welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : لبُّ الاَثر في الجبر و القدر*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

لبُّ الاَثر في الجبر و القدر

(260)

(261)

الفصل الثالث

شبهات وحلول


(262)

(263)

شبهات حول الاختيار

الشبهة الاَُولى

الهداية والضلالة بيد الله تبارك وتعالى

إذا كان الاِنسان مختاراً في أفعاله، فما معنى ما تضافرت عليه الآيات من أنّ الهداية والضلالة بيده سبحانه يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء، إذ معنى الاختيار انّ الاِنسان هو الذي يختار الهداية أو الضلالة، لا أنّهما تفرضان عليه، والمعنى الثاني يلازم كونه مسيّراً فيهما لا مخيّراً، وإليك لفيفاً من الآيات الدالّة على أنّ الضلالة والهداية بيده سبحانه، ولا يمتّان إلى العبد بصلة، نذكر منها ما يلي :

1. قال سبحانه: (وَمَا أرْسَلْنا مِن رَسْولٍ إلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبِّيِنَ لَهُمْ فَيُضِلُ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيم)(1)

2. وقال سبحانه: (وَلَو شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً ولَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ ويَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنتُمْ تَعْمَلُون)(2)


(1)إبراهيم: 4 .

(2)النحل: 93 .

(264)

3. وقال سبحانه: (أفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِماَ يَصْنَعُون)(1)

إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المجال؟

والجواب: انّ تفسير ما ورد حول الضلالة والهداية من الآيات لا يتيسّر إلاّ بالنظر إلى مجموع ما ورد في ذلك المجال، فإنّ الآيات الواردة في ذلك المضمار متخالفة المفهوم، وربما يتراءى في بادىَ الاَمر وجود التضارب بينها، ولكن إذا نظرنا إلى المجموع، وجعلنا البعض قرينة للآخر، يُصبح المجموع ذا معنى واحد، وهذا ما يتكفّله التفسير الموضوعي لآيات القرآن الكريم، وإلاّ فهناك آيات وقعت ذريعة للجبريّين كما عرفت، وآيات أُخرى اتّخذتها المفوضة سنداً لمذهبها، وما هذا الاختلاف إلاّ للنظر إلى بعض الآيات غافلاً عن البعض الآخر، ولو وقع الجميع مورداً للنظر والدراسة لاَصبح الكل هادفاً إلى معنى واحد لا إلى الجبر ولا إلى الاختيار بمعنى التفويض.

ويعلم ذلك ببيان أقسام الهداية الاِلهية، وإليك البيان:


(1)فاطر: 8 .

(265)

الهداية العامة

هناك آيات دالّة على أنّ هداية الله سبحانه لا تختص بفرد دون فرد، بل تعم جميع الناس بل أوسع منهم، فتعم جميع الموجودات عاقلها وغير عاقلها، وتتلخص الهداية العامة في الهدايتين: التكوينية والتشريعية، وإليك بيانها:

أ. الهداية العامة التكوينية

هناك لفيف من الآيات تدل على أنّه سبحانه ما خلق شيئاً إلاّ وقد هداه إلى الغاية التي خُلق لاَجلها، قال سبحانه ناقلاً عن لسان نبيه الكليم: (رَبُّنا الّذي أعْطَى كُلَّ شيءٍ خَلْقَهُ ثُمّ هَدَى)(1)وأيّ تعبير أصرح من هذا الكلام بأنّ كل مخلوق مقرون بالهداية، ولاَجل ذلكترى أنّ الحبة المستورة تحت التراب سوف تشقُّ الاَرض وتخرج منها وتأخذ بالنمو والرشد حتى تصير شجرة مثمرة، ومثلها الحيوان والاِنسان.

قال سبحانه: (سَبِّحِ اسْمَ رَبّكَ الاََعْلَى * الّذي خَلَقَ فَسَوّى * وَالّذي قَدَّرَ فَهَدى)(2)ومعنى الآية أنّه سبحانه خلق كل شيء بتقدير خاص تتبعه الهداية العامة.


(1)طه: 50 .

(2)الاَعلى: 1 ـ 3 .

(266)

وهذه الآيات واردة في الدلالة على عموم الهداية التكوينية لجميع الموجودات.

وهناك آيات تدل على وجودها في قسم خاص منها كالنحل، يقول سبحانه: (وأَوحى رَبُّك إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي من الجِبَالِ بُيُوتاً ومن الشَّجَر ومّما يَعْرشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلّ الَّثمراتِ فاسلُكي سُبُلَ ربّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ من بُطُونها شَرابٌ مُخْتَلفٌ ألوَانُهُ فِيهِ شِفاءٌ للنَّاسِ إنَّ في ذَلِكَ لآيةً لِقَوْمٍ يَتَفَكّرون)(1)فالآية صريحة في أنّ ما يقوم به النحل من الاَعمال الغريبة من اتخاذها الجبال والشجر وما يُعرش من الكرم بيوتاً، كلّها بوحي من الله سبحانه، كما أنّ أكلها من كل الثمرات وانتهائه إلى خروج شراب مختلف ألوانه بتعليم منه سبحانه تعليماً عاماً لجميع أفراد النحل بلا استثناء.

