welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : لبُّ الاَثر في الجبر و القدر*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

لبُّ الاَثر في الجبر و القدر

(211)

الفصل الثاني

في
مناهج الاختيار


(212)

(213)

مناهج الاختيار

1

الاختيار المعتزلي (التفويض)

قد عرفت أنّ للجبر مناهج، فللقائلين به مسالك مختلفة وإن كانوا متحدين في النتيجة، وما أشبه الاختيار بالجبر فله أيضاً مناهج، فكلّ طائفة سلكت مسلكاً في الوصول إليه، فنذكر تلك المناهج:

نسبت الاَشاعرة إلى المعتزلة بأنّهم يقولون بأنّ أفعال العباد واقعة بقدرة العبد وحدها على سبيل الاستقلال بلا إيجاب بل باختيار(1) ولبُّ مذهبهم انّ الله تعالى أوجد العباد وأقدرهم على أفعالهم وفوّض إليهم الاختيار، فهم مستقلّون في إيجاد أفعالهم على وفق مشيئتهم، وطبق قدرتهم، ويترتّب على ذلك أُمور:

1. فائدة التكليف بالاَوامر والنواهي .


(1)لاحظ حاشية شرح المواقف لعبد الحكيم السيالكوتي: 2 | 146 .

(214)

2. فائدة الوعد والوعيد.

3. استحقاق الثواب والعقاب.

4. تنزيه الله سبحانه عن إيجاد القبائح والشرور من أنواع الكفر والمعاصي والمساوىَ.

قال الشريف الجرجاني: إنّ المعتزلة استدلّوا بوجوه كثيرة مرجعها إلى أمر واحد، وهو انّه لولا استقلال العبد بالفعل على سبيل الاختيار لبطل التكليف، وبطل التأديب الذي ورد به الشرع، وارتفع المدح والذم، إذ ليس للفعل استناد إلى العبد، ولم يبق للبعثة فائدة، لاَنّ العباد ليسوا موجدين لاَفعالهم، فمن أين لهم استحقاق الثواب والعقاب؟(1) هذا ما تنسبه الاَشاعرة إليهم، وليس فيما وصل إلينا من كتب المعتزلة منه عين ولا أثر، فإنّ الموجود في كتاب الاَُصول الخمسة للقاضي عبد الجبار هو نفي الجبر، فقد استدل بوجوه(2) كلّها تحكي عن رفض الجبر وإثبات الاختيار، وأمّا كون العبد مستقلاً في فعله، موجداً بقدرته لا بقدرة الله، وغير ذلك مما يناسب منهج التفويض، فلا يتفوّه بذلك أصلاً، هذا من جانب.


(1)الشريف الجرجاني: شرح المواقف: 8 | 154، صدر المتألّهين: الاَسفار: 6 | 370 .

(2)القاضي عبد الجبار: الاَُصول الخمسة: 332، 336، 344، 345، 355، 372.

(215)

ومن جانب آخر، يظهر من روايات أئمة أهل البيت وجود طائفة باسم القدرية في عصرهم، القائلين بأنّ العبد، غير مستعين في فعله بالله سبحانه، كما سيوافيك بعض الروايات، ويظهر من كتب الشيخ الرئيس وجود طائفة باسم المفوضة القائلين بأنّ حاجة الممكن إلى الواجب في حدوثه، لا في بقائه كما سيأتي، هذا وذاك، يكشفان عن وجود طائفة قائلة باستقلال العبد في فعله، وأمّا أنّ هؤلاء، هم المعتزلة، فلم أتحقّقه إلى الآن، لقلّة ما وصل إلينا من كتبهم، وعلى كل تقدير فلنبحث عن التفويض.

إنّ الاَصل الذي اعتمد عليه المفوّضة أصل فلسفي، وهو :

حاجة الممكن إلى العلّة في حدوثه لا في بقائه

قالوا: إنّ سرَّ حاجة الممكن إلى الواجب، هو حدوثه الذي يفسّر بالوجود بعد العدم، أو انقلاب العدم إلى الوجود، فإذا حدث ارتفعت الحاجة، فإذا كان هذا حال الذات، فكيف حال الاَفعال الصادرة عنها؟ فلا يحتاج الممكن في أعماله إلى الواجب أصلاً.

