welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : لبُّ الاَثر في الجبر و القدر*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

لبُّ الاَثر في الجبر و القدر

(291)

شبهات حول الاختيار

الشبهة الرابعة

القضاء والقدر

إنّ القضاء والقدر من الاَُصول التي دلّ عليها الكتاب والسنّة، وليس لاَحد أن ينكر واحداً منهما، ومعنى التقدير انّ لوجود كل شيء حداً وقدراً، كما أنّ لتحقّقه ووجوده قضاءً وحكماً مبرماً من جانبه سبحانه، فكل شيء يقدر أوّلاً، ثم يحكم عليه بالوجود. من غير فرق بين الجواهر والاَعراض وأفعال الاِنسان.

غير انّ القول بالتقدير ثم القضاء أوجب مشكلة للباحثين، فكأنّهم زعموا انّ القول بهما لا يجتمع مع كون الاِنسان مخيّراً. وقد ورد في الاَحاديث نفس هذا الزعم حيث أقبل شيخ إلى الاِمام علي - عليه السّلام- عند منصرفه من صفين، فقال: أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام أبقضاء الله وقدره؟ فقال: «أجل يا شيخ ما علوتم من طلعة، ولا هبطتم من واد إلاّ بقضاء من الله وقدره» فقال


(292)

الشيخ: عند الله احتسب عنائي يا أمير المؤمنين: (ومعنى هذه الجملة: انّي لم أقم بعمل اختياري، ولاَجل ذلك احتسب عنائي عند الله) فقال أمير المؤمنين - عليه السّلام- : «يا شيخ، فوالله لقد عظَّم الله لكم الاَجر في مسيركم، وأنتم سائرون، وفي مقامكم إذ أنتم مقيمون، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، لم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين، ولا إليه مضطرين».

فقال الشيخ: فكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين، ولا إليه مضطرين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا؟! فقال أمير المؤمنين - عليه السّلام- : «أتظن أنّه كان قضاءً حتماً وقدراً لازماً، إنّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والاَمر والنهي، والزجر من الله تعالى وسقط معنى الوعد والوعيد، ولم تكن لائمة للمذنب، ولا مَحْمَدة للمحسن، ولكان المذنب أولى بالاِحسان من المحسِن، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب، وتلك مقالة إخوان عبدة الاَوثان وخصماء الرحمن، وحزب الشيطان وقدرية هذه الاَُمّة ومجوسها، وانّ الله كلّف تخييراً ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً ولم يُعص مغلوباً، ولم يُطع مكرهاً، ولم يملك مفوضاً، ولم يخلق السموات والاَرض وما بينهما باطلاً، ولم يبعث النبيّين مبشّرين


(293)

ومنذرين عبثاً، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار»(1).

والحديث جمع بين القول بين القدر والقضاء وكون الاِنسان مخيّراً لا مسيّراً، ثم إنّ الناس أمام هذه الرواية وأشباهها على صنفين، صنف منهم كبعض المشايخ تخلّص من مشكلة الجبر بنفي وقوع أفعال الاِنسان في مجالي القضاء والقدر، وقال باختصاصهما بعالم الجواهر والاَعراض، وانّه لا صلة لهما بفعل الاِنسان لئلا يلزم الجبر، ومنهم من أخذ بالثلاثة: القضاء والقدر والجبر.

واللائح من كتب السير والتاريخ انّ القول بالجبر تحت غطاء القضاء والقدر، كان يُروَّج في عهد الاَُمويين، ولاَجل ذلك اشتهر «الجبر والتشبيه أُمويان» «والعدل والتوحيد علويان».

ويظهر من بعض الآيات انّ مشركي العرب كانوا أصحاب الجبر تحت ظل القول بالقضاء والقدر قال سبحانه: (سَيَقُولُ الّذِينَ أشَرَكُوا لَو شَاءَ الله ما أشْرَكْناَ وَلاَ آباؤُنا وَلاَ حَرَّمنَا مِن شَيءٍ)(2)

وإذا أردنا أن نسرد ما في تاريخ الاَُمويّين من القول بالجبر


(1)الصدوق: التوحيد: 380 الحديث 28 .

(2)الاَنعام: 148 .

(294)

في ظل العقيدة بالقضاء والقدر لطال بنا الكلام ولطال موقفنا مع القرّاء الكرام، وقد ذكرنا قسماً من ذلك في محاضراتنا الكلامية.(1).

