welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : لبُّ الاَثر في الجبر و القدر*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

لبُّ الاَثر في الجبر و القدر

(157)

مناهج الجبر

الجبر الاَشعري

3

تعلّق إرادته بأفعال العباد

هذا هو الدليل الثالث الذي اعتمدت عليه الاَشاعرة قالوا: ما أراد الله وجوده من أفعال العباد وقع قطعاً، وما أراد عدمه منها، لم يقع قطعاً، فلا قدرة للاِنسان على شيء منهما.(1)

يلاحظ عليه: أنّ هذا ليس استدلالاً جديداً، بل هو تعبير آخر عن الدليل السابق، غير انّ السابق كان يركِّز على تعلّق علمه الاَزلي بأفعال العباد، وهذا يركّز على تعلّق إرادته بها فيجاب عنه بما أُجيب عن الاَوّل.

ولكن بما انّه كثر النقاش في وقوع أفعال العباد، متعلّقة لاِرادته وعدمه، فنبحث في المقام حسب ما يسعه المجال في


(1)الشريف الجرجاني: شرح المواقف: 8 | 156 .

(158)

ضمن أُمور :

1. الشعار المائز بين الاَشاعرة والمعتزلة

إنّ الاَشاعرة، جعلوا أفعال العباد متعلّقة بإرادته سبحانه حفظاً لاَصل التوحيد، وأخرجتها المعتزلة عن كونها متعلّقة بها فراراً عن الجبر وحفظاً لاَصل العدل، ولاَجل ذلك صار كلّ من التعلّق وعدمه، شعاراً مائزاً بين الطائفتين :

روي أنّ القاضي عبد الجبار المعتزلي (المتوفّى 415 هـ) لمّا دخل دار الصاحب بن عبّاد، ورأى فيها أبا إسحاق الاِسفرائيني الاَشعري (المتوفّى 413 هـ) رفع صوته بشعار منهجه، وقال: سبحان الذي تنزّه عن الفحشاء، معلِناًبذلك انّ الاَشاعرة ـ ومنهم الاَُستاذ أبو إسحاق، لاَجل قولهم بسعة إرادته لاَفعال العباد ـ يتهمونه سبحانه بالفحشاء لتعلّق إرادته بمعاصي العباد في منهجهم، فما قدروا الله حق قدره، فوصفوه بالظلم مكان وصفه بالعدل.

وأجاب أبو إسحاق بقوله: الحمد لله الذي لا يجري في ملكه إلاّ ما يشاء، معلناً بأنّ القول بخروج أفعال العباد عن مشيئته، يستلزم وقوع أشياء في ملكه خارجة عن مشيئته، فما قدروا الله


(159)

حق قدره، فأنكروا توحيده بإنكار سعة إرادته، لصيانة عدله.(1)

والحق انّ كلتا الطائفتين ما قدروا الله حق قدره، فركّزت المعتزلة على تنزيهه سبحانه فلم ترَ بُدّاً عن القول بعدم سعة إرادته لاَفعال عباده، كما ركّزت الاَشاعرة على توحيده وتنزيهه عن الشرك والثنوية فلم ترَ بدّاً من القول بسعة إرادته، وإن استلزم الجبر.

وكلتا الفكرتين خاطئتان، والحق إمكان الجمع بين التوحيد والتنزيه، بين تعلّق إرادته بأفعال العباد وعدم لزوم الجبر، بالبيان الآتي.

2. ما هو المقصود من إرادته سبحانه ؟

إذا أُريد من إرادته سبحانه، علمه بالاَصلح، فتختص إرادته سبحانه بأفعاله، الموصوفة بالصلاح ويخرج أفعال العباد عن تحتها، لعدم اقتران أفعالهم بالصلاح مطلقاً، إذ هم بين مطيع وعاص، ويمنع أن يوصف العصيان بالصلاح.

وإن أُريدت منها، الاِرادة المتجدّدة المتدرّجة الوجود، فيمتنع وصفه بها، لاستلزامه كون الذات معرضاً للحدوث.


(1)الشريف الجرجاني: شرح المواقف: 8 | 156.

(160)

وإن أُريدت الاِرادة الاِجماليّة القديمة وإن لم يعلم كنهها، فكل ما في الكون من جليل ودقيق يمتنع أن يتحقّق في سلطانه، ويكون خارجاً عن مجال إرادته ومشيئته، لكن تعلّقها بها، غير القول بالجبر كما سيوافيك.

