welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : في ظل أُصول الاِسلام*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

في ظل أُصول الاِسلام

(174)

1ـ صاحب موسى - عليه السّلام- وأعمالهُ الخارقة:

إنّ الذكر الحكيم يتعرّض لذكر عبدٍ من عباد اللّه أعطاهُ اللّه سبحانه رحمةً من عنده وعلّمهُ من لدنه علماً، وبلغ في العلم إلى درجة أنّ كليم اللّه - عليه السّلام- طَلَبَ منه أن يتّبعه حتّى يعلّمه مما عَلِمَ ويسترشد برشده، ولكنّه رفض ذلك قائلاً: بأنّه لا يستطيع معه صبراً وكيف يصبر على ما لم يحط به خبراً. غير أنّ الكليم أصرَّ على التبعية والمصاحبة، ووعده بأن يجده صابراً ولا يعصي له حكماً. غير أنّ ذلك العبد الصالح اشترط عليه بأنّه إن رأى منه فعلاً عجيباً لا يسأله عن سببه حتّى يكون هو الذي يشرح له.

فركبا في السفينة، فخرق ذلك العبدُ الصالح السفينة من دون سبب ظاهر فاستولت الوحشة على موسى فقال له معترضاً: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرقَ أَهْلَهَا لَقَد جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) ، فأجابه بأنّه قد خالف ما أخذه عليه من الشرط.

فلما نزلا من السفينة لقيا غلاماً فقتله ذلك الرجلُ من دون جُرم بيّـن واستولت على موسى الدهشة ثانية، وقال: (أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْـرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً) ، فأجابه بما قاله له في المرة الاَُولى.

ثمّ إنّهما أتيا قريةً واستطعما أهلها، فأبوا أن يضيّفُوهُما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقضَّ ويتهاوى فأقامه من دون أُجرة فاعترض عليه موسى بقوله: (لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْراً) ، فقال المُصاحَبُ: (هَذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ سَأُنْبِئُكَ بِتَأْويلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَلَيْهِ صَبْـراً) (1)


(1)الكهف: 60 ـ 82.

(175)

ثم أخذ المصاحَبُ يشرح أسرار أفعاله وقال: أمّا خرقُ السفينة فلاَجل أنّها كانت لمساكين، وكان أمامَهم ملكٌ يأخذ كلُّ سفينة غصباً فأردتُ أن أعيبها حتّى لا يطمع بها.

وأمّا قتل الغلام فكان أبواه موَمنين فعلمت أنّه إن بقي يغشى أبويه طغياناً وكفراً، ويحملهما عليهما، فأراد ربُّهما أن يهب لهما ولداً خيراً منه ديناً وطهارةً وأرحم بهما.

وأمّا إقامة الجدار فلاَنّه كان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنزٌ مذخورٌ فأراد سبحانه أن يبلغا أشدَّهما ويستخرجا كنزهما رحمةً من ربّك.

ثمّ أضاف بأنّ ما فعله لم يكن من قِبَلِ نفسه بل بأمر اللّه سبحانه.

هذا هو صاحب موسى فما هو اسمه ومن هو؟ أنّه غير معلوم على وجه اليقين، ولكن شخصيّته القوية ومنزلته السامية لائحة من أفعاله البديعة فهي تعرب:

أوّلاً: عن أنّه كان عالماً بعلم المنايا والبلايا، وعلم الآجال والحوادث.

وكان يعلم علماً قطعيّاً بأنّ أمام السفينة ملكٌ يأخذ كل سفينة غصباً وأنّ السفينة لو أصبحت معيبةً لا يطمع بها.

كما كان يعلم بأنّ الولَدَ لو بَلغَ أشدَّه، هجر الوالدين إلى الكفر والطغيان، وأنّه لو قَتَلهُ لعوَّض عنه ولداً باراً بوالديه.

كما أنّه وقف على أنّ تحت الجدار مالاً مذخوراً وأنّه لو وقَعَ الجدارُ ظهر ذلك المال واستولى عليه الناس وانّه لو أقام الجدار يبقى مدة يبلغ فيها


(176)

الغلامان أشدهما ويستخرجان كنزهما.

وأيّ علم أعلى وأرفع من علوم هذا العبد الصالح الذي لا تحيط بها المقاييس والموازين.

فلو قال رجلٌ مسلمٌ بأنَّ بين عباد اللّه سبحانه رجالاً صالحين هم خزنةٌ للعلم والاَسرار يرون ما وراء الحجب ويقفون على الحوادث والآجال بإذنه سبحانه وتعليمه فإنّما يريدون مثل هذا، لا غير.

وأمّا العلم بالمغيّبات من دون اكتساب ولا تحصيلٍ من مصدر أعلى فإنّما هو يختص باللّه سبحانه فهو عالم الغيب والشهادة بلا تعليم وكسب، فأين المتناهي من اللامتناهي؟ وأين الممكن من الواجب؟ وأين الفقير من الغني؟ وأين المتعلّم من العالم بالذات، إذن فلا يلزم من نسبة التعرّف على الغيب في موارد خاصة، وعلى نحو الاكتساب إشراك العبد مع الربّ، والفقير مع الغنيّ تعالى: (فَمَـا لِهَوَلاَءِ القَوْمِ لاَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) .

وثانياً: أنّ ما قام به صاحب موسى من الاَعمال البديعة تعرب عن كونه ذا قدرة متصرّفة في عالم التكوين على وجه لا يراه من صاحبه وجاوره فها هو خرق السفينة أمام أعين صاحبها وركّابها ولم يره أحد.

فقد تصرّف في العيون والاَبصار على وجه لم يقفوا معه على فِعلِه، ليحولوا بينه وبين ما يريد.

