welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : لبُّ الاَثر في الجبر و القدر*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

لبُّ الاَثر في الجبر و القدر

(70)

(71)

الفصل الرابع

شبهات وحلول


(72)

(73)

قد ظهر وجه الحقيقة وانكشف الفجر الصادق من بين ظلمات مدلهمّة، غير أنّ ثمة شبهات نذكرها تباعاً مع حلولها.

الشبهة الاَُولى: الاِرادة ليست اختيارية:

إنّ اختيارية الفعل، بمسبوقيتها بالاِرادة الحاصلة في ضمن مقدّماتٌ غير أنّا ننقل الكلام إلى نفس الاِرادة فهل اختياريتّها بإرادة ثانية فثالثة ولا ينتهي إلى حدّ فلازمه التسلسل، أو ينتهي إلى إرادة غير مسبوقة بإرادة أُخرى وهو إمّا إرادة الواجب تعالى، أو إرادة نفس الاِنسان الحاصلة بلا سبق إرادة، فيصبح الاِنسان مجبوراً في فعله لاَنّ المفروض أنّ الاِرادت التي انتهت إليها سائر الارادات غير مسبوقة بإرادة أُخرى؟

وقد أُجيبَ عن الاِشكال بأجوبة غير مقنعة، وإليك بيانها واحداً تلو الآخر:


(74)

الاَوّل للسيّد المحقق الداماد: وقد اجاب عنه السيّد المحقّق الداماد ونقلَه صدر المتألّهين في الاَسفار وهذا لفظه: إذا انساقت العللُ والاَسبابُ المترتّبة المتأديّة بالاِنسان إلى أن يتصوّر فعلاً ويعتقد فيه خيراً ما، انبعث له تشوّق إليه لا محالة، فإذا تأكد هيجانُ الشوقِ واستتمّ نصاب إجماعه، تمّ قوام الاِرادة المستوجبةِ اهتزازَ العضلات والاَعضاء الادوية، فإنّ تلك الهيئة الاِرادية حالة شوقية إجمالية للنفس، بحيث إذا ما قيست إلى الفعل نفسِه، وكان هو الملتفتَ إليه بالذات، كانت هي شوقاً إليه وإرادة له، وإذا قيست إلى ارادة الفعل وكان الملتفت إليه هي نفسها لا نفس الفعل، كانت هي شوقاً وإرادة بالنسبة إلى الاِرادة من غير شوق آخر وإرادة أُخرى جديدة، وكذلك الاَمر في إرادة الاِرادة، وإرادة إرادة الاِرادة إلى سائر المراتب التي في استطاعة العقل أن يلتفت إليها بالذات، ويلاحظها على التفصيل، فكل من تلك الاِرادات المفصّلة يكون بالاِرادة وهي بأسرها مضمّنة في تلك الحالة الشوقية الاِرادية. والترتب بينها بالتقدّم والتأخّر عند التفصيل ليس يصادم اتّحادها في تلك الحالة الاِجمالية بهيئتها الوحدانيّة، فإنّ ذلك إنّما يمتنع في الكمية الاتّصالية والهوية الامتدادية لاغير، فلذلك بانَ أنّ المسافة الاَينية تستحيل أن تنحل إلى متقدّمات ومتأخّرات بالذات هي أجزاء تلك المسافة


(75)

وأبعاضها، بل إنّما يصحّ تحليلها إلى أجزائها وأبعاضها المتقدّمة والمتأخّرة بالمكان».(1)

يلاحظ عليه: أنّ المعلِّم الثالث مع ماله من العظمة والجلالة اشتبه عليه الاَمر، ومنشأ الاشتباه هو الخلط بين الحقائق والاعتباريات، فإنّ الاِرادة والعلم بالشيء والعلم بذواتنا صفات وجودية لابدّ لها من علّة موجدة حتى يستند كلّ إليها، وحينئذ فالعلّة التي أوجدت الاِرادة في أنفسنا إمّا إرادة أُخرى غير منتهية إلى حدّ يلزم التسلسل، أو كانت منتهية إلى إرادة غير مسبوقة بإرادة أُخرى من إرادة الواجب أو الممكن فيلزم الاضطرار ولا يمكن أن تكون علة الاِرادة نفسها بالضرورة ونظير ذلك، اللزوم بين العلّة والمعلول فهو أمر حقيقي يقوم بعلّة.

