله للكعبة فهو سهم اللّه.(1)

ولعلّ جعله للكعبة كان لتجسيد السهام وتفكيكها، وربّما خالفه كما روى عطاء بن أبي رباح(2) قال: «خمس اللّه، وخمس رسوله واحد، وكان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يحمل منه ويعطي منه و يضعه حيث شاء ويصنع به ما شاء» .(3)

والمراد من كون سهمهما واحداً، كون أمره بيده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بخلاف الأسهم الأُخر، فإنّ مواضعها معيّنة.

وبذلك يظهر المراد ممّا رواه الطبري: «كان نبيّ اللّه إذا اغتنم غنيمة جعلت أخماساً، فكان خمس للّه ولرسوله. ويقسّم المسلمون ما بقي (الأخماس الأربعة) وكان الخمس الذي جعل


1. الأموال : 325; تفسير الطبري: 10/4; أحكام القرآن: 3/60.
2. عطاء بن أبي رباح مات سنة 114، أخرج حديثه أصحاب الصحاح.
3. تفسير الطبري: 10/4.


(39)

للّه ولرسوله، لرسوله، ولذوي القربى و اليتامى والمساكين وابن السبيل، فكان هذا الخُمْس خمسة أخماس خمس للّه ولرسوله».(1)

فالمراد منه ـ كما يظهر ـ أنّ أمر السهمين كان بيد الرسول ولذا جعلهما سهماً واحداً، بخلاف السهام الأُخر، وإلاّ فالخبر مخالف لتنصيص القرآن الكريم، لتصريحه بأنّ الخمس يقسم أسداساً.

وأمّا تخصيص بعض سهام الخمس بذي القربى ومن جاء بعدهم من اليتامى والمساكين وابن السبيل، فلأجل الروايات الدالة على أنّه لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس من آل محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . روى الطبري: كان آل محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم(ذوي القربى) خمس الخمس، وقال: قد علم اللّه أنّ في بني هاشم الفقراء فجعل لهم الخمس مكان الصدقة(2). كما تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت


1. المصدر نفسه. والأصح أن يقول ستة أسداس وقد مرّ وجه العدول عنه.
2. المصدر نفسه : 5، فجعل لهم تارة خُمسَ الخمس، بلحاظ المواضع الخمسة ما سوى للّه، وجعل كله لهم مرّة أُخرى كما في ذيل كلامه «فجعل لهم الخمس» باعتبار أنّ أمره أيضاً بيده، فلا منافاة بين الجعلين.


(40)

أنّ السهام الأربعة من الخمس، لآل محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . (1)

فتبين انّ سدس الخمس لذي القربى والأسداس الثلاثة الباقية، للطوائف الثلاث من آل محمّد.

هذا ما يستفاد من الكتاب و السنّة، غير أنّ الاجتهاد لعب دوراً كبيراً في تحويل الخمس عن أصحابه، وإليك ما ذهبت إليه المذاهب الأربعة:

إسقاط حقّ ذي القربى بعد رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

اتّفق أكثر فقهاء المذاهب تبعاً لأسلافهم على إسقاط سهم ذوي القربى من خمس الغنائم وغيره، وإليك كلماتهم:

قالت الشافعية والحنابلة: تقسم الغنيمة، و هي الخمس، إلى خمسة أسهم، واحد منها سهم الرسول، ويصرف على مصالح المسلمين، و واحد يعطى لذوي القربى، وهم من انتسب إلى هاشم بالابوّة من غير فرق بين الأغنياء والفقراء،


1. الوسائل: ج6، الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة. ولاحظ أيضاً صحيح البخاري: 1/181، باب تحريم الزكاة على رسول اللّه.


(41)

والثلاثة الباقية تنفق على اليتامى والمساكين وأبناء السبيل، سواء أ كانوا من بني هاشم أو من غيرهم.

وقالت الحنفية: إنّ سهم الرسول سقط بموته، أمّا ذوو القربى فهم كغيرهم من الفقراء يعطون لفقرهم لا لقرابتهم من الرسول.

وقالت المالكية: يرجع أمر الخمس إلى الإمام يصرفه حسبما يراه من المصلحة.ز

وقالت الإمامية: إنّ سهم اللّه وسهم الرسول وسهم ذوي القربى يفوّض أمرها إلى الإمام أو نائبه، يضعها في مصالح المسلمين. والأسهم الثلاثة الباقية تعطى لأيتام بني هاشم ومساكينهم وأبناء سبيلهم، ولايشاركهم فيها غيرهم.(1)

وفي هامش «المغني»لابن قدامة، بعد ما روى أنّ أبابكر وعمر قسّما الخمس على ثلاثة أسهم: «و هو قول أصحاب الرأي ـ أبي حنيفة وجماعته ـ قالوا: يقسّم الخمس على ثلاثة: اليتامى والمساكين وابن السبيل، وأسقطوا سهم رسول اللّه


1. الفقه على المذاهب الخمسة : 188.


(42)

بموته، وسهم قرابته أيضاً.

وقال مالك: الفيء والخمس واحد يجعلان في بيت المال.

وقال الثوري: والخمس يضعه الإمام حيث أراه اللّه عزّ وجلّ.

