welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : في ظل أُصول الاِسلام*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

في ظل أُصول الاِسلام

(150)

(151)

6

الاعتبار بالنيّات والضمائر

لا بالصور والظواهر

دور القصد في تقبّل العمل.

ما يترتب على هذا الاَصل.

دور القصد في تقبّل العمل:

يتميّز الاِسلام عن سائر المناهج البشرية بأنّه يُثيب على العمل النابع من النيّة الخالصة والقصد الطاهر، ولا يكتفي بحسن العمل نفسه، بل يحكم بوجوب كون العمل صادراً عن قلبٍ سليمٍ وقصدٍ طاهر ونيّةٍ خالصةٍ، وهذا بخلاف سائر المناهج البشرية، فهي تكتفي بحُسن العمل نفسه، وإن صَدَر عن نيّة مشوبة بشيء كالرياء والسمعة.

1ـ إنّ تعمير المسجد الحرام عملٌ حَسَن في حدّ نفسه سواء قام به المشرك أو الموَمن، ولكنّ اللّه سبحانه أسقطه عن الاعتبار، ولم يجعل له قيمة


(152)

إذا صدر عن الكافر، بخلاف ما إذا قام به الموَمن المخلص، قال سبحانه: (مَا كَانَ لِلْمُشْـرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللّهِ شاهِدينَ عَلَـى أَنْفُسِهمْ بِالكُفر أُولئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ وفي النّار هُمْ خالِدُون x إِنَّما يَعْمُرُ مَساجدَ اللّه مَنْ ءَامَنَ بِاللّهِ واليَومِ الآخِر وَأَقامَ الصّلاةِ وءَاتى الزّكاةَ ولم يَخشَ إلاّ اللّهَ فَعَسى أُولئكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهتَدِين) (1)

والاِمعان في الآية يكشف لنا أنّ الملاك في القضاء والحكم هو باطن العمل لا ظاهره، وإلاّ فالعمل الذي يقوم به المشرك هو نفس العمل الذي يقوم به المسلم، ولكن الذكر الحكيم سلب عن عمل المشرك حقّ التعمير، وأوكله إلى المسلم ولم يعتبر الاَوّل وإنّما اعتبر الثاني وأقرّه واحترمه، وهذا يشير إلى الاَصل الذي ذكرناه في عنوان البحث بأنّ الاعتبار إنّما هو بالنيّات والضمائر لا بالصور والظواهر.

2ـ إنّ السجود من أعلى درجات الخضوع لدى عامّة الشعوب والاَُمم فلو سجد إنسان عند باب الملك أو في حضرته عُدّ عمله عبادة وعُدّ من المشركين، ولكن الملائكة سَجَدوا لآدم ولم يُحسبوا من المشركين ولم يكن آدم قبلة (2) بل كان مسجوداً له، ومع ذلك عدَّت الملائكة لاَجل سجدتهم تلك عَبَدَة للّه، وحُسِب إبليس العاصي من المذنبين، مع أنّ السجودين في كلا الموردين مُتّحدان صورةً وظاهراً، وشكلاً وقالباً.


(1)التوبة: 17ـ 18.

(2)وذلك أنّه لو كان آدم قبلة لما اعترض الشيطان على السجود له إذ لا يُشترط أن تكون القبلة أفضل من الساجد إنّما يُشترط كون المسجود له أفضل من الساجد في حين أنّ آدم لم يكن أفضل بنظر الشيطان.

(153)

3ـ إنَّ القرآن يصرح بأنّ أبوي يوسف وإخوته سجدوا له حيث قال سبحانه: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَـى العَرْشِ وَخَرّوا لَهُ سُجَّداً وقَالَ يا أَبَتِ هَذا تَأويلُ رُوَيايَ مِنْ قَبْلُ قَد جَعَلَهَا رَبّي حَقّاً) (1) ولو كان مجرّد المشابهة كافياً في الحكم يلزم ـ معاذ اللّه ـ أن يكون سجودهم عبادة للبشر.

4ـ إنّ اللّه سبحانه أمر بالخضوع أمام الوالدين وخفض الجناح لهما قال سبحانه: (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ مِنَ الرَّحمَةِ) (2) ولو خفّض الاِنسان جناح الذلّ لوالديه وقبّل أيديهما وأرجلهما لِما أنعمه والداهُ عليه كان مُثاباً.

ولكن لو قام بنفس العمل أمام الاَصنام والاَوثان عُدّ مُشركاً، مع أنّ صورة العملين واحدة ولو كان الملاك هو الظواهر لَحُكِمَ على العامِلَين بالكفر والشرك ولكن القرآن يعدّ فاعل الاَوّل موَمناً مُطيعاً والثاني عدوّاً للّه ومشركاً به أعاذنا اللّه من الشرك.

