welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : في ظل أُصول الاِسلام*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

في ظل أُصول الاِسلام

(62)


(63)

4

حُبّ النبيّ وعترته الطاهرة

في الكتاب والسنَّة
ومظاهره في حياة الفرد والمجتمع

حبُّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - في الكتاب.

العوامل الداعية إلى حبّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

مكانة النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - وعلوّ كعبه.

الاَحاديث الحاثّة على حبُّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

مظاهر الحبّ في الحياة.

وظائف الاَُمّة تّجاه النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

حبُّ ذوي القربى في الكتاب والسنّة.

البواعث إلى محبّة أهل البيت.

ما يترتّب على هذا الاَصل.

صيانة الآثار الاِسلامية.

البناء على القبور في ضوء الكتاب والسنّة.

الحبّ والبغض خلَّتان تتواردان على قلب الاِنسان، تشتدان وتضع فان، ولنشوئهما واشتدادهما أو انحلالهما وضعفهما عوامل وأسباب.


(64)

ولا شكَّ أنّ حُبّ الانسان لذاته من أبرز مصاديق الحبّ، وهو أمر بديهي لا يحتاج إلى البيان، وجبلّـي لا يخلو منه إنسان، ومن هذا المنطلق حب الانسان لما يرتبط به أيضاً، فهو كما يحب نفسه يحبُّ كذلك كلّ ما يمتّ إليه بصلة، سواء كان اتّصاله به جسمانياً كالاَولاد والعشيرة، أو معنوياً كالعقائد والاَفكار والآراء والنظريات التي يتبنّاها، وربّما يكون حبّه للعقيدة أشد من حبّه لاَبيه وأُمّه، فيذب عن حياض العقيدة بنفسه ونفيسه، وتكون العقيدة أغلى عنده من كلّ شيء حتّى نفسه التي بين جنبيه.

فإذا كان للعقيدة هذه المنزلة العظيمة يكون لموَسسها ومغذّيها، والدعاة إليها منزلة لا تقل عنها، إذ لولاهم لما قام للعقيدة عمود، ولا اخضرّ لها عود ولاَجل ذلك كان الاَنبياء والاَولياء بل جميع الدعاة إلى الاَُمور المعنوية والروحية مُحترمين لدى جميع الاَجيال من غير فرق بين نبي وآخر، ومُصلح وآخر، فالاِنسان يجد من صميم ذاته خضوعاً تجاههم، وإقبالاً عليهم.

ولهذا لم يكن عجيباً أن تحترم بل تعشق النفوس الطيّبة طبقة الاَنبياء والرُسل منذ أن شرع اللّه الشرائع وابتعث الرسل، فترى أصحابها يُقدّمونهم على أنفسهم بقدر ما أُوتوا من المعرفة والكمال.

حبّ النبيّ في الكتاب:

ولوجود هذه الاَرضية في النفس الاِنسانية والفطرة البشرية تضافرت الآيات والاَحاديث على لزوم حبّ النبيّ وكل ما يرتبط به، وليست الآيات إلاّ إرشاداً إلى ما توحيه إليه فطرته قال سبحانه: (قُلْ إنْ كانَ ءَاباوَُكُمْ


(65)

وَأَبْناوَُكُمْ وَإِخوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وََعَشيرَتُكُمْ وَأَمَوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتجارَةً تَخشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحب إِلَيكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ في سَبيله فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأتِـي اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لا يَهْدِي القَومَ الفاسقِينَ) (1)

وقال سبحانه: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فَإنَّ حِزْب اللّهِ هُمُ الغالِبُونَ) (2)

وليست الآيات الحاثّة على حُبّ الرسول الكريم - صلّى الله عليه وآله وسلم - مُنحصرة في ذلك، وسيوافيك ما يدلّ على لزوم تكريمه وتوقيره فانتظر.

العوامل الداعية إلى حُبّ النبي:

لم يكن أمر اللّه سبحانه بحبّ النبيّ أمراً اعتباطياً بل كان لاَجل وجود عوامل اقتضت البعث إلى حُبّه والحث على موادته نشير إلى بعضها:

1ـ انّ الاِيمان إذا نضج في قرارة الاِنسان، واعتقد بنبوة الرسول - صلّى الله عليه وآله وسلم - وأدرك أنَّ سعادته تكمُن في ما جاء به أصبح حبه للنبيّ في قلبه أشدّ من حبه لاَبنائه وآبائه فضلاً عن إخوانه وعشيرته، لاَنّه يشعر بقوة الاِيمان ونوره انّه سعد بالنبي الاَكرم، ونجا من الشقاء ببركته وفضله، فعندئذ يتفانى في حبّه ويتهالك في وُدّه، فيكون الحث على حبّ النبيّ استجابة لهذه الرغبة النفسية السليمة المنطقية، وتأكيداً لها.


(1)التوبة: 24.

(2)المائدة: 56.

(66)

2ـ صلة النبيّ الوثيقة باللّه سبحانه وارتباطه بخالق الكون، فيكون الحث على حبّ النبيّ واضمار المودّة له تقديراً لهذه العلاقة وتثميناً لهذه الصلة المقدسة بالخالق.

3ـ ما فاق به على جميع الناس من مناقب وفضائل وما يحمله بين جوانحه من محاسن الاَخلاق ومحامدها.

