welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : لبُّ الاَثر في الجبر و القدر*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

لبُّ الاَثر في الجبر و القدر

(127)

الاَمر
بين الاَمرين

دراسة موضوعية
في
المناهج الثلاثة

الجبر، التفويض، و الاَمر بين الاَمرين

تأليف

المحقّق الخبير
جعفر السبحاني


(128)

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الاِمام الصادق - عليه السّلام- :

« إن الله أكرمُ من ان يكِّلف النّاس ما لا يطيقون . والله اعزّ من ان يكون في سلطانه ما لا يريد »(1)

ولله درُّ الشهيد السعيد : زين الدين العاملي - قدس سره- في قوله:

لقد جاء في القرآن آيةُ حكمةتدمِّر آيات الضلال ومن يُجْبر

وتخبر أن الاخيتار بأيدينافمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر


(1)بحار الاَنوار ج 5 | 41 .

(129)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيّه وخير خلقه محمد وآله الطاهرين، وعلى عباد الله الصالحين.

أمّا بعد ؛

فإنّ مسألة الجبر والتفويض من المسائل الشائكة التي شغلت بال كثير من الحكماء والمفكّرين عبر القرون، وهي تعد من أبرز وأهم المسائل الكلامية والفلسفية، وقد تناولها المحقّق الخراساني بالبحث استطراداً في مبحث وحدة الطلب والاِرادة ممّا حدا بكثير من الاَُصوليين إلى أن ينهجوا منهجه ويتناولوا الموضوع بمزيد من البحث والاِمعان.

ولمّا انتهت محاضراتنا في بيان معنى هيئة الاَمر إلى وحدة


(130)

الطلب والاِرادة انجرَّ الكلام إلى تلك المسألة، فطلب منّي روّاد العلم الغور فيها حسب ما يليق بحالها، وكنت قد أفردت تلك المسألة بالتأليف في سالف الدهر ممّا حدا بي لاِعادة النظر فيها بإضافة أبحاث جديدة.

فها نحن نقدم إلى القرّاء الكرام رسالة وافية في ذلك الموضوع عسى ان ينتفع بها المعنيون بتلك الاَبحاث.

نسأله سبحانه أن يجعلها ذخراً ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم.

وكتابنا هذا يشتمل على مقدمة وفصول.

جعفر السبحاني

قم المقدسة


(131)

المقدمة

المسائل المهمة في حياة الاِنسان

إنّ الوقوف على موقف الاِنسان في الكون وانّه هل هو مخيّر أو مسيّر من المسائل الفلسفيّة التي يجنح إلى البحث فيها، المفكّرون الاَعاظم، وهو في الوقت نفسه، ممّا تشتاق إلى فهمها عامة الناس حتى البسطاء والعاديّين منهم، وهي إحدى المسائل الاَربع التي يتطلّع إلى فهمها الاِنسان، وهي:

1. من أين جاء إلى الدنيا؟

2. لماذا جاء إليها؟

3. إلى أين يذهب ؟

4. وهل هو في أعماله مخيّر ومسيّر ؟

ولاَجل ذلك لا يمكن تحديد الزمن الذي طرحت فيه مسألة الجبر والاختيار، وإنّها حدّثت في أيّ قرن من القرون الميلادية أو قبلها، وانّ باذرها هل هو إغريقي، أو رومي، أو هندي، أو


(132)

صيني، أو إيراني؟

الاَقوال في المسألة لا تتجاوز الثلاثة:

ألف: انّه مسيّر، والحاكم عليه الجبر .

ب: انّه مفوّض إليه، والحاكم عليه الاختيار المطلق.

ج : لا مسيّر ولا مفوّض، بل أمر بين ذلك.

ولكل من الجبر والتفويض مناهج تتحد في النتيجة وتختلف في طريق البحث وإقامة البرهان.

مناهج الجبر :

أمّا شقوق الجبر ومناهجه، فالاختلاف في المنهج مع الاتفاق في النتيجة يستند إلى الاختلاف في بعض الاَُصول الفلسفية، فالمتكلم القائل بالجبر يُسنده إلى فاعل أعلى وهو الله سبحانه، لكن المادّي المنكر لما وراء المادة القائل بالجبر يُسنده إلى عوامل مادية تحيط بالاِنسان وتحدّد طريقه، وهي: «الوراثة» و «التعليم» و «البيئة».