ونرى مثل تلك الهداية العامة في حق الاِنسان، ولكن باختلاف مجال الهداية سعة وضيقاً، فمجال الهداية في النحل يرجع إلى حياتها المادية وأعمالها الجسمانية، لكن مجال الهداية العامة في الاِنسان يعم كلتا الهدايتين المادية والمعنوية، يقول سبحانه: (ألَمْ نَجْعَل لَهُ عَيْنَيْنِ * ولِسَاناً وشَفَتَيْنِ * وهَدَيْناهُ


(1)النحل: 68 ـ 69 .

(267)

النَّجْدَيْنِ)(1)يقول سبحانه: (ألم نجعل له عينين) ليبصر بهما آثار حكمته (ولساناً وشفتين) لينطق بهما فيبين باللسان، ويستعين بالشفتين على البيان (وهديناه النجدين) أيّ سبيل الخير والشر، فالاِنسان بفطرته الطاهرة يعرف الحسن والقبيح ويميز الخير عن الشر قبل أن يدخل في مدرسة أو يتلمذ على يد إنسان .

ويقول سبحانه: (ونَفْسٍ وَمَا سَوّاها * فَألْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْواها)(2).

يريد بالنفس نفس الاِنسان، فالله سبحانه يخبر عن أنّه عدَّل خلقها، وسوّى أعضاءها، بل سوّى عقلها الذي به فُضِّل على سائر الموجودات، فعرّفها طريق الفجور والتقى، وفي الوقت نفسه زهّدها في الفجور ورغّبها في التقوى كل ذلك يُحِّسه الاِنسان في صميم ذاته، حيث إنّه إذا ترك الفجور ولو لسبب خارج عن الاختيار يفرح به، وما هذا إلاّ انسياق ذاته إلى الخير والتقوى.

وهذا القسم من الآيات يصرّح بعمومية الهداية التكوينية على اختلاف مجالها سعة وضيقاً لجميع الموجودات، وإليك


(1)البلد: 8 ـ 10 .

(2)الشمس: 7 ـ 8 .

(268)

القسم الثاني من الهداية العامة.

ب. الهداية العامة التشريعية

إذا كانت الهداية التكوينية العامة أمراً نابعاً من صميم الشيء، فالهداية التشريعية العامة مفاضة عليه بواسطة عوامل خارجة عن ذاته، كالاَنبياء والرسل والاَولياء والاَوصياء وخلفائهم والمصلحين.

قال سبحانه: (وإن مِن أُمّةٍ إلاّ خَلاَ فيها نَذِير)(1)

وقال سبحانه: (لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبّيِنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بالقِسْط)(2)إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على عمومية الهداية التشريعية لكل إنسان قابل أو مجتمع مستعدٍّ لهذه الاِفاضة.

فإرسال الرسل، وإنزال الكتب، ودعوة العلماء والمصلحين من فروع هذه الهداية العامة، كما أنّ هداية النبي الاَكرم وهداية كتابه من فروعها، قال سبحانه: (وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم)(3) وقال تعالى في هداية القرآن إلى الطريق الاَقوم: (إنَّ


(1)فاطر: 24 .

(2)الحديد: 25 .

(3)الشورى: 52 .

(269)

هَذا القُرآنَ يَهْدِي لِلّتِي هِيَ أقْوَم)(1)

فعمومية الهداية التشريعية لكلّ مكلّف في الاَرض تنفي الجبر وتثبت الاختيار، إذ في وسع كل إنسان أن يهتدي بعقله وبما خصّه سبحانه به من هداية الاَنبياء والرسل والزبر والكتب، فإذا سادت الهداية التشريعية على عامة الاَفراد لما بقي للجبر مكانة.

إنّه سبحانه يصرّح في بعض آياته بأنّه لا يعذّب قبل بعث الرسل أو لا يهلك القرى إلاّ بعد بعثهم قال سبحانه: (وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا)(2)وقال سبحانه: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمّها رَسُولا)(3)كما أنّه يؤكد في بعض الآيات على صحة منطق الاِنسان ويقول: (وَلَو أنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذَابٍ من قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبل أن نَذِلَّ ونَخْزَى)(4) وهو بنقله احتجاج الاِنسان على الله إذا لم يبعث الرسل، يقرّر صحته، ولاَجل هذا لم يكن هناك هلاك إلاّ وقد سبقته الهداية الاِلهية العامة، كإرسال الرسل وغيره.

فإذا كان ملاك الجبر والاختيار هو ضيق الهداية الاِلهية أو


(1)الاِسراء: 9 .