ولاَجل الاختصار نقتصر بذكر أُمور:

الاَوّل: مصادر القضاء والقدر في الكتاب والسنّة

احتفل الكتاب بالقدر والقضاء في لفيف من آياته نقتصر بقليل منها:

قال سبحانه: (قُل لَن يُصِيبَنا إلاّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكّلِ المُؤمِنون)(2)

قال سبحانه: (واللهُ خَلَقَكُم مِن تُرابٍ ثُمَّ من نُطفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِن أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إلاّ بِعِلْمِهِ ومَا يُعمرّ مِن مُعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمرِهِ إلاّ فِي كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسير)(3)

وقال سبحانه: (مَا أصابَ مِن مُصِيَبةٍ فِي الاَرْض وَلا فِي أنفُسِكُمْ إلاّ فِي كِتابٍ مِن قَبْلِ أن نَبْرَأَها إنّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِير)(4)

روى الصدوق في «الخصال» بسنده عن علي - عليه السّلام- أنّه قال:


(1)حسن محمد مكي العاملي: الاِلهيات: 2 | 165 ـ 169 .

(2)التوبة: 51 .

(3)فاطر: 11 .

(4)الحديد: 22.

(295)

قال رسول الله6: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربعة: حتى يشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وانّي رسول الله بعثني بالحق، وحتى يؤمن بالبعث بعد الموت، وحتى يؤمن بالقدر».(1)

الثاني: تفسير القدر والقضاء

قال الراغب: القدر والتقدير تبيين كمية الشيء، يقال قدرته وقدرته بالتشديد، ثم قال: فتقدير الاَشياء على وجهين: أحدهما بإعطاء القدرة (وهذا خارج عن موضوع البحث) والثاني بأن يجعلها على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حسب ما اقتضت الحكمة.

قال سبحانه: (قّدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلّ شَيءٍ قَدْرا)(2)

وقال سبحانه: (إنّا كُلَّ شَيءٍ خلقناه بقدر)(3)

وقوله: (مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَه)(4)

وأمّا القضاء فهو الاِحكام والاِتقان والاِنفاذ.

قال سبحانه: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَواتٍ فِي يَوْمَين)(5)أيّ أحكم خلقهن.


(1)المجلسي: البحار: 5 | 87 ح 2، باب القضاء والقدر.

(2)الطلاق: 3 .

(3)القمر: 49 .

(4)عبس: 119 .

(5)فصّلت: 12 .

(296)

إذا عرفت ذلك فنقول: المراد من القدر تقدير وجود الشيء وخصوصياته وكما أنّ المراد من القضاء ضرورة وجوده في ظرف خاص عند تحقّق علّته التامة، فيكون التقدير مقدماً على القضاء، مثلاً، المهندس يقدّر فنّيات البناء، ثم بعد أن تمت التصميمات الهندسية في ذهنه يحكم ويقضي على بناء الدار وفق ما صمّمه.

هذا هوالملموس لنا في الوجود الاِمكاني، وأمّا الباري تبارك وتعالى ففي علمه الوسيع تقدير كل شيء حسبما تقتضيه حكمته، ثم حكمه وقضاؤه على تحقّقه في ظرفه.

الثالث: انّ التقدير والقضاء على أصناف ثلاثة :

ألف ـ التقدير والقضاء العلميان الكليان .

ب ـ التقدير والقضاء العلميان الجزئيان.

جـ ـ التقدير والقضاء العينّيان الجزئيان.

القضاء والقدر العلميّان الكليّان

إنّ التقدير أو القضاء العلميين، لا يتجاوزان السنن الكلية الواردة في الكتاب والسنّة من دون إشارة إلى قوم دون قوم، أو شخص دون شخص، بل بذكر سيادة القوانين العامة على


(297)

الاِنسان، وقد دفع مفتاح التظلّل تحت أيّة سنّة من السنن بيد الاِنسان، ونذكر من هذه السنن، القليل من الكثير.

