welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : في ظل أُصول الاِسلام*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

في ظل أُصول الاِسلام

(123)

5

التوحيد والشرك في العبادة

مراحل التوحيد الثمانية.

ماهي حقيقة العبادة.

هل العبادة بمعنى الخضوع المجرّد.

هل التشابه ملاك العبادة.

ملاكات العبادة في ضوء القرآن

ما يترتب على هذا الاَصل.

لا شكّ في أنّ الاَنبياء عامّة بُعثوا لنشر التوحيد في العبادة ودعمه، ورفض الشرك وإزالته، ولا يمكن أن يكون الاِنسان من الموحدين إلاّ إذا كان شعاره وعمله مطابقاً لقوله سبحانه: (إِيّاكَ نَعْبُدُ).

وفي هذا الصدد قال سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمّةٍ رَسُولاً أَن اعْبُدُوا اللّهَ وَاجتَنِبُوا الطّاغُوتَ...) (1)

وقال أيضاً: (وَاسأَلْ مَن أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أَجعَلْنا مِن دُونِ


(1)النحل: 36.

(124)

الرَّحمانِ ءَالهَةً يُعْبَدُونَ)(1)

إلى غير ذلك من الآيات التي تثبت أنّ الغاية من بعث الاَنبياء وإرسالهم هو إحكام هذا الاَصل في القلوب والعقول، ولا أظنّ أنّ أحداً من المسلمين والموحدين يُنكر ذلك أو يشكّ فيه.

إنّما الكلام هو في المصاديق الجزئية والموارد الخاصّة التي عدّها الوهابيّون عبادةً، دون سائر المسلمين، فربَّ أمر تعدّه جميع الفرق تكريماً واحتراماً، ويعدّه الوهابيون عبادة وشركاً، فتجد هوَلاء يعدّون التوسّل بالاَنبياء والصالحين شركاً، ودعائهم والاستغاثة بهم شركاً، بل التبرّك بالضرائح والمشاهد شركاً، والصلاة عند قبور الصالحين شركاً، ولا يعنون بذلك إلاّ الشرك في العبادة أو الشرك في الاَلوهية حسب تعبيرهم.

ولكن الآخرين يعدّون كلّ ذلك أُموراً مباحة بل مُستحبة مأموراً بها من دون أن يكون فيها شائبة عبادة، وعند ذلك لا ينتهي البحث والنقاش إلاّ إذا حددنا معنى العبادة تحديداً منطقياً حتّى يتميّز في ضوئه العمل العبادي عن غيره، وهذا هو البحث المهم، بل هو المفتاح الوحيد لحلّ النزاع بين هذه الطائفة والطوائف الاَُخرى، في أكثر المسائل.

وفي غير هذه الصورة يكون البحث بحثاً غير مُفيد بل داخلاً في الجدل والمراء، والنقاش العقيم.

إنّ هذه الطائفة إنّما وقعت فيما وقعت فيه عندما أفرطت في استخدام


(1) الزخرف: 45.

(125)

لفظة الشرك والمُشرك، وعدّ كثير من المسلمين مشركين بسبب انّها لم تضع حدّاً منطقياً للتوحيد، والعبادة، والشرك فيهما، فخبطت خبط عشواء، وخرجت بتكفير عامّة المسلمين لاَعمال وأُمور جرت عليهم سيرتهم منذ قرون وقرون.

مراحل التوحيد الثمانية:

وقبل أن نخوض في صلب الموضوع نقدّم أمرين:

الاَوّل: إنّ للتوحيد ثمانية مراحل هي:

1ـ التوحيد في الذات: وهو أن اللّه واحد لا نظير له ولا مثيل ولا ثانٍ ولا عديل.

2ـ التوحيد في الصفات: وهو أن ذاته سبحانه عين صفاته، وصفاته عين ذاته، فذاته نفس العلم والقدرة وكذا العكس لا انّ هناك علماً وقدرة زائدتين على الذات والتفصيل في محلّه.

3ـ التوحيد في الخالقية: وهو أن اللّه وحده خالق الكون، وليس للكون خالق سواه ولو نُسِب الخلق إلى موجود سواه كما في قوله: (أنّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْـرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيراً بِإِذْنِ اللّه) (1)

4ـ التوحيد في التدبير: وهو أنّ اللّه ربّ الكون ومدبره ولا مدبر على نحو الاَصالة سواه.


(1)آل عمران: 49.

(126)

5ـ التوحيد في التقنين والتشريـع: وهو أنّ حـقّ التشريـع والتقنين منحصر فيه ولا مشرّع سواه.

6ـ التوحيد في الطاعة: والمراد منه أنّه لا تجب طاعة أحد بالذات إلاّ اللّه تعالى فهو وحده الذي يجب أن يُطاع وتمتثل أوامره، وأمّا طاعة غيره فتجب بإذنه وإلاّ كانت محرّمة مُوجبة للشرك.

7ـ التوحيد في الحاكمية: والمراد منه أنّه لا حاكم إلاّ اللّه، وأنّ حقّ الحكم مختص به سبحانه ولا تصحّ الحكومة إلاّ بإذنه.

8 ـ التوحيد في العبادة: وهو أنّ حقّ العبادة محض حقّ للّه، ولا يجوز عبادة غيره، فلا معبود سواه.

الثاني: إنّ الشائع بين الوهابيين هو تقسيم التوحيد إلى:

1ـ التوحيد في الربوبية.

2ـ التوحيد في الاَلوهية.

ثمّ يقولون: إنّ التوحيد في الربوبية بمعنى الاعتقاد بخالق واحد لهذا الكون كان موضع اتّفاق عند جميع المشركين إبّان عهد الرسالة.