قال الشيخ الرئيس: وقد يقولون إنّه إذا وجد، فقد زالت


(216)

الحاجة إلى الفاعل حتى أنّه لو فقد الفاعل جاز أن يبقى المفعول موجوداً، كما يشاهد من فقدان البنّاء وقوام البِناء، حتى أنّ كثيراً منهم لا يتحاشى أنّ يقول: لو جاز على الباري تعالى العدم لما ضرّ عدمُه وجودَ العالم، لاَنّ العالم عندهم انّما احتاج إلى الباري تعالى في أن أوجده، اي اخرجه من العدم إلى الوجود حتى كان بذلك فاعلاً، فإذا فعل وحصل له الوجود عن العدم، فكيف يخرج بعد ذلك إلى الوجود، عن العدم حتى يحتاج الى الفاعل؟!(1)

يلاحظ على ذلك الاستدلال بوجوه

1. مناط الحاجة إلى الواجب هو الاِمكان لا الحدوث

إذا كان المراد من الممكن، هو الماهية، فمناط الحاجة، هو إمكانها ومساواتها بالنسبة إلى طرفي الوجود والعدم، وأمّا حدوثها، فهو مرحلة متأخّرة عن الاِمكان بمراتب، ولاَجل ذلك يقال: الشيء قرِّر، فامكن فاحتاج، فاوجد فوُجد وحدث، فإذا كان مناط الحاجة هو ذاك، فهو محفوظ في حالتي الحدوث والبقاء، لاَنّ ماهيّة الممكن لا تنقلب عمّا هي عليها، فهي بالنسبة


(1)الشيخ الرئيس: الاِشارات: 3 | 68، العلاّمة الحلّي: كشف المراد: الفصل الاَوّل، المسألة 29 والمسألة 44، صدر المتألّهين: الاَسفار: ج 2 | 203 ـ 204 .

(217)

إلى الوجود والعدم فاقدة للاقتضاء، وإلاّ لانقلبت إلى واجب الوجود أو ممتنعه، وعليه كل ممكن ما دام ممكناً، فالوجود غير نابع من ذاته، بل من غيره، فالقول بالاستغناء في غير حال الحدوث تخصيص للقاعدة العقلية، ونعم ما يقول المحقّق الاصفهاني في منظومته:

والافتقار لازم الاِمكانمن دون حاجة إلى البرهان

لا فرق ما بين الحدوث والبقاءفي لازم الذات ولن يفترقا

2. لا فرق بين البعد المكاني والزماني

إنّ امتداد الجسم في أبعاده الثلاثة يشكّل بعده المكاني، كما أنّ بقاءه في عمود الزمان يشكّل بعده الزماني، فالجسم باعتبار أبعاضه، ذو أبعاد مكانيّة، وباعتبار استمرار وجوده ذو أبعاد زمانية، فكما أنّ حاجة الجسم إلى العلّة لا تختص ببعض أجزائه وأبعاضه، فهكذا لا تختص ببعض أبعاده الزمانية، فهو محتاج إليه حدوثاً وبقاءً، فالتفريق بين الحدوث والبقاء يُشبه القول باستغناء الجسم في بعض أبعاضه عن العلّة دون بعض.

3. العالم في حدوث بعد حدوث

إنّ الموجود الطبيعي في النظرة الاَُولى، له حدوث وبقاء،


(218)

ولكنه في النظرة الدقيقة، كلّه حدوث في حدوث، لاَنّ مقتضى الحركة الجوهرية هو كون العالم في تبدَّل مستمرّ وتجدّد دائم، بأعراضها وجواهرها، فذوات الاَشياء في تجدّد واندثار متواصل، وما أشبه العالم بالصورة المنعكسة في الماء الجاري، فهي ثابتة في النظرة الاَُولى، ولكنها في النظرة الدقيقة متعدّدة متبدّلة حسب تبدّل الماء، ولاَجل انّ العالم بجميع أجزائه في حال السيلان والجريان، ينتزع الزمان من هذا الجوهر السيّال، كما ينتزع من حركة الشمس والقمر والاَرض قال سبحانه (وترى الجبالَ تحْسَبُها جامدة وهي تمرّ مرَّ السحابِ)(1)