كما أنّ الفيلسوف الاِلهيّ القائل بالجبر، تارة يسنده إلى إرادة الاِنسان، وأَنّها أمر غير اختياري، فيكون الفعل المراد مثلها ؛ وأُخرى إلى الاِرادة الاَزلية، لانتهاء جميع العلل الطولية إلى ذاته، فيكون النظام وفيه الاِنسان وفعله واجبَ التحقّق، وضروريَّ


(133)

الكون، لاستنادها إلى ذات الواجب ؛ وثالثة إلى قاعدة: «الشيء مالم يجب لم يوجد» قائلاً بأنَّ «الوجوب والاختيار متضادان لا يجتمعان».

وبذلك ظهر انّ للجبر مناهج ثلاثة:

1. منهج المتكلم الاِلهي.

2. منهج العالم المادي.

3. منهج العالم الفلسفي .

ولكلٍّ، أدلّة وبراهين، تلزم دراستها بدقّة.

مناهج التفويض :

إنّ للتفويض منهجين وإن كانا متحدين في النتيجة، فالاِلهي القائل بأنّ الله سبحانه فوّض فعل الاِنسان إليه وليس له فيه أيّ صنع، فهو مستقل في عمله وفعله، بلا حاجة إلى علّة فوقه، له منهج، يغاير منهج بعض الغربيّين (الوجوديّين) القائلين بأنّ الاِنسان يتكون بلا لون ولا ماهية، وانّه يفتح عينيه على الكون بلا خصوصية وكيفية، وانّما يكتسبها بإرادته وفعله، إذ لو ظهر على صفحة الوجود مع الخصوصية لزم كونه مجبوراً ومقهوراً لها.


(134)

فالمعتزلي ينطلق من مبدأ العدل، ولصيانة عدله سبحانه ذهب إلى التفويض؛ والوجودي ينطلق من تكون الاِنسان بلا لون، ونتيجته أنّه مخيّر على الاِطلاق.

نعم للقول بالاَمر بين الاَمرين منهج واحد، ويستند في حكمه عن الكتاب والسنّة والعقل، ولاَجل إيضاح الحال، نحقّق المسألة في ضمن فصول.

جبر المتكلّم الاِلهي: الاَشعري

إنّ الاِمام الاَشعري وإن كان لا يتظاهر بالجبر، لكن الاَُصول التي اعتمد عليها، لا تنتج ـ حسب تفسيره ـ إلاّ الجبر، وإليك تلك الاَُصول:

1. أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه.

2. علمه الاَزلي بصدور الفعل عن العباد.

3. إرادته الاَزلية المتعلّقة بأفعال العباد.

4. إنّ الايمان والكفر من الامور التي تعلق بها القضاء والقدر.

5. كون الهداية والضلالة بيده سبحانه .

6. الختم والطبع على القلوب.

وإليك دراسة أدلّة ذلك المنهج من الجبر .


(135)

الفصل الاَوّل

في
مناهج الجبر


(136)

(137)

الجبر الاَشعري

1

أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه

هذه المسألة تنطلق من القول بالتوحيد في الخالقية، وانّه لا خالق إلاّ إيّاه، من غير فرق بين الذوات والاَفعال.

لا شك انّ هذا الاَصل من أُصول التوحيد وشعبه، لكن الكلام في كيفية تفسيره. فقد فسّرته الاَشاعرة بإنكار وجود أيّ تأثير أصيل أو تبعيّ لغيره سبحانه، وقالوا بوجود علة تامة قائمة مكان جميع العلل والاَسباب، فلا تأثير لاَيّ موجود سوى الله، فهو الخالق الموجد لكل شيء حتى فعل الاِنسان.

يقول الاَشعري: إنّه لا خالق إلاّ الله، وإنّ أعمال العبد مخلوقة لله مقدّرة، كما قال: (واللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون)(1)وانّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً وهم يُخلقون، كما قال سبحانه: (هَلْ


(1)الصافات: 96 .