وأمّا التوحيد في الاَلوهية ويقصدون منه التوحيد في العبادة الذي يراد منه أنّه لا يعبد سوى اللّه، فهو الذي كانوا يفتقده المشركون آنذاك وقد انصب جهد الرسول الكريم على هذا الاَمر.

والحق أنّ اتّفاق جميع المشركين إبان عهد الرسالة في مسألة التوحيد


(127)

الخالقي ليس موضع شك، ولكن تسمية التوحيد الخالقي بالتوحيد الربوبي خطأ واشتباه، وتسمية التوحيد في العبادة بالتوحيد في الاَلوهية مثله.

أمّا الاَوّل: فلاَنّ معنى الربوبية ليس هو الخالقية كما توهَّم هذا الفريق بل هو ما يفيد التدبير وإدارة العالم وتصريف شوَونه وهو لم يكن موضع اتّفاق بين جميع المشركين والوثنيين في عهد الرسالة كما ادّعى هذا الفريق، وإن كان التوحيد في الخالقية موضع اتفاق بينهم.

وممّا يدلّ على أنّ الربوبيّة لا تعني الخالقية، قولُ اللّه تعالى: (بَلْ رَبّكُمْ رَبّ السّماواتِ والاَرْضِ الَّذِي فَطَرهُنَّ) (1) فلو كان المقصود من الربّ هنا هو الخالق لكانت جملة «الذي فطرهنّ» زائدة لاَنّنا لو وضعنا لفظة «الخالق» مكان «الربّ» في مطلع الآية لَلَمسنا عدم الاحتياج ـ حينئذٍ ـ إلى الجملة المذكورة، أعني: «الذي فطرهنّ» بخلاف ما إذا فُسّـر الرب بالمدبر والمتصرّف ففي هذه الصورة تكون الجملة الاَخيرة مطلوبة لاَنّها حينئذٍ تكون علّة للجملة الاَُولى فتعني هكذا: أنّ خالق الكون هو المتصرّف فيه وهو المالك لتدبيره والقائم بإدارته.

وعلى ذلك فكلما أُطلق لفظ التوحيد في الربوبيّة وجب أن لا يُراد منه التوحيد في الخالقية بل التوحيد في التدبير وإدارة عالم الوجود.

أمّا الثاني: لاَنّ الاِله ليس بمعنى المعبود بل لفظ الاِله ولفظ الجلالة (اللّه) متساويان، والتفاوت بينهما هو كون الاَوّل كلّياً، والآخر مصداقاً لذلك الكلّـي وهو المصداق الوحيد.


(1)الاَنبياء: 56.

(128)

ويدلّ على ذلك أنّه ربّما يُستعمل لفظ الجلالة مكان الاِله أي على وجه الكلّية والوصفية دون العَلَمية فيصحُ وضع أحدهما مكانَ الآخر كما في قوله سبحانه:

(وَهُوَ اللّهُ في السَّماواتِ وفي الاَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ)) (1).

فإنّ وزان هذه الآية وزان قوله سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إِلهٌ وفي الاَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الحَكيمُ العَليمُ) (2)

وقد يُحملُ الاِله على لفظ الجلالة حملَ الكلّـي على مصداقه، قال سبحانه: ( وَلا تقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خيْراً لَكُمْ إنّما اللّهُ واحدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُون لَهُ وَلَدٌ) (3)

والنصارى إنّما يعتقدون بالتثليث في الاَُلوهية لا بالتثليث في المعبودية أي أنّ الواجب سبحانه عندهم ثلاثة.

وهناك آيات تدلّ بوضوح على أنّ الاِله ليس بمعنى المعبود، بل المراد منه هو نفس ما يُراد من لفظ الجلالة، غير أنَّ الاَوّل كلّـي دون الآخر، وإليك بعض الآيات: (لَوْ كَانَ فِيهمَـا ءَالِهَةٌ إلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا) (4)

فإنّ البرهان على نفي تعدد الآلهة المذكور في الآية لا يتمّ إلاّ إذا فُسِّـر


(1)الاَنعام: 3.

(2)الزخرف: 84.

(3)النساء: 171.

(4)الاَنبياء: 22.

(129)

الاِله بمعنى الخالق أو المدبّر لا الاِله بمعنى المعبود، وإلاّ لانتقض البرهان لبداهة تعدد المعبود في هذا العالم مع عدم طروء الفساد في النظام الكوني.

ومثله قوله سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَد وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إله إِذاً لَذَهَبَ كُلّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض) (1)

والبرهان المذكور في الآية لا يتم إلاّ إذا أُريد من الاِله نفس ما يُراد من لفظ الجلالة من الخالق والمدبّر المتصرّف ولو فُسِّـر بمعنى المعبود لانتقض البرهان كما قلناه.

ومثله الآية الثالثة: (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَة كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَواْ إلى ذِى الْعَرشِ سَبيلاً) (2).

فإنّ ابتغاء السبيل إلى ذي العرش من لوازم تعدد الخالق أو المدبّر المتصرّف أو من بيده أزمَّة أُمور الكون أو غير ذلك ممّا يرسمه في ذهننا معنى الاَُلوهية وأمّا تعدّد المعبود بما هو معبود فلا يُلازم ذلك.

ثمّ إنّ من يفسّـر الاِله بمعنى المعبود التجأ في مثل هذه الآيات إلى تقدير كلمة «بالحق» وهو خلاف الظاهر، ولا يُصار إليه حتّى يستقيم البرهان المذكور في الآية.

نعم تفسير الاِله بالمعبود هو من باب تفسير اللفظ بلازم معناه لا بمعناه فإنّ الاِله الخالق المدبّر هو اللائق بالعبادة، أي أنّ الخالقية والمدبرية تلازم المعبودية وتستلزمها.


(1)الموَمنون: 91.

(2)الاِسراء: 42.

