welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : نظام الحكم في الإسلام*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام الحكم في الإسلام

9

نظام الحكم
في الإسلام

تأليف

الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)


(4)


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي حسرت عن معرفة كماله، عقول الأولياء، وعجزت عن إدراك حقيقته، أفهام العلماء، واحد لا شريك له، لا يُشبهه شيء لا في الأرض ولا في السماء; والصلاة والسلام على نبيّه الخاتم، أفضل خلائقه وأشرف سفرائه، وعلى آله البررة الأصفياء، والأئمّة الأتقياء.

أمّا بعد فغير خفيّ على النابه انّ للعقيدة ـ على وجه الإطلاق ـ دوراً في حياة الإنسان أيسره انّ سلوكَه وليدُ عقيدته ونتاج تفكيره، فالمواقف التي يتّخذها تمليها عليه عقيدتُه، والمسير الذي يسير عليه، توحيه إليه فكرته.

إنّ سلوك الإنسان الذي يؤمن بإله حىّّ قادر عليم، يرى ما يفعله، ويحصي عليه ما يصدر عنه من صغيرة وكبيرة، يختلف تماماً عن سلوك من يعتقد أنّه سيّد نفسه وسيّد الكون


(6)

الذي يعيش فيه، لا يرى لنفسه رقيباً ولا حسيباً.

ومن هنا يتّضح أنّ العقيدة هي ركيزة الحياة، وأنّ التكاليف والفرائض التي نعبّر عنها بالشريعة بناء عليها، فالعقيدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالروح والعقل، في حين ترتبط الشريعة والأحكام بألوان السلوك والممارسات.

ولأجل هذه الغاية قُمنا بنشر رسائل موجزة عن جوانب من العقيدة الإسلامية، وركّزنا على أبرز النقاط التي يحتدم فيها النقاش.

وبما أنّ لكلّ علم لغته، فقد آثرنا اللغة السهلة، واخترنا في مادة البحث ما قام عليه دليل واضح من الكتاب والسنّة، وأيّده العقل الصريح ـ الذي به عرفنا اللّه سبحانه وأنبياءه ورسله ـ حتّى يكون أوقع في النفوس، وأقطع لعذر المخالف.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


(7)

الفصل الأوّل

الحكومة حاجة ملحَّة

إنّ وجود الدولة في الحياة البشرية ليس أمراً تقتضيه الحياة المعاصرة التي اشتدت فيها الحاجة إلى الحكومة، بل هي حاجة طبيعية ضرورية للإنسان الاجتماعي عبر القرون.

فإذاً الدولة حاجة طبيعية تقتضيها الفطرة الإنسانية بحيث يُعدّ الخارج على الدولة ونظامها وتدبيرها: إمّا متوحشاً ساقطاً، أو موجوداً يفوق الموجود الإنساني.

انّ استعراض ما قام به الباحثون والمفكّرون من تبيين ضرورة الحكومة في المجتمع الإنساني، وانّه لولاها لانهارت الحياة وانفصمت عقد الاجتماع وعادت الفوضى إلى المجتمع الإنساني، ممّا لا تسعه هذه الرسالة ولنتركها لمحلها.


(8)

ولكن المهم لنا هو تبيين سيرة الرسول في تأسيس الحكومة الإسلامية بعدما استّتب له الأمر، وهو يعرب عن أنّ الحكومة تعد بنى تحتيّة لإجراء عامّة الأحكام الإسلامية، وانّه لولاها لتعطلت الأحكام، وتوقّف إجراء الحدود والتعزيرات، وبالتالي سادت الفوضى على الحياة، فلذلك نقتصر في المقام على بيان سيرة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعد نزوله المدينة المنورة فنقول:

من تتبع سيرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقف على أنّه قام بتأسيس الدولة بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى، فقد مارس ما هو شأن الحاكم السياسي من تشكيل جيش منظم، وعقد معاهدات ومواثيق مع الطوائف الأُخرى، وتنظيم الشؤون الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية ممّا يتطلّبه أي مجتمع منظم ذو طابع قانوني، وصفة رسمية، وصيغة سياسية، واتخاذ مركز للقضاء وإدارة الأُمور وهو المسجد، وتعيين مسؤوليات إدارية، وتوجيه رسائل إلى الملوك والأُمراء في الجزيرة العربية وخارجها، وتسيير الجيوش والسرايا وبذلك يكون الرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أوّل مؤسس للدولة الإسلامية التي استمرت من


(9)

بعده، واتسعت وتطورت وتبلورت، واتخذت صوراً أكثر تكاملاً في التشكيلات والمؤسسات وإن كانت الأُسس متكاملة في زمن المؤسس الأوّل ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

ومن ملامح تأسيس حكومته قيامه بأُمور تعد من صميم العمل السياسي والنشاط الإداري الحكومي، نذكر من باب المثال لا الحصر:

1. انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عقد بين أصحابه وبين الطوائف والقبائل الأُخرى المتواجدة في المدينة كاليهود وغيرهم اتفاقية وميثاقاً يعتبر في الحقيقة أوّل دستور للحكومة الإسلامية.

2. انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جهز الجيوش وبعث السرايا إلى مختلف المناطق في الجزيرة، وقاتل المشركين وغزاهم، وقاتل الروم، وقام بمناورات عسكرية لارهاب الخصوم، وقد ذكر المؤرخون أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاض أو قاد خلال 10 أعوام من حياته المدنية 85 حرباً بين غزوة وسريّة.

3. بعد ان استَّتب له الأمر في المدينة وما حولها وأمن جانب مكة وطرد اليهود لتآمرهم ضد الإسلام والمسلمين من


(10)

المدينة وما حولها وقلع جذورهم، توجه باهتمام خاص إلى خارج الجزيرة، وإلى المناطق التي لم تصل إليها دعوته ودولته من مناطق الجزيرة، فراح يراسل الملوك والأُمراء ويدعوهم إلى الانضواء تحت راية الإسلام والدخول تحت ظل دولته والقبول بحكومته الإلهية.

4. انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعث السفراء والمندوبين السياسيين إلى الملوك والزعماء وكان عملاً بديعاً من أعمال الدبلوماسية، وهذه الدبلوماسية الفطنة التي لجأ إليها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في مخاطبة الملوك في عصره لم تذهب كلّها سدى.

5. انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نصب القضاة وعيّن الولاة، وأعطاهم برامج للإدارة والسياسة، فأوصاهم فيما أوصاهم بتعليم أحكام الإسلام ونشر الأخلاق والآداب التي جاء بها الإسلام، وتعليم القرآن الكريم، وجباية الضرائب الإسلامية كالزكاة وإنفاقها على الفقراء والمعوزين، وما شابه ذلك من المصالح العامة، وفصل الخصومات بين الناس، وحلّ مشاكلهم) والقضاء على الظلم والطغيان، وغير ذلك من المهام


(11)

والصلاحيات والمسؤوليات الإدارية والاجتماعية.

6. انّ من قرأ سورة الأنفال والتوبة ومحمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يلاحظ كيف يرسم القرآن فيها الخطوط العريضة لسياسة الحكومة الإسلامية وبرامجها ووظائفها. فهي تشير إلى مقومات الحكومة الإسلامية المالية، وأُسس التعامل مع الجماعات غير الإسلامية، ومبادئ الجهاد والدفاع وبرامجها، وتعاليم في الوحدة الإسلامية التي تعتبر أقوى دعامة للحكومة الإسلامية، وكذا غيرها من السور والآيات القرآنية فهي مشحونة بالتعاليم والبرامج اللازمة للحكومة والدولة.

وهذا يكشف عن أنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان أوّل مؤسس للحكومة الإسلامية في المدينة المنورة بعد أن مهّد لها في مكة.

إنّ من سبر الأحكام الإسلامية من العبادات إلى المعاملات إلى الإيقاعات والسياسات، يقف على أنّها بطبعها تقتضي إقامة حكومة عادلة واعية لإجراء كلّ ما جاء به النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وانّه لولاها لأصبحت تلك القوانين حبراً على ورق من دون أن تظهر في المجتمع آثارها، فانّ الإسلام ليس


(12)

مجرّد أدعية خاوية أو طقوس ومراسيم فردية يقوم بها كلّ فرد في بيئته ومعبده، بل هو نظام سياسي ومالي وحقوقي واجتماعي واقتصادي واسع وشامل، وما ورد في هذه المجالات من قوانين أو أحكام، تدلّ بصميم ذاتها على أنّ مشرّعها افترضَ وجودَ حاكم يقوم بتنفيذها ورعايتها، لأنّه ليس من المعقول سنّ مثل هذه القوانين دون وجود قوة مجرية وسلطة تنفيذية تتعهد بإجرائها وتتولّى تطبيقها مع العلم بأنّ سنّ القوانين وحده لا يكفي في تنظيم المجتمعات، وإلى هذا الدليل يشير السيد المرتضى بقوله:

إنّه سبحانه وتعالى يأمرنا بالاستجابة للّه وللرسول إذا دعا لما فيه حياتنا، يقول سبحانه: (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا استَجيبُوا للّه وَلِلرَّسُولِ إِذا دعاكُمْ لِما يُحييكُمْ).(1)

وفسّرت الآية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كان الأمر والنهي كما تُوحي هذه الآيات مبدأ للحياة وجب أن يكون للناس إمام يقوم بأمرهم ونهيهم ويقيم فيهم الحدود،


1-الأنفال:24.


(13)

ويجاهد فيهم العدو، ويقسم الغنائم، ويفرض الفرائض ويحذِّرهم عمّا فيه مضارهم، ولهذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب بقاء الخلق فوجبا، وإلاّ سقطت الرغبة والرهبة ولم يرتدع أحد، ولفسد التدبير، أو كان ذلك سبباً لهلاك العباد.(1)

نظام الإمامة والخلافة في الإسلام

قد عرفت أنّ الحكومة ضرورة ملحة ولا تحتاج إلى إقامة برهان وقد وردت على لسان الرسول وأئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ إلماعات إلى ذلك نذكر منها ما يلي:

1. قال النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «صنفان من أُمّتي إذا صلحا صلحت أُمّتي، وإذا فسدا فسدت أُمّتي».

قيل: يا رسول اللّه ومن هم؟

قال: «الفقهاء والأُمراء».(2)


1-المحكم والمتشابه، للسيد المرتضى: 50.
2-تحف العقول:42.


(14)

فالحديث يعرب عن ضرورة وجود الفقيه والأمير في المجتمع الإسلامي، غير أنّ سعادته رهن كونهما مصلحين لا مفسدين.

2.قال الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ لمّا سمع قول الخوارج: لا حكم إلاّ للّه، قال: «كلمة حقّ يراد بها باطل; نعم انّه لا حكم إلاّ للّه ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلاّ للّه، وإنّه لابدّ للناس من أمير برّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر، ويبلّغ اللّه فيه الآجل، ويُجمع به الفيء ويُقاتل به العدو وتأمَنُ به السبل، ويُؤخذ به للضعيف من القوي، حتّى يستريح برّ، ويُستراحَ من فاجر».(1)

3. وقال الإمام علي بن موسى الرضا ـ عليه السَّلام ـ في حديث طويل حول ضرورة وجود الحكومة في الحياة البشرية: «إنّا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملّة من الملل بقُوا وعاشوا إلاّ بقيّم ورئيس لما لابدّ لهم منه في أمر الدين والدنيا، فلم يجز في


1-نهج البلاغة، الخطبة40.


