welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : في ظل أُصول الاِسلام*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

في ظل أُصول الاِسلام

في
ظل أُصول الاِسلام

دراسةٌ شاملة لمسألة
التوحيدِوالشركِ والبدعةِ
وقضيةِ الاستششفاع والتوسّل والزيارة
وغيرها
في ضوء الاَُصول المستفادة من الكتاب والسنّةِ

مُحاضراتُ

العلاّمة الاَُستاذ المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني

بقلم
جهاد الهادي


(2)


(4)

(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على نبيّه وآله
وعلى رواة سنّته وحملة أحاديثه وحفظة كلمه.

المقدّمة:

تمرّ الاَُمّة الاِسلامية اليوم بأشدّ مراحل حياتها، وأحلك أحقاب تاريخها.

فالاَعداء تكالبوا عليها من كل جانب، واستضعفوها واستذلوها، وأمعنوا في نهب خيراتها وسلب طاقاتها وتمزيق بلادها، وتحطيم مواهبها، وقتل مجاهديها، وأبنائها.

ففي كل بلد مجازر ومذابح، وفي كل مكان سجون ومحابس، وفي كل موطن فتن وقلاقل، تدور رحاها على المسلمين دون غيرهم، وتأخذ


(6)

ضحاياها من علمائهم العاملين، وشبابهم المتدينين، وتُنتهك فيها الاَعراض، وتُداس فيها الكرامات، والجميع ينادي: المستغاث باللّه، ويصرخ: يا للمسلمين ولا من مُغيث ولا مُعين.

كل هذا يُحتّم على علماء الاَُمّة أن يشمّروا عن ساعد الجدّ، لاِنقاذ المسلمين، وإزالة هذه المحنة وإصلاح هذه الحالة ورفع هذا الضيم، ودفع هذا الحيف.

ومَن أحرى منهم وهم الذين قال عنهم رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «العلماء ورثة الاَنبياء». «العلماء أُمناء الرسل». «العلماء قادة».

ومن أحرى منهم وهم يملكون النفوذ والقدرة، والسلاح والقوّة ... سلاح البيان، وقوّة الجنان، والناس لهم مطيعون إن أمروا، والحكّام لهم مسلِّمون إن نهوا، والمستعمرون خائفون، هاربون إن أقدموا وأخلصوا وقاموا بمسوَوليتهم.

ولما كان هذا يتوقّف على إزاحة الشبهات، وتوضيح الغوامض، والتمهيد للوحدة والاجتماع قمنا بتحرير أُصول الوحدة الاِسلامية في مجال التوحيد والشرك، الذي أصبح اليوم الشغل الشاغل، والسلاح الفاعل في إيجاد الاختلاف في صفوف المسلمين، نقدّمها إلى العلماء المخلصين، ليروا فيها رأيهم، ويناقشوها وهي لا تتجاوز الكتاب والسنّة، وآراء علماء الاَُمّة من السلف الصالح، والعقل الحصيف ... ولا تهدف إلاّ مصلحة الاَُمّة، وحقن دمائها، وصيانة كرامتها ولمّ شعثها، وتوحيد صفّها.

بلى واللّه إنّها مسوَولية العلماء فعليهم أن ينظروا في هذه الاَُصول،


(7)

ويضعوا حدّاً لتكفير المسلمين، وعزل هذه الطائفة الكبرى أو تلك، عن جسم الاَُمّة الاِسلامية، والاَُمّة أحوج ما تكون إلى تجميع قواها، ورصّ صفوفها، وتشكيل جبهة إسلامية واحدة تضع حدّّاً لاعتداءات شُذّاذ الآفاق وأعداء الاِسلام.

ومما تسبب في اتساع شقّة الخلاف بين المسلمين في العصر الحاضر، ظهور فريق ذهب إلى :

1ـ إنكار ما ورد حول زيارة الرسول الاَكرم من الروايات، وبالتالي نفس الزيارة تلويحاً.

2ـ تحريم السفر إلى زيارة قبر الرسول وسائر الاَنبياء والاَولياء.

3ـ تحريم البناء على قبور الاَنبياء والصالحين.

4ـ تحريم بناء المساجد على مشاهدهم.

5ـ تحريم الصلاة والدعاء في مشاهدهم وعند مراقدهم.

6ـ تحريم التبرّك والاستشفاء بآثار الرسالة والرسول.

7ـ تحريم التوسّل بالاَنبياء والاَولياء بصوره المختلفة.

8ـ تحريم الاستعانة بهم بعد رحيلهم.

9ـ تحريم طلب الشفاعة من النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

10ـ تحريم الحلف بغير اللّه كالنبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - والقرآن والكعبة.

11ـ تحريم إحلاف اللّه بحقوقهم وسوَاله كذلك.

12ـ تحريم النذر للنبيّ والاَولياء.


(8)

وهي أُمور لا يذهب إليها المسلمون بل يذهبون إلى عكسها، من أقدم العصور الاِسلامية، والمشكلة أنّ موقف هذا الفريق لم ينحصر في تحريم هذه الاَُمور ووصفها بأنّه شرك أو بدعة فحسب بل كفّروا من قام بهذه الاَعمال وقالوا بوجوب استتابته وإلاّ يُقتل ويهرق دمه، وبالتالي كفّروا جميع المسلمين سنّيهم وشيعيّهم، وبما أنّهم لم يضعوا حدّاً منطقياً للتوحيد والشرك، حسبوا كثيراً من هذه الاَُمور شركاً في العبادة وأنّها عبادة لصاحب القبر، كعبادة المشركين أصنامهم.

وربّما يقولون إنّ بعض هذه الاَُمور دون الشرك في العبادة، بل هي بدع في الدين، وما وصفوه بدعة ليس إلاّ لاَنّهم لم يعرّفوا البدعة بتعريف واضح.

ونحن بفضل اللّه تبارك وتعالى عالجنا هذه المسائل في ظلّ أُصولٍ مستلهمةٍ من الكتاب الكريم والسنّة الطاهرة ونحن ندعو هذا الفريق عامّة وعلماءهم خاصّة أن يُمعنوا النظر في هذه الاَُصول حتى يتميّز الموحّد عن المشرك والمبدع عن المتشرّع.

بل نحن نقترح عليهم أن يعقدوا موَتمراً إسلامياً لمناقشة هذه المسائل عامّة وفي تحديد التوحيد والشرك خاصة حتّى يتميّز الحقُّ وتظهر الحقيقة للشاكّين والمرتابين كافّة، وأنا أُقدّم رسالتي هذه:

إلى العلماء المخلصين في رابطة العالم الاِسلامي بمكّة المكرمة.

إلى الذين يهمّهم شأن الاَُمّة الاِسلامية، ويحبّون أمنها، وسعادتها.

إلى الذين يُحزنهم أن تبقى الا َُمّة الاِسلاميّة متفرّقةً متشتّتةً.


(9)

أرفع كتابي هذا الذي أوضحنا فيه أُصول الوحدة الاِسلامية المنشودة، وأُهيب بهم أن يتدارسوها بموضوعيّة، ويتأمّلوا فيها بعناية، عسى أن يفتح اللّه به وبهم باباً من الخير والصلاح في وجوه المسلمين. وما توفيقنا إلاّ باللّه، عليه توكّلنا وإليه أنبنا وإليه المصير.

اللّهمّ احقن بنا دماء المسلمين
اللّهمّ صُن بنا كرامـتـــهم
اللّهمّ وحّد بنا صفوفهم
اللّهمّ أشدد بنا أزرهم
آمين ربّ العالمين

قم المقدَّسة ـ الحوزة العلمية            
10 شهر ذي الحجّة الحرام 1410 من الهجرة النبويّة
جعفر الهادي                    


(10)

(11)

1

بساطةُ العقيدة ويسرُ التكليف في الاِسلام

أركان الاِسلام في الكتاب والسنّة.

النهي عن تكفير المسلم في السنّة.

الاِسلام ووحدة المسلمين.

موقف علماء الاِسلام من تكفير المسلم.

ما يترتّب على هذا الاَصل.

جاء رسول الاِسلام - صلّى الله عليه وآله وسلم - لنشر التوحيد ومكافحة الوثنية والدعوة إلى الاعتقاد باليوم الآخر، كما جاء بمجموعة من الفرائض والمحرّمات التي تضمن إسعاد الاِنسان في الدارين وتكفُل خيرَه، ورُقيّه.

وقد كان لانتشار الدين الاِسلامي في المجتمعات البشرية بصورة سريعة وواسعة، أسباب وعلل منها: بساطة العقيدة ويسر التكاليف في هذا الدين.

فالعقيدة التي عرضها سيّدُ المرسلين على البشر لم تكن عقيدة معقّدة


(12)

كما هو الحال في العقيدة النصرانية التي لا يستطيع المتديّن بها أن يفسر مسألة التثليث والاَقانيم الثلاثة فيها.

فالعقيدة الاِسلامية في خالق الكون والاِنسان تتمثّل في سورة التوحيد: (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ * اللّهُ الصَّمَدُ* لَـمْ يَلِدْ وَلـمْ يُولَدْ * وَلَـمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) .

وكان الاِسلام ولا يزال يقنع من المسلم في مجال الاعتقاد، بهذا القدر، ولم يُلزم الوحيُ ولا العقلُ أحداً بالغور في المسائل العقلية الفلسفية، ولم يجعل الاِيمان دائراً مدارها أبداً.

وأمّا يسر التكاليف وسهولة الشريعة فحدّث عنهما ولا حرج، وقد أشار إليها الكتاب العزيز بقوله:

(ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّـاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبلُ) (1).

(مَا يُريدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) (2).

(يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ اليُسْـرَ ولا يُريدُ بِكُمُ العُسْـرَ) (3).

(رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْـراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَـى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا) (4).


1.الحجّ: 78.
2.المائدة: 6.
3. البقرة: 185.
4.البقرة: 286.


(13)

فهذه الآيات تصرّحُ بأنّ اللّه تعالى رفع عن أُمّة محمّد الآصار، ولم يفرض عليهم حكماً حرجيّاً صعباً، ممّا كان في الاَُمم الماضية.

وقد ورد في حديث عن النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - أنّه قال: «مما أعطى اللّه أُمّتي وفضّلهم على سائر الاَُمم أعطاهم ثلاث خصال لم يعطِها إلاّ نبي، وذلك أنّ اللّه تبارك وتعالى كان إذا بعث نبيّاً قال له: اجتهد في دينك ولا حَرَجَ عليك، وإنّ اللّه تبارك وتعالى أعطى ذلك أُمّتي حيث يقول: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِن حَرَجٍ) يقول: من ضيق» (1).

وظاهر هذا الحديث أنّ رفع الحرج الذي منّ اللّه به على هذه الاَُمّة المرحومة كان في الاَُمم الماضية خاصّاً بالاَنبياء وأنّ اللّه أعطى هذه الاَُمّة ما لم يُعطِ إلاّ الاَنبياء الماضين (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

وسُئِل علي - عليه السلام - : أيُتوضّأ من فضلِ وضوء جماعة المسلمين أحبُّ إليك أو يتوضّأ من ركوٍ أبيضٍ مخمّر؟ فقال: «لا ، بل من فضلِ وضوء جماعة المسلمين ، فإنّ أحبّ دينكم إلى اللّه الحنيفية السمحة السهلة»(2).

واشتهر عن رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قوله: «بُعثتُ بالحنيفيّة السمحة السهلة»(3).

وللتأكد من هذه الحقيقة ينبغي أن نستعرض أركان الاِسلام التي يكفي تحقّقها لتحقّق عنوان المسلم، وصدقه على الشخص.


1. البرهان 3|105. يراجع بقية الحديث في المصدر المذكور.
2. الوسائل: أبواب النجاسات، الباب 50، الحديث 3.
3. الكافي 1: 164.


(14)

أركان الاِسلام في ضوء الكتاب والسنّة:

لقد كان رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - يقنع في قبول الاِسلام من الذين يريدون الانضواء تحت رايته، والاِيمان به وبرسالته، بالشهادتين وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا فَعَلها أحدٌ حُقن دمه وعِرضه ومالهُ وكان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم. وقد قامت سيرة النبي - صلّى الله عليه وآله وسلم - هذه على أصلٍ قرآنيٍ ثابت حيث يقول اللّه تعالى:

(وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن أَلْقَى إلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُوَْمِناً) (1).

وجاء في صحيح البخاري عن عبد اللّه بن عمر ـ رضي اللّه عنهما ـ: قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «بُني الاِسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنَّ محمداً رسول اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحجّ، وصوم رمضان»(2).

بل كان - صلّى الله عليه وآله وسلم - يكتفي بأقل من هذا، رغم سعة رقعة التكاليف الاِسلامية، وكثرة جزئياتها وتفاصيلها.

فقد أخرج البخاري ومسلم في باب فضائل علي - عليه السّلام- أنّه قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - يوم خيبر: «لا َُعطينّ هذه الرايةَ رجلاً يحبّ اللّهَ ورسوله يفتح اللّه على يديه».

قال عمر بن الخطاب: ما أحببتُ الاِمارة إلاّ يومئذٍ، قال: فتساورتُ لها رجاءَ أن أُدعى لها، قال فدعى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عليَّ بن أبي طالب فأعطاه


1.النساء: 94.
2.صحيح البخاري ج 1 كتاب الاِيمان.


(15)

إيّاها، وقال: «إمشِ ولا تلتفت حتّى يفتح اللّه عليك» فسار «عليٌّ» شيئاً ثم وقف ولم يلتفت وصرخ: يا رسول اللّه على ماذا أُقاتل الناس؟

قال - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «قاتِلهُمْ حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأن محمَّداً رسول اللّه، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على اللّه» (1).

قال الشافعيّ في كتاب «الاَُم» عن أبي هريرة، أنّ رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قال: «لا أزال أُقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلاّ اللّه فإذا قالوا لا إله إلاّ اللّه فقد عصمُوا منّي دماءَهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على اللّه».

قال الشافعي: فأعلَمَ رسول اللّه أنّ فَرضَ اللّه أن يقاتلهم حتّى يُظهروا أن لا إله إلاّ اللّه فإذا فَعَلوا مَنَعوا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، يعني إلاّ بما يحكمُ اللّه عليهم فيها وحسابهم على اللّه بصدقهم وكذبهم وسرائرهم، اللّهُ العالم بسرائرهم، المتولّـي الحكم عليهم دون أنبيائه وحكّام خلقه، وبذلك مضت أحكام رسول اللّه فيما بين العباد من الحدود وجميع الحقوق، وأعلَمَهُمْ أنَّ جميع أحكامه على ما يظهرون وأنّ اللّه يدين بالسرائر (2).

قال، قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «من شهد أن لا إله إلاّ اللّه واستقبل قبلتنا وصلَّـى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلمُ له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم» (3).


1.صحيح البخاري ج2، مناقب عليّ - عليه السّلام- ، وصحيح مسلم ج6 باب فضائل عليّ -عليه السلام - .
2. الاَُم 7: 296ـ297.
3.جامع الاَُصول 1: 158ـ 159.


(16)

وقال: قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - روى أنس قال: أنّ رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قال: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه فإذا شهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلُّوا صلاتنا، حرمت علينا دماوَهم وأموالهم إلاّ بحقّها» .

كل هذه الاَحاديث تصرّح بأنّ ما تُحقَن به الدماء وتُصان به الاَعراض ويدخل به الاِنسان في عداد المسلمين هو الاعتقاد بتوحيده سبحانه ورسالة الرسول، وهكذا يتّضح ما ذكرناه من بساطة العقيدة وسهولة التكاليف الاِسلامية.

النهي عن تكفير المسلم في السنّة:

ثمّ إنّه قد وردت أحاديث كثيرة تنهى عن تكفير المسلم الذي أقرّ بالشهادتين فضلاً عمّـا إذا كان يمارس الواجبات الدينية، وإليك طائفة من هذه الاَحاديث:

قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

1ـ «بُني الاِسلام على خصال: شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه والاِقرار بما جاء من عند اللّه، والجهاد ماضٍ منذُ بعث رُسُله إلى آخر عصابة تكون من المسلمين ... فلا تكفّروهم بذنبٍ ولا تشهدوا عليهم بشركٍ».

2ـ «لا تكفّروا أهل ملّتكم وإن عملوا الكبائر» (1).


1.نعم فعل الكبائر يوجب العقاب لا الكفر.


(17)

3ـ «لا تكفّروا أحداً من أهل القبلة بذنب وإن عملوا الكبائر».

4ـ «بُني الاِسلام على ثلاث: ... أهل لا إله إلاّ اللّه لا تكفّروهم بذنب ولا تشهدوا لهم بشرك».

5ـ عن أبي ذرّ: أنّه سمع رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - يقول: «لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسق أو بالكفر إلاّ ارتدّت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك».

6ـ عن ابن عمر: أنّ رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قال: «مَن قال لاَخيه يا كافر فقد باءَ بها أحدهما».

7ـ «مَن قذف موَمناً بكفرٍ فهو كقاتِلِه، ومن قتل نفسه بشيء عذّبه اللّه بما قَتَل».

8ـ «من كفّر أخاه فقد باء بها أحدهما».

9ـ «إذا قال الرجل لاَخيه يا كافر فهو كقتله، ولعنُ الموَمن كقتله».

10ـ «أيّما رجل مسلمٍ كفّر رجلاً مسلماً فإن كان كافراً وإلاّ كان هو الكافر».

11ـ «كُفّوا عن أهل لا إله إلاّ اللّه لا تكفّروهم بذنبٍ فمن أكفر أهل لا إله إلاّ اللّه فهو إلى الكفر أقرب».

12ـ «أيّما امرىَ قال لاَخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلاّ رجعت عليه».

13ـ «ما أكفر رجل رجلاً قطّ إلاّ باء بها أحدهما».

14ـ «إذا قال الرجلُ لاَخيه يا كافر فقد باء به أحدُهما إن كان الذي


(18)

قيل له كافراً فهو كافر، وإلاّ رجع إلى من قال».

15ـ «ما شَهِد رجلٌ على رجل بكفر إلاّ باء بها أحدُهما إن كان كافراً فهو كما قال وإن لم يكن كافراً فقد كفر بتكفيره إيّاه».

16ـ عن عليّ: في الرجل يقول للرجل: يا كافر يا خبيث يا فاسق يا حمار قال: «ليس عليه حدّ معلومٌ، يعزّر الوالي بما رأى» (1).

الاِسلام ووحدة المسلمين:

هذا مضافاً إلى أنّ الاِسلام يوَكّد على وحدة المسلمين ونبذ كل ما يهدم هذه الوحدة من التهمة والظنّة والغيبة والتكفير والتفسيق، والنميمة.

وإليك نبذة ممّا جاء في الكتاب العزيز والسنّة المقدّسة من الترغيب في الاجتماع والاَُلفة، قال اللّه تعالى:

(إنَّمَا المُوَْمِنُونَ إخوَةٌ) (2).

(والمُوَْمِنُونَ والمُوَْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (3).

(محمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ على الكُفّارِ رُحماءُ بَيْنَهُمْ) (4).

(وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّناتُ


1.هذه الاَحاديث مبثوثة في جامع الاَُصول ج1، و 10 و11 كما أنّها مجموعة بأسرها في كنز العمال للمتقّي الهندي ج1.
2. الحجرات : 10.
3. التوبة: 71.
4. الفتح: 29.


(19)

وَأُوْلئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظيمٌ)(1).

(وَاعتَصمُوا بِحَبلِ اللّهِ جَميعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ) (2).

(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ في شيءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلى اللّهِ ثُمَّ يُنبِّئُهُمْ بِمَا كانُوا يَفْعَلُونَ(3)).

(يَا أيُّها النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِن ذَكَرٍ وأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعارَفُواْ) (4).

هذا من الكتاب وأمّا السنّة فإليك طائفة من الاَحاديث في هذا المجال:

1ـ قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «لا تدخلون الجنّة حتى توَمنوا ولا توَمنون حتّى تحابّوا، أوَلا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم»(5).

2ـ قال - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «الدين النصيحة؟ قالوا: لمن يا رسول اللّه؟ قال للّه ولكتابه ولرسوله ولاَئمّة المسلمين ولعامّتهم والذي نفسي بيده لا يوَمن عبد حتّى يُحبّ لاَخيه ما يحبّ لنفسه» (6).

3ـ «ذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم وهم يد على من سواهم،


1.آل عمران: 105.
2.آل عمران: 103.
3.الاَنعام: 159.
4. الحجرات: 13.
5.كنز العمال ج 15: 892 و ج 3 : 413.
6.كنز العمال ج 15: 892 و ج 3 : 413.


(20)

فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين لا يُقبَل منه يوم القيامة صرف ولا عدل» (1).

4ـ «إيّاكم والظنّ فإنّ الظنّ أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد اللّه إخواناً ولا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيّام» (2).

5ـ «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان اللّه في حاجته ومن فرّج عن مسلم كربه فرّج اللّه عنه يوم القيامة».

إلى غير ذلك من الاَحاديث الحاثّة للمسلمين على الوئام والتآلف والتوادد ونبذ الفرقةوالاختلاف، والتشاجر والتشاحن، والطرد والاِقصاء (3).

موقف علماء الاِسلام من تكفير المسلم:

وقد تشدّد علماء الاِسلام في تكفير المسلم ونهوا عنه بقوّة، وبالغوا في النهي عنه.

قال ابن حزم حيث تكلّم فيمن يكفّر ولا يكفر (4) وذهبت طائفة إلى أنّه لا يكفَّر ولا يفسَّق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فُتيا، وأن كلّ من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى أنّه الحق فإنّه مأجورٌ على كلِّ حال، إن أصابَ


1.المستدرك للحاكم 2 : 141 ومسند أحمد 1: 126 و151.
2. كنز العمال 16: 86 و 1: 150.
3. كنز العمال 16: 86 و 1: 150.
4. الفصل بين الاَهواء والملل والنحل 3: 247.


(21)

فأجران، وإن أخطأ فأجرٌ واحدٌ.

(قال): وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن علي، وهو قول كل من عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة (رض) لا نعلم منهم خلافاً في ذلك أصلاً.

وقال شيخ الاِسلام تقي الدين السُبكي: إنّ الاِقدام على تكفير الموَمنين عَسِـر جداً، وكُلّ من كان في قلبه إيمان يستعظم القولَ بتكفير أهل الاَهواء والبدع مع قولهم لا إله إلاّ اللّه، محمّد رسول اللّه، فإنّ التكفير أمرٌ هائل عظيم الخطر (إلى آخر كلامه وقد أطال في تعظيم التكفير وتفظيع خطره) (1).

وكان أحمد بن زاهر السرخسي (وهو أجل أصحاب الاِمام أبي الحسن الاَشعري) يقول: لمّا حَضَـرَتِ الشيخَ أبا الحسن الاَشعري الوفاةُ بداري في بغداد أمرني بجمع أصحابه فجمعتُهُم له فقال: إشهَدوا عليَّ أنّني لا أُكفّرُ أحداً من أهل القبلة بذنبٍ، لاَنّي رأيتهم كلّهم يشيرون إلى معبودٍ واحدٍ، والاِسلام يشملهم ويعمّهم(2).

وقال القاضي عبد الرحمان الايجيّ: جمهور المتكلّمين والفقهاء على أنّه لا يكفَّر أحد من أهل القبلة ـ ثمّ استدلّ قائلاً ـ: إنّ المسائل التي اختلف فيها أهل القبلة من كون اللّه تعالى عالماً بعلم، أو موجداً لفعل العبد أو غير متحيّز ولا في جهة ونحوها لم يبحث النبي - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن اعتقاد من حكم باسلامه فيها ولا الصحابة ولا التابعون، فعلم أنّ الخطأ فيها ليس قادحاً في حقيقة


1. اليواقيت والجواهر: 58.
2. اليواقيت والجواهر: 58.


(22)

الاِسلام (1).

وقال السيد محمّد رشيد رضا: إنّ من أعظم ما بُليَت به الفرق الاِسلامية رميَ بعضهم بعضاً بالفسق والكفر مع أنّ قصد الكلِّ الوصول إلى الحق بما بذلوا جهدهم لتأييده، واعتقاده والدعوة إليه، فالمجتهد وإن أخطأ معذور ... (2)

ما يترتب على هذا الاَصل:

إذا كان الكتاب والسنّة يكتفيان في الحكم على الشخص بالاِسلام بذكر الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان، والحجّ وما مرّ عليك في الحديث المنقول عن البخاري وغيره، فيجب علينا:

1ـ الحكم بأنّ جميع الفرق الاِسلامية ـ إلاّ من قام الدليل القطعي على كفره ـ يندرجون تحت عنوان الاِسلام، وحكمه، ولا يصحّ لاَحد أن يكفّر أحداً فرداً أو طائفة بمجرّد أنّه يرتكب عملاً صحيحاً مشروعاً وغير شرك عنده، غير صحيح وغير مشروع بل شرك عند المكفّر.

إنّ النبيّ الاَكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - كان يقبل إسلام من اعترف بوحدانية الاِله ورسالة نبيّه الخاتم من دون أن يسأله عن الاَُمور التي زعم ابن تيمية أنّها شرك في العبادة، وتأليه لغيره سبحانه، مع شيوع هذه الاَُمور بين الاَُمم


1. المواقف ص 393، طبعة القاهرة، مكتبة المتنبي ، لاحظ ذيل كلامه ترى أنّه يستدل على أنّه لايجوز تكفير أية فرقة من الفرق الاِسلامية إذا اتفقوا على أصل التوحيد والرسالة.
2. تفسير المنار 17: 44.


(23)

المتحضّـرة في الشامات واليمن آنذاك.

ولو كان الاعتقاد بحرمتها والاجتناب عنها عملاً، من مُقوّمات الاِيمان والاِسلام لكان على النبي - صلّى الله عليه وآله وسلم - التصريح بذلك، ولو مرّة واحدة عند وفود الاَُمم عليه ودخولهم في دين اللّه بأن يقول: وعليك أن تترك:

البناء على القبور من غير فرق بين الصالح وغيره.

وبناء المساجد على قبور الصالحين.

والصلاة والدعاء في مشاهدهم ومراقدهم.

والتبرّكَ والاستشفاءَ بآثارهم.

والتوسّلَ بهم وبحرمتهم ومقامهم و...

مع أنّه لم يُرَ منه - صلّى الله عليه وآله وسلم - كما لم يُنقل أنّه أخذ الاعترافَ بهذه الاَُمور.

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّها ليست من مقوّمات الاِيمان ولا من موجبات الكفر والشرك بل هي من الاَُمور الفقهية التي يُبحث عنها في الفقه حرمةً وجوازاً.

إنّ المسلمين اليوم بأمسّ الحاجة إلى توحيد الكلمة ورصّ الصفوف، والابتعاد عن كل ما يُفرّق جمعهم ، ويشتّتُ كلمتهم. ولكنّنا لو جَعَلنا هذه الفوارق وما شابهها ممّا يوجب خروج هذه الجماعة أو تلك من الاِسلام لتمزّقت وحدة الاَُمّة، وسهل حينئذٍ ابتلاعها جميعاً من قبل أعداء الاِسلام المتربّصين الطامعين.


(24)

2ـ التأسّف على ما مضى من إقدام المذاهب الاِسلامية المختلفة على تكفير بعضها بعضاً من دون تورّع وتحرّج، سابقاً. فأهل الحديث والحنابلة يكفّرون المعتزلة، والمعتزلة يكفّرون أهل الحديث والحنابلة.

ثمّ لمّا ظهر الاَشعري، وحاول إصلاح عقائد أهل الحديث والحنابلة، ثارت ثائرة تلك الطائفة ضدَّه فأخذ الحنابلة يكفّرون الاَشاعرة، ويلعنونهم ويسبّونهم على صهوات المنابر.

فهذا هو السُبكي يقول حول تكفير الحنابلة للاَشاعرة: هذه هي الفتنة التي طار شررها فملاَ الآفاق وطال ضرَرَها فشمل خراسان والشام والحجاز والعراق وعظم خطبُها وبلاوَها وقام في سبّ أهل السنّة (يريد بهم الاَشاعرة) خطيبها وسفهاوَها، إذ أدّى هذا الاَمر إلى التصريح بلعن أهل السنّة في الجمع، وتوظيف سبِّهم على المنابر، وصار لاَبي الحسن الاَشعري ـكرّم اللّه وجهه ـ بها أسوةٌ بعليّ بن أبي طالب ـ كرّم اللّه وجهه ـ في زمن بعض بني أُميّة حيث استولت النواصب على المناصب، واستعلى أولئك السفهاء في المجامع والمراتب (1).

3ـ التأسّف على سريان هذه الحالة إلى مجال الفروع فإذا بأصحاب المذاهب الفقهية الاَربعة تختلف وتتشاحن وتتنازع وتحدث فتنٌ كثيرةٌ وداميةٌ بينها.

فقد وقعت فتنةٌ بين الحنفية والشافعية في نيسابور ذهب تحت هياجها


1. طبقات الشافعية 3: 391 تأليف تاج الدين السبكي.


(25)

خلقٌ كثير، وأُحرقت الاَسواق والمدارس وكثُر القتل في الشافعية فانتصروا بعد ذلك على الحنفية وأسرفوا في أخذ الثأر منهم في سنة 554 هـ، ووقعـت حوادثُ وفتنٌ مشابهةٌ بين الشافعية والحنابلة واضطرت السلطات إلى التدخّل بالقوّة لحسم النزاع في سنة 716 وكثُر القتلُ وحرق المساكن والاَسواق في أصبهان، ووقعت حوادثُ مشابهةٌ بين أصحاب هذه المذاهب وأتباعها في بغداد ودمشق وذهب كلُ واحد منها إلى تكفير الآخر. فهذا يقول: من لم يكن حنبليّاً فليس بمسلم، وذاك يغري الجهلة بالطرف الآخر فتقع منهم الاِساءة على العلماء والفضلاء منهم وتقع الجرائم الفضيعة (1).

4ـ الاستنكار لما ذهب إليه ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب ، حيث كفّرا جميع الاَُمّة قاطبة سنّيها وشيعيّها، بحجّة أنّهم يتوسّلون بالنبيّ والعترة وأنّهم يدعونهم ويستغيثون بهم، وأنّهم يعمّرون قبورهم ويتبرّكون بها و ... .

فهل كان النبيّ يسأل الوافدين عليه المُظهرين للشهادة هل يتوسّلون بالاَنبياء والصالحين أو لا؟ هل يدعونهم ويستغيثون بهم أو لا؟ هل يعمّرون قبورهم أو لا؟ هل يتبرّكون بآثارهم أو لا ؟

أو أنّه كان يكتفي في الحكم عليهم بالاِسلام والاِيمان بما تضافرت عليه النصوص التي أوقفناك على طائفةٍ كبيرةٍ منها، مع أنّه لم تكن حياة العربولا غيرهم خالية عن هذه الاَُمور، بل كانت زاخرة بها وبأمثالها كما


1. راجع البداية والنهاية لابن كثير 14: 76، ومرآة الجنان 3: 343، والكامل لابن الاَثير 8: 229، وتذكرة الحفّاظ 3: 375، وطبقات الشافعية 3: 109 وغيرها ولاحظ الاِمام الصادق: لاَسد حيدر، وقد أشبع المقال في هذا المجال.


(26)

أسلفنا.

ولعلّ في القرّاء من يستبعد أنّ ابن تيمية ومحمّد بن عبد الوهاب، كانا يكفّران المسلمين، ولاَجل ذلك فإنّنا نأتي هنا بنصوص من الثاني لكون آرائه أكثر رواجاً الآن .

يقول محمّد بن عبد الوهاب:

إنّ الكفّار الذين قاتلهم رسولُ اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - مُقرّون بأنّ اللّه هو الخالقُ الرازقُ المدبّرُ ولم يُدخلهم ذلك في الاِسلام لقوله تعالى: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَـاءِ والاَرْضِ أَمَّنْ يَمْلكُ السَّمْعَ والاَبْصَارَ ... فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) (1).

ثمّ إنّهم يقولون ما دعونا الاَصنام وتوجّهنا إليهم إلاّ لطلب القرب والشفاعة، لقوله تعالى: (والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِه أَوْلياءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرّبُونا إلى اللّهِ زُلْفى) (2) وقوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لا يَضُرّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هوَلاء شُفعاوَُنا عِنْدَ اللّهِ) (3).

ثمّ يقول: إنّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - ظَهَرَ على قومٍ متفرّقين في عبادتهم، فبعضهم يعبد الملائكة، وبعضهم الاَنبياء والصالحين، وبعضهم الاَشجار والاَحجار، وبعضهم الشمس والقمر فقاتلهم ولم يفرّق بينهم.

ثمّ يُنهي كلامه قائلاً: إنّ مُشركي زماننا أغلظُ شركاً من الاَوّلين لاَنّ


1. يونس: 31.
2. الزمر: 3.
3. يونس : 18.


(27)

أُولئك يُشركون في الرخاء، ويُخلصون في الشدة وهوَلاء شركهم في الحالتين لقوله تعالى: ( فَإذا رَكِبُواْ في الفُلْكِ دَعُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّـا نَجّاهُمْ إلى البَـرِّ إذا هُمْ يُشْـرِكُونَ) (1).

هكذا يرمي محمد بن عبد الوهاب المسلمين بالشرك الغليظ لكونهم يتوسّلون بالنبي والاَئمّة والاَولياء ويستشفعون بهم.

ثمّ يقول في كتابه كشف الشبهات: «إنّ التوحيد الذي جَحَدوه هو توحيد العبادة الذي يسمّيه المشركون في زماننا الاعتقاد كما كانوا يدعون اللّه سبحانه ليلاً ونهاراً ثم منهم من يدعو الملائكة لاَجل صلاحهم وقربهم من اللّه ليشفعوا لهم أو يدعوا رجلاً صالحاً مثل اللات أو نبيّاً مثل عيسى» (2).

وحاصل كلامه أنّ المسلمين اليوم، موحّدون من جهةٍ ومُشركون من جهةٍ أُخرى، أمّا الجهة الاَُولى فلقولهم بأنّ اللّه سبحانه هو الخالق الرازق المدبّر. وأمّا الجهة الثانية فلاَنّهم يعبدون الاَنبياء والصالحين بدعائهم والتوسّل بهم والتبرّك بآثارهم وتعمير قبورهم. ويسمّي الاَُولى : التوحيد في الربوبية، والثانية التوحيد في الاَلوهية، وهو يرتكب الخطأ في تسمية القسم الاَوّل بالربوبية، والثانية بالاَلوهية، وكذا تسمية دعاء الاَنبياء والصالحين عبادةً، ويتَّضح كلّ ذلك عند البحث عن ميزان التوحيد والشرك في العبادة فانتظر.

هذا وقد كتب مفكّرون وكتّابٌ عديدون عن ظاهرة تكفير محمد بن


1. الصواعق الاِلهيّة: الطبعة الثالثة : 4، والآية من سورة العنكبوت: 65.
2. كشف الشبهات: 4، طبعة مصر تصحيح محبّ الدين الخطيب.


(28)

عبد الوهاب وأتباعه للمسلمين قاطبةً، نذكر بعضهم وما كتبوه على سبيل المثال:

يقول جميل صدقي الزهاويّ: «كان محمّدُ بن عبد الوهاب يسمّي جماعته من أهل بلده: الاَنصار، وكان يسمّي متابعيه من الخارج: المهاجرين.

وكان يأمر من حجَّ حجّة الاِسلام قبل إتّباعه أن يحجَ ثانياً قائلاً: إنّ حجَّتك الاَُولى غير مقبولة لاَنّك حججتها وأنت مشرك.

ويقول لمن أراد أن يدخل في دينه: إشهد على نفسك أنّك كنت كافراً، واشهد على والديكَ أنّهما ماتا كافرين واشهد على فلان وفلان (يسمّي جماعة من أكابر العلماء الماضين) أنّهم كانوا كفّاراً فإن شهِدَ بذلك قَبِلَهُ.

وكان يصرّح بتكفير الاَُمّة منذ ستمائة سنة ويكفّر كل من لا يتّبعه وإن كان من اتقى المسلمين، ويسمّيهم مُشركين، ويستحلّ دماءهم وأموالهم، ويُثبتُ الاِيمان لمن اتّبعه» (1).

وكتب الآلوسي في تاريخ «نجد» عن سعود بن عبد العزيز: «أنّه قاد الجيوش وأذعنت له صناديدُ العرب وروَساوَهُم بَيْدَ أنَّه منع الناس عن الحجّ ... وغالى في تكفير من خالفَه وشدّد في بعض الاَحكام» (2).

إنّ وظيفتنا في العصر الحاضر الذي تقاربت فيه الشعوب المتباعدة وتصادقت الدول المتعادية، على اختلاف مسالكها ومشاربها المتباينة،


1. الفجر الصادق: 17ـ 18.
2. كشف الارتياب: 9، نقلاً عن تاريخ نجد.


(29)

ومدارسها وأيديولوجياتها المتناقضة، فتصافحت وتعانقت، واتّحدت وتوحَّدت، أن نعمل على توحيد الصف الاِسلامي وذلك بأن نرجِعَ إلى الكتاب والسنَّة، وأن يُحتَرمَ جميع المسلمين، المنضوين تحت لوائهما، ويُتركَ خلافُ كلّ فرقة إلى نفسها، ولا يُعدَّ ذلك فارقاً ، وفاصلاً بينها وبين الفرق الاَُخرى.

نعم أنّ هذا لا يعني ترك البحث العلميّ والنقاش الموضوعيّ في القضايا المختلف فيها، بل المقصود هو أن لا تُتخذ تلك القضايا وسيلة للتفرّق والتمزّق، والتنازع والتشاحن، فلا ضيرَ في أن يجتمع العلماء في مكانٍ واحدٍ ويتناقشوا ويتناظروا في جوٍّ هادىٍَ لتقريبِ وجهات النظر فيما بينهم ومعرفة فوارقهم وجوامعهم، بل يتعين ذلك خدمة للاِسلام ورحمة بالمسلمين.

ثمّ ممّا يدلّ على سهولة التكليف في عامة الشرائع، والشريعة الاِسلامية الغرّاء خاصّة أنّ الاَصل في الاَفعال هو الاِباحة لا الحظر والحرمة، وذلك آية التسهيل وعلامة التيسير وهذا هو ما نبحث عنه في الاَصل القادم الذي يلي هذا الاَصل.

ولكن نلفت نظر القارىَ إلى الجواب الذي صَدَر من الشيخ عبد العزيز بن عبد اللّه بن باز الموَرخ 8|3|1407 برقم 717|2 على السوَال الذي وُجِّه إليه حول الاِئتمام بمن لا يعتقد بمسألة الروَية يوم القيامة ـ أي روَية اللّه جلّ وعلا من قِبَلِ أهل الجنّة ـ. حيث يكفّر من لا يقول بذلك ولا يعتقده وحيث نَقَل عن عدّةٍ منهم ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم، بأنّه كافر ،


(30)

حيث قال الاَوّل: والذي عليه جمهور السلف أنّ من جَحَدَ روَية اللّه في الدار الآخرة فهو كافر، فإن كان ممّن لم يبلغه العلم في ذلك عُرِّف ذلك كما يُعرَّف من لم تبلغه شرائع الاِسلام، فإن أصّـرَ على الجحود بعد بلوغ العلم فهو كافر.

إن هذه الفتوى تضادّ ما تضافر عن النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - من أنّ أركان الاِسلام عبارة عن التوحيد والاِقرار بالرسالة وغيرهما ممّا مضى ذكره فهل كان النبيّ يوجب على من يعترف بالشهادتين الاعتقاد بروَية اللّه؟؟

إنّ الروَية مسألةٌ اجتهاديةٌ تضاربت فيها أقوال المفسّـرين، ومن نفى الروَية فإنّما اجتهد في النصوص التي زعم القائل دلالتها عليها، فلو كان مُصيباً فله أجران، ولو كان مُخطئاً فله أجرٌ واحد لا أنّه كافر خارج عن الاِسلام.

هذا ولقد بسطنا الكلام في دلالة قوله سبحانه: (إلى ربّها ناظرة) على الروَية وخرجنا بنتيجة واضحة وهي أنّ الآية لا دلالة لها على ما يتبنَّاه أصحابُ الروَية، بل أنّ القول بالروَية من البدع التي دَخَلت إلى الاَوساط الاِسلامية من جانب الاَحبار والرهبان (1).

***


1. راجع الاِلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل للاَُستاذ العلاّمة الشيخ السبحاني.


(31)

2

الاَصل هو الاِباحة

دون الحظر والحُرمة

الاَُمم السابقة وأصالة الاِباحة.

القرآن الكريم وأصالة الاِباحة.

أصالة الحلية في العادات لا العبادات.

ما يترتب على هذا الاَصل.

إذا سبر الاِنسان حياة الاَُمم السابقة ، وجد أنّه لم يكن اعتناقها للشرائع السماوية موجباً لالتزامها بعدم ارتكاب عمل إلاّ بعد إحراز أنّه حلال مباح، بل كان الاَساس المتَّبع في حياة الناس في تلك الاَُمم والاَقوام هو جواز كل فعل إلاّ إذا نهى عنه أنبياوَهم، إذ لولا ذلك لانهارت حياتهم، أو تعقَّدت أشدّ تعقيد.


(32)

القرآن الكريم وأصالة الاِباحة:

يظهر من الذكر الحكيم أنّ هذا هو الاَصل في الشريعة الاِسلامية السمحاء، وأنّ وظيفة النبيّ الاَكرم هو بيان المحرّمات دون المحلَّلات، وأنّ الاَصل هو حلّية كل عملٍ وفعلٍ، إلاّ أن يجدَ النبيُّ حرمته في شريعته، وأنّ وظيفة الاَُمّة هو استفراغ الوسع في استنباط الحكم من أدلّته فإذا لم يجد دليلاً على الحرمة، يحكم عليه بالجواز ، ونكتفي في المقام بلفيف من الآيات، وإن كان في السنّة الغرّاء كفاية:

1ـ قال سبحانه: (وَ مَا لَكُمْ ألاّ تأكلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيهِ وَقَدْ فصّلَ لَكُمْ ما حَرّمَ عَلَيْكُمْ إلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثْيراً لَيُضِلّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْـرِ عِلْمٍ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالمُعْتَدينَ) (1)

فإنّ هذه الآية تكشف عن أنّ الذي يحتاج إلى البيان إنّما هو المحرّمات لا المباحات، ولاَجل ذلك فإنّه بعد أن فصّل ما حرَّم لا وجه للتوقف في العمل، والارتكاب بعد ما لم يكن مبيّناً في جدول المحرّمات.

وبعبارة أُخرى إنّ المسلم إذا لم يجد شيئاً في جدول المحرّمات لم يكن وجه لتوقّفه وعدم الحكم عليه بالاِباحة، والجواز والحلّية.

2ـ قال سبحانه: (قُلْ لا أَجِدُ فيما أوْحيَ إِلَـيَّ مُحَرَّماً عَلَـى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلاّ أن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمَاً مَسْفُوحاً أوْ لَحْمَ خِنزيرٍ فَإِنّه رِجسٌ أَوْ فِسْقاً


(1)الاَنعام: 119.

(33)

أُهِلَّ لِغَيْـرِ اللّهِ بِهِ) (1)

انّه يكشف عن أنّ ما يلزم بيانه إنَّما هو المحرَّمات لا المباحات، ولذلك يستدلّ مُبلِّغ الوحي (ونعني به النبيّ الكريم - صلّى الله عليه وآله وسلم - ) بأنّه لا يجد فيما أُوحي إليه مُحرَّماً على طاعمٍ يطعمه سوى الاَُمور المذكورة فإذا لم يكن هناك شيء فهو محكوم بالحلّية والاِباحة.

3ـ قال سبحانه: (وَمن اهتَدى فإنّما يَهتَدي لنفسه، وَمَن ضَلّ فَإنّما يَضِلُّ عَلَيها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزرَ أُخرى وَما كُنّا مُعذِبينَ حَتّى نَبعَثَ رَسُولاً) (2)

4ـ قال سبحانه أيضاً: (وَمَا كَانَ رَبّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَث في أُمّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَاياتِنَا وَمَا كُنّا مُهلِكِى الْقُرى إلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ) (3)

إنّ دلالة هاتين الآيتين على المقام واضحة فإنّ جملة «وما كان» تارة تستعمل في نفي الشأن والصلاحية، وأُخرى في نفي كون الشيء أمراً ممكناً.

وأمّا الاَوّل فمثل قوله: (وَمَا كَانَ اللّهُ ليُضيعَ إيمانَكُمْ إنَّ اللّهَ بِالناسِ لَرَءُوف رَحيم) (4). وغيره (5) أي ليس من شأن اللّه سبحانه وهو العادل الرؤوف أن يضيع إيمانكم .

وأمّا الثاني فمثل قوله: (مَا كانَ لِنفْسٍ أنْ تَمُوت إلاّ بِإِذْنِ اللّهِ كتاباً


(1)الاَنعام: 145.

(2)الاِسراء: 15.

(3)القصص: 59.

(4)البقرة: 143.

(5)آل عمران: 79 و 161.

(34)

مُوَجَّلاً) (1) أي لا يمكن لنفس أن تموت بدون إذنه سبحانه.

فيكون معنى الآيتين بناء على الاستعمال الاَوّل: هو ليس من شأن اللّه تعالى أن يعذب الناس أو يهلكهم قبل أن يبعث إليهم رسولاً، وعلى الاستعمال الثاني: هو ليس من الممكن أن يعذب اللّه الناس أو يهلكهم قبل أن يبعث إليهم رسولاً.

وعلى كلّ تقدير فدلالة الآيتين على الاِباحة واضحة إذ ليس لبعث الرسل خصوصية وموضوعية، ولو أن جواز العذاب أُنيط ببعثهم فإنّما هو لاَجل كونهم وسائط للبيان والاِبلاغ، والملاك هو عدم جواز التعذيب بلا بيان وإبلاغ، وإنّ التعذيب ليس من شأنه سبحانه، أو أنّه ليس أمراً ممكناً حسب حكمته.

5ـ قال سبحانه: (وَمَا أَهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلاّ وَلَها مُنذِرُونَ) (2)فإنّ هذه الآية مُشعرة بأن الهلاك كان بعد الاِنذار والتخويف، وإنَّ اشتراط الاِنذار كناية عن البيان وإتمام الحجّة.

6ـ قوله سبحانه: (وَلَوْ أنّا أَهْلَكناهُمْ بِعَذاب مِن قَبْلِه لَقالُوا لَوْلا أرْسَلْت إِليْنَا رَسُولاً فَنَتّبِعَ ءَاياتِكَ مِن قَبْلِ أن نَذِلّ ونَخزى) (3)

فإنّ هذه الآية تدلّ على أنّ التعذيب قبل بعث الرسول مردود بحجّة المعذَّبين وهي قولهم: (لولا أرسَلْتَ إلينا رسولاً فنتبع ءَاياتك) فلا يصحّ


(1)التوبة: 12 ويونس: 28.

(2)الشعراء: 208.

(3)طه: 134.

(35)

التعذيبُ إلاّ بعد أخذ الحجّة عنهم ببعث الرسُل.

وهذا يعني أن الاَشياء مباحةٌ جائزةُ الارتكاب خاليةٌ عن العقوبة أصلاً إلاّ إذا ردع عنها الشارع بشكل من الاَشكال التي منها إرسال الاَنبياء.

7ـ قوله سبحانه: ( يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيّـنُ لَكُمْ عَلى فَتْـرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جاءَنَا مِنْ بَشير وَلا نَذير فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشير وَنذَير واللّهُ عَلَـى كُلِّ شَـيء قَديرٌ) (1)

فإنّ ظاهر قوله: (مَا جَاءَنَا مِنْ بَشير وَلاَ نذير) أنّه حجّة تامّة صحيحة، ويحتج به على كل من عُذِّبَ قبل البيان ولاَجل ذلك قام سبحانه بإرسال الرسل حتّى لا يُحتجَّ عليه بل تكون الحجّة للّه سبحانه.

وهذا يُعطي أنّه لا يُحكمُ على حُرمة شيء ولا يجوز التعذيب على ارتكابه قبل بيان حكمه وذلك لاَنّ بعث البشير والنذير كناية عن بيان الاَحكام.

أصالة الاِباحة في العادات لا العبادات:

وها هنا نكتةٌ وهي: أنّ ما قلناه من أنّ الاَصل في الاَشياء هو الاِباحة لا الحظر إنّما يجري في التقاليد والعادات، فإذا شككنا في أنّ لعب كرة القدم الذي هو من العادات والتقاليد هل هو حلال أم لا؟ أو أنّ الاستماع إلى الاذاعة سائغ أم لا؟ فالاَصل بعد التتبع في الاَدلة وعدم العثور على الدليل


(1)المائدة: 19.

(36)

الدالّ على الحرمة هو الحلّية.

وأمّا الاَُمور التي يقوم بها الانسان بما أنّها أعمال قُربيّة توجب الثواب فالاَصل فيها هو الحرمة ما لَم يدّل عليها الدليل، لكون الاَُمور القربية أُموراً توقيفية أي موقوفة على بيان الشارع وطلبه وتحديده ، فإذا شككنا في أنّ صلاة الضحى هل هي سائغة أم لا ؟ فالاَصل فيها هو الحرمة لاَنّها ممّا لم يدلّ عليه دليل، إذ الاِتيان بها ـوالحال هذه ـ إدخال شيء في الدين مع أنّه لم يدلّ دليل على أنّه من الدين، وهكذا كُل عمل قُربيّ يأتي به الاِنسان بما أنّه واجب أو مستحبّ فإنّه يحتاج إلى الدليل، والاَصل فيه هو الحرمة، إلاّ إذا دلّ عليه دليل.

وعلى ذلك فكلّ ما يحكم الوهابيون بحرمته أو يصفونه بالبدعة والشرك، إنّما يتمّ إذا كان من القسم الثاني ولم يدلّ عليه الدليل.

وأمّا القسم الاَوّل، أعني: التقاليد والعادات فالاَصل فيه الاِباحة غير أنّ كثيراً ممن ليس له قدم راسخة في هذه المواضيع و الاَبحاث لا يفرّق بين مورد «أصالة الاِباحة» ، و «أصالة الحظر» والتفصيل موكول إلى محلّه في كتب علم أُصول الفقه.

ما يترتب على هذا الاَصل:

ويترتب على هذا الاَصل:

1ـ أنّ كل ما يقوم به الاِنسان من قول أو فعل فهو محكوم بالاِباحة ما لم نجد نصّاً على تحريمه في الكتاب والسنّة، وما لم ينطبق عليه أحد العناوين


(37)

الكلّية المحرمة، مثل: «الاِعانة على الاِثم» و«تقوية شوكة الكفّار» و«الاِضرار بالمسلمين» و «الاِضرار بالنفس والنفيس» إلى غير ذلك منالعناوين العامّة التي ربّما يصير المباحُ بالذات حراماً بسبب انطباقها عليه.

وعلى أساس ذلك فإنّ جميع المصنوعات الحديثة التي هي من نتائج التقدّم الحضاري التكنولوجي مثل الهاتف والتلغراف، والتلفزيون والسيارة والطائرة وما شابهها واستخداماتها المتعارفة محكومة بالحلّية والاِباحة لعدم وجود نصّ خاصّ على تحريمها في الكتاب والسنّة، ولعدم انطباق أحد العناوين العامّة المحرّمة عليها.

وقد كان مُعظم مشايخ الوهابيين يحرّمون كلّ ذلك في بدء حركتهم ودعوتهم أيّام «عبد العزيز» ولكنّهم عندما أُزيحوا عن منصّة الحكم، وحلّ الآخرون محلّهم أباحوه وصاروا يتحدثون في الاِذاعة والتلفزيون ويستخدمون كل مُعطيات الحضارة الحديثة، ويحلّلون كل أشيائها واستخداماتها.

2ـ يعلم في ضوء الاَصل السابق حلّية العادات والتقاليد العرفية المتّبعة لدى الاَُمم والشعوب من إقامة الاحتفالات والمآتم إلى غير ذلك من الاَُمور التي لا يقوم بها الاِنسان باعتقاده أنّها من الدين لكي ينطبق عليها عنوان البدعة، بل يقوم بها بما أنّها من الاَعراف والتقاليد الاجتماعية.

3ـ حلّية الاَلعاب الرياضية من كرة القدم وكرة الطائرة إلى غير ذلك من الاَلعاب البدنية التي تمنح قدرة جسدية للاِنسان ونشاطاً روحياً إذا لم يقترن بالمحرَّمات.


(38)

4ـ حلّية كافة أشكال الرفض الوطنيّ الدارج بين الشعوب المتحضّرة فكرياً سواء كان لدعم دولتهم أم ضدّها وإسقاطها على الصعيد السياسي، وذلك مثل المظاهرات وما شابهها.

5ـ حلّية تحصيل العلوم الطبيعية في كافّة مجالاتها وميادينها والعلوم الرياضية بشتى أقسامها، وألوانها، وكذا استخدامها في المجالات المباحة.

وأمّا علم الكلام الذي يتكفّل الذبّ عن حياض العقيدة فالحكم بحلّيته لا يحتاج إلى هذا الاَصل، لاَنّ له جذوراً واضحة في القرآن والسنّة، ومن الموَسف أن نرى السطحيين من أهل الحديث وعلى رأسهم الوهابيون قد حرّموه في جامعاتهم ومراكزهم الثقافية، فلا يُدرَّسُ فيها إلاّ العقيدة الطحاوية التي ذكرت العقائد فيها على نهج أهل الحديث، ولا ندري كيف يُحرّمون العلوم العقلية واستخدام العقل في فهم المعارف والاستدلال عليها والذكر الحكيم مليىَ بالبراهين العقلية على وجوده سبحانه وتوحيده وصفاته، إلى غير ذلك من المسائل الفكرية، والاعتقادية التي دعى القرآن الكريم إلى التفكير والتعقل فيها.

فهذا هو إبراهيم الخليل - عليه السّلام- يستدلّ بأُفول الاَجرام السماوية على بطلان كونها أرباباً(1)

وهذا هو الذكر الحكيم يستدلّ على وحدانية اللّه بقوله: (لَوْ كَانَ فِيهما ءَالِهَةٌ إلاّ اللّه لَفَسَدَتَا)(2)وقوله: (وما كان مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إذاً لَذَهَب كُلّ إِله بِمَـا


(1)الاَنعام : 79.

(2)الاَنبياء: 22.

(39)

خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَـى بَعْض)(1)

وهذا هو القرآن الكريم يستدل على وجود البارىَ الخالق بقوله: (أَمْ خُلِقواْ من غَيْـر شَـىءٍ أم هُمُ الخالِقُونَ* أمْ خَلَقُواْ السَّمَـاواتِ والاَرْضِ بَلْ لا يُوقِنُونَ) (2)

إنّ تعطيل العقول عن تحصيل المعارف الحقّة يتعارض مع ما ندب إليه الكتاب والسنّة النبوية وأحاديث العترة الطاهرة، من التفكير والتدبر في آيات اللّه ومعرفة صفاته وأسمائه بالنظر والاستدلال. والعواقب الوخيمة التي آل إليها مصير بعض الشعوب إنّما كان نتيجة إهمالهم هذا الاَمر المهمّ الحيويّ، فإذا عُطِلت العقول عن المعارف وحكم على الاستدلال والبرهنة العقلية بالتحريم، سيطرت على الصعيد الديني والعلمي أفكار وآراء تدعم ما جاء به اليهود والنصارى، من تجسيمه سبحانه وكونه ذا جهة وأنّ له يدين ورجلين وعينين كما عليه ابن تيمية وأتباعه أعاذنا وإيّاكم من عمى العيون والبصائر.

***


(1)الموَمنون: 91.

(2)الطور : 35ـ 36.

(40)

(41)

3
البدعة

تحديد مفهومها وذكر أقسامها

معنى البدعة لغة واصطلاحاً.

حكم البدعة الاصطلاحية في الكتاب العزيز.

حكم البدعة الاصطلاحية في السنّة الشريفة.

ما هي موارد البدعة؟

ما يترتب على هذا الاَصل؟

بطلان تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة.

البدعة مصدر بدع بمعنى أنشأ وبدأ، والبدع: الشيء الذي يكون أوّلاً كما في لسان العرب، وأبدعت الشيء قولاً أو فعلاً إذا ابتدأته لا عن سياقِ مثالٍ كما في مقاييس اللغة.

هذا هو المعنى اللغوي للبدعة، وأمّا معناها في مصطلح الفقهاء فهي عبارةٌ عن:


(42)

إدخال ما ليس من الدين في الدين. وعدّ ما ليس منه، منه.

وليس بين المسلمين أحدٌ يتفوّه بجوازهما لاِطباق الاَدلّة الاَربعة على حرّمتها.

وإلى هذا المعنى المصطلح يشير صاحب القاموس ويقول: البدعة الحَدَث في الدين بعد الاِكمال، أو ما استحدِثَ في الدين بعد النبيّ من الاَهواء والاَعمال.

حكم البدعة الاصطلاحية في الكتاب العزيز :

هذا وقد بسط بعض الفقهاء والمتكلمين القول في تحريم الاِفتاء والحكم في دين اللّه بما يخالف النصوص وفي سقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: (يَا أيُّها الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُقَدّمُوا بَيْـنَ يَدَي اللّهِ وَرَسُولِهِ واتَّقُوا اللّهَ) (1)

وقوله سبحانه: ( وَمَا كَانَ لِمُوَمِنٍ ولا مُوَمِنَةٍ إِذا قَضَـى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أن يَكونَ لَـهُمُ الْخِيَـرَةُ مِن أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلالاً مُبيناً(2)).

وقوله تعالى: (وَأَنَّ هذا صِراطِى مُستَقيماً فَاتَّبعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السّبلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَن سَبيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلّكُمْ تَتَّقُونَ) (3)


(1)الحجرات: 1.

(2)الاَحزاب: 36.

(3)الاَنعام : 153.

(43)

على أنّ البدعة ليست خصوص الاِفتاء بما خالف الكتاب والسنّة بل هي أعمّ من ذلك فهي تشـمل إدخال ما لم يرد في الكتاب والسنّة، بأن سكت عنه الشارع نفياً وإثباتاً في الدين (1)فالمعنى الجامع للبدعة هو:الافتراء على اللّه رسوله ونشر ذلك المفترى في الاَُمّة بعنوان أنّه من الدين.

ويدلّ على هذا المعنى مُضافاً إلى ما عرفت قوله سبحانه: (ءأللّه أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلى اللّهِ تَفْتَرُون) فإن هذه الآية تدلّ على أنَّ كلّ ما يُنسب إلى اللّه سبحانه بلا إذنٍ منه فهو أمرٌ محرّم، ومَن أدخل في الدين ما ليس منه فقد افترى على اللّه.

وقد عدّ اللّه المفتر ي مِن أظلم الناس إذ قال سبحانه: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن افْتَرى عَلَـى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذّبَ بآياتِهِ إِنّه لا يُفْلِحُ الظَالِمون) (2)

وعندما اقترح المشركون على النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - بأن يأتي بقرآن غير هذا أو يبدّله إلى آخره، أمَرَه سبحانه بأن يقول: (قُلْ مَا يَكُونُ لي أَن أُبَدّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسي إنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنّي أَخافُ إنّ عَصَيت رَبّي عَذاب يَوم عَظيمٍ)(3).


(1) أعلام الموقعين لابن القيم 3: 25 ـ 65.

(2)الاَنعام: 21.

(3)يونس: 15.

(44)

حكم البدعة الاصطلاحية في السنّة الشريفة:

وأمّا السنّة فإليك لفيفاً من الاَحاديث الدالّة على هذا المعنى وعلى شجب البدعة وتحريمها.

قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

1ـ «أمّا بعد فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ اللّه، وإن أفضلَ الهدى هدى محمّد، وشرّ الاَُمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة في النار».

قال ابن حجر العسقلاني في شرح حديث: «وشرّ الاَُمور محدثاتها» في صحيح البخاري: المحدثات جمع محدثة المراد بها ما أُحدث وليس له أصل في الشرع ويُسمّى في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة (1)

2ـ «إيّاكم والبدع فإنّ كلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة تسير إلى النار».

3ـ «من سنّ سنّةَ خير فأُتبع عليها فله أجره، ومثل أُجور من اتّبعه غير منقوص من أُجورهم شيئاً، ومن سنّ سُنّةَ شرّ فأُتبعِ عليها كان عليه وزرهُ ومثل أوزار من اتّبَعَه غير منقوص من أوزارهم شيئاً».

4ـ «أهل البدع شر الخلق والخليقة».

5ـ «الاَمر المفضع والحمل المضلع والشرّ الذي لا ينقطع إظهار البدَع».


(1)فتح الباري في شرح صحيح البخاري 13: 253.

(45)

5ـ «إذا رأيتم صاحب بدعة فاكْفهِرّوا في وجهه فإنّ اللّه ليبغض كلّ مبتدع، ولا يجوز أحد منهم على الصراط ولكن يتهافتون في النار مثل الجراد والذباب».

7ـ «من مشى إلى صاحب بدعة فقد أعان على هدم الاِسلام».

8ـ «عمل قليل في سنّة خير من عمل كثير في بدعة».

9ـ «أبى اللّه أن يقبلَ عَملَ صاحب بدعة حتى يدع بدعته».

10ـ «إذا مات صاحب بدعة فقد فُتح في الاِسلام فتحٌ».

11ـ «لا يقبل اللّهُ لصاحب بدعة صلاة ولا صوماً ولا صدقة ولا حجّاً ولا عمرة ولا جهاداً ولا صرفاً ولا عدلاً، يخرج من الاِسلام كما تخرج الشعرة من العجين».

12ـ «من غشّ أُمّتي فعليه لعنة اللّهِ والملائكة والناس أجمعين. قالوا يا رسول اللّه: وما الغشّ قال: أن يبتدع لهم بدعة فيعملوا بها».

13ـ «من أعرض عن صاحب بدعة بغضاً له ملاَ اللّه قبله أمناً وإيماناً، ومن انتهر صاحب بدعة آمنه اللّه يوم الفزع الاَكبر، ومن أهان صاحب بدعة رفعه اللّه في الجنّة مائة درجة، ومن سلّم على صاحب بدعة أو لقيه بالبشر واستقبله بما يسرّه فقد استخفّ بما أنزل اللّه على محمّد».

14ـ عن قيس بن عبادة قال انطلقت أنا والاَشتر إلى عليّ - عليه السّلام- فقلنا هل عَهِد إليك رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - شيئاً لم يعهده إلى الناس عامّة؟ قال: لا إلاّ ما في كتابي هذا، فأخرج كتاباً من قراب سيفه فإذا فيه:


(46)

«الموَمنون تتكافأ دماوَهم وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، ألا لا يُقتل موَمن بكافر ولا ذو عهد في عهده، من أحدث حدثاً فعلى نفسه، ومن أحدث حدثاً أو آوى مُحدثاً فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين لا يُقبل منه صرف ولا عدل» (1).

هذه هي طائفة من الاَحاديث التي تصرّح بحرمة البدعة وتدعو إلى نبذها، ومكافحتها، والاِعراض عن أصحابها.

وقد حكم العقل بقبحها أيضاً، فإنّ العقل إذا حكم بقبح الكذب حكم بطريق أولى بقبح الافتراء على اللّه ونسبة شيء إليه كذباً.

ثمّ هو أمر اتّفق عليه كلّ علماء الاِسلام بلا استثناء ومن هنا تكون البدعة أمراً محرّماً بالاَدلّة الاَربعة.

ما هي موارد البدعة؟

هذا هو مفهوم البدعة، وهذه هي أدلّة حرمتها، غير أنّ تطبيقها على أعمال العباد وأفعالهم يتوقَّف على تمييز التقاليد والآداب العرفية عن الاَعمال الدينية فنقول: إن الاَعمال التي يقوم بها الاِنسان على نوعين:

الاَوّل: ما يقوم به بما أنّه جزء من تقاليد مُجتمعه وأعراف بيئته لا بما أنّه جزء من الدين، مع كونه مباحاً بالذات في الشريعة المقدّسة.


(1)جامع الاَُصول 9: 566، عن الترمذي وكنز العمال ج1 و 8 و 15 و 7 و 11 و2.

(47)

الثاني: ما يقوم به بما أنّه جزء من الشريعة والدين، وبزعم أنّه أمر به الشارع، وله أصل في القرآن والسنّة.

والبدعة المحرّمة تكون في النوع الثاني، فإنّ الانسان إذا أتى بعمل بوصفه جزءاً من الدين، في حين لم يكن مأموراً به من قبل الشارع ولم يكن له أصل في الشريعة، كان عمله بدعة.

لا من النوع الاَوّل، إذا كان مباحاً في ذاته.

نعم يحرم العمل ـ في النوع الاَوّل ـ إذا كان مُحرّماً ومحظوراً بالذات في الشريعة، وحينئذٍ تكون حرمته لا لاَجل كونه بدعة بل لكونه محرّماً لذاته شرعاً، وإليك بيان ذلك بالتفصيل لمزيد التوضيح.

النوع الاَوّل: ما يوَتى به تبعاً للتقاليد الاجتماعية:

إذا قام الاِنسان بأمر مباح في حدّ ذاته (كالاحتفال في يوم خاص) لا ينطبق عليه شيء من العناوين المحرّمة كشرب الخمر، واقتراف الميسر، لا بما أنّه من الدين، بل بما أنّه من العادات المتعارفة في حياة قومه ومجتمعه، لا يكون عمله هذا بدعة في الدين، لعدم صلته بالدين وإنّما يُطلق عليه أنّه أمر مُحدث أو مبتدع بالمعنى اللغوي لا بالمعنى الوارد للبدعة في الكتاب والسنّة، ومصطلح العلماء.

فمثلاً لو احتفل شعب بيوم استقلاله، وخروجه عن ذلّ التبعية، فإنّ هذا العمل لا يكون بدعة في الدين، ذلك لاَنّ المحتفلين لا يقومون به بما أنّه من الدين، وبما أنّ الشارع أمر بذلك، إنّما يقومون به لكونه من التقاليد


(48)

والعادات التي جرى عليها الآباء والاَجداد، أو ابتكرها الجيل الحاضر تشحيذاً لعزائم الشعب في سبيل حفظ استقلالهم، والخروج عن سيطرة القوى الكبرى عليهم، مع كون العمل غير محرّم في ذاته، بل هو اجتماع وإنشاد قصائد وإلقاء خطب وشرب شاي ولقاء إخوان إلى غير ذلك.

ونمثل لهذا بالشعب الجزائري فإنّه مرّت عليه أعوام عديدة رزحوا فيها تحت السيطرة الفرنسية الغاشمة، تنهب ثرواتهم، وتدمّر ثقافتهم الاِسلامية، ثمّ منحهم اللّه تعالى الاستقلال والحرية بفضل عزائمهم، وجهادهم وتضحيتهم، وعادت إليهم عزتهم وهويتهم، فلو قرّر هذا الشعب أن يحتفل بيوم تحرّره هذا كلّ عام من دون اقتراف المنكرات واقتراف المعاصي ما كان لاَحد أن يلومهم على ذلك ويذمّهم، بل يمدحهم العقلاء بفطرتهم السليمة.

كما لا يدور في خلد أحد أنّ هذا الشعب ارتكب بهذا الصنيع بدعة في الدين، لاَنّه لم يقم بهذا لكونه من الدين والشريعة، وأنّ النبي أمر بذلك، بل قامَ بما قامَ من باب حفظ المصالح وتشحيذ عزائم الناس الذي هو في حدّ نفسه حلال بلا ريب.

فمن حَكَمَ بحرمة هذه التقاليد والآداب والرسوم سواء أكان لها جذور في الاَعوام السابقة أو كانت من محدثات العصر فقد ارتكب خطأ في تحديد البدعة، ولم يميّزها عن غيرها من المراسيم والآداب.

فهذا ابن تيمية يصف الكثير من الاَعمال المباحة التي يقوم بها


(49)

المسلمون منذ قرون بالبدعة يصرّح في موضع آخر بأن الاَصل في العادات هو الحلّية إلاّ ما حظره اللّه قال: «فالاَصل في العبادات لايشرَّع منها إلاّ ما شرّعه اللّه، والاَصل في العادات لا يحظر منها إلاّ ما حظره اللّه» (1)

وبهذا يُعلم أن تضييق الاَمر في العادات والتقاليد التي لم يرد فيها حظر من الشرع لا يصدر إلاّ من الجاهل بأنّ الشريعة الاِسلامية سمحة سهلة (2)لم تتدخل في عادات الناس وتقاليدهم بل تركتها إلى أنفسهم حتى يختار كل قوم ما يناسب بيئتهم وظروفهم، وهذا هو الاَساس لكون الاِسلام خاتم الشرائع، وكتابه خاتم الكتب، ونبيّه خاتم الاَنبياء ولو كان محدّداً للتقاليد والآداب، والمراسم والمواسم لوقع التضادّ بينه وبين حياة الشعوب وحضارتها المتكاملة مع مُضيّ الزمان.

إنّ هذا الاَُسلوب هو الذي يضمن مرونة الاِسلام، ويجعله قادراً على أن يتمشى مع العصور والحضارات.

إنّ الاِسلام بيّـن الا َُطر العامّــة، ولم يتدخـل في تقاليــد المجتمعــات وآدابهم العرفية بل خلاّهم وأياها إذا كانت أمراً مباحاً حلالاً بالذات.

نعم الاَمر المحرّم لا يتغير حكمه، وإن أُطلق عليه أنَّه من تقاليدهم وآدابهم، فلا يحلّ محرّم بحجّة أنّه من الاَعراف الاجتماعية.


(1)المجموع من فتاوى ابن تيمية 4: 196.

(2)صحيح البخاري ج1، كتاب الاِيمان باب «الدين يسر»: 12. روى عن النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - أنّه قال: «أحبّ الدين إلى اللّه الحنيفيّة السمحة».

(50)

إنّما الكلام هو فيما إذا كان غير محرّم بالذات، أي لم يكن ممّا عدّه الشارع المتمثل في الكتاب والسنّة أمراً محرَّماً، ففي مثل هذه الصورة لا يُعدّ ـبسبب الاتفاق عليه وعلى إتيانه في زمان أو مكان معيّـن ـ بدعة بمعناها الاصطلاحي.

إنّ لكلّ قوم آداباً خاصّة في المعمارية، والخياطة والمعاشرة واللقاءات السنوية وفي الضيافات، وقد تركهم الشرع فيها إلى أنفسهم، ولم يُحدّدها، فإذا اتفقوا على أنّ يتهادوا فيما بينهم في كلّ سنّة في يوم خاص، أو يجتمعوا في كلّ شهر في وقت معيّـن لا بما أنّه من الدين، لم يكن ذلك بدعة، وهكذا لو أجمعوا على تكريم زعيمهم في يوم خاص.

ولولا هذه المرونة لما كان الاِسلام ديناً عالمياً خالداً، ولتوقفت حركته منذ أقدم العصور، إذ أنّ لكل قوم رسوماً وأعرافاً تتعلّق بها قلوبهم ... مع فرض أنّه ليس أمراً محرّماً بالذات.