(2)الاِسراء: 15 .

(3)القصص: 59 .

(4)طه: 134 .

(270)

شمولها، فالآيات تصرّح بالعمومية فيبطل الجبر ويثبت الاختيار، وأمّا ما معنى كون الهداية والضلالة بيده، فيتضح بالبحث التالي .

الهداية الخاصّة

إذا كانت هناك هداية عامة تكوينية أو تشريعية، فهناك هداية خاصة ببعض الناس ولا تعم الجميع، ولو انّ بعض الآيات تُعلِّق الهداية والضلالة بمشيئته سبحانه، فهي ناظرة إلى ذلك القسم من الهداية التي تخص بعض العباد، ولكن ليس تخصيصها ببعض العباد بلا ملاك.

والملاك بيد الاِنسان، وهو انّ من استضاء بنور الهداية العامة التكوينية والتشريعية، فقد تعلّقت مشيئته سبحانه بهدايته بالهداية الخاصة ورفع مستوى الهداية التي استَحْصَلَها قبلها، فيقع مورداً للعناية الربّانية، ولاَجل ذلك نرى أنّه يخص تلك الهداية بإنسان منيب أو إنسان مجاهد في سبيل الله أو المهتدي بالهداية.

يقول سبحانه: (إنّ اللهَ يُضلُّ من يشاءُ ويهدي إليه مَن أنَاب)(1)


(1)الرعد: 27 .

(271)

ويقول أيضاً: (اللهُ يَجْتَبِي إليهِ مَن يَشَاءُ ويَهْدِي إليه مَن يُنيِب)(1)

وفي آية ثالثة يقول: (والّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وإنَّ اللهَ لَمَعَ الُمحْسِنِين)(2)

وفي آية رابعة: (والّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى)(3)

وفي آية خامسة يقول: (إنَّهُمْ فِتيَةٌ آمنُوا بِرَبّهِم وَزِدنَاهُم هُدىً * وَرَبَطْنا عَلَى قُلُوبِهِم إذ قَامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السّمَواتِ والاَرْضِ * لَن نَدْعُوَا مِن دُونِهِ إلَهاً لَقَدْ قُلْنا إذاً شَطَطا)(4)

فخصَّ سبحانه هذا القسمَ من الهداية بقسم من الناس دون قسم، بملاك انّ المعنيّين بالهداية الخاصة صاروا مستحقّين لنزول تلك الرحمة، إما بإنابتهم إليه سبحانه، أو بجهادهم في سبيله، أو بإيمانهم القويّ بربهم، ففي هذه الحالة شملتهم العناية الربانية الخاصة، فجهّزهم بهداية ثانية التي يعبر عنها بقوله (يهدي إليه من ينيب) و (لنهدينهم سبلنا) و (زادهم هدى) و (ربطنا على قلوبهم).

فالهداية الخاصة تتَّبع مشيئة الله، وليست مشيئته اعتباطية،


(1)الشورى: 13 .

(2)العنكبوت: 69 .

(3)محمد: 17 .

(4)الكهف: 13 ـ 14 .

(272)

بل تتبع لصلاحيات اكتسبها أصحابها بالاهتداء بالهداية الاَُولى العامة واتَّبعتها أعمال صالحة.

فكما أنّه سبحانه يعلّق هدايته على مشيئته، يُعلِّق إضلاله عليها أيضاً، وليست مشيئته في هذا المورد أيضاً بلا ملاك وليس هو إلاّ إعراض العبد عن الاهتداء بالهداية العامة، فانتهى أمره إلى اكتساب صفات تمنع نفوذ الهداية الاِلهية الثانية، بل يستحق معها حرمان الهداية الاِلهية، يقول سبحانه: (واللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمين)(1)

وفي آية ثانية: (ويُضِلُّ اللهُ الظَّالِميِنَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاء)(2)

وفي آية ثالثة: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلاّ الفَاسِقِين)(3)

وفي آية رابعة: (إنَّ الّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إلاّ طَرِيقَ جَهَنَّم)(4)

وفي آية خامسة: (فَلَمّا زَاغُوا أزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِين)(5).

وبما أنّ تعليق الحكم على الوصف مشعر بالعلّية، فإضلاله


(1)الجمعة: 5 .

(2)إبراهيم: 27 .

(3)البقرة: 26 .

(4)النساء: 168 ـ 169 .

(5)الصف: 5 .

(273)

سبحانه النابع عن مشيئته، يعمّ الظالم والفاسق والزائغ قلبه، لظلمهم وزيغهم وفسقهم المكتسبة، فتصير هذه الحالات حُجُباً تمنع من نفوذ الهداية الاِلهية الثانية ،ويصدق انّه سبحانه أضلّه وليس لحرمانه سبب إلاّ عمله وحاله.

