welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : لبُّ الاَثر في الجبر و القدر*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

لبُّ الاَثر في الجبر و القدر

(237)


1. الاِمكان في الوجود غيره في الماهية

إذا وقع الاِمكان وصفاً للماهية يكون معناه، تساوي نسبة الوجود والعدم إليها، فهي في عالم الاعتبار تقع في وسط الدائرة، وتكون نسبة الوجود والعدم إليها سواسية. ولكنّه إذا وصف به الوجود يمتنع تفسيره بهذا المعنى، لاَنّ نسبة الوجود إلى الوجود ـ المفروض ـ بالضرورة فلا محالة، يرجع معنى الاِمكان، إلى الفقر الذاتي والقيام به سبحانه.

وليس المراد من فقره، عروضُ الفقر عليه بعد ما لم يكن كذلك، أو عروض القيام به بعدَ ما لم يكن قائماً، إذ معنى ذلك انقلاب الواجب إلى الممكن ،بل المقصود، كونه فقيراً بالذات وقائماً بالغير ، وما هذا شأنه يبقى على ما كان عليه، وإلاّ يلزم انقلاب الممكن واجباً.

وبالجملة: الوجود على قسمين: غنيّ، وفقير ؛ مستقل، وقائم بالغير ؛ وجود قائم بنفسه، ومتدلّ بالغير، وكيف كان فلا ينقلب عمّا هو عليه.

إنّ الصادر منه سبحانه، هو الوجود، لا الماهية، ولا الماهية المنصبغة بها، وانّما الانصباغ لازم كونه واقعاً في مرتبة خاصة،


(238)

وليس الصادر منه هو الوجود المستقل بنفسه، إذ معنى ذلك، إيجاد الواجب وهو مع امتناعه ذاتاً، خلف الفرض، فلا محيص عن كون الصادر منه، هو الوجود غير المستقل، والقائم به، وما هو كذلك لا ينقلب عمّا هو عليه، ويكون في صلة دائمة بالله وموجده، وعند ذاك لا يمكن الفصل بين ذاته وفعله، إذا المتدلّي في ذاته، كيف يكون مستقلا في فعله؟

ولو أردنا أن نرسم مثالاً لكيفية تعلّق الممكن بالواجب، فعليك التأمّل في كيفية قوام المعنى الحرفي بالاسمي، فالاَوّل مسلوب الاستقلال، تصوّراً وتحقّقاً، ودلالة، فالظرف بالمعنى الحرفي، لا يتصوّر، بلا مظروف، كما لا يتحقّق بدونه، والحرف مثل «في» تفقد الدلالة إلاّ بالمدخول.

وهذا التشبيه يرسم لنا، مكانة المعلول الحقيقي بالنسبة إلى الفاعل الاِلهي، نعم ليست المعاليل المادية بالنسبة إلى عللها كذلك، إذ لا علية ولا معلولية هناك، بل غاية الموجود في العلل المادية هو استعداد مادّة للتبدّل إلى مادة أُخرى، بخلع صورة ولُبس صورة أُخرى، وليس للمادة دور سوى الاستعداد، وأمّا الخلع واللُبس، فهو رهن عوامل غير مرئية.

وبما ذكرنا تبطل دعوى التفويض وفصلُ الفعل عن الله


(239)

سبحانه، أو فصلُ الذات والفعل عنه سبحانه، بزعم أنّ مناط الحاجة هو الحدوث لا الاِمكان، (ومع كونه باطلاً كما تقدّم) لايجعل الممكن غنياً بعد الحدوث، إذ لازمة انقلاب الممكن واجباً، وهو أمر محال. وهذه المقدّمة تسوقنا إلى القول بأنّ فعل الاِنسان لا يفقد صلته بالله سبحانه في حال من الاَحوال. وهذا البرهان يُبطل التفويض.