* * *

النوع الثاني: ما يوَتى به باسم الدين، وأنّه أمر به الشارع في الكتاب والسنّة، وهذا هو الذي ينقسم العمل فيه إلى عمل شرعي وبدعي.

فلو أمر به الشارع يكون العمل به مشروعاً والعامل مُثاباً.

أمّا إذا لم يكن هناك نصٌ من الشارع على الاِتيان به بما أنّه من الدين عُدَّ عملاً بدعياً، والعامل به مبتدعاً، ويُعاقب عليه أشدّ العقاب.


(51)

ملاك كون العمل مشروعاً لا بدعة:

ولكن الذي يجب أن نلفت إليه نظر القارىَ الكريم هو أنّ العنصر الذي يوجب خروج العمل عن كونه بدعياً هو دعم الشرع له، وتصريحه بأنّه من الدين، وهذا الدعم يكون على نوعين:

الاَوّل: أن يقع النص عليه في القرآن والسنّة بشخصه، وحدوده وتفاصيله وجزئياته. كالاحتفال بِعيدي الفطر والاَضحى، والاجتماع في عرفة ومنى، ولا شكّ أنّ هذا الاحتفال والاجتماع قد أمر به الشرع فخرج عن كونه بدعة.

الثاني: أن يقع النص عليه على الوجه الكلّـي، ويُترك انتخاب أساليبه وأشكاله وألوانه إلى الظروف والمقتضيات.

وإليك بعض الاَمثلة في هذا المجال:

1ـ لقد ندب الشارع المقدس إلى تعليم الاَولاد ومكافحة الاَمية ولا شكّ أنّ لهذا الاَمر الكلّـي أشكالاً وألواناً حسب تبدّل الحضارات وتكاملها، وقد كان التعليم والكتابة في الظروف السابقة تتحقق بالكتابة بالقصب والحبر، وجلوس المتعلّم على الاَرض في الكتاتيب، إلاّ أنّ ذلك تطوّر الآن إلى حالة جديدة تستخدم فيها الاَجهزة المتطورة حيث أصبح الناس يتعلّمون عن طريق الاِذاعة والتلفزيون والكومپيوتر والاَشرطة وإلى غيرها من وسائل التعليم الحديثة.


(52)

إنّ الشارع المقدس لا يخالف هذا التطور ولا يمنع من استخدام الاجهزة والاَساليب الحديثة ، إنّما هو أمر بالتعليم والتعلّم، وترك إتخاذ الاَساليب إلى الظروف والمقتضيات.

ولو أصرَّ على إتخاذ كيفية خاصّة لفشل في هدفه المقدَّس ولفقد مبررات خلوده واستمراره، لاَنّ الظروف ربّما لا تناسب الاَداة الخاصّة التي يقترحها والكيفية الخاصّة التي يحددها.

2ـ لقد حث الاِسلام على الاِحسان إلى اليتامى والتحنّن عليهم وحفظ أموالهم وتربيتهم، غير أنَّ هذا الاَمر الكلّـي له ألوان وأساليب مختلفة تجاري مقتضيات كلّ عصر ومصر وإمكانياتهما فاللازم علينا هو امتثال ما ندب إليه الشرع، وأمّا كيفيته فمتروكة إلى أهل كلّ عصر ومصر، ومن أصرَّ على أنّ على الشارع تبيين خصوصيات الاِحسان، فقد جهل بالاِسلام ولم يعرف أساس كونه خاتماً إذ لا يكون خاتماً إلاّ إذا ذكر لُبّ الاِحسان إلى اليتامى وغيره، وترك الصور والاَساليب إلى الناس ومقتضيات الزمان والمكان.

3ـ إنَّ الصحابة ـ حسب رواية السنّة ـ قاموا بجمع آيات القرآن المتفرّقة في مصحف واحد ولم يصف أحدٌ منهم هذا العمل بكونه بدعة، وما هذا إلاّ لاَنّ عملهم كان تطبيقاً لقوله سبحانه: ( إنَّا نحن نزَّلنا الذِكرَ وإنّا لَهُ لحافظون) (1)

فعملهم في الواقع كان تطبيقاً عملياً لنصوص شرعية من الكتاب والسنّة، وقد جرى المسلمون على ذلك المنوال في مجال الاهتمام بالقرآن من


(1)الحجر: 9.

(53)

كتابته وتنقيطه، وإعراب كلمه وجمله، وعدّ آياته وتمييزها بالنقاط الحمراء، وأخيراً طباعته ونشره، وتشجيع حُفّاظه وقرّائه، وتكريمهم في احتفالات خاصة، إلى غير ذلك من الاَُمور التي يعتبر كلّها دعماً لحفظ القرآن وتثبيته وبقائه، وإن لم يفعله رسول اللّه ولا أصحابه ولا التابعون، إذ يكفينا وجود أصل له في الاَدلة.

4ـ إنَّ الدفاع عن بيضة الاِسلام وحفظ استقلاله وصيانة حدوده من الاَعداء أصل ثابت في القرآن الكريم قال سبحانه: (وَأعدِّوا لَهُم مَا اسْتَطَعتُم مِن قُوّةٍ وَمِن رِباطِ الخيلِ تُرهِبُونَ بِه عَدوّ اللّه وَعَدوَكُم) (1) وأمّا كيفية الدفاع ونوعية السلاح وشكل الخدمة العسكرية المتبعة في كلّ عصر ومصر فهو برمته تطبيق لهذا المبدأ وتجسيد لهذا الاَصل.

فالتسلح بالغواصات والاَساطيل البحرية والطائرات المقاتلة إلى غير ذلك من أدوات الدفاع ليس بدعة بل تجسيد لهذا الاَصل، ومن حلا له أن يرمي التجنيد العسكري بأنّه بدعة يكون ممّن غفل عن حقيقة الحال وجهل بأنّ الاِسلام يأمر بالاَصل ، ويترك الصور والاَشكال لمقتضيات العصور.

ما يترتَّب على هذا الاَصل:

ويترتب على هذا الاَصل أُمور:

1ـ إذا كانت الشريعة الاِسلامية شريعة خاتمة وكتابه كتاباً خاتماً، ونبوته نبوّة خاتمة، وإذا كان باب الوحي ونزول الشرائع من السماء إلى الاَرض


(1)الاَنفال: 60.

(54)

قد أُغلق بوفاة رسول الاِسلام - صلّى الله عليه وآله وسلم - وهو كذلك يقيناً، وإذا كان ليس للبشرية شريعة إلاّ هذه الشريعة إلى يوم القيامة فيجب أن تتمتع هذه الشريعة بمرونةٍ خاصّة حتى يتقبّلها جميع شعوب العالم بيسر، ورغبة، ومن المرونة هذه، أن لا يخالف الاِسلام تقاليد الشعوب وآدابها، ولا يعارض أعرافها ومواضعاتها، إذا لم يكن فيها حرام بالذات، وإذا لم يقوموا بها بما أنّها مأمور بها من جانب اللّه سبحانه، وبما أنّها من الدين، وإنّما يقومون بها كرمز أصالتهم وحضارتهم وشارة سلفهم مع كونه غير محرَّم.

ونوَكّد مرةً أُخرى أنّ هذه المراسم والاَعمال إنّما لا يُعارضها الاِسلام إذا لم تكن أُموراً محرّمة بالذات، أوْ لم يقارنها حرام كاختلاط النساء بالرجال، أو الاستعانة بالآلات المحرّمة إلى غير ذلك.

وإنّما تفشّى الاِسلام بين الشعوب وانتشر بين الاَُمم بسرعة هائلة، لاَجل أنّه لم يعارض أعرافهم المحلّلة المعقولة، ولم يخالفها، وإنّما اكتفى بأن طالبهم بالاِيمان بأُصوله وفروعه والاِتيان بالواجبات واجتناب المحرّمات، وإصلاح الاَخلاق.

2ـ الاحتفال بمواليد الاَنبياء والاَئمّة والصالحين الذين لهج الكتاب والسنّة بمدحهم، وفضلهم من هذا الاَعراف والمراسم التي لا يعارضها الاِسلام، فليس لنا رميها بصفة «البدعة» لما عرفت من أنّ البدعة هو العمل الذي لم يرد بشأنه نصّ في الكتاب والسنّة، ويوَتى به على أساس أنّه من الدين.

فقد أمر الكتاب والسنّة بحب النبيّ وودّه أوّلاً، وتوقيره وتكريمه ثانياً


(55)

وحثّ عليهما في الشريعة وستتعرف على دلائل لزوم حبه كما ستتعرف على لزوم تكريمه وتوقيره.

وعلى ذلك فلو احتفل المسلمون منذ قرون ولا يعلم مبدأ تلك الاحتفالات إلاّ اللّه سبحانه، فإنّهم لم يريدوا بفعلهم ذلك أن يُدخلوا في الدين ما ليس منه بل أرادوا أن يُعبّـروا عن حبّهم ووفائهم للنبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - ويجسّدوا توقيرهم وتكرّمهم له.

وبذلك تقف على قيمة قول الكاتب المعاصر محمّد حامد الفقي حين يقول في تعاليقه على فتح المجيد: الذكريات التي ملاَت البلاد باسم الاَولياء هي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم (1)وكيف انّه قد تجافى عن الحقيقة في قولته هذه.

فقد عرفت أنّ الوارد في الاَدلّة هو الاَُصول، وأمّا الصور والاَشكال فموكولة إلى الاَزمنة واختلاف الحضارات والاَعراف، وهو أمر جار في مسألة الاحتفال بمواليد الاَنبياء والاَئمّة الكرام، فإنّ الكتاب والسنّة حث على أصل الحب والمودة لهم وترك بيان نوعية التعبير عن هذه المودة والحب، ليقوم كلّ بإظهار هذا الحب والودّ، والقيام بهذا التوقير والتعزير بطريقته المتّبعة مالم يكن العمل الذي يقوم في هذا المضمار حراماً بذاته أو مقروناً بأمر حرام.

والعجب أن نسمع بعض الاِذاعات ـ رغم وضوح هذا الاَصل ـ وهي تنقل أحاديث بعض العلماء وهم يهاجمون الاحتفال بمولد رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم -


(1)فتح المجيد: 154. والكاتب المذكور وهابي النزعة.

(56)

ويشجبونه، لا بما أنّه يشتمل على محرّم أو منكر، بل لعدّ نفس العمل بدعة فتنتابنا الدهشة كيف لا يفرّق هوَلاء بين «البدعة» و «السنّة»، وهل التظاهر بمحبة النبيّ، وإيداء مودّته في ممارسات مباحة ذاتاً بدعة؟! أو أنّ توقيره وتكريمه وترفيعه إثم، وقد حث عليهما الكتاب والسنّة؟

وبعبارة واضحة:

إنّ ما يقوم به المسلمون في مولد النبيّ الاَكرم إنّما هو تجسيد لاَصلين دعا إليهما الذكر الحكيم:

1ـ حبّ النبيّ ومودّته التي ستقف على آياتها وأحاديثها مستقبلاً، في هذا الكتاب.

2ـ تعزيره وتوقيره وتكريمه الذي دلّ عليه قوله سبحانه: (... فَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِه وعزّرُوهُ وَنَصَـرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذي أُنزِلَ مَعَه أُولئِكَ هُم المُفلِحُونَ) (1)وقد فُسّـر التعزير، بالتكريم والتوقير.

والعمل الذي له أصل في الكتاب والسنّة، لا يُعدّ بدعة وان أُتي به باسم الدين، لاَنّه لم يُدخل فيه شيئاً ليس فيه، أمّا الاَصل فموجود، وأمّا الصورة فهي متروكة لكل عصر حسب متطلباته.

فما معنى عدّ هذه الاحتفالات التي هي تجسيد صادق للاَُصول الكلّية الواردة، في الكتاب والسنَّة من البدعة؟


(1)الاَعراف: 157.

(57)

أوَليست البدعة هي أن يُوَتى بشيء باسم الشرع وليس هو من الشرع؟

أوَليس القرآن والسنَّة قد حثّا على حبّ النبي كما ستعرف ذلك على نحو التفصيل؟

أوَليس القرآن يقول:(وَمَنْ يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فإنَّ حزبَ اللّهِ هُمُ الغالِبُونَ) (1)

أوَليس القرآن يقول:(... فَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِه وعزّرُوهُ وَنَصَـرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذي أُنزِلَ مَعَه أُولئِكَ هُم المُفلِحُونَ) (2)

أوليس الاحتفال تجسيداً للحب والودّ، أو للتعزير الذي هو بمعنى التكريم والتوقير؟! ألا تكفي هذه الاَُوامر الكلّية. وهل ينتظر الذين يهاجمون هذه الاحتفالات بحجّة أنّها بدعة ويتوقعون أن ينصّ الشرع على جميع المصاديق والجزئيات للمفاهيم الكلّية؟

أليست وظيفة الشرع هي إلقاء الاَُصول وعلى المسلمين أن يقوموا بالتطبيقات؟

اللّه اللّه ...لا تشدّدوا على المسلمين...ولاتعسّـروا عليهم في الدين ... قلّلوا من تكرار هذه الكلمة «بدعة ... بدعة» قلّلوا من الازدراء بالمسلمين، وأكثروا فهم دينكم وجالسوا العلماء كيما تعلموا.

3ـ إنّ المحافظة على آثار رسول الاِسلام وعترته الطاهرة وما يمتّ


(1)المائدة: 56.

(2)الاَعراف: 157.

(58)

إليهم بصلة ليس بدعة في الشريعة فإنّ الشريعة الاِسلامية أمرت بحبّ النبيّ، ومودَّته، وللحب والود مظاهر، وتجسيدات، وحفظ المراقد وتنظيفها، والمحافظة على الآثار وصيانتها من الاندثار وما شابه ذلك تندرج تحت نطاق الحب والتكريم، وتعدّ مظاهر له بإتفاق كل العقلاء.

4ـ إنَّ اجتماع قادة الشعوب وزعماء البلاد في موسم الحجّ، واستعراض المشاكل الاِسلامية ومدارستها، واتّخاذ القرارات الضامنة لمصلحة المسلمين ليس بدعة في الدين بل هو تحقيق لغرض الحجّ، أوَليس القرآن الكريم يقول: (جَعَل اللّهُ الكَعبَةَ البيتَ الحَرامَ قِياماً للناسِ) (1)

يعني أنّ الكعبة المشرفة، وموسم الحجّ، جُعلت قياماً للناس تقيم حياتهم وتضمن مصالح الاَُمّة الاِسلاميّة وما يقيم حياتهم وكيانهم، وأيّ شيء يقيم حياتهم أفضل من العمل السياسي والتداول في قضايا الاَُمّة، ومعالجتها بالتفكير والتخطيط والتنسيق؟

كيف لا وهذا التاريخ ينقل لنا أنَّ قادة الاِسلام وزعماءه من الصحابة والتابعين مارسوا العمل السياسي والحكومي والاجتماعي أثناء موسم الحجّ.

فهذا هو الخليفة الثالث «عثمان بن عفان» يحاسب عمّـاله في الحجّ، ويتخذ حتّى غير المسلمين من موسم الحجّ وأيّامه فرصة لعرض ظلامتهم عليه في ذلك الموسم (2).

وهذا هو الاِمام سيد الشهداء الحسين بن علي - عليه السلام - يطرح في


(1)المائدة: 97.

(2)راجع العبادة في الاِسلام للاَُستاذ يوسف القرضاوي.

(59)

موسم الحجّ مشاكل الاَُمّة ويدعوا علماءها إلى النهوض بمسوَولياتهم (1)

بل لو اقتضى الاَمر أن يُظهر المسلمون قوَّتهم المادية، وقدرتهم الشكلية إرهاباً للعدو وتخويفاً للطامع فيهم، وذلك بإخراج مسيرات وتظاهرات استنكارية على هامش الحجّ كان ذلك جائزاً بل لازماً كما فعل رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - لمّا أمر أصحابه في عمرة القضاء بالرملان والهرولة في الطواف ليُري المشركين قوتهم وجلدهم (2)

تقسيم البدعة إلى الحسنة والسيئة:

وقد اشتهر بين أهل السنّة تقسيم البدعة إلى قسمين حسنة وسيئة.

قال النووي في شرح صحيح مسلم: البدعة على خمسة أقسام واجبة ومندوبة ومحرَّمة ومكروهة ومباحة، ومن الواجبة نظم أدلّة المتكلّمين للرد على الملاحدة والمبتدعين وشبه ذلك، ومن المندوبة تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والربط وغير ذلك، ومن المباحة التبسط في ألوان الاَطعمة، وغير ذلك والحرام والمكروه ظاهران(3)

وقال الجزري في النهاية: البدعة بدعتان، بدعة هُدىً وبدعة ضلالٍ، فما كان في خلاف ما أمر اللّه به ورسوله فهو في حيّز الذم والاِنكار، وما كان واقعاً تحت عموم ما ندب اللّه إليه وحضّ عليه رسوله فهو في حيّـز المدح،


(1)الاحتجاج للطبرسي: 19.

(2)راجع صحيح البخاري كتاب الحجّ، والنهاية في غريب الاَثر لابن الاَثير مادة (رمل).

(3)صحيح مسلم شرح النووي، باب صلاة الجمعة ، الحديث: 43.

(60)

وما لم يكن له مثال موجودٌ كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهو من الاَفعال المحمودة ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به (1)

ويظهر هذا التقسيم في كثير من الكلمات وقد رووا عن عمر بن الخطاب أنّه بعد ما رأى أنّ أُبي بن كعب أقام صلاة التراويح جماعةً وصف ذلك الفعل بالبدعة الحسنة (2).

لكن هذا التقسيم باطل لو أُريد منه البدعة بمعناها المصطلح عند الفقهاء أي «إدخال ما ليس من الدين في الدين».

وهذا المعنى ليس إلاّ قسماً واحداً وهو محرّم بالكتاب والسنّة، والعقل والاِجماع إلى يوم القيامة، ولا يسوّغها شيء قطّ، ولا مبرر لتقسيمها إلى البدعة الحسنة والبدعة السيئة ما دامت من باب ادخال ما ليس من الدين، في الدين.

نعم يصح هذا التقسيم بالنسبة إلى التقاليد والاَعراف الاجتماعية، وأيّ شيء محدث آخر في حياة المجتمعات من العادات والرسوم، فما يوَتى منها من دون الاِسناد إلى الدين، ولم يكن محرّماً بالذات شرعاً كان بدعةً حسنةً، ومفيدة مثل ما اذا احتفل الشعب بيوم استقلاله، أو تجمّع للبراءة من أعدائه أو أقام الاَفراح لمولد بطل من أبطاله، أو ما هو معهود ومرسوم بين الملوك والروَساء بأن يبرق كلٌ إلى الآخر بمناسبة عيد الاستقلال الوطني، أو ولادة الرئيس إظهاراً للفرح، وتجسيداً للتوادد المحمود عقلاً.


(1)النهاية لابن الاَثير مادة «بدعة»، ج1: 106.

(2)صحيح البخاري: مجلد 3 كتاب التراويح ص 156.

(61)

نعم بما أنّه حلال بالذات لا مانع أن تتفق عليه الاَُمّة وتتّخذه عادة وتقليداً مُتّبعاً في المناسبات.

وأمّا إذا أتى به من دون إسناده إلى الدين، ولكنّه كان محرّماً بالذات كان حينذاك فعلةً سيئةً لكونه عملاً محرماً مثل دخول النساء سافرات مُتبرجات في مجالس الرجال في الاستقبالات والضيافات وحينئذ لا تكون حرمة هذا الاَمر من باب كونه بدعة بل من باب كونه حراماً بالذات شرعاً، فلا ينطبق عليه عنوان «شرّ الاَُمور مُحدثاتها» لاَنّ للبدعة قسماً واحداً وهو «إدخال ما ليس من الدين في الدين» وهو المعنيّ بأحاديث تحريم البدعة ليس غير، والمورد الاَخير ليس من قبيل ادخال ما ليس من الدين في الدين، بل من باب الاِتيان بشيء حرام بالذات، والفرق بين البابين واضح.

***


(62)


(63)

4

حُبّ النبيّ وعترته الطاهرة

في الكتاب والسنَّة
ومظاهره في حياة الفرد والمجتمع

حبُّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - في الكتاب.

العوامل الداعية إلى حبّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

مكانة النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - وعلوّ كعبه.

الاَحاديث الحاثّة على حبُّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

مظاهر الحبّ في الحياة.

وظائف الاَُمّة تّجاه النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

حبُّ ذوي القربى في الكتاب والسنّة.

البواعث إلى محبّة أهل البيت.

ما يترتّب على هذا الاَصل.

صيانة الآثار الاِسلامية.

البناء على القبور في ضوء الكتاب والسنّة.

الحبّ والبغض خلَّتان تتواردان على قلب الاِنسان، تشتدان وتضع فان، ولنشوئهما واشتدادهما أو انحلالهما وضعفهما عوامل وأسباب.


(64)

ولا شكَّ أنّ حُبّ الانسان لذاته من أبرز مصاديق الحبّ، وهو أمر بديهي لا يحتاج إلى البيان، وجبلّـي لا يخلو منه إنسان، ومن هذا المنطلق حب الانسان لما يرتبط به أيضاً، فهو كما يحب نفسه يحبُّ كذلك كلّ ما يمتّ إليه بصلة، سواء كان اتّصاله به جسمانياً كالاَولاد والعشيرة، أو معنوياً كالعقائد والاَفكار والآراء والنظريات التي يتبنّاها، وربّما يكون حبّه للعقيدة أشد من حبّه لاَبيه وأُمّه، فيذب عن حياض العقيدة بنفسه ونفيسه، وتكون العقيدة أغلى عنده من كلّ شيء حتّى نفسه التي بين جنبيه.

فإذا كان للعقيدة هذه المنزلة العظيمة يكون لموَسسها ومغذّيها، والدعاة إليها منزلة لا تقل عنها، إذ لولاهم لما قام للعقيدة عمود، ولا اخضرّ لها عود ولاَجل ذلك كان الاَنبياء والاَولياء بل جميع الدعاة إلى الاَُمور المعنوية والروحية مُحترمين لدى جميع الاَجيال من غير فرق بين نبي وآخر، ومُصلح وآخر، فالاِنسان يجد من صميم ذاته خضوعاً تجاههم، وإقبالاً عليهم.

ولهذا لم يكن عجيباً أن تحترم بل تعشق النفوس الطيّبة طبقة الاَنبياء والرُسل منذ أن شرع اللّه الشرائع وابتعث الرسل، فترى أصحابها يُقدّمونهم على أنفسهم بقدر ما أُوتوا من المعرفة والكمال.

حبّ النبيّ في الكتاب:

ولوجود هذه الاَرضية في النفس الاِنسانية والفطرة البشرية تضافرت الآيات والاَحاديث على لزوم حبّ النبيّ وكل ما يرتبط به، وليست الآيات إلاّ إرشاداً إلى ما توحيه إليه فطرته قال سبحانه: (قُلْ إنْ كانَ ءَاباوَُكُمْ


(65)

وَأَبْناوَُكُمْ وَإِخوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وََعَشيرَتُكُمْ وَأَمَوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتجارَةً تَخشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحب إِلَيكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ في سَبيله فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأتِـي اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لا يَهْدِي القَومَ الفاسقِينَ) (1)

وقال سبحانه: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فَإنَّ حِزْب اللّهِ هُمُ الغالِبُونَ) (2)

وليست الآيات الحاثّة على حُبّ الرسول الكريم - صلّى الله عليه وآله وسلم - مُنحصرة في ذلك، وسيوافيك ما يدلّ على لزوم تكريمه وتوقيره فانتظر.

العوامل الداعية إلى حُبّ النبي:

لم يكن أمر اللّه سبحانه بحبّ النبيّ أمراً اعتباطياً بل كان لاَجل وجود عوامل اقتضت البعث إلى حُبّه والحث على موادته نشير إلى بعضها:

1ـ انّ الاِيمان إذا نضج في قرارة الاِنسان، واعتقد بنبوة الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلم - وأدرك أنَّ سعادته تكمُن في ما جاء به أصبح حبه للنبيّ في قلبه أشدّ من حبه لاَبنائه وآبائه فضلاً عن إخوانه وعشيرته، لاَنّه يشعر بقوة الاِيمان ونوره انّه سعد بالنبي الاَكرم، ونجا من الشقاء ببركته وفضله، فعندئذ يتفانى في حبّه ويتهالك في وُدّه، فيكون الحث على حبّ النبيّ استجابة لهذه الرغبة النفسية السليمة المنطقية، وتأكيداً لها.


(1)التوبة: 24.

(2)المائدة: 56.

(66)

2ـ صلة النبيّ الوثيقة باللّه سبحانه وارتباطه بخالق الكون، فيكون الحث على حبّ النبيّ واضمار المودّة له تقديراً لهذه العلاقة وتثميناً لهذه الصلة المقدسة بالخالق.

3ـ ما فاق به على جميع الناس من مناقب وفضائل وما يحمله بين جوانحه من محاسن الاَخلاق ومحامدها.

4ـ سعيه الحثيث في هداية الاَُمّة بحيث كان يبذل جهداً كبيراً في هداية أُمّته إلى حدّ التضحية براحته بل بنفسه، وكان يُصيبه الحزن الشديد إذا رأى إعراضهم عن رسالته ولاَجل ذلك نزل الذكر الحكيم يُسلّيه بقوله: (فَلَعلَّكَ باخِعٌ نَفسكَ على ءَاثارِهِمْ إِنْ لَـمْ يُوَمِنُوا بهذا الحَديثِ أَسَفَا) (1)

وقال عزَّ من قائل: (فَلا تَذْهَبْ نَفسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَـرات إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ) (2)

إنَّ النبي كاد أن يُهلك نفسه أسفاً على الذين يُفضّلون الضلالة على الهدى، ويُعرضون عن الهداية والرشاد، أوَليس هذا مُستحقاً لاَن تحبّه القلوب وتودّه الاَفئدة؟

أوَليس هذا التأسّف دليلاً على رحمة هذا النبي بالناس، وحبه العميق للبشرية، وهل يمتلك القلب إن كان سوياً إلاّ أن يبادل النبيّ العطوف الخلص، الحبَ والمودَّة؟


(1)الكهف: 6.

(2)فاطر: 8.

(67)

ولقد انعكس حُبُّه للاَُمّة وتفانيه في الهداية والارشاد، في غير واحدة من الآيات نعرض بعضها قال سبحانه: (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَليظَ القَلْبِ لانْفَضُّـواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ في الاَمْر) ) (1)

وقد بلغ حسن خلقه وكرامة نفسه إلى حدّ يصفه القرآن الكريم بالعظمة ويقول: (وََإنَّ لَكَ لاَجْراً غَيْـرَ مَمْنُونِ * وإِنَّكَ لَعَلَـى خُلُقٍ عَظِيم) (2)

وهذا هو البوصيري يعكس مضمون الآية في قصيدته المعروفة:

فاق النبيّين في خَلقٍ وفي خُلُقٍ * ولم يُدانُوه في علمٍ ولا كَرَمِ

أكْرِم بِخَلق نبيٍ زانه خُلُقٌ * بِالحُسن مُشتَمِلٌ بالبِشرِ مُتَّسِمِ

وهل يمكن للنفس أن لا تعشق رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عشقاً جمّاً وهو الشفيع الاَكبر يوم القيامة وقد أعطاه اللّه تعالى تلك المنزلة الرفيعة إذ قال: (وللآخِرةُ خَيرٌ لَكَ مِنَ الاَُولى * وَلَسْوفَ يُعْطِيكَ رَبُكَ فَتَرْضى) (3)

وقد فُسّـرت في غير واحد من الاَحاديث بمقام الشفاعة.

وهل يرضى - صلّى الله عليه وآله وسلم - وهو نبيّ الرحمة ببقاء موَمن به في النار بل ودخوله


(1)آل عمران: 159.

(2)القلم: 3 ـ 4.

(3)الضحى: 4 ـ5.

(68)

فيها إلاّ إذا كان مقطوع الصلة باللّه تعالى ورسوله بسبب الموبقات؟

أم هل يمكن للنفس أن لا تحب ذلك النبي الكريم الروَوف الرحيم بأُمّته، الحريص على هدايتهم بنص القرآن الكريم إذ يقول عزَّ وجلّ: (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ ما عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بالموَمِنينَ رَءُوفٌ رَحِيم) (1).

ثمَّ إنَّ للشيخ العلاّمة: محمّد الفقي أحد الاَزهريين كلاماً في مكانة النبي نأتي بنصّه:

مكانة النبيّ وعلوّ كعبه عند ربّه:

وقد شرّف اللّه تعالى نبيّه بأسمى آيات التشريف، وكرَّمه بأكمل وأعلى آيات التكريم، فأسبغ عليه نعمه ظاهرةً وباطنةً، فذكر منزلته منه جلَّ شأنه حيّاً وميتاً في قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ وملائكَتهُ يُصَـلّونَ عَلَـى النَبِيّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلّوا عَلَيْهِ وَسَلّمُوا تَسْلِيماً) (2)

فأيّ تشريف أرفع وأعظم من صلاته سبحانه وتعالى هو وملائكته عليه؟

وأيّ تكريم أسمى بعد ذلك من دعوة عباده وأمره لهم بالصلاة والسلام عليه؟


(1)التوبة: 128.

(2)الاَحزاب: 56.

(69)

ولم يقف تقدير اللّه تعالى عند هذا التقدير الرائع بل هناك ما يدعو إلى الاِعجاب ويلفت الاَنظار إلى تعظيمٍ على جانب من الاَهمية.

ألم تر في قوله تعالى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون) (1)ما يأخذ بالاَلباب ويدهش العقول فقد أقسم سبحانه وتعالى بحياة نبيّه في هذه الآية، وما سمعت أنّه تعالى أقسم بحياة أحد غيره.

والقرآن الكريم تفيض آياته بسمو مقامه، وتوحي بعلوّ قدره وجميل ذكره، فقد جعل طاعته طاعةً له سبحانه إذ قال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللّهَ) .

وعلَّق حبَّه تعالى لعباده على اتّباعه فيما بعث به وأُرسل للعالمين إذ يقول سبحانه: (قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللّهَ فَاتَبِعُوني يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)) (2).

وممّا يدلّ على مبلغ تقديره ومدى محبّة اللّه وتشريفه لرسوله - صلّى الله عليه وآله وسلم - قوله تعالى: (وإِذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النَّبيينَ لَما ءَاتَيتُكُمْ مِن كِتابٍ وَحِكْمَة ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُوَمِنُنَّ بِه وَلَتَنْصُـرُنَّهُ...)(3)

وقد قال علي - عليه السّلام- : لم يبعث اللّه نبياً من آدم فمن بعده إلاّ أخذ عليه العهد في محمّد، لَئِن بُعِثَ وهوَ حيٌ لَيُوَمِنَنَّ به ولينصرنَّه ويأخذ العهد.

وتتحدث آية أُخرى عن مدى ذلك التقدير والجلال فتقول: (يا أَيُّها


(1) الحجر: 72.

(2)آل عمران: 31.

(3)آل عمران: 81.

(70)

النَّبِيّ إنّا أَرْسَلْنَاكَ شاهِداً وَمُبَشِّـراً وَنذِيراً* وداعياً إلى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِـراجَاً مُنِيرَاً)(1)

إنَّ هذه الآية في روعتها لتتكلم بأجلى بيان عن أروع ما يتصوّره بشر في هذه الحياة من عظمةٍ وإكبارٍ وتقديرٍ لذاته - صلّى الله عليه وآله وسلم - وتعبّـر عن الموهبة الربانيّة والعطيةِ الاِلهية التي لم يتمتع بها نبيٌ ولا رسولٌ قبله.

وهناك نواحٍ أُخرى بعيدة المدى تنطق بسمّوِ منزلته، وبالغ قدره وتوجّه الثقلين إلى مبلغ تعظيم اللّه تعالى له ويتحدث به قوله تعالى: (يَا أَيّها الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوقَ صَوتِ النَّبيّ وَلا تَجهَرُوا لَهُ بالقَولِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالكُمْ وأَنْتُمْ لا تَشْعُرُون) (2)

وقوله تعالى: (إنَّ الَّذينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ لِلْتَقْوى) (3)

وقوله تعالى: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً...) (4)فأيّ إجلال أبلغ من هذا وأيّ تقدير أروع من هذا التقدير؟

وهل نال بشرٌ في هذا الوجود مثل ما نال هذا النبيُّ العظيم الذي يصفه مولاه بقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم) (5)

وهذه الآيات تدعو الموَمنين إلى توقيره وتعظيمه حال مخاطبته.


(1)الاَحزاب: 45ـ 46.

(2)الحجرات: 2 ـ 3.

(3)الحجرات: 2 ـ 3.

(4)النور: 63.

(5) القلم: 4.

(71)

ولست أقف بك عند هذه الروائع والمُثل العليا التي يمتاز بها هذا النبيّ العظيم والرسول الصادق الاَمين ولكنّي أُحدثك عن شوَون أُخرى لها خطرها في التقدير والتعظيم، وتتجلّـى فيها مكانته ومقامه، قال سبحانه: (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِن أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ ما عَنِتّم حَريصٌ عَليكُم بالمُوَْمِنينَ رَءُوفٌ رَحِيم) (1). ففيه أروع وصف من أوصافه تعالى (رؤوف رحيم ) وأبلغ نعت يقرّره له مولاه، فإنّ هذين الوصفين ممّا اتّصف به سبحانه وتعالى من جلائل الاَوصاف.

وقد بلغت مكانته عند اللّه سبحانه إلى حد لا يأخذ أُمّته بمعاصيها وذنوبها ما دام هو فيهم يقول سبحانه: (وَما كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِم ومَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون) (2)

فأيّ كرامة أولى وأعظم من معجزته الخالدة الباقية ما بقيت الشمس وضحاها؟

وأية رحلة تاريخية قام بها أكبر من رحلته التاريخية التي نص بها القرآن الكريم وقال: (سُبْحانَ الذِي أَسْـرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الاَقْصى الَّذي بارَكْنا حَوْلَهُ...) (3)

وقد تضافرت الروايات على أنّ جبرئيل كان يلازمه من مكّة إلى بيت المقدس فهذه الملازمة أكبر مظهر من مظاهر الشرف والفخار وأسمى آية


(1)الاَنفال: 128.

(2)الاَنفال: 33.

(3)الاِسراء: 1.

(72)

من آيات التقدير للرسول الاَعظم في حياة الاَُمم وتاريخها.

ونختم البحث بما يدلّ على علوّ مكانته وجليل قدره، أعني: قوله سبحانه: (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ)(1)فقرن اسمه باسمه وجعل الاِيمان لا يتحقّق إلاّ بالنطق بالشهادتين وفي ذلك يقول حسّان بن ثابت:

أغرٌّ عليه للنبوة خاتمٌ * من اللّه من نور يلوحُ ويشهدُ
وضم الاِلهُ اسمَ النبي إلى اسمِهِ * إذا قالَ في الخَمسِ الموَذِنُ أشهَدُ
وشقَ له من اسمِهِ ليجلَّه * فذو العرشِ محمودٌ وهذا محمّدُ

وبعد هذا لا يمكن للقلم أن يكتب، وللسان أن يتكلم، فإنّ عظمته لا تصل لا كُنهها العقول، ولا تُدرك حقيقتها الاَفهام والمدارك، ولا يعرف مداها إلاّ واهبها ومُعطيها، جلّ شأنّه العظيم، وليس لنا بعد ذلك إلاّ أن نتمثَّل بقول الشاعر:

وعلى تفنن واصفيه بحسنه * يَفنى الزمان وفيه ما لم يوصف (2)

هذه العوامل الاَربعة هي التي يوَدّي كلُّ واحدٍ منها بالاِنسان ذي القلب السليم إلى حبّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - وموادته ولاَجل ذلك تضافرت الآيات الدالة على ذلك.


(1)الانشراح: 4.

(2)التوسّل والزيارة للاَُستاذ محمّد الفقي من علماء الاَزهر الشريف: 156ـ 160.

(73)

وقد تعرّفت على آيتين منها وهناك آية ثالثة تأمر بتعزير النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - مضافاً إلى نصرته، قال سبحانه: (الَّذِينَ ءَامَنُوا به وعَزَّرُوهُ وَنَصرُوهُ واتَّبََعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِل مَعَهُ أُولئِكَ هُمْ المُفْلِحُونَ(1)).

فالآية الكريمة تأمر بأُمور أربعة:

1ـ الاِيمان به.

2ـ تعزيره.

3ـ نُصرته.

4ـ اتّباع كتابه وهو النور الذي أُنزل معه.

وليس المراد من تعزيره نصرته لاَنَّه قد ذكره بقوله «ونصروه» وإنّما المراد توقيره، وتكريمه وتعظيمه بما أنّه نبي الرحمة والعظمة، ولا يختص تعزيره وتوقيره بحال حياته بل يعمُّها وغيرها، تماماً كما أنَّ الاِيمان به والتبعية لكتابه لا يختصان بحال حياته الشريفة.

هذه هي العوامل الباعثة إلى حب النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - وهذه هي الآيات المرشدة إلى ذلك.

ولاَجل دعم المطلب نذكر بعض ما ورد من الروايات في الحث على حبّه وموادّته.


(1)الاَعراف: 157.

(74)

الاَحاديث الحاثّة على حبّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

1ـ «لا يوَمِنُ أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من وُلده والناس أجمعين».

2ـ «والذي نفسي بيده لا يوَمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ الناس إليه من والده وَوَلده».

3ـ «ثلاثٌ من كُنَّ فيه ذاقَ طعم الاِيمان: من كان لا شيء أحب إليه من اللّه ورسوله، ومن كان لئن يُحرَق بالنار أحب إليه من أن يرتَّد عن دينه، ومن كان يحبّ للّه ويبغض للّه».

4ـ «واللّه لا يكون أحدكم موَمناً حتّى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده».

5ـ «لا يوَمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه».

6ـ «من أحبَّ اللّه ورسوله صادقاً غير كاذِبٍ ولقي الموَمنين فأحبَّهم وكان أمرُ الجاهلية عنده كمنزلة نار أُلقي فيها فقد طُعِمَ طعم الاِيمان أو قال فقد بلغ ذروة الاِيمان».

إنَّ الذي يرى سعادته في ما جاء به رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - من شريعة ودين هو الذي يذوق طعم الاِيمان، وتذوّقُ طعم الاِيمان لا يتحقّق إلاّ عندما يستن


(75)

الاِنسان بسنّة رسول اللّه ويعمل بشريعته فيحصل على سعادته.

7ـ عن أبي رزين قال: قلت يا رسول اللّه ما الاِيمان قال: «أن تعبد اللّه ولا تُشرك به شيئاً، ويكون اللّه ورسوله أحبَّ إليك مما سواهما، وتكون أن تُحرَق بالنار أحبّ إليك من أن تُشرك باللّه شيئاً، وتحبّ غير ذي نسب لا تحبه إلاّ للّه فإذا فعلت ذلك فقد دخل حبّ الاِيمان في قلبك كما دخل قلبَ الضمآن حب الماء في اليوم القائظ».

8ـ «ثلاثٌ من كنَّ فيه وَجَدَ حلاوة الاِيمان: أن يكون اللّه ورسوله أحبَّ إليه ممّا سواهما».

9ـ عن أنس انَّ رجلاً سأل النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: وما أعددت لها؟ قال: لا شيء، إلاّ أنّـي أُحِبُّ اللّه ورسوله، فقال: أنت مَعَ من أحببت. قال أنس: فما فرِحنا بشيء فَرَحَنَا بقول النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - : أنتَ مع من أحببت.

10ـ أبو ذر قال: يا رسول اللّه الرجلُ يحبُّ القوم ولا يستطيع أن يعمل بِعَمَلِهِمْ؟ قال: أنتَ يا أبا ذر مع من أحببتَ . قال: فإنَّـي أُحب اللّه ورسوله، قال: فإنَّك مع من أحببتَ، قال: فأعاد (ها) أبو ذر، فأعادها رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

11ـ «مَنْ أحيا سُنّتي فقد أحبَّني ومن أحبَّني كان معي في الجنّة».

12ـ «والذي نفْس محمّد بيده ليأتيَّـن على أحدكم يوم ولا يراني، ثمّ لئن يراني أحبّ إليه من أهله وماله معهم».


(76)

13ـ «إنَّ أحدكم سيوشك أن ينظرَ إليَّ نظرةً بما له من أهل وعيال».

14ـ «مِن أشدّ أُمّتي لي حُبّاً أُناسٌ يكونونَ بَعدِي يودّ أحدُهم لو رآني بأهله وماله».

15ـ «أشدُّ أُمتي لي حُبّاً قومٌ يكونون بعدي يودّ أحدّهم أنّه فقد أهله وماله وأنّه رآني».

16ـ «إنَّ أُناساً من أُمّتي يأتُونَ بَعدي يودّ أحدهم لو اشترى روَيتي بأهله وماله».

17ـ «من دعا بهوَلاء الدعوات في دبر كلّ صلاة مكتوبة حَلَّت له الشفاعةُ مني يوم القيامة: اللّهمّ اعطِ محمّداً الوسيلةَ واجْعلَ في المصطفين محبّته، وفي العالمين درجته وفي المقربين ذكر داره».

18ـ من قال في دبر كل صلاة مكتوبة: «اللّهمّ اعطِ محمّداً الدرجة والوسيلة، اللّهمّ اجعل في المصطفين محبَّته وفي العالمين درجته، وفي المقرّبين ذكره» من قال تلك في دُبُر كلّ صلاة فقد استوجب عليّ الشفاعة وَوَجَبَتْ له الشفاعة.

وقد رُوي عن أبي بكر قال: الصلاة على النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - أمحقُ للخطايا من الماءِ للنارِ، والسَّلام على النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - أفضلُ مِن عتق الرِّقاب، وحبُّ رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - أفضلُ من عِتق الاَنفس أو قالَ: من ضرب السيف في سبيل اللّه عزّ وجلّ (1)


(1)راجع للوقوف على هذه الاَحاديث ونظائرها جامع الاَُصول ج1 نقلاً عن صحيح البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وكنز العمال ج2، و 6 و 12.

(77)

اختلاف الاَُمّة في درجات حُبّهم للنبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

وليست الاَُمّة الموَمنة في ذلك شرعاً سواء بل هم فيه متفاوتون على اختلاف درجات عرفانهم به، كاختلافهم في حبّ اللّه تعالى.

قال الاِمام القرطبي: كلُ من آمن بالنبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - إيماناً صحيحاً لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبّة الراجحة غير أنّهم متفاوتون فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظِّ الاَوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظّ الاَدنى كمن كان مُستغرقاً في الشهوات محجوباً في الفضلات في أكثر الاَوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - اشتاق إلى روَيته بحيث يوَثرها على أهله وولده وماله ووالده ويبذل نفسه في الاَُمور الخطيرة ويجد مخبر ذلك من نفسه وجداناً لا تردّد فيه (1)

مظاهر الحبّ في الحياة:

إنّ لهذا الحب مظاهر ومجالي، إذ ليس الحب شيئاً يستقر في صقع النفس من دون أن يكون له انعكاسٌ خارجيٌ على أعمال الاِنسان وتصرفاته، بل إنّ من خصائص الحب أن يظهر أثره على جسم الاِنسان وملامحه، وعلى قوله وفعله، بصورة مشهودةٍ وملموسةٍ.

فحبُّ اللّه ورسوله الكريم لا ينفكّ عن اتّباع دينه، والاستنان بسنته،


(1)فتح الباري لابن حجر 1: 50ـ 51.

(78)

والاِتيان بأُوامره والانتهاء عن نواهيه، ولا يُعقلُ أبداً أن يكون المرء مُحبّاً لرسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - أشدَّ الحب، ومع ذلك يُخالفه فيما يُبغضه، ولا يُرضيه، فمن ادّعى الحبّ في النفس وخالف في العمل فقد جمع بين شيئين متخالفين متضادين.

ولنِعمَ ما قال الاِمام جعفر الصادق - عليه السّلام- في هذا الصدد موجهاً كلامه إلى مُدّعي الحب الاِلهي كذباً:

تعصي الاِله وأنتَ تُظهِرُ حبَّه * هذا لعمرِي في الفِعال بديعُ
لو كان حبُّك صادقاً لاَطعتَه * إنّ المُحِبَّ لِمنَ يُحبُّ مُطيعُ (1)

نعم لا يقتصر أثر الحب على هذا بل له آثار أُخرى في حياة المحب، فهو يزور محبوبه ويكرمه ويعظّمه ويزيل حاجته، ويذبّ عنه، ويدفع عنه كلّ كارثة ويهيىَ له ما يُريحه ويسره إذا كان حيّاً.

وإذا كان المحبوب ميّتاً أو مفقوداً حزن عليه أشد الحزن، وأجرى له الدموع كما فعل النبي يعقوب - عليه السّلام- عندما افتقد ولده الحبيب يوسف - عليه السّلام- فبكاه حتى ابيضت عيناه من الحزن، وبقي كظيماً حتى إذا هبّ عليه نسيم من جانب ولده الحبيب المفقود هشَّ له وبش، وهفا إليه شوقاً، وحباً.

بل يتعدّى أثر الحب عند فقد الحبيب وموته هذا الحد فنجد المحب يحفظ آثار محبوبه، وكلّ ما يتَّصل به، من لباسه وأشيائه كقلمه ودفتره وعصاه ونظارته. كما ويحترم أبناءه وأولاده ويحترم جنازته ومثواه ويحتفل كلّ عام بميلاده وذكرى موته، ويكرمه ويعظمه حباً به ومودةً له.


(1)سفينة البحار مادة «حب».

(79)

وظائف الاَُمّة تّجاه النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

ويكفي في بيان مقام النبيّ وسمو منزلته أنَّ اللّه تعالى أوجب على الاَُمّة وظائف تّجاه النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - في الكتاب العزيز نشير إليها باختصار:

1ـ الصلاة عليه إذا ذُكر اسمه الشريف. قال اللّه تعالى: (إنَّ اللّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَـى النَّبِيّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (1)

2ـ عدم دعائه - صلّى الله عليه وآله وسلم - كدعاء الناس بعضهم بعضاً، قال تعالى: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً) (2)

3ـ عدم رفع الصوت فوق صوته - صلّى الله عليه وآله وسلم - وعدم الجهر له بالقول ومناداته من وراء الحجرات قال تعالى: (يَا أَيّها الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوقَ صَوتِ النَّبيّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بالقَولِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أَعمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُون * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصواتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امتَحَنَ اللّهِ قُلُوبََـهُمْ لِلتَقْوى لَـهُمْ مَغُفِرة وَأَجْر عَظِيم * إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الحُجُرات أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُون) (3)

4ـ عدم التقدّم عليه في أمر قال تعالى: (يَا أيُّها الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُقدّمُوا


(1)الاَحزاب: 56.

(2)النور: 63 ، أي أن لا يدعوه قائلين: يا محمد، بل يقولوا مثلاً: يا رسول اللّه، أو يا نبي اللّه.

(3)الحجرات: 2ـ 4.

(80)

بَينَ يَدَي اللّه ورَسُولَه واتَّقُوا اللّهَ إنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَليم) (1)

5ـ عدم إيذائه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قال اللّه تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُوَذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللّهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً) (2)

6ـ عدم نكاح زوجاته - صلّى الله عليه وآله وسلم - من بعده قال اللّه تعالى: (مَا كانَ لَكُمْ أَنْ تُوَذُوا رَسُولَ اللّهِ ولا أَنْ تَنْكحُوا أَزواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللّهِ عَظيماً) (3)

7ـ عدم الخروج عن مجلس المشاورة إلاّ بإذنه، قال تعالى: (إِنَّما المُوَْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمرٍ جامِعٍ لَـمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوه) (4)

8ـ وجوب طاعته - صلّى الله عليه وآله وسلم - قال تعالى : (وَأَطِيعُوا اللّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمْون) (5)

هذه هي بعض الوظائف التي كلّف اللّه تعالى المسلمين أن يقوموا بها تجاه رسول الاِسلام العظيم وهي تُنبىَ عن عظمة شأنه وعلوّ درجته وكما هي في نفس الوقت تبعث كلّ إنسان إلى الاِعجاب بشخصيته وإلى محبته ومودّته.

* * *


(1)الحجرات: 1.

(2)الاَحزاب: 57.

(3)الاَحزاب: 53.

(4)النور: 62.

(5)آل عمران: 132.

(81)

حبّ ذوي القربى في الكتاب العزيز:

وإذا كان القرآن الكريم دعا إلى حبّ النبيّ، فهو في الوقت نفسه دعا إلى حبّ ذوي القربى إذ قال عزّ وجلّ: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ الموَدَّةَ في القُرْبى)) (1).

ولسنا الآن بصدد التحقيق في أنّ المودَّة في القربى هل هو أجر حقيقي أو ليس أجراً حقيقياً، بل أجره على اللّه سبحانه كما تضافرت بذلك الآيات في شأنه وشأن غيره من الاَنبياء والرسل (2)

وإنّما المقصود هو أنّ اللّه سبحانه أمر النبي - صلّى الله عليه وآله وسلم - أن يطلب من أُمّته أن يودّوا ذوي قرباه ويحبونهم، وقد وردت في شأن ذوي القربى روايات أُخرى رواها المحدثون في صحاحهم ومسانيدهم ومن أراد التوسع فليراجع الكتب الموَلَّفة في هذا المضمار.

والّذي يهمّنا هو نقل الاَحاديث النبويّة الحاثة على حبّ العترة الطاهرة.

الاَحاديث النبويّة الحاثّة على حبّ العترة:

قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

1ـ «لا يوَمن عبدٌ حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه وتكون عترتي أحبَّ


(1)الشورى: 23.

(2)الشعراء: 109، 127، 145، 114، 180.

(82)

إليه من عترته ويكون أهلي أحبَّ إليه من أهله».

2ـ «إنَّ لكلّ نبىٍّ عُصبة ينتمون إليها إلاّ وُلد فاطمة فأنا وليّهم وأنا عُصبتهم وهم عترتي خُلقوا من طينتي ويلٌ للمكذبين بفضلهم من أحبّهم أحبّه اللّه ومن أبغضهم أبغضه اللّه».

3ـ «شفاعتي لاَُمّتي من أحبَّ أهل بيتي وهم شيعتي».

4ـ «أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة المُكرِّمُ لذريتي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أُمورهم عندما اضطروا إليه والمحب لهم بقلبه ولسانه».

5ـ «يا عليّ إنّ الاِسلام عريان، لباسُه التقوى، ورياشُه الهدى وزينتُه الحياء، وعمادُه الورع وملاكه العمل الصالح، وأساس الاِسلام حُبي وحبّ أهل بيتي».

6ـ «إنّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - أخذ بيد حسن وحسين وقال: مَن أحبّني وأحبّ هذين وأباهما وأُمهما كان معي في درجتي يوم القيامة».

7ـ «أحبّوا اللّه لما يغذوكم به من نِعَمِهِ وأحبُّوني بحبِّ اللّهِ، وأَحبّوا أهلَ بيتي لحبّي».

8ـ «من أحبّني وأحبَّ هذين (يعني حسناً وحسيناً) وأباهما وأُمهما كان معي في درجتي يوم القيامة».

9ـ «أنا وفاطمة والحسن والحسين مجتمعون ومن أحبّنا يوم القيامة، نأكُل ونشربُ حتّى يفرّق بين العباد».


(83)

10ـ عن ابن عباس قال: خرج رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قابضاً على يد «علي» ذات يوم فقال: «ألا مَن أبغَضَ هذا فقد أبغَضَ اللّهَ ورسوله، ومَن أحبَّ هذا فقد أحبَّ اللّهَ ورسوله» .

11ـ عن ابن عباس أيضاً قال مشيتُ وعمر بن الخطاب في بعض أزقة المدينة فقال: يا ابن عباس أظنُّ القومَ استصغروا صاحِبَكُم إذ لم يُولُّوه أُمورَكُم؟

فقلت: واللّه ما استصغَره رسولُ اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - إذ اختاره لسورة براءة يقروَها على أهل مكة.

فقال لي: الصوابَ تقولُ واللّهِ لَسَمِعت رسولَ اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - يقول لعلي بن أبي طالب: « من أحبَّك أحبَّني، ومن أحبَّني أحبَّ اللّهَ، ومن أحبَّ اللّه أدخلَهُ الجنَّة مُدلاً».

12ـ «من أحبَّ علياً فقد أحبَّني ومن أحبَّني فقد أحبَّ اللّه ومن أبغَضه فقد أبغَضني ومن أبغَضني فقد أبغَض اللّه» .

13ـ «الحسن والحسين ابناي من أحبَّهما أحبَّني ومن أحبَّني أحبَّه اللّهُ وأدخلهُ الجَنَّة وَمن أبغَضهُما أبغضني ومَن أَبغَضني أبغَضهُ اللّهُ وأدخَلَهُ النار».

14ـ عن أُسامة بن زيد قال: طرقت النبيَّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - ذاتَ ليلةٍ في بعض الحاجة فخرج النبيُّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - وهو مُشتملٌ على شيء لا أدري ما هو فلمّـا فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنتَ مُشتملٌ عليه؟ فكشفه فإذا هو حَسنٌ وحسينٌ على وركيه، فقال: «هذان ابناي وابنا ابنتي، اللّهمّ إنّـي


(84)

أُحبُّهما فَأحِبَّهُما وأَحبَّ من يُحبَّهُما».

15ـ عن سعد بن مالك قال: دخلتُ على النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - والحسن والحسين يلعبان على ظهره فقلتُ: يا رسول اللّه أتحبهما؟ فقال: «وما لي لا أُحبُّهما، إنّهما ريحانتاي من الدنيا».

16ـ «شفاعتي لاَُمّتي من أحبَّ أهل بيتي».

17ـ ابن عباس قال: «خَرَج رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قابضاً على يد «علىٍّ» ذات يوم فقال: ألا من أبغَضَ هذا فقد أَبغَضَ اللّه ورسوله».

18ـ عن زهير بن الاَقمر قال بينما الحسن بن علي يخطب إذ قامَ شيخ من أزدشنوَة فقال: رأيتُ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - واضعاً هذا الذي على المنبر في حبْوته وهو يقول: «من أحبني فليحبَّه فليبلغ الشاهدُ الغائب» ولولا عزمة رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - ما حدَّثت.

19ـ عن البراء بن عازب قال رأيت النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - حَملَ الحسن على عاتقه وقال: «اللّهمّ إنّي أحبّه فأحبّه».

20ـ عن عائشة أنّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - كان يأخذ حَسَناً فيَضمُّه إليه ثُم يقول: «اللّهمّ إنّ هذا ابني وأنا أُحبّه فأحبّه وأحبُّ من يُحبُّه».

21ـ عن سعيد بن زيد قال: احتضن رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - حسناً ثم قال: «اللّهمّ إنّـي قد أحببتُه فأحبَّهُ».

22ـ عن أبي هريرة قال: بَصرَ عيناني هاتان وسَمِع أُذنايَ النبيَّ - صلّى الله عليه وآله وسلم -


(85)

وهو آخذ بيد حَسَن أو حسين وهو يقول ترقَّ عين بقة، فيضعُ الغُلام قدمه على قَدمِ النبيَّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - ثمّ يرفَعهُ فَيَضَعُه على صَدْره ثم يقول: افتحْ فاكَ ثم يقبّله ثم يقول: «اللّهمّ إنّـي أُحبُّه فَأَحِبَّهُ».

23ـ عن ابن عباس قال جاءَ العباس يعود النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - في مرضه فَرَفَعَهُ فأجلَسَه على السَّـرِير فقال له رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : رَفَعَكَ اللّهُ يا عمّ، ثمّ قالَ العباس هذا «علي» يستأذن فدَخَلَ ودَخَلَ معهُ الحسن والحسين فقال له العباسُ: هوَلاء وُلدُكَ يا رسول اللّه.

قال: وهم وُلْدُكَ يا عمّ.

فقال: أتحبّهم؟ قال: نعم. فقال: أحبّك اللّهُ كما أحببتهما (1)

هذه طائفة ممّا ورد من الاَحاديث النبويّة الحاثَّة على حبّ العترة ومودّتهم وهي أكثر من أن تُحصى.

البواعث إلى محبّة أهل البيت:

ولقد توفرت ملاكات المحبّة والمودّة وموجباتها ومبرراتها في أهل البيت - عليهم السلام - حتّى أنّ الاِنسان لا يقف عليها إلاّ ويندفع إلى مودّتهم ومحبّتهم من دون إرادته.

فهم أعدال القرآن الكريم بموجب حديث الثقلين المتواتر عند


(1)لاحظ للوقوف على هذه الاَحاديث ونظائرها كنز العمال ج10 و 12 و 13.

(86)

المسلمين وهو الحديث الذي قال فيه رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «إنّـي تاركٌ فيكمُ الثقلين كتابَ اللّه وعترتي أهلَ بيتي ما إن تَمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض» (1)

فهم حسب هذا الحديث أئمّة الهدى ومثلهم مثل القرآن الكريم فيإنقاذ البشرية من تيه الجهالة وحيرة الضلالة وهدايتها إلى الحياة السعيدة.

وهم شارة الاِيمان وعلامته كما في الحديث الصحيح المنقول في كتب الفريقين: حيث قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - في شأن سيدهم وأوّلهم علي بن أبي طالب: «يا علي لا يحبك إلاّ موَمنٌ ولا يُبغضك إلاّ منافق» (2).

وهم سلامُ اللّه عليهم سُفنُ النَّجاة حيث قال رسول - صلّى الله عليه وآله وسلم - في حديث صحيح: «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينةِ نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى» (3)

وهم الذين لا يصلّـى على النبي من دون الصلاة عليهم وإلاّ كانت صلاةً بتراء ناقصةً، إذ قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «لا تُصلُّوا عليّ الصلاةَ البتراء» فقالوا: وما الصلاة البتراء؟

قال: تقولون: اللّهمّ صلّ على مُحمّد وتسكتون بل قولوا: اللّهمّ صلِّ


(1)وقد جمع العلامة الشيخ قوام الوشنوي كل أسناد وصور هذا الحديث في رسالة مستقلة طبعتها دار التقريب في القاهرة.

(2)المستدرك للحاكم 3: 151.

(3)المستدرك للحاكم 3: 151.

(87)

على محمّدٍ وعلى آل محمّد (1)

وهم أمانٌ للاَُمّة كما في الحديث النبوي المعروف:

«النجوم أمانٌ لاَهل السماء، وأهلُ بيتي أمانٌ لاَُمّتي» (2)

قال الاِمام الرازي في قضيّة الصلاة على الآل: إنّ الدعاء للآلمنصبٌ عظيمٌ ولذلك جعل هذا الدعاء (أي الصلاة على النبيّوآله)خاتمة التشهُّد وقوله: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آله وارحممحمّداً وآله. وهذا التعظيم لم يوجَد في غير الآل فكلُ ذلك يدلُّ على أنّ حبُّ محمدٍ وآل محمدٍ واجبٌ ـ إلى أن قال :ـ وأهلُ بيته ساووهُ في خمسة أشياء:

1ـ في الصلاة عليه وعليهم في التشهد.

2ـ وفي السلام.

3ـ وفي الطهارة.

4ـ وفي تحريم الصدقةِ عليهم (3)

5ـ وفي المحبّةِ (4)


(1)الصواعق لابن حجر : 233.

(2)أخرجه الطبراني في الاَوسط كما في الاَربعين للنبهاني: 216، ولاحظ الصواعق: 235.

(3)إشارة إلى الحديث النبوي: لا تحلّ الصدقة لاَهل بيته.

(4)تفسير الرازي ج7: 391.

(88)

محبة أهل البيت في الشعر الاِسلامي:

وقد استوعب المسلمون الاَوائل هذه الحقيقة، وأحبّوا أهل البيت محبّة صادقةًواعيةً وأنشدوا في ذلك أناشيد وقصائد خالدة منها قول الفرزدق:

مِن معشرٍ حبُّهم دينٌ وبغضُهُمُ * كُفرٌ وقربُهُمُ مَنْجىً ومعتَصَمٌ
إن عُدّ أهل التُقى كانُوا أئمَتهُمْ * أو قيلَ مَن خيرُ أهلِ الاَرْضِ قِيلَ هُمُ (1)

وقول الشافعي ـ رحمه اللّه ـ:

يا أهلَ بيتِ رَسُولِ اللّهِ حُبّكُمُ * فرضٌ مِنَ اللّهِ في القُرآن أنزلَهُ

كفاكمُ من عظيم الفخر أنّكم * مَن لم يُصلّ عليكم لا صلاة له (2)


(1)الصواعق لابن حجر الباب 11| 88.

(2)الصواعق لابن حجر الباب 11| 88.

(89)

قول الشيخ ابن العربي:

رأيتُ ولائي آلَ طه فريضةً * على رَغم أهلِ البُعد يُورثُني القُربى
فما طَلَبَ المبْعُوثُ أجراً على الهُدى * بِتَبْلِيغِهِ إلاّ المودّةَ في القُربى (1)

وقال المعاصر النبهاني:

آلَ طه يا آل خيرِ نَبىٍّ * جَدُّكُم خيرةٌ وأَنتُم خِيارُ
أَذهَبَ اللّهُ عَنْكُمُ الرِجْسَ * أَهلَ البيتِ قِدماً فأنتمُ الاَطهارُ
لم يَسَلْ جَدُّكُمْ عَلَى الدِّين أَجْراً * غَيرَ ودّ القُربى ونِعْمَ الاَجار (2)

ثمّ إنّ بواعث الحبّ الذاتية الموجودة فيهم من طهارة المحتد وقداسة الاَُرومة وشرف الحَسَب والنَسَب، وما يمتازون به من الحكمة والعلم، والخُلُق


(1) لاحظ: الفصول المهمّة لشرف الدين: 229.

(2) لاحظ: الفصول المهمّة لشرف الدين: 229.

(90)

السامية، والزهد والورع والتقوى إلى ملكات كريمة ونفسيات فاضلة وفواضل وفضائل أُخرى لا تعدّ ولا تحصى، وهي بواعث كلٌّ منها بمفرده عاملٌ قويٌّ في أخذ حبّهم بمجامع القلوب، وتعطف النفوس عليهم برمتها.

ما يدلّ على لزوم محبة الصحابة:

وقد توفَّرت مُقتضيات الحبّ وبواعثه في الصحابة أيضاً. يقول اللّه تعالى: (مُحمّد رَسُولُ اللّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أَشِداءُ على الكُفّار رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجدَّاً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَرضواناً سِيماهُمْ في وُجُوهِهِمْ مِنَ أَثَرِ السُجُودِ ذلك مَثَلُهُم في التَوراةِ ومَثَلُهُمْ في الاِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَج شَطْأَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى على سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُرّاع لِيَغِيظَ بِهمُ الكُفّارَ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وََأجْراً عَظيماً)» (1)

فحقيق أن يحب الاِنسان من توفّرت فيهم هذه الصفات من الصحابة ويودّهم.

إذا وقفت على هذا الاَصل الذي له جذور في الكتاب والسنّة ورأيت دعوتهما إليه، لابدّ أن تعرف أنَّ لهذه المحبة مظاهر ومجالي حسب مقتضيات العصور والاَجيال، ولا يمكن تحديد هذه المظاهر لاختلافها حسب اختلاف الظروف واللازم على الشريعة الدعوة إلى الاَصل والجوهر، وهي محبة النبيّ وعترته، وأمّا الكيفيات والقوالب فمتروك أمرها إلى عادة الناس وعرفهم، وإلى الظروف والاَجيال.


(1)الفتح: 29.


(91)

ما يترتب على هذا الاَصل:

إذا كان حبّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - وعترته الطاهرة وأصحابه المنتجبين أصلاً من أُصول الاِسلام فلابدّ أن يكون لهذا الحب أثر في الروح والجسم، وفي الاَعضاء والجوارح، ولا معنى لكبت النفس في هذا المجال وكتمان الحب وإخفائه، والاِصرار على أنّ حبّ النبيّ وآله وأصحابه أمر قلبي دون أن يكون له مظهر في السلوك والحياة الفردية والاجتماعية.

وعلى هذا يجوز للمسلم أن يقوم بكلّ ما يُعدّ مظهراً لحبّ النبيّ وعترته شريطة أن يكون عملاً حلالاً بالذات ولا يكون منكراً في الشريعة مبغوضاً في الكتاب والسنّة نظير:

1ـ تنظيم السنَّة النبويّة، وإعراب أحاديثها وطبعها ونشرها بالصور المختلفة، والاَساليب الحديثة، وفعل مثل هذا بالنسبة إلى أقوال أهل البيت وأحاديثهم .

2ـ نشر المقالات والكلمات، وتأليف الكتب المختصرة والمطوّلة حول حياة النبيّ وعترته وإنشاء القصائد بشتى اللغات والاَلسن، في حقهم، كما كان يفعله المسلمون الاَوائل.

فالاَدب العربي بعد ظهور الاِسلام يكشف عن أنّ إنشاء القصائد في مدح رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - كان ممّا يعبّـر به أصحابها عن حبهم لرسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

فهذا هو كعب بن زهير ينشىَ قصيدة مطوّلة في مدح رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم -


(92)

منطلقاً من إعجابه وحبه له - صلّى الله عليه وآله وسلم - فيقول في جملة ما يقول:

بانَت سُعادُ فقلبي اليومَ مَتبول * مُتيَّمٌ إثرَها لم يُفْد مَكبولُ
نُبِّئْتُ أنّ رسولَ اللّهِ أوْعَدَني * والعفوُ عند رَسول اللّهِ مَأمُولُ

ويقول:

مَهلاً هداكَ الذي أعطاكَ نا * فِلَة القُرآن فيها مواعيظٌ وتَفْصِيلُ
إنَّ الرسول لنَور يُستضاء به * مهنّد من سيوف اللّه مسلول (1)

وقد ألقى هذه القصيدة في حضرة رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - وأصحابه ولم ينكر عليه رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

وهذا هو حسّان بن ثابت الاَنصاري يرثي النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - ، ويذكر فيه مدائحه، ويقول:



1 . السيرة النبوية لابن هشام 2: 513.

(93)

بِطيبة رسمٌ لِلرسول ومعهَدُ * مُنير وقد تعفو الرسومُ وتحمَدُ

إلى أن قال:

يدلُّ على الرحمانِ مَن يقتدي به * وينقِذُ مِن هولِ الخَزايا ويرشِدُ
إمامٌ لهمْ يهديهمُ الحقَ جاهداً * مُعلمُ صدقٍ إن يطيعوه يسعُدوا (1)

وهذا هو عبد اللّه بن رواحة ينشىَ أبياتاً في هذا السياق فيقول فيها:

خَلُّوا بَني الكفار عن سَبيله * خَلُّوا فَكلُ الخَير في رَسُوله
يا ربِ إنّـي موَمنٌ بِقيله * أعرفُ حقّ اللّهِ في قَبولِه (2)

هذه نماذج ممّا أنشأه الشعراء المعاصرون لعهد الرسالة في النبيّ الاَكرم ونكتفي بها لدلالتها على ما ذكرنا.



1 . السيرة النبوية لابن هشام 2: 666.
2 .المصدر نفسه 2: 371.

(94)

ولو قام باحث بجمع ما قيل من الاَشعار والقصائد حول النبيّ الاَكرم لاحتاج في تأليفه إلى عشرات المجلدات.

فإنّ مدحَ النبي كان الشغلَ الشاغلَ للمخلصين والموَمنين منذ أن لبى الرسول دعوة ربّه ولا أظن أنّ أحداً عاش في هذه البسيطة نال من المدح بمقدار ما ناله الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلم - من المدح بمختلف الاَساليب والنظم.

وهناك شعراء مخلصون أفرغوا فضائل النبي ومناقبه في قصائد رائعة وخالدة مستلهمين ما جاء في الذكر الحكيم والسنّة المطهرة في هذا المجال فشكر اللّه مساعيهم الحميدة وجهودهم المخلصة.

3ـ تقبيل كلّ ما يمتّ إلى النبيّ بصلة كباب داره وضريحه وأستار قبره انطلاقاً من مبدأ الحب الذي عرفت أدلته .

وهذا أمر طبيعي وفطري فبما أنّ الاِنسان الموَمن لا يتمكن بعد رحلة النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - من تقبيل الرسول (1) - صلّى الله عليه وآله وسلم - يقبّل ما يتصل به بنوع من الاتصال، وهو كما أسلفنا أمر طبيعي في حياة البشر حيث يلثمون ما يرتبط بحبيبهم ويقصدون بذلك نفسه. فهذا هو المجنون العامري كان يقبّل جدار بيت ليلى ويصرّح بأنّه لا يقبّل الجدار بل يقصد تقبيل صاحب الجدار، يقول:

أَمُرُّ على الديارِ ديار ليلى * أُقَبّلُ ذا الجدار وذا الجدارا
فما حبُّ الديارِ شَغفنَ قَلبي * ولكنْ حبّ مَن سَكَن الديارا



1 . ولقد ورد في الحديث والتاريخ انّ الاِمام علياً، وأبا بكر قبّلا وجه رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - بعد موته وقالا: فداك أبي وأُمي طبت حيّاً وميّتاً اذكرني عند ربّك (راجع نهج البلاغة وخلاصة الكلام).

(95)

4ـ إقامة الاحتفالات في مواليدهم وإلقاء الخطب والقصائد في مدحهم وذكر جهودهم ودرجاتهم في الكتاب والسنّة شريطة أن لا تَقْتَرِن تلك الاحتفالات بالمنهيات والمحرّمات.

ومن دعا إلى الاحتفال بمولد النبيّ في أيّ قرن من القرون فقد انطلق من هذا المبدأ، أيّ حبّ النبي الذي أمر به القرآن والسنّة بهذا العمل.

هذا هو موَلف تاريخ الخميس يقول في هذا الصدد: لا يزال أهل الاِسلام يحتفلون بشهر مولده ويعملون الولائم ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويُظهرون السرور، ويزيدون في المبرات ويعتنون بقراءة مولده الشريف ويظهر عليهم من كراماته كلُ فضلٍ عظيمٍ (1)

وقال القسطلاني: ولا زال أهلُ الاِسلام يحتفلون بشهر مولده - عليه السلام - يعملون الولائم ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات ويُظهرون السرور ويزيدون المبرات ويعتنون بقراءة مولده الكريم ويظهر عليهم من بركاته كلّ فضل عميم ... فرحم اللّه امرىَ اتّخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً ليكون أشد علّة على من في قلبه مرض وأعياه داء (2)

5ـ تشييد مراقدهم، وتعمير قبورهم، وتنظيم باحاتها، وتنظيف ساحاتها والمحافظة على آثارهم، وحفظ معالمها وبالتالي العناية بكل ما يتصل بهم بل حتى الاحتفاظ والاهتمام بما صلّوا فيه من ألبسة أو شربوا منه الماء من أوان أو استخدموه من إشياء كلّ ذلك انطلاقاً طبيعياً من الحب



1 . تاريخ الخميس 1: 323 للديار بكري.
2 . المواهب اللدنية 1: 27.