نعم إذا لاحظنا العلم بالعلم أو لزوم اللزوم، بحيث صار العلم الاَوّل طرفاً ومعلوماً بهذا اللحاظ وخرج اللزوم الاَوّل عن الوسطية وصار موضوعاً، فيعتبر علم آخر ولزوم ثان بينها وبين الموضوع وينقطع بانقطاع الاعتبار، وهذا ما يقال من أنّ التسلسل في الاَُمور الاعتبارية غير مضرّ لقوامه بالاعتبار وينتفي بانتفائه، وكم له من نظير مثل موجودية الموجود


(1)الاَسفار: 6 | 389.

(76)

وإمكان الممكن وغيرها.

والعجب أنّه قاس المقام بالنية مع أنّ الضرورة قاضية بعدم لزوم أن تكون نفس النية منوية فهي لا تحتاج إلى نية أُخرى، بخلاف الاِرادة إذ هي محتاجة إلى أُخرى حتى لا يلزم الاضطرار أو الاِلجاء.

وقد أورد عليه صدر المتألّهين وجوهاً ثلاثة نأخذ منها الوجه الاَخير حيث قال: إنّ لنا أن نأخذ جميع الاِرادات بحيث لا يشذّ عنها شيء منها ونطلب أنّ علّتها أي شيء هي، فإن كانت إرادة أُخرى لزم كون شيء واحد خارجاً وداخلاً بالنسبة إلى شيء واحد بعينه هو مجموع الاِرادات وذلك محال، وإن كان شيئاً آخر لزم الجبر في الاِرادة.(1)

قلت: نظير هذا ما يقال في إبطال التسلسل من أنّ السلسلة غير المتناهية المترتبة على نحو الترتّب العليِّ والمعلولي كلّها روابط ومعاني حرفية، فهذه الموجودات المتسلسلة وإن كان لا يمكن الاِحاطة بها بالاِشارة الحسّية غير أنّه يمكن بالاِشارة العقلية ولو بعنوان المشير، فنقول:


(1)صدر المتألّهين: الاَسفار: 6 | 390 .

(77)

السلسلة غير المتناهية المحكوم عليها بالفقر والحاجة لا يمكن أن يدخل فرد منها في الوجود إلاّ بالاِفاضة عليه من جانب الغني بالذات، إذ الفقير الفاقد لجميع شؤونه حتى وجود ذاته لا يمكنه أن يكون معطياً ومغنياً سواء كان واحداً أو كثيراً، متناهيا أو غير متناهٍ.

الثاني جواب صدر المتألّهين: و هنا جواب ثان ذكره صدر المتألّهين وحاصله: أنّ المختار ما يكون فعله بإرادته لا ما يكون إرادته بإرادته وإلاّ لزم أن لا تكون إرادته سبحانه عين ذاته، والقادر ما يكون بحيث إن إراد الفعل صدر عنه الفعل وإلاّ فلا، لا ما يكون إن أراد الاِرادة للفعل فعل وإلاّ لم يفعل(1)

وقد أوضحه سيدنا الاَستاذ (دام ظله) ما هذا ملخّصه: إنّ الاِرادة والعلم والحبّ من الصفات الحقيقية ذات الاِضافة بين الاِنسان ومتعلّقه.

ثم إنّ المعلوم ما تعلّق به العلم، والمحبوب ما تعلّق به الحب لا ما تعلّق بعلمه العلم وبحبه الحب، فهكذا المراد والمختار ما تعلّقت به الاِرادة والاختيار لا ما تعلّقت بإرادته واختياره، الاِرادة والاختيار، والقادر عند العقلاء من إذا شاء صدر عنه


(1)صدر المتألهين: الاَسفار: 6 | 388.

(78)

الفعل وإذا لم يشأ أو شاء عدمه لم يصدر لا ما إذا أراد إرادة الفعل صدر عنه، ولو كان المقياس في الاختيار هو تعلّق الاِرادة على نظيرتها لم يصدر فعل إرادي عن المريد قط حتى الواجب.

فإن قلت: ليس النزاع في التسمية والاصطلاح حتى يندفع بما هو الميزان عند العقلاء في تشخيص الفعل الاختياري عن غيره، بل هو معنوي وهو أنّ مبدأ الفعل أعني الاِرادة إذا لم تكن باختيار النفس وانتخابها، بل كان رهن مقدمات غير اختيارية يصير الفعل معها اضطرارياً غير اختياري ومعه لا تصحّ العقوبة وإن سمّي عندهم فعلاً اختيارياً.