وما قاله أبو حنيفة مخالف لظاهر الآية، فإنّ اللّه تعالى سمّى لرسوله وقرابته شيئاً وجعل لهما في الخمس حقّاً كما سمّى الأصناف الثلاثة الباقية، فمن خالف ذلك فقد خالف نصّ الكتاب، وأمّا جعل أبي بكر وعمر ـ رضى اللّه عنهما ـ سهم ذي القربى في سبيل اللّه، فقد ذكر لأحمد فسكت وحرّك رأسه ولم يذهب إليه، ورأى أنّ قول ابن عباس و من وافقه أولى، لموافقته كتاب اللّه وسنّة رسوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ....(1)

إسقاط سهم ذي القربى اجتهاد تجاه النص

ثمّ إنّ الخلفاء بعد النبيّ الأكرم اجتهدوا تجاه النص في


1. الشرح الكبير ـ على هامش المغني ـ: 10/493ـ 494.


(43)

موارد منها إسقاط سهم ذي القربى من الخمس، وذلك أنّ اللّه سبحانه وتعالى جعل لهم سهماً، وافترض أداءه نصاً في الذكر الحكيم والفرقان العظيم يتلوه المسلمون آناء الليل وأطراف النهار، وهو قوله عزّ من قائل: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبِى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابنِ السبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّهِ وَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الفُرْقَانِ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَان وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ).(1)

وقد أجمع أهل القبلة كافّة على أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يختصّ بسهم من الخمس ويخص أقاربه بسهم آخر منه، وأنّه لم يَعْهَد بتغيير ذلك إلى أحد حتى قبضه اللّه إليه وانتقاله إلى الرفيق الأعلى.

فلمّا ولي أبو بكر تأوّل الآية فأسقط سهم النبيّ وسهم ذي القربى بموت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ومنع بني هاشم من الخمس، وجعلهم كغيرهم من يتامى المسلمين ومساكينهم و أبناء


1. الأنفال: 41.


(44)

السبيل منهم.

قال الزمخشري: وعن ابن عباس: الخمس على ستّة أسهم: للّه ولرسوله، سهمان، وسهم لأقاربه حتى قبض، فأجرى أبوبكر الخمس على ثلاثة، وكذلك روي عن عمر ومن بعده من الخلفاء قال: و روي أنّ أبا بكر منع بني هاشم الخمس.(1)

وقد أرسلت فاطمة ـ عليها السَّلام ـ تسأله ميراثها من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ممّا أفاء اللّه عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فأبى أبوبكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت، وعاشت بعد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ستّة أشهر، فلمّـا توفّيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبابكر، وصلّى عليها. الحديث.(2)

وفي صحيح مسلم عن يزيد بن هرمز قال: كتب نجدة بن عامر الحروري الخارجي إلى ابن عباس قال ابن هرمز:


1. الكشاف: 2/126.
2. صحيح البخاري : 3/36 باب غزوة خيبر. وفي صحيح مسلم: 5/154: «... وصلّـى عليها علي».


(45)

فشهدتُ ابن عباس حين قرأ الكتاب وحينَ كتب جوابه وقال ابن عباس: واللّه لولا أن أردّه عن نتن يقع فيه ما كتبت إليه، ولا نعمة عين. قال: فكتب إليه: إنّك سألتني عن سهم ذي القربى الذين ذكرهم اللّه من هم؟ وإنّا كنّا نرى أنّ قرابة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هم نحن فأبى ذلك علينا قومُنا. الحديث.(1)

وأخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عباس في أواخر ص294 من الجزء الأوّل من مسنده.

و رواه كثير من أصحاب المسانيد بطرق كلها صحيحة، وهذا هو مذهب أهل البيت المتواتر عن أئمّتهم ـ عليهم السَّلام ـ.

لكن الكثير من أئمّة الجمهور أخذوا برأي الخليفتين فلم يجعلوا لذي القربى نصيباً من الخمس خاصّاً بهم.

فأمّا مالك بن أنس فقد جعله بأجمعه مفوّضاً إلى رأي الإمام يجعله حيث يشاء في مصالح المسلمين، لا حقّ فيه لذي قربى ولا ليتيم ولا لمسكين ولا لابن سبيل مطلقاً.


1. صحيح مسلم: 2/105 ، كتاب الجهاد والسير.


(46)

وأمّا أبو حنيفة وأصحابه فقد أسقطوا بعد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سهمه وسهم ذي قرباه، وقسموه بين مطلق اليتامى والمساكين وابن السبيل على السواء، لا فرق عندهم بين الهاشميين وغيرهم من المسلمين.

والشافعي جعله خمسة أسهم: سهماً لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يصرف إلى ما كان يصرف إليه من مصالح المسلمين كعُدَّة الغزاة من الخيل والسلاح والكراع و نحو ذلك، وسهماً لذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل يقسم بينهم (للذَّكر مثل حظّ الأُنثيين)، والباقي للفرق الثلاث: اليتامى والمساكين وابن السبيل مطلقاً.(1)

إلى هنا خرجنا بالنتيجة التالية:

إنّ الخمس يقسم على ستة أسهم، الثلاثة الأُولى، أمرها بيد الإمام يتولاّها حسب ما رأى من المصلحة، والثلاثة الأُخرى، للأيتام والمساكين وأبناء السبيل من آل النبيّ الأكرم لا مطلقهم.


1. النص والاجتهاد : 25 ـ 27.

Website Security Test