(130)

وعلى ضوء ذلك بَطَلَ تقسيمُ التوحيد إلى الربوبية بمعنى الخالقية والاَُلوهية بمعنى العبادة والاَولى أن يعبّـر عن كلّ واحد بنفس ما عبّـرنا به.

إذا اتّضح هذا فلنعمد إلى تبيين حقيقة العبادة.

ما هي حقيقة العبادة؟

وهذه هي الجهة التي عقدنا هذا الفصل لتحليلها وبيانها، ولو أنّ أحداً ضلّ في هذا المقام فإنّما ضلّ لاَجل عدم تحديد حقيقة العبادة، ومفومها.

فماذا تعني العبادة، وما هي حقيقتها؟

هل العبادة بمعنى الخضوع أو منتهى الخضوع؟

إنّ مقوّم حقيقة العبادة ليس هو الخُضُوع المطلق، بل ولا حتّى الخضوع البالغ نهايته، وذلك لاَنّ الخضوع بهذا الحدّ (وهو السجود) قد فعله الملائكة أمام آدم - عليه السّلام- كما فعله يعقوب - عليه السّلام- وأولاده أمام ابنه يوسف - عليه السلام - ، ولم يكن مع ذلك عبادة.

قال سبحانه مخبراً عن هذين الحادثين: (وَإِذ قُلْنَا لِلمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُواْ إلاّ إِبْليس أَبَـى وَاسْتَكْبَرَ(1)).

وقال تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرّوا لَهُ سُجّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْويلُ رُوَياىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبّـي حَقّاً) (2)


(1)البقرة: 34.

(2)يوسف: 100.

(131)

واللّه سبحانه يُطري على قوم يخضعون للموَمنين نهاية الخضوع ويقول في وصفهم: (أَذِلّةٍ عَلَى المُوَْمِنينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكافِرينَ) (1)

ويأمر سبحانه الاَولاد بخفض الجناح لآبائهم بقوله سبحانه: (وَاخْفِضْ لَهُمَـا جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) (2)

إنّ الخضوع بهذا الحدّ موجود في جميع هذه الموارد ومع ذلك لا يُعدّ عملهم عبادة لآدم أو يوسف أو الموَمن أو الوالد.

وربّما يُتخيّل أنّ خضوعهم وتذلّلهم يُعدّ عبادة حقيقةً إذا لم يأمر اللّه تعالى به، فإذا أمر به تعالى خرج عن كونه عبادة فعدم تسميته عبادة في هذه الموارد لا يكون دليلاً على عدم كونها عبادة فيما إذا لم يأمر به.

ولكن هذا محاولة باطلة فإنّ العمل إذا كان بذاته عبادة لشيء أو إنسان كان ماهيته شركاً، والشرك ظلم واللّه لا يأمر بالظلم وكان فاحشةً واللّه سبحانه لا يأمر بها قال سبحانه: (وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنا عَلَيْها ءَاباءَنا واللّهُ أَمَرَنا بها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لا َ تَعْلَمُونَ) (3)

نعم ربّما تُطلق العبادة لبيان شدَّة التعلّق بالشيء مثل عبد الدينار أو عبد معشوقه أو عبد الشيطان في قوله - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «من أصغى إلى ناطق فقد عبده فإن كان ينطق عن اللّه فقد عبد اللّه، وإن كان ينطق عن غير


(1)المائدة: 54.

(2)الاِسراء: 24.

(3)الاَعراف: 28.

(132)

اللّه فقد عبد غير اللّه» وهو لا ريب من التجوّز والاستعمال المجازي للكلمة، إذ لا يقول أحد بكفر هوَلاء وعبادتهم لغير اللّه حقيقة.

هل التشابه ملاك العبادة؟

ليس التشابه بين ما كان يفعله المشركون وبين ما يفعله المسلمون في الصور مقوّماً للعبادة فإنّ أعمال الحجّ من بدوها إلى ختمها تشبه عمل الوثنيين، ومع ذلك لا يُعدّ الطواف بالاَحجار والاَخشاب واستلام الحجر الاَسود والسعي بين جبلي الصفا والمروة أعمالاً شركية، مع أنّها لا تفترق حسب الصورة والظاهر عن ممارسات المشركين وأعمالهم الذين كانوا يقومون بأعمال الحجّ على غرار ما يفعله المسلمون اليوم في الاَكثر.

فإذن يجب أن نقف على ما هو المقوّم الحقيقي للعبادة فنقول: إنّ اتّصاف قول أو فعل بصفة العبادة متوقف على وجود عنصر في القلب يُضفي على العمل الجارحيّ من القول والفعل وصف العبادة.

فما دام هذا العنصر موجوداً في القلب وشاغلاً ساحة الروح يُعدّ العمل من الاِنسان النابع من ذلك العنصر القلبي، ومن تلك العقيدة، عملاً عبادياً.

وأمّا إذا افتقدت الروحُ والنفس ذلك العنصر ولم يصدر القولُ والفعلُ عن تلك العقيدة لا يُعدّان عبادة، وإنّما يتّصفان بواحد من الاَوصاف من كونّه تعظيماً أو تكريماً أو غير ذلك.


(133)

ملاكات العبادة ومقوّماتها في ضوء القرآن:

وأمّا ذلك العنصر فإليك بيانه بتعابير ثلاثة:

1ـ الاعتقاد بأُلوهية المعبود المخضوع له.

2ـ الاعتقاد بربو بيته وكونه مالكاً لشأن من شوَون الكون أو الاِنسان ومصيره.

3ـ الاعتقاد بأنّ المسوَول مستقلٌ في الاِجابة وكونه يقدر على تلبية الطلب من دون إذن أحد أو معونته.

فلو خضع الاِنسان لاَحد أو شيء أو طلب منه شيئاً باعتقاد أنّه إله (ولو كان إلهاً صغيراً في مقابل الاِله الاَكبر) أو رب، أو مستقل في التأثير والاِجابة فإنّه يكون قد عَبَده.