قلت: إنّ البحث يقع تارة في تشخيص الفعل الاِرادي عن غيره، وأُخرى في تنقيح مناط صحّة العقوبة، وما أفاده (طيب الله رمسه) كاف في المقام الاَوّل، إذ لا يشكُ أيّ ذي مسكة من أنّ الفعل الاِرادي هو ما تعلّقت به الاِرادة لا ما تعلّقت بإرادتها إرادة ثانية، في مقابل حركة المرتعش، إذ هي صادرة عنه لا بإرادة متعلّقة بفعله، من غير فرق بين الواجب والممكن.

وأمّا المقام الثاني أي تشخيص مناط صحّة العقوبة وعدمها، فالمرجع في ذلك هو العقلاء وفطرياتهم ومرتكزاتهم، ولا ريب أنّ جميع العقلاء يميّزون بين الحركة الاِرادية والحركة


(79)

الارتعاشية بصحة المؤاخذة على الاَولى دون الثانية، وليس ذلك إلاّ لحكمهم بأنّ الفعل صادر عن إرادته واختياره من دون اضطرار وإجبار وما ذكر من الشبهة إنّما هو جدل عقيم في سوق الاعتبار.

الجواب الثالث للمحقّق الخراساني:

وثمة جواب ثالث للمحقّق الخراساني أشار إليه في أوائل الجزء الثاني عند البحث في التجرّي وقال: «إنّ الاختيار (يريد من الاختيار، الاِرادة) وإن لم يكن بالاختيار إلاّ بعض مباديه، يكون غالباً بالاختيار للتمكّن من عدمه بالتأمل فيما يترتّب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة واللوم والمذّمة(1)

يلاحظ عليه: أنّ الاِشكال لا يُحسَم بما أفاد: إذ لقائل أن يسأل عن المبادىَ التي ادّعي أنّها بالاختيار، فهل الاِرادة المتعلّقة بها مسبوقة بإرادة أُخرى أو لا؟ فعلى الاَوّل ينتهي إلى إرادة غير مسبوقة بإرادة أُخرى ولازمه الجبر والاضطرار، وعلى الثاني يلزم التسلسل.

الجواب الرابع للمحقّق الحائري:

انّ شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري قد دفع الشبهة بوجه آخر


(1)كفاية الاَُصول: 2 | طبعة المشكيني.

(80)

وقال: «إنّما يلزم التسلسل لو قلنا بانحصار سبب الاِرادة في الاِرادة ولا نقول به، بل ندّعي أنّها قد توجد بالجهة الموجودة في المتعلّق، أعني: المراد، وقد توجد بالجهة الموجودة في نفسها فيكفي في تحقّقها أحد الاَمرين، وما كان من قبيل الاَوّل لا يحتاج إلى إرادة أُخرى وما كان من قبيل الثاني حاله حال سائر الاَفعال التي يقصدها الفاعل بملاحظة الجهة الموجودة فيها ـ إلى أن قال: ـ والدليل على أنّ الاِرادة قد تتحقّق في مصلحة في نفسها هو الوجدان، لاَنّا نرى إمكان أن يقصد الاِنسان، البقاء في المكان الخاص عشرة أيام بملاحظة أنّ صحة الصوم والصلاة التامّتين تتوقف على القصد المذكور، مع العلم بعدم كون هذا الاَثر مترتباً على نفس البقاء واقعاً، ونظير ذلك غير عزيز.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الاِشكال بعد باقٍ، إذ لقائل أن يسأل عن تعلّق الاِرادة على إيجاد الاِرادة فهل هي مسبوقة بإرادة أُخرى وهكذا فيتسلسل أو لا؟ فيلزم الجبر.

الجواب الخامس: ما هو المشهور بين المحصلين

إنّ اختيارية كلّ شيء بالاِرادة وأمّا اختياريتها، فبذاتها إذ كل ما بالعرض لابد وأن ينتهي إلى ما بالذات، فكما أنّ كل موجود


(1)درر الفوائد: 2 | 14 ـ 15 .

(81)

موجود بالوجود والوجود بنفسه، فهكذا الاِرادة.

ولا يخفى أنّ الاِشكال بعدُ باقٍ.

توضيحه : أنّ القائل خلط بين الجهات التقييدية والتعليليّة، فإنّ مرادهم من قولهم: الوجود موجود بنفسه، هو أنّه لا يحتاج إلى ضمّ حيثية تقييدية وراء وجود موضوعه نظيره حمل الاَبيض على البياض الذي لا يحتاج إلى ضمّ ضميمة وراء وجود الموضوع، بخلاف قولنا: الجسم أبيض فإنّ الحمل رهن وجود حيثية تقييدية وراء الموضوع، ويسمّى الاَوّل المحمول بالصميمة والثاني المحمول بالضميمة.

