welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : في ظل أُصول الاِسلام*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

في ظل أُصول الاِسلام

(31)

2

الاَصل هو الاِباحة

دون الحظر والحُرمة

الاَُمم السابقة وأصالة الاِباحة.

القرآن الكريم وأصالة الاِباحة.

أصالة الحلية في العادات لا العبادات.

ما يترتب على هذا الاَصل.

إذا سبر الاِنسان حياة الاَُمم السابقة ، وجد أنّه لم يكن اعتناقها للشرائع السماوية موجباً لالتزامها بعدم ارتكاب عمل إلاّ بعد إحراز أنّه حلال مباح، بل كان الاَساس المتَّبع في حياة الناس في تلك الاَُمم والاَقوام هو جواز كل فعل إلاّ إذا نهى عنه أنبياوَهم، إذ لولا ذلك لانهارت حياتهم، أو تعقَّدت أشدّ تعقيد.


(32)

القرآن الكريم وأصالة الاِباحة:

يظهر من الذكر الحكيم أنّ هذا هو الاَصل في الشريعة الاِسلامية السمحاء، وأنّ وظيفة النبيّ الاَكرم هو بيان المحرّمات دون المحلَّلات، وأنّ الاَصل هو حلّية كل عملٍ وفعلٍ، إلاّ أن يجدَ النبيُّ حرمته في شريعته، وأنّ وظيفة الاَُمّة هو استفراغ الوسع في استنباط الحكم من أدلّته فإذا لم يجد دليلاً على الحرمة، يحكم عليه بالجواز ، ونكتفي في المقام بلفيف من الآيات، وإن كان في السنّة الغرّاء كفاية:

1ـ قال سبحانه: (وَ مَا لَكُمْ ألاّ تأكلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيهِ وَقَدْ فصّلَ لَكُمْ ما حَرّمَ عَلَيْكُمْ إلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثْيراً لَيُضِلّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْـرِ عِلْمٍ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالمُعْتَدينَ) (1)

فإنّ هذه الآية تكشف عن أنّ الذي يحتاج إلى البيان إنّما هو المحرّمات لا المباحات، ولاَجل ذلك فإنّه بعد أن فصّل ما حرَّم لا وجه للتوقف في العمل، والارتكاب بعد ما لم يكن مبيّناً في جدول المحرّمات.

وبعبارة أُخرى إنّ المسلم إذا لم يجد شيئاً في جدول المحرّمات لم يكن وجه لتوقّفه وعدم الحكم عليه بالاِباحة، والجواز والحلّية.

2ـ قال سبحانه: (قُلْ لا أَجِدُ فيما أوْحيَ إِلَـيَّ مُحَرَّماً عَلَـى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلاّ أن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمَاً مَسْفُوحاً أوْ لَحْمَ خِنزيرٍ فَإِنّه رِجسٌ أَوْ فِسْقاً


(1)الاَنعام: 119.

(33)

أُهِلَّ لِغَيْـرِ اللّهِ بِهِ) (1)

انّه يكشف عن أنّ ما يلزم بيانه إنَّما هو المحرَّمات لا المباحات، ولذلك يستدلّ مُبلِّغ الوحي (ونعني به النبيّ الكريم - صلّى الله عليه وآله وسلم - ) بأنّه لا يجد فيما أُوحي إليه مُحرَّماً على طاعمٍ يطعمه سوى الاَُمور المذكورة فإذا لم يكن هناك شيء فهو محكوم بالحلّية والاِباحة.

3ـ قال سبحانه: (وَمن اهتَدى فإنّما يَهتَدي لنفسه، وَمَن ضَلّ فَإنّما يَضِلُّ عَلَيها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزرَ أُخرى وَما كُنّا مُعذِبينَ حَتّى نَبعَثَ رَسُولاً) (2)

4ـ قال سبحانه أيضاً: (وَمَا كَانَ رَبّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَث في أُمّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَاياتِنَا وَمَا كُنّا مُهلِكِى الْقُرى إلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ) (3)

إنّ دلالة هاتين الآيتين على المقام واضحة فإنّ جملة «وما كان» تارة تستعمل في نفي الشأن والصلاحية، وأُخرى في نفي كون الشيء أمراً ممكناً.

وأمّا الاَوّل فمثل قوله: (وَمَا كَانَ اللّهُ ليُضيعَ إيمانَكُمْ إنَّ اللّهَ بِالناسِ لَرَءُوف رَحيم) (4). وغيره (5) أي ليس من شأن اللّه سبحانه وهو العادل الرؤوف أن يضيع إيمانكم .

وأمّا الثاني فمثل قوله: (مَا كانَ لِنفْسٍ أنْ تَمُوت إلاّ بِإِذْنِ اللّهِ كتاباً


(1)الاَنعام: 145.

(2)الاِسراء: 15.

(3)القصص: 59.

(4)البقرة: 143.

(5)آل عمران: 79 و 161.

(34)

مُوَجَّلاً) (1) أي لا يمكن لنفس أن تموت بدون إذنه سبحانه.

فيكون معنى الآيتين بناء على الاستعمال الاَوّل: هو ليس من شأن اللّه تعالى أن يعذب الناس أو يهلكهم قبل أن يبعث إليهم رسولاً، وعلى الاستعمال الثاني: هو ليس من الممكن أن يعذب اللّه الناس أو يهلكهم قبل أن يبعث إليهم رسولاً.

وعلى كلّ تقدير فدلالة الآيتين على الاِباحة واضحة إذ ليس لبعث الرسل خصوصية وموضوعية، ولو أن جواز العذاب أُنيط ببعثهم فإنّما هو لاَجل كونهم وسائط للبيان والاِبلاغ، والملاك هو عدم جواز التعذيب بلا بيان وإبلاغ، وإنّ التعذيب ليس من شأنه سبحانه، أو أنّه ليس أمراً ممكناً حسب حكمته.

5ـ قال سبحانه: (وَمَا أَهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلاّ وَلَها مُنذِرُونَ) (2)فإنّ هذه الآية مُشعرة بأن الهلاك كان بعد الاِنذار والتخويف، وإنَّ اشتراط الاِنذار كناية عن البيان وإتمام الحجّة.

6ـ قوله سبحانه: (وَلَوْ أنّا أَهْلَكناهُمْ بِعَذاب مِن قَبْلِه لَقالُوا لَوْلا أرْسَلْت إِليْنَا رَسُولاً فَنَتّبِعَ ءَاياتِكَ مِن قَبْلِ أن نَذِلّ ونَخزى) (3)

فإنّ هذه الآية تدلّ على أنّ التعذيب قبل بعث الرسول مردود بحجّة المعذَّبين وهي قولهم: (لولا أرسَلْتَ إلينا رسولاً فنتبع ءَاياتك) فلا يصحّ


(1)التوبة: 12 ويونس: 28.