5ـ إنّ جميع المسلمين يطوفون في مناسك الحجّ بالبيت الذي ليس هو إلاّ حجراً وطيناً ويسعون بين الصفا والمروة وهما ليسا سوى جبلين قال سبحانه: (وَلْيَطَّوفُوا بِالبَيتِ العَتِيقِ) (3) وقال سبحانه: (إِنَّ الصَّفا والمرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجّ البَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوفَ بِِهِمَـا)(4)


(1)يوسف: 100.

(2)الاِسراء: 24.

(3)الحجّ: 25.

(4)البقرة: 158.

(154)

فإذا طاف المسلم حول هذا الحجر وهذا الطين كان عمله عملاً توحيديّاً، ولكن لو طافَ الكافرُ حول صنمِهِ المصنوعِ من الحجرِ والفلز عُدّ مُشركاً، ومثله السعيُ فلو سعى المسلمُ بين الجبلين لكان عمله تجسيداً للعبادةِ والتوحيدِ، ومظهراً لعمل امرأةٍ موحّدة ساعيةٍ بينَهما لِطلب الماء (1) ولكن لو سعى المشرك بين صَنَمين أو جبلين إذا وضَعَ صَنَمَهما على الجبلين عُدّ مشركاً.

6ـ المسلمون كلُّهم يستلمون الحجرَ الاَسودَ في الحجّ، واستلامه منالمستحبّات الاَكيدة، وهذا العملُ من حيث الصورة لا يختلف عنعملِالمشركين تجاه أصنامهم في حين أنّ هذا العملَ يُعدّ فيصـورةٍ شركاً، وفي أُخرى عَمَلاً مُستحبّـاً قام به سيّــد الموحّدين والموَمنين.

7ـ إنّ تقديم الهدي وذبحَه في منى يُشبه من حيثُ الشكل عملَ المشركين حيث كانوا يذبحون القرابين في منى أمام أصنامهم وأوثانهم.

هذه الاَُمور تحتّم علينا انتزاع قاعدةٍ أُصوليةٍ وهي أنَّ الملاك والاعتبار إنّما هو بالنياتِ والضمائر لا القُشور والظواهر، وإلاّ لما تجد فرقاً بين عَمَل المشرك والموحّد في هذه الصور وغيرها مما لم نذكره.

فالذي يكون حاجزاً بين العملين ومميّزاً لعَمَل المشرك عن عمل الموحّد هو نيّته وقصده وضميره، وحيث إنّ النيّات والمقاصد مُختلفة يكون العمل تابعاً لها.


(1)ونعني بها هاجر أُم إسماعيل.

(155)

ولهذا كان سجود الملائكة عملاً صحيحاً جائزاً لاَنّها سجدت لآدم بما أنّه عبد من عباد اللّه ولكن المشرك حيث إنّه يسجد للاَصنام بما أنّها آلهة صغيرة فُوِّض إليها مصير الاِنسان أو تدبير الكون كلّه أو بعضه، يكون عمله شركاً ومحرّماً.

ومثله سجود يعقوب لولدِه.

وكذا خفض الولد الحنون جناحيه لوالديه فإنّ الولد حيث يقوم بهذا اتجاه والديه بما أنّهما بشران تحمّلا التعب الكثير لاَجل تربيته في حين لم يكونا يملكان شيئاً من أسباب الحياة كما لا يعتقد الوالد بمثل هذا في حقّهما، كان عمله جائزاً مشروعاً، وهذا بخلاف المشرك فإنّه حيث يخفض جناحه للاَصنام باعتقاد أنّها آلهة ذات قدرة ومشيئة مستقلّتين، وتعمل ما تشاء وتفعل ما تريد.

وبذلك نعرف البون الشاسع بين عمل الموحّد والمشرك.

كما أنّ هذا يدفعنا إلى استيعاب الاَصل الاَصيل وهو أنّ الملاك للقضاء على عمل، والمقياس للحكم بكونه توحيدياً أو لا، إنّما هو نيّة العامل وقصدُه وباعثه وحافزه.

فإذا كانت النيّة شركية كان العمل شركياً، وإذا لم تكن كذلك لم يكن العمل شركياً.

وإليك فيما يأتي ما يترتب على هذا الاَصل من النتائج.


