welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : في ظل أُصول الاِسلام*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

في ظل أُصول الاِسلام

في
ظل أُصول الاِسلام

دراسةٌ شاملة لمسألة
التوحيدِوالشركِ والبدعةِ
وقضيةِ الاستششفاع والتوسّل والزيارة
وغيرها
في ضوء الاَُصول المستفادة من الكتاب والسنّةِ

مُحاضراتُ

العلاّمة الاَُستاذ المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني

بقلم
جهاد الهادي


(2)


(4)

(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على نبيّه وآله
وعلى رواة سنّته وحملة أحاديثه وحفظة كلمه.

المقدّمة:

تمرّ الاَُمّة الاِسلامية اليوم بأشدّ مراحل حياتها، وأحلك أحقاب تاريخها.

فالاَعداء تكالبوا عليها من كل جانب، واستضعفوها واستذلوها، وأمعنوا في نهب خيراتها وسلب طاقاتها وتمزيق بلادها، وتحطيم مواهبها، وقتل مجاهديها، وأبنائها.

ففي كل بلد مجازر ومذابح، وفي كل مكان سجون ومحابس، وفي كل موطن فتن وقلاقل، تدور رحاها على المسلمين دون غيرهم، وتأخذ


(6)

ضحاياها من علمائهم العاملين، وشبابهم المتدينين، وتُنتهك فيها الاَعراض، وتُداس فيها الكرامات، والجميع ينادي: المستغاث باللّه، ويصرخ: يا للمسلمين ولا من مُغيث ولا مُعين.

كل هذا يُحتّم على علماء الاَُمّة أن يشمّروا عن ساعد الجدّ، لاِنقاذ المسلمين، وإزالة هذه المحنة وإصلاح هذه الحالة ورفع هذا الضيم، ودفع هذا الحيف.

ومَن أحرى منهم وهم الذين قال عنهم رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «العلماء ورثة الاَنبياء». «العلماء أُمناء الرسل». «العلماء قادة».

ومن أحرى منهم وهم يملكون النفوذ والقدرة، والسلاح والقوّة ... سلاح البيان، وقوّة الجنان، والناس لهم مطيعون إن أمروا، والحكّام لهم مسلِّمون إن نهوا، والمستعمرون خائفون، هاربون إن أقدموا وأخلصوا وقاموا بمسوَوليتهم.

ولما كان هذا يتوقّف على إزاحة الشبهات، وتوضيح الغوامض، والتمهيد للوحدة والاجتماع قمنا بتحرير أُصول الوحدة الاِسلامية في مجال التوحيد والشرك، الذي أصبح اليوم الشغل الشاغل، والسلاح الفاعل في إيجاد الاختلاف في صفوف المسلمين، نقدّمها إلى العلماء المخلصين، ليروا فيها رأيهم، ويناقشوها وهي لا تتجاوز الكتاب والسنّة، وآراء علماء الاَُمّة من السلف الصالح، والعقل الحصيف ... ولا تهدف إلاّ مصلحة الاَُمّة، وحقن دمائها، وصيانة كرامتها ولمّ شعثها، وتوحيد صفّها.

بلى واللّه إنّها مسوَولية العلماء فعليهم أن ينظروا في هذه الاَُصول،


(7)

ويضعوا حدّاً لتكفير المسلمين، وعزل هذه الطائفة الكبرى أو تلك، عن جسم الاَُمّة الاِسلامية، والاَُمّة أحوج ما تكون إلى تجميع قواها، ورصّ صفوفها، وتشكيل جبهة إسلامية واحدة تضع حدّّاً لاعتداءات شُذّاذ الآفاق وأعداء الاِسلام.

ومما تسبب في اتساع شقّة الخلاف بين المسلمين في العصر الحاضر، ظهور فريق ذهب إلى :

1ـ إنكار ما ورد حول زيارة الرسول الاَكرم من الروايات، وبالتالي نفس الزيارة تلويحاً.

2ـ تحريم السفر إلى زيارة قبر الرسول وسائر الاَنبياء والاَولياء.

3ـ تحريم البناء على قبور الاَنبياء والصالحين.

4ـ تحريم بناء المساجد على مشاهدهم.

5ـ تحريم الصلاة والدعاء في مشاهدهم وعند مراقدهم.

6ـ تحريم التبرّك والاستشفاء بآثار الرسالة والرسول.

7ـ تحريم التوسّل بالاَنبياء والاَولياء بصوره المختلفة.

8ـ تحريم الاستعانة بهم بعد رحيلهم.

9ـ تحريم طلب الشفاعة من النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - .

10ـ تحريم الحلف بغير اللّه كالنبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - والقرآن والكعبة.

11ـ تحريم إحلاف اللّه بحقوقهم وسوَاله كذلك.

12ـ تحريم النذر للنبيّ والاَولياء.


(8)

وهي أُمور لا يذهب إليها المسلمون بل يذهبون إلى عكسها، من أقدم العصور الاِسلامية، والمشكلة أنّ موقف هذا الفريق لم ينحصر في تحريم هذه الاَُمور ووصفها بأنّه شرك أو بدعة فحسب بل كفّروا من قام بهذه الاَعمال وقالوا بوجوب استتابته وإلاّ يُقتل ويهرق دمه، وبالتالي كفّروا جميع المسلمين سنّيهم وشيعيّهم، وبما أنّهم لم يضعوا حدّاً منطقياً للتوحيد والشرك، حسبوا كثيراً من هذه الاَُمور شركاً في العبادة وأنّها عبادة لصاحب القبر، كعبادة المشركين أصنامهم.

