welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : لبُّ الاَثر في الجبر و القدر*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

لبُّ الاَثر في الجبر و القدر

(183)

مناهج الجبر

الجبر الفلسفي

2

الاِرادة ليست أمراً اختيارياً

إنّ الميزان في تمييز الفعل الاختياري عن غيره هو سبق الاِرادة عليه وعدمه؛ فمّا صدر عنها، فهو فعل إرادي اختياري؛ وما صدر لا عنها فهو اضطراري غير إرادي. ولكن هذا المقياس لا ينطبق على نفس الاِرادة، إذ لو كانت اختياريتها لاَجل صدورها عن إرادة ثانية ينتقل الكلام إليها فإمّا يتسلسل أو يتوقف عند إرادة غير صادرة عن إرادة أُخرى ويكون فعلاً غير إرادي للنفس.

وكلا الافتراضين باطل، لاَنّ الاَوّل يستلزم التسلسل، واللجوء إلى الافتراض الثاني لغاية الفرار عن اضطرارية الاِرادة فإذا لم تحصل بعدُ فلا ملزم لافتراضه بل يتعيّن الشقّ الثالث


(184)

وهو وجود إرادة واحدة قبل الفعل ولما كانت غير اختيارية يكون الفعل الصادر منها أيضاً مثلها، لاَنّ المعلول ينصبغ بصبغ العلّة. أو أنّ النتيجة تتبع أخس المقدّمات .

وهذا هو الاِشكال المهم الذي جعل العقول حيارى والاَفهام صرعى، وقد نقله صدر المتألّهين عن الفارابي بجعل شقوق للاِشكال نأتي بها بعبارة واضحة:

استكشف عن اختيارك هل هو حادث أو قديم؟

1. إن كان قديماً لزم أن يصحبك ذلك الاختيار منذ أوّل وجودك، وهو باطل.

2. وإن كان حادثاً، ولكلّ حادث محدث، فما هو المحدث؟ فإن كان نفسه بإيجاده بالاختيار يلزم التسلسل .

3. إذا كان بإيجاده لكن لا بالاختيار، فيكون مجبوراً على الاختيار.

4. وإن كان المحدث غيره، فهو ينتهي إلى الاَسباب الخارجة عن الاِنسان التي ليست باختيار.(1)

وقد أُجيب عن الاِشكال بوجوه مختلفة نأتي بأكثرها:


(1)صدر المتألّهين: الاَسفار: 6 | 390، ونقله الشيخ في إلهيات الشفاء، فلاحظ.

(185)

الاَوّل : ما أفاده صدر المتألّهين وحاصله: المختار ما يكون فعله بإرادته لا ما يكون إرادته بإرادته، والقادر ما يكون بحيث إن أراد الفعل، صدر عنه وإلاّ فلا. لا ما يكون إن أراد الاِرادة للفعل فعل وإلاّ لم يفعل(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره انّما يتم في الاَفعال الجوارحية، وأمّا الاَفعال الصادرة عن النفس مباشرة من التصوّر والتصديق والاِرادة، فلا يمكن أن يكون الملاك في اختياريته هذا المعنى فيدور امرها إنّها إمّا جبرية، أو اختيارية لكن بملاك آخر، وما هو هذا الملاك وهو غير مذكور في كلامه؟

الثاني: ما أجاب به المحقّق الخراساني لا في هذا المقام بل في مبحث التجرّي، وحاصلة: انّ اختيارية الاِرادة وإن لم تكن بها، إلاّ أنّ مبادئها يكون وجودها غالباً بالاختيار للتمكّن من عدمه بالتأمّل فيما يترتب على ما عزم عليه عن اللوم والمذمة أو التبعة أو العقوبة.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الكلام في مبادىَ الاِرادة، فهل هي مسبوقة بالاِرادة أولا؟ وعلى الثاني تخرج عن كونها أفعالاً إرادية


(1)صدر المتألّهين: الاَسفار: 6 | 388.

(2)الخراساني: كفاية الاَُصول: 2 | 14 .

(186)

للنفس، بل تكون أفعالاً صادرة عنها بلا إرادة، وعلى الاَوّل ينقل الكلام إلى الاِرادة السابقة على تلك الاَفعال النفسانية (التصوّر والتصديق والتدبّر فيما يترتب على الفعل من التبعات) فهل هي غير مسبوقة بإرادة ثالثة فيلزم الجبر لاَنّ إرادة الفعل انتهت إلى إرادة غير اختيارية، أو مسبوقة بها فعندئذٍ يلزم التسلسل؟

الثالث: ما أجاب به في الكفاية في هذا المقام وهو انّ الاِرادة ناشئة عن مقدّماتها وهي تابعة للشقاء الذاتي أو السعادة الذاتية.

يلاحظ عليه: أنّه دعم للاِشكال وليس حلاًّ له، وقد زاد في الطين بلّة.