(15)

حكمه الحكيم أن يترك الخلقَ لما يعلم أنّه لابدّ لهم منه، ولا قوام لهم إلاّ به، فيقاتِلونَ به عدوّهم، ويقسّمون به فيئهم، ويقيمون به جمعتهم وجماعتهم، ويمنعُ ظالمهم من مظلومهم».(1)

ولأجل هذه الأهمية التي تحظى بها الحكومة الإسلامية يتعيّن على علماء الإسلام أن يبذلوا غاية الجهد في توضيح معالمها ومناهجها وخطوطها وخصائصها في جميع العصور والعهود.


1-علل الشرائع:253.


(16)

الفصل الثاني

ملامح الحكومة الإسلامية

في الكتاب والسنّة

إنّ الحاكم الإسلامي ـ في منطق القرآن وحسب تشريعهـ ليس مجرّد من يأخذ بزمام الجماعة كيفما كان، ويأمر وينهى بما تشتهيه نفسه، ويحكم على الناس لمجرّد السلطة وشهوة الحكم، بل هو ذو مسؤولية كبيرة وثقيلة.

وبما انّ هذه الرسالة لا تتسع لبيان أكثر ملامح الحكومة الإسلامية نقتصر على بعض ما ورد في الذكر الحكيم من ملامح مقروناً ببعض الروايات، ونحيل التفصيل إلى


(17)

محاضراتنا.(1)

قال سبحانه: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْض أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللّهِ عاقِبَةُ الأُمور).(2)

فالمسؤوليات الملقاة على عاتق الحاكم في الإسلام عبارة عن:

1. إقامة الصلاة وتوثيق عرى المجتمع الإسلامي بربّه الذي فيه كلّ الخير.

2. إيتاء الزكاة الذي فيه تنظيم اقتصاده ومعاشه.

3. الأمر بالمعروف وإشاعة الخير والصلاح في المجتمع.

4. النهي عن المنكر ومكافحة كلّ ألوان الفساد والانحراف والظلم والزور.

ومن المعلوم أنّ حكومة كهذه توفر للائقين والصالحين


1-انظر كتاب معالم الحكومة الإسلامية:34ـ 47.
2-الحج:41.


(18)

وذوي القابليات والمواهب فرصاً مناسبة لإبراز مواهبهم، وتهيّئ الظروف المساعدة لتنمية استعداداتهم العلمية والفكرية في جميع المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتدفعها في طريق التقدّم والازدهار.

وقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا تصلح الإمامة إلاّ لرجل فيه ثلاث خصال:

وَرَع يحجزه عن معاصي اللّه

وحِلْم يملك به غضبه

وحسن الولاية على من يلي حتّى يكون لهم كالوالد الرحيم».(1)

وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ في ردّ من قال: بئس الشيء الأمارة ـ: «نعم الشيء الأمارة لمن أخذها بحلها وحقّها، وبئس الشيء الأمارة لمن أخذها بغير حقّها وحلها تكون عليه يوم القيامة حسرة وندامة».(2)


1-الكافي:1/407.
2-كتاب الأموال:10.


(19)

مسؤولية الحاكم في النصوص الشرعية

1. إنّ الرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يتحدث عن مسؤوليته تجاه الأُمّة الإسلامية الّتي يأخذ بزمام حكمها، فيقول: «كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته».

فالأمير الذي على الناس، راع عليهم، وهو مسؤول عنهم.

والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم.

وامرأة الرجل، راعية على بيت زوجها وولدها، وهي مسؤولة عنهم.

«ألا فكلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته».(1)

2. ويمكن لنا أن نستجلي ملامح الحكومة الإسلامية وصفات الحاكم الإسلامي من كلام الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ الذي يرسم لنا ما على الحاكم الإسلامي الأعلى تجاه الشعب وما على الشعب تجاه الحاكم، إذ يقول في وضوح كامل:


1- كتاب الأموال للحافظ أبي عبيد سلاّم بن القاسم المتوفى225هـ، ص 10.


(20)

«و أعظم ما افترض اللّه من تلك الحقوق; حقُّ الوالي على الرّعيّة وحقُّ الرّعيّة على الوالي، فريضةً فرض اللّه سبحانه، لكلّ على كلّ، فجعلها نظاماً لأُلفتهم، وعزّاً لدينهم، فليست تصلح الرّعيّة إلا بصلاح الولاة، ولا يصلح الولاة إلا باستقامة الرّعيّة.

فإذا أدّت الرّعيّة إلى الوالي حقّه وأدّى الوالي إليها حقّها، عزّ الحقُّ بينهم، وقامت مناهج الدّين، واعتدلت معالم العدل وجرت على أذلالها السُّنن، فصلح بذلك الزّمان، وطمع في بقاء الدّولة ويئست مطامع الأعداء، وإذا غلبت الرّعيّة واليها أو أجحف الوالي برعيّته، اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الإدغال في الدّين، وتركت محاجُّ السُّنن، فعمل بالهوى، وعطّلت الأحكام، وكثرت علل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حقّ عطّل، ولا لعظيم باطل فعل، فهنالك تذلُّ الأبرار، وتعزُّ الأشرار، وتعظّم تبعات اللّه عند العباد».(1)

ثمّ إنّ الإمام عليّاً ـ عليه السَّلام ـ يصرّح في هذه الخطبة ذاتها


1-نهج البلاغة: الخطبة216، طبعة عبده.


(21)

بالحقوق المشتركة والمسؤوليات المتقابلة، إذ يقول: «أمّا بعد، فقد جعل اللّه لي عليكم حقّاً بولاية أمركم، ولكم عليّ من الحقّ مثل الذي لي عليكم».

ثم يشير الإمام ـ عليه السَّلام ـ في هذه الخطبة إلى واحدة من أنصع القوانين الإسلاميّة; وهو قانون التسوية بين جميع أفراد الأُمّة الإسلاميّة حكّاماً ومحكومين، رؤوساء ومرؤوسين، وزراء ومستوزرين، وبذلك ينسف فكرة: أنا القانون، أو أنا فوق القانون، فيقول ـ عليه السَّلام ـ : «... الحقُّ لا يجري لأحد إلاّ جرى عليه، ولا يجري عليه إلاّ جرى له».

وعلى هذا; فلا تمييز ولا تفرقة بين الحاكم والمحكوم بل الجميع أمام القوانين الإسلاميّة المدنيّة والجزائيّة وغيرها سواء، وعلى الحاكم والرئيس أن يؤدّي حقوق الناس كأيّ فرد من أفراد الأُمّة العاديّين، وبذلك يدعم الإمام ما روي عن الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذ يقول: «النّاس أمام الحقّ سواء».

3. كما يمكن أن نعرف طبيعة الحكومة الإسلامية من خطبة الإمام الحسين الشهيد ـ عليه السَّلام ـ بعد نزوله بأرض كربلاء، فقال:


(22)

«اللّهم إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان، ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لنري المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك».(1)

إنّ من أهمّ الوثائق التي ترسم لنا بوضوح معالم الحكومة الإسلامية; الوثيقة التي كتبها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ليهود يثرب بعد ما نزل المدينة المنوّرة، وقد رواه: ابن هشام في سيرته(2) ، وأبو عبيد في كتاب «الأموال» (3)، وابن كثير في البداية والنهاية.(4) وهي وثيقة تاريخية مفصّلة، فمن أراد فليرجع إلى محالّه.

فالحاكم الإسلامي في الحقيقة هو الحافظ لمصالح الشعب، وهو كالأب الحنون لعامّة المواطنين حتّى اليهود والنصارى إذا عملوا بشرائط الذمّة، فهو يسمح للمسلمين


1- بحار الأنوار:100/80ـ 81، الحديث 37.
2-سيرة ابن هشام:1/501.
3- الأموال، ص 517، ط مصر .
4- البداية والنهاية:2/224.


(23)

بأن يعاملوا غيرهم من الطوائف غير المسلمة بالعدل والرفق والشفقة ماداموا لا يتآمرون على المسلمين و لا يسيئون إلى أمنهم، ولا يقاتلونهم، فالإسلام لا يمنع عن البرّ والقسط إليهم، وإنّما يمنع عن الذين ظاهروا على المسلمين وتآمروا ضدهم، ترى كلّ ذلك في الآيتين التاليتين:

يقول سبحانه:(لا يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّين ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطين* إِنّما يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذينَ قاتلُوكُمْ فِي الدِّين وأَخرجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهرُوا عَلى إِخرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلّوْهُمْ وَمَنْ يَتَولَّهم فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُون).(1)

ويقول: (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا تَتَّخذُوا بِطانَة مِنْ دُونكُمْ لا يأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِنْ أَفواهِهِمْ وما تُخفِى صُدُورُهُمْ أَكبرُ قَدْ بَيّنّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون).(2)

ولعلّ النظرة الواحدة إلى تاريخ الحكومات الإسلامية


1-الممتحنة:8 ـ9.
2-آل عمران:118.


(24)

يكشف لنا عفوهم وسماحتهم لكثير من الذمّيين من النصارى واليهود، وقد كانت الأقلّيات بين المسلمين يرجّحون الحياة تحت ظلّ الإسلام على العيش مع الدول الكافرة، نذكر هاهنا وثيقة تاريخية ذكرها البلاذري في هذا المجال. قال:

لمّا جمع هرقل للمسلمين الجموع، وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك، ردّوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج، وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم، فقال أهل حمص[ وكانوا مسيحيّين] : لولايتكم وعدلكم أحبّ إلينا ممّا كنّا فيه من الظلم والغشم، ولندفعنّ جند هرقل عن المدينة مع عاملكم، ونهض اليهود فقالوا: والتوراة [أي قسماً بالتوراة] لا يدخل هرقل مدينة حمص إلاّ أن نغلب ونجهد، فأغلقوا الأبواب وحرسوها، وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى واليهود وقالوا: إن ظهر الروم وأتباعهم على المسلمين صرنا إلى ما كنّا عليه [ من الظلم والحرمان]، وإلاّ


(25)

فانّا على أمرنا ما بقي للمسلمين عدد.

فلمّا هزم اللّه الكفرة وأظهر المسلمين، فتحوا مدنهم، وأخرجوا المقلّسين(1) فلعبوا وأدّوا الخراج».(2)

إنّ الحاكم الإسلامي، من يشارك شعبه في إفراحه وإتراحه، وفي آلامه وآماله لا أن يعيش في بروج عاجيّة، متنعماً في أحضان اللذة رافلاً في أنواع الشهوات، غير عارف بأحوال من يسوسهم.

يقول الإمام وهو يرسم ملامح الحاكم الإسلامي.

«أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أوأكون أُسوة لهم في جشوبة العيش، فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة، شغلها تقممها».(3)


1- التقليس: استقبال الولاة عند قدومهم بضرب الدّف والغناء وأصناف اللهو، راجع المنجد في اللغة.
2-البلاذري( م279هـ)، فتوح البلدان، ص 143.
3- نهج البلاغة، الرسالة رقم45.


(26)

الفصل الثالث

أنظمة الحكم في المجتمعات البشريّة

إنّ لنظم الحكم في العالم ألواناً وأنواعاً نذكر عناوينها باختصار:

1. النظام الملكي.

2. الحكومة الأشرافية.

3. حكومة الأغنياء.

4. النظام الجمهوري.