(2)الشعراء: 208.

(3)طه: 134.

(35)

التعذيبُ إلاّ بعد أخذ الحجّة عنهم ببعث الرسُل.

وهذا يعني أن الاَشياء مباحةٌ جائزةُ الارتكاب خاليةٌ عن العقوبة أصلاً إلاّ إذا ردع عنها الشارع بشكل من الاَشكال التي منها إرسال الاَنبياء.

7ـ قوله سبحانه: ( يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيّـنُ لَكُمْ عَلى فَتْـرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جاءَنَا مِنْ بَشير وَلا نَذير فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشير وَنذَير واللّهُ عَلَـى كُلِّ شَـيء قَديرٌ) (1)

فإنّ ظاهر قوله: (مَا جَاءَنَا مِنْ بَشير وَلاَ نذير) أنّه حجّة تامّة صحيحة، ويحتج به على كل من عُذِّبَ قبل البيان ولاَجل ذلك قام سبحانه بإرسال الرسل حتّى لا يُحتجَّ عليه بل تكون الحجّة للّه سبحانه.

وهذا يُعطي أنّه لا يُحكمُ على حُرمة شيء ولا يجوز التعذيب على ارتكابه قبل بيان حكمه وذلك لاَنّ بعث البشير والنذير كناية عن بيان الاَحكام.

أصالة الاِباحة في العادات لا العبادات:

وها هنا نكتةٌ وهي: أنّ ما قلناه من أنّ الاَصل في الاَشياء هو الاِباحة لا الحظر إنّما يجري في التقاليد والعادات، فإذا شككنا في أنّ لعب كرة القدم الذي هو من العادات والتقاليد هل هو حلال أم لا؟ أو أنّ الاستماع إلى الاذاعة سائغ أم لا؟ فالاَصل بعد التتبع في الاَدلة وعدم العثور على الدليل


(1)المائدة: 19.

(36)

الدالّ على الحرمة هو الحلّية.

وأمّا الاَُمور التي يقوم بها الانسان بما أنّها أعمال قُربيّة توجب الثواب فالاَصل فيها هو الحرمة ما لَم يدّل عليها الدليل، لكون الاَُمور القربية أُموراً توقيفية أي موقوفة على بيان الشارع وطلبه وتحديده ، فإذا شككنا في أنّ صلاة الضحى هل هي سائغة أم لا ؟ فالاَصل فيها هو الحرمة لاَنّها ممّا لم يدلّ عليه دليل، إذ الاِتيان بها ـوالحال هذه ـ إدخال شيء في الدين مع أنّه لم يدلّ دليل على أنّه من الدين، وهكذا كُل عمل قُربيّ يأتي به الاِنسان بما أنّه واجب أو مستحبّ فإنّه يحتاج إلى الدليل، والاَصل فيه هو الحرمة، إلاّ إذا دلّ عليه دليل.

وعلى ذلك فكلّ ما يحكم الوهابيون بحرمته أو يصفونه بالبدعة والشرك، إنّما يتمّ إذا كان من القسم الثاني ولم يدلّ عليه الدليل.

وأمّا القسم الاَوّل، أعني: التقاليد والعادات فالاَصل فيه الاِباحة غير أنّ كثيراً ممن ليس له قدم راسخة في هذه المواضيع و الاَبحاث لا يفرّق بين مورد «أصالة الاِباحة» ، و «أصالة الحظر» والتفصيل موكول إلى محلّه في كتب علم أُصول الفقه.

ما يترتب على هذا الاَصل:

ويترتب على هذا الاَصل:

1ـ أنّ كل ما يقوم به الاِنسان من قول أو فعل فهو محكوم بالاِباحة ما لم نجد نصّاً على تحريمه في الكتاب والسنّة، وما لم ينطبق عليه أحد العناوين


(37)

الكلّية المحرمة، مثل: «الاِعانة على الاِثم» و«تقوية شوكة الكفّار» و«الاِضرار بالمسلمين» و «الاِضرار بالنفس والنفيس» إلى غير ذلك منالعناوين العامّة التي ربّما يصير المباحُ بالذات حراماً بسبب انطباقها عليه.

وعلى أساس ذلك فإنّ جميع المصنوعات الحديثة التي هي من نتائج التقدّم الحضاري التكنولوجي مثل الهاتف والتلغراف، والتلفزيون والسيارة والطائرة وما شابهها واستخداماتها المتعارفة محكومة بالحلّية والاِباحة لعدم وجود نصّ خاصّ على تحريمها في الكتاب والسنّة، ولعدم انطباق أحد العناوين العامّة المحرّمة عليها.

وقد كان مُعظم مشايخ الوهابيين يحرّمون كلّ ذلك في بدء حركتهم ودعوتهم أيّام «عبد العزيز» ولكنّهم عندما أُزيحوا عن منصّة الحكم، وحلّ الآخرون محلّهم أباحوه وصاروا يتحدثون في الاِذاعة والتلفزيون ويستخدمون كل مُعطيات الحضارة الحديثة، ويحلّلون كل أشيائها واستخداماتها.

2ـ يعلم في ضوء الاَصل السابق حلّية العادات والتقاليد العرفية المتّبعة لدى الاَُمم والشعوب من إقامة الاحتفالات والمآتم إلى غير ذلك من الاَُمور التي لا يقوم بها الاِنسان باعتقاده أنّها من الدين لكي ينطبق عليها عنوان البدعة، بل يقوم بها بما أنّها من الاَعراف والتقاليد الاجتماعية.

3ـ حلّية الاَلعاب الرياضية من كرة القدم وكرة الطائرة إلى غير ذلك من الاَلعاب البدنية التي تمنح قدرة جسدية للاِنسان ونشاطاً روحياً إذا لم يقترن بالمحرَّمات.


(38)

4ـ حلّية كافة أشكال الرفض الوطنيّ الدارج بين الشعوب المتحضّرة فكرياً سواء كان لدعم دولتهم أم ضدّها وإسقاطها على الصعيد السياسي، وذلك مثل المظاهرات وما شابهها.

5ـ حلّية تحصيل العلوم الطبيعية في كافّة مجالاتها وميادينها والعلوم الرياضية بشتى أقسامها، وألوانها، وكذا استخدامها في المجالات المباحة.