(156)

ما يترتّب على هذا الاَصل:

إنّ الذي يترتّب على هذا الاَصل هو أنّه ليس لنا أن نحتج بالآيات التي نزلت في حقّ المشركين، على حرمة التوسّل بالاَنبياء ودعائهم والاستشفاع بهم بحجّة أنّ عمل المشرك والموحّد واحد شكلاً لما عرفت من بطلان ملاك الشكل بل الملاك في القضاء بأنّ هذا العمل توحيديٌ أو شركيٌّ هو النيّات والضمائر التي ينبع منها العمل، وعلى هذا يسقط الاستدلال بالآيات التالية على حرمة التوسّل والاستغاثة. يقول سبحانه:

(وَأَنَّ المَساجدَ للّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللّهِ أحَداً) (1)

(لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجيبُونَ لَهُمْ بشَـيْءٍ)(2)

(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ) (3)

(والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمير) (4)

(قُل ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضّـرِ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْويلاً) (5).

(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَـى رَبِّهمُ الوَسيلَةَ) (6)


(1)الجن: 18.

(2)الرعد: 14.

(3)الاَعراف: 194.

(4) فاطر: 13.

(5)الاِسراء: 56.

(6)الاِسراء: 57.

(157)

(وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ ما لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُـرّكَ) (1)

(وَمَن أَضَلُّ مِمّنْ يَدْعُوا مِن دُونِ اللّهِ مَن لاَ يَسْتَجيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ القِيامةِ) (2)

إذ من المعلوم أنَّ إسراء الحكم في هذه الآيات الناظرة إلى أعمال المشركين تجاه أصنامهم وتعديتها إلى المسلمين تتوقف على وحدة الموضوع، واتّحاد الملاك ففي هذه الصورة تنطبق تلك الآيات على المسلمين أيضاً.

وأمّا إذا كان الموضوع مُختلفاً، وكانت عقيدة المسلمين في حقّ الاَنبياء والاَولياء، لا تُشبِه عقيدة المشركين أبداً كان الاستدلال بهذه الآيات، أشبه بإسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر لا يجمعهما جامع قريب ولا بعيد إلاّ مجرّد المشابهة في لفظ الدعاء، والدعوة والنداء.

ولو أنّنا استعرضنا عقيدة المشركين في حقّ أوثانهم التي كانوا يتوسّلون بها، في ضوء القرآن الكريم لعرفنا أنّهم كانوا يعتقدون بربوبية تلك الاَوثان، وأنّها تملك تدبير حياة البشر، أو تملك شأناً من الشوَون المرتبطة بمصير الاِنسان في الحياة الاَُخروية كالمغفرة والشفاعة وكانوا يدعون تلك الاَوثان منطلقين من هذا الاعتقاد والتصوّر.

ولهذا اتّسمت دعوتهم بصبغة العبادة لاَنّ من دعى كائناً، أو خضع له خضوعاً لسانياً أو جارحياً باعتقاد أنّه يدبّر حياته أو يملك شأناً من شوَون مصيره كلاً أو بعضاً، كان دعاوَه وخضوعه هذا متّصفاً بالعبادة وإن كان خضوعاً ضعيفاً وبسيطاً.


(1)يونس: 106.

(2)الاَحقاف: 5.

(158)

وأمّا من دعى إنساناً باعتقاد أنّه عبد صالح من عباد اللّه، أكرمه اللّه سبحانه بالرسالة والنبوّة، أو بشيء من المقامات المعنوية من دون أن يعتقد بأنّه يملك المدعو شيئاً من تدبير حياة الاِنسان، أو شيئاً من مصيره في الدنيا والآخرة، بل له مقامٌ رفيعٌ عند اللّه بحيث لو دعاه لاَجابه، أو استشفع به شفّعه، لا يكون دعاوَه واستشفاعه عبادة لعدم وجود العنصر المقوّم للعبادة في هذا الدعاء والاستشفاع، بل يكون الدعاء مُردّداً بين أمرين: إمّا أن يُستجاب، أو لا يُستجاب، فأين هذا من عقيدة المشركين وتصوّرهم في حقّ معبوداتهم من الاَوثان والاَنجم أو من تمثّلها هذه الاَوثان والاَنجم.

ما يدلّ على عقيدة المشركين في معبوداتهم:

والذي يدل على عقيدة المشركين في حقّ معبوداتهم على النحو الذي أشرنا إليه وكيف أنّهم كانوا يُضفون عليها صفة الربوبية، أو يسندون إليها بعض شوَون الربّ هو ما يلي:

1ـ إبراهيم - عليه السلام - وقومه:

إنّ استعراض ما ورد في حقّ قوم إبراهيم في القرآن الكريم من الآيات التي أشارت إلى حوار الخليل - عليه السّلام- مع معبوداتهم من الاَجرام السماوية، يكشف القناع عن هذه الحقيقة، فإنّ هذه الآيات تكشف عن أنّ قوم إبراهيم كانوا يعتقدون بربوبية تلكم الاَجرام، وليس الربّ إلاّ من يدبّر حياة المربوب تدبيراً خاصّاً، مثل ربّ الضيعة وربّ الاِبل وربّ العمل، وربَّ البيت.