وفي القرآن الكريم إلماعات إلى هذه الملاكات والقيود التي تحقق مفهوم العبادة وتشكّل حقيقتها وجوهرها.

فأمّا الملاك الاَوّل: فيقول سبحانه: (أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللّهِ سُبْحانَ اللّهُ عَمّـا يُشْرِكُون) (1).

فقد جعل في هذه الآية اعتقادهم بأُلوهية غير اللّه هو الملاك للشرك .

ويقول سبحانه: (إنَّهم كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُونَ)(2)أيّ أنّهم يرفضون هذا الكلام لاَنّهم يعتقدون بأُلوهية


(1)الطور: 43.

(2)الصافات: 35.

(134)

معبوداتهم ويعبدونها بما أنّها آلهة ... وغير ذلك من الآيات وهي كثيرة.

وأمّا الملاك الثاني: فقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أُعبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم...) (1)

وقوله تعالى: (ذَلِكُمُ اللّهُ رَبّكُمْ لا إِله إلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَـيْءٍ فَاعْبُدُوهُ) (2)

فتعليل لزوم العبادة بكونه سبحانه الربّ في الآية الاَُولى أو الربّ والخالق لكلّ شيء في الآية الثانية يعرب عن أنّ الدافع إلى العبادة هو ذلك الاعتقاد، فلا يتَّصف الخضوع بوصف العبادة إلاّ إذا اعتقد الاِنسان بأن المخضوع له خالقٌ أو ربٌ أو يملك شأناً من شوَون الاِنسان.

وأمّا الملاك الثالث: فقوله: (اللّهُ لا إله إلاَّ هُوَ الحَىُّ القَيّومُ) (3)

وقوله: (وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَىِّ الْقَيّومِ) (4)والقيوم هو الموجود القائم بنفسه ليس فيه شائبة من الفقر والحاجة.

والآيتان تُفيدان أنّ الاِله الحقيقي هو من يكون مستغنياً في ذاته وفعله عن غيره، فلو استغثنا بأحد باعتقاد أنّه يقضي حاجاتنا ويُلبي مطالبنا بالاستقلال ومن عند نفسه فقد وصفناه بالربوبيّة أوّلاً، وزعمنا أنّه قائم بالفعل على النمط الذي يقوم به اللّه ثانياً، وكأنّا أضفينا عليه صفة القيومية.


(1)البقرة: 21.

(2)الاَنعام : 102.

(3)البقرة: 255، آل عمران : 2.

(4)طه: 111.

(135)

هذه هي ملاكات العبادة وهذا مفهومها في ضوء آيات القرآن الكريم فالعبادة هو الخضوع والتذلّل أمام أحدٌ ـ غير اللّه ـ أو طلب شيء منه باعتقاد أنّه إله أو ربّ أو مستقلّ في تنفيذ الحاجة، وهي صفات تختصّ باللّه، ولا شكّ انّ خضوعاً وطلباً كهذا يكون عبادة، وعملاً متَّسمـاً بالشرك، لاَنّه صيّـر المخلوق مساوياً للّه سبحانه في مجالي العقيدة والعمل، فأعطاه من الصفات ما ليس له وأعطاه من الخضوع والطلب ما يختص باللّه سبحانه.

وبذلك يتّضح أنّه لا يتّصف أيُّ عمل وفعل بالعبادة إلاّ إذا كان العامل معتقداً بأُلوهية مَن أتى بالعمل لاَجله أو بربوبيته.

وإن شئت قلت: إنّه لا يكون أيّ خضوعٍ لفظي أو عَمَلىٍّ متّسِماً بسمةِ العبادةِ إلاّ إذا كان الخاضعُ معتقداً بأنّ المخضوع له هو الاِله الكبير، أو الاِله الصغير (كما في الاَوثان والاَصنام حسب عقيدة المشركين) أو اعتقد بربوبيته وأنّه مدبّر الكون كلِّه أو بعضِهِ وبيده شوَون الاِنسان كلّه أو بعضِه ولا أقلّ بيده مغفرة الذنوب والشفاعة، والاِدخال في الجنّة والنار.

كما أنّه إذا طلب شيئاً من إنسان أو مَلَكٍ لا يعدّ طلبه وسوَاله واستغاثته عبادة للمسوَول إلاّ إذا اعتقد أنّه يضرّ وينفع، وينقض ويبرم باستقلاله من دون استئذان من اللّه سبحانه، على وجه فُوّض إليه شأن ذلك العمل.

وأمّا إذا خلا الخضوع والسوَال من هذه العناصر ولم يكن المخضوع له عند الخاضع إلهاً أو رباً، ولا المسوَول قائماً بشيء من عند نفسه، بل كانا في نظره وعقيدته من عباد اللّه الصالحين، يُرجى استجابة دعائهما وقضاء حاجته


(136)

في ظل طلبهما، فلا يكون الخضوع والسوَال إلاّ عملاً عادياً، له من الحكم ما لسائر الموضوعات من الاَحكام.

نعم ليست هناك ملازمة بين عدم اتّصاف العمل بالشرك وبين كونه عملاً مباحاً جائزاً في الشرع وإنّما يُطلب حكمه من الجواز والحرمة، من سائر الاَدلّة أي لا أنّه حرام بدليل كونه شركاً، وإنّما يكون حراماً أو مباحاً بدليل آخر.

ولاَجل ذلك ركزنا في هذا البحث على نفي صفة الشرك لا على الجواز، وإنّما يُستفاد جوازه وحرمته من عرضه على الكتاب والسنّة.