وفي الوقت نفسه أنّ البياض وإن كان مستغنياً عن الحيثية التقييدية ولكّنه غير مستغن عن الحيثية التعليلية وعلى ضوء ذلك، فحصول الاِرادة في صقع الذهن غير مستغن عن الحيثية التعليلية فعندئذ فإمّا أن تحدث في النفس بإرادة سابقة عليها أولا، وعلى الثاني تكون أمراً غير اختياريّ لعدم مسبوقيتها بإرادة أُخرى وعلى الاَوّل، إمّا أن لا تنتهي سلسلة الاِرادات فيلزم التسلسل، وإمّا أن تنتهي فيلزم الجبر ثم يعود الاِشكال ويطرح نفسه من جديد.


(82)

الجواب السادس ما أجاب به سيّدنا الاَستاذ

وحاصل ما أفاده: أنّ الاِرادة تصدر عن النفس بلا توسّط شيء آخر، فإنّها فاعلة بالتجلّي الذي يكون تصوّر الفاعل كافياً في الاِيجاد والاِبداع ولا يتخلّف عنه، هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ النفس من الفواعل الاِلهية وكل فاعل إلهي يجد كمالات فعله في مقام الذات فإذا كان الاختيار والانتخاب موجوداً في مقام الفعل فهو موجود في مرتبة الذات على نحو الاِجمال والبساطة لنفس القاعدة، فيكون معنى ذلك أنّ النفس واجدة في مقام ذاتها وحاق وجودها كمالات فعلها، أعني: العلم والاختيار والاِرادة، بنحو أتمّ وأشرف، فإنّ وجود هذه الثلاثة فى أقسام الفعل امر بديهيّ فلابد أن تكون موجودة في مقام الذات، لما أشرنا إليه من القاعدة.

وعلى ضوء ذلك فالنفس مختارة بالذات وفي ظلّ هذا الاختيار تصدر الاِرادة منها، فيكون الاِنسان في إرادته مختاراً في ظلّ الاختيار الذاتي للنفس.

هذا إجمال ما أفاده (دام ظله) وإليك تفصيله:

1. إنّ الاَفعال الصادرة عن النفس تنقسم إلى: تكوينيّ


(83)

ونفسيّ، وإن شئت قلتَ: إلى تسبيبي ومباشري، فالاَوّل منهما ما يصدر عنها لا بآلة، كالخياطة والكتابة وإحداث البناء إلى غير ذلك من الاَُمور الموجودة خارج لوح النفس، ففي هذه الموارد كل من المقدمة وذيها، مسبوق بالتصوّر والتصديق والشوق المؤكّد (في أغلب الموارد) فإذا تمتّ المقدمات يجد الاِنسان في ذهنه العزم والجزم والتصميم، وعند ذلك، تنقاد الاَعضاء وتتوجّه نحو القيام بالفعل.

إنّ النفس في مجال هذا النوع من العمل فاعلة للحركة فبحركة العضلات تتحقق الاَفعال التكوينية التسبيبية من الخياطة والكتابة.

والثاني منهما ما يصدر عنه بلا آلة أو بآلة غير جسمانية، وإن شئت قلت: ما يصدر عنها بخلاّقية النفس وإيجادها في صقعها. كصاحب ملكة علم الفقه أو النحو، فإذا سُئل عن عدة مسائل تأتي الاَجوبة في الذهن تباعاً، واحدة تلو الاَُخرى، ونظيرها خلق الصور البديعة الهندسية المقدارية، لمن زاول هندسة البناء وصار ذا ملكة فيها.

وهذا النوع من أفعال النفس، اختيارية لها، وإن لم يكن هناك تصوّر ولا تصديق، ولا شوق، ولا إرادة، وسيوافيك وجهه


(84)

ومثلها الاِرادة، فإنّها فعل مباشري للنفس، وليست مسبوقة بمقدمات الاِرادة أصلاً.

2. إنّ النفس في هذا النوع من الاَفعال، فاعلة بالتجلّي وليست فاعلة بالعناية، والفاعل بالتجلّي جامع لكمالات فعله في مقام الذات على نحو الاِجمال والاِيجاد، فالاَجوبة العلمية والصور البديعة، والاختيار الملموس لكل إنسان قبل التصميم والجزم، وحتى نفس الاِرادة ونظائرها موجودة في مقام الذات لكن لا على نحو التفصيل ، بل على سبيل الاِجمال، فتكون النفس في مقابل الذات مريدة ومختارة بالذات بشهادة وجودهما في مقام الفعل، ويكون هذا هو الملاك في كون القسم الثاني فعلاً اختيارياً وإرادياً، لا سبق إرادة تفصيلية عليه فبالاختيار الذاتي تنشأ الاِرادة والجزم والتصميم.