1. قال سبحانه حاكياً عن شيخ الاَنبياء نوح - عليه السّلام- : (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّه كانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدرَاراً * ويُمْدِدْكُمِ بِأموالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جنّاتٍ وَيَجْعَل لَكُم أنْهاراً)(1)

فترى أنّ نوحاً - عليه السّلام- يجعل الاستغفار سبباً مؤثراً في نزول المطر وكثرة الاَموال وجريان الاَنهار، ووفرة الاَولاد. وإنكار تأثير الاستغفار في هذه الكائنات أشبه بكلمات الملاحدة. وموقف الاستغفار هنا موقف العلّة التامة أو المقتضى بالنسبة إليها، والآية تهدف إلى أنّ الرجوع إلى الله وإقامة دينه وأحكامه يسوق المجتمع إلى النظم والعدل والقسط، وفي ظلّه تنصبّ القوى على بناء المجتمع على أساس صحيح، فتصرف القوى في العمران والزراعة وسائر مجالات المصالح الاقتصادية العامة، كما أنّ العمل على خلاف هذه السنّة، وهو رجوع المجتمع عن الله وعن الطهارة في القلب والعمل، ينتج خلاف ذلك.

للمجتمع الخيار في التمسّك بأهداب أيّ من السُنتين،


(1)نوح: 10 ـ 12 .

(298)

فالكل قضاء الله وتقديره.

2. قال سبحانه: (وَلَو أنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السّماءِ والاَرْضِ ولَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون)(1).

3. قال سبحانه: (إنّ اللهَ لاَ يُغَيّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيّرُوا ما بأنفُسِهِم)(2).

4. قال سبحانه: (ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نِعْمَةً أنْعَمَها عَلَى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّروا مَا بأنفُسِهِم)(3)

والتقرير في مورد هذه الآيات الثلاث مثله في الآية السابقة عليها.

5. وقال سبحانه: (وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لاَََزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إنّ عَذابِي لَشَدِيد)(4)

ترى أنّ الآية تتكّفل ببيان كلا طرفي السنّة الاِلهية إيجاباً وسلباً، وتُبيّن النتيجة المترتبة على كل واحد منهما. والكلّ قضاؤه وتقديره والخيار في سلوكهما للمجتمع.


(1)الاعراف : 96 .

(2)الرعد: 11 .

(3)الاَنفال: 53 .

(4)إبراهيم: 7 .

(299)

6. وقال سبحانه: (وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرزُقْهُ مِن حَيْثُ لاَ يَحْتَسِب)(1)

7. وقال سبحانه: (يُثَبّتُ اللهُ الّذِينَ آمنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ فِي الحَياةِ الدُّنيا وفِي الآخِرةِ ويُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ ويَفْعلُ اللهُ ما يشَاء)(2)

فالمجتمع المؤمن بالله وكتابه وسنّة رسوله إيماناً راسخاً يثبتّه اللهسبحانه في الحياة الدنيا وفي الآخرة، كما أنّ الظالم والعادل عن الله سبحانه يخذله الله سبحانه ولا يوفقه إلى شيء من مراتب معرفته وهدايته. ولاَجل ذلك يُرتِّب على تلك الآية قوله: (ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمتَ اللهِ كُفْراً وأحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ البوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرَار)(3)

8. وقال سبحانه: (وَلَقَد كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِن بَعدَ الذّكرِ أنَّ الاَرْضَ يَرِثُها عِبَادِيَ الصّالِحُون)(4)

فالصالحون لاَجل تحلِّيهم بالصلاح في العقيدة والعمل، يغلبون الظالمين وتكون السيادة لهم، والذلّة والخذلان لمخالفيهم.


(1)الطلاق: 2 ـ 3 .

(2)إبراهيم: 27 .

(3)إبراهيم: 28 ـ 29 .

(4)الاَنبياء: 105 .

(300)

9. وقال سبحانه: (وَعَدَ اللهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيمُكّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الّذِي ارْتضَىَ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الفاسِقُون)(1)

فالاستخلاف في الاَرض نتيجة الاِيمان بالله والعمل الصالح وإقامة دينه على وجه التمام ويترتب عليه ـ وراء الاستخلاف ـ ما ذكره في الآية من التمكين وتبديل الخوف بالاَمن.

10. وقال سبحانه: (أفَلَم يَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيفَ كانَ عَاقِبةُ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ ولِلكافِرِينَ أمثالُها)(2)

والآيات الواردة حول الاَمر بالسير في الاَرض والاعتبار بما جرى على الاَُمم السالفة لاَجل عتوّهم وتكذيبهم رسل الله سبحانه، كثيرة في القرآن الكريم تبين سنّته السائدة على الاَُمم جمعاء.

11. وقال سبحانه: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذّبِين)(3)

12. وقال سبحانه: (يا أيّها الّذِينَ آَمنُوا إن تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَل لَكُمْ


(1)النور: 55 .

(2)محمد: 10 .

(3)آل عمران: 137 .