كما أنّه قَتلَ غلاماً في الطريق وبنى الجدار ولم يعرف بفعله أحدٌ.

وما هذا إلاّ دليل بارز على قدرته على التصرّف في الاَبصار والاَنظار.


(177)

وثالثاً: أنّ للّه سبحانه أولياء مستورين لا يعرفهم أحدٌ حتّى المقرّبين من أنبيائهم وأُولي العزم منهم، فتصل ألطافهم إلى الناس بدون أن يطّلعوا على فاعلها ومصدرها.

هذه دراسة تحليلية إجمالية للقصة وما يستفاد منها من حقائق وأسرار.

2ـ أصحاب سليمان والاَعمال الخارقة:

إنّ القرآن يثبت لحواريّ سليمان قدرةً غيبيةً مكّنته من إحضار عرش ملكة «سبأ» من اليمن إلى فلسطين قبل أن ينفضّ مجلسه قال سبحانه: (قَالَ يَا أَيُّها المَلَوَُاْ أَيُّكُمْ يَأتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنّ أَنَّا ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَقَامِكَ وَإِنّـى عَلِيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ)(1)

بل ومكّنت شخصاً آخر من حاشيته من أن يجلب له العرش في أقلْ من طرفة عين إذ قال: (قالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّـا رَءَاهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّى) (2)

فما هذا العلم الذي يحمله قائلُ هذا القول؟ (أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) .

هل المراد هو العلم بِطُرقِ الاَعمال الخارقةِ للعادة أو غيره؟

وعلى كل تقدير فهذا العلم ليس من سنخ العلوم الفكرية التي يتم


(1)النمل: 38 ـ 39.

(2)النمل: 40.

(178)

اكتسابها وتعلّمها بالطرق العادية المتعارفة بشهادة أنّ علمه هذا كان جزءاً من كتاب خاص معهود يختلف عن بقيّة الكتب على حدّ تعبير الآية الشريفة.

وعلى كلّ تقديرٍ فقد كان قادراً على الاِتيان بهذا العمل، إمّا لامتلاكه قدرةً على الاِتيان به بإذن اللّه سبحانه كقدرته على إتيان الاَعمال الاعتيادية، أو لاَنّه كان على قَدَر عظيم من الارتباط باللّه سبحانه بحيث إذا سأل شيئاً لم يتخلّف عن إجابته.

3ـ سليمان والسلطة الغيبية:

ويشير القرآن كذلك إلى وجود سلطةٍ خارقةٍ لسليمان - عليه السّلام- في مواضع من سور الذكر الحكيم، فقد حكت آيات عن:

1ـ امتلاكه سلطةً نافذةً على معاشر الاِنس والجنّ وأنواع الطير حتّى أنّها عُدّت من جنوده وعساكره: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَـانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنّ والاِنسِ والطَّيْـرِ) ) (1)

2ـ إنّه بلغ في نفوذ سلطانه على كائنات عالم الحيوانات أنّه كان يحادثُهم ويتوعّدهم وينذرهم بصرامةٍ ويأمرُهُم بما يشاء: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْـرَ فَقَالَ مَالَيَ لاَ أَرَى الهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الغائِبِينَ * لاَعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لاَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنّي بِسُلْطَانٍ مُبين ) (2)


(1)النمل: 17.

(2)النمل: 20 ـ 21.

(179)

3ـ أنّه فرض سلطته وسيطرته التامّة على الجنّ فكانوا رهنَ إشارته وطوع أوامرِهِ يمتثلون ما يسنّه لهم ويأمرهم به: (وَمِنَ الجنّ مَن يَعْملُ بَيْـنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ... يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ) (1)

4ـ أنّه فرض سلطته على الريح فكانت تتحرك في الفضاء حسب أمره ونهيه: (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِ) (2)

فأيّ سلطة أعظمُ من هذه السلطة على الكون التي كانت لسليمان - عليه السّلام- والجدير بالذكر أنّ بعضَ الآيات صريحةٌ في أنّ الريح كانت تجري بأمره، فسليمان النبيّ بَلَغَ من المنزلة والمكانةِ حدّاً، صار الكونُ معها رهن إشارته وطوع أمره؟

4ـ المسيح والسلطة الغيبيّة:

بَعَثَ اللّهُ سبحانه المسيح عيسى بن مريم نبيّاً إلى بني إسرائيل ومنح له من القدرة ذكرتها جملة الآيات التالية:

(أنِّى أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّين كَهَيْئَةِ الطَّيْـر فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْـراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىَُ الاَكْمَهَ والاَبْرَصَ وَأُحْيى المَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبّئُكُمْ بِمَـا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ إِنَّ في ذلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُوَمِنينَ) (3)

والجدير بالذكر أنّ اللّه يسند هذه الاَعمال إلى نفس شخص المسيح


(1)سبأ: 12ـ 13.

(2)الاَنبياء: 81.

(3)آل عمران: 49.

(180)

ولكن مقيّدةً بإذن اللّه. (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْـرِ بِإِذْنِى فَتَنْفُخُ فِيهَا فتَكُونُ طَيْـرَاً بِإِذْنِى وَتُبْـرِىَُ الاَكْمَه والاَبْرَصَ بِإِذْنِى وَإِذْ تُخْرجُ المَوْتَى بِإِذْنِى)) (1).

سبحان اللّه ما أكثر صراحة هذا الكلام من المسيح - عليه السّلام- في إثبات السلطة الغيبية المأذونة المحدودة الفعّالة لغايات إلهيّة حيث قال : (أخْلُقُ ـ أُبرِىَُ ـ أُحْيي) .

