welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : نظام الحكم في الإسلام*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام الحكم في الإسلام

9

نظام الحكم
في الإسلام

تأليف

الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)


(4)


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي حسرت عن معرفة كماله، عقول الأولياء، وعجزت عن إدراك حقيقته، أفهام العلماء، واحد لا شريك له، لا يُشبهه شيء لا في الأرض ولا في السماء; والصلاة والسلام على نبيّه الخاتم، أفضل خلائقه وأشرف سفرائه، وعلى آله البررة الأصفياء، والأئمّة الأتقياء.

أمّا بعد فغير خفيّ على النابه انّ للعقيدة ـ على وجه الإطلاق ـ دوراً في حياة الإنسان أيسره انّ سلوكَه وليدُ عقيدته ونتاج تفكيره، فالمواقف التي يتّخذها تمليها عليه عقيدتُه، والمسير الذي يسير عليه، توحيه إليه فكرته.

إنّ سلوك الإنسان الذي يؤمن بإله حىّّ قادر عليم، يرى ما يفعله، ويحصي عليه ما يصدر عنه من صغيرة وكبيرة، يختلف تماماً عن سلوك من يعتقد أنّه سيّد نفسه وسيّد الكون


(6)

الذي يعيش فيه، لا يرى لنفسه رقيباً ولا حسيباً.

ومن هنا يتّضح أنّ العقيدة هي ركيزة الحياة، وأنّ التكاليف والفرائض التي نعبّر عنها بالشريعة بناء عليها، فالعقيدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالروح والعقل، في حين ترتبط الشريعة والأحكام بألوان السلوك والممارسات.

ولأجل هذه الغاية قُمنا بنشر رسائل موجزة عن جوانب من العقيدة الإسلامية، وركّزنا على أبرز النقاط التي يحتدم فيها النقاش.

وبما أنّ لكلّ علم لغته، فقد آثرنا اللغة السهلة، واخترنا في مادة البحث ما قام عليه دليل واضح من الكتاب والسنّة، وأيّده العقل الصريح ـ الذي به عرفنا اللّه سبحانه وأنبياءه ورسله ـ حتّى يكون أوقع في النفوس، وأقطع لعذر المخالف.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


(7)

الفصل الأوّل

الحكومة حاجة ملحَّة

إنّ وجود الدولة في الحياة البشرية ليس أمراً تقتضيه الحياة المعاصرة التي اشتدت فيها الحاجة إلى الحكومة، بل هي حاجة طبيعية ضرورية للإنسان الاجتماعي عبر القرون.

فإذاً الدولة حاجة طبيعية تقتضيها الفطرة الإنسانية بحيث يُعدّ الخارج على الدولة ونظامها وتدبيرها: إمّا متوحشاً ساقطاً، أو موجوداً يفوق الموجود الإنساني.

انّ استعراض ما قام به الباحثون والمفكّرون من تبيين ضرورة الحكومة في المجتمع الإنساني، وانّه لولاها لانهارت الحياة وانفصمت عقد الاجتماع وعادت الفوضى إلى المجتمع الإنساني، ممّا لا تسعه هذه الرسالة ولنتركها لمحلها.


(8)

ولكن المهم لنا هو تبيين سيرة الرسول في تأسيس الحكومة الإسلامية بعدما استّتب له الأمر، وهو يعرب عن أنّ الحكومة تعد بنى تحتيّة لإجراء عامّة الأحكام الإسلامية، وانّه لولاها لتعطلت الأحكام، وتوقّف إجراء الحدود والتعزيرات، وبالتالي سادت الفوضى على الحياة، فلذلك نقتصر في المقام على بيان سيرة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعد نزوله المدينة المنورة فنقول:

من تتبع سيرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقف على أنّه قام بتأسيس الدولة بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى، فقد مارس ما هو شأن الحاكم السياسي من تشكيل جيش منظم، وعقد معاهدات ومواثيق مع الطوائف الأُخرى، وتنظيم الشؤون الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية ممّا يتطلّبه أي مجتمع منظم ذو طابع قانوني، وصفة رسمية، وصيغة سياسية، واتخاذ مركز للقضاء وإدارة الأُمور وهو المسجد، وتعيين مسؤوليات إدارية، وتوجيه رسائل إلى الملوك والأُمراء في الجزيرة العربية وخارجها، وتسيير الجيوش والسرايا وبذلك يكون الرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أوّل مؤسس للدولة الإسلامية التي استمرت من


(9)

بعده، واتسعت وتطورت وتبلورت، واتخذت صوراً أكثر تكاملاً في التشكيلات والمؤسسات وإن كانت الأُسس متكاملة في زمن المؤسس الأوّل ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

ومن ملامح تأسيس حكومته قيامه بأُمور تعد من صميم العمل السياسي والنشاط الإداري الحكومي، نذكر من باب المثال لا الحصر:

1. انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عقد بين أصحابه وبين الطوائف والقبائل الأُخرى المتواجدة في المدينة كاليهود وغيرهم اتفاقية وميثاقاً يعتبر في الحقيقة أوّل دستور للحكومة الإسلامية.

2. انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جهز الجيوش وبعث السرايا إلى مختلف المناطق في الجزيرة، وقاتل المشركين وغزاهم، وقاتل الروم، وقام بمناورات عسكرية لارهاب الخصوم، وقد ذكر المؤرخون أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاض أو قاد خلال 10 أعوام من حياته المدنية 85 حرباً بين غزوة وسريّة.

3. بعد ان استَّتب له الأمر في المدينة وما حولها وأمن جانب مكة وطرد اليهود لتآمرهم ضد الإسلام والمسلمين من


(10)

المدينة وما حولها وقلع جذورهم، توجه باهتمام خاص إلى خارج الجزيرة، وإلى المناطق التي لم تصل إليها دعوته ودولته من مناطق الجزيرة، فراح يراسل الملوك والأُمراء ويدعوهم إلى الانضواء تحت راية الإسلام والدخول تحت ظل دولته والقبول بحكومته الإلهية.

4. انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعث السفراء والمندوبين السياسيين إلى الملوك والزعماء وكان عملاً بديعاً من أعمال الدبلوماسية، وهذه الدبلوماسية الفطنة التي لجأ إليها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في مخاطبة الملوك في عصره لم تذهب كلّها سدى.

5. انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نصب القضاة وعيّن الولاة، وأعطاهم برامج للإدارة والسياسة، فأوصاهم فيما أوصاهم بتعليم أحكام الإسلام ونشر الأخلاق والآداب التي جاء بها الإسلام، وتعليم القرآن الكريم، وجباية الضرائب الإسلامية كالزكاة وإنفاقها على الفقراء والمعوزين، وما شابه ذلك من المصالح العامة، وفصل الخصومات بين الناس، وحلّ مشاكلهم) والقضاء على الظلم والطغيان، وغير ذلك من المهام


(11)

والصلاحيات والمسؤوليات الإدارية والاجتماعية.

6. انّ من قرأ سورة الأنفال والتوبة ومحمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يلاحظ كيف يرسم القرآن فيها الخطوط العريضة لسياسة الحكومة الإسلامية وبرامجها ووظائفها. فهي تشير إلى مقومات الحكومة الإسلامية المالية، وأُسس التعامل مع الجماعات غير الإسلامية، ومبادئ الجهاد والدفاع وبرامجها، وتعاليم في الوحدة الإسلامية التي تعتبر أقوى دعامة للحكومة الإسلامية، وكذا غيرها من السور والآيات القرآنية فهي مشحونة بالتعاليم والبرامج اللازمة للحكومة والدولة.

وهذا يكشف عن أنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان أوّل مؤسس للحكومة الإسلامية في المدينة المنورة بعد أن مهّد لها في مكة.

إنّ من سبر الأحكام الإسلامية من العبادات إلى المعاملات إلى الإيقاعات والسياسات، يقف على أنّها بطبعها تقتضي إقامة حكومة عادلة واعية لإجراء كلّ ما جاء به النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وانّه لولاها لأصبحت تلك القوانين حبراً على ورق من دون أن تظهر في المجتمع آثارها، فانّ الإسلام ليس


(12)

مجرّد أدعية خاوية أو طقوس ومراسيم فردية يقوم بها كلّ فرد في بيئته ومعبده، بل هو نظام سياسي ومالي وحقوقي واجتماعي واقتصادي واسع وشامل، وما ورد في هذه المجالات من قوانين أو أحكام، تدلّ بصميم ذاتها على أنّ مشرّعها افترضَ وجودَ حاكم يقوم بتنفيذها ورعايتها، لأنّه ليس من المعقول سنّ مثل هذه القوانين دون وجود قوة مجرية وسلطة تنفيذية تتعهد بإجرائها وتتولّى تطبيقها مع العلم بأنّ سنّ القوانين وحده لا يكفي في تنظيم المجتمعات، وإلى هذا الدليل يشير السيد المرتضى بقوله:

إنّه سبحانه وتعالى يأمرنا بالاستجابة للّه وللرسول إذا دعا لما فيه حياتنا، يقول سبحانه: (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا استَجيبُوا للّه وَلِلرَّسُولِ إِذا دعاكُمْ لِما يُحييكُمْ).(1)

وفسّرت الآية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كان الأمر والنهي كما تُوحي هذه الآيات مبدأ للحياة وجب أن يكون للناس إمام يقوم بأمرهم ونهيهم ويقيم فيهم الحدود،


1-الأنفال:24.