الرابع: ما ذكره شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري وحاصله: انّ ما اشتهر من أنّ الاِرادة لا تتعلّق بها الاِرادة ولا تكون مسبوقة بإرادة أُخرى غير صحيح، بل ربما تتعلّق الاِرادة بها لمصلحة فيها، وهذا كما إذا وقف الاِنسان على أنّ صحة الصوم والصلاة مترتبة على قصد الاِنسان بالبقاء في مكان واحد عشرة أيام ولا يترتب على نفس البقاء فتتعلّق الاِرادة عليه، وتكون النتيجة، تعلّق الاِرادة بالاِرادة.(1)


(1)درر الفوائد : 15، وقد نُقِلَ بالمعنى.

(187)

يلاحظ عليه: أنّه لا يدفع الاِشكال: إذ غايته: تعلّق الاِرادة على الاِرادة الاَُولى، وأمّا الاِرادة الثانية فلا تتعلّق بها الاِرادة، فلا يكون أمراً اختيارياً، لاَنّ المعيار في الاختيار كون الشيء مسبوقاً بالاِرادة وهي ليست كذلك.

الخامس: ما يظهر من العلاّمة الطباطبائي عند البحث عن أنّ القضاء والقدر، لا ينتجان الحتم واللزوم، وانتهى كلامه إلى ما يفيدنا في المقام، قال: الفعل الاختياري الصادر عن الاِنسان بإرادته، إذا فُرضَ منسوباً إلى جميع ما يحتاج إليه في وجوده من علم وإرادة وأدوات صحيحة، ومادة يتعلّق بها الفعل وسائر الشرائط الزمانية والمكانية، كان ضروريَّ الوجود، وهو الذي تعلّقت به الاِرادة الاِلهية، لكن كون الفعل ضرورياً بالقياس، إلى جميع أجزاء علّته التامة ومن جهتها، لا يوجب كونه ضروريّاً إذا قيس إلى بعض أجزاء علّته التامة، كما إذا قيسَ الفعلُ إلى الفاعل أو بقية أجزاء علّته التامة، فإنّه لا يتجاوز حد الاِمكان ولا يبلغ حد الوجوب.(1).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أنّ المعلول إذا نسب إلى العلّة التامة، يوصف بالوجوب، وإذا نسب إلى بعض أجزائها،


(1)الميزان: 1 | 99 .

(188)

يوصف بالاِمكان، وان كان صحيحاً لكنه لا يحل العقدة، لاَنّ سائر الاَجزاء ـ غير الاِرادة ـ كوجود الفاعل وسائر المقدّمات كالدرج للصعود على السطح، أو السيارة للحركة، كلّها خارجة عن اختيار الفاعل وكون نسبة الفعل إليها بالاِمكان عندئذ غير مفيد، لاَنّ الواقع تحت الاختيار، عبارة عن إرادة الفاعل واختياره وإذا كانت الاِرادة إيضا خارجة عن الاختيار، وكانت الجزء الاَخير للعلّة التامة، فعندئذٍ تصبح نسبة الفعل إلى العلّة بالوجوب واللزوم ولو كان الوجوب عندئذٍ مساوياً للجبر، فلا يفيد كون النسبة في اللحاظ الاَوّل، هو الاِمكان.

وبعبارة أُخرى: انّ الفعل عند انضمام الاِرادة إلى سائر الاَجزاء يوصف بالوجوب، فلو كانت الاِرادة غير إرادية أيضاً وخارجة عن الاختيار، يوصف الفعل بالجبر واللزوم.

السادس: ما أفاده المحقّق النائيني وقال ما هذا ملخّصه: «إنّ الموجود في النفس المترتب عليه حركة العضلات، هل هو أُمور ثلاثة: التصوّر، والتصديق بالفائدة، والشوق المؤكد المعبّر عنه بالاِرادة كما هو المعروف ؛ أو هناك أمر آخر متوسط بين الاِرادة والحركة ونسبته إلى النفس، نسبة الفعل إلى فاعله، لا نسبة الكيف إلى موضوعه (كما هو الحال في الشوق بالنسبة إلى


(189)

النفس)؟ والحق هو الثاني، أيّ انّ هناك مرتبة أُخرى بعد الاِرادة تسمّى بالطلب، وهو نفس الاختيار وتأثير النفس في حركة العضلات. والبرهان عليه انّ الصفات العامة للنفس من التصوّر والتصديق والاِرادة كلّها غير اختيارية، فإن كانت حركة العضلات مترتبة عليها من غير تأثير النفس فيها وبلا اختيارها، يلزم أن لا تكون العضلات منقادة للنفس وحركاتها، وهو باطل وجداناً، فإنّ النفس تامة التأثير في العضلات من دون أن يكون لها مزاحم في سلطانها وملكها.

وما يقال في الجواب عنها بأنّ استحقاق العقاب مترتب على الفعل الاختياريّ، أيّ الفعل الصادر عن الاِرادة، وإن كانت الاِرادة غير اختيارية، فهو لا يسمن ولا يغني من جوع، بداهة انّ المعلول لاَمر غير اختياري، غير اختياري، وبذلك يتضح أنّ علّية الاِرادة، هادم لاَساس الاختيار بخلاف ما إذا أنكرنا علّية الصفات النفسانية (الثلاث) للفعل، وقلنا: إنّ النفس مؤثرة بنفسها في حركات العضلات من غير محرّك خارجي، وتأثيرها المسمّى بالطلب انّما هو من قبل ذاتها فلا يلزم محذور.