4ـ سعيه الحثيث في هداية الاَُمّة بحيث كان يبذل جهداً كبيراً في هداية أُمّته إلى حدّ التضحية براحته بل بنفسه، وكان يُصيبه الحزن الشديد إذا رأى إعراضهم عن رسالته ولاَجل ذلك نزل الذكر الحكيم يُسلّيه بقوله: (فَلَعلَّكَ باخِعٌ نَفسكَ على ءَاثارِهِمْ إِنْ لَـمْ يُوَمِنُوا بهذا الحَديثِ أَسَفَا) (1)

وقال عزَّ من قائل: (فَلا تَذْهَبْ نَفسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَـرات إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ) (2)

إنَّ النبي كاد أن يُهلك نفسه أسفاً على الذين يُفضّلون الضلالة على الهدى، ويُعرضون عن الهداية والرشاد، أوَليس هذا مُستحقاً لاَن تحبّه القلوب وتودّه الاَفئدة؟

أوَليس هذا التأسّف دليلاً على رحمة هذا النبي بالناس، وحبه العميق للبشرية، وهل يمتلك القلب إن كان سوياً إلاّ أن يبادل النبيّ العطوف الخلص، الحبَ والمودَّة؟


(1)الكهف: 6.

(2)فاطر: 8.

(67)

ولقد انعكس حُبُّه للاَُمّة وتفانيه في الهداية والارشاد، في غير واحدة من الآيات نعرض بعضها قال سبحانه: (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَليظَ القَلْبِ لانْفَضُّـواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ في الاَمْر) ) (1)

وقد بلغ حسن خلقه وكرامة نفسه إلى حدّ يصفه القرآن الكريم بالعظمة ويقول: (وََإنَّ لَكَ لاَجْراً غَيْـرَ مَمْنُونِ * وإِنَّكَ لَعَلَـى خُلُقٍ عَظِيم) (2)

وهذا هو البوصيري يعكس مضمون الآية في قصيدته المعروفة:

فاق النبيّين في خَلقٍ وفي خُلُقٍ * ولم يُدانُوه في علمٍ ولا كَرَمِ

أكْرِم بِخَلق نبيٍ زانه خُلُقٌ * بِالحُسن مُشتَمِلٌ بالبِشرِ مُتَّسِمِ

وهل يمكن للنفس أن لا تعشق رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عشقاً جمّاً وهو الشفيع الاَكبر يوم القيامة وقد أعطاه اللّه تعالى تلك المنزلة الرفيعة إذ قال: (وللآخِرةُ خَيرٌ لَكَ مِنَ الاَُولى * وَلَسْوفَ يُعْطِيكَ رَبُكَ فَتَرْضى) (3)

وقد فُسّـرت في غير واحد من الاَحاديث بمقام الشفاعة.

وهل يرضى - صلّى الله عليه وآله وسلم - وهو نبيّ الرحمة ببقاء موَمن به في النار بل ودخوله


(1)آل عمران: 159.

(2)القلم: 3 ـ 4.

(3)الضحى: 4 ـ5.

(68)

فيها إلاّ إذا كان مقطوع الصلة باللّه تعالى ورسوله بسبب الموبقات؟

أم هل يمكن للنفس أن لا تحب ذلك النبي الكريم الروَوف الرحيم بأُمّته، الحريص على هدايتهم بنص القرآن الكريم إذ يقول عزَّ وجلّ: (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ ما عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بالموَمِنينَ رَءُوفٌ رَحِيم) (1).

ثمَّ إنَّ للشيخ العلاّمة: محمّد الفقي أحد الاَزهريين كلاماً في مكانة النبي نأتي بنصّه:

مكانة النبيّ وعلوّ كعبه عند ربّه:

وقد شرّف اللّه تعالى نبيّه بأسمى آيات التشريف، وكرَّمه بأكمل وأعلى آيات التكريم، فأسبغ عليه نعمه ظاهرةً وباطنةً، فذكر منزلته منه جلَّ شأنه حيّاً وميتاً في قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ وملائكَتهُ يُصَـلّونَ عَلَـى النَبِيّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلّوا عَلَيْهِ وَسَلّمُوا تَسْلِيماً) (2)

فأيّ تشريف أرفع وأعظم من صلاته سبحانه وتعالى هو وملائكته عليه؟

وأيّ تكريم أسمى بعد ذلك من دعوة عباده وأمره لهم بالصلاة والسلام عليه؟


(1)التوبة: 128.

(2)الاَحزاب: 56.

(69)

ولم يقف تقدير اللّه تعالى عند هذا التقدير الرائع بل هناك ما يدعو إلى الاِعجاب ويلفت الاَنظار إلى تعظيمٍ على جانب من الاَهمية.

ألم تر في قوله تعالى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون) (1)ما يأخذ بالاَلباب ويدهش العقول فقد أقسم سبحانه وتعالى بحياة نبيّه في هذه الآية، وما سمعت أنّه تعالى أقسم بحياة أحد غيره.

والقرآن الكريم تفيض آياته بسمو مقامه، وتوحي بعلوّ قدره وجميل ذكره، فقد جعل طاعته طاعةً له سبحانه إذ قال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللّهَ) .

وعلَّق حبَّه تعالى لعباده على اتّباعه فيما بعث به وأُرسل للعالمين إذ يقول سبحانه: (قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللّهَ فَاتَبِعُوني يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)) (2).

وممّا يدلّ على مبلغ تقديره ومدى محبّة اللّه وتشريفه لرسوله - صلّى الله عليه وآله وسلم - قوله تعالى: (وإِذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النَّبيينَ لَما ءَاتَيتُكُمْ مِن كِتابٍ وَحِكْمَة ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُوَمِنُنَّ بِه وَلَتَنْصُـرُنَّهُ...)(3)

وقد قال علي - عليه السّلام- : لم يبعث اللّه نبياً من آدم فمن بعده إلاّ أخذ عليه العهد في محمّد، لَئِن بُعِثَ وهوَ حيٌ لَيُوَمِنَنَّ به ولينصرنَّه ويأخذ العهد.