وربّما يقولون إنّ بعض هذه الاَُمور دون الشرك في العبادة، بل هي بدع في الدين، وما وصفوه بدعة ليس إلاّ لاَنّهم لم يعرّفوا البدعة بتعريف واضح.

ونحن بفضل اللّه تبارك وتعالى عالجنا هذه المسائل في ظلّ أُصولٍ مستلهمةٍ من الكتاب الكريم والسنّة الطاهرة ونحن ندعو هذا الفريق عامّة وعلماءهم خاصّة أن يُمعنوا النظر في هذه الاَُصول حتى يتميّز الموحّد عن المشرك والمبدع عن المتشرّع.

بل نحن نقترح عليهم أن يعقدوا موَتمراً إسلامياً لمناقشة هذه المسائل عامّة وفي تحديد التوحيد والشرك خاصة حتّى يتميّز الحقُّ وتظهر الحقيقة للشاكّين والمرتابين كافّة، وأنا أُقدّم رسالتي هذه:

إلى العلماء المخلصين في رابطة العالم الاِسلامي بمكّة المكرمة.

إلى الذين يهمّهم شأن الاَُمّة الاِسلامية، ويحبّون أمنها، وسعادتها.

إلى الذين يُحزنهم أن تبقى الا َُمّة الاِسلاميّة متفرّقةً متشتّتةً.


(9)

أرفع كتابي هذا الذي أوضحنا فيه أُصول الوحدة الاِسلامية المنشودة، وأُهيب بهم أن يتدارسوها بموضوعيّة، ويتأمّلوا فيها بعناية، عسى أن يفتح اللّه به وبهم باباً من الخير والصلاح في وجوه المسلمين. وما توفيقنا إلاّ باللّه، عليه توكّلنا وإليه أنبنا وإليه المصير.

اللّهمّ احقن بنا دماء المسلمين
اللّهمّ صُن بنا كرامـتـــهم
اللّهمّ وحّد بنا صفوفهم
اللّهمّ أشدد بنا أزرهم
آمين ربّ العالمين

قم المقدَّسة ـ الحوزة العلمية            
10 شهر ذي الحجّة الحرام 1410 من الهجرة النبويّة
جعفر الهادي                    


(10)

(11)

1

بساطةُ العقيدة ويسرُ التكليف في الاِسلام

أركان الاِسلام في الكتاب والسنّة.

النهي عن تكفير المسلم في السنّة.

الاِسلام ووحدة المسلمين.

موقف علماء الاِسلام من تكفير المسلم.

ما يترتّب على هذا الاَصل.

جاء رسول الاِسلام - صلّى الله عليه وآله وسلم - لنشر التوحيد ومكافحة الوثنية والدعوة إلى الاعتقاد باليوم الآخر، كما جاء بمجموعة من الفرائض والمحرّمات التي تضمن إسعاد الاِنسان في الدارين وتكفُل خيرَه، ورُقيّه.

وقد كان لانتشار الدين الاِسلامي في المجتمعات البشرية بصورة سريعة وواسعة، أسباب وعلل منها: بساطة العقيدة ويسر التكاليف في هذا الدين.

فالعقيدة التي عرضها سيّدُ المرسلين على البشر لم تكن عقيدة معقّدة


(12)

كما هو الحال في العقيدة النصرانية التي لا يستطيع المتديّن بها أن يفسر مسألة التثليث والاَقانيم الثلاثة فيها.

فالعقيدة الاِسلامية في خالق الكون والاِنسان تتمثّل في سورة التوحيد: (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ * اللّهُ الصَّمَدُ* لَـمْ يَلِدْ وَلـمْ يُولَدْ * وَلَـمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) .

وكان الاِسلام ولا يزال يقنع من المسلم في مجال الاعتقاد، بهذا القدر، ولم يُلزم الوحيُ ولا العقلُ أحداً بالغور في المسائل العقلية الفلسفية، ولم يجعل الاِيمان دائراً مدارها أبداً.

وأمّا يسر التكاليف وسهولة الشريعة فحدّث عنهما ولا حرج، وقد أشار إليها الكتاب العزيز بقوله:

(ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّـاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبلُ) (1).

(مَا يُريدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) (2).

(يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ اليُسْـرَ ولا يُريدُ بِكُمُ العُسْـرَ) (3).

(رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْـراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَـى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا) (4).


1.الحجّ: 78.
2.المائدة: 6.
3. البقرة: 185.
4.البقرة: 286.


(13)

فهذه الآيات تصرّحُ بأنّ اللّه تعالى رفع عن أُمّة محمّد الآصار، ولم يفرض عليهم حكماً حرجيّاً صعباً، ممّا كان في الاَُمم الماضية.