(96)

الكامن في النفوس والود المتمكّن في القلوب.

وقد كانت هذه الممارسات الناشئة من المحبّة والموّدة لا تزال أمراً عالمياً يشترك فيه جميع الناس في جميع المجتمعات البشرية، حيث يهتم الاَخلاف بقبور الاَسلاف وآثارهم ويقومون بإصلاحها وتجديدها واحترامها وهو أمر سار عليه المسلمون الاَُول، وجروا عليه في مجال احترام مراقد النبيّ الاَكرم وعترته الطاهرة والسلف الصالح من أصحابه الطيبين.

الآثار الاِسلامية ولزوم صيانتها:

إنّ هذه الآثار التاريخية هي في الحقيقة معالم الاَصالة الاِسلامية وهي إلى جانب ما تركه رسول الاِسلام من تراث ثقافي عظيم، تدل على واقعية الرسالة المحمّدية المباركة وتجذّرها في التاريخ.

ومن هنا تسعى الاَُمم المتحضرة المعتزة والمهتمة بماضيها وتاريخها بما فيه من شخصيات ومواقف وأفكار، إلى الاِبقاء على كلِّ أثرٍ تاريخيٍ يبقى من ذلك الماضي لتدلّل به على واقعية ماضيها، وتُبقي على أمجادها وأشخاصها في القلوب والاَذهان.

ولا شكّ أنّ لهدم الآثار والمعالم التاريخية الاِسلامية وخاصّة في مهد الاِسلام: مكّة، ومهجر النبي الاَكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - : المدينة المنورة ، نتائج وآثار سيئة على الاَجيال اللاحقة التي سوف لا تجد أثراً لوقائع التاريخ الاِسلامي وربّما تنتهي بالمآل إلى الاعتقاد بأنّ الاِسلام قضية مُفتعلة، وفكرة مُبتدعة ليس لها أيّ أساس واقعي، تماماً كما أصبحت قضية السيد المسيح - عليه السلام - في نظر


(97)

الغرب، الذي بات جُلُ أهله يعتقدون بأنّ المسيح ليس إلاّ قضية أُسطورية حاكتها أيدي البابوات والقساوسة، لعدم وجود آية آثار ملموسة تدلّ على أصالة هذه القضية ووجودها التاريخي.

فالواجب على المسلمين أن يكوّنوا لجنة من العلماء من ذوي الاختصاص للمحافظة على الآثار الاِسلامية وخاصّة النبويّة منها، وآثار أهل بيته والعناية بها وصيانتها من الاندثار، أو عمليات الاِزالة والمحو لما في هذه العناية والصيانة من تكريم لاَمجاد الاِسلام وحفظ لذكرياتها في القلوب والعقول وإثبات لاَصالة هذا الدين، إلى جانب ما في أيدي المسلمين من تراث ثقافي وفكري عظيم.

وليس في هذا العمل أي محذور شرعي فحسب، بل هو أمر محبّذ كما عرفت، بل هو أمر وافق عليه المسلمون الاَوائل.

فهذا هو السلف الصالح قد وقفوا ـ بعد ما فتحوا الشام ـ على قبور الاَنبياء ذات البناء الشامخ... فتركوها على حالها من دون أن يخطر ببال أحدهم وعلى رأسهم عمر بن الخطاب بأنّ البناء على القبور أمرٌ محرَّمٌ فيجب أن يهدم، وهكذا الحال في سائر القبور المشيَّد عليها الاَبنية في أطراف العالم وإن كنت في ريب من هذا فاقرأ تواريخهم وإليك نص ما جاء في دائرة المعارف الاِسلامية:

إنَّ المسلمين عند فتحهم فلسطين وجدوا جماعةً في قبيلة «لخم» النصرانية يقومون على حرم إبراهيم بـ «حبرون» ولعلَّهم استغلّوا ذلك ففرضوا اتاوة على حجّاج هذا الحرم ... وربّما يكون توصيف تميم الداري أن


(98)

يكون نسبة إلى الدار أي الحرم، وربّما كان دخول هوَلاء اللخميين في الاِسلام، لاَنّه قد مكَّنهم من القيام على حرم إبراهيم الذي قدَّسه المسلمون تقديس اليهود والنصارى من قبلهم(1)

وجاء في دائرة المعارف الاِسلامية في مادة «الخليل» أيضاً: ويقول المقدسي وهو أوّل من أسهب في وصف الخليل: أنّ قبر إبراهيم كانت تعلوه قُبَّة بُنيت في العهد الاِسلامي.

ويقول مُجير الدين: أنّها شُيّدت في عهد الاَُمويين وكان قبر إسحاق مغطى بعضُه، وقبر يعقوب قباله، وكان المقدسي أوّل من ذكر تلك الهبات الثمينة التي قدَّمها الاَُمراء الورعون من أقاصي البلاد إلى هذا الضريح وذلك الاستقبال الكريم الذي يلقاه الحجاج من جانب التميميين (2)

ولو قام باحث بوصف الاَبنية الشاهقة التي كانت مشيَّدة على قبور الاَنبياءوالصالحين قبل ظهور الاِسلام وما بناه المسلمون في عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يومنا هذا في مختلف البلدان، لجاء بكتاب فخمٍ ضخمٍ، يكشف عن أنّ السيرة الرائجة في تلك الاَعصار قبل الاِسلام وبعده من عصر الرسول والصحابة والتابعين لهم إلى يومنا هذا، كانت هي العناية بحفظ آثار رجال الدين الكاشفة عن مشروعية البناءعلى القبور، وإنّه لم ينبس أيُّ شخص في رفض ذلك ببنت شفة ولم يعترض عليها أحد بل تلقّاها الجميع بالقبول والرضا إظهاراً للمحبة وودّاً لاَصحاب الرسالات والنبوّات



1 . دائرة المعارف الاِسلامية 5: 484 مادة تميم الداري.
2 . المصدر نفسه: 8: 420، مادة خليل.

(99)

وأصحاب العلم والفضل، ومن خالف تلك السنَّة وعدّها شركاً أو أمراً محرّماً فقد اتَّبع غير سبيل الموَمنين قال سبحانه: (وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعدِ ما تَبَيَّـنَ لهُ الهُدى ويَتَّبِع غَيْـرَ سَبيلِ المُوَْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّـى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَت مَصيراً)) (1).

وقد وارى المسلمون جسد النبي الاَكرم في بيته المسقَّف ولم يزل المسلمون مذ ووري ذلك الجسد الطاهر، على العناية بحجرته الشريفة بشتى الاَساليب وقد بنى عمر بن الخطاب حول حجرته داراً، وقد جاء تفصيل كلِّ ذلك مع ذكر وصف الاَبنية التي توالت عليها عبر القرون في الكتب المتعلّقةبتاريح المدينة لا سيَّما «وفاء الوفاء» للعلاّمة السمهودي (المتوفى عام911)(2)

والبناءُ إلاّ القبر الذي شُيّد عام 1270 قائم لم يمسُّه سوءٌ، وسوف يبقى بفضل اللّه تبارك وتعالى محفوظاً عن الاهتراء، مصوناً من الاندثار.

وأمّا المشاهد والقباب المبنية في البقيع في العصور الاَُولى فحدّث عنها ولا حرج ولا سيما في بقيع الغرقد ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتب التاريخ وأخبار المدينة.

هذا هو المسعودي (المتوفى عام 345) يقول: «وعلى قبورهم في هذا الموضع من البقيع رخامة مكتوب عليها بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه مُبيد الاَُمم ومُحيي الرمم هذا قبر فاطمة بنت رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - سيدة نساء



1 . النساء: 115.
2 . وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى ج2 الفصل التاسع ص 458 إلى آخر الفصل.

(100)

العالمين وقبر الحسن بن علي بن أبي طالب وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ومحمد بن علي وجعفر بن محمد» (1)

وذكر السبط الجوزي (المتوفى عام 654) في «تذكرة الخواص» ص311 نظير ذلك.

وهذا هو محمّد بن أبي بكر التلمساني يصف المدينة الطيبة وبقيع الغرقد في القرن الرابع بقوله: وقبر الحسن بن علي عن يمينك إذا خرجت من الدرب ترتفع إليه قليلاً، عليه مكتوبٌ هذا قبر الحسن بن علي دُفن إلى جنب أُمّه فاطمة ـ رضي اللّه عنها وعنه ـ (2)

ويقول الحافظ محمد بن محمد بن النجار (المتوفى عام 643) في أخبار مدينة الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلم - : في قُبّة كبيرة عالية قديمة البناء في أوّل البقيع وعليها بابان يفتح أحدهما في كل يوم للزيارة رضي اللّه عنهم(3)

ويقول ابن جبير الرحّالة الطائر الصيت (المتوفى عام 614) في «رحلته» في وصف بقيع الغرقد: يقع في مقابل قبر مالك قبر السلالة الطاهرة إبراهيم ابن النبي عليها قُبَّة بيضاء وعلى اليمين منها تربة ابن عمر ابن الخطاب (رض) ... وبازائه قبر عقيل بن أبي طالب ـ رضي اللّه عنه ـ. وعبد اللّه بن جعفر الطيار (رض) وبإزائهم روضة فيها أزواج النبي - صلّى الله عليه وآله وسلم - وبإزائها روضة صغيرة فيها ثلاثة من أولاد النبي - صلّى الله عليه وآله وسلم - ويليها روضة العباس



1 . مروج الذهب ومعادن الجوهر 2: 288.
2 . مجلة العرب رقم 5 ـ 6، الموَرخ 1393.
3 .أخبار مدينة الرسول إهتم بنشره صالح محمد جمال طبع بمكة المكرمة 1366.

(101)

ابن عبد المطلب والحسن بن علي (رض) وهي قبة مرتفعة في الهواء على مقربة من باب البقيع المذكور، وعن يمين الخارج منه، ورأس الحسن إلى رجلي العباس ـ رضي اللّه عنهماـ وقبراهما مرتفعان عن الاَرض متَّسعان مغشَّيان بالواح ملصقة، أبدع إلصاق، مرصَّعة بصفائح الصفر، ومكوكبة بمسامير على أبدع صفة، وأجمل منظر وعلى هذا الشكل قبر إبراهيم بن النبي - صلّى الله عليه وآله وسلم - ويلي هذه القبة العباسية بيت يُنسب لفاطمة بنت الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلم - ويُعرف ببيت الحزن ... وفي آخر البقيع قبر عثمان الشهيد المظلوم ذي النورين (رض) وعليه قبة صغيرة مختصرة وعلى مقربة منه مشهد فاطمة ابنة أسد أُم علي رضي اللّه عنها وعن بنيها (1)

وروى البلاذري أنَّه لمّا ماتت زينب بنت جحش سنة عشرين صلّـى عليها «عمر» وكان دفنها يومٍ صائفٍ، ضرب «عمر» على قبرها فسطاطاً (2)

ولم يكن الهدف من ضربه ذلك الفسطاط تسهيل الاَمر لمن يتعاطى دفنها، بل لاَجل تسهيله لاَهلها حتى يتفيّأُوا بظلّه، ويقرأوا ما يتيسر من القرآن والدعاء، فلاحظ.

ويقول السمهودي في وصف بقيع الغرقد: قد ابتنى عليها مشاهد منها المشهد المنسوب لعقيل بن أبي طالب وأُمهات الموَمنين، تحوي العباس والحسن بن علي ... وعليهم قبةٌ شامخةٌ في الهواء قال ابن النجار ... وهي كبيرةٌ عاليةٌ قديمة البناء وعليها بابان، يفتح أحدهما في كل يوم.



1 . رحلة ابن جبير طبع بيروت دار صادر ، وقد زار ابن جبيرالمدينة المنورة عام 578.
2 . أنساب الاَشراف 1: 436.

(102)

وقال المطري: بناها الخليفة الناصر أحمد بن المستضيىَ ... وقبر العباس وقبر الحسن مرتفعان عن الاَرض متَّسعان مُغشّيان بألواح ملصقة أبدع إلصاق، مصفَّحة بصفائح الصفر مكوكبة بمسامير على أبدع صفة وأجمل منظر ... (1)

إلى غير ذلك من الموَرّخين والسيّاحيين الذين زاروا المدينة المنوَّرة، ووَصفُوا تلكم المزارات والمشاهد والعتبات المرتفعة، ونظر الكلُّ إليه بعين الرضا والمحبة، لا بعين السُخط والغضب.

ولكنها صارت اليوم أطلالاً مندرسة تلعب بها الرياح والعواصف وكأن شيئاً لم يكن، وكأنّها لا تتصل بالتاريخ الاِسلامي المجيد، والتراث الاِسلامي العظيم، ولا علاقة لها بالاِسلام والمسلمين !!

وفي الختام نذكر ما ذكره العلاّمة السيد محسن الاَمين في كتابه العقود الدرية يقول:

مَضَت القرونُ وذي القباب مَشِيدةٌ * والناسُ بَين مُوَسِّسٍ ومُجَدِّدِ
في كل عصرٍ فيه أهلُ الحَلِّ والــ * ـعَقْدِ الَّذِينَ بِقَبْرِهم لم يعقدِ
لم ينَكِرُوا أَبداً على من شادَها * شِيدَتْ ولا مِن مُنكر ومُفَنِّدِ
مِنْ قَبْلِ أن تَلِد ابنَها تَيْمِيّةٌ * أو يَخْلُقَ الوَهّابُ بعضُ الاَعبُدِ
أفأَي إجماعٍ لَكُمْ أقوى عَلى * أَمثالِهِ مِن موردٍ لم يُورَدِ



1 . وفاء الوفا 3: 916ـ 929.

(103)

فَبِسيرةٍ للمسلِمِين تَتَابَعَتْ * في كلّ عصر نستدلُ ونَقْتَدي
أَقوى من الاِجماعِ سِيْـرَتُهُمْ ومَن * قد حادَ عَنْها فَهُوَ غيرُ مُسَدَّدِ (1)

إجابة عن سوَال:

وهناك سوَال ربّما يتردد في الاَذهان وهو أنَّ ما ذكرَ من لزوم حبّ النبيّ وعترته وأصحابه أمر لا شكّ فيه وأنّ تجديد القبور واعمارها من مظاهر ذلك الودّ، ولكن هذه القاعدة إنّما تتَّبع إذا لم يدل دليل خاص على تحريم البناء،فهو بالنسبة إلى القاعدة كالخاص للعام فالمتَّبع في المقام هو الخاص دون العام وقد وردت روايات خاصة تأمر بهدم القبور المبنية، فما هو الجواب؟

الجواب :

إنّ هذا السوَال سوَال وجيه لابدّ من الاِجابة عليه ومعالجته ولهذا فإنّنا نطرحه على طاولة البحث هنا وندرس هذه الروايات سنداً ومتناً ودلالة حتّى تتّضح الحقيقة ويتبين الحقّ، فنقول:

لقد استدل القائلون بتحريم البناء على القبور والمراقد بأحاديث وروايات نأتي بها الواحد تلو الآخر:



1 . العقود الدرية : 10.

(104)

(الاَوّل) حديث أبي الهياج

روى مسلم في صحيحه عن وكيع، عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن أبي الهياج الاَسدي، قال: قال لي عليٌ بن أبي طالب: «ألا أبعثك على ما بَعَثني عليه رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - أن لا تَدَع تمثالاً إلاّ طمسته ولا قبراً مُشرفاً إلاّ سوَّيته» (1)

ولقد تمسّك المستدل بالجملة الاَخيرة وادّعى أنّ معناه: ولا قبراً عالياً إلاّ سوّيته بالاَرض.

والاستدلال بهذا الحديث باطل، لاَنّه ضعيف السند، قاصر الدلالة.

الحديث في دراسة سنديّة:

وأمّا السند فيكفي في ضعفه أنّ علماء الرجال ضعّفوا الرواة الاَربعة الواقعين في السند وهم:

1ـ وكيع.

2ـ سفيان الثوري.

3ـ حبيب بن أبي ثابت.

4ـ أبو وائل الاَسدي (2)



1 . صحيح مسلم ج3، كتاب الجنائز : 60 والسنن للترمذي ج2: 256 باب ما جاء في تسوية القبور.
2 . لاحظ تهذيب التهذيب للعسقلاني، الاَجزاء 3،4،11: 179،115،130،125.

(105)

كما ويكفي في ضعف الحديث أيضاً أنّه رواه أبو الهياج وليس له في الصحاح والمسانيد حديث غير هذا.

فكيف يستدلّ بسندٍ يشتمل على المضعَّفين الّذين لا يُحتجُّ بحديثهم كما ذكره ابن حجر في ترجمة هوَلاء الاَربعة.

وحتى يكون القارىَ على بصيرة من الاَمر ننقل نص أقوال العلماء في حقهم، واحداً واحدا:

1ـ وكيع:

هو وكيع بن الجراح بن مليح، الرواسي، الكوفي، روى عن عدَّةٍ منهم سفيان الثوري، وروى عنه جماعةٌ منهم يحيى بن يحيى. وهو مع ما مدحوه نقلوا فيه أيضاً قدحاً كثيراً.

قال فيه ابن حجر في تهذيب التهذيب: قال عبد اللّه بن أحمد عن أبيه (أحمد بن حنبل) قال سمعت أبي يقول: كان وكيع أحفظ من عبد الرحمان ابن مهدي كثيراً كثيراً، وقال في موضع آخر: ابن مهدي أكثر تصحيفاً من وكيع، ووكيع أكثر خطأ منه.

وقال في موضع آخر: أخطأ وكيع في خمسمائة حديث.

وقال ابن عماد قلتُ لوكيع: عدّوا عليك بالبصرة أربعة أحاديث غَلطت فيها؟ فقال: حدّثتهم بعبّادان بنحوٍ من ألفٍ وخمسمائة ، وأربعةٌ ليس بكثير في ألف وخمسمائة.


(106)

وقال علي بن المديني: كان وكيع يلحن ولو حدّث بألفاظه لكان عجباً.

وقال محمد بن نصر المروزي: كان يحدّث بآخره من حفظه فيغيّـر ألفاظ الحديث، كأنّه كان يحدّث بالمعنى، ولم يكن من أهل اللسان (1)

وقال الذهبي في ميزان الاعتدال بعدما مدحه:

قال ابن المديني: كان وكيع يلحن، ولو حدّث بألفاظه كان عجباً (2)

إذن فوكيع وصف بالخطأ والتصحيف، واللحن والنقل بالمعنى في رواية الاَحاديث، وهي أوصاف تقلّل من شأنه وشأن مرويّاته، واسوأ من ذلك استهانته بالخطأ كما لاحظت في عبارة ابن عماد، وكل هذا يجعل الرجل في دائرة الضعف، ويسقطه عن الوثاقة.

* * *

2ـ سفيان الثوري:

وهو سفيان بن سعيد بن مسروق، الثوري، الكوفي أكثروا المدح في حقّه، وقال الذهبي عنه: مع أنّه كان يدلّس عن الضعفاء، ولكن كان له نقد وذوق، ولا عبرة لقول من قال: يدلّس ويكتب عن الكذابين (3)



1 . تهذيب التهذيب : لابن حجر ج11: 123ـ131.
2 . ميزان الاعتدال: للذهبي 4: 336.
3 .المصدر نفسه 2: 169 برقم 3322.

(107)

وقال ابن حجر: قال ابن المبارك حدّث سفيان بحديث فجئته وهو يدلّس فلما رآني استحيى، وقال: نرويه عنك (1)

وقال ابن حجر في ترجمة يحيى بن سعيد بن فروخ قال أبو بكر: وسمعت يحيى يقول: جهد الثوري أن يدلّس عليّ رجلاً ضعيفاً فما أمكنه (2)

والتدليس هو أن يروي عن رجل لم يلقه، وبينه وبين ذلك الرجل واسطة فلا يذكر الواسطة.

وقال أيضاً في ترجمة سفيان: قال ابن المديني عن يحيى بن سعيد لم يلق سفيان أبا بكر بن حفص ولا حيان بن إياس ولم يسمع من سعيد بن أبي بردة.

وقال البغوي: لم يسمع من يزيد الرقاشي.

وقال أحمد: لم يسمع من سلمة بن كهيل حديث: السائبة يضع ماله حيث يشاء، ولم يسمع من خالد بن سلمة المعروف بالفافا ولا من ابن عون إلاّ حديثاً واحداً (3).

وهذا تصريح من ابن حجر بكون الرجل مدلّساً وعندئذ يكون فاقداً لملكة العدالة، لاَنّه كان يصوّر غير الواقع واقعاً.

وقال الاِمام الذهبي: قال صاحب الحلية أخبرنا أبو أحمد الغطريفي



1 . تهذيب التهذيب 4: 115 في ترجمة سفيان.
2 . المصدر نفسه 11: 218.
3 . المصدر نفسه 4: 115.

(108)

أخبرنا محمد بن أحمد بن مكرم أخبرنا علي بن عبد الحميد أخبرنا موسى بن مسعود أخبرنا سفيان، قال: دخلت على جعفر بن محمد وعليه جبة خز وكساء خز دخاني فقلت: يا ابن رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - ليس هذا من لباس آبائك.

قال: «كانوا على قدر إقتار الزمان، وهذا زمان قد أسبل عزاليه» ثمّ حسر عن جبة صوف تحت، وقال: «يا ثوري: لبسنا هذا للّه وهذا لكم فما كان للّه أخفيناه وما كان لكم أبديناه» (1)

إنَّ هذا الاعتراض يدل على عدم فهم سفيان للاَُمور، وعدم معرفته بها.

* * *

3ـ حبيب :

هو حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار، تابعي، وثّقه بعض، ولكن قال ابن حبان في الثقات: كان مدلّساً، وقال العقيلي غمزه ابن عون، وقال القطان: له غير حديث عن عطاء لا يتابع عليه، وليست محفوظة.

وقال ابن خزيمة في صحيحه: كان مدلّساً.

وقال العقيلي: وله عن عطاء أحاديث لا يتابع عليها (2)

وقال ابن حجر أيضاً في تقريب التهذيب:

حبيب بن أبي ثابت: قيس، ويقال: هند بن دينار الاَسدي، مولاهم:



1 . تذكرة الحفّاظ 1: 167 والمقصود بجعفر بن محمد الاِمام الصادق - عليه السّلام- .
2 . تهذيب التهذيب 2: 179.

(109)

أبو يحيى الكوفي، ثقة فقيه جليل، وكان كثير الاِرسال والتدليس، من الثالثة، مات سنة تسع عشرة ومائة (1)

ونقل ابن حجر عن كتاب الموضوعات لابن الجوزي من نسخةٍ بخط المنذري أنّه نقل فيه حديثاً عن أبي كعب في قول جبرئيل: لو جلست معَكَ مثل ما جَلَس نوح في قومه ما بلّغت فضائل عمر، وقال: ولم يعلَّه ابن الجوزي إلاّ بعبد اللّه بن عامر الاَسلمي شيخ حبيب بن أبي ثابت (2)

* * *

4ـ أبو وائل الاَسدي:

وهو شقيق بن سلمة الكوفي. كان منحرفاً عن عليّ بن أبي طالب، قال ابن حجر: قيل لاَبي وائل: أيّهما أحبُّ إليك علي أم عثمان؟ قال: كان علي أحبَّ إليّ ثمّ صار عثمان (3) ولفظة «أحبَّ» هناك ليست صيغة أفعل التفضيل بل المراد أنّه كنت علوياً ثمّ صرت عثمانياً، وكان الحزبان يومذاك يبغض أحدهما الآخر.

ويشهد لذلك ما ذكره ابن أبي الحديد حيث قال: ومنهم أبو وائل شقيق بن سلمة، كان عثمانياً يقع في عليّ - عليه السّلام- ويقال إنّه كان يرى رأي



1 . تقريب التهذيب 1: 148 تحت رقم 106.
2 . لسان الميزان 2: 186 في ترجمة حبيب بن ثابت.
3 . تهذيب التهذيب 4: 362.

(110)

الخوارج ولم يختلف في أنّه خرج معهم، وأنّه عاد إلى عليّ - عليه السّلام- منيباً مقلعاً، روى خلف بن خليفة، قال: قال أبو وائل: خرجنا أربعة آلاف فخرج إلينا عليٌ فما زال يكلّمنا حتّى رجع منّا ألفان.

وروى صاحب كتاب «الغارات» عن عثمان بن أبي شيبة عن الفضل ابن دكين، عن سفيان الثوري، قال: سمعت أبا وائل يقول: شهدتُ صفين وبئس الصفوف كانت.

قال وقد روى أبو بكر بن عياش عن عاصم ابن أبي النجود قال: كان أبو وائل عثمانياً (1).

ويكفي أنّه كان من ولاة عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه.

قال ابن أبي الحديد: وقال أبو وائل: استعملني ابن زياد على بيت المال بالكوفة (2).

هذا كلّه حول سند الرواية. وقد عرفت أنّ أسنادها تشتمل على رواةٍ ضعافٍ، وعلى فرض ورود المدح في حقّهم فهو معارَض بما عرفت من الجرح، وعند التعارض يقدَّم الجارحُ على المادح فيسقط الحديثُ عن الاعتبار ويُرجَع إلى أدلّة أُخرى، وسيوافيك أنَّ الاَصل في المقام هو الجواز، كما سيوافيك ذلك في آخر هذا البحث.

* * *


1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 99.
2 . المصدر نفسه 12: 223.

(111)

الحديث في دراسة دلاليّة:

وأمّا ضعفه دلالةً فإليك بيانه:

إنَّ تبيين ضعف دلالة الحديث يتوقف على توضيح معنى اللفظين الواردين في الحديث المذكور:

1ـ قبراً مشرفاً.

2ـ إلاّ سوّيته.

وأمّا الاَوّل فقد قال صاحب القاموس: والشرف ـ محرَّكةً ـ: العُلوّ. ومن البعير سنامُه.

وعلى ذلك فيحتمل أن يراد منه مطلق العُلوّ أو العلوّ الخاصّ كسنام البعير ولا يتعيّـن أحد المعنيين إلاّ بالقرينة، كما هو الحال في المشترك اللفظي.

وأمّا الثاني: أعني: قوله «سوّيته» فهو يستعمل على وجهين:

أ ـ يُطلق ويرادُ منه مساواةُ شيء بشيءٍ فيتعدّى إلى المفعول الثاني بحرف التعدية كالباء ، قال سبحانه: (إذْ نُسَوّيكُمْ بِربّ العالَمِين) (1)

أي نعدّ الآلهة المكذوبة متساوين مع ربّ العالمين، فنضيفُ إليها ما نُضيفُ إلى ربّ العالمين.

وقال سبحانه حاكياً عن حالِ الكافرين يوم القيامة: (يَومَئِذٍ يَوَدُّ



1 . الشعراء: 98.

(112)

الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوا الرَّسُولَ لَو تُسَوّى بِـهمُ الاَرض وَلا يَكْتُمونَ اللّهَ حَديثاً)(1)أي يَودّون أن يكونوا تراباً أو ميتاً مدفوناً تحت الاَرض.

ب ـ يُطلق ويُراد منه ما هو وصفٌ لنفس الشيء لا بملاحظة شيء آخر فيكتفي بمفعول واحد قال سبحانه: (الَّذِي خَلَقَ فَسوّى) (2)وقال سبحانه: (بَلى قادرينَ عَلَـى أَنْ نُسَوي بَنانَهُ) (3) وقال سبحانه: (فَإذا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعوا لَهُ ساجِدين) (4)

ففي هذه الموارد تقع التسوية وصفاً لنفس الشيء بلا إضافة إلى غيره، ويراد منه حسب اختلاف الموارد تارة كمال الخلقة واستقامته في مقابل نقصه واعوجاجه، وهذا هو المقصود في الآيات الكريمة، وأُخرى تعديله مقابل اعوجاجه وبسطه مقابل كونه كالسنام.

إذا عرفت ذلك فلنعد إلى الحديث ولندرسه في ضوء هذه الضابطة.

إنّ الذي نلاحظه في هذا الحديث هو أنّه استعمل لفظ «التسوية» مع مفعول واحد، فلا يُراد منه المعنى الاَوّل أي مُساواته بالاَرض، وإلاّ كان عليه أن يقول: «سوَّيته بالاَرض» بل يُراد منه ما هو وصف لنفس القبر، والمعنى المناسب حينئذ هو تسطيح القبر في مقابل تسنيمه، وبسطه في مقابل اعوجاجه وهذا هو الذي فهمه شُـرّاح الحديث، وبما أنَّ السنَّة كانت هي



1 . النساء: 42.
2 . الاَعلى : 2.
3 . القيامة : 4.
4 . الحجر: 29.

(113)

التسطيح، والتسنيم طرأ بعد ذلك، لهذا أمر عليّ - عليه السلام - بأن تكافح هذه البدعة ويسطَّح كل قبرٍ مسنَّم.

روى أبو داود والحاكم من طريق القاسم بن محمّد بن أبي بكر قال: دخلت على عائشة وقلت لها: يا أُم اكشفي لي عن قبر النبي وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطية (1) مفتوحة ببطحاء العرصة الحمراء.

أمّا ما في صحيح البخاري عن سفيان التمار أنَّه رأى قبر النبيّ مُسنّماً، فلا يعارض ما قدّمناه لاَنّ سفيان ولد في زمان معاوية فلم ير القبر الشريف إلاّ في آخر الاَمر فيحتمل ـ كما قال البيهقي ـ أنّ القبر لم يكن في الاَوّل مُسنّماً ثم سُنّم عندما سقط الجدار.

وروى يحيى عن عبد اللّه بن الحسين قال: رأيت قبر النبي مُسنّماً في زمن الوليد بن هشام (2).

وإنّما صار التسنيم بدعة والتسطيح سنّة لاَنّ النبيّ لما دفن ابنه إبراهيم سطَّح قبره ولم يُسنّمه(3).

وممّا يوَيّد أنّ المراد من الاِشراف هو العلوُّ الخاصُّ أي كونه كسنام البعير، ومن التسوية بسطُه وتسطيحه، أنَّ صاحب الصحيح عنونَ الباب هكذا: «باب تسوية القبور» ثمّ نقل رواية عن ثمامة أنّه قال: كنّا مع



1 . والمراد باللاطية إنّها مُسَوّاة بالاَرض.
2 . وفاء الوفاء 2: 551ـ 556.
3 . إرشاد الساري 2: 468.

(114)

فضالةبن عبيد في أرض الروم فتوفّـي صاحب لنا فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوّي، قال: سمعت رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - يأمر بتسويته ثمّ أورد بعده حديث أبي الهياج المتقدم (1)

وقال القرطبي في تفسير الحديث قال علماوَنا: ظاهر حديث أبي الهياج منع تسنيم القبور، ورفعها، وأن تكون واطئة ....

نعم ما ذكره من استفادة عدم كون القبر مرتفعاً فهو مردودٌ بما اتّفق عليه كلمةُ الفقهاء للمذاهب الاَربعة فإنَّهم أجمعوا على استحباب رفع القبر بقدرِ شبرٍ (2)

وأظن أنَّ ما ذُكر كافٍ في تفسير الحديث، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى إرشاد الساري لابن حجر القسطلاني الجزء الثاني ص 468.

* * *

(الثاني) حديث جابر:

وربّما يستدلُّ على تحريم البناء على القبور بحديث جابر، روى مسلم في صحيحه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - أن يجصَّص القبرُ، وأن يقعد



1 . شرح صحيح مسلم 7: 36.
2 . الفقه على المذاهب الاَربعة 1: 420.

(115)

عليه، وأن يُبنى عليه (1)

والجواب هو: أنَّ الاستدلال بهذا الحديث غير صحيح سنداً ومتناً.

وأمّا الاَوّل فلاَنّ جميع أسانيده مشتملة على رجلين هما في غاية الضعف والرجلان هما:

1ـ ابن جريج وهو عبد الملك بن عبد العزيز.

2ـ أبو الزبير وهو محمد بن مسلم الاَسدي (2)

فلا نطيل الكلام بنقل أقوال الرجال في حقّهما.

على أنّ بعض أسانيد هذه الرواية مشتملة على عبد الرحمان بن أسود المتَّهم بالكذب والوضع(3)

وأمّا المتن فقد روي بصورٍ سبعٍ اشتمل بعضها على لفظ البناء دون البعض وإليك صور الحديث المختلفة التي تعرب عن أنّ الراوي أو الرواة لعبوا بحديث الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلم - بعد فرض صدوره عنه:

1ـ نهى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن تجصيص القبر، والاعتماد عليه.

2ـ نهى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن تجصيص القبر.



1 . صحيح مسلم كتاب الجنائز 3: 62 والسنن للترمذي 2: 208 وصحيح ابن ماجة 1: كتاب الجنائز: 476 إلى غير ذلك.
2 . لاحظ تهذيب التهذيب 6: 2 ـ 4 ، 605.
3 . تهذيب التهذيب ترجمة أبو الزبير: 442.

(116)

3ـ نهى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن تجصيص القبر، والكتــابة عليه، والبنـاء ، والمشي عليه.

4ـ نهى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن الكتابة على القبر.

5ـ نهى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن الجلوس على القـبر وتجصيصـه، والبنــاء، والكتابة عليه.

6ـ نهى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن الجلوس على القبر وتجصيصه، والبناء عليه.

7ـ نهى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن الجلوس على القبر، وتجصيصه، والبناء عليه، والزيارة، والكتابة عليه(1)

أفيصح الاستدلال بحديث ذلك سنده وهذه نصوصه المضطربة رغم كونها من راوٍ واحد؟ أضف إلى ذلك أنّ النهي في كلام النبي استعمل في الكراهة كثيراً، وقد أعرض جماهير المسلمين عن بعض صور هذا الحديث ولم يعملوا به قط، كما أفاده الحاكم في مستدركه حيث شاعت الكتابة على القبر من عصر الصحابة إلى يومنا هذا.

ولو سلّمنا بالكراهة فربّما ترتفع هذه الكراهة إذا كان للبناء منافع كثيرة ومختلفة منها تلاوة القرآن في ظلّه، ومنها إذا ترتّب على حفظ القبور حفظ الآثار الاِسلامية كما أوضحناه سابقاً.



1 . لاحظ للوقوف على المتون المختلفة للحديث مصادرها التي أشرنا إليها بالاضافة إلى صحيح النسائي 4: 87 وسنن أبي داود 3: 216 ومسند أحمد 3: 295 و 335.

(117)

(الثالث) حديث أبي سعيد وأُمّ سلمة

وربّما يُستدلّ على تحريم البناء على القبور بأحاديث أُخر:

1ـ ما رواه أبو سعيد من أنّ النبيّ نهى أن يُبنى على القبر (1)

2ـ ما رُوي عن أُمّ سلمة قالت: نهى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - أن يبنى على القبر أو يجصَّص (2)

3ـ ما روي عنها أيضاً أنّها قالت: نهى أن يجصَّص قبر أو يُبنى عليه، أو يجلس عليه (3).

والجواب: أنَّ الاستدلال بهذه الروايات ساقط جداً فإنّ سند الحديث الاَوّل يشتمل على «وهب» وهو مُردّد بين سبعة عشر رجلاً وفيهم الوضّاعون والكذّابون (4).

والحديث الثاني والثالث لا يُحتجُّ بهما لاشتمالهما على عبد اللّه بن لهيعة الذي هو ضعيف لا يُحتج به (5)

* * *



1 . صحيح ابن ماجة 1: 474.
2 . مسند أحمد 6: 229.
3 . مسند أحمد 6: 229.
4 . ميزان الاعتدال 3: 350ـ 355.
5 . المصدر نفسه 2: 476 والتهذيب 1: 444.

(118)

هذه هي الاَحاديث التي استخدمت ذريعة لتدمير الآثار الاِسلامية ولما وقف القوم على ضعفها جاء القاضي ابن بُليهد وقد أعوزته الحجّة فتمسّك بكون البقيع مُسبَّلَةً موقُوفةً، وأنَّ البناء على القبور مانعٌ من الانتفاع بأرضها (1)

سبحان اللّه ما أتقنها من برهنة، فمن أين علم أنَّ البقيع كانت أرضاً حيّةً فوقَفَها صاحبُها على دفن الاَموات؟

عرض المسألة على الاَدلة المحكمة:

إذا وقفت على ضعف ما استدل به القوم على تحريم البناء على القبور، وسقوطه عن الاعتبار فيجب عرض المسألة على الاَدلة المحكمة التي لا يصح لاَحد النقاش في اعتبارها وحجيتها.

فإذا دلَّت تلك الاَدلة على الجواز، فلا محيص من رفض هذه الاَحاديث الضعاف، أو حملها على الكراهة، أو غير ذلك. وإليك بيان تلك الاَدلة:

1ـ القرآن الكريم والبناء على القبور:

يظهر من القرآن الكريم أنَّ البناء على القبور، بل بناء المسجد عليها كان جائزاً في الشرائع السابقة، وأنّ الناس عندما وقفوا على قبور أصحاب الكهف، اختلفوا على قولين: فمن قائل:



1 . في سوَال وجهه إلى علماء المدينة المنورة استفتى فيها حول بقاء البناء على القبور، حيث ذكر في متنه كون أرض البقيع مسبلة.

(119)

(ابْنُوا عَلَيهِمْ بُنْياناً) .

ومن قائل آخر:

(لَنَتّخِذَنّ عَليهِم مَسجِداً) (1)

والاستدلال بالآية واضح لمن يرى القرآن قدوة ويتخذه مرجعاً.

فإنّ القرآن ينقل كلا القولين، من دون أن ينتقده أو يعترض عليه ويردع عنه، بل الظاهر أنّه ينقله بصورة التحسين وأنّ أصحاب الكهف بلغ بهم تديّنهم إلى حدّ لما عثر عليهم الناس اجتمعوا على تكريمهم واحترامهم، بل التبرّك بهم، فمن قائل بلزوم البناء عليهم، وآخر بإتخاذ مرقدهم مسجداً، وليس القرآن كتاب قصة، وأُسطورة، وإنّما هو كتاب إرشاد وقدوة وإمام، فلو كانوا في عملهم هذا ضالّين لعلّق عليهم بشيء أو عابه، كما هو الحال فيما ينقل عن المشركين، والكافرين، عملاً أو رأياً.

قال سبحانه حاكياً عن كيفية غرق فرعون: (حَتّـى إذا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلاّ الذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأَنا مِنَ المسلِمِين) ولاَجل إيقاف الموَمنين على أنَّ الاِيمان في هذا الظرف غير مُفيد عقّب عليه بقوله: (الآن وقَد عَصَيتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ) (2)

فلاَجل ذلك يكون القرآن قدوة في كلّ ما ينقله من أعمال الماضين، إلاّ إذا عقّب عليه بالردّ، أو دلّت القرائن على كونه عملاً غير مقبول.



1 . الكهف : 21.
2 .يونس: 91.

(120)

وعلى ذلك فيكون كلٌ من الاقتراحين مقبولاً من غير نكير. وسيوافيك البحث عن اتّخاذ المشاهد مساجد.

2ـ سيرة المسلمين والبناء على القبور:

إنَّ سيرة المسلمين من عصر الصحابة ثمّ التابعين ثمّ تابعي التابعين، وإلى عصرنا هذا أقوى حجة على الحكم الشرعي، فإنّ إتفاق العلماء في عصر واجتماعهم على حكم حجّة شرعية عليه، فكيف اتّفاقهم عليه طيلة قرونٍ ولا سيّما الصحابة العدول.

فالصحابة وارَوا جسد النبي الاَكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - في بيته ولم يخطر ببال أحد أنّ البناء على القبور محرّم، ولا أظن أنّ جاهلاً يُفرّق بين البناء المتقدّم على الدفن، والمتأخّر عنه فضلاً عن العالِم، فإنَّ كون قبر الميّت تحت بناءٍ تكريمٌ له وتعظيم، بينما يعتبر الوهابيون هذا شركاً لاَنَّه تعظيم لغير اللّه، فلا فرق بين البناء على المقبور أو دفن الميت تحت بناء طالما يكون كلا الاَمرين ذا نتيجة وهدف واحد.

وليس هذا شيء ينكره أحد من المسلمين.

والعجيب أنّ كتّاباً من الوهابيين لما واجهوا هذه السيرة المستمرة عمدوا إلى تفسير هذه السيرة بأن كتب موَلف من موَلّفيهم قائلاً بأنّ النبيّ إنّما دُفن في بيته، لاَجل حديثٍ رواه أبو بكر. قال ابن كثير: إنَّ أصحاب النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - لم يدروا أين يقبرون رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - حتّى قال أبو بكر سمعت النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - يقول:


(121)

«لم يُقبر نبيٌّ إلاّ حيث يموت» (1)

ثمّ أضاف الموَلّف قائلاً فعَلِمنا من هذه الاَحاديث أنَّ النبي - صلّى الله عليه وآله وسلم - دُفن في بيته كما أمر بذلك، فعلى هذا فلا حجة فيه للقبوريين في البناء على القبور، إذ لم يُبن على قبره، وإنّما دُفن في بيته (2)

وهكذا فرّق بين الدفن تحت بناءٍ قائم، والبناء على القبر في عبارته الاَخيرة.

ولا يخفى وجود التهافت في عبارته فصدرها يدلُّ على أنّ دفن النبيّ في بيته كان بأمره - صلّى الله عليه وآله وسلم - ولو لم يكن أمره لما دفنوه فيه، لاَنّ الدفن في البناء حرام أساساً ـ حسب زعم الوهابيين ـ وذيل العبارة يدل على التفريق في الحكم بين الدفن تحت البناء القائم والبناء على القبر فيما بعد.

وعلى كلّ حال ففي كلا قوليه إشكال.

أمّا الوجه الاَوّل والذي استقصى مصادر حديثه قرابة ست صفحات، فهو مردودٌ بدفن الشيخين في البيت، مع أنّه لم يرد في حقّهما ما ورد في حقّ النبي، فكيف جاز دفنهما في الحجرة تحت السقف إن لم يكن مثل ذلك جائزاً بالاَصالة والذات؟

وأمّا الثاني فهو تفريق لا يجنح إليه ذو مسكة، بعد وحدة الملاك، والاشتراك في المصلحة المزعومة، من أنّ وجود القبر تحت البناء تعظيم لغير



1 . البداية والنهاية 5: 266 وقد جاءت مصادر هذه الرواية في كتاب رياض الجنّة : 264.
2 . رياض الجنّة : 269.

(122)

اللّه وعبادة له، أو أنّه قد يوَدي إلى عبادة القبر فالمصلحة تقتضي عدم كون القبر تحت بناءٍ.

والحق أنّه بعد دلالة الذكر الحكيم والسيرة على الجواز، لا مناص من رفض هذه الروايات أو تأويلها على الاَقل وحملها على الكراهة المنتفية في بعض الحالات.

***


(123)

5

التوحيد والشرك في العبادة

مراحل التوحيد الثمانية.

ماهي حقيقة العبادة.

هل العبادة بمعنى الخضوع المجرّد.

هل التشابه ملاك العبادة.

ملاكات العبادة في ضوء القرآن

ما يترتب على هذا الاَصل.

لا شكّ في أنّ الاَنبياء عامّة بُعثوا لنشر التوحيد في العبادة ودعمه، ورفض الشرك وإزالته، ولا يمكن أن يكون الاِنسان من الموحدين إلاّ إذا كان شعاره وعمله مطابقاً لقوله سبحانه: (إِيّاكَ نَعْبُدُ).

وفي هذا الصدد قال سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمّةٍ رَسُولاً أَن اعْبُدُوا اللّهَ وَاجتَنِبُوا الطّاغُوتَ...) (1)

وقال أيضاً: (وَاسأَلْ مَن أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أَجعَلْنا مِن دُونِ


(1)النحل: 36.

(124)

الرَّحمانِ ءَالهَةً يُعْبَدُونَ)(1)

إلى غير ذلك من الآيات التي تثبت أنّ الغاية من بعث الاَنبياء وإرسالهم هو إحكام هذا الاَصل في القلوب والعقول، ولا أظنّ أنّ أحداً من المسلمين والموحدين يُنكر ذلك أو يشكّ فيه.

إنّما الكلام هو في المصاديق الجزئية والموارد الخاصّة التي عدّها الوهابيّون عبادةً، دون سائر المسلمين، فربَّ أمر تعدّه جميع الفرق تكريماً واحتراماً، ويعدّه الوهابيون عبادة وشركاً، فتجد هوَلاء يعدّون التوسّل بالاَنبياء والصالحين شركاً، ودعائهم والاستغاثة بهم شركاً، بل التبرّك بالضرائح والمشاهد شركاً، والصلاة عند قبور الصالحين شركاً، ولا يعنون بذلك إلاّ الشرك في العبادة أو الشرك في الاَلوهية حسب تعبيرهم.

ولكن الآخرين يعدّون كلّ ذلك أُموراً مباحة بل مُستحبة مأموراً بها من دون أن يكون فيها شائبة عبادة، وعند ذلك لا ينتهي البحث والنقاش إلاّ إذا حددنا معنى العبادة تحديداً منطقياً حتّى يتميّز في ضوئه العمل العبادي عن غيره، وهذا هو البحث المهم، بل هو المفتاح الوحيد لحلّ النزاع بين هذه الطائفة والطوائف الاَُخرى، في أكثر المسائل.

وفي غير هذه الصورة يكون البحث بحثاً غير مُفيد بل داخلاً في الجدل والمراء، والنقاش العقيم.

إنّ هذه الطائفة إنّما وقعت فيما وقعت فيه عندما أفرطت في استخدام


(1) الزخرف: 45.

(125)

لفظة الشرك والمُشرك، وعدّ كثير من المسلمين مشركين بسبب انّها لم تضع حدّاً منطقياً للتوحيد، والعبادة، والشرك فيهما، فخبطت خبط عشواء، وخرجت بتكفير عامّة المسلمين لاَعمال وأُمور جرت عليهم سيرتهم منذ قرون وقرون.

مراحل التوحيد الثمانية:

وقبل أن نخوض في صلب الموضوع نقدّم أمرين:

الاَوّل: إنّ للتوحيد ثمانية مراحل هي:

1ـ التوحيد في الذات: وهو أن اللّه واحد لا نظير له ولا مثيل ولا ثانٍ ولا عديل.

2ـ التوحيد في الصفات: وهو أن ذاته سبحانه عين صفاته، وصفاته عين ذاته، فذاته نفس العلم والقدرة وكذا العكس لا انّ هناك علماً وقدرة زائدتين على الذات والتفصيل في محلّه.

3ـ التوحيد في الخالقية: وهو أن اللّه وحده خالق الكون، وليس للكون خالق سواه ولو نُسِب الخلق إلى موجود سواه كما في قوله: (أنّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْـرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيراً بِإِذْنِ اللّه) (1)

4ـ التوحيد في التدبير: وهو أنّ اللّه ربّ الكون ومدبره ولا مدبر على نحو الاَصالة سواه.


(1)آل عمران: 49.

(126)

5ـ التوحيد في التقنين والتشريـع: وهو أنّ حـقّ التشريـع والتقنين منحصر فيه ولا مشرّع سواه.

6ـ التوحيد في الطاعة: والمراد منه أنّه لا تجب طاعة أحد بالذات إلاّ اللّه تعالى فهو وحده الذي يجب أن يُطاع وتمتثل أوامره، وأمّا طاعة غيره فتجب بإذنه وإلاّ كانت محرّمة مُوجبة للشرك.

7ـ التوحيد في الحاكمية: والمراد منه أنّه لا حاكم إلاّ اللّه، وأنّ حقّ الحكم مختص به سبحانه ولا تصحّ الحكومة إلاّ بإذنه.

8 ـ التوحيد في العبادة: وهو أنّ حقّ العبادة محض حقّ للّه، ولا يجوز عبادة غيره، فلا معبود سواه.

الثاني: إنّ الشائع بين الوهابيين هو تقسيم التوحيد إلى:

1ـ التوحيد في الربوبية.

2ـ التوحيد في الاَلوهية.

ثمّ يقولون: إنّ التوحيد في الربوبية بمعنى الاعتقاد بخالق واحد لهذا الكون كان موضع اتّفاق عند جميع المشركين إبّان عهد الرسالة.

وأمّا التوحيد في الاَلوهية ويقصدون منه التوحيد في العبادة الذي يراد منه أنّه لا يعبد سوى اللّه، فهو الذي كانوا يفتقده المشركون آنذاك وقد انصب جهد الرسول الكريم على هذا الاَمر.

والحق أنّ اتّفاق جميع المشركين إبان عهد الرسالة في مسألة التوحيد


(127)

الخالقي ليس موضع شك، ولكن تسمية التوحيد الخالقي بالتوحيد الربوبي خطأ واشتباه، وتسمية التوحيد في العبادة بالتوحيد في الاَلوهية مثله.

أمّا الاَوّل: فلاَنّ معنى الربوبية ليس هو الخالقية كما توهَّم هذا الفريق بل هو ما يفيد التدبير وإدارة العالم وتصريف شوَونه وهو لم يكن موضع اتّفاق بين جميع المشركين والوثنيين في عهد الرسالة كما ادّعى هذا الفريق، وإن كان التوحيد في الخالقية موضع اتفاق بينهم.

وممّا يدلّ على أنّ الربوبيّة لا تعني الخالقية، قولُ اللّه تعالى: (بَلْ رَبّكُمْ رَبّ السّماواتِ والاَرْضِ الَّذِي فَطَرهُنَّ) (1) فلو كان المقصود من الربّ هنا هو الخالق لكانت جملة «الذي فطرهنّ» زائدة لاَنّنا لو وضعنا لفظة «الخالق» مكان «الربّ» في مطلع الآية لَلَمسنا عدم الاحتياج ـ حينئذٍ ـ إلى الجملة المذكورة، أعني: «الذي فطرهنّ» بخلاف ما إذا فُسّـر الرب بالمدبر والمتصرّف ففي هذه الصورة تكون الجملة الاَخيرة مطلوبة لاَنّها حينئذٍ تكون علّة للجملة الاَُولى فتعني هكذا: أنّ خالق الكون هو المتصرّف فيه وهو المالك لتدبيره والقائم بإدارته.

وعلى ذلك فكلما أُطلق لفظ التوحيد في الربوبيّة وجب أن لا يُراد منه التوحيد في الخالقية بل التوحيد في التدبير وإدارة عالم الوجود.

أمّا الثاني: لاَنّ الاِله ليس بمعنى المعبود بل لفظ الاِله ولفظ الجلالة (اللّه) متساويان، والتفاوت بينهما هو كون الاَوّل كلّياً، والآخر مصداقاً لذلك الكلّـي وهو المصداق الوحيد.


(1)الاَنبياء: 56.

(128)

ويدلّ على ذلك أنّه ربّما يُستعمل لفظ الجلالة مكان الاِله أي على وجه الكلّية والوصفية دون العَلَمية فيصحُ وضع أحدهما مكانَ الآخر كما في قوله سبحانه:

(وَهُوَ اللّهُ في السَّماواتِ وفي الاَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ)) (1).

فإنّ وزان هذه الآية وزان قوله سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إِلهٌ وفي الاَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الحَكيمُ العَليمُ) (2)

وقد يُحملُ الاِله على لفظ الجلالة حملَ الكلّـي على مصداقه، قال سبحانه: ( وَلا تقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خيْراً لَكُمْ إنّما اللّهُ واحدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُون لَهُ وَلَدٌ) (3)

والنصارى إنّما يعتقدون بالتثليث في الاَُلوهية لا بالتثليث في المعبودية أي أنّ الواجب سبحانه عندهم ثلاثة.

وهناك آيات تدلّ بوضوح على أنّ الاِله ليس بمعنى المعبود، بل المراد منه هو نفس ما يُراد من لفظ الجلالة، غير أنَّ الاَوّل كلّـي دون الآخر، وإليك بعض الآيات: (لَوْ كَانَ فِيهمَـا ءَالِهَةٌ إلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا) (4)

فإنّ البرهان على نفي تعدد الآلهة المذكور في الآية لا يتمّ إلاّ إذا فُسِّـر


(1)الاَنعام: 3.

(2)الزخرف: 84.

(3)النساء: 171.

(4)الاَنبياء: 22.

(129)

الاِله بمعنى الخالق أو المدبّر لا الاِله بمعنى المعبود، وإلاّ لانتقض البرهان لبداهة تعدد المعبود في هذا العالم مع عدم طروء الفساد في النظام الكوني.

ومثله قوله سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَد وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إله إِذاً لَذَهَبَ كُلّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض) (1)

والبرهان المذكور في الآية لا يتم إلاّ إذا أُريد من الاِله نفس ما يُراد من لفظ الجلالة من الخالق والمدبّر المتصرّف ولو فُسِّـر بمعنى المعبود لانتقض البرهان كما قلناه.

ومثله الآية الثالثة: (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَة كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَواْ إلى ذِى الْعَرشِ سَبيلاً) (2).

فإنّ ابتغاء السبيل إلى ذي العرش من لوازم تعدد الخالق أو المدبّر المتصرّف أو من بيده أزمَّة أُمور الكون أو غير ذلك ممّا يرسمه في ذهننا معنى الاَُلوهية وأمّا تعدّد المعبود بما هو معبود فلا يُلازم ذلك.

ثمّ إنّ من يفسّـر الاِله بمعنى المعبود التجأ في مثل هذه الآيات إلى تقدير كلمة «بالحق» وهو خلاف الظاهر، ولا يُصار إليه حتّى يستقيم البرهان المذكور في الآية.

نعم تفسير الاِله بالمعبود هو من باب تفسير اللفظ بلازم معناه لا بمعناه فإنّ الاِله الخالق المدبّر هو اللائق بالعبادة، أي أنّ الخالقية والمدبرية تلازم المعبودية وتستلزمها.


(1)الموَمنون: 91.

(2)الاِسراء: 42.

(130)

وعلى ضوء ذلك بَطَلَ تقسيمُ التوحيد إلى الربوبية بمعنى الخالقية والاَُلوهية بمعنى العبادة والاَولى أن يعبّـر عن كلّ واحد بنفس ما عبّـرنا به.

إذا اتّضح هذا فلنعمد إلى تبيين حقيقة العبادة.

ما هي حقيقة العبادة؟

وهذه هي الجهة التي عقدنا هذا الفصل لتحليلها وبيانها، ولو أنّ أحداً ضلّ في هذا المقام فإنّما ضلّ لاَجل عدم تحديد حقيقة العبادة، ومفومها.

فماذا تعني العبادة، وما هي حقيقتها؟

هل العبادة بمعنى الخضوع أو منتهى الخضوع؟

إنّ مقوّم حقيقة العبادة ليس هو الخُضُوع المطلق، بل ولا حتّى الخضوع البالغ نهايته، وذلك لاَنّ الخضوع بهذا الحدّ (وهو السجود) قد فعله الملائكة أمام آدم - عليه السّلام- كما فعله يعقوب - عليه السّلام- وأولاده أمام ابنه يوسف - عليه السلام - ، ولم يكن مع ذلك عبادة.

قال سبحانه مخبراً عن هذين الحادثين: (وَإِذ قُلْنَا لِلمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُواْ إلاّ إِبْليس أَبَـى وَاسْتَكْبَرَ(1)).

وقال تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرّوا لَهُ سُجّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْويلُ رُوَياىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبّـي حَقّاً) (2)


(1)البقرة: 34.

(2)يوسف: 100.

(131)

واللّه سبحانه يُطري على قوم يخضعون للموَمنين نهاية الخضوع ويقول في وصفهم: (أَذِلّةٍ عَلَى المُوَْمِنينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكافِرينَ) (1)

ويأمر سبحانه الاَولاد بخفض الجناح لآبائهم بقوله سبحانه: (وَاخْفِضْ لَهُمَـا جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) (2)

إنّ الخضوع بهذا الحدّ موجود في جميع هذه الموارد ومع ذلك لا يُعدّ عملهم عبادة لآدم أو يوسف أو الموَمن أو الوالد.

وربّما يُتخيّل أنّ خضوعهم وتذلّلهم يُعدّ عبادة حقيقةً إذا لم يأمر اللّه تعالى به، فإذا أمر به تعالى خرج عن كونه عبادة فعدم تسميته عبادة في هذه الموارد لا يكون دليلاً على عدم كونها عبادة فيما إذا لم يأمر به.

ولكن هذا محاولة باطلة فإنّ العمل إذا كان بذاته عبادة لشيء أو إنسان كان ماهيته شركاً، والشرك ظلم واللّه لا يأمر بالظلم وكان فاحشةً واللّه سبحانه لا يأمر بها قال سبحانه: (وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنا عَلَيْها ءَاباءَنا واللّهُ أَمَرَنا بها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لا َ تَعْلَمُونَ) (3)

نعم ربّما تُطلق العبادة لبيان شدَّة التعلّق بالشيء مثل عبد الدينار أو عبد معشوقه أو عبد الشيطان في قوله - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «من أصغى إلى ناطق فقد عبده فإن كان ينطق عن اللّه فقد عبد اللّه، وإن كان ينطق عن غير


(1)المائدة: 54.

(2)الاِسراء: 24.

(3)الاَعراف: 28.

(132)

اللّه فقد عبد غير اللّه» وهو لا ريب من التجوّز والاستعمال المجازي للكلمة، إذ لا يقول أحد بكفر هوَلاء وعبادتهم لغير اللّه حقيقة.

هل التشابه ملاك العبادة؟

ليس التشابه بين ما كان يفعله المشركون وبين ما يفعله المسلمون في الصور مقوّماً للعبادة فإنّ أعمال الحجّ من بدوها إلى ختمها تشبه عمل الوثنيين، ومع ذلك لا يُعدّ الطواف بالاَحجار والاَخشاب واستلام الحجر الاَسود والسعي بين جبلي الصفا والمروة أعمالاً شركية، مع أنّها لا تفترق حسب الصورة والظاهر عن ممارسات المشركين وأعمالهم الذين كانوا يقومون بأعمال الحجّ على غرار ما يفعله المسلمون اليوم في الاَكثر.

فإذن يجب أن نقف على ما هو المقوّم الحقيقي للعبادة فنقول: إنّ اتّصاف قول أو فعل بصفة العبادة متوقف على وجود عنصر في القلب يُضفي على العمل الجارحيّ من القول والفعل وصف العبادة.

فما دام هذا العنصر موجوداً في القلب وشاغلاً ساحة الروح يُعدّ العمل من الاِنسان النابع من ذلك العنصر القلبي، ومن تلك العقيدة، عملاً عبادياً.

وأمّا إذا افتقدت الروحُ والنفس ذلك العنصر ولم يصدر القولُ والفعلُ عن تلك العقيدة لا يُعدّان عبادة، وإنّما يتّصفان بواحد من الاَوصاف من كونّه تعظيماً أو تكريماً أو غير ذلك.


(133)

ملاكات العبادة ومقوّماتها في ضوء القرآن:

وأمّا ذلك العنصر فإليك بيانه بتعابير ثلاثة:

1ـ الاعتقاد بأُلوهية المعبود المخضوع له.

2ـ الاعتقاد بربو بيته وكونه مالكاً لشأن من شوَون الكون أو الاِنسان ومصيره.

3ـ الاعتقاد بأنّ المسوَول مستقلٌ في الاِجابة وكونه يقدر على تلبية الطلب من دون إذن أحد أو معونته.

فلو خضع الاِنسان لاَحد أو شيء أو طلب منه شيئاً باعتقاد أنّه إله (ولو كان إلهاً صغيراً في مقابل الاِله الاَكبر) أو رب، أو مستقل في التأثير والاِجابة فإنّه يكون قد عَبَده.

وفي القرآن الكريم إلماعات إلى هذه الملاكات والقيود التي تحقق مفهوم العبادة وتشكّل حقيقتها وجوهرها.

فأمّا الملاك الاَوّل: فيقول سبحانه: (أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللّهِ سُبْحانَ اللّهُ عَمّـا يُشْرِكُون) (1).

فقد جعل في هذه الآية اعتقادهم بأُلوهية غير اللّه هو الملاك للشرك .

ويقول سبحانه: (إنَّهم كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُونَ)(2)أيّ أنّهم يرفضون هذا الكلام لاَنّهم يعتقدون بأُلوهية


(1)الطور: 43.

(2)الصافات: 35.

(134)

معبوداتهم ويعبدونها بما أنّها آلهة ... وغير ذلك من الآيات وهي كثيرة.

وأمّا الملاك الثاني: فقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أُعبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم...) (1)

وقوله تعالى: (ذَلِكُمُ اللّهُ رَبّكُمْ لا إِله إلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَـيْءٍ فَاعْبُدُوهُ) (2)

فتعليل لزوم العبادة بكونه سبحانه الربّ في الآية الاَُولى أو الربّ والخالق لكلّ شيء في الآية الثانية يعرب عن أنّ الدافع إلى العبادة هو ذلك الاعتقاد، فلا يتَّصف الخضوع بوصف العبادة إلاّ إذا اعتقد الاِنسان بأن المخضوع له خالقٌ أو ربٌ أو يملك شأناً من شوَون الاِنسان.

وأمّا الملاك الثالث: فقوله: (اللّهُ لا إله إلاَّ هُوَ الحَىُّ القَيّومُ) (3)

وقوله: (وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَىِّ الْقَيّومِ) (4)والقيوم هو الموجود القائم بنفسه ليس فيه شائبة من الفقر والحاجة.

والآيتان تُفيدان أنّ الاِله الحقيقي هو من يكون مستغنياً في ذاته وفعله عن غيره، فلو استغثنا بأحد باعتقاد أنّه يقضي حاجاتنا ويُلبي مطالبنا بالاستقلال ومن عند نفسه فقد وصفناه بالربوبيّة أوّلاً، وزعمنا أنّه قائم بالفعل على النمط الذي يقوم به اللّه ثانياً، وكأنّا أضفينا عليه صفة القيومية.


(1)البقرة: 21.

(2)الاَنعام : 102.

(3)البقرة: 255، آل عمران : 2.

(4)طه: 111.

(135)

هذه هي ملاكات العبادة وهذا مفهومها في ضوء آيات القرآن الكريم فالعبادة هو الخضوع والتذلّل أمام أحدٌ ـ غير اللّه ـ أو طلب شيء منه باعتقاد أنّه إله أو ربّ أو مستقلّ في تنفيذ الحاجة، وهي صفات تختصّ باللّه، ولا شكّ انّ خضوعاً وطلباً كهذا يكون عبادة، وعملاً متَّسمـاً بالشرك، لاَنّه صيّـر المخلوق مساوياً للّه سبحانه في مجالي العقيدة والعمل، فأعطاه من الصفات ما ليس له وأعطاه من الخضوع والطلب ما يختص باللّه سبحانه.

وبذلك يتّضح أنّه لا يتّصف أيُّ عمل وفعل بالعبادة إلاّ إذا كان العامل معتقداً بأُلوهية مَن أتى بالعمل لاَجله أو بربوبيته.

وإن شئت قلت: إنّه لا يكون أيّ خضوعٍ لفظي أو عَمَلىٍّ متّسِماً بسمةِ العبادةِ إلاّ إذا كان الخاضعُ معتقداً بأنّ المخضوع له هو الاِله الكبير، أو الاِله الصغير (كما في الاَوثان والاَصنام حسب عقيدة المشركين) أو اعتقد بربوبيته وأنّه مدبّر الكون كلِّه أو بعضِهِ وبيده شوَون الاِنسان كلّه أو بعضِه ولا أقلّ بيده مغفرة الذنوب والشفاعة، والاِدخال في الجنّة والنار.

كما أنّه إذا طلب شيئاً من إنسان أو مَلَكٍ لا يعدّ طلبه وسوَاله واستغاثته عبادة للمسوَول إلاّ إذا اعتقد أنّه يضرّ وينفع، وينقض ويبرم باستقلاله من دون استئذان من اللّه سبحانه، على وجه فُوّض إليه شأن ذلك العمل.

وأمّا إذا خلا الخضوع والسوَال من هذه العناصر ولم يكن المخضوع له عند الخاضع إلهاً أو رباً، ولا المسوَول قائماً بشيء من عند نفسه، بل كانا في نظره وعقيدته من عباد اللّه الصالحين، يُرجى استجابة دعائهما وقضاء حاجته


(136)

في ظل طلبهما، فلا يكون الخضوع والسوَال إلاّ عملاً عادياً، له من الحكم ما لسائر الموضوعات من الاَحكام.

نعم ليست هناك ملازمة بين عدم اتّصاف العمل بالشرك وبين كونه عملاً مباحاً جائزاً في الشرع وإنّما يُطلب حكمه من الجواز والحرمة، من سائر الاَدلّة أي لا أنّه حرام بدليل كونه شركاً، وإنّما يكون حراماً أو مباحاً بدليل آخر.

ولاَجل ذلك ركزنا في هذا البحث على نفي صفة الشرك لا على الجواز، وإنّما يُستفاد جوازه وحرمته من عرضه على الكتاب والسنّة.

ما يترتّب على هذا الاَصل:

بعد أن عرفت في دراسة قرآنية أنّ مقوِّم العبادة عبارة عن اعتقاد السائل أو الخاضع أو الداعي أو المنادي بأنّ المسوَول والمخضوع له والمدعوّ «إله» أو «ربٌ» يملك شيئاً ممّا يرجع إليه في عاجله وآجله ومسيره ومصيره، أو أنّه يقوم بما يطلبه على نحو الاَصالة والاستقلال، وعرفت أنّ الخضوع والدعوة لو تجرّدا عن هذا الاعتقاد لما اتّصفا بوصف العبادة وإن بلغا منتهاهما، كيف لا وقد خضعت الملائكة لآدم خضوعاً ليس فوقه خضوع ومع ذلك لم يكن عملهم عبادة لآدم، وخضع يعقوب وأولاده ليوسف خضوعاً لا مثيل له، ومع ذلك لم يكن فعلهم عبادة، وما ذلك إلاّ لخلو عملهم عن مقوم العبادة والشرط الجوهري فيه.

إذا عرفت كلّ هذا يتضح في ضوء هذا الاَصل أنّ كثيراً من الاَعمال


(137)

التي يقوم بها أشياع الاَنبياء ومحبّوهم من الخضوع والتكريم والاحترام ليست عبادة لهم، وإن بلغت نهاية التذلل والخضوع، بل هي تنطلق من مبادىَ أُخرى كالحب والودّ والتعزير والتكريم وهذه الاَفعال هي:

1ـ تقبيل الاَضرحة وأبواب المشاهد التي تضم أجساد الاَنبياء والاَولياء، وما يرتبط بها، فإنّ ذلك ليس عبادة لصاحب القبر والمشهد لفقدان عنصر العبادة في ما يفعله الاِنسان من التقبيل واللمس ، وما شابه ذلك.

2ـ إقامة الصلاة عند المشاهد تبرّكاً بالموضع الذي تضمّن جسد النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - أو الاِمام - عليه السّلام- كما نتبرك بالصلاة عند مقام إبراهيم اتّباعاً لقوله تعالى: (واتّخِذُواْ مِنْ مَقام إِبْراهيمَ مُصَـلَّـى)(1)

3ـ التوسّل بالنبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - سواء كان توسلاً بشخصه وذاته أو بمقامه وشخصيته أو بدعائه، فإن كل ذلك لا يكون إلاّ من باب التوسّل بالاَسباب، لا أنّه عبادة للنبيّ لعدم توفر العنصر المقوّم لمفهوم العبادة في هذه التوسّلات، فإنّ النداء والدعاء إنّما يكون متّسماً بصفة العبادة إذا اعتقد المتوسّل بأنّ المتوسَّل به مالك لشيء، أو فاعل بالاستقلال أو مُفوّض إليه أمورُ اللّه سبحانه بعضها أو كلها، أمّا إذا كان النداء أو الدعاء خالياً عن هذا الاعتقاد، أي لم يعتقد المنادي والداعي أنّه إله أو ربٌ أو مستقلٌ في التأثير بل هو عبد صالح أكرمه اللّه تعالى كان التوسّل به من قبيل التوسّل بالاَسباب، أمّا كونّه مفيداً أو غير مفيد فهو خارج عن مجال البحث.


(1)البقرة: 125، ولا يصحّ أن يبرّر ذلك بالاَمر الاِلهي لما سبق منا من ردّ هذا التبرير.

(138)

4ـ إنّ طلب الشفاعة من الاَنبياء والنبيّ الاَكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - ليس شركاً لاَنّه إمّا أن يكون مأذوناً في الشفاعة فيشفع وإمّا أن لا يكون كذلك فيكون التوسّل لغواً.

إنّ طلب الشفاعة من النبيّ الاَكرم ليس إلاّ طلب الدعاء ولا أظنّ أن يعدّ أحد طلب الدعاء شركاً سواء كان المدعو حيّاً أو ميّتاً.

وهذا هو أمير الموَمنين يطلب الشفاعة من النبيّ الاَكرم عندما فرغ من تغسيله، وقال: «بأبي أنت وأُمي طبتَ حيّاً وميّتاً ... أُذكرنا عند ربّك» (1)

وهذا أبو بكر لمّا توفي رسول اللّه كشف عن وجهه وقبّله وقال: «بأبي أنت وأُمي طبتَ حيّاً وميّتاً أُذكرنا عند ربّك» (2)

وهذا هو عمر بن عبد العزيز يطلب الشفاعة من أحد ذراري رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

دخل عبد اللّه بن حسن على عمر بن عبد العزيز وهو حديث السن وله وفرة فرفع مجلسه وأقبل عليه وقضى حوائجه، ثمّ أخذ عكنة من عكَنهِ فغمزها حتى أوجَعَه، وقال له: أُذكرها عندك للشفاعة فلما خرج لامه أهله وقالوا: فعلتَ هذا بغلام حديث السنّ!

فقال: إنّ الثقة حدّثني حتّى كأني أسمعه مِن فِـي رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قال: «إنما فاطمة بضعة منّي يسرني ما يسرّها» وأنا أعلم أنّ فاطمة لو كانت حيّة


(1)نهج البلاغة، الخطبة: 230.

(2)كشف الارتياب: 65.

(139)

لسرَّها ما فعلت بابنها.

قالوا: فما معنى غمزك بطنه وقولك ما قلت؟

قال: إنّه ليس أحد من بني هاشم إلاّ وله شفاعة فرجوت أن أكون في شفاعة هذا (1).

والاستدلال على كون طلب الشفاعة شركاً بقوله سبحانه: (وَيعبدون من دون اللّهِ ما لا يضرّهم ولا يَنفعهم ويقولون هوَلاء شفعاوَنا عند اللّه) (2) ساقط جداً لاَنّهم كانوا يطلبون الشفاعة ممّن يعتقدون بأُلوهيتهم، وكونهم مالكين لها وأنّه سبحانه فوّضَ إليهم أمرَ الشفاعة فيكون مثل هذا الطلب عبادة.