(159)

يقول اللّه تعالى: ( فَلَمّـا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيلُ رَأى كَوْكَباً قَال هذا رَبّي فَلَمّـا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلينَ x فَلَمّـا رَأى القَمَرَ بازِغاً قَالَ هذا ربّـي فَلَمّـا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهدِني رَبّـي لاَكُونَنّ مِنَ القَوْمِ الضالِينَ x فَلَمّـا رأى الشَّمْسَ بازِغَةً قَالَ هَذا رَبّـي هَذا أكْبَـرُ فَلَمّـا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنَّـي بَرىءٌ مِمّا تُشرِكُونَ x إِنّـي وَجَّهْتُ وَجِهىَ للذِي فَطَرَ السَّماواتِ واَلاَرْضَ حَنيفاً وَمَا أنا مِنَ المُشْـرِكينَ) (1)

يُستفاد من هذه الآيات أنّهم كانوا يعتقدون بربوبية تلك الاَجرام ولهذا وصفها إبراهيم بالربوبية في حواره معهم من باب المجاراة مع الخصم في النقاش والاستدلال ...

فهم بهذا الاعتقاد كانوا يتوجَّهون بالطلب إلى تلك الاَجرام السماوية، ويخضعون لها، ولم يكن خضوعهم خضوعاً مُطلقاً. ولهذا ساغ وصف عملهم ذاك بالعبادة ثمّ الشرك.

2ـ عيسى - عليه السلام- وقومه:

لقد اعتقد النصارى في المسيح بالاَُلوهية عندما لاحظوا طريقة ولادته العجيبة الخارقة للعادة، وشاهدوا وقوع الخوارق على يديه، ولهذا عَبَدوه، كما تُعبد الآلهة، فردّهم القرآن الكريم وصرّح بأنّ عيسى عبد من عباد اللّه سبحانه يعبده ويخضع له، وكيف يكون إلهاً حينئذٍ:

(لَنْ يَسْتَنكِفَ المَسْيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً للّهِ وَلاَ المَلائِكَةُ المُقَرّبُونَ وَمَنْ


(1)الاَنعام : 76ـ 79.

(160)

يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِـرْ فَسَيَحْشُـرُهُمْ إِليْهِ جَميعاً) (1)

3ـ اتّخاذ الاَحبار والرهبان أرباباً:

إنّ دراسة مواقف أهل الكتاب (أي اليهود والنصارى) في ضوء الكتاب العزيز يكشف عن أنّهم غالوا في إطاعة أحبارهم ورهبانهم حيث أعطوهم حقّ التحليل والتحريم وأطاعوهم في ذلك وهو من شوَونه وأفعاله سبحانه لا غير واعتقدوا بربوبيتهم ولو في هذا القسم الخاصّ، وهو الربوبيّة في التشريع.

قال سبحانه عنهم: (اتّخذُواْ أحْبارَهُمْ وَرُهبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّه وَالمسيحَ ابْنَ مريمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبحانَهُ عَمّـا يُشْرِكُونَ(2)).

روى الثعلبيُّ وهو من كبار علماء الحديث والتفسير في القرن الخامس في تفسيره بإسناده عن عديّ بن حاتم، قال: أتيتُ رسولَ اللّه وفي عُنُقي صليب من ذهب فقال لي: يا عُديّ إطرحْ هذا الوثن من عنقك.

قال: فطرحته ثمّ انتهيت إليه وهو يقرأ من سورة البراءة هذه الآية: (اتّخذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً) حتّى فرغ منها ، فقلت له: إنّا لسنا نَعْبُدُهم.

قال: «أوَليس يُحرّمون ما أحلّ اللّه فتحرّمونه ويحلون ما حرّم اللّه


(1)النساء: 172.

(2)التوبة: 31.

(161)

فتستحلونه» ؟

قال: فقلت: بلى.

قال: «فتلك عبادتهم» (1)

وقد تضافرت عن أئمّة أهلِ البيتِ أحاديث كثيرةٌ في هذا المعنى وإليك بعض ما ورد عن طريقهم:

روى جابر بن عبد اللّه الاَنصاري عن أبي عبد اللّه الصادق - عليه السّلام- ، قال سألته عن قول اللّه: (اتّخَذُوا أَحْبارَهُمْ ورُهْبانهم أَرباباً من دونِ اللّهِ) .