وقد ورد في حديث عن النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - أنّه قال: «مما أعطى اللّه أُمّتي وفضّلهم على سائر الاَُمم أعطاهم ثلاث خصال لم يعطِها إلاّ نبي، وذلك أنّ اللّه تبارك وتعالى كان إذا بعث نبيّاً قال له: اجتهد في دينك ولا حَرَجَ عليك، وإنّ اللّه تبارك وتعالى أعطى ذلك أُمّتي حيث يقول: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِن حَرَجٍ) يقول: من ضيق» (1).

وظاهر هذا الحديث أنّ رفع الحرج الذي منّ اللّه به على هذه الاَُمّة المرحومة كان في الاَُمم الماضية خاصّاً بالاَنبياء وأنّ اللّه أعطى هذه الاَُمّة ما لم يُعطِ إلاّ الاَنبياء الماضين (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

وسُئِل علي - عليه السلام - : أيُتوضّأ من فضلِ وضوء جماعة المسلمين أحبُّ إليك أو يتوضّأ من ركوٍ أبيضٍ مخمّر؟ فقال: «لا ، بل من فضلِ وضوء جماعة المسلمين ، فإنّ أحبّ دينكم إلى اللّه الحنيفية السمحة السهلة»(2).

واشتهر عن رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قوله: «بُعثتُ بالحنيفيّة السمحة السهلة»(3).

وللتأكد من هذه الحقيقة ينبغي أن نستعرض أركان الاِسلام التي يكفي تحقّقها لتحقّق عنوان المسلم، وصدقه على الشخص.


1. البرهان 3|105. يراجع بقية الحديث في المصدر المذكور.
2. الوسائل: أبواب النجاسات، الباب 50، الحديث 3.
3. الكافي 1: 164.


(14)

أركان الاِسلام في ضوء الكتاب والسنّة:

لقد كان رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - يقنع في قبول الاِسلام من الذين يريدون الانضواء تحت رايته، والاِيمان به وبرسالته، بالشهادتين وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا فَعَلها أحدٌ حُقن دمه وعِرضه ومالهُ وكان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم. وقد قامت سيرة النبي - صلّى الله عليه وآله وسلم - هذه على أصلٍ قرآنيٍ ثابت حيث يقول اللّه تعالى:

(وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن أَلْقَى إلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُوَْمِناً) (1).

وجاء في صحيح البخاري عن عبد اللّه بن عمر ـ رضي اللّه عنهما ـ: قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «بُني الاِسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنَّ محمداً رسول اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحجّ، وصوم رمضان»(2).

بل كان - صلّى الله عليه وآله وسلم - يكتفي بأقل من هذا، رغم سعة رقعة التكاليف الاِسلامية، وكثرة جزئياتها وتفاصيلها.

فقد أخرج البخاري ومسلم في باب فضائل علي - عليه السّلام- أنّه قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - يوم خيبر: «لا َُعطينّ هذه الرايةَ رجلاً يحبّ اللّهَ ورسوله يفتح اللّه على يديه».

قال عمر بن الخطاب: ما أحببتُ الاِمارة إلاّ يومئذٍ، قال: فتساورتُ لها رجاءَ أن أُدعى لها، قال فدعى رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - عليَّ بن أبي طالب فأعطاه


1.النساء: 94.
2.صحيح البخاري ج 1 كتاب الاِيمان.


(15)

إيّاها، وقال: «إمشِ ولا تلتفت حتّى يفتح اللّه عليك» فسار «عليٌّ» شيئاً ثم وقف ولم يلتفت وصرخ: يا رسول اللّه على ماذا أُقاتل الناس؟

قال - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «قاتِلهُمْ حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأن محمَّداً رسول اللّه، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على اللّه» (1).

قال الشافعيّ في كتاب «الاَُم» عن أبي هريرة، أنّ رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قال: «لا أزال أُقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلاّ اللّه فإذا قالوا لا إله إلاّ اللّه فقد عصمُوا منّي دماءَهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على اللّه».

قال الشافعي: فأعلَمَ رسول اللّه أنّ فَرضَ اللّه أن يقاتلهم حتّى يُظهروا أن لا إله إلاّ اللّه فإذا فَعَلوا مَنَعوا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، يعني إلاّ بما يحكمُ اللّه عليهم فيها وحسابهم على اللّه بصدقهم وكذبهم وسرائرهم، اللّهُ العالم بسرائرهم، المتولّـي الحكم عليهم دون أنبيائه وحكّام خلقه، وبذلك مضت أحكام رسول اللّه فيما بين العباد من الحدود وجميع الحقوق، وأعلَمَهُمْ أنَّ جميع أحكامه على ما يظهرون وأنّ اللّه يدين بالسرائر (2).

قال، قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «من شهد أن لا إله إلاّ اللّه واستقبل قبلتنا وصلَّـى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلمُ له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم» (3).


1.صحيح البخاري ج2، مناقب عليّ - عليه السّلام- ، وصحيح مسلم ج6 باب فضائل عليّ -عليه السلام - .
2. الاَُم 7: 296ـ297.
3.جامع الاَُصول 1: 158ـ 159.


(16)

وقال: قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - روى أنس قال: أنّ رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قال: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه فإذا شهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلُّوا صلاتنا، حرمت علينا دماوَهم وأموالهم إلاّ بحقّها» .