2. النظام العلّي والمعلولي في الكون

إذا كانت حقيقة الوجود، حقيقة واحدة ذات مراتب مشككة كما هوالحق، وكانت الحقيقة في مرتبة من المراتب، ذات أثر خاص يجب أن يوجد ذلك الاَثر في المراتب النازلة أخذاً بوحدة الحقيقة، ولاَجل ذلك ذهب المفكّرون إلى سريان العلم والحياة والدرك إلى جميع مراتب الوجود.

ولو قيل إنّ الاَثر أثر المرتبة، فلا معنى لاِسرائه إلى سائر المراتب، فالجواب عنه واضح إذ ليست المرتبة شيئاً وراء الوجود، كما أنّ القوة ترجع إلى شدة الوجود، لا أنّه وجود وقوة، كذلك الضعف يرجع إلى نفاد الوجود القوي لا أنّه وجود وضعف.


(240)

نعم كما أنّ للوجود مراتب شديدة وضعيفة، فهكذا للاَثر مراتب حسب مراتب الوجود.

وعلى ضوء ذلك يبطل حصر التأثير على وجه الاِطلاق بالمرتبة الشديدة، وسلب أيّ تأثير عن غيرها، بل لازم وحدة الحقيقة، اشتراك المراتب حسب قوتها وضعفها في الآثار.

وهذا البرهان يُبطل نظرية الاَشاعرة، حيث أنكروا النظام العلّي في المراتب الاِمكانية، وحصروا العلّية على وجه الاِطلاق بالله سبحانه، وعطّلوا عالم الوجود الاِمكاني عن أيّ تأثير، وقالوا جرت عادة الله على خلق الحرارة عند وجود النار، من دون أيّ رابطة بين النار وحرارتها، وهكذا الماء والبرودة، مع أنَّ سُنَّة الله جرت على إدارة الكون ،في ظل الاَسباب والمسبّبات، فقد جعل لكلّ شيء سبباً، وجعل لكلّ سبب قدراً.

وعلى ضوء هذا لا يصح فصلُ فعل العبد عنه بتخيّل انّ نسبته إليه، يزاحم التوحيد الافعالي، وذلك لاَنّ تأثيره في مقام الاِيجاد ظلّي تبعيّ، وتأثيره سبحانه في الكون أصليّ استقلالي، فلا منافاة بين النسبتين لانهما طوليتان لا عرضيتان، فالفعل مستند إلى الله من جانب لاَنّه مفيض الوجود من البداية إلى النهاية، والعالم وما فيه قائم بوجوده، و في الوقت نفسه مستند


(241)

إلى العبد إذ لولاه ولولا إرادته، واختياره، لما كان عن فعله أثر، فالاَكل والشرب، والقتل والضرب، عناوين لفعله، تتحقّق بإعمال أعضائه فكيف يكون منفصلاً عنه؟

هذا إجمال ما يسوقنا إليه البرهان العقلي، ولكن بيان كيفية النسبتين، يتوقف على إفاضة في الكلام حتى يتضح مفهومها. فإنّ الاَنظار في المقام مختلفة.

1. نسبة الفعل إلى الله بالتسبيب وإلى العبد بالمباشرة

إنّ كثيراً من علمائنا بيّنوا حقيقة الاَمر بين الاَمرين، وخرجوا بهذه النتيجة: انّ نسبة فعل العبد إلى الله بالتسبيب وإلى العبد بالمباشرة، فإنّ الله سبحانه وهب الوجود والحياة والعلم والقدرة، لعباده وجعلها في اختيارهم، وانّ العبد هو الذي يصرف الموهوب في أيّ مورد شاء فيُنسب الفعل إلى الله تعالى لكونه مفيض الاَسباب، وإلى العبد لكونه هو الذي يصرفها في أيّ مورد شاء، والمثال الذي ذكره المحقّق الخوئي لتبيين النظريات الثلاث، يبيّن هذه النظرية، وإليك نصه:

لو فرضنا شخصاً مرتعش اليد، فاقد القدرة، فإذا ربط رجل بيده المرتعشة سيفاً قاطعاً، وهو يعلم أنّ السيف المشدود في


(242)

يده سيقع على آخر ويهلكه، فإذا وقع السيف وقتله، ينسب القتل إلى من ربط يده بالسيف، دون صاحب اليد الذي كان مسلوبّ القدرة في حفظ يده.