3. سعة إرادته سبحانه عقلاً ونقلاً

اتّفق العقل والنقل على سعة إرادته سبحانه لكل شيء ومنه أفعال العباد، ويعلم ذلك من خلال أُمور :

ألف : سعة قدرته وخالقيته وانّ كل ما في الكون من جليل ودقيق، من ذات وفعل، مخلوق لله على النحو الذي تقدّم.

ب : انّ الوجود الاِمكاني وجود فقير قائم بالواجب غير مستغن عنه في شأن من شؤونه لا في ذاته، ولا في فعله، وانّ غناء فعل الاِنسان عنه سبحانه، يستلزم غناء ذاته عنه سبحانه أوّلاً، لاَنّ الفعل معلول لذات الممكن، فغناء المعلول عن الله فرع غناء علته (ذات الممكن) عنه وهذا هو المراد من قولنا: إنّ الغناء في مقام الفعل مستلزم الغناءَ في مقام الذات ؛ وانقلاب الفعل عن كونه فعلاً إمكانياً إلى كونه فعلاً واجباً ثانياً، وكلاهما ممنوعان.


(161)

ج : انّ إرادته سبحانه بالمعنى الثالث عين ذاته سبحانه، فهو علم كلّه، قدرة كلّه، وإرادة كلّه.

وإذا كان كل ما في الكون منتهياً إلى ذاته، فلا محيص من استناد فعل الاِنسان إلى ذاته التي هي عبارة عن الاِرادة الواجبة والعلم الواجب. هذا حال الدليل العقلي الذي أوردناه على وجه الاِيجاز وأمّا النقل، فالذكر الحكيم يدل على سعة إرادته، وتكفي في المقام الآيات التالية :

1. يقول سبحانه: (ومَا تَشَاءُونَ إلاّ أن يَشَاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِين)(1)

2. وقال سبحانه: (وَمَا كانَ لِنَفْسٍ أن تُؤمِنَ إلاّ بِإذْنِ الله)(2)

3. (مَا قَطَعْتُم مِن لِّينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائمَةً على أُصُولِها فَبِإذْنِ اللهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِين)(3)

وقد ذكر الاِيمان في الآية الثانية أو قطع اللينة أو تركها قائمة على أُصولها من باب المثال لكونهما موردين لنزول الآية والمقصود انّ كلّ ما يجري في الكون فهو بمشيئته وإذنه سبحانه.

وأمّا الاستدلال بالحديث، فيكفي في ذلك ما رواه الصدوق


(1)التكوير: 29 .

(2)يونس: 100 .

(3)الحشر: 5 .

(162)

عن أبي عبدالله - عليه السّلام- قال: «قال رسول الله - صلّى الله عليه وآله وسلم - : من زعم انّ الله تعالى يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم انّ الخير والشر بغير مشيئة الله فقد أخرج الله من سلطانه، ومن زعم انّ المعاصي بغير قوّة الله فقد كذب على الله، ومن كذب على الله أدخله النار»(1).

فمقتضى البرهان العقلي، وآيات الذكر الحكيم، وأحاديث العترة الطاهرة سعة إرادته، ولكن المهم هو إثبات انّ القول بها لا يستلزم الجبر، وهذا ما يتكفّله البحث التالي.

4. سعة إرادته لا تستلزم الجبر

إنّ القول بسعة إرادته لا يستلزم الجبر، وذلك لاَنّ إرادته لم تتعلّق بصدور فعل الاِنسان منه سبحانه مباشرة وبلا واسطة، بل تعلّقت بصدور كل فعل من علّته بالخصوصيات التي اكتنفتها.

مثلاً تعلّقت إرادته سبحانه على أن تكون النار مبدأ للحرارة بلا شعور وإرادة، كما تعلّقت إرادته على صدور الرعشة من المرتعش مع العلم ولكن لا بإرادة واختيار، وهكذا تعلّقت إرادته في مجال الاَفعال الاختيارية للاِنسان على صدورها منه


(1)الصدوق: التوحيد: 359 ح 2، باب نفي الجبر والتفويض ؛ ولاحظ بحار الاَنوار: 5 كتاب العدل والمعاد ص 41 ح 64.

(163)

مع الخصوصيات الموجودة فيه المكتنفة به من العلم والاختيار وسائر الاَُمور النفسانية.

وصفحة الوجود الاِمكاني مليئة بالاَسباب والمسبّبات المنتهية إليه سبحانه، فمثل هذه الاِرادة المتعلّقة على صدور فعل الاِنسان بقدرته المحدثة واختياره الفطري تؤكد الاختيار ولا تسلبه منه.