ما يترتّب على هذا الاَصل:

بعد أن عرفت في دراسة قرآنية أنّ مقوِّم العبادة عبارة عن اعتقاد السائل أو الخاضع أو الداعي أو المنادي بأنّ المسوَول والمخضوع له والمدعوّ «إله» أو «ربٌ» يملك شيئاً ممّا يرجع إليه في عاجله وآجله ومسيره ومصيره، أو أنّه يقوم بما يطلبه على نحو الاَصالة والاستقلال، وعرفت أنّ الخضوع والدعوة لو تجرّدا عن هذا الاعتقاد لما اتّصفا بوصف العبادة وإن بلغا منتهاهما، كيف لا وقد خضعت الملائكة لآدم خضوعاً ليس فوقه خضوع ومع ذلك لم يكن عملهم عبادة لآدم، وخضع يعقوب وأولاده ليوسف خضوعاً لا مثيل له، ومع ذلك لم يكن فعلهم عبادة، وما ذلك إلاّ لخلو عملهم عن مقوم العبادة والشرط الجوهري فيه.

إذا عرفت كلّ هذا يتضح في ضوء هذا الاَصل أنّ كثيراً من الاَعمال


(137)

التي يقوم بها أشياع الاَنبياء ومحبّوهم من الخضوع والتكريم والاحترام ليست عبادة لهم، وإن بلغت نهاية التذلل والخضوع، بل هي تنطلق من مبادىَ أُخرى كالحب والودّ والتعزير والتكريم وهذه الاَفعال هي:

1ـ تقبيل الاَضرحة وأبواب المشاهد التي تضم أجساد الاَنبياء والاَولياء، وما يرتبط بها، فإنّ ذلك ليس عبادة لصاحب القبر والمشهد لفقدان عنصر العبادة في ما يفعله الاِنسان من التقبيل واللمس ، وما شابه ذلك.

2ـ إقامة الصلاة عند المشاهد تبرّكاً بالموضع الذي تضمّن جسد النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - أو الاِمام - عليه السّلام- كما نتبرك بالصلاة عند مقام إبراهيم اتّباعاً لقوله تعالى: (واتّخِذُواْ مِنْ مَقام إِبْراهيمَ مُصَـلَّـى)(1)

3ـ التوسّل بالنبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - سواء كان توسلاً بشخصه وذاته أو بمقامه وشخصيته أو بدعائه، فإن كل ذلك لا يكون إلاّ من باب التوسّل بالاَسباب، لا أنّه عبادة للنبيّ لعدم توفر العنصر المقوّم لمفهوم العبادة في هذه التوسّلات، فإنّ النداء والدعاء إنّما يكون متّسماً بصفة العبادة إذا اعتقد المتوسّل بأنّ المتوسَّل به مالك لشيء، أو فاعل بالاستقلال أو مُفوّض إليه أمورُ اللّه سبحانه بعضها أو كلها، أمّا إذا كان النداء أو الدعاء خالياً عن هذا الاعتقاد، أي لم يعتقد المنادي والداعي أنّه إله أو ربٌ أو مستقلٌ في التأثير بل هو عبد صالح أكرمه اللّه تعالى كان التوسّل به من قبيل التوسّل بالاَسباب، أمّا كونّه مفيداً أو غير مفيد فهو خارج عن مجال البحث.


(1)البقرة: 125، ولا يصحّ أن يبرّر ذلك بالاَمر الاِلهي لما سبق منا من ردّ هذا التبرير.

(138)

4ـ إنّ طلب الشفاعة من الاَنبياء والنبيّ الاَكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - ليس شركاً لاَنّه إمّا أن يكون مأذوناً في الشفاعة فيشفع وإمّا أن لا يكون كذلك فيكون التوسّل لغواً.

إنّ طلب الشفاعة من النبيّ الاَكرم ليس إلاّ طلب الدعاء ولا أظنّ أن يعدّ أحد طلب الدعاء شركاً سواء كان المدعو حيّاً أو ميّتاً.

وهذا هو أمير الموَمنين يطلب الشفاعة من النبيّ الاَكرم عندما فرغ من تغسيله، وقال: «بأبي أنت وأُمي طبتَ حيّاً وميّتاً ... أُذكرنا عند ربّك» (1)

وهذا أبو بكر لمّا توفي رسول اللّه كشف عن وجهه وقبّله وقال: «بأبي أنت وأُمي طبتَ حيّاً وميّتاً أُذكرنا عند ربّك» (2)

وهذا هو عمر بن عبد العزيز يطلب الشفاعة من أحد ذراري رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

دخل عبد اللّه بن حسن على عمر بن عبد العزيز وهو حديث السن وله وفرة فرفع مجلسه وأقبل عليه وقضى حوائجه، ثمّ أخذ عكنة من عكَنهِ فغمزها حتى أوجَعَه، وقال له: أُذكرها عندك للشفاعة فلما خرج لامه أهله وقالوا: فعلتَ هذا بغلام حديث السنّ!

فقال: إنّ الثقة حدّثني حتّى كأني أسمعه مِن فِـي رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قال: «إنما فاطمة بضعة منّي يسرني ما يسرّها» وأنا أعلم أنّ فاطمة لو كانت حيّة


(1)نهج البلاغة، الخطبة: 230.

(2)كشف الارتياب: 65.

(139)

لسرَّها ما فعلت بابنها.

قالوا: فما معنى غمزك بطنه وقولك ما قلت؟

قال: إنّه ليس أحد من بني هاشم إلاّ وله شفاعة فرجوت أن أكون في شفاعة هذا (1).

والاستدلال على كون طلب الشفاعة شركاً بقوله سبحانه: (وَيعبدون من دون اللّهِ ما لا يضرّهم ولا يَنفعهم ويقولون هوَلاء شفعاوَنا عند اللّه) (2) ساقط جداً لاَنّهم كانوا يطلبون الشفاعة ممّن يعتقدون بأُلوهيتهم، وكونهم مالكين لها وأنّه سبحانه فوّضَ إليهم أمرَ الشفاعة فيكون مثل هذا الطلب عبادة.

