welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : في ظل أُصول الاِسلام*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

في ظل أُصول الاِسلام

(91)

ما يترتب على هذا الاَصل:

إذا كان حبّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - وعترته الطاهرة وأصحابه المنتجبين أصلاً من أُصول الاِسلام فلابدّ أن يكون لهذا الحب أثر في الروح والجسم، وفي الاَعضاء والجوارح، ولا معنى لكبت النفس في هذا المجال وكتمان الحب وإخفائه، والاِصرار على أنّ حبّ النبيّ وآله وأصحابه أمر قلبي دون أن يكون له مظهر في السلوك والحياة الفردية والاجتماعية.

وعلى هذا يجوز للمسلم أن يقوم بكلّ ما يُعدّ مظهراً لحبّ النبيّ وعترته شريطة أن يكون عملاً حلالاً بالذات ولا يكون منكراً في الشريعة مبغوضاً في الكتاب والسنّة نظير:

1ـ تنظيم السنَّة النبويّة، وإعراب أحاديثها وطبعها ونشرها بالصور المختلفة، والاَساليب الحديثة، وفعل مثل هذا بالنسبة إلى أقوال أهل البيت وأحاديثهم .

2ـ نشر المقالات والكلمات، وتأليف الكتب المختصرة والمطوّلة حول حياة النبيّ وعترته وإنشاء القصائد بشتى اللغات والاَلسن، في حقهم، كما كان يفعله المسلمون الاَوائل.

فالاَدب العربي بعد ظهور الاِسلام يكشف عن أنّ إنشاء القصائد في مدح رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - كان ممّا يعبّـر به أصحابها عن حبهم لرسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

فهذا هو كعب بن زهير ينشىَ قصيدة مطوّلة في مدح رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم -


(92)

منطلقاً من إعجابه وحبه له - صلّى الله عليه وآله وسلم - فيقول في جملة ما يقول:

بانَت سُعادُ فقلبي اليومَ مَتبول * مُتيَّمٌ إثرَها لم يُفْد مَكبولُ
نُبِّئْتُ أنّ رسولَ اللّهِ أوْعَدَني * والعفوُ عند رَسول اللّهِ مَأمُولُ

ويقول:

مَهلاً هداكَ الذي أعطاكَ نا * فِلَة القُرآن فيها مواعيظٌ وتَفْصِيلُ
إنَّ الرسول لنَور يُستضاء به * مهنّد من سيوف اللّه مسلول (1)

وقد ألقى هذه القصيدة في حضرة رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - وأصحابه ولم ينكر عليه رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

وهذا هو حسّان بن ثابت الاَنصاري يرثي النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - ، ويذكر فيه مدائحه، ويقول:



1 . السيرة النبوية لابن هشام 2: 513.

(93)

بِطيبة رسمٌ لِلرسول ومعهَدُ * مُنير وقد تعفو الرسومُ وتحمَدُ

إلى أن قال:

يدلُّ على الرحمانِ مَن يقتدي به * وينقِذُ مِن هولِ الخَزايا ويرشِدُ
إمامٌ لهمْ يهديهمُ الحقَ جاهداً * مُعلمُ صدقٍ إن يطيعوه يسعُدوا (1)

وهذا هو عبد اللّه بن رواحة ينشىَ أبياتاً في هذا السياق فيقول فيها:

خَلُّوا بَني الكفار عن سَبيله * خَلُّوا فَكلُ الخَير في رَسُوله
يا ربِ إنّـي موَمنٌ بِقيله * أعرفُ حقّ اللّهِ في قَبولِه (2)

هذه نماذج ممّا أنشأه الشعراء المعاصرون لعهد الرسالة في النبيّ الاَكرم ونكتفي بها لدلالتها على ما ذكرنا.



1 . السيرة النبوية لابن هشام 2: 666.
2 .المصدر نفسه 2: 371.

(94)

ولو قام باحث بجمع ما قيل من الاَشعار والقصائد حول النبيّ الاَكرم لاحتاج في تأليفه إلى عشرات المجلدات.

فإنّ مدحَ النبي كان الشغلَ الشاغلَ للمخلصين والموَمنين منذ أن لبى الرسول دعوة ربّه ولا أظن أنّ أحداً عاش في هذه البسيطة نال من المدح بمقدار ما ناله الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلم - من المدح بمختلف الاَساليب والنظم.

وهناك شعراء مخلصون أفرغوا فضائل النبي ومناقبه في قصائد رائعة وخالدة مستلهمين ما جاء في الذكر الحكيم والسنّة المطهرة في هذا المجال فشكر اللّه مساعيهم الحميدة وجهودهم المخلصة.

3ـ تقبيل كلّ ما يمتّ إلى النبيّ بصلة كباب داره وضريحه وأستار قبره انطلاقاً من مبدأ الحب الذي عرفت أدلته .

وهذا أمر طبيعي وفطري فبما أنّ الاِنسان الموَمن لا يتمكن بعد رحلة النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - من تقبيل الرسول (1) - صلّى الله عليه وآله وسلم - يقبّل ما يتصل به بنوع من الاتصال، وهو كما أسلفنا أمر طبيعي في حياة البشر حيث يلثمون ما يرتبط بحبيبهم ويقصدون بذلك نفسه. فهذا هو المجنون العامري كان يقبّل جدار بيت ليلى ويصرّح بأنّه لا يقبّل الجدار بل يقصد تقبيل صاحب الجدار، يقول:

أَمُرُّ على الديارِ ديار ليلى * أُقَبّلُ ذا الجدار وذا الجدارا
فما حبُّ الديارِ شَغفنَ قَلبي * ولكنْ حبّ مَن سَكَن الديارا



1 . ولقد ورد في الحديث والتاريخ انّ الاِمام علياً، وأبا بكر قبّلا وجه رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - بعد موته وقالا: فداك أبي وأُمي طبت حيّاً وميّتاً اذكرني عند ربّك (راجع نهج البلاغة وخلاصة الكلام).

(95)

4ـ إقامة الاحتفالات في مواليدهم وإلقاء الخطب والقصائد في مدحهم وذكر جهودهم ودرجاتهم في الكتاب والسنّة شريطة أن لا تَقْتَرِن تلك الاحتفالات بالمنهيات والمحرّمات.

ومن دعا إلى الاحتفال بمولد النبيّ في أيّ قرن من القرون فقد انطلق من هذا المبدأ، أيّ حبّ النبي الذي أمر به القرآن والسنّة بهذا العمل.