وأمّا علم الكلام الذي يتكفّل الذبّ عن حياض العقيدة فالحكم بحلّيته لا يحتاج إلى هذا الاَصل، لاَنّ له جذوراً واضحة في القرآن والسنّة، ومن الموَسف أن نرى السطحيين من أهل الحديث وعلى رأسهم الوهابيون قد حرّموه في جامعاتهم ومراكزهم الثقافية، فلا يُدرَّسُ فيها إلاّ العقيدة الطحاوية التي ذكرت العقائد فيها على نهج أهل الحديث، ولا ندري كيف يُحرّمون العلوم العقلية واستخدام العقل في فهم المعارف والاستدلال عليها والذكر الحكيم مليىَ بالبراهين العقلية على وجوده سبحانه وتوحيده وصفاته، إلى غير ذلك من المسائل الفكرية، والاعتقادية التي دعى القرآن الكريم إلى التفكير والتعقل فيها.

فهذا هو إبراهيم الخليل - عليه السّلام- يستدلّ بأُفول الاَجرام السماوية على بطلان كونها أرباباً(1)

وهذا هو الذكر الحكيم يستدلّ على وحدانية اللّه بقوله: (لَوْ كَانَ فِيهما ءَالِهَةٌ إلاّ اللّه لَفَسَدَتَا)(2)وقوله: (وما كان مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إذاً لَذَهَب كُلّ إِله بِمَـا


(1)الاَنعام : 79.

(2)الاَنبياء: 22.

(39)

خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَـى بَعْض)(1)

وهذا هو القرآن الكريم يستدل على وجود البارىَ الخالق بقوله: (أَمْ خُلِقواْ من غَيْـر شَـىءٍ أم هُمُ الخالِقُونَ* أمْ خَلَقُواْ السَّمَـاواتِ والاَرْضِ بَلْ لا يُوقِنُونَ) (2)

إنّ تعطيل العقول عن تحصيل المعارف الحقّة يتعارض مع ما ندب إليه الكتاب والسنّة النبوية وأحاديث العترة الطاهرة، من التفكير والتدبر في آيات اللّه ومعرفة صفاته وأسمائه بالنظر والاستدلال. والعواقب الوخيمة التي آل إليها مصير بعض الشعوب إنّما كان نتيجة إهمالهم هذا الاَمر المهمّ الحيويّ، فإذا عُطِلت العقول عن المعارف وحكم على الاستدلال والبرهنة العقلية بالتحريم، سيطرت على الصعيد الديني والعلمي أفكار وآراء تدعم ما جاء به اليهود والنصارى، من تجسيمه سبحانه وكونه ذا جهة وأنّ له يدين ورجلين وعينين كما عليه ابن تيمية وأتباعه أعاذنا وإيّاكم من عمى العيون والبصائر.

***


(1)الموَمنون: 91.

(2)الطور : 35ـ 36.

(40)

(41)

3
البدعة

تحديد مفهومها وذكر أقسامها

معنى البدعة لغة واصطلاحاً.

حكم البدعة الاصطلاحية في الكتاب العزيز.

حكم البدعة الاصطلاحية في السنّة الشريفة.

ما هي موارد البدعة؟

ما يترتب على هذا الاَصل؟

بطلان تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة.

البدعة مصدر بدع بمعنى أنشأ وبدأ، والبدع: الشيء الذي يكون أوّلاً كما في لسان العرب، وأبدعت الشيء قولاً أو فعلاً إذا ابتدأته لا عن سياقِ مثالٍ كما في مقاييس اللغة.

هذا هو المعنى اللغوي للبدعة، وأمّا معناها في مصطلح الفقهاء فهي عبارةٌ عن:


(42)

إدخال ما ليس من الدين في الدين. وعدّ ما ليس منه، منه.

وليس بين المسلمين أحدٌ يتفوّه بجوازهما لاِطباق الاَدلّة الاَربعة على حرّمتها.

وإلى هذا المعنى المصطلح يشير صاحب القاموس ويقول: البدعة الحَدَث في الدين بعد الاِكمال، أو ما استحدِثَ في الدين بعد النبيّ من الاَهواء والاَعمال.

حكم البدعة الاصطلاحية في الكتاب العزيز :

هذا وقد بسط بعض الفقهاء والمتكلمين القول في تحريم الاِفتاء والحكم في دين اللّه بما يخالف النصوص وفي سقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: (يَا أيُّها الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُقَدّمُوا بَيْـنَ يَدَي اللّهِ وَرَسُولِهِ واتَّقُوا اللّهَ) (1)

وقوله سبحانه: ( وَمَا كَانَ لِمُوَمِنٍ ولا مُوَمِنَةٍ إِذا قَضَـى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أن يَكونَ لَـهُمُ الْخِيَـرَةُ مِن أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلالاً مُبيناً(2)).

وقوله تعالى: (وَأَنَّ هذا صِراطِى مُستَقيماً فَاتَّبعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السّبلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَن سَبيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلّكُمْ تَتَّقُونَ) (3)


(1)الحجرات: 1.

(2)الاَحزاب: 36.

(3)الاَنعام : 153.

(43)

على أنّ البدعة ليست خصوص الاِفتاء بما خالف الكتاب والسنّة بل هي أعمّ من ذلك فهي تشـمل إدخال ما لم يرد في الكتاب والسنّة، بأن سكت عنه الشارع نفياً وإثباتاً في الدين (1)فالمعنى الجامع للبدعة هو:الافتراء على اللّه رسوله ونشر ذلك المفترى في الاَُمّة بعنوان أنّه من الدين.

ويدلّ على هذا المعنى مُضافاً إلى ما عرفت قوله سبحانه: (ءأللّه أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلى اللّهِ تَفْتَرُون) فإن هذه الآية تدلّ على أنَّ كلّ ما يُنسب إلى اللّه سبحانه بلا إذنٍ منه فهو أمرٌ محرّم، ومَن أدخل في الدين ما ليس منه فقد افترى على اللّه.

وقد عدّ اللّه المفتر ي مِن أظلم الناس إذ قال سبحانه: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن افْتَرى عَلَـى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذّبَ بآياتِهِ إِنّه لا يُفْلِحُ الظَالِمون) (2)

وعندما اقترح المشركون على النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - بأن يأتي بقرآن غير هذا أو يبدّله إلى آخره، أمَرَه سبحانه بأن يقول: (قُلْ مَا يَكُونُ لي أَن أُبَدّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسي إنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنّي أَخافُ إنّ عَصَيت رَبّي عَذاب يَوم عَظيمٍ)(3).