وأمّا المسلمون فإنّما يطلبون الشفاعة من أُناس يعتقدون بأنّهم عباد صالحون لا يعصون اللّه في أمره، وبذلك تعرف سقوط كثير من استدلالاتهم على تحريم طلب الشفاعة من النبيّ الاَكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

5ـ الاستغاثة بالاَرواح المقدّسة ليس إلاّ كالاستغاثة بهم في حياتهم، وقد استغاث شيعة موسى به قال تعالى:

(فَاسْتَغثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَـى الَّذِي مِن عَدُوّهِ) (3)

فلو استغاث أحد في حال مماته بالنبيّ كانت استغاثته كالاستغاثة


(1)الاَغاني لاَبي فرج الاصفهاني ج9 : 263.

(2)يونس: 18.

(3)القصص: 15.

(140)

به - صلّى الله عليه وآله وسلم - حال حياته، فتفسير الاَُولى ووصفها بالتعلّق بالاَسباب والثانية بعبادة المستغاث به، تفسير لا أساس له من الصحّة، إذ لايعقل أن يوصف شيءٌ واحدٌ متّحدٌ في جميع الخصوصيات إلاّ في كون المسوَول في صورةٍ حيّاً، وفي صورة أُخرى ميّتاً، بأنّه عبادة في الثانية غير عبادة في الاَُولى.

وستعرف في ما يأتي أنَّ مماتهم بعد خروج الروح من أبدانهم ليس بمعنى فنائهم وانعدامهم.

6ـ الاستعانة بهم في مشاهدهم ومزاراتهم أو خارجها نظير الاستغاثة حرفاً بحرف.

ولا ينافي جواز الاستغاثة والاستعانة بهم انحصار الاستعانة باللّه تعالى المنصوص عليه في قوله تعالى: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعينُ) فإنّ المنحصر في اللّه تعالى هو الاستعانة بالمعونة المستقلّة النابعة من ذات المُستعان به، غير المتوقفة على شيء فهذا هو المنحصر في اللّه تعالى، وأمّا الاستعانة بالاِنسان الذي لايقوم بشيء إلاّ بحول اللّه وقوّته، وإذنه ومشيئته، فهو غير منحصر باللّه سبحانه، بل إنّ الحياة قائمة على هذا الاَساس فإنّ الحياة البشرية مليئة بالاستعانة بالاَسباب التي توَثر وتعمل بإذن اللّه تعالى.

ولاِيقاف القارىَ على هذه الحقيقة، نلفت نظره إلى آيات تحصر جملةً من الاَفعال الكونية في اللّه تارة مع أنّه تُنسب نفس الاَفعال في آيات أُخرى إلى غير اللّه أيضاً ، وما هذا إلاّ لاَنّه لا تنافي بين النسبتين لاختلاف نوعيّتهما فهي محصورةٌ في اللّهِ سبحانه مع قيد الاستقلال، ومع ذلك تُنسب إلى غير اللّه مع قيد التبعيّة والعرضيّة.


(141)

الآيات الناسبة للظواهر الكونية إلى اللّه وإلى غيره:

1ـ يقول سبحانه: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين) (1)

بينما يقول سبحانه فيه (أي في العسل): (شِفاءٌ لِلنَّاسِ) (2)

2ـ يقول سبحانه : (إنَّ اللّهَ هُوَ الرَّزّاقُ) (3)بينما يقول: (وَارْزُقُوهُمْ فِيها) ) (4)

3ـ يقول سبحانه: (أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارعُونَ) (5) بينما يقول سبحانه: (يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ) (6)

4ـ يقول تعالى: (وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ) (7)بينما يقول سبحانه: (بَلى وَرُسُلُنَا لَدَيْـهِمْ يَكْتُبُونَ) (8)

5ـ يقول تعالى: (ثُمَ اسْتَوى عَلَـى العَرْشِ يُدَبّر الاَمْرَ) (9)بينما يقول سبحانه: (فَالمدَبِّراتِ أمْراً) (10)


(1)الشعراء: 80.

(2)النحل: 69.

(3)الذاريات: 58.

(4)النساء: 5.

(5)الواقعة: 64.

(6)الفتح: 29.

(7)النساء: 81.

(8)الزخرف: 80.

(9) يونس: 3.

(10) النازعات: 5.

(142)

6ـ يقول سبحانه: (اللّهُ يَتَوفّى الاَنْفُسُ حينَ مَوْتها) (1) بينما يقول: (الِّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الملائِكَةُ طَيِّبينَ(2)).

إلى غير ذلك من الآيات التي تنسبُ الظواهر الكونية تارةً إلى اللّه، وتارةً إلى غيره تعالى.

والحلّ هو: أن يُقال أنّ المحصور على اللّه تعالى هو انتساب هذه الاَُمور على نحو الاستقلال، وأمّا المنسوب إلى غيره فهو على نحو التبعية، وبإذنه تعالى، ولا تعارض بين الانتسابين، ولا بين الاعتقاد بكليهما.

فمن اعتقد بأنّ هذه الظواهر الكونية مُستندة إلى غير اللّه على وجه التبعية لا الاستقلال لم يكن مُخطئاً ولا مشركاً وكذا من استعان بالنبيّ أو الاِمام، على هذا الوجه.

هذا مضافاً إلى أنّه تعالى الذي يعلمنا أن نستعين به فنقول: (إيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) يحثنا في آية أُخرى على الاستعانة بالصبر والصلاة فيقول: (واستعينوا بالصبر والصلاة) (3)

7ـ الحلف بكتاب اللّه وسنَّة نبيه، ونبيه وأوليائه، هو الآخر ليس عبادة ولا شركاً، إذ لو كان الحلف بغير اللّه شركاً ولو صغيراً لاستلزم نسبة ارتكاب الشرك إلى اللّه حيث قد حلف بغير ذاته من الموجودات المادية العظيمة (4).