4. الوجود الاِمكاني وجود رابط

هذا إذا كان الاِمكان وصفاً للماهية، وإذا كان وصفاً للوجود، فمعناه، كون الوجود رابطاً لا نفسياً، قائماً بالغير لا موجوداً بنفسه، فإنّ معنى الاِمكان إذا وصف به الوجود، غيره إذا وصفت به الماهية، فإنّ معناها في الثانية تساوي نسبة الوجود والعدم إليها، والاِمكان بهذا المعنى غير متصوّر في الوجود الاِمكاني، إذ لا ماهية له، وانّما هو وجود صرف إمكاني ولا معنى لتساوي نسبة الوجود والعدم إلى الوجود، بل معنى الاِمكان في الوجود


(1)النحل: 88 .

(219)

كونه قائماً بالغير، كالمعنى الحرفي القائم بالمعنى الاسمي، فكما أنّه غير مستقل في المراحل الثلاث: التصوّر، والدلالة، والتحقّق ؛ فهكذا الوجود الاِمكاني، فإنّه في مقام التحقّق قائم بالغير شأن كل معلول حقيقي بالنسبة إلى العلّة الحقيقية.

وذلك لاَنّ المفاض منه سبحانه إمّا وجود مستقل، أو وجود غير مستقل، والاَوّل خلاف المفروض لاستلزامه أن يكون واجباً وفي الوقت نفسه أن يكون معلولاً ومفاضاً ومخلوقاً، فتعيّن أن يكون غير مستقل قائماً بعلّته. وما كان هذا شأنه، لا ينقلب عمّا هو عليه، ولاَجل ذلك يكون الربط والتدلّي عين واقعه وذاته، ومن جوّز انّ الوجود المفاض شيء عرض له الربط والتدلّي، فقد جوّز انقلاب الواجب إلى الممكن.

ومن هنا يتبيّن مفاد قولهم من أنَّ نسبة المعلول إلى العلّة الاِلَهية نسبة المعنى الحرفي إلى الاسمي، فكما أنّ المعنى الحرفي قائم به تصوراً، وتصديقاً (دلالة) وتحقّقاً، فهكذا المعلول، فتصوّره يلازم تصور العلّة، فتصوّر القائم بالغير، لا ينفك عن تصوّر الغير، كما أنّ التصديق بوجود الممكن، يلازم التصديق بوجود الواجب، ولاَجل ذلك استدل الشيخ الرئيس


(220)

في «الاِشارات» والمحقّق الطوسي في «تجريد الاعتقاد» بهذا النمط وقالا: «الموجود إن كان واجباً وإلاّ استلزمه»(1) ومثله، التحقق الخارجي فالمعنى الحرفي، يعانق المعنى الاسمي معانقة غير منفكة والممكن، لا ينفض غبار العدم عن نفسه إلاّ بالارتباط والتدلّي والقوام به .

نعم كل هذا في الفواعل الاِلَهيّة اي ما يعطي الوجود من كتم العدم، وأما الفواعل الطبيعية فهي بين ما هو معد وليس بعلّة، كالدرج بالنسبة إلى الصعود أو مادة قابلة لانسلاخ صورة (كالنار) عنها وعروض صورة أُخرى (كالرماد) إليه، وليس الجسم مع الصورة الاَُولى، مفيضاً لصورة ثانية.

فقد تبيّن من ذلك انّ القول بالتفويض أي استقلال الفاعل في الفعل يستلزم انقلاب الممكن وصيرورته واجباً في جهتين:

الاَُولى: الاستغناء في جانب الذات من حيث البقاء .


(1)المحقّق الطوسي: شرح الاِشارات: 3 | 18 و العلاّمة الحلّي: كشف المراد: 280، المقصد الثالث في إثبات الصانع .

(221)

الثانية: الاستغناء في جانب الفعل مع أنّ الفعل ممكن مثل الذات.