(1) أعلام الموقعين لابن القيم 3: 25 ـ 65.

(2)الاَنعام: 21.

(3)يونس: 15.

(44)

حكم البدعة الاصطلاحية في السنّة الشريفة:

وأمّا السنّة فإليك لفيفاً من الاَحاديث الدالّة على هذا المعنى وعلى شجب البدعة وتحريمها.

قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

1ـ «أمّا بعد فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ اللّه، وإن أفضلَ الهدى هدى محمّد، وشرّ الاَُمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة في النار».

قال ابن حجر العسقلاني في شرح حديث: «وشرّ الاَُمور محدثاتها» في صحيح البخاري: المحدثات جمع محدثة المراد بها ما أُحدث وليس له أصل في الشرع ويُسمّى في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة (1)

2ـ «إيّاكم والبدع فإنّ كلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة تسير إلى النار».

3ـ «من سنّ سنّةَ خير فأُتبع عليها فله أجره، ومثل أُجور من اتّبعه غير منقوص من أُجورهم شيئاً، ومن سنّ سُنّةَ شرّ فأُتبعِ عليها كان عليه وزرهُ ومثل أوزار من اتّبَعَه غير منقوص من أوزارهم شيئاً».

4ـ «أهل البدع شر الخلق والخليقة».

5ـ «الاَمر المفضع والحمل المضلع والشرّ الذي لا ينقطع إظهار البدَع».


(1)فتح الباري في شرح صحيح البخاري 13: 253.

(45)

5ـ «إذا رأيتم صاحب بدعة فاكْفهِرّوا في وجهه فإنّ اللّه ليبغض كلّ مبتدع، ولا يجوز أحد منهم على الصراط ولكن يتهافتون في النار مثل الجراد والذباب».

7ـ «من مشى إلى صاحب بدعة فقد أعان على هدم الاِسلام».

8ـ «عمل قليل في سنّة خير من عمل كثير في بدعة».

9ـ «أبى اللّه أن يقبلَ عَملَ صاحب بدعة حتى يدع بدعته».

10ـ «إذا مات صاحب بدعة فقد فُتح في الاِسلام فتحٌ».

11ـ «لا يقبل اللّهُ لصاحب بدعة صلاة ولا صوماً ولا صدقة ولا حجّاً ولا عمرة ولا جهاداً ولا صرفاً ولا عدلاً، يخرج من الاِسلام كما تخرج الشعرة من العجين».

12ـ «من غشّ أُمّتي فعليه لعنة اللّهِ والملائكة والناس أجمعين. قالوا يا رسول اللّه: وما الغشّ قال: أن يبتدع لهم بدعة فيعملوا بها».

13ـ «من أعرض عن صاحب بدعة بغضاً له ملاَ اللّه قبله أمناً وإيماناً، ومن انتهر صاحب بدعة آمنه اللّه يوم الفزع الاَكبر، ومن أهان صاحب بدعة رفعه اللّه في الجنّة مائة درجة، ومن سلّم على صاحب بدعة أو لقيه بالبشر واستقبله بما يسرّه فقد استخفّ بما أنزل اللّه على محمّد».

14ـ عن قيس بن عبادة قال انطلقت أنا والاَشتر إلى عليّ - عليه السّلام- فقلنا هل عَهِد إليك رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - شيئاً لم يعهده إلى الناس عامّة؟ قال: لا إلاّ ما في كتابي هذا، فأخرج كتاباً من قراب سيفه فإذا فيه:


(46)

«الموَمنون تتكافأ دماوَهم وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، ألا لا يُقتل موَمن بكافر ولا ذو عهد في عهده، من أحدث حدثاً فعلى نفسه، ومن أحدث حدثاً أو آوى مُحدثاً فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين لا يُقبل منه صرف ولا عدل» (1).

هذه هي طائفة من الاَحاديث التي تصرّح بحرمة البدعة وتدعو إلى نبذها، ومكافحتها، والاِعراض عن أصحابها.

وقد حكم العقل بقبحها أيضاً، فإنّ العقل إذا حكم بقبح الكذب حكم بطريق أولى بقبح الافتراء على اللّه ونسبة شيء إليه كذباً.

ثمّ هو أمر اتّفق عليه كلّ علماء الاِسلام بلا استثناء ومن هنا تكون البدعة أمراً محرّماً بالاَدلّة الاَربعة.

ما هي موارد البدعة؟

هذا هو مفهوم البدعة، وهذه هي أدلّة حرمتها، غير أنّ تطبيقها على أعمال العباد وأفعالهم يتوقَّف على تمييز التقاليد والآداب العرفية عن الاَعمال الدينية فنقول: إن الاَعمال التي يقوم بها الاِنسان على نوعين:

الاَوّل: ما يقوم به بما أنّه جزء من تقاليد مُجتمعه وأعراف بيئته لا بما أنّه جزء من الدين، مع كونه مباحاً بالذات في الشريعة المقدّسة.


(1)جامع الاَُصول 9: 566، عن الترمذي وكنز العمال ج1 و 8 و 15 و 7 و 11 و2.

(47)

الثاني: ما يقوم به بما أنّه جزء من الشريعة والدين، وبزعم أنّه أمر به الشارع، وله أصل في القرآن والسنّة.

والبدعة المحرّمة تكون في النوع الثاني، فإنّ الانسان إذا أتى بعمل بوصفه جزءاً من الدين، في حين لم يكن مأموراً به من قبل الشارع ولم يكن له أصل في الشريعة، كان عمله بدعة.

لا من النوع الاَوّل، إذا كان مباحاً في ذاته.

نعم يحرم العمل ـ في النوع الاَوّل ـ إذا كان مُحرّماً ومحظوراً بالذات في الشريعة، وحينئذٍ تكون حرمته لا لاَجل كونه بدعة بل لكونه محرّماً لذاته شرعاً، وإليك بيان ذلك بالتفصيل لمزيد التوضيح.

النوع الاَوّل: ما يوَتى به تبعاً للتقاليد الاجتماعية:

إذا قام الاِنسان بأمر مباح في حدّ ذاته (كالاحتفال في يوم خاص) لا ينطبق عليه شيء من العناوين المحرّمة كشرب الخمر، واقتراف الميسر، لا بما أنّه من الدين، بل بما أنّه من العادات المتعارفة في حياة قومه ومجتمعه، لا يكون عمله هذا بدعة في الدين، لعدم صلته بالدين وإنّما يُطلق عليه أنّه أمر مُحدث أو مبتدع بالمعنى اللغوي لا بالمعنى الوارد للبدعة في الكتاب والسنّة، ومصطلح العلماء.