وتتحدث آية أُخرى عن مدى ذلك التقدير والجلال فتقول: (يا أَيُّها


(1) الحجر: 72.

(2)آل عمران: 31.

(3)آل عمران: 81.

(70)

النَّبِيّ إنّا أَرْسَلْنَاكَ شاهِداً وَمُبَشِّـراً وَنذِيراً* وداعياً إلى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِـراجَاً مُنِيرَاً)(1)

إنَّ هذه الآية في روعتها لتتكلم بأجلى بيان عن أروع ما يتصوّره بشر في هذه الحياة من عظمةٍ وإكبارٍ وتقديرٍ لذاته - صلّى الله عليه وآله وسلم - وتعبّـر عن الموهبة الربانيّة والعطيةِ الاِلهية التي لم يتمتع بها نبيٌ ولا رسولٌ قبله.

وهناك نواحٍ أُخرى بعيدة المدى تنطق بسمّوِ منزلته، وبالغ قدره وتوجّه الثقلين إلى مبلغ تعظيم اللّه تعالى له ويتحدث به قوله تعالى: (يَا أَيّها الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوقَ صَوتِ النَّبيّ وَلا تَجهَرُوا لَهُ بالقَولِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالكُمْ وأَنْتُمْ لا تَشْعُرُون) (2)

وقوله تعالى: (إنَّ الَّذينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ لِلْتَقْوى) (3)

وقوله تعالى: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً...) (4)فأيّ إجلال أبلغ من هذا وأيّ تقدير أروع من هذا التقدير؟

وهل نال بشرٌ في هذا الوجود مثل ما نال هذا النبيُّ العظيم الذي يصفه مولاه بقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم) (5)

وهذه الآيات تدعو الموَمنين إلى توقيره وتعظيمه حال مخاطبته.


(1)الاَحزاب: 45ـ 46.

(2)الحجرات: 2 ـ 3.

(3)الحجرات: 2 ـ 3.

(4)النور: 63.

(5) القلم: 4.

(71)

ولست أقف بك عند هذه الروائع والمُثل العليا التي يمتاز بها هذا النبيّ العظيم والرسول الصادق الاَمين ولكنّي أُحدثك عن شوَون أُخرى لها خطرها في التقدير والتعظيم، وتتجلّـى فيها مكانته ومقامه، قال سبحانه: (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِن أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ ما عَنِتّم حَريصٌ عَليكُم بالمُوَْمِنينَ رَءُوفٌ رَحِيم) (1). ففيه أروع وصف من أوصافه تعالى (رؤوف رحيم ) وأبلغ نعت يقرّره له مولاه، فإنّ هذين الوصفين ممّا اتّصف به سبحانه وتعالى من جلائل الاَوصاف.

وقد بلغت مكانته عند اللّه سبحانه إلى حد لا يأخذ أُمّته بمعاصيها وذنوبها ما دام هو فيهم يقول سبحانه: (وَما كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِم ومَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون) (2)

فأيّ كرامة أولى وأعظم من معجزته الخالدة الباقية ما بقيت الشمس وضحاها؟

وأية رحلة تاريخية قام بها أكبر من رحلته التاريخية التي نص بها القرآن الكريم وقال: (سُبْحانَ الذِي أَسْـرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الاَقْصى الَّذي بارَكْنا حَوْلَهُ...) (3)

وقد تضافرت الروايات على أنّ جبرئيل كان يلازمه من مكّة إلى بيت المقدس فهذه الملازمة أكبر مظهر من مظاهر الشرف والفخار وأسمى آية


(1)الاَنفال: 128.

(2)الاَنفال: 33.

(3)الاِسراء: 1.

(72)

من آيات التقدير للرسول الاَعظم في حياة الاَُمم وتاريخها.

ونختم البحث بما يدلّ على علوّ مكانته وجليل قدره، أعني: قوله سبحانه: (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ)(1)فقرن اسمه باسمه وجعل الاِيمان لا يتحقّق إلاّ بالنطق بالشهادتين وفي ذلك يقول حسّان بن ثابت:

أغرٌّ عليه للنبوة خاتمٌ * من اللّه من نور يلوحُ ويشهدُ
وضم الاِلهُ اسمَ النبي إلى اسمِهِ * إذا قالَ في الخَمسِ الموَذِنُ أشهَدُ
وشقَ له من اسمِهِ ليجلَّه * فذو العرشِ محمودٌ وهذا محمّدُ

وبعد هذا لا يمكن للقلم أن يكتب، وللسان أن يتكلم، فإنّ عظمته لا تصل لا كُنهها العقول، ولا تُدرك حقيقتها الاَفهام والمدارك، ولا يعرف مداها إلاّ واهبها ومُعطيها، جلّ شأنّه العظيم، وليس لنا بعد ذلك إلاّ أن نتمثَّل بقول الشاعر:

وعلى تفنن واصفيه بحسنه * يَفنى الزمان وفيه ما لم يوصف (2)

هذه العوامل الاَربعة هي التي يوَدّي كلُّ واحدٍ منها بالاِنسان ذي القلب السليم إلى حبّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - وموادته ولاَجل ذلك تضافرت الآيات الدالة على ذلك.


(1)الانشراح: 4.

(2)التوسّل والزيارة للاَُستاذ محمّد الفقي من علماء الاَزهر الشريف: 156ـ 160.

(73)

وقد تعرّفت على آيتين منها وهناك آية ثالثة تأمر بتعزير النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - مضافاً إلى نصرته، قال سبحانه: (الَّذِينَ ءَامَنُوا به وعَزَّرُوهُ وَنَصرُوهُ واتَّبََعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِل مَعَهُ أُولئِكَ هُمْ المُفْلِحُونَ(1)).