هذا هو موَلف تاريخ الخميس يقول في هذا الصدد: لا يزال أهل الاِسلام يحتفلون بشهر مولده ويعملون الولائم ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويُظهرون السرور، ويزيدون في المبرات ويعتنون بقراءة مولده الشريف ويظهر عليهم من كراماته كلُ فضلٍ عظيمٍ (1)

وقال القسطلاني: ولا زال أهلُ الاِسلام يحتفلون بشهر مولده - عليه السلام - يعملون الولائم ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات ويُظهرون السرور ويزيدون المبرات ويعتنون بقراءة مولده الكريم ويظهر عليهم من بركاته كلّ فضل عميم ... فرحم اللّه امرىَ اتّخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً ليكون أشد علّة على من في قلبه مرض وأعياه داء (2)

5ـ تشييد مراقدهم، وتعمير قبورهم، وتنظيم باحاتها، وتنظيف ساحاتها والمحافظة على آثارهم، وحفظ معالمها وبالتالي العناية بكل ما يتصل بهم بل حتى الاحتفاظ والاهتمام بما صلّوا فيه من ألبسة أو شربوا منه الماء من أوان أو استخدموه من إشياء كلّ ذلك انطلاقاً طبيعياً من الحب



1 . تاريخ الخميس 1: 323 للديار بكري.
2 . المواهب اللدنية 1: 27.

(96)

الكامن في النفوس والود المتمكّن في القلوب.

وقد كانت هذه الممارسات الناشئة من المحبّة والموّدة لا تزال أمراً عالمياً يشترك فيه جميع الناس في جميع المجتمعات البشرية، حيث يهتم الاَخلاف بقبور الاَسلاف وآثارهم ويقومون بإصلاحها وتجديدها واحترامها وهو أمر سار عليه المسلمون الاَُول، وجروا عليه في مجال احترام مراقد النبيّ الاَكرم وعترته الطاهرة والسلف الصالح من أصحابه الطيبين.

الآثار الاِسلامية ولزوم صيانتها:

إنّ هذه الآثار التاريخية هي في الحقيقة معالم الاَصالة الاِسلامية وهي إلى جانب ما تركه رسول الاِسلام من تراث ثقافي عظيم، تدل على واقعية الرسالة المحمّدية المباركة وتجذّرها في التاريخ.

ومن هنا تسعى الاَُمم المتحضرة المعتزة والمهتمة بماضيها وتاريخها بما فيه من شخصيات ومواقف وأفكار، إلى الاِبقاء على كلِّ أثرٍ تاريخيٍ يبقى من ذلك الماضي لتدلّل به على واقعية ماضيها، وتُبقي على أمجادها وأشخاصها في القلوب والاَذهان.

ولا شكّ أنّ لهدم الآثار والمعالم التاريخية الاِسلامية وخاصّة في مهد الاِسلام: مكّة، ومهجر النبي الاَكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - : المدينة المنورة ، نتائج وآثار سيئة على الاَجيال اللاحقة التي سوف لا تجد أثراً لوقائع التاريخ الاِسلامي وربّما تنتهي بالمآل إلى الاعتقاد بأنّ الاِسلام قضية مُفتعلة، وفكرة مُبتدعة ليس لها أيّ أساس واقعي، تماماً كما أصبحت قضية السيد المسيح - عليه السلام - في نظر


(97)

الغرب، الذي بات جُلُ أهله يعتقدون بأنّ المسيح ليس إلاّ قضية أُسطورية حاكتها أيدي البابوات والقساوسة، لعدم وجود آية آثار ملموسة تدلّ على أصالة هذه القضية ووجودها التاريخي.

فالواجب على المسلمين أن يكوّنوا لجنة من العلماء من ذوي الاختصاص للمحافظة على الآثار الاِسلامية وخاصّة النبويّة منها، وآثار أهل بيته والعناية بها وصيانتها من الاندثار، أو عمليات الاِزالة والمحو لما في هذه العناية والصيانة من تكريم لاَمجاد الاِسلام وحفظ لذكرياتها في القلوب والعقول وإثبات لاَصالة هذا الدين، إلى جانب ما في أيدي المسلمين من تراث ثقافي وفكري عظيم.

وليس في هذا العمل أي محذور شرعي فحسب، بل هو أمر محبّذ كما عرفت، بل هو أمر وافق عليه المسلمون الاَوائل.

فهذا هو السلف الصالح قد وقفوا ـ بعد ما فتحوا الشام ـ على قبور الاَنبياء ذات البناء الشامخ... فتركوها على حالها من دون أن يخطر ببال أحدهم وعلى رأسهم عمر بن الخطاب بأنّ البناء على القبور أمرٌ محرَّمٌ فيجب أن يهدم، وهكذا الحال في سائر القبور المشيَّد عليها الاَبنية في أطراف العالم وإن كنت في ريب من هذا فاقرأ تواريخهم وإليك نص ما جاء في دائرة المعارف الاِسلامية:

إنَّ المسلمين عند فتحهم فلسطين وجدوا جماعةً في قبيلة «لخم» النصرانية يقومون على حرم إبراهيم بـ «حبرون» ولعلَّهم استغلّوا ذلك ففرضوا اتاوة على حجّاج هذا الحرم ... وربّما يكون توصيف تميم الداري أن


(98)

يكون نسبة إلى الدار أي الحرم، وربّما كان دخول هوَلاء اللخميين في الاِسلام، لاَنّه قد مكَّنهم من القيام على حرم إبراهيم الذي قدَّسه المسلمون تقديس اليهود والنصارى من قبلهم(1)

وجاء في دائرة المعارف الاِسلامية في مادة «الخليل» أيضاً: ويقول المقدسي وهو أوّل من أسهب في وصف الخليل: أنّ قبر إبراهيم كانت تعلوه قُبَّة بُنيت في العهد الاِسلامي.