أفبعدَ هذه التصريحات يمكنُ أن يَشُكَ الاِنسانُ في أنّ للمخلصين من عباد اللّه سلطة غيبية؟ كيف وللمحقّقين المفسّـرين في جملة تلك الآيات بيانات شافية توَكّد هذه الحقيقة من أراد الوقوف عليها فليرجع إلى مظانها.

ومن طالع الذكر الحكيم يجد أنّ هناك آيات أُخرى تثبت للاَنبياء والصالحين قدرة غيبيّة بارزة، فعلى سبيل المثال اقرأ سورة يُوسف وتدبّر في آياتها وأنّه كيف تمكّن من التعرّف على مصير صاحبيه في السجن وأخبرهما بأنّ أحدهما يسقي ربّه خمراً وأنّ الآخر يُصلب وتأكل الطير من رأسه؟

وكيف أنّه وقف على مصير شعب مصر وما سيعانونه في سنين كثيرة تمرّ عليهم، وكيف أنّه تأتي سبعةُ أعوام خصبة ثمّ تليها سبعُ سنين يعمّ فيها القحط والشدّة إلى آخر ما جاء في تلك السورة.

بل أرسل قميصه إلى أبيه وقال بأنّه لو ألقاه على وجهه لاَتاه بصيراً (2)

أفهل يمكن الحصول على هذه العلوم عن طريق التعليم والتعلّم؟


(1)المائدة: 110.

(2)لاحظ سورة يوسف الآيات: 36 ، 47 ، 93.

(181)

أم هل يمكن أن يقول بأنّه لم يكن لاِرادة يُوسف في عودة البصر لاَبيه أيّ تأثير؟

كل هذه الحقائق والوقائع تبيّـن لنا منزلة الاَنبياء والاَولياء عند اللّه تبارك وتعالى، وبذلك نقف على قيمة ما كتبه الشيخ المودودي، حيث يقول: «صفوة القول أنّ التصوّر الذي لاَجله يدعو الاِنسان الاِله ويستغيثه ويتضرّع إليه، هو لا جرم تصوّر كونه مالكاً للسلطة المهيمنة على قوانين الطبيعة وللقوى الخارجة عن دائرة نفوذ قوانين الطبيعة».

فإنّه يلاحظ عليه: أنّ الاعتقاد بالسلطة الغيبيّة الخارجة عن إطار السنن الطبيعية لا يُوجب الاعتقاد بالاَُلوهيّة حتماً.

بل إنَّ السلطة حتّى على الكون بأجمعه ـ فضلاً عن بعضه ـ إذا كانت بإخطار اللّه تعالى وبإذن منه ـ لا تلازم الاَُلوهيّة.

فكما أنّ اللّه أعطى لآحاد الاِنسان قدرةً محدودةً في أُمورهم العاديّة وفضّلَ بعضهم على بعض في تلك القدرة، فكذلك لا مانع من أن يعطي لفرد أو أفراد من خيار عباده، قدرةً تامةً نافذةً على جميع جوانب الكون عادية أو غير عادية، وذلك بنفسه لا يستلزم الاَُلوهيّة.

نعم إنّ الذي ينبغي أن يدور حوله البحث هو وجود تلك القدرة، وأنّه سبحانه هل أعطاها لاَحد أو لا؟

وقد صرّح القرآن بذلك في عدّة موارد منها على ما عرفت في حقّ بعض الاَنبياء والصالحين.


(182)

فالحقّ أنّ السلطة الغيبيّة التي أعطاها اللّه سبحانه لخيار عباده ليتصرّفوا بها في الكون بإذنه ومشيئته ويخرقوا بها قوانين الطبيعة في مجالات خاصّة لا تستلزم الاعتقاد بوجودها في أحد، الاعتقاد بأُلوهيته، ولا يكون صاحب مثل هذه السلطة ندّاً وشريكاً للّه سبحانه ولا يلزم منه مساواته باللّه سبحانه.

نعم، الاعتقاد بالسلطة الغيبيّة «المفوَّضة» والتي يتصرّف بها صاحبها في الطبيعة من دون حاجة إلى إذن اللّه سبحانه هو الموجب للاعتقاد بالاَُلوهية، وقد قال سبحانه: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ)(1)

كما وأنّ الذكر الحكيم يثبت للملائكة قدرةً خارقةً من قبض الاَرواح، وإهلاك الاَُمم، ويثبت للنبيّ الاَعظم - صلّى الله عليه وآله وسلم - كون صلاته موجبة لسكون الاَرواح والقلوب، يقول سبحانه: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)(2).

ما يترتّب على هذا الاَصل:

ويترتّب على الاَصل:

1ـ إنّ الاعتقاد بأنّ اللّه سبحانه يدفع عن الاِنسان الضرّ أو يجلب إليه النفع في ظلّ دعاء النبيّ، في الدنيا والآخرة، ليس شركاً لاَنّه لو كان - صلّى الله عليه وآله وسلم -


(1)الرعد: 38.

(2)التوبة: 103.

(183)

مستجاب الدعوة، يكون الداعي إيّاه الطالب منه محقّاً في طلبه، ولو لم يكن كذلك يكون الطلب لغواً لا شركاً.

وعلى كلا التقديرين فإنّ الداعي أو الطالب يرى أنّ الاَمر بيد اللّه سبحانه، وأنّ دعاء النبيّ سببٌ من الاَسباب، فكما أنّ الاِنسان يلتجىء في الاَُمور الدنيوية والاَُخروية إلى أسباب نجاحه، ولا يعدّ ذلك شركاً وخروجاً عن جادة التوحيد، فهكذا إذا لجأ إلى دعاء النبيّ معتقداً بأنّه سبب من أسباب نجاح مطلبه وحاجته.