فإن قلت: إنّ الذي جعلته متوسطاً بين الاِرادة وحركة


(190)

العضلات، ممكن لا واجب، فهو يحتاج إلى علّة، فهل علّته التامة اختيارية أو غير اختيارية لا سبيل إلى الاَوّل لاستلزامه التسلسل، وعلى الثاني يلزم الجبر؟

قلت: إنّ المتوسط أمر ممكن، حادث وهو نفس الاختيار الذي هو فعل النفس، وهو بذاته يؤثِّر في وجوده الاختيار، فلا يحتاج إلى علّة موجبة لا ينفك أثرها إذ العلّية بنحو الاِيجاب انّما هي في غير الاَفعال الاختيارية، نعم لابد في وجوده من فاعل وهو النفس، ومرجّح وهو الصفات النفسانية، والاحتياج إلى المرجّح لاَجل خروج الفعل عن العبثية.(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الاِرادة ليست، نفس الشوق المؤكّد، ولا الشوق المحرّك للعضلات، لاَنّ الشوق من مقولة الانفعال، والاِرادة من مقولة الفعل، مضافاً إلى أنّه ربّما يريد الاِنسان بلا شوق نفساني، وانّما يفعله لغايات أُخرى كشرب الدواء المرّ، فتفسير الاِرادة بالشوق خاطىء من وجهين كما عرفت.

ثانياً: لا شك في وجود المرحلة الرابعة بعد الشوق المؤكد، وانّما الكلام في تعيّنها والذي يلمسه كل فاعل، مريد من صميم نفسه، انّه بعد حصول الشوق النفساني، أو العقلائي ـ كما في


(1)أجود التقريرات: 1 | 90 ـ 91 .

(191)

شرب الدواء المُرّـ يجد في نفسه حالة التصميم والتجزّم، للفعل أو عدمه، وفي هذه الحالة يَخرج الفعل عن حالة التساوي إلى الفاعل، ويوصف بالوجوب والامتناع، فيكون فاعلاً أوتاركاً بالقطع والجزم.

وأمّا ما أُسماه المحقّق النائيني بمرحلة الاختيار، فإن اراد منه ما ذكرنا فهو، وان أراد غيره كما هو الظاهر فهو غير متحقّق، لاَنّ مفهوم كلامه انّ النفس بعد المرور بها، تتساوى أيضاً نسبته بالنسبة إلى الفعل والترك، غاية الاَمر لاَجل وجود مرجّح، يُقدِّم جانبَ الفعل على الترك، مع أنّ الفعل في هذه الحالة، لا يكون متساوي النسبة بل ينقلب إلى حالة القطعية والجزمية، والفاعل يهاجم الفعل ولا يفكر في الترك. وأين هذا، من حالة التساوي، أو مع وجود مرجح لاَحد الطرفين؟

وثالثاً: أنّ تخصيص القاعدة العقلية، أي: «الشيء ما لم يجب لم يوجد» بالاَفعال غير الاختيارية كالفواعل الطبيعية، تخصيص بلا ملاك، فإنّ مقتضى برهانه هو التعميم وعدم الفرق بين الاختيارية وغيرها.

وحاصله: أنّه يجب سدُّ جميع أبواب العدم، ومع انفتاح باب واحد ـ وكيف ازيد منه ـ لا يقطع السؤال لماذا وجد، ولم


(192)

ينعدم؟ وإذا سُدَ جميع أبوابه، يتحقّق المعلول بصورة ظاهرة قطعية على وجه لا محيص عن الوجود والتحقّق. نعم لوقلنا بأنّ برهان القاعدة عبارة عن وجود المعلول في رتبة العلّة، يكون المعلول ضروريَّ التحقّق، بضرورة وجود علّته(1)لكان للتخصيص وجه، وهذا يتمشّى في العلل غير الاختيارية لا فيها، ولكن ما ذكر أساساً للقاعدة لا أثر منه في الكتب الفلسفية، فلاحظ.

السابع: ما أفاده سيدنا الاَُستاذ ـ دام ظله ـ في درسه الشريف، وحاصل ما أفاده يأتي في ضمن أُمور:

1. انّ الاَفعال الصادرة عن النفس تنقسم إلى: تكويني ونفسي، وإن شئت قلت: إلى: تسبيبيّ ومباشري.

فالاَوّل منهما ما يصدر عنها بآلة وسبب جرمانيّ كالخياطة والكتابة وإحداث البناء إلى غير ذلك من الاَُمور الموجودة في خارج لوح النفس، ففي هذه الموارد كلٌّ من المقدّمة وذيها، مسبوق بالتصوّر والتصديق والشوق المؤكد (في أغلب الموارد) فإذا تمّت المقدّمات يجد الاِنسان في ذهنه العزم والجزم والتصميم والقاطعية، وعند ذلك، تنقاد الاَعضاء


(1)المحقّق الخوئي: المحاضرات: 2 | 580. وقد مرّ اشكاله.

(193)

وتتوجه إلى الحجر والخشب والاِبرة والخيط.

انّ النفس في مجال هذا النوع من العمل فاعل للحركة ففي ظلِّ حركة العضلات تتحقّق الاَفعال التكوينية التسبيبية من الخياطة والكتابة.