فالآية الكريمة تأمر بأُمور أربعة:

1ـ الاِيمان به.

2ـ تعزيره.

3ـ نُصرته.

4ـ اتّباع كتابه وهو النور الذي أُنزل معه.

وليس المراد من تعزيره نصرته لاَنَّه قد ذكره بقوله «ونصروه» وإنّما المراد توقيره، وتكريمه وتعظيمه بما أنّه نبي الرحمة والعظمة، ولا يختص تعزيره وتوقيره بحال حياته بل يعمُّها وغيرها، تماماً كما أنَّ الاِيمان به والتبعية لكتابه لا يختصان بحال حياته الشريفة.

هذه هي العوامل الباعثة إلى حب النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - وهذه هي الآيات المرشدة إلى ذلك.

ولاَجل دعم المطلب نذكر بعض ما ورد من الروايات في الحث على حبّه وموادّته.


(1)الاَعراف: 157.

(74)

الاَحاديث الحاثّة على حبّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

1ـ «لا يوَمِنُ أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من وُلده والناس أجمعين».

2ـ «والذي نفسي بيده لا يوَمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ الناس إليه من والده وَوَلده».

3ـ «ثلاثٌ من كُنَّ فيه ذاقَ طعم الاِيمان: من كان لا شيء أحب إليه من اللّه ورسوله، ومن كان لئن يُحرَق بالنار أحب إليه من أن يرتَّد عن دينه، ومن كان يحبّ للّه ويبغض للّه».

4ـ «واللّه لا يكون أحدكم موَمناً حتّى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده».

5ـ «لا يوَمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه».

6ـ «من أحبَّ اللّه ورسوله صادقاً غير كاذِبٍ ولقي الموَمنين فأحبَّهم وكان أمرُ الجاهلية عنده كمنزلة نار أُلقي فيها فقد طُعِمَ طعم الاِيمان أو قال فقد بلغ ذروة الاِيمان».

إنَّ الذي يرى سعادته في ما جاء به رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - من شريعة ودين هو الذي يذوق طعم الاِيمان، وتذوّقُ طعم الاِيمان لا يتحقّق إلاّ عندما يستن


(75)

الاِنسان بسنّة رسول اللّه ويعمل بشريعته فيحصل على سعادته.

7ـ عن أبي رزين قال: قلت يا رسول اللّه ما الاِيمان قال: «أن تعبد اللّه ولا تُشرك به شيئاً، ويكون اللّه ورسوله أحبَّ إليك مما سواهما، وتكون أن تُحرَق بالنار أحبّ إليك من أن تُشرك باللّه شيئاً، وتحبّ غير ذي نسب لا تحبه إلاّ للّه فإذا فعلت ذلك فقد دخل حبّ الاِيمان في قلبك كما دخل قلبَ الضمآن حب الماء في اليوم القائظ».

8ـ «ثلاثٌ من كنَّ فيه وَجَدَ حلاوة الاِيمان: أن يكون اللّه ورسوله أحبَّ إليه ممّا سواهما».

9ـ عن أنس انَّ رجلاً سأل النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: وما أعددت لها؟ قال: لا شيء، إلاّ أنّـي أُحِبُّ اللّه ورسوله، فقال: أنت مَعَ من أحببت. قال أنس: فما فرِحنا بشيء فَرَحَنَا بقول النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - : أنتَ مع من أحببت.

10ـ أبو ذر قال: يا رسول اللّه الرجلُ يحبُّ القوم ولا يستطيع أن يعمل بِعَمَلِهِمْ؟ قال: أنتَ يا أبا ذر مع من أحببتَ . قال: فإنَّـي أُحب اللّه ورسوله، قال: فإنَّك مع من أحببتَ، قال: فأعاد (ها) أبو ذر، فأعادها رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

11ـ «مَنْ أحيا سُنّتي فقد أحبَّني ومن أحبَّني كان معي في الجنّة».

12ـ «والذي نفْس محمّد بيده ليأتيَّـن على أحدكم يوم ولا يراني، ثمّ لئن يراني أحبّ إليه من أهله وماله معهم».


(76)

13ـ «إنَّ أحدكم سيوشك أن ينظرَ إليَّ نظرةً بما له من أهل وعيال».

14ـ «مِن أشدّ أُمّتي لي حُبّاً أُناسٌ يكونونَ بَعدِي يودّ أحدُهم لو رآني بأهله وماله».

15ـ «أشدُّ أُمتي لي حُبّاً قومٌ يكونون بعدي يودّ أحدّهم أنّه فقد أهله وماله وأنّه رآني».

16ـ «إنَّ أُناساً من أُمّتي يأتُونَ بَعدي يودّ أحدهم لو اشترى روَيتي بأهله وماله».

17ـ «من دعا بهوَلاء الدعوات في دبر كلّ صلاة مكتوبة حَلَّت له الشفاعةُ مني يوم القيامة: اللّهمّ اعطِ محمّداً الوسيلةَ واجْعلَ في المصطفين محبّته، وفي العالمين درجته وفي المقربين ذكر داره».

18ـ من قال في دبر كل صلاة مكتوبة: «اللّهمّ اعطِ محمّداً الدرجة والوسيلة، اللّهمّ اجعل في المصطفين محبَّته وفي العالمين درجته، وفي المقرّبين ذكره» من قال تلك في دُبُر كلّ صلاة فقد استوجب عليّ الشفاعة وَوَجَبَتْ له الشفاعة.