2ـ إنّ طلب برء المريض من الاَنبياء وردّ الضالة وقضاء الحاجة لا يكون شركاً، سواء كان في حال حياة النبيّ أو في حال مماته لاَنّه لا يزيد ذلك على طلب برء المريض من المسيح أو طلب إحياء الموتى منه، وهو حسب نفس الاَمر لا يخلو من حالتين، بين قادر وعاجز.

فعلى الاَوّل يحظى الطلب بالتنجيز والتحقّق إذا توفّرت الشرائط.

وعلى الثاني يكون لغواً.

وإلى ذلك يشير السيّد الاَمين في قصيدة له حيث يقول:

إن كان ليس بقادرٍ في زعمِكُمْ * فيكون مثلَ سوَال مشي المقعَدِ
أو كانَ يقدرُ وهو أصوبُ لم يكنْ * شِركاً وليس مريدُه بمفنَّدِ (1)

إنّ عدّ طلب الاَُمور الخارقة للعادة، من الشرك في العبادة، مبنيٌ على


(1)العقود الدرّية: 203.

(184)

عدم وضع حدّ منطقي يُميَّـز به فعل اللّه سبحانه عن فعل عباده.

فربّما يُتخيَّل أنّ الميزان هو كون الفعل الخارق للعادة، فعلهُ سبحانه، والموافق للعادة هو فعل عباده، مع أنّ هذا التعريف غير صحيح أبداً لما عرفت من أنَّ مَن طلب حاجة من حىٍّ وإن كان جارياً على وفق العادة، وتصوّر أنّه يقوم به مستقلاّ ً وبحول وقوّة ذاتيتين، فقد زعم أنّه إله ويكون طلبه عبادة له، وإنّما الميزان كونُ الفاعل إنّما يفعل ما يفعل بحول وقوّة نابعة من نفسه أو بحولٍ مُكتسب وقوّةٍ مأذونة، فيكون في الاَوّل ملازماً لاَُلوهيته وفي الثانية غير ملازم لربوبيته.

وخلاصة القول:

أنّ الميزان الصحيح في تمييز فعل اللّه عن فعل غير اللّه هو الاستقلالية والاَصالة في القيام بالفعل، لا الخارقية للعادة وغير الخارقية للعادة.

فإنّ فعل اللّه هو ما يكون مستنداً إلى استقلال في التأثير، وأصالة في القدرة، أي أنّ اللّه يأتي به من دون أن يعتمد على أحد أو يستأذن أحداً فوقه.

بينما فعل غير اللّه هو ما يكون صادراً عن قدرة مكتسبة، وواقعة بإذن واجازة من اللّه سبحانه، سواء كان هذا الفعل خارقاً للعادة أو غير خارق للعادة.

فمن اعتقد بصدور فعل (عادي أو غير عادي) من أحد على الطراز الاَوّل فقد اعتقد بأُلوهيته لاَنّه أضفى على فعله طابع الفعل الاَُلوهي وصبغهُ بصبغة الاَُلوهية، فكان مشركاً.


(185)

وأمّا لو اعتقد بصدور فعل (عادي أو غير عادي) من أحد على الطراز الثاني لم يعتقد بأُلوهيته قط لاَنّه لم يُضف على فعله طابع الفعل الاَُلوهي، ولم يصبغه بصبغة الاَُلوهية، لم يكن مشركاً.

***


(186)


(187)

8

التبرّك بآثار الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلم -

العلل الطبيعية والخارقة للعادة.

التبرّك بالنبيّ في حياته وبآثاره بعد مماته.

التبرّك بتحنيك الاَطفال.

التبرّك بالمسح والمسّ.

التبرّك بفضل وضوئه.

التبرّك بسوَر شرابه وطعامه.

ما يترتّب على هذا الاَصل.

إنّ التوحيد في «الخالقية» يقضي بأنّه لا موَثّر في الوجود إلاّ اللّه سبحانه، وأنّه هو الحيّ القيُّوم، وأنّ غيره قائم به، ولكن انحصار الخالقية في اللّه سبحانه لا يعني أنّ الواجب جلّ اسمه هو السبب المباشر لكلّ شيء، كما أنّ التوحيد في «الربوبيّة» لا يعني أنّه المدبّر للعالم بنفسه بلا تسبيب من الاَسباب وبلا تنسيق من العلل التي توَثّر بعضها في بعضٍ، ويتأثّر بعضها من الآخر، لبطلان ذلك عقلاً وكتاباً:


(188)

أمّا عقلاً، فقد شهدت البراهين العقليّة على أنّ الوجود متّحدٌ حقيقةً، مختلف مرتبةً، فإذا كان كذلك فلا معنى أن يكون الوجود موَثّراً في مرتبة«الواجب» تعالى غير موَثّر في مرتبة «الممكن» ما دام الوجود كما قلنامتّحدٌ حقيقةً، وإنّما هو مختلفٌ في الرتبة. ولهذا فإنّ من يدّعيتأثيراللّهمن دون تسبّب من الاَسباب يقول ذلك بلسانه وقلبه موَمن بخلافه.

وأمّا كتاباً، فإنّ الذكر الحكيم مليءٌ بالآيات الصريحة بتأثير العلل والعوامل الطبيعية في آثارها، وقد أوردنا بعض هذه الآيات في ذيل مبحث الشرك في العبادة.