والثاني منهما ما يصدر عنه بلا آلة، أو بآلة غير جسمانية ؛ وإن شئت قلت: ما يصدر عنها بخلاّقية النفس وإيجادها في صقعها. وهذا كصاحب ملكة علم الفقه أو النحو، فإذا سئل عن عدّة مسائل تأتي الاَجوبة في الذهن، واحداً بعد الآخر. ونظيرها خلق الصور البديعة الهندسية المقدارية، لمن زاول المعمارية وصار ذا ملكة فيها، فتصدر عنها الصور، في ظروف خاصة.

وهذا النوع من أفعال النفس، اختياري لها، وإن لم يكن هناك تصوّر ولا تصديق، وشوق، ولا إرادة، وسيوافيك وجهه ومثلها الاِرادة، فانّها فعل للنفس، فعلاً مباشرياً، وليست مسبوقة بمقدّمات الاِرادة أصلاً.

2. انّ النفس في هذا النوع من الاَفعال، بما انّها فاعلة بالتجلّي جامعة لكمالات فعله في مقام الذات على نحو الاِجمال والاِيجاز، فالاَجوبة العلمية والصور البديعة، والاختيار


(194)

الملموس لكل إنسان قبل التصميم والجزم، وحتى نفس الاِرادة ونظائرها موجودة في مقام الذات لكن لا على نحو التفصيل بل على سبيل الاِجمال، فتكون النفس في مقابل الذات مريدة ومختارة بالذات بشهادة وجودهما في مقام الفعل، ويكون هذا هو الملاك في كون القسم الثاني فعلاً اختيارياً وإرادياً، لا لاَجل سبق إرادة تفصيلية، بل لاَجل كون الاِنسان في مقام الذات، مختاراً بالذات، فهو باختيار ذاتي، ينشأ الاِرادة والجزم أو التصميم.

وتعلم حال النفس إذا قيست إلى الواجب عزّ اسمه، فإنّه سبحانه خلق الكون وما فيه لا بإرادته التفصيلية وإلاّ يلزم أن تكون الذات محلاً للحوادث، بل بإرادة إجمالية أو اختيار ذاتي، هما عين ذاته سبحانه وإن لم ينكشف لنا كنههما، فكما أنّ الملاك لكون فعله اختيارياً هو كونه موجوداً مختاراً بالذات، باختيار هو عين ذاته، فهكذا النفس فهي مختارة في إيجاد القسم الثاني من الاَفعال باختيار ذاتي هو عين ذاتها.

والذي يفك العقدة، ويزيل الشبهة من رأسها نفي انّ يكون الملاك للاختيار شيئاً واحداً، وهو كون الشيء مسبوقاً بالاِرادة، بل الملاك أحد الاَمرين، ففي النوع الاَوّل، الملاك مسبوقية


(195)

الفعل بالاختيار؛ وفي الثاني، كونه صادراً عن فاعل مختار ومريد بالذات، ولاَجل ذلك صارت النفس مثَلاً لله سبحانه، وإن كان سبحانه منزهاً عن الِمثل والندّ.

إكمال للبحث

إنّ للسيد المحقّق الخوئي - قدس سره - في المقام نظرية قريبة مّما ذكره سيدنا الاَُستاذ - قدس سره - ، فكلاهما دقّا باباً واحداً، وهو كون النفس فاعلاً مختاراً بالذات، لكن السيد الخوئي استند في إثبات نظريته إلى أُمور قابلة للمناقشة، وقد كان في غنى من أن يحوم حولها، لاَنّ إثبات الاختيار الذاتي للنفس كاف في دفع شبهة الجبر. ولنذكر خلاصة كلامه، ثم نذكر بعض المناقشات، فقد بنى نظريته على أمرين :

الاَوّل: انّ الاِرادة لا تعقل أن تكون علّة تامة للفعل.

الثاني: الاَفعال الاختيارية بكافة أنواعها مسبوقة بإعمال القدرة والسلطنة.

أمّا الاَوّل، فقد أوضحه بأُمور:

1. الفرق الواضح بين الحركتين، حركة يد المرتعش، وحركة يد غير المرتعش، حركة النبض وحركة الاَصابع، حركة


(196)

الدم وحركة اليدّ يمنة ويسرة، ولو كانت الاِرادة علّة تامّة وكانت حركة العضلات معلولة لها كانت حالها، عند وجودها حال حركة يد المرتعش أو حركة النبض والدم. والسبب في ذلك انّ الاِرادة مهما بلغت ذروتَها لايترتب عليها الفعل كترتب المعلول على علّته التامة، بل الفعل على الرغم من وجودها وتحقّقها تحت اختيار النفس وسلطانها، فلها أن تفعل ولها أن لا تفعل، ولو كانت الاِرادة علّة تامة لحركة العضلات لم يكن للنفس تلك السلطنة، ولكانت عاجزة عن التأثير مع فرض وجودها.