وأمّا المسلمون فإنّما يطلبون الشفاعة من أُناس يعتقدون بأنّهم عباد صالحون لا يعصون اللّه في أمره، وبذلك تعرف سقوط كثير من استدلالاتهم على تحريم طلب الشفاعة من النبيّ الاَكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

5ـ الاستغاثة بالاَرواح المقدّسة ليس إلاّ كالاستغاثة بهم في حياتهم، وقد استغاث شيعة موسى به قال تعالى:

(فَاسْتَغثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَـى الَّذِي مِن عَدُوّهِ) (3)

فلو استغاث أحد في حال مماته بالنبيّ كانت استغاثته كالاستغاثة


(1)الاَغاني لاَبي فرج الاصفهاني ج9 : 263.

(2)يونس: 18.

(3)القصص: 15.

(140)

به - صلّى الله عليه وآله وسلم - حال حياته، فتفسير الاَُولى ووصفها بالتعلّق بالاَسباب والثانية بعبادة المستغاث به، تفسير لا أساس له من الصحّة، إذ لايعقل أن يوصف شيءٌ واحدٌ متّحدٌ في جميع الخصوصيات إلاّ في كون المسوَول في صورةٍ حيّاً، وفي صورة أُخرى ميّتاً، بأنّه عبادة في الثانية غير عبادة في الاَُولى.

وستعرف في ما يأتي أنَّ مماتهم بعد خروج الروح من أبدانهم ليس بمعنى فنائهم وانعدامهم.

6ـ الاستعانة بهم في مشاهدهم ومزاراتهم أو خارجها نظير الاستغاثة حرفاً بحرف.

ولا ينافي جواز الاستغاثة والاستعانة بهم انحصار الاستعانة باللّه تعالى المنصوص عليه في قوله تعالى: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعينُ) فإنّ المنحصر في اللّه تعالى هو الاستعانة بالمعونة المستقلّة النابعة من ذات المُستعان به، غير المتوقفة على شيء فهذا هو المنحصر في اللّه تعالى، وأمّا الاستعانة بالاِنسان الذي لايقوم بشيء إلاّ بحول اللّه وقوّته، وإذنه ومشيئته، فهو غير منحصر باللّه سبحانه، بل إنّ الحياة قائمة على هذا الاَساس فإنّ الحياة البشرية مليئة بالاستعانة بالاَسباب التي توَثر وتعمل بإذن اللّه تعالى.

ولاِيقاف القارىَ على هذه الحقيقة، نلفت نظره إلى آيات تحصر جملةً من الاَفعال الكونية في اللّه تارة مع أنّه تُنسب نفس الاَفعال في آيات أُخرى إلى غير اللّه أيضاً ، وما هذا إلاّ لاَنّه لا تنافي بين النسبتين لاختلاف نوعيّتهما فهي محصورةٌ في اللّهِ سبحانه مع قيد الاستقلال، ومع ذلك تُنسب إلى غير اللّه مع قيد التبعيّة والعرضيّة.


(141)

الآيات الناسبة للظواهر الكونية إلى اللّه وإلى غيره:

1ـ يقول سبحانه: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين) (1)

بينما يقول سبحانه فيه (أي في العسل): (شِفاءٌ لِلنَّاسِ) (2)

2ـ يقول سبحانه : (إنَّ اللّهَ هُوَ الرَّزّاقُ) (3)بينما يقول: (وَارْزُقُوهُمْ فِيها) ) (4)

3ـ يقول سبحانه: (أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارعُونَ) (5) بينما يقول سبحانه: (يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ) (6)

4ـ يقول تعالى: (وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ) (7)بينما يقول سبحانه: (بَلى وَرُسُلُنَا لَدَيْـهِمْ يَكْتُبُونَ) (8)

5ـ يقول تعالى: (ثُمَ اسْتَوى عَلَـى العَرْشِ يُدَبّر الاَمْرَ) (9)بينما يقول سبحانه: (فَالمدَبِّراتِ أمْراً) (10)


(1)الشعراء: 80.

(2)النحل: 69.

(3)الذاريات: 58.

(4)النساء: 5.

(5)الواقعة: 64.

(6)الفتح: 29.

(7)النساء: 81.

(8)الزخرف: 80.

(9) يونس: 3.

(10) النازعات: 5.

(142)

6ـ يقول سبحانه: (اللّهُ يَتَوفّى الاَنْفُسُ حينَ مَوْتها) (1) بينما يقول: (الِّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الملائِكَةُ طَيِّبينَ(2)).

إلى غير ذلك من الآيات التي تنسبُ الظواهر الكونية تارةً إلى اللّه، وتارةً إلى غيره تعالى.

والحلّ هو: أن يُقال أنّ المحصور على اللّه تعالى هو انتساب هذه الاَُمور على نحو الاستقلال، وأمّا المنسوب إلى غيره فهو على نحو التبعية، وبإذنه تعالى، ولا تعارض بين الانتسابين، ولا بين الاعتقاد بكليهما.

فمن اعتقد بأنّ هذه الظواهر الكونية مُستندة إلى غير اللّه على وجه التبعية لا الاستقلال لم يكن مُخطئاً ولا مشركاً وكذا من استعان بالنبيّ أو الاِمام، على هذا الوجه.

هذا مضافاً إلى أنّه تعالى الذي يعلمنا أن نستعين به فنقول: (إيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) يحثنا في آية أُخرى على الاستعانة بالصبر والصلاة فيقول: (واستعينوا بالصبر والصلاة) (3)

7ـ الحلف بكتاب اللّه وسنَّة نبيه، ونبيه وأوليائه، هو الآخر ليس عبادة ولا شركاً، إذ لو كان الحلف بغير اللّه شركاً ولو صغيراً لاستلزم نسبة ارتكاب الشرك إلى اللّه حيث قد حلف بغير ذاته من الموجودات المادية العظيمة (4).


(1)الزمر: 42.

(2)النحل: 32.

(3)البقرة: 45.

(4)مثل الحلف بالشمس والقمر والتين والزيتون والبلد الاَمين والضحى والليل وما شابه ذلك (ممّا في الجزء الثلاثين من القرآن الكريم).

(143)

وإذا كانت ماهية الحلف بغير اللّه ماهية شركية لا يفرق بينه وبين عباده: قال سبحانه: (قُلْ إنّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَـى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (1)

إنّ الحلف بتلك الاَُمور العظيمة يتضمّن أمرين:

الاَوّل: الدعوة إلى الدقة والتدبّر فيها، وفي صنعها.

الثاني: الاشارة إلى قداسة المقسَم به وكرامته، كما حلف اللّه سبحانه بحياة النبي إذ قال: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) (2)

نعم ثمت روايات نهت عن الحلف بغير اللّه ولقد استدل بها هذا الفريق، ولكن يجب النظر في الاَحاديث الناهية عن الحلف بغير اللّه والتحقيق في مفاداتها وملابساتها، والاجتهاد في فهمها ودراستها.

فما جاء في بعض الروايات من أنَّ رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - سمع عمر يقول: وأبي.

فقال: «إنّ اللّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ومن كان حالفاً فليحلف باللّه أو يسكت» (3).

فإنّ وجه نهي النبيّ عن الحلف بالآباء هو أنّ آباءهم في الغالب كانوا مشركين وعَبَدَةَ الاَصنام فلم تكن لهم حُرْمة ولا كرامة حتّى يَحلِفَ أحدٌ بهم،


(1)الاَعراف: 28.

(2)الحجر: 72.

(3)سنن ابن ماجة 1: 277.

(144)

ولهذا نهى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن الحلف بهم.

ويوَيد هذا مجيء ذكر الآباء إلى جانب الطواغيت في قوله: «وَلاَ تَحْلِفُوا بِاَبَائِكُمْ وَلاَ بالاَُمَّهاتِ وَلا بالاَنْدادِ» (1)

وقوله: «لاَ تَحْلِفوا بِآبائِكُمْ وَلاَ بِالطَّواغِيتِ» (2)

8ـ إحلاف اللّه سبحانه بحقّهم، وقد زعم ابن تيمية حُرمة هذا العمل، ورآه من تبعه شركاً.

وقد استدل أحد كُتّابهم على أنّه شرك يقول:

إنّ الاِقسام على اللّه بمخلوقاته أمرٌ خطيرٌ قريب إلى الشرك إن لم يكن هو ذاته، فالاِقسام على اللّه بمحمّد (وهو مخلوقٌ بل وأشرفُ المخلوقين) لايجوز، لاَنّ الحلف بمخلوقٍ حرام، وإنّه شرك لاَنّه حلِفٌ بغير اللّه، فالحلف على اللّه بمخلوقاته من باب أولى، أي جَعَلنا المخلوق بمرتبة الخالق والخالق بمرتبة المخلوق، لاَنّ المحلوف به أعظم من المحلوف عليه، ولذلك كان الحلف بالشيء دليلاً على عظمته، وأنّه أعظم شيء عنده من المحلوف عليه(3)

إنّ كلام هذا الكاتب يشتمل على أمرين:

1ـ إنَّ الحلف بغير اللّه شرك.


(1)سنن النسائي 7: 9.

(2) المصدر نفسه 7: 7.

(3)التوصّل إلى حقيقة التوسّل: 217 ـ 218.

(145)

2ـ إنَّ المحلوف به يجب أن يكون أعظم من المحلُوف عليه فلازم الحلف بالمخلوق على اللّه كونه أعظم من اللّه.

وقد تبيّـن فيما مضى بطلان الاَوّل (1)

وأمّا الثاني فإنّ لازم الحلف بشيء على اللّه هو أن يكون المحلوف به مُحترماً عند اللّه ومقبول الشفاعة والدعاء عنده لا كونَه أعظم من المحلوف عليه (2) والكاتب المذكور لم يفرّق بين كونه أكرم عند اللّه وبين كونه أعظم من اللّه.

ثمّ انّه كيف يقول: إنّ الحلف على اللّه بمخلوقه شرك وقد ورد في الصحاح والمسانيد النصّ على جوازه، وإليك طائفة من الروايات في هذا المجال:

أ ـ ما رواه أبو سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «من خَرَج رجلٌ من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك وحقّ ممشاي ...» (3)

ب ـ ما رواه البيهقي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «لمّا اقترف آدم الخطيئة قال: يا ربّ أسألك بحقّ محمّد إلاّ ما غفرت لي...»(4).


(1)راجع المقطع السابق (أي المرقم برقم 7) ص140.

(2)نعم فيما إذا حلف المنكر باللّه في فصل الخصومات يكون المحلوف به (اللّه) أعظم من المحلوف عليه أي المدعى لكنّه من خصوصيات المورد وليس قاعدة كليّة.

(3) سنن ابن ماجة 1: 256، الحديث : 778.

(4) مستدرك الصحيحين 2: 615 ، والدر المنثور 1:59.

(146)

ج ـ روى الطبراني بسنده عن أنس بن مالك (رض) أنّه لما ماتت فاطمةُ بنت أسدٍ أُمّ عليّ (رض) دَخَل عليها رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - ، فجلس عند رأسها فقال: «رَحمَكِ اللّهُ يا أُمّي، كنتِ أُمّي بعد أُمّي، تجوعين وتُشبعينَني، وتَعرين وتُكسِينَني، وتَمنعين نفساً طيباً وتُطعِمينَني، تريدينَ بذلك وجهَ اللّهُ والدارَ الآخرةِ» .

ثمّ أمرَ أن تُغسَّلَ ثلاثاً، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - بيده ثمّ خلع رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قميصه فألبسها إيّاه وكفَّنها ببرد فوقها، ثمّ دعا رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - أُسامةَ بن زيد وأبا أيّوب الاَنصاري وعمر بن الخطاب، وغلاماً أسوداً يحفُرون، فحفَروا قبرها فلما بلغوا اللحد، حفرهُ رسولُ اللّه بيده، وأخرج ترابه بيده، فلمّـا فرغ دخلَ رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - فاضطجعَ فيه وقال - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «اللّه الذي يُحيي ويُميتُ وهُوَ حيٌّ لا يَموتُ. إغْفرِ لاَُمّي فاطمة بنت أسد ولقّنها حُجَّتَها، ووسّع عليها مدْخلها بحقّ نبيّك والاَنبياء الذين من قبلي فإنّك أرحمُ الراحمين» وكبّـرَ عليها أربعاً وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر(1).

إلى غير ذلك من الاَحاديث الصحيحة التي تتكفّل جواز إحلافه سبحانه بحقّ أنبيائه صريحاً أو تضمّناً، وسيجيىَ عند البحث عن التعلّق بالاَسباب والوسائل، الذي هو أحد الاَُصول، بعضُ الروايات فلاحظ حديث ابن حنيف هناك.

وبما أنّ الموضوعين: إحلافه سبحانه بحقّ أنبيائه والتوسل بهم


(1)معجم الطبراني الاَوسط 356، حلية الاَولياء 3: 121 والمستدرك 3: 108.

(147)

متقاربان، قسّمنا ما يدل عليهما من الاَحاديث على البابين.

9ـ النذر للصالحين: والمقصود نذر الذبيحة للّه، وإهداء ثوابه للصالح من النبي وغيره، فقول القائل نذرت للنبي معناه: نذرتُ للّه أن أذبحَ شاةً، وأتصدّق بها، وأُهدي ثوابه للنبيّ.

فهناك «لامان»:

«لامٌ» يراد منها الغاية، يقول سبحانه حاكياً عن امرأة عمران: (رَبّ إِنّـي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْني مُحرّراً) (1)

و «لام» يُراد منها بيان وجه المصرف كما في قوله سبحانه: (إِنَّما الصَّدَقاتُ لِلفُقَراءِ والمساكِين)(2)

والذي يصف هذه الاَعمال بالشرك لم يفرّق بين اللامين، وإنّما نظر إلى صورة القضية دون واقعها، وسنوضّح حال هذه الفعال في أصلٍ آخر وهو «لزوم النظر إلى النيّات والضمائر، لا الصور والظواهر» .

فلو أراد الناذرُ من قوله: «نذرت للنبيّ» التقرّبَ منه، يكون فعله شركاً.

وأمّا إذا أراد كونه محلاً لاِهداء ثوابه فهو نفس التوحيد، وهذا مثل قول الوالد، لعقيقة ولده: هذا لولدي.

فإذا اتّضح كلّ هذا ، هل يجوز تكفير المسلمين الموحّدين المعتقدين


(1)آل عمران: 35.

(2)التوبة : 60.

(148)

بعبودية النبيّ والاَئمّة والصالحين وأنّهم لا يملكون شيئاً من شوَون تدبير الاِنسان في حياته ومصيره، وأنّهم لا يستقلّون بشيء، بأنّهم مشركون، يعبدون غير اللّه في توسّلاتهم ونذورهم، وحلفهم، وتقبيلهم لاَضرحة الاَنبياء والاَئمّة ...و ...و... لمجرّد مشابهة أعمالهم لاَعمال المشركين، مع اختلاف جوهر عَمَل المشركين عن جوهر عمل المسلمين، ومع عدم توفّر مقوّم العبادة في عمل المسلمين؟!!

وهل ترى يصح أن يجري العلماء وراء عقيدة موروثة من ابن تيميّة وتلميذ منهجه محمّد بن عبد الوهاب وهما لا يعدوان عن كونهما بشرين يخطئان ويصيبان كسائر البشر؟!

أفلا يقتضي هذا أن يُعيد العلماء النظر في ما قالاه وتركاه من أفكار، ممّا خرقا به إجماع الاَُمّة وسيرة السلف ونهج العقلاء، بل وخالفا فيه الكتاب والسنّة؟!

هذا مع أنّ الذكر الحكيم قد وضع ميزاناً واضحاً لتمييز الشرك عن غير الشرك، والمشرك عن غير المشرك، فقال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذا قيلَ لَهُمْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُونَ x وَيَقُولُونَ أَئِنّا لَتاركُوا ءَالِهَتِنَا لِشاعِرٍ مَجنُونٍ) (1)

وقال: (وَإِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُوَمِنُونَ بالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (2)

وقال: (ذَلِكُمْ بأَنَّهُ إِذا دُعِـيَ اللّهُ وَحْدهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْـرَكْ بِهِ تُوَمِنُوا)


(1)الصافات 35ـ 36.

(2)الزمر: 45.

(149)

فَالْحُكْمُ للّهِ الْعَلي الكبير)(1)

فهل باللّه يستكبر المتوسّلون بالنبيّ والاَئمّة - عليهم السلام - إذا قيل لهم: «لا إله إلاّ اللّه»، ويقولون: «إنّا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون» ؟!

وهل إذا ذُكِرَ اللّه اشمأزت قلوبهم وإذا ذكر الذين من دونه يستبشرون؟!

وهل إذا دُعي اللّه وحده كفروا وإن يُشرك به يوَمنون؟!

قليلاً من الورع والاِنصاف أيّها الاِخوة.

***


(1)غافر: 12.


(150)

(151)

6

الاعتبار بالنيّات والضمائر

لا بالصور والظواهر

دور القصد في تقبّل العمل.

ما يترتب على هذا الاَصل.

دور القصد في تقبّل العمل:

يتميّز الاِسلام عن سائر المناهج البشرية بأنّه يُثيب على العمل النابع من النيّة الخالصة والقصد الطاهر، ولا يكتفي بحسن العمل نفسه، بل يحكم بوجوب كون العمل صادراً عن قلبٍ سليمٍ وقصدٍ طاهر ونيّةٍ خالصةٍ، وهذا بخلاف سائر المناهج البشرية، فهي تكتفي بحُسن العمل نفسه، وإن صَدَر عن نيّة مشوبة بشيء كالرياء والسمعة.

1ـ إنّ تعمير المسجد الحرام عملٌ حَسَن في حدّ نفسه سواء قام به المشرك أو الموَمن، ولكنّ اللّه سبحانه أسقطه عن الاعتبار، ولم يجعل له قيمة


(152)

إذا صدر عن الكافر، بخلاف ما إذا قام به الموَمن المخلص، قال سبحانه: (مَا كَانَ لِلْمُشْـرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللّهِ شاهِدينَ عَلَـى أَنْفُسِهمْ بِالكُفر أُولئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ وفي النّار هُمْ خالِدُون x إِنَّما يَعْمُرُ مَساجدَ اللّه مَنْ ءَامَنَ بِاللّهِ واليَومِ الآخِر وَأَقامَ الصّلاةِ وءَاتى الزّكاةَ ولم يَخشَ إلاّ اللّهَ فَعَسى أُولئكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهتَدِين) (1)

والاِمعان في الآية يكشف لنا أنّ الملاك في القضاء والحكم هو باطن العمل لا ظاهره، وإلاّ فالعمل الذي يقوم به المشرك هو نفس العمل الذي يقوم به المسلم، ولكن الذكر الحكيم سلب عن عمل المشرك حقّ التعمير، وأوكله إلى المسلم ولم يعتبر الاَوّل وإنّما اعتبر الثاني وأقرّه واحترمه، وهذا يشير إلى الاَصل الذي ذكرناه في عنوان البحث بأنّ الاعتبار إنّما هو بالنيّات والضمائر لا بالصور والظواهر.

2ـ إنّ السجود من أعلى درجات الخضوع لدى عامّة الشعوب والاَُمم فلو سجد إنسان عند باب الملك أو في حضرته عُدّ عمله عبادة وعُدّ من المشركين، ولكن الملائكة سَجَدوا لآدم ولم يُحسبوا من المشركين ولم يكن آدم قبلة (2) بل كان مسجوداً له، ومع ذلك عدَّت الملائكة لاَجل سجدتهم تلك عَبَدَة للّه، وحُسِب إبليس العاصي من المذنبين، مع أنّ السجودين في كلا الموردين مُتّحدان صورةً وظاهراً، وشكلاً وقالباً.


(1)التوبة: 17ـ 18.

(2)وذلك أنّه لو كان آدم قبلة لما اعترض الشيطان على السجود له إذ لا يُشترط أن تكون القبلة أفضل من الساجد إنّما يُشترط كون المسجود له أفضل من الساجد في حين أنّ آدم لم يكن أفضل بنظر الشيطان.

(153)

3ـ إنَّ القرآن يصرح بأنّ أبوي يوسف وإخوته سجدوا له حيث قال سبحانه: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَـى العَرْشِ وَخَرّوا لَهُ سُجَّداً وقَالَ يا أَبَتِ هَذا تَأويلُ رُوَيايَ مِنْ قَبْلُ قَد جَعَلَهَا رَبّي حَقّاً) (1) ولو كان مجرّد المشابهة كافياً في الحكم يلزم ـ معاذ اللّه ـ أن يكون سجودهم عبادة للبشر.

4ـ إنّ اللّه سبحانه أمر بالخضوع أمام الوالدين وخفض الجناح لهما قال سبحانه: (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ مِنَ الرَّحمَةِ) (2) ولو خفّض الاِنسان جناح الذلّ لوالديه وقبّل أيديهما وأرجلهما لِما أنعمه والداهُ عليه كان مُثاباً.

ولكن لو قام بنفس العمل أمام الاَصنام والاَوثان عُدّ مُشركاً، مع أنّ صورة العملين واحدة ولو كان الملاك هو الظواهر لَحُكِمَ على العامِلَين بالكفر والشرك ولكن القرآن يعدّ فاعل الاَوّل موَمناً مُطيعاً والثاني عدوّاً للّه ومشركاً به أعاذنا اللّه من الشرك.

5ـ إنّ جميع المسلمين يطوفون في مناسك الحجّ بالبيت الذي ليس هو إلاّ حجراً وطيناً ويسعون بين الصفا والمروة وهما ليسا سوى جبلين قال سبحانه: (وَلْيَطَّوفُوا بِالبَيتِ العَتِيقِ) (3) وقال سبحانه: (إِنَّ الصَّفا والمرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجّ البَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوفَ بِِهِمَـا)(4)


(1)يوسف: 100.

(2)الاِسراء: 24.

(3)الحجّ: 25.

(4)البقرة: 158.

(154)

فإذا طاف المسلم حول هذا الحجر وهذا الطين كان عمله عملاً توحيديّاً، ولكن لو طافَ الكافرُ حول صنمِهِ المصنوعِ من الحجرِ والفلز عُدّ مُشركاً، ومثله السعيُ فلو سعى المسلمُ بين الجبلين لكان عمله تجسيداً للعبادةِ والتوحيدِ، ومظهراً لعمل امرأةٍ موحّدة ساعيةٍ بينَهما لِطلب الماء (1) ولكن لو سعى المشرك بين صَنَمين أو جبلين إذا وضَعَ صَنَمَهما على الجبلين عُدّ مشركاً.

6ـ المسلمون كلُّهم يستلمون الحجرَ الاَسودَ في الحجّ، واستلامه منالمستحبّات الاَكيدة، وهذا العملُ من حيث الصورة لا يختلف عنعملِالمشركين تجاه أصنامهم في حين أنّ هذا العملَ يُعدّ فيصـورةٍ شركاً، وفي أُخرى عَمَلاً مُستحبّـاً قام به سيّــد الموحّدين والموَمنين.

7ـ إنّ تقديم الهدي وذبحَه في منى يُشبه من حيثُ الشكل عملَ المشركين حيث كانوا يذبحون القرابين في منى أمام أصنامهم وأوثانهم.

هذه الاَُمور تحتّم علينا انتزاع قاعدةٍ أُصوليةٍ وهي أنَّ الملاك والاعتبار إنّما هو بالنياتِ والضمائر لا القُشور والظواهر، وإلاّ لما تجد فرقاً بين عَمَل المشرك والموحّد في هذه الصور وغيرها مما لم نذكره.

فالذي يكون حاجزاً بين العملين ومميّزاً لعَمَل المشرك عن عمل الموحّد هو نيّته وقصده وضميره، وحيث إنّ النيّات والمقاصد مُختلفة يكون العمل تابعاً لها.


(1)ونعني بها هاجر أُم إسماعيل.

(155)

ولهذا كان سجود الملائكة عملاً صحيحاً جائزاً لاَنّها سجدت لآدم بما أنّه عبد من عباد اللّه ولكن المشرك حيث إنّه يسجد للاَصنام بما أنّها آلهة صغيرة فُوِّض إليها مصير الاِنسان أو تدبير الكون كلّه أو بعضه، يكون عمله شركاً ومحرّماً.

ومثله سجود يعقوب لولدِه.

وكذا خفض الولد الحنون جناحيه لوالديه فإنّ الولد حيث يقوم بهذا اتجاه والديه بما أنّهما بشران تحمّلا التعب الكثير لاَجل تربيته في حين لم يكونا يملكان شيئاً من أسباب الحياة كما لا يعتقد الوالد بمثل هذا في حقّهما، كان عمله جائزاً مشروعاً، وهذا بخلاف المشرك فإنّه حيث يخفض جناحه للاَصنام باعتقاد أنّها آلهة ذات قدرة ومشيئة مستقلّتين، وتعمل ما تشاء وتفعل ما تريد.

وبذلك نعرف البون الشاسع بين عمل الموحّد والمشرك.

كما أنّ هذا يدفعنا إلى استيعاب الاَصل الاَصيل وهو أنّ الملاك للقضاء على عمل، والمقياس للحكم بكونه توحيدياً أو لا، إنّما هو نيّة العامل وقصدُه وباعثه وحافزه.

فإذا كانت النيّة شركية كان العمل شركياً، وإذا لم تكن كذلك لم يكن العمل شركياً.

وإليك فيما يأتي ما يترتب على هذا الاَصل من النتائج.


(156)

ما يترتّب على هذا الاَصل:

إنّ الذي يترتّب على هذا الاَصل هو أنّه ليس لنا أن نحتج بالآيات التي نزلت في حقّ المشركين، على حرمة التوسّل بالاَنبياء ودعائهم والاستشفاع بهم بحجّة أنّ عمل المشرك والموحّد واحد شكلاً لما عرفت من بطلان ملاك الشكل بل الملاك في القضاء بأنّ هذا العمل توحيديٌ أو شركيٌّ هو النيّات والضمائر التي ينبع منها العمل، وعلى هذا يسقط الاستدلال بالآيات التالية على حرمة التوسّل والاستغاثة. يقول سبحانه:

(وَأَنَّ المَساجدَ للّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللّهِ أحَداً) (1)

(لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجيبُونَ لَهُمْ بشَـيْءٍ)(2)

(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ) (3)

(والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمير) (4)

(قُل ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضّـرِ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْويلاً) (5).

(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَـى رَبِّهمُ الوَسيلَةَ) (6)


(1)الجن: 18.

(2)الرعد: 14.

(3)الاَعراف: 194.

(4) فاطر: 13.

(5)الاِسراء: 56.

(6)الاِسراء: 57.

(157)

(وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ ما لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُـرّكَ) (1)

(وَمَن أَضَلُّ مِمّنْ يَدْعُوا مِن دُونِ اللّهِ مَن لاَ يَسْتَجيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ القِيامةِ) (2)

إذ من المعلوم أنَّ إسراء الحكم في هذه الآيات الناظرة إلى أعمال المشركين تجاه أصنامهم وتعديتها إلى المسلمين تتوقف على وحدة الموضوع، واتّحاد الملاك ففي هذه الصورة تنطبق تلك الآيات على المسلمين أيضاً.

وأمّا إذا كان الموضوع مُختلفاً، وكانت عقيدة المسلمين في حقّ الاَنبياء والاَولياء، لا تُشبِه عقيدة المشركين أبداً كان الاستدلال بهذه الآيات، أشبه بإسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر لا يجمعهما جامع قريب ولا بعيد إلاّ مجرّد المشابهة في لفظ الدعاء، والدعوة والنداء.

ولو أنّنا استعرضنا عقيدة المشركين في حقّ أوثانهم التي كانوا يتوسّلون بها، في ضوء القرآن الكريم لعرفنا أنّهم كانوا يعتقدون بربوبية تلك الاَوثان، وأنّها تملك تدبير حياة البشر، أو تملك شأناً من الشوَون المرتبطة بمصير الاِنسان في الحياة الاَُخروية كالمغفرة والشفاعة وكانوا يدعون تلك الاَوثان منطلقين من هذا الاعتقاد والتصوّر.

ولهذا اتّسمت دعوتهم بصبغة العبادة لاَنّ من دعى كائناً، أو خضع له خضوعاً لسانياً أو جارحياً باعتقاد أنّه يدبّر حياته أو يملك شأناً من شوَون مصيره كلاً أو بعضاً، كان دعاوَه وخضوعه هذا متّصفاً بالعبادة وإن كان خضوعاً ضعيفاً وبسيطاً.


(1)يونس: 106.

(2)الاَحقاف: 5.

(158)

وأمّا من دعى إنساناً باعتقاد أنّه عبد صالح من عباد اللّه، أكرمه اللّه سبحانه بالرسالة والنبوّة، أو بشيء من المقامات المعنوية من دون أن يعتقد بأنّه يملك المدعو شيئاً من تدبير حياة الاِنسان، أو شيئاً من مصيره في الدنيا والآخرة، بل له مقامٌ رفيعٌ عند اللّه بحيث لو دعاه لاَجابه، أو استشفع به شفّعه، لا يكون دعاوَه واستشفاعه عبادة لعدم وجود العنصر المقوّم للعبادة في هذا الدعاء والاستشفاع، بل يكون الدعاء مُردّداً بين أمرين: إمّا أن يُستجاب، أو لا يُستجاب، فأين هذا من عقيدة المشركين وتصوّرهم في حقّ معبوداتهم من الاَوثان والاَنجم أو من تمثّلها هذه الاَوثان والاَنجم.

ما يدلّ على عقيدة المشركين في معبوداتهم:

والذي يدل على عقيدة المشركين في حقّ معبوداتهم على النحو الذي أشرنا إليه وكيف أنّهم كانوا يُضفون عليها صفة الربوبية، أو يسندون إليها بعض شوَون الربّ هو ما يلي:

1ـ إبراهيم - عليه السلام - وقومه:

إنّ استعراض ما ورد في حقّ قوم إبراهيم في القرآن الكريم من الآيات التي أشارت إلى حوار الخليل - عليه السّلام- مع معبوداتهم من الاَجرام السماوية، يكشف القناع عن هذه الحقيقة، فإنّ هذه الآيات تكشف عن أنّ قوم إبراهيم كانوا يعتقدون بربوبية تلكم الاَجرام، وليس الربّ إلاّ من يدبّر حياة المربوب تدبيراً خاصّاً، مثل ربّ الضيعة وربّ الاِبل وربّ العمل، وربَّ البيت.


(159)

يقول اللّه تعالى: ( فَلَمّـا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيلُ رَأى كَوْكَباً قَال هذا رَبّي فَلَمّـا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلينَ x فَلَمّـا رَأى القَمَرَ بازِغاً قَالَ هذا ربّـي فَلَمّـا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهدِني رَبّـي لاَكُونَنّ مِنَ القَوْمِ الضالِينَ x فَلَمّـا رأى الشَّمْسَ بازِغَةً قَالَ هَذا رَبّـي هَذا أكْبَـرُ فَلَمّـا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنَّـي بَرىءٌ مِمّا تُشرِكُونَ x إِنّـي وَجَّهْتُ وَجِهىَ للذِي فَطَرَ السَّماواتِ واَلاَرْضَ حَنيفاً وَمَا أنا مِنَ المُشْـرِكينَ) (1)

يُستفاد من هذه الآيات أنّهم كانوا يعتقدون بربوبية تلك الاَجرام ولهذا وصفها إبراهيم بالربوبية في حواره معهم من باب المجاراة مع الخصم في النقاش والاستدلال ...

فهم بهذا الاعتقاد كانوا يتوجَّهون بالطلب إلى تلك الاَجرام السماوية، ويخضعون لها، ولم يكن خضوعهم خضوعاً مُطلقاً. ولهذا ساغ وصف عملهم ذاك بالعبادة ثمّ الشرك.

2ـ عيسى - عليه السلام- وقومه:

لقد اعتقد النصارى في المسيح بالاَُلوهية عندما لاحظوا طريقة ولادته العجيبة الخارقة للعادة، وشاهدوا وقوع الخوارق على يديه، ولهذا عَبَدوه، كما تُعبد الآلهة، فردّهم القرآن الكريم وصرّح بأنّ عيسى عبد من عباد اللّه سبحانه يعبده ويخضع له، وكيف يكون إلهاً حينئذٍ:

(لَنْ يَسْتَنكِفَ المَسْيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً للّهِ وَلاَ المَلائِكَةُ المُقَرّبُونَ وَمَنْ


(1)الاَنعام : 76ـ 79.

(160)

يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِـرْ فَسَيَحْشُـرُهُمْ إِليْهِ جَميعاً) (1)

3ـ اتّخاذ الاَحبار والرهبان أرباباً:

إنّ دراسة مواقف أهل الكتاب (أي اليهود والنصارى) في ضوء الكتاب العزيز يكشف عن أنّهم غالوا في إطاعة أحبارهم ورهبانهم حيث أعطوهم حقّ التحليل والتحريم وأطاعوهم في ذلك وهو من شوَونه وأفعاله سبحانه لا غير واعتقدوا بربوبيتهم ولو في هذا القسم الخاصّ، وهو الربوبيّة في التشريع.

قال سبحانه عنهم: (اتّخذُواْ أحْبارَهُمْ وَرُهبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّه وَالمسيحَ ابْنَ مريمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبحانَهُ عَمّـا يُشْرِكُونَ(2)).

روى الثعلبيُّ وهو من كبار علماء الحديث والتفسير في القرن الخامس في تفسيره بإسناده عن عديّ بن حاتم، قال: أتيتُ رسولَ اللّه وفي عُنُقي صليب من ذهب فقال لي: يا عُديّ إطرحْ هذا الوثن من عنقك.

قال: فطرحته ثمّ انتهيت إليه وهو يقرأ من سورة البراءة هذه الآية: (اتّخذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً) حتّى فرغ منها ، فقلت له: إنّا لسنا نَعْبُدُهم.

قال: «أوَليس يُحرّمون ما أحلّ اللّه فتحرّمونه ويحلون ما حرّم اللّه


(1)النساء: 172.

(2)التوبة: 31.

(161)

فتستحلونه» ؟

قال: فقلت: بلى.

قال: «فتلك عبادتهم» (1)

وقد تضافرت عن أئمّة أهلِ البيتِ أحاديث كثيرةٌ في هذا المعنى وإليك بعض ما ورد عن طريقهم:

روى جابر بن عبد اللّه الاَنصاري عن أبي عبد اللّه الصادق - عليه السّلام- ، قال سألته عن قول اللّه: (اتّخَذُوا أَحْبارَهُمْ ورُهْبانهم أَرباباً من دونِ اللّهِ) .

قال: «أما إنّهم لم يتّخذُوهم آلهة، إلاّ أنّهم أحلّوا حلالاً وأخذوا به، وحرّموا حراماً فأخذوا به، فكانوا أربابهم من دون اللّه» (2)

وروي عن أبي جعفر الباقر - عليه السّلام- في تفسير قوله: (اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه والمسيح ابن مريم) أمّا المسيح فبعضٌ عظّموه في أنفسهم حتّى زعموا أنّه إله ، وأنّه ابنُ اللّه، وطائفةٌ منهم قالوا: ثالث ثلاثة، وطائفةٌ منهم قالوا: هو اللّه.

وأمّا قوله: : «أحبارهم ورهبانهم» فإنّهم أطاعوهم، وأخذوا بقولهم، واتبعوا ما أمروهم به، ودانوا بما دعوهم إليه، فاتّخذوهم أرباباً بطاعتهم لهم، وتركهم ما أمرَ اللّه وكتبه ورُسله، فنبذوه وراء ظهورهم، وما أمرهُمْ به الاَحبار والرهبان اتّبعوه وأطاعوهم، وعَصُوا اللّهَ ورسوله، وإنّما ذُكِرَ هذا في كتابنا لكي


(1)تفسير الثعلبي: مخطوط نقله عنه الطبرسي في مجمع البيان 3: 24.

(2)نور الثقلين ج2: 209ـ 210.

(162)

نتعظَ بهم، فعيّـر اللّهُ تباركَ وتعالى بني إسرائيل بما صَنعوا، يقول اللّه تبارك وتعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبدُوا إِلهاً واحِداً لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّـا يُشرِكُونَ) (1)

وروى أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه - عليه السّلام- عن قول اللّه عزَّ وجلَّ: (اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه) .

فقال: «أما واللّه ما دَعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم لما أجابوهم، ولكن أحلّوا لهم حراماً، وحرّموا عليهم حلالاً، فَعَبَدُوهم من حيث لا يشعرون» (2).

أي كانت طاعتهم لهم في ما أحلّوا وما حرّموا عبادة لهم، لاَنّهم بذلك أعطوا البشر شأناً من شوَون اللّه سبحانه الخاصّة به، وهو حقّ التقنين والتشريع.

4ـ أهل مكّة وأوّل صنم عبدوه:

جاء في السيرة النبوية لابن هشام أنّ «عَمرو بن لُحيّ» كان أوّلَ من أدخلَ الوثنية إلى مكّة ونواحيها، فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أُناساً يعبدون الاَوثان وعندما سألهم عمّـا يفعلون بقوله: ما هذه الاَصنام التي أراكم تعبدونها؟

قالوا: هذه أصنام نعبدها فَنَسْتَمْطِرُها فَتُمْطِرُنا ونَسْتَنْصِرُها فَتَنْصُرنا.


(1)نور الثقلين ج2: 209ـ 210.

(2)الكافي 1:275.

(163)

فقال لهم: أفلا تعطوني واحداً منها فأسير إلى أرض العرب فيعبدوه ؟!

ثمّ انّه استصحب معه إلى مكّة صنماً كبيراً يُدعى «هُبل» ووضعه على سطح الكعبة المشرّفة ودعا الناس إلى عبادته (1)

إنّ طلب المطر من هذه الاَوثان يكشف عن اعتقادهم بأنّه كان لهذه الاَصنام دخلٌ في تدبير شوَون الكون وحياة الاِنسان.

5ـ بقايا الاعتقاد بربوبية الاَنجم:

لما أصاب المسلمين مطر في الحديبية لم يبل أسفل نعالهم (أي ليلاً) فأمر رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - مناديه أن ينادي: ألا صَلّوا في رحالكم، وقال - صلّى الله عليه وآله وسلم - صبيحة ليلة الحديبية لمّـا صلّـى بهم: «أتدرون ما قالَ ربُّكم» ؟ قالوا: اللّهُ ورسوله أعلم.

قال: قال اللّه عزّ وجلّ: «أصبَحَ من عبادي موَمنٌ بي وكافرٌ، فأمّا مَن قال: مُطِرنا برحمةِ اللّهِ وفضلِهِ فهو موَمنٌ باللّهِ وكافرٌ بالكواكبِ، ومن قال: مُطِرنا بِنَجْمِ كذا (وفي رواية بنوء كذا وكذا) فهو موَمن بالكواكب وكافر بي»(2)

إنّ هذا النصّ يدلّ على أنّ العرب الجاهليين ـ بعضهم أو كلّهم ـ


(1)السيرة النبوية 1:79.

(2)السيرة الحلبية 3: 25 ، قال النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - هذا في الرد على من اعتقد بأنّ المطر كان من جانب نجم خاص كان في الجاهلية يعتقدون أنّه مدبر شوَون المطر وكانت بعض رواسب هذه العقيدة باقية في عقول بعض المسلمين.

(164)

كانوا يعتقدون في الاَنجم التي يتوجّهون إليها بالطلب، بالربوبية ويعتقدون بأنّها تملك شأناً من شوَون حياتهم كالاَمطار.

ولهذا ندّدت الآيات القرآنية الكثيرة باعتقاد المشركين هذا، ونَفَت أن يملك أيّ واحد من هذه المعبودات المُزيّفة التي كانت رائجة في الاَوساط الجاهلية شيئاً من شوَون التدبير والربوبية أو شأناً من شوَون الاِنسان فيما يتعلّق بمسيره أو مصيره.

وإليك طائفة من هذه الآيات:

الآيات المندّدة باعتقاد المشركين:

قال اللّه تعالى في كتابه الكريم عن الاَوثان والاَصنام والاَنجم والكواكب أو مَن تُمَثّلهم هذه الاَوثان والاَصنام من معبودات المشركين:

(وَاتّخَذوا مِن دُونِه ءَالهة لا يَخْلُقُون شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لاََنْفُسِهِمْ ضَـرّاً ولاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَياةً ولا نُشُوراً) (1)

(إنَّ الَّذِينَ تعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) (2)

(قُل أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَـرّاً وَلاَ نَفْعاً) (3)


(1)الفرقان: 3.

(2)العنكبوت: 17.

(3) المائدة: 76.

(165)

(وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمير) (1)

(قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ) (2)

(وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ) (3)

(قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضّـرّ عَنْكُمُ وَلاَ تَحْويلاً) (4).

(قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرّةٍ فِـي السَّماواتِ وَلاَ في الاَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهَا مِن شِـرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِن ظَهير)(5)

من هذه الآيات يتّضح أمران:

1ـ أنّ المشركين كانوا يعتقدون في معبوداتهم أنّها تملك شيئاً من الاَُمور التالية كلّها أو بعضها: الحياة والموت والنشور والضر والنفع والرزق والشفاعة، حيث صرّحت هذه الآيات بأنّ هذه المعبودات الباطلة لا تملك شيئاً من هذه الاَُمور بل لا تملك شيئاً، بل ولا ذرّة في السماء ولا في الاَرض، ولا هي شريكةٌ في ذلك بل لا تملك من قطمير.

2ـ أنَّ مقوّم العبادة هو أن يعتقد الاِنسان في من يخضع له أو يطلبُ


(1)فاطر: 13.

(2)الزمر: 43.

(3)الزخرف: 86.

(4)الاِسراء: 56.

(5)سبأ: 22.

(166)

منه شيئاً أنّه يملك (1)شأناً من شوَون حياة الاِنسان كالحياة أو الموت أو النشور أو الضرّ أو النفع أو الرزق أو يملك شأناً من شوَونه سبحانه، وإن لم تمت إلى الحياة بصلة كالمغفرة والشفاعة.

ويوَيّد هذا أنّ اللّه أمر نبيّه بأن يقول للمشركين بأنّه إنّما يعبد الذي يملك هذه الشوَون لا من لايملكها، وأن ينهاهم عن عبادة من لا يخلق ولا يرزق ولا يضر ولا ينفع، ولا يملك شأناً من شوَون الربوبية، يقول سبحانه: (إنْ كُنتُمْ في شَكّ مِن ديني فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوفّاكُمْ ) (2).

(وَمَاليَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (3)

(يَا أيُّها النَّاسُ اعْبُدُوا رَبّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبُلِكُمْ) (4)

(ذَلِكَ اللّهُ رَبّكُمْ لاَ إِله إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلّ شَـيْء فاعْبدُوهُ) (5)

لقد كانت هذه العقائد الباطلة (أي الاعتقاد بمالكية الاَصنام وغيرها من معبودات المشركين لشوَون التدبير في شتّى مراتبه الكاملة والمتوسطة والجزئية) متغلغلة في نفوس المشركين وأوساطهم، وكان أضعفها هو الاعتقاد بأنّ هذا الصنم أو ذاك يملك الشفاعة والمغفرة.

وممّا يوَيّد أنَّ خضوع المشركين أمام معبوداتهم كان مزيجاً باعتقاد كونهم


(1)ومعنى يملك أنّه يستقل به ويقوم به من دون إذن من أحد.

(2)يونس: 104.

(3)يس: 22.

(4)البقرة: 21.

(5)الاَنعام: 102.

(167)

آلهةً صغاراً أو أرباباً وموجودات تملك شوَون الربّ كلّها أو بعضها، أنّهم كانوا يصفونها بأنّها أندادٌ للّه سبحانه، قال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أنْداداً يُحبّونَهم كَحُبِّ اللّهِ) (1)

ولما زعموا أنّ معبوداتهم المصطنعة تضرُّهم وتنفعهم وتملك شيئاً من مصيرهم كالشفاعة والمغفرة عادوا يحبّونها كحبّ اللّه.

ويقول سبحانه: إنّ المشركين كانوا يُسوُّونَ آلهَتَهم برب العالمين قال: (تَاللّه إِن كُنَّا لَفِـي ضَلالٍ مُبينx إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ العالَمينَ) (2)

والمراد من التسوية هي التسوية في شوَون الربّ جلّها أو بعضها غير الخالقية، فقد اتَّفقت كلمةُ المشركين في أُم القُرى وغيرها على كونها من شوَون الواجب جلَّ ذكرهُ (3).

وأمّا التسوية في العبادة فكان من شوَون ذلك الاعتقاد، فإنّ العبادة خضوعٌ من الانسان لمعبوده، ولا يتحقّق مثل ذلك الخضوع إلاّ أن يكون هناك إحساس من صميم ذاته بأنّ المعبود يملك شوَونه في آجله وعاجله.

وكان المشركون في ظلّ هذه العقيدة يسوُّون أصنامهم بربّ العالمين، وبالتالي يعبدونها.

وليس المراد من التسوية، التسوية في العبادة، لاَنَّ المشركين المتواجدين في عصر الرسول كانوا لا يعبُدُون إلاّ الاَصنام، لا أنّهم كانوا يعبدون اللّهُ


(1)البقرة: 165.

(2)الشعراء: 97 ـ 98.

(3)لاحظ قوله: (ولئن سألتهم من خلق السماوات ... قالوا ...) .

(168)

سبحانه وغيره من الاَصنام.

وتوَيّده آيات سورة «الكافرون» قال سبحانه: (قُلْ يا أيّها الكافِرون...) فكان هناك عبادتان ومعبودان أحدهما يختصّ بالنبيّ، والآخر بالمشركين، لا أنّ المشركين كانوا يعبدون اللّهَ والاَصنام معاً، نعم كانوا يعبدُون الاَصنامَ لَغرضَ التقرّب بها إلى اللّه.

فإذا كانت عقائد المشركين متَّسمةً بهذه السّمـات، كان التنديد بها لاَجل هذه الجهة، وكان دعاوَهم ونداوَهم مُتّصفاً بصفة العبادة لوجود هذا العنصر، ولاعتقاد مثل هذه الصفة في الاَوثان ومن تمثّلهم.

فهل من الاِنصاف أن يحكم أحدٌ على المسلمين الموحّدين المعتقدين بعبودية الاَنبياء والاَولياء، وعدم مالكيتهم شيء أو شأن إلاّ باذن اللّه سبحانه وعدم إمكانهم على القيام بطلب الشفاعة إلاّ من بعد أن يوَذن لهم، بأنّهم مشركون؟!

حصيلة البحث:

إنّ العبرة في القضاء والحكم إنّما هو حقائق الاَعمال لا صورها، ومن أظلم حكماً ممّن حكم على أُمّة النبيّ الاَكرم بالشرك في العبادة بحجّة:

أنَّ المشركين كانوا يتوسّلون بأصنامهم، وهوَلاء أيضاً يتوسّلون بنبيّهم.

وأنَّ المشركين كانوا يدعون معبوداتهم ويستغيثون بها، وهوَلاء أيضاً يدعون نبيّهم ويستغيثون به.


(169)

وأنَّ المشركين كانوا يطلبون الشفاعة من آلهتهم، وهوَلاء أيضاً يطلبونها من أوليائهم.

وأنَّ المشركين كانوا يقرّبون النذور لآلهتهم، وهوَلاء أيضاً يقدّمون النذور لهم.

وأنَّ المشركين يحلفون باللات والعزى، وهوَلاء أيضاً يحلفون بالنبيّ والقرآن والكعبة إلى غير ذلك من وجوه المشاركة والمشابهة التي ليست بمجرّدها عماداً للقضاء ولا سنداً في الحكم، وإلاّ لم يبق على أديمِ الاَرضِ من يمكن إدراج نفسه في ديوان الموحدين، لمشابهة أكثر أعمال المسلمين لاَعمال المشركين في الاَشكال والظواهر والهيئات والصور.

***


(170)


(171)

7

الاَنبياء والاَولياء

والقدرة الغيبية المأذونة

رجال رفعتهم العبادة الخالصة.

صاحب موسى والاَعمال الخارقة.

أصحاب سليمان والاَعمال الخارقة.

سليمان بن داود والقدرة الغيبية.

المسيح والسلطة الغيبية.

ما يترتّب على هذا الاَصل.

رجال رفعتهم العبادة الخالصة:

إنّ للّه سبحانه رجالاً مُصطفين، يُستدرّ بهم الغمامُ، ويندر أمثالهم في الدهر، وهم مُثُل للفضيلة والاِخلاص، وخزنة للعلم والاَسرار، قد منحهم اللّه سبحانه من سابق علمه، واستأمنهم على غامض علومه، ممّا لا يقوى على احتماله غيرهم، فجمعوا العلم، سرَّه وجهره، وحازوا من الفضائل، نفسيّها وخلقيّها، وبلغوا القمّة في العبادة قوليّها وعمليّها جارحيّها وجانحيّها، وأخذوا عنه سبحانه أسرار العلم وجواهر الحكمة حتّى زكت نفوسهم،


(172)

وكادوا أن يزاحموا الملائكة المقرّبين.

وفي حقّهم يقول أمير الموَمنين - عليه السّلام- :

«ما برح للّه، عزّت آلاوَُه، في البرهة بعد البرهة وفي أزمان الفترات عبادٌ ناجاهُم في فِكرهم وكلّمهم في ذات عقولهم» (1)

أجل إنّ الاِيمان المحض والعبودية الخالصة، يرفعان بالاِنسان إلى درجة يستطيع معها صاحبها أن يتصرّف في الكون إذا أراد بإذن اللّه سبحانه، ويخرق القوانين الطبيعيّة بمشيئته تعالى. ولقد بيّـن الذكر الحكيم بعض أعمالهم وأفعالهم التي تُبهر العقول وتدهش العيون، وهم بين نبيّ اصطفاه اللّه سبحانه لهداية الناس ومدّه بالبيّنات، وزوّده بالمعجزات، ورجلٍ صالح مخلص لا يُدرَك له شأوٌ ولا يُشقُّ له غبار، وهم وإن لم يكونوا بأنبياء ولكن يغبطهم بعض الاَنبياء، على منازلهم، ومقاماتهم.

وها هو علي - عليه السّلام- يُعرّفهم بقوله:

«هَجَمَ بهم العلمُ على حقيقةِ البصيرة، وباشَـروا روحَ اليقين، واستلانُوا ما استوعَره المترَفون، وأنِسوا بما استوحَشَ منه الجاهلُون وصَحبوا الدُنيا بأبدانٍ أرواحُها معلَّقةٌ بالمحلِّ الاَعلى، أُولئكَ خُلفاءُ اللّه في أرضه والدعاة إلى دينه»(2).

إنّ هوَلاء الاَبدال قد مُنحوا هذه المنزلة الرفيعة بفضل العبوديّة وسلوك سبيل الطاعة، فعلِمُوا بما لم يعلم به الناس، ووقفوا على علم الحوادث


(1)نهج البلاغة، الخطبة: 217.

(2) المصدر نفسه: قصار الحكم: 147.

(173)

والوقائع التي يُبتلى بها الناس، وتصرّفوا في الكون تصرّفاً بديعاً خارجاً عن السنن العادية إلى غير ذلك مما لهم من المثل والفضائل.

إنّ العبادة التي يتصوّر أكثر الناس أنّ آثارها تنحصر في دفع العذاب والعقاب وجلب الثواب، تمنح النفسَ قدرةً عظيمةً يكون بها صاحبها مَثَلاً للّه سبحانه، وللّه المثلُ الاَعلى، وتعالى عن الندّ والمثل.

إنّ سلوك طريق العبودية والانتهاء عن المحرّمات والالتزام بالواجبات والمستحبّات، والاِخلاص في القول والعمل ذو أثر عظيم وعميق في تزويد النفس بقدرة خاصّة خارقة للقوانين والسنن الكونية لاَهدافٍ عاليةٍ، إلى هذا يشير الحديث القدسي: «ما تَقرّبَ إليَّ عبدٌ بشيء أحبُّ إليَّ ممّا افترضتُ عليه، وأنّه ليتقرّبُ إليَّ بالنافلة فإذا أحببتهُ، كنتُ سمعَه الذي يسمعَ به، وبصرَهُ الذي يُبصر به، ولسانَهُ الذي ينطِق به، ويدَه التي يبطش بها، إن دعاني أجبتُه، وإن سألني أعطيتُه» (1)

فكم في الموَمنين باللّه من ذوي الرُتب العلوية، رجال وأبدال شملتهم العناية الاِلهية، فجرّدوا أنفسهم عن أبدانهم، حينما أرادوا معاينة الحقائق، واطّلعوا على الاَسرار، على غرار اطّلاع يعقوب على مصير ابنه، واطّلاع يوسف على الغامض من حياة صاحبيه في السجن.

وها هنا نعرّف ببعض من وصل إلى ذلك المقام على ضوء القرآن الكريم:


(1)الوسائل: ج3، الباب 17 من أبواب اعداد الفرائض برقم 6.


(174)

1ـ صاحب موسى - عليه السّلام- وأعمالهُ الخارقة:

إنّ الذكر الحكيم يتعرّض لذكر عبدٍ من عباد اللّه أعطاهُ اللّه سبحانه رحمةً من عنده وعلّمهُ من لدنه علماً، وبلغ في العلم إلى درجة أنّ كليم اللّه - عليه السّلام- طَلَبَ منه أن يتّبعه حتّى يعلّمه مما عَلِمَ ويسترشد برشده، ولكنّه رفض ذلك قائلاً: بأنّه لا يستطيع معه صبراً وكيف يصبر على ما لم يحط به خبراً. غير أنّ الكليم أصرَّ على التبعية والمصاحبة، ووعده بأن يجده صابراً ولا يعصي له حكماً. غير أنّ ذلك العبد الصالح اشترط عليه بأنّه إن رأى منه فعلاً عجيباً لا يسأله عن سببه حتّى يكون هو الذي يشرح له.

فركبا في السفينة، فخرق ذلك العبدُ الصالح السفينة من دون سبب ظاهر فاستولت الوحشة على موسى فقال له معترضاً: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرقَ أَهْلَهَا لَقَد جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) ، فأجابه بأنّه قد خالف ما أخذه عليه من الشرط.

فلما نزلا من السفينة لقيا غلاماً فقتله ذلك الرجلُ من دون جُرم بيّـن واستولت على موسى الدهشة ثانية، وقال: (أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْـرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً) ، فأجابه بما قاله له في المرة الاَُولى.

ثمّ إنّهما أتيا قريةً واستطعما أهلها، فأبوا أن يضيّفُوهُما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقضَّ ويتهاوى فأقامه من دون أُجرة فاعترض عليه موسى بقوله: (لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْراً) ، فقال المُصاحَبُ: (هَذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ سَأُنْبِئُكَ بِتَأْويلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَلَيْهِ صَبْـراً) (1)


(1)الكهف: 60 ـ 82.

(175)

ثم أخذ المصاحَبُ يشرح أسرار أفعاله وقال: أمّا خرقُ السفينة فلاَجل أنّها كانت لمساكين، وكان أمامَهم ملكٌ يأخذ كلُّ سفينة غصباً فأردتُ أن أعيبها حتّى لا يطمع بها.

وأمّا قتل الغلام فكان أبواه موَمنين فعلمت أنّه إن بقي يغشى أبويه طغياناً وكفراً، ويحملهما عليهما، فأراد ربُّهما أن يهب لهما ولداً خيراً منه ديناً وطهارةً وأرحم بهما.

وأمّا إقامة الجدار فلاَنّه كان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنزٌ مذخورٌ فأراد سبحانه أن يبلغا أشدَّهما ويستخرجا كنزهما رحمةً من ربّك.

ثمّ أضاف بأنّ ما فعله لم يكن من قِبَلِ نفسه بل بأمر اللّه سبحانه.

هذا هو صاحب موسى فما هو اسمه ومن هو؟ أنّه غير معلوم على وجه اليقين، ولكن شخصيّته القوية ومنزلته السامية لائحة من أفعاله البديعة فهي تعرب:

أوّلاً: عن أنّه كان عالماً بعلم المنايا والبلايا، وعلم الآجال والحوادث.

وكان يعلم علماً قطعيّاً بأنّ أمام السفينة ملكٌ يأخذ كل سفينة غصباً وأنّ السفينة لو أصبحت معيبةً لا يطمع بها.

كما كان يعلم بأنّ الولَدَ لو بَلغَ أشدَّه، هجر الوالدين إلى الكفر والطغيان، وأنّه لو قَتَلهُ لعوَّض عنه ولداً باراً بوالديه.

كما أنّه وقف على أنّ تحت الجدار مالاً مذخوراً وأنّه لو وقَعَ الجدارُ ظهر ذلك المال واستولى عليه الناس وانّه لو أقام الجدار يبقى مدة يبلغ فيها


(176)

الغلامان أشدهما ويستخرجان كنزهما.

وأيّ علم أعلى وأرفع من علوم هذا العبد الصالح الذي لا تحيط بها المقاييس والموازين.

فلو قال رجلٌ مسلمٌ بأنَّ بين عباد اللّه سبحانه رجالاً صالحين هم خزنةٌ للعلم والاَسرار يرون ما وراء الحجب ويقفون على الحوادث والآجال بإذنه سبحانه وتعليمه فإنّما يريدون مثل هذا، لا غير.

وأمّا العلم بالمغيّبات من دون اكتساب ولا تحصيلٍ من مصدر أعلى فإنّما هو يختص باللّه سبحانه فهو عالم الغيب والشهادة بلا تعليم وكسب، فأين المتناهي من اللامتناهي؟ وأين الممكن من الواجب؟ وأين الفقير من الغني؟ وأين المتعلّم من العالم بالذات، إذن فلا يلزم من نسبة التعرّف على الغيب في موارد خاصة، وعلى نحو الاكتساب إشراك العبد مع الربّ، والفقير مع الغنيّ تعالى: (فَمَـا لِهَوَلاَءِ القَوْمِ لاَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) .

وثانياً: أنّ ما قام به صاحب موسى من الاَعمال البديعة تعرب عن كونه ذا قدرة متصرّفة في عالم التكوين على وجه لا يراه من صاحبه وجاوره فها هو خرق السفينة أمام أعين صاحبها وركّابها ولم يره أحد.

فقد تصرّف في العيون والاَبصار على وجه لم يقفوا معه على فِعلِه، ليحولوا بينه وبين ما يريد.

كما أنّه قَتلَ غلاماً في الطريق وبنى الجدار ولم يعرف بفعله أحدٌ.

وما هذا إلاّ دليل بارز على قدرته على التصرّف في الاَبصار والاَنظار.


(177)

وثالثاً: أنّ للّه سبحانه أولياء مستورين لا يعرفهم أحدٌ حتّى المقرّبين من أنبيائهم وأُولي العزم منهم، فتصل ألطافهم إلى الناس بدون أن يطّلعوا على فاعلها ومصدرها.

هذه دراسة تحليلية إجمالية للقصة وما يستفاد منها من حقائق وأسرار.

2ـ أصحاب سليمان والاَعمال الخارقة:

إنّ القرآن يثبت لحواريّ سليمان قدرةً غيبيةً مكّنته من إحضار عرش ملكة «سبأ» من اليمن إلى فلسطين قبل أن ينفضّ مجلسه قال سبحانه: (قَالَ يَا أَيُّها المَلَوَُاْ أَيُّكُمْ يَأتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنّ أَنَّا ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَقَامِكَ وَإِنّـى عَلِيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ)(1)

بل ومكّنت شخصاً آخر من حاشيته من أن يجلب له العرش في أقلْ من طرفة عين إذ قال: (قالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّـا رَءَاهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّى) (2)

فما هذا العلم الذي يحمله قائلُ هذا القول؟ (أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) .

هل المراد هو العلم بِطُرقِ الاَعمال الخارقةِ للعادة أو غيره؟

وعلى كل تقدير فهذا العلم ليس من سنخ العلوم الفكرية التي يتم


(1)النمل: 38 ـ 39.

(2)النمل: 40.

(178)

اكتسابها وتعلّمها بالطرق العادية المتعارفة بشهادة أنّ علمه هذا كان جزءاً من كتاب خاص معهود يختلف عن بقيّة الكتب على حدّ تعبير الآية الشريفة.

وعلى كلّ تقديرٍ فقد كان قادراً على الاِتيان بهذا العمل، إمّا لامتلاكه قدرةً على الاِتيان به بإذن اللّه سبحانه كقدرته على إتيان الاَعمال الاعتيادية، أو لاَنّه كان على قَدَر عظيم من الارتباط باللّه سبحانه بحيث إذا سأل شيئاً لم يتخلّف عن إجابته.

3ـ سليمان والسلطة الغيبية:

ويشير القرآن كذلك إلى وجود سلطةٍ خارقةٍ لسليمان - عليه السّلام- في مواضع من سور الذكر الحكيم، فقد حكت آيات عن:

1ـ امتلاكه سلطةً نافذةً على معاشر الاِنس والجنّ وأنواع الطير حتّى أنّها عُدّت من جنوده وعساكره: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَـانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنّ والاِنسِ والطَّيْـرِ) ) (1)

2ـ إنّه بلغ في نفوذ سلطانه على كائنات عالم الحيوانات أنّه كان يحادثُهم ويتوعّدهم وينذرهم بصرامةٍ ويأمرُهُم بما يشاء: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْـرَ فَقَالَ مَالَيَ لاَ أَرَى الهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الغائِبِينَ * لاَعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لاَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنّي بِسُلْطَانٍ مُبين ) (2)


(1)النمل: 17.

(2)النمل: 20 ـ 21.

(179)

3ـ أنّه فرض سلطته وسيطرته التامّة على الجنّ فكانوا رهنَ إشارته وطوع أوامرِهِ يمتثلون ما يسنّه لهم ويأمرهم به: (وَمِنَ الجنّ مَن يَعْملُ بَيْـنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ... يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ) (1)

4ـ أنّه فرض سلطته على الريح فكانت تتحرك في الفضاء حسب أمره ونهيه: (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِ) (2)

فأيّ سلطة أعظمُ من هذه السلطة على الكون التي كانت لسليمان - عليه السّلام- والجدير بالذكر أنّ بعضَ الآيات صريحةٌ في أنّ الريح كانت تجري بأمره، فسليمان النبيّ بَلَغَ من المنزلة والمكانةِ حدّاً، صار الكونُ معها رهن إشارته وطوع أمره؟

4ـ المسيح والسلطة الغيبيّة:

بَعَثَ اللّهُ سبحانه المسيح عيسى بن مريم نبيّاً إلى بني إسرائيل ومنح له من القدرة ذكرتها جملة الآيات التالية:

(أنِّى أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّين كَهَيْئَةِ الطَّيْـر فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْـراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىَُ الاَكْمَهَ والاَبْرَصَ وَأُحْيى المَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبّئُكُمْ بِمَـا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ إِنَّ في ذلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُوَمِنينَ) (3)

والجدير بالذكر أنّ اللّه يسند هذه الاَعمال إلى نفس شخص المسيح


(1)سبأ: 12ـ 13.

(2)الاَنبياء: 81.

(3)آل عمران: 49.

(180)

ولكن مقيّدةً بإذن اللّه. (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْـرِ بِإِذْنِى فَتَنْفُخُ فِيهَا فتَكُونُ طَيْـرَاً بِإِذْنِى وَتُبْـرِىَُ الاَكْمَه والاَبْرَصَ بِإِذْنِى وَإِذْ تُخْرجُ المَوْتَى بِإِذْنِى)) (1).

سبحان اللّه ما أكثر صراحة هذا الكلام من المسيح - عليه السّلام- في إثبات السلطة الغيبية المأذونة المحدودة الفعّالة لغايات إلهيّة حيث قال : (أخْلُقُ ـ أُبرِىَُ ـ أُحْيي) .

أفبعدَ هذه التصريحات يمكنُ أن يَشُكَ الاِنسانُ في أنّ للمخلصين من عباد اللّه سلطة غيبية؟ كيف وللمحقّقين المفسّـرين في جملة تلك الآيات بيانات شافية توَكّد هذه الحقيقة من أراد الوقوف عليها فليرجع إلى مظانها.

ومن طالع الذكر الحكيم يجد أنّ هناك آيات أُخرى تثبت للاَنبياء والصالحين قدرة غيبيّة بارزة، فعلى سبيل المثال اقرأ سورة يُوسف وتدبّر في آياتها وأنّه كيف تمكّن من التعرّف على مصير صاحبيه في السجن وأخبرهما بأنّ أحدهما يسقي ربّه خمراً وأنّ الآخر يُصلب وتأكل الطير من رأسه؟

وكيف أنّه وقف على مصير شعب مصر وما سيعانونه في سنين كثيرة تمرّ عليهم، وكيف أنّه تأتي سبعةُ أعوام خصبة ثمّ تليها سبعُ سنين يعمّ فيها القحط والشدّة إلى آخر ما جاء في تلك السورة.

بل أرسل قميصه إلى أبيه وقال بأنّه لو ألقاه على وجهه لاَتاه بصيراً (2)

أفهل يمكن الحصول على هذه العلوم عن طريق التعليم والتعلّم؟


(1)المائدة: 110.

(2)لاحظ سورة يوسف الآيات: 36 ، 47 ، 93.

(181)

أم هل يمكن أن يقول بأنّه لم يكن لاِرادة يُوسف في عودة البصر لاَبيه أيّ تأثير؟

كل هذه الحقائق والوقائع تبيّـن لنا منزلة الاَنبياء والاَولياء عند اللّه تبارك وتعالى، وبذلك نقف على قيمة ما كتبه الشيخ المودودي، حيث يقول: «صفوة القول أنّ التصوّر الذي لاَجله يدعو الاِنسان الاِله ويستغيثه ويتضرّع إليه، هو لا جرم تصوّر كونه مالكاً للسلطة المهيمنة على قوانين الطبيعة وللقوى الخارجة عن دائرة نفوذ قوانين الطبيعة».

فإنّه يلاحظ عليه: أنّ الاعتقاد بالسلطة الغيبيّة الخارجة عن إطار السنن الطبيعية لا يُوجب الاعتقاد بالاَُلوهيّة حتماً.

بل إنَّ السلطة حتّى على الكون بأجمعه ـ فضلاً عن بعضه ـ إذا كانت بإخطار اللّه تعالى وبإذن منه ـ لا تلازم الاَُلوهيّة.

فكما أنّ اللّه أعطى لآحاد الاِنسان قدرةً محدودةً في أُمورهم العاديّة وفضّلَ بعضهم على بعض في تلك القدرة، فكذلك لا مانع من أن يعطي لفرد أو أفراد من خيار عباده، قدرةً تامةً نافذةً على جميع جوانب الكون عادية أو غير عادية، وذلك بنفسه لا يستلزم الاَُلوهيّة.

نعم إنّ الذي ينبغي أن يدور حوله البحث هو وجود تلك القدرة، وأنّه سبحانه هل أعطاها لاَحد أو لا؟

وقد صرّح القرآن بذلك في عدّة موارد منها على ما عرفت في حقّ بعض الاَنبياء والصالحين.


(182)

فالحقّ أنّ السلطة الغيبيّة التي أعطاها اللّه سبحانه لخيار عباده ليتصرّفوا بها في الكون بإذنه ومشيئته ويخرقوا بها قوانين الطبيعة في مجالات خاصّة لا تستلزم الاعتقاد بوجودها في أحد، الاعتقاد بأُلوهيته، ولا يكون صاحب مثل هذه السلطة ندّاً وشريكاً للّه سبحانه ولا يلزم منه مساواته باللّه سبحانه.

نعم، الاعتقاد بالسلطة الغيبيّة «المفوَّضة» والتي يتصرّف بها صاحبها في الطبيعة من دون حاجة إلى إذن اللّه سبحانه هو الموجب للاعتقاد بالاَُلوهية، وقد قال سبحانه: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ)(1)

كما وأنّ الذكر الحكيم يثبت للملائكة قدرةً خارقةً من قبض الاَرواح، وإهلاك الاَُمم، ويثبت للنبيّ الاَعظم - صلّى الله عليه وآله وسلم - كون صلاته موجبة لسكون الاَرواح والقلوب، يقول سبحانه: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)(2).

ما يترتّب على هذا الاَصل:

ويترتّب على الاَصل:

1ـ إنّ الاعتقاد بأنّ اللّه سبحانه يدفع عن الاِنسان الضرّ أو يجلب إليه النفع في ظلّ دعاء النبيّ، في الدنيا والآخرة، ليس شركاً لاَنّه لو كان - صلّى الله عليه وآله وسلم -


(1)الرعد: 38.

(2)التوبة: 103.

(183)

مستجاب الدعوة، يكون الداعي إيّاه الطالب منه محقّاً في طلبه، ولو لم يكن كذلك يكون الطلب لغواً لا شركاً.

وعلى كلا التقديرين فإنّ الداعي أو الطالب يرى أنّ الاَمر بيد اللّه سبحانه، وأنّ دعاء النبيّ سببٌ من الاَسباب، فكما أنّ الاِنسان يلتجىء في الاَُمور الدنيوية والاَُخروية إلى أسباب نجاحه، ولا يعدّ ذلك شركاً وخروجاً عن جادة التوحيد، فهكذا إذا لجأ إلى دعاء النبيّ معتقداً بأنّه سبب من أسباب نجاح مطلبه وحاجته.

2ـ إنّ طلب برء المريض من الاَنبياء وردّ الضالة وقضاء الحاجة لا يكون شركاً، سواء كان في حال حياة النبيّ أو في حال مماته لاَنّه لا يزيد ذلك على طلب برء المريض من المسيح أو طلب إحياء الموتى منه، وهو حسب نفس الاَمر لا يخلو من حالتين، بين قادر وعاجز.

فعلى الاَوّل يحظى الطلب بالتنجيز والتحقّق إذا توفّرت الشرائط.

وعلى الثاني يكون لغواً.

وإلى ذلك يشير السيّد الاَمين في قصيدة له حيث يقول:

إن كان ليس بقادرٍ في زعمِكُمْ * فيكون مثلَ سوَال مشي المقعَدِ
أو كانَ يقدرُ وهو أصوبُ لم يكنْ * شِركاً وليس مريدُه بمفنَّدِ (1)

إنّ عدّ طلب الاَُمور الخارقة للعادة، من الشرك في العبادة، مبنيٌ على


(1)العقود الدرّية: 203.

(184)

عدم وضع حدّ منطقي يُميَّـز به فعل اللّه سبحانه عن فعل عباده.

فربّما يُتخيَّل أنّ الميزان هو كون الفعل الخارق للعادة، فعلهُ سبحانه، والموافق للعادة هو فعل عباده، مع أنّ هذا التعريف غير صحيح أبداً لما عرفت من أنَّ مَن طلب حاجة من حىٍّ وإن كان جارياً على وفق العادة، وتصوّر أنّه يقوم به مستقلاّ ً وبحول وقوّة ذاتيتين، فقد زعم أنّه إله ويكون طلبه عبادة له، وإنّما الميزان كونُ الفاعل إنّما يفعل ما يفعل بحول وقوّة نابعة من نفسه أو بحولٍ مُكتسب وقوّةٍ مأذونة، فيكون في الاَوّل ملازماً لاَُلوهيته وفي الثانية غير ملازم لربوبيته.