(301)

فُرقاناً ويُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئاتِكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيم)(1)

13. وقال سبحانه: (مَا يُجادِلُ في آياتِ اللهِ إلاّ الذِينَ كَفَرُوا فَلاَ يَغْرُركَ تَقَلُّبُهُمْ في البِلاَد * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والاَحْزابُ مِن بَعْدِهِم وَهَمَّتْ كُلُّ أُمّةٍ بِرَسُولِهم لِيَأخُذُوهُ وجَادلُوا بِالبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيفَ كانَ عِقَابِ * وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الّذِينَ كَفَرُوا أنّهُمْ أصْحابُ النار)(2)

والآية من أثبت الآيات المبيّنة لسنته تعالى في الذين كفروا، فلا يصلح للمؤمن أن يغرّه تقلّبهم في البلاد، وعليه أن ينظر في عاقبة أمرهم كقوم نوح والاَحزاب من بعدهم، حتى يقف على أنّ للباطل جولة وللحق دولة، وانّ مرَّد الكافرين إلى الهلاك والدمار.

14. وقال سبحانه: (وأقْسَمُوا باللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدَى مِن إحْدَى الاَُمَمِ فَلَمّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زَادَهُمْ إلاّ نُفوراً * اسْتِكبَاراً في الاَرْضِ ومَكْرَ السَّيِّىء وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّىء إلاّ بأهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُون إلاّ سُنَّتَ الاَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْويلا)(3)


(1)الاَنفال: 29 .

(2)غافر: 4 ـ 6 .

(3)فاطر: 42 ـ 43 .

(302)

وما ذكرنا من الآيات نبذة من السنن الاِلهيّة السائدة على الفرد والمجتمع. وفي وسع الباحث أن يتدبر في آيات الكتاب العزيز حتى يقف على سننه تعالى وقوانينه، ثم يرجع إلى تاريخ الاَُمم وأحوالها فيُصدِّق قوله سبحانه: (فلن تجد لسنّت الله تبديلاً ولن تجد لسنت الله تحويلا).

القدر والقضاء العلميّان الجزئيّان

إذا كان التقدير والقضاء العينيان راجعين إلى إطار وجود الشيء في الخارج من وصفه بالتقدير والضرورة ـ كما سيوافيك ـ يكون المراد من التقدير والقضاء العلميّين، علمه سبحانه بمقدار الشيء وضرورة وجوده في ظرف خاص، علماً ثابتاً في الذات أو علماً مكتوباً في كتاب. والاَوّل يكون علماً في مقام الذات، والآخر يكون علماً في مقام الفعل.

ولكن الفلاسفة خصّوا القضاء بالجانب العلمي والقدر بالجانب العيني، فقالوا: «القضاء» عبارة عن علمه بما ينبغي أن يكون عليه الوجود حتى يكون على أحسن النظام وأكمل الانتظام، وهو المسمّى بـ«العناية» التي هي مبدأ لفيضان الموجودات من حيث جملتها على أحسن الوجوه وأكملها.


(303)

و«القدر» عبارة عن خروجها على الوجود العيني بأسبابها على الوجه الذي تقرّر في القضاء.

كما أنّ الاِشاعرة خصّوا «القضاء» بكون الشيء متعلّقاً للاِرادة الاَزلية قبل إيجادها، و «القدر» بإيجادها على قدر مخصوص، فقالوا: «إنّ «قضاء الله» هو إرادته الاَزلية المتعلّقة بالاَشياء على ما هي عليه فيما لا يزال. و «قدرة» إيجاده إيّاها على قدر مخصوص وتقدير معين في ذواتها وأحوالها».

والمعتزلة أنكروا وقوع الاَفعال الاختيارية الصادرة عن العباد متعلّقاً للقضاء والقدر وأثبتوا علمه تعالى بهذه الاَفعال، ولكن أنكروا إسناد وجودها إلى ذلك العلم، بل إلى اختيار العباد وقدرتهم».(1)

ولكن الحق حسب ما تعطيه الآيات القرآنية انّ كلاًّ من القضاء والقدر على قسمين علمي وعيني. أمّا العيني فقد عرفت إجمالاً وسيوافيك تفصيله، وأمّا العلمي فالتقدير منه هو علمه سبحانه بما تكون عليه الاَشياء كلّها من حدود وخصوصيات. والقضاء منه، علمه سبحانه بحتمية وجود تلك الاَشياء


(1)شرح المواقف: 8 | 180 ـ 181 .

(304)

وصدورها عن عللها ومبادئها.