إلى غير ذلك من الأنظمة المعروفة لدى السياسيّين، غير أنّ المهم لنا في المقام كيفيّة نظام الحكم في الإسلام بعد رحيل الرسول الأكرم، أمّا في زمانه فلا شكّ أنّه الحاكم


(27)

المبعوث من اللّه سبحانه وليس للناس اختيار في ردّه وقبوله. يقول سبحانه: (وَما كانَ لِمؤمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرةُ مِنْ أَمرِهِمْ).(1)

إنّ البحث عن صيغة الحكومة الإسلامية من أهمّ المباحث لكنّها ـ للأسف ـ قلّت العناية بترسيم شكلها ومعالمها وما يرجع إليها من المباحث.

أمّا الشيعة فبما أنّهم كانوا يمثّلون طول العصور جبهة الرفض والمعارضة للحكومات الجائرة لم تسنح لهم الظروف أن يتحدّثوا عن صيغة الحكومة الإسلامية، وأمّا السنّة فقد تبعوا في ترسيمها الوضع السائد على الحكومات بعد رحيله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وزعمت أنّها حكومات إسلامية شرعية من دون أن ترفع النقاب عن واقع الحكومة الإسلامية، ولأجل ذلك غابت الصورة الحقيقية للحكومة الإسلامية عن أذهان أكثر المسلمين، ومن حاول أن يستجلي كيفية النظام الإسلامي يجب عليه رعاية الأُمور الثلاثة:


1-الأحزاب:36.


(28)

أوّلاً: العودة إلى المصادر الأساسية للإسلام، ونعني بها الكتاب والسنّة المطهرة.

ثانياً: أن لا يخلطوا بين ما وقع وجرى على الساحة الإسلامية في مجال الحكم، و بين ما هو مرسوم لنظام الحكم في أصل الشريعة المقدّسة.

ثالثاً: أن لا يخلطوا بين تاريخ المسلمين ونظام الدين، لأنّ ذلك التاريخ لا يكون ممثّلاً واقعياً لكلّ تعاليم الدين، ولا مبرزاً لجميع حقائقه.

إنّ التتبع في الكتاب والسنّة يقضي بأنّ الحكومة في الإسلام تقوم بأحد أمرين، لكلّ واحد ظرفه الخاصّ:

1. التنصيص الإلهي على الحاكم الأعلى باسمه وشخصه. وهذا فيما لو كان هناك نصّ أو نصوص على حاكمية شخص معيّن على الأُمّة كما في النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ باتّفاق المسلمين، أو الأئمّة المعصومين حسب ما تذهب إليه الشيعة.

ومن المعلوم، أنّه لو كان نصّ لما جاز العدول عنه إلى


(29)

الطريق الآخر الذي سنشير إليه.

2. التنصيص الإلهي على صفات الحاكم الأعلى، وشروطه، ومواصفاته الكليّة فيما إذا لم يكن هناك تنصيص على الشخص، أو كان لكن الظروف تحول دون الوصول إليه والانتفاع بقيادته.

وبما انّ البحث في الرسالة مركّز على بيان صيغة الحكومة بعد رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا مطلقاً حتّى يشمل البحث الأحوال الحاضرة، فتتحدد الدراسة ببيان نظام الحكم بعد وفاة الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقط وأمّا ما هي صيغة الحكم في الأحوال الحاضرة فهو رهن كتاب مفرد قمنا ببيانها في محاضراتنا.(1)


1-لاحظ مفاهيم القرآن، الجزء الثاني تجد فيه بغيتك.


(30)

الفصل الرابع

التنصيص الإلهي على الحاكم

باسمه وشخصه

لا شكّ أنّ النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان حاكماً منصوباً من جانبه سبحانه ولم يختلف فيه أحد من المسلمين إنّما الاختلاف في صيغة الحكومة الإسلامية، بعد رحيله، فهل هي كانت على غرار حكومة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأنّ اللّه سبحانه نصب شخصاً أو أشخاصاً معيّنين للحكومة على لسان نبيّه، أو أنّ الحكومة بعده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على غرار الطريق الثاني، أعني: التنصيص على الصفات والشروط الكليّة اللازمة للحاكم، وحث الأُمّة على تعيين الحاكم من عند أنفسهم حسب تلك الصفات والشروط وعلى ضوء تلكم المواصفات؟

فهناك قولان، ذهبت إلى كلّ واحد طائفة من


(31)

المسلمين.

إنّ طائفة كبيرة من المسلمين ذهبت إلى أنّ صيغة الحكومة بعد الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كانت حكومة تنصيصية إلهية على غرار حكومة النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ واللّه سبحانه نصّ على أسماء من يجب أن يخلفوا نبيّه على لسان نبيّه، وأوجب طاعتهم وحرّم مخالفتهم.

ويمكن استجلاء الحقيقة بالطرق الثلاثة التالية:

1. هل المصالح كانت تقتضي التنصيص على الاسم، أو كانت تقتضي التنصيص على الوصف وترك الاختيار للأُمّة؟

2. إنّ الفراغ الذي يحدث برحيل النبيّ الأكرم هل يسدّ بانتخاب الأُمّة، أو لا يسدّ إلاّ بالتنصيص على فرد معيّن؟

3. ما هو المرتكز في أذهان المسلمين في حياة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعد رحيله؟

وها نحن نأخذ كلّ واحد من هذه الطرق بالبحث والتحليل.


(32)

1

المصالح العالية

تقتضي التنصيص على الاسم

كانت المصالح بعد رحيل النبي مقتضية لأن ينصب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ شخصاً مكانه، وكان في ترك الأمر إلى رأي الأُمّة مفسدة، ويعلم ذلك من خلال دراسة أمرين:

أ: الأُمّة الإسلامية والخطر الثلاثي

كانت الأُمّة الإسلامية قُبيل وفاة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ محصورة بأكبر امبراطوريتين عرفهما تاريخ تلك الفترة. امبراطوريتان كانتا على جانب كبير من القوّة والبأس والقدرة العسكرية المتفوقّة ممّا لم يتوصّل المسلمون إلى أقلّ درجة منها... وتلك الامبراطوريتان هما: الروم وإيران. هذا من الخارج.


(33)

وأمّا من الداخل، فقد كان الإسلام والمسلمون يُعانون من جماعة المنافقين الذين كانوا يشكّلون العدوّ الداخلي المبطّن (أو ما يسمى بالطابورالخامس).

كان المنافقون يتربصون بالنبي الدوائر، حتّى أنّهم كادوا له ذات مرّة، وأرادوا أن يجفلوا به بعيره في العقبة عند عودته من حجّة الوداع، وربّما اتّفقوا مع اليهود والمشركين لتوجيه الضربات إلى الكيان الإسلامي من الداخل تخلّصاً من هذا الدين الذي هدّد مصالحهم، ولقد كان المنافقون ولا يزالون أشدّ خطراً من أيّ شيء آخر على الإسلام، وذلك لأنّهم كانوا يوجّهون ضرباتهم بصورة ماكرة وخفيّة، وبنحو يخفى على العاديين من الناس.

لقد تصدى الذكر الحكيم لفضح المنافقين والتشهير بجماعتهم وخططهم في أكثر السور القرآنية، مثل البقرة، آل عمران، المائدة، الأنفال، التوبة، العنكبوت، الأحزاب، محمّد، الفتح، المجادلة، الحديد، والحشر.

كما نزلت في حقّهم سورة خاصة باسم المنافقين، ولا


(34)

يسعنا نقل معشار ما تآمروا به في الفترة المدنية، ويكفي في ذلك قوله سبحانه في حقّهم:(لَقَدِ ابْتَغوا الفِتْنَة مِنْ قَبْلُ وَقلَّبُوا لَكَ الأُمورَ حتّى جاءَ الحَقُّ وظَهرَ أَمرُ اللّهِ وَهُمْ كارِهُون).(1)

ويشير أيضاً إلى تآمرهم ليلاً ونهاراً حيث كانوا يبيّتون خلاف ما يظهرونه ويبدونه أمام النبيّ كما يقول: (وَ يَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذي تَقُولُ).(2)

وكان من المحتمل جدّاً أن يتفق هذا الخطر الثلاثي ـ الناقم على الإسلام ـ على محو الدين وهدم كلّ ما بناه الرسول طوال ثلاثة وعشرين عاماً من الجهود والمتاعب، وتضييع كلّ ما قدّمه المسلمون من تضحيات في سبيل إقامته.

إنّ احتمال قيام المؤامرات واتّحاد قوى الشرك مع الطابور الخامس لم يكن يومذاك غائباً عن ذهنية المشرِف على


1-التوبة:48.
2-النساء:81.


(35)

الأوضاع السياسية فضلاً عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ومثل هذا يفرض على القائد العليم أن يدحض جميع تلك المخططات والمؤامرات بتنصيب خليفة من بعده عارفاً بالكتاب والسنّة، شُجاعاً مِقْداماً، واعياً بالأوضاع السياسية، حازماً، يمسك بزمام الأُمور ويقود المجتمع الإسلامي إلى ساحل الأمان وهذا بخلاف ما لو ارتحل دون أن يفكر بمستقبل الحكومة الإسلامية والمؤامرات والفتن التي تحدق بها، ويدلي بالأمر إلى الأُمّة كي تنتخب لها قائداً من بعده، فانّ اتخاذ مثل هذا الموقف كان على خلاف مصالح الأُمّة ، وبعيداً عن ذهنية من كان محيطاً بالأوضاع الداخلية لأُمّته والنزاعات الطائفية التي كانت قائمة على قدم وساق والتي ربما كانت تنتهي إلى حروب داخلية تجعل الأُمّة عرضة لأطماع الأعداء التوسعية التي يحكي عنها قوله سبحانه: (أَمْ يَقُولُونَ شاعرٌ نَتَربَّصُ بهِ رَيْبَ الْمَنُونِ).(1)


1- الطور:30 .


(36)

ب: النظام القبلي يمنع من الاتفاق على قائد

لقد كان من أبرز ما يتميز به المجتمع العربي قبل الإسلام، هو النظام القبلي، والتقسيمات العشائرية التي كانت تحتلّ ـ في ذلك المجتمع ـ مكانة كبرى، و تتمتّع بأهميّة عظيمة.

فلقد كان شعب الجزيرة العربية،غارقاً في هذا النظام الذي كان سائداً في كلّ أنحائها.

ولقد كان للقبيلة أكبر الدور في الحياة العربية ـ قبل الإسلام ـ وعلى أساسها كانت تدور المفاخرات وتنشد القصائد، وتُبنى الأمجاد، كما كانت هي منشأ أكثر الحروب وأغلب المنازعات التي ربما كانت تستمرّ قرناً أو أزيد، كما حدث بين الأوس والخزرج، أكبر قبيلتين عربيّتين في يثرب(المدينة) كلّفهم مئات القتلى قبل دخول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ المدينة.

ورغم ما أوجد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في ضوء التعاليم الإسلامية من تحولات عظيمة في حياة العرب إلاّ أنّ أكثرها كانت تتعلّق


(37)

بقضايا عقائدية ومسائل أخلاقية، لا بالحياة القبلية، ولم يكن من الممكن أن ينقلب النظام القبلي العربي في خلال ثلاث وعشرين عاماً ويتبدل كلّيّاً. بل كان التعصب للقبيلة ولشيخها هو المظهر الأتم للحياة القبلية.

وعلى ضوء ذلك فهل يجوز في منطق العقل أن يترك القائدـ كالنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ أُمّته المفطورة على التعصبات القبلية والاختلافات العرفيّة دون أن يعين مصير الخلافة بتنصيب خليفة من بعده، و في تعيينه قطع لدابر الاختلاف والفرقة، وسدّ لأفواه الطامعين بالخلافة؟!