قال: «أما إنّهم لم يتّخذُوهم آلهة، إلاّ أنّهم أحلّوا حلالاً وأخذوا به، وحرّموا حراماً فأخذوا به، فكانوا أربابهم من دون اللّه» (2)

وروي عن أبي جعفر الباقر - عليه السّلام- في تفسير قوله: (اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه والمسيح ابن مريم) أمّا المسيح فبعضٌ عظّموه في أنفسهم حتّى زعموا أنّه إله ، وأنّه ابنُ اللّه، وطائفةٌ منهم قالوا: ثالث ثلاثة، وطائفةٌ منهم قالوا: هو اللّه.

وأمّا قوله: : «أحبارهم ورهبانهم» فإنّهم أطاعوهم، وأخذوا بقولهم، واتبعوا ما أمروهم به، ودانوا بما دعوهم إليه، فاتّخذوهم أرباباً بطاعتهم لهم، وتركهم ما أمرَ اللّه وكتبه ورُسله، فنبذوه وراء ظهورهم، وما أمرهُمْ به الاَحبار والرهبان اتّبعوه وأطاعوهم، وعَصُوا اللّهَ ورسوله، وإنّما ذُكِرَ هذا في كتابنا لكي


(1)تفسير الثعلبي: مخطوط نقله عنه الطبرسي في مجمع البيان 3: 24.

(2)نور الثقلين ج2: 209ـ 210.

(162)

نتعظَ بهم، فعيّـر اللّهُ تباركَ وتعالى بني إسرائيل بما صَنعوا، يقول اللّه تبارك وتعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبدُوا إِلهاً واحِداً لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّـا يُشرِكُونَ) (1)

وروى أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه - عليه السّلام- عن قول اللّه عزَّ وجلَّ: (اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه) .

فقال: «أما واللّه ما دَعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم لما أجابوهم، ولكن أحلّوا لهم حراماً، وحرّموا عليهم حلالاً، فَعَبَدُوهم من حيث لا يشعرون» (2).

أي كانت طاعتهم لهم في ما أحلّوا وما حرّموا عبادة لهم، لاَنّهم بذلك أعطوا البشر شأناً من شوَون اللّه سبحانه الخاصّة به، وهو حقّ التقنين والتشريع.

4ـ أهل مكّة وأوّل صنم عبدوه:

جاء في السيرة النبوية لابن هشام أنّ «عَمرو بن لُحيّ» كان أوّلَ من أدخلَ الوثنية إلى مكّة ونواحيها، فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أُناساً يعبدون الاَوثان وعندما سألهم عمّـا يفعلون بقوله: ما هذه الاَصنام التي أراكم تعبدونها؟

قالوا: هذه أصنام نعبدها فَنَسْتَمْطِرُها فَتُمْطِرُنا ونَسْتَنْصِرُها فَتَنْصُرنا.


(1)نور الثقلين ج2: 209ـ 210.

(2)الكافي 1:275.

(163)

فقال لهم: أفلا تعطوني واحداً منها فأسير إلى أرض العرب فيعبدوه ؟!

ثمّ انّه استصحب معه إلى مكّة صنماً كبيراً يُدعى «هُبل» ووضعه على سطح الكعبة المشرّفة ودعا الناس إلى عبادته (1)

إنّ طلب المطر من هذه الاَوثان يكشف عن اعتقادهم بأنّه كان لهذه الاَصنام دخلٌ في تدبير شوَون الكون وحياة الاِنسان.

5ـ بقايا الاعتقاد بربوبية الاَنجم:

لما أصاب المسلمين مطر في الحديبية لم يبل أسفل نعالهم (أي ليلاً) فأمر رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - مناديه أن ينادي: ألا صَلّوا في رحالكم، وقال - صلّى الله عليه وآله وسلم - صبيحة ليلة الحديبية لمّـا صلّـى بهم: «أتدرون ما قالَ ربُّكم» ؟ قالوا: اللّهُ ورسوله أعلم.

قال: قال اللّه عزّ وجلّ: «أصبَحَ من عبادي موَمنٌ بي وكافرٌ، فأمّا مَن قال: مُطِرنا برحمةِ اللّهِ وفضلِهِ فهو موَمنٌ باللّهِ وكافرٌ بالكواكبِ، ومن قال: مُطِرنا بِنَجْمِ كذا (وفي رواية بنوء كذا وكذا) فهو موَمن بالكواكب وكافر بي»(2)

إنّ هذا النصّ يدلّ على أنّ العرب الجاهليين ـ بعضهم أو كلّهم ـ


(1)السيرة النبوية 1:79.

(2)السيرة الحلبية 3: 25 ، قال النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - هذا في الرد على من اعتقد بأنّ المطر كان من جانب نجم خاص كان في الجاهلية يعتقدون أنّه مدبر شوَون المطر وكانت بعض رواسب هذه العقيدة باقية في عقول بعض المسلمين.