وقد رُوي عن أبي بكر قال: الصلاة على النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - أمحقُ للخطايا من الماءِ للنارِ، والسَّلام على النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - أفضلُ مِن عتق الرِّقاب، وحبُّ رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - أفضلُ من عِتق الاَنفس أو قالَ: من ضرب السيف في سبيل اللّه عزّ وجلّ (1)


(1)راجع للوقوف على هذه الاَحاديث ونظائرها جامع الاَُصول ج1 نقلاً عن صحيح البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وكنز العمال ج2، و 6 و 12.

(77)

اختلاف الاَُمّة في درجات حُبّهم للنبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

وليست الاَُمّة الموَمنة في ذلك شرعاً سواء بل هم فيه متفاوتون على اختلاف درجات عرفانهم به، كاختلافهم في حبّ اللّه تعالى.

قال الاِمام القرطبي: كلُ من آمن بالنبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - إيماناً صحيحاً لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبّة الراجحة غير أنّهم متفاوتون فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظِّ الاَوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظّ الاَدنى كمن كان مُستغرقاً في الشهوات محجوباً في الفضلات في أكثر الاَوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - اشتاق إلى روَيته بحيث يوَثرها على أهله وولده وماله ووالده ويبذل نفسه في الاَُمور الخطيرة ويجد مخبر ذلك من نفسه وجداناً لا تردّد فيه (1)

مظاهر الحبّ في الحياة:

إنّ لهذا الحب مظاهر ومجالي، إذ ليس الحب شيئاً يستقر في صقع النفس من دون أن يكون له انعكاسٌ خارجيٌ على أعمال الاِنسان وتصرفاته، بل إنّ من خصائص الحب أن يظهر أثره على جسم الاِنسان وملامحه، وعلى قوله وفعله، بصورة مشهودةٍ وملموسةٍ.

فحبُّ اللّه ورسوله الكريم لا ينفكّ عن اتّباع دينه، والاستنان بسنته،


(1)فتح الباري لابن حجر 1: 50ـ 51.

(78)

والاِتيان بأُوامره والانتهاء عن نواهيه، ولا يُعقلُ أبداً أن يكون المرء مُحبّاً لرسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - أشدَّ الحب، ومع ذلك يُخالفه فيما يُبغضه، ولا يُرضيه، فمن ادّعى الحبّ في النفس وخالف في العمل فقد جمع بين شيئين متخالفين متضادين.

ولنِعمَ ما قال الاِمام جعفر الصادق - عليه السّلام- في هذا الصدد موجهاً كلامه إلى مُدّعي الحب الاِلهي كذباً:

تعصي الاِله وأنتَ تُظهِرُ حبَّه * هذا لعمرِي في الفِعال بديعُ
لو كان حبُّك صادقاً لاَطعتَه * إنّ المُحِبَّ لِمنَ يُحبُّ مُطيعُ (1)

نعم لا يقتصر أثر الحب على هذا بل له آثار أُخرى في حياة المحب، فهو يزور محبوبه ويكرمه ويعظّمه ويزيل حاجته، ويذبّ عنه، ويدفع عنه كلّ كارثة ويهيىَ له ما يُريحه ويسره إذا كان حيّاً.

وإذا كان المحبوب ميّتاً أو مفقوداً حزن عليه أشد الحزن، وأجرى له الدموع كما فعل النبي يعقوب - عليه السّلام- عندما افتقد ولده الحبيب يوسف - عليه السّلام- فبكاه حتى ابيضت عيناه من الحزن، وبقي كظيماً حتى إذا هبّ عليه نسيم من جانب ولده الحبيب المفقود هشَّ له وبش، وهفا إليه شوقاً، وحباً.

بل يتعدّى أثر الحب عند فقد الحبيب وموته هذا الحد فنجد المحب يحفظ آثار محبوبه، وكلّ ما يتَّصل به، من لباسه وأشيائه كقلمه ودفتره وعصاه ونظارته. كما ويحترم أبناءه وأولاده ويحترم جنازته ومثواه ويحتفل كلّ عام بميلاده وذكرى موته، ويكرمه ويعظمه حباً به ومودةً له.


(1)سفينة البحار مادة «حب».

(79)

وظائف الاَُمّة تّجاه النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

ويكفي في بيان مقام النبيّ وسمو منزلته أنَّ اللّه تعالى أوجب على الاَُمّة وظائف تّجاه النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - في الكتاب العزيز نشير إليها باختصار:

1ـ الصلاة عليه إذا ذُكر اسمه الشريف. قال اللّه تعالى: (إنَّ اللّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَـى النَّبِيّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (1)

2ـ عدم دعائه - صلّى الله عليه وآله وسلم - كدعاء الناس بعضهم بعضاً، قال تعالى: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً) (2)

3ـ عدم رفع الصوت فوق صوته - صلّى الله عليه وآله وسلم - وعدم الجهر له بالقول ومناداته من وراء الحجرات قال تعالى: (يَا أَيّها الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوقَ صَوتِ النَّبيّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بالقَولِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أَعمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُون * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصواتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امتَحَنَ اللّهِ قُلُوبََـهُمْ لِلتَقْوى لَـهُمْ مَغُفِرة وَأَجْر عَظِيم * إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الحُجُرات أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُون) (3)

4ـ عدم التقدّم عليه في أمر قال تعالى: (يَا أيُّها الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُقدّمُوا


(1)الاَحزاب: 56.

(2)النور: 63 ، أي أن لا يدعوه قائلين: يا محمد، بل يقولوا مثلاً: يا رسول اللّه، أو يا نبي اللّه.

(3)الحجرات: 2ـ 4.