وخلاصة القول:

أنّ الميزان الصحيح في تمييز فعل اللّه عن فعل غير اللّه هو الاستقلالية والاَصالة في القيام بالفعل، لا الخارقية للعادة وغير الخارقية للعادة.

فإنّ فعل اللّه هو ما يكون مستنداً إلى استقلال في التأثير، وأصالة في القدرة، أي أنّ اللّه يأتي به من دون أن يعتمد على أحد أو يستأذن أحداً فوقه.

بينما فعل غير اللّه هو ما يكون صادراً عن قدرة مكتسبة، وواقعة بإذن واجازة من اللّه سبحانه، سواء كان هذا الفعل خارقاً للعادة أو غير خارق للعادة.

فمن اعتقد بصدور فعل (عادي أو غير عادي) من أحد على الطراز الاَوّل فقد اعتقد بأُلوهيته لاَنّه أضفى على فعله طابع الفعل الاَُلوهي وصبغهُ بصبغة الاَُلوهية، فكان مشركاً.


(185)

وأمّا لو اعتقد بصدور فعل (عادي أو غير عادي) من أحد على الطراز الثاني لم يعتقد بأُلوهيته قط لاَنّه لم يُضف على فعله طابع الفعل الاَُلوهي، ولم يصبغه بصبغة الاَُلوهية، لم يكن مشركاً.

***


(186)


(187)

8

التبرّك بآثار الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلم -

العلل الطبيعية والخارقة للعادة.

التبرّك بالنبيّ في حياته وبآثاره بعد مماته.

التبرّك بتحنيك الاَطفال.

التبرّك بالمسح والمسّ.

التبرّك بفضل وضوئه.

التبرّك بسوَر شرابه وطعامه.

ما يترتّب على هذا الاَصل.

إنّ التوحيد في «الخالقية» يقضي بأنّه لا موَثّر في الوجود إلاّ اللّه سبحانه، وأنّه هو الحيّ القيُّوم، وأنّ غيره قائم به، ولكن انحصار الخالقية في اللّه سبحانه لا يعني أنّ الواجب جلّ اسمه هو السبب المباشر لكلّ شيء، كما أنّ التوحيد في «الربوبيّة» لا يعني أنّه المدبّر للعالم بنفسه بلا تسبيب من الاَسباب وبلا تنسيق من العلل التي توَثّر بعضها في بعضٍ، ويتأثّر بعضها من الآخر، لبطلان ذلك عقلاً وكتاباً:


(188)

أمّا عقلاً، فقد شهدت البراهين العقليّة على أنّ الوجود متّحدٌ حقيقةً، مختلف مرتبةً، فإذا كان كذلك فلا معنى أن يكون الوجود موَثّراً في مرتبة«الواجب» تعالى غير موَثّر في مرتبة «الممكن» ما دام الوجود كما قلنامتّحدٌ حقيقةً، وإنّما هو مختلفٌ في الرتبة. ولهذا فإنّ من يدّعيتأثيراللّهمن دون تسبّب من الاَسباب يقول ذلك بلسانه وقلبه موَمن بخلافه.

وأمّا كتاباً، فإنّ الذكر الحكيم مليءٌ بالآيات الصريحة بتأثير العلل والعوامل الطبيعية في آثارها، وقد أوردنا بعض هذه الآيات في ذيل مبحث الشرك في العبادة.

والحاصل أنّ هناك فرقاً واضحاً بين القول بأنّ اللّه هو الموَثّر المباشر في كل شيء، والقول بأنّه هو الموَثّر الاَصيل عن طريق جعل الاَسباب، فمثلاًهو سبحانه المخرج للثمرات من الاَشجار لكن بسبب الماء (1) فاللّهسبحانه هو الموَثّر التامّ والقيُّوم المطلق، الذي يقوم به كُلّ شيء، ويوَثّربه كلُّ شيء، وأمّا غيره فإنّ وجوده وتأثيره وأثره بإرادته وإذنه سبحانه،وهذا هو حقيقة التوحيد والخالقية، وقد أوضحنا مراتب التوحيد في محلّه (2)


(1)إشارة إلى قوله سبحانه: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ) .

(2)لاحظ مفاهيم القرآن الجزء الاَول، وهي من تأليف الاَُستاذ العلاّمة السبحاني بقلم الكاتب.

(189)

العلل الطبيعية والعلل الخارقة للعادة:

وكما جرت سنّةُ اللّه الحكيمة على إجراء الفيض وإيصاله إلى الناس عن طريق العلل الطبيعية غالباً، فإنّها جرت في بعض الموارد على إجرائه إلى الناس عبر علل غير مألوفه، أو خارقةٍ للعادة، كما نرى ذلك في المعاجز والكرامات.

وبما أنّ القسم الاَوّل (أي اجراء اللّه لفيضه عن طريق العلل الطبيعية) واضحٌ نعطفُ عنان البحث إلى الثاني (أي اجراء الفيض عبر سبل خارقة للعادة والمألوف) فنقول:

قال سبحانه: (وَإِذْ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْـرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشـرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْـرَبَهُمْ) (1)فقد أجرى سبحانه فيضه الحيويّ عن طريق غير عاديّ.

ومثله قوله سبحانه: (كُلّما دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَريّا المِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْـرِ حِسابٍ) ) (2).

وقوله سبحانه: (وَهُزّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنيّاً) (3)


(1)البقرة: 60.

(2)آل عمران: 37.

(3)مريم: 25.

(190)

إنّ ما ورد في هذه الآيات من ظهور فيضه سبحانه على خاصّة أوليائه، إنّما هو من باب الكرامة، لا الاِعجاز فالكليم لم يكن عندما طلبوا منه الماء ولبّى طلبهم بتلك الصورة الخارقة في مقام التحدّي.

كما لم تكن مريم في ذلك المقام وإنّما هو فضل ربّنا وكرامته ولطفه الخاص الذي يقع في بعض الاَزمان عندما تقتضي المصلحة ذلك.

وعلى ذلك فليس من البعيد أن تكون هناكَ عللٌ وأسبابٌ موَثّرةٌ لم نكن نعتادها قد أثّرت في أُمور بإذن اللّه سبحانه.

فهذا هو يوسف قد أرسل قميصه إلى أبيه وأمر أخوته بأن يُلقوه على وجه أبيه ليرتد بصيراً، قال سبحانه حاكياً عن لسان يوسف: (اذْهبُواْ بقَميصِـى هَذا فَأَلْقوهُ عَلَـى وَجهِ أَبي يَأْتِ بَصيراً ... فَلَمّـا أَن جَاءَ البَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَـى وَجْهِهِ فَارْتَدَ بَصِيراً... ) (1)

ومن المعلوم أنّ قميص يوسف ذاك لم يكن مصنوعاً إلاّ من القطن أو ما شابهه، ولكنّ اللّه سبحانه جعل فيه أثراً غير عادي بحيث لما أُلقي على وجه يعقوب الذي أبيضّت عيناه من الحزن عاد بصيراً.

فليس لنا أن نقول: إنَّ القميص من القطن وأيّ رابطة علمية بين القطن وعودة البصر إلى عيّني يعقوب؟

نعم ليست هناك رابطة علميّة تكشف عنها الاَجهزة المادية


(1)يوسف: 93 ـ 96.

(191)

المستخدمة والمعتمدة في الاَوساط العلمية.

إنّ هذه العلاقة غير العادية تظهر عند وضع القميص على عيني يعقوب واللّه سبحانه واقف على العلل الموَثّرة في هذه الحوادث.

وعلى ذلك الاَساس جرى الاِلهيون عند التبرّك بآثار أوليائهم، لاَنّهم يجدون فيها شفاء عليلهم، ورواءِ غليلهم بإذن اللّه سبحانه.

ولكنّهم ربّما يتبرّكون بالآثار من دون أن يتوقّعوا منها نتائج كتلك التي ذكرت، وإنَّما ينطلقون في ذلك من مبدأين:

الاَوّل: مبدأ الحبّ والود، والتعزير والتكريم فمن عشق شيئاً عشق لوازمه وآثاره. فحبّ الآباء والاَُمّهات يجرّنا إلى حبّ من بقي منهم وما بقي من آثارهم، وكذلك حبّ الاَنبياء والصلحاء يجرّ كل موَمن إلى حبّ كلّ ما تركوه من آثار حتّى أبنيتهم وألبستهم وأولادهم.

الثاني: ما وصل إلينا عن طريق الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنّهم كانوا يتبرّكون بكل ما يمتّ إلى النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - بصلة في المجالات المختلفة.

وقبل أن نذكر نماذج من هذا القبيل نذكر ما كتبه المحقّق العلاّمة محمّد طاهر بن عبد القادر في كتابه «تبرّك الصحابة» وهو من علماء مكّة المكرّمة حيث قال: أجمعت صحابة النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - على التبرّك بآثار رسول اللّه والاهتمام في جمعها وهم الهداة المهديّون، والقدوة الصالحون، فتبرّكوا بشعره، وبفضل وضوئه، وبفرقه، وثيابه، وآنيته، وبمسّ جسده الشريف، وبغير


(192)

ذلك ممّا عُرف من آثاره الشريفة التي صحّت به الاَخبار عن الاَخيار.

فصار التبرّك بها سنَّة الصحابة (رض) واقتدى آثارهم من نهج نهجهم من التابعين والصالحين.

وقد وقع التبرّك ببعض آثاره في عهده وأقرَّهُ ولم ينكر عليه، فدلّ ذلك دلالةً قاطعةً على مشروعيته ولو لم يكن مشروعاً لنهى عنه وحذّر منه.

وكما تدلّ الاَخبار الصحيحة وإجماع الصحابة على مشروعيته، تدل على قوّة إيمان الصحابة وشدة محبّتهم وموالاتهم ومتابعتهم للرسول الاَعظم - صلّى الله عليه وآله وسلم - على حدّ قول الشاعر:

أمرّ على الديار ديار ليلى * أُقَبّلُ ذا الجدارِ وذا الجدارا
وما حبّ الديار شغفنَ قلبي * ولكنْ حبّ من سكن الديارا (1)

بل إنّ المسلمين لشدة علاقتهم بنبيّهم سجّلوا كثيراً من خصوصيات أخلاق النبيّ والاَشياء التي تمتّ إليه بصلة، فذكروا صفة قراءته في صلاته، وحسن صوته، ووصفه في إيراد الخطب، وحسن خلقه وعشرته، وكيفيّة مشيه، ومأكله، وما كان يعجبه من الطعام، وما كان يعاف من الطعام والشراب، حتّى ذكروا شعره وشيبه وخضابه وما أطلى به من النورة، وحجامته، وما أخذ من شاربه، ولون لباسه، وأصنافه، وطولَه وعرضَه وقناعَته في الثوب، وما كان يقولُه إذا لَبِسَه، حتّى ذكروا الخُمرة التي يُصلّـي


(1)تبرّك الصحابة: 5.

(193)

عليها، وخاتَمه من الفضة، ونقشَ خاتمه، ونعلَه، وخُفّه، وسِواكه، ومُشطه، ومُكحلته، ومِرآته، وقَدحه، وسيوفه، ودرعه، وترسّموا رماحَه، وخيله، ودوابّه، وإبله، ولِقاحه، وخَدمه ومواليه وبيوتَه، وحُجَرَ أزواجه، وصَدقاته، والبآر التي شرب منها(1).

قال ابن هشام في الفصل الذي عقده لصلح الحديبية : إنّ قريش بعثت عُروة بن مسعود الثقفي إلى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - فجلس بين يديه وبعدما وقف على نيّة الرسول من خروجه إلى مكّة رجع إلى قومه وأخبرهم بما دار بينهم وبين الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلم - ثمّ قال: إنّ محمّداً لا يتوضّأ إلاّ وابتدر أصحابُه بماءِ وضوئه، ولا يسقط من شعره شيء إلاّ وأخذوه، ثمّ قال: يا معشر قريش لقد رأيتُ كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإنّي واللّه ما رأيت ملكاً في قومه قطّ مثل محمّد في أصحابه، ولقد رأيت قوماً لا يُسلمونَه بشيءٍ أبداً فَرَوا رأيَكم ...

التبرّك بآثار النبيّ في حياته وبعد مماته:

وها هنا نذكر نماذج من تبرّك الصحابة والتابعين بآثار الرسول في حياته وبعد مماته، ولكن لانستقصي فإنّه يدفعنا إلى تأليف كتاب في ذلك المجال (2)


(1)لاحظ الطبقات الكبرى لابن سعد 1: 375ـ530.

(2)وكفانا في ذلك ما كتبه الشيخ طاهر المكي، وما دبجته يراعة الاَُستاذ الشيخ علي الاَحمدي حيث قام بتتبع واسع في ذلك المجال وأفرد الموضوع بالتأليف فأسماه (التبرّك) وقد طبع في بيروت وطهران.

(194)

1ـ التبرّك بتحنيك الاَطفال:

كانت الصحابة تتبرّك بالنبيّ في تحنيك أطفالهم.

قال ابن حجر: كل مولود وُلِدَ في حياته، رآه وذلك لتوفّر إحضار الاَنصار أولادهم إلى النبيّ للتحنيك والتبرّك، ونقل ذلك جمٌّ غفير من أعلام السنّة والحديث والتاريخ، بل إنّه لما أُفتتحت مكّة، جَعَلَ أهلُ مكّة يأتون إليه بصبيانهم يمسحُ على روَوسهم ويدعو لهم بالبركة.

عن عائشة: إنّ النبيّ كان يوَتى بالصبيان فيبرّك عليهم.

وعن عبد الرحمان بن عوف: ما كان يُولَد لاَحدٍ مولودٌ إلاّ أُتي به النبيّ فدعا له (1).

وقد جاء العلاّمة الاَحمدي بأسماء 24 شخصاً تبرّكوا بتحنيك النبيّ منهم: إبراهيم بن أبي موسى الاَشعري لمّا أتى به أبوه إلى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - فسمّـاه «إبراهيم» وحنّكه بتمرة وكان أكبرِ ولده(2)

ومنهم عبد اللّه بن عبّاس بن عبد المطلب ولد والنبيُّ وأهل بيته بالشعب من مكّة فأتي به إلى النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - فحنّكه بريقه وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين (3).


(1)الاِصابة 1: 5، والاستيعاب على هامش الاِصابة 3: 631.

(2)صحيح البخاري 8: 54، وصحيح مسلم 3: 1690، والاِصابة 1: 96.

(3)أُسد الغابة 3: 193، وذخائر العقبى : 227.

(195)

2ـ التبرّك بالمسح والمسّ:

نجد في حياة الصحابة لفيفاً منهم مَسَحَ رسول اللّه روَوسهم، وقد نقلوه في حياتهم على سبيل المباهاة والافتخار والاعتزاز.

منهم:زياد بن عبد اللّه: وَفَدَ على النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - فَدَخَلَ على ميمونة زوج النبيّ، فَدَخَلَ رسول اللّه فقالت: يا رسول اللّه هذا ابن أُختي ثمّ خرج حتّى أتى المسجد وبعده زياد فصلّـى الظهر، ثمّ أدنى زياداً فدعا له، ووضع يده على رأسه، ثمّ حدّرها على طرف أنفه، فكانت بنو هلال تقول ما زلنا نتعرّف البركة في وجه زياد ، وقال الشاعر لعلي بن زياد:

يا ابنَ الذي مَسَحَ النبيُّ برأسِهِ * ودعا له بالخير عنـدَ المسْجِــدِ (1)

ومنهم: خزيمة بن سواد فقد مسح رسول اللّه وجه خزيمة بن سواد فضاءت غرة بيضاء (2).

ومنهم: السائب بن يزيد: ذهبت خالتهُ إلى النبيُّ، فقالت: يا رسول اللّه، إنّ ابن أُختي وجع، فَمَسَحَ رأسَه ودعا له بالبركة، وتوضّأ فشرب من وضوئهِِ (3)

فأيّ تبرّك أوضح من ذلك وأيّ توسّل واستشفاء أجلى منه، وقد جاء العلاّمة الاَحمدي بأسماء من تبرّكوا بمسح النبيّ ومسّه أو استشفوا به.


(1)الطبقات 1: 51، والاِصابة 1: 558.

(2)الطبقات 1:43.

(3)أُسد الغابة 2: 256.

(196)

3ـ التبرّك بفضل وضوئه وغسله:

كان الصحابة يتبرّكون بفضل ماء وضوئه وكانوا يمسحون به، بل كادوا يقتتلون عليه ويتنافسون فيه، وقد عرفت أنّ عروة بن مسعود الثقفيّ قال لقريش بعدما رجع من عسكر رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «لا يتوضّأ إلاّ ابتدروا وضوءه» (أي كادوا يقتتلون عليه).

وفي فتح مكّة انتزع العبّاس دلواً من ماء زمزم فَشَرِبَ منه رسولُ اللّه وتوضّأ فابتدرَ المسلمون يصبُّون على وجوههم منه ولا تسقط قطرة إلاّ بيدِ إنسان إن قَدِرَ على ما يشرب يشربها، وإلاّ مسح بها جلده.

حتّى أنّ جابر بن عبد اللّه الاَنصاريّ ـ بعد ما توضّأ النبيّ في طست ـ أخذ ماء وضوئه فصبّه في بئره (1)

4ـ التبرّك بسوَر شرابه وطعامه:

كان الصحابة يتبرّكون بسوَر طعامه وشرابه وربّما يقدّمون التبرّك بفضل شرابه على الصيام المستحب.

عن حنش بن عقيل وكان من أصحاب النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - قال: سقاني رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - شربةَ سويقٍ شَـرِبَ أوّلها وشربتُ آخرَها قال: ما برحتُ أجدُ شَبَعها إذا جُعتُ، ورَيَّها إذا عَطشتُ (2)


(1)كنز العمال 16: 249.

(2)سيرة دحلان 2: 246.

(197)

وقال أبو موسى: كنت عند النبيّ وهو نازلٌ بالجعرانة ـ بين مكّة والمدينة ـ ومعه بلال، فأتى النبيّ أعرابيٌّ، فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ فقال له: أبشِـر . فقال: قد أكثرت عليّ من أبشر. فأقبل - صلّى الله عليه وآله وسلم - على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان فقال: إنّ هذا قد ردّ البشرى، فأقبلا أنتما قالا: قَبِلنا، ثمّ دعا بِقَدَحٍ فيه ماءٌ فَغَسَلَ يديه ووجهه ومجَّ فيه، ثمّ قال: «إشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحورِكما وأبشرا».

فأخذا القدحَ فَفَعلا، فنادت أُم سلمة أن أفضِلا لاَُمّكما، فأفضَـلا لها منه طائفة (1)

ثمّ إنّ تبرّك الصحابة لم يقتصر على ذلك، بل كانوا يتبرّكون بماءٍ أدخل فيه يده المباركة، وبماءٍ من الآبار التي شرب منها، وبشعره، وعرقه، وظفره،والقدح الذي شرب منه، وموضع فمه، ومنبره، والدنانير التي أعطاها، وقبره، وجرت عادتهم على الاستشفاء به، ووضع الخدّ عليه والبكاء عنده.

بل كان الصحابة والتابعون يتبرّكون بعصاه وملابسه وخاتمه ولباسه، والاَماكن التي صلّـى بها، أو مشى عليها، وآثار مشي أقدامه إلى غير ذلك ممّا هو مبثوث في ثنايا كتب السيرة والتاريخ، وقد جمع نصوصها ومصادرهاالعلاّمة الاَحمدي في كتاب «التبرّك» فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إليه.


(1)صحيح مسلم ج4، باب فضائل أبي موسى: 1943، وفتح الباري 1: 256.

(198)

ما يترتّب على هذا الاَصل:

إنّ ما يترتّب على ذلك الاَصل ليس أمراً معيناً بل إنّ كلّ ما صدق عليه عنوان التبرّك بآثار الرسول والصالحين من أولياء اللّه يكون أمراً جائزاً، ولا يمكن لاَحد المنع منه بحجّة أنّه شركٌ أو أنّه أمر محرّم، وإلاّ يجب إنكار مئات الاَحاديث والروايات التي وردت حول التبرّك ولكنّنا نركّز على أمرين:

1ـ بناء المساجد عند القبور أو عليها.

2ـ الصلاة في المشاهد المشرّفة.

إنّ هذين الاَمرين ممّا شاع وذاع بين المسلمين بعد رحلة رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - إلى يومنا هذا، ولم يخطر ببالِ أحدٍ أنّه حرام أو أنّه شركٌ.

ولما ظهر ابن تيميّة أفتى بحرمة الاَمرين، وقال: «ولا يشرع اتّخاذها ـ أيّ القبور ـ مساجد» وقال أيضاً: «ولا يجوز بناء المسجد على القبور».

ونحن نعرض كلتا المسألتين على الكتاب أوّلاً، وسيرة المسلمين ثانياً، ثمّ نأتي بما استدلّ به الوهابيون على التحريم.

عرض المسألتين على الكتاب:

إنّ الكتاب أوثقُ مصدر بين المسلمين في استنباط الاَحكام الشرعية فلا يعادله شيء ولو جاء حديث يخالف النصّ الموجود في القرآن فيوَوّل وإلاّ فيطرح.


(199)

والكتاب الحكيم يشرح لنا كيفية عُثور الناس على قبور أصحاب الكهف، وأنّهم اختلفوا في تكريمهم وإحياء ذكراهم، أو التبرّك بهم على قولين.

يقول سبحانه: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ اللّهِ حقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أمْرَهُمْ فَقالُواْ ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانَاًرَبُّهُمْأَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَـى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً)(1)

والمفسّـرون ذهبوا إلى أنّ القول الاَوّل كان لغير المسلمين، ويوَيده قولهم في حقّهم: (ربُّهم أَعْلَمُ بِهِمْ) وهو ينمّ عن عدم اهتمامٍ بالغٍ بحالهم ومكانتهم فحوّل أمرهم إلى اللّه سبحانه.

وأمّا القول الثاني فنفس المضمون يحكي عن أنّه كان قول الموَمنين، حيث اقترحوا أن يتّخذوا على أصحاب الكهف مسجداً، ليتبرّكوا بالصلاة فيه.

فنفس الاقتراح يحكي عن أنّ المقترحين كانوا على علاقةٍ بالمسجدِ والصلاة فيه، وإلاّ لاقترحوا بأن يتّخذوه منتزهاً أو غير ذلك.

وقد قلنا عند البحث عن البناء على القبور أنّ القرآن أُسوة وقدوة، فإذا نقل شيئاً عن قوم ولم يعقّب عليه بنقد أو ردّ، ولم يكن مخالفاً للا َُصول المسلّمة


(1)الكهف: 21.

(200)

يكون ذلك آية على كونه مقبولاً عند منزل الوحي.

هذا ما ذكرناه سابقاً، والآن نحتج بالآية بوجه آخر وهو «حجّية شرع من قبلنا».

فقد احتجّ بها الفقهاء في كثير من الاَحكام إلاّ إذا ثبتَ نسخه، ويوَيّدذلك أنّ الرسول الاَكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - جاء مصدّقاً للتوراة والاِنجيل، قال تعالى:

(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقّ مُصدِّقاً لِمَا بَيْـنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنَاً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَـا أَنْزَلَ اللّهُ) (1)

والمراد من الكتاب هو الاَعم من التوراة والاِنجيل وصريح الآية حجّية ما في التوراة والاِنجيل من الاَحكام، إلاّ ما دلّ الدليل على نسخه، وإليه يشير بقوله: (وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) .

وعلى هذا، فقد روى المفسّـرون أنّ القول بالبناء على أصحاب الكهف كان قول المشركين، والقول باتّخاذ المسجد كان قول المسلمين، قال سبحانه: (وَقَالَ الذِينَ غَلَبُوا عَلَـى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً).

وهذا هو الظاهر ممّا رواه ابن جرير الطبريّ، فإنّ أصحاب الكهف إنّمابُعثوا بعد سحقِ الوثنية، واستعادة الموَمنين المسيحيّين سلطـتهم وكيانهم.


(1)المائدة: 48.

(201)

وعلى ذلك فيكونُ المرادُ من قوله: (وَقالَ الَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَـى أَمْرِهِمْ) هم الموَمنون بالمسيح الذين غَلَبوا على الوثنية، فكانت الغلبة دينية معنوية لا غلبة الكلمة والنفوذ.

قال الطبري في تفسير قوله تعالى: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرَقِكُمْ هِذهِ إلى المدينةِ) .

إنّ المبعوث دخل المدينة فجعل يمشي بين ظهري سوقها فيسمع أُناساً كثيرين يحلفون باسم عيسى بن مريم فزاد فرقاً ورأى أنّه حيران، فقام مسنداً ظهره إلى جدار من جُدُر المدينة ويقول في نفسه: أمّا عشية أمس فليس على الاَرض إنسانٌ يذكر عيسى بن مريم إلاّ قُتِل، أمّا الغداة فأسمعهم وكلُّ إنسان يذكر أمرَ عيسى لا يخاف، ثمّ قال في نفسه: لعلّ هذه ليست بالمدينة التي أعرف (1)

وبذلك تقف على قيمة ما ذكره محمّد ناصر الدين الاَلباني حيث ردّ دلالة الآية على جواز اتّخاذ القبور مسجداً بقوله: والظاهر أنّ الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ ولكن هل هم محمودون أم لا ، ففيه نظر(2)

فإنّ كلام الطبري هذا يفيد أنّ أتباع الدين المسيحي هم الذين غلبوا، بعد أن كانوا مغلوبين.


(1)تفسير الطبري 15: 219، طبعة مصطفى الحلبي ـ مصر.

(2)تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 72.


(202)

سيرة المسلمين في بناء المساجد على القبور:

إنّ الرسول الاَكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - دُفن في بيته، إمّا لاَجل الرواية التي نُسبت إلى أبي بكر عن النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - «لم يُقْبـرَ نَبيٌّ إلاّ حيث يموت» (1).

وإمّا لاَجل تصويب من أهل بيته ووصيّه عليّ وابنته فاطمة، وموافقة بل اقتراح من جانبهم.

وكان بيت النبيّ الذي دفن فيه بجوار المسجد النبوي، بحيث كان النبيّ يدخلُ المسجد من باب ذلك البيت، وكان المسجد واقعاً في الجانب الغربيّ من القبر، ولمّا كثر المسلمون وازداد عددهم، وضاق المسجدُ بهم أدخلوا الجانب الشرقي الذي كان فيه بيوت أزواج النبيّ، والبيت الذي دفن فيه - صلّى الله عليه وآله وسلم - بحيث وقعت البيوت في أواسط المسجد النبوي، بحيث يقف المصلّون أطراف القبر من الجوانب الاَربعة ويحيطون به.

يقول الطبري في حوادث سنة 88 أنّه في شهر ربيع الاَوّل من هذه السنة قَدِمَ كتابُ الوليد على عمر بن عبد العزيز يأمره بهدم المسجد النبوي


(1)في النفس من صحّة هذا الحديث شيء لاَنّه لو كان دفن النبيّ حيث يموت حكماً إلهيّاً لوجب على النبيّ الاَكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - إعلام وصيه وأهل بيته بذلك قبل أن يُعلم الآخرين به، وكيف يمكن أن يكتم النبي هذا الاَمر عن أهل بيته ولهذا لا تسكن النفس إلى هذا الخبر.وهذا يشبه ما نَسَب إليه بعض الصحابة من أنّه قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «نحن معاشر الاَنبياء لا نورّث» إذ لو كان هذا حكماً إلهياً لوجب على النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - إعلام ورثته به ، فكيف يمكن أن يموت النبيّ وابنته إلى جنبه ولا ينبس لها بهذا الحديث ببنت شفة، ثم يترك أهل بيته في حيرة وضلال حيث لم يعلمهم بواجبهم !!

(203)

وإضافة حجر رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - وأن يوسّعه من قبلته وسائر نواحيه، باشتراء الاَملاك المحيطة به فأخبر عمر الفقهاء العشرة وأهل المدينة بذلك، فحبّذوا بقاء تلك الحجر على حالها ليعتبر بها المسلمون، ويكون أدعى لهم إلى الزهد اقتداءً بنبيّهم فكاتب ابن عبد العزيز الوليد في ذلك فأرسل إليه يأمره بالخراب، وتنفيذ ما ذكره في كتابه الاَوّل، فضجّ بنو هاشم وتباكوا ولكنّ عمر نفّذ ما أمره به الوليد، فأدخل الحجرة النبويّة (حجرة عائشة) في المسجد فدخل القبر في المسجد وسائر حجرات أُمهات الموَمنين، وقد بُني عليه سقفٌ مرتفع كما أمر الوليد (1)

نحن لا نحتجّ بأمر «الوليد» ولا بعمل «عمر بن عبد العزيز» وإن كان القوم يحتجُّون به لاَنّه أحد العدول عندهم، بل نحتجّ بتقرير التابعين لاَصل العمل ولم ينقل عن أحد منهم الاِنكار.

نعم نُقِلَ عن سعيد بن المسيب أنّه أنكر هذا العمل ولكن نقله مرسلٌ لا مسندٌ ولم يعلم أنّ إنكاره كان لاَجل إدخال القبر ضمن المسجد، بل من المحتمل لاَجل أنّ التخريب كان بعنف، ومن دون رضا أصحاب البيوت من بني هاشم الذي ضجّوا لهذا الاَمر كما صرّح به ابن كثير. وإليك نصّ السمهوديّ: ... ما رأيت يوماً أكثر باكياً من ذلك اليوم، قال عطاء: فسمعت سعيد بن المسيب يقول: واللّه لوددت أنّهم تركوها على حالها (2)


(1)راجع تاريخ الطبري 5: 222، والبداية والنهاية 8: 65.

(2)السمهودي: وفاء الوفا 2: 517 والضمير في قوله «على حالها» يرجع إلى حجرات أزواج النبيّ عامّة لا خصوص الحجرة التي دفن النبيّ فيها.

(204)

ومن خالف من المسلمين إنّما خالف لاَجل أمر آخر حيث قالوا: إنّ هذه حجرٌ قصيرة السقوف وسقوفها جريدة النخل وحياطها من اللبن، وعلى أبوابها المسوح وتركها على حالها أولى لينظر الحجاج والزوار والمسافرون إلى بيوت النبيّ فينتفعون بذلك ويعتبرون به ويكون ذلك أدعى لهم إلى الزهد في الدنيا، فلا يعمّرون إلاّ بقدر الحاجة وهو ما يستر ويكنُّ ويعرفون أنّ البنيان العالي إنّما هو من أفعال الفراعنة والاَكاسرة وكلِّ طويل الاَمل راغبٍ في الدنيا، وفي الخلود فيها (1).

فإذا كان هذا العمل بمرأى ومنظر من فقهاء المدينة العشرة، والمسلمين عامة وفي مقدم التابعين منهم الاِمام «علي بن الحسين» المعروف بالسجاد وابنه الاِمام محمّد بن علي الباقر اللذين لم يشك أحدٌ في زهدهما وعلمها وعرفانهما بالكتاب والسنّة، أفلا يكون ذلك دليلاً على جواز إقامة المسجد على القبور والصلاة فيه إلى جنبها من دون أن يخطر ببال أحد أنّ النبيّ نهى عنه، أو يخطر ببال أحد أنّ هذا من خصائص النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

نعم إنّ هذا دليل قاطع على جواز هذا العمل ولهذا لمّا واجه ابن تيميّة هذا الموقف الواضح من المسلمين في هذا المجال حاول إسقاطه عن الحجيّة والاعتبار بقوله: إنّ ذلك كان بعد موت عامّة الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ ولم يكن بقي في المدينة منهم أحد (2)

وكرّر هذا الكلام كلّ من جاء بعده من كتّاب الوهابية وأعادوه من غير


(1)البداية والنهاية 8: 65.

(2)الجواب الباهر :71.

(205)

تفكير ومنهم الشيخ محمّد ناصر الدين الاَلباني في كتابه حيث قال: إنّما أُدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامّة الصحابة الذين كانوا في المدينة إلى آخره (1)

إنّ (ابن تيمية) ومن حذى حذوه حيث إنّهم قد اتّخذوا رأياً مسبقاً في الموضوع لهذا تمسّكوا لتأييد رأيهم بكل رطب ويابس، وإن كان ذلك على حساب التابعين ومنجرّاً إلى إهمالهم وإهانتهم.

فكأنَّ الصحابة قد بلغت بهم القداسة بحيث لو رأى واحدٌ منهم ذلك العمل وسكت عليه كان دليلاً على مشروعيته، ولكن التابعين وفيهم الفقهاء العشرة والاَئمّة من أهل البيت لم يكن لتقريرهم وسكوتهم أيّة قيمة، كيف وقد جاء بعدهم إمام المدينة مالك وسائر أئمّة المذاهب الاَربعة، والكلّ أقرّوه ولم يعترضوا عليه بشيء.

سيرة المسلمين في غير قبر النبيّ ، مسجداً وصلاة:

ولقد جرت سيرة المسلمين تبعاً لسنّة رسول اللّه على اقامة المسجد إلى جانب القبر أو عليه والصلاة عنده وإليك نماذج من ذلك:

1ـ يقول السمهودي في حقّ السيدة فاطمة بنت أسد، أُمّ الاِمام أمير الموَمنين عليّ - عليه السّلام- : فلمّـا تُوفيت خرج رسول اللّه، فأمر بقبرها فحفر في موضع المسجد الذي يقال له اليوم قبر فاطمة.


(1)تحذير الساجد : 85.

(206)

2ـ يضيف السمهودي أيضاً: إنّ موضع قبر فاطمة بنت أسد تحوّل بعد ذلك إلى مسجد، ويقول: إنّ مصعب بن عمير وعبد اللّه بن جحش دُفنا تحت المسجد الذي بُني على قبر حمزة (1)

وقد كان هذا المسجد موجوداً إلى زمان احتلال الوهابيين لهذه البقاع المقدّسة فدمّروه بمعاول الظلم والضغينة.

هذا كلّه حول بناء المسجد، و أمّا إقامة الصلاة لدى القبور: فكفى في ذلك:

3ـ إنّ عائشة قضت حياتها في بيتها وصلَّت فيه تمام عمرها ولم يكن بينها وبين القبر أيّ جدار إلى أن دفن عمر ، فبُني جدار حال بينها وبين القبور الثلاثة (2)

4ـ روي أنّ فاطمة بنت النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - كانت تذهب إلى زيارة قبر عمّها حمزة فتبكي وتصلّـي عنده(3)

5ـ روى السيوطي في أحاديث المعراج أنّ النبيّ نزل في المدينة وطور سيناء وبيت لحم وصلّـى فيها، وقال جبرئيل: صلّيت في طيبة وإليها مهاجرتك، وصلّيت في طور سيناء حيث كلَّم اللّه موسى، وصلّيت في بيت لحم حيث ولد المسيح (4).


(1)وفاء الوفا 3: 897 و 922.

(2)المصدر نفسه 2: 544.

(3)السنن للبيهقيّ 4:78، ومستدرك الصحيحين للحاكم 1: 377.

(4)الخصائص الكبرى 1: 154.

(207)

وهل هناك فرق بين المولد والمدفن؟

كل ذلك محكمات لا محيص لمسلم من الاَخذ بها وعدم العدول عنها، فلو وردت هناك روايات تخالف ذلك فنحن على مفترق طريقين:

1ـ الاِمعان في دلالتها ومورد ورودها، حتّى يتبيّـن لنا عدم مخالفتها لما دلّ عليه الكتاب، وجرت عليه سيرة المسلمين عامّة.

2ـ طرحها وضربها عرض الجدار بحكم مخالفتها للكتاب والسيرة القطعية، وإنّها كلَّما كثرت أسانيدها وتوفر نقلَتُها ازدادت ضعفاً لاَنّ الناقلين وهم التابعون لم يعملوا بها أبداً، بل ضربوها عرض الجدار أو فسّـروها على النحو الذي نفسّـرها، وإليك سرد تلك الاَحاديث وتفسيرها بالمعيار العلمي.

النهي عن اتّخاذ قبور الاَنبياء مساجد:

قد عرفت أنّ السيدة عائشة قد اتّخذت قبر النبيّ الاَكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - مسجداً صلّت في أكثر من عشر سنوات، كما أنّ التابعين اتّخذوا قبر النبيّ الاَكرم مسجداً لاَنفسهم وللاَجيال التالية، ولم يظهر من أحد الردّ والنقاش في هذا الاَمر.

وقد عرفت أنّ سعيد بن المسيب إنّما كره ما أمر به الوليد لاَجل أنّ تخريب بيوت أزواج النبيّ وأولاده أثار ضجة وبكاءً بين النساء والرجال، ولم يكن استنكاره على اتّخاذ قبر النبيّ مسجداً.


(208)

كما عرفت أنّ أئمّة أهل البيت والفقهاء العشرة وافقوا على ذلك الاَمر ولم يبدوا نكيراً ولكننا نرى من جانب آخر انّه روي عن رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - أنّه قال:

1ـ «قاتل اللّه اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

2ـ «لعن اللّه اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

3ـ «ألا وانّ من كان قبلكم كانوا يتَّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتّخذوا القبور مساجد، إنّي أنهاكم عن ذلك».

4ـ «أخرجوا أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أنّ شرار الناس الذين اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

5ـ «لعنَ اللّهُ اليهود اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (1)

إذا قلنا بصحّة هذه الاَحاديث سنداً فكيف يمكن الجمع بينها وبين عمل التابعين والمسلمين في الاَجيال المتلاحقة وعمل السيدة عائشة وبنت النبيّ الاَكرم فاطمة - عليها السلام - ؟؟

ولقد استغل الوهابيون هذه الاَحاديث وخرجوا بهذه النتيجة وهي: أنّ مفاد هذه الروايات هو:


(1) راجع للوقوف على مصادر هذه الاَحاديث صحيح البخاري كتاب الجنائز 2: 111، سنن النسائي ج2، كتاب الجنائز: 871، صحيح مسلم 2: 568، كتاب المساجد وغيرها وقد جمع مصادر الحديث وصوره المختلفة محمّد ناصر الدين الاَلباني في كتابه تحذير الساجد: 11ـ 28، فذكر للحديث 14 صورة، كما جمعها أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي في كتاب رياض الجنّة : 278ـ 281.

(209)

أ ـ حرمة بناء المساجد على القبور.

ب ـ وحرمة قصد الصلاة فيها.

حتى قال ابن تيميّة: إنّ المسجد والقبر لا يجتمعان (1)

وهذا هو الكلام الذي يكرّره كل من جاء بعده ونظر إلى هذه الروايات بعقيدة مسبقة، تاركاً جانباً إجماع الاَُمّة ودلالة الكتاب على الجواز كما بيّناه.

دراسة الاَحاديث الناهية:

إنّ دراسة هذه الاَحاديث تجعلنا أمام احتمالات أربعة تقول: إنّ النهي إنّما هو عن:

الصلاة على القبور بالسجود عليها تعظيماً.

أو الصلاة باتجاه القبور واتّخاذها قبلة.

أو بناء المساجد على القبور وقصد الصلاة فيها تبرّكاً بالمقبور.

أو إقامة الصلاة عند مراقد الاَنبياء ومقابرهم.

فهل لهذه الاَحاديث إطلاق يعمّ كل هذه الصور والمحتملات كما ادّعاه الاَلباني تبعاً لشيخه ابن تيمية، وزعم أنّ هذه الاَحاديث من جوامع كلمه - صلّى الله عليه وآله وسلم - ؟

أو أنّ الاَحاديث تنصرف بشهادة القرائن المتصلة والمنفصلة إلى بعض


(1)مجموعة الرسائل والمسائل 1: 59ـ 60، وزاد المعاد تأليف ابن القيم : 661.

(210)

الصور وهي الصور التي تلازم كون العمل شركاً، والمصلّـي مشركاً، وخارجاً عن الحدود التي حدّدها الكتاب والسنّة؟ وإليك البيان:

1ـ إنّ الحديث يركّز على عمل اليهود والنصارى وأنّهم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وينهى المسلمين عن متابعتهم في ذلك.

وبما أنّ أهل الكتاب معروفون بالشرك وعبادة غير اللّه طيلة القرون والعصور، فالمسيحية تعبد المسيح وأُمّه كما أنّ كثيراً منهم اتّخذوا الاَحبار والرهبان أرباباً من دون اللّه، يحرّمون ما أحلَّ اللّه، ويحلّلون ما حرَّم اللّه.

واليهود هم الذين طلبوا من نبيّهم أن يجعل لهم إلهاً كما أنّ لغيرهم آلهة، وهم الذين عبدوا العجل بل عبدوا بعد رحلة الكليم أرباباً وآلهة، فهم كأنّهم مفطورون على الوثنية وعبادة البشر.

فعند ذلك ينصرف الحديث إلى عمل يكون على نمط عمل اليهود والنصارى شكلاً وجوهراً. ولا يمكن أن يدّعى أنّ الحديث يعمّ ما إذا كان عمل اتّخاذ القبور مساجد مجرّداً عن أيّ شرك أو إقامة الصلاة عند قبورهم من باب التبرّك بهم.

2ـ إنّ رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - يصف متخذي القبور مساجد في بعض هذه الاَحاديث بكونهم شرار الناس. فقد روى مسلم في كتاب المساجد أنّ أُم حبيبة وأُم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها في الحبشة فيها تصاوير لرسول اللّه، فقال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «إنّ أُولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بُني على قبره مسجداً وصوّر فيه تلك الصور، أُولئك شرار الخلق عند اللّه» (1)


(1)صحيح مسلم 2: كتاب المساجد: 666.

(211)

إنّ توصيفهم بأنّهم شرار الخلق عند اللّه، يميط الستر عن حقيقة عملهم إذ لا يوصف الاِنسان بالشر المطلق إلاّ إذا كان مشركاً، قال سبحانه: (إِنَّ شَـرَّ الدَّوابِّ عِندَ اللّهِ الصُّـمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) (1) وقال: (إِنَّ شَـرَّ الدَّوابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُوَْمِنُونَ) (2)

كل ذلك يكشف عن مرمى هذا الحديث، وإنّ عملهم لم يكن عملاً مجرّداً مثل صرف بناء المسجد على القبر، أو الصلاة فيه أو إقامة الصلاة عند القبور، بل كان عملاً مقترناً بالشرك بألوانه المختلفة كاتّخاذ القبر أو صاحبه المدفون فيه إلهاً ومعبوداً، أو قبلة عند الصلاة أو السجدة عليها بمعنى اتّخاذها مسجوداً.

3ـ إنّ الروايات الناهية الواردة في المقام على قسمين:

قسم يشتمل على اللعن، وهذا مختص باتّخاذ قبور الاَنبياء والصالحين مساجد، وقد مرّ بعضها.

وقسم آخر مُشتمل على مجرّد النهي، من دون اقتران باللعن، وقد ورد ذلك في مُطلق القبور:

أ ـ عن أبي مرصد الغنويّ قال: قال رسول اللّه : «لا تجلسوا على القبور، ولا تُصلّوا إليها» (3)


(1)الاَنفال: 22.

(2) الاَنفال: 55.

(3)صحيح مسلم 7: 38.

(212)

ب ـ عن أبي سعيد الخدري، قال، قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «الاَرض كلّها مسجدٌ إلاّ المقبرة والحمّـام»(1)وغير ذلك.

ج ـ عن عبد اللّه بن عمر: نهى عن الصلاة في المقبرة (2)

فعندئذ يجب التأمّل في هذا التفريق فلماذا اقترن القسم الاَوّل (أي الروايات النهي عن اتّخاذ قبور الاَنبياء مساجد) باللعن دون الآخر، الذي ورد فيه مُجرد النهي، المحمول على الكراهة مُطلقاً، أو في ما إذا كان القبر بحيال المصلّـي، أو كانت الصلاة بين القبرين.

إنّ هذا الفرق ليس إلاّ لاَنّ القسم الاَوّل ناظر إلى عمل اليهود والنصارى مع قبور أنبيائهم.

فبما أنّ عملهم مع تلك القبور كان مُقترناً بالشرك، بالسجود لها، تعظيماً لهم أو باتخاذها قبلة استحقوا اللعن، وعرِّفوا بأنَّهم شرار الناس ونهي المسلمون عن اتّباعهم.

وأمّا القسم الآخر فحيث لم يكن مُقترناً بذلك أبداً، لذلك جاء فيه النهي المجرَّد عن اللعن.

وبهذا لا يمكن القول بإطلاق هذه الاَحاديث وعموميتها لكل الاَحوال.

* * *


(1)سنن أبي داود 1: 184.

(2)موارد الظمان: 10 كما في رياض الجنّة.

(213)

4ـ إنّ السيدة عائشة، قالت: قال رسول اللّه: «لَعَنَ اللّهُ اليهود والنصارى اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .

قالت: فلولا ذاك لاَُبرِزَ قبرُه، غير أنّه خُشِـيَ أن يُتَّخذَ مسجداً (1)

ومن المعلوم أنَّ المسلمين بعدما دفنوا النبيّ في بيته سوّروه بحائط مستدير لا مُربع، لئلاّ يُشابه الكعبة.

ومن المعلوم أيضاً أنّ التسوير بالجدران وعدم إبراز قبره إنّما يمنع عن اتّخاذه مسجوداً، أو قبلة، وأمّا الصلاة في جنبه فلم يكن الجدار مانعاً عنها.

ومُراد السيدة عائشة هو: أنّ عدم إبراز القبر وستره بالحيطان منع المسلمين عن أن يرتكبوا ما كان اليهود والنصارى يرتكبونه.

ومن المعلوم أنّ الجدران منعت عن الصور الشركيّة كصورة اتّخاذه مسجوداً، أو قبلة، لا عن إقامة الصلاة المجرّدة من هذه الضمائم إلى جانبه.

وهذا دليلٌ واضحٌ على أنّ الحديث كان بصدد نهي المسلمين عن اتّخاذ القبر مسجوداً وقبلة.

والعجب من الشيخ الاَلبانـيّ حيث إنّه أراد استغلال الحديث لتأييد مذهبه، وموقفه، فسَّـر قولها: «فلولا ذاك لاَُبرِزَ قَبرُه» بأنّ المقصود هو الدفنُ خارج بيته (2)، مع أنّ العبارة لا تتحمَّل هذا ، لاَنَّها تركز على القبر الموجود فيكون المقصود: ولولا ذاك لكشف قبره ولم يتخذ عليه حائطٌ.


(1)البخاري 3: 159 ومسلم 2: 76.

(2)أي لولا لعن رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - لدفنوه خارج بيته.

(214)

5ـ قال أبو هريرة: قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «اللّهمّ لا تجعل قبري وثناً، لَعَنَ اللّه قوماً اتّخذوا قُبورَ أنبيائهم مساجد» (1)

إنّ العلاقة بين الجملتين تكشف عن أنّ المقصود بالاستنكار والرفض هو: اتّخاذ قبور الاَنبياء مساجد على نحوٍ يعود القبر وثناً يُعبد، أو يُصلّـى إليه.

وأمّا الصلاة للّه تبارك وتعالى، وإلى الكعبة إلى جانب القبر تبرّكاً به فلا تجعل القبر وثناً يُعبد، وهذا هو قول اللّه تعالى وهو يأمر الحجيج باتّخاذ مقام إبراهيم مصلّـى، ويقول: (وَاتَّخِذُواْ مِنْ مَقامِ إبراهيمَ مُصَلّـى) (2)

وليست الصلاة عند القبر إلاّ كمثل الصلاة عند مقام إبراهيم، من دون فرق ...

غير أنّ جسد النبي إبراهيم قد لامس هذا المكان مرّة أو مرّات معدودة، ولكن مقابر الاَنبياء احتضنت أجسادهم التي لا تبلى دائماً (3)

علماء الحديث وأحاديث النهي:

إنَّ علماء الحديث وجهابذته فهموا من هذه الاَحاديث نفس ما قلناه، وفسّـروها على نحو ما فسّـرناه، وإن لم يذكر الاَلباني وغيره شيئاً من هذه التفاسير والكلمات.


(1)مسند أحمد بن حنبل ج2: 246.

(2)البقرة: 125.

(3) سنن أبي داود كتاب الصلاة ـ فضل الجمعة.

(215)

وها نحن نذكر نماذج من تلك الكلمات ليتضح الحال:

أ ـ يقول العسقلاني: إنّما صوّر أوائلهم الصور ليستأنسوا بها، ويتذكَّروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم وثمَّ خلفهم قومٌ جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أنَّ أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظّمونها فحذَّر النبيُّ عن مثل ذلك سدّاً للذريعة الموَدّية إلى ذلك.

إلى أن يقول: قال البيضاوي لمّا كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الاَنبياء تعظيماً لشأنهم، ويجعلونها قبلةً يتوجّهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثاناً، لعنهم (1)، ومنع المسلمين عن مثل ذلك.

فأمّا من اتّخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرّك بالقرب منه لا للتعظيم ولا للتوجّه نحوه، فلا يدخل في الوعيد المذكور (2)

ب ـ ويقول النووي في شرح صحيح مُسلم: قال العلماء: إنَّما نهى النبيّ عن اتّخاذ قبره وقبر غيره مسجداً خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتنان به، فربّما أدّى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الاَُمم الخالية . ولما احتاجت الصحابة والتابعون إلى زيادة في مسجد رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - حين كثُر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوتُ أُمّهات الموَمنين فيه، ومنها حجرة عائشة مدفن رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - وصاحبيه بنوا على القبر حيطاناً مُرتفعة مُستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلّـي إليه العوام ويعود المحذور.


(1)أي لعنهم رسولُ اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

(2)فتح الباري في شرح صحيح البخاري 1: 525 ط دار المعرفة، وقريب منه ما في إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري 2: 437 باب بناء المساجد على القبور.

(216)

ولهذا قالت عائشة في الحديث: ولولا ذلك لاَُبرِزَ قبرُه، غير أنّي أخشى أن يُتّخذ مسجداً(1).

ج ـ وقال السنديّ: شارح السُّنن للنسائي: اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد أي قبلة للصلاة ويصلّون إليها أو بَنَوا مساجد يُصلّون فيها، ولعلَّ وجه الكراهة أنّه قد يفضي إلى عبادة نفس القبر.

إلى أن يقول: يُحذّر النبيُّ أُمّته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم من اتّخاذ تلك القبور مساجد، إمّا بالسجود إليها تعظيماً لها، أو بجعلها قبلةً يتوجّهون في الصلاة إليها(2)

د ـ وقال شارح آخر: إنّ حديث عائشة يرتبط بالمسجد النبويّ قبل الزيادة فيه ... أمّا بعد الزيادة وإدخال حجرتها فيه فقد بنوا الحجرة بشكل مُثلّث كي لا يتمكَّن أحد من الصلاة على القبر، إنّ اليهود والنصارى كانوا يعبدون أنبياءهم بجوار قُبورهم أو يجعلونهم شركاء في العبادة (3)

هـ ـ قال الشيخ علي القاري: سبب لعنهم إمّا لاَنّهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لهم، وذلك هو الشرك الجليّ، وإمّا لاَنّهم كانوا يتّخذون الصلاة للّه تعالى في مدافن الاَنبياء والسجود على مقابرهم، والتوجّه إلى قبورهم حال الصلاة، نظراً منهم بذلك إلى عبادة اللّه والمبالغة في تعظيم الاَنبياء، وذلك هو الشرك الخفيّ، فنهى النبيّ أُمّته عن ذلك إمّا لمشابهة ذلك


(1)صحيح مسلم بشرح النووي 5: 13 ـ 14.

(2)السنن للنسائي 2: 41، مطبعة الاَزهر.

(3)صحيح مسلم 2: 66.

(217)

الفعل سُنَّة اليهود أو لتضمّنه الشرك الخفيّ، كذا قاله بعض الشُّـرّاح من أئمّتنا ويوَيّده ما جاء في رواية: يحذر مثل الذي منعوا (1)

أهل البيت وأحاديث النهي:

إنّ المروي عن أئمّة أهل البيت هو ما فهمه أُولئك الشرّاح، من هذه الاَحاديث، وإليك نماذج من رواياتهم الشريفة:

1ـ روى الصدوق مُرسلاً قال: وقال النبيّ لا تتَّخذوا قبري قبلة ولا مسجداً فإنّ اللّه لعن اليهود حيث اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد (2)والمراد من قوله «مسجداً» بقرينة قوله «قبلةً» هو السجود عليه تعظيماً.

2ـ روى الشيخ الطوسي بإسناده عن معمّر بن خلاّد عن الرضا - عليه السّلام- قال: لا بأس بالصلاة بين المقابر ما لم يتَّخذ القبر قبلة (3)

3ـ روى الصدوق في علل الشرائع بإسناده إلى زرارة عن أبي جعفر (الباقر) - عليه السّلام- قال: قُلت: الصلاة بين القبور، قال: بين خُللها ولا تتّخذ شيئاً منها قبلةً، فإنّ رسول اللّه نهى عن ذلك وقال: لا تتَّخذوا قبري قبلةً ولا مسجداً، فإنّ اللّه عزّ وجلّ لعنَ الذين اتّخذوا قُبور أنبيائهم مساجد(4)

ولو كان المراد هو اتّخاذ القبر قبلةً حقيقة، بأن يُصلّـى عليه من كلّ جانب كالكعبة يكون حراماً وبدعة حتماً.


(1)مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 1: 456.

(2)الوسائل: ج2، الباب 65، من أبواب الدفن، الحديث2.

(3) المصدر نفسه: ج3، الباب 25، أبواب مكان المصلّـي، الحديث 3، والباب 26، الحديث 5.

(4) المصدر نفسه: ج3، الباب 25، أبواب مكان المصلّـي، الحديث 3، والباب 26، الحديث 5.

(218)

ولو كان المراد كون القبر أمامه وحيال وجهه، فيحمل على الكراهة لجريان سيرة المسلمين على الصلاة في الصفَّة في مسجد النبيّ والقبر بحيال المصلّــي، وفي مقابله.

ثمّ روى المفسّـرون في تفسير قوله سبحانه: (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وُدّاً وَلا سُواعاً ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ وَنَسْـراً) (1) عن ابن عباس أنّه قال: هوَلاء كانوا قوماً صالحين في قومهم فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوّروا تماثيلهم فلما طال عليهم الاَمد عبدوهم.

قال القرطبي: روى الاَئمّة عن أبي مرصد الغنوي قال: سمعت رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - يقول: «لا تصلّوا إلى القبور ولا تجلسوا إليها» (لفظ مسلم) أيّ لا تتَّخذوها قبلةً، فتصلّوا عليها أو إليها كما فعلَ اليهود والنصارى (2)

ويوَيّد ذلك ما مرّ من رواية مُسلم في صحيحه عن النبيّ الاَكرم أنّه قال حينما قالت أُمّ حبيبة وأُمّ سلمة بأنّهما رأتا تصاوير في إحدى كنائس الحبشة: أنَّ أُولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوّروا فيه تلك الصور أُولئك شِـرار الخلق عند اللّه يوم القيامة (3)

إنّ الهدف من وضع صور الصالحين بجوار قبورهم كان إمّا لغاية اتّخاذها قبلةً ، أو عبادة أصحابها، كالصنم المنصوب، ومعه لا يمكن أن يستدل به وبأمثاله من الاَحاديث على تحريم مُطلق اتّخاذ القبور مساجد،


(1)نوح: 23.

(2)تفسير القرطبي 10: 380.

(3) صحيح مسلم 2: 66 كتاب المساجد.

(219)

بمعنى بناء المسجد عليها، أو إلى جوارها، والصلاة في تلك المساجد وإلى جانب تلك القبور والمراقد تبرّكاً بما تضمّنت من أجساد طاهرة لشخصيات مقرّبة عند اللّه تعالى.

نعم إنّ أقصى ما يدلّ عليه الحديث لو قلنا بإطلاقه هو أن يُتّخذ مدفن الاَنبياء مساجد، وأمّا بناء مسجد إلى جنب مدافنهم بحيث يكون المسجد وراء المدفن كما هو الحال في المشاهد المشرّفة لاَئمّة الشيعة فلا يعمّه النهي أبداً.

وعلى فرض وجود الاِطلاق فإذا دار الاَمر بين الاَخذ بالكتاب والسنّة الرائجة بين المسلمين من عهد التابعين إلى يومنا هذا وبين إطلاق هذه الرواية، كان الاَوّل هو المتعيَّـن.

والعجب من الشيخ الاَلبانـيّ حيث يعتقد بإطلاق الحديث، ثمّ يردّ به دلالة الكتاب قائلاً بأنّ «شرع من قبلنا» حجّةٌ إذا لم يرد في خلافه شيءٌ (1)

وقد عرفت عدم الاِطلاق لاحتفاف الحديث بقرائن صارفة.

والخلاصة:

1ـ إنّ آثار النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - هو أحد الاَسباب التي لها مسبّبات في عالم الطبيعة، ويجوز التبرّك بها إمّا توصّلاً إلى مسبّبات ونتائج، وإمّا تكريماً أو حبّاً لصاحبها.


(1)راجع كتابه المذكور سابقاً.

(220)

2ـ إنّ سيرة المسلمين جرت على التبرّك بالنبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - في حياته، وبآثاره بعد مماته بلا نكير من صحابي أو تابعي يذكر.

3ـ إنّه يترتّب على هذا الاَصل جواز بناء المساجد على قبور ومدافن الاَنبياء أو إلى جانبها والصلاة للّه تعالى في تلك المساجد وعند تلك القبور، باتّجاه القبلة، تبرّكاً بأصحابها المقدسين المقرّبين عند اللّه.

4ـ وإنّ الروايات المانعة من ذلك أمّا المتضمّنة للّعن فتقصد ما إذا كان على غرار ما يفعل اليهود والنصارى، من اتّخاذ القبر قبلة أو معبوداً، أو عبادة أصحابها.

وأمّا المتضمّنة لمجرّد النهي فهل تدلّ على الكراهة المدفوعة بمصلحة أعلى، هذا مضافاً إلى مخالفة هذه الروايات لتصريح الكتاب العزيز بالجواز، ولسيرة المسلمين وكلماتهم.

***


(221)

9

التوسّل بالاَسباب والوسائل

الاَسباب الطبيعية في نظرتين.

التوسّل بالاَسباب غير الطبيعية.

التوسّل بذوات الاَنبياء والصالحين.

التوسّل بحقّ الاَنبياء والصالحين.

التوسّل بمقام النبيّ.

الاَسباب الطبيعية في نظرتين:

تشهد النظرة العلمية، والفلسفية، بقيام النظام الكوني على أساس سلسلة الاَسباب والمسبّبات، وارتباط كل ظاهرة من الظواهر الطبيعية، بعلَّة وسبب ماديّ، وهذا النظام ـ بمجموعهـ نظام ممكن، محتاج في ذاته وفعله، إلى واجبٍ غني بالذات، وحيثُ انّ الاِمكان والافتقار لازم وجود الممكن، فالنظام الذي يتألّف من سلسلة العلل والمعلولات، يكون في وجوده وبقائه، وتأثيره وفعله، قائماً باللّه تبارك وتعالى، دون أن يتمتع باستقلال ذاتي واستغناء عنه، حدوثاً وبقاءً ، ذاتاً وفعلاً.


(222)

هذه هي نظرية الموحّد، وأمّا الماديّ فيعتقد بأصالة العلل الماديّة، واستقلالها في التأثير، من غير أن يسندها إلى واجب غني بالذات.

إنَّ الاعتقاد بأنّ النظام القائم مبني على العلل والاَسباب الطبيعية، مشتركٌ بين الاِلهيّ والماديّ، وإنّما يفترقان في القول بالتبعيّة والاَصالة، فمن جَعَل وجودهما وتأثيرهما تبعاً لوجود اللّه سبحانه وإرادته فهو إلهيّ موحّدٌ، ومن أضفى عليها طابع الاَصالة وصفة الاستقلال، فهو ماديٌّ منكرٌ لما وراء الطبيعة.

إنَّ قضية عدم استقلال العلل الطبيعية أو استقلالها هو الحدّ الفاصل بين التوحيد والشرك، وبه يتميّـز الموحّد عن المشرك.

فاللّه سبحانه يصف قوماً بالشرك لاَنّهم إذا واجهوا المشاكل المستعصية، توجّهوا إلى اللّه وإذا نجحوا عادوا إلى نسيانه، ويقول سبحانه: (وَإِذَا مَسّ النَّاسَ ضُـرٌّ دَعَوا رَبَّـهُمْ مُنيبينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْـمَةً إِذَا فَريقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهمْ يُشْـرِكُونَ) (1)

والمراد من الشرك في الآية ليس العودة إلى عبادة الاَوثان، بل المراد أوسع من ذلك، فإنّ الكثيرين وإن كانوا موحّدين عادوا بعد انكشاف الضرّ عنهم إلى حالتهم الاَُولى فنسوا اللّه سبحانه واعتمدوا على الاَسباب الطبيعيّة مُضفين عليها طابع الاَصالة وصفة الاستقلال، ولا شكّ أنّ النظر إلى الاَسباب العاديّة من هذه النافذة، هو شرك.


(1)الروم: 33.

(223)

فالمدرسة الاِلهيّة والمدرسة المادية، تشتركان في الاعتقاد بقانون العلّية والمعلولية، وتفترقان في التبعيّة والاَصالة.

ولا أرى أنّ أحداً يصف التوسّل بالاَسباب (بما أنّها قائمةٌ باللّه سبحانه وموَثّرة بإذنه ومشيئته) بالشرك، كيف وهذا هو أساس الحياة، وطبيعتها ونظامها.

إنَّ القرآن الكريم يصف ذا القرنين بقوله: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْـنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهما قَوماً لاَ يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قَالُواْ يَا ذَا الْقَرْنَيْـن إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الاَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَـى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً * قَالَ مَا مَكَّنّي فيهِ رَبّـي خَيْـرٌ فَأَعينُوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمَاً * ءَاتُوني زُبَرَ الحَدِيدِ حَتَّى إِذَا ساوى بَيْـنَ الصَّدَفَيْـنِ قَالَ انفُخُواْ حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قَالَ ءَاتوني أُفْرغْ عَلَيْهِ قِطْراً * فَمَا اسْطاعُواْ أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً * قَالَ هذا رَحْمَةٌ من رَبّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبّي حَقّاً) (1)

إنَّ الاِمعان في هذه الآيات يقودنا إلى دروس عديدة في التوحيد نُشير إلى بعضها:

1ـ إنّ طلب العون من البشر لا يُنافي التوحيد، ولا يوجب الشرك، حتّى ولو فُسّـرَ الشرك بأنّه عبارة عن التعلّق بغير اللّه سبحانه. فهذا هو ذو القرنين الذي يصف اللّه سبحانه مقامه ومنزلته بقوله: (إِنَّا مَكَّنّا لَهُ فِـي


(1)الكهف: 93 ـ 98.

(224)

الاَرْضِ وآتَيْناهُ مِنْ كُلّ شَـيْء سَبَباً) (1)قد استعان بالناس لبناء السدّ ولم يرَ القرآن ذلك مُنافياً للتوحيد ومُستلزماً للشرك فقال: (أَعينوني بِقُوّةٍ) .

2ـ إنّه توسّل في الاَُمور الطبيعية بأسبابها وعلم أنّ سُنّته الحكيمة جرت على إيجاد المُسبّب بأسبابه فقال: ( ءَاتُوني زُبَرَ الحَدِيدِ حَتَّى إِذَا ساوى بَيْـنَ الصَّدَفَيْـنِ قَالَ انفُخُواْ حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قَالَ ءَاتوني أُفْرغْ عَلَيْهِ قِطْراً(2)).

3ـ صرّح بأنّ لتأثير هذه الاَسباب أمداً خاصّاً ينتهي بانتهاء قوتها، وما هذا إلاّ لاَنّ السبب موجودٌ ممكنٌ قائم باللّه سبحانه نافذ بتسبيبه وقد تعلّقت سُنته بفناء الاَشياء وانتهاء أمدها، وإليه أشار بقوله: ( قَالَ هذا رَحْمَةٌ من رَبّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبّي جَعَلَهُ دَكّاء) (3)

إنّ الاستغاثة بالاَحياء والاستعانة بهم أمرٌ جرت عليه سُنَّة العقلاء في جميع العصور والاَجيال، فهذا موسى الكليم ـ عليه وعلى نبيّنا السلام ـ استغاثه بعض شيعته فأجابه بدون أن يخطر بباله أنَّ الاستغاثة لا تجوز إلاّ باللّه سبحانه، قال عزَّ وجلَّ حاكياً تلك الواقعة: (وَدَخَلَ المَدينَةَ عَلَـى حيِن غَفْلَةٍ مِنْ أهْلِها فَوَجَدَ فيها رَجلَيْنِ يَقْتَتِلان هَذَا مِن شِيعَتهِ وَهَذا مِن عَدُوّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَـى الَّذِي مِنْ عَدُوّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضى عَلَيْهِ(4)).


(1)الكهف: 84.

(2)الكهف: 96.

(3)الكهف: 98.

(4)القصص: 15.

(225)

وما هذا إلاّ لاَنّ الذي من شيعته كان يعتقد بأنّ موسى لو أغاثه فإنّما يغيثه بقوّة وبإذن من اللّه سبحانه، ويدلّ عليه عدم ردع موسى له.

ثمّ إنّ هذا هو الذكر الحكيم ـ مع أنّه يحصر النصر باللّه بقوله: (وَمَا النَّصْـرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ العَزيزِ الحَكيمِ) (1) يطلب النصر من الموَمنين ويقول عزَّ وجلّ: (يَا أَيُّها الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنْ تَنْصُـرُوا اللّهَ يَنْصُـرُكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدامَكُمْ(2)).

كما ويمدح الاَنصار الذين آووا النبيّ ونصروه ويقول سبحانه: (الَّذينَ ءَاوَوْا وَنَصرُواْ أُولئِكَ بَعْضهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) (3)

هذه الآيات وأمثالها تكشف عن أصل رصين تدور عليه رحى الحياة، وهو مشروعية التمسّك بالاَسباب الطبيعية وطلب النصر من الناس، والاستغاثة بهم بشرط أن يعتقد الطالب والمُستغيث أنّها أسبابٌ ووسائل غير أصيلة، قائمة باللّه سبحانه، نافذة بإذنه ومشيئته، وانّ ذلك بالتالي ليس بشرك.

إنّ الاستعانة بالناس والاستغاثة بهم لا يتنافى مع حصر الاستعانة باللّه في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعينُ) لاَنّ الاستعانة بهم (باعتقاد أنّه سبحانه هو الذي أمدَّهم بالقوّة فلو قاموا بعمل فإنّما يقومون به بحوله وقوّته سبحانه) يوَكّد حصر الاستعانة فيه عزّ وجلّ.


(1) آل عمران: 126.

(2)محمّد: 7.

(3)الاَنفال: 72.

(226)

وإنّما يُنافي الحصر لو اعتقدنا بأنّ للاَسباب والوسائط أصالةً واستقلالاً في العمل والتصرّف، وهذا ممّا لا يليق أن يُنسب إلى موحّد أبداً.

إنّ القرآن حافلٌ بحصر أفعال باللّه سبحانه، فهو ينسبها إليه في صورة الحصر، ولكنّه يعود فينسبها في نفس الوقت إلى غيره وليس هناك تهافت وتضاد بين الاِسنادين والنسبتين لاَنّ المحصور باللّه سبحانه غير المنسوب إلى غيره.

يقول سبحانه: (إِيَّاكَ نَسْتَعينُ) وفي الوقت نفسه يقول عزّ وجلّ (اسْتَعِينواْ بِالصَّـبْـرِ والصَّلاةِ وَإِنّها لَكَبيرةٌ إِلاَّ عَلَـى الخاشِعينَ) (1)

يقول سبحانه: (إِذَا مَرِضْتُ فَهُو يَشْفِينِ) (2). وفي الوقت نفسه يقول تعالى: (يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُختَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ) (3)

يقول سبحانه: (قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جميعاً) (4) وفي الوقت نفسه يثبت الشفاعة للملك يقول: (كَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِى شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضـى)(5)

إلى غير ذلك من الآيات الورادة في وفاة النفوس وكتابة الاَعمال ممّا أُسند فعله إلى اللّه بصورة الحصر وإلى غيره أيضاً، من غير تضاد أو تناقض لاَنّ الفعل المحصور باللّه هو غير المنسوب إلى غيره، فالصادر من اللّه يكون


(1)البقرة: 45.

(2)الشعراء: 80.

(3) النحل: 69.

(4)الزمر: 44.

(5)النجم: 26.

(227)

على سبيل الاَصالة (أي بقدرة ذاتية) والاستقلال (أي بإرادة ذاتية) والصادر عن غير اللّه يكون بقدرة غير أصيلة وإرادة غير مستقلة ولهذا لا يكون هناك تعارض أو تناقض.

وهذا هو حقّ التوحيد الذي أرشدنا إليه البرهانُ العقليّ والتدبّـرُ في الذكر الحكيم.

هذا كلّه راجع إلى التوسّل بالاَسباب الطبيعية وقد عرفت أنّ التوسّل بها على وجهٍ لا يضرُّ بالتوحيد بل يوَيده ويوَكّده.

التوسّل بالاَسباب غير الطبيعية:

إنّ عالم الكون عالمٌ فسيحٌ لا يحيط الاِنسان بأسرارِه ودقائقِه، وإنّ ما اكتشفه الاِنسانُ من ذلك ليس سوى قدر ضئيل بالنسبة إلى ما خفي عليه، كيف وما أُوتي الانسان من العلم إلاّ قليلاً (1)

فهذا هو العالم الفيزيائي الذائع الصيت «اينشتاين» وقف عند درج صغير في أسفل مكتبته وقال: إنَّ نسبة ما أعلم إلى مالا أعلم كنسبة هذا الدرج إلى مكتبتي (2).

وعلى ضوء ذلك فللّه سبحانه في هذا العالم أسباب وعلل أُخرى لم يصل إليها البشر، اللّهمّ إلاّ الاَمثل فالاَمثل من الاَنبياء والاَولياء ممّن عرفوا


(1)اقتباس من قوله سبحانه: (ويَسْأَلونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحِ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتيتُمْ مِن العِلْمِ إِلاَّ قَليلاً) الاِسراء: 85.

(2)مجلة رسالة الاِسلام العدد الاَول: السنة الرابعة وكان عليه أن يقول: إنّه أقل حتّى من هذه النسبة.

(228)

الكتاب أو أُوتوا علماً منه (1)

إنَّ القرآن الكريم يصفُ عِجل السامريّ بقوله: (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِـيَ) (2)

وبعد ما رجع موسى من الميقات ورأى الحال فسأل السامري عن كيفية عمله وأنّه كيف قدر على ما صنع فأجابه بقوله: (بَصُـرْتُ بِمَا لَـمْ يَبْصرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوّلَتْ لي نَفْسي)(3)

ففسَّـر عمله بأنّه أخذ قبضةً من أثر الرسول فعالج بها مطلوبهم، فأصبحَ العجلُ ذا خوار، وهذا ينتج أنّه توسّل بسبب غير مألوف ولا معلوم.