فمثلاً لو احتفل شعب بيوم استقلاله، وخروجه عن ذلّ التبعية، فإنّ هذا العمل لا يكون بدعة في الدين، ذلك لاَنّ المحتفلين لا يقومون به بما أنّه من الدين، وبما أنّ الشارع أمر بذلك، إنّما يقومون به لكونه من التقاليد


(48)

والعادات التي جرى عليها الآباء والاَجداد، أو ابتكرها الجيل الحاضر تشحيذاً لعزائم الشعب في سبيل حفظ استقلالهم، والخروج عن سيطرة القوى الكبرى عليهم، مع كون العمل غير محرّم في ذاته، بل هو اجتماع وإنشاد قصائد وإلقاء خطب وشرب شاي ولقاء إخوان إلى غير ذلك.

ونمثل لهذا بالشعب الجزائري فإنّه مرّت عليه أعوام عديدة رزحوا فيها تحت السيطرة الفرنسية الغاشمة، تنهب ثرواتهم، وتدمّر ثقافتهم الاِسلامية، ثمّ منحهم اللّه تعالى الاستقلال والحرية بفضل عزائمهم، وجهادهم وتضحيتهم، وعادت إليهم عزتهم وهويتهم، فلو قرّر هذا الشعب أن يحتفل بيوم تحرّره هذا كلّ عام من دون اقتراف المنكرات واقتراف المعاصي ما كان لاَحد أن يلومهم على ذلك ويذمّهم، بل يمدحهم العقلاء بفطرتهم السليمة.

كما لا يدور في خلد أحد أنّ هذا الشعب ارتكب بهذا الصنيع بدعة في الدين، لاَنّه لم يقم بهذا لكونه من الدين والشريعة، وأنّ النبي أمر بذلك، بل قامَ بما قامَ من باب حفظ المصالح وتشحيذ عزائم الناس الذي هو في حدّ نفسه حلال بلا ريب.

فمن حَكَمَ بحرمة هذه التقاليد والآداب والرسوم سواء أكان لها جذور في الاَعوام السابقة أو كانت من محدثات العصر فقد ارتكب خطأ في تحديد البدعة، ولم يميّزها عن غيرها من المراسيم والآداب.

فهذا ابن تيمية يصف الكثير من الاَعمال المباحة التي يقوم بها


(49)

المسلمون منذ قرون بالبدعة يصرّح في موضع آخر بأن الاَصل في العادات هو الحلّية إلاّ ما حظره اللّه قال: «فالاَصل في العبادات لايشرَّع منها إلاّ ما شرّعه اللّه، والاَصل في العادات لا يحظر منها إلاّ ما حظره اللّه» (1)

وبهذا يُعلم أن تضييق الاَمر في العادات والتقاليد التي لم يرد فيها حظر من الشرع لا يصدر إلاّ من الجاهل بأنّ الشريعة الاِسلامية سمحة سهلة (2)لم تتدخل في عادات الناس وتقاليدهم بل تركتها إلى أنفسهم حتى يختار كل قوم ما يناسب بيئتهم وظروفهم، وهذا هو الاَساس لكون الاِسلام خاتم الشرائع، وكتابه خاتم الكتب، ونبيّه خاتم الاَنبياء ولو كان محدّداً للتقاليد والآداب، والمراسم والمواسم لوقع التضادّ بينه وبين حياة الشعوب وحضارتها المتكاملة مع مُضيّ الزمان.

إنّ هذا الاَُسلوب هو الذي يضمن مرونة الاِسلام، ويجعله قادراً على أن يتمشى مع العصور والحضارات.

إنّ الاِسلام بيّـن الا َُطر العامّــة، ولم يتدخـل في تقاليــد المجتمعــات وآدابهم العرفية بل خلاّهم وأياها إذا كانت أمراً مباحاً حلالاً بالذات.

نعم الاَمر المحرّم لا يتغير حكمه، وإن أُطلق عليه أنَّه من تقاليدهم وآدابهم، فلا يحلّ محرّم بحجّة أنّه من الاَعراف الاجتماعية.


(1)المجموع من فتاوى ابن تيمية 4: 196.

(2)صحيح البخاري ج1، كتاب الاِيمان باب «الدين يسر»: 12. روى عن النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - أنّه قال: «أحبّ الدين إلى اللّه الحنيفيّة السمحة».

(50)

إنّما الكلام هو فيما إذا كان غير محرّم بالذات، أي لم يكن ممّا عدّه الشارع المتمثل في الكتاب والسنّة أمراً محرَّماً، ففي مثل هذه الصورة لا يُعدّ ـبسبب الاتفاق عليه وعلى إتيانه في زمان أو مكان معيّـن ـ بدعة بمعناها الاصطلاحي.

إنّ لكلّ قوم آداباً خاصّة في المعمارية، والخياطة والمعاشرة واللقاءات السنوية وفي الضيافات، وقد تركهم الشرع فيها إلى أنفسهم، ولم يُحدّدها، فإذا اتفقوا على أنّ يتهادوا فيما بينهم في كلّ سنّة في يوم خاص، أو يجتمعوا في كلّ شهر في وقت معيّـن لا بما أنّه من الدين، لم يكن ذلك بدعة، وهكذا لو أجمعوا على تكريم زعيمهم في يوم خاص.

ولولا هذه المرونة لما كان الاِسلام ديناً عالمياً خالداً، ولتوقفت حركته منذ أقدم العصور، إذ أنّ لكل قوم رسوماً وأعرافاً تتعلّق بها قلوبهم ... مع فرض أنّه ليس أمراً محرّماً بالذات.

* * *

النوع الثاني: ما يوَتى به باسم الدين، وأنّه أمر به الشارع في الكتاب والسنّة، وهذا هو الذي ينقسم العمل فيه إلى عمل شرعي وبدعي.

فلو أمر به الشارع يكون العمل به مشروعاً والعامل مُثاباً.

أمّا إذا لم يكن هناك نصٌ من الشارع على الاِتيان به بما أنّه من الدين عُدَّ عملاً بدعياً، والعامل به مبتدعاً، ويُعاقب عليه أشدّ العقاب.