5 . الاستغناء في الفعل مستلزم للاستغناء في الذات

إنّ الاِنسان يوم ولد كان إنساناً مجرّداً عن أيّ ملكة صناعية أو علمية أو أخلاقية، لكنّه في ظل الممارسة والتمرين والتعلّم، يكتسب ملكات مختلفة، في مجالات الصنعة والعلم والقيم، وتكون راسخة في ذاته، فيكون الاِنسان هو الحيوان المفكّر صاحب الملكات المتنوعة والّتي لا تكون خارجة عن ذاته.

فاذا كان الفعل، غير مستند إلى الواجب، تكون الذات المتحصل من تكّرر الفعل غير مستند إلى الواجب سبحانه، ومعنى هذا هو الاستغناء عن الواجب ذاتاً وفعلاً وهو خلف، وإليه يشير الحكيم السبزواري في منظومته ويقول:

وكيف فعلنا إلينا فُوِّضا * وإن ذا تفويضَ ذاتنا اقتضى

إذ خمِّرت طينتنا بالملكة * وتلك فيناً حصلت بالحركة

وقال في شرحه: إذ الملكات انّما تحصل من تكّرر الاَفعال، والحركات نفسانية كانت أو بدنية، والمفروض انّ تلك الاَفعال والحركات مفوّضة إلينا وحقائق ذواتنا وهوياتنا ليست إلاّ


(222)

الملكات العلمية أو العملية، ولاَجل انّه ما لم يستحكم ملكاتنا لم يتم تخمير ذواتنا...(1)

6 . القول بالتفويض يلازم الشرك

انّ القول بالتفويض يستلزم الشرك، أيّ الاعتقاد بوجود خالقين مستقلين، أحدهما: العلّة العليا، التي أحدثت الموجودات والكائنات والاِنسان ؛ والاَُخرى: الاِنسان، فإنّه يستقل بعد الخلقة والحدوث، في بقائه أوّلاً وتأثيراته ثانيا.

ثم إنّ القوم استدلوا على المسألة العقلية (غناء الممكن في بقائه عن العلّة) بالاَمثلة المحسوسة، منها: بقاء البناء والمصنوعات بعد موت البناء والصانع، ولكن التمثيل في غير محلّه، لاَنّ البنَّاء والصانع فاعلان للحركة، أيّ ضم بعض الاَجزاء إلى بعض، والحركة تنتهي بانتهاء عملهما فضلاً عن موتهما. وأمّا بقاء البناء والمصنوع فهو مرهون للقوى الموجودة فيهما، فإنّ البناء يبقى بفضل القوى الطبيعية الكامنة فيه، التي أودعها الله سبحانه في صميم الاَشياء فليس للبنّاء والصانع فيها صنع، وأمّا الهيئة والشكل فهما نتيجة اجتماع أجزاء صغيرة، فتحصل من


(1)الحكيم السبزواري: شرح المنظومة: 275 .



(223)

المجموع هيئة خاصة وليس لهما فيها أيضاً صنع.

تمثيلان لاَيضاح الحقيقة

الحق انّ قياس المعقول بالمحسوس الذي ارتكبه المفوّضة قياس غير تام، ولو أراد المحقّق ارتكاب هذا القياس فعليه أن يتمسّك بالمثالين التاليين.

الاَوّل: انّ مثَل الموجودات الاِمكانية بالنسبة إلى الواجب، كمثَل المصباح الكهربائي المضيء، فالحس الخاطىَ يزعم انّ الضوء المنبعث من هذا المصباح هو استمرار للضوء الاَوّل، ويتصوّر انّ المصباح انّما يحتاج إلى المولِّد الكهربائي في حدوث الضوء، دون استمراره.

والحال انّ المصباح فاقد للاِضاءة في مقام الذات محتاج في حصولها إلى ذلك المولِّد في كل لحظة، لاَنّ الضوء المتلاَلىَ من المصباح انّما هو استضاءة بعد استضاءة، واستنارة بعد استنارة من المولِّد الكهربائي.

أفلا ينطفىَ المصباح إذا انقطع الاتصال بينه وبين المولِّد؟ فالعالم يشبه هذا المصباح الكهربائي تماماً، فهو لكونه فاقداً للوجود بالذات يحتاج إلى العلّة في حدوثه وبقائه، لاَنّه يأخذ


(224)

الوجود آناً بعد آن، وزماناً بعد زمان.