ومع ذلك كلّه ليس فعل الاِنسان فعلاً خارجاً عن نطاق قدرته سبحانه غير مربوط به كيف وهو بحوله وقوته يقوم ويقعد ويتحرك ويسكن ففعل الاِنسان مع كونه فعله بالحقيقة دون المجاز، فعل الله أيضاً بالحقيقة فكل حول يفعل به الاِنسان فهو حوله، وكل قوة يعمل بها فهي قوته.

قال العلاّمة الطباطبائي: إنّ الاِرادة الاِلهية تعلّقت بالفعل بجميع شؤونه وخصوصياته الوجودية، ومنها ارتباطه بعلله وشرائط وجوده، وبعبارة أُخرى تعلّقت الاِرادة الاِلهية بالفعل الصادر من زيد مثلاً لا مطلقاً، بل من حيث إنّه فعل اختياري صادر من فاعل كذا، في زمان كذا. فإذن تأثير الاِرادة الاِلهية في الفعل يوجب كونه اختيارياً، وإلاّ تخلّف متعلّق الاِرادة عنها.


(164)

فالاِرادة الاِلهية في طول إرادة الاِنسان وليست في عرضها حتى تتزاحما ويلزم من تأثير الاِرادة الاِلهية بطلان تأثير الاِرادة الاِنسانية. فخطأ المجبّرة في عدم تمييزهم كيفية تعلّق الاِرادة الاِلهية بالفعل وعدم تفريقهم بين الاِرادتين الطوليتين والاِرادتين العرضيّتين، وحكمهم ببطلان تأثير إرادة العبد في الفعل لتعلّق إرادة الله تعالى به.(1)

5. تفسير قوله سبحانه: ( وما الله يريد ظلماً للعباد)

قد وردت في الذكر الحكيم آيات، ربما يستظهر منها خروج أفعال العباد، عن مجال إرادته سبحانه، بشهادة أنّه ينفي إرادة الظلم للعباد عن نفسِه، أو يصرّح بأنّه لا يرضى لعباده الكفرَ، وأنّه لا يحب الفساد، ولا شك انّ فعل العبد، ربما يتعنون بالظلم والكفر والفساد، وقد نفى سبحانه عن ذاته إرادتَها وحبَها والرضاء بها قال سبحانه: (وما اللهُ يُرِيُد ظُلْماً لِلِعباد)(2)وقال عز من قائل: ( ولاَ يَرْضَى لِعِبادِهِ الكُفْر)(3)وقال تعالى: ( واللهُ لاَ يُحِبُّ الفساد)(4) وقد استظهر شيخنا المفيد من هذه الآيات خروج


(1)الميزان: 1 | 99 ـ 100، طبعة بيروت .

(2)غافر: 31 .

(3)الزمر: 7 .

(4)البقرة: 205 .

(165)

أفعال العباد عن حريم إرادته سبحانه(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الاستظهار مبنيّ على تفسير الاِرادة بالاِرادة التكوينية التي تكون مبدأً للاِيجاد والخلق، لكن لماذا لا يكون المراد منها الاِرادة التشريعية المتجلّية في الاَمر بالمصالح والنهي عن المفاسد؟ وقد مضى تفسير الاِرادة التشريعية وانّ وزانها وزان الاِرادة التكوينية في أنّهما يتعلّقان بفعل المريد، غاية الاَمر لو كانت الاِرادة مبدأ للاِيجاد والخلقة نسمِّيها إرادة تكوينية، وإن كانت مبدأً لجعل الاَحكام والقوانين والسنن تسمّى إرادة تشريعية.

فوزان هذه الآيات ونظائرها وزان قوله سبحانه: ( إنّ اللهِ يَأمُرُ بِالعَدِل والاِحسانِ وإيتاءِ ذِي القُربَى ويَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ والمُنكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون)(2)

وقوله سبحانه: (قُل إنّ اللهَ لا يَأْمُرُ بالفَحْشَاءِ أتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَالاَ تَعْلَمُون)(3)

نعم لقائل أن يقول: إذا كانت إرادته التشريعية لا تتعلّق بهذه الاَُمور الثلاثة، فأولى أن لا تتعلّق بها إرادته التكوينية أيضاً، إذ لا


(1)المفيد: تصحيح الاعتقاد: 16 ـ 18 .

(2)النحل: 90 .

(3)الاَعراف: 28 .

(166)

معنى لاَن يخبر عن عدم تعلّق إرادته بشيء تشريعاً، ولكن ـ في الوقت نفسه ـ تتعلّق إرادته به تكويناً.