(1)الزمر: 42.

(2)النحل: 32.

(3)البقرة: 45.

(4)مثل الحلف بالشمس والقمر والتين والزيتون والبلد الاَمين والضحى والليل وما شابه ذلك (ممّا في الجزء الثلاثين من القرآن الكريم).

(143)

وإذا كانت ماهية الحلف بغير اللّه ماهية شركية لا يفرق بينه وبين عباده: قال سبحانه: (قُلْ إنّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَـى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (1)

إنّ الحلف بتلك الاَُمور العظيمة يتضمّن أمرين:

الاَوّل: الدعوة إلى الدقة والتدبّر فيها، وفي صنعها.

الثاني: الاشارة إلى قداسة المقسَم به وكرامته، كما حلف اللّه سبحانه بحياة النبي إذ قال: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) (2)

نعم ثمت روايات نهت عن الحلف بغير اللّه ولقد استدل بها هذا الفريق، ولكن يجب النظر في الاَحاديث الناهية عن الحلف بغير اللّه والتحقيق في مفاداتها وملابساتها، والاجتهاد في فهمها ودراستها.

فما جاء في بعض الروايات من أنَّ رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - سمع عمر يقول: وأبي.

فقال: «إنّ اللّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ومن كان حالفاً فليحلف باللّه أو يسكت» (3).

فإنّ وجه نهي النبيّ عن الحلف بالآباء هو أنّ آباءهم في الغالب كانوا مشركين وعَبَدَةَ الاَصنام فلم تكن لهم حُرْمة ولا كرامة حتّى يَحلِفَ أحدٌ بهم،


(1)الاَعراف: 28.

(2)الحجر: 72.

(3)سنن ابن ماجة 1: 277.

(144)

ولهذا نهى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن الحلف بهم.

ويوَيد هذا مجيء ذكر الآباء إلى جانب الطواغيت في قوله: «وَلاَ تَحْلِفُوا بِاَبَائِكُمْ وَلاَ بالاَُمَّهاتِ وَلا بالاَنْدادِ» (1)

وقوله: «لاَ تَحْلِفوا بِآبائِكُمْ وَلاَ بِالطَّواغِيتِ» (2)

8ـ إحلاف اللّه سبحانه بحقّهم، وقد زعم ابن تيمية حُرمة هذا العمل، ورآه من تبعه شركاً.

وقد استدل أحد كُتّابهم على أنّه شرك يقول:

إنّ الاِقسام على اللّه بمخلوقاته أمرٌ خطيرٌ قريب إلى الشرك إن لم يكن هو ذاته، فالاِقسام على اللّه بمحمّد (وهو مخلوقٌ بل وأشرفُ المخلوقين) لايجوز، لاَنّ الحلف بمخلوقٍ حرام، وإنّه شرك لاَنّه حلِفٌ بغير اللّه، فالحلف على اللّه بمخلوقاته من باب أولى، أي جَعَلنا المخلوق بمرتبة الخالق والخالق بمرتبة المخلوق، لاَنّ المحلوف به أعظم من المحلوف عليه، ولذلك كان الحلف بالشيء دليلاً على عظمته، وأنّه أعظم شيء عنده من المحلوف عليه(3)

إنّ كلام هذا الكاتب يشتمل على أمرين:

1ـ إنَّ الحلف بغير اللّه شرك.


(1)سنن النسائي 7: 9.

(2) المصدر نفسه 7: 7.

(3)التوصّل إلى حقيقة التوسّل: 217 ـ 218.

(145)

2ـ إنَّ المحلوف به يجب أن يكون أعظم من المحلُوف عليه فلازم الحلف بالمخلوق على اللّه كونه أعظم من اللّه.

وقد تبيّـن فيما مضى بطلان الاَوّل (1)

وأمّا الثاني فإنّ لازم الحلف بشيء على اللّه هو أن يكون المحلوف به مُحترماً عند اللّه ومقبول الشفاعة والدعاء عنده لا كونَه أعظم من المحلوف عليه (2) والكاتب المذكور لم يفرّق بين كونه أكرم عند اللّه وبين كونه أعظم من اللّه.

ثمّ انّه كيف يقول: إنّ الحلف على اللّه بمخلوقه شرك وقد ورد في الصحاح والمسانيد النصّ على جوازه، وإليك طائفة من الروايات في هذا المجال:

أ ـ ما رواه أبو سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «من خَرَج رجلٌ من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك وحقّ ممشاي ...» (3)

ب ـ ما رواه البيهقي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «لمّا اقترف آدم الخطيئة قال: يا ربّ أسألك بحقّ محمّد إلاّ ما غفرت لي...»(4).


(1)راجع المقطع السابق (أي المرقم برقم 7) ص140.

(2)نعم فيما إذا حلف المنكر باللّه في فصل الخصومات يكون المحلوف به (اللّه) أعظم من المحلوف عليه أي المدعى لكنّه من خصوصيات المورد وليس قاعدة كليّة.

(3) سنن ابن ماجة 1: 256، الحديث : 778.

(4) مستدرك الصحيحين 2: 615 ، والدر المنثور 1:59.

(146)

ج ـ روى الطبراني بسنده عن أنس بن مالك (رض) أنّه لما ماتت فاطمةُ بنت أسدٍ أُمّ عليّ (رض) دَخَل عليها رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - ، فجلس عند رأسها فقال: «رَحمَكِ اللّهُ يا أُمّي، كنتِ أُمّي بعد أُمّي، تجوعين وتُشبعينَني، وتَعرين وتُكسِينَني، وتَمنعين نفساً طيباً وتُطعِمينَني، تريدينَ بذلك وجهَ اللّهُ والدارَ الآخرةِ» .