الثاني: نفترض منطقة حارة جافّة تطلع عليها الشمس بأشعتها المحرقة الشديدة. فإذا أردنا أن تكون تلك المنطقة رطبة دائماً بتقطيره الماء عليها، وإفاضته بما يشبه الرذاذ(1) فانّ هذا الاَمر يتوقف على استمرار تقاطر الماء عليها، ولو انقطع لحظة، ساد عليها الجفاف وصارت يابسة.

فمثل الممكن الذي يوصف بالوجود باستمرار، مثل هذه الاَرض الموصوفة بالرطوبة دائماً، فكما أنّ الثاني رهن استمرار إفاضة قطرات الماء عليها آناً بعد آن، فهكذا الاَوّل لا يتحقّق إلاّ باستمرار إفاضة الوجود عليه آناً بعد آن، ولو انقطع الفيض والصلة بينه وبين المفيض لانعدم ولم يبق منه أثر.


(1)الرذاذ: المطر الضعيف .

(225)

مناهج الاختيار

2

الاختيار لدى الوجوديين

الاختيار على النحو الذي يقول به الوجوديّون في الغرب يقوم مقام تفويض المفوضة في الشرق، غير انّ الداعي لاختراع المسلكين مختلف، فذهبت المفوّضة إلى التفويض لكن بصورة ردّ فعل للقول بالجبر الرائج بين أهل الحديث، الموروث من اليهود، والغاية هو حفظ عدله سبحانه ؛ ولكنّ الوجوديّين سلكوا ذلك المسلك بصورة رد فعل للجبري المادي الذي يزعم انّ شخصية الاِنسان تصاغ في ظل عوامل ثلاثة، قسم منها يرجع إلى ما قبل ميلاده، وقسم منها يرجع إلى ما بعد وجوده، فيفرض أثره عليه، فهو بالنتيجة مكتوف اليد، في مقابل تأثيراتها.

ومّمن رفع علم الاختيار في الغرب ونفى الجبر الفيلسوف


(226)

الفرنسي جان بول سارتر (1905 ـ 1990 م) لكن لغايات سياسية، ومع أنّ أغلب الوجوديّين مادّيون، لكنهم في نظريتهم هذه في صراع دائم مع طائفتين، هما:

1. الاِلهيون القائلون بالقدر والعلم الاَزلي المدّعون أنّ مصير الاِنسان في الحياة الدنيوية قد خُطَّ من قبل، فلا محيص من المشي عليه، ولا يسوغ له أنّ يتجاوز عنه قيد أنملة.

2. نظراؤهم المادّيون الماركسيون الذين يزعمون انّ شخصية الاِنسان حصيلة عوامل ثلاثة، على الوجه الذي عرفته.

لكن صراعهم مع الاِلهيّين لا ينحصر في نفي القضاء والقدر، بل لهم صراع آخر في الاَُمور الفطرية والميول والغرائز الذاتية العالية، كالميل إلى ما وراء الطبيعة، والنزوع إلى الخير والمعروف، أو الميل إلى الاَُمور السافلة كحُبِّ النفس والمال، من الاَُمور التي فطر بها الاِنسان وعجّنت ذاته بها.

وحاصل مسلكهم :

انّ وجود الاِنسان متقدّم على طبيعته وماهيته، فهو يتكون بلا ماهية، ويتولّد بلا قيد. ثم إنّه بفعله وعمله في ظل إرادته واختياره، يصنع لنفسه شخصية. وعلى ذلك فما اشتهر من


(227)

وجود الميول والغرائز في الوجود الاِنساني التي تُضفِي على وجود الاِنسان لوناً وصبغة، وتوجد فيه انحيازاً إلى نقطة وتمايلاً إلى شيء ليس بصحيح، لاَنّ الاعتراف بوجود هذه الغرائز، سواء أكانت علوية أم سفلية يزاحم اختياره وحريته، ويسلب منه الحرية التامة والتساوي بالنسبة إلى كل شيء .