لكن المهم هو الوقوف على أنّ التقدير والقضاء العلميين لا يورثان الجبر، لما عرفت عند البحث عن علمه وإرادته سبحانه، وانّهما لم يتعلّقا بصدور الفعل عن الاِنسان، فقط، وإنّما تعلّقا بصدوره عن الاِنسان بماله من خصوصية وميزة. وما تقدم منّا في تفسير تعلّق الاِرادة الاَزلية بصدور المعاليل عن عللها، كاف في توضيح المقام.

جـ : القدر والقضاء العينَّيان

كل ما في الكون فهو لا يتحقّق إلاّ بقدر وقضاء، أمّا القدر فهو عبارة عن الخصوصيّات الوجودية التي تُبيِّن مكانة وجود الشيء على صفحة الوجود، وانّه من قبيل الجماد أو النبات أو الحيوان أو فوق ذلك، وأنّه من الوجودات الزمانية، والمكانية، إلى غير ذلك من الخصوصيات التي تُبيِّن وضعَ الشيء وموضعه في عالم الوجود.

وأمّا القضاء، فهو عبارة عن وصول الشيء حسب اجتماع أجزاء علّته إلى حد يكون وجوده ضرورياً وعدمه ممتنعاً، بحيث إذا نسب إلى علِّته يوصف بأنّه ضروري الوجود.


(305)

فلاَجل ذلك استعير لبيان مقدار الشيء من الخصوصيات لفظ «القدر»، ولتبيين ضرورة وجوده وعدم إمكان تخلّفه، لفظ «القضاء» وفسّر أئمة أهل البيت: القدرَ بالهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء، والقضاء بالاِبرام وإقامة العين.

وعلى ذلك فيجب علينا أن نبحث عن التقدير والقضاء العينيين اللّذين أخبر عنهما الكتاب العزيز وقال: (إنّا كُلَّ شيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر)(1)

وقال سبحانه: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وأوْحَى فِي كُلّ سَمَاءٍ أمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمصابِيحَ وحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيم)(2).

فلا يوجد على صفحة الوجود الاِمكاني شيء إلاّ بظل هذين الاَمرين:

1. تقدير وجود الشيء وتحديده، بخصوصيات تناسب وجودَه،فلا يوجد شيء خالياً عن الحدّ والتقدير سوى الله تعالى سبحانه.

2. لزوم وجوده، وضرورة تحقّقه بتحقّق علِّته التامة التي


(1)القمر: 49 .

(2)فصلت: 12 .

(306)

تُضفي على الشيء وصفَ الضرورة والتحقّق. وإلى ذلك يشير النبي الاَكرم بقوله: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربعة»، وعدّ منها القدر(1) ويشير إليه الاِمام الطاهر موسى بن جعفر7 بقوله: «لا يكون شيء في السموات والاَرض إلاّ بسبعة» وعدّ منها القضاء والقدر.(2)

فالعالم المشهود لنا لا يخلو من تقدير وقضاء. فتقديره، تحديد الاَشياء الموجودة فيه من حيث وجودها، وآثار وجودها، وخصوصيات كونها بما أنّها متعلّقة الوجود والآثار بموجودات أُخرى، أعني: العلل والشرائط، فيختلف وجودها وأحوالها باختلاف عللها وشرائطها، فهي متشكّلة بأشكال تعطيها الحدود التي تحدّها من الخارج والداخل، وتُعيِّن لها الاَبعاد من عرض وطول وشكل وهيئة وسائر الاَحوال من مقدار الحياة والصحة والعافية أو المرض والعاهة ما يناسب موقعها في العالم الاِمكاني. فالتقدير يهدي هذا النوع من الموجودات إلى ما قدِّر له في مسير وجوده. قال تعالى: (الّذي خَلَقَ فَسَوى * والّذِي قَدَّرَ فَهَدَى)(3)أيّ هدى ما خلقه إلى ما قدر


(1)البحار: 5 | 87 ، ح 2 .

(2)المصدر نفسه: 88 ، ح 7 .

(3)الاَعلى: 2 ـ 3 .

(307)

له. وقال سبحانه: (مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَه)(1)

وفي قوله سبحانه: (ثم السبيلَ يسّره)إشارة لطفية إلى أنّ التقدير لا يسلب منه الاختيار، وفي وسع الاِنسان أن يبطل بعض التقدير أو يؤيّده ويدعمه فيذهب عن نفسه العاهة أو يؤكّدها ويثبتها.