وأمّا توضيح دفعه: فنقول: إنّ تعلّق إرادته التكوينية بشيء على قسمين:

1. أن تتعلّق مشيئته التكوينية بالاِيجاد مباشرة، من دون أن يكون للعبد فيها دور كخلق السماوات والاَرض. وفي المقام، كتعذيب المطيع وإنعام المجرم، إلى غير ذلك من الاَفعال التي يستقل العقل بقبحها وشناعتها، والله سبحانه أجل وأعلى من أن يريد مثل ذلك.

2. أن تتعلّق مشيئته التكوينية بالاِيجاد من خلال إرادة العبد ومشيئته، بحيث يكون لاِرادة العبد دور في وصف العمل بالظلم والبغي، وتلوّنه بالفحشاء فليست الآيات، نافية لها فإنّ فعل العبد ووصفه وإن كانا مرادين لله، لكن إرادته سبحانه ليست علّة تامة لفعل الاِنسان، وانّما يتخلّل بينهما وبين الفعل إرادة العبد واختياره فيكون هو المسؤول عن الفعل وعناوينه المحسّنة والمقبّحة، لكونها الجزء الاَخير لعلّة الفعل وسببه.

وبالجملة: ما يصدر من العبد من حسن وقبح، يصدر في


(167)

سلطانه وملكه، بإذنه وإرادته، لكنه لا بمعنى أنّه سبحانه يريد الظلمَ والبغيَ للعباد ابتداءً، بل يريده إذا أراد العبد واختاره، ومعنى إرادته سبحانه الظلمَ والبغي عندئذ أنّ العبد في اختيار كل من الفعل والترك غير مستغن عن إرادته كعدم استغنائه عن حوله وقوته سبحانهُ فلو أراد فإنّما أراد بإرادته، ولئن قام فإنّما قام بحوله، ولئن ترك فبإرادته، فإذا كان العبد غير مستغن في إرادته، عن إرادته سبحانه، فالله سبحانه: أيضاً غير أجنبي عن إرادة العبد وفعله، لكون الجميع قائماً به وبإرادته، وهذا معنى تعلّق إرادته، بأفعال العبد خيرها وشرّها، فتعلّق إرادته بها شيء وكونه الفاعل للخير والشر والحسن والقبيح ومريدهما ابتداء ومباشرة شيء آخر و المنفي هو الثاني دون الاَوّل.

وبعبارة أُخرى: القبيح أن يجبر العبدَ على الظلم والبغي والفساد بالاِرادة التكوينية مباشرة وابتداءً وامّا إذا خلق العبدَ حرّاً ومختاراً، في إرادة أيِّ جانب من جوانب الفعل، ثم هو اختار جانباً حسناً أو قبيحاً من جانبي الشيء باستعانة من إرادته سبحانه، فلا يُعدُّ مثل هذا التعلّق، أمراً قبيحاً، فإنّ تعلّق إرادته سبحانه بفعله في هذا الظرف. انّما هو لازم وجوده الاِمكاني، ولا محيص عنه، ومثل هذا التعلّق، لا يكون قبيحاً.


(168)

وبالجملة وزان إرادته سبحانه، وزان قوته وقدرته، فكما العبد يقوم بحوله وقوّته، فهكذا يريد بإرادته، ويشاء بمشيئته، فكما لا يصح فصل عمله عن حوله وقوته فكذلك لا يصح فصل مشيئته عن مشيئته، ولاَجل ذلك يقول سبحانه (وما تَشَاءُونَ إلاّ أن يَشَاء الله)(1)


(1)الاِنسان: 30 .

(169)

منهاج الجبر

الجبر الاَشعري

4

قدرة العبد غير مؤثرة في الاِيجاد

إنّ كون العبد مختاراً فرع كونه قادراً على إيجاد الفعل، ولكنه غير قادر، وذلك انّ العبد لو كان موجداً لفعله بقدرته فلا بد من أن يتمكّن من فعله وتركه، وإلاّ لم يكن قادراً عليه، إذ القادر من يتمكن من كلا الطرفين، وعلى هذا يتوقف ترجيح فعله على تركه على مرجّح، وإلاّ فلو وقع أحد الطرفين بلا مرجّح يلزم وقوع أحد الجائزين بلا سبب وهو محال، فإذا توقّف وجود الفعل على المرجِّح، فهذا المرجِّح إمّا أن يصدر من العبد باختياره أو من غيره، فإن كان من العبد يلزم التسلسل، لاَنّا ننقل الكلام إلى صدور ذلك المرجّح عن العبد فيتوقف صدوره على مرجّح، وعلى الثاني أيْ يكون المرجِّح من الله،


(170)

يكون الفعل عنده واجب الصدور، عن العبد، بحيث يمتنع تخلّفه عنه وإلاّ فلو لم يكن الفعل مع ذلك المرجِّح واجبَ الصدور، وجاز وقوع الطرف الآخر يلزم أن يكون تخصيص أحد الطرفين بالتحقّق دون الآخر بلا دليل، فيجب أن يكون أحد الطرفين مع المرجّح واجب الصدور ومعه يكون اضطرارياً لا اختياريا.