فلاَجل الحفاظ على حرية الاِنسان وكونه موجوداً فعالاً بالاختيار، وحرّاً في الانتخاب يجب إنكار كل عقيدة مسبقة (يريد نفي القضاء والقدر)، وكل مصير يجعله مسيّراً. وهذا هو المراد مما اشتهر منهم بأنّ الاِنسان يتكون بلا ماهية.(1)

الخلط بين الماهيتين: العامة والخاصة

إنّ وسائل الاِعلام تكيل لمدعم هذا المسلك بصاع كبير وتُثني عليه وتجعله في القمة من المفكّرين، لكن يلاحظ على تلك النظرية بأمرين :

الاَوّل: انّ هؤلاء لم يقيموا على مدّعاهم أيَّ دليل، وانّما قالوا: إنّ الصيانة على حرية الاِنسان في الحياة تتوقف على إنكار أيّ ماهية مسبّقة على عمله، وهو أشبه بصنع الدليل بعد انتخاب


(1)عصر التجزئة والتحليل: 125 .

(228)

المدعى، فالمحقّق يدرس الواقع سواء أو افق حرية الاِنسان أم «يخالف» فليس لنا إنكار الحقائق لحفظ العقيدة المتبنّاة، بل علينا بناء العقيدة على الحقائق الواضحة.

الثاني: انّه خلط في المقام بين الماهية العامة التي تلازم وجود الاِنسان منذ يفتح الاِنسان عينه على الحياة، والماهية الخاصة التي يكتسبها طيلة حياته، في ظل الماهية العامة.

1. الماهية العامة

والمراد من الماهية العامة هو الميول والغرائز التي لم تزل تلازم وجود الاِنسان منذ نعومة أظفاره، ولا تنفك عنه سواء أكانت من الميول العالية التي تَسعَد بها الاِنسان، كالميل إلى ماوراء الطبيعةوحب الخير والبرّ الذي هو صورة أُخرى لاَُصول الاِطلاق، والميل إلى الاستطلاع الذي هو مبدأ لتكامل العلم واكتشاف الحقائق، والذي يعبّر عنه بحب العلم إلى غير ذلك من الميول العالية التي، بها يسعد الاِنسان ويتكامل.

أم كانت من الميول السافلة، كحب الذات، والشهوات، وحب المال، وحب المقام، إلى غير ذلك من الميول التي هي أعمدة الحياة الاِنسانية بشرط أنّ ينتفع بها على وجه الوسيلة


(229)

وليس لاَحد أنّ ينكر وجود هذه الميول في الاِنسان اليوم أو الاَمس أو الغد.

وتوهم انّها أُمور وراثيّة يرثها الاِنسان عن آبائه وأجداده، رجم بالغيب ولم يزل تاريخ الاِنسان حافلاً بأُمور وحوادث تكشف عن وجود هذه الميول في طبيعته وذاته منذ وجد على هذه البسيطة، فمن أين نالت هذه الطبائع العامة؟

ثم إنّ للميول والطبائع العامة علامات وسمات، نذكرها في المقام .

علائم الاَمر الفطري

وتتلخّص علائم الاَمر الفطري في أربعة:

1. انّ الاَُمور الفطرية ذات جذور غريزية في باطن الاِنسان وطبيعته البشرية، ولذلك توصف هي بالشمولية والعمومية، فليس هناك أحد من أبناء البشر من يفقدها ويخلو منها.

2. الاَُمور الفطرية تتحقّق في كيان الاِنسان بوحي الفطرة وندائها ولا تحتاج إلى تعليم معلِّم وإن كان نموها ورشدها يحتاج إلى ذلك.


(230)

3. كل فكرة أو عمل تكونُ ذاتَ جذور فطرية، فهي لا تخضع لتأثير العوامل السياسية والجغرافية والاقتصادية، بل هي تعمل وتتحقّق بعيدة عن نطاق وضغط هذه العوامل .

4. الدعايات المكثّفة والمستمرة ضد الاَُمور الفطرية يمكن أن يضعفها ويحد من نموّها، ولكنها لا تتمكن من استئصالها والقضاء عليها بالمرّة.