(164)

كانوا يعتقدون في الاَنجم التي يتوجّهون إليها بالطلب، بالربوبية ويعتقدون بأنّها تملك شأناً من شوَون حياتهم كالاَمطار.

ولهذا ندّدت الآيات القرآنية الكثيرة باعتقاد المشركين هذا، ونَفَت أن يملك أيّ واحد من هذه المعبودات المُزيّفة التي كانت رائجة في الاَوساط الجاهلية شيئاً من شوَون التدبير والربوبية أو شأناً من شوَون الاِنسان فيما يتعلّق بمسيره أو مصيره.

وإليك طائفة من هذه الآيات:

الآيات المندّدة باعتقاد المشركين:

قال اللّه تعالى في كتابه الكريم عن الاَوثان والاَصنام والاَنجم والكواكب أو مَن تُمَثّلهم هذه الاَوثان والاَصنام من معبودات المشركين:

(وَاتّخَذوا مِن دُونِه ءَالهة لا يَخْلُقُون شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لاََنْفُسِهِمْ ضَـرّاً ولاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَياةً ولا نُشُوراً) (1)

(إنَّ الَّذِينَ تعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) (2)

(قُل أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَـرّاً وَلاَ نَفْعاً) (3)


(1)الفرقان: 3.

(2)العنكبوت: 17.

(3) المائدة: 76.

(165)

(وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمير) (1)

(قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ) (2)

(وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ) (3)

(قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضّـرّ عَنْكُمُ وَلاَ تَحْويلاً) (4).

(قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرّةٍ فِـي السَّماواتِ وَلاَ في الاَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهَا مِن شِـرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِن ظَهير)(5)

من هذه الآيات يتّضح أمران:

1ـ أنّ المشركين كانوا يعتقدون في معبوداتهم أنّها تملك شيئاً من الاَُمور التالية كلّها أو بعضها: الحياة والموت والنشور والضر والنفع والرزق والشفاعة، حيث صرّحت هذه الآيات بأنّ هذه المعبودات الباطلة لا تملك شيئاً من هذه الاَُمور بل لا تملك شيئاً، بل ولا ذرّة في السماء ولا في الاَرض، ولا هي شريكةٌ في ذلك بل لا تملك من قطمير.

2ـ أنَّ مقوّم العبادة هو أن يعتقد الاِنسان في من يخضع له أو يطلبُ


(1)فاطر: 13.

(2)الزمر: 43.

(3)الزخرف: 86.

(4)الاِسراء: 56.

(5)سبأ: 22.

(166)

منه شيئاً أنّه يملك (1)شأناً من شوَون حياة الاِنسان كالحياة أو الموت أو النشور أو الضرّ أو النفع أو الرزق أو يملك شأناً من شوَونه سبحانه، وإن لم تمت إلى الحياة بصلة كالمغفرة والشفاعة.

ويوَيّد هذا أنّ اللّه أمر نبيّه بأن يقول للمشركين بأنّه إنّما يعبد الذي يملك هذه الشوَون لا من لايملكها، وأن ينهاهم عن عبادة من لا يخلق ولا يرزق ولا يضر ولا ينفع، ولا يملك شأناً من شوَون الربوبية، يقول سبحانه: (إنْ كُنتُمْ في شَكّ مِن ديني فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوفّاكُمْ ) (2).

(وَمَاليَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (3)

(يَا أيُّها النَّاسُ اعْبُدُوا رَبّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبُلِكُمْ) (4)

(ذَلِكَ اللّهُ رَبّكُمْ لاَ إِله إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلّ شَـيْء فاعْبدُوهُ) (5)

لقد كانت هذه العقائد الباطلة (أي الاعتقاد بمالكية الاَصنام وغيرها من معبودات المشركين لشوَون التدبير في شتّى مراتبه الكاملة والمتوسطة والجزئية) متغلغلة في نفوس المشركين وأوساطهم، وكان أضعفها هو الاعتقاد بأنّ هذا الصنم أو ذاك يملك الشفاعة والمغفرة.

وممّا يوَيّد أنَّ خضوع المشركين أمام معبوداتهم كان مزيجاً باعتقاد كونهم


(1)ومعنى يملك أنّه يستقل به ويقوم به من دون إذن من أحد.

(2)يونس: 104.

(3)يس: 22.

(4)البقرة: 21.

(5)الاَنعام: 102.

(167)

آلهةً صغاراً أو أرباباً وموجودات تملك شوَون الربّ كلّها أو بعضها، أنّهم كانوا يصفونها بأنّها أندادٌ للّه سبحانه، قال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أنْداداً يُحبّونَهم كَحُبِّ اللّهِ) (1)

ولما زعموا أنّ معبوداتهم المصطنعة تضرُّهم وتنفعهم وتملك شيئاً من مصيرهم كالشفاعة والمغفرة عادوا يحبّونها كحبّ اللّه.