2. إنّ الاِرادة تشارك الخوف في كونها من الصفات النفسانية، ويترتب على كل واحد أُمور: فإذا خاف، يرتعش البدن ويصفرّ اللون، وإذا اراد يترتب عليه المراد، فلو كانت الاِرادة علّة تامة للفعل من دون أن يتوسط بينها وبين المراد سلطان النفس واختياره، لزم أن يكون ما يترتّب على الخوف والاِرادة على وزان واحد، مع أنّه خلاف الوجدان.

3. بل ربما يوصف الفعل بالاختياري من دون سبق إرادة عليه، كما إذا سقط من شاهق فدار أمره بين أن يقع على ولده الاَكبر، أو الاَصغر، فبطبيعة الحال يختار سقوطه على ابنه


(197)

الاَصغر لشدّة علاقته بالاَكبر، ومن البديهي انّ اختياره السقوط على الاَوّل ليس من جهة شوقه إلى هلاكه أو موته وإرادته له، ولو كانت الاِرادة علّة تامة للفعل، لكان صدوره منه محالاً، لعدم وجود علّته وهي الاِرادة، وانّما الفعل معلول إعمال القدرة وسلطان النفس لا إرادة الفعل.

فاستنتج من هذه الاَُمور الثلاثة أمرين :

الاَوّل: انّ الاِرادة لا تكون علّة تامة للفعل، ولا توجب خروجه عن تحت سلطان النفس واختياره.

الثاني: على فرض التسليم، انّ العلّة غير منحصرة فيها، بل هناك علّة أُخرى وهي إعمال القدرة والسلطنة للنفس(1)

هذا كلّه حول الامر الاَول .

وأمّا الامر الثاني، أعني: انّ الفعل الاختياري ما أوجده الاِنسان باختياره وإعمال قدرته، وهو بكافة أنواعه مسبوق بإعمال القدرة والسلطنة، وحاصل ما أفاده هو ما يلي:

انّه إذا ثبت انّ الاِرادة ليست علّة تامة للفعل، فبطبيعة الحال


(1)انّه ـ 1 ـ ذيّل كلامه بالبحث عن قاعدة: «الشيء ما لم يجب لم يوجد» وانتهى إلى أنّها مختصة بالاَفعال غير الاختيارية، وقد مرّ الكلام فيه عند البحث عن القاعدة. فلاحظ.

(198)

يستند وجود الفعل إلى أمر، وهذا الاَمر هو إعمال القدرة والسلطنة المعبّر عنهما بالاختيار، هذا من ناحية ومن ناحية أُخرى انّ الله عزّ وجلّ قد خلق النفس للاِنسان واجدة لهذه السلطنة والقدرة وهي ذاتية لها وثابتة في صميم ذاتها، ولاَجل هذه السلطنة تخضع العضلات لها وتنقاد في حركاتها، فلا تحتاج النفس في إعمالها لتلك السلطنة والقدرة إلى إعمال سلطنة وقدرة أُخرى.

ثم استنتج من هذا البيان الضافي أمرين تاليين:

1. انّ الاَمر الاختياري انّما يصدر عن الفاعل بإعمال قدرته لابإرادته. نعم الاِرادة تكون مرجّحة لاختياره.

2. انّ اختيار النفس للفعل وإن كان يفتقر غالباً إلى وجود مرجّح إلاّ أنّه ليس من ناحية استحالة صدوره منها بدونه بل من ناحية خروجه عن اللغوية.(1)

يلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّه ـ 1 ـ في إثبات مقصوده (انّ النفس فاعلة مختارة بالذات وانّ السلطنة والاختيار ذاتيان للنفس وداخلان في


(1)المحقّق الخوئي: المحاضرات: 2 | 53 ـ 60 بتلخيص .

(199)

صميم ذاتها) في غنىً عن الخوض في هذه المباحث وقد عرفت أنّه وصل الى نفس ما وصل إليه السيد الاَُستاذ، فحرية النفس الذاتية تكفي في رد الجبر، وإثبات اختيار الفعل والاِرادة، سواء كانت الاِرادة علّة تامة أو لا، وسواء أصحت قاعدة: «الشيء مالم يجب لم يوجد» أو لا، ولكنه خاض غمار هذه المسائل العقلية وخرج بنتائج غير تامة، وإليك الاِشارة إليها:

الاَوّل: الفرق بين حركة يد المرتعش وتحريك اليد يمنة ويسرة هو الفرق بين الفعل المفروض على الاِنسان من غير طلب واختيار، والفعل الذي فرضه الاِنسان على نفسه، فكون الاِرادة علّة تامة للفعل غير المنفكة عن المراد، لا ينافي كون الفاعل هو الذي فرض الفعل على نفسه عن اختيار سابق على الاِرادة.

ولنا أنّ نستوضح الحال بمثال آخر، وهو الفرق بين سقوط من ألقى نفسه من شاهق، ومن دفعه شخص آخر منه، فإنّ السقوط بما هو هو ـ بعد الاندفاع ـ أمر خارج عن الاختيار، لكن يعاقب على الاَوّل دون الثاني، وما هذا إلا لاَنّ الفاعل في الاَوّل هو الذي فرض الفعل على نفسه عن اختيار، والثاني هو الذي فرض الغير عليه، وعلى ضوء ذلك فوضوح الفرق بين


(200)

حركة المرتعش وتحريك الاِنسان يده، ليس معلولاً لعدم كون الاِرادة علّة تامة له، ولا عدم جريان قاعدة: «الفعل ما لم يجب لم يوجد» بل الفرق رهن، سبق الاختيار في الاَوّل، قبل الفرض، دون الثاني.