(51)

ملاك كون العمل مشروعاً لا بدعة:

ولكن الذي يجب أن نلفت إليه نظر القارىَ الكريم هو أنّ العنصر الذي يوجب خروج العمل عن كونه بدعياً هو دعم الشرع له، وتصريحه بأنّه من الدين، وهذا الدعم يكون على نوعين:

الاَوّل: أن يقع النص عليه في القرآن والسنّة بشخصه، وحدوده وتفاصيله وجزئياته. كالاحتفال بِعيدي الفطر والاَضحى، والاجتماع في عرفة ومنى، ولا شكّ أنّ هذا الاحتفال والاجتماع قد أمر به الشرع فخرج عن كونه بدعة.

الثاني: أن يقع النص عليه على الوجه الكلّـي، ويُترك انتخاب أساليبه وأشكاله وألوانه إلى الظروف والمقتضيات.

وإليك بعض الاَمثلة في هذا المجال:

1ـ لقد ندب الشارع المقدس إلى تعليم الاَولاد ومكافحة الاَمية ولا شكّ أنّ لهذا الاَمر الكلّـي أشكالاً وألواناً حسب تبدّل الحضارات وتكاملها، وقد كان التعليم والكتابة في الظروف السابقة تتحقق بالكتابة بالقصب والحبر، وجلوس المتعلّم على الاَرض في الكتاتيب، إلاّ أنّ ذلك تطوّر الآن إلى حالة جديدة تستخدم فيها الاَجهزة المتطورة حيث أصبح الناس يتعلّمون عن طريق الاِذاعة والتلفزيون والكومپيوتر والاَشرطة وإلى غيرها من وسائل التعليم الحديثة.


(52)

إنّ الشارع المقدس لا يخالف هذا التطور ولا يمنع من استخدام الاجهزة والاَساليب الحديثة ، إنّما هو أمر بالتعليم والتعلّم، وترك إتخاذ الاَساليب إلى الظروف والمقتضيات.

ولو أصرَّ على إتخاذ كيفية خاصّة لفشل في هدفه المقدَّس ولفقد مبررات خلوده واستمراره، لاَنّ الظروف ربّما لا تناسب الاَداة الخاصّة التي يقترحها والكيفية الخاصّة التي يحددها.

2ـ لقد حث الاِسلام على الاِحسان إلى اليتامى والتحنّن عليهم وحفظ أموالهم وتربيتهم، غير أنَّ هذا الاَمر الكلّـي له ألوان وأساليب مختلفة تجاري مقتضيات كلّ عصر ومصر وإمكانياتهما فاللازم علينا هو امتثال ما ندب إليه الشرع، وأمّا كيفيته فمتروكة إلى أهل كلّ عصر ومصر، ومن أصرَّ على أنّ على الشارع تبيين خصوصيات الاِحسان، فقد جهل بالاِسلام ولم يعرف أساس كونه خاتماً إذ لا يكون خاتماً إلاّ إذا ذكر لُبّ الاِحسان إلى اليتامى وغيره، وترك الصور والاَساليب إلى الناس ومقتضيات الزمان والمكان.

3ـ إنَّ الصحابة ـ حسب رواية السنّة ـ قاموا بجمع آيات القرآن المتفرّقة في مصحف واحد ولم يصف أحدٌ منهم هذا العمل بكونه بدعة، وما هذا إلاّ لاَنّ عملهم كان تطبيقاً لقوله سبحانه: ( إنَّا نحن نزَّلنا الذِكرَ وإنّا لَهُ لحافظون) (1)

فعملهم في الواقع كان تطبيقاً عملياً لنصوص شرعية من الكتاب والسنّة، وقد جرى المسلمون على ذلك المنوال في مجال الاهتمام بالقرآن من


(1)الحجر: 9.

(53)

كتابته وتنقيطه، وإعراب كلمه وجمله، وعدّ آياته وتمييزها بالنقاط الحمراء، وأخيراً طباعته ونشره، وتشجيع حُفّاظه وقرّائه، وتكريمهم في احتفالات خاصة، إلى غير ذلك من الاَُمور التي يعتبر كلّها دعماً لحفظ القرآن وتثبيته وبقائه، وإن لم يفعله رسول اللّه ولا أصحابه ولا التابعون، إذ يكفينا وجود أصل له في الاَدلة.

4ـ إنَّ الدفاع عن بيضة الاِسلام وحفظ استقلاله وصيانة حدوده من الاَعداء أصل ثابت في القرآن الكريم قال سبحانه: (وَأعدِّوا لَهُم مَا اسْتَطَعتُم مِن قُوّةٍ وَمِن رِباطِ الخيلِ تُرهِبُونَ بِه عَدوّ اللّه وَعَدوَكُم) (1) وأمّا كيفية الدفاع ونوعية السلاح وشكل الخدمة العسكرية المتبعة في كلّ عصر ومصر فهو برمته تطبيق لهذا المبدأ وتجسيد لهذا الاَصل.

فالتسلح بالغواصات والاَساطيل البحرية والطائرات المقاتلة إلى غير ذلك من أدوات الدفاع ليس بدعة بل تجسيد لهذا الاَصل، ومن حلا له أن يرمي التجنيد العسكري بأنّه بدعة يكون ممّن غفل عن حقيقة الحال وجهل بأنّ الاِسلام يأمر بالاَصل ، ويترك الصور والاَشكال لمقتضيات العصور.

ما يترتَّب على هذا الاَصل:

ويترتب على هذا الاَصل أُمور:

1ـ إذا كانت الشريعة الاِسلامية شريعة خاتمة وكتابه كتاباً خاتماً، ونبوته نبوّة خاتمة، وإذا كان باب الوحي ونزول الشرائع من السماء إلى الاَرض


(1)الاَنفال: 60.

(54)

قد أُغلق بوفاة رسول الاِسلام - صلّى الله عليه وآله وسلم - وهو كذلك يقيناً، وإذا كان ليس للبشرية شريعة إلاّ هذه الشريعة إلى يوم القيامة فيجب أن تتمتع هذه الشريعة بمرونةٍ خاصّة حتى يتقبّلها جميع شعوب العالم بيسر، ورغبة، ومن المرونة هذه، أن لا يخالف الاِسلام تقاليد الشعوب وآدابها، ولا يعارض أعرافها ومواضعاتها، إذا لم يكن فيها حرام بالذات، وإذا لم يقوموا بها بما أنّها مأمور بها من جانب اللّه سبحانه، وبما أنّها من الدين، وإنّما يقومون بها كرمز أصالتهم وحضارتهم وشارة سلفهم مع كونه غير محرَّم.

ونوَكّد مرةً أُخرى أنّ هذه المراسم والاَعمال إنّما لا يُعارضها الاِسلام إذا لم تكن أُموراً محرّمة بالذات، أوْ لم يقارنها حرام كاختلاط النساء بالرجال، أو الاستعانة بالآلات المحرّمة إلى غير ذلك.