ويقول سبحانه: إنّ المشركين كانوا يُسوُّونَ آلهَتَهم برب العالمين قال: (تَاللّه إِن كُنَّا لَفِـي ضَلالٍ مُبينx إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ العالَمينَ) (2)

والمراد من التسوية هي التسوية في شوَون الربّ جلّها أو بعضها غير الخالقية، فقد اتَّفقت كلمةُ المشركين في أُم القُرى وغيرها على كونها من شوَون الواجب جلَّ ذكرهُ (3).

وأمّا التسوية في العبادة فكان من شوَون ذلك الاعتقاد، فإنّ العبادة خضوعٌ من الانسان لمعبوده، ولا يتحقّق مثل ذلك الخضوع إلاّ أن يكون هناك إحساس من صميم ذاته بأنّ المعبود يملك شوَونه في آجله وعاجله.

وكان المشركون في ظلّ هذه العقيدة يسوُّون أصنامهم بربّ العالمين، وبالتالي يعبدونها.

وليس المراد من التسوية، التسوية في العبادة، لاَنَّ المشركين المتواجدين في عصر الرسول كانوا لا يعبُدُون إلاّ الاَصنام، لا أنّهم كانوا يعبدون اللّهُ


(1)البقرة: 165.

(2)الشعراء: 97 ـ 98.

(3)لاحظ قوله: (ولئن سألتهم من خلق السماوات ... قالوا ...) .

(168)

سبحانه وغيره من الاَصنام.

وتوَيّده آيات سورة «الكافرون» قال سبحانه: (قُلْ يا أيّها الكافِرون...) فكان هناك عبادتان ومعبودان أحدهما يختصّ بالنبيّ، والآخر بالمشركين، لا أنّ المشركين كانوا يعبدون اللّهَ والاَصنام معاً، نعم كانوا يعبدُون الاَصنامَ لَغرضَ التقرّب بها إلى اللّه.

فإذا كانت عقائد المشركين متَّسمةً بهذه السّمـات، كان التنديد بها لاَجل هذه الجهة، وكان دعاوَهم ونداوَهم مُتّصفاً بصفة العبادة لوجود هذا العنصر، ولاعتقاد مثل هذه الصفة في الاَوثان ومن تمثّلهم.

فهل من الاِنصاف أن يحكم أحدٌ على المسلمين الموحّدين المعتقدين بعبودية الاَنبياء والاَولياء، وعدم مالكيتهم شيء أو شأن إلاّ باذن اللّه سبحانه وعدم إمكانهم على القيام بطلب الشفاعة إلاّ من بعد أن يوَذن لهم، بأنّهم مشركون؟!

حصيلة البحث:

إنّ العبرة في القضاء والحكم إنّما هو حقائق الاَعمال لا صورها، ومن أظلم حكماً ممّن حكم على أُمّة النبيّ الاَكرم بالشرك في العبادة بحجّة:

أنَّ المشركين كانوا يتوسّلون بأصنامهم، وهوَلاء أيضاً يتوسّلون بنبيّهم.

وأنَّ المشركين كانوا يدعون معبوداتهم ويستغيثون بها، وهوَلاء أيضاً يدعون نبيّهم ويستغيثون به.


(169)

وأنَّ المشركين كانوا يطلبون الشفاعة من آلهتهم، وهوَلاء أيضاً يطلبونها من أوليائهم.

وأنَّ المشركين كانوا يقرّبون النذور لآلهتهم، وهوَلاء أيضاً يقدّمون النذور لهم.

وأنَّ المشركين يحلفون باللات والعزى، وهوَلاء أيضاً يحلفون بالنبيّ والقرآن والكعبة إلى غير ذلك من وجوه المشاركة والمشابهة التي ليست بمجرّدها عماداً للقضاء ولا سنداً في الحكم، وإلاّ لم يبق على أديمِ الاَرضِ من يمكن إدراج نفسه في ديوان الموحدين، لمشابهة أكثر أعمال المسلمين لاَعمال المشركين في الاَشكال والظواهر والهيئات والصور.

***


(170)


(171)

7

الاَنبياء والاَولياء

والقدرة الغيبية المأذونة

رجال رفعتهم العبادة الخالصة.

صاحب موسى والاَعمال الخارقة.

أصحاب سليمان والاَعمال الخارقة.

سليمان بن داود والقدرة الغيبية.

المسيح والسلطة الغيبية.

ما يترتّب على هذا الاَصل.