وعلى ضوء ذلك يكون المراد من الاِضلال حرمانه من الهداية الثانية، ولاَجل ذلك يذكر سبحانه إضلاله بعد إرسال الرسل، فكان إعراضه عنهم صار سبباً لحرمانه من العناية الخاصة قال سبحانه: (وَمَا أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلاّ بِلسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ ويَهْدِي مَن يَشاء)(1)يذكر إضلاله وهدايته بعد الاِخبار عن إرساله للرسل، فالآية تدلّ على أنّ الهداية والضلالة التابعة لمشيئته ترجع إلى الظروف التي تَمّتْ فيها الحجة على العبد بالهداية العامة، وعند ذاك فمن استضاء بالهداية العامة عمّته الهداية الثانية، وإلاّ يحرم منها ويكون حرمانُه إضلالَه لا شيئاً آخر.

وعند ذاك تستطيع إرجاع جميع ما ورد حول الضلالة والهداية إلى معنى واحد من دون أن نتصور أيّ اختلاف في محتواها، بل كل قسم من الآيات يشير إلى بعد من أبعاد الهداية


(1)إبراهيم: 4 .

(274)

والضلالة، فالآيات المطلقة تهدف إلى الهداية العامة التكوينية والتشريعية، والآيات المعلّقة بالمشيئة ناظرة إلى الهداية الخاصة، فإذن لا منافاة بين الآيات، كما أنّها لا تهدف إلى الجبر بل إلى الاختيار.

نعم هناك جملة من الآيات تدلّ على أنّ مشيئته الاَزلية لم تتعلّق بهداية الكل، قال سبحانه: (وَلَو شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجَاهِلِين)(1)

وقال سبحانه: (ولَوْ شَاءَ اللهُ مَا أشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِم حَفِيظاً)(2).

وقال سبحانه: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لاََمَنَ مَن فِي الاَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً)(3)

وقال سبحانه: (وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أجْمَعِين)(4)

وقال سبحانه: (ولَوْ شِئْنا لاََتينا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاها)(5)

إنّ هذه الآيات ناظرة إلى الهداية الجبرية التي تسلب عن الاِنسان الاختيار والحرية والقدرة على الطرف المقابل. ولما


(1)الاَنعام: 35 .

(2)الاَنعام: 107 .

(3)يونس: 99 .

(4)النحل: 9 .

(5)السجدة: 13 .

(275)

كان مثل هذه الهداية الخارجة عن الاختيار، منافية لحكمته سبحانه أوّلاً، وغير رافعة لمنزلة الاِنسان ثانياً، نفى سبحانه تعلّق مشيئته بها، إذ لا قيمة للاِيمان غير المكتسب والهداية الجبرية، وانّما القيمة للاِيمان الذي يكتسبه الاِنسان بفكره واختياره، كما أنّ القيمة للهداية التي يتبنّاها الاِنسان باختياره.

هذا موجز القول في الآيات الواردة حول الهداية والضلالة، ولا تُحلّ عقدة هذه الآيات إلاّ بالنظر إليها جملة واحدة، وإلاّ فالاَخذ بآية واحدة وردت لبيان بُعْد خاص وتناسي سائر الآيات التي تصلح أن تكون قرينة على مفادها، ليس تفسيراً واقعيّاً للقرآن، كيف والقرآن يفسّر بعضه بعضاً؟!


(276)

شبهات حول الاختيار

الشبهة الثانية

هل الحسنة والسيئة من الله أو من العبد؟

ربّما يتبادر إلى الذهن في بادىَ النظر وجود الاختلاف في بيان القرآن في منشأ الحسنات والسيئات، فقد اختلف بيانه ـ في بادىَ النظر ـ في منشئهما.

فتارة ينقل عن المنافقين بأنّهم كانوا ينسبون الحسنة إلى الله والسيئة إلى النبي الاَكرم تطيّراً بوجوده، ثم يأخذ القرآن بردّه، ويقول: إنّ كلاًّ منهما منه سبحانه.

قال تعالى: (وإن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وإن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِن عِندِ اللهِ فَمال هؤلاءِ القَوْمِ لاَ يَكادُون يفْقَهُونَ حَدِيثا)(1)

فعلى ضوء هذه الآية تكون الحسنة والسيئة من الله، ولكنّه في آية أُخرى يفرّق بين الحسنة والسيئة، فينسب الحسنة إلى الله


(1)النساء: 78 .

(277)

والسيئة إلى الاِنسان.

يقول سبحانه بعد الآية المتقدمة: (ما أصَابَكَ مِن حَسَنةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أصَابَكَ مِن سَيّئةٍ فَمِن نَفْسِكَ وأرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً)(1).