وإنّما تفشّى الاِسلام بين الشعوب وانتشر بين الاَُمم بسرعة هائلة، لاَجل أنّه لم يعارض أعرافهم المحلّلة المعقولة، ولم يخالفها، وإنّما اكتفى بأن طالبهم بالاِيمان بأُصوله وفروعه والاِتيان بالواجبات واجتناب المحرّمات، وإصلاح الاَخلاق.

2ـ الاحتفال بمواليد الاَنبياء والاَئمّة والصالحين الذين لهج الكتاب والسنّة بمدحهم، وفضلهم من هذا الاَعراف والمراسم التي لا يعارضها الاِسلام، فليس لنا رميها بصفة «البدعة» لما عرفت من أنّ البدعة هو العمل الذي لم يرد بشأنه نصّ في الكتاب والسنّة، ويوَتى به على أساس أنّه من الدين.

فقد أمر الكتاب والسنّة بحب النبيّ وودّه أوّلاً، وتوقيره وتكريمه ثانياً


(55)

وحثّ عليهما في الشريعة وستتعرف على دلائل لزوم حبه كما ستتعرف على لزوم تكريمه وتوقيره.

وعلى ذلك فلو احتفل المسلمون منذ قرون ولا يعلم مبدأ تلك الاحتفالات إلاّ اللّه سبحانه، فإنّهم لم يريدوا بفعلهم ذلك أن يُدخلوا في الدين ما ليس منه بل أرادوا أن يُعبّـروا عن حبّهم ووفائهم للنبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - ويجسّدوا توقيرهم وتكرّمهم له.

وبذلك تقف على قيمة قول الكاتب المعاصر محمّد حامد الفقي حين يقول في تعاليقه على فتح المجيد: الذكريات التي ملاَت البلاد باسم الاَولياء هي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم (1)وكيف انّه قد تجافى عن الحقيقة في قولته هذه.

فقد عرفت أنّ الوارد في الاَدلّة هو الاَُصول، وأمّا الصور والاَشكال فموكولة إلى الاَزمنة واختلاف الحضارات والاَعراف، وهو أمر جار في مسألة الاحتفال بمواليد الاَنبياء والاَئمّة الكرام، فإنّ الكتاب والسنّة حث على أصل الحب والمودة لهم وترك بيان نوعية التعبير عن هذه المودة والحب، ليقوم كلّ بإظهار هذا الحب والودّ، والقيام بهذا التوقير والتعزير بطريقته المتّبعة مالم يكن العمل الذي يقوم في هذا المضمار حراماً بذاته أو مقروناً بأمر حرام.

والعجب أن نسمع بعض الاِذاعات ـ رغم وضوح هذا الاَصل ـ وهي تنقل أحاديث بعض العلماء وهم يهاجمون الاحتفال بمولد رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم -


(1)فتح المجيد: 154. والكاتب المذكور وهابي النزعة.

(56)

ويشجبونه، لا بما أنّه يشتمل على محرّم أو منكر، بل لعدّ نفس العمل بدعة فتنتابنا الدهشة كيف لا يفرّق هوَلاء بين «البدعة» و «السنّة»، وهل التظاهر بمحبة النبيّ، وإيداء مودّته في ممارسات مباحة ذاتاً بدعة؟! أو أنّ توقيره وتكريمه وترفيعه إثم، وقد حث عليهما الكتاب والسنّة؟

وبعبارة واضحة:

إنّ ما يقوم به المسلمون في مولد النبيّ الاَكرم إنّما هو تجسيد لاَصلين دعا إليهما الذكر الحكيم:

1ـ حبّ النبيّ ومودّته التي ستقف على آياتها وأحاديثها مستقبلاً، في هذا الكتاب.

2ـ تعزيره وتوقيره وتكريمه الذي دلّ عليه قوله سبحانه: (... فَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِه وعزّرُوهُ وَنَصَـرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذي أُنزِلَ مَعَه أُولئِكَ هُم المُفلِحُونَ) (1)وقد فُسّـر التعزير، بالتكريم والتوقير.

والعمل الذي له أصل في الكتاب والسنّة، لا يُعدّ بدعة وان أُتي به باسم الدين، لاَنّه لم يُدخل فيه شيئاً ليس فيه، أمّا الاَصل فموجود، وأمّا الصورة فهي متروكة لكل عصر حسب متطلباته.

فما معنى عدّ هذه الاحتفالات التي هي تجسيد صادق للاَُصول الكلّية الواردة، في الكتاب والسنَّة من البدعة؟


(1)الاَعراف: 157.

(57)

أوَليست البدعة هي أن يُوَتى بشيء باسم الشرع وليس هو من الشرع؟

أوَليس القرآن والسنَّة قد حثّا على حبّ النبي كما ستعرف ذلك على نحو التفصيل؟

أوَليس القرآن يقول:(وَمَنْ يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فإنَّ حزبَ اللّهِ هُمُ الغالِبُونَ) (1)

أوَليس القرآن يقول:(... فَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِه وعزّرُوهُ وَنَصَـرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذي أُنزِلَ مَعَه أُولئِكَ هُم المُفلِحُونَ) (2)

أوليس الاحتفال تجسيداً للحب والودّ، أو للتعزير الذي هو بمعنى التكريم والتوقير؟! ألا تكفي هذه الاَُوامر الكلّية. وهل ينتظر الذين يهاجمون هذه الاحتفالات بحجّة أنّها بدعة ويتوقعون أن ينصّ الشرع على جميع المصاديق والجزئيات للمفاهيم الكلّية؟

أليست وظيفة الشرع هي إلقاء الاَُصول وعلى المسلمين أن يقوموا بالتطبيقات؟

اللّه اللّه ...لا تشدّدوا على المسلمين...ولاتعسّـروا عليهم في الدين ... قلّلوا من تكرار هذه الكلمة «بدعة ... بدعة» قلّلوا من الازدراء بالمسلمين، وأكثروا فهم دينكم وجالسوا العلماء كيما تعلموا.

3ـ إنّ المحافظة على آثار رسول الاِسلام وعترته الطاهرة وما يمتّ


(1)المائدة: 56.

(2)الاَعراف: 157.

(58)

إليهم بصلة ليس بدعة في الشريعة فإنّ الشريعة الاِسلامية أمرت بحبّ النبيّ، ومودَّته، وللحب والود مظاهر، وتجسيدات، وحفظ المراقد وتنظيفها، والمحافظة على الآثار وصيانتها من الاندثار وما شابه ذلك تندرج تحت نطاق الحب والتكريم، وتعدّ مظاهر له بإتفاق كل العقلاء.