(13)

ويجاهد فيهم العدو، ويقسم الغنائم، ويفرض الفرائض ويحذِّرهم عمّا فيه مضارهم، ولهذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب بقاء الخلق فوجبا، وإلاّ سقطت الرغبة والرهبة ولم يرتدع أحد، ولفسد التدبير، أو كان ذلك سبباً لهلاك العباد.(1)

نظام الإمامة والخلافة في الإسلام

قد عرفت أنّ الحكومة ضرورة ملحة ولا تحتاج إلى إقامة برهان وقد وردت على لسان الرسول وأئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ إلماعات إلى ذلك نذكر منها ما يلي:

1. قال النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «صنفان من أُمّتي إذا صلحا صلحت أُمّتي، وإذا فسدا فسدت أُمّتي».

قيل: يا رسول اللّه ومن هم؟

قال: «الفقهاء والأُمراء».(2)


1-المحكم والمتشابه، للسيد المرتضى: 50.
2-تحف العقول:42.


(14)

فالحديث يعرب عن ضرورة وجود الفقيه والأمير في المجتمع الإسلامي، غير أنّ سعادته رهن كونهما مصلحين لا مفسدين.

2.قال الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ لمّا سمع قول الخوارج: لا حكم إلاّ للّه، قال: «كلمة حقّ يراد بها باطل; نعم انّه لا حكم إلاّ للّه ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلاّ للّه، وإنّه لابدّ للناس من أمير برّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر، ويبلّغ اللّه فيه الآجل، ويُجمع به الفيء ويُقاتل به العدو وتأمَنُ به السبل، ويُؤخذ به للضعيف من القوي، حتّى يستريح برّ، ويُستراحَ من فاجر».(1)

3. وقال الإمام علي بن موسى الرضا ـ عليه السَّلام ـ في حديث طويل حول ضرورة وجود الحكومة في الحياة البشرية: «إنّا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملّة من الملل بقُوا وعاشوا إلاّ بقيّم ورئيس لما لابدّ لهم منه في أمر الدين والدنيا، فلم يجز في


1-نهج البلاغة، الخطبة40.


(15)

حكمه الحكيم أن يترك الخلقَ لما يعلم أنّه لابدّ لهم منه، ولا قوام لهم إلاّ به، فيقاتِلونَ به عدوّهم، ويقسّمون به فيئهم، ويقيمون به جمعتهم وجماعتهم، ويمنعُ ظالمهم من مظلومهم».(1)

ولأجل هذه الأهمية التي تحظى بها الحكومة الإسلامية يتعيّن على علماء الإسلام أن يبذلوا غاية الجهد في توضيح معالمها ومناهجها وخطوطها وخصائصها في جميع العصور والعهود.


1-علل الشرائع:253.


(16)

الفصل الثاني

ملامح الحكومة الإسلامية

في الكتاب والسنّة

إنّ الحاكم الإسلامي ـ في منطق القرآن وحسب تشريعهـ ليس مجرّد من يأخذ بزمام الجماعة كيفما كان، ويأمر وينهى بما تشتهيه نفسه، ويحكم على الناس لمجرّد السلطة وشهوة الحكم، بل هو ذو مسؤولية كبيرة وثقيلة.

وبما انّ هذه الرسالة لا تتسع لبيان أكثر ملامح الحكومة الإسلامية نقتصر على بعض ما ورد في الذكر الحكيم من ملامح مقروناً ببعض الروايات، ونحيل التفصيل إلى


(17)

محاضراتنا.(1)

قال سبحانه: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْض أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللّهِ عاقِبَةُ الأُمور).(2)

فالمسؤوليات الملقاة على عاتق الحاكم في الإسلام عبارة عن:

1. إقامة الصلاة وتوثيق عرى المجتمع الإسلامي بربّه الذي فيه كلّ الخير.