وتعلم حال النفس إذا قيست إلى الواجب عزّ اسمه، فإنّه سبحانه خلق الكون وما فيه لا بإرادته التفصيلية وإلاّ يلزم أن تكون الذات محلاًّ للحوادث، بل بإرادة إجمالية أو اختيار ذاتي، هما عين ذاته سبحانه وإن لم ينكشف لنا كنههما، فكما أنّ الملاك لكون فعله اختيارياً هو كونه موجوداً مختاراً بالذات، باختيار هو عين ذاته، فهكذا النفس فهي مختارة في إيجاد القسم


(85)

الثاني من الاَفعال باختيار ذاتي هو عين ذاتها.

والذي يحلّ العقدة، ويُزيل الشبهة من رأسها هو نفي كون شيء واحد (مسبوقية الشيء بالاِرادة) ملاكاً منحصراً للاختيار، بل الملاك أحد الاَمرين، إما مسبوقية الفعل بالاختيار، أو كونه صادراً عن فاعل مختار ومريد بالذات، ولاَجل ذلك صارت النفس مثَلاً لله سبحانه وإن كان سبحانه منزّهاً عن المثْلِ والندِّ.

الشبهة الثانية:

قد ثبت في الفن الاَعلى أنّ «الشيء ما لم يجب لم يوجد» وهي قاعدة محكمة بُنِيت على أُصول صحيحة، عامة لجميع الفواعل والعلل واجباً كانت أو ممكنة، مختارة كانت أو مضطرّة.

ثم إنّ جماعة ممّن لم يقفوا على مغزى القاعدة جعلوها من أدلّة القول بالجبر، قائلين بأنّ وجوب الشيء عبارة عن ضرورة تحقّقه وامتناع عدمه وما كان كذلك يكون الفاعل موجَباً (بالفتح) ومضطرّاً في إيجاده وملجأً في إحداثه، وإلاّ لم يجب وجوده ولم يمتنع عدمه.

وثمّة من رفض القاعدة في أفعال الواجب وإبداعاته لئلاّ يلزم الجبر في أفعاله، وفي الوقت نفسه أخذوا بها في مقام


(86)

إثبات الصانع، مستدلّين بأنّ وجوب الشيء وضرورة وجوده فرع وجود فاعل يخرجه عن الاِمكان إلى حدّ الضرورة وليس هو إلاّ الواجب سبحانه.

ومعنى ذلك أنّ القاعدة خاضعة لميولهم فرفضوها في مقام لا يناسب مذاقهم وأخذوا بها في مقام آخر يوافق فكرتهم وعقيدتهم، ولاَجل حسم الشبهة نبحث عنها في مقامين:

الاَوّل: في مفاد القاعدة.

الثاني: عدم منافاتها لاختيار الفاعل.

وإليك الكلام في المقام الاَوّل.

أ. ما هو مفاد القاعدة؟

إنّ تبيّن مفاد القاعدة رهن بيان أمرين:

الاَوّل: وصف الشيء بالاِمكان بالنظر إلى حاق ذاته:

إنّ تقسيم المفهوم إلى الممكن وغيره (المراد من الغير هو واجب الوجود وممتنعه) إنّما هو بالنظر إلى مفهوم الشيء الممكن مع قطع النظر عن الخارج، وإلاّ فبالنظر إلى خارج ذاته فهو إمّا ضروري الوجود، أو ممتنعه، إذ لو كانت علّة الوجود


(87)

موجودة فيدخل في القسم الاَوّل، ولو كانت معدومة فيدخل في الثاني.

فلا يمكن الحكم بإمكان الشيء أي سلب الضرورة عن الطرفين إلاّ إذا قُصِّر النظر على ذات الشيء دون ما حوله من علل الوجود أو خلافها.

وبعبارة أُخرى: كلّ ممكن لا يخلو في نفس الاَمر من إحدى حالتين:

فإمّا أن يكون مقارناً مع علل وجوده، أو مقارناً مع عدمها، ففي كل من الحالتين يحكم عليه بإحدى الضرورتين أي ضرورة الوجود أو ضرورة العدم، ففرض الاِمكان للماهية إنّما هو بتحليل من العقل وقصر النظر على صميم ذاتها، دون ملاحظتها مع الخارج.