فكيف نَجمع بين الآيتين مفاداً؟

الجواب :

إنّ المنافقين حسبَ ما ورد في الآية الاَُولى نسبوا الحسنة إلى الله، والسيئة إلى النبي، ولكن فراعنة عصر موسى تبنَّت رأياً أشدَّ بطلاناً ممّا تبنّاه المنافقون، حيث إنّهم نسبوا الحسنات إلى أنفسهم (مكان انتسابها إلى الله) والسيئات إلى نبيّهم الكليم، قال سبحانه: (وَلَقَدْ أخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثمَّراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإذا جَاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قَالُوا لَنا هَذِهِ وَإن تُصِبْهُمْ سَيّئةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَن مَعَهُ ألاَ إنّما طائِرُهُمْ عِندَ اللهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُون)(2)

والقرآن يعدّ تيْنك النظريتين خاطئة، وناشئة من عدم معرفة ما عليه عالم الاِمكان من انتساب جميع الحوادث (حُلْوها ومُرّها) إلى الله سبحانه، وأن لا مؤثر في الوجود إلاّ هو، وأنّ كل


(1)النساء: 79 .

(2)الاَعراف: 130 ـ 131 .

(278)

ما في الكون من جواهر وأعراض وحركات وأفعال كلّها منتهية إلى الله سبحانه، فليس في عالم الكون مؤثران مستقلان، يؤثر أحدهما في الحسنة والآخر في السيئة، والنظريتان مبنيتان على الشرك في الخالقية، غير انّ المنافقين نسبوا الحسنة إلى الله والسيئة إلى النبي، والفراعنة نسبوا الحسنات إلى أنفسهم والسيئات إلى نبيّهم.

والله سبحانه يردّ كلتا النظريتين، أمّا نظرية المنافقين فيقول ردّاً عليها: (قل كل من عِندِ الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا)وأمّا نظرية الفراعنة من تطيّرهم بموسى، وبالتالي نسبة السيئة إليه فيقول:

(ألاَ انّما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون) وانّه تعالى هو الذي يأتي بطائر البركة وطائر الشؤم من الخير والشر والنفع والضرر، فلو عقلوا لطلبوا الخير والسلامة من الشر منه.

وعلى كل تقدير فالمراد من الحسنة والسيئة في الآيات، هو السرّاء والضرّاء، والبؤس والرخاء، والنعمة والمصيبة، والخصب والجذب، والظفر والهزيمة، والغنيمة والحرمان، والموت والحياة، فكلها أُمور ممكنة، وكل ممكن قائم بالله سبحانه، متحقّق بإيجاده، فلا يمكن أن ينتسب شيء إلى غيره


(279)

سبحانه.

وهؤلاء المنافقون إنّما اخترعوا نظرية الشرك تعييراً بنبيهم وتضعيفاً لعقول أتباعهم، فجعلوا الحسنة منسوبة إلى الله والسيئة إلى نبيّهم، ولم يكن الداعي لهذا التفريق إلاّ التعيير بالنبي الاَكرم، كما أنّ الفراعنة ركبوا مركب الغرور فجعلوا أنفسهم مبادىَ الحسنة، ونبيّهم مبدأ السيئة. ولم يكن دافعهم إلى هذا التقسيم إلاّ ازدراءهم بنبيهم، ولكنهم لو كانوا موضوعيين في التفكير عارفين بالكون وما يجري فيه، وانّ كل ممكن ينتهي إلى الواجب لرفضوا ذلك التقسيم، ولنسبوا الاَُمور، حسنها ونافعها، سيّئها وضارّها إلى الله سبحانه.

إلى هنا تبيّن مفاد الآية الاَُولى وانّ مقتضى التوحيد في الخالقية والربوبية هو إنهاء كل شيء ممكن إلى الله سبحانه.

وأمّا الآية الثانية، فنذكر قبل تفسيرها نكتتين:

الاَُولى: انّ محاسن بلاغة الآية انّه عدل سبحانه عن الخطاب إليهم ـ لاَنّه وصفهم بأنّهم قوم لا يفقهون ـ إلى الخطاب إلى نبيه وقال: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) فلو كان القوم عارفين لوجّه الخطاب إليهم، وقال ما أصابكم من


(280)

حسنة.... وما أصابكم من سيئة...، فلاَجل فقدانهم الفهم عدل عن مخاطبتهم إلى مخاطبة النبي، ولكن ليس للنبي هناك خصوصية، بل هو وجميع الناس بالنسبة إلى مفاد الآية الثانية سواسية.