والظاهر أنّ مراده من المرجّح هو العلّة، فعندئذٍ يقال بعبارة موجزة: إنّ صدور الفعل من العبد، فرع صدور العلّة منه، فهل صدور العلّة منه، لمرجح راجع إلى نفس العبد، أو إلى الله؟ فعلى الاَوّل ينتقل الكلام إلى صدور ذلك المرجّح، فهو أيضاً لمرجّح صادر من العبد فيتسلسل ؛ وعلى الثاني، ينتفي الاختيار، إذ عند حصول ذلك المرجّح يجب الفعل، وعند عدمه يمتنع الفعل.

ثم إنّ ما ذكرنا من التقرير موافق لما ذكره الفاضل المقداد في إرشاده(1)، والشريف الجرجاني في «شرح المواقف»(2)

وأمّا ما ذكره المحقّق الطوسي بقوله: والوجوب للداعي لا ينافي القدرة كالواجب(3)فالظاهر أنّه إشارة لدليل آخر سيوافيك


(1)إرشاد الطالبين: 565 .

(2)شرح المواقف: 8 | 149 ـ 150 .

(3)العلاّمة الحلّي: كشف المراد: 308 ذيل المسألة السادسة: انّا فاعلون.

(171)

عند البحث عن الجبر الفلسفي أعني قولهم: «إنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد» حيث توهم أنّه يلازم الجبر.

والجواب عن الشبهة واضح جداً، ونحن نختار الشق الاَوّل، وهو انّ صدور الفعل فرع وجود مرجّح وداع يرتبط بالعبد، ولا يخرج عن حيطة الفاعل، وأمّا المرجّح الذي يضفي للفعل وصف الوجوب، فهو عبارة عن الاِرادة ومقدّماتها من التصوّر والتصديق بالملائمة للنفس وقواها ثم الاشتياق ثم التصميم بفعله، فالاِرادة هي المرجّحة الوحيدة، لوجوب الشيء، المخرجة للفعل عن حد الاِمكان إلى حيّز الوجوب بالغير، وكونها مرجّحة وداعية، لا يستلزم التسلسل، أوّلاً، ولا يستلزم الجبر ثانياً.

أمّا الاَوّل فلاَنّ المبدأ لظهور الاِرادة في لوح النفس، هو إدراك ملائمة الفعل لها وقواها المختلفة من عقلية أو مثالية أو حسّية، ومثل هذا الاِدراك أمر فطري لها ، يكفي في وجوده التفات النفس إلى الفعل.

وأمّا الثاني، فلما سيوافيك من أنّ لعدّ الشيء فعلاً اختياريّاً ملاكين:

الاَوّل: أن يكون مسبوقاً بالاِرادة، كالافعال الجوارحية من


(172)

الاَكل والشرب.

الثاني: أن يكون فعلاً لفاعل مختار بالذات، كنفس الاِرادة الصادرة عن النفس فإنّها بما أنّها فعل فاعل مختار بالذات تكون، فعلاً اختيارياً لها لا اضطراريا.

وبالجملة: انّ الملاك لوصف فعل جوارحي كالمشي بكونه اختيارياً كونه مسبوقاً بالاِرادة وكونه صادراً عنه بها، وأمّا الملاك لوصف فعل جوانحيّ كالاِرادة فإنّما هو لاَجل كونها فعلاً مباشرياً لفاعل مختار بالذات، له أن يشاء وله أن لا يشاء، فإذا شاء فإنّما شاء باختيار ذاتي وحرية فطرية، وسيوافيك توضيحه عند البحث عن الجبر الفلسفي.