ومن ـ يا تُرى ـ هذا الرسول الذي أشار إليه، وما أثره، فهو بعد غير معلوم.

إنّ هذا البحث لم يكن مقصوداً بالذات، إنّما المقصود بالذات، هو الاِشارة إلى أنّ المسبّبات المعنوية، كتحصيل رضاء اللّه سبحانه والتقرّب منه لا يحصل أيضاً إلاّ بأسباب، فكما أنّ التعلّق بالاَسباب المادية لاَجل تحصيل مُسبَّباتها لا يُنافي أصل التوحيد، فهكذا الحال في الاَُمور المعنوية فهي لا تحصل إلاّ بالتمسّك بأسبابها.


(1)إشارة إلى قوله عزَّ وجلّ: (وَقالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْم مِنَ الكِتابِ أنا ءَاتيك بِهِ قَبْلَ أن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) النمل: 40.

(2)طه: 88.

(3)طه: 96.

(229)

وإلى هذه الحقيقة يُشير قوله سبحانه حيث يقول: (يَا أيُّها الَّذِينَ ءَامَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسيلَةَ وَجاهِدُوا في سَبيلِهِ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ) (1)

فاللّه سبحانه حثَّنا للتقرّب إليه على التمسّك بالوسائل وابتغائها، والآية دعوة عامّة لا تختص بسببٍ دون سببٍ، بل تأمر بالتمسُّك بكلّ وسيلة توجب التقرّب إليه سبحانه. وعندئذ يجب علينا التتبع في الكتاب والسنّة، حتّى نقف على الوسائل المقرّبة إليه سبحانه، وهذا ممّا لا يعلم إلاّ من جانب الوحي، والتنصيص عليه في الشريعة، ولولا ورود النصّ لكان تسمية شيء بأنّه سببٌ للتقرّب، بدعةً في الدين، لاَنّه من قبيل إدخال ما ليس من الدين في الدين.

ونحن إذا رجعنا إلى الشريعة نقف على نوعين من الاَسباب المقرّبة إلى اللّه سبحانه:

(النوع الاَوّل): الفرائض والنوافل التي ندب إليها الكتاب والسنّة، ومنها التقوى، والجهاد الواردين في الآية، وإليه يُشير عليّ أمير الموَمنين - عليه السّلام- ويقول: «إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى اللّه سبحانه وتعالى، الاِيمان به، وبرسوله، والجهاد في سبيله، فإنّه ذروة الاِسلام، وكلمة الاِخلاص فإنّها الفطرة، وإقامة الصلاة، فإنّها الملّة، وإيتاء الزكاة فإنّها فريضة واجبة، وصوم شهر رمضان فإنّه جُنّة من العقاب، وحجّ البيت واعتماره فإنّهما، ينفيان الفقر، ويرحضان الذنب، وصلة الرحم فإنّها مثراة في المال، ومنسأة من الاَجل، وصدقة السرّ فإنّها تكفّر الخطيئة، وصدقة العلانية فإنّها تدفع ميتة


(1)المائدة: 35.

(230)

السوء، وصنائع المعروف فإنّها تقي مصارع الهوان» (1)

غير أنّ مصاديق هذا النمط من الوسيلة لا تنحصر في ما جاء في الآية أو في تلك الخطبة بل هي من أبرزها.

(النوع الثاني): وسائل ورد ذكرها في السنّة الكريمة، وحثّ عليها الرسول وتوسّل بها الصحابة والتابعون، وكلّها توجب التقرّب إلى اللّه سبحانه، وهذا هو الذي نتطلّبه في هذا الاَصل حتّى يُعلم أنّ الوسيلة لا تنحصر في الفرائض والمندوبات الرائجة بل هناك وسائل للتقرّب دلَّت عليها السنّة وهو التوسّل بالنبيّ الاَكرم على أشكاله المختلفة التي سنذكرها، فهذا علي - عليه السّلام- يقول في وصفه: «اللّهمّ اعل على بناء البانين بناءه، وأكرم لديك نُزُلَه، وشرّف عندك منزله وآته الوسيلة وأعطه السناء والفضيلة واحشرنا في زمرته» (2)

فإذا وقفنا على أنّ النبيّ هو الوسيلة المقرّبة إلى اللّه، فيجب علينا مراجعة السنّة لنطَّلع على كيفية التوسّل به فهي تبيّـن لنا تلك الكيفية.

وإذا بلغ الكلام إلى هنا، فلا مناص من أن نبسط الكلام في بيان أقسام التوسّل، فإنّ للتوسّل أقساماً متنوّعة هي:

1ـ توسّل الموَمن إلى اللّه تعالى بأسمائه وصفاته، وقد ورد هذا النوع من التوسل في كثير من الاَدعية والروايات ولا حاجة للبيان، والتمثيل.


(1)نهج البلاغة، الخطبة: 110.

(2) المصدر نفسه: 106.

(231)

2ـ توسّل الموَمن إلى اللّه تعالى بأعماله الصالحة وقد ورد هذا النوع من التوسّل في الروايات، فقد روى البخاري ومسلم والنسائي عن أبي عمران: أنَّ رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قال: بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم، يمشون إذ أصابهم مطر فآووا إلى غار فانطبق عليهم فقال بعضهم لبعض : إنّه واللّه يا هوَلاء لا ينجيكم إلاّ الصدق، فليدع كلّ رجل منكم بما يعلم أنّه قد صدق فيه ... فذكر كلّ واحد عملاً صالحاً أتى به للّه سبحانه، وكلّما ذكر واحد عمله، انساخت الصخرة قليلاً، حتّى إذا تمّ كلامهم فرّج اللّه عنهم فخرجوا(1)

فقد توسّل كل واحد من الاَشخاص المذكورين بعمله الصالح، واستجيبت دعوته ، ونجى من الهلكة.

3ـ التوسّل بدعاء الموَمن ومن أبرز مصاديقه التوسّل بدعاء النبيّ الاَكرم وهذا ما حثّ عليه الذكر الحكيم ولم يختلف في جوازه اثنان، قال سبحانه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَروا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّاباً رَّحيماً) (2).

وقال سبحانه حاكياً عن ولد يعقوب: (يا أَبانا اسْتَغفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئينَ * قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّي إِنَّهُ هُو الغَفُورُ الرَّحيمُ) (3)

وقال سبحانه مندّداً بتولّـي المنافقين عن النبيّ والتوسّل بدعائه: (وَإِذا قيلَ لَهُمْ تَعالَواْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللّهِ لَوّواْ رُوَوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ


(1)الدرّ المنثور 4: 213 تفسير سورة الكهف.

(2)النساء: 64.

(3)يوسف 97ـ 98.

(232)

يَصُدّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرونَ) (1)

ولاَجل ذلك كان الصحابة والتابعون يتوسّلون بالنبيّ في تفريج الكُربات وتيسير العسير وإنزال الغيث إلى غير ذلك من المصاعب والمحن.

هذا كلّه ممّا لا يُناقش فيه أحد حتّى الوهابيون عامّة تبعاً لابن تيمية (2) لقيام الاَدلّة الصريحة عليها، ووقوعها أكثر من مرّة بلا نكير ولا اشكال.

إنّما الكلام في التوسّل بدعاء النبي بعد وفاته، وهذا هو الذي حرَّمته الوهابية وربَّما وصفوه بالشركية، ولكن أين هو من الشرك؟ إذ كيف يمكن أن يكون طلب الدعاء من النبيّ في حال حياته عين التوحيد ويكون بعد وفاته عين الشرك، مع وحدة العملين من حيث الماهيّة والحقيقة؟!!

نعم لو كان هناك كلام واشكال في هذا المورد فليكن في كون هذا النوع من


(1)المنافقون: 5.

(2) مجموعة الرسائل والمسائل 1: 14.

(233)

التوسّل مُفيداً أم لا، لا كونه مُنافياً للتوحيد ومُتلائماً مع الشرك، وتوضيح ذلك أنّ الطلب من غير اللّه إن كان شركاً فلا فرق أن يكون في حياته أو بعد مماته. نعم يمكن أن يدّعي أحد أنّه مفيد ومجدٍ في حال الحياة وغير مفيد ولا مجدٍ بعد الوفاة لكون المدعوّ ميّتاً، وهذا أمر آخر غير التوحيد والشرك.

وستعرف عند البحث عن حياة الاَنبياء وإمكان الاِتصال بهم، أنّه من التوسّلات المفيدة، إذ المفروض أنّهم أحياء، والمفروض أنّهم يسمعون كلامنا حسب ما يأتي من الروايات، وعلى ضوء ما ذُكر فلا مانع من هذا النوع من التوسّل، وأمّا إجابتهم، فهو موقوف على توفّر شروط الاِجابة كما هو الحال في طلب الدعاء في حال حياتهم، ويدل لفيف من الروايات على وقوع هذا النوع من الدعاء والطلب من النبيّ الاَكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - بعد وفاته، ونحن نكتفي بروايتين:

1ـ ما رواه ابن عساكر في تاريخه وابن الجوزيّ في «مُثير الغرام الساكن» وغيرهما بأسانيدهم إلى محمّد بن حرب الهلالي قال: دخلت المدينة فأتيت قبر النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - فزرته وجلست بحذائه وجاء اعرابيٌ فزاره ثمّ قال: يا خيرَ الرسل إنَّ اللّه أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: (وَلَوْ أَنَّهمُ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ واسْتَغْفَرَ لَـهُمْ الرَسُولُ لَوَجَدُوا للّهَ تَوّاباً رَحِيماً)) وإنّي جئتك مُستغفراً ربَّك من ذنوبي مُتشفّعاً بِكَ (وفي رواية: وقد جئتك مُستغفراً من ذنبي مُستشفعاً بك) إلى ربّي، ثمّ بكى وأنشأ يقول:

يا خير من دُفنت بالقاع أعظُمهُ * فطابَ من طِيبهنَّ القاعُ والاَكمُ
نفسي الفداءُ لِقبرٍ أنت ساكنُه * فيه العفافُ وفيهِ الجودُ والكَرَمُ

ثمّ استغفر وانصرف (1)

وقد رواه غير محمّد بن حرب.

2ـ ما رواه البيهقيّ عن مالك قال: أصاب الناس قحط في زمان عمر ابن الخطاب، فجاء رجلٌ إلى قبر النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - فقال: يا رسول اللّه، استسق اللّهَ لاَُمّتك فإنّهم قد هَلَكوا، فأتاه رسول اللّه في المنام، وقال: إئت عمر فأقرئه


(1)وفاء الوفا 4: 1361.

(234)

السلام وأخبره أنّهم مُسقون (1)

فالحديث يكشف عن أنَّ التوسّل بدعاء النبيّ بعد رحلته كان رائجاً، ولو كان عملاً مُحرَّماً أو بدعة فلماذا توسّل هذا الرجل بدعائه، ولماذا بكى الخليفة بعد سماع كلامه كما ورد في ذيل الحديث؟

وقد روي في هذا النوع من التوسّل طائفة من الروايات مبثوثة في الكتب، وهي بين صحيحة السند وضعيفة السند لكنّها تشترك في اثبات شيوع هذا النوع من التوسّل بعد رحلة النبيّ الاَكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

هذا مضافاً إلى أنّ هذه الروايات أصحَّت أسانيدها أم لا تكشف عن أمرين:

1ـ أنّ طلب الدعاء من النبيّ بعد رحلته لا يُنافي التوحيد وإلاّ لما فعله المسلمون الاَوائل.

2ـ أنّ طلب الدعاء منه في هذه الحالة ليس أمراً محرَّماً.

وذلك أنّه لو كان التوسّل بدعاء النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - بعد رحلته شركاً، يوجب الخروج عن الدين أو أمراً محرّماً، يجب أن يتوب عنه المسلم، فلماذا قام كثير من المحدّثين بعد رحلته - صلّى الله عليه وآله وسلم - بنقلها والاحتجاج بها؟!

أوَليس عاراً على محدّثٍ إسلامي أن ينقل في جامعه حديثاً عن النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - يشتمل على الشرك والاَمر المحرّم الواضح ولا يعلّق عليه بشيء.

ولنفترض أنّ بعض رواة هذه الاَحاديث قد وضع هذه الروايات لغاية


(1)دلائل النبوّة ج7، باب ما جاء في روَية النبيّ في المنام: 47.

(235)

دنيوية، ولكن الواضع إنّما يضع الحديث لاَجل إلفات الناس إليه، ولو كان ذلك الاَمر موجباً للشرك أو الحرمة فالدواعي عن وضعها كانت مصروفة.

اذن فكثرة هذه الروايات ونقلها على مدى العصور تعرب عن أنّ نفس العمل (طلب الدعاء من النبيّ) كان أمراً توحيدياً مباحاً، وجاء الراوي ينقل المطلب على عفو الخاطر، فالروايات على كل تقدير حجّة في المقصود.

التوسّل بالاَنبياء والصالحين أنفسهم:

هذا قسم آخر من التوسّل يتضمَّن التوسّل إلى اللّه تبارك وتعالى بأنبيائه وخاصّة أوليائه، والسوَال منه بحقّهم وهو يتضمّن إحلافه سبحانه بحقّ أوليائه، وإن كان الاِحلاف غير مصرَّح به وقد مضت روايات هذا القسم عند البحث عن ملاك التوحيد والشرك غير أنّنا نوردها في المقام بملاك آخر وهو صحّة التوسّل وهذا القسم ممّا ينكره الوهابيون مع أنّه ورد في هذا المجال الاَحاديث الصحيحة وإليك البيان:

أ ـ توسّل الضرير بالنبيّ الاَكرم:

عن عثمان بن حنيف أنّه قال: إنّ رجلاً ضريراً أتى النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - فقال: أُدع اللّه أن يُعافيني؟

فقال - صلّى الله عليه وآله وسلم - : إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير؟

قال: فادعه، فأمره - صلّى الله عليه وآله وسلم - أن يتوضأ فيُحسن وضوءه ويصلّـي ركعتين


(236)

ويدعو بهذا الدعاء: «اللّهمّ إنّـي أسألُكَ وأتوجّهُ إليك بنبيّك نبيّ الرحمة، يا محمّد إنّـي أتوجَّه بكَ إلى ربّـي في حاجتي لتُقضى، اللّهمّ شَفّعهُ فيّ».

قال ابن حنيف: «فواللّه ما تفرّقنا وطالَ بنا الحديث حتّى دخل علينا كأن لم يكن به ضرٌّ» (1).

إنَّ الاستدلال بالرواية مبنيٌّ على صحَّتها سنداً وتمامية دلالتها مضموناً.

أمّا الاَوّل: فلم يناقش في صحّتها إلاّ الجاهل بعلم الرجال، حتّى أنّ ابن تيمية قال: قد روى الترمذي حديثاً صحيحاً عن النبيّ أنّه علَّم رجلاً أن يدعو فيقول: اللّهمّ إنّـي أسألك وأتوسّل إليك بنبيّك. وروى النسائي نحو هذا الدعاء (2)

وقال الترمذي: هذا حديثٌ حقٌّ حسن صحيح.

وقال ابن ماجة: هذا حديثٌ صحيحٌ.

وقال الرفاعيّ: لا شكَّ أنّ هذا الحديث صحيحٌ ومشهور (3)

وبعد ذلك فلم يبق لاَحد التشكيك في صحّة سند الحديث إنّما الكلام في دلالته وإليك البيان:


(1)مجموعة الرسائل والمسائل 1: 13.

(2)التوصّل إلى حقيقة التوسّل : 158.

(3) صحيح الترمذي 5، كتاب الدعوات الباب 119، برقم 3578 وسنن ابن ماجة 1 : 441 برقم 1385، مسند أحمد 4: 138 إلى غير ذلك.

(237)

إنّ الحديث يدلُّ بوضوح على أنّ الاَعمى توسّل بذات النبيّ بتعليم منه - صلّى الله عليه وآله وسلم - وذلك الاَعمى وإن طلب الدعاء من النبيّ الاَكرم في بدء الاَمر ولكن النبيّ علَّمه دعاء تضمَّن التوسّل بذات النبيّ، وهذا هو المهمّ في تبيين معنى الحديث.

وبعبارة ثانية؛ إنّ الذي لا ينكر عند الاِمعان في الحديث أمران:

الاَوّل: أنّ الراوي طلب من النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - الدعاء ولم يظهر منه توسّلٌ بذات النبيّ.

الثاني: أنّ الدعاء الذي علّمه النبيّ، تضمَّن التوسّل بذات النبيّ بالصراحة التامّة، فيكون ذلك دليلاً على جواز التوسّل بالذات.

وإليك الجمل والعبارات التي هي صريحة في المقصود.

1ـ اللّهمّ إنّـي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك:

إنّ كلمة «بنبيّك» مُتعلّق بفعلين هما «أسألك» و «أتوجّه إليك» والمراد من النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - نفسه القدسية وشخصيته الكريمة لا دعاءه.

وتقدير كلمة «دعاء» قبل لفظ «بنبيّك» حتى يكون المراد هو «أسألك بدعاء نبيّك أو أتوجّه إليك بدعاء نبيّك» تحكّم وتقدير بلا دليل. وتأويل دون مبرر ولو أنّ مُحدّثاً ارتكب مثله في غير هذا الحديث لرموه بالجهميّة والقدريّة.


(238)

2ـ محمّد نبي الرحمة:

لكي يتّضح أنّ المقصود هو السوَال من اللّه بواسطة النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - وشخصيته فقد جاءت بعد كلمة «بنبيّك» جملة «محمّد نبيّ الرحمة» لكي يتّضح نوع التوسّل والمتوسَّل به بأكثر ما يمكن.

3ـ يا محمّد إنّـي أتوجّه بك إلى ربّـي:

إنّ جملة «يا محمّد إنّـي أتوجّه بك إلى ربّـي» تدلّ على أنّ الرجل الضرير ـ حسب تعليم الرسولـ إتّخذ النبيّ نفسه، وسيلةً في دعائه أي أنّه توسّل بذات النبيّ لا بدعائه - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

4ـ وشفّعه فيّ:

إنّ قوله «وشفّعه فيّ» معناه يا ربّ إجعل النبيّ شفيعي وتقبّلشفاعتهفي حقّي، وليس معناه تقبّل دعاءه في حقّي، فإنّه لم يرد في الحديث أنَّالنبيّدعا بنفسه حتّى يكون معنى هذه الجملة: استجب دعاءه في حقّي.

ولو كان هناك دعاءٌ من النبيّ، لذكره الرواي إذ ليس دعاوَه - صلّى الله عليه وآله وسلم - من الاَُمور غير المهمة حتّى يتسامح الراوي في حقّه.


(239)

وحتى لو فرضنا أنّ معناه «تقبّل دعاءه في حقّي» فلا يضرُّ ذلك بالمقصود أيضاً، إذ يكون على هذا الفرض هناك دعاءان: دعاء الرسول ولم ينقل لفظه، والدعاء الذي علّمه الرسول للضرير، وقد جاء فيه التصريح بالتوسّل بذات النبيّ وشخصه وصفاته، وليس لنا التصرّف في الدعاء الذي علّمه الرسول للضرير، بحجّة أنّه كان هناك للرسول دعاءٌ.

إجابة عن سوَال:

إنّ ابن تيمية احتمل أن يكون هذا الحديث من قبيل التوسّل بدعاء النبيّ الاَكرم، ولكنّه خلط بين الاَمرين أو الحالتين:

الاَُولى: المحاورة الابتدائية التي وقعت بين النبي والضرير، فكان الموضوع في هذه المحاورة هو: دعاء الرسول بلا شك، أي طلب الضرير الدعاء من النبيّ.

الثانية: الدعاء الذي علّمه الرسول للضرير، فإنّه تضمّن التوسّل بذاتِ النبيّ.

والتصرّف في هذا النصّ بحجّة أنّ الموضوع في المحاورة الاَُولى هو الدعاء، تصرّف عجيب، فإنّ الاَعمى لم يدر في خلده في البداية سوى دعاء الرسول المُستجاب، ولكن الرسول علّمه دعاءً جاء في التوسّل بذات النبيّ، وقد عرفت تفصيله وتحليله.


(240)

ب ـ التوسّل بالنبيّ بتعليم من الصحابيّ الجليل:

روى الطبرانيّ عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن عمّه عثمان بن حنيف، أنَّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان (رض) في حاجةٍ له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكى ذلك إليه فقال له عثمان بن حنيف: إئت الميضأة فتوضأ ثمّ إئت المسجد فصلّ فيه ركعتين ثمّ قل: «اللّهمّ إنّـي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّنا محمّد - صلّى الله عليه وآله وسلم - نبيّ الرحمة يا محمّد إنّـي أتوجّه بك إلى ربّـي فتقضي لي حاجتي» فتذكر حاجتك ورُحْ حتّى أروحَ معك.

فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثمّ أتى باب عثمان بن عفان (رض) فجاء البوّاب حتّى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان (رض) فأجلسه معه على الطنفسة فقال: حاجتك؟ فذكر حاجته وقضاها له ثمّ قال له: ما ذكرت حاجتك حتّى كان الساعة. وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها.

ثمّ إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك اللّه خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليَّ حتّى كلّمتَه فيّ، فقال عثمان بن حنيف: واللّه ما كلّمته، ولكنّي شهدتُ رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - وأتاه ضريرٌ فشكى إليه ذهاب بصره فقال له النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - : فتصبر؟ فقال: يا رسول اللّه ليس لي قائدٌ فقد شقّ عليّ.

فقال النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - : أئت الميضأة فتوضأ ثمّ صلِّ ركعتين، ثمّ ادع بهذه الدعوات.


(241)

قال ابن حنيف: فواللّه ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتّى دخل علينا الرجل كأنّه لم يكن به ضرّ قط (1)

ج ـ توسّل الخليفة بعمّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

إنّ سيرة المسلمين في حياة النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - وبعدها، تعرب عن أنّهم كانوا يتوسّلون بأولياء اللّه والصالحين من عباده، دون أن يدور في خلد أحدٍ منهم بأنّه أمرٌ حرام أو شرك أو بدعة، بل كانوا يرون التوسّل بدعاء الصالحين طريقاً إلى التوسّل بمنزلتهم، وشخصيتهم، فإنّه لو كان لدعاء الرجل الصالح أثر فإنّما هو لاَجل قداسة نفسه وطهارتها، ولولاهما لما استجيبت دعوته، فما معنى الفرق بين التوسّل بدعاء الصالح وبين التوسّل بشخصه وذاته، حتّى يكون الاَوّل نفس التوحيد والآخر عين الشرك أو ذريعةً إليه.

إنّ التوسّل بالصالحين والطيبين والمعصومين من الذنب والمخلصين من عباد اللّه لم يكن قط أمراً جديداً بين الصحابة بل كان ذلك امتداداً للسيرة الموجودة قبل الاِسلام، فقد تضافرت الروايات التأريخية على ذلك وإليك البيان:

د ـ استسقاء عبد المطَّلب بالنبيّ وهو رضيع:

لقد استسقى عبد المطلب بالنبيّ الاَكرم وهو طفل صغير، حتّى قال


(1)المعجم الكبير للحافظ سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني (360) 9: 16ـ 17، باب ما أُسند إلى عثمان بن حنيف برقم 8310 والمعجم الصغير له أيضاً 1: 183 ـ 184.

(242)

ابن حَجَر: إنَّ أبا طالب يشير بقوله:

وأبيضُ يُستسقَى الغمامُ بِوجهِ * هِثمالُ اليَتامى عصمة للاَرامِلِ

إلى ما وقَعَ في زمن عبد المطلب حيث استسقى لقريش والنبيّ معه غلام (1)

هـ ـ استسقاء أبي طالب بالنبيّ وهو غلام:

اخرج ابن عساكر عن أبي عرفة، قال: قدمتُ مكّة وهم في قحط فقالت قريش: يا أبا طالب أقحَطَ الوادي وأجدب العيالُ، فهلمّ فاستسقِ، فخرج أبو طالب ومعه غلام ـ يعني: النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - ـ كأنّه شمسُ دُجىً تجلّتْ عن سحابةٍ قَتماء، وحوله أغيلِمة فأخذه أبو طالب فألصقَ ظهره بالكعبة، ولاذ إلى الغلام وما في السماء قذعة، فأقبل السحابُ من هاهنا وهاهنا واغدقَ واغدودقَ وانفجرَ له الوادي وأخصبَ النادي والبادي وفي ذلك يقول أبو طالب:

وأبيضُ يستسقى الغمامُ بوجهه * ثُمالُ اليتامى عصمةٌ للاَرامل (2)

وقد كان استسقاء أبي طالب بالنبي وهو غلام، بل استسقاء عبدالمطلب به وهو صبي أمراً معروفاً بين العرب، وكان شعر أبي طالب في هذه الواقعة ممّا يحفظه أكثر الناس.


(1)فتح الباري 2: 398 ودلائل النبوّة 2: 126.

(2)فتح الباري 2: 494 والسيرة الحلبيّة 1: 116.

(243)

ويظهر من الروايات أنّ استسقاء أبي طالب بالنبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - كان موضع رضا من رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - فإنّه بعد ما بُعث للرسالة استسقى للناس، فجاء المطرُ وأخصب الوادي فقال النبيّ: «لو كان أبو طالب حيّاً لقرّت عيناه، مَن يُنشدنا قولَه» ؟

فقام عليّ - عليه السّلام- وقال: يا رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - كأنّك أردتَ قوله:

وأبيضُ يستسقى الغمامُ بوجهه * ثُمالُ اليتامى عصمةٌ للاَرامل (1)

إنّ التوسّل بالاَطفال الاَبرياء في الاستسقاء أمرٌ ندب إليه الشرع الشريف، فهذا هو الاِمام الشافعي يقول في آداب صلاة الاستسقاء: وأُحبُّ أن يخرج الصبيانُ، ويتنظّفوا للاستسقاء وكبار النساء ومن لا هيئة له منهنّ، ولا أُحبُّ خروج ذوات الهيئة ولا آمر بإخراج البهائم (2)

وما الهدف من إخراج الصبيان والنساء الطاعنات في السن، إلاّ استنزال الرحمة بهم وبقداستهم وطهارتهم، وكلُ ذلك يعرب عن أنَّ التوسّل بالاَبرياء والصلحاء والمعصومين مفتاح استنزال الرحمة، وكأنّ المتوسّل بهم يقول: ربّي وسيدي إنّ الصغير معصومٌ من الذنب، والكبير الطاعن في السن أسيرُك في أرضك، وكلتا الطائفتين أحقّ بالرحمة والمرحمة، فلاَجلهم أنزل رحمتك إلينا، حتّى تعمّنا في ظلّهم.

فإنّ الساقي ربّما يسقي مساحة كبيرة لاَجل شجرة واحدة وفي ظلّها


(1)إرشاد الساري 2: 338.

(2)الاَُم 1: 230.

(244)

تسقى الاَعشاب وسائر الخضروات غير المفيدة.

وفي ضوء التحليل تقدر على تفسير توسّل الخليفة بعمّ الرسول: «العباس بن عبد المطلب» الذي سيمر عليك، وأنّه كان توسّلاً بشخصه وقداسته وصلته بالرسول وتعرف بالتالي انّ هذا العمل كان إمتداداً للسيرة المستمرة قبل هذا، وانّ هذا لا يمتُّ إلى التوسّل بدعاء العباس بصلة، وإنّما هو شيء اخترعه الوهابيون للحفاظ على موقفهم المسبق في هذه المسائل.

و ـ التوسّل بعمّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

ما تعرّفت عليه سابقاً كانت مقدمة لدراسة هذا الحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه ويقول: «كان عمر بن الخطاب إذا قحطوا استسقى بالعبّاس بن عبد المطلب (رض) وقال: اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنَّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا. قال : فيسقون» (1)

هذا نصّ البخاري وهو يدلّ على أنَّ عمر بن الخطاب عند دعائه واستسقائه توسّل بعمّ النبيّ وشخصه وشخصيته وقداسته وقرابته من النبيّ، لا بدعائه ويدلّ على ذلك أُمور:

1ـ قول الخليفة عند الدعاء. قال: «اللّهمّ كنَّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا وإنَّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا» وهذا ظاهر في أنّ الخليفة قام بنفسه بالدعاء عند الاستسقاء، وتوسّل بعمّ الرسول في دعائه.


(1)صحيح البخاري، باب صلاة الاستسقاء 2: 32.

(245)

ولو كان المقصود هو التوسّل بدعاء العباس لكان على الخليفة أن يقول: يا عمّ رسول اللّه كنّا نطلب الدعاء من الرسول فيسقينا اللّه والآن نطلب منك الدعاءَ فادعُ لنا.

2ـ روى ابن الاَثير كيفية الاستسقاء فقال: استسقى عمر بن الخطاب بالعبّاس عام الرمادة لمّا اشتدّ القتل فسقاهم اللّهُ تعالى به، وأخصبت الاَرض، فقال عمر: هذا واللّه الوسيلة إلى اللّه والمكان منه، وقال حسان:

سأل الاِمامُ وقد تتابع جَدبُنا * فسقى الغمام بغُرّةِ العبّاسِ
عمّ النبيّ وصنوِ والدِهِ الذي * وَرِثَ النبيَّ بذاكَ دون الناسِ
أحيى الاِلهُ به البلادَ فأصبحتْ * مُخضرَّة الاَجناب بعدَ اليأس

ولمّا سقى الناس طفقوا يتمسَّحون بالعبّاس ويقولون: هنيئاً لك ساقيَ الحرمين (1) .

أمعنِ النظر في قول الخليفة: هذا واللّه الوسيلة.

3ـ ويظهر من شعر حسان أنّ المُستسقي كان هو نفس الخليفة وهو الداعي حيث قال: «سألَ الاِمامُ ...» وكان العبّاسُ وسيلته لاستجابة الدعاء.

وأظنّ أنّ هذه الروايات الصحيحة لا تُبقي شكاً ولا ريباً في نفس أحد


(1)الجزري: أُسد الغابة 3: 111، طبعة مصر.

(246)

في جواز التوسّل بأشخاص الصالحين وذواتهم فضلاً عن دعائهم، وإليك البحث في الاَقسام الاَُخر للتوسّل.

التوسّل بحقّ الاَنبياء والصالحين:

إنّ من أقسام التوسّل، التوسّل بحقّ الاَنبياء الذي تفضل به سبحانه عليهم، فجعلهم أصحاب الحقوق، وأوجب على نفسه أداءها.

وليس معنى ذلك أنّ للعباد، أو لبعضهم على اللّه حقّاً ذاتياً يلزم عليه تعالى الخروج والتحلّل منه، بل الحقّ كلّه للّه. وإنّما المراد هو المقام والمنزلة التي يمنحها سبحانه تكريماً لهم، وليس لاَحدٍ على اللّه حقٌّ إلاّ ما جعله اللّه عزَّ وجلّ حقّاً على ذمّته تفضلاً وتكريماً، قال سبحانه: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْـرُ المُوَْمِنينَ)) (1).

ويدل على ذلك من الروايات ما رواه أبو سعيد الخدري: قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «ما خَرجَ رجل من بيته إلى الصلاة وقال: اللّهمّ أسألك بحقِّ السائلين عليك وبحقّ ممشاي هذا، فإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سُمعةً وخرجت اتّقاء سَخَطِك وابتغاءَ مَرضاتِك، فأسألك أن تُعيذني من النار وأن تغفرَ لي ذنوبي إنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت، إلاّ أقبل اللّه عليه بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملك» (2)

وما رواه عمر بن الخطاب، قال: قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «لمّا اقترف آدم


(1)الروم: 47.

(2)ابن ماجة ج1 باب المساجد: 261، ومسند أحمد 3: 21.

(247)

الخطيئة قال: ربّـي أسألك بحقّ محمّد لما غفرت لي، فقال اللّه عزَّ وجلّ : ياآدم كيف عرفت محمّداً ولم أخلقه؟ قال: لاَنّكَ لما خلقتني بيدكَ ونفختَ فيّ من روحك، رفعتُ رأسي فرأيت على قوائم العرشِ مكتوباً: لا إله إلاَّ اللّه محمّدٌ رسول اللّه ، فعلمت أنّك لم تضف إلى اسمك إلاّ أحبَّ الخلق إليك، فقالَ اللّه عزَّ وجلّ: صدقت يا آدم إنّه لاَحبُّ الخلقِ إليَّ وإذا سألتني بحقّه فقد غفرتُ لك ولولا محمّدٌ ما خلقتك» (1)

وقد عرفت في الفصل المعقود لبيان ملاك التوحيد والشرك عند البحث عن احلافه سبحانه بحقّ أنبيائه حديث أنس بن مالك على وجه التفصيل وأنّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قال عند دفن فاطمة بنت أسد: «اللّه الذي يُحيي ويميت وهو حيّ لا يموت إغفر لاَُمّي فاطمة بنت أسد ولقِّنها حُجّتها ووسِّع عَليها مدخلها بحقِّ نبيّك والاَنبياء الذين من قبلي فإنّك أرحم الراحمين».

والروايات الواردة في هذا المجال كما يمكن الاستدلال بها على جواز الاِحلاف يمكن أيضاً الاستدلال بها على جواز التوسّل بهم غير أنّ التوسّل مدلولٌ مطابقي والحلف مدلولٌ التزامي.

التوسّل بمقام النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - ومنزلته وجاهه:

إنّ هذا النوع من التوسّل ليس قسماً آخربل يرجع إلى التوسّل بحقّهم، بل التحقيق هو: أنَّ التوسّل ليس له إلاّ قسم واحد وهو توسيط قداسة


(1)دلائل النبوّة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة لاَبي بكر أحمد بن الحسين البيهقيّ (ت 384 ـ م 258) طبع دار الكتب العلمية 5: 489.

(248)

النبيّ وشخصيته وحرمته عند اللّه تبارك وتعالى، حتّى يستجيب دعاء الاِنسان لاَجلها ولو كان لدعاء النبيّ أثر هو الاجابة فإنّما هو في ظل قداسته وشخصيته. وهناك كلمة قيّمة للشيخ محمّد الفقي في هذا الصعيد نأتي بنصّها:

يمتاز الاَنبياء والرُسل عن سواهم بمميزات لها خطورتها وعظم شأنها، ويتمتعون بخصوصيات تجلُّ عن التقدير والتعبير، فهم يتفاوتون عن الخلائق بشتى الخوارق، ويختصون بأنواع رائعة من المعجزات وأسمى المقامات: (ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُوَتِيهِ مَن يَشاء واللّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ) (1)

والذي وهبهم هذه العطايا وأنعم عليهم بهذه الامتيازات، كتب لهم في سجلّ الحوائج قضاء ما يطلبون، وما يرجون لاَنَّهم رُسله إلى خلقه يُلجأ إليهم عند الشدائد، ويُستغاثُ بهم في الملمّـات في الحياة، إجماعاً بين المسلمين حتّى الوهابية ومن بعدها حسب ما دلّت عليه الاَحاديث واستفاضت الاَخبار.

كيف يشك إنسان في جواز التوسّل بهم والاستغاثة عند المُلمّـات مع أنّ الاَنبياء يستغيثون بالنبيّ الاَكرم يوم تذهلُ كل مُرضعة عمّـا أرضعت، وتضعُ كلّ ذات حمل حملها، وترى الناسَ سُكارى وما هم بسكارى. فتطلب الخلائق في هذا الموقف من الاَنبياء إغاثتهم، والاستشفاع بهم، فيحيلونهم كلٌ بدوره إلى خير شفيعٍ، وأعظم مُغيث فيقصدون كعبة الشفاعة وقبلة الاِغاثة، فيستجيب لرغباتهم ويسارع لاِغاثتهم وإنقاذهم ويهمّ


(1)الحديد: 21.

(249)

لمرضاتهم بما عُهد فيه من فضل وما عُرف عنه من كرم.

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه: «أنا سيدُ الناس يوم القيامة. هل تدرون مِمَّ ذلك؟ يجمع اللّه الاَوّلين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ فيبصرهم الناظرُ ويسمعهم الداعي وتدنو الشمسُ من جماجم الناسِ فيبلغُ الناسَ من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناسُ: ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ ألا ترون إلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربّكم؟ فيقول بعضُ الناس لبعض: أبوكم آدم، فيأتونه فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك اللّهُ بيدِه ونفخ فيك من روحِهِ وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنّة ألا تشفع لنا إلى ربّك؟ ألا ترى ما نحنُ فيه ما بلغنا؟ فيقول: إنّ ربّـي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبلَه مثله ولا يغضب بعده مثله، وإنّه نهاني عن الشجرة فعصيتهُ. نفسِـي نفسِـي نفسِـي. اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً ـ عليه الصلاة والسلام ـ فيقولون: يا نوحُ أنتَ أوّل الرسل بُعثتَ إلى أهل الاَرض وقد سمّـاك اللّه عَبداً شكوراً ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما بَلَغنا؟ ألا تشفع لنا إلى ربّك (الحديث).

وفيه أنّهم ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ يحيلون الناس إلى سيّد الرُسل والخلق، فيأتونه - صلّى الله عليه وآله وسلم - فيقولون: يامَن أنتَ رسولُُ اللّه وخاتم الاَنبياء وقد غَفَرَ اللّه لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّر، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ إشفع لنا إلى ربّك. قال: فانطلقُ فآتي تحت العرش فأقعُ ساجداً إلى ربّـي، ثمّ يفتحُ اللّه عليّ من محامدِهِ وحُسن الثناء عليه شيئاً لم يفتح على أحدٍ قبلي. ثمّ يُقال: يا


(250)

محمّد إرفع رأسك واشفَع تُشَفَّعْ، فأرفعُ رأسي فأقولُ: ياربِّ أُمّتي يا ربّ أُمّتي، يا ربّ أُمّتي...» (1).

إنّ التوسّل بالاَنبياءِ والاَولياءِ ليس بملاك جسمانيّتهم فإنّهم وغيرهم في ذلك المجال سواسية، وإنّما يُتوسّل بهم بروحانيتهم العالية وهي محفوظةٌ في حال الحياة وبعد الارتحال إلى البرزخ وإلى الآخرة.

فالتفريق في التوسّل بين الحياة والممات تنشأ من نظرة مادية تعطي الاَصالة للجسم والمادة ولا تُقيم للمعنى والروحانية وزناً ولا قيمة.

فالنبيّ الاَكرم مدار الفضائل والكمالات وهو يتمتع بأروع الكرامات وكلّها ترجع إلى روحانيته ومعنويته القائمة المحفوظة في جميع الحالات.

فما هذا التفريق بين الحياة المادية والبرزخية والاَُخروية؟

فمن اتّخذ الاَنبياء والاَولياء وغيرهم ممن باتوا لربّهم سجداً وقياماً أسباباً حال حياتهم أو بعد مماتهم، وسائل لقضاء حوائجهم ووسائط لجلب الخير ودفع الشر، لم يحيدوا عمّـا تهدف إليه الشريعة ولم يتجاوزوا الخطَّ المشروع ولم يتعدّوا مقصود الرسالة النبويّة وغاياتها.

فالاَسباب لا يمكن إنكارها، ولا يُعقل تجاهلُها، ولا يتأتّى جحودها لاَنّه تعالى هو الذي خَلَقَ الاَسباب والمسبّبات ورتَّب النتائج على المقدَّمات، فمن تمسّك بالاَسباب فقد تمسَّك بما أمر اللّه سبحانه (2)

إلى هنا تمّ بيان أقسام التوسّل ودلائل جواز الجميع.


(1)صحيح البخاري 6: 106، صحيح مسلم 1:130، مسند أحمد 2: 412.

(2)التوسّل والزيارة للشيخ محمّد الفقي المصري : 161.


(251)

10

1ـ حياة الاَنبياء والاَولياء بعد الرحيل

2ـ إمكان الاتّصال بهم وإسماعهم

حياة الاَنبياء والاَولياء.

الاَحاديث الدالة على حياة الاَنبياء.

امكان الارتباط بالاَرواح المقدسة.

النبي صالح يخاطب قومه الهالكين.

مخاطبة النبي شعيب قومه الهالكين.

أمر النبي بمكالمة الاَنبياء.

الاَحاديث وامكان الارتباط بالاَرواح.

شبهات ثلاث وأجوبتها.

توسّل السلف دليل على امكان الارتباط.

أ ـ حياة الاَنبياء والاَولياء:

إنَّ الموت ومفارقة الروح للبدن من سنن اللّه الحكيمة التي كتبها على كلّ إنسان، فلا محيص من الموت ولا مفرَّ منه.


(252)

قال سبحانه: (كُلّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الموت) (1)

وقال سبحانه: (إِنَّكَ مَيّتٌ وإِنَّهُمْ مَيّتُون) (2)

وهذا الاَمر من القضايا الواضحة التي لا يشك فيها أحد، ولا يحتاج إلى برهنة.

إنّما الكلام هو في حقيقة الموت، فهل الموت انعدام وفناء مطلق، وصيرورة الشيء كأن لم يكن شيئاً مذكوراً أو أنَّه انتقال من دار إلى دار أُخرى، ومن عالم إلى عالم آخرٍ؟

وبعبارة أُخرى، هل الموت هو فناءٌ أو هو خروج الروح من البدن المادي العنصري، وتعلّقه ببدن آخر يناسبه، ويلائمه؟

الماديّون المنكرون لعالم الاَرواح، والنافون لما وراء الطبيعة على الاَوّل، فهم يعتقدون أنّ في الموت فناء الاِنسان وضلاله في الاَرض بحيث لا يبقى شيء من بعد ذلك، إلاّ الذرات الماديّة المبعثرة في الطبيعة، ولهذا لا يُمكن إعادة الشخصية البشرية، إذ ليس هناك شيء متوسّط بين المبتدأ والمعاد.

والاِلهيون على الثاني، وأنّ الموت خروج الروح من البدن العنصري وتعلّقه ببدن آخر يناسبه، وهو أمر يدعمه كتاب اللّه الاَكبر، ويدلّ عليه بأوضح دلالة، ويفنّد دليل المشركين القائلين: ( أإذا ضَلَلْنَا في الاَرضِ أَإنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)) بقوله: (قُل يَتَوفّاكُمْ مَلَكُ الموتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمّ إلى


(1)آل عمران: 185.

(2)الزمر: 30.

(253)

رَبِّكُمْ تُرْجعُون(1)).

ومعنى الآية هو أنّ الموت ليس ضلالاً في الاَرض وأنَّ الشخصية الاِنسانية ليست هي الضالة الضائعة في ثنايا التراب، إنّما الضال في الاَرض هو أجزاء البدن العنصري المادي، فهذه الاَجزاء هي التي تتبعثر في الاَجواء والاَراضي، ولا يشكّل البدن حقيقة الشخصية الاِنسانية، ولا مقوّماً لها، وإنّما واقعيتها هي نفس الاِنسان، وروحه، وهي لا ينتابها ضلالٌ، ولا يطرأ عليها تبعثر، بل يأخذها (يَتَوفّاكُم مَلَكُ الموت الذي وُكّلَ بِكُمْ ثَّمَ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون) .

ويتجلّـى معنى الآية بوضوح إذا عرفنا أنَّ التوفّـي في الآية يعني الاَخذ في مثل قوله سبحانه: (اللّهُ يتَوفّـى الاَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتي قَضى عَلَيْها المَوتَ ويُرْسِلُ الاَُخْرَى إلى أَجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَومٍ يَتَفَكّرُونَ) (2)

والمعنى: هو أنّ اللّه يقبض الاَنفس ويأخذها في مرحلتين: حين الموت، وحين النوم، فما قضى عليها بالموت أمسكها ولم يردها إلى الجسد، وما لم يقض عليها بالموت أرسلها إلى أجل مسمّى.

كل ذلك يكشف عن أنّ الموت ليس علامة الفناء وآية العدم بل هناك انخلاع عن الجسد، وارتحال إلى عالم آخر، ولولا ذلك لما كانت الآية جواباً على اعتراض المشركين، ورداً على زعمهم.


(1)السجدة: 10 ـ11.

(2)الزمر: 42.

(254)

وليست هذه الآية نسيجة وحدها في هذا المجال، بل هناك آياتٌ أُخرى تصرّح بحياة لفيفٍ من الموَمنين والكافرين، ولا ينكر دلالة القرآن على هذه الحقيقة إلاّ من اتّخذ موقفاً مسبقاً في المقام.

قال سبحانه: (ولا تَحْسَبَنَّ الَّذينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون * فَرِحينَ بِما ءَاتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ألاّ خَوفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُون * يَسْتَبْشِـرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وأنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أجرَ الموَْمِنين) (1)

ودلالة الآية واضحة لا تحتاج إلى مزيد بيان.

هذا حبيب النجّار قد صدق المرسلين، ولقي من قومه أذى شديداً حتى قضى نحبه عندما ارتحل إلى العالم الاَُخروي فلما (قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةِ قالَ يَا لَيْتَ قُومِي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لي رَبّـي وَجَعَلَني مِنَ المُكَرَمِين) (2)

إنَّه يتمنَّى في ذلك الحال لو أنَّ قومَه الموجودين في الدُنيا علموا بما أعطاه تعالى من المغفرة، وجزيل الثواب ليرغبوا في مثله وليوَمنوا، لينالوا ذلك(3)

ومن المعلوم أنّ دخول الجنَّة والتمنّي هذا كان قبل قيام الساعة، ويدلّ على ذلك قوله تعالى في الآية اللاحقة: (وَمَا أَنْزَلْنا عَلَـى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنْ السَّماءِ) الصريح في أنَّهم قُتلوا بعده بالصيحة. وبالتالي فإنّ المراد


(1)آل عمران : 169ـ 171.

(2)يس: 26ـ 27.

(3)مجمع البيان 8: 421.

(255)

بالجنَّة هو جنَّة البرزخ دون جنَّة الآخرة (1)

وإذا كان الشهداء والصالحون أمثال حبيب النجار المصدّق للرسل أحياءٌ يرزقون، فكيف ظنّك بالاَنبياء والصدّيقين المتقدمين على الشهداء برتبتين، قال سبحانه:

(وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبيّينَ والصدّيقِينَ والشّهَداءِ والصّالِحينَ وحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقا) (2)

فلو كان الشهيد حيّاً يرزق، فالرسولُ الاَكرم الذي ربّى الشهداء، واستوجب لهم تلك المنزلة العليا، أولى بالحياة بعد الوفاة، وبعده الصدّيقون.

على أنَّ الحياة بعد الموت ليست مختصةً بالاَنبياء، والصدّيقين والشهداء، بل يصرّح الذكر الكريم أنّ روَوس الكفر والنفاق هم أيضاً أحياءٌ بعد مفارقة أرواحهم لاَبدانهم ولكن معذّبين بعد الموت، قال اللّه سبحانه:

(وحَاقَ بآلِ فِرعَوْنَ سُوءُ العَذابِ * النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيها غُدُوّاً وَعَشِيّا وَيَومَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذاب) (3)

ترى أنّ الذكر الحكيم يصوّر حالهم قبل قيام الساعة، وبعده فهم يُعرضون على النار قبل القيامة، بينما يُطرحون فيها بعد قيامها.


(1)تفسير الميزان 14: 335.

(2)النساء : 69.

(3)غافر: 45 ـ 46.

(256)

إنّ اللّه سبحانه يذكر أنَّ قوم نوح الذين تخلّفوا عن سفينته ولم يركبوها، غرقوا وأُدخلوا ناراً:

(ممّا خَطيئاتهمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَم يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ أَنْصاراً(1)).

فالنار التي دخلوها، ليست النار الاَُخروية لاَنَّهم إنّما يدخلونها بعد قيام القيامة.

هذه الآيات ونظائرها توقف من يُمعن النظر فيها على أنّ الموت ليس بمعنى الفناء والانعدام، بل هو انتقالٌ من عالمٍ إلى عالمٍ آخر، ومن دار إلى أُخرى.

وهناك كلمة للاِمام الحسين - عليه السّلام- تكشف فيها عن هذه الحقيقة إذ يقول:

«صبراً يا بني الكرام فما الموت إلاّ قِنطَرَة تعبرُ بكم عن البوَس والضراءإلى الجنان الواسعة والنعمِ الدائمةِ، فأيّكم يكرهُ أن ينتقل من سجنٍإلى قصرٍ، وما هو لاَعدائكم إلاّ كمن ينتقل من قصرٍ إلى سجن وعذاب إنَّ أبي حدثني عن رسول اللّه أنّ الدنيا سجن الموَمن وجنَّة الكافر، والموتُ جسر هوَلاء إلى جنانهم، وجسر هوَلاء إلى جحيمهم، ما كَذبتُ ولاكُذبتُ» (2)


(1)نوح: 25.

(2)كامل الزيارات: 37.

(257)

وعلى هذه العقيدة علماء الاِسلام أجمعون، فهذا الاِمام الاَشعري شيخُ الاَشاعرة وموَسّس مذهبهم يقول: ومن عقائدنا أنّ الاَنبياء - عليهم السلام - أحياء في قبورهم. وقد ألّف كتاباً أسماه «حياة الاَنبياء» (1)

وقد نصّ بذلك أبو القاسم القشيري في كتابه «شكاية أهل السنّة» الذي جاء به تاج الدين عبد الوهاب السبكي في طبقات الشافعية وقال:

فأمّا ما حُكي عنه وعن أصحابه أنَّهم يقولون أنَّ محمداً - صلّى الله عليه وآله وسلم - ليس بنبيّ في قبره ولا رسول بعد موته، فبهتانٌ عظيمٌ وكذبٌ محضٌ لم ينطِق منهم أحدٌ، ولا سُمِعَ في مجلس مُناظرة ذلك عنهم، ولا وُجِدَ ذلك في كتابٍ لهم، وكيف يصح ذلك وعندهم محمّد - صلّى الله عليه وآله وسلم - حيٌّ في قبره، قال اللّه تعالى:

(وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبيلِ اللّهِ أَمْواتاً بَلْ أحْياءٌٌ عِنْدَ رَبِّهمْ يُرْزَقُون(2)).

فأخبر سبحانه بأنَّ الشهداء أحياءٌ عند ربّهم، والاَنبياء أولى بذلك لتقاصُر رتبةِ الشهيد عن درجة النبوّة قال اللّه تعالى:

(فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيينَ والصِدّيقِينَ والشُهَداءِ والصّالِحِينَ) (3) فرتبة الشهداء ثالث درجة النبوة، ولقد وردت الاَخبار الصحيحة والآثار المروية بما تدلّ الشهادة على هذه الجملة.


(1)طبقات الشافعية 3: 406 والتعبير بـ : في قبره تعبير مجازي كما لا يخفى.

(2)آل عمران: 169.

(3)النساء: 69.

(258)

الاَحاديث الدالّة على حياة النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

1ـ «إنَّ للّه تعالى ملائكةً سياحينَ في الاَرض تبلّغني عن أُمّتي السلام» ومن المعلوم أنَّه لا يُبلَّغ السلام إلاّ إذا كان حيّاً.

2ـ «ما من نبىٍّ يموتُ فيقيمُ في قبره إلاّ أربعين صباحاً حتّى تُردّ إليه روحُه».

3ـ «ما من أحدٍ يسلّم علي إلاّ ردّ اللّهُ عزَّ وجلّ عليَّ روحي حتى أردَّ عليه السلام».

4ـ «مَن صَلّـى عليَّ عند قَبري سمعتهُ ومن صلّـي عليّ نائياً أبلغته».

5ـ «أتيتُ على موسى ليلةَ أُسري بي عند الكثيب الاَحمر وهو قائمٌ يصلّـي في قبره».

6ـ «الاَنبياء أحياءٌ في قبورهم يُصلّون».

7ـ «صلّوا عليّ فإنَّ صلاتكم تبلغني حيث كُنتم».

8ـ «من زارني بعد وفاتي وسلَّم عليّ رددتُ - عليه السلام - عشراً وزارَهُ عشرةٌ من الملائكة كلُهم يسلّمون عليه ومن سلَّم عليّ في بيته ردّ اللّه عليَّ روحي حتى أُسلّم عليه» (1)

إلى غير ذلك من الاَحاديث والروايات المصرّحة بأنّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - حيٌّ بعد وفاته يسمعُ سلام المسلّمين عليه ويرد عليهم.


(1)راجع سنن أبي داود 2: 218 وكنز العمال 10: 381 وطبقات الشافعية 3: 406ـ 408.

(259)

ب ـ إمكان الاتّصال بالاَرواح المقدسة:

إنّ إثبات حياة الاِنبياء إحدى المقدمات التي يتوقف عليها ما نتوخّاه من هذا الاَصل كما سيوافيك بيانه بل الاستنتاج يتوقف على مُقدمة أُخرى، وهي إمكان اتّصال الاِنسان العائش في الدنيا بالاَرواح المقدسة المتواجدة في عالم البرزخ، وهذا وإن أثبتته العلوم النفسية بعد تجارب كثيرة، لكنّنا نستدلّ عليه من طريقي الكتاب والسنّة، ونعتبر التجربة عامل دعم لهذه النظرية.

إنَّ نصوص الكتاب والسنّة تضافرت على إمكان اتصال الاِنسان العائش في الدنيا بالاِنسان العائش في عالم البرزخ يمكن استظهار ذلك من بعض الآيات:

1ـ النبيّ صالح يخاطب قومه الهالكين:

أخبر اللّه تعالى في القرآن الكريم عن النبي صالح - عليه السّلام- أنّه دعا قومه إلى عبادة اللّه، وترك معجزته (الناقة) وعدم مسّها بسوء ولكنّهم عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربّهم:

(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهْم جاثِمِينَ * فَتَوَلّـى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبّـي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبّونَ النّاصِحِين)(1)

ترى أنَّ اللّه يخبرُ على وجه القطع والبت بأنَّ الرجفة أهلكت أُمّة صالح


(1)الاَعراف: 78 ـ 79.

(260)

- عليه السلام- فأصبحوا في دارهم جاثمين وبعد ذلك يُخبر أنَّ النبيّ صالحَ تولّـى عنهم ثُمّ خاطبهم قائلاً: (لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبّـي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبّونَ النّاصِحِين) .

والخطاب صَدَرَ من صالح لقومه بعد هلاكهم، وموتهم بشهادة جملة «فتولّـى» المصدَّرة بالفاء المُشْعِرة بصدور الخطاب عقيب هلاك القوم.

ثمّ إنّ ظاهر قوله: (وَلَكِنْ لا تُحِبّونَ النّاصِحِين) يُفيد أنَّهم بلغت بهم العُنجهية أن كانوا لا يحبُّون الناصحين حتى بعد هلاكهم.

2ـ مخاطبة النبيّ شعيب قومه الهالكين:

لم تكن قصةُ النبي صالح هي القصة الوحيدة من نوعها في القرآن الكريم، فقد تبعه في ذلك «شعيب» إذ خاطب قومه بعد أن عمَّهم الهلاك قال سبحانه:

(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا في دارِهمْ جاثِمِينَ * الَّذينَ كَذَّبُوا شُعيباً كأنَّ لَـمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الخاسِـرِنَ * فَتَولّـى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبّـي ونَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ءَاسى عَلى قَوْمٍ كافِرِين) (1)

وهكذا يخاطب شُعيب قومه بعد هلاكهم ويكون صدور هذا الخطاب بعد هلاكهم بالرجفة.فلو كان الاتصال غير ممكنٍ، وغير حاصلٍ، ولم يكن


(1)الاَعراف : 91ـ 93.

(261)

الهالكين بسبب الرجفة سامعين لخطاب صالح وشعيب فما معنى خطابهما لهم؟

أيصح أن يُفسّـر ذلك الخطاب بأنَّه خطاب تحسُّـرٍ وإظهار تأسّفٍ؟

كلا ، إنّ هذا النوع من التفسير على خلاف الظاهر، وهو غير صحيح حسب الاَُصول التفسيرية وإلاّ لتلاعب الظالمون بظواهر الآيات وأصبح القرآن الكريم لعبةً بيد المغرضين، يفسّـرونه حسب أهوائهم وأمزجتهم.

على أنّ مخاطبة الاَرواح المقدّسة ليست أمراً ممتنعاً في العقل حتّى تكون قرينةً عليه.

3ـ أمر النبي بالتكلّم مع الاَنبياء:

جاء في الذكر الحكيم قوله تعالى لنبيه:

(وَاسْألْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحمنِ ءَالهة يُعْبَدونَ)) (1).

ترى أنّ اللّه سبحانه يأمر النبي الاَكرم بسوَال الاَنبياء الذين بعثوا قبله، ومن التأويل الباطل إرجاعها إلى سوَال علماء أهل الكتاب استظهاراً من قوله سبحانه: (فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْألِ الَّذِينَ يَقرَءُونَ الكتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحقُّ مِنْ رَبّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُُمْتَـرِينَ * وَلا تَكُونَّنَ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بآياتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخَاسِرِينَ) (2)


(1)الزخرف: 45.

(2)يونس: 94ـ 95.

(262)

وقوله سبحانه: (فَاسأَلْ بَني إسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرعَونَ إنّـي لاَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً) (1)

وَوجهُ البُطلان هو: أنَّ الخطاب في الآية الاَُولى وإن كان مُتوجهاً إلى النبي لكنَ المقصود هو الاَُمّة بقرينة قوله: (ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ) و(وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا) .

ومثلها الآية الثانية فالخطاب وإن كان للنبي وأمره سبحانه بأن يسأل بني إسرائيل عن الآيات النازلة إلى موسى، ولكنّه من قبيل «إياك أعني واسمعي يا جارة» والنبيّ أجلّ وأعظم من أن يشكل عليه شيء، ويسأله من علماء بني إسرائيل.

هاتان الآيتان راجعتان إلى سوَال الاَُمّة من علماء بني إسرائيل وقرّاء كتبهم، وهذا بخلاف قوله: (اسْأَل مَنْ أرْسَلْنَا مِنْ قَبِلَكَ مِنْ رُسُلِنا) فإنّه خطاب للنبي حقيقةً.

وأمّا ما هو الوجه في سوَال الاَنبياء في مجال التوحيد (أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحمنِ ءَالهَة يُعبَدُون) فلا نعرفه، وقد تضافرت الروايات على أنّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - تكلّم مع الاَنبياء السالفين ليلة المعراج.

هذا هو ما يرشدنا إليه الوحي في مجال امكان ارتباط الاَحياء بالاَرواح.

وأمّا السنَّة الدالّة على إمكان اتّصال الاَحياء بالاَرواح المقدسة فأحاديثها أكثر من أن تحصى.


(1)الاِسراء: 101.

(263)

الاَحاديث وإمكان الارتباط بالاَرواح:

1ـ روي عن النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - أنَّه وقف على قليب «بدر» وخاطب المشركين الذي قُتلوا وأُلقيت جثثهم في القليب:

«لقد كُنتم جيران سوء لرسول اللّه، أخرجتموه من منزلِهِ وطردتموه، ثمّ اجتمعتُم عليه فحاربتموه فقد وجدتُ ما وعدني ربّي حقاً» .

فقال له رجلٌ: يا رسول اللّه ما خطابُك لهامٍ قد صديت؟ فقال - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

«واللّه ما أنتَ بأسمع منهم، وما بينهم وبين أن تأخذهم الملائكة بمقامع من حديد إلاّ أن أعرض بوجهي ـ هكذا ـ عنهم» (1)

2ـ روي أنَّ الاِمام علياً بعد أن وضعت الحرب في معركة الجمل أوزارها مرَّ على كعب بن سور وكان قاضي البصرة فقال لمن حوله:

«أجلسوا كعبَ بن سور» فأجلسوه بين شخصين يُمسكانه ـ وهو صريعٌ ـ فقال - عليه السّلام- :

«يا كعب بن سور قد وجدت ما وَعَدَني ربّي حقّاً فهل وجدتَ ما وََعَدكَ حقّاً» ؟ ثمّ قال:

«أضجعوه» ثمّ سار قليلاً حتّى مرَّ بطلحة بن عبد اللّه صريعاً فقال:


(1)صحيح البخاري 5: باب قتل أبي جهل : 76 وسيرة ابن هشام 2: 292.

(264)

«أجلِسوا طلحة» فأجلسوه، فقال - عليه السّلام- :

«يا طلحة قد وجدتُ ما وعَدَني ربّي حقّاً فهل وجدت ما وعَدَك ربّي حقّاً» ثم قال:

«أضجعوا طلحة» فقال له رجل:

«يا أمير الموَمنين ما كلامك لقتيلين لا يسمعان منك»؟ فقال - عليه السّلام- :

«يا رجل واللّه لقد سمعا كلامي، كما سَمِعَ أهلُ القَلِيبِ كلامَ رسول اللّه» (1)

ثمّ إنَّ المسلمين ـ على اختلاف مذاهبهم ـ يسلّمون على رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - في الصلاة عند ختامها فيقولون:

«السلامُ عليكَ أيُّها النبي ورحمةُ اللّه وبركاته».

وينطلقون في ذلك من تعليم النبي ذلك للمسلمين، وأنّه سنّة النبيّ ثابتةٌ له في حياته وبعد وفاته (2)

فإذا كانت صلاتنا وعلاقتنا بالنبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - قد انقطعت بوفاته فما معنى مخاطبته والسلام عليه يومياً؟

إنّ هذا السلام يدلّ على إمكان الارتباط بروحه المقدّسة بل وقوعه.


(1)حق اليقين للسيد عبد اللّه شبر 2: 73.

(2)كتاب الخلاف 1: 47 وقد اتفقت كلمة إئمة المذاهب الاَربعة على وجود هذا السلام في التشهد.

(265)

فلو كانت الصلة منقطعة فما معنى قول الرسول فيما تواتر عنه في زيارته لاَهل البقيع لعائشة:

«أمرني ربّي أن آتي البقيع فأستغفرَ لهم». قلتُ: كيف أقول يا رسول اللّه؟ قال:

«قولي السلام على أهل الديار من الموَمنين والمسلمين، يرحم اللّه المستقدمين منّا والمستأخرين».

وفي رواية:

«السلام عليكم دار قوم موَمنين، وأنا وإياكم متواعدون غداً، ومواكلون، وانّا إن شاء اللّه بكم لاحقون. اللّهم اغفر لاَهل البقيع».

إلى غير ذلك من الصور المختلفة لزيارة النبيّ لبقيع الغرقد، والاختلاف في الصور إنّما هو لاَجل تكرار العمل منه - صلّى الله عليه وآله وسلم - فلاحظ المصادر(1).

كلّ ذلك يكشف عن حياة الموَمنين أو قسم منهم، وأنّ الصلة بعد وفاتهم موجودة.

ثمّ إنّ للوهابيين شُبهات في حياة الاَنبياء أو إمكان الاتصال بهم نذكرها مع التحليل:


(1)صحيح مسلم 2: باب ما يقال عند دخول القبر : 63، سنن النسائي 3: 76 وسنن أبي داود 2:96.

(266)

الشبهة الاَُولى: البرزخ مانعٌ من الاتصال:

انّ الشيخ السلفي «الرفاعي» الذي نهج منهج الوهابيين في التمسّك بالشبهات في مقابل الواضحات لمّا رأى الآيات والروايات صريحة في حياة الاَنبياء والاَولياء بعد الوفاة، ورأى إمكان الاتصال بها ثانياً، أثار الشبهة التالية بقوله: إنّ الحياة البرزخيّة حياة لا يعلمها إلاّ اللّه فهي حياةٌ مستقلّةٌ نوَمن بها، ولا نعلم ماهيَّتها وإنَّ بين الاَحياء والاَموات حاجزاً يمنع الاتصال فيما بينهم قطعياً، وعلى هذا يستحيل الاتصال لا ذاتاً ولا صفاتاً، وأنّه سبحانه يقول: (وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُون) (1)

يُلاحظ عليه: أنّ الحياة بمعناها الحقيقي مجهولة الكُنه سواء أكانت حياة دنيوية أم برزخية ولا يعلم حقيقتها بل حقيقة الاَشياء إلاّ خالقها، غير أنّ ذلك لا يمنع من أن نتعرف عليها بآثارها كما هو المتعارف في المعرفة فإنّنا نعرف الاَشياء بآثارها وخصوصيّاتها، ومن خصوصيات الحياة في الكائن الاِنساني الدركُ والشعور قال سبحانه: (واللّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمْهاتِكُمْ لا تََعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ والاَبْصارَ والاَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون)(2)

وعلى ذلك فلو كانت هناك حياةٌ فلا تنفك عن لوازمها وخصوصياتها.


(1)التوصّل إلى حقيقة التوسّل: 267.

(2)النحل: 78.

(267)

وأمّا معنى قوله: (مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (1) فالمراد من «ورائهم» كونه أمامهم، ومحيطاً بهم، وسمّي وراءَهم بعناية أنّه يطلبهم، كما أنَّ مستقبل الزمان أمام الاِنسان، وفي نفس الوقت يقال: وراءَك يوم كذا بعناية أنّ الزمان يطلب الاِنسان ليمرّ عليه، وبذلك يُعلم معنى قوله سبحانه: (وَكانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأخُذُ كُل سَفِينَةٍ غصباً) (2)فكأنّ الملك وجنوده محيطون بالبحر أو بمعابره ومضائقه فهم يتعقّبون كل سفينة ليأخذوها.

وأمّا البرزخ فهو الحاجز بين الشيئين قال سبحانه: (بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لايَبْغِيان(3)). وكونه حاجزاً لا يعني انقطاع الصلة بين أهل الدنيا وأهل البرزخ، بل يكون مانعاً من رجوع الناس إلى حياة الدنيا.

وممّا يوَيد ذلك هو أنَّ الآية وردت في رد طلب الكافرين الرجوع إلى الدنيا، كما يحكيه عنهم قوله سبحانه: (حَتّى إذا جاءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبّ ارْجعُونِ لَعَلّـي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُو قائِلُها).

فعند ذلك يوَكّد النفي المستفاد من قوله: (كلاّ) الصريح في عدم إمكان الرجوع، فيقول: (وَمِنْ ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَومِ يُبْعَثُون) أي ثمت مانع من الرجوع إلى يوم البعث.

وبعبارة أُخرى: أنّ المراد من الحاجز ليس هو وجود جدار رفيعٍ بين


(1)الموَمنون: 100.

(2)الكهف: 79.

(3)الرحمن: 20.

(268)

الحياة الدنيوية، والحياة البرزخية أو ستار حديدي يمنع اللقاء بين من في العالَمين، بل المراد هو أنَّ الحياتين قد قُدّرتا على شكلٍ خاصٍّ لا يختلط أحدهما بالآخر، فإنّ الحياة الماديّة القائمة على الكَون والفَساد، والفعل والانفعال تختلف عن الحياة البرزخية المبرأة عن هذه الآثار كما هو الحال في الآية المباركة: (وَبَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيان) (1)

وحصيلة الكلام هي: أنّ القول بوجود الحاجز لا يلازم انقطاع الصلة،بل الحاجز يمنع عن اختلاط الحياتين إحداهما بالاَُخرى، لا أنّه يمنع عن وجود الصلة والاتّصال بينهما، فشتّان الفرق بين الاَمرين.

واستنتاجالثاني (المنع من الاتصال) من الاَوّل (المنع من اختلاط الحياتين)أشبه بالتفسير بالرأي، ولو صحّ ما ذُكر فما معنى تكلّم النبيّ صالح وشعيب مع قومهما وما معنى تكلّم رسول الاِسلام - صلّى الله عليه وآله وسلم - مع الاَنبياء في المعراج؟

بل أيّ معنى لتمنّي حبيب النجار بعد مصرعه وقوله: (يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) ) ؟

والآية بصدد بيان أنّ بين الموت والبعث عالماً آخر يبقى الاِنسان فيه إلى أن يُبعث، وأمّا انقطاع الصلة فهو من باب التفسير بالرأي، ولا تفيده الآية قط.


(1)بل من المحتمل أن يكون البرزخُ بمعنى عالم المثال والحياة المخصوصة ولكنه يحتاج إلى ثبوت ذلك الاصطلاح في الذكر الحكيم.

(269)

الشبهة الثانية: امتناع إسماع الموتى:

قال سبحانه: (فإِنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى...) (1)

وقال تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ في القُبُور) (2)

فالآيتان صريحتان في امتناع إسماع الموتى.

والجواب على هذا واضح: فإنّ هاتين الآيتين ناظرتان إلى الاَجسادالموجودة في القبور، فإنّها هي التي لا تسمع، ولا تعي، والاتصاللايكون بيننا وبين هذه الاَجساد بل يتحقّق بيننا وبين الاَرواحالطاهرة والنفوس الزكية الباقية الخالدة، وإن تَبَعثرَ الجسدُ وتناثرتأجزاوَه فالاَرواح هي التي يُسلَّم ويُصلَّـى عليها وهي التي تسمعُ وترد.

وأمّا الحضور عند المراقد التي تضم الاَجساد والاَبدان فلاَجل أنّه يبعث على التوجّه إلى صاحب تلك الاَجساد ويكون أدعى إلى تذّكر خصاله، وصفاته، وإلاّ فإنّ الارتباط بهم، والسلام عليهم يمكن حتى ولو من مكان ناءٍ وبلدٍ بعيد، كما تصرّح بعضُ أحاديث الصلاة على رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - .


(1)الروم: 52.

(2)فاطر: 22.

(270)

الشبهة الثالثة: انقطاع عمل الاِنسان:

إنّ الكاتب السلفي «الرفاعي» استدلَّ على انقطاع الصلة بالحديث المتواتر عن رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «إذا ماتَ المرءُ انقطع عمله إلاّ عن ثلاثٍ: صدقة جارية، وعلم يُنتفع به، وولد صالح يدعو له» وهذه الرواية تشمل النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - أيضاً.

والعجب من هذا الكاتب، فهو يخلط بين موضوعين هما:

الاَوّل: هل الميّت ينتفع بعمل الغير أو لا؟

الثاني: هل الميّت له فعلٌ من الاَفعال في عالم البرزخ أو لا؟

ولو صحّ الاستدلال بالحديث فإنّما يصحّ في الموضع الاَوّل.

وأمّا الموضع الثاني وهو هل للميت فعلٌ في البرزخ أو لا؟ وأنّه هل هو مبدأ لفعل أو لا؟ فلا صلة للحديث به، وكيف يمكن القول بأنّه لا فعل لهم هناك، وهذا هو القرآن الكريم يتحدَّث عن الشهداء بأنّهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم، وهذا هو حبيب النجار يحكي القرآن ما يتمنّاه لقومه بقوله: (يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُون) .

وهكذا تزول الشبهات ويبقى الاَصل سليماً وهو أنّ الاَنبياء أحياء بعد مفارقة الاَرواح لاَجسادهم الطاهرة، وانّه يمكن اتصال الاَحياء بأرواحهم وهو ما دلّ عليه الكتاب والسنّة في أكثر من آية وأكثر من حديث اعتقده المسلمون على مر العصور


(271)

ما يترتب على هذا الاَصل:

ويترتب على هذا الاَصل أمران:

1ـ يصحُ الاعتقاد بأنّ النبي الاَكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - من الشهداء على أعمال العباد، كما نصّ به القرآن الكريم إذ يصرّح تارة بكونه شاهداً على أهل عصره المعاشرين له خاصّة إذ يقول: (وَجِئْنا بِكَ عَلَـى هوَلاءِ شَهيداً) (1)أو (وَكُنْتَ عَلَيهِم شَهيداً ما دُمْتُ فيهم) (2)تارة وبكونه شاهداً على الاَُمم جميعاً إذ يقول: (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَـى النَاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (3) تارة أُخرى وكون الشهادة فرع الشعور، وهو فرع الحياة.