كل هذه الاَحاديث تصرّح بأنّ ما تُحقَن به الدماء وتُصان به الاَعراض ويدخل به الاِنسان في عداد المسلمين هو الاعتقاد بتوحيده سبحانه ورسالة الرسول، وهكذا يتّضح ما ذكرناه من بساطة العقيدة وسهولة التكاليف الاِسلامية.

النهي عن تكفير المسلم في السنّة:

ثمّ إنّه قد وردت أحاديث كثيرة تنهى عن تكفير المسلم الذي أقرّ بالشهادتين فضلاً عمّـا إذا كان يمارس الواجبات الدينية، وإليك طائفة من هذه الاَحاديث:

قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - :

1ـ «بُني الاِسلام على خصال: شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه والاِقرار بما جاء من عند اللّه، والجهاد ماضٍ منذُ بعث رُسُله إلى آخر عصابة تكون من المسلمين ... فلا تكفّروهم بذنبٍ ولا تشهدوا عليهم بشركٍ».

2ـ «لا تكفّروا أهل ملّتكم وإن عملوا الكبائر» (1).


1.نعم فعل الكبائر يوجب العقاب لا الكفر.


(17)

3ـ «لا تكفّروا أحداً من أهل القبلة بذنب وإن عملوا الكبائر».

4ـ «بُني الاِسلام على ثلاث: ... أهل لا إله إلاّ اللّه لا تكفّروهم بذنب ولا تشهدوا لهم بشرك».

5ـ عن أبي ذرّ: أنّه سمع رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - يقول: «لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسق أو بالكفر إلاّ ارتدّت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك».

6ـ عن ابن عمر: أنّ رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - قال: «مَن قال لاَخيه يا كافر فقد باءَ بها أحدهما».

7ـ «مَن قذف موَمناً بكفرٍ فهو كقاتِلِه، ومن قتل نفسه بشيء عذّبه اللّه بما قَتَل».

8ـ «من كفّر أخاه فقد باء بها أحدهما».

9ـ «إذا قال الرجل لاَخيه يا كافر فهو كقتله، ولعنُ الموَمن كقتله».

10ـ «أيّما رجل مسلمٍ كفّر رجلاً مسلماً فإن كان كافراً وإلاّ كان هو الكافر».

11ـ «كُفّوا عن أهل لا إله إلاّ اللّه لا تكفّروهم بذنبٍ فمن أكفر أهل لا إله إلاّ اللّه فهو إلى الكفر أقرب».

12ـ «أيّما امرىَ قال لاَخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلاّ رجعت عليه».

13ـ «ما أكفر رجل رجلاً قطّ إلاّ باء بها أحدهما».

14ـ «إذا قال الرجلُ لاَخيه يا كافر فقد باء به أحدُهما إن كان الذي


(18)

قيل له كافراً فهو كافر، وإلاّ رجع إلى من قال».

15ـ «ما شَهِد رجلٌ على رجل بكفر إلاّ باء بها أحدُهما إن كان كافراً فهو كما قال وإن لم يكن كافراً فقد كفر بتكفيره إيّاه».

16ـ عن عليّ: في الرجل يقول للرجل: يا كافر يا خبيث يا فاسق يا حمار قال: «ليس عليه حدّ معلومٌ، يعزّر الوالي بما رأى» (1).

الاِسلام ووحدة المسلمين:

هذا مضافاً إلى أنّ الاِسلام يوَكّد على وحدة المسلمين ونبذ كل ما يهدم هذه الوحدة من التهمة والظنّة والغيبة والتكفير والتفسيق، والنميمة.

وإليك نبذة ممّا جاء في الكتاب العزيز والسنّة المقدّسة من الترغيب في الاجتماع والاَُلفة، قال اللّه تعالى:

(إنَّمَا المُوَْمِنُونَ إخوَةٌ) (2).

(والمُوَْمِنُونَ والمُوَْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (3).

(محمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ على الكُفّارِ رُحماءُ بَيْنَهُمْ) (4).

(وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّناتُ


1.هذه الاَحاديث مبثوثة في جامع الاَُصول ج1، و 10 و11 كما أنّها مجموعة بأسرها في كنز العمال للمتقّي الهندي ج1.
2. الحجرات : 10.
3. التوبة: 71.
4. الفتح: 29.


(19)

وَأُوْلئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظيمٌ)(1).

(وَاعتَصمُوا بِحَبلِ اللّهِ جَميعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ) (2).

(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ في شيءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلى اللّهِ ثُمَّ يُنبِّئُهُمْ بِمَا كانُوا يَفْعَلُونَ(3)).

(يَا أيُّها النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِن ذَكَرٍ وأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعارَفُواْ) (4).

هذا من الكتاب وأمّا السنّة فإليك طائفة من الاَحاديث في هذا المجال:

1ـ قال رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «لا تدخلون الجنّة حتى توَمنوا ولا توَمنون حتّى تحابّوا، أوَلا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم»(5).

2ـ قال - صلّى الله عليه وآله وسلم - : «الدين النصيحة؟ قالوا: لمن يا رسول اللّه؟ قال للّه ولكتابه ولرسوله ولاَئمّة المسلمين ولعامّتهم والذي نفسي بيده لا يوَمن عبد حتّى يُحبّ لاَخيه ما يحبّ لنفسه» (6).