والحاصل أنّ هناك فرقاً واضحاً بين القول بأنّ اللّه هو الموَثّر المباشر في كل شيء، والقول بأنّه هو الموَثّر الاَصيل عن طريق جعل الاَسباب، فمثلاًهو سبحانه المخرج للثمرات من الاَشجار لكن بسبب الماء (1) فاللّهسبحانه هو الموَثّر التامّ والقيُّوم المطلق، الذي يقوم به كُلّ شيء، ويوَثّربه كلُّ شيء، وأمّا غيره فإنّ وجوده وتأثيره وأثره بإرادته وإذنه سبحانه،وهذا هو حقيقة التوحيد والخالقية، وقد أوضحنا مراتب التوحيد في محلّه (2)


(1)إشارة إلى قوله سبحانه: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ) .

(2)لاحظ مفاهيم القرآن الجزء الاَول، وهي من تأليف الاَُستاذ العلاّمة السبحاني بقلم الكاتب.

(189)

العلل الطبيعية والعلل الخارقة للعادة:

وكما جرت سنّةُ اللّه الحكيمة على إجراء الفيض وإيصاله إلى الناس عن طريق العلل الطبيعية غالباً، فإنّها جرت في بعض الموارد على إجرائه إلى الناس عبر علل غير مألوفه، أو خارقةٍ للعادة، كما نرى ذلك في المعاجز والكرامات.

وبما أنّ القسم الاَوّل (أي اجراء اللّه لفيضه عن طريق العلل الطبيعية) واضحٌ نعطفُ عنان البحث إلى الثاني (أي اجراء الفيض عبر سبل خارقة للعادة والمألوف) فنقول:

قال سبحانه: (وَإِذْ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْـرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشـرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْـرَبَهُمْ) (1)فقد أجرى سبحانه فيضه الحيويّ عن طريق غير عاديّ.

ومثله قوله سبحانه: (كُلّما دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَريّا المِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْـرِ حِسابٍ) ) (2).

وقوله سبحانه: (وَهُزّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنيّاً) (3)


(1)البقرة: 60.

(2)آل عمران: 37.

(3)مريم: 25.

(190)

إنّ ما ورد في هذه الآيات من ظهور فيضه سبحانه على خاصّة أوليائه، إنّما هو من باب الكرامة، لا الاِعجاز فالكليم لم يكن عندما طلبوا منه الماء ولبّى طلبهم بتلك الصورة الخارقة في مقام التحدّي.

كما لم تكن مريم في ذلك المقام وإنّما هو فضل ربّنا وكرامته ولطفه الخاص الذي يقع في بعض الاَزمان عندما تقتضي المصلحة ذلك.

وعلى ذلك فليس من البعيد أن تكون هناكَ عللٌ وأسبابٌ موَثّرةٌ لم نكن نعتادها قد أثّرت في أُمور بإذن اللّه سبحانه.

فهذا هو يوسف قد أرسل قميصه إلى أبيه وأمر أخوته بأن يُلقوه على وجه أبيه ليرتد بصيراً، قال سبحانه حاكياً عن لسان يوسف: (اذْهبُواْ بقَميصِـى هَذا فَأَلْقوهُ عَلَـى وَجهِ أَبي يَأْتِ بَصيراً ... فَلَمّـا أَن جَاءَ البَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَـى وَجْهِهِ فَارْتَدَ بَصِيراً... ) (1)

ومن المعلوم أنّ قميص يوسف ذاك لم يكن مصنوعاً إلاّ من القطن أو ما شابهه، ولكنّ اللّه سبحانه جعل فيه أثراً غير عادي بحيث لما أُلقي على وجه يعقوب الذي أبيضّت عيناه من الحزن عاد بصيراً.

فليس لنا أن نقول: إنَّ القميص من القطن وأيّ رابطة علمية بين القطن وعودة البصر إلى عيّني يعقوب؟

نعم ليست هناك رابطة علميّة تكشف عنها الاَجهزة المادية


(1)يوسف: 93 ـ 96.

(191)

المستخدمة والمعتمدة في الاَوساط العلمية.

إنّ هذه العلاقة غير العادية تظهر عند وضع القميص على عيني يعقوب واللّه سبحانه واقف على العلل الموَثّرة في هذه الحوادث.

وعلى ذلك الاَساس جرى الاِلهيون عند التبرّك بآثار أوليائهم، لاَنّهم يجدون فيها شفاء عليلهم، ورواءِ غليلهم بإذن اللّه سبحانه.

ولكنّهم ربّما يتبرّكون بالآثار من دون أن يتوقّعوا منها نتائج كتلك التي ذكرت، وإنَّما ينطلقون في ذلك من مبدأين:

الاَوّل: مبدأ الحبّ والود، والتعزير والتكريم فمن عشق شيئاً عشق لوازمه وآثاره. فحبّ الآباء والاَُمّهات يجرّنا إلى حبّ من بقي منهم وما بقي من آثارهم، وكذلك حبّ الاَنبياء والصلحاء يجرّ كل موَمن إلى حبّ كلّ ما تركوه من آثار حتّى أبنيتهم وألبستهم وأولادهم.

الثاني: ما وصل إلينا عن طريق الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنّهم كانوا يتبرّكون بكل ما يمتّ إلى النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - بصلة في المجالات المختلفة.

وقبل أن نذكر نماذج من هذا القبيل نذكر ما كتبه المحقّق العلاّمة محمّد طاهر بن عبد القادر في كتابه «تبرّك الصحابة» وهو من علماء مكّة المكرّمة حيث قال: أجمعت صحابة النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - على التبرّك بآثار رسول اللّه والاهتمام في جمعها وهم الهداة المهديّون، والقدوة الصالحون، فتبرّكوا بشعره، وبفضل وضوئه، وبفرقه، وثيابه، وآنيته، وبمسّ جسده الشريف، وبغير


(192)

ذلك ممّا عُرف من آثاره الشريفة التي صحّت به الاَخبار عن الاَخيار.