هذه هي علائم فطرية شيء، وأمّا الاَُمور العادية غير الفطرية، فهي:

أ ـ محلّية، خاصة بمكان دون مكان .

ب ـ تختفي تحت تأثير للعوامل المحيطة.

جـ ـ تنشأ وتخضع لتعليم معلم .

د ـ نزولها نهائياً بسبب الدعايات المضادة.

2. الماهية الخاصة

نعم في مقابل هذه، ماهية يكتسبها الاِنسان وتنصبغ بها ذاته في ظل إعمال الميول والغرائز، فتارة يفرّط في حبِّ الذات وإعمال الغضب، فيتجلّى حيواناً ضارياً، يأكل كلَ رطب ويابس ولا يشبع، ويقتل الاَبرياء ولا يكترث، مع أنّه لم يكن ـ يوم ولد


(231)

أو بعده ـ بهذه الطبيعة، ولكنّه أكتسبها في طول الزمان تحت ظل عمليات تنتهي إلى تلك الماهية الخاصة.

وفي مقابل هذا الفرد، إنسان مثالي، يستفيد من حبِّ الذات والشهوات، على وجه يقيم حياته، ويمدّه في فعل الخير والمعروف، فيصبح إنساناً زاهداً، ليس له تعلّق بالدنيا وإن ملك ما ملك، فهو ينتفع من حب الذات، على حد يُسعده، ويركز على سائر الميول، كالراحة والاِيثار وغيرها، فيصبح ـ بعد مزاولات وممارسات ـ ملَكاً أو موجوداً ملكوتياً، يعد مَثَلاً للحق تعالى وإن جلّ عن المثْل والندّ.

والسر في تجهيز الاِنسان بالميول والطبائع العامّة، هو انّها قوام حياته، فلولا حبُّ الذات، والغضب لاَصبح الاِنسان فريسة الضواري، ولولا الجنوح إلى العدل والعقاب، والبر والمعروف، لاَصبح الاِنسان إنساناً ضارياً يعبِّد جميع الناسِّ ويذلّلهم، فالاِنسان الاِلهي، هو الذي يستخدم الكلَّ على نحو، يُسعِده لا يشقيه، فللميول والغرائز دور في صنع الاِنسان، كما أنّ للعمل والسعي في ظل الانتفاع منها دوراً في صنعه، فطبيعته العامّة مصنوعة لخالق الكون الذي خلق كل إنسان بهذه الغرائز، وجعل مفتاحها بيد الاِنسان وأرشده إلى حدِّ استخدامها على


(232)

وجه يسعده ولا يشقيه.

الماهية العامّة ليست عللاً تامّة لتخطيط المصير

إنّ هذه الميول كلّها إرضية صالحة لجلب الخير والشر، والسعادة والشقاء، ولا تسلب الاختيار عن الاِنسان ولا تزاحم حريته الذاتية، فالحرية واقعة في هرم وجوده، وغيرها واقعة تحته إلى أن تنتهي إلى قاعدة وجوده، لكن سلطان النفس فوقها والانتفاع منها من حيث الكمية والكيفية منوط باختيار الاِنسان وسلطانه، فالقول بها، لا يزاحم الاَختيار مادام الزمام بيد الاِنسان واختياره.

وحصيلة المطلب :انّ الوجوديين اشتبه عليهم الاَمر في المواضع التالية:

1. الخلط بين الماهيات العامّة الخارجة عن دائرة السعي والكسب، والماهية الخاصّة المكتسبة بالعمل في ظل إعمال الميول والغرائز والطبائع العامة.

2. انّ هذه الميول، لا تتجاوز عن كونها مقتضيات للخير والشرّ وسوق الاِنسان إلى النقاط المناسبة لمقتضياتها. وليست عللاً ذاتية، طرّاحة لمصير الاِنسان.


(233)

3. ان الاختيار وسلطان النفس على مصيرها يحيط الميول، فلو كانت الغرائز واقعة، في هرم وجود الاِنسان فسلطان النفس فوق الكل، فهو مختار في إعمال الميول، والغرائز والانتفاع بها، فهو يستخدم الكلّ على أيّ نحو شاء.