2. انّ الاِرادة وإن كانت مثل الخوف في كل كون كلٍّ، علّة تامة لما يترتب عليهما من الآثار، لكن تفترق عنه، بأنّ النفس غير قادرة على الاجتناب عن الخوف وأثره فلاَجل ذلك يعدّ المؤثر والاَثر أمراً غير اختياريّ، وهذا بخلاف الاِرادة فانّها علّة تامة للاَثر، لكن في وسع النفس الابتعاد عنها بالاختيار الموجود في النفس، قبل التصميم والجزم.

3. انّ السقوط على الولد الاَصغر فعل إرادي للفاعل وان كان فاقداً للشوق النفسي، وقد عرفت أنّ الشوق لا يلازم الاِرادة، بل القوّة العاقلة تدفعه إلى اختيار ذاك الجانب، فأصل السقوط وإن كان غير إرادي لكن اختيار الجانب المعيّن إرادي قطعاً، وأمّا قوله: «.. ولو كانت الاِرادة علّة تامة للفعل لكان صدوره منه محالاً، لعدم وجود علّة وهي الاِرادة، فهو كلام غريب، لاَنّه خلط بين أصل السقوط، واختيار جانب خاص، فالاَوّل فاقد للاِرادة والثاني واجد لها قطعاً.


(201)

4. ما ذكره في الاَمر الرابع: «إذا ثبت انّ الاِرادة ليست علّة تامة للفعل، فبطبيعة الحال يستند وجود الفعل إلى أمر آخر، وهو إعمال القدرة والسلطنة المعبّر عنه بالاختيار» غير مفهوم جداً إذ لم نجد مورداً يُعدّ الفعل اختيارياً ولم يكن فيه للاِرادة دور واضح، وأمّا استناد الفعل إلى إعمال القدرة والسلطنة المعبّر عنها بالاختيار فليس شيئاً وراء أثر الاِرادة، فإنّ الاِنسان المريد، يترتب عليه تحريك العضلات نحوه، وليس هو إلاّ إعمال القدرة والسلطنة، وأمّا حالة الاختيار، فهي تلازم الاِنسان من لدن تصوّره إلى إنجاز العمل، غاية الاَمر إذا تمّت المبادىَ وحصل الجزم نحو العمل يكون مندفعاً من جانب نفسه إلى العمل، اندفاعاً بالاختيار ما لم يحصل الجزم والتصميم، وأمّا معهما فيدخل الفعل في مرحلة الوجوب والاِيجاب، وبما انّهما كانا بالاختيار فلا ينافيان الاختيار كما لا يخفى.



(202)

مناهج الجبر

الجبر المادي

الجبر المادي

قد تعرّفت على المنهجين السابقين، أعني: الجبر الاَشعري والجبر الفلسفي، وأصحاب المنهجين إلهيّون، غير انّ الاَوّل يعتمد عل الاَُصول الغيبية، والآخر على القواعد الفلسفية، وأمّا أصحاب المنهج الثالث فهم الماديون غير المؤمنين، بما وراء الطبيعة، فلا يستدلّون على الجبر، بخلق الاَعمال وعلم الاِله وإرادته الاَزليين، ولا بالاَُصول الفلسفية التي يعتمد عليها الاِلهي، فلا يستدلون بقاعدة وجود الشيء مساوق مع وجوبه، ولا بكون الاِرادة غير مسبوقة بارادة اخرى، بل يحاولون تحليل فعل الاِنسان من حيث الجبر والاختيار من خلال علله المادية التي تدفعه إلى العمل على شاكلتها بالبيان التالي:


(203)

إنّ فعل كل إنسان تعبير عن شخصيته المكَّونة بيد أُصول ثلاثة يعبّر عنها بمثلث الشخصية وإن كانت الاَضلاع في بناء الشخصية ومقدار التأثير غير متساوية، ولكن كل ضلع مؤثر فيها تأثيراً قطعيّاً، وأمّا أضلاعها، فهي عبارة عن.

1. ناموس الوراثة.

2. الثقافة .

3. البيئة .

وإليك تبيين تأثيرها في تكوين شخصية الاِنسان .

1. إنّ ناموس الوراثة، أمر اعترف به العلم والتجربة ويلمسه كل إنسان واع مفكِّر في المقام، فالولد، كما يرث الصفات الجسمانية للوالدين، كذلك يرث روحياتهما وصفاتهما الشريفة والرذيلة ويُنشأ ويُربّى عليها، يقول الشاعر:

ينشأ الصغير على ما كان والدهانّ الاَُصول عليها ينبت الشجر

إنّ الوالدين جسماً وروحاً يعتبران عاملين مؤثرين في مصير الولد، فهما اللبنة الاَُولى في بناء الشخصية الصالحة، كما أنّ سيادة روح التمرّد والطغيان عليهما وسوء الخلق والميل إلى


(204)

ضد العفاف، مّما تؤثر في شخصية الاِنسان. والجينات الموجودة في الخلية الاِنسانية سبب طبيعي وعامل لانتقال هذه الصفات، إلى الطفل، على ما هو المقرر في علم الوراثة.