فصار التبرّك بها سنَّة الصحابة (رض) واقتدى آثارهم من نهج نهجهم من التابعين والصالحين.

وقد وقع التبرّك ببعض آثاره في عهده وأقرَّهُ ولم ينكر عليه، فدلّ ذلك دلالةً قاطعةً على مشروعيته ولو لم يكن مشروعاً لنهى عنه وحذّر منه.

وكما تدلّ الاَخبار الصحيحة وإجماع الصحابة على مشروعيته، تدل على قوّة إيمان الصحابة وشدة محبّتهم وموالاتهم ومتابعتهم للرسول الاَعظم - صلّى الله عليه وآله وسلم - على حدّ قول الشاعر:

أمرّ على الديار ديار ليلى * أُقَبّلُ ذا الجدارِ وذا الجدارا
وما حبّ الديار شغفنَ قلبي * ولكنْ حبّ من سكن الديارا (1)

بل إنّ المسلمين لشدة علاقتهم بنبيّهم سجّلوا كثيراً من خصوصيات أخلاق النبيّ والاَشياء التي تمتّ إليه بصلة، فذكروا صفة قراءته في صلاته، وحسن صوته، ووصفه في إيراد الخطب، وحسن خلقه وعشرته، وكيفيّة مشيه، ومأكله، وما كان يعجبه من الطعام، وما كان يعاف من الطعام والشراب، حتّى ذكروا شعره وشيبه وخضابه وما أطلى به من النورة، وحجامته، وما أخذ من شاربه، ولون لباسه، وأصنافه، وطولَه وعرضَه وقناعَته في الثوب، وما كان يقولُه إذا لَبِسَه، حتّى ذكروا الخُمرة التي يُصلّـي


(1)تبرّك الصحابة: 5.

(193)

عليها، وخاتَمه من الفضة، ونقشَ خاتمه، ونعلَه، وخُفّه، وسِواكه، ومُشطه، ومُكحلته، ومِرآته، وقَدحه، وسيوفه، ودرعه، وترسّموا رماحَه، وخيله، ودوابّه، وإبله، ولِقاحه، وخَدمه ومواليه وبيوتَه، وحُجَرَ أزواجه، وصَدقاته، والبآر التي شرب منها(1).

قال ابن هشام في الفصل الذي عقده لصلح الحديبية : إنّ قريش بعثت عُروة بن مسعود الثقفي إلى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - فجلس بين يديه وبعدما وقف على نيّة الرسول من خروجه إلى مكّة رجع إلى قومه وأخبرهم بما دار بينهم وبين الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلم - ثمّ قال: إنّ محمّداً لا يتوضّأ إلاّ وابتدر أصحابُه بماءِ وضوئه، ولا يسقط من شعره شيء إلاّ وأخذوه، ثمّ قال: يا معشر قريش لقد رأيتُ كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإنّي واللّه ما رأيت ملكاً في قومه قطّ مثل محمّد في أصحابه، ولقد رأيت قوماً لا يُسلمونَه بشيءٍ أبداً فَرَوا رأيَكم ...

التبرّك بآثار النبيّ في حياته وبعد مماته:

وها هنا نذكر نماذج من تبرّك الصحابة والتابعين بآثار الرسول في حياته وبعد مماته، ولكن لانستقصي فإنّه يدفعنا إلى تأليف كتاب في ذلك المجال (2)


(1)لاحظ الطبقات الكبرى لابن سعد 1: 375ـ530.

(2)وكفانا في ذلك ما كتبه الشيخ طاهر المكي، وما دبجته يراعة الاَُستاذ الشيخ علي الاَحمدي حيث قام بتتبع واسع في ذلك المجال وأفرد الموضوع بالتأليف فأسماه (التبرّك) وقد طبع في بيروت وطهران.

(194)

1ـ التبرّك بتحنيك الاَطفال:

كانت الصحابة تتبرّك بالنبيّ في تحنيك أطفالهم.

قال ابن حجر: كل مولود وُلِدَ في حياته، رآه وذلك لتوفّر إحضار الاَنصار أولادهم إلى النبيّ للتحنيك والتبرّك، ونقل ذلك جمٌّ غفير من أعلام السنّة والحديث والتاريخ، بل إنّه لما أُفتتحت مكّة، جَعَلَ أهلُ مكّة يأتون إليه بصبيانهم يمسحُ على روَوسهم ويدعو لهم بالبركة.

عن عائشة: إنّ النبيّ كان يوَتى بالصبيان فيبرّك عليهم.

وعن عبد الرحمان بن عوف: ما كان يُولَد لاَحدٍ مولودٌ إلاّ أُتي به النبيّ فدعا له (1).

وقد جاء العلاّمة الاَحمدي بأسماء 24 شخصاً تبرّكوا بتحنيك النبيّ منهم: إبراهيم بن أبي موسى الاَشعري لمّا أتى به أبوه إلى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - فسمّـاه «إبراهيم» وحنّكه بتمرة وكان أكبرِ ولده(2)

ومنهم عبد اللّه بن عبّاس بن عبد المطلب ولد والنبيُّ وأهل بيته بالشعب من مكّة فأتي به إلى النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - فحنّكه بريقه وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين (3).


(1)الاِصابة 1: 5، والاستيعاب على هامش الاِصابة 3: 631.

(2)صحيح البخاري 8: 54، وصحيح مسلم 3: 1690، والاِصابة 1: 96.

(3)أُسد الغابة 3: 193، وذخائر العقبى : 227.

(195)

2ـ التبرّك بالمسح والمسّ:

نجد في حياة الصحابة لفيفاً منهم مَسَحَ رسول اللّه روَوسهم، وقد نقلوه في حياتهم على سبيل المباهاة والافتخار والاعتزاز.