(234)

مناهج الاختيار

3

لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الاَمرين

كان الرأي السائد على المناهج الكلامية منذ أطلّ المفكّرون من المسلمين بنظرهم على هذه المسألة، أنّه لا مناص من اختيار أحد الرأيين، وأنّه لا طريقَ ثالثٍ بينهما لسالك طريق المعرفة، وبذلك ضلّ القائلون إما في متاه الجبر، أو وقعوا في حبال الشرك.

غير أنّ أهل البيت: ـ أحد الثقلين ـ وقفوا في وجه القائلين بالجبر، كما وقفوا في وجه القائلين بالتفويض. وقالوا: إنّ موقف الاِنسان بالنسبة إلى الله، غير موقف الجبر المشوِّه لسمعة المذهب، وغير التفويض، الملحِق للاِنسان بمتاه الشرك، بل الموقف واقع بين الاَمرين، وليست صيانة التوحيد منوطاً بالقول بالجبر، ولا صيانة عدلِه وقسطِه، منحصراً بالقول


(235)

بالتفويض، بل يمكن الجمع بين الكمالين برأي ثالث، فالاِنسان ذاته وفعلُه قائمان بذاته سبحانه، وبذلك لا يصح فصلُ فعله عنه سبحانه، كما أنّ مشيئته تعلّقت بنظام قائم على أسباب ومسبباتٍ، فلا يصحّ فصلُ المسبب عن سببه، فله صلة بالله وصلة بسببه.

إنّ القول بالتوحيد الافعالي لا يهدف إلى إنكار العلل والاَسباب، والروابط بين الظواهر الكونية، ولا نفي أيّ سبب ظلي يقوم بعمل بإذنه سبحانه، فإنّ ذلك مخالف للضرورة والوجدان، والذكر الحكيم، بل المقصود أنَّ العوالم الحسية والغيبية، بذاتها وأفعالها قائمة به سبحانه، وأنّ تأثيرها وسببيّتها بإذنه ومشيئته، فكل ظاهرة كونية، لها نسبة إلى أسبابها كما انّ لها نسبة إلى خالق أسبابها ومرتِّبها ومنفذِّها، فإلغاء كل سبب وعلّة، ونسبة الظاهرة إلى ذاته سبحانه، غفلة عن تقديره سبحانه لكل شيء سبباً، كما أنّ نسبة الفعل إلى السبب القريب غفلة عن واقع السبب وأنّه بوجوده وأثره قائم بالله سبحانه، فكيف يمكن فصلُ أثره عنه تعالى؟

ثم إنّ السبب بين فاقد للشعور، وواجد له لكن فاقد للاختيار، أو واجد له أيضاً. وفي كل قسم لا يمكن غضُّ النظر


(236)

عن دور السبب بما له من خصوصية، فالحرارة تصدر من النار بإذنه سبحانه، بلا شعور، وحركة يد المرتعش تصدر منه مع العلم بلا اختيار، كما أنّ الاَفعال التي يُثاب بها الاِنسان أو يُعاقب عليها، تصدر منه عن علم واختيار، كل ذلك بإذنه ومشيئته النافذة، فلا القول بالتوحيد الافعالي يصادم الاختيار، ولا القول به، يزاحم سلطانه سبحانه وقدرته، فالفعل فعل الاِنسان، وفي الوقت نفسه فعلُه سبحانه وعلى حد تعبير الحكيم السبزواري: «والفعل فعل الله وهو فعلنا».

هذا بيان موجز لهذا القول الموروث من أئمة أهل البيت، واستقبل المفكّرون من أهل السنّة هذه الفكر، كالشيخ عبده في رسالة التوحيد، وأتباعه، وقبله الاِمام الرازي، لما رأوا في القول بالجبر الاَشعري، مضاعفات لا تُتحمل. وقد شاع ذلك القول بين المفكرين المصريين لما تأثروا بالاَفكار الغربيّة المروّجة للحرية والاختيار.

وتتجلى قيمة هذا المذهب ببيان برهانه العقلي، وتحليل ما يدل عليه من الذكر الحكيم.

وإليك برهانه في ضمن بيان أمرين :

Website Security Test