(138)

مِن خَالِقٍ غَيْرُ الله)(1)

وقد أوضح الشريف الجرجاني عقيدة الاَشاعرة في «شرح المواقف» حيث قال: إنّ أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله سبحانه وحدها وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل الله سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختياراً، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارناً لهما، فيكون فعل العبد مخلوقاً لله إبداعاً وإحداثاً ومكسوباً للعبد، والمراد بكسبه إيّاه مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلاًّ له. هذا مذهب الشيخ أبي الحسن الاَشعري(2)

يلاحظ على هذا التفسير:

1. انّ هذا الرأي خلاف الفطرة الاِنسانية وخلاف ما يجده كل إنسان في قرارة نفسه، حيث يعتقد بأنّ للاَشياء كالعقاقير والنباتات آثاراً يُتداوى بها، ولا معنى لخلق ذلك العلم الخاطىَ والباطل في نفوسنا، ولا فائدة له سوى الاِغراء بالجهل، وهو قبيح شرعاً. كما هو قبيح عقلاً. والاَشعري وإن لم يكن قائلاً بالحسن والقبح العقليين لكنّه يقول بهما شرعاً.


(1)فاطر : 3 .

(2)شرح المواقف: 8 | 146.

(139)

2. انّ حصر التأثير الاَعم من الاَصلي والتبعيّ في الله سبحانه، مخالف للبرهان الفلسفي، لاَنّ حقيقة الوجود في عامة المراتب، حقيقة واحدة، والشدّة في الواجب ليست أمراً وراء الوجود، كما أنّ الضعف في الممكن، ليس إلاّ حداً له، وليسا أمرين منضمّين إليه، فالمراتب كلّها وجودات بين شديد، وغير شديد، وليس في الدار سوى الوجود ديّار، فإذا ثبت التأثير لمرتبة عليا منه، لكونها وجوداً، ثبت للمراتب الدنيا، لكن حسب ما يناسب شأنها، فإنّ حقيقة الوجود في جميع المراتب واحدة، والخصوصيات فيها راجعة إلى الوجود أيضاً، لا لشيء آخر، كالماهية والعدم، والمفروض اتحاد حقيقة الوجود في جميع المراتب، فيلزم أن يكون أثره محفوظاً في جميعها.

وليس لك أن تقول إنّ الاَثر راجع إلى الشدّة، وهي منتفية في الوجودات الاِمكانية، وذلك لما عرفت من أنّ الشدّة ليست أمراً وراء الوجود، غاية الاَمر تختلف آثار المراتب شدة وضعفاً حسب اختلاف مراتب متبوعها ومؤثراتها، ولذلك نرى أنّه سبحانه يثبت التسبيح العلمي لا التكويني لجميع المراتب ويقول: (تُسَبّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والاَرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإن مِن شَيءٍ


(140)

إلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِن لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُورا)(1)

ولو كان المراد هو التسبيح التكويني لما صح قوله: (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) لاَنّ التكويني منه ليس إلاّ دلالة نظام كل موجود، على كون الخالق عالماً وقادراً وحكيماً وهذا ما يفهمه أكثر الناس.

3. انّ سلب التأثير المطلق عن العلل والاَسباب الاِمكانية خلاف ما نطق به الذكر الحكيم، حيث إنّه يعترف بتأثيرها في مسبباتها بإذن منه سبحانه قال: (الّذي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ فِراشاً والسَّماءَ بِناءً وأنزَلَ مِنَ السّماءِ مَاءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الَّثمرِاتِ رِزْقاً لَكُم)(2) فإنّ الباء في (به)للسببية نظير قوله سبحانه: (وفِي الاَرْضِ قِطَعٌ مُتجاوِراتٌ وجَنّاتٌ مِن أعنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنوانٌ وغَيرُ صِنْوانٍ يُسْقَى بماءٍ واحدٍ ونُفَضّلُ بَعْضَها عَلَى بَعْضٍ في الاَُكُلِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون)(3)

والآية ترشدنا إلى أنّ وراء النظام المادّي، قدرة غيبية، وليس العالم قائماً بذاته، فاعلاً ومتفاعلاً بنفسه، وذلك لاَنّا نرى أنّ أرضاً واحدة بصورة (قطع متجاورات)بعضها في جانب بعض، (يسقى بماء واحد)ينبت فيها أشجار متنوعة، وتعطي فواكه


(1)الاِسراء: 44 .

(2)البقرة: 22 .

(3)الرعد: 4 .

(141)

مختلفة متفضّلة بعضها على بعض في الاَكل، ولو لم يكن وراء الجهاز المادي، قدرة غيبية مؤثرة، لما اختلفت الاَشجار ولما تنوّعت فواكهها، مع وحدة الاَسباب المادية.

فالآية في ضمن الاعتراف بتأثير العلل المادية تقودنا إلى عدم الاعتراف بكفايتها في التحوّل، وغنائها عن سبب غيبي في تدبيرها .

إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على تأثير العلل والاَسباب، لكن كلّها بإذن ربّها، لاَنّها جنوده في عالم المادة: (وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إلاّ هُو)(1)

تحليل ما استدلّ به الاَشعري من الآيتين

استدل الاَشعري في ثنايا كلامه بآيتين.

إحداهما: قوله سبحانه: (واللهُ خَلَقكُمْ ومَا تَعْمَلُون)(2)

إلاّ أنّ الكلام في تفسير (ما) في (ما تعملون)فهل هي مصدرية أو موصولة؟

والاستدلال مبني على كونها مصدرية، بمعنى انّ الله خلقكم وعملكم، ولكن مقتضى السياق انّها موصولة، بقرينة ما قبله:


(1)المدثر: 31.

(2)الصافات: 96 .

(142)

(أتَعْبُدُونَ مَا تَنحِتُونَ * واللهُ خَلَقَكُمْ وَما تعْمَلُون) وحيث إنّ المراد من الموصول في الآية الاَُولى، هو الاَوثان والاَصنام، يكون المراد منها في الآية الثانية هو ذلك أيضاً، ويريد الخليل - عليه السّلام- بكلامه هذا تنبيه الوثني الجاهل بأنّه وما يعبده كلاهما مخلوق لله سبحانه، فلماذا تركتم الاَصل والمبدأ وأخذتم بالفرع؟ لماذا تعبدون الفقير المتدلّي القّائم بالله، وتتركون عبادة الخالق الكبير المتعال؟ وعندئذ لا صلة للآية بما يرتئيه الاَشعري.

ثانيتهما: قوله سبحانه: (ياأيُّها النّاسُ اذكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُم هَلْ مِن خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُم مِنَ السّماءِ والاَرضِ لاَ إلهَ إلاّ هُوِ فأَنَّى تُؤْفَكُون)(1).

يلاحظ عليه: أنّ الآيات الدالّة على حصر الخالقية بالله سبحانه كثيرة(2).

لكن المهم هو الوقوف على ما تهدف إليه الآيات، فإنّ لهذا القسم منها احتمالين، لا يتعين أيّ منهما إلاّ باعتضاده بالآيات الاَُخر، ودونك الاحتمالين:


(1)فاطر: 3 .

(2)لاحظ الاَنعام: الآيتان 101 و 102، والحشر: 24، والاَعراف: 54.

(143)

أ: حصر الخلق والاِيجاد على وجه الاِطلاق بالله سبحانه ونفيه عن غيره بتاتاً على وجه الاستقلال والتبعية، وهذا ما تتبناه الاَشاعرة.

وترده الآيات الدالة على أنّ للعلل الطبيعية دوراً في عالم الوجود بإذن الله سبحانه.

كقوله سبحانه: (أنّي أخْلُقُ لكُم مِنَ الطِينِ كَهيَئَةِ الطير فأنفُخُ فيِهِ فيكُونُ طَيراً بإذن الله)(1)

وقوله سبحانه: (فَتَباركَ الله أحْسَنُ الخَالِقيِن)(2)وغير ذلك من الآيات الدالة على تأثير العوامل الطبيعية بإذنه(3)

ب : انّ الخالقية المستقلة النابعة من الذات غير المعتمدة على شيء، منحصرة بالله سبحانه، ولكن غيره يقوم بأمر الخلق والاِيجاد بمشيئته وإرادته، والكل جنود الله سبحانه. ويدلّ على هذه النظرية الآيات التي تثبت للموجودات تأثيراً وللاِنسان دوراً في أفعاله.

ونزيد بياناً : انّ الآيات الواردة حول أفعال الاِنسان على قسمين، قسم يعد الاِنسان عاملاً فاعلاً لاَفعاله، وقسم ينسب


(1)آل عمران: 49 .

(2)المؤمنون: 14 .

(3)السجدة: 27، النور: 34 .

(144)

قسماً من الاَفعال إلى الاِنسان.

فمن القسم الاَوّل قوله سبحانه: (وقُلِ اعمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤُمِنُون)(1)

وقوله سبحانه: (أطِيعُوا اللهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاّ تُبْطِلُوا أَعْمالَكُم)(2).