الثاني: الاَولوية غير كافية في الاِيجاد

إنّ نسبة الممكن إلى الوجود والعدم على حدّ سواء، وخروجه عن طرفي الاستواء رهن علّة فاعلية تُضْفي عليه الوجود أو العدم (وإن كان عدم العلّة كافياً في عدم المعلول) فإذا كانت العلّة مركّبة من عدة أجزاء فلا تخلو العلّة:


(88)

إمّا أن تسدّ جميع أبواب العدم عليه باجتماع الاَجزاء أو لا، فعلى الاَوّل يثبت المطلوب أي يكون وجوده واجباً وضروريّاً، لاَنّ المفروض أنّ كلّ ما يحتاج إليه المعلول في وجوده فهو موجود بالفرض وشيء دخيل في تحقّق المعلول إلاّ وهو موجود.

وعلى الثاني أي لا يسدّ جميع أبواب العدم عليه وذلك بفقد بعض الاَجزاء يكون ممتنع الوجود ، والقول بوجوده مع نقصان العلّة يرجع معناه إلى وجود المعلول بلا علّة وهو باطل بالضرورة.

وأمّا ما ربّما يقال من كفاية الاَولوية في تحقّق المعلول، وعدم لزوم وصول وجود المعلول إلى حدّ الوجوب بل يكفي ترجّح جانب الوجود على العدم، فغير تام.

لاَنّه إنْ أراد من الاَولوية كفاية وجود بعض أجزاء العلة دون بعض، لحصول الاَولوية بذلك فغير صحيح، لاَنّ معنى ذلك عدم مدخلية غير الموجود من اجزاء العلة في تحقق المعلول مع أنّ المفروض أنّه من أجزائها ومدخليته في تحقّقه ومرجعه إلى التناقض.


(89)

وإن أراد منها لزوم اجتماع جميع اجزاء العلة لكن لا يشترط وصول وجود المعلول الى حد الوجوب فقد عرفت بطلانه، لاَنّه مع ذلك الفرض يُسَدّ جميع أبواب العدم ويستحيل عروضه عليه، فيكون النقيض الآخر واجباً بلا كلام.

فاتّضح بذلك أمران:

1. إنّ وجود الشيء فرع اجتماع جميع أجزاء علّته حتى ينسدّ به أبواب العدم على المعلول. وتحقق جميع الاَجزاء يلازم وجوب الوجود ولزومه، وإلاّ فلو افترضنا اجتماع جميع أجزاء العلّة ومع ذلك لم يكن المعلول متحققاً يرجع معناه إلى عدم كفاية الموجود في التحقّق، وإلاّ فمع افتراضها لا وجه للانفكاك وعدم التحقّق.

2. عدم كفاية رجحان الوجود على العدم في تحقّقه لما عرفت من أنّ مرجع كفاية الرجحان إمّا إلى التناقض في القولْ وافتراض مدخلية شيء في تحقّق المعلول. وإمّا عدم تحقّقه مع اجتماع جميع ما يتوقف عليه من أجزاء العلّة.

إذا علمت هذين الاَمرين، تقف على أنّ القاعدة لا تنفي اختيارية الفاعل في فعله إذا كان الفاعل فاعلاً مختاراً، بل تؤكّد


(90)

الاختيار، لاَنّ الفاعل بإرادته واختياره يوجب وجود المعلول ويحتِّم ثبوته، والوجوب والاِيجاب بالاختيار لا ينافي الاختيار، وعلى ذلك فالفاعل فاعل موجِب (بالكسر) لا فاعل موجَب (بالفتح).

وإن شئتَ قلتَ: إنّ مفاد القاعدة هو أنّ المعلول لا يتحقّق إلاّ بسدّ جميع أبواب العدم عليه، ولا يسدّه إلاّ الفاعل، فهو لو كان فاعلاً مضطرّاً يسدّه بالاضطرار، ولو كان فاعلاً مختاراً يسدّه كذلك، فلا صلة بين القاعدة ونفي الاختيار.

تنبيه :

وربّما يتصوّر أنّ القاعدة مبنيّة على القول بامتناع الترجيح بلا مرجّح وعدمه، فاذا قلنا بالاَوّل فالقاعدة تامّة وإلاّ فلا.

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ قاعدة امتناع الترجيح بلا مرجّح، من الاَوّليات التي لا يشك فيها ذو مسكة، لاَنّ مآل تجويزه هو جواز الترجح بلا مرجّح والمعلول بلا علّته وهو باطل بالضرورة.