منهم:زياد بن عبد اللّه: وَفَدَ على النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - فَدَخَلَ على ميمونة زوج النبيّ، فَدَخَلَ رسول اللّه فقالت: يا رسول اللّه هذا ابن أُختي ثمّ خرج حتّى أتى المسجد وبعده زياد فصلّـى الظهر، ثمّ أدنى زياداً فدعا له، ووضع يده على رأسه، ثمّ حدّرها على طرف أنفه، فكانت بنو هلال تقول ما زلنا نتعرّف البركة في وجه زياد ، وقال الشاعر لعلي بن زياد:

يا ابنَ الذي مَسَحَ النبيُّ برأسِهِ * ودعا له بالخير عنـدَ المسْجِــدِ (1)

ومنهم: خزيمة بن سواد فقد مسح رسول اللّه وجه خزيمة بن سواد فضاءت غرة بيضاء (2).

ومنهم: السائب بن يزيد: ذهبت خالتهُ إلى النبيُّ، فقالت: يا رسول اللّه، إنّ ابن أُختي وجع، فَمَسَحَ رأسَه ودعا له بالبركة، وتوضّأ فشرب من وضوئهِِ (3)

فأيّ تبرّك أوضح من ذلك وأيّ توسّل واستشفاء أجلى منه، وقد جاء العلاّمة الاَحمدي بأسماء من تبرّكوا بمسح النبيّ ومسّه أو استشفوا به.


(1)الطبقات 1: 51، والاِصابة 1: 558.

(2)الطبقات 1:43.

(3)أُسد الغابة 2: 256.

(196)

3ـ التبرّك بفضل وضوئه وغسله:

كان الصحابة يتبرّكون بفضل ماء وضوئه وكانوا يمسحون به، بل كادوا يقتتلون عليه ويتنافسون فيه، وقد عرفت أنّ عروة بن مسعود الثقفيّ قال لقريش بعدما رجع من عسكر رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «لا يتوضّأ إلاّ ابتدروا وضوءه» (أي كادوا يقتتلون عليه).

وفي فتح مكّة انتزع العبّاس دلواً من ماء زمزم فَشَرِبَ منه رسولُ اللّه وتوضّأ فابتدرَ المسلمون يصبُّون على وجوههم منه ولا تسقط قطرة إلاّ بيدِ إنسان إن قَدِرَ على ما يشرب يشربها، وإلاّ مسح بها جلده.

حتّى أنّ جابر بن عبد اللّه الاَنصاريّ ـ بعد ما توضّأ النبيّ في طست ـ أخذ ماء وضوئه فصبّه في بئره (1)

4ـ التبرّك بسوَر شرابه وطعامه:

كان الصحابة يتبرّكون بسوَر طعامه وشرابه وربّما يقدّمون التبرّك بفضل شرابه على الصيام المستحب.

عن حنش بن عقيل وكان من أصحاب النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - قال: سقاني رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - شربةَ سويقٍ شَـرِبَ أوّلها وشربتُ آخرَها قال: ما برحتُ أجدُ شَبَعها إذا جُعتُ، ورَيَّها إذا عَطشتُ (2)


(1)كنز العمال 16: 249.

(2)سيرة دحلان 2: 246.

(197)

وقال أبو موسى: كنت عند النبيّ وهو نازلٌ بالجعرانة ـ بين مكّة والمدينة ـ ومعه بلال، فأتى النبيّ أعرابيٌّ، فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ فقال له: أبشِـر . فقال: قد أكثرت عليّ من أبشر. فأقبل - صلّى الله عليه وآله وسلم - على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان فقال: إنّ هذا قد ردّ البشرى، فأقبلا أنتما قالا: قَبِلنا، ثمّ دعا بِقَدَحٍ فيه ماءٌ فَغَسَلَ يديه ووجهه ومجَّ فيه، ثمّ قال: «إشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحورِكما وأبشرا».

فأخذا القدحَ فَفَعلا، فنادت أُم سلمة أن أفضِلا لاَُمّكما، فأفضَـلا لها منه طائفة (1)

ثمّ إنّ تبرّك الصحابة لم يقتصر على ذلك، بل كانوا يتبرّكون بماءٍ أدخل فيه يده المباركة، وبماءٍ من الآبار التي شرب منها، وبشعره، وعرقه، وظفره،والقدح الذي شرب منه، وموضع فمه، ومنبره، والدنانير التي أعطاها، وقبره، وجرت عادتهم على الاستشفاء به، ووضع الخدّ عليه والبكاء عنده.

بل كان الصحابة والتابعون يتبرّكون بعصاه وملابسه وخاتمه ولباسه، والاَماكن التي صلّـى بها، أو مشى عليها، وآثار مشي أقدامه إلى غير ذلك ممّا هو مبثوث في ثنايا كتب السيرة والتاريخ، وقد جمع نصوصها ومصادرهاالعلاّمة الاَحمدي في كتاب «التبرّك» فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إليه.


(1)صحيح مسلم ج4، باب فضائل أبي موسى: 1943، وفتح الباري 1: 256.

(198)

ما يترتّب على هذا الاَصل:

إنّ ما يترتّب على ذلك الاَصل ليس أمراً معيناً بل إنّ كلّ ما صدق عليه عنوان التبرّك بآثار الرسول والصالحين من أولياء اللّه يكون أمراً جائزاً، ولا يمكن لاَحد المنع منه بحجّة أنّه شركٌ أو أنّه أمر محرّم، وإلاّ يجب إنكار مئات الاَحاديث والروايات التي وردت حول التبرّك ولكنّنا نركّز على أمرين:

1ـ بناء المساجد عند القبور أو عليها.