(80)

بَينَ يَدَي اللّه ورَسُولَه واتَّقُوا اللّهَ إنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَليم) (1)

5ـ عدم إيذائه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قال اللّه تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُوَذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللّهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً) (2)

6ـ عدم نكاح زوجاته - صلّى الله عليه وآله وسلم - من بعده قال اللّه تعالى: (مَا كانَ لَكُمْ أَنْ تُوَذُوا رَسُولَ اللّهِ ولا أَنْ تَنْكحُوا أَزواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللّهِ عَظيماً) (3)

7ـ عدم الخروج عن مجلس المشاورة إلاّ بإذنه، قال تعالى: (إِنَّما المُوَْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمرٍ جامِعٍ لَـمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوه) (4)

8ـ وجوب طاعته - صلّى الله عليه وآله وسلم - قال تعالى : (وَأَطِيعُوا اللّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمْون) (5)

هذه هي بعض الوظائف التي كلّف اللّه تعالى المسلمين أن يقوموا بها تجاه رسول الاِسلام العظيم وهي تُنبىَ عن عظمة شأنه وعلوّ درجته وكما هي في نفس الوقت تبعث كلّ إنسان إلى الاِعجاب بشخصيته وإلى محبته ومودّته.

* * *


(1)الحجرات: 1.

(2)الاَحزاب: 57.

(3)الاَحزاب: 53.

(4)النور: 62.

(5)آل عمران: 132.

(81)

حبّ ذوي القربى في الكتاب العزيز:

وإذا كان القرآن الكريم دعا إلى حبّ النبيّ، فهو في الوقت نفسه دعا إلى حبّ ذوي القربى إذ قال عزّ وجلّ: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ الموَدَّةَ في القُرْبى)) (1).

ولسنا الآن بصدد التحقيق في أنّ المودَّة في القربى هل هو أجر حقيقي أو ليس أجراً حقيقياً، بل أجره على اللّه سبحانه كما تضافرت بذلك الآيات في شأنه وشأن غيره من الاَنبياء والرسل (2)

وإنّما المقصود هو أنّ اللّه سبحانه أمر النبي - صلّى الله عليه وآله وسلم - أن يطلب من أُمّته أن يودّوا ذوي قرباه ويحبونهم، وقد وردت في شأن ذوي القربى روايات أُخرى رواها المحدثون في صحاحهم ومسانيدهم ومن أراد التوسع فليراجع الكتب الموَلَّفة في هذا المضمار.

والّذي يهمّنا هو نقل الاَحاديث النبويّة الحاثة على حبّ العترة الطاهرة.

الاَحاديث النبويّة الحاثّة على حبّ العترة:

قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

1ـ «لا يوَمن عبدٌ حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه وتكون عترتي أحبَّ


(1)الشورى: 23.

(2)الشعراء: 109، 127، 145، 114، 180.

(82)

إليه من عترته ويكون أهلي أحبَّ إليه من أهله».

2ـ «إنَّ لكلّ نبىٍّ عُصبة ينتمون إليها إلاّ وُلد فاطمة فأنا وليّهم وأنا عُصبتهم وهم عترتي خُلقوا من طينتي ويلٌ للمكذبين بفضلهم من أحبّهم أحبّه اللّه ومن أبغضهم أبغضه اللّه».

3ـ «شفاعتي لاَُمّتي من أحبَّ أهل بيتي وهم شيعتي».

4ـ «أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة المُكرِّمُ لذريتي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أُمورهم عندما اضطروا إليه والمحب لهم بقلبه ولسانه».

5ـ «يا عليّ إنّ الاِسلام عريان، لباسُه التقوى، ورياشُه الهدى وزينتُه الحياء، وعمادُه الورع وملاكه العمل الصالح، وأساس الاِسلام حُبي وحبّ أهل بيتي».

6ـ «إنّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - أخذ بيد حسن وحسين وقال: مَن أحبّني وأحبّ هذين وأباهما وأُمهما كان معي في درجتي يوم القيامة».

7ـ «أحبّوا اللّه لما يغذوكم به من نِعَمِهِ وأحبُّوني بحبِّ اللّهِ، وأَحبّوا أهلَ بيتي لحبّي».

8ـ «من أحبّني وأحبَّ هذين (يعني حسناً وحسيناً) وأباهما وأُمهما كان معي في درجتي يوم القيامة».

9ـ «أنا وفاطمة والحسن والحسين مجتمعون ومن أحبّنا يوم القيامة، نأكُل ونشربُ حتّى يفرّق بين العباد».


(83)

10ـ عن ابن عباس قال: خرج رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قابضاً على يد «علي» ذات يوم فقال: «ألا مَن أبغَضَ هذا فقد أبغَضَ اللّهَ ورسوله، ومَن أحبَّ هذا فقد أحبَّ اللّهَ ورسوله» .

11ـ عن ابن عباس أيضاً قال مشيتُ وعمر بن الخطاب في بعض أزقة المدينة فقال: يا ابن عباس أظنُّ القومَ استصغروا صاحِبَكُم إذ لم يُولُّوه أُمورَكُم؟

فقلت: واللّه ما استصغَره رسولُ اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - إذ اختاره لسورة براءة يقروَها على أهل مكة.

فقال لي: الصوابَ تقولُ واللّهِ لَسَمِعت رسولَ اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - يقول لعلي بن أبي طالب: « من أحبَّك أحبَّني، ومن أحبَّني أحبَّ اللّهَ، ومن أحبَّ اللّه أدخلَهُ الجنَّة مُدلاً».

12ـ «من أحبَّ علياً فقد أحبَّني ومن أحبَّني فقد أحبَّ اللّه ومن أبغَضه فقد أبغَضني ومن أبغَضني فقد أبغَض اللّه» .