استدلّوا على عدم صلاحية قدرة العبد للتأثير في الفعل بوجهين آخرين:

1. إذا كانت القدرتان مختلفتين في الجهة

لو كانت قدرة العبد صالحة للاِيجاد، فلو اختلفت القدرتان في المتعلّق، مثلاً إذا أراد تعالى تسكين جسم وأراد العبد تحويله، فإمّا أن يقع المرادان وهو محال ؛ أو لا يقع واحد منهما وهو أيضاً محال، لا ستلزامه ارتفاع النقيضين، لكونها من قبيل


(173)

الضدين اللّذين لا ثالث لهما؛ أو يقع أحدهما دون الآخر وهو أيضاً محال، لاَنّ وقوع أحدهما ليس أولى من الآخر، لاَنّ الله تعالى وإن كان قادراً على ما لا نهاية له، والعبد ليس كذلك، إلاّ أنّ ذلك لا يوجب التفاوت بين قدرة الله وقدرة العبد(1) فلا محيص عن سلب الصلاحية عن قدرة العبد مطلقاً، فيتعيّن وقوع ما أراده الله سبحانه.

يلاحظ عليه: أنّه يقع مراد الله دون مراد العبد، وذلك لا لعدم صلاحية قدرته، بل مع الاعتراف بصلاحية قدرته للتأثير في الفعل، لكن في المقام خصوصية تمنع عن تأثير قدرته، وهو أنّ قدرته قدرة تامة، دون قدرة العبد، لاَنّ من شرائط فعلية قدرته، أن لا تكون ممنوعة من ناحية قدرة بالغة كاملة، فتعلّق قدرته سبحانه بالحركة تكون مانعة عن وصول قدرة العبد، إلى درجة التأثير والاِيجاد، فإحداهما مطلقة والاَُخرى مشروطة، ولاَجل ذلك لو لم تكن ممنوعة، وقع مراد العبد قطعاً.

والحاصل: انّ عدم تأثيرها، ليس لعدم صلاحيتها للتأثير مطلقاً، بل لاَجل كونها مقرونةً بالمانع، فكيف يستدل بمورد له


(1)الرازي: الاَربعون: 232 .

(174)

خصوصية على عدم صلاحيتها مطلقاً؟

2. إذا كانت القدرتان متوافقتي الجهة

إنّ نسبة ذاته إلى جميع الممكنات على السوية، فيلزم أن يكون قادراً على جميع الممكنات وعلى جميع مقدورات العباد، وعلى هذا ففعل العبد إمّا أن يقع بمجموع القدرتين، أعني: قدرة الله وقدرة العبد، وإمّا أن لا يقع بواحدة منهما، وإمّا أن يقع بإحدى القدرتين دون الاَُخرى، والاَقسام باطلة، فوجب أن لا يكون العبد قادراً على الاِيجاد والتكوين.(1)

وقام المتكلّمون في مقابل تحليل الدليل واختار كلّ مسلكاً:

1. فجمهور الاَشاعرة ذهبوا إلى أنّه يقع بقدرة الله سبحانه .

2. وقالت المعتزلة: إنّه يقع بقدرة العبد وحده .

3. وفصّل الباقلاني من الاَشاعرة بأنّ قدرة الله تتعلّق بأصل الفعل، وقدرة العبد تتعلّق بالعناوين الطارئة عليه، كالطاعة والعصيان لاَجل التأديب والاِيذاء في لطم اليتيم، فأصل اللطم واقع بقدرة الله، وكونه طاعة لاَجل التأديب ومعصية لاَجل الاِيذاء، بقدرة العبد.


(1)الرازي: الاَربعون: 232 .

(175)

4. ونقل الاِيجي من الاَشاعرة عن أُستاذه انّه يقع بمجموع القدرتين العرضيتين حيث جوّزوا اجتماع المؤثرين على أثر واحد.

5. وقال إمام الحرمين الجويني بأنّ قدرة الله تتعلّق بقدرة العبد، وقدرة العبد تتعلّق بالفعل، فتكون القدرتان طوليتين .

6. وكأنَّ إمام الحرمين يصوّر القدرتين، قدرتين مستقلتين، غاية الاَمر إحداهما في طول الآخر، ولكن الحق، انه يقع بقدرة واحدة وهي قدرة العبد، وفي الوقت نفسه هي من مظاهر قدرته سبحانه لما ثبت من أنّ العبد وقدرته قائمان بالله فقدرته مظهر من مظاهر قدرته سبحانه في عالم الاِمكان.

ثم إنّ الاَشاعرة ومن لفّ لفّهم تمسّكوا في سلب تأثير قدرة الاِنسان، بأُمور تالية:

1. الهداية والضلالة بيد الله سبحانه، وليس للعبد دور فيهما حسب تضافر الآيات .

2. انّ الاِيمان والكفر من الاَُمور المقدّرة والمقضيّة، والقضاء والقدر سالبان للاختيار.