ويقول مُجير الدين: أنّها شُيّدت في عهد الاَُمويين وكان قبر إسحاق مغطى بعضُه، وقبر يعقوب قباله، وكان المقدسي أوّل من ذكر تلك الهبات الثمينة التي قدَّمها الاَُمراء الورعون من أقاصي البلاد إلى هذا الضريح وذلك الاستقبال الكريم الذي يلقاه الحجاج من جانب التميميين (2)

ولو قام باحث بوصف الاَبنية الشاهقة التي كانت مشيَّدة على قبور الاَنبياءوالصالحين قبل ظهور الاِسلام وما بناه المسلمون في عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يومنا هذا في مختلف البلدان، لجاء بكتاب فخمٍ ضخمٍ، يكشف عن أنّ السيرة الرائجة في تلك الاَعصار قبل الاِسلام وبعده من عصر الرسول والصحابة والتابعين لهم إلى يومنا هذا، كانت هي العناية بحفظ آثار رجال الدين الكاشفة عن مشروعية البناءعلى القبور، وإنّه لم ينبس أيُّ شخص في رفض ذلك ببنت شفة ولم يعترض عليها أحد بل تلقّاها الجميع بالقبول والرضا إظهاراً للمحبة وودّاً لاَصحاب الرسالات والنبوّات



1 . دائرة المعارف الاِسلامية 5: 484 مادة تميم الداري.
2 . المصدر نفسه: 8: 420، مادة خليل.

(99)

وأصحاب العلم والفضل، ومن خالف تلك السنَّة وعدّها شركاً أو أمراً محرّماً فقد اتَّبع غير سبيل الموَمنين قال سبحانه: (وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعدِ ما تَبَيَّـنَ لهُ الهُدى ويَتَّبِع غَيْـرَ سَبيلِ المُوَْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّـى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَت مَصيراً)) (1).

وقد وارى المسلمون جسد النبي الاَكرم في بيته المسقَّف ولم يزل المسلمون مذ ووري ذلك الجسد الطاهر، على العناية بحجرته الشريفة بشتى الاَساليب وقد بنى عمر بن الخطاب حول حجرته داراً، وقد جاء تفصيل كلِّ ذلك مع ذكر وصف الاَبنية التي توالت عليها عبر القرون في الكتب المتعلّقةبتاريح المدينة لا سيَّما «وفاء الوفاء» للعلاّمة السمهودي (المتوفى عام911)(2)

والبناءُ إلاّ القبر الذي شُيّد عام 1270 قائم لم يمسُّه سوءٌ، وسوف يبقى بفضل اللّه تبارك وتعالى محفوظاً عن الاهتراء، مصوناً من الاندثار.

وأمّا المشاهد والقباب المبنية في البقيع في العصور الاَُولى فحدّث عنها ولا حرج ولا سيما في بقيع الغرقد ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتب التاريخ وأخبار المدينة.

هذا هو المسعودي (المتوفى عام 345) يقول: «وعلى قبورهم في هذا الموضع من البقيع رخامة مكتوب عليها بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه مُبيد الاَُمم ومُحيي الرمم هذا قبر فاطمة بنت رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - سيدة نساء



1 . النساء: 115.
2 . وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى ج2 الفصل التاسع ص 458 إلى آخر الفصل.

(100)

العالمين وقبر الحسن بن علي بن أبي طالب وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ومحمد بن علي وجعفر بن محمد» (1)

وذكر السبط الجوزي (المتوفى عام 654) في «تذكرة الخواص» ص311 نظير ذلك.

وهذا هو محمّد بن أبي بكر التلمساني يصف المدينة الطيبة وبقيع الغرقد في القرن الرابع بقوله: وقبر الحسن بن علي عن يمينك إذا خرجت من الدرب ترتفع إليه قليلاً، عليه مكتوبٌ هذا قبر الحسن بن علي دُفن إلى جنب أُمّه فاطمة ـ رضي اللّه عنها وعنه ـ (2)

ويقول الحافظ محمد بن محمد بن النجار (المتوفى عام 643) في أخبار مدينة الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلم - : في قُبّة كبيرة عالية قديمة البناء في أوّل البقيع وعليها بابان يفتح أحدهما في كل يوم للزيارة رضي اللّه عنهم(3)

ويقول ابن جبير الرحّالة الطائر الصيت (المتوفى عام 614) في «رحلته» في وصف بقيع الغرقد: يقع في مقابل قبر مالك قبر السلالة الطاهرة إبراهيم ابن النبي عليها قُبَّة بيضاء وعلى اليمين منها تربة ابن عمر ابن الخطاب (رض) ... وبازائه قبر عقيل بن أبي طالب ـ رضي اللّه عنه ـ. وعبد اللّه بن جعفر الطيار (رض) وبإزائهم روضة فيها أزواج النبي - صلّى الله عليه وآله وسلم - وبإزائها روضة صغيرة فيها ثلاثة من أولاد النبي - صلّى الله عليه وآله وسلم - ويليها روضة العباس



1 . مروج الذهب ومعادن الجوهر 2: 288.
2 . مجلة العرب رقم 5 ـ 6، الموَرخ 1393.
3 .أخبار مدينة الرسول إهتم بنشره صالح محمد جمال طبع بمكة المكرمة 1366.

(101)

ابن عبد المطلب والحسن بن علي (رض) وهي قبة مرتفعة في الهواء على مقربة من باب البقيع المذكور، وعن يمين الخارج منه، ورأس الحسن إلى رجلي العباس ـ رضي اللّه عنهماـ وقبراهما مرتفعان عن الاَرض متَّسعان مغشَّيان بالواح ملصقة، أبدع إلصاق، مرصَّعة بصفائح الصفر، ومكوكبة بمسامير على أبدع صفة، وأجمل منظر وعلى هذا الشكل قبر إبراهيم بن النبي - صلّى الله عليه وآله وسلم - ويلي هذه القبة العباسية بيت يُنسب لفاطمة بنت الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلم - ويُعرف ببيت الحزن ... وفي آخر البقيع قبر عثمان الشهيد المظلوم ذي النورين (رض) وعليه قبة صغيرة مختصرة وعلى مقربة منه مشهد فاطمة ابنة أسد أُم علي رضي اللّه عنها وعن بنيها (1)

وروى البلاذري أنَّه لمّا ماتت زينب بنت جحش سنة عشرين صلّـى عليها «عمر» وكان دفنها يومٍ صائفٍ، ضرب «عمر» على قبرها فسطاطاً (2)

ولم يكن الهدف من ضربه ذلك الفسطاط تسهيل الاَمر لمن يتعاطى دفنها، بل لاَجل تسهيله لاَهلها حتى يتفيّأُوا بظلّه، ويقرأوا ما يتيسر من القرآن والدعاء، فلاحظ.

ويقول السمهودي في وصف بقيع الغرقد: قد ابتنى عليها مشاهد منها المشهد المنسوب لعقيل بن أبي طالب وأُمهات الموَمنين، تحوي العباس والحسن بن علي ... وعليهم قبةٌ شامخةٌ في الهواء قال ابن النجار ... وهي كبيرةٌ عاليةٌ قديمة البناء وعليها بابان، يفتح أحدهما في كل يوم.