وقوله سبحانه: (وأن لَيسَ للاِنَسانِ إلاّ مَا سَعَى * وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى)(3)

وأمّا القسم الثاني: فحدّث عنه ولا حرج، فقد نسب في الذكر الحكيم كثيراً من الاَفعال إلى الاِنسان، كالجهاد، والاِنفاق، والاِحسان، والسرقة، والتطفيف، والكذب، وغير ذلك من صالح الاَعمال وطالحها.

فعل واحد ينسب إلى الله وإلى العبد معاً

هناك قسم ثالث من الآيات ينسب فيها الله سبحانه وتعالى الفعل الواحد إلى نفسه، وإلى عبده، وذلك في ضمن آيتين أو آية واحدة.


(1)التوبة: 105 .

(2)محمد: 33 .

(3)النجم: 39 ـ 40 .

(145)

1. يقول سبحانه: (إنّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوّةِ المَتيِن)(1)فيخص الرازقية بنفسه بشهادة تقدم الضمير المنفصل (هو). وفي الوقت نفسه يأمر الاِنسان بالقيام بالرزق بالنسبة إلى من تحت يده ويقول:(ولا تُؤتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الّتي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقوُهُمْ فِيها واكْسُوهُمْ وقُولُوا لَهُم قوْلاً مَعْرُوفا)(2)

2. يقول سبحانه: (أفَرَأيْتُم مَا تَحْرُثُونَ * ءَأنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزَّارِعُون)(3).

فيخص الزارعية بنفسه وذلك معلوم من سياق الآيات. وفي الوقت نفسه يعد الاِنسان زارعاً ويقول: (كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْئَهُ فَآزَرَهُ فَاستَغْلَظَ فَاستَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ)(4) فكيف تجتمع هذه النظرة الوسيعة مع الحصر السابق؟

3. يقول سبحانه: ( كَتَبَ اللهُ لاََغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي)(5)

فينسب الفعل الواحد وهو الغلبة في وقت واحد إلى نفسه ورسله.

4. يقول سبحانه: ( إن تَنْصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أقْدَامَكُم)(6)


(1)الذاريات: 58 .

(2)النساء: 5 .

(3)الواقعة: 63 ـ 64 .

(4)الفتح: 29 .

(5)المجادلة: 21 .

(6)محمد: 7 .

(146)

فيعد نفسه ناصراً، وفي الوقت نفسه يعدّ المؤمنين ناصرين أيضا.

5. يقول سبحانه: ( وإذ تَخْلُقُ مِنَ الِطّينِ كَهَيْئةِ الطّيْرِ بإذْنِي فَتَنفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيراً بِإذني وتُبْرِىَُ الاَكْمَهَ والاَبْرَصَ بِإذنِي وإذ تُخْرِجُ المَوْتَى بِإذْنِي)(1) ترى أنّه سبحانه ينسب أمر الخلق إلى رسوله بصراحة، حتى أنّ الرسول يصف نفسه به ويقول: (أنّي أخْلُقُ لكُم مِنَ الطّين كَهَيْئةِ الطّيْر)(2)ومع ذلك انّ القرآن الكريم يخصّ الخالقيّة بالله سبحانه في كثير من الآيات التي تعرّفت عليها، ولا يحصل الجمع بين هذه الآيات إلاّ بالقول بأنّ الخالقية النابعة من الذات غير المعتمدة على شيء تختص به سبحانه، ومثله سائر الاَفعال من الرزق والزرع والغلبة والنصرة، فالكل بالمعنى السابق مختص به سبحانه لا يعدوه، لاَنّها من خصائص الواجب ولا يوصف بها الممكن.

وأمّا الفعل المعتمد على الواجب، المستمد منه فهو من شأن العبد يقوم به بإقدار منه سبحانه وإذنه. ولاَجل ذلك يكرّر سبحانه لفظة: (بإذني)أو: ( بإذن الله) في الآيات المتقدّمة، وهذا واضح لمن عرف ألفباء القرآن. والاَشعري ومن تبعه قصّروا


(1)المائدة: 11 .

(2)آل عمران: 49 .

(147)

النظر على قسم واحد، وغفلوا عن القسم الآخر، ولا يقف على ذلك إلاّ من فسّر الآيات تفسيراً موضوعياً.

إضف إلى ذلك انّه لم ترد في اللغة العربية نسبة الخلق الى الفعل فلا يقال خلق الاَكل والشرب، والضرب، وانما يستخدم في تلك الموارد نفس الفعل: أكل، أو شرب، أو لفظ الفعل فيقال «فعل الاَكل» فأعمال الاِنسان خارجة عن حريم الآيات الحاصرة فلاحظ.