(176)

3. انّه سبحانه ربّما يختم على قلب الكافر والمنافق فلا يدخل فيه نور الاِيمان، كالآيات الواردة فيها لفظ: «الختم والطبع» إلى غير ذلك.

4. ما دلّ على أنّ السعادة والشقاء من الاَُمور الذاتية.

ونحن نرجىَ البحث عن هذه الدلائل النقلية إلى زمان الفراغ من بيان المناهج في تفسير أفعال الاِنسان، فتبصر.



(177)

مناهج الجبر

الجبر الفلسفي

1

الوجود يلازم الوجوب

قد عرفت أنّ للجبر مناهجَ مختلفة، فالجبر الاَشعري يعتمد على أسباب غيبيّة من كون أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه، أو انّ تعلّق علمه وإرادته الاَزليّين، يُضفِيان على الفعلِ وصفَ الوجوب، أو انّه لاتأثير لقدرة العبد في إيجاد الفعل فيكون الاِنسان في أفعاله مسيّراً، لا مخيّراً.

وأمّا الفلاسفة (1)فالآلهي منهم يعتمد في القول بالجبر على أصلين:

1. الوجود، يلازم الوجوب، وانّ الشيء ما لم يجب لم يوجد.


(1)المراد قسم منهم، لا كلّهم، ولا عامّة أصحاب الفلسفة المتعالية.

(178)

2. إنّ سمة الفعل الاختياري، هو كونه مسبوقاً بالاِرادة، ولكن الاِرادة ليست أمراً إرادياً، والاِ لتسلسل، فيكون أمراً اضطرارياً، فيصير الفعل مثلها، لاَنّ معلول الاَمر الاضطراري اضطراريّ مثله وليس باختياري، فيلزم علينا دارسة الاَصلين مادة واستنتاجاً فنقول:

لا غبار على القاعدة، وانّ وجود الشيء ملازم لوجوبه ، وهو مفاد القاعدة الفلسفية المعروفة من: «انّ الشيء، ما لم يجب لم يوجد». وهي قاعدة محقّقة مبرهنة، ولكن استنتاج الجبر منها فكرة خاطئة، ومغالطة واضحة، حصلت من خلط الفاعل الموجِب، بالفعل الموجَب بالفتح، وسيتضح الخطأ في الاستنتاج.

أمّا برهان القاعدة: بإجماله: فهو انّ وجود الشيء رهن سدّ باب العدم على وجهه بالقطع والبت، حتى يكون وجوده على وجه الوجوب ولكي ينقطع السؤال بأنّه لماذا وجد، ولم ينعدم؟

توضيح البرهان:

إنّ نسبة الممكن سواء كان جوهراً أو عرضاً، إلى الوجود والعدم متساوية، فليس في ذاته اقتضاءُ الوجود ولا اقتضاءُ


(179)

العدم، وإلاّ صار إمّا واجبَ الوجود أو ممتنعه. مع أنّ المفروض انّه ممكن الوجود، فلخروجه عن حدِّ الاستواء، يحتاج إلى عامل خارج عن ذاته يسوقه إلى أحد الجانبين، لكن عدم العلّة، كاف في السوق إلى جانب العدم ولا يتوقف على علّة العدم حتى يُضفِي عليه وصفَ العدم، إذ العدم بطلان محض، وظلمة بحتة، فعدم الوجود لعامل الوجود والنور كاف في بقاء النهي على بطلانه، وظلمته. وأمّا جانب الوجود، فهو يتوقف على سببٍ وجوديّ، يُخرِجه من البطلان إلى الحق، ومن الظلمة إلى النور وهذا هو الاَصل المسلّم بين جميع الفرق، من حاجة الممكن إلى العلّة، وانّ الترجّح بلا مرجّح أمر باطل مخالف للفطرة، وهو من القضايا البديهية عند العقل، لا من الاَُمور التجريبية كما أوضحناها في بحوثنا الفلسفية، لاَنّ التجربة ومشاهدة انّ كلّ حادثٍ لا يتحقّق إلاّ بعد تحقّق شيَ آخر قبله، لا تثبت إلاّ تقارن الاَمرين واتفاقهما معاً؛ وأمّا أنّ الثاني ناشىَ من الاَوّل، ومفاض منه، فهذا مالا تعطيه التجربة، ولاَجل ذلك عجز من اعتمد على التجربة في إثبات المفاهيم الكلّية الفلسفية، عن إثبات قانون العليّة فأنكره أو شكّ فيه، وأمّا نحن فنراه من الاَُمور البديهيّة الواضحة لدى العقل، وانّه يحكم بالبداهة انّ الفقدان لا يكون منشأ للوجدان، وانّ فاقد الشيء


(180)

لا يكون معطيه.