1 . رحلة ابن جبير طبع بيروت دار صادر ، وقد زار ابن جبيرالمدينة المنورة عام 578.
2 . أنساب الاَشراف 1: 436.

(102)

وقال المطري: بناها الخليفة الناصر أحمد بن المستضيىَ ... وقبر العباس وقبر الحسن مرتفعان عن الاَرض متَّسعان مُغشّيان بألواح ملصقة أبدع إلصاق، مصفَّحة بصفائح الصفر مكوكبة بمسامير على أبدع صفة وأجمل منظر ... (1)

إلى غير ذلك من الموَرّخين والسيّاحيين الذين زاروا المدينة المنوَّرة، ووَصفُوا تلكم المزارات والمشاهد والعتبات المرتفعة، ونظر الكلُّ إليه بعين الرضا والمحبة، لا بعين السُخط والغضب.

ولكنها صارت اليوم أطلالاً مندرسة تلعب بها الرياح والعواصف وكأن شيئاً لم يكن، وكأنّها لا تتصل بالتاريخ الاِسلامي المجيد، والتراث الاِسلامي العظيم، ولا علاقة لها بالاِسلام والمسلمين !!

وفي الختام نذكر ما ذكره العلاّمة السيد محسن الاَمين في كتابه العقود الدرية يقول:

مَضَت القرونُ وذي القباب مَشِيدةٌ * والناسُ بَين مُوَسِّسٍ ومُجَدِّدِ
في كل عصرٍ فيه أهلُ الحَلِّ والــ * ـعَقْدِ الَّذِينَ بِقَبْرِهم لم يعقدِ
لم ينَكِرُوا أَبداً على من شادَها * شِيدَتْ ولا مِن مُنكر ومُفَنِّدِ
مِنْ قَبْلِ أن تَلِد ابنَها تَيْمِيّةٌ * أو يَخْلُقَ الوَهّابُ بعضُ الاَعبُدِ
أفأَي إجماعٍ لَكُمْ أقوى عَلى * أَمثالِهِ مِن موردٍ لم يُورَدِ



1 . وفاء الوفا 3: 916ـ 929.

(103)

فَبِسيرةٍ للمسلِمِين تَتَابَعَتْ * في كلّ عصر نستدلُ ونَقْتَدي
أَقوى من الاِجماعِ سِيْـرَتُهُمْ ومَن * قد حادَ عَنْها فَهُوَ غيرُ مُسَدَّدِ (1)

إجابة عن سوَال:

وهناك سوَال ربّما يتردد في الاَذهان وهو أنَّ ما ذكرَ من لزوم حبّ النبيّ وعترته وأصحابه أمر لا شكّ فيه وأنّ تجديد القبور واعمارها من مظاهر ذلك الودّ، ولكن هذه القاعدة إنّما تتَّبع إذا لم يدل دليل خاص على تحريم البناء،فهو بالنسبة إلى القاعدة كالخاص للعام فالمتَّبع في المقام هو الخاص دون العام وقد وردت روايات خاصة تأمر بهدم القبور المبنية، فما هو الجواب؟

الجواب :

إنّ هذا السوَال سوَال وجيه لابدّ من الاِجابة عليه ومعالجته ولهذا فإنّنا نطرحه على طاولة البحث هنا وندرس هذه الروايات سنداً ومتناً ودلالة حتّى تتّضح الحقيقة ويتبين الحقّ، فنقول:

لقد استدل القائلون بتحريم البناء على القبور والمراقد بأحاديث وروايات نأتي بها الواحد تلو الآخر:



1 . العقود الدرية : 10.

(104)

(الاَوّل) حديث أبي الهياج

روى مسلم في صحيحه عن وكيع، عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن أبي الهياج الاَسدي، قال: قال لي عليٌ بن أبي طالب: «ألا أبعثك على ما بَعَثني عليه رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - أن لا تَدَع تمثالاً إلاّ طمسته ولا قبراً مُشرفاً إلاّ سوَّيته» (1)

ولقد تمسّك المستدل بالجملة الاَخيرة وادّعى أنّ معناه: ولا قبراً عالياً إلاّ سوّيته بالاَرض.

والاستدلال بهذا الحديث باطل، لاَنّه ضعيف السند، قاصر الدلالة.

الحديث في دراسة سنديّة:

وأمّا السند فيكفي في ضعفه أنّ علماء الرجال ضعّفوا الرواة الاَربعة الواقعين في السند وهم:

1ـ وكيع.

2ـ سفيان الثوري.

3ـ حبيب بن أبي ثابت.

4ـ أبو وائل الاَسدي (2)



1 . صحيح مسلم ج3، كتاب الجنائز : 60 والسنن للترمذي ج2: 256 باب ما جاء في تسوية القبور.
2 . لاحظ تهذيب التهذيب للعسقلاني، الاَجزاء 3،4،11: 179،115،130،125.

(105)

كما ويكفي في ضعف الحديث أيضاً أنّه رواه أبو الهياج وليس له في الصحاح والمسانيد حديث غير هذا.

فكيف يستدلّ بسندٍ يشتمل على المضعَّفين الّذين لا يُحتجُّ بحديثهم كما ذكره ابن حجر في ترجمة هوَلاء الاَربعة.

وحتى يكون القارىَ على بصيرة من الاَمر ننقل نص أقوال العلماء في حقهم، واحداً واحدا:

1ـ وكيع:

هو وكيع بن الجراح بن مليح، الرواسي، الكوفي، روى عن عدَّةٍ منهم سفيان الثوري، وروى عنه جماعةٌ منهم يحيى بن يحيى. وهو مع ما مدحوه نقلوا فيه أيضاً قدحاً كثيراً.

قال فيه ابن حجر في تهذيب التهذيب: قال عبد اللّه بن أحمد عن أبيه (أحمد بن حنبل) قال سمعت أبي يقول: كان وكيع أحفظ من عبد الرحمان ابن مهدي كثيراً كثيراً، وقال في موضع آخر: ابن مهدي أكثر تصحيفاً من وكيع، ووكيع أكثر خطأ منه.

وقال في موضع آخر: أخطأ وكيع في خمسمائة حديث.

وقال ابن عماد قلتُ لوكيع: عدّوا عليك بالبصرة أربعة أحاديث غَلطت فيها؟ فقال: حدّثتهم بعبّادان بنحوٍ من ألفٍ وخمسمائة ، وأربعةٌ ليس بكثير في ألف وخمسمائة.