ولو فرضنا أنّ رجلاً أعطى سيفاً لمن يملك حركة يده وتنفيذ إرادته فقتل هو به رجلاً، فالاَمر على العكس، فالقتل ينسب إلى المباشر دون من أعطى.

ولكن لو فرضنا شخصاً مشلول اليد (لا مرتعشها) غير قادر على الحركة إلاّ بإيصال رجل آخر التيّار الكهربائي إليه ليبعث في عضلاته قوّة ونشاطاً بحيث يكون رأس السلك الكهربائي بيد الرجل بحيث لو رفع يده في آنٍ، انقطعت القوة عن جسم هذا الشخص في الحال وأصبح عاجزاً. فلو أوصل الرجل تلك القوة إلى جسم هذا الشخص، فذهب باختياره وقتل إنساناً، والرجل يعلم بما فعله، ففي مثل ذلك يستند الفعل إلى كل منهما، أمّا إلى المباشر فلاَنّه قد فعل باختياره وإعمال قدرته، وأمّا إلى الموصل فلاَنّه أقدره وأعطاه التمكّن، حتى في حال الفعل والاشتغال بالقتل، كان متمكناً من قطع القوة عنه في كل آنٍ شاء وأراد.

فالجبري يمثِّل فعل العبد بالنسبة إلى الله تعالى كالمثال


(243)

الاَوّل، حيث إنّ اليد المرتعشة فاقدة للاختيار ومضطرة إلى الاِهلاك.

كما أنّ التفويضي يمثّل نسبة فعله إليه كالمثال الثاني، فهو يصور أنّ العبد يحتاج إلى إفاضة القدرة والحياة منه سبحانه حدوثاً لا بقاءً والعلّة الاَُولى كافية في بقاء القدرة فيه إلى نهاية المطاف، كما أنّه كان الاَمر في المثال كذلك، فكان الاِنسان محتاجاً إلى رجل آخر في أخذ السيف، وبعد الحصول عليه انقطعت حاجته إلى المعطي.

والقائل بالاَمر بين الاَمرين يصور النّسبة كالمثال الثالث، فالاِنسان في كل حال يحتاج إلى إفاضة القوة والحياة منه إليه بحيث لو قطع الفيض في آن واحد بطلت الحياة والقدرة، فهو حين الفعل يفعل بقوة مفاضة منه وحياة كذلك من غير فرق بين الحدوث والبقاء ـ إلى أن قال ـ: إنّ للفعل الصادر من العبد نسبتين واقعيتين، إحداهما: نسبته إلى فاعله بالمباشرة باعتبار صدوره منه باختياره وإعمال قدرته ؛ وثانيتهما: نسبته إلى الله تعالى باعتبار أنّه معطي الحياة والقدرة في كل آن وبصورة مستمرة حتى في آن اشتغاله بالعمل.(1)


(1)المحاضرات: 2 | 87 ـ 88 ، أجود التقريرات: 1 | 90 .

(244)

غير انّ المتألّهين من الاِمامية لا يرضون بذلك البيان، ويرون انّ النسبة أرفع من ذلك، والاتصال الوثيق بين الواجب والممكن أشدَّ مما جاء في هذا المثال، ويبيّن موقفهم التمثيلان الآتيان :

أحدهما: ما ذكره معلم الاَُمّة الشيخ المفيد (336 ـ 413 هـ )، على ما حكاه عنه العلاّمة الطباطبائي في محاضراته، ولم أقف عليه في كتب الشيخ المفيد، وهو :

نفترض انّ مولى من الموالي العرفيين يختار عبداً من عبيده ويزوجه إحدى فتياته، ثم يقطع له قطعية ويخصّه بدار وأثاث، وغير ذلك ممّا يحتاج إليه الاِنسان في حياته إلى حين محدود ولاَجل مسمّى.

فإن قلنا: إنّ المولى وإن أعطى لعبده ما أعطى، وملّكه ما ملّك، لكنّه لا يَملك، وأين العبد من الملك، كان ذلك قول المجبرة.