3ـ «ذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم وهم يد على من سواهم،


1.آل عمران: 105.
2.آل عمران: 103.
3.الاَنعام: 159.
4. الحجرات: 13.
5.كنز العمال ج 15: 892 و ج 3 : 413.
6.كنز العمال ج 15: 892 و ج 3 : 413.


(20)

فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين لا يُقبَل منه يوم القيامة صرف ولا عدل» (1).

4ـ «إيّاكم والظنّ فإنّ الظنّ أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد اللّه إخواناً ولا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيّام» (2).

5ـ «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان اللّه في حاجته ومن فرّج عن مسلم كربه فرّج اللّه عنه يوم القيامة».

إلى غير ذلك من الاَحاديث الحاثّة للمسلمين على الوئام والتآلف والتوادد ونبذ الفرقةوالاختلاف، والتشاجر والتشاحن، والطرد والاِقصاء (3).

موقف علماء الاِسلام من تكفير المسلم:

وقد تشدّد علماء الاِسلام في تكفير المسلم ونهوا عنه بقوّة، وبالغوا في النهي عنه.

قال ابن حزم حيث تكلّم فيمن يكفّر ولا يكفر (4) وذهبت طائفة إلى أنّه لا يكفَّر ولا يفسَّق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فُتيا، وأن كلّ من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى أنّه الحق فإنّه مأجورٌ على كلِّ حال، إن أصابَ


1.المستدرك للحاكم 2 : 141 ومسند أحمد 1: 126 و151.
2. كنز العمال 16: 86 و 1: 150.
3. كنز العمال 16: 86 و 1: 150.
4. الفصل بين الاَهواء والملل والنحل 3: 247.


(21)

فأجران، وإن أخطأ فأجرٌ واحدٌ.

(قال): وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن علي، وهو قول كل من عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة (رض) لا نعلم منهم خلافاً في ذلك أصلاً.

وقال شيخ الاِسلام تقي الدين السُبكي: إنّ الاِقدام على تكفير الموَمنين عَسِـر جداً، وكُلّ من كان في قلبه إيمان يستعظم القولَ بتكفير أهل الاَهواء والبدع مع قولهم لا إله إلاّ اللّه، محمّد رسول اللّه، فإنّ التكفير أمرٌ هائل عظيم الخطر (إلى آخر كلامه وقد أطال في تعظيم التكفير وتفظيع خطره) (1).

وكان أحمد بن زاهر السرخسي (وهو أجل أصحاب الاِمام أبي الحسن الاَشعري) يقول: لمّا حَضَـرَتِ الشيخَ أبا الحسن الاَشعري الوفاةُ بداري في بغداد أمرني بجمع أصحابه فجمعتُهُم له فقال: إشهَدوا عليَّ أنّني لا أُكفّرُ أحداً من أهل القبلة بذنبٍ، لاَنّي رأيتهم كلّهم يشيرون إلى معبودٍ واحدٍ، والاِسلام يشملهم ويعمّهم(2).

وقال القاضي عبد الرحمان الايجيّ: جمهور المتكلّمين والفقهاء على أنّه لا يكفَّر أحد من أهل القبلة ـ ثمّ استدلّ قائلاً ـ: إنّ المسائل التي اختلف فيها أهل القبلة من كون اللّه تعالى عالماً بعلم، أو موجداً لفعل العبد أو غير متحيّز ولا في جهة ونحوها لم يبحث النبي - صلّى الله عليه وآله وسلم - عن اعتقاد من حكم باسلامه فيها ولا الصحابة ولا التابعون، فعلم أنّ الخطأ فيها ليس قادحاً في حقيقة


1. اليواقيت والجواهر: 58.
2. اليواقيت والجواهر: 58.


(22)

الاِسلام (1).

وقال السيد محمّد رشيد رضا: إنّ من أعظم ما بُليَت به الفرق الاِسلامية رميَ بعضهم بعضاً بالفسق والكفر مع أنّ قصد الكلِّ الوصول إلى الحق بما بذلوا جهدهم لتأييده، واعتقاده والدعوة إليه، فالمجتهد وإن أخطأ معذور ... (2)

ما يترتب على هذا الاَصل:

إذا كان الكتاب والسنّة يكتفيان في الحكم على الشخص بالاِسلام بذكر الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان، والحجّ وما مرّ عليك في الحديث المنقول عن البخاري وغيره، فيجب علينا:

1ـ الحكم بأنّ جميع الفرق الاِسلامية ـ إلاّ من قام الدليل القطعي على كفره ـ يندرجون تحت عنوان الاِسلام، وحكمه، ولا يصحّ لاَحد أن يكفّر أحداً فرداً أو طائفة بمجرّد أنّه يرتكب عملاً صحيحاً مشروعاً وغير شرك عنده، غير صحيح وغير مشروع بل شرك عند المكفّر.

إنّ النبيّ الاَكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - كان يقبل إسلام من اعترف بوحدانية الاِله ورسالة نبيّه الخاتم من دون أن يسأله عن الاَُمور التي زعم ابن تيمية أنّها شرك في العبادة، وتأليه لغيره سبحانه، مع شيوع هذه الاَُمور بين الاَُمم


1. المواقف ص 393، طبعة القاهرة، مكتبة المتنبي ، لاحظ ذيل كلامه ترى أنّه يستدل على أنّه لايجوز تكفير أية فرقة من الفرق الاِسلامية إذا اتفقوا على أصل التوحيد والرسالة.
2. تفسير المنار 17: 44.