13ـ «الحسن والحسين ابناي من أحبَّهما أحبَّني ومن أحبَّني أحبَّه اللّهُ وأدخلهُ الجَنَّة وَمن أبغَضهُما أبغضني ومَن أَبغَضني أبغَضهُ اللّهُ وأدخَلَهُ النار».

14ـ عن أُسامة بن زيد قال: طرقت النبيَّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - ذاتَ ليلةٍ في بعض الحاجة فخرج النبيُّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - وهو مُشتملٌ على شيء لا أدري ما هو فلمّـا فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنتَ مُشتملٌ عليه؟ فكشفه فإذا هو حَسنٌ وحسينٌ على وركيه، فقال: «هذان ابناي وابنا ابنتي، اللّهمّ إنّـي


(84)

أُحبُّهما فَأحِبَّهُما وأَحبَّ من يُحبَّهُما».

15ـ عن سعد بن مالك قال: دخلتُ على النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - والحسن والحسين يلعبان على ظهره فقلتُ: يا رسول اللّه أتحبهما؟ فقال: «وما لي لا أُحبُّهما، إنّهما ريحانتاي من الدنيا».

16ـ «شفاعتي لاَُمّتي من أحبَّ أهل بيتي».

17ـ ابن عباس قال: «خَرَج رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قابضاً على يد «علىٍّ» ذات يوم فقال: ألا من أبغَضَ هذا فقد أَبغَضَ اللّه ورسوله».

18ـ عن زهير بن الاَقمر قال بينما الحسن بن علي يخطب إذ قامَ شيخ من أزدشنوَة فقال: رأيتُ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - واضعاً هذا الذي على المنبر في حبْوته وهو يقول: «من أحبني فليحبَّه فليبلغ الشاهدُ الغائب» ولولا عزمة رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - ما حدَّثت.

19ـ عن البراء بن عازب قال رأيت النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - حَملَ الحسن على عاتقه وقال: «اللّهمّ إنّي أحبّه فأحبّه».

20ـ عن عائشة أنّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - كان يأخذ حَسَناً فيَضمُّه إليه ثُم يقول: «اللّهمّ إنّ هذا ابني وأنا أُحبّه فأحبّه وأحبُّ من يُحبُّه».

21ـ عن سعيد بن زيد قال: احتضن رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - حسناً ثم قال: «اللّهمّ إنّـي قد أحببتُه فأحبَّهُ».

22ـ عن أبي هريرة قال: بَصرَ عيناني هاتان وسَمِع أُذنايَ النبيَّ - صلّى الله عليه وآله وسلم -


(85)

وهو آخذ بيد حَسَن أو حسين وهو يقول ترقَّ عين بقة، فيضعُ الغُلام قدمه على قَدمِ النبيَّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - ثمّ يرفَعهُ فَيَضَعُه على صَدْره ثم يقول: افتحْ فاكَ ثم يقبّله ثم يقول: «اللّهمّ إنّـي أُحبُّه فَأَحِبَّهُ».

23ـ عن ابن عباس قال جاءَ العباس يعود النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - في مرضه فَرَفَعَهُ فأجلَسَه على السَّـرِير فقال له رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : رَفَعَكَ اللّهُ يا عمّ، ثمّ قالَ العباس هذا «علي» يستأذن فدَخَلَ ودَخَلَ معهُ الحسن والحسين فقال له العباسُ: هوَلاء وُلدُكَ يا رسول اللّه.

قال: وهم وُلْدُكَ يا عمّ.

فقال: أتحبّهم؟ قال: نعم. فقال: أحبّك اللّهُ كما أحببتهما (1)

هذه طائفة ممّا ورد من الاَحاديث النبويّة الحاثَّة على حبّ العترة ومودّتهم وهي أكثر من أن تُحصى.

البواعث إلى محبّة أهل البيت:

ولقد توفرت ملاكات المحبّة والمودّة وموجباتها ومبرراتها في أهل البيت - عليهم السلام - حتّى أنّ الاِنسان لا يقف عليها إلاّ ويندفع إلى مودّتهم ومحبّتهم من دون إرادته.

فهم أعدال القرآن الكريم بموجب حديث الثقلين المتواتر عند


(1)لاحظ للوقوف على هذه الاَحاديث ونظائرها كنز العمال ج10 و 12 و 13.

(86)

المسلمين وهو الحديث الذي قال فيه رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «إنّـي تاركٌ فيكمُ الثقلين كتابَ اللّه وعترتي أهلَ بيتي ما إن تَمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض» (1)

فهم حسب هذا الحديث أئمّة الهدى ومثلهم مثل القرآن الكريم فيإنقاذ البشرية من تيه الجهالة وحيرة الضلالة وهدايتها إلى الحياة السعيدة.

وهم شارة الاِيمان وعلامته كما في الحديث الصحيح المنقول في كتب الفريقين: حيث قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - في شأن سيدهم وأوّلهم علي بن أبي طالب: «يا علي لا يحبك إلاّ موَمنٌ ولا يُبغضك إلاّ منافق» (2).

وهم سلامُ اللّه عليهم سُفنُ النَّجاة حيث قال رسول - صلّى الله عليه وآله وسلم - في حديث صحيح: «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينةِ نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى» (3)

وهم الذين لا يصلّـى على النبي من دون الصلاة عليهم وإلاّ كانت صلاةً بتراء ناقصةً، إذ قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «لا تُصلُّوا عليّ الصلاةَ البتراء» فقالوا: وما الصلاة البتراء؟

قال: تقولون: اللّهمّ صلّ على مُحمّد وتسكتون بل قولوا: اللّهمّ صلِّ


(1)وقد جمع العلامة الشيخ قوام الوشنوي كل أسناد وصور هذا الحديث في رسالة مستقلة طبعتها دار التقريب في القاهرة.