القول بالكسب غير ناجح

لمّا رأى الاِمام الاَشعري وأتباعه، انّ ما اختاره من خلق الاَعمال يؤدّي إلى الجبر، وان يكون الاِنسان مسيّراً لا مخيّراً، عاد إلى القول بأنّ الله خالق والاِنسان كاسب، والثواب والعقاب للكسب.

ونظرية الكسب في عقيدة الاَشعري من اللغز، وهذه النظرية. كالقول بالاَحوال لاَبي هاشم، والطفرة للنظام من اللغز الّذي لا يقف على مرماه أحد، وقال الشاعر:

مما يقال ولا حقيقة عنده * معقولة تدلو إلى الافهام


(148)

الكسب عند الاَشعري والحال * عند البهشمي وطفرة النظام(1)

وأوضح تفسير له ما ذكره الفاضل القوشجي وقال: المراد بكسبه إيّاه مقارنة الفعل لقدرة الاِنسان من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلاً له.(2)

يلاحظ عليه: إذا كان دور العبد، هو دور المقارنة بلا تأثير لقدرته وإرادته، فلماذا كان هو المسؤول عن فعل الغير؟

وإخيراً نسأل عن الفرق بين تلك الحركة والحركة الاضطرارية مع انّا نجد الفرق الواضح بين الحركتين.

ولاِجل ذلك ذهب المحقّقون من الاَشاعرة في العصر الحاضر إلى إنكار الكسب، ومالوا إلى القول بتأثير إرادة العبد وقدرته، وقد ذكرنا كلماتهم في الاِلهيات فراجع.(3)

وقال الاِمام الرضا - عليه السّلام- فيما كتبه إلى المأمون من محض الاِسلام: «إنّ أفعال العباد مخلوقة لله خلق تقدير، لا خلق تكوين، والله خالق كل شيء ولا نقول بالجبر والتفويض...»(4)


(1)الخطيب عبد الكريم المصري: القضاء والقدر: 185 .

(2)شرح التجريد : 445 .

(3)الاِلهيات: 2 | 281 ـ 282 .

(4)الصدوق: عيون أخبار الرضا: 2 | 121، لاحظ البحار ج 8 6 | 262 .

(149)

مناهج الجبر

الجبر الاَشعري

2

تعلّق علمه الاَزلي بأفعال العباد

هذا هو الاَصل الثاني الذي اعتمد عليه أتباع الشيخ الاَشعري.

بيانه: أنَّ ما عَلِم الله سبحانه وجودَه من أفعال العباد، فهو واجب الصدور، وما عَلِم عدمهَ فهو ممتنع الصدور منه، وإلاّ انقلب علمه جهلاً، وليس فعل العبد خارجاً عن كلا القسمين، فيكون إمّا ضروريّ الوجود أو ضروريّ العدم، ومعه لا مفهوم للاختيار، إذ هو عبارة عمّا يجوز فعلُه وتركه، مع أنّ الاَوّل لا يجوز تركه، والثاني لا يجوز فعله .

وقد وقع هذا الدليل عند الرازي موقع القبول، وقال: ولو اجتمع جملة العقلاء لم يقدروا على أن يوردوا على هذا الوجه


(150)

حرفاً إلاّ بالتزام مذهبِ هشام: وهو أنّه تعالى لا يعلم الاَشياء قبل وقوعها.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما نسبه إلى هشام بن الحكم فرية عليه، ولو صحّت نسبته إليه فيرجع إلى عصر شبابه عندما كان جهميّاً قبل أن يلتحق بالاِمام الصادق - عليه السّلام- ، وإلاّ فبعد استبصاره وتعلّمه على يدي الاِمام يرى ما يراه الاِمامية، من علمه سبحانه بالاَشياء قبل الخلقة تفصيلاً: وهذا الاِمام أمير المؤمنين - عليه السّلام- يصفه سبحانه بقوله: «كلُ عالم فمِن بعدِ جهلٍ يعلم، والله لم يجهل ولم يتعلّم، أحاط بالاَشياء علماً قبل كونها، فلم يزدد بكونها علماً، علمه بها قبل أن يكِّونها، كعلمه بها بعد تكوينها»(2)

وثانياً: أنّ الاِجابة عن الاستدلال ليست على النحو الذي زعمه الرازي وتخيّل انّ الثقلين لو اتفقوا لا يقدرون على نقده، واليك بيانه:

انّ علمه الاَزلي لم يتعلّق بصدور كل فعل عن فاعله على وجه الاِطلاق، بل تعلّق علمه بصدور كل فعل عن فاعله حسبَ الخصوصيات الموجودة فيه. وعلى ضوء ذلك تعلّق علمه الاَزلي بصدور الحرارة من النار على وجه الجبر، بلا شعور، كما


(1)الشريف الجرجاني: شرح المواقف: 8 | 155 .