4ـ إنَّ اجتماع قادة الشعوب وزعماء البلاد في موسم الحجّ، واستعراض المشاكل الاِسلامية ومدارستها، واتّخاذ القرارات الضامنة لمصلحة المسلمين ليس بدعة في الدين بل هو تحقيق لغرض الحجّ، أوَليس القرآن الكريم يقول: (جَعَل اللّهُ الكَعبَةَ البيتَ الحَرامَ قِياماً للناسِ) (1)

يعني أنّ الكعبة المشرفة، وموسم الحجّ، جُعلت قياماً للناس تقيم حياتهم وتضمن مصالح الاَُمّة الاِسلاميّة وما يقيم حياتهم وكيانهم، وأيّ شيء يقيم حياتهم أفضل من العمل السياسي والتداول في قضايا الاَُمّة، ومعالجتها بالتفكير والتخطيط والتنسيق؟

كيف لا وهذا التاريخ ينقل لنا أنَّ قادة الاِسلام وزعماءه من الصحابة والتابعين مارسوا العمل السياسي والحكومي والاجتماعي أثناء موسم الحجّ.

فهذا هو الخليفة الثالث «عثمان بن عفان» يحاسب عمّـاله في الحجّ، ويتخذ حتّى غير المسلمين من موسم الحجّ وأيّامه فرصة لعرض ظلامتهم عليه في ذلك الموسم (2).

وهذا هو الاِمام سيد الشهداء الحسين بن علي - عليه السلام - يطرح في


(1)المائدة: 97.

(2)راجع العبادة في الاِسلام للاَُستاذ يوسف القرضاوي.

(59)

موسم الحجّ مشاكل الاَُمّة ويدعوا علماءها إلى النهوض بمسوَولياتهم (1)

بل لو اقتضى الاَمر أن يُظهر المسلمون قوَّتهم المادية، وقدرتهم الشكلية إرهاباً للعدو وتخويفاً للطامع فيهم، وذلك بإخراج مسيرات وتظاهرات استنكارية على هامش الحجّ كان ذلك جائزاً بل لازماً كما فعل رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - لمّا أمر أصحابه في عمرة القضاء بالرملان والهرولة في الطواف ليُري المشركين قوتهم وجلدهم (2)

تقسيم البدعة إلى الحسنة والسيئة:

وقد اشتهر بين أهل السنّة تقسيم البدعة إلى قسمين حسنة وسيئة.

قال النووي في شرح صحيح مسلم: البدعة على خمسة أقسام واجبة ومندوبة ومحرَّمة ومكروهة ومباحة، ومن الواجبة نظم أدلّة المتكلّمين للرد على الملاحدة والمبتدعين وشبه ذلك، ومن المندوبة تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والربط وغير ذلك، ومن المباحة التبسط في ألوان الاَطعمة، وغير ذلك والحرام والمكروه ظاهران(3)

وقال الجزري في النهاية: البدعة بدعتان، بدعة هُدىً وبدعة ضلالٍ، فما كان في خلاف ما أمر اللّه به ورسوله فهو في حيّز الذم والاِنكار، وما كان واقعاً تحت عموم ما ندب اللّه إليه وحضّ عليه رسوله فهو في حيّـز المدح،


(1)الاحتجاج للطبرسي: 19.

(2)راجع صحيح البخاري كتاب الحجّ، والنهاية في غريب الاَثر لابن الاَثير مادة (رمل).

(3)صحيح مسلم شرح النووي، باب صلاة الجمعة ، الحديث: 43.

(60)

وما لم يكن له مثال موجودٌ كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهو من الاَفعال المحمودة ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به (1)

ويظهر هذا التقسيم في كثير من الكلمات وقد رووا عن عمر بن الخطاب أنّه بعد ما رأى أنّ أُبي بن كعب أقام صلاة التراويح جماعةً وصف ذلك الفعل بالبدعة الحسنة (2).

لكن هذا التقسيم باطل لو أُريد منه البدعة بمعناها المصطلح عند الفقهاء أي «إدخال ما ليس من الدين في الدين».

وهذا المعنى ليس إلاّ قسماً واحداً وهو محرّم بالكتاب والسنّة، والعقل والاِجماع إلى يوم القيامة، ولا يسوّغها شيء قطّ، ولا مبرر لتقسيمها إلى البدعة الحسنة والبدعة السيئة ما دامت من باب ادخال ما ليس من الدين، في الدين.

نعم يصح هذا التقسيم بالنسبة إلى التقاليد والاَعراف الاجتماعية، وأيّ شيء محدث آخر في حياة المجتمعات من العادات والرسوم، فما يوَتى منها من دون الاِسناد إلى الدين، ولم يكن محرّماً بالذات شرعاً كان بدعةً حسنةً، ومفيدة مثل ما اذا احتفل الشعب بيوم استقلاله، أو تجمّع للبراءة من أعدائه أو أقام الاَفراح لمولد بطل من أبطاله، أو ما هو معهود ومرسوم بين الملوك والروَساء بأن يبرق كلٌ إلى الآخر بمناسبة عيد الاستقلال الوطني، أو ولادة الرئيس إظهاراً للفرح، وتجسيداً للتوادد المحمود عقلاً.


(1)النهاية لابن الاَثير مادة «بدعة»، ج1: 106.

(2)صحيح البخاري: مجلد 3 كتاب التراويح ص 156.

(61)

نعم بما أنّه حلال بالذات لا مانع أن تتفق عليه الاَُمّة وتتّخذه عادة وتقليداً مُتّبعاً في المناسبات.

وأمّا إذا أتى به من دون إسناده إلى الدين، ولكنّه كان محرّماً بالذات كان حينذاك فعلةً سيئةً لكونه عملاً محرماً مثل دخول النساء سافرات مُتبرجات في مجالس الرجال في الاستقبالات والضيافات وحينئذ لا تكون حرمة هذا الاَمر من باب كونه بدعة بل من باب كونه حراماً بالذات شرعاً، فلا ينطبق عليه عنوان «شرّ الاَُمور مُحدثاتها» لاَنّ للبدعة قسماً واحداً وهو «إدخال ما ليس من الدين في الدين» وهو المعنيّ بأحاديث تحريم البدعة ليس غير، والمورد الاَخير ليس من قبيل ادخال ما ليس من الدين في الدين، بل من باب الاِتيان بشيء حرام بالذات، والفرق بين البابين واضح.

***

Website Security Test