الثانية: انّ الآية الثانية وردت بعد الآية الاَُولى، فلا يمكن أن تحكم على خلاف الاَُولى، فلابد أن تكون في مفادها ناظرة إلى شيء آخر يتناسب مع مفاد الآية الاَُولى. وذلك انّ الآية الثانية تنسب الحسنة إلى الله والسيئة إلى الاِنسان، ولكن بملاك آخر غير الملاك الموجود في النسبة الاَُولى. وليس هذا الملاك إلاّ ملاحظة المناشىَ والمبادىَ التي تجر النقمة إلى الاِنسان، فالسيئات لاَجل وجودها الاِمكاني ممكنة منسوبة إلى الله تبارك وتعالى، وبما أنّ الاِنسان بطغيانه في حياته وركوبه المعاصي والموبقات يستحق نزول البلاء، فيصح ان تنسب السيئة إليه، لاَنّه هو الذي صار سبباً لنزول القهر والهزيمة والمصيبة إليه. ولولا أعماله السيئة، وطغيانه، لما نزلت الحوادث المؤلمة، في الحرب والسلم، وعلى ضوء ذلك فالسيئة بالمعنى الذي عرفته قابلة للملاحظة من جهتين، بما أنّها حادثة ممكنة، تنتهي إلى الله وتكون منه فتكون كالحسنة من الله تعالى، وبما انّ الاِنسان


(281)

بأعماله غير المرضية وطغيانه على ما كلّف به، يستحق النقمة والبلاء، تصح ان تنسب إليه السيئة، وكلتا النسبتين نسبة حقيقية لا تزاحم إحداهما الاَُخرى، ويؤيد صحة النسبة الثانية قوله سبحانه: (وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرَى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحنَا عَلَيْهِم بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والاَرْضِ ولَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِما كَانُوا يكِسبُون)(1)

فتكذيبهم الاَنبياء صار سبباً لسدّ أبواب بركات السماء والاَرض، فلا يكون نصيبهم في الحياة إلاّ الجدب والغلاء.

وهناك سؤال آخر وهو انّه إذا صحّت نسبة السيئة إلى الاِنسان لاَجل انّه هو الباعث بأعماله نزول الغلاء والجدب أو الهزيمة في الغزو، فلتكن كذلك الحسنة، فالاِنسان المطيع المخلص ينّزل البركة من السماء في ظلّ عمله، ومع ذلك لا ينسب القرآن، الحسنةَ إلى الاِنسان أبداً، فما هو الفرق بين السيئة والحسنة؟

والجواب :

انّ التحليل الصحيح يؤدّي بنا إلى القول بأنّ الحسنة من باب التفضّل لا من باب الاستحقاق، بخلاف السيئة فإنّها من باب


(1)الاَعراف: 96 .

(282)

الاستحقاق. فالاِنسان بطغيانه على مولاه وجرأته عليه يستحق نزول البلاء، ولكنه بإطاعته وإخلاصه وامتثاله لاَوامر مولاه لايستحق شيئاً على مولاه، لاَنّه انّما قام بالطاعة بالمواهب التي منحها الله سبحانه إليه، ولم يكن مالكاً لشيء، منفقاً له في مسير الطاعة حتى يستحقّ شيئاً على الله، بل انّ وجوده وإرادته وأعضاءه وأفعاله كلّها مواهب لله. فصار عمله أشبه بإحسان الولد لوالده بما ملّكه له، وللفرق الواضح بين الحسنة والسيئة نرى أنّ الحديث القدسي المنقول عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يفرق بين الحسنة والسيئة ويقول: «يا بن آدم بمشيئتي كنتَ أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبنعمتي أدّيتَ إليّ فرائضي، وبقدرتي قويت على معصيتي، خلقتك سميعاً بصيراً، أنا أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيئاتك منّي»(1)


(1)المجلسي: بحار الانوار: 5 | 4 ح 3، كتاب العدل والمعاد، الباب الاَوّل .

(283)

شبهات حول الاختيار

الشبهة الثالثة

ما معنى السعادة والشقاء الذاتيتين ؟

من الاَسئلة المثارة في مجال الجبر والاختيار هي تقسيم الناس إلى صنفين: سعيد وشقي، وانّ كل إنسان منذ كونه جنيناً في رحم أُمّهِ إمّا سعيد أو شقي، وهذا يكشف عن كونهما من الاَُمور الذاتية للاِنسان، ومعه لا يبقى للاختيار مفهوم، بل كلُّ مسيّر إلى ما توحيه ذاته، وقد اشتهر في الاَلسن انّ النبي الاَكرم -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «الشقي من شقي في بطن أُمّه، والسعيد من سعيد في بطن أُمّه»(1)فيقال ما معنى هذا التقسيم الذي لوصح بظاهره لاَدّى إلى الجبر؟

إنّ تفسير الحديث وإن كان لا يتوقف على بيان السعادة والشقاء في القرآن الكريم، لكن لاَجل الاِحاطة بالبحث نذكر ما


(1)الصدوق: التوحيد: 356 ح 3، باب السعادة والشقاء.