(106)

وقال علي بن المديني: كان وكيع يلحن ولو حدّث بألفاظه لكان عجباً.

وقال محمد بن نصر المروزي: كان يحدّث بآخره من حفظه فيغيّـر ألفاظ الحديث، كأنّه كان يحدّث بالمعنى، ولم يكن من أهل اللسان (1)

وقال الذهبي في ميزان الاعتدال بعدما مدحه:

قال ابن المديني: كان وكيع يلحن، ولو حدّث بألفاظه كان عجباً (2)

إذن فوكيع وصف بالخطأ والتصحيف، واللحن والنقل بالمعنى في رواية الاَحاديث، وهي أوصاف تقلّل من شأنه وشأن مرويّاته، واسوأ من ذلك استهانته بالخطأ كما لاحظت في عبارة ابن عماد، وكل هذا يجعل الرجل في دائرة الضعف، ويسقطه عن الوثاقة.

* * *

2ـ سفيان الثوري:

وهو سفيان بن سعيد بن مسروق، الثوري، الكوفي أكثروا المدح في حقّه، وقال الذهبي عنه: مع أنّه كان يدلّس عن الضعفاء، ولكن كان له نقد وذوق، ولا عبرة لقول من قال: يدلّس ويكتب عن الكذابين (3)



1 . تهذيب التهذيب : لابن حجر ج11: 123ـ131.
2 . ميزان الاعتدال: للذهبي 4: 336.
3 .المصدر نفسه 2: 169 برقم 3322.

(107)

وقال ابن حجر: قال ابن المبارك حدّث سفيان بحديث فجئته وهو يدلّس فلما رآني استحيى، وقال: نرويه عنك (1)

وقال ابن حجر في ترجمة يحيى بن سعيد بن فروخ قال أبو بكر: وسمعت يحيى يقول: جهد الثوري أن يدلّس عليّ رجلاً ضعيفاً فما أمكنه (2)

والتدليس هو أن يروي عن رجل لم يلقه، وبينه وبين ذلك الرجل واسطة فلا يذكر الواسطة.

وقال أيضاً في ترجمة سفيان: قال ابن المديني عن يحيى بن سعيد لم يلق سفيان أبا بكر بن حفص ولا حيان بن إياس ولم يسمع من سعيد بن أبي بردة.

وقال البغوي: لم يسمع من يزيد الرقاشي.

وقال أحمد: لم يسمع من سلمة بن كهيل حديث: السائبة يضع ماله حيث يشاء، ولم يسمع من خالد بن سلمة المعروف بالفافا ولا من ابن عون إلاّ حديثاً واحداً (3).

وهذا تصريح من ابن حجر بكون الرجل مدلّساً وعندئذ يكون فاقداً لملكة العدالة، لاَنّه كان يصوّر غير الواقع واقعاً.

وقال الاِمام الذهبي: قال صاحب الحلية أخبرنا أبو أحمد الغطريفي



1 . تهذيب التهذيب 4: 115 في ترجمة سفيان.
2 . المصدر نفسه 11: 218.
3 . المصدر نفسه 4: 115.

(108)

أخبرنا محمد بن أحمد بن مكرم أخبرنا علي بن عبد الحميد أخبرنا موسى بن مسعود أخبرنا سفيان، قال: دخلت على جعفر بن محمد وعليه جبة خز وكساء خز دخاني فقلت: يا ابن رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - ليس هذا من لباس آبائك.

قال: «كانوا على قدر إقتار الزمان، وهذا زمان قد أسبل عزاليه» ثمّ حسر عن جبة صوف تحت، وقال: «يا ثوري: لبسنا هذا للّه وهذا لكم فما كان للّه أخفيناه وما كان لكم أبديناه» (1)

إنَّ هذا الاعتراض يدل على عدم فهم سفيان للاَُمور، وعدم معرفته بها.

* * *

3ـ حبيب :

هو حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار، تابعي، وثّقه بعض، ولكن قال ابن حبان في الثقات: كان مدلّساً، وقال العقيلي غمزه ابن عون، وقال القطان: له غير حديث عن عطاء لا يتابع عليه، وليست محفوظة.

وقال ابن خزيمة في صحيحه: كان مدلّساً.

وقال العقيلي: وله عن عطاء أحاديث لا يتابع عليها (2)

وقال ابن حجر أيضاً في تقريب التهذيب:

حبيب بن أبي ثابت: قيس، ويقال: هند بن دينار الاَسدي، مولاهم:



1 . تذكرة الحفّاظ 1: 167 والمقصود بجعفر بن محمد الاِمام الصادق - عليه السّلام- .
2 . تهذيب التهذيب 2: 179.

(109)

أبو يحيى الكوفي، ثقة فقيه جليل، وكان كثير الاِرسال والتدليس، من الثالثة، مات سنة تسع عشرة ومائة (1)

ونقل ابن حجر عن كتاب الموضوعات لابن الجوزي من نسخةٍ بخط المنذري أنّه نقل فيه حديثاً عن أبي كعب في قول جبرئيل: لو جلست معَكَ مثل ما جَلَس نوح في قومه ما بلّغت فضائل عمر، وقال: ولم يعلَّه ابن الجوزي إلاّ بعبد اللّه بن عامر الاَسلمي شيخ حبيب بن أبي ثابت (2)

* * *

4ـ أبو وائل الاَسدي:

وهو شقيق بن سلمة الكوفي. كان منحرفاً عن عليّ بن أبي طالب، قال ابن حجر: قيل لاَبي وائل: أيّهما أحبُّ إليك علي أم عثمان؟ قال: كان علي أحبَّ إليّ ثمّ صار عثمان (3) ولفظة «أحبَّ» هناك ليست صيغة أفعل التفضيل بل المراد أنّه كنت علوياً ثمّ صرت عثمانياً، وكان الحزبان يومذاك يبغض أحدهما الآخر.

ويشهد لذلك ما ذكره ابن أبي الحديد حيث قال: ومنهم أبو وائل شقيق بن سلمة، كان عثمانياً يقع في عليّ - عليه السّلام- ويقال إنّه كان يرى رأي



1 . تقريب التهذيب 1: 148 تحت رقم 106.
2 . لسان الميزان 2: 186 في ترجمة حبيب بن ثابت.
3 . تهذيب التهذيب 4: 362.