2. إيتاء الزكاة الذي فيه تنظيم اقتصاده ومعاشه.

3. الأمر بالمعروف وإشاعة الخير والصلاح في المجتمع.

4. النهي عن المنكر ومكافحة كلّ ألوان الفساد والانحراف والظلم والزور.

ومن المعلوم أنّ حكومة كهذه توفر للائقين والصالحين


1-انظر كتاب معالم الحكومة الإسلامية:34ـ 47.
2-الحج:41.


(18)

وذوي القابليات والمواهب فرصاً مناسبة لإبراز مواهبهم، وتهيّئ الظروف المساعدة لتنمية استعداداتهم العلمية والفكرية في جميع المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتدفعها في طريق التقدّم والازدهار.

وقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا تصلح الإمامة إلاّ لرجل فيه ثلاث خصال:

وَرَع يحجزه عن معاصي اللّه

وحِلْم يملك به غضبه

وحسن الولاية على من يلي حتّى يكون لهم كالوالد الرحيم».(1)

وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ في ردّ من قال: بئس الشيء الأمارة ـ: «نعم الشيء الأمارة لمن أخذها بحلها وحقّها، وبئس الشيء الأمارة لمن أخذها بغير حقّها وحلها تكون عليه يوم القيامة حسرة وندامة».(2)


1-الكافي:1/407.
2-كتاب الأموال:10.


(19)

مسؤولية الحاكم في النصوص الشرعية

1. إنّ الرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يتحدث عن مسؤوليته تجاه الأُمّة الإسلامية الّتي يأخذ بزمام حكمها، فيقول: «كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته».

فالأمير الذي على الناس، راع عليهم، وهو مسؤول عنهم.

والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم.

وامرأة الرجل، راعية على بيت زوجها وولدها، وهي مسؤولة عنهم.

«ألا فكلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته».(1)

2. ويمكن لنا أن نستجلي ملامح الحكومة الإسلامية وصفات الحاكم الإسلامي من كلام الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ الذي يرسم لنا ما على الحاكم الإسلامي الأعلى تجاه الشعب وما على الشعب تجاه الحاكم، إذ يقول في وضوح كامل:


1- كتاب الأموال للحافظ أبي عبيد سلاّم بن القاسم المتوفى225هـ، ص 10.


(20)

«و أعظم ما افترض اللّه من تلك الحقوق; حقُّ الوالي على الرّعيّة وحقُّ الرّعيّة على الوالي، فريضةً فرض اللّه سبحانه، لكلّ على كلّ، فجعلها نظاماً لأُلفتهم، وعزّاً لدينهم، فليست تصلح الرّعيّة إلا بصلاح الولاة، ولا يصلح الولاة إلا باستقامة الرّعيّة.

فإذا أدّت الرّعيّة إلى الوالي حقّه وأدّى الوالي إليها حقّها، عزّ الحقُّ بينهم، وقامت مناهج الدّين، واعتدلت معالم العدل وجرت على أذلالها السُّنن، فصلح بذلك الزّمان، وطمع في بقاء الدّولة ويئست مطامع الأعداء، وإذا غلبت الرّعيّة واليها أو أجحف الوالي برعيّته، اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الإدغال في الدّين، وتركت محاجُّ السُّنن، فعمل بالهوى، وعطّلت الأحكام، وكثرت علل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حقّ عطّل، ولا لعظيم باطل فعل، فهنالك تذلُّ الأبرار، وتعزُّ الأشرار، وتعظّم تبعات اللّه عند العباد».(1)

ثمّ إنّ الإمام عليّاً ـ عليه السَّلام ـ يصرّح في هذه الخطبة ذاتها


1-نهج البلاغة: الخطبة216، طبعة عبده.


(21)

بالحقوق المشتركة والمسؤوليات المتقابلة، إذ يقول: «أمّا بعد، فقد جعل اللّه لي عليكم حقّاً بولاية أمركم، ولكم عليّ من الحقّ مثل الذي لي عليكم».

ثم يشير الإمام ـ عليه السَّلام ـ في هذه الخطبة إلى واحدة من أنصع القوانين الإسلاميّة; وهو قانون التسوية بين جميع أفراد الأُمّة الإسلاميّة حكّاماً ومحكومين، رؤوساء ومرؤوسين، وزراء ومستوزرين، وبذلك ينسف فكرة: أنا القانون، أو أنا فوق القانون، فيقول ـ عليه السَّلام ـ : «... الحقُّ لا يجري لأحد إلاّ جرى عليه، ولا يجري عليه إلاّ جرى له».