رجال رفعتهم العبادة الخالصة:

إنّ للّه سبحانه رجالاً مُصطفين، يُستدرّ بهم الغمامُ، ويندر أمثالهم في الدهر، وهم مُثُل للفضيلة والاِخلاص، وخزنة للعلم والاَسرار، قد منحهم اللّه سبحانه من سابق علمه، واستأمنهم على غامض علومه، ممّا لا يقوى على احتماله غيرهم، فجمعوا العلم، سرَّه وجهره، وحازوا من الفضائل، نفسيّها وخلقيّها، وبلغوا القمّة في العبادة قوليّها وعمليّها جارحيّها وجانحيّها، وأخذوا عنه سبحانه أسرار العلم وجواهر الحكمة حتّى زكت نفوسهم،


(172)

وكادوا أن يزاحموا الملائكة المقرّبين.

وفي حقّهم يقول أمير الموَمنين - عليه السّلام- :

«ما برح للّه، عزّت آلاوَُه، في البرهة بعد البرهة وفي أزمان الفترات عبادٌ ناجاهُم في فِكرهم وكلّمهم في ذات عقولهم» (1)

أجل إنّ الاِيمان المحض والعبودية الخالصة، يرفعان بالاِنسان إلى درجة يستطيع معها صاحبها أن يتصرّف في الكون إذا أراد بإذن اللّه سبحانه، ويخرق القوانين الطبيعيّة بمشيئته تعالى. ولقد بيّـن الذكر الحكيم بعض أعمالهم وأفعالهم التي تُبهر العقول وتدهش العيون، وهم بين نبيّ اصطفاه اللّه سبحانه لهداية الناس ومدّه بالبيّنات، وزوّده بالمعجزات، ورجلٍ صالح مخلص لا يُدرَك له شأوٌ ولا يُشقُّ له غبار، وهم وإن لم يكونوا بأنبياء ولكن يغبطهم بعض الاَنبياء، على منازلهم، ومقاماتهم.

وها هو علي - عليه السّلام- يُعرّفهم بقوله:

«هَجَمَ بهم العلمُ على حقيقةِ البصيرة، وباشَـروا روحَ اليقين، واستلانُوا ما استوعَره المترَفون، وأنِسوا بما استوحَشَ منه الجاهلُون وصَحبوا الدُنيا بأبدانٍ أرواحُها معلَّقةٌ بالمحلِّ الاَعلى، أُولئكَ خُلفاءُ اللّه في أرضه والدعاة إلى دينه»(2).

إنّ هوَلاء الاَبدال قد مُنحوا هذه المنزلة الرفيعة بفضل العبوديّة وسلوك سبيل الطاعة، فعلِمُوا بما لم يعلم به الناس، ووقفوا على علم الحوادث


(1)نهج البلاغة، الخطبة: 217.

(2) المصدر نفسه: قصار الحكم: 147.

(173)

والوقائع التي يُبتلى بها الناس، وتصرّفوا في الكون تصرّفاً بديعاً خارجاً عن السنن العادية إلى غير ذلك مما لهم من المثل والفضائل.

إنّ العبادة التي يتصوّر أكثر الناس أنّ آثارها تنحصر في دفع العذاب والعقاب وجلب الثواب، تمنح النفسَ قدرةً عظيمةً يكون بها صاحبها مَثَلاً للّه سبحانه، وللّه المثلُ الاَعلى، وتعالى عن الندّ والمثل.

إنّ سلوك طريق العبودية والانتهاء عن المحرّمات والالتزام بالواجبات والمستحبّات، والاِخلاص في القول والعمل ذو أثر عظيم وعميق في تزويد النفس بقدرة خاصّة خارقة للقوانين والسنن الكونية لاَهدافٍ عاليةٍ، إلى هذا يشير الحديث القدسي: «ما تَقرّبَ إليَّ عبدٌ بشيء أحبُّ إليَّ ممّا افترضتُ عليه، وأنّه ليتقرّبُ إليَّ بالنافلة فإذا أحببتهُ، كنتُ سمعَه الذي يسمعَ به، وبصرَهُ الذي يُبصر به، ولسانَهُ الذي ينطِق به، ويدَه التي يبطش بها، إن دعاني أجبتُه، وإن سألني أعطيتُه» (1)

فكم في الموَمنين باللّه من ذوي الرُتب العلوية، رجال وأبدال شملتهم العناية الاِلهية، فجرّدوا أنفسهم عن أبدانهم، حينما أرادوا معاينة الحقائق، واطّلعوا على الاَسرار، على غرار اطّلاع يعقوب على مصير ابنه، واطّلاع يوسف على الغامض من حياة صاحبيه في السجن.

وها هنا نعرّف ببعض من وصل إلى ذلك المقام على ضوء القرآن الكريم:


(1)الوسائل: ج3، الباب 17 من أبواب اعداد الفرائض برقم 6.

Website Security Test