وإن قلنا: إنّ المولى بإعطائه المال لعبده وتمليكه، جعله مالكاً وانعزل هو عن المالكية، وكان المالك هو العبد، كان ذلك قول المعتزلة.


(245)

ولو جمعنا بين الملكين بحفظ المرتبتين، وقلنا: إنّ للمولى مقامه في المولوية، وللعبد مقامه في الرقية، وانّ العبد يملك في ملك المولى، فالمولى مالك في حين انّ العبد مالك، فهنا ملك على ملك،

كان ذلك القول الحق الذي رآه أهل البيت: وقام عليه البرهان.(1)

وفي بعض الروايات إشارات رائعة إلى هذا التمثيل، منها :

ما رواه الصدوق في «توحيده» عن النبي الاَكرم6 قال: قال الله عزّ وجلّ: «يا بن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبإرادتي كنت أنت الذي تريد لنفسك ما تريد».(2)

ترى أنّه يجعل مشيئة العبد وإرادته، مشيئة الله سبحانه وإرادته، ولا يُعرّفهما مفصولتين عن الله سبحانه بل الاِرادة في نفس الانتساب إلى العبد، ولها نسبة إلى الله سبحانه.


(1)الميزان: 1 | 100 ، وقد أشار إلى هذا التنزيل في تعليقته على البحار، لاحظ ج 5 | 83. ومعناه في درسه الشريف عام 1368 هـ ق.

(2)التوحيد: 340، الحديث 10 باب المشيئة والاِرادة، ولاحظ بحار الاَنوار كتاب العدل والمعاد ج 62 و 63 مع تعليقة العلاّمة الطباطبائي على الاَوّل.

(246)

ثانيهما: ما ذكره صدر المتألّهين، وقال ما هذا حاصله :

إذا أردت التمثيل لتبيين كون الفعل الواحد فعلاً لشخصين على الحقيقة، فلاحظ النفس الاِنسانية، وقواها، فالله سبحانه خلقها مثالاً، ذاتاً وصفة وفعلاً، لذاته وصفاته وأفعاله، قال سبحانه: (وَفِي الاَرْضِ آياتٌ لِلمُوقِنِينَ * وفي أنفُسِكُم أفَلاَ تُبْصِرون)(1) وقد أُثر عن النبي والوصي القول بأنّه "من عرف نفسه، عرف ربه»(2)

إنّ فعل كل حاسة وقوة من حيث هو فعل تلك القوة، فعل النفس أيضاً. فالباصرة ليس لها شأن إلاّ إحضار الصورة المبصرة، أو انفعال البصر منها، وكذلك السامعة، فشأنها إحضار الهيئة المسموعة أو انفعالها بها، ومع ذلك فكل من الفعلين، كما هو فعل القوة، فعل النفس أيضاً، لاَنّها السميعة البصيرة في الحقيقة، وليس شأن النفس استخدام القوى بل هو فوق ذلك. لاَنّا إذا راجعنا إلى وجداننا نجد انّ نفوسنا بعينها الشاعرة في كل إدراك جزئي، وشعور حسي، كما أنّها المتحركة بكل حركة


(1)الذاريات: 20 و 21 .

(2)غرر الحكم: 268، طبعة النجف، وروي عن أمير المؤمنين 7 قوله: «أعلمكم بنفسه أعلمكم بربه» أمالي المرتضى: 2 | 329 .

(247)

طبيعية أو حيوانية منسوبة إلى قواها. وبهذا يتضح انّ النفس بنفسها في العين قوة باصرة وفي الاَُذن قوة سامعة، وفي اليد قوة باطشة، وفي الرجل قوة ماشية، وهكذا الاَمر في سائر القوى التي في الاَعضاء، فبها تبصر العين وتسمع الاَُذن وتمشي الرجل. فالنفس مع وحدتها وتجرّدها عن البدن وقواه وأعضائه، لا يخلو منها عضو من الاَعضاء عالياً كان أو سافلاً، ولا تبائنها قوة من القوى مدركة كانت أو محركة، حيوانية كانت أو طبيعية.