وأوضح دليل على التعصبات القبلية في الشؤون الاجتماعية ولا سيما في الخلافة العامة، هو الخلاف والتشاجر الذي ظهر في السقيفة حيث سارعت كلّ قبيلة إلى ترشيح زعيمها للخلافة متجاهلة كلّ المبادئ والتعاليم الإسلامية، فهذا هو الناطق بلسان الأنصار يرفع عقيرته في السقيفة ويقول:

نحن أنصار اللّه وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر


(38)

المهاجرين رهط منّا وقد دفّت دافّة من قومكم(1)إذ هم يريدون أن يجتازون(2) ويغصبونا الأمر.

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على رسوخ التعصبات القبلية في نفوسهم.

أفيصحّ لقائد محنك كالنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يترك الأمر لقوم هذا مبلغ تفكيرهم وتغلغلهم في العصبية القبلية متجاهلة كل المعايير الإسلاميّة في الحاكم الإسلامي.

وهذا هو أحد المهاجرين الحاضرين في السقيفة يتعصّب لقريش ويقول:

«...لن تعرف العرب هذا الأمر (أي الزعامة) إلاّ لهذا الحيّ من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً...».

ومن قرأ تاريخ السقيفة والمناقشات الدائرة بين الحاضرين (الأوس والخزرج وجمع من المهاجرين ) يلاحظ كيف تأجّجت نار العصبية بين هؤلاء بحيث أخذ كلّ


1-جاء جماعة ببطء .
2-أي يدفعوننا من أصلنا .


(39)

يتعصّب لقبيلته دون أن ينظر إلى مصالح الإسلام والمسلمين.

إلى هنا تبين انّ المصلحة كانت تكمن في التنصيب للخلافة دون الإدلاء بها إلى الأُمّة، وقد أوضحنا حالها من خلال دراسة أمرين:

1. الخطر الثلاثي المُحدِق بالإسلام والمسلمين.

2. التعصبات القبلية التي تحول دون الاتّفاق على شيء و تؤجّج نار الطائفية بين المسلمين.

ونبحث الآن في العامل الثاني الذي يدعم نظرية التنصيب من جانب النبيّ بوحي من اللّه.


(40)

2

الفراغات الهائلة

لا تسدّ إلاّ بالتنصيص

إنّ النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، كان يملأ فراغاً كبيراً وعظيماً في حياة الأُمّة الإسلامية، ولم تكن مسؤولياته وأعماله مقتصرة على تلقّي الوحي الإلهي، وتبليغه إلى الناس فحسب، بل كان يقوم بالأُمور التالية:

1. يُفسِّر الكتاب العزيز، ويشرح مقاصده وأهدافه، ويكشف رموزه وأسراره.

2. يُبيِّن أحكام الموضوعات التي كانت تَحْدُثُ في زمن دعوته.

3. يَرُدّ على الحملات التشكيكية، والتساؤلات


(41)

العويصة المريبة التي كان يثيرها أعداء الإسلام من يهود ونصارى.

4. يصون الدين من التحريف والدسّ، ويراقب ما أخذه عنه المسلمون من أُصول وفروع، حتّى لا تَزِلّ فيه أقدامهم.

وهذه الأُمور الأربعة كان النبي يمارسها ويملأ بشخصيته الرسالية ثغراتها. ولأجل جلاء الموقف نوضح كلّ واحد من هذه الأُمور.

أمّا الأمر الأوّل: فيكفي فيه قوله سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلناسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)(1) فقد وصف النبي في هذه الآية بأنّه مبيّن لما في الكتاب، لا مجرّد تال له فقط.

وقوله سبحانه: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرآنَهُ* فَإِذا قَرأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ)(2) فكان النبي يتولى بيان مُجْمَلِهِ و مُطْلَقِهِ ومُقَيَّده،


1- النحل:44.
2-القيامة:16ـ19.

(42)

بقدر ما تتطلبه ظروفه.

والقرآن الكريم ليس كتاباً عادياً، على نسق واحد، حتّى يستغني عن بيان النبي، بل فيه المُحكَم والمتشابه، والعام والخاص، والمطلَق والمقيَّد، والمنسوخ والناسخ، يقول الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ : «وخلّف (النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ) فيكم ما خلّفت الأنبياء في أُممها: كتاب ربّكم فيكم، مبيّناً حلالَه وحرامه، وفرائضه وفضائله، وناسخه ومنسوخه، ورُخَصَه وعزائمه، وخاصّه وعامّه، وعِبره وأمثاله، ومُرسله ومَحْدُدَهُ،ومحكمه ومتشابهه، مفسّراً مجمله، ومبيِّناً غوامضه».(1)

وأمّا الأمر الثاني: فهو غنيٌ عن التوضيح، فإنّ الأحكام الشرعية وصلت إلى الأُمّة عن طريق النبي، سواء أكانت من جانب الكتاب أو من طريق السنّة.

وأمّا الأمر الثالث: فبيانه أنّ الإسلام قد تعرض، منذ ظهوره، لأعنف الحملات التشكيكية، وكانت تتناول توحيده ورسالته وإمكان المعاد، وحشر الإنسان، وغير ذلك. وهذا هو


1-نهج البلاغة، الخطبة1


(43)

النبي الأكرم، عندما قدم عليه جماعة من كبار النصارى لمناظرته، استدلّوا لاعتقادهم بنبوة المسيح، بتولده من غير أب، فأجاب النبي بوحي من اللّه سبحانه، بأنّ أمر المسيح ليس أغرب من أمر آدم حيث ولد من غير أب ولا أُمّ قال سبحانه: (إِنَّ مَثَلَ عيسى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُراب ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).(1)

وأنت إذا سبرت تفاسير القرآن الكريم، تقف على أنّ قسماً من الآيات نزلت في الإجابة عن التشكيكات المتوجهة إلى الإسلام من جانب أعدائه من مشركين ويهود و نصارى وقد وردت حول المعاد جملة كثيرة من الشبهات التي كانوا يعترضون بها على عقيدة المعاد، وأجاب القرآن عنها.

وأمّا الأمر الرابع: فواضح لمن لاحظ سيرة النبي الأكرم، فقد كان هو القول الفصل وفصل الخطاب، إليه يفيء الغالي، ويلحق التالي، فلم يُرَ أبّان حياته مذهب في الأُصول والعقائد، ولا في التفسير والأحكام. وكان ـ بقيادته


1-آل عمران:59. ولاحظ سورة الزخرف:57ـ61.


(44)

الحكيمة ـ يرفع الخصومات والاختلافات، سواء فيما يرجع إلى السياسة أو غيرها.(1)

هذه هي الأُمور التي مارسها النبي الأكرم أيّام حياته، ومن المعلوم أنّ رحلته وغيابه صلوات اللّه عليه، يخلّف فراغاً هائلاً ومفزعاً في هذه المجالات الأربعة، فيكون التشريع الإسلامي حينئذ أمام أُمور ثلاثة:

الأوّل: أن لا يبدي الشارع اهتماماً بسدّ هذه الفراغات الهائلة التي ستحدث بعد الرسول، ورأى تركَ الأُمور لتجري على عَواهنها.

الثاني : أن تكون الأُمّة، قد بلغت بفضل جهود صاحب الدعوة في إعدادها، حدّاً تقدر معه بنفسها على سدّ ذلك الفراغ.


1-يكفي في ذلك ملاحظة غزوة الحديبية، وكيف تغلّب بقيادته الحكيمة على الاختلاف الناجم، من عقد الصلح مع المشركين وما نجم في غزوة بني المصطلق من تمزيق وحدة الكلمة ، أو ما ورد في حجّة الوداع، حيث أمر من لم يَسُق هدياً. بالإحلال، ونجم الخلاف من بعض أصحابه، فحسمه بفصله القاطع.


(45)

الثالث: أن يستودع صاحب الدعوة، كلّ ما تلقاه من المعارف والأحكام بالوحي، وكلّ ما ستحتاج إليه الأُمّة بعده، يستودعه شخصية مثالية، لها كفاءة تَقَبُّلِ هذه المعارف والأحكام وتحمُّلها، فتقوم هي بسد هذا الفراغ بعد رحلته صلوات اللّه عليه.

أمّا الاحتمال الأوّل: فساقط جداً، لا يحتاج إلى البحث، فإنّه لا ينسجم مع غرض البعثة، فإنّ في ترك سدّ هذه الفراغات ضياعاً للدين والشريعة، وبالتالي قطع الطريق أمام رُقيّ الأُمّة وتكاملها فيبقى أمامنا احتمالان ندرسهما تالياً.

دراسة الاحتمال الثاني

أن تكون الأُمّة قد بلغت بفضل جهود صاحب الدعوة في إعدادها حدّاً تقدر معه بنفسها على سدِّ ذلك الفراغ. غير أنّ التاريخ والمحاسبات الاجتماعية يبطلان هذا الاحتمال ويثبتان انّه لم يقدّر للأُمّة بلوغ تلك الذروة لتقوم


(46)

بسدّ هذه الثغرات التي خلّفها غياب النبيّ الأكرم، لا في جانب التفسير ولا في جانب الأحكام، ولا في جانب ردّ التشكيكات ودفع الشبهات، ولا في جانب صيانة الدين عن الانحراف.

أمّا في جانب التفسير، فيكفي وجود الاختلاف الفاحش في تفسير آيات الذكر الحكيم حتى فيما يرجع إلى أعمال المسلمين اليومية كما هو الحال في تفسير آية الوضوء.

وأمّا في مجال الأحكام، فيكفي في ذلك الوقوف على أنّ بيان الأحكام الدينيّة حصل تدريجاً على ما تقتضيه الحوادث والحاجات الاجتماعية في عهد الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ومن المعلوم انّ هذا النمط كان مستمرّاً بعد الرسول، غير انّ ما ورثه المسلمون منه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يكن كافياً للإجابة عن ذلك، أمّا الآيات القرآنية في مجال الأحكام فهي لا تتجاوز ثلاثمائة آية، وأمّا الأحاديث في هذا المجال، فالذي ورثته الأُمّة لا يتجاوز خمسمائة حديث، وهذا القدر لا يفي بالإجابة عن جميع الموضوعات المستجدّة.


(47)

ولا نعني من ذلك انّ الشريعة الإسلامية ناقصة في إيفاء أغراضها التشريعية وشمول المواضيع المستجدّة، بل المقصود انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يراعي في إبلاغ الحكم حاجة الناس ومقتضيات الظروف الزمنية، فلابدّ في إيفاء غرض التشريع على وجه يشمل المواضيع المستجدة والمسائل المستحدثة أن يستودع أحكام الشريعة من يخلفه ويقوم مقامه.

وأمّا في مجال ردّ الشبهات والتشكيكات وإجابة التساؤلات، فقد حصل فراغ هائل بعد رحلة النبيّ من هذه الناحية، فجاءت اليهود والنصارى تترى، يطرحون الأسئلة، حول أُصول الإسلام وفروعه، ولم يكن في وسع الخلفاء آنذاك الإجابة الصحيحة عنها، كما يشهد بذلك التاريخ الموجود بأيدينا.