(23)

المتحضّـرة في الشامات واليمن آنذاك.

ولو كان الاعتقاد بحرمتها والاجتناب عنها عملاً، من مُقوّمات الاِيمان والاِسلام لكان على النبي - صلّى الله عليه وآله وسلم - التصريح بذلك، ولو مرّة واحدة عند وفود الاَُمم عليه ودخولهم في دين اللّه بأن يقول: وعليك أن تترك:

البناء على القبور من غير فرق بين الصالح وغيره.

وبناء المساجد على قبور الصالحين.

والصلاة والدعاء في مشاهدهم ومراقدهم.

والتبرّكَ والاستشفاءَ بآثارهم.

والتوسّلَ بهم وبحرمتهم ومقامهم و...

مع أنّه لم يُرَ منه - صلّى الله عليه وآله وسلم - كما لم يُنقل أنّه أخذ الاعترافَ بهذه الاَُمور.

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّها ليست من مقوّمات الاِيمان ولا من موجبات الكفر والشرك بل هي من الاَُمور الفقهية التي يُبحث عنها في الفقه حرمةً وجوازاً.

إنّ المسلمين اليوم بأمسّ الحاجة إلى توحيد الكلمة ورصّ الصفوف، والابتعاد عن كل ما يُفرّق جمعهم ، ويشتّتُ كلمتهم. ولكنّنا لو جَعَلنا هذه الفوارق وما شابهها ممّا يوجب خروج هذه الجماعة أو تلك من الاِسلام لتمزّقت وحدة الاَُمّة، وسهل حينئذٍ ابتلاعها جميعاً من قبل أعداء الاِسلام المتربّصين الطامعين.


(24)

2ـ التأسّف على ما مضى من إقدام المذاهب الاِسلامية المختلفة على تكفير بعضها بعضاً من دون تورّع وتحرّج، سابقاً. فأهل الحديث والحنابلة يكفّرون المعتزلة، والمعتزلة يكفّرون أهل الحديث والحنابلة.

ثمّ لمّا ظهر الاَشعري، وحاول إصلاح عقائد أهل الحديث والحنابلة، ثارت ثائرة تلك الطائفة ضدَّه فأخذ الحنابلة يكفّرون الاَشاعرة، ويلعنونهم ويسبّونهم على صهوات المنابر.

فهذا هو السُبكي يقول حول تكفير الحنابلة للاَشاعرة: هذه هي الفتنة التي طار شررها فملاَ الآفاق وطال ضرَرَها فشمل خراسان والشام والحجاز والعراق وعظم خطبُها وبلاوَها وقام في سبّ أهل السنّة (يريد بهم الاَشاعرة) خطيبها وسفهاوَها، إذ أدّى هذا الاَمر إلى التصريح بلعن أهل السنّة في الجمع، وتوظيف سبِّهم على المنابر، وصار لاَبي الحسن الاَشعري ـكرّم اللّه وجهه ـ بها أسوةٌ بعليّ بن أبي طالب ـ كرّم اللّه وجهه ـ في زمن بعض بني أُميّة حيث استولت النواصب على المناصب، واستعلى أولئك السفهاء في المجامع والمراتب (1).

3ـ التأسّف على سريان هذه الحالة إلى مجال الفروع فإذا بأصحاب المذاهب الفقهية الاَربعة تختلف وتتشاحن وتتنازع وتحدث فتنٌ كثيرةٌ وداميةٌ بينها.

فقد وقعت فتنةٌ بين الحنفية والشافعية في نيسابور ذهب تحت هياجها


1. طبقات الشافعية 3: 391 تأليف تاج الدين السبكي.


(25)

خلقٌ كثير، وأُحرقت الاَسواق والمدارس وكثُر القتل في الشافعية فانتصروا بعد ذلك على الحنفية وأسرفوا في أخذ الثأر منهم في سنة 554 هـ، ووقعـت حوادثُ وفتنٌ مشابهةٌ بين الشافعية والحنابلة واضطرت السلطات إلى التدخّل بالقوّة لحسم النزاع في سنة 716 وكثُر القتلُ وحرق المساكن والاَسواق في أصبهان، ووقعت حوادثُ مشابهةٌ بين أصحاب هذه المذاهب وأتباعها في بغداد ودمشق وذهب كلُ واحد منها إلى تكفير الآخر. فهذا يقول: من لم يكن حنبليّاً فليس بمسلم، وذاك يغري الجهلة بالطرف الآخر فتقع منهم الاِساءة على العلماء والفضلاء منهم وتقع الجرائم الفضيعة (1).

4ـ الاستنكار لما ذهب إليه ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب ، حيث كفّرا جميع الاَُمّة قاطبة سنّيها وشيعيّها، بحجّة أنّهم يتوسّلون بالنبيّ والعترة وأنّهم يدعونهم ويستغيثون بهم، وأنّهم يعمّرون قبورهم ويتبرّكون بها و ... .