(2)المستدرك للحاكم 3: 151.

(3)المستدرك للحاكم 3: 151.

(87)

على محمّدٍ وعلى آل محمّد (1)

وهم أمانٌ للاَُمّة كما في الحديث النبوي المعروف:

«النجوم أمانٌ لاَهل السماء، وأهلُ بيتي أمانٌ لاَُمّتي» (2)

قال الاِمام الرازي في قضيّة الصلاة على الآل: إنّ الدعاء للآلمنصبٌ عظيمٌ ولذلك جعل هذا الدعاء (أي الصلاة على النبيّوآله)خاتمة التشهُّد وقوله: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آله وارحممحمّداً وآله. وهذا التعظيم لم يوجَد في غير الآل فكلُ ذلك يدلُّ على أنّ حبُّ محمدٍ وآل محمدٍ واجبٌ ـ إلى أن قال :ـ وأهلُ بيته ساووهُ في خمسة أشياء:

1ـ في الصلاة عليه وعليهم في التشهد.

2ـ وفي السلام.

3ـ وفي الطهارة.

4ـ وفي تحريم الصدقةِ عليهم (3)

5ـ وفي المحبّةِ (4)


(1)الصواعق لابن حجر : 233.

(2)أخرجه الطبراني في الاَوسط كما في الاَربعين للنبهاني: 216، ولاحظ الصواعق: 235.

(3)إشارة إلى الحديث النبوي: لا تحلّ الصدقة لاَهل بيته.

(4)تفسير الرازي ج7: 391.

(88)

محبة أهل البيت في الشعر الاِسلامي:

وقد استوعب المسلمون الاَوائل هذه الحقيقة، وأحبّوا أهل البيت محبّة صادقةًواعيةً وأنشدوا في ذلك أناشيد وقصائد خالدة منها قول الفرزدق:

مِن معشرٍ حبُّهم دينٌ وبغضُهُمُ * كُفرٌ وقربُهُمُ مَنْجىً ومعتَصَمٌ
إن عُدّ أهل التُقى كانُوا أئمَتهُمْ * أو قيلَ مَن خيرُ أهلِ الاَرْضِ قِيلَ هُمُ (1)

وقول الشافعي ـ رحمه اللّه ـ:

يا أهلَ بيتِ رَسُولِ اللّهِ حُبّكُمُ * فرضٌ مِنَ اللّهِ في القُرآن أنزلَهُ

كفاكمُ من عظيم الفخر أنّكم * مَن لم يُصلّ عليكم لا صلاة له (2)


(1)الصواعق لابن حجر الباب 11| 88.

(2)الصواعق لابن حجر الباب 11| 88.

(89)

قول الشيخ ابن العربي:

رأيتُ ولائي آلَ طه فريضةً * على رَغم أهلِ البُعد يُورثُني القُربى
فما طَلَبَ المبْعُوثُ أجراً على الهُدى * بِتَبْلِيغِهِ إلاّ المودّةَ في القُربى (1)

وقال المعاصر النبهاني:

آلَ طه يا آل خيرِ نَبىٍّ * جَدُّكُم خيرةٌ وأَنتُم خِيارُ
أَذهَبَ اللّهُ عَنْكُمُ الرِجْسَ * أَهلَ البيتِ قِدماً فأنتمُ الاَطهارُ
لم يَسَلْ جَدُّكُمْ عَلَى الدِّين أَجْراً * غَيرَ ودّ القُربى ونِعْمَ الاَجار (2)

ثمّ إنّ بواعث الحبّ الذاتية الموجودة فيهم من طهارة المحتد وقداسة الاَُرومة وشرف الحَسَب والنَسَب، وما يمتازون به من الحكمة والعلم، والخُلُق


(1) لاحظ: الفصول المهمّة لشرف الدين: 229.

(2) لاحظ: الفصول المهمّة لشرف الدين: 229.

(90)

السامية، والزهد والورع والتقوى إلى ملكات كريمة ونفسيات فاضلة وفواضل وفضائل أُخرى لا تعدّ ولا تحصى، وهي بواعث كلٌّ منها بمفرده عاملٌ قويٌّ في أخذ حبّهم بمجامع القلوب، وتعطف النفوس عليهم برمتها.

ما يدلّ على لزوم محبة الصحابة:

وقد توفَّرت مُقتضيات الحبّ وبواعثه في الصحابة أيضاً. يقول اللّه تعالى: (مُحمّد رَسُولُ اللّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أَشِداءُ على الكُفّار رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجدَّاً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَرضواناً سِيماهُمْ في وُجُوهِهِمْ مِنَ أَثَرِ السُجُودِ ذلك مَثَلُهُم في التَوراةِ ومَثَلُهُمْ في الاِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَج شَطْأَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى على سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُرّاع لِيَغِيظَ بِهمُ الكُفّارَ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وََأجْراً عَظيماً)» (1)

فحقيق أن يحب الاِنسان من توفّرت فيهم هذه الصفات من الصحابة ويودّهم.

إذا وقفت على هذا الاَصل الذي له جذور في الكتاب والسنّة ورأيت دعوتهما إليه، لابدّ أن تعرف أنَّ لهذه المحبة مظاهر ومجالي حسب مقتضيات العصور والاَجيال، ولا يمكن تحديد هذه المظاهر لاختلافها حسب اختلاف الظروف واللازم على الشريعة الدعوة إلى الاَصل والجوهر، وهي محبة النبيّ وعترته، وأمّا الكيفيات والقوالب فمتروك أمرها إلى عادة الناس وعرفهم، وإلى الظروف والاَجيال.


(1)الفتح: 29.