إذا عرفت ذلك، فاعلّم انّه كما ليس في الوجود شأن إلاّ وهو شأنه، كذلك ليس في الوجود فعل إلاّ فعله، لا بمعنى أن فعل زيد مثلاً ليس صادراً عنه، بل بمعنى انّ فعل زيد مع أنّه فعله بالحقيقة دون المجاز فهو فعل الله بالحقيقة. فكما أنّ وجود زيد بعينه أمر متحقّق في الواقع، منسوب إلى زيد بالحقيقة لا بالمجاز، وهو مع ذلك شأن من شؤون الحق الاَوّل، فكذلك علمه وإرادته وحركته وسكونه وجميع ما يصدر عنه منسوب إليه بالحقيقة لا بالمجاز والكذب. فالاِنسان فاعل لما يصدر عنه ومع ذلك ففعله أحد أفاعيل الحق الاَوّل على الوجه اللائق بذاته سبحانه.(1)


(1)الاَسفار: 6 | 377 ـ 378، و ص 374 .

(248)

هذا ما أفاده صدر المتألّهين من التمثيل عند تبيين حقيقة النظرية، وفي بعض الاَحاديث إشارة إليه روى الكليني في «الكافي»، عن أبان بن تغلب، عن أبي جعفر الباقر - عليه السّلام- : «إنّ الله جلّ جلاله قال: «وما يتقرب إليّ عبد من عبادي بشيء أحب إليّ ممّا افترضتُ عليه، وانّه ليتقرب إليّ بالنافلة، حتى أحبّه، فإذا أحببتُه كنت سمعَه الذي يَسمع به، وبصرَه الذي يُبصر به، ولسانَه الذي يَنطِق به، ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته»(1).

إلى هنا تم تبيين التمثيل المبيِّن لحقيقة النظرية، فسواء أكان المختار هو البيان الاَوّل المشهور بين الاِمامية، أم كان ما ذكره صدر المتألّهين، فالتحقيق هو أنّ الفعل فعل الله وهو فعلنا، إمّا بحديث التسبيب والاستخدام، أو لاَجل انّه لا يخلو شيء منه سبحانه، قال سبحانه: (وهُوَ مَعَكُم أينَ ما كُنتُمْ)(2)وقال سبحانه: (ونَحنُ أقربُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيد)(3)

والله سبحانه من وراء وجود فعل الاِنسان ومعه وبعده كالنفس بالنسبة إلى قواها وأفعالها، وقال سبحانه: (وَلَهُ المَثَلُ


(1)وسائل الشيعة: 3 | الباب 17، أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، ح 6 .

(2)الحديد: 4 .

(3)ق: 16 .

(249)

الاَعْلَى فِي السَّمَواتِوالاَرْضِ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيم)(1)

ثم إنّ القول بأنّ فعل العبد فعل الله سبحانه لا يصحح وصفه سبحانه بما يصدر من العبد كأكله وشربه ونكاحه، وقد ذكرنا في مسفوراتنا ضابطة قيمة لتمييز ما يصح وصفه سبحانه به عما لا يصح وصفه به مع كون النسبة محفوظة في الجميع، عند البحث في التوحيد في الخالقية، فراجع.(2)

بقي الكلام في الآيات والروايات التي يستنبط منها هذه النظرية بوضوح. وإليك بيانهما.

الاَمر بين الاَمرين في القرآن الكريم

إذا كان معنى الاَمر بين الاَمرين هو وجود النسبتين في فعل العبد: نسبة إلى الله سبحانه، ونسبة إلى العبد من دون أن تُزاحِم إحدى النسبتين، النسبةَ الاَُخرى، فقد قرّره الكتاب العزيز ببيانات مختلفة :

1. انّه ربما ينسِبُ الفعلَ إلى العبد وفي الوقت نفِسه يسلبه عنه وينسبه إلى الله سبحانه يقول: (فَلَم تَقْتُلُوهُمْ ولَكِنَّ اللهَ قَتَلهُمْ وَما رَمَيتَ إذ رَمَيتَ ولَكِنَّ اللهَ رمَىَ وَلِيُبْلِي المُؤْمِنيِن مِنهُ بلاءً حَسَناً إنَّ


(1)الروم: 27 .