وأمّا في جانب صيانة المسلمين عن التفرقة، والدّين عن الانحراف، فقد كانت الأُمّة الإسلامية في أشدّ الحاجة إلى من يصون دينها عن التحريف وأبناءها عن الاختلاف، فإنّ


(48)

التاريخ يشهد على دخول جماعات عديدة من أحبار اليهود ورهبان النصارى و مؤبدي المجوس بين المسلمين، فراحوا يدسّون الأحاديث الإسرائيلية والأساطير النصرانية والخرافات المجوسية بينهم، ويكفي في ذلك أن يذكر الإنسان ما كابده البخاري من مشاقّ وأسفار في مختلف أقطار الدولة الإسلامية، وما رواه بعد ذلك، فإنّه ألفى الأحاديث المتداولة بين المحدثين في الأقطار الإسلامية، تربو على ستمائة ألف حديث، لم يصحّ لديه منها أكثر من أربعة آلاف، وكذلك كان شأن سائر الذين جمعوا الأحاديث وكثير من هذه الأحاديث التي صحّت عندهم كانت موضع نقد وتمحيص عند غيرهم.(1)

فهذه المجعولات على لسان الوحي، تقلع الشريعة من رأس، وتقلب الأُصول، وتتلاعب بالأحكام، وتشوّش التاريخ، أو ليس هذا دليلاً على عدم وفاء الأُمّة بصيانة دينها عن الانحراف والتشويش؟!


1-لاحظ حياة محمد، لمحمّد حسين هيكل، الطبعة الثالثة عشرة:49ـ50.


(49)

هذا البحث الضافي يثبت حقيقة ناصعة، وهي عدم تمكّن الأُمّة، مع ما لها من الفضل، من القيام بسدِّ الفراغات الهائلة التي خلّفتها رحلة النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ويبطل بذلك الاحتمال الثاني تجاه التشريع الإسلامي بعد عصر الرسالة. فيتعين الاحتمال الثالث الذي ندرسه تالياً.

دراسة الاحتمال الثالث

أن يستودع صاحب الدعوة، كلّ ما تلقّاه من المعارف والأحكام بالوحي، وكلّ ما ستحتاج إليه الأُمّة بعده، شخصيّة مثالية، لها كفاءة تقبُّل هذه المعارف والأحكام وتحمّلها، فتقوم هي بسدِّ هذا الفراغ بعد رحلته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعد بطلان الاحتمالين الأوّلين لا مناص من تعيُّن هذا الاحتمال، فإنّوجود إنسان مثالي كالنبيّ في المؤهّلات، عارف بالشريعة ومعارف الدين، ضمان لتكامل المجتمع، وخطوة ضرورية في سبيل ارتقائه الروحي والمعنوي، فهل يسوغ للّه سبحانه أن يهمل هذا الأمر الضروري في حياة الإنسان الدينية؟


(50)

إنّ اللّه سبحانه جهَّز الإنسان بأجهزة ضرورية فيما يحتاج إليها في حياته الدنيوية المادية، ومع ذلك كيف يعقل إهمال هذا العنصر الرئيسي في حياته المعنوية والدينية؟!

يقول المفكّر الإسلامي الكبير ابن سينا:

إنّه تعالى قد زوّده بإنبات الشعر على أشفار عينيه وحاجبيه وتقعير الأخمص من القدمين لكي تكون حياته لذيذة غير متعبة، فهل تكون حاجته إلى هذه الأُمور أشد من حاجته إلى الإمام المنصوب من اللّه الذي يضمن كماله بعلمه وتقواه، وقيادته الحكيمة. (1)

ومن الواضح انّ التعرف على هذا الشخص الذي توفرت فيه مؤهلات غيبية لا يحصل إلاّ عن طريق تنصيبه من قبل النبي بأمر من اللّه سبحانه، وهذا ما يدعم نظرية التنصيب مكان انتخاب الأُمّة .


1- كتاب النجاة، ص 304 .


(51)

3

ما هو المرتكز للصحابة

في صيغة الحكومة؟

لقد دلّت المحاسبات العقلية والاجتماعية السابقة على لزوم تنصيب الإمام من جانب اللّه تعالى، وأثبتت أن إدلاء الأمر إلى نظر الأُمّة وانتخابها وتعيينها خطأ فاضح، يأباه العقل وترفضه المصالح العامة وتعارضه المحاسبات الاجتماعية.

وهناك جانب آخر يسلط الضوء على نظرية الإمامة وهو تصور النبي وأصحابه للإمامة والخلافة.

أمّا الأوّل فالقرائن والشواهد تؤكد على أنّ مسألة


(52)

الإمامة كانت عندهم تنصيبية وفيما ننقل من الشاهدين تصريح بذلك:

1. لما عرض الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نفسه على بني عامر الذين جاءوا إلى مكة في موسم الحجّ ودعاهم إلى الإسلام، قال له كبيرهم؟ أرأيت إن بايعناك على أمرك ثمّ أظهرك اللّه على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟

فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«الأمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء».(1)

2. لما بعث النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سليط بن عمرو العامري إلى ملك اليمامة الذي كان نصرانياً، يدعوه إلى الإسلام وقد كتب معه كتاباً، فقدم على هوذة، فأنزله وحباه وكتب إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول فيه: ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني فاجعل لي بعض الأمر أتّبعك.

فقدم سليط على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأخبره بما قال هوذة، وقرأ


1- السيرة النبوية لابن هشام:2/424ـ 425.


(53)

كتابه، فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لو سألني سيابة من الأرض ما فعلت. باد وباد ما في يده».(1)

إنّ هذين النموذجين التاريخيين للّذين لم تمسّهما أيدي التحريف والتغيير يدلاّن خصوصاً الأوّل بوضوح كامل على تصور النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن مسألة الخلافة والقيادة من بعده، فهما يدلاّن على أنّ هذه المسألة كانت إذا طرحت على النبي، وسئل عمّن سيخلفه في أمر قيادة الأُمّة كان يتجنب إرجاعها إلى نفسه أو إلى نظر الأُمّة، بل يرجع أمرها إلى اللّه تعالى، أو يتوقّف في إبداء النظر فيه على الأقل.

وأمّا تصوّر الصحابة لمسألة الخلافة والمرتكز في أذهانهم فقد كان يدور حول التنصيب، أي سدّ الفراغ بتنصيب إمام سابق على إمامة إمام لاحق، وما كان يدور في خلدهم، انتخاب الشعب، أو أهل الحلّ والعقد من الأُمّة، وإليك شواهد على ذلك.


1-طبقات ابن سعد الكبرى:1/262.


(54)

ما هو المرتكز في أذهان الصحابة؟

إنّ المتتبع في تاريخ الصحابة والخلفاء والذين تعاقبوا على مسند الخلافة بعد النبي، يرى بوضوح انّ الطريقة التي اتّبعها أُولئك الصحابة، والخلفاء كانت هي الطريقة الانتصابية ـ وإن كان الانتصاب من جانب شخص لا من اللّه سبحانه ـ لا الانتخابية الشعبية.

فالخليفة السابق كان يعين الخليفة اللاحق، إمّا مباشرة أو بتعيين أشخاص يتولون تعيين الخليفة والاتفاق عليه، ولم يترك أحد أُولئك أمر القيادة إلى نظر الأُمّة وإرادتها واختيارها، أو يتكل على آراء المهاجرين والأنصار، أو أهل الحلّ والعقد ليختاروا مَن يشاءون للخلافة والامرة.

فمن يلاحظ تاريخ الصدر الأوّل يرى انّ خلافة عمر ابن الخطاب تمت بتعيين من أبي بكر.

1. روى ابن الأثير في كامله أنّ أبا بكر أملى على عثمان عهده، ولكنّه غشي عليه أثناء الإملاء، فأكمله عثمان وكتب


(55)

فيه استخلاف عمر من عند نفسه، ثمّ إنّه لما أفاق أبو بكر من غشيته، وافق على ما كتبه عثمان، وإليك نصّ ما كتبه ابن الأثير:

إنّ أبا بكر أحضر عثمان بن عفان ليكتب عهده إلى عمر فقال له: اكتب بسم اللّه الرّحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين، أمّا بعد... ثمّ أُغمي عليه... فكتب عثمان أمّا بعد: فانّي قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم ألكم خيراً.

ثمّ أفاق أبو بكر فقال: اقرأ عليّ، فقرأ عليه، فكبّر أبو بكر، وقال: أراك خفت أن يختلف الناس ان متُّ في غشيتي.

قال عثمان: نعم.

قال: جزاك اللّه خيراً عن الإسلام وأهله.

فلما كتب العهد أمر به أن يقرأ على الناس فجمعهم، وأرسل الكتاب مع مولى له ومعه عمر، و كان عمر يقول للناس: انصتوا واسمعوا لخليفة رسول اللّه انّه لم


(56)

يألكم نصحاً.

فسكت الناس فلما قرأ عليهم الكتاب سمعوا له وأطاعوا.(1)

وأمّا استخلاف عثمان فقد ذكره المؤرخون ونقتصر على نصّ ابن الأثير في كامله، قال:

2. انّ عمر بن الخطاب لما طعن قيل له: يا أمير المؤمنين لو استخلفت؟ فقال: مَنْ استخلف؟ لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته، ولو كان سالم مولى حذيفة حياً لاستخلفته.

فقال رجل: أدلك عليه عبد اللّه بن عمر، فقال عمر: قاتلك اللّه كيف استخلف من عجز عن طلاق امرأته... إلى أن قال:

عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ انّهم من أهل الجنة، وهم: علي وعثمان وعبد الرحمن و سعد والزبير


1- الكامل في التاريخ:2/292; طبقات ابن سعد الكبرى:3/200.


(57)

بن العوام وطلحة بن عبد اللّه. فلما أصبح عمر دعا علياً وعثمان وسعداً وعبد الرحمن والزبير، فقال لهم:

إنّي نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلاّ فيكم، وقد قبض رسول اللّه وهو عنكم راض، وانّي لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم، ولكنّي أخافكم فيما بينكم فيختلف الناس، فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذنها فتشاوروا فيها، واختاروا رجلاً منكم ، فإذا مت فتشاوروا ثلاثة أيّام، وليصلّ بالناس صهيب، ولا يأتي اليوم الرابع إلاّ وعليكم أمير.

فاجتمع هؤلاء الرهط في بيت حتّى يختاروا رجلاً منهم.

قال لصهيب: صلّ بالناس ثلاثة أيام وأدخل هؤلاء الرهط بيتاً وقم على رؤوسهم، فإن اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، وإن اتّفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما، وإن رضي ثلاثة رجلاً وثلاثة رجلاً، فحكّموا عبد اللّه بن عمر; فإن لم يرضوا بحكم عبد اللّه بن عمر، فكونوا مع


(58)

الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع فيه الناس.(1)

وعلى هذه السيرة جرى أصحاب السياسة بعد حياة الرسول ولم يكن عندهم أيّ رؤى في تعيين الخليفة لا بالشورى ولا ببيعة أهل الحل والعقد، بل كان التنصيص عندهم هو الطريق الوحيد، لكن لا من اللّه سبحانه بل من جانب الخليفة الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة.

3. روى المؤرخون انّه لما اغتيل عمر بن الخطاب وأحسّ بالموت، أرسل ابنه عبد اللّه إلى عائشة واستأذن منها أن يدفن في بيتها مع رسول اللّه ومع أبي بكر، فأتاها عبد اللّه، فأعلمها، فقالت: نعم وكرامة، ثمّ قالت: يا بُني، أبلغ عمر سلامي وقل له، لا تدع أُمّة محمد بلا راع، استخلف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملا، فانّي أخشى عليهم الفتنة، فأتاه فأعلمه.(2)


1-الكامل في التاريخ:3/35.
2-الإمامة والسياسة:1/32.