ثمّ أمرَ أن تُغسَّلَ ثلاثاً، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - بيده ثمّ خلع رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قميصه فألبسها إيّاه وكفَّنها ببرد فوقها، ثمّ دعا رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - أُسامةَ بن زيد وأبا أيّوب الاَنصاري وعمر بن الخطاب، وغلاماً أسوداً يحفُرون، فحفَروا قبرها فلما بلغوا اللحد، حفرهُ رسولُ اللّه بيده، وأخرج ترابه بيده، فلمّـا فرغ دخلَ رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - فاضطجعَ فيه وقال - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «اللّه الذي يُحيي ويُميتُ وهُوَ حيٌّ لا يَموتُ. إغْفرِ لاَُمّي فاطمة بنت أسد ولقّنها حُجَّتَها، ووسّع عليها مدْخلها بحقّ نبيّك والاَنبياء الذين من قبلي فإنّك أرحمُ الراحمين» وكبّـرَ عليها أربعاً وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر(1).

إلى غير ذلك من الاَحاديث الصحيحة التي تتكفّل جواز إحلافه سبحانه بحقّ أنبيائه صريحاً أو تضمّناً، وسيجيىَ عند البحث عن التعلّق بالاَسباب والوسائل، الذي هو أحد الاَُصول، بعضُ الروايات فلاحظ حديث ابن حنيف هناك.

وبما أنّ الموضوعين: إحلافه سبحانه بحقّ أنبيائه والتوسل بهم


(1)معجم الطبراني الاَوسط 356، حلية الاَولياء 3: 121 والمستدرك 3: 108.

(147)

متقاربان، قسّمنا ما يدل عليهما من الاَحاديث على البابين.

9ـ النذر للصالحين: والمقصود نذر الذبيحة للّه، وإهداء ثوابه للصالح من النبي وغيره، فقول القائل نذرت للنبي معناه: نذرتُ للّه أن أذبحَ شاةً، وأتصدّق بها، وأُهدي ثوابه للنبيّ.

فهناك «لامان»:

«لامٌ» يراد منها الغاية، يقول سبحانه حاكياً عن امرأة عمران: (رَبّ إِنّـي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْني مُحرّراً) (1)

و «لام» يُراد منها بيان وجه المصرف كما في قوله سبحانه: (إِنَّما الصَّدَقاتُ لِلفُقَراءِ والمساكِين)(2)

والذي يصف هذه الاَعمال بالشرك لم يفرّق بين اللامين، وإنّما نظر إلى صورة القضية دون واقعها، وسنوضّح حال هذه الفعال في أصلٍ آخر وهو «لزوم النظر إلى النيّات والضمائر، لا الصور والظواهر» .

فلو أراد الناذرُ من قوله: «نذرت للنبيّ» التقرّبَ منه، يكون فعله شركاً.

وأمّا إذا أراد كونه محلاً لاِهداء ثوابه فهو نفس التوحيد، وهذا مثل قول الوالد، لعقيقة ولده: هذا لولدي.

فإذا اتّضح كلّ هذا ، هل يجوز تكفير المسلمين الموحّدين المعتقدين


(1)آل عمران: 35.

(2)التوبة : 60.

(148)

بعبودية النبيّ والاَئمّة والصالحين وأنّهم لا يملكون شيئاً من شوَون تدبير الاِنسان في حياته ومصيره، وأنّهم لا يستقلّون بشيء، بأنّهم مشركون، يعبدون غير اللّه في توسّلاتهم ونذورهم، وحلفهم، وتقبيلهم لاَضرحة الاَنبياء والاَئمّة ...و ...و... لمجرّد مشابهة أعمالهم لاَعمال المشركين، مع اختلاف جوهر عَمَل المشركين عن جوهر عمل المسلمين، ومع عدم توفّر مقوّم العبادة في عمل المسلمين؟!!

وهل ترى يصح أن يجري العلماء وراء عقيدة موروثة من ابن تيميّة وتلميذ منهجه محمّد بن عبد الوهاب وهما لا يعدوان عن كونهما بشرين يخطئان ويصيبان كسائر البشر؟!

أفلا يقتضي هذا أن يُعيد العلماء النظر في ما قالاه وتركاه من أفكار، ممّا خرقا به إجماع الاَُمّة وسيرة السلف ونهج العقلاء، بل وخالفا فيه الكتاب والسنّة؟!

هذا مع أنّ الذكر الحكيم قد وضع ميزاناً واضحاً لتمييز الشرك عن غير الشرك، والمشرك عن غير المشرك، فقال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذا قيلَ لَهُمْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُونَ x وَيَقُولُونَ أَئِنّا لَتاركُوا ءَالِهَتِنَا لِشاعِرٍ مَجنُونٍ) (1)

وقال: (وَإِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُوَمِنُونَ بالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (2)

وقال: (ذَلِكُمْ بأَنَّهُ إِذا دُعِـيَ اللّهُ وَحْدهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْـرَكْ بِهِ تُوَمِنُوا)


(1)الصافات 35ـ 36.

(2)الزمر: 45.

(149)

فَالْحُكْمُ للّهِ الْعَلي الكبير)(1)

فهل باللّه يستكبر المتوسّلون بالنبيّ والاَئمّة - عليهم السلام - إذا قيل لهم: «لا إله إلاّ اللّه»، ويقولون: «إنّا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون» ؟!

وهل إذا ذُكِرَ اللّه اشمأزت قلوبهم وإذا ذكر الذين من دونه يستبشرون؟!

وهل إذا دُعي اللّه وحده كفروا وإن يُشرك به يوَمنون؟!

قليلاً من الورع والاِنصاف أيّها الاِخوة.

***


(1)غافر: 12.

Website Security Test