2ـ الصلاة في المشاهد المشرّفة.

إنّ هذين الاَمرين ممّا شاع وذاع بين المسلمين بعد رحلة رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - إلى يومنا هذا، ولم يخطر ببالِ أحدٍ أنّه حرام أو أنّه شركٌ.

ولما ظهر ابن تيميّة أفتى بحرمة الاَمرين، وقال: «ولا يشرع اتّخاذها ـ أيّ القبور ـ مساجد» وقال أيضاً: «ولا يجوز بناء المسجد على القبور».

ونحن نعرض كلتا المسألتين على الكتاب أوّلاً، وسيرة المسلمين ثانياً، ثمّ نأتي بما استدلّ به الوهابيون على التحريم.

عرض المسألتين على الكتاب:

إنّ الكتاب أوثقُ مصدر بين المسلمين في استنباط الاَحكام الشرعية فلا يعادله شيء ولو جاء حديث يخالف النصّ الموجود في القرآن فيوَوّل وإلاّ فيطرح.


(199)

والكتاب الحكيم يشرح لنا كيفية عُثور الناس على قبور أصحاب الكهف، وأنّهم اختلفوا في تكريمهم وإحياء ذكراهم، أو التبرّك بهم على قولين.

يقول سبحانه: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ اللّهِ حقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أمْرَهُمْ فَقالُواْ ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانَاًرَبُّهُمْأَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَـى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً)(1)

والمفسّـرون ذهبوا إلى أنّ القول الاَوّل كان لغير المسلمين، ويوَيده قولهم في حقّهم: (ربُّهم أَعْلَمُ بِهِمْ) وهو ينمّ عن عدم اهتمامٍ بالغٍ بحالهم ومكانتهم فحوّل أمرهم إلى اللّه سبحانه.

وأمّا القول الثاني فنفس المضمون يحكي عن أنّه كان قول الموَمنين، حيث اقترحوا أن يتّخذوا على أصحاب الكهف مسجداً، ليتبرّكوا بالصلاة فيه.

فنفس الاقتراح يحكي عن أنّ المقترحين كانوا على علاقةٍ بالمسجدِ والصلاة فيه، وإلاّ لاقترحوا بأن يتّخذوه منتزهاً أو غير ذلك.

وقد قلنا عند البحث عن البناء على القبور أنّ القرآن أُسوة وقدوة، فإذا نقل شيئاً عن قوم ولم يعقّب عليه بنقد أو ردّ، ولم يكن مخالفاً للا َُصول المسلّمة


(1)الكهف: 21.

(200)

يكون ذلك آية على كونه مقبولاً عند منزل الوحي.

هذا ما ذكرناه سابقاً، والآن نحتج بالآية بوجه آخر وهو «حجّية شرع من قبلنا».

فقد احتجّ بها الفقهاء في كثير من الاَحكام إلاّ إذا ثبتَ نسخه، ويوَيّدذلك أنّ الرسول الاَكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - جاء مصدّقاً للتوراة والاِنجيل، قال تعالى:

(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقّ مُصدِّقاً لِمَا بَيْـنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنَاً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَـا أَنْزَلَ اللّهُ) (1)

والمراد من الكتاب هو الاَعم من التوراة والاِنجيل وصريح الآية حجّية ما في التوراة والاِنجيل من الاَحكام، إلاّ ما دلّ الدليل على نسخه، وإليه يشير بقوله: (وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) .

وعلى هذا، فقد روى المفسّـرون أنّ القول بالبناء على أصحاب الكهف كان قول المشركين، والقول باتّخاذ المسجد كان قول المسلمين، قال سبحانه: (وَقَالَ الذِينَ غَلَبُوا عَلَـى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً).

وهذا هو الظاهر ممّا رواه ابن جرير الطبريّ، فإنّ أصحاب الكهف إنّمابُعثوا بعد سحقِ الوثنية، واستعادة الموَمنين المسيحيّين سلطـتهم وكيانهم.


(1)المائدة: 48.

(201)

وعلى ذلك فيكونُ المرادُ من قوله: (وَقالَ الَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَـى أَمْرِهِمْ) هم الموَمنون بالمسيح الذين غَلَبوا على الوثنية، فكانت الغلبة دينية معنوية لا غلبة الكلمة والنفوذ.

قال الطبري في تفسير قوله تعالى: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرَقِكُمْ هِذهِ إلى المدينةِ) .

إنّ المبعوث دخل المدينة فجعل يمشي بين ظهري سوقها فيسمع أُناساً كثيرين يحلفون باسم عيسى بن مريم فزاد فرقاً ورأى أنّه حيران، فقام مسنداً ظهره إلى جدار من جُدُر المدينة ويقول في نفسه: أمّا عشية أمس فليس على الاَرض إنسانٌ يذكر عيسى بن مريم إلاّ قُتِل، أمّا الغداة فأسمعهم وكلُّ إنسان يذكر أمرَ عيسى لا يخاف، ثمّ قال في نفسه: لعلّ هذه ليست بالمدينة التي أعرف (1)

وبذلك تقف على قيمة ما ذكره محمّد ناصر الدين الاَلباني حيث ردّ دلالة الآية على جواز اتّخاذ القبور مسجداً بقوله: والظاهر أنّ الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ ولكن هل هم محمودون أم لا ، ففيه نظر(2)

فإنّ كلام الطبري هذا يفيد أنّ أتباع الدين المسيحي هم الذين غلبوا، بعد أن كانوا مغلوبين.


(1)تفسير الطبري 15: 219، طبعة مصطفى الحلبي ـ مصر.

(2)تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 72.

Website Security Test