(59)

4. انّ عبد اللّه بن عمر دخل على أبيه قبيل وفاته فقال: إنّي سمعت الناس يقولون مقالة، فآليت أن أقولها لك، وزعموا انّك غير مستخلف وانّه لو كان لك راعي إبل أو غنم ثمّ جاءك وتركها لرأيت ان قد ضيّع فرعاية الناس أشد.(1)

5. قدم معاوية المدينة لأخذ البيعة من أهلها لابنه يزيد، فاجتمع مع عدّة من الصحابة، وأرسل إلى عبد اللّه بن عمر فأتاه وخلا به، وكلمه بكلام، وقال: انّي كرهت أن أدع أُمّة محمد بعدي كالضأن لا راعي لها.(2)

الآن حصحص الحق

إنّ هذا البحث الضافي المقرون بالشواهد والدلائل التاريخية يثبت بوضوح انّ نظام الحكم بعد رحيل النبي كان قائماً على التنصيب من اللّه سبحانه كتنصيبه للنبي، وتشهد


1-حلية الأولياء:1/44.
2-الإمامة والسياسة:1/168


(60)

على ذلك الأُمور المتقدّمة التي نأتي بخلاصتها ليستنتج منها النتيجة المبتغاة، وإليك إعادة الدلائل إجمالاً:

1. انّ الدولة الإسلامية الفتية كانت محاطة بعد وفاة النبي بأعداء في الداخل والخارج، فمقتضى المصلحة العامة في تلك الظروف الحرجة تعيين الإمام لئلاّ تُترك الدولة بعد وفاة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عرضة للاختلاف وبالتالي تمكن أعداءها منها.

2. انّ حياة العرب في عاصمة الإسلام وخارجها كانت حياة قبلية والتعصبات العشائرية لا تزال راسخة في نفوسهم، وترك أمر الخلافة إلى مجتمع هذا حاله يؤدّي إلى التشاغل والاختلاف وبالتالي إلى القتل والدمار.

3. انّ الفراغات الهائلة الطارئة بعد رحيل النبي على ما تقدم لا يسد إلاّ بتنصيب من يكون له مؤهلات علمية ونفسية يقوم بوظائف النبي في تلك المجالات دون أن يكون نبياً أو رسولاً والذي يتمتع بهذه المؤهلات يجب أن يكون خاضعاً لرعاية إلهية ولا يعرّف إلاّ من جانبه.


(61)

4. انّ تصور النبي للخلافة الإسلامية هو إيكالها إلى اللّه سبحانه.

5. كما أنّ تصور الصحابة وسيرتهم في الخلافة هي سيرة التنصيب وكانوا يحتجون بأنّ في تركه تعريضاً للأُمّة للهلاك والدمار وفريسة للذئاب والأعداء.

وهل يمكن أن يلتفت الخلفاء وأُمّ المؤمنين إلى ضرورة التنصيب صيانة للأُمّة عن وقوعها فريسة للأعداء ولا يلتفت إليه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الذي أُوتي من العلم ما أُوتي، ويقول سبحانه في حقّه: (وَكانَ فَضْلُ اللّه عَلَيْك عَظيماً).(1)

كلّ ذلك يعرب عن أنّ القائد الحكيم بأمر من اللّه سبحانه سلك مسلكاً ونهج منهجاً يطابق هذه الأُصول والمقدمات وما خالفها وعيّن القائد بعده في حياته وأعلنه للأُمّة في موسم أو مواسم.

هذا ما أوصلنا إليه السبر والتقسيم والمحاسبة في الأُمور الاجتماعية والسياسية فيجب علينا عندئذ الرجوع إلى


1-النساء:113.


(62)

الكتاب والسنّة لنقف ونتعرف على ذلك القائد المنصوب، ونذعن بأنّ عمل النبيّ كان مرافقاً لهذه الأُصول العقلائية التي تقدّمت. وهذا ما سيوافيك بعد دراسة نظرية مبدئية الشورى للحكم.


(63)

الفصل الخامس

هل الشورى أساس الحكم والخلافة؟

ربما يتصوّر بعض الكتاب الجدد انّ نظام الحكم في الإسلام هو الشورى، وقد حاول غير واحد من المعاصرين صبّ صيغة الحكومة الإسلامية على أساس المشورة بجعله بمنزلة الاستفتاء الشعبي بملاحظة انّه لم يكن من الممكن بعد وفاة النبي مراجعة كلّ الأفكار لقلّة وسائل المواصلات فاكتفوا بالشورى، واستدلّوا عليه بآيتين كريمتين:

1.(وَشاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللّه).(1)

2. (والَّذينَ استَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاة وَأَمرُهُمْ )


1-آل عمران:159.


(64)

شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُون).(1)

هذه النظرية وإن كانت لها روعة خاصة خصوصاً وانّها تتجاوب مع روح العصر لكن الواقع على خلافها لما عرفت من أنّ عمر بن الخطاب أخذ بزمام الحكم بتعيين الخليفة الأوّل، وانّ الثالث استتب له الأمر بشورى سداسية عيّنها نفس الخليفة، حتّى أنّ الخليفة الأوّل أخذ زمام الحكم ببيعة نفرات قليلة، وهم: عمر بن الخطاب و أبو عبيدة، من المهاجرين وبشر بن سعد، من الخزرج، وأسيد بن حضير من الأنصار، وأمّا الباقون من رجال الأوس لم يبايعوا أبا بكر إلاّ تبعاً لرئيسهم«سعد بن حضير»، كما أنّ الخزرجيين رغم حضورهم في السقيفة، امتنعوا من البيعة لأبي بكر.(2)

وقد غاب عن المجلس كبار الصحابة كالإمام علي ـ عليه السَّلام ـ والمقداد، وأبي ذر، وحذيفة بن اليمان، وأبي بن كعب، وطلحة، والزبير وعشرات آخرين من الصحابة. دون أن يكون هناك


1-الشورى:38.
2-راجع تاريخ الطبري:2/445.


(65)

شورى وإنّما وقعت الأُمّة أمام عمل مفروغ عنه.

وأحسن كلمة تعبر عن خلافة أبي بكر ما ذكره عمر ابن الخطاب بقوله: ...إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وانّها قد كانت كذلك ولكن اللّه وقى شرها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه، تغرّة ان يقتلا.(1)

نقد كون الشورى مبدأ الحكم

إنّ هنا أُموراً تثبت بوضوح على أنّ الشورى لم يكن مبدأً لنظام الحكم بعد رحيل الرسول، وإليك الإشارة إليها.

1. لو كان أساس الحكم هو الشورى، لوجب على الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ التصريح به أوّلاً، و بيان حدوده وخصوصياته ثانياً، بأن يبين من هم الذين يشاركون في الشورى، هل هم القراء وحدهم، أو السياسيون أو القادة العسكريون أو


1-صحيح البخاري:8/169، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.


(66)

الجميع؟ وما هي شرائط المنتخب؟ وأنّه لو حصل هناك اختلاف في الشورى فما هو المرجح؟ هل هو كمية الآراء وكثرتها، أو الرجحان بالكيفية، وخصوصيات المرشحين وملكاتهم النفسية والمعنوية؟

فهل يصحّ سكوت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على الاجابة عن هذه الأسئلة التي تتصل بجوهر مسألة الشورى، وقد جعل الشورى طريقاً إلى تعيين الحاكم؟

2. انّ القوم يعبّرون عن أعضاء الشورى بأهل الحل والعقد، ولا يفسرونه بما يرفع إبهامه، فمن هم أهل الحل والعقد؟ وماذا يحلون وماذا يعقدون؟ أهم أصحاب الفقه والرأي الذين يرجع إليهم الناس في أحكام دينهم؟ وهل يشترط حينئذ درجة معينة من الفقه والعلم؟ وما هي تلك الدرجة؟ وبأي ميزان توزن؟ ومن إليه يرجع الأمر في تقديرها؟ أم غيرهم، فمن هم؟

وربما تجد من يبدل كلمة أهل الحلّ والعقد بـ«الأفراد المسؤولين» وما هو إلاّ وضع كلمة مجملة مكان كلمة مثلها.


(67)

3. وعلى فرض كون الشورى أساس الحكم، فهل يكون انتخاب أعضاء الشورى ملزماً للأُمّة، ليس لهم التخلّف عنه؟ أو يكون بمنزلة الترشيح حتّى تعطي الأُمّة رأيها فيه؟ وما هو دليل كلّ منهما؟

هذه الأسئلة كلّها، لا تجد لها جواباً في الكتاب والسنّة ولا في كتب المتكلّمين، ولو كانت مبدأً للحكم لما كان السكوت عنها سائغاً، بل لكان على عاتق التشريع الإسلامي الإجابة عنها وإضاءة طرقها.

4. انّ الحكومة الإسلامية دعامة الدين وأساس نشر العدل والقسط في المجتمع ودعوة الناس من الإديان كافة إلى الإسلام إلى مالها من الفوائد العظيمة التي لا تدرك ولا توصف بالبيان.

فلو كانت صيغة الحكومة هي التنصيب فقد أدى التشريع الإسلامي وظيفته وجاز له السكوت عن البحث حول الحكومة وصيغتها وسائر الأُمور الراجعة إليها، وأمّا لو كانت صيغة الحكومة من الشورى أو البيعة فلماذا لم يرد في


(68)

الكتاب والسنّة التصريح بذلك الأمر وبيان شرائط الشورى من المنتخِب والمنتخَب .

انّا نرى أنّه روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حول القدر نحو 250 رواية، وحول آداب التخلي ما لا يحصى، وهكذا في أكثر الأُمور العادية النازلة مرتبة ومكانة، فهل من المعقول سكوت التشريع الإسلامي عن أمر بالغ الأهمية والخطورة وإسهاب الكلام في أُمور عادية؟!

وأمّا الاستدلال بالآيتين الكريمتين فلا يصحّ تماماً في المقام.

أمّا الآية الأُولى أوّلاً: قوله سبحانه: (وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّل عَلى اللّه)(1) فالخطاب فيها متوجه إلى الحاكم الذي استقرت حكومته، فيأمره سبحانه أن ينتفع من آراء رعيته فأقصى ما يمكن التجاوز به عن الآية، هو انّ من وظائف كلّ الحكام التشاور مع الأُمّة، وأمّا انّ الخلافة بنفس الشورى، فلا يمكن الاستدلال عليه بهذه الآية.


1-آل عمران:159.


(69)

وثانياً: انّ المتبادر من الآية هو أنّ التشاور لا يوجب حكماً للحاكم، ولا يلزمه بشيء، بل هو يقلب وجوه الرأي ويستعرض الأفكار المختلفة، ثمّ يأخذ بما هو المفيد في نظره، وذلك لقوله سبحانه في نفس الآية: (فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّل عَلى اللّه)، المعرب عن أنّ العزم والتصميم والاستنتاج من الآراء والأخذ بما هو الأصلح راجع إلى نفس المشير، وهذا يتحقّق في ظرف يكون هناك مسؤول تام الاختيار في استحصال الأفكار والعمل بالنافع منها، حتّى يخاطب بقوله: (فَإِذا عَزَمْتَ)، وأمّا إذا لم يكن ثمة رئيس، فلا تنطبق عليه الآية، إذ ليس في انتخاب الخليفة بين المشيرين من يقوم بدعوة الأفراد للمشورة، لغاية استعراض آرائهم، ثمّ تمحيص أفكارهم، والأخذ بالنافع منها، ثمّ العزم القاطع عليه.