(2)الصدوق: التوحيد: 43 .

(151)

تعلّق علمه الاَزلي بصدور الرعشة من المرتعش، عالماً بلا اختيار، ولكن تعلّق علمه سِبحانه بصدور فعل الاِنسان الاختياري منه بقيد الاختيار والحرية. فتعلّق علمه بوجود الاِنسان وكونه فاعلاً مختاراً، وصدور فعله عنه اختياراً ـ فمثل هذا العلم ـ يؤكد الاختيار ويدفع الجبر عن ساحة الاِنسان.

وإن شئت قلت: إنّ العلّة إذا كانت عالمة شاعرة، ومريدة ومختارة كالاِنسان، فقد تعلّق علمه بصدور أفعالها منها بتلك الخصوصيات وانصباغ فعلها بصبغة الاختيار والحرية. فلو صدر فعل الاِنسان منه بهذه الكيفية لكان علمه مطابقاً للواقع غير متخلّف عنه ؛ وأمّا لو صدر فعله عنه في هذا المجال عن جبر واضطرار بلا علم وشعور، أو بلا اختيار وإرادة، فعند ذلك يتخلّف علمه عن الواقع.

ونقول توضيحاً لذلك: إنّ الاَعمال الصادرة من الاِنسان على قسمين: قسم يصدر منه بلا شعور ولا إرادة، كأعمال الجهاز الدمويّ، والجهاز المعويّ، وجهاز القلب، والاَحشاء، التي تتسم في أفعال الاِنسان بسمة الاَعمال الاضطرارية، غير الاختيارية.


(152)

وقسم آخر يصدر منه عن إرادة واختيار. ويتّسم بسمة الاَعمال الاختيارية غير الاضطرارية، كدراسته، وكتابته، وتجارته، وزراعته.

وعلى ما سبق من أنّ علم الله تعالى تعبير عن الواقع بما لا يتخلّف عنه قيدَ شعرة، فيتعلَّق علم الله بها على ما هي عليه من الخصائص والاَلوان. فتكون النتيجة أنّه سبحانه يعلم من الاَزل بصدور فعل معين في لحظة معينة من إنسان معين إمّا بالاضطرار، أو الاِكراه، أو بالاختيار والحرية، وتعلّق مثل هذا العلم لا يُنتِجُ الجبر، بل يلازم الاختيار. ولو صدر كل قسم على خلاف ما اتّسم به لكان ذلك تخلّفاً عن الواقع.

انّ ما ذكرناه من الجواب هو المفهوم من كلمات المحقّقين من علمائنا:

1. قال صدر المتألّهين: إنّ علمه وإن كان سبباً مقتضياً لوجود الفعل من العبد، لكنه انّما اقتضى وجوده وصدوره المسبوق بقدرة العبد واختياره وإرادته، لكونها من أسباب الفعل وعلله، والوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار بل يحقّقه.


(153)

والعجب انّ الرازي قد تنبّه لما ذكرناه في بعض كتبه حيث يقول في «المباحث المشرقية»: من قضاء الله وقدره، وقوع بعض الاَفعال تابعاً لاختيار فاعله، ولا يندفع هذا إلاّ بإقامة البرهان على ان لا مؤثر في الوجود إلاّ هو(1)

وما زعمه الرازي دافعاً لما ذكره أوّلاً ناشىَ عن حصر التأثير الاستقلالي والتبعيّ بالله سبحانه، وقد عرفتَ خلافه وانّ الوجود بعامّة مراتبه ليس منفكاً عن التأثير غاية الاَمر، لكلّ مرتبة تأثير، حسب مراتبه ودرجاته، ونحن في الوقت الذي نؤمن بأنّه لا مؤثر في الوجود إلا الله، نؤمن بتأثير عامة الفواعل في الوجود بإذن الله سبحانه.