وعلى هذا; فلا تمييز ولا تفرقة بين الحاكم والمحكوم بل الجميع أمام القوانين الإسلاميّة المدنيّة والجزائيّة وغيرها سواء، وعلى الحاكم والرئيس أن يؤدّي حقوق الناس كأيّ فرد من أفراد الأُمّة العاديّين، وبذلك يدعم الإمام ما روي عن الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذ يقول: «النّاس أمام الحقّ سواء».

3. كما يمكن أن نعرف طبيعة الحكومة الإسلامية من خطبة الإمام الحسين الشهيد ـ عليه السَّلام ـ بعد نزوله بأرض كربلاء، فقال:


(22)

«اللّهم إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان، ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لنري المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك».(1)

إنّ من أهمّ الوثائق التي ترسم لنا بوضوح معالم الحكومة الإسلامية; الوثيقة التي كتبها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ليهود يثرب بعد ما نزل المدينة المنوّرة، وقد رواه: ابن هشام في سيرته(2) ، وأبو عبيد في كتاب «الأموال» (3)، وابن كثير في البداية والنهاية.(4) وهي وثيقة تاريخية مفصّلة، فمن أراد فليرجع إلى محالّه.

فالحاكم الإسلامي في الحقيقة هو الحافظ لمصالح الشعب، وهو كالأب الحنون لعامّة المواطنين حتّى اليهود والنصارى إذا عملوا بشرائط الذمّة، فهو يسمح للمسلمين


1- بحار الأنوار:100/80ـ 81، الحديث 37.
2-سيرة ابن هشام:1/501.
3- الأموال، ص 517، ط مصر .
4- البداية والنهاية:2/224.


(23)

بأن يعاملوا غيرهم من الطوائف غير المسلمة بالعدل والرفق والشفقة ماداموا لا يتآمرون على المسلمين و لا يسيئون إلى أمنهم، ولا يقاتلونهم، فالإسلام لا يمنع عن البرّ والقسط إليهم، وإنّما يمنع عن الذين ظاهروا على المسلمين وتآمروا ضدهم، ترى كلّ ذلك في الآيتين التاليتين:

يقول سبحانه:(لا يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّين ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطين* إِنّما يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذينَ قاتلُوكُمْ فِي الدِّين وأَخرجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهرُوا عَلى إِخرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلّوْهُمْ وَمَنْ يَتَولَّهم فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُون).(1)

ويقول: (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا تَتَّخذُوا بِطانَة مِنْ دُونكُمْ لا يأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِنْ أَفواهِهِمْ وما تُخفِى صُدُورُهُمْ أَكبرُ قَدْ بَيّنّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون).(2)

ولعلّ النظرة الواحدة إلى تاريخ الحكومات الإسلامية


1-الممتحنة:8 ـ9.
2-آل عمران:118.


(24)

يكشف لنا عفوهم وسماحتهم لكثير من الذمّيين من النصارى واليهود، وقد كانت الأقلّيات بين المسلمين يرجّحون الحياة تحت ظلّ الإسلام على العيش مع الدول الكافرة، نذكر هاهنا وثيقة تاريخية ذكرها البلاذري في هذا المجال. قال:

لمّا جمع هرقل للمسلمين الجموع، وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك، ردّوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج، وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم، فقال أهل حمص[ وكانوا مسيحيّين] : لولايتكم وعدلكم أحبّ إلينا ممّا كنّا فيه من الظلم والغشم، ولندفعنّ جند هرقل عن المدينة مع عاملكم، ونهض اليهود فقالوا: والتوراة [أي قسماً بالتوراة] لا يدخل هرقل مدينة حمص إلاّ أن نغلب ونجهد، فأغلقوا الأبواب وحرسوها، وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى واليهود وقالوا: إن ظهر الروم وأتباعهم على المسلمين صرنا إلى ما كنّا عليه [ من الظلم والحرمان]، وإلاّ


(25)

فانّا على أمرنا ما بقي للمسلمين عدد.

فلمّا هزم اللّه الكفرة وأظهر المسلمين، فتحوا مدنهم، وأخرجوا المقلّسين(1) فلعبوا وأدّوا الخراج».(2)

إنّ الحاكم الإسلامي، من يشارك شعبه في إفراحه وإتراحه، وفي آلامه وآماله لا أن يعيش في بروج عاجيّة، متنعماً في أحضان اللذة رافلاً في أنواع الشهوات، غير عارف بأحوال من يسوسهم.