وأمّا قضاؤه، فلمّا كانت الحوادث في وجودها وتحقّقها منتهية إليه سبحانه، فما لم يتم لها العلل والشرائط الموجبة لوجودها فإنّها تبقى على حال التردّد بين الوقوع واللاوقوع، فإذا تمت عللها وعامة شرائطها ولم يبق لها إلاّ أن توجد، كان ذلك من الله قضاء وفصلاً لها من الجانب الآخر وقطعاً للاِبهام.

التقدير مقدّم على القضاء

إذا كان التقدير بمعنى تحديد وجود الشيء، والحد ما يتحدّد به الشيء فهو مقدّم على القضاء بمعنى ضرورة وجوده، لاَنّ الشيء انّما يتحدّد، بكل جزء من أجزاء العلّة فإنّ كل واحد منها يؤثر أثره في المعلول على حدته. فحيث إنّ أجزاء العلّة


(1)عبس: 19 ـ 20 .

(308)

تتحقّق قبل تمامها، وكل جزء منها يؤثر أثره في محيطه، ويكون أثره تحديدَ الموجود وصبغه، يجب أن يكون التقدير مقدّماً على القضاء، فصانع الطائرة يهيّىَ لمصنوعه قِطَعاً وأجزاءً صناعية مختلفة، كل منها من صُنع مصَنَعٍ، ثم يركّب هذه الاَجزاء بعضها مع بعض، فيصل إلى حد القضاء، فتكون طائرة تُحلّق في السماء.

ومثله الثوب المخيط، فإنّ هناك عوامل مختلفة تعطيه صورة واحدة، مثل تفصيل القميص، والخياطة الخاصة، وغير ذلك من الخصائص التي تُحدِّد الثوب قبل وجود العلّة التامة.

وفي ضوء هذا البيان يمكن أن يقال: إذا كان الشيء موجوداً مادياً، وكانت علّته علّة مركّبة من أجزاء، فتقديره مقدّم على قضائه، حيث إنّ تأثير الجزء مقدّم على تأثير الكل. وأمّا الموجودات المجرّدة المتحقّقة بعلّة بسيطة، فالتقدير والقضاء العينيان فيها يكونان في آن واحد، فإنّ الخلق والاِيجاد، الذي هو ظرف القضاء، هو نفس ظرف التقدير والتحديد.

وبهذا يتضح سر تأكيد الاِمام - عليه السّلام- على تقدم القدر على القضاء.


(309)

روى البرقي في «المحاسن» بسنده عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله - عليه السّلام- : «إنّ الله إذا أراد شيئاً قدّره، فإذا قدّره قضاه، فإذا قضاه أمضاه»(1).

تقسيم فعل الاِنسان إلى قسمين

إن أفعال الاِنسان على قسمين قسم منه يصدر عن اضطرار، وقسم منه يصدر عن اختيار، فالمقدّر والمقصى في الاَوّل الصدور الاضطراري، وفي الثاني الصدور الاختياري.

حتى أنّ المقدّر من الاَفعال في ليلة القدر، حسب قوله سبحانه: (إنّا أنزّلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنذِرِينَ * فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيم)(2)هو الفعل بماله ميز.

نعم الاِنسان يعيش في عالم مليىَ بالحوادث والظواهر المفروضة عليه، ولكن ما فرضت عليه من الحوادث ليس ملاكاً للحسن والقبح، والثواب والعقاب، وما هو كذلك، فالكل فعل اختياري له.


(1)المحاسن : 243 ـ 244. ورواه المجلسي في البحار 5 | 121، الحديث 64 .

(2)الدخان: 3 ـ 4 .

(310)

بقي الكلام في أخبار الطينة، فقد كفانا في ذلك ما حقّقه السيد الجليل شبر في كتاب «مصابيح الاَنوار في مشكلات الاَخبار» فراجعه. وما حققه سيدنا الاستاد في هذا المقام(1)

قال المحاضر بلغ الكلام إلى هنا ول
ليلة الخامس والعشرين من ذي الحجة الحرام من شهور عام 1415هـ .
ويقول المحقّق: تم اعداده وتنسيقه
وغفرانه، سعيد بن العلاّمة الحجة المحاضر جعفر السبحاني مدّ ظلّه في دار المؤمنين، عش آل محمد6 ، قم المحمية.


(1)لاحظ « لبُّ الاَثر» بقلم شيخنا الوالد تقريراً لدرس الامام 1. ص 111 من هذه المجموعة.
Website Security Test