وجه ذلك لو افترضنا أنّ بين يديك رغيفين أو أمام الهارب طريقين، فكما أنّ أصل الاَكل والهرب يحتاج إلى علّة، فهكذا


(91)

تخصيص أحدهما دون الآخر أمر وجوديّ لا يفارق العلة فمن قال بجواز الترجيح بلا مرجح، فقد جوّز تحقّق أمر وجوديّ وهو تخصيص أحدهما دون الآخر بلا علة، وما مثل برغيفي الجائع أو طريقي الهارب فثمة مرجِّحات خفية لا يلتفت إليها الاِنسان بتفصيل، كأن يختار ما يقع في جانب اليمين على ما في جانب اليسار، او يختار أوّل ما تطرف إليه عيناه، إلى غير ذلك من المرجحات التي ربّما تخفى على الاِنسان إلاّ بعد الاِمعان والدقة.

وثانيا: أنّ ترجيح أحد الفعلين متقدّم على تعلّق إرادته بالاِيجاد فهو يرجّح أوّلاً ثم يريد الاِيجاد، فعند ذلك يأتي دور قاعدة «الشيء ما لم يجب لم يوجد» فاختيار الفعل عن ترجيح متقدم على الاِرادة ثم الاِيجاب والوجوب، فكيف يناط وجوب المعلول وعدمه بشيء لا دخل له فيه؟

وإن شئت قلت: إنّ النفس بعد اختيارها إيجاد شَيء بأيِّ نحو حصل، يكون فاعلاً موجباً للاِرادة أوّلاً، وفاعلاً موجِباً بتوسّط الاِرادة لتحريك العضلات ثانياً، وفاعلاً موجباً بالمعلول الخارجي ثالثاً، فجواز الترجيح بلا مرجّح وعدمه المتقدم على مسألة الاِيجاب والوجوب لا صلة له بالقاعدة.


(92)

نعم ثمة نكتة وهي: أنّ الاستقلال في الاِيجاد والاِيجاب فرع الاستقلال في الوجود، والعلّة التامة المستقلّة ما تسدُ بنفسها وبذاتها جميع الاَعدام الممكنة للمعلول، ومن تلك الاَعدام عدمه بانعدام فاعله ولا تجد لذلك مصداقاً في نظام الوجود يسدّ بنفسه جميع الاَعدام سوى الخالق المتعال (جلّت قدرته) وما سواه يمتنع عليه سدّ جميع أبواب العدم التي منها عدم وجود الفاعل.

الشبهة الثالثة: تعلّق علمه بأفعال العبد ينافي الاختيار

إنّ صفاته الجمالية سبحانه مع كثرتها واختلافها في المفاهيم، ترجع حسب الوجود إلى حقيقة بسيطة هي صرف كل كمال وجمال وليس في مقام الذات أيّ كثرة وتعدّد، بمعنى أنّ حيثية علمه في الوجود هي حيثية قدرته وإرادته وبالعكس، فالذات كلّها علم، وكلّها قدرة، وكلّها إرادة، فصدور فعل عن إرادته عين صدوره عن علمه، وهو عين صدوره عن ذاته الاَحدية أخذاً بوحدة الصفات في مقام الذات.

إذا علمت ذلك فتقرّر الشبهةُ بالنحو التالي:

إنّ العلم على قسمين: انفعاليّ وفعليّ، ففي الاَوّل، العلم يتبع


(93)

المعلومَ الخارجي ويستند إليه، فإذا رأى أنّ زيداً قائم، يحصل له العلم بأنّه كذا وكذا فليس للعلم أيّ تأثير في المعلوم الخارجي، وإنّما الاَمر على العكس فالخارج، هو الذي صار مبدأً لعلم الاِنسان بكونه قائماً.

وفي الثاني الاَمر على العكس، فالعلم يكون سبباً لحدوث المعلوم وتحقّقه في الخارج كما هو الحال في الفاعل العنائي والتجلّي (على الفرق المقرر بينهما).

فالناظر من شاهق يتصوّر السقوط ويكون مبدأً لسقوطه، فالمعلوم تابع للعلم ويكون متحقّقاً في ظلّه، والله سبحانه فاعل بالتجلّي الذي يكون نفس العلم فيه مبدأً ومصدراً من غير استعانة بشيء آخر، وما شأنه كذلك يكون العلم متبوعاً والمعلوم تابعاً، وإلى ذلك ينظر قول الاَكابر من أنّ النظام الكياني تابع للعلم الربّاني وأنّه المبدأ لنظام الوجود من الغيب والشهود، وأنّ ما في سلسلة الوجود من الجواهر والاَعراض والمجرّدات والماديات تابع لعلمه الذاتي الذي هو علّة لتحقّق السلسلة.