(284)

ورد في الكتاب العزيز، وربّما صار مستمسكاً للجبر. فنقول:

قد ورد في الذكر الحكيم آيتان:

الآية الاَُولى :

قال سبحانه: (يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلاّ بِإذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌ وَسَعِيدٌ * فَأمّا الّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفيِرٌ وشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيها مَادَامَتِ السّمَواتُ والاَرْضَ إلاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُريدُ * وأمّا الّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خالِدينَ فِيها مَادَامَتِ السَّمواتُ والاَرْضُ إلاّ ما شَاءَ رَبُّك عطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ)(1)

وقد استدلّ الرازي بهذه الآية على الجبر الاَشعري، الذي كان يتبنّاه وقال: اعلم أنّه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنّه سعيد، وعلى بعضهم بأنّه شقي، ومن حكم الله عليه بحكم وعلم فيه ذلك الاَمر، امتنع كونه بخلافه، وإلا لزم أن يصير خبر الله تعالى كذباً وعلمه جهلاً، وذلك محال، فثبت انّ السعيد لا ينقلب شقياً، وانّ الشقي لا ينقلب سعيدا.(2)

إنّ كلام الرازي يحتمل وجهين:

1. يعتمد في استدلاله على الجبر بعلمه سبحانه بأنّ الناس


(1)هود: 105 ـ 108 .

(2)الرازي: مفاتيح الغيب: 5 | 93، ط 1 ـ 1308 هـ.

(285)

يوم القيامة على صنفين: سعيد وشقي ، وبما انّ علمه لا يخطأ، فيكون كل إنسان مضطراً في سعادته وشقائه، غير مختار في اختيار أحدهما، إذ يلزم من كونهما اختياريين جواز تبديل الشقاء بالسعادة وبالعكس، وهو يوجب تطرّق الخطأ إلى علمه.

فلو أراد الرازي هذا المعنى، فقد مضى جوابه، وقلنا: إنّ علمه الاَزلي بمصير كل إنسان لا يجعله مجبوراً في مجال العمل، وذلك لاَنّ علمه كما تعلّق بصدور الفعل عن الاِنسان تعلّق بصدوره عنه عن اختيار، فلو صدر عن اضطرار للزم انقلاب علمه جهلاً، وقد مر تفصيل هذا الجواب فلا نطيل الكلام. وكون كل شخص مختاراً معناه أنّه يملك بالذات ان يُغيّر مصيره، وإن كان حسب الواقع غير مغيّر، فلا يلزم من القول بالاختيارية، محذور.

2. انّه سبحانه يحكم الآن على بعض أهل القيامة بأنّه سعيد، وعلى بعضهم بأنّه شقي. ولكن الاِجابة عنه واضحة بمثل الاِجابة عن علمه بانقسام الناس إلى صنفين، فحكمه سبحانه ناشىَ عن علمه بهما، وعلمه ليس إلاّ كشفه عن أحوالهم في الآخرة، وهذا لا ينافي أنّهم اكتسبوا هاتين الحالتين بأعمالهم


(286)

الصالحة والطالحة في الدنيا، فصاروا سعداء أو أشقياء في الآخرة.

الآية الثانية:

قال سبحانه: (قَالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شقوتنا وَكُنّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أخْرِجْنا مِنها فَإِن عُدْنا فَإنَّا ظَالِمُون)(1)

فيستظهر من إضافة الشقوة إلى أنفسهم أنّ شقاء المجرمين كان أمراً نابعاً من ذواتهم.

لكنه ظهور بدوي يزول بالاِمعان في مفاد الآية، بل الظاهر انّ في الاِضافة تلويحاً إلى أنّ لهم صنعاً في شقوتهم من اكتسابهم ذلك بسوء اختيارهم، ويدل على أنّ شقوتهم كانت أمراً اكتسابياً، أمران:

1. انّه سبحانه ذكر قبل الآية، السعادة بلفظ الفلاح، والشقاء بلفظ الخسران، وجعلهما من آثار ثقل الميزان وخفّته اللّذين يُعدّان من الاَُمور الاختيارية، قال سبحانه: (فَمنَ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُون)(2)أيّ السعادة النابعة من ثقل الميزان وقال سبحانه: (ومَنَ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولِئكَ الّذِينَ خَسِرُوا أنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ


(1)المؤمنون: 106 ـ 107 .

(2)المؤمنون: 102 .

(287)

خَالِدُون)(1) أي الشقاء النابع من خفة الميزان.

2. انّهم يطلبون من الله الخروج من جهنم والرجوع إلى الدنيا لكي يعملوا صالحاً ويصيروا سعداء، فلو كان شقاؤهم أمراً ذاتياً غير متغيّر، فما معنى طلب الخروج لكسب السعادة؟

إنّ الروايات تفسّر حقيقة السعادة، يقول الامام علي - عليه السّلام- : «حقيقة السعادة أن يختم الرجل عمله بالسعادة، وحقيقة الشقاء أن يختم المرء عمله بالشقاء»(2)وهو ظاهر في أنّهما من الاَُمور التي يستحصلها الاِنسان بأعماله.