(2)لاحظ الاِلهيات: 1 | 399 و 400 .

(250)

اللهَ سَمِيعٌ عِلَيم)(1)

ولا يصح هذا الاِيجاب في عين السلب إلاّ على الوجه الذي ذكرنا، وهذا يعرب عن أنّ للفعل نسبتين وليست نسبتُه إلى العبد، كلَّ حقيقتِه وواقعِه، وإلاّ لم تصح نسبته إلى الله كما أنّ نسبته إلى الله ليست خالصة (وإن كان قائماً به تماماً) بل لوجود العبد وإرادته، تأثيرفي طروء عناوين عليه.

2. نرى أنّ الذكر الحكيم، ينسب الفعل في آيةٍ إلى العبد، وفي آية أُخرى إلى الله سبحانه ولا تصح النسبتان إلاّ على ما ذكرنا.

قال سبحانه: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كالحِجارةِ أوْ أَشَدُّ قَسْوَة)(2)

وقال سبحانه: (فَبِما نَقْضِهِمِ مِيثَاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُم قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عن مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمّا ذُكِّرُوا به)(3)

والآيتان نازلتان في حق بني إسرائيل وهما في مقام الذم، فلو لم يكن لهم دور في عروض القسوة إلى قلوبهم، لم يصح ذمّهم بقسوتهم، والآية الثانية يعرف مدى مدخليّتهم في توجه الذم إليهم وهو نقضهم ميثاقهم، ولاَجل ذلك جعل سبحانه


(1)الاَنفال: 17 .

(2)البقرة: 74 .

(3)المائدة: 13 .

(251)

قلوبهم قاسية لا يتأثرون بوعظ الاَنبياء وإنذارهم، ولا يكترثون من تحريف الدين وغيره، والآيتان تعبّران عن دور العبد في مصيره وأنه سبحانه غِبَّ فعل العبد، يعاقبه بلعنهم وجعل قلوبهم قاسية. وله نسبتان إلى العبد وإلى الله.

3. إنّ هنا مجموعة من الآيات تعرّف الاِنسان بأنّه فاعل مختار في مجال أفعاله، وفي مقابلها مجموعة أُخرى تصرّح بأنّ تأثير العلل في الكون كلّها بإذنه ومشيئته. فالمجموعة الاَُولى تناقض الجبر وتفَنِّده، كما أنّ المجموعة الثانية تردُّ التفويض وتبطله، ومقتضى الجمع بين المجموعتين هو الاَمر بين الاَمرين، وأنّ للفعل نسبة إلى العبد، إذ هو باختياره يقوم بما يفعل أو يترك، وفي الوقت نفسه، يعمل بإذنه ومشيئته ولا يقع في سلطانه ما لا يريد، وإن كان ما يريده واقعاً عن طريق اختيار العبد.

واليك نزراً من المجموعة الاَُولى:

1. قال سبحانه: (مَن عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ ومَنْ أسَاءَ فَعَلَيْها وَمَا رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلعَبِيِد)(1)


(1)فصلت: 46 .

(252)

2. قال سبحانه: (كُلُّ امْرِىءٍ مِنْهُم ما اكتَسَبَ رَهِين)(1)

3. قال تعالى: (لِكُلّ امِرِىءٍ مِنْهُم ما اكتَسَبَ مِنَ الاِِثْم)(2)

4. وقال سبحانه: (وَأن لَيْسَ لِلاِنسانِ إلاّ ما سَعَى * وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجزَاهُ الجَزَاءَ الاَوْفى)(3)

5. وقال سبحانه: (وقُلِ الحَقُّ مِنَّ رِبّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُر)(4)

6. وقال تعالى: (إنّا هَدَيناهُ السَّبِيلَ إمّا شَاكِراً وإمّا كَفُورا)(5)

إلى غير ذلك من الآيات المصرّحة باختيار الاِنسانِ وحريتهِ في مجال العمل.