(110)

الخوارج ولم يختلف في أنّه خرج معهم، وأنّه عاد إلى عليّ - عليه السّلام- منيباً مقلعاً، روى خلف بن خليفة، قال: قال أبو وائل: خرجنا أربعة آلاف فخرج إلينا عليٌ فما زال يكلّمنا حتّى رجع منّا ألفان.

وروى صاحب كتاب «الغارات» عن عثمان بن أبي شيبة عن الفضل ابن دكين، عن سفيان الثوري، قال: سمعت أبا وائل يقول: شهدتُ صفين وبئس الصفوف كانت.

قال وقد روى أبو بكر بن عياش عن عاصم ابن أبي النجود قال: كان أبو وائل عثمانياً (1).

ويكفي أنّه كان من ولاة عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه.

قال ابن أبي الحديد: وقال أبو وائل: استعملني ابن زياد على بيت المال بالكوفة (2).

هذا كلّه حول سند الرواية. وقد عرفت أنّ أسنادها تشتمل على رواةٍ ضعافٍ، وعلى فرض ورود المدح في حقّهم فهو معارَض بما عرفت من الجرح، وعند التعارض يقدَّم الجارحُ على المادح فيسقط الحديثُ عن الاعتبار ويُرجَع إلى أدلّة أُخرى، وسيوافيك أنَّ الاَصل في المقام هو الجواز، كما سيوافيك ذلك في آخر هذا البحث.

* * *


1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 99.
2 . المصدر نفسه 12: 223.

(111)

الحديث في دراسة دلاليّة:

وأمّا ضعفه دلالةً فإليك بيانه:

إنَّ تبيين ضعف دلالة الحديث يتوقف على توضيح معنى اللفظين الواردين في الحديث المذكور:

1ـ قبراً مشرفاً.

2ـ إلاّ سوّيته.

وأمّا الاَوّل فقد قال صاحب القاموس: والشرف ـ محرَّكةً ـ: العُلوّ. ومن البعير سنامُه.

وعلى ذلك فيحتمل أن يراد منه مطلق العُلوّ أو العلوّ الخاصّ كسنام البعير ولا يتعيّـن أحد المعنيين إلاّ بالقرينة، كما هو الحال في المشترك اللفظي.

وأمّا الثاني: أعني: قوله «سوّيته» فهو يستعمل على وجهين:

أ ـ يُطلق ويرادُ منه مساواةُ شيء بشيءٍ فيتعدّى إلى المفعول الثاني بحرف التعدية كالباء ، قال سبحانه: (إذْ نُسَوّيكُمْ بِربّ العالَمِين) (1)

أي نعدّ الآلهة المكذوبة متساوين مع ربّ العالمين، فنضيفُ إليها ما نُضيفُ إلى ربّ العالمين.

وقال سبحانه حاكياً عن حالِ الكافرين يوم القيامة: (يَومَئِذٍ يَوَدُّ



1 . الشعراء: 98.

(112)

الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوا الرَّسُولَ لَو تُسَوّى بِـهمُ الاَرض وَلا يَكْتُمونَ اللّهَ حَديثاً)(1)أي يَودّون أن يكونوا تراباً أو ميتاً مدفوناً تحت الاَرض.

ب ـ يُطلق ويُراد منه ما هو وصفٌ لنفس الشيء لا بملاحظة شيء آخر فيكتفي بمفعول واحد قال سبحانه: (الَّذِي خَلَقَ فَسوّى) (2)وقال سبحانه: (بَلى قادرينَ عَلَـى أَنْ نُسَوي بَنانَهُ) (3) وقال سبحانه: (فَإذا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعوا لَهُ ساجِدين) (4)

ففي هذه الموارد تقع التسوية وصفاً لنفس الشيء بلا إضافة إلى غيره، ويراد منه حسب اختلاف الموارد تارة كمال الخلقة واستقامته في مقابل نقصه واعوجاجه، وهذا هو المقصود في الآيات الكريمة، وأُخرى تعديله مقابل اعوجاجه وبسطه مقابل كونه كالسنام.

إذا عرفت ذلك فلنعد إلى الحديث ولندرسه في ضوء هذه الضابطة.

إنّ الذي نلاحظه في هذا الحديث هو أنّه استعمل لفظ «التسوية» مع مفعول واحد، فلا يُراد منه المعنى الاَوّل أي مُساواته بالاَرض، وإلاّ كان عليه أن يقول: «سوَّيته بالاَرض» بل يُراد منه ما هو وصف لنفس القبر، والمعنى المناسب حينئذ هو تسطيح القبر في مقابل تسنيمه، وبسطه في مقابل اعوجاجه وهذا هو الذي فهمه شُـرّاح الحديث، وبما أنَّ السنَّة كانت هي



1 . النساء: 42.
2 . الاَعلى : 2.
3 . القيامة : 4.
4 . الحجر: 29.

(113)

التسطيح، والتسنيم طرأ بعد ذلك، لهذا أمر عليّ - عليه السلام - بأن تكافح هذه البدعة ويسطَّح كل قبرٍ مسنَّم.

روى أبو داود والحاكم من طريق القاسم بن محمّد بن أبي بكر قال: دخلت على عائشة وقلت لها: يا أُم اكشفي لي عن قبر النبي وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطية (1) مفتوحة ببطحاء العرصة الحمراء.

أمّا ما في صحيح البخاري عن سفيان التمار أنَّه رأى قبر النبيّ مُسنّماً، فلا يعارض ما قدّمناه لاَنّ سفيان ولد في زمان معاوية فلم ير القبر الشريف إلاّ في آخر الاَمر فيحتمل ـ كما قال البيهقي ـ أنّ القبر لم يكن في الاَوّل مُسنّماً ثم سُنّم عندما سقط الجدار.

وروى يحيى عن عبد اللّه بن الحسين قال: رأيت قبر النبي مُسنّماً في زمن الوليد بن هشام (2).

وإنّما صار التسنيم بدعة والتسطيح سنّة لاَنّ النبيّ لما دفن ابنه إبراهيم سطَّح قبره ولم يُسنّمه(3).

وممّا يوَيّد أنّ المراد من الاِشراف هو العلوُّ الخاصُّ أي كونه كسنام البعير، ومن التسوية بسطُه وتسطيحه، أنَّ صاحب الصحيح عنونَ الباب هكذا: «باب تسوية القبور» ثمّ نقل رواية عن ثمامة أنّه قال: كنّا مع



1 . والمراد باللاطية إنّها مُسَوّاة بالاَرض.
2 . وفاء الوفاء 2: 551ـ 556.
3 . إرشاد الساري 2: 468.