فهل كان النبيّ يسأل الوافدين عليه المُظهرين للشهادة هل يتوسّلون بالاَنبياء والصالحين أو لا؟ هل يدعونهم ويستغيثون بهم أو لا؟ هل يعمّرون قبورهم أو لا؟ هل يتبرّكون بآثارهم أو لا ؟

أو أنّه كان يكتفي في الحكم عليهم بالاِسلام والاِيمان بما تضافرت عليه النصوص التي أوقفناك على طائفةٍ كبيرةٍ منها، مع أنّه لم تكن حياة العربولا غيرهم خالية عن هذه الاَُمور، بل كانت زاخرة بها وبأمثالها كما


1. راجع البداية والنهاية لابن كثير 14: 76، ومرآة الجنان 3: 343، والكامل لابن الاَثير 8: 229، وتذكرة الحفّاظ 3: 375، وطبقات الشافعية 3: 109 وغيرها ولاحظ الاِمام الصادق: لاَسد حيدر، وقد أشبع المقال في هذا المجال.


(26)

أسلفنا.

ولعلّ في القرّاء من يستبعد أنّ ابن تيمية ومحمّد بن عبد الوهاب، كانا يكفّران المسلمين، ولاَجل ذلك فإنّنا نأتي هنا بنصوص من الثاني لكون آرائه أكثر رواجاً الآن .

يقول محمّد بن عبد الوهاب:

إنّ الكفّار الذين قاتلهم رسولُ اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلم - مُقرّون بأنّ اللّه هو الخالقُ الرازقُ المدبّرُ ولم يُدخلهم ذلك في الاِسلام لقوله تعالى: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَـاءِ والاَرْضِ أَمَّنْ يَمْلكُ السَّمْعَ والاَبْصَارَ ... فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) (1).

ثمّ إنّهم يقولون ما دعونا الاَصنام وتوجّهنا إليهم إلاّ لطلب القرب والشفاعة، لقوله تعالى: (والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِه أَوْلياءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرّبُونا إلى اللّهِ زُلْفى) (2) وقوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لا يَضُرّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هوَلاء شُفعاوَُنا عِنْدَ اللّهِ) (3).

ثمّ يقول: إنّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - ظَهَرَ على قومٍ متفرّقين في عبادتهم، فبعضهم يعبد الملائكة، وبعضهم الاَنبياء والصالحين، وبعضهم الاَشجار والاَحجار، وبعضهم الشمس والقمر فقاتلهم ولم يفرّق بينهم.

ثمّ يُنهي كلامه قائلاً: إنّ مُشركي زماننا أغلظُ شركاً من الاَوّلين لاَنّ


1. يونس: 31.
2. الزمر: 3.
3. يونس : 18.


(27)

أُولئك يُشركون في الرخاء، ويُخلصون في الشدة وهوَلاء شركهم في الحالتين لقوله تعالى: ( فَإذا رَكِبُواْ في الفُلْكِ دَعُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّـا نَجّاهُمْ إلى البَـرِّ إذا هُمْ يُشْـرِكُونَ) (1).

هكذا يرمي محمد بن عبد الوهاب المسلمين بالشرك الغليظ لكونهم يتوسّلون بالنبي والاَئمّة والاَولياء ويستشفعون بهم.

ثمّ يقول في كتابه كشف الشبهات: «إنّ التوحيد الذي جَحَدوه هو توحيد العبادة الذي يسمّيه المشركون في زماننا الاعتقاد كما كانوا يدعون اللّه سبحانه ليلاً ونهاراً ثم منهم من يدعو الملائكة لاَجل صلاحهم وقربهم من اللّه ليشفعوا لهم أو يدعوا رجلاً صالحاً مثل اللات أو نبيّاً مثل عيسى» (2).

وحاصل كلامه أنّ المسلمين اليوم، موحّدون من جهةٍ ومُشركون من جهةٍ أُخرى، أمّا الجهة الاَُولى فلقولهم بأنّ اللّه سبحانه هو الخالق الرازق المدبّر. وأمّا الجهة الثانية فلاَنّهم يعبدون الاَنبياء والصالحين بدعائهم والتوسّل بهم والتبرّك بآثارهم وتعمير قبورهم. ويسمّي الاَُولى : التوحيد في الربوبية، والثانية التوحيد في الاَلوهية، وهو يرتكب الخطأ في تسمية القسم الاَوّل بالربوبية، والثانية بالاَلوهية، وكذا تسمية دعاء الاَنبياء والصالحين عبادةً، ويتَّضح كلّ ذلك عند البحث عن ميزان التوحيد والشرك في العبادة فانتظر.

هذا وقد كتب مفكّرون وكتّابٌ عديدون عن ظاهرة تكفير محمد بن


1. الصواعق الاِلهيّة: الطبعة الثالثة : 4، والآية من سورة العنكبوت: 65.
2. كشف الشبهات: 4، طبعة مصر تصحيح محبّ الدين الخطيب.


(28)

عبد الوهاب وأتباعه للمسلمين قاطبةً، نذكر بعضهم وما كتبوه على سبيل المثال:

يقول جميل صدقي الزهاويّ: «كان محمّدُ بن عبد الوهاب يسمّي جماعته من أهل بلده: الاَنصار، وكان يسمّي متابعيه من الخارج: المهاجرين.