ولو قلنا بموت النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - وفنائه مُطلقاً، أو قلنا بانقطاع صلته بنا، وصلتنا به، فما معنى كونه شهيداً علينا، وكون النبيّ شاهداً على جميع الاَجيال الاِسلامية.

على أنّه يجب أن نحمل لفظ الشهادة على المعنى الحقيقي، وأمّا تفسيره بغير هذا فهو تفسير مادّي للقرآن الكريم وهو مرفوض وغير مقبول.

2ـ إنّه إذا ثبتت حياة النبيّ والاَولياء البرزخية، وثبت إمكان الصلة فلا محذور من طلب شيءٍ منهم، سواء أكان الفعل أمراً خارجياً أم دعاءً أم شفاعةً، وقيامهم بالاِجابة يتردّد بين أمرين: إمّا أن يكونوا قادرين على الاِجابة


(1) النساء: 41.

(2)المائدة : 117.

(3)البقرة: 143.

(272)

أو لا؟ فعلى الاَوّل يقومون بإجابة استغاثة المضطر، وعلى الثاني يكون التوسّل لغواً.

مثلاً لا شكّ في أنَّ المسيح - عليه السّلام- كان في حال حياته إذا طُلِبَ منه شيءٌ خارق للعادة فعله بإذن اللّه سبحانه، فإذا طُلِبَ منه نظير هذا الاَمر بعد ما رُفِعَ فهو بين أن يكون متمكّناً من الاِجابة، أولا.

فعلى الفرض الاَوّل يقوم بالاِجابة بإذن من اللّه.

وعلى الثاني يكون التوسّل لغواً وعبثاً.

وقس على ذلك كل ما يطلبه الاِنسان من الاَنبياء والاَولياء مع الاعتقادبكونهم عبادَ اللّه الصالحين وانهّم لا يقومون بفعلٍ إلاّ بإذن اللّه سبحانه.

وبهذا تقف على قيمة الضجيج الذي يثيره الوهابيون في مجال التوسّل بالنبيّ وعترته، والاَولياء والصالحين فتارة ينفون حياتهم ـ بعد الموت ـ بالمرة، وتارة ينفون إمكان الاتّصال بهم، وثالثة يدَّعون لغوية مثل هذا التوسّل ورابعة يعدّونه شركاً ويكفّرون به المسلمين الموحّدين.

وقد عرفت أنّ الاَمرين الاَوّلين (أي حياة الاَنبياء بعد الموت، وإمكان الاتصال بهم) ثابتان بالكتاب والسنَّة.

وأمّا الاَمر الثالث فأمره دائر بين الاِجابة وعدمها، وأمّا كونه شركاً فقد عرفت حقيقته عند بيان ميزان التوحيد والشرك.


(273)

توسّـل السلف دليل على إمكان الارتباط:

ثمّ إنّ الظاهر ممّا ورد عن الصحابة والتابعين أنّهم كانوا يتوسّلون بدعاء النبيّ مرّة بعد أُخرى، ونذكر فيما يأتي نماذج من عملهم هذا الذي يدلّ على أنّهم كانوا يعتقدون عمومية الاَمر الذي جاء في الكتاب العزيز، أعني: قوله تعالى: (وَلَو أَنَّهُمْ إذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّاباً رَحيماً(1)).وإنّ ذلك يشمل حال حياة النبي وحال وفاته، ويشمل الحياة الدنيوية والحياة البرزخية:

1ـ روى البيهقي عن مالك قال: أصاب الناس قحطٌ في زمان عمر بن الخطاب فجاء رجل إلى قبر النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - فقال: يار سول اللّه استسق اللّه لاَُمتك فإنّهم قد هَلَكوا فأتاه رسول اللّه في المنام وقال: إئت عمر فاقرئه السلام وأخبره أنَّهم مُسقَون.

يقول السمهودي بعد نقل الحديث: ومحلُ الاستشهاد طلبُ الاستسقاء منه وهو في البرزخَ، ودعاوَه لربّه في هذه الحالة غير ممتنع، وعلمه بسوَال من يسأله قد ورد، فلا مانع عن سوَال الاستسقاء وغيره منه كما كان في الدنيا (2)

2ـ روى ابن عساكر في تاريخه وابن الجوزي في «مثير الغرام الساكن» وغيرهما بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال: دخلت المدينة فأتيت قبر النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - فزرته وجلستُ بحذائه وجاء اعرابيٌ فزاره ثمّ قال: يا خير الرسل


(1)النساء: 64.

(2)دلائل النبوّة 7: 47.

(274)

إنَّ اللّه أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: (وَلَو أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم) ـإلى قوله: ـ (رَحِيماً) وإني جئتك مُستغفراً ربَّك من ذنبي (1) وفي رواية: وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مُستشفعاً بك إلى ربّي ثمّ بكى وأنشأ يقول:

يا خيرَ من دُفنت بالقاع أعظمه * فطاب من طيبهن القاعُ والاَكُمُ
نفسي الفداءُ لقبرٍ أنتَ ساكنُه * فيه العفافُ وفيه الجودُ والكرمُ

ثمّ استغفر وانصرف (2)

3ـ روى السمهودي عن الاِمام محمد بن موسى بن النعمان في كتابه «مصباح الظلام في المستغيثين بخير الاَنام» عن محمد بن المنكدر: أودع رجل عند أبي ثمانين ديناراً وخرج للجهاد، وقال لاَبي: إنْ احتجت أنفقها إلى أن أعود، وأصاب الناس جهدٌ من الغلاء فأنفق أبي الدنانير فقدم الر جل وطلب ماله فقال أبي عُد إليَّ غداً وباتَ بالمسجد يلوذ بقبر النبيّ مرّةً، وبمنبره مرّةً حتى كادَ أن يُصبح يستغيث بقبر النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - بينما هو كذلك فإذا بشخص في الظلام يقول دونكها يا أبا محمّد، فمدَّ أبي يده فإذا بصرَّةٍ فيها ثمانون ديناراً فلما أصبح جاءَ الرجل فدفَعها إليه (3)

4ـ التقى المنصُور الدوانيقي الاِمام مالك في مسجد رسول اللّه فقال: يا أبا عبد اللّه أستقبل القبلةَ وادعُو أم أستقبل رسول اللّه؟


(1)وفاء الوفا 4: 1371.

(2)المصدر نفسه 4: 1361.

(3)المصدر نفسه 4: 1380.

(275)

قال مالك: لِمَ تَصرف وجهكَ عنه وهو وسيلتُك ووسيلة أبيك آدم إلى اللّه يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفّعه اللّه (1)

5ـ دخل أبو بكر في حجرة رسول اللّه بعد غسله - صلّى الله عليه وآله وسلم - فكشفَ عن وجهِ رسولِ اللّه وقبّلهُ وقال: بأبي أنتَ وأُمّي طبتَ حَياً وميّتاً اذْكُرنا عند ربك (2).

6ـ وقال أمير الموَمنين عليُّ - عليه السّلام- عندما ولي غُسْلَ رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : بأبي أنت وأُمّي اذْكرنا عند ربك واجعلنا من بالِك (3)

وقد نقل السمهودي قصصَاً كثيرة من هذا النوع في كتابه القيم «وفاء الوفا».

وفي نهاية المطاب ننبّه على نكتة هامة تُزيل الشبهة من الاَساس وهي: أنّ هذه القصص والقضايا مبثوثة بكثرة في الكتب، ولو أراد أحد جمعها لاَلّف منها كتاباً ضخماً.

على أنّنا لا يمكننا تصديقها جميعاً مع العلم أنَّ بينها قضايا صادقة صدرت عن أُناس صالحين غير أنَّها بكثرتها تدلّ على أنّ التوسّل كان أمراً رائجاً منذ عصر الصحابة إلى زماننا هذا، ولم يكن أمراً غريباً عند المسلمين.

ولو فرضنا أنّ بعض هذه القضايا تخالف الواقع فلا ريب أنّه من باب استغلال الوضّاعين لاَصل مسلَّم صحيح بين المسلمين فإنّهم نسجوا بعض


(1)وفاء الوفا 9: 1376.

(2)كشف الارتياب: 65، عن خلاصة الكلام لاَحمد زيني دحلان الشافعي، سيرة زيني دحلان في هامش السيرة الحلبية 3: 392.

(3)نهج البلاغة، الخطبة 235.

(276)

القضايا في ظلّ ذلك الاَصل.

ولو فرضنا أنّه لم يكن أمراً رائجاً بين المسلمين بل كان أمراً غريباً أو محظوراً لما تجرّأ المُستغل أن ينسج قضيةً كاذبةً على نول الشرك أو المحرّم، فإنّ الذي يحفّز الوضّاع على نسج الخرافة هو استعداد العامّة لقبول تلك الخرافة ولولاه لما تجرّأ عليه لعدم حصول الغاية المتوخّاة من نسجها.

فهذه القضايا الكثيرة تدل ـ على كلا التقديرين ـ على المطلوب فإن كانت صادقة فبصدقها، وإن كانت كاذبة فلاَجل حكايتها عن وجود أصل مسلَّم بين المسلمين وهو التوسّل بدعاء النبي الاَكرم قبل وبعد موته، وكان هذا الاَصل ربّما يستغلّ أحياناً من بعض المتاجرين بالدين.

***


(277)

11

انتفاع الموتى

بأعمال الاَحياء

لا نفع للاِيمان من دون عمل.

انتفاع الاِنسان بعمله وعمل غيره.

عرض المسألة على الكتاب والسنّة.

الاَحاديث الدالّة على انتفاع الميّت بعمل الحي.

وقف المذاهب الاِسلامية من هذه المسألة.

شبهات حول الموضوع وأجوبتها.

ما يترتب على هذا الاَصل.

لا نفع للاِيمان من دون عمل:

إنّ الاِيمان إنّما ينتفع به الاِنسان إذا انضمَّ إليه العمل الصالحُ ولا ينفع إيمانٌ انقطع عن العمل وخلا منه.

ولاَجل ذلك يذكر اللّه سبحانه العمل الصالح إلى جانب الاِيمان في أكثر آيات الكتاب العزيز.


(278)

وقد أخطأت «المرجئة» لما زعموا أنّ الاِيمان المجرّد وسيلة نجاة ومفتاح فلاح، فقدّموا الاِيمان وأَخّروا العمل.

وقد شجب أهل البيت - عليهم السلام - هذه الفكرة الباطلة حيث حذّروا الآباء ودعوهم إلى حفظ أبنائهم منهم: «بادِرُوا أولادَكم بالاَدَبِ قَبلَ أن يَسبِقَكُمْ إليهمُ المرجِئَة» (1).

فالاعتماد على الاِيمان مُجرّداً عن العمل، فعل النوكى والحمقى وهو لا يفيد ولا ينفع أبداً.

ولقد كان لهذه الفكرة الباطلة صيغة أُخرى عند اليهود، فهم كانوا يعتمدون على مسألة الانتساب إلى الآباء، وبيت النبوّة، فَزَعموا أنَّ الثوابَ لهم والعقابَ على غيرهم حيث قالوا: (نَحْنُ أَبْناءُ اللّهِ وَأَحِبّاوَه) أو قالوا: (لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلاّ أيّاماً مَعْدُودة) وفي ظلّ هذه الفكرة اقترفوا المنكرات واستحلّوا سفكَ دماء غيرهم من الاَقوام والاَُمم، والاستيلاء على أموالهم.

والحق الذي عليه الكتاب والسنّة هو أنَّ المنجي هو الاِيمان المقترن بالعمل الصالح، كما أنّ التسويف في إتيان الفرائض باطل جداً وهو أن يوَخّر الاِنسان الواجب ويقول سوف أحجّ مثلاً، ويقول ذلك كلّ سنة ويوَخّر الفريضة.

وهذا هو الاِمام أمير الموَمنين عليّ - عليه السّلام- يوَكد في خطبته على العمل إذ يقول: «فاليومَ عَملٌ ولا حسابٌ ، وغداً حسابٌ ولا عمَلٌ»(2)


(1)الكافي 6: 47، الحديث 5.

(2)نهج البلاغة ، الخطبة 42.

(279)

ويقول: «ألا إنّ اليومَ المضمارُ وغداً السباق، والسُّبْقَة الجنَّة والغايةَ النّار أفلا تائبٌ من خطيئته قبل مَنِيّته؟ ألا عاملٌ لنفسِه قبل يوم بُوَسِهِ» (1)

وهذا هو ما اتّفقت عليه الاَُمّة الاِسلامية وتضافرت عليه الاَحاديث والاَخبار.

انتفاع الاِنسان بعمله وبعمل غيره:

لكنّه سبحانه بفضله وجوده الواسِعَين وسَّعَ على الاِنسان دائرة الاِنتفاع بالاَعمال بحيث شمل الاِنتفاع بعد الموت بالاَعمال التي تتحقَّق بعد الموت. وهي على نوعين:

الاَوّل: ما إذا قام الاِنسان بعملٍ مباشرةً في زمانه وماتَ ولكن بقي العملُ يستفيد منهُ الناس كصدقةٍ جاريةٍ أجراها، أو إذا ترك علماً يُنتفع به، ويقرب منه ما إذا ربّى ولداً صالحاً يدعو له، فهو ينتفع بصدقاته وعلومه، لاَنّها أعمال مباشرة باقية بعد موته وليست كسائر أعماله المباشرية الفانية بفنائه الزائلة بموته، فالجسر الذي بناه، والنهر الذي أجراه، والمدرسة التي شيَّدها والطريق الذي عبَّده، إنّما تحقّق بسعيه، فهو ينتفع به.

وقد وردت في هذا المجال روايات كثيرة، قام بنقل بعضها ابن القيّم في المسألة السادسة في كتاب له باسم «الروح»قال:

وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام أنَّه لا يصل إلى الميت شيء


(1)نهج البلاغة، الخطبة 28.

(280)

البتة لا بدعاء ولا غيره، ثمّ قال: والدليل على انتفاعه بما تسبّب إليه في حياته ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ـرضي اللّه عنهـ : أنَّ رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قال: «إذا مات الاِنسان انقطع عنه عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» فاستثناء هذه الثلاث من عمله يدل على أنَّها منه فإنّه هو الذي تسبّب إليها.

وفي سنن ابن ماجة من حديث أبي هريرة ـ رضي اللّه عنه ـ قال: قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «إنّ ممّا يلحق الموَمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علّمه ونشره، أو ولداً صالحاً تركه، أو مصحفاً ورّثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحّته وحياته يلحقه من بعد موته».

وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث جرير بن عبد اللّه قال: قال رسولُ اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «من سنّ في الاِسلام سنَّة حسنةً فله أجرها وأجرُ من عمِلَ بها من بعده من غير أن يُنقص من أُجورهم شيءٌ، ومن سنَّ في الاِسلام سنةً سيئةً كان عليه وزرها ووزر من عمِلَ بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيءٌ» .

وهذا المعنى روي عن النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - من عدة وجوه صحاح وحسان.

وفي المسند عن حذيفة قال: سأل رجلٌ على عهد رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - فأمسك القوم، ثمّ إنّ رجلاً أعطاه فأعطى القوم، فقال النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «من سنَّ خيراً فاستُنَّ به كان له أجره ومن أُجور من تَبِعَه غير منتقص من أُجورهم شيئاً، ومن سنّ شراً فاستُنَّ به كان عليه وزرهُ ومن أوزارِ من تَبِعَه غير منتقص


(281)

من أوزارهم شيئاً».

وقد دلّ على هذا قوله - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «لا تُقتَلُ نفسٌ ظلماً إلاّ كانَ على ابن آدم الاَول كفلٌ من دمها لاَنَّه أوَّل من سنَّ القتل» فإذا كان هذا في العذاب والعقاب ففي الفضل والثواب أولى وأحرى (1)

ويوَيّده ما ورد في شأن صلاة الجماعة حيث تفضّل بسبع وعشرين درجة أو خمس وعشرين درجة على صلاة بغير جماعة (2) فكيف ينتفع المصلُّون بعضهم ببعض وكلّما زادَ المصلّون ازدادوا انتفاعاً.

الثاني: فيما إذا لم يكن للميّت في العَمَلِ سعيٌ ولا تثويب فهل يصل ثوابُ عملِ الغير إليه؟

الظاهر من الكتاب والسنّة هو أنّه سبحانه بعميم فضله وواسع جوده يوصلُ ثواب عمل الغير إلى الميّت، فيما إذا قام الغير بعملٍ صالحٍ نيابةً عن الميّت، وبُعثَ ثوابُه إليه، ويدلُّ على ذلك لفيفٌ من الآيات وطائفة كبيرة من الاَحاديث والاَخبار.

عرض المسألة على الكتاب:

لقد صرّحت الآيات بأنّ الاِنسان الموَمن ينتفع من عَمَل غيره، وإن لم يكن له فيه سعيٌ ونحن نشير إلى بعض هذه الموارد على سبيل المثال


(1)ابن القيم تلميذ ابن تيمية (م750): كتاب الروح، المسألة السادسة عشرة، ونقلها برمتها محمد الفقي من علماء الاَزهر في كتابه التوسّل والزيارة: 226 ـ227.

(2)صحيح مسلم 2: 128، باب فضل صلاة الجماعة.

(282)

لاالحصر:

1ـ استغفار الملائكة للموَمن قال تعالى:

(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمنْ حَوْله يُسَبّحونَ بِحَمْدِ رَبّهم ويُوَمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَـيءٍ رَحْمَةٍ وَعِلْماً فاغْفر للَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ(1)).

وقال تعالى أيضاً:

(تَكادُ السّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوقِهنَّ والملائِكَةُ يُسَبّحُونَ بحَمْدِ رَبّهِمْ وَيَسْتَغْفِرونَ لِمَنْ في الاَرضِ أَلا إِنَّ اللّهَ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم) (2)

2ـ دُعاء الموَمنين للذين آمنوا:

(وَالَّذِينَ جاءوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِر لَنا ولاِخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقونا بالاِيمانِ وَلا تَجْعَلْ في قُلوبِنا غِلاّ ً لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبّنا إنَّك رَوَوفٌ رَحِيمٌ) (3)

* * *


(1)الموَمن: 7.

(2)الشورى: 5.

(3)الحشر: 10.


(283)

الاَحاديث الدالّة على انتفاع الميت بفعل الحيّ:

تدل روايات كثيرة على أنَّ الميت ينتفع بعمل الغير، أمّا بدعائه فيكفي في ذلك ما تواتر عن النبي الاَكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - من زيارته لاَهل بقيع الغرقد ودعائه لهم، وزيارته لشهداء أُحد وتعميمهم بالدعاء، وتكرار ذلك منه ولو لم ينتفعوا بدعائه لما قام به - عليه السّلام- وقد عرفت الآيات الدالّة على انتفاع الميّت بدعاء الحيّ.

إنّما الكلام فيما إذا قامَ بِعَمَلٍ (لا بدعاء) قربىٍّ نيابةً عن الميّت، فالروايات المتضافرة تدلّ على صحّة العمل ووصول ثوابه إليه وانتفاع الميّت به، وقد وزّعت الروايات في الصحاح والمسانيد في مختلف الاَبواب كالصوم والحجِّ والعتق والنذر والتصدّق والسقي وقراءة القرآن، فنحن نذكر هذه الروايات على هذا الترتيب، ولعلَّ المتتبع في الصحاح والمسانيد يقف على أكثر من ذلك.

أ ـ انتفاع الميّت بصوم الغير نيابةً عنه:

1ـ روى الشيخان عن عائشة: أنَّ رسولَ اللّه قال: مَن ماتَ وعليه صيامٌ، صام عنه وليّه.

2ـ روى الشيخان أيضاً عن ابن عباس، قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ وقال: يا رسول اللّه إنّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضي عنها؟ قال: نعم: فديْن اللّه أحقُّ أن يُقضى.


(284)

3ـ وفي رواية: جاءت امرأة إلى رسول اللّه وقالت: يا رسول اللّه إنَّ أُمي ماتت وعليها صومُ نذرٍ أفأصوم عنها؟ قال: أفرأيت لو كان على أُمّك دينٌ فقضيتيه أكان يوَدي ذلك عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أُمّك.

4ـ روى بريدة قال: بينا أنا جالس عند رسول اللّه إذ أتته امرأةٌ وقالت: إنّي تصدَّقت على أُمّي بجارية وإنّها ماتت. فقال: وَجَبَ أجرُكِ، وودَّها عليك الميراث .

فقالت: يا رسول اللّه إنَّه كان عليها صومُ شهر أفأصوم عنها؟ قال:صومي عنها. قالت: إنّها لم تحج قط، أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها(1)

ب ـ انتفاع الميت بحج الغير نيابة عنه:

5ـ قال سعد بن عبادة: يا رسول اللّه إنَّ أُم سعد في حياتها كانت تحج من مالي وتتصدَّق وتصل الرحم وتُنفق من مالي وانّها ماتت فهل ينفعها أن أفعل ذلك عنها؟ قال: نعم.

6ـ وقال - صلّى الله عليه وآله وسلم - : لو كان مسلماً فأعتقْتُـمْ عنه أو حَجَجْتُمْ عنه بَلَغه ذلك.

وقد مضى جواز الحج نيابة في الرواية الرابعة.


(1) هذه الروايات ( 1ـ 5) رواها مسلم في صحيحه، ج 3، باب قضاء الصيام عن الميّت: 155ـ156.

(285)

ج ـ انتفاع الميّت بعتق الغير عنه:

7ـ عن عطاء بن رباح قال: قال رجل: يا رسول اللّه أعتق عن أُمّي؟ قال: نعم. قال: أينفعها؟ قال: نعم.

8ـ عن عبد الرحمان بن أبي عمرة الاَنصاري: انَّ أُمّه أرادت أن تعتق فأخّرت ذاك إلى أن تصبح فماتت، قال عبد الرحمان: قلت للقاسم بن محمد: أينفعها أن أعتق عنها؟ قال القاسم: أتى سعد بن عبادة رسول اللّه، فقال: إنّ أُمّي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ فقال رسول اللّه: نعم.

وقد مضى في الرواية السادسة ما يدلّ على جواز العتق عن الغير.

د ـ انتفاع الميت بعمل الغير فيما إذا نذر ولم يعمل:

9ـ جاء سعد بن عبادة إلى رسول اللّه فقال: إنَّ أُمّي كان عليها نذر، أفأقضيه؟ قال: نعم. قال: أينفعها؟ قال: نعم.

ورواه مسلم بلفظ آخر قال: استفتى سعد بن عبادة رسول اللّه في نذرٍ كان على أُمّه توفّيت قبل أن تقضيه. قال رسول اللّه : فاقضِه عنها.

هـ ـ إنتفاع الميت بصدقة الغير نيابة عنه:

10ـ عن أبي هريرة: أنّ رجلاً قال للنبي: إنّ أبي مات وترك مالاً ولم يوص، فهل يكفّر عنه أن أتصدَّق عنه؟ قال: نعم.

11ـ عن معاذ، قال: أعطاني رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عطيّةً، فبكيت. فقال: ما


(286)

يبكيك يا معاذ؟ قلتُ: يا رسول اللّه كان لاَُمي من عطاء أبي نصيب تتصدَّق به وتقدّمه لآخرتها وإنّها ماتت ولم توص بشيء. قال: فلا يُبك اللّه عينك يا معاذ أتريد أن تُوَجر أُمك في قبرها؟ قلت: نعم يا رسول اللّه. قال: فانظر الذي كان يصيبها من عطائك فامضه لها، وقل اللّهمّ تقبَّل من أُمّ معاذ.

فقال قائل: يا رسول اللّه ألمعاذ خاصّة أَمْ لاَُمّتك عامّة؟ قال: لاَُمّتي عامّة.

12ـ عن سعد أنّه سأل النبي - صلّى الله عليه وآله وسلم - قال: يا نبي اللّه إنَّ أُمي قد افتلتت وأعلم أنَّها لو عاشت لتصدّقت أفإن تصدَّقتُ عنها أينفعها ذلك؟ قال - صلّى الله عليه وآله وسلم - : نعم. فسأل النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - : أيّ الصدقة أنفع يا رسول اللّه ؟ قال: الماءُ فحفر بئراً، وقال: هذه لاَُم سعد.

واللام في قوله: «هذه لاَُم سعد» هي اللام الداخلة على الجهة التي وجهت إليه الصَّدقة وليست من قبيل اللام الداخلة على المعبُود المتقرَّب إليه، مثل قولنا: نذرتُ للّه، وإن شئت قلت: اللام في قوله «لاَُم سعد» مثل اللام الواردة في قوله تعالى: (إنَّما الصَّدَقاتُ للفُقراء) (1)

13ـ وفي صحيح البخاري عن عبد اللّه بن عباس ـ رضي اللّه عنهما ـ: «إنَّ رجلاً أتى النبيّ فقال: يا رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - إنّ أُمّي افتلتت نفسها ولم تُوص، وأظنّها لو تكلّمت تصدَّقت، أفَلَها أجرٌ إن تصدَّقت عنها؟ قال: نعم».

14ـ وفي صحيح البخاري عن عبد اللّه بن عباس ـ رضي اللّه عنهما ـ :


(1)التوبة: 60.

(287)

«أنّ سعدَ بن عبادة تُوفيت أُمه وهو غائب فأتى النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - فقال: يا رسول اللّه إنَّ أُمي توفيت وأنا غائبٌ عنها فهل ينفعها إن تصدّقت عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أُشهِدك أنَّ حائطي المخراف صدقة عنها» والمراد بالحائط البستان، والمخراف عبارة عن اسم ذلك الحائط.

15ـ وعن عبد اللّه بن عمر: «أنّ العاص بن وائل نَذَر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأنَّ هشام بن العاص نحر خمسة وخمسين، وأنَّ عمراً سأل النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن ذلك فقال: أمّا أبو ك فلو أقرّ بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك» ورواه الاِمام أحمد.

و ـ انتفاع الميّت بالذكر والدعاء والقراءة والتحية:

16ـ روى ابن ماجة في صحيحه: انَّ رسول اللّه قال: «إقرأوا (يس) على موتاكم».

17ـ وعن أبي هريرة: «زوروا موتاكم بـ (لا إله إلاّ اللّه)».

18ـ « ما من رجل يزور قبر حميمه فيسلّم عليه ويقعد عنده إلاّ ردّ - عليه السلام - وأنس به حتى يقوم من عنده».

19ـ «ما من رجل يمرّ بقبر كان فيه (مَن) يعرفه في الدنيا فيسلّم عليه إلاّ عرفه وردَّ - عليه السلام - ».

20ـ «ما الميت في قبر إلاّ شبه الغريق المتغوث ينتظر دعوةً من أب أو أُم أو ولد أو صديق ثقة فإذا لحقته كانت أحبّ إليه من الدنيا وما فيها، وإنّ


(288)

اللّه عزّ وجلّ ليُدخل على أهل القبور من دعاء أهل الدنيا أمثال الجبال، وإنَّ هدية الاَحياء إلى الاَموات الاستغفار لهم والصدقة عنهم».

21ـ من حديث أبي هريرة ـ رضي اللّه عنه ـ: قال: قال رسول اللّه : «إذا صلَّيتم على الميت فأخلصوا له الدعاء».

22ـ وفي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك: قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - على جنازة فحفظت دعاءه وهو يقول: «اللّهمّ اغفر له وارحمه وعافه وأعفُ عنه، وأكرم نُزله وأوسع مدخله، وأغسله بالماء والثلج والبرد ونقّه من الخطايا كما نقَّيت الثوب الاَبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنَّة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار».

23ـ وفي السنن عن واثلة بن الاَسقع قال: صلّـى رسول اللّه على رجل من المسلمين فسمعته يقول: «اللّهمّ إنّ فلاناً ابن فلان في ذمّتك وحبل جوارك، فَقِه فتنةَ القبرِ وعذابهُ، وأنتَ أهلُ الوفاء والحقّ فاغفر له وارحَمه إنَّك أنتَ الغفُور الرحيم».

24ـ وفي السنن من حديث عثمان بن عفان ـ رضي اللّه عنه ـ: كان النبي - صلّى الله عليه وآله وسلم - إذا فَرَغَ من دفن الميت وقف عليه فقال: «استغفروا لاَخيكم واسألوا له التثبيت فإنّه الآن يُسأل».

ولو استقصيت الصحاح والسنن لوقفت على روايات كثيرة من هذا القسم.


(289)

أضف إلى ذلك ما ننقله عن النبيّ الاَكرم عندما زار بقيع الغرقد، من دعائه لاَهله وترحيمه لهم.

إلى غير ذلك من الاَحاديث والاَخبار الواردة في هذا المجال ومن أراد التبسّط فليرجع إلى مظانّـها(1)

موقف المذاهب الاِسلامية من هذه المسألة:

وهوَلاء هم أئمّة المذاهب الثلاثة (الحنبلي والشافعي والحنفي) يُفتون بانتفاع الميّت بعمل الحي حتّى إذا لم يوصِ به ولم يكن له فيه سعيٌ.

فهوَلاء هم فقهاء الحنابلة يقولون: ومن توفي قبل أن يحج الحج الواجب عليه سواء أكان ذلك بعذر أو بغير عذر وجب عليه أن يخرج من جميع ماله نفقة حجة وعمرة ولو لم يوص (2)

وهذا هو الفقه الحنفي يقول: أمّا إذا لم يوصِ وتبرَّع أحد الورثة أو غيرهم فإنَّه يرجى قبولُ حجّتهم عنه إن شاء اللّه (3)

وهذا هو الشافعي يقول: فإن عَجَزَ عن مباشرة الحج بنفسه يحج عنه الغير بعد موته من تركته (ولم يقيّد بالاِيصاء وعدمه) (4)


(1)لاحظ للوقوف على مصادر هذه الروايات: صحيح مسلم، كتاب النذر، ج5: 73 و 78 وكنز العمال ج15: 15، وجامع الاَُصول ج8، والموطأ، والتوسّل والزيارة في الشريعة الاِسلامية للشيخ الفقي 229 وغيرها.

(2)الفقه على المذاهب الاَربعة للجزري 1: 571.

(3) المصدر نفسه 1: 567.

(4) المصدر نفسه 1: 569.

(290)

وقال ابن القيّم: واختلفوا في العبادة البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر فذهب الاِمام أحمد وجمهور السلف إلى وصولها، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة، نصَّ على هذا الاِمام أحمد في رواية محمّد بن أحمد الكحّال. قال: قيل لاَبي عبد اللّه: الرجل يعمل الشيء من الخير من صلاة أو صدقة أو غير ذلك فيجعل نصفه لاَبيه أو أُمّه؟ قال: أرجو، أو قال: الميت يصلُ إليه كل شيء من صدقة أو غيرها، وقال: أيضاً إقرأ آية الكرسي ثلاث مرات وقل هو اللّه أحد، وقل: اللّهمّ إنّ فضله لاَهل المقابر.

وقال: فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنّفه والخلال في جامعه عن الشعبي بسند صحيح. قال: كانت الاَنصار إذا مات لهم الميّت، اختلفوا إلى قبره، يقرأون القرآن، وقال النووي في شرح المهذَّب: يُستحب (أي للزائر للاَموات) أن يقرأ ما تيسَّـر ويدعو لهم عَقِبَها. نصَّ عليه الشافعي واتّفق عليه الاَصحاب.

وقال في الاَذكار: قال الشافعي والاَصحاب: يُستحب أن يقرأوا عند الميّت شيئاً من القرآن. قالوا: فإن ختموا القرآن كلّه كان حسناً.

ثمّ قال: وقد روي عن بعض الشافعية أنّه لا يصل ثوابها للميت.

ونقل عن جماعات من الشافعيّة أنَّهم أوّلوه بحمله على ما إذا لم يقرأ بحضرة الميّت، أو لم ينو ثواب قراءته له أو نواه ولم يدع (1)

وهذه الروايات وإن أمكن المناقشة في أسناد بعضها لكن المجموع متواترٌ مضموناً، فلا يمكن ردّ الكلّ.


(1)الروح: 235ـ236.

(291)

أضف إلى ذلك وجود روايات صحيحة قاطعة للنزاع، والفقيه إذا لاحظ الكل مع ما أفتى به أئمّة المذاهب الثلاثة ينتزع ضابطة كليةً وهو وصول ثواب كل عملٍ قربىٍّ إلى الميت، إذا أُتي به نيابةً عنه ، سواء كان العمل داخلاً فيما ذُكِرَ من الموضوعات أو خارجاً عنها، لاَنّ الظاهر أنَّ الموضوعات كالصوم والحجّ وغيرهما من باب المثال، لا من باب الحصر.

فتلك الآيات والروايات وهذه الفتاوى، صريحةٌ في جواز القيام بعمل ما عن الميت من دون إيصاء، وبعبارة أُُخرى: من دون سعي له فيه، فإذا لم ينتفع الميت بعمل الغير فكيف جاز الحجُّ عنه، أو وجب وكذا في سائر الاَُمور الاَُخرى كالاستغفار والدعاء له، وشفاعته والتصدّق والعتق عنه؟

ثمّ إنَّ للوهابيين شبهات في انتفاع الميث بعمل الغير، ولابدّ أن يُعلم قبل ذلك أنَّ التركيز من جانب هوَلاء على عدم الانتفاع واجهةٌ يريدون من ورائها إثبات أنَّ الميت لا يقوم بعمل حتى يُثبتوا بعد ذلك بُطلان التوسّل لاَنّ المتوسّل به ميتٌ وهو لا يقوم بعملٍ بعد الموت إلى أن يبعثه اللّه يوم القيامة.

الشبهة الاَُولى:

إنّ اللّه سبحانه يقول: (وأنْ لَيْسَ لِلاِنْسانِ إلاّ ما سَعى) فالآية تحصر الانتفاع في العمل الذي سعى فيه الاِنسان قبل موته ومعه كيف ينتفع بعمل الغير الذي لم يسع فيه؟

والجواب على هذا الشبهة من وجوه متعددة، ولكننا نذكر قبل الجواب


(292)

ما يفيد القارىَ في المقام، وهو أنَّه لو كان ظاهر الآية هو ما يرومه المستدلّ وهو: أنّ الغير لا ينتفع بعمل الغير ما لم يكن قد تسبّب إليه في الحياة، لعارض، هذا ظاهر الآيات الاَُخرى والروايات المتضافرة في ذلك المجال، إذ لو كان كذلك فما معنى استغفار الموَمنين لاِخوانهم الذين سبقوهم بالاِيمان؟ وما معنى استغفار حَمَلَةِ العرش ومن حوله لاَهل الاِيمان؟

وما معنى هذه الروايات الواردة في مجالات مختلفة، الدالة على انتفاع الميّت بعمل الغير؟

كلّ ذلك يعرب عن أنّ للآية مفاداً آخر وهو غير ما يرومه المستدلّ، وإليك تفسير الآية بالاِمعان فيها، وذلك بوجوه:

الوجه الاَوّل:

إنَّ سياق الآيات المحيطة بهذه الآية سياق ذمٍّ وتنديدٍ، وسياق إنذار وتهديد، فإنّه سبحانه يبدأ كلامه بقوله:

(أَفَرأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّـى * وَأعْطى قَلِيلاً وَأكْدى * أَعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيبِ فَهُوَ يَرى * أَمْ لَمْ يُنَبّأ بِما في صُحُفِ مُوسى * وَإِبْراهِيمَ الَّذي وَفّى * أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرَى * وَأنْ لَيسَ للاِِنْسانِ إلاّ ما سعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الجزاءَ الاَوْفى * وَإنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى) (1)

فإنَّك ترى أنّ الآيات الحاضرة مثل سبيكة واحدة صيغت لغرض الاِنذار والتهديد، خصوصاً قوله: (وأنْ لَيسَ للاِِنْسانِ إلاّ ما سعى) فإنّ


(1)النجم : 33ـ 42.

(293)

هذه الآية وقعت بين آيتين صريحتين في التهديد المتقدمة قوله: (ألاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى) ) والمتأخرة قوله: (وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى) ثم قوله: (وَإِنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى) .

فإنّ كلّ ذلك يعطي أنّ موضوع هذه الآية والآيات السابقة واللاحقة هو العقاب لا الثواب، والسيئة لا الحسنة، فالآية تصرّح بأنّ كل إنسان يحمل وزرَ نفسه ويعاقب بالعمل السيّىَ الذي سعى فيه، وأمّا العملُ السيّىَ الذي اقترفه الغير ولم يكن للاِنسان سعيٌ فيه فلا يوَخذ به، ولا يُعاقب عليه.

وعلى ذلك فاللام في قوله: (للاِنسان) ليس للانتفاع بل اللام لبيان الاستحقاق وهو أحد معانيها (1)مثل قوله (وَيْلٌ لِلمُطَفّفِينَ) وقوله: (لَهُمْ في الدّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ في الآخِرةِ عَذابٌ عظِيم)(2)وقوله - صلّى الله عليه وآله وسلم - : الولد للفراش وللعاهر الحجر.

وعلى ذلك فالموضوع الذي تُركّز عليه الآيات هو العقاب لا الثواب، ولهذا تكون الآية خارجةً عن مصبِّ البحث وهذا ظاهرٌ لمن أمعن النظر.

الوجه الثاني:

لو فرضنا أنَّ محور البحث في هذه الآيات هو الاَعمُّ من الثواب والعقاب، وأن اللام في الآية للانتفاع، ولكن الآية مع ذلك لا تنفي انتفاع


(1)قال ابن هشام في المغني 1: 208 وللام الجارة اثنان وعشرون معنى أحدها الاستحقاق وهي الواقعة بين معنى وذات ... مثل (لَهُمْ فِـي الدّنْيا خِزْي) .

(2)البقرة: 114.

(294)

الاِنسان بعملِ غيره إذا كان للاِنسان المنتفع سعيٌ فيه، ولو بإيجاد أرضيّة صالحة للانتفاع به في ذاته، في قبال من لا يوجد في نفسه وذاته مثل هذه الاَرضية والاستعداد والقابلية والمقتضي.

فمثلاً الاِنسان ينتفع بشفاعة النبيّ الاَكرم يوم القيامة باتفاق جميع المسلمين حتّى الوهابيين، ولكن انتفاعه هذا ناشىَ من أنَّه سعى لهذا الانتفاع حيث دخل في حظيرة الاِيمان باللّه وآياته.

وكذلك الاَمر في استغفار الموَمنين للموَمن بعد موته، وكذا الاَعمال الصالحة التي يُهدى ثوابها إلى أحد وتكون على وجه يرتبط بسعيه في الدخول في زُمرة الموَمنين.

ولذلك لو كان مُشركاً أو ممّن تحبط أعماله، لا يصل إليه ذلك الثواب ولا ينتفع بعمل الغير.

وقد تفطّن لهذا الجواب بعض أئمّة أهل السنّة. قال أبو الوفاء بن عقيل: إنّ الاِنسان بسعيه وحسن معاشرته، اكتسب الاَصدقاء وأولدَ الاَولاد وتزوج وأسدى الخير وتودّد للناس، فنشأ عن ذلك أنَّهم ترحَّموا عليه وأهدوا له العبادات، وقد كان ذلك من آثار سعيه كما قال - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «إنّ أطيب ما أكل الرجل من كسبه» ويدلّ على ذلك الحديث الآخر: «وإذا مات العبد، انقطع عمله إلاّ من ثلاث...».

وقال الشيخ الفقي: «هذا جوابٌ يحتاج إلى إتمام، فإنّ العبد بإيمانه وطاعته للّه ورسوله قد سعى في انتفاعه بعمل إخوانه الموَمنين مع عمله، كما ينتفع بعملهم في الحياة مع عَمَله، فإنَّ الموَمنين ينتفع بعضهم بعمل بعض في


(295)

الاَعمال التي يشتركون فيها، كالصلاة في جماعة، فإنّ كل واحد منهم تُضاعف صلاته إلى سبع وعشرين ضعفاً لمشاركة غيره له في الصلاة، فعمل غيره كان سبباً لزيادة أجره، كما أنّ عمله كان سبباً لزيادة أجر الآخر».

أضف إلى ذلك أنَّ القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره وإنّما نُفي ملكه لغير سعيه، وبين الاَمرين فرقٌ كبير، فأخبر تعالى أنّه لا يملك إلاّ سعيه فإن شاء أن يُبدّله لغيره وإن شاء أن يبقيه لنفسه، فهو سبحانه لم يقل لا ينتفع إلاّ بما سعى (1)

الوجه الثالث:

إنَّ الآية بصدد بيان أنَّ عمل كل إنسان راجع إليه دون غيره، وأين هذا من عدم انتفاع الاِنسان بعمل الغير؟ فإنّه غير داخل في منطوق الآية ولا في مفهومها، ولا الآية ناظرة إلى نفيه.

وإن شئت قلت: إنّ الآية بصدد بيان أنَّ كلَّ إنسان رهنُ عمله فإن عَمِلَ شَرّاً فلا يتحمّله غيره (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) وإن عمل خيراً فيسعد به ويرى عمله وسعيه، فـ «الناس مجزيون بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر» و (مَنْ عَمِلَ صَالحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها) (2) (فَمَنْ يَعْمَل مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَه * وَمَنْ يََعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه) (3)وهذه هي الضابطة


(1)التوسّل والزيارة للشيخ محمد الفقي: 234، والموَلف من علماء الاَزهر الشريف.

(2)السجدة: 46.

(3)الزلزلة: 7ـ 8.

(296)

الاَصلية في حياة الاِنسان عاجلاً وآجلاً، وليس لاَحد رفضها والاعتماد على غيرها، ولكنّه لا ينافي جواز أن يهدي العامل ثوابَ عمله إلى غيره ويسعد الغير به فهو خارج عن مفاد الآية إيجاباً وسلباً.

وهذا مثل قول الوالد لولده: إنَّما تنتفع بتجارتك وسعيك، وانّ سعيَ كل إنسان له نفسه لا للغير، وهذا لا ينافي أن ينتفع هذا الولد بعمل غيره إذا أهدى إليه ذلك الغير شيئاً من الطعام والفواكه والاَلبسة بنيّاتٍ مختلفة، فليس للولد حينئذ أن يعترض على والده ويقول: إنَّك قلت إنَّك تنتفع بسعيك مع أنني انتفعت بسعي الغير، إذ للوالد أن يقول إنَّ كلامي في نفس العمل الصادر منك ومن غيرك، فكلٌّ يملك عملَ نفسه ولا يتجاوزه، ولكن كلامي هذا ليس ناظراً إلى ما لو وهب أحد حصيلة سعيه إليك بطيبة نفسه.

وكيف يمكن أن يقول بما يقوله هذا الوهابي ونظراوَه وقد تضافرت الآيات والاَحاديث ـ كما مرّ عليك بعضها ـ على انتفاع الاِنسان بعمل الغير في ظروف معيّنة، وتحت شرائط خاصَّة وإن لم يكن له أدنى سعي فيها.

هذه الآية تشير إلى نكتة وهي: أنّه يجب على الاِنسان الاعتماد على السعي والعمل لا على الحسب والنسب، وألاّ يكون المسلم مثل اليهود الذي كانوا يتمنّون تمنّي الحمقى إذ كانوا يعتمدون على صلتهم وانتمائهم إلى الاَنبياء بقولهم: (نَحْنُ أبْناءُ اللّهِ وأَحِباوَُهُ) (1)أو قولهم: (لَنْ تَمَسَّنا النّار إلاّ أيامَاً مَعْدودَة) (2).


(1)المائدة: 18.

(2)البقرة: 80.

(297)

نعم، هذه كما قلنا ليست ضابطة أصيلة في سعادة الاِنسان في دنياه وأُخراه وليس له أن يعتمد عليها ويتخذها سنداً وإن كان أمراً صحيحاً في نفسه، وليس كلُّ أمرٍ صحيحٍ يصحّ أن يعتمد عليه الاِنسان ويعيش عليه كشفاعات الاَنبياء والاَولياء فلا يجوز ترك العمل بحجّة أنّهم يشفعون.

الشبهة الثانية:

إنَّ السنّة دلّت على أنّ الاِنسان لا ينتفع بعد موته إلاّ بأُمور ثلاثة إذ يقول - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

«إذا مات الاِنسان انقطع عملُه إلاّ من ثلاث: صدقة جارية ، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (1)وليس عمل الغير أحد هذه الاَُمور، فتدلّ السنّة على عدم انتفاع الاِنسان بعمل الغير.

والجواب واضح فإنّ الحديث المذكور بصدد بيان أنَّ عمل الاِنسان ينقطع بموته، وحلول أجله، ولا تستمر إلاّ هذه الاَُمور الثلاثة، فإنّ لهذه الاَعمال بقاءً، وإنّ الاِنسان ينتفع بهذه الاَعمال الباقية الخالدة، وعلى ذلك فالرواية ترجع إلى مسألة انقطاع الاَعمال التي يقوم بها الاِنسان بعد موته، وعدم استمرارها، وأمّا أنّه لا ينتفع بعمل الغير فهو ليس داخلاً في موضوع الآية حتى ينتفع بها الميت أو لا ينتفع.

وبعبارة أُخرى: إنّ الموضوع في الحديث هو أنّ الاَعمال المباشرية التي يقوم بها الاِنسان تنقطع بموته، إلاّ إذا كانت أحد هذه الاَُمور الثلاثة.


(1)رواه ابن ماجة.

(298)

وأمّا الاَعمال التي ليس للاِنسان فيها دورٌ لا مباشرةً ولا تسبيباً فهي خارجة عن مصبّ هذه الحديث، حتى يقال بعدم انتفاعه بها، فلابدّ من الرجوع في معرفة حالها إلى الكتاب والسنّة، وقد عرفت تضافر الآيات والاَحاديث على انتفاع الاِنسان بعمل الغير.

وبعبارة ثالثة: إنّ الحديث يقول: إنّ عمل الاِنسان ينتهي بموته إلاّ ثلاثة أعمال فإنّها تبقى حتّى بعد موته، وعلى هذا فموضوع البحث هو الاَعمال الصادرة عن الاِنسان التي تنقطع بموته، وأمّا أعمال الآخرين التي ليست للاِنسان أيّة دخالة فيها فهي خارجة عن موضوع البحث، والحديث لا يدل على جواز الانتفاع بها ولا على عدم الجواز.

الشبهة الثالثة:

الحوالة إنّما تكون بحقٍّ لازمٍ، وهي تتحقق في حوالة المخلوق على المخلوق، وأمّا حوالة المخلوقِ على الخالق فأمرٌ آخر، لا يصحّ قياسه على حوالة العبيد بعضهم على بعضٍ.

الجواب: أنّ هذا الموقف وهذا الكلام اجتهاد في مقابل النص، فقد تضافرت الاَدلّة على أنّ الميت ينتفع بعمل الحي وقد عرفت نصوصه كتاباً وسنّة وبعد هذا فما معنى هذا الاستدلال؟

أضف إليه أنّه ليس هناك حوالة مخلوق على الخالق وإنّما هو امتثالٌ لاَمره سبحانه بأن نستغفر للموَمنين ونصوم ونصلّـي عنهم ونحجّ وننحر


(299)

عنهم، وإنّا لو فعلنا ذلك لانتفع الاَموات، ونحن نقوم بذلك حسب أمر النبي، وليس هناك حوالة مخلوق على اللّه.

هب أنَّ الثواب على العمل تفضّليٌّ لا استحقاقيٌّ وله سبحانه أن لا يعطي شيئاً للعامل، ولكنّه سبحانه تفضَّل وجعل ثواباً على العمل ثمّ رخّص في أن يوَتى العمل بنيّة الميت ومن جانبه وأنَّه سيصل إليه الثواب بل وتبرأ ذمّته، فلا يصحُ لنا اللجاج والعناد في مقابل النصوص.

الشبهة الرابعة:

إنّ العبادات على قسمين: قسم يمكن فيه النيابة كالصدقة والحجّ، وقسمٌ لا يمكن فيه النيابة كالاِسلام والصلاة وقراءة القرآن والصيام، فهذا النوع يختص ثوابه بفاعِلِهِ لا يتعداه ولا ينتقل عنه لغيره.

والجواب: انّ هذا أيضاً اجتهاد في مقابل النصّ فما الدليل على هذه التفرقة وقد شرع النبيّ الصوم عن الميت مع أنّ الصوم لا تدخله النيابة، واللّه الذي أوصل ثواب الحجّ والصدقة والعتق هو بعينه يوصل ثواب الصيام والصلاة والقراءة وغيرها ممّا يصحّ أن يفعله عنه الغير تبرّعاً.

وماذا يقولون في قوله - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «من مات وعليه صيامٌ صام عنه وليّه» وهو حديث صحيح؟

وقال البيهقي: قد ثبت جواز القضاء عن الميّت برواية سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، عن ابن عباس، وفي رواية بعضهم: «صومي عن أُمك».


(300)

وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن عباس: جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول اللّه إنّ أُمي ماتت، وعليها صيامُ شهر أفأقضي عنها؟

فقال النبي - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «لو كانَ عليها دينٌ أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم. قال: «فدين اللّه أحق أن يُقضى».

وأخرج أصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم في المستدرك، والبيهقيّ في «الشعب» والاِمام أحمد عنه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «يس» قلب القرآن ولا يقرأوها رجلٌ يريد اللّه والدار الآخرة إلاّ غفر له واقرأوها عند موتاكم.

وروى البيهقي: أنّ ابن عمر استحبّ أن يُقرأ على القبر بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمتها.

دفع شبهة:

ربَّما يتوهم أنّ اللام في قولهم: هذا للنبي أو للاِمام أو للولي، أو للوالد، هو نفس اللام الموجودة في قولنا: نذرت للّه، أو للّه علي، ولاَجل ذلك زعموا أنَّ النذر للاَموات شرك وعبادة لهم، بحجّة اشتراك العملين في الصورة.

ولكنّ المتوهّم غفل عن اختلاف معنى اللام في الموردين فاللام في قوله هذا للنبي، نفس اللام الوارد في قوله تعالى: (إنَّما الصَّدقات لِلْفُقَراءِ والمَساكِين...)) (1) ويختلف معناها مع الموجود في قوله: (رَبّ إنّي نَذَرْتُ لَكَ


(1)التوبة: 60.

(301)

ما في بَطْني مُحَرَّراً(1)).

فإنّ اللام فيه للغاية، وبين المعنيين بونٌ بعيد والذي يضفي على العمل لون العبادة، كون الشخص هو الغاية والمقصد.

ثم يجب أن لا نحصر جواز إهداء الثواب في الاَعمال المذكورة في الروايات بل نُعَمِّم هذا الجواز بحيث يشمُلُ جميع الاَعمال وذلك بالغاء الخصوصيّة، فكما يجوز إهداء ثواب الصدقة والحجّ والعتق يجوز إهداء ثواب قراءة القرآن إلى الموتى.

خاصّة وأنّ هناك أحاديث مرويةٌ عن أهل البيت - عليهم السلام - جوّزت مثل هذا العمل، وسوّغت إهداء ثواب قراءة القرآن إلى الميّت وصرّحت بوصوله إليه، وانتفاعه به فلماذا يُترك رأي أهل البيـت - عليهم السلام - ويكتفى بقول أحد أئمة المذاهب الاَربعة.

أفلا ينبغي الرجوع إلى قول أهل البيت إلى جنب أقوال أئمّة المذاهب الاَربعة على قدم المساواة.

وأظن أنّ للقوم وراء هذا الاِنكار أهدافاً خطيرةً وهو: أنّ القول بعدم انتفاع الموتى من عمل الاَحياء ذريعة لاِنكار حياتهم، وبالتالي أنّ الاَنبياءوالاَولياء أمواتٌ لا ينتفعون بشيء ممّا يُقَدّم إليهم من أحبائهم وشيعتهم.

فإذا كانوا كذلك فما معنى التوسّل والاستغاثة بهم وندائهم؟!


(1)آل عمران : 35.

(302)

بحث في النذور :

قد تفضّل رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - فضحّى عن أُمته أحياءً وأمواتاً وضحّى الصحابة والتابعون عن نبيّهم، فقد أخرج ابن ماجة وعبد الرزاق وغيرهما عن عائشة وأبي هريرة: أنَّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - كان إذا أراد أن يُضحّي اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجودين فذبح أحدهما عن محمّد وآل محمّد والآخر عن أُمّته من شَهِدَ للّه بالتوحيد وله بالبلاغ.

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي: أنّ النبيّ ذبَحَ بيده وقال: «اللّهمّ هذا عنّي وعمَّن لم يضحّ من أُمّتي».

وصريح ذلك وصول الثواب إليهم وانتفاعهم.

روى أبو داود بسنده في باب الاَضحية عن الميت عن عليّ بن أبي طالب أنّه كان يضحّي عن النبيّ بكبش وكان يقول: «أوصاني أن أُضحّي عنه فأنا أُضحّي عنه» (1).

ما يترتب على هذا الاَصل:

ويترتّب على هذا الاَصل صحّة عمل المسلمين حيث يقومون بأعمال حسنة صالحة وربّما أهدوا ثوابها إلى أحبّائهم وأعزّتهم الموتى، وهو أمرٌ يوافق عليه الكتاب والسنّة، بل صرّحا به تصريحاً.


(1)سنن أبي داود ج2 كتاب الضحايا.

(303)

فما يقوم به المسلمون لموتاهم من إهداء ثواب الاَعمال الصالحة لهم، أو ما يفعلونه عند قبور الاَنبياء والاَولياء من إطعام الطعام وتسبيل الماء بنيّة أن يصل ثوابها إليهم إنّما يقتدون فيها بسعد بن عبادة الذي سأل النبيّ عن حُكم الصدقة عن أُمّه أينفعها؟ فقال - صلّى الله عليه وآله وسلم - : نعم . فقال فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: الماء. فحفَرَ بئراً، وقال: هذه لاَُم سعد.

فهم في هذا سعديون لا وثنيّون، لا يريدون عبادة الموتى، بل يريدون إيصال الثواب إليهم كما فعل سعد.

***


(304)


(305)

12

زيارة القبور

في السنّة النبوية

والسفر إلى زيارة النبيّ الاَكرم

زيارة القبور والآثار الاَخلاقية والتربوية.

شبهتان لابن تيميّة وجوابهما.

معالجة حديث النهي عن شدّ الرحال إلى غير ثلاثة مساجد.

زيارة القبور والآثار الاَخلاقية والتربوية:

إنّ زيارة القبور تنطوي على آثار أخلاقية وتربوية هامّة، لاَنّ مشاهدة المقابر التي تضم في طياتها مجموعة كبيرة من الذين عاشوا في هذه الحياة، ثمّ انتقلوا إلى الآخرة يوَدّي إلى تخفيف روح الطمع والحرص على الدنيا، وربّما يغيّـر سلوك الاِنسان فيترك المظالم والمنكرات ويتوجه إلى اللّه والآخرة.


(306)

لذا يقول الرسول الاَعظم - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «زُوروا القبور فإنّها تذكّركم بالآخرة»(1)

وربّما يُستفاد من بعض الاَحاديث أنّ النبيّ نهى يوماً عن زيارة القبور ثمّ رخّصها، ولعلّ النهي كان لملاك آخر وهو أنَّ كثرة الاَموات ـ يومذاك ـ كانوا من المشركين فنهى النبي عن زيارتهم و لمّا كثر الموَمنون بينهم رخّصها بإذن اللّه عزّ وجلّ وقال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنّها تُزهّد في الدنيا وتذكّر في الآخرة» (2)

وقالت عائشة: إن رسول اللّه رخَّص في زيارة القبور. وقالت: إنَّ النبي قال: «أمرني ربي أن آتي البقيع وأستغفر لهم» قلت: كيف أقول يا رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - ؟

قال: «قولي: السلام على أهل الديار من الموَمنين والموَمنات يرحم اللّه المستقدمين منّا والمستأخرين إنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون».

وقد جاء في الصحاح والمسانيد صور الزيارات التي زار بها النبي البقيع (3)

هذا كلّه في زيارة قبور المسلمين وأمّا زيارة أوليائهم من النبيّ والاَئمّة والشهداء والصالحين، فلا شكّ أنّ لزيارتهم نتائج بنّاءة نشير إليها.


(1)شفاء السقام: 107.

(2)سنن ابن ماجة 1: 117، باب من جاء في زيارة القبور.

(3)لاحظ صحيح مسلم 2: 64 باب ما يقال عند دخول القبور، والسنن للنسائي 76 والسنن لاَبي داود 2: 196 وغيرهما.

(307)

إنّ زيارة مراقد هذه الشخصيات هو نوعٌ من الشكر والتقدير على تضحياتهم وإعلام للجيل الحاضر بأنّ هذا هو جزاء الذين يسلكون طريق الحق والهدى، والفضيلة، والدفاع عن المبدأ والعقيدة، وهذا لا يدفعنا إلى زيارة قبورهم فقط، بل إلى إبقاء ذكرياتهم حيّةً ساخنةً، والمحافظة على آثارهم وإقامة المهرجانات، في ذكرى مواليدهم، وعقد المجالس وإلقاء الخُطَب المفيدة في أيام التحاقهم بالرفيق الاَعلى، وهذا شيء يدركه كل ذي مسكة.

ولاَجل ذلك نرى أنّ الاَُمم الحيّة يتسابقون في زيارة مدفن روَسائهم وشخصياتهم الذين ضحّوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل إحياء الشعب، واستقلاله من أيدي المستعمرين والظالمين ويقيمون الذكريات الموَدّية لاِحياء معالمهم، دون أن يخطر ببال أحد أنَّ هذه الاَُمور عبادة لهم، فأين التعظيم للشخصيات من عبادتها؟ فإنّ التعظيم تقدير لجهودهم والعبادة من تأليههم واتخاذهم أرباباً. فهل هناك من يخلط بين الاَمرين منّا أو من غيرنا.

إذا وقفت على الآثار البنّاءة لزيارة مطلق القبور وزيارة قبور الاَولياء والصالحين نذكر خصوص ما ورد من الروايات التي جاء فيها البعث والحثُ على زيارة قبر النبيّ الاَعظم - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

قد نقل القاضي تقيُّ الدين أبو الحسن عبد الكافي السبكي 15 حديثاً في ذلك المجال وتكلّم في أسنادها وصحَّح كثيراً منها (1)


(1)شفاء السقام في زيارة قبر الاِمام: 3ـ 34 الباب الاَوّل في الاَحاديث الواردة في الزيارة.

(308)

كما قام العلاّمة السمهوديّ المتوفى سنة 911 في كتابه القيّم (وفاء الوفا بأحوال دار المصطفى) بنقل روايات كثيرة في هذا المجال (1)

كما أنَّ الفقهاء والمذاهب الاَربعة في مصر في العصر الحاضر أفتوا بأنّ زيارة قبر النبي من أفضلِ المندوبات ونحن نذكر بعض الروايات إتماماً للفائدة:

1ـ عن عبد اللّه بن عمر: «من زار قبري وجَبَتْ له شفاعتي».

وقد بسط تقي الدين السبكي في طريق هذا الحديث في شفاء السقام 103 وقال في صفحة 8: والرواة جميعهم إلى موسى بن هلال ثُقاة لا ريب فيهم وموسى بن هلال من مشايخ أحمد بن حنبل وأحمد لم يكن يروي إلاّ عن ثقة، وقد نقله من الحفّاظ قُرابة 40 حافظاً.

2ـ عن عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: «إنَّ من جاءني زائراً لا تحمله إلاّ زيارتي كان حقّاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة».

وقد رواه عن الحافظ 16 حافظا.

وقد فصّل السبكيّ في طريق هذا الحديث وأخرجه من طرق شتّى، لاحظ ص 13 ـ 16.

3ـ عن عبد اللّه بن عمر: من صبَّح فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي.

أخرجه من الحفّاظ قرابة خمس وعشرين حافظاً.


(1)وفاء الوفا 4: 1336

(309)

وقد بسّط تقي الدين السبكي الكلام في طُرُقه في شفاء السقام ص16ـ 21 فمن أراد التوسّع والوقوف على متون الروايات وأسماء من أخرجها من الحفّاظ فليرجع إلى «شفاء السقام» للسبكي، ووفاء الوفاء للسمهودي وإحياء العلوم للغزالي، شرح الشفاء للقاضي إلى غير ذلك من الكتب الموَلفة في هذا المجال.

شبهتان لابن تيميّة وتابعيه في زيارة النبيّ

ولقد أثار ابن تيميّة شبهتين في هذا المجال نشير إليهما:

1ـ كون الزيارة على هذا الوجه المخصوص بدعةً.

2ـ كون الزيارة من تعظيم غير اللّه المفضي إلى الشرك.

أمّا الشبهة الاَُولى؛ فهي باطلةٌ من رأسٍ، وذلك لاَنَّ البدعة الاصطلاحية المحرّمة فقهياً ـ كما أسلفنا ـ هو «إدخال ما ليس في الدين، في الدين».

ثمّ هل يمكن لاَحدٍ بعد هذه النصوص المتضافرة القول بأنّ زيارة قبور الاَنبياء والاَئمة والاَولياء ليست من الدين؟ وأنّه لم يأمر بها وقد أمر هو بزيارة القبور؟

فهل يتصوّر أنّه لا يعادل زيارة قبر مُسلم؟

كبرت كلمةً تخرج من أفواههم، وقد أمر النبيُّ بزيارة قبور الموَمنين، ويكون هو ـ العياذ باللّه ـ أقل درجةً من متابعيه.

وأمّا الشبهة الثانية، فنقول: كيف تكون زيارة النبيّ مفضية إلى الشرك


(310)

مع أنّ زيارة قبر نبىِّ التوحيد استشعارٌ لحقيقته، وتقديس لمعناه؟

ونعم ما كتب الشيخ محمد أبو زهرة في هذا المجال إذ قال:

فإنّ التقديس الذي يتصل بالرُّسل إنّما هو لفكرتهم التي حملوها، فالتقديس لمحمّد - صلّى الله عليه وآله وسلم - تقديس للمعاني التي دعا إليها، وحث عليها فكيف يُتصوّر من موَمن عَرِفَ حقيقة الدعوة المحمدية أن يكون مُضمراً لاَي معنىً من معاني الوثنية وهو يستعبر العبر، ويستبصر ببصيرته عند الحضرة الشريفة والروضة المنيفة، فإذا كان خوف ابن تيمية من أن يوَدي ذلك إلى الوثنية بمضيّ الاَعصار والدهور، فإنّه خوفٌ من غير جهة، لاَنّ الناس كانوا يَزُورُون قبر الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلم - إلى أوّل القرن الثامن ثم استمرُّوا على هذه السيرة في العصور من بعده إلى يومنا هذا، ومع ذلك لم يُنظر إلى هذا العمل نظرة عبادة أو وثنية، ولو تفرط أحدٌ فهو من العوامّ ، ولا يمنع تلك الذكريات العطرة، بل يجب إرشادهم لا منعهم من الزيارة وتكفيرهم (1)

وقال الشيخ محمد زاهد الكوثري أحد علماء الاَزهر الشريف:

إنَّ سعي ابن تيمية في منع الناس من زيارة النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - يدلّ على ضغينةٍ كامنةٍ فيه نحو النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - وكيف يُتصوّر الاِشراك بسبب الزيارة والتوسُّل في المسلمين الذي يعتقدون في حقّه أنّه عبده ورسولُه وينطقون بذلك في صلاتهم نحو عشرين مرّة في كل يوم على أقل التقادير إدامةً لذكرى ذلك، ولم يزل أهل العلم ينهون العوام من البدع في كل شوَونهم ويرشدونهم إلى السنّة في الزيارة وغيرها إذا حدث منهم بدعةٌ في شيء، لم يعدُّهم وهم في يوم


(1)كلام أبو زهرة في كتابه حول حياة ابن تيمية.

(311)

من الاَيام به مشركين بسبب الزيارة أو التوسّل، وأوّل من رماهُم بالاِشراك بتلك الوسيلة هو ابن تيمية، وجرى خلفه من أراد استباحة أموال المسلمين ودمائهم لحاجةٍ في النفس (1).

السفر إلى زيارة النبي الاَكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

وربّما يظهر من بعض الوهابيين، القول بجواز زيارة النبي الاَكرم، ولكن يُحرّم شدّ الرحال إليها، مستدلاً بحديث ستعرفه.

والذي يدل على جواز السفر أُمور نشير إليها:

الاَوّل: ما ورد من الاَحاديث في الحث على زيارة النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - وسيوافيك نصّها فإنّها بين صريح في جواز السفر أو مُطلق يعمُّ المقيم والمسافر، فقول النبيّ وفعله حجّتان .

أمّا قوله: فقد روي عن عبد اللّه بن عمر أنّه قال النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «من جاءني زائراً لا تعمله (تحْمِلهُ) إلاّ زيارتي في حياتي».

واللفظ الثاني صريحُ في الجواز مطلق يعم المسافر والمقيم في المدينة، ستوافيك هذه النصوص عن أعلام المحدّثين.

وأمّا فعله: فقد روي عن طلحة بن عبد اللّه قال: خرجنا مع رسول اللّه يُريدُ قبور الشهداء إلى أن قال: فلمّـا جئنا قبور الشهداء قال: «هذه قبور إخواننا» (2)


(1)تكملة السيف الصقيل: 156.

(2)أخرجه أبو داود في سننه 1: 311 والبيهقي في السنن الكبرى 5: 349، والمراد من الشهداء شهداء أُحد كما هو مورد الحديث.

(312)

الثاني: الاِجماع، لاِطباق السلف والخَلَف، لاَنّ الناس لم يزالوا في كلّ عامٍ إذا قضوا الحج يتوجّهون إلى زيارته - صلّى الله عليه وآله وسلم - وأنّه من يفعل ذلك قبل الحج.

قال السبكي: هكذا شاهدناه وشاهده من قبلنا وحكاه العلماء عن الاَعصار القديمة وكلُّهم يقصدون ذلك ويعرجون إليه وإن لم يكن طريقهم، ويقطعون فيه مسافةً بعيدةً وينفقون فيه الاَموال، ويبذلون فيه المهج، معتقدين أنَّ ذلك قربةٌ وطاعةٌ، وإطباقُ هذا الجمعِ العظيم من مشارِقِ الاَرض ومغاربها على مرّ السنين وفيهم العلماء والصلحاء وغيرهم يستحيل أن يكون خطأ وكلُّهم يفعلون ذلك على وجه التقرّب به إلى اللّه عزّ وجلّ، ومن تأخر فإنّما يتأخر بعجزٍ أو تعويق المقادير مع تأسُّفه عليه وودّه لو تيسَّـر له ومن ادّعى أنّ هذا الجمع العظيم مجمعون على خطأٍ فهو المخطىَ.

وما ربّما يقال من أنّ سفرهم إلى المدينة لاَجل قصد عبادةٍ أُخرى وهو الصلاة في المسجد، باطلٌ جداً، فإنّ المنازعة فيما يقصُدُه الناس مكابرةٌ في أمر البديهة فمن عَرِفَ الناس عَرِفَ أنَّهم يقصدون بسفرهم الزيارة يعرّجون إلى طريق المدينة ولا يخطر غير الزيارة من القُرُبات إلاّ ببال قليلٍ منهم، ولهذا قلَّ القاصِدُون إلى البيتِ المقدَّس مع تيسّـر إتيانه، وإن كان في الصلاة فيه من الفضل ما قد عُرِفَ، فالمقصودُ الاَعظم في المدينة الزيارة كما أنّ المقصود الاَعظم في مكّة الحجّ أو العمرة، وصاحب هذا السوَال إن شكّ في نفسه فليسأل من كلّ من توجّه إلى المدينة ما قَصَدَ بذلك؟ (1)

الثالث: إنّه إذا كانت الزيارةُ قربةً وأمراً مُستحباً على الوجه العام أو


(1)شفاء السقام في زيارة خير الاَنام لتقي الدين السبكي: 85 ـ 86، ط بولاق مصر.

(313)

الخاص فالسفر وسيلةُ القربة، والوسائل معتبرةٌ بالمقاصد فيجوز قطعاً.

الرابع: ما نقله الموَرخون عن بعض الصحابة والتابعين في هذا المجال.

قال ابن عساكر في ترجمة بلال: إنّ بلالاً رأى في منامه رسول اللّه وهو يقول له: ما هذه يا بلال، أما آن لك أن تَزورني يا بلال؟ فانتبه حزيناً، وجِلاً خائفاً، فَرَكِبَ راحلتَه وقصد المدينة فأتى قبر النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - فجعل يبكى عنده ويمرّغ وجهه عليه، فأقبل الحسنُ والحسين ـ رضي اللّه عنهماـ فجعل يضمُّهما ويقبّلهما فقالا له: نشتهي نسمعُ أذانك الذي كنت توَّذن به لرسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - ، فَفَعَلَ، فعلا سطحَ المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما أن قال: «اللّه أكبر ـ اللّه أكبر» ارتجّت المدينة، فلما أن قال: «أشهد أنّ لا إله إلاّ اللّه» ازدادت رجّتها، فلما أن قال: «أشهد أنّ محمّداً رسولُ اللّه» خرجت العواتقُ من خُدورهن فقالوا: أَبُعِثَ رسولُ اللّهِ. فما رُئي يوماً أكثر باكياً بالمدينة بعدَ رسول اللّه من ذلك اليوم (1)

إنّ عمر بن عبد العزيز كان يبعث بالرسول قاصداً من الشام إلى المدينة ليقرىَ النبيّ السلام ثمّ يرجع.

قال السبكي: إنّ سفر بلال في زمن صدر الصحابة ورسول عمر بن عبد العزيز في زمن صدر التابعين من الشام إلى المدينة، لم يكن إلاّ للزيارة والسلام على النبيّ ولم يكن الباعثُ على السفر ذلك من أمر الدنيا ولا من أمر الدين ولا من قصد المسجد ولا من غيره (2)


(1) شفاء السقام: 44 ـ47 وقد نقله من مصادر كثيرة، قال: وذكره الحافظ أبو محمّد عبد الغني المقدسي في «الكامل في ترجمة بلال».

(2) شفاء السقام: 44 ـ47 وقد نقله من مصادر كثيرة، قال: وذكره الحافظ أبو محمّد عبد الغني المقدسي في «الكامل في ترجمة بلال».

(314)

إنّ عمر لما صالح أهل بيت المقدس وقدم عليه كعب الاَحبار وأسلم وفرِحَ عمر بإسلامه، قال عمر له: هل لك أن تسير معي إلى المدينة وتزور قبر النبي وتتمتع بزيارته؟ فقال لعمر: أنا أفعلُ ذلك، ولما قدم عمرُ المدينة أول ما بدأ بالمسجد وسلم على رسول اللّه.