وكلّ ذلك يعرب عن أنّ الآية ترجع إلى غير مسألة الحكومة وما شابهها. ولأجل ذلك لم نر أحداً من الحاضرين في السقيفة احتجّ بهذه الآية.

وأمّا الآية الثانية فهي: قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ )


(70)

اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاة وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ).(1)

فيقرر كيفية دلالتها على كون الشورى مبدأً للحكم بالبيان التالي:

أنّ المصدر (أمْر) أضيف إلى الضمير (هُمْ)، وهو يفيد العموم والشمول لكلّ أمر، ومنه الخلافة، فيعود معنى الآية أنّ شأن المؤمنين في كلّ مورد، شورى بينهم.

يلاحظ عليه: أنّ الآية تأمر بالمشورة في الأُمور المضافة إلى المؤمنين، وأمّا أنّ تعيين الخليفة من الأُمور المضافة إليهم، فهو أوّل الكلام، والتمسّك بالآية في هذا المجال، تمسّك بالحكم في إثبات موضوعه.

وبعبارة أُخرى : إنّ الآية حثّت على الشورى فيما يمتّ إلى شؤون المؤمنين بصلة، لا فيما هو خارج عن حوزة أُمورهم، أمّا كون تعيين الإمام داخلاً في أُمورهم، فهو أوّل الكلام، إذ


1-الشورى:38.


(71)

لا ندري هل هو من شؤونهم أو من شؤون اللّه سبحانه، ولا ندري، هل هي إمرة وولاية إلهية تتم بنصبه سبحانه وتعيينه، أو إمرة وولاية شعبية، ويجوز للناس التدخّل فيها. ومع هذا الترديد لا يصحّ التمسّك بالآية.


(72)

الفصل السادس

النصوص الدينية

وتنصيب عليّ ـ عليه السَّلام ـ للإمامة

قد تبيّن بما قدّمناه من الأبحاث على ضوء الكتاب والسنّة ومن خلال مطالعة تاريخ الإسلام والمحاسبة في الأُمور الاجتماعية والسياسيّة، وفي ظلّ هداية العقل الصريح، انّ خليفة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وإمام المسلمين يجب أن يكون منصوباً من جانب الرسول بإذن من اللّه سبحانه، وعندئذ يلزمنا الرجوع إلى الكتاب والسنّة لنقف على ذلك القائد المنصوب فنقول:

إنّ من أحاط بسيرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يجد علي بن أبي طالب


(73)

وزير رسول اللّه في أمره وولي عهده وصاحب الأمر من بعده، ومن وقف على أقوال النبي وأفعاله في حلّه وترحاله، يجد نصوصه في ذلك متواترة، كما أنّ هناك آيات من الكتاب العزيز تهدينا إلى ذلك، ونحن نكتفي في هذا المجال بذكر آية الولاية من الكتاب ونتبعها بحديثي المنزلة والغدير:

1. آية الولاية

قال سبحانه:

(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ).(1)

وقبل الاستدلال بالآية نذكر شأن نزولها، روى المفسرون عن أنس بن مالك وغيره انّ سائلاً أتى المسجد وهو يقول: من يقرض المليء الوفيّ، وعليّ راكع يشيربيده للسائل: إخلع الخاتم من يدي، فما خرج أحد من المسجد حتى نزل جبرئيل بـ:


1-المائدة:55.


(74)

(إِنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ) .(1)

وإليك توضيح الاستدلال:

إنّ المستفاد من الآية انّ هناك أولياء ثلاثة وهم: اللّه تعالى، ورسوله، والمؤمنون الموصوفون بالأوصاف الثلاثة، وانّ غير هؤلاء من المؤمنين هم مولّى عليهم، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بتفسير الولي بالزعيم والمتصرّف في شؤون المولّـى عليه، إذ هذه الولاية تحتاج إلى دليل خاص، ولا يكفي الإيمان في ثبوتها، بخلاف ولاية المحبّة والنصرة، إذ هما من فروع الإيمان، فكلّ مؤمن محبّ لأخيه المؤمن وناصر له .


1-رواه الطبري في تفسيره:6/186; والجصاص في أحكام القرآن:2/446; والسيوطي في الدر المنثور:2/293; وغيرهم. وأنشأ حسّان بن ثابت في ذلك أبياته المعروفة ،وهي:

أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي * وكلّ بطيء في الهدى ومسارع
أيذهب مدحي والمحبين ضائعاً * وما المدح في ذات الإله بضائع
فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكع * فدتك نفوس القوم يا خير راكع
بخاتمك الميمون يا خير سيد * ويا خير شار ثم يا خير بائع
فأنزل فيك اللّه خير ولاية * وبيَّنها في محكمات الشرائع


(75)

هذا مضافاً إلى الاختصاص المستفاد من كلمة إنّما وأحاديث شأن النزول الواردة في الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ ، فهذه الوجوه الثلاثة تجعل الآية كالنصّ في الدلالة على ما يرتئيه الإمامية في مسألة الإمامة.

فإن قلت: إذا كان المراد من قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا) هو الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ فلماذا جيء بلفظ الجماعة؟

قلت: جيء بذلك ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، ولينبِّه على أنّ سجيَّة المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّوالإحسان وتفقّد الفقراء حتى إن لزمهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة، لم يؤخّروه إلى الفراغ منها.(1)

وهناك وجه آخر أشار إليه الشيخ الطبرسي، وهو انّ النكتة في إطلاق لفظ الجمع على أمير المؤمنين، تفخيمه وتعظيمه، وذلك انّ أهل اللغة يعبّرون بلفظ الجمع عن الواحد على سبيل التعظيم، وذلك أشهر في كلامهم من أن


1-الكشاف:1/649، دار الكتاب العربي، بيروت.


(76)

يحتاج إلى الاستدلال عليه.(1)

ربما يقال إنّ المراد من الوليّ في الآية ليس هو المتصرف، بل المراد الناصر والمحبّ بشهادة ما قبلها وما بعدها، حيث نهى اللّه المؤمنين أن يتّخذوا اليهود والنصارى أولياء، وليس المراد منه إلاّ النصرة والمحبة، فلو فُسّرت في الآية بالمتصرّف يلزم التفكيك.(2)

والجواب عنه: انّ السّياق إنّما يكون حجّة لو لم يقم دليل على خلافه، وذلك لعدم الوثوق حينئذبنزول الآية في ذلك السياق، إذ لم يكن ترتيب الكتاب العزيز في الجمع موافقاً لترتيبه في النزول بإجماع الأُمّة ، وفي التنزيل كثير من الآيات الواردة على خلاف ما يعطيه السياق كآية التطهير المنتظمة في سياق النساء مع ثبوت النص على اختصاصها بالخمسة أهل الكساء.(3)


1- مجمع البيان:3ـ4/211.
2- الإشكال للرازي في: مفاتيح الغيب: 12/28.
3-المراجعات: 167، الرقم 44.


(77)

2. حديث«المنزلة»

روى أهل السير والتاريخ انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خلّف عليّ بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ على أهله في المدينة عند توجّهه إلى تبوك، فأرجف به المنافقون، وقالوا ما خلّفه إلاّ استثقالاً له وتخوّفاً منه، فضاق صدره بذلك، فأخذ سلاحه وأتى النبيّ وأبلغه مقالتهم، فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :

«كذبوا، ولكنّي خلّفتك لما تركت ورائي، فارجع واخلف في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي؟».(1)

إضافة كلمة«منزلة» ـ وهي اسم جنس ـ إلى هارون


1-السيرة النبوية لابن هشام:2/519ـ 520. وقد نقله من أصحاب الصحاح، البخاري في غزوة تبوك:6/3، ط 1314; ومسلم في فضائل علي:7/120; وابن ماجة في فضائل أصحاب النبي:1/55; والإمام أحمد في غير مورد من مسنده، لاحظ: 1/173، 175، 177، 179، 182، 185، 230; وغيرهم من الأثبات الحفاظ.


(78)

يقتضي العموم، فالرواية تدلّ على أنّ كلّ مقام ومنصب كان ثابتاً لهارون فهو ثابت لعليّ، إلاّ ما استثني وهو النبوّة، بل الاستثناء أيضاً قرينة على العموم ولولاه لما كان وجه للاستثناء، وكون المورد هو الاستخلاف على الأهل لا يدلّ على الاختصاص، فإنّ المورد لا يكون مخصِّصاً، كما لو رأيت الجنب يمسّ آية الكرسي مثلاً فقلت له لا يمسَّن آيات القرآن محدث، يكون دليلاً على حرمة مسّ القرآن على الجنب مطلقاً.

وأمّا منزلة هارون من موسى فيكفي في بيانها قوله سبحانه حكاية عن موسى:

(وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي* هارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْري* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْري).(1)

وقد أُوتي موسى جميع ذلك كما يقول سبحانه:

(قالَ قَدْأُوتيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى) .(2)


1-طه:29ـ32.
2-طه:36.


(79)

وقد استخلف موسى أخيه هارون عند ذهابه إلى ميقات ربّه مع جماعة من قومه، قال سبحانه:

(وَقالَ مُوسى لأَخيهِ هارُونَ اخْلُفْني فِي قَومِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدين).(1)

وهذا الاستخلاف وإن كان في قضية خاصّة ووقت خاص، لكن اللفظ مطلق والمورد لا يكون مخصّصاً. و من هنا لو فرض غيبة أُخرى لموسى من قومه مع عدم تنصيصه على استخلاف هارون كان خليفة له بلا إشكال. وهارون و إن كان شريكاً لموسى في النبوّة إلاّ أنّ الرئاسة كانت مخصوصة لموسى، فموسى كان وليّاً على هارون وعلى غيره، وهذا دليل على أنّ منزلة الإمامة منفصلة من النبوة، وإنّما اجتمع الأمران لأنبياء مخصوصين، لأنّ هارون لو كان له القيام بأمر الأُمّة من حيث كان نبياً لما احتاج فيه إلى استخلاف موسى إيّاه وإقامته مقامه.(2)


1-الأعراف:142.
2-مجمع البيان:3ـ4/473.


(80)

3.حديث «الغدير»

حديث الغدير، ممّا تواترت به السنّة النبويّة وتواصلت حلقات أسانيده منذ عهد الصحابة والتابعين إلى يومنا الحاضر، رواه من الصحابة(110) صحابياً ومن التابعين(84) تابعياً، وقد رواه العلماء والمحدّثون في القرون المتلاحقة، وقد أغنانا المؤلّفون في الغدير عن إراءة مصادره ومراجعه، وكفاك في ذلك كتب لمّة كبيرة من أعلام الطائفة، منهم: العلاّمة السيد هاشم البحراني (المتوفّى 1107هـ) مؤلّف «غاية المرام»، والسيد مير حامد حسين الهندي (المتوفّى 1306هـ) مؤلّف «العبقات»، والعلاّمة الأميني (المتوفّى 1390هـ) مؤلف «الغدير»، والسيد شرف الدين العاملي (المتوفّى 1381هـ) مؤلّف «المراجعات».