وبعد الاتفاق على هذا الاَصل من عامّة الطوائف، هناك اختلاف بين المتكلّمين والفلاسفة، وهو أنّه هل يكفي مجرّد ترجيح جانب الوجود، أو يجب أن يصل الترجيح إلى مرحلة الوجوب، بحيث يمتنع جانب العدم ولو امتناعا بالغير؟ فغالب المتكلّمين على الاَوّل، والفلاسفة على الثاني، وهو الحق، لاَنَّ المعلول ما لم يصل إلى حد الوجوب يكون باب العدم مفتوحاً عليه كباب الوجود، فيطرح السؤال لماذا وجد مع انفتاح باب كل من الوجود والعدم إذ المفروض انّ المرجّح، لم يسدّ بابَ العدم على وجه القطع بل كان باب كلٍّ منهما بعدُ مفتوحاً على الشيء، وان ترجّح جانب الوجود، ولكن الاَولوية العارضة على جانب الوجود لم تسدّ باب العدم؟

هذا هو برهان القاعدة، لا ما ذكره المحقّق الخوئي1 من أنّ هذه القاعدة ترتكز على مسألة التناسب والسنخية بين العلّة والمعلول، فإنّ وجود المعلول ـ كما تقدم ـ مرتبة نازلة من وجود العلّة وليس شيئاً اجنبياً عنه، وعلى هذا فطبيعة الحال: انّ وجود المعلول قد أصبح ضرورياً في مرتبة وجود العلّة لفرض انّه متولّد منها، ومستخرج من صميم ذاتها وواقع مغزها وهذا


(181)

معنى احتفاف وجود الممكن، بضرورة سابقة(1)

والمتتبع لمظان القاعدة وما أقاموه برهاناً، على صحتها يقف على أنّ الوجه غير ذلك، حتى أنّ تفسير قولهم: «الممكن محتف بالضروريات» بما ذكره1 خاطىَ جداً. فلاحظ شرح المنظومة والاَسفار.

ولك أن تستوضح الحال من العلّة المركبة، فإنّ وجود المعلول رهن جميع أجزاء العلّة، لاَنّ فقدان كل جزء من أجزاء العلّة طريق لعدم المعلول، ويهدِّد وجوده فلا يُوجد، إلاّ بوجود جميع الاَجزاء، وعند ذاك يسدّ جميع أبواب العدم في وجه المعلول، ويصير واجب الوجود من جانب العلّة. وإلاّ فلو افترضنا عندئذ احتمال تطرق العدم لزم أن لا يكون ما افترضناه علّة تامة، كذلك، وهو خلف، فإذا كانت علّة تامة وكانت أبواب العدم مسدودة، صار الفعل قطعيَّ الوجود وواجبه.

ولاَجل ذلك يقال: الشيء ما لم يجب وجوباً مفاضاً من جانب العلّة لم يوجد، ولكن استنتاج الجبر منه غريب جداً، وذلك إذ لا ملازمة بين وجوب الفعل وكون الفاعل له فاعلاً موجَباً، بل النسبة بين الاَمرين عموم مطلق، فإنّ كل فاعل


(1)المحاضرات: 2 | 58 .

(182)

موجب ـ بالفتح ـ ففعله واجب أيضاً، ولا عكس، إذ من الممكن أن يكون الفعل واجباً، ولكن العلّة لكونه فاعلاً مختاراً بالذات، يضفي بالاختيار للفعل وصفَ الوجوب فيكون الفعل واجباً، دون أن يكون الفاعل موجَباً.

وبعبارة أُخرى: العلّة التي توجب الفعلَ لو كانت فاعلاً غير شاعر ولا مختارٍ أو شاعراً غير مختار، كان لما ذكر مجال، إذ عندئذٍ يكون فاعلاً موجَباً ـ بالفتح ـ وموجباً ـ بالكسر ـ بالاضطرار.

وأمّا إذا كان فاعلاً شاعراً مختاراً، فهو باختياره يُضفي الوجوبَ للفعل، ويسدّ أبواب العدم بحريته ويجعله واجب الوجود، فلا يدل وجوب الوجود للفعل على كونه فاعلاً موجَباً. واستنتاج الجبر من القاعدة مغالطة حصلت من خلط الفاعل الموجب بالكسر بالفاعل الموجب.