(114)

فضالةبن عبيد في أرض الروم فتوفّـي صاحب لنا فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوّي، قال: سمعت رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - يأمر بتسويته ثمّ أورد بعده حديث أبي الهياج المتقدم (1)

وقال القرطبي في تفسير الحديث قال علماوَنا: ظاهر حديث أبي الهياج منع تسنيم القبور، ورفعها، وأن تكون واطئة ....

نعم ما ذكره من استفادة عدم كون القبر مرتفعاً فهو مردودٌ بما اتّفق عليه كلمةُ الفقهاء للمذاهب الاَربعة فإنَّهم أجمعوا على استحباب رفع القبر بقدرِ شبرٍ (2)

وأظن أنَّ ما ذُكر كافٍ في تفسير الحديث، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى إرشاد الساري لابن حجر القسطلاني الجزء الثاني ص 468.

* * *

(الثاني) حديث جابر:

وربّما يستدلُّ على تحريم البناء على القبور بحديث جابر، روى مسلم في صحيحه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - أن يجصَّص القبرُ، وأن يقعد



1 . شرح صحيح مسلم 7: 36.
2 . الفقه على المذاهب الاَربعة 1: 420.

(115)

عليه، وأن يُبنى عليه (1)

والجواب هو: أنَّ الاستدلال بهذا الحديث غير صحيح سنداً ومتناً.

وأمّا الاَوّل فلاَنّ جميع أسانيده مشتملة على رجلين هما في غاية الضعف والرجلان هما:

1ـ ابن جريج وهو عبد الملك بن عبد العزيز.

2ـ أبو الزبير وهو محمد بن مسلم الاَسدي (2)

فلا نطيل الكلام بنقل أقوال الرجال في حقّهما.

على أنّ بعض أسانيد هذه الرواية مشتملة على عبد الرحمان بن أسود المتَّهم بالكذب والوضع(3)

وأمّا المتن فقد روي بصورٍ سبعٍ اشتمل بعضها على لفظ البناء دون البعض وإليك صور الحديث المختلفة التي تعرب عن أنّ الراوي أو الرواة لعبوا بحديث الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلم - بعد فرض صدوره عنه:

1ـ نهى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن تجصيص القبر، والاعتماد عليه.

2ـ نهى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن تجصيص القبر.



1 . صحيح مسلم كتاب الجنائز 3: 62 والسنن للترمذي 2: 208 وصحيح ابن ماجة 1: كتاب الجنائز: 476 إلى غير ذلك.
2 . لاحظ تهذيب التهذيب 6: 2 ـ 4 ، 605.
3 . تهذيب التهذيب ترجمة أبو الزبير: 442.

(116)

3ـ نهى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن تجصيص القبر، والكتــابة عليه، والبنـاء ، والمشي عليه.

4ـ نهى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن الكتابة على القبر.

5ـ نهى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن الجلوس على القـبر وتجصيصـه، والبنــاء، والكتابة عليه.

6ـ نهى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن الجلوس على القبر وتجصيصه، والبناء عليه.

7ـ نهى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن الجلوس على القبر، وتجصيصه، والبناء عليه، والزيارة، والكتابة عليه(1)

أفيصح الاستدلال بحديث ذلك سنده وهذه نصوصه المضطربة رغم كونها من راوٍ واحد؟ أضف إلى ذلك أنّ النهي في كلام النبي استعمل في الكراهة كثيراً، وقد أعرض جماهير المسلمين عن بعض صور هذا الحديث ولم يعملوا به قط، كما أفاده الحاكم في مستدركه حيث شاعت الكتابة على القبر من عصر الصحابة إلى يومنا هذا.

ولو سلّمنا بالكراهة فربّما ترتفع هذه الكراهة إذا كان للبناء منافع كثيرة ومختلفة منها تلاوة القرآن في ظلّه، ومنها إذا ترتّب على حفظ القبور حفظ الآثار الاِسلامية كما أوضحناه سابقاً.



1 . لاحظ للوقوف على المتون المختلفة للحديث مصادرها التي أشرنا إليها بالاضافة إلى صحيح النسائي 4: 87 وسنن أبي داود 3: 216 ومسند أحمد 3: 295 و 335.

(117)

(الثالث) حديث أبي سعيد وأُمّ سلمة

وربّما يُستدلّ على تحريم البناء على القبور بأحاديث أُخر:

1ـ ما رواه أبو سعيد من أنّ النبيّ نهى أن يُبنى على القبر (1)

2ـ ما رُوي عن أُمّ سلمة قالت: نهى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - أن يبنى على القبر أو يجصَّص (2)

3ـ ما روي عنها أيضاً أنّها قالت: نهى أن يجصَّص قبر أو يُبنى عليه، أو يجلس عليه (3).

والجواب: أنَّ الاستدلال بهذه الروايات ساقط جداً فإنّ سند الحديث الاَوّل يشتمل على «وهب» وهو مُردّد بين سبعة عشر رجلاً وفيهم الوضّاعون والكذّابون (4).

والحديث الثاني والثالث لا يُحتجُّ بهما لاشتمالهما على عبد اللّه بن لهيعة الذي هو ضعيف لا يُحتج به (5)

* * *



1 . صحيح ابن ماجة 1: 474.
2 . مسند أحمد 6: 229.
3 . مسند أحمد 6: 229.
4 . ميزان الاعتدال 3: 350ـ 355.
5 . المصدر نفسه 2: 476 والتهذيب 1: 444.

(118)

هذه هي الاَحاديث التي استخدمت ذريعة لتدمير الآثار الاِسلامية ولما وقف القوم على ضعفها جاء القاضي ابن بُليهد وقد أعوزته الحجّة فتمسّك بكون البقيع مُسبَّلَةً موقُوفةً، وأنَّ البناء على القبور مانعٌ من الانتفاع بأرضها (1)

سبحان اللّه ما أتقنها من برهنة، فمن أين علم أنَّ البقيع كانت أرضاً حيّةً فوقَفَها صاحبُها على دفن الاَموات؟

عرض المسألة على الاَدلة المحكمة:

إذا وقفت على ضعف ما استدل به القوم على تحريم البناء على القبور، وسقوطه عن الاعتبار فيجب عرض المسألة على الاَدلة المحكمة التي لا يصح لاَحد النقاش في اعتبارها وحجيتها.