ذكر ابن عساكر في تاريخه وابن الجوزي في مثير الغرام الساكن بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال: دخلتُ المدينة، فأتيت قبر النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - وزرته وسلَّمتُ بحذائه، فجاءه إعرابيٌّ فزاره، ثمّ قال: يا خير الرسل إنّ اللّه أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: (وَلَو أَنَّهُمْ إذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّاباً رَحِيماً).

وإنّي جئتك مُستغفراً ربّك ذُنوبي، مُستشفعاً بك إلى اللّه ثمّ بكى وأنشأ يقول:

يا خيرَ من دُفنت بالقاع أعظمُه * فطاب من طيبهنّ القاعُ والاَكُمُ
نفسي الفداءُ لقبرٍ أنتَ ساكنُه * فيه العفافُ وفيه الجودُ والكرمُ

وقد ذيَّله أبو الطيب أحمد بن عبد العزيز بأبيات وقال:

وفيه شمسُ التُّقى والدينِ قد غَرُبَت * من بَعدِما أشرَقَتْ من نورِها الظُّلَمُ
حاشا لوجهِكَ أن يَبلَى وَقد هُدِيَت * في الشَّـرق والغَرب من أنواره الاَُمم(1)


(1)شفاء السقام: 52.

(315)

وبذلك تعرف قيمة ما ذكره ابن تيمية حول السفر إلى المشاهد المشرفة التي فيها مراقد أئمّة أهل البيت - عليهم السلام - وقال: وقد رخَّصَ بعضُ المتأخّرين في السفر إلى المشاهد ولم ينقلوا ذلك عن أحد من الاَئمّة ولا احتجوا بحجّة شرعية (1).

تحليل دليل المخالف:

إنّ ابن تيمية أوّل من أفتى بحرمة السفر إلى زيارة الرسول واستدلَّ بحديث روي بصور ثلاث:

1ـ لا تُشَدُّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الاَقصى.

2ـ إنّما يُسافَر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة ومسجدي ومسجد إيلياء.

3ـ تُشدُّ الرحّال إلى ثلاثة مساجد (2)

فلو قلنا بأنَّ لفظة (إنّما) تفيد الحصر، تكون الصورة الثانية مثل الصورة الاَُولى في إفادة الحصر وإلاّ فينحصر الاستدلال بالصورة الاَُولى.


(1)مجموعة الرسائل الكبرى 2: 60.

(2) أورد مسلم هذه الاَحاديث في صحيحه ج4 كتاب الحج باب (لا تشدّ الرحال) : 26 وذكره أبو داود في سننه ج1 كتاب الحج : 469 وكذلك النسائي في سننه المطبوع مع شرح السيوطي 2: 37ـ 38 وقد ذكر السفلي صور أُخر للحديث هي أضعف دلالة على متصور المستدل، لاحظ شفاء السقام : 98.

(316)

فلنفترض أنّ الحديث ورد على نمط الصورتين الاَُوليين، فنقول: إنّ الاستثناء لا يستغني عن وجود «المستثنى منه» وحيث لم يذكر في كلامه، فيلزم تقديره وهو أحد الاَمرين:

أ : لا تُشدُّ الرحال إلى مسجدٍ من المساجد إلاّ إلى ثلاثة. (فيكون المستثنى منه على هذا التقدير هو لفظ: مسجد).

ب : لا تشدّ الرحال إلى مكان من الاَمكنة إلاّ إلى ثلاثة مساجد (فيكون المستثنى منه على هذا التقدير هو لفظ: مكان).

أمّا على التقدير الاَوّل: فيجب علينا ملاحظة الاَُمور التالية:

أوّلاً : أنّ الحديث لو دلّ على شيء فإنّما يدلّ على النهي عن شدّ الرحال إلى مسجدٍ سوى المساجد الثلاثة، وأمّا شدّ الرحال إلى الاَماكن الاَُخرى فالحديث ساكت عنه، غير متعرض لشيء من أحكامه، بل النفي والاِثبات يتوجهان إلى المسجد، فالمساجد يُنهى عن شدّ الرحال إليها عدا المساجد الثلاثة.

وأمّا حكم شدّ الرحال إلى المنتزهات والمراكز العلمية أو الصناعية أو مقابر الاَولياء و الشهداء والصديقين والصلحاء فهو ساكت عنه ومن العجيب أن نستدل به على تحريم شدّ الرحال إليها.

ثانياً: إنّ النهي عن شدّ الرحال إلى غير هذه المساجد لا يعني تحريمه، بل يعني نفي الفضيلة فيه، وتلك المساجد وسوى الثلاثة لما كانت متساوية في الفضيلة والثواب، فلا ملزم لتحمّل العبء بشدّ الرحال إليها.


(317)

فالمساجد الجامعة متساوية في الفضيلة في عامَّة البلاد فلا وجه لشدّ الرحال إلى مسجد لاِقامة الصلاة فيها، ولكنه إذا شدّ الرحال بقصد الصلاة والعبادة لربّه لا يُعدّ عمله مُحرّماً بل غاية الاَمر أنّه لا يترتب عليه ثواب.

ثالثاً: إنّ الحديث نصٌّ أو ظاهرٌ في الحصر، مع أنّه ورد في الصحيح أنّ النبي كان يأتي مسجد «قُبا» راكباً وماشياً فيصلي فيه (1)فكيف يجتمع هذا الاَصل مع لسان وهذا الحديث الذي هو لسان الاِباء عن التخصيص؟

إنّه لا يصحّ لنا أن نقول: إنّ النهي خُصّص بعمل النبي.

وهذا ربّما يكشف عن كون حديث النهي عن شد الرحال غير صحيح من رأس، أو أنّه نُقل محرَّفاً، خصوصاً أنّه نُقِل عن طريق أبي هريرة فقط، والاستدلال بمتفرداته أمرٌ مُشكل.

وقد تنبّه ابن تيميّة لهذا الاِشكال فحاول أن يرفع التناقض، بين الحصر، وناقضه فقال: (انّه يُستحب لمن كان بالمدينة أن يذهب إلى مسجد قُبا).

وهذا الجمع لا يرفع الاِشكال فإنّ الكلام في تخصيص النصّ الدالّ على الحصر وأنَّه لا يشدّ إلى غيره أبداً، سواء كان مستحباً للمقيم أو للاَعم منه ومن المسافر.

وبعبارة أوضح: أنّ حديث النهي عن شدّ الرحال دالّ على النفي الشامل للمقيم والمسافر فكيف يجمع مع الحديث المخصص.


(1)صحيح مسلم 4: 127 وصحيح البخاري 2: 176 السنن للنسائي المطبوع مع شرح السيوطي 2:127.

(318)

هذا كلّه على فرض كون المستثنى هو (المسجد) وقد عرفت كون الحديث أجنبياً عن السَّفَر إلى غير المساجد وبما أنّ المستثنى هو (المسجد) فالمناسب هو كون المستثنى منه من هذا القبيل.

وأمّا على التقدير الثاني وهو تقدير الاَماكن وما يقاربه ويعادله، فلازم ذلك أن تكون كافّة الاَسفار محرَّمة غير السفر إلى المساجد الثلاثة، وهل يلتزم بذلك مسلمٌ، وهل يفتي به أحدٌ؟

ولو كان الحديث بصدد منع كافة الاَسفار المعنوية فكيف كان النبيّ والمسلمون يشدّون الرحال في موسم الحج إلى عرفات والمشعر ومنى؟

وهذا دليل على أنّ «المستثنى منه» هو المساجد لا الاَماكن.

أضِف إلى ذلك أنَّ الذكر الحكيم والاَحاديث الصحيحة قد حثّا على السَّفَر إلى طلب العلم والجهاد في سبيل اللّه وصلة الرحم وزيارة الوالدين قال سبحانه: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدّينِ ولِيُنْذِرُوا قََومَهُمْ إِذا رَجِعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون) (1)

مُضافاً إلى ما ورد في السفر للرزقِ، فلو كان الحكم في حديث النهي عن شدّ الرحال عامّاً، فما معنى هذه التخصيصات الكثيرة الوافرة التي تُنافي البلاغة، وتُزيل الحصر؟

وهناك كلمة قيّمة للغزالي في «إحياء العلوم» يقول:

القسم الثاني هو: أن يسافر لاَجل العبادة إمّا لحجٍّ أو جهاد ...


(1)التوبة: 122.

(319)

ويدخلُ في جملته زيارة قبُور الاَنبياء - عليهم السلام - وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والاَولياء، وكل من يُتَبرَّك بمشاهدته في حياته يتبرّك بزيارته بعد وفاتهِ، ويجوز شدُّ الرحال لهذا الغرض، ولا يمنعُ من هذا قوله - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «لا تُشدُّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الاَقصى» لاَنّ ذلك في المساجد، فإنّها متماثلة «في الفضيلة» بعد هذه المساجد، وإلاّ فلا فرق بين زيارة قبور الاَنبياء والاَولياء والعلماء في أصل الفضل، وإن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتاً عظيماً بحسب اختلاف درجاتهم عند اللّه (1)

خلاصة القول:

إنّ زيارة القبور جائزة بل مندوبة لاَنّها تزهّد في الدنيا وتذكّر بالآخرة، وقد ندب إليها رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - وفعلها.

وإنّ زيارة القبور التي تضم أجساد الشخصيات الاِسلامية العظيمة توَدّي إلى آثار نفسية واجتماعية كبرى.

وانّ ما يثار حول هذه المسألة من شبهات مثل أنّها عبادة لاَصحاب القبور أو توَدّي إلى ذلك لا قيمة له، بعد معرفة الناس بمنزلة النبيّ والاَئمّة والصالحين، وأنّهم عباد اللّه المقربون.


(1)كتاب إحياء علوم الدين للغزالي ج2: 247 كتاب آداب السفر، طبعة دار المعرفة بيروت، الفتاوى الكبرى ج2: 24.

(320)


(321)

خاتمة المطاف

ابن تيمية من منظار التاريخ

قد تعرّفت على مسألة العقائد الموروثة من ابن تيمية، في ظلّ الاَُصول المسلّمة الاِسلامية، وقد كانت تلك الاَفكار والعقائد مدفونةً في طيّات الكُُتُب، منسيةً غير معروفةٍ، لولا أنّ محمّد بن عبد الوهاب قام بدعمها وإحيائها من جديد في القرن الثاني عشر فانتشرت تلك البذور في الجزيرة العربية وتمت وتبلورت بالقهر والقوة.

ويجب إكمالاً للبحث التعرّف على حياة الموَسّس والمروّج حتى نستشف كيفية تلقّي العلماء عقائده من لدن ظهوره إلى عصرنا هذا فنقول:

وُلد أحمد بن تيمية عام 661 وتوفي عام 728 ، وقد ترعرع في أحضان عصر كانت القوارع فيه تنصب على روَوس المسلمين من الشرق والغرب وتهدم الديار ويُقتل الاَبرياء وتشق بطون النساء والاَطفال ويرفع الرجال على أعواد المشانق وتُخضّب الاَراضي بدماء المسلمين وذلك بسبب هجوم التتر


(322)

(عبّاد الصنم) على بلاد المسلمين وسقوط الخلافة العباسية في بغداد. وهي ظروف كان من المتوقع أن تساهم في انضاج الشخصية، وتزويدها بالتعقل والذكاء والعاطفة الدينية والحماس وغير ذلك ممّا تحتاج إليه الاَُمّة لرفع الظلم عنها، وإعادة الوحدة والقوة إلى كيانها الممزق.

نعم في هذا الوقت الذي كان المسلمون فيه بحاجة إلى أن يقومعلماوَهم بتنشيط العزائم ووعظ الملوك والساسة بالقيام بالوظائف،وفتح معسكرات لاِعداد الشباب وتدريبهم وإيجاد روح الكفاحأمام الوثنيين «التتر» والصليبيين المهاجمين... طرح ابن تيمية مسائللا تعود على المسلمين في تلك الظروف العصيبة بشيء سوى تعميقالخلاف وتعكير الصفوف وتشديد النزاعات المذهبية والطائفية، وأقل ما يقال عنها إنّها قضايا استهلاكية ومسائل جانبية لا تمتّ إلى انقاذ الاَُمّة من المحنة السياسية والعسكرية والغزو الصليبي الوثني الذي كانت تعاني منه.

وأوّل بادرة بدرت من الشيخ هو التقوّل بإثبات الجهة وذلك في عام 698 في «الرسالة الحمويّة» (1)حيث ادّعى بصراحة بأنّ الصفات الخبرية كالاستواء واليد والوجه والنزول والصعود يحمل على اللّه تعالى بنفس معانيها اللغوية من دون تصرّف.

ولما كانت «الرسالة الحمويّة» صريحة في إثبات الجهة والحركة والنقل دُعي الشيخ إلى دار السعادة بدمشق ليجيب على أسئلة القضاة.


(1)وهذه الرسالة مطبوعة ومنشورة.

(323)

يقول تلميذه ابن كثير في حوادث تلك السنة:

« ... قام عليه جماعة من الفقهاء وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي جلال الدين الحنفي فلم يحضر، فنودي في البلد في العقيدة التي كان سأل عنها أهل حماة المسمى به (الحموية... )» (1)

ثمّ إنّه لم يكتف بهذا الرأي الشاذ وأخذ يحط من شأن الاَنبياء ومنازلهم فخرج بهذه الفتاوى:

1ـ يحرم شدّ الرحال إلى زيارة النبي وتعظيمه بحجّة أنّه يوَدي إلى الشرك.

2ـ يحرم التوسّل بالاَولياء والصالحين.

3ـ تحرم الاستغاثة بالاَولياء ودعوتهم.

4ـ يحرم البناء على القبور وتعميرها.

5ـ لا تصح أكثر الفضائل المنقولة في الصحاح والسنن في حقّ العترة الطاهرة.

إلى غير ذلك من الآراء الشاذة.

وهكذا نجده في الظروف التي كانت المحن الباهضة تحيط بالمسلمين من جانب الشرق (التتر) والغرب (الصليبيون)، أتى بهذه الاَفكار الهدّامة وشغل بال القضاة والحكام طيلة حياته.


(1)ابن كثير: البداية والنهاية ، ج14: 4.

(324)

ولاَجل ذلك كان يُعتقل سنة ويفرَّج عنه سنة أُخرى إلى أن لفظ آخر أنفاسه في سجن دمشق عام 728 هـ.

ومن أراد أن يقف على موقف العلماء من آرائه وأفكاره فعليه الرجوع إلى كتب المعاجم والتراجم، فهو يرى أنَّهم يترجمونه (مع الاِشادة بفضله وعلمه وإحاطته بالقرآن والسنّة) مشيرين إلى لجاجه وشذوذه واعوجاجه.

ولاَجل أن يكون ذلك الادعاء مشفوعاً بالبرهان نأتي بنصوصهم في هذا المجال حتى تقف على أنَّ آراء الرجل كانت تخالف الرأي العام بين أهل السنَّة إلى حدٍّ قد مُنِعَ من الكتابة حتى في السجن، فما حال من كان على خلافٍ مع قضاة المذاهب وعلمائهم وحكامهم، وبذلك تعرف أنَّ الدعايات الاَخيرة التي تريد أن تصوّره كشيخ الاِسلام ومحيي السنَّة و ... لا تقوم على واقع صحيح فإنّ علماء وقضاة عصره ومن تأخر عنهم أجمعوا على ضلاله وفساد عقيدته فكيف يكون شيخ المسلمين؟

وها نحن نذكر كلمات العلماء في حقّه سواء كان من معاصريه أو ممّن أتى من بعده حسب ترتيب التواريخ.

1ـ صفي الدين الهندي (ت 644| م 715)

كان صفي الدين الهندي من أعلم الناس بالاَصلين، ومن تصانيفه في علم الكلام «الزبدة» وفي أُصول الفقه «النهاية» وكل مصنفاته حسنةٌ جامعةٌ لا سيَّما النهاية، وقد عُقد له مجلس بدار السعادة عام 715 هـ ليناظر


(325)

ابن تيمية، وكان طويل النفس في التقرير، فلمّـا شرعَ يقرّر، أخذ ابنتيمية يعجِّلُ عليه على عادته، ويخرج من شيء إلى شيء.

فقال له الهندي: ما أراك يا ابن تيمية إلاّ كالعُصفور حيث أردتُ أن أقبضه من مكان فرَّ إلى مكانٍ آخر.

وكان الهنديُّ شيخُ الحاضرين كلِّهم، فالكلّ صَدَر عن رأيه.

وحبس ابن تيمية بسبب تلك المسألة وهي التي تضمّنت قوله بالجهة ونُودي عليه في البلاد وعلى أصحابه وعزِلوا من وظائفهم (1)

2ـ كمال الدين الزملكاني (ت 667 | م 727)

الاِمام العلاّمة المناظر وُلِدَ في شوال سنة 667 هـ ودرس بالشامية، البرانية وولّـي قضاء حلب وألّف رسالة مستقلة في الردّ على ابن تيمية في مسألتي الطلاق والزيارة (2).

3ـ شهاب الدين الحلبي (م 733)

عرّفه السبكي بأنّه درس وأفتى وشغَلَ بالعلم مدةً بالقدس ودمشق، وله تصنيفٌ في نفي الجهة رداً على ابن تيمية، وقد جاء السبكي بنفس الرسالة في ترجمته وهي رسالة مفصَّلة، في تنزيهه سبحانه عن الجسم والجسمانيات، قال في مقدمته: «أمّا بعد الذي دعا إلى تصدير هذه النبذة ما وقع في هذه


(1)السبكي: طبقات الشافعية، ج9: 164ـ 169، والبداية والنهاية ج14:36ـ 38.

(2)المصدر نفسه ج9: 190ـ 191.

(326)

المدّة ممّا علقه بعضهم في إثبات الجهة، واغترّ بها من لم يرسخ له في التعليم، قدم ولم يتعلَّق بأذيال المعرفة، فعجبت أن أذكر عقيدة أهل السنّة ثم أُبين فساد ما ذكره، مع أنَّه لم يدّع دعوى إلاّ نقضها أو أوطد قاعدةً إلاّ هدمها (1)

4ـ شمس الدين الذهبي (م 748)

كان الشيخ الذهبي من الحنابلة المتعصّبين، فهو وإن لم يذكر في حق ابن تيمية شيئاً في كتاب «تذكرة الحفّاظ» لكنّه نصحه في رسالة بعثها إليه، وهذه الرسالة مطبوعة في تكملة السيف الصقيل للكوثري ص 190. كتبه من خط قاضي القضاة برهان الدين ابن جماعة، وكتبه هو من خطّ الشيخ الحافظ أبي سعيد ابن العلائي وكتبه هو من خطّ الذهبي وفي آخر الرسالة جاء:

«أما آن لك أن تَرعَوي؟ أما حانَ لك أن تتوب وتُنيب، أمّا أنت في عمر سبعين وقد قرب الرحيل، واللّه ما أدَّكِر أنّك تذكر الموت، بل تزدري بمن يذكر الموتَ، فما أظنكَ تُقبل على قولي ولا تُصغي إلى وعظي، بل لك همَّة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات!... فإذا كان هذا حالُكَعنديوأنا الشفوق المحبُّ الوادُّ فكيفَ حالُكَ عند أعدائك، وأعداوَك واللّه فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء كما أنَّ أولياءَك فيهم فَجَرَةٌ كَذَبةٌ جَهَلَةٌ...» (2)


(1)السبكي: طبقات الشافعية ج 9: 34ـ35.

(2)تكملة السيف الصقيل: 190.

(327)

5ـ صدر الدين المرحل (م حوالي 750)

كان إماماً كبيراً بارعاً في المذهب والاَصلين، يُضرب المثل باسمه فارساً في البحث نظّاراً مُفرط الذكاء عجيب الحافظة وله مع ابن تيمية المناظرات الحسنة وبها حصل عليه التعصب من أتباع ابن تيمية (1)

6ـ الحافظ علي بن عبد الكافي السبكي (م 756)

كان الشيخ الفقيه السبكي أحد المناضلين ضدَّ آراء ابن تيمية، خصوصاً في مسألة تحريم الزيارة والسفر إلى قبر الرسول. يقول وَلدُه : إمام ناضَح عن رسول اللّه بنضاله، وجاهَدَ بجداله، حمى جناب النبوة الشريف بقيامه في نصره ... قامَ حين خلط على ابن تيمية الاَمر وسوّلَ له الخوضَ في ضحضاح ذلك الجمر، حين سدّ باب الوسيلة، وأنكر شدّ الرحال لمجرَّد الزيارة (2)

ويقول السبكي أيضاً في ديباجة كتابه «الدرَّة المضيئة في الردّ على ابن تيمية» ما هذا نصّه:

«لمّا أحدث ابن تيمية ما أحدث في أُصول العقائد ونقَضَ من دعائم الاِسلام الاَركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنّة مُظهراً أنّه داع إلى الحق، هادٍ إلى الجنَّة، فخرج عن الاتباع إلى الابتداع، وشذَّ عن


(1)السبكي: طبقات الشافعية ج 9: 253.

(2)المصدر نفسه ج10: 149ـ 150.

(328)

جماعة المسلمين بمخالفة الاِجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدّسة وأنّ الافتقار إلى الجزء ليس بمحال وقال بحلول الحوادث بذات اللّه تعالى ... » (1).

له كتاب آخر أيضاً أسماه «شفاءُ السقام في زيارة خير الاَنام عليه أفضل الصلاة والسلام» أثبت فيه استحباب الزيارة بروايات كثيرة كما أثبت جواز السفر للزيارة وطبع بمصر عام 1318، وقدَّم له مقدَّمة العلاّمة الشيخ محمّد بخيت أسماها بـ : «تطهير الفوَاد من دنس الاعتقاد».

7ـ محمد بن شاكر الكتبي (م 764)

إنّ الكتبي هو الذي ألّف كتاب «فوات الوفيات» تذييلاً لكتاب «وفيات الاَعيان» لابن خلكان، فقال في ترجمة ابن تيمية أنَّه ألّف رسالة في فضل معاوية وفي أنّ ابنه يزيد لا يُسَب (2)

وهذه الرسالة تُعرب عن نزعاته الاَموية ويكفي القول في «الوالد وما ولد» أنّ الاَوّل بدل الحكومة الاِسلامية إلى الملوكية الموروثة ودعى عباد اللّه إلى ابنه يزيد، المتكبر، الخمّير، صاحب الديوك، والفهودِ، والقرودِ، وأخذَ البيعةَ له على خيار المسلمين بالقهرِ والسطوةِ والتوعيدِ، وهو المجاهرُ بكفره بقوله:

لَعِبَتْ هاشمُ بالمُلكِ * فلا خبر جاءَ ولا وَحيٌ نَزَل


(1)السبكي: الدرَّة المضيئة ص 5.

(2)الكتبي: فوات الوفيات ج1: 77.

(329)

والثاني قتل الاِمام السبط الحسين أوّلاً، وارتكب مجزرة الحرّة ثانياً، وأحرق الكعبة ثالثاً.

8 ـ أبو محمد اليافعي (م 768)

قال في ترجمة ابن تيمية: ماتَ بِقَلعة دمشق تقي الدين أحمد بن تيمية مُعتقلاً ومُنِعَ قبل وفاته بخمسة أشهر عن الدواة والورقة، وسمع من جماعة، وله مسائل غريبة أُنكر عليه وحُبس بسببها مباينةٌ لمذهب أهل السنّة، ومن أقبحها نهيه عن زيارة النبي، وكذلك عقيدته في الجهة (1)

9ـ أبو بكر الحصني الدمشقي (م 829)

يقول: فاعلم إنّي نظرتُ في كلام هذا الخبيث الذي في قلبه مرض الزيغ، المتتبع ما تشابه من الكتاب والسنَّة، ابتغاء الفتنة وتَبِعه على ذلك خلقٌ من العوام وغيرهم ممّن أراد اللّه عزّ وجلّ إهلاكه، فوجدت فيه ما لا أقدر على النُّطق به، ولا لي أنامل تطاوعني على رسمه وتسطيره، لما فيه من تكذيب ربّ العالمين، في تنزيهه لنفسه في كتابه المبين، وكذا الازدراءُ بأصفيائه المنتخبين، وخلفائهم الراشدين، وأتباعهم الموفّقين، فعدلت عن ذلك إلى ذكر ما ذكره الاَئمّة المتّقون وما اتفقوا عليه من تبديعه وإخراجِهِ ببغضه من الدين (2)


(1)اليافعي: مرآة الجنان ج4: 240 و 277 في حوادث سنة 728.

(2)الدمشقي: دفع شبه من شبه وتمرد : 216.

(330)

10ـ شيخ الاِسلام شهاب الدين، أحمد بن حجر العسقلاني (م852)

إنّ ابن حجر العسقلاني أعرف وأشهر من أن يُعرف قال في كتابه: «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» : (أول ما أنكروا على ابن تيمية من مقالاته في شهر ربيع الاَوّل سنة 698، قام عليه جماعة من الفقهاء بسبب الفتوى الحموية وبحثوا معه ومُنع من الكلام.

ثمّ ذكر معتقلاته وسجونه إلى أن أدركته المنية ...

11ـ جمال الدين يوسف بن تغـري الاَتابكي (ت 812 ـ م874)

هو موَلف «المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي» نقل فيه عن القاضي كمال الدين الزملكاني الجملة التالية: ثمّ جرت له محن في مسألة الطلاق الثلاث وشدّ الرحال إلى قبور الاَنبياء والصالحين، وحبب للناس القيام عليه، وحُبس مرات في القاهرة والاِسكندرية ودمشق، وعُقِدَ له مجالس بالقاهرة ودمشق إلى أن ورد مرسومٌ شريف من السلطان في شعبان سنة 726 بأن يُجعل في قلعة دمشق، فأقام فيها مدَّة مشغولاً بالتصنيف، ثمّ بعد مدَّة مُنِعَ من الكتابة والمطالعة وأخرجوا ما كان عنده من الكتب ولم يتركوا عنده دواتاً ولا قلماً ولا ورقة.


(331)

ثمّ إنَّه نقل أنّه كُتِبَ عليه محضرٌ وقد أُمر فيه أنّه أشعري وإليك ما كتبه بخطه: «أنا أعتقد أنّ القرآن معنىً قائم بذات اللّه وهو صفة من صفات ذاته القديمة وهو غير مخلوق وليس بحرف ولا صوت وأنَّ قوله: (الرحمن على العرش استوى)) ليس على ظاهره، ولا أعلم كُنْه المراد به، بل لا يعلمه إلاّ اللّه، والقول في النزول كالقول في الاستواء، وكتبه أحمد ابن تيمية ثمّ أشهَدوا عليه جماعة أنّه تاب ممّا ينافي ذلك مختاراً وشهد عليه بذلك جمع من العلماء وغيرهم (1)

12ـ شهاب الدين ابن حجر الهيثمي (م 973)

إنَّ ابن حجر الهيثمي أشهر من أن يعرَّف. قال في ترجمة ابن تيمية:

«ابن تيمية عبدٌ خَذَلَه اللّه وأضلَّه وأعماه وأصمَّه وأذلَّه، وبذلك صرَّح الاَئمة الذين بيَّنوا فساد أحواله وكذِبَ أقواله ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الاِمام المجتهد، المتفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد، أبي الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الاِمام العز بن جماعة وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية ولم يقصر اعتراضه على متأخري الصوفية، بل اعترض على مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ـ رضي


(1)ابن حجر : الفتاوى الحديثة : 86، نقله العلاّمة الشيخ محمد بخيت في كتاب «تطهير الفوَاد» ص 9، طبع مصر، ولابن حجر كلمة أُخرى في كتابه «الجوهر المنتظم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرم» نقلها القضاعي العزامي في كتابه «فرقان القرآن» : 132 ـ وهو مقدمة لكتاب «الاَسماء والصفات» للبيهقي.

(332)

اللّه عنهما ـ (1)

13ـ ملا علي القاري (م 1016)

إنّ كتاب «الشفاء في تعريف حقوق المصطفى» تأليف عياض بن موسى المتوفى عام 544، من أنفس الكتب وقد شرحه عدّة من الاَعلام منهم ملا علي القاري، قال في الفصل المخصّص بزيارة النبيّ:

إنَّ ابن تيمية من الحنابلة حَرَّمَ السفر لزيارة النبيّ وهو قد أفرط، كما أفرط غيره حيث قال: إنَّ الزيارة قربةٌ معلوم من الدين بالضرورة وجاحده محكومٌ عليه بالكفر، ولعلّ الثاني أقربُ إلى الصواب، لاَنّ تحريم ما أجمع العلماء فيه بالاستحباب يكون كفراً لاَنّه فوق تحريم المباح المتّفق في هذا الباب(2)

14ـ أبو العباس أحمد بن محمد المكناسي، الشهير بابن القاضي (ت 960 ـ م 1025)

لقد ترجم ابن القاضي هذا ابن تيمية في ذيل وفيات الاَعيان المسمى بـ : «درَّة الحجال في أسماء الرجال» بقوله: «أحمد بن عبد الحليم مُفتي الشام ومحدّثه وحافظه وكان يرتكب شواذّ الفتاوى ويزعم أنّه مجتهد» (3)


(1)ملاّ علي القاري: شرح الشفاء في هامش نسيم الرياض ج3: 514.

(2)ملاّ علي القاري: شرح الشفاء في هامش نسيم الرياض ج3: 514.

(3)المكناسي: درّة الحجال ج1: 30.


(333)

15ـ الشيخ محمّد بخيت المصري (المتوفّى بعد سنة 1330)

يقول في كتابه «تطهير الفوَاد من دنس الاعتقاد» الذي طبع مقدمة لكتاب شفاء السقام للسبكي:

«ومن الفريق الثاني الذي طَمَسَ اللّهُ على قَلبه وطَبَع عليه أهلُ البدع في العقائد والاَعمال الذين خالفوا الكتاب والسنّة والاِجماع، فضلّوا وأضلّوا كثيراً قاتلهم اللّه أنَّى يوَفكون، ومأواهم جهنّم وساءَت مصيراً، وقد ابتلي المسلمون بكثير من هذا الفريق سلفاً وخلفاً فكانوا وصمةً وثُلْمة في المسلمين وعُضواً فاسداً يجب قطعه حتى لا يُعدي الباقي فهو المجذوم الذي يجب الفرار منه، ومنهم ابن تيمية الذي ألّف كتابه المسمى بــ : «الواسطية» وغيره، فقد ابتدع ما خَرقَ به إجماع المسلمين، وخالفَ فيه الكتاب والسنَّة الصريحة والسَّلَف الصالح، واسترسل مع عقله الفاسد وأضلَّه اللّهُ على علمٍ فكان إلههُ هواه ظناً منه بأنّ ما قاله حقٌّ وما هو بالحق وإنّما هو منكر من القول وزور (1)

وقال:

ولما أن تظاهر قوم في هذا العصر بتقليد ابن تيمية في عقائده الكاسدة وتعضيد أقواله الفاسدة وبثّها بين العامّة والخاصّة واستعانوا على ذلك بطبع كتابه المسمّى بـ «الواسطية» ونشره، وقد اشتمل هذا الكتاب على كثيرٍ ممّا ابتدعه ابن تيمية مُخالفاً في ذلك الكتاب والسنَّة وجماعة المسلمين، فأيقظوا


(1) السبكي: تطهير الفوَاد: 9، ولاحظ بعده إلى ص 12.

(334)

فتنةً كانت نائمةً، فقياماً بما يجب علينا كنّا عزمنا على جمع موَلَّف في الردّ على ذلك الكتاب حتّى لا يقع المسلمون بواسطة ابن تيمية ومن هُم على شاكلته في مُهُود الضلال والهلاك الاَبدية، غير أنّا وجدنا كتاب الاِمام الجليل والمجتهد الكبير تقي الدين أبي الحسن السبكي بـ «شفاء السقام في زيارة خير الاَنام» وافياً بالغرض المقصود ... فاكتفينا بطبعه ونشره» (1)

16ـ الشيخ يوسف النبهاني (ت 1265ـ م1350)

قال النبهاني في تأليفه «شواهد الحق» بعد ما نقل أسماء عدَّة من الطاعنين فيه:

«فقد ثَبَتَ وتحقّق أنَّ علماء المذاهب الاَربعة قد اتفقوا على ردّ بدع ابن تيمية، ومنهم من طَعَنُوا بصحةِ نقله، كما طَعَنوا بكمالِ عَقله، فضلاً عن شدَّة تشنيعهم عليه في خطئه الفاحِشِ في تلك المسائلِ التي شَذَّ بها في الدين، وخالف بها إجماع المسلمين، ولا سيَّما فيما يتعلّق بسيّد المرسلين - صلّى الله عليه وآله وسلم - (2).

17ـ الشيخ سلامة القضاعي العزامي (م 1379)

إنّ الشيخ العزامي من كبار علماء مصر الاَزهريين وكتابه «فرقان


(1)المصدر السابق.

(2)النبهاني: شواهد الحق المطبوع ضمن مجموعة تحتوي رسائل أربع جمعه حسين حلمي وطبعه باسلامبول.

(335)

القرآن»، كتابٌ بديعٌ كتبه ردّاً على هفوات ابن تيمية يقول في حقّه:

«ومن عجيب أمر هذا الرجل أنَّه إذا ابتدع شيئاً حكى عليه إجماع الاَوّلين والآخرين كذباً وزوراً وربّما تجد تناقضه في الصفحة الواحدة فتجده في «منهاج السنّة» مثلاً يدَّعي أنَّه ما من حادثٍ إلاّ وقبلهُ حادث إلى ما لا نهاية له في جانب الماضي، ثمّ يقول:

«وعلى ذلك أجمع الصحابة والتابعون» ، وبعد قليل يحكي إختلافاً للصحابة في أوّل مخلوقٍ ما هو؟ أهو القلمُ أم الماء؟ وقد جمعَ تلميذُه «ابن زفيل» (يريد: ابن القيم) سفاهاته ووساوسه في علم أُصول الدين في قصيدته النونية» (1)

18ـ الشيخ محمّد الكوثري المصري (المعاصر)

إنَّ الشيخ الكوثري هو أكثر الناس تتبُّعاً لمكامن حياة ابن تيمية وقد خدم خدمةً جليلة بنشر كتاب «السيف الصقيل» للسبكي وجعل له تكملة نُشرا معاً، فمن وقف على هذا الكتاب وما ذيَّل به، يعرف مواقف هذا الرجل، وقيمته في ميزان العلماء المعاصرين له والمتأخّرين عنه.

وإليك كلمة منه في حقّ الحشوية يقول في تقديمه لكتاب «الاَسماء والصفات» للحافظ البيهقي ـ بعد سرد أسماء عدَّة من كُتُب الحشوية


(1)لاحظ فرقان القرآن: 132 و 137 ألّفه عام 1358 والقصيدة النونية تتجاوز عن خمسة آلاف بيت أكثرها يهدف إلى إثبات الجهة والجسمية وغير ذلك وقد كتب السبكي عليه ردّاً سماه «السيف الصقيل».

(336)

كالاستقامة لخشيش بن أصرم، والسنَّة لعبد اللّه بن أحمد «والنقض» لعثمان بن سعيد الدارمي السنجري المجسّم ـ:

إنّ السنجري أوّل من اجترأ بالقول: (انّ اللّه لو شاء لاستقرّ على ظهر بعوضةٍ لاستقلَّت بهِ بقدرتهِِ فكيف على عرشٍ عظيم) وتابعَهُ الشيخ ابن تيمية الحراني في ذلك كما تجد نصّ كلامه في «غوث العباد» المطبوع سنة 1351 بمطبعة الحلبي (1).

وقال في حق ابن تيمية: كلُّ ما في الرجل أنّه كان له لسانٌ طلق، وقلمٌ سيّال، وحافظةٌ جيّدةٌ، قلَّب ـ بنفسه، بدون أُستاذٍ رشيدٍ ـ صفحاتِ كُتُبٍ كثيرةٍ جداً من كُتُبِ النِّحَلِ التي كانت دمشق امتلاَت بها بواسطة الجوافل من استيلاء المغول على بلاد الشرق، فاغترَّ بما فهمه من تلك الكتب من الوساوسِ والهواجسِ حتى طمحَت نفسه إلى أن تكون قدوةً في المعتقد والاَحكام العملية (2)

19ـ الشيخ محمد أبو زهرة

ألّف الشيخ محمد أبو زهرة كتاباً في حياة ابن تيمية وشخصيته وأغمض عن كثيرٍ من الجوانب السلبية في شخصيته وحياته ومع ذلك انتقده في موارد منها منعه التبرّك بآثار الرسول وقال:

«إنّا نخالف ابن تيمية مَنْعَهُ التبرّك بزيارة قبر الرسول والمناجاة عنده


(1)مقدمة الاَسماء والصفات : للبيهقي: 8 «ب».

(2)تكملة السيف الصقيل: 5، وله كلام في حق تلميذه ابن زفيل (المعروف بابن القيم).

(337)

وعدم الندب إليه، وانَّ التبرّك الذي نريده ليس هو العبادة أو التقرّب إلى اللّه بالمكان، وإنّما التبرّك هو التذكُّر والاعتبار والاستبصار ...» (1)

20ـ فتوى قضاة المذاهب الاَربعة في ابن تيمية

أصدر الشاميّون فتيا في ابن تيمية وكتب عليها البرهان ابن الفركاح الفزاري نحو أربعين سطراً بأشياء إلى أن قال بتكفيره، ووافقه على ذلك الشهاب جَهْبل وكتب تحت خطه: «كذلك المالكي» ثم عُرضت الفتيا لقاضي قضاة الشافعية بمصر : البدر بن جماعة فكتب على ظاهر الفتوى:

«الحمدُ للّه هذا المنقول باطنُها جوابٌ عن السوَال عن قوله أنّ زيارة الاَنبياء والصالحين بدعةٌ وما ذكره من نحو ذلك وأنّه لا يرخّص بالسفر لزيارة الاَنبياء، باطلٌ مردودٌ عليه وقد نقل جماعة من العلماء أنَّ زيارة النبي فضيلةٌ وسنّةٌ مجمعٌ عليها.

وهذا المفتي المذكور يعني ابن تيمية ينبغي أن يزجر عن مثل هذه الفتاوى الباطلة عند الاَئمّة والعلماء ويمنع من الفتاوى الغريبة ويحبس إذا لم يمتنع من ذلك ويُشهَّر أمره ليحتفظ الناس من الاقتداء به.

وكتبه محمد بن إبراهيم بن سعد اللّه بن جماعة الشافعي.

وكذلك يقول محمد بن الحريري الاَنصاري الحنفي:

لكن يُحبس الآن جزماً مطلقاً.


(1) أبو زهرة: ابن تيميّة، حياته وشخصيته: 228.

(338)

وكذلك يقول محمد بن أبي بكر المالكي: ويبالغ في زجره جسماً تندفع تلك المفسدة وغيرها من المفاسد.

وكذلك يقول أحمد بن عمر المقدسي الحنبلي (راجع دفع الشبه ص45ـ47) وهوَلاء الاَربعة هم قضاة المذاهب الاَربعة بمصر أيام تلك الفتنة في سنة 726» (1).

وبعد هذه الفتيا من قضاة المذاهب الاَربعة، وبعد تلك الكلمات الواضحة القوية من العلماء البارزين المعروفين لا يبقى لمشكك أيّة شبهة في أنَّ الرجل كان منحرفاً عن الصراط المستقيم، سالكاً غير سبيل الموَمنين. وخارقاً لاِجماع العلماء الفاقهين.

قائمة الردود على ابن تيمية:

وإليك قائمة من الردود التي أُلّفت وكتبت على عقائده وأفكاره وهي بين كتاب ضخم أو رسالة أو كتيّب صغير وهذه القائمة تضمّ بعض ما كتب في هذا المجال:

1ـ «شفاء السقام في زيارة خير الاَنام» لتقي الدين السبكي.

2ـ «الدرة المضيئة في الردّ على ابن تيمية» لتقي الدين السبكي.

3ـ «المقالة المرضية في الرد على ابن تيمية» لتقي الدين أبي عبد اللّه الاَفنائي.

4ـ «نجم المهتدي ورجم المقتدي» للفخر ابن المعلم القرشي.

5ـ «دفع شبه من شبه وتمرّد ونسب ذلك إلى الاِمام أحمد» لتقي الدين


(1)الكوثري: تكملة السيف الصقيل : 155.

(339)

الاِمام أبي بكر الحسني الدمشقي (م 729).

6ـ «التحفة المختارة في الرد على منكري الزيارة» لتاج الدين عمر المالكي الفاكهاني (م734).

7ـ «صلح الاَخوان في الردّ على كلمة السيد محمود الآلوسي في التوسّل بالنبي» للخالدي البغدادي.

8ـ «اعتراضات على ابن تيمية» لاَحمد بن إبراهيم السروطي الحنفي.

9ـ «البراهين الساطعة» للشيخ سلامة العزامي (م 1379).

10ـ «جلاء العينين في محاكمة الاَحمدين» (1)للشيخ نعمان بن محمّد الآلوسي.

11ـ «الدرَّة المضيئة في الردّ على ابن تيمية» لكمال الدين المعروف بابن الزملكاني.

12ـ «الرد على ابن التيمية في الاعتقاد» لمحمد بن حميد الدين الحنفي الدمشقي الفرغاني (2)

(إنَّ في ذلِكَ لَذِكْرى لِـمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد)(3)

***


(1)المقصود أحمد بن تيمية وأحمد بن حجر.

(2)راجع للوقوف على هذه الموَلّفات والموَلّفين: كشف الظنون 1: 744 والفياح المكنون 1: 662، ومعجم الموَلّفين 1: 140 و 11: 22 و 12: 107 وكتاب التوسّل بالنبي لابن مرزوق: 252، إلى غير ذلك ...

(3)ق: 37.

(340)


(341)

حياة محمد بن عبد الوهاب

مروّج عقائد ابن تيمية

إنَّ الاَُصول المعروفة بالعقائد الوهابية شيءٌ ابتدعه أحمد بن تيمية وكانت أفكاراً منسيّة كادت أن تذهب أدراج الرياح لولا أنّ محمّد بن عبد الوهاب عمد إلى إحيائها وأيقظ فتنة كانت نائمةً.

واستكمالاً للبحث يجب علينا دراسة حياته وما فيها من أحداث موَلمة على وجه الاختصار.

ولِد الشيخ عام 1111، وقيل 1115 وتوفي عام 1207 هـ في بلدة «العيينة» من بلاد «نجد» وتلقّى فيها دروسه على رجال الدين من الحنابلة، ثمّ غادر موطنه ونزل المدينة المنوَّرة ليكمل دروسه، ومنها سافر إلى كثير من البلدان، فأقام في البصرة أربع سنين وفي بغداد خمس سنين، وسنة في كردستان وسنتين في همدان ثمّ رحل إلى اصفهان وقم، ثم عاد إلى بلده.

كانت بوادر الظلال تُستشَف من كلماته، خصوصاً عندما كان يدرس على الشيخ محمّد بن سليمان الكردي والشيخ محمّد حياة السندي، فقد كانا


(342)

يتفرّسان فيه الغواية والاِلحاد، حتى أنّ والده «عبد الوهاب» كان رجلاً صالحاً يتفرّس فيه الاِلحاد ويعظه وينهاه، وكان مُولعاً بمطالعة أخبار من ادّعى النبوة كاذباً كمسيلمة الكذاب وسجاح والاَسود العنسي وطريحة الاَسدي وأضرابهم (1)

وهذا يُعرب عن أنَّ محمّد بن عبد الوهاب كان يُضمر في مكامن ذهنه شيئاً يشاكل فعل هوَلاء المتنبئين، فصبَّ ما أضمره في الدعوة الجديدة إلى التوحيد، وعاد يكفّر رجال الدين عامّة، وهذه سمة المبتدعين عامة.

انتقال والده إلى حريملة

ترك والدُه العيينة ونزل بلدة حريملة وانتقل معه ولده، ولما مات الوالد عام 1143 أظهر هو أفكاره وآراءه وعندئد همَّ أهل حريملة بقتله فهرب إلى العيينة مسقط رأسه ودار نشأته، وتعاهد مع أميرها، أعني: عثمان بن معمر على أن يشدّ كلٌّ أزر الآخر فيترك الاَمير للشيخ (ابن عبد الوهاب) الحرية في إظهار الدعوة، والعمل على نشرها، عسى أن يسيطر الاَمير على نجد بكاملها، ولكي تقوى الروابط بين الاثنين زوَّج الاَمير أُخته جوهرة من الشيخ، فقال له الشيخ: إني لآمل أن يهبك اللّه نجداً وعربانها(2)

ولكن لم يطل التحالف بين ابن عبد الوهاب وأُمراء عيينة لاَنّ أمير


(1)لاحظ زيني دحلان : الدرر السنية: 42، وأحمد أمين: زعماء الاِصلاح: 10، صدقي الزهاوي: الفجر الصادق: 17، وزيني دحلان: فتنة الوهابية: 66.

(2)فيلبي، عبد اللّه: تاريخ نجد : 36.

(343)

الاَحساء، أعني: سليمان الحميدي، أمر عثمان بن معمر أن يقتل الشيخ فلم ير بدّاً من إخراج الشيخ من عيينة ولم يجد الشيخ بُدّاً من مغادرتها إلى الدرعية عام 1160 وهي بلاد مسيلمة الكذاب !!!

ولما ورد الدرعية استقبله «محمّد بن سعود» جدّ السعوديين وتمّ الاتفاق بين الاَمير والشيخ على غرار ما كان قد تمّ بينه وبين ابن معمر، فقد وهب الشيخ نجداً وعربانها لمحمد بن سعود كما وهبها من قبل لعثمان بن معمر ووعده بأن تكثر الغنائم عليه والاَسلاب الحربية التي تفوق ما يتقاضاه من الضرائب (1)

بدء الدعوة ونشرها في ظل القوة:

شعر محمّد بن عبد الوهاب بقوته عن طريق هذا التحالف الجديد وأنَّ الاِمارة السعودية أصبحت تناصره وتوَازره، ولذلك جمع الشيخ أنصاره وأتباعه وحثَّهم على الجهاد وكتب إلى البلدان المجاورة المسلمة، أن تقبل دعوته وتدخل في طاعته وكان يأخذ ممن يُطيعه عُشر المواشي والنقود والعروب ومن أبى غزاه بأنصاره فيقتل الاَنفس وينهب الاَموال ويسبي الذراري (2)


(1)فيلبي، عبد اللّه: تاريخ نجد: 39.

(2)محمد جواد مغنية، هذه هي الوهابية: 114.

(344)

صِدام بين محمّد بن عبد الوهاب وأُمراء عيينة:

ولما التحق محمّد بن عبد الوهاب بأمير الدرعية وبزغ نجمه أحس أمير العيينة عثمان بن معمر خطراً من جانب محمّد بن عبد الوهاب الذي تحالف معه ثمّ نقَضَه، فلم يلبث إلاّ يسيراً، حتى اتَّهم الاَمير بأنَّه أجرى مراسلات سرَّية مع حكام الاحساء، فأرسل ابن عبد الوهاب بعض المرتزقة فاغتالوا أمير العيينة أثناء أدائه صلاة الجمعة وذلك عام 1163، ثمّ جاء محمّد بن عبد الوهاب إلى العيينة وعيَّـن عليهم حاكماً باسم بشاري بن معمر وهو من أتباع محمد بن عبد الوهاب، ثمّ لم يبرح زمن على سلطة آل سعود على العيينة حتّى ثار أهلها على النظام الذي فُرض عليهم ولكن لم يُكتب لانتفاضتهم النجاح، فعاد السعوديون إلى العيينة فدمّروا البلدة عن آخرها، وذلك عام 1163 حتى هدموا الجدران وردموا الآبار وأحرقوا الاَشجار واعتدوا على أعراضهم وبقروا بطون الحوامل من النساء، وقَطَعوا أيدي الاَطفال وأحرقوهم بالنار وسرقوا المواشي، وما زالت تلك البلدة خربة إلى يومنا هذا (1)

وقد كان للحركة الوهابية في عصر موَسسها صدىً وجاذبية فكانوا يخدعون بالدعوة إلى التوحيد بعض البُعداء عن المنطقة ولاَجل ذلك لما سمع السيد محمّد إسماعيل الاَمير اليمني تلك الدعوة، أنشأ قصيدةً بعثها إلى محمّد بن عبد الوهاب، التي مستهلها:


(1)ناصر السعيد: تاريخ آل سعود: 22 ـ 23.

(345)

سَلامٌ على نجدٍ ومن حلّ في نَجْد * وإن كان تَسليمي على البعدِ لا يُجدي

فلمّـا وقف على أنّ الدعوة مبنية على القتل والنهب رجع عن عقيدته وقال في قصيدة أُخرى التي مستهلها:

رجعتُ عن القول الذي قلت في نجدِ * فقد صحَّ لي عنه خلافُ الذي عندي (1)

وفي عام 1178 اتّفق أهالي نجران وقبيلتا العجمان وبني خالد وتحالفوا على سحق محمّد بن سعود ومحمّد بن عبد الوهاب، ووصل قائد نجران على ضواحي الدرعية قبل وصول حلفائه وتمكنوا من سحق الجند السعودي واختفى محمد بن سعود، وكاد ينتهي أظلم حكم دخيل عرفته شبه الجزيرة العربية على أيدي أهالي نجران الاَبطال، لو لم يلجأ محمد بن عبد الوهاب إلى المكر والخداع، فرفع راية الصلح على أن يقف أهالي نجران عند حدّهم، ويمتنعوا عن دخول الدرعية وأن يسلّموا ما تحت أيديهم من الاَسرى السعوديين ويتعهّد كلّ من محمّد بن عبد الوهاب ومحمّد بن سعود، بدفع عشرة آلاف جنيه ذهب كتعويض لاَهالي نجران عن رحلتهم هذه، وأن لا يتعدّى محمّد بن سعود ومحمّد بن عبد الوهاب حدود الدرعية وبهذا شهد محمّد بن عبد الوهاب ببطلان دعوته أمام أهالي نجران، وقد كان عنف الهجوم شديداً إلى درجة أنّ محمّد بن سعود أُصيب بإسهالٍ ومرض مرضاً


(1)سيد محسن الاَمين: كشف الارتياب: 8.

(346)

شديداً من جرّاء ما انتابه من رعب، حينما شاهد أنّ أهالي نجران يحاصرون الدرعية بعد سحقهم للجند السعودي وقد تسبّب ذلك في هلاك محمّد بن سعود من جرّاء المرض الذي أصابه من ذلك الحادث ومات عام1179.

إمارة عبد العزيز بن محمّد بن سعود (1179 ـ 1218)

وقبل موته اختار محمّد بن سعود ولدَه عبد العزيز ولياً للعهد من بعده باقتراح من محمّد بن عبد الوهاب فأصبحت الاِمارة تنتقل بالمبايعة بولاية العهد في تلك العائلة وهذه واحدة من بدع الشيخ محمّد بن عبد الوهاب.

وقد تزوّج عبد العزيز ابنة محمد بن عبد الوهاب وامتزج النسب بعضه ببعض.

ولم تكن سيرة عبد العزيز خيراً من سيرة أبيه، بل كانت حياته كلها حروباً وهجماتٍ حتى أنّ أحمد زيني دحلان قال:

«إنّ الشريف غالباً أمير مكة غزا الوهابية ما ينوف عن خمسين غزوة من سنة 1205 إلى سنة 1220، وكانت أكثر هذه الحروب أيام سلطة عبد العزيز آل سعود.

استيلاوَهم على كربلاء

توفى الشيخ ابن عبد الوهاب عام 1207 وعلى قول 1206، وكان عبد العزيز آخذاً بزمام الحكم بدعم وتأييد من الشيخ.

ومن جرائم عبد العزيز التي هزَّت العالم كله وأساءت إلى المسلمين


(347)

عامّة فضلاً عن الشيعة، هو تجهيز عبد العزيز جيشاً جراراً من أعراب نجد بإمارة ابنه سعود عام 1216 دخل به العراق وحاصر كربلاء وأعمل في أهلها السيف ولم ينجُ منهم إلاّ من فرَّ هارباً أو اختفى في مخبأ من حطب ونحوه، فهدم قبر الحسين - عليه السّلام- واقتلع الشبّاك الموضوع على القبر الشريف ونهب جميع ما في خزانة المشهد ولم يرع لرسول اللّه ولا لذريته أدنى حرمة ، وجدد بجريمته النكراء مأساة واقعة كربلاء ويوم الحرَّة.

يقول الدكتور منير العجلاني:

دخل اثنا عشر ألف جندي ولم يكن في البلدة، إلاّ عدد قليل من الرجال المستضعفين لاَنّ رجال كربلاء كانوا قد خرجوا يوم ذاك إلى النجف الاَشرف لزيارة قبر الاِمام أمير الموَمنين يوم الغدير، فقتل الوهابيون كل من وجدوهم، فقُدّر عدد الضحايا في يومٍ واحدٍ بثلاثة آلاف، وأمّا السلب فكانفوق الوصف ويقال أنّ مائتي بعير حُمِّلَت فوق طاقتها بالمنهوبات الثمينة (1)

احتلال الطائف عام 1217

وقد قام باحتلال الطائف عام 1217 بعدما هزموا الشريف «غالب» أميرها، فلما دخلوها قَتَلوا الرجال وأسروا النساء والاَطفال، وهذا دأبهم في من يحاربهم وهدموا قبَّة ابن عباس في الطائف.

يقول زيني دحلان: فدخلوا البلد عنوةً في ذي القعدة سنة 1217


(1)الدكتور منير العجلاني: تاريخ العربية السعودية : 126ـ 127.

(348)

فَقَتَلوا الناس قَتلاً عاماً حتى الاَطفال وكانوا يذبحون الطفل الرضيع على صدر أُمه، وكان جماعة من أهل الطائف خرجوا قبل ذلك هاربين، فأدركتهم الخيل وقطَّعت أكثرهم، وفتشوا عن من توارى في البيوت وقَتَلُوه وقَتَلوا من في المساجد ... وصارت الاَعراب تدخل كل يومٍ إلى الطائف وتنقل المنهوبات إلى الخارج حتى صارت كأمثال الجبال، فأعطوا خمسَها للاَمير واقتسموا الباقي ونشروا المصاحف وكتب الحديث والفقه والنحو في الاَزقة، وأُخبروا أنّ الاَموال مدفونة في المخابىَ فَحَفَروا في موضع فوجدوا فيه مالاً فلاَجلها حَفَروا جميع بيوت الخلاء والبالوعات.

استيلاوَهم على مكة (عام 1218)

فقد استولوا على مكّة المكرمة يوم العاشر من محرم، ففعلوا بها وبأهلها ما فعله جندهم بأهل الطائف، وفرَض عبد العزيز على علمائها تلقّي أفكار ابن عبد الوهاب ومدارسة كتبه كما منَعَ مسلمي الآفاق من أداء الحج والعمرة، فانقطع عن أهل مكة والمدينة ما كان يصل إليهم من الصدقات وأسباب التجارة التي كانوا يعيشون بها، وبعد استيلائهم على مكّة دمّروا القباب التي شُيّدت لتكريم شخصيات صدر الاِسلام فَهَدمُوها وهَدَمُوا دارَ مولد النبيّ وقُبّة السيدة خديجة وقُبّة زمزم، فما مضت عليهم إلاّ ثلاثة أيّام حتى محوا جميع آثار صدر الاِسلام ومعالمه وآثار الصالحين فأزالواها عن بكرة أبيها (1)


(1)جبران شامية : آل سعود ماضيهم ومستقبلهم: 64 ، تاريخ الجبرتي: 93، 118.

(349)

هلاك عبد العزيز عام 1218

كان عبد العزيز يثير الحروب ويشتغل بالسلب والنهب بقيادة ولده سعود حتى اغتاله رجل وهو يصلي في المسجد عام 1218. قال فيلبي:

«لقد تنكَّر القاتل بزي درويش وذهب إلى الدرعية وبقي فيها أياماً يصلّـي خلف عبد العزيز، وفي ذات يوم ألقى بنفسه على عبد العزيز وهو يصلّـي وطعنه بمدية في ظهره اخترقت به إلى بطنه، وتفيد بعض المعلومات أنَّ القاتل كان شيعيّاً هلك كل أفراد عائلته أثناء غزو كربلاء، وأخذ الحكم بعده ولده سعود بن عبد العزيز من عام 1218 إلى 1229.

وهذه نظرة سريعة إلى حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والاَُمراء الذين نصَّبهم للحكم من محمّد بن سعود وعبد العزيز بن محمد، وسعود بن عبد العزيز وقد عرفت أفعالهم وجرائمهم ومن أراد أن يقف على تاريخ الاَُمراء السعوديين من عهد سعود بن عبد العزيز إلى يومنا هذا الذي أخذ فيه الحكم فهد بن عبد العزيز فعليه أن يراجع كتاب «بحوث في الملل والنحل» الجزء الرابع.

الردود على عقائد الوهابيين

وفي الختام نلفت نظر القارىَ إلى الكتب والرسائل التي ألّفها العلماء الغيارى في مجال الردّ على عقائد الوهابيين:

لقد أدّى العلماء الواعون في الحرمين الشريفين في عصر ابن عبد


(350)

الوهاب، وما بعده وفي سائر الاَقطار الاِسلامية ما عليهم من وظائف دينية تجاه هذه الحركة الهدّامة، فترى كيف أنَّهم قد بذلوا الجهود المضنية في سبيل ردّ دعوتها وإثبات بطلانها، وإليك قائمة من الردود الموَلفة في إبطالها نأتي على أسمائها وأسماء موَلّفيها:

1ـ «مقدمة شيخه محمّد بن سليمان الكردي الشافعي» التي قرظ بها رسالة أخيه سلميان بن عبد الوهاب وتقع في نحو ثلاث ورقات وقد تضمَّن ما يشير إلى ضلاله ومروقه عن الدين على نحو ما حكى في ذلك عن شيخه الآخر محمّد حياة السندي ووالده عبد الوهاب.

2ـ «تجريد سيف الجهاد لمدعي الاجتهاد» لشيخه العلاّمة عبد اللّه بن عبد اللطيف الشافعي.

3ـ «الصواعق والرعود» للعلاّمة عفيف الدين عبد اللّه بن داود الحنبلي.

قال العلاّمة علوي بن أحمد الحدّاد: كتب عليه تقاريظ أئمّة من علماء البصرة وبغداد وحلب والاحساء وغيرهم تأييداً له وثناءً عليه.

ثمّ قال: ولو وقفت عليه قبل هذا ما ألّفت كتابي هذا.

ولخَّصه محمد بن بشير قاضي رأس الخيمة بعمان.

4ـ «تهكّمُ المقلّدين بمن ادَّعى تجديد الدين» للعلاّمة المحقق محمد ابن عبد الرحمان بن عفالق الحنبلي وقد ترصَّد فيه لكل مسألة من المسائل التي ابتدعها وردَّ عليها بأبلغ رد، وقد تضمَّن كتابه هذا ملحقاً يتناول ما


(351)

يتعلَّق بالعلوم الشرعية والاَدبية كما أرفقه بأسئلة كان قد بعثها إلى محمّد بن عبد الوهاب، منها شطرٌ وافر حول علم البيان تتعلَّق بسورة «والعاديات» وألمح في ذيلها إلى عجزه عن الجواب عن أدناها فضلاً عن أجلّها.

5ـ رسالة للعلاّمة أحمد بن علي القبّاني البصري الشافعي وتقع في نحو عشر كراريس عقد فصولها كافة للردّ على معتقداته وتزييف أباطيله.

6ـ رسالة للعلاّمة عبد الوهاب بن أحمد بركات الشافعي الاَحمدي المكي.

7ـ «الصارم الهندي في عنق النجدي» للشيخ عطاء المكي.

8ـ رسالة للشيخ عبد اللّه بن عيسى المويسي.

9ـ رسالة للشيخ أحمد المصري الاحسائي.

10ـ «السيوف الصِقال في أعناق من أنكر على الاَولياء بعد الانتقال» لاَحد علماء بيت المقدس.

11ـ «السيف الباتر لعنُقِ المنكر على الاَكابر» للسيد علوي بن أحمد الحداد. طبع في نحو مائة ورقة.

12ـ رسالة للشيخ محمّد بن الشيخ أحمد بن عبد اللطيف الاحسائي.

13ـ «تحريض الاَغبياء على الاستغاثة بالاَنبياء والاَولياء» للعلاّمة عبد اللّه بن إبراهيم ميرغني الساكن بالطائف.

14ـ رسالة للشيـخ محمّد صالح الزمزمي الشافعي تقع في نحو


(352)

عشرين كراساً حكى السيد علوي بن أحمد الحداد أنّه رآها أمام مقام إبراهيم بمكة.

15ـ «الانتصار للاَولياء الاَبرار» للعلاّمة طاهر سنبل الحنفي. حكى السيد علوي المذكور آنفاً أنَّه رآه عند موَلّفه بالطائف.

16ـ مجموعة أجوبة وردود نظماً ونثراً لاَكابر علماء المذاهب الاَربعة لا يحصون من أهل الحرمين الشريفين والاِحساء والبصرة وبغداد وحلب واليمن وغيرها.

حكى عنها السيد علوي أيضاً وذكر أنَّه أتى بها إليه رجل من آل عبد الرزاق الحنابلة الذين يقطنون الزبارة والبحرين.

17ـ كتاب ضخم يحتوي على جملة من الاَسئلة والاَجوبة كلها من علماء أهل المذاهب الاَربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة حدّث به أيضاً السيد المذكور كلّها في الرد على محمّد بن عبد الوهاب.

18ـ قصيدة للسيد المنعمي ردّ بها على ابن عبد الوهاب إثر قتله جماعةً كانوا قد عَفَوا شعر رُوَُوسهم مطلعها:

أفِي حلق رأسِ بالسكاكينِ «الحدُّ» * حديث صحيح بالاَسانيد عن جدي

19ـ «مصباح الاَنام وجلاء الظلام» في ردّ شبهة البدعي النجدي التي أضلَّ بها العوام للعلاّمة السيد علوي ابن الحداد المتقدَّم ذكره طبع سنة 1325 هـ بالمطبعة العامرية وما سبق حكايته عن موَلفه منقول عنه.


(353)

20ـ «الصواعق الاِلهية» لاَخيه سليمان بن عبد الوهاب «مطبوع».

21ـ كتاب لشيخ الاِسلام بتونس المحقق إسماعيل التميمي المالكي المتوفى سنة 1248هـ وهو في غاية التحقيق والاِحكام نقض فيه رسالة لابن عبد الوهاب طبعت في تونس.

22ـ رسالة مسجّعة محكمة للمحقق الشيخ صالح الكواش التونسي طبعت ضمن كتاب «سعادة الدارين في الردّ على الفرقتين» نقض فيها موَلّفها رسالة لابن عبد الوهاب.

23ـ رسالة للعلاّمة المحقّق السيد داود البغدادي الحنفي مطبوعة.

24ـ قصيدة للشيخ غلبون الليبي ردَّ بها على قصيدة الصنعاني التي مدح بها ابن عبد الوهاب تقع في أربعين بيتاً مطلعها:

سلامي على أهلِ الاِصابةِ والرُّشدِ * وليس على نَجدِ ومن حلَّ في نجدِ

وهي مذكورة في سعادة الدارين.

25ـ قصيدة أُخرى للسيد مصطفى المصري البولاقي يردّ فيها أيضاً على قصيدة الصنعاني ذكرت أيضاً في المصدر السابق تقع في مائة وستة وعشرين بيتاَ مطلعها:

بحمد وليّ الحمد لا الذم أستبديو * بالحقِّ لا بالخَلق للحقِّ أستهدي


(354)

26ـ قصيدة ثالثة للسيد الطباطبائي البصري يردّ فيها هي الاَُخرى على قصيدة الصنعاني وقد كان لهذه القصائد الاَثر الاَكبر في إرجاع الصنعاني عن غيّه الذي وقعَ فيه حتى بلغَ به الاَمر إلى إنشاد بيتٍ يعلن فيه توبته ممّا بدرَ منه بقوله:

رجعتُ عن القول الذي قُلت في النجدي * فقد صحّ لي عنه خلاف الذي عندي

27ـ «سعادة الدارين في الردّ على الفرقتين ـ الوهابية والظاهرية» للعلاّمة الشيخ إبراهيم السمهودي المنصوري المتوفى في العقد الثاني من هذا القرن وقد طبع في مجلدين.

28ـ «الدرر السنية» في الرد على الوهابية لمفتي مكّة السيد أحمد زيني دحلان الشافعي المتوفى سنة 1304 هـ وهو مطبوع.

29ـ «شواهد الحق في التوسل بسيد الخلق» للشيخ يوسف النبهاني طبع في مجلد.

30ـ «الفجر الصادق» لجميل صدقي الزهاوي مطبوع.

31ـ «إظهار العقوق ممّن منع التوسل بالنبي والولي الصدوق» للشيخ المشرفي المالكي الجزائري.

32ـ رسالة في جواز التوسل للشيخ المهدي الوازناني مفتي فاس ردَّ فيها على محمد بن عبد الوهاب في منعه ذلك.


(355)

33ـ «غوث العباد (في) بيان الرشاد» للشيخ مصطفى الحمامي المصري مطبوع.

34ـ «جلال الحق في كشف أحوال أشرار الخلق» للشيخ إبراهيم حلبي القادري الاِسكندري وهو كتاب جيد طبع في الاسكندرية سنة 1355 هـ.

35ـ «البراهين الساطعة» للعلاّمة الشيخ سلامة العزامي المتوفى سنة 1379 هـ.

36ـ «النقول الشرعية في الردّ على الوهابية» للشيخ حسن الشطي الحنبلي الدمشقي، مطبوع.

37ـ رسالة أُخرى له أيضاً في تأييد مذهب الصوفية والردّ على من ناواهم، مطبوعة.

38ـ رسالة في حكم التوسّل بالاَنبياء والاَولياء للشيخ محمّد حسنين مخلوف، مطبوعة.

39ـ «المقالات الوفية في الردّ على الوهابية» للشيخ قزبك، مطبوعة.

40ـ «الاَقوال المرضية في الردّ على الوهابية» وهي رسالة صغيرة للشيخ عطا الكسم الدمشقي.

والردود على الوهابية أكثر مما ذكر إنَّما اكتفينا بهذا العدد المبارك، وفيه غنى وكفاية، وكلّها لاَهل السنَّة والجماعة وأمّا الشيعة فحدّث عنه ولا حرج وأوّل من ردَّ عليه، الفقيه الاَكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء الكبير بكتاب


(356)

أسماه بـ «منهج الرشاد لمن أراد السداد» كتبه رداً على الرسالة التي بعثها سعود بن عبد العزيز إليه يشرح فيها مواقف الوهابية في المسائل الراجعة إلى التوحيد والشرك، وقد طُبع في النجـف الاَشرف عام 1343 هـ، ثم تـوالى النقد من علماء الشيعة بعد تدمير قباب البقيع عام 1344 هـ، إلى يومنا هذا ، نشير إلى قليل من كثير مما طبع وانتشر باللغة العربية:

1ـ الآيات البينات في قمع البِدَع والضلالات للشيخ محمّد حسين كاشـف الغـطاء (ت 1294ـ م 1373 هـ) طبـع بالنجــف الاَشــرف 1345هـ.

2ـ الآيات الجليَّة في ردّ شبهات الوهابية جزءان للشيخ مرتضى كاشف الغطاء (م 1349 هـ).

3ـ إزاحة الوسوسة عن تقبيل الاَعتاب المقدسة للشيخ عبد اللّه بن محمد حسن المامقاني (م1351) طبع في النجف الاَشرف مع كتابه مخزن المعاني.

4ـ البراهين الجليَّة في دفع شبهات الوهابية للسيد محمد حسن القزويني الحائري (م 1380 هـ) طُبِعَ بالنجف 1346 هـ.

5ـ التبرك للشيخ علي الاَحمدي الميانجي طُبِعَ في بيروت.

6ـ دعوى الهدى إلى الورع في الاَفعال والفتوى للشيخ محمّد جواد البلاغي (م 1352 هـ)، طُبِعَ في النجف 1344هـ.


(357)

7ـ الردّ على الوهابية للشيخ محمد علي الغروي الاَُردوبادي طبع سنة 1345 هـ.

8ـ الردّ على الوهابية للسيد حسن الصدر الكاظمي (م 1354 هـ) طبع في بغداد 1344 هـ.

9ـ كشف الارتياب في أتباع محمّد بن عبد الوهاب للسيد محسن الاَمين العاملي الشامي (م1373 هـ) طبع في صيدا وبيروت.

10ـ المواسم والمراسم للسيد جعفر مرتضى العاملي، يبحث عن مشروعيّة إقامة مراسم الاحتفال في الاَعياد أو مظاهر الحزن في المآتم، طبع في طهران.

11ـ هذه هي الوهـابيــة للشيـخ محمّد جــواد مغنيــة العـاملي (م1400هـ) طبع في بيروت.

12ـ مع الوهابيين في خُططهم وعقائدهم لجعفر السبحاني طُبع في طهران عام 1406 هـ.

13ـ الوهابية في الميزان له أيضاً طبع في قم المشرفة عام 1407 هـ.

14ـ وأخير الردود لا آخرها: التوحيد والشرك في القرآن الكريم، له أيضاً استعرض فيه الآيات الواردة حولها بإمعان ودقَّة وفنَّد جميع مستمسكات الوهابيين فيها.

ولنكتف بهذا المقدار وإلاّ فالردود عليها من الشيعة بألسنة مختلفة كثيرة.


(358)

إلى هنا بلغنا الغاية المتوخّاة من تبيين أُصول الاِسلام وأطلعنا القارىَ الكريم على رأي القرآن والسنَّة في المسائل التي انفرد فيها ابن تيمية ومحمد ابن عبد الوهاب وأتباعه.

ومن رجع إلى هذه الاَُصول وأمعن النظر فيها، يستطيع أن يميز الحق عن الباطل، والصحيح عن الزائف، ومن تمسّك بها كانت النجاة مصيرهُ، والفلاح حليفه، ومن تخلَّف عنها وقابلها بالرفض والعناد كان الخسران نصيبه.

وعليك أيها الواعي النبيه، والمتحرر من كل فكرة مسبقة، عرض كلّ ما يُلقى إليك من هذه الطائفة، على تلك الاَُصول ففيها شارة الحق، وهدى الذكر الحكيم ونور السنّة النبوية الشريفة.

نعم لقد استفحل أمر هذه الطائفة في العصور المتأخرة بسعيهم المتواصل للتشويش على عقائد المسلمين ولكنّه صرير باب أو طنين ذباب:

ما يضر البحرُ أمسى زاخراً * أن رمى فيه غلامٌ بِحَجَر

فهم وإن كانوا يتحيّنون الفرص لتفريق كلمة المسلمين والتشويش على تعاليم هذا الدين، ولكنّهم سيرجعون خائبين ملومين، ودين الاِسلام تحت كلاءة اللّه ورعايته، فإنّ للحق دولة وللباطل جولة وسيحق اللّه الحقَّ بكلماته.

***

Website Security Test