وعلى هذا يكون علمه سبحانه مبدأً لما في الكون من سلسلة الوجود على وجه لا يتخلّف المعلوم عن علمه، فعندئذ


(94)

يجب صدور جميع الموجودات ومنها أفعال العباد، بالقضاء الاِلهي والعلم الاَزلي، وإلاّ لزم تخلّف المعلوم عن العلم، والمراد عن الاِرادة الممتنع في حقه عزّ وجلّ، فيصير العباد مقهورين في أفعالهم وإن كانوا مختارين في الظاهر.

الجواب عن الشبهة

إن الجواب عن الشبهة واضح بشرط الالتفات إلى ما ذكرنا سابقاً، وهو انّ علمه تعالى لم يتعلّق بتحقّق الموجودات في عرض واحد حتى تُسلب العلّية عن سائر مراتب الوجود ويستند الكل إليه سبحانه في درجة واحدة، بل تعلّق علمه بالنظام الكياني على ترتيب الاَسباب والمسببات والعلل والمعلولات بحيث يصدر كلّ مسبّب عن سببه القريب حقيقة، ولم يتعلّق بتحقق الموجود في عرض علته أو به بلا توسّط سببه، والشاهد على ذلك كون الوجود معقولاً بالتشكيك وتعلّق كل مرتبة بمرتبة متلوّة على وجه لا يكون لكل درجة من الوجود، التجافيُ عنها، وإلاّ يلزم الانقلابُ الذاتي الممتنع، وعلى ذلك فكلّ ما في الكونِ من وجود وتحقّق فهو مرتبط بعلّته القريبة وسببه.

فالسبب يؤثّر في مسبِّبه، والعلّة في معلوله، وبه تَعلَّقَ علمه


(95)

الرباني وعلى ذلك يكون علمه بصدور كل معلول عن علّته مؤكِّداً للاختيار، لا سالباً له، إذ معناه أنّه تعلّق علمه بصدور كل فعل عن فاعله فلو كان الفاعل مضطراً تعلّق علمه بصدوره عنه على وجه الاضطرار، ولو كان فاعلاً مختاراً تعلّق علمه بصدوره عنه كذلك، فالنظام الكياني بوجوده وصفاته، متعلَّق علمه، ولو صدر فعل الفاعل الاختياري عنه على وجه الاضطرار لزم تخلّف علمه عن معلومه.

وإن شئت قلت: إنّ كلّ ما يوجد من الكمال والجمال فهو من صقع وجوده وتجلّيات ذاته وإنّ ما في دار الوجود من النظام الاَتمّ فهو عينُ علمه الفعلي إلاّ أنّه لا يلازم الاضطرار، لاَنّ كل مرتبة متعلّقة متدلّية بتمام هويتها لما فوقها، بحيث لا يمكن التجافي عنها ولا التنزّل إلى ما دونها ومعنى ذلك تعلّق علمه بصدور كلّ مسبِّب عن سببه، والمعلول عن علّته على النظام الخاص ولم يتعلّق علمه بصدور كلّ معلول عن علته فقط، وإنّما تعلّق بصدور كلّ معلوم عن علته على الوصف الخاص لها من اضطرار واختيار، فالقول بعلمه العنائي، وأنّ النظام الكياني تابع للعلم الرباني مع التحفّظ على نظام العلل والمعاليل يؤكِّد الاختيار وينفي الاضطرار.


(96)

وبعبارة موجزة: من عرف كيفية صلة الموجودات بأسبابها يعرف أنّ لكل جزء من النظام الكياني مع كونه مظهراً لاَسمائه وصفاته، أثر خاص، فالاِنسان فاعل مختار تحت ظل العامل المختار بالذات كالله سبحانه وفاعليته ظل فاعليته تعالى (وما تشاؤون إلاّ أنْ يشاءَ الله) فتعلّقت إرادته بالنظام الاَتم على وجه يكون الاِنسان فيه فاعلاً مختاراً والنار فاعلاً مضطرّاً، فكون علمه العنائي منشأً للنظام الكياني، لا ينافي الاختيار.

إلى هنا تمّت الشبهات الثلاث مع أجوبتها، أعني:

أ : كون فعل الاِنسان داخلاً في إطار إرادته سبحانه، ينافي الاختيار.

ب : أنّ تحقق كلّ فعل إذا كان رهن الاِيجاب، فهو ينافي الاختيار.

ج : أنّ كون علمه العنائي منشأ للنظام الكياني، ينافي الاختيار. وقد عرفت عقم تلك الشبهات.

بقي الكلام في شبهه أُخرى وهي السعادة والشقاء الذاتيّين.