2. قال العلاّمة الطباطبائي: إنّ العلم الاَزلي متعلّق بكل شيء على ما هو عليه، فهو متعلّق بالاَفعال الاختيارية بما هي اختيارية، فيستحيل أن تنقلب غيرَ اختيارية، وبعبارة أُخرى: المقضيّ، هو ان يصدر الفعل عن الفاعل الفلاني اختياراً، فلو


(1)لاحظ: الاَسفار: 6 | 385 ـ 387 .

(154)

انقلب الفعل من جهة تعلّق القضاء به، غير اختياريّ ناقض القضاءُ نفسَه.(1)

إجابة أُخرى عن الاستدلال بأنّ العلم تابع

إنّ المحقّق الطوسي أجاب عن الاستدلال بوجه آخر، قال في «التجريد»: والعلم تابع. وقال العلامة في شرحه على التجريد: إنّ العلم تابع لا يؤثر في إمكان الفعل.(2)

وأوضحه الشريف الجرجاني وقال: إنّ العلم تابع للمعلوم على معنى انّهما يتطابقان والاَصل في هذه المطابقة هو المعلوم. ألاترى أنّ صورة الفرس مثلاً على الجدار إنّما كانت على هذه الهيئة المخصوصة، لاَنّ الفرس في حد نفسه هكذا، ولا يتصوّر العكس، كما أنّ العلم بأنّ زيداً سيقوم غداً مثلاً انّما


(1)العلاّمة الطباطبائي: تعليقة الاَسفار: 6 | 318، ومعنى كلامه انّ القضاء لا يمكن أن يكون معارضاً للمقضيّ، والمقضي هو صدوره عن اختيار، ومعه كيف يمكن أن يعارضه القضاء ويخالفه؟

(2)العلاّمة الحلّي: كشف المراد: 308 ؛ ولاحظ أيضاً الفصل الخامس في الاعراض، المسألة الرابعة عشرة في أقسام العلم | 230، وقد فسّره العلاّمة الحلّي عند البحث عن الاعراض بكون العلم والمعلوم متطابقين بحيث إذا تصورها العقل، حكم بأصالة المعلوم في هيئة التطابق وانّ العلم تابع له وحكاية عنه.... وهذا التفسير يتفق مع ما فسّره الشريف الجرجاني، ومع الاعتراف بصحة التفسير، لكّنه لا يدفع الاِشكال كما ذكرنا.

(155)

يتحقّق إذا كان هو في نفسه بحيث يقوم فيه دون العكس، فلا مدخل للعلم في وجوب الفعل وامتناعه وسلب القدرة والاختيار، وإلاّ لزم أن لا يكون تعالى فاعلاً مختاراً لكونه عالماً بأفعاله وجوداً وعدما.(1)

يلاحظ عليه: أنّه خلط بين العلم الانفعالي الذي يكون المعلوم سبباً لحدوثه، كالعلم الحاصل من الاَشياء في النفس، والعلم الفعلي الذي هو سبب لوجود المعلوم، إمّا سبباً ناقصاً كعلم المهندس المقدِّر لبناء البيت، أو سبباً تاماً كتصوّر السقوط ممّن قام على شاهق.

وعلمه سبحانه ليس علماً انفعالياً من الخارج، وإلاّ يلزم عدم علمه مالم يتحقّق المعلوم في الخارج، وانّما هو علم فعلي، وهو في سلسلة العلل وان لم يكن علّة تامة في مجال الاَفعال الاختيارية للاِنسان ضرورة أنَّ للاِنسان دوراً في تحقّقها، فتكون المقايسة باطلة.

وبذلك يعلم ضعف قياس علمه سبحانه، بعلم المعلِّم بنجاح تلميذه في الاَفعال أو رسوبه بصورة قاطعة، فكما لا


()الشريف الجرجاني: شرح المواقف: 8 | 156.


(156)

يكون علمه بمصير تلميذه سالباً للاختيار عنه، فهكذا علمه سبحانه .

وجه الضعف وجود الفرق الواضح بين العلمين، إذ ليس علم المعلم في سلسلة العلل لنجاحه أو رسوبه وانّما هو يتكهّن بالعلم بمواهب التلميذ ومدى مثابرته في طريق التعلّم. وهذا بخلاف علمه سبحانه إذ هو عين ذاته، وذاته هو المصدر للعالم وما فيه، ولا يمكن فصل علمه عن سلسلة العلل، لاَنّ ذاته وعلمه واحد.

Website Security Test