ومجمل الحديث هو انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أذَّن في الناس بالخروج إلى الحجّ في السنة العاشرة من الهجرة، وأقلّ ما قيل انّه خرج معه تسعون ألفاً، فلمّا قضى مناسكه وانصرف راجعاً إلى المدينة ووصل إلى غدير «خم»، وذلك يوم الخميس،


(81)

الثامن عشر من ذي الحجّة ، نزل جبرئيل الأمين عن اللّه تعالى بقوله:

(يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) .(1)

فأمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يردّ من تقدّم، ويحبس من تأخّر حتى إذا أخذ القوم منازلهم نودي بالصلاة، صلاة الظهر، فصلّـى بالناس، ثمّ قام خطيباً وسط القوم على أقتاب الإبل، وبعد الحمد والثناء على اللّه سبحانه وأخذ الإقرار من الحاضرين بالتوحيد والنبوّة والمعاد، والإيصاء بالثقلين، وبيان انّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، أخذ بيد علي فرفعها حتى رؤي بياض إبطيهما وعرفه القوم أجمعون، ثمّ قال: «من كنت مولاه، فعليّ مولاه ـ يقولها ثلاث مرّات ـ ».

ثمّ دعا لمن والاه، وعلى من عاداه، وقال:

«ألا فليبلّغ الشاهد الغائب».

ثمّ لم يتفرّقوا حتى نزل أمين وحي اللّه بقوله:

(الْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ )


1-المائدة: 67 .


(82)

نِعْمَتي)(1) الآية.

فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :

«اللّه أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي والولاية لعليّ من بعدي».

ثمّ أخذ الناس يهنّئون عليّاً، وممّن هنَّأه في مقدّم الصحابة الشيخان أبوبكر وعمر كلّ يقول:

«بَخّ بَخّ، لك يابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة».

دلالة الحديث

إنّ دلالة الحديث على إمامة مولانا أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ دلالة واضحة، لم يشكّ فيها أيّ عربي صميم عصر نزول الحديث وبعده إلى قرون، ولم يفهموا من لفظة المولى إلاّ الإمامة.

إنّ هناك قرائن حالية ومقالية تجعل الحديث كالنّصّ في أنّ المراد من المولى هو الأولى بالتصرّف في شؤون المؤمنين على


1-المائدة: 3.


(83)

غرار ما كان للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من الولاية.

أمّا القرينة الحالية (المقامية) فيكفينا في بيانها ما ذكره التفتازاني بقوله:

«المولى قد يراد به المعتِق والمعتَق والحليف، والجار، وابن العمّ، والناصر، والأولى بالتصرّف، وينبغي أن يكون المراد به في الحديث هو هذا المعنى، ليطابق صدر الحديث، ولأنّه لا وجه للخمسة الأُول وهو ظاهر، ولا للسادس لظهوره، وعدم احتياجه إلى البيان وجمع الناس لأجله».

ثمّ قال:

«لا خفاء في أنّ الولاية بالناس، والتولّي والمالكية لتدبير أمرهم والتصرّف فيهم بمنزلة النبي، وهو معنى الإمامة».(1)


1-شرح المقاصد:5/273ـ274.ولكنّه رمى الحديث بعدم التواتر فلم يأخذ به في المقام حيث إنّ مسألة الإمامة ليست من الفروع عند الإماميّة.
   أقول: لكنّها من مسائل الفروع عندهم، فعلى فرض صحّة الرواية تكون حجّة وإن لم تكن متواترة عنده.


(84)

وأمّا القرائن المقالية فمتعدّدة نشير إلى بعضها:

القرينة الأُولى: صدر الحديث وهو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :

«ألست أولى بكم من أنفسكم».

أو ما يؤدّي مؤدّاه من ألفاظ متقاربة، ثمّ فرَّع على ذلك قوله:

«فمـن كنـت مـولاه فعليّ مـولاه» وقد روى هذا الصدر من حفّاظ أهل السنّة ما يربو على أربعة وستين عالماً.(1)

القرينة الثانية: نعي النبيّ نفسه إلى الناس حيث إنّه يعرب عن أنّه سوف يرحل من بين أظهرهم فيحصل بعده فراغ هائل، وانّه يُسدّ بتنصيب علي ـ عليه السَّلام ـ في مقام الولاية. وغير ذلك من القرائن التي استقصاها شيخنا المتتبّع في غديره.(2)


1-لاحظ نقولهم في كتاب الغدير، ج1، موزَّعين حسب قرونهم.
2-المصدر السابق: 370ـ383.


(85)

لماذا أعرض الصحابة عن مدلول حديث الغدير؟

أقوى مستمسك لمن يريد التخلّص من الأخذ بالنصّ المتواتر الجليّ في المقام، هو انّه لو كان الأمر كذلك فلماذا لم تأخذه الصحابة مقياساً بعد النبي؟ وليس من الصحيح إجماع الصحابة وجمهور الأُمّة على ردّ ما بلَّغه النبيّ في ذلك المحتشد العظيم.

والجواب عنه انّ من رجع إلى تاريخ الصحابة يرى لهذه الأُمور نظائر كثيرة في حياتهم السياسية، وليكن ترك العمل بحديث الغدير من هذا القبيل، منها «رزيّة يوم الخميس» رواها الشيخان وغيرهما(1)، ومنها سريّة أُسامة(2)، و منها صلح الحديبية واعتراض لفيف من الصحابة(3)،


1-أخرجه البخاري في غير مورد لاحظ ج1، باب كتابة العلم، الحديث 3، وج4/70 وج6/10 من النسخة المطبوعة سنة 1314هـ; و الإمام أحمد في مسنده :1/355.
2-طبقات ابن سعد:2/189ـ192; الملل والنحل للشهرستاني:1/23.
3-صحيح البخاري: 2/81، كتاب الشروط; صحيح مسلم:5/175، باب صلح الحديبية ; والطبقات الكبرى لابن سعد:2/114.


(86)

ولسنا بصدد استقصاء مخالفات القوم لنصوص النبي وتعليماته، فإنّ المخالفة لا تقتصر على ما ذكر، بل تربو على نيّف وسبعين مورداً، استقصاها بعض الأعلام.(1)

وعلى ضوء ذلك لا يكون ترك العمل بحديث الغدير، من أكثريّة الصحابة دليلاً على عدم تواتره، أو عدم تماميّة دلالته.


1-لاحظ كتاب النص والاجتهاد للسيد الإمام شرف الدين.


(87)

الفصل السابع

السنّة النبويّة

والأئمّة الاثنا عشر

إنّ النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يكتف بتنصيب علي ـ عليه السَّلام ـ منصب الإمامة و الخلافة، كما لم يكتف بإرجاع الأُمّة الإسلامية إلى أهل بيته وعترته الطاهرة، ولم يقتصر على تشبيههم بسفينة نوح، بل قام ببيان عدد الأئمّة الّذين يتولّون الخلافة بعده، واحداً بعد واحد، حتّى لا يبقى لمرتاب ريب، فقد روي في الصحاح والمسانيد بطرق مختلفة عن جابر بن سمرة انّ الخلفاء بعد النبيّ اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش، وإليك ما ورد في توصيفهم من الخصوصيات:

1. لا يزال الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة.


(88)

2. لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة.

3. لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة.

4. لا يزال الدين ظاهراً على من ناوأه حتى يمضي من أُمّتي اثنا عشر خليفة.

5. لا يزال هذا الأمر صالحاً حتى يكون اثنا عشر أميراً.

6. لا يزال الناس بخير إلى اثني عشر خليفة.(1)

وقد اختلفت كلمة شرّاح الحديث في تعيين هؤلاء الأئمّة، ولا تجد بينها كلمة تشفي العليل، وتروي الغليل، إلاّ ما نقله الشيخ سليمان البلخي القندوزي الحنفيّ في ينابيعه عن بعض المحقّقين، قال:

«إنّ الأحاديث الدالّة على كون الخلفاء بعده اثني عشر، قد اشتهرت من طرق كثيرة، ولا يمكن أن يحمل هذا الحديث


1-راجع صحيح البخاري:9/81، باب الاستخلاف; صحيح مسلم:6/3، كتاب الأمارة، باب الناس تبع لقريش; مسند أحمد:5/86ـ108; مستدرك الحاكم: 3/618.


(89)

على الخلفاء بعده من الصحابة، لقلّتهم عن اثني عشر، ولا يمكن أن يحمل على الملوك الأُمويّين لزيادتهم على الاثني عشر ولظلمهم الفاحش إلاّ عمر بن عبد العزيز... ولا يمكن أن يحمل على الملوك العباسيين لزيادتهم على العدد المذكور ولقلّة رعايتهم قوله سبحانه:

(قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المَودَّةَ فِي الْقُرْبى) .(1)

وحديث الكساء، فلابد من أن يحمل على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترته، لأنّهم كانوا أعلم أهل زمانهم، وأجلّهم، وأورعهم ، وأتقاهم، وأعلاهم نسباً، وأفضلهم حسباً، وأكرمهم عند اللّه، وكانت علومهم عن آبائهم متصلة بجدّهم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبالوراثة اللّدنية، كذا عرّفهم أهل العلم و التحقيق، وأهل الكشف والتوفيق.

ويؤيّد هذا المعنى ويرجّحه حديث الثقلين و الأحاديث المتكثّرة المذكورة في هذا الكتاب وغيرها».(2)


1- الشورى:23.
2-ينابيع المودَّة:446، ط استنبول، عام 1302.


(90)

أقول: الإنسان الحرّ الفارغ عن كلّ رأيّ مسبق، لو أمعن النظر في هذه الأحاديث وأمعن في تاريخ الأئمّة الاثني عشر من ولد الرسول، يقف على أنّ هذه الأحاديث لا تروم غيرهم، فإنّ بعضها يدلّ على أنّ الإسلام لا ينقرض ولا ينقضي حتّى يمضي في المسلمين اثنا عشر خليفة، كلّهم من قريش; وبعضها يدلّ على أنّ عزَّة الإسلام إنّما تكون إلى اثني عشر خليفة; وبعضها يدلّ على أنّ الدين قائم إلى قيام السّاعة وإلى ظهور اثني عشر خليفة، وغير ذلك من العناوين.

وهذه الخصوصيات لا توجد في الأُمّة الإسلامية إلاّ في الأئمّة الاثني عشر المعروفين عند الفريقين(1)، خصوصاً ما يدلّ على أنّ وجود الأئمّة مستمرّ إلى آخر الدهر ومن المعلوم انّ آخر الأئمّة هو المهديّ المنتظر الذي يعدّ ظهوره من أشراط


1-وهم: علي بن أبي طالب، وابناه الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة، وعلي بن الحسين السجاد، ومحمّد بن علي الباقر، وجعفر بن محمّد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمّد بن علي التقي، وعلي بن محمّد النقي، والحسن بن علي العسكري، وحجّة العصر المهدي المنتظر ـ صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ـ.


(91)

الساعة.

ثمّ إنّه قد تضافرت النصوص في تنصيص الإمام السابق على الإمام اللاحق، فمن أراد الوقوف على هذه النصوص، فليرجع إلى الكتب المؤلّفة في هذا الموضوع.(1)

تمّت الرسـالة بيـد مؤلّفهـا جعفـر السبحـاني

الراجي من اللّه عفوه وغفرانه له ولوالديه

ولمن وجب له عليه حقّ

والحمد للّه الذي بنعمته تتم الصالحات


1-لاحظ الكافي:ج1، كتاب الحجّة; كفاية الأثر، لعلي بن محمد بن الحسن الخزاز القمي من علماء القرن الرابع; إثبات الهداة للشيخ الحرّ العاملي، وهو أجمع كتاب في هذا الموضوع.

Website Security Test