يقول الإمام وهو يرسم ملامح الحاكم الإسلامي.

«أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أوأكون أُسوة لهم في جشوبة العيش، فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة، شغلها تقممها».(3)


1- التقليس: استقبال الولاة عند قدومهم بضرب الدّف والغناء وأصناف اللهو، راجع المنجد في اللغة.
2-البلاذري( م279هـ)، فتوح البلدان، ص 143.
3- نهج البلاغة، الرسالة رقم45.


(26)

الفصل الثالث

أنظمة الحكم في المجتمعات البشريّة

إنّ لنظم الحكم في العالم ألواناً وأنواعاً نذكر عناوينها باختصار:

1. النظام الملكي.

2. الحكومة الأشرافية.

3. حكومة الأغنياء.

4. النظام الجمهوري.

إلى غير ذلك من الأنظمة المعروفة لدى السياسيّين، غير أنّ المهم لنا في المقام كيفيّة نظام الحكم في الإسلام بعد رحيل الرسول الأكرم، أمّا في زمانه فلا شكّ أنّه الحاكم


(27)

المبعوث من اللّه سبحانه وليس للناس اختيار في ردّه وقبوله. يقول سبحانه: (وَما كانَ لِمؤمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرةُ مِنْ أَمرِهِمْ).(1)

إنّ البحث عن صيغة الحكومة الإسلامية من أهمّ المباحث لكنّها ـ للأسف ـ قلّت العناية بترسيم شكلها ومعالمها وما يرجع إليها من المباحث.

أمّا الشيعة فبما أنّهم كانوا يمثّلون طول العصور جبهة الرفض والمعارضة للحكومات الجائرة لم تسنح لهم الظروف أن يتحدّثوا عن صيغة الحكومة الإسلامية، وأمّا السنّة فقد تبعوا في ترسيمها الوضع السائد على الحكومات بعد رحيله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وزعمت أنّها حكومات إسلامية شرعية من دون أن ترفع النقاب عن واقع الحكومة الإسلامية، ولأجل ذلك غابت الصورة الحقيقية للحكومة الإسلامية عن أذهان أكثر المسلمين، ومن حاول أن يستجلي كيفية النظام الإسلامي يجب عليه رعاية الأُمور الثلاثة:


1-الأحزاب:36.


(28)

أوّلاً: العودة إلى المصادر الأساسية للإسلام، ونعني بها الكتاب والسنّة المطهرة.

ثانياً: أن لا يخلطوا بين ما وقع وجرى على الساحة الإسلامية في مجال الحكم، و بين ما هو مرسوم لنظام الحكم في أصل الشريعة المقدّسة.

ثالثاً: أن لا يخلطوا بين تاريخ المسلمين ونظام الدين، لأنّ ذلك التاريخ لا يكون ممثّلاً واقعياً لكلّ تعاليم الدين، ولا مبرزاً لجميع حقائقه.

إنّ التتبع في الكتاب والسنّة يقضي بأنّ الحكومة في الإسلام تقوم بأحد أمرين، لكلّ واحد ظرفه الخاصّ:

1. التنصيص الإلهي على الحاكم الأعلى باسمه وشخصه. وهذا فيما لو كان هناك نصّ أو نصوص على حاكمية شخص معيّن على الأُمّة كما في النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ باتّفاق المسلمين، أو الأئمّة المعصومين حسب ما تذهب إليه الشيعة.

ومن المعلوم، أنّه لو كان نصّ لما جاز العدول عنه إلى


(29)

الطريق الآخر الذي سنشير إليه.

2. التنصيص الإلهي على صفات الحاكم الأعلى، وشروطه، ومواصفاته الكليّة فيما إذا لم يكن هناك تنصيص على الشخص، أو كان لكن الظروف تحول دون الوصول إليه والانتفاع بقيادته.

وبما انّ البحث في الرسالة مركّز على بيان صيغة الحكومة بعد رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا مطلقاً حتّى يشمل البحث الأحوال الحاضرة، فتتحدد الدراسة ببيان نظام الحكم بعد وفاة الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقط وأمّا ما هي صيغة الحكم في الأحوال الحاضرة فهو رهن كتاب مفرد قمنا ببيانها في محاضراتنا.(1)


1-لاحظ مفاهيم القرآن، الجزء الثاني تجد فيه بغيتك.

Website Security Test