وكان يأمر من حجَّ حجّة الاِسلام قبل إتّباعه أن يحجَ ثانياً قائلاً: إنّ حجَّتك الاَُولى غير مقبولة لاَنّك حججتها وأنت مشرك.

ويقول لمن أراد أن يدخل في دينه: إشهد على نفسك أنّك كنت كافراً، واشهد على والديكَ أنّهما ماتا كافرين واشهد على فلان وفلان (يسمّي جماعة من أكابر العلماء الماضين) أنّهم كانوا كفّاراً فإن شهِدَ بذلك قَبِلَهُ.

وكان يصرّح بتكفير الاَُمّة منذ ستمائة سنة ويكفّر كل من لا يتّبعه وإن كان من اتقى المسلمين، ويسمّيهم مُشركين، ويستحلّ دماءهم وأموالهم، ويُثبتُ الاِيمان لمن اتّبعه» (1).

وكتب الآلوسي في تاريخ «نجد» عن سعود بن عبد العزيز: «أنّه قاد الجيوش وأذعنت له صناديدُ العرب وروَساوَهُم بَيْدَ أنَّه منع الناس عن الحجّ ... وغالى في تكفير من خالفَه وشدّد في بعض الاَحكام» (2).

إنّ وظيفتنا في العصر الحاضر الذي تقاربت فيه الشعوب المتباعدة وتصادقت الدول المتعادية، على اختلاف مسالكها ومشاربها المتباينة،


1. الفجر الصادق: 17ـ 18.
2. كشف الارتياب: 9، نقلاً عن تاريخ نجد.


(29)

ومدارسها وأيديولوجياتها المتناقضة، فتصافحت وتعانقت، واتّحدت وتوحَّدت، أن نعمل على توحيد الصف الاِسلامي وذلك بأن نرجِعَ إلى الكتاب والسنَّة، وأن يُحتَرمَ جميع المسلمين، المنضوين تحت لوائهما، ويُتركَ خلافُ كلّ فرقة إلى نفسها، ولا يُعدَّ ذلك فارقاً ، وفاصلاً بينها وبين الفرق الاَُخرى.

نعم أنّ هذا لا يعني ترك البحث العلميّ والنقاش الموضوعيّ في القضايا المختلف فيها، بل المقصود هو أن لا تُتخذ تلك القضايا وسيلة للتفرّق والتمزّق، والتنازع والتشاحن، فلا ضيرَ في أن يجتمع العلماء في مكانٍ واحدٍ ويتناقشوا ويتناظروا في جوٍّ هادىٍَ لتقريبِ وجهات النظر فيما بينهم ومعرفة فوارقهم وجوامعهم، بل يتعين ذلك خدمة للاِسلام ورحمة بالمسلمين.

ثمّ ممّا يدلّ على سهولة التكليف في عامة الشرائع، والشريعة الاِسلامية الغرّاء خاصّة أنّ الاَصل في الاَفعال هو الاِباحة لا الحظر والحرمة، وذلك آية التسهيل وعلامة التيسير وهذا هو ما نبحث عنه في الاَصل القادم الذي يلي هذا الاَصل.

ولكن نلفت نظر القارىَ إلى الجواب الذي صَدَر من الشيخ عبد العزيز بن عبد اللّه بن باز الموَرخ 8|3|1407 برقم 717|2 على السوَال الذي وُجِّه إليه حول الاِئتمام بمن لا يعتقد بمسألة الروَية يوم القيامة ـ أي روَية اللّه جلّ وعلا من قِبَلِ أهل الجنّة ـ. حيث يكفّر من لا يقول بذلك ولا يعتقده وحيث نَقَل عن عدّةٍ منهم ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم، بأنّه كافر ،


(30)

حيث قال الاَوّل: والذي عليه جمهور السلف أنّ من جَحَدَ روَية اللّه في الدار الآخرة فهو كافر، فإن كان ممّن لم يبلغه العلم في ذلك عُرِّف ذلك كما يُعرَّف من لم تبلغه شرائع الاِسلام، فإن أصّـرَ على الجحود بعد بلوغ العلم فهو كافر.

إن هذه الفتوى تضادّ ما تضافر عن النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - من أنّ أركان الاِسلام عبارة عن التوحيد والاِقرار بالرسالة وغيرهما ممّا مضى ذكره فهل كان النبيّ يوجب على من يعترف بالشهادتين الاعتقاد بروَية اللّه؟؟

إنّ الروَية مسألةٌ اجتهاديةٌ تضاربت فيها أقوال المفسّـرين، ومن نفى الروَية فإنّما اجتهد في النصوص التي زعم القائل دلالتها عليها، فلو كان مُصيباً فله أجران، ولو كان مُخطئاً فله أجرٌ واحد لا أنّه كافر خارج عن الاِسلام.

هذا ولقد بسطنا الكلام في دلالة قوله سبحانه: (إلى ربّها ناظرة) على الروَية وخرجنا بنتيجة واضحة وهي أنّ الآية لا دلالة لها على ما يتبنَّاه أصحابُ الروَية، بل أنّ القول بالروَية من البدع التي دَخَلت إلى الاَوساط الاِسلامية من جانب الاَحبار والرهبان (1).

***


1. راجع الاِلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل للاَُستاذ العلاّمة الشيخ السبحاني.

Website Security Test