2. عندما تتكون أُسس الشخصية وقواعدها في نفسية الطفل بالوراثة، يأتي دور المعلم الذي يمثل المدرسة التربوية الثانية بعد مدرسة الاَبوين وعامل الوراثة، على يدي المعلمين، ولهذا يكون دور التعليم ـ في مصير الطفل ـ دوراً حساساً في قلبه فينبت في قلبه كلّما ألقي، من البذور الطيبة أو الخبيثة.

3. فإذا أتمّ دراسته وبدأ ممارسة العمل يتأثر في سلوكه وخلقه، بالبيئة التي يعيش فيها، فإذا كانت العوامل الثلاثة متجانسة في الغاية والاَثر، يقع الكل في طريق تكوين الشخصية الواحدة، فلا صراع بينها ولا نزاع، وأما إذا كانت بينها نزاع وصراع في الغاية والدعوة، فتكون النتيجة من حيث السلوك، تابعة لاَقوى العوامل وأرسخها في الروح وهو يختلف حسب اختلاف تأثير الاَوفر سهماً من هذه العوامل، ولاَجل ذلك يوجد من يختار سلوك الآباء، كما يوجد من يتركه ويقتفي أثر الثقافة، أو البيئة وعلى كل تقدير، فالاِنسان مختار صورة، لكنه مسيّر سيرة، يخطُّ مصيره هذه العوامل، أو أقواها


(205)

تأثيراً، وما ربما يقال، من أنّه يختار مسيرته في الحياة فهو أمر صوري، وانّما تدبره هذه العوامل المكِّونة.

يلاحظ عليه أوّلا:

أنّ ما ذكره من تأثير العوامل الثلاثة في بناء الشخصية أمر لا غبار عليه، انّما الكلام في كونها علّة تامة أو معدِّات وانّما يوجد أرضية لنمو مقتضاها، ولا توجد حتمية، غير قابلة للتغيير، وإليك البيان:

أمّا العامل الاَوّل فلا شك في تأثيره، وقد قال سبحانه: (والبَلَدُ الطّيّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإذْنِ رَبّهِ والّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إلاّ نَكِدا)(1) وفي الآيات والروايات تصريحات وإشارات إلى ذلك، لكن أثرها بين غير قابل للتغيير، كالبله والحمق والبلادة وقابل له في ظل عوامل تربوية، ولاَجل ذلك ربما يكون الولد المتولّد من أبوين بارّين خائناً وجانياً، كما ربما يكون الولد المتولّد من أبوين طاغيين، إنساناً صالحاً مطيعاً، والاَوّل كولد نوح، والثاني كعمر بن عبد العزيز.

ومثله العامل الثاني، فليس عاملاً حتميّ الاَثر وقطعي


(1)الاَعراف: 58 .

(206)

النتيجة، فربما، يسعى الوالدان، لتغيير ما أوجده التعلّم من الآثار الطيّبة أو الخبيثة.

ولا يقلُّ عنه العامل الثالث، فقد أثرت البيئة الفاسدة على امرأة نوح وامرأة لوط، فافسدتهما(1)وفي الوقت نفسه بقيت في بيت نوح عدة على صلاحهم وفلاحهم. فهذه العوامل بأجمعها معدات، لا علّة تامّة في بناء الشخصية الحتمية غير القابلة للتغيير.

ثانياً: أنّ العوامل المكِّونة للشخصية الاِنسانية لا تنحصر في العوامل الثلاثة المذكورة وانّما اختارها المادي، لاَنّها تناسب ما يبتغيه، كيف وانّ هناك أبعاداً روحية للاِنسان وأحاسيس خاصة، توحى إليه خير الحياة وتدفعه إليها، بحماس، وان لم يكن علّة تامة أيضاً في التخطيط، وهي عبارة عن الاِدراكات النابعة من داخل الاِنسان وفطرته من دون أن يتدخل في الاِيحاء عامل خارجي، كمعرفة الاِنسان بنفسه وإحساسه بالجوع والعطش، ورغبته في الزواج في سنين معينة، والاشتياق إلى المال والمنصب في فترات من حياته. تلك المعارف ـ وإن شئت سمّيتها بالاَحاسيس ـ تنبع من ذات الاِنسان وأعماق وجوده.


(1)لاحظ التحريم: 10 .

(207)

إنّ علماء النفس يعتقدون بأنّ للنفس الاِنسانية أبعاداً أربعة يكون كلّ بعد منها، مبدأ لآثار خاصة:

أ : روح الاستطلاع واستكشاف الحقائق، وهذا البعد من الروح الاِنسانية خلاّق للعلوم والمعارف، ولولاه لما تقدّم الاِنسان منذ أن وجد في هذا الكوكب، شبراً في العلوم واستكشاف الحقائق.