بقي الكلام في تفسير الرواية المعروفة: «الشقي شقي في بطن أُمه، والسعيد سعيد في بطن أُمّه» فلهذا الحديث تفاسير نذكر منها وجهين:

الاَوّل: انّ السعادة والشقاء مفاهيم عامّة يوصف بها الاِنسان بملاكات مختلفة، إمّا من حيث الجسم فالصحة سعادة جسمانية والسقم شقاء كذلك، وإمّا من حيث الحياة الاجتماعية فالغنى سعادة والفقر المدقع شقاء ، كما يصح وصف الاِنسان بهما من


(1)المؤمنون: 103 .

(2)المجلسي: بحار الاَنوار 5 | 154 ح 5 باب السعادة والشقاء.

(288)

حيث سائر علاقاته من الزوجة والرفيق والبيئة، فالزوجة المطيعة والرفيق الوفي والبيئة المناسبة للجسم والروح سعادة، وأضدادها شقاء، وعلى ذلك فلا وجه في تخصيص السعادة والشقاء بالاِيمان والكفر، بعد كونهما ذا ملاكات متعدّدة. إذا علمت ذلك فنقول:

يمكن تفسير الحديث بالسعادة والشقاء، في بطن الاَُم بما يرجع إلى تكوينه وخلقته، فالجنين المتكوّن من «بويضة» سالمة و«حويمن» كذلك فهو سعيد في هذه الحالة وتترتب عليه سعادات أُخرى بعد خروجه من بطن أُمّه ؛ كما أنَّ المتكوّن من جزئين عليلين، شقيّ في هذه الحالة، تتوالى عليه شقاءات بعد خروجه من بطن أُمّه.

لا شك انّ لسلامة الاَب والاَُم تأثيراً في سلامة الاَولاد، فالاَولاد في بطون أُمّهاتهم بين سعيد وشقي يرافقانهم إلى آخر العمر، وبالنتيجة لا يرتبط الحديث بأمر الجبر والاختيار.

ولو قلنا بعمومية الحديث وانّ الاَولاد ترث روح العصيان والطاعة من الوالدين وميولهما، لكن ما يرثه الاَولاد لا تعدو من كون الموروث أرضية قابلة للتغيّر والتبدّل بأن يبدل روح الطغيان إلى ضدّه بالتدبّر فيما يترتّب عليه من الخسائر.


(289)

الثاني: ما ورد عن الاِمام موسى بن جعفر - عليه السّلام- قال: «الشقي من علم الله وهو في بطن أمّه انّه سيعمل أعمال الاَشقياء، والسعيد من علم الله وهو في بطن أمّه سيعمل أعمال السعداء»(1) سواء أصح ما ذكرنا من التفسير أم لم يثبت، فلا يمكن رفع اليد عن محكمات العقل والكتاب والسنّة بمثل هذا الحديث الذي ربما يحتمل أن يكون دخيلاً وموضوعاً.

تحليل فلسفي لرد كون الشقاء ذاتياً

وما ربما يقال إنّ السعادة والشقاء من الاَُمور الذاتية للاِنسان أمر لا يمكن المساعدة معه، وذلك لاَنّ الذاتي قد يطلق ويراد منه هو الذاتي في باب الكليات الخمس، وأُخرى يطلق ويراد منه الذاتي في باب البرهان، والاَوّل يتلخّص في النوع والجنس والفصل، والثاني يتلخّص فيما هو خارج عن حقيقة الشيء، ولكن يوضع بوضعه من دون حاجة إلى ضم ضميمة كالاِمكان بالنسبة إلى الجسم، ويقابله العرضي الذي لا يوضع بوضع الموضوع ويتوّقف حمله على الموضوع على ضم ضميمة إليه كالاَبيض بالنسبة إلى الجسم، فبما أنَّ الجسم ليس ملازماً للبياض، لا يصح وصفه بالاَبيض إلاّ بعد انضمام أمر خارج عنه


(1)التوحيد للصدوق: 356، باب السعادة والشقاء.

(290)

كالبياض إلى الجسم.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ السعادة والشقاء ليستا ذاتيتين بالمعنى الاَوّل، إذ ليستا جنساً ولا نوعاً ولا فصلاً للاِنسان، كما أنّهما ليستا ذاتيتين من النوع الثاني، لاَنّ الذاتي بهذا المعنى ينتزع من صميم الشيء بدون ضم ضميمة إليه وليس فرض الاِنسان وحده كافياً في انتزاع السعادة والشقاء عنه ما لم ينضم إليه شيء من العقيدة والعمل، فالعقائد الصالحة والاَعمال المرضية هي المصححة لانتزاع السعادة من الاِنسان، كما أنّ انضمام العقائد الفاسدة والاَعمال الطالحة هما المصحّحان لانتزاع الشقاء. وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّهما من الاَُمور التي يكتسبها الاِنسان طيلة حياته، سواء أرجعتا إلى الملكات الصالحة أو الخبيثة، أو إلى الاَعمال المنجية أو الموبقة.

Website Security Test