فإذا دلَّت تلك الاَدلة على الجواز، فلا محيص من رفض هذه الاَحاديث الضعاف، أو حملها على الكراهة، أو غير ذلك. وإليك بيان تلك الاَدلة:

1ـ القرآن الكريم والبناء على القبور:

يظهر من القرآن الكريم أنَّ البناء على القبور، بل بناء المسجد عليها كان جائزاً في الشرائع السابقة، وأنّ الناس عندما وقفوا على قبور أصحاب الكهف، اختلفوا على قولين: فمن قائل:



1 . في سوَال وجهه إلى علماء المدينة المنورة استفتى فيها حول بقاء البناء على القبور، حيث ذكر في متنه كون أرض البقيع مسبلة.

(119)

(ابْنُوا عَلَيهِمْ بُنْياناً) .

ومن قائل آخر:

(لَنَتّخِذَنّ عَليهِم مَسجِداً) (1)

والاستدلال بالآية واضح لمن يرى القرآن قدوة ويتخذه مرجعاً.

فإنّ القرآن ينقل كلا القولين، من دون أن ينتقده أو يعترض عليه ويردع عنه، بل الظاهر أنّه ينقله بصورة التحسين وأنّ أصحاب الكهف بلغ بهم تديّنهم إلى حدّ لما عثر عليهم الناس اجتمعوا على تكريمهم واحترامهم، بل التبرّك بهم، فمن قائل بلزوم البناء عليهم، وآخر بإتخاذ مرقدهم مسجداً، وليس القرآن كتاب قصة، وأُسطورة، وإنّما هو كتاب إرشاد وقدوة وإمام، فلو كانوا في عملهم هذا ضالّين لعلّق عليهم بشيء أو عابه، كما هو الحال فيما ينقل عن المشركين، والكافرين، عملاً أو رأياً.

قال سبحانه حاكياً عن كيفية غرق فرعون: (حَتّـى إذا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلاّ الذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأَنا مِنَ المسلِمِين) ولاَجل إيقاف الموَمنين على أنَّ الاِيمان في هذا الظرف غير مُفيد عقّب عليه بقوله: (الآن وقَد عَصَيتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ) (2)

فلاَجل ذلك يكون القرآن قدوة في كلّ ما ينقله من أعمال الماضين، إلاّ إذا عقّب عليه بالردّ، أو دلّت القرائن على كونه عملاً غير مقبول.



1 . الكهف : 21.
2 .يونس: 91.

(120)

وعلى ذلك فيكون كلٌ من الاقتراحين مقبولاً من غير نكير. وسيوافيك البحث عن اتّخاذ المشاهد مساجد.

2ـ سيرة المسلمين والبناء على القبور:

إنَّ سيرة المسلمين من عصر الصحابة ثمّ التابعين ثمّ تابعي التابعين، وإلى عصرنا هذا أقوى حجة على الحكم الشرعي، فإنّ إتفاق العلماء في عصر واجتماعهم على حكم حجّة شرعية عليه، فكيف اتّفاقهم عليه طيلة قرونٍ ولا سيّما الصحابة العدول.

فالصحابة وارَوا جسد النبي الاَكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - في بيته ولم يخطر ببال أحد أنّ البناء على القبور محرّم، ولا أظن أنّ جاهلاً يُفرّق بين البناء المتقدّم على الدفن، والمتأخّر عنه فضلاً عن العالِم، فإنَّ كون قبر الميّت تحت بناءٍ تكريمٌ له وتعظيم، بينما يعتبر الوهابيون هذا شركاً لاَنَّه تعظيم لغير اللّه، فلا فرق بين البناء على المقبور أو دفن الميت تحت بناء طالما يكون كلا الاَمرين ذا نتيجة وهدف واحد.

وليس هذا شيء ينكره أحد من المسلمين.

والعجيب أنّ كتّاباً من الوهابيين لما واجهوا هذه السيرة المستمرة عمدوا إلى تفسير هذه السيرة بأن كتب موَلف من موَلّفيهم قائلاً بأنّ النبيّ إنّما دُفن في بيته، لاَجل حديثٍ رواه أبو بكر. قال ابن كثير: إنَّ أصحاب النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - لم يدروا أين يقبرون رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - حتّى قال أبو بكر سمعت النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - يقول:


(121)

«لم يُقبر نبيٌّ إلاّ حيث يموت» (1)

ثمّ أضاف الموَلّف قائلاً فعَلِمنا من هذه الاَحاديث أنَّ النبي - صلّى الله عليه وآله وسلم - دُفن في بيته كما أمر بذلك، فعلى هذا فلا حجة فيه للقبوريين في البناء على القبور، إذ لم يُبن على قبره، وإنّما دُفن في بيته (2)

وهكذا فرّق بين الدفن تحت بناءٍ قائم، والبناء على القبر في عبارته الاَخيرة.

ولا يخفى وجود التهافت في عبارته فصدرها يدلُّ على أنّ دفن النبيّ في بيته كان بأمره - صلّى الله عليه وآله وسلم - ولو لم يكن أمره لما دفنوه فيه، لاَنّ الدفن في البناء حرام أساساً ـ حسب زعم الوهابيين ـ وذيل العبارة يدل على التفريق في الحكم بين الدفن تحت البناء القائم والبناء على القبر فيما بعد.

وعلى كلّ حال ففي كلا قوليه إشكال.

أمّا الوجه الاَوّل والذي استقصى مصادر حديثه قرابة ست صفحات، فهو مردودٌ بدفن الشيخين في البيت، مع أنّه لم يرد في حقّهما ما ورد في حقّ النبي، فكيف جاز دفنهما في الحجرة تحت السقف إن لم يكن مثل ذلك جائزاً بالاَصالة والذات؟

وأمّا الثاني فهو تفريق لا يجنح إليه ذو مسكة، بعد وحدة الملاك، والاشتراك في المصلحة المزعومة، من أنّ وجود القبر تحت البناء تعظيم لغير



1 . البداية والنهاية 5: 266 وقد جاءت مصادر هذه الرواية في كتاب رياض الجنّة : 264.
2 . رياض الجنّة : 269.

(122)

اللّه وعبادة له، أو أنّه قد يوَدي إلى عبادة القبر فالمصلحة تقتضي عدم كون القبر تحت بناءٍ.

والحق أنّه بعد دلالة الذكر الحكيم والسيرة على الجواز، لا مناص من رفض هذه الروايات أو تأويلها على الاَقل وحملها على الكراهة المنتفية في بعض الحالات.

***

Website Security Test