ب : حب الخير، والنزوع إلى البرّ والمعروف، ولاَجل ذلك يجد الاِنسان في نفسه ميلاً إلى الخير والصلاح وانزجاراً عن الشر والفساد. فالعدل والقسط مطلوب لكل إنسان في عامة الاَجواء والظروف، والظلم والجور منفور له كذلك، إلى غير ذلك من الاَفعال التي يصفها كل إنسان بالخير أو الشر، ويجد في أعماق ذاته ميلاً إلى الاَوّل وابتعاداً عن الثاني، وهذا النوع من الاِحساس مبدأ للقيم والاَخلاق الاِنسانية.

جـ : عشق الاِنسان وعلاقته بالجمال في مجالات الطبيعة والصناعة، فالمصنوعات الدقيقة والجميلة، واللوحات الفنّية والتماثيل الرائعة تستمد روعتها وجمالها من هذا البعد.

إنّ كلّ إنسان يجد في نفسه حباً أكيداً للحدائق الغنّاء المكتظَّة


(208)

بالاَزهار العطرة، والاَشجار الباسقة، كما يجد في نفسه ميلاً إلى الصناعات اليدوية المستظرفة، وحبّاً للاِنسان الجميل، وكلّها تنبع من هذه الروح التي عُجِن بها الاِنسان، وهي في الوقت نفسه خلاّقة للفنون في مجالات مختلفة.

د : الشعور الديني الذي يتأجّج لدى الشباب في سن البلوغ، فيدعو الاِنسان إلى الاعتقاد بأنّ وراء هذا العالم عالماً آخر يستمد هذا العالم وجودَه منه، وانّ الاِنسان بكل خصوصياته متعلّق بذلك العالم ويستمد منه.

وهذا البعد الرابع الذي اكتشفه علماء النفس في العصر الاَخير، وأيّدوه بالاختبارات المتنوعة، ممّا ركّز عليه الذكر الحكيم قبل قرون وأشار إليه في آياته المباركة، نعرض بعضها:

أ : (فَأقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها)(1)

إنّ عبارة (فطرت الله) تفسير للفظة الدين الواردة قبلها، وهي تدل بوضوح على أنّ الدين ـ بمعنى الاعتقاد بخالق العالم والاِنسان، وانّ مصير الاِنسان بيده ـ شيء خلق الاِنسان عليه، وفُطِر به كما خلق وفطر على كثير من الميول والغرائز.


(1)الروم: 30 .

(209)

ب : (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْن)(1)

أيّ عرّفنا الاِنسان طريق الخير وطريق الشر. وليس المراد التعرّف عليهما عن طريق الاَنبياء بل تعريفهما من جانب ذاته سبحانه، وان لم يقع في إطار تعليم الاَنبياء، وذلك لاَنّه سبحانه يقول قبل هذه الآية: (لَقَدْ خَلَقنَا الاِنسانَ فِي كَبَدٍ *... ألَمْ نَجْعَل لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وشَفَتَيْنِ * وَهَدَيناهُ النَّجْدَيْن)(2)فالكل من معطياته سبحانه عند خلق الاِنسان وإبداعه.

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ النظرية التي اكتشفها علماء معرفة النفس ممّا ركّز عليها الوحي بشكل واضح، وحاصلها أنّ الدين بصورته الكلية أمر فطري ينمو حسب نموّ الاِنسان ورشده، ويخضع للتربية والتنمية كما يخضع لسائر الميول والغرائز.

وأنت إذا أمعنت في هذه الاَحاسيس الداعية إلى الخير والفلاح، والعوامل الثلاثة المكوّنة للشخصية التي ربّما تجاوبها وتلائمها كما أنّه ربّما تخالفها وتناقضها، تجد الاِنسان تارة يعيش في جو مادي، وأُخرى في جو صراع وتناقض، ومع ذلك


(1)البلد: 10 .

(2)البلد: 4 ـ 9 .

(210)

كلّه، فحرية الاِنسان وسيادته على كلّ الاَحاسيس والعوامل، فوق كل شيء، فله أن يزيل تأثير العوامل، من أساس، أو يعدّل أثرها، أو يربِّيها على أشدّ وجه.

والعجب أنّ المادي ضرب على الاَبعاد الاَربعة التي اكتشفها العلم بقلم عريض وتمسّك بالعوامل الثلاثة المكّونة للشخصية واستنتج منها الجبر.

وفي نهاية المطاف نقول: إنّ المادّي الذي يتبنّى الجبر، فإنّه غطاء وواجهة، للحرية في العمل، والغور في الشهوات، والانحلال عن القيود الاَخلاقية التي فرضتها عليه بيئته، فهو يريد الحرية السائدة كالوحوش في الغابات لكن بغطاء الجبر.

وأدلّ دليل على أنّهم يلوكون الجبر في ألسنتهم وليس في قلوبهم ثمت شيء، انّهم في الحياة الاجتماعية يتعاملون مع الناس، بالاعتقاد بالاختيار، فلاَجل ذلك يشتكي على من تجاوز حقه ولو ضربه، ينتقم منه من دون أن يلتفت إلى انّ فعله رهن شخصيته المكونة بأيدي عوامل خارجة عن الاختيار. كل ذلك يرشدنا إلى أنَّ الاعتقاد بالحرية عجين روحه ويشكّل السدى والُلحمة من ذاته، وانّ التفوّه بالجبر والتسيير، أفكار مستوردة لغايات مادية أو سياسية.

Website Security Test