وأمّا المجموعة الثانية التيترى كل ظاهرة كونيّة واقعة بإذنه ومشيئته وانّ الاِنسان لا يشاء لنفسه إلاّ ما يشاء الله له، وهي كثيرة نشير إليها:

منها قوله سبحانه: (وَمَا تشاءُونَ إلاّ أن يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِين)(6)

ومنها قوله سبحانه: (وَمَا تشاءُون إلاّ أن يَشَاء اللهُ إنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيما)(7)


(1)الطور: 21 .

(2)النور: 11 .

(3)النجم: 39 ـ 41 .

(4)الكهف: 29 .

(5)الاِنسان: 3 .

(6)التكوير: 29 .

(7)الاِنسان: 30 .

(253)

ومنها قوله سبحانه: (وَمَا يَذْكُروُنَ إلاّ أن يَشَاءَ اللهُ هُوَ أهلُ التَّقْوى وأهْلُالمَغْفِرَة)(1)

والجمع بين هذه الآيات، يتحقّق بالقول بالاَمر بين الاَمرين ولا نعني بما ذكرناه أنّ بين الآيات تعارضاً واختلافاً، كتعارض الروايات غاية الاَمر أنّه يجمع بينهما، بل المقصود انّ العالم الاِمكاني وما يحدث فيه من أحداث، مشتمل على نسبتين: نسبة إلى مؤثراتها، ونسبة إلى بارئها وخالقها ؛ وكلامه سبحانه تارة ينتهي إلى بيان الاَُولى، واُخرى إلى بيان الثانية وثالثة إلى بيان القسمين.

الاَمر بين الاَمرين في السنّة

ولقد تضافرت الروايات عن أئمة أهل البيت، وقد جمع الصدوق القسم الاَوفر من الروايات في «توحيده»، والعلاّمة المجلسي في «بحاره» ونحن نذكر رواية واحدة ذكرها صاحب «تحف العقول» وهي مأخوذة عن رسالة كتبها الاِمام الهادي7 في نفي الجبر والتفويض، ومّما جاء فيها:

«فامّا الجبر الذي يلزم من دان به الخطأ، فهو قول من زعم انّ


(1)المدثر: 56 .

(254)

الله جلّ وعزّ، أجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها، ومن قال بهذا القول فقد ظلم الله في حكمه وكذّبه وردّ عليه قوله: (وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدا)(1)وقوله: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيد)(2)وقوله: (إنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ولَكِنَّ النّاسَ أنفُسَهُمْ يَظْلِمُون)(3)فمن زعم انّه مجبَر على المعاصي، فقد أحال بذنبه على الله، وقد ظلمه في عقوبته، ومن ظلم الله فقد كذّب كتابه، ومن كذّب كتابه فقد لزمه الكفر باجماع الاَُمّة. ـ إلى أن قال ـ: فمن زعم انّ الله تعالى فوّض أمره ونهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز ـ إلى أن قال ـ لكن نقول: إنّ الله عزّ وجلّ خلق الخلق بقدرته، وملّكهم استطاعة، تعبدّهم بها، فأمرهم ونهاهم بما أراد ـ إلى أن قال ـ : وهذا القول بين القولين ليس بجبر ولا تفويض، وبذلك أخبر أمير المؤمنين صلوات الله عليه عباية بن ربعي الاَسدي حين سأله عن الاستطاعة التي بها يقوم ويقعد ويفعل، فقال له امير المؤمنين: سالت عن الاستطاعة، تملكها من دون الله أو مع الله؟ فسكت عباية، فقال له أمير المؤمنين: قل يا عباية، قال: وما أقول؟. قال - عليه السّلام- : إن قلت إنّك مع الله قتلتك، وإن قلت تملكها دون الله قتلتك. قال عباية: فما أقول يا أمير


(1)الكهف: 49 .

(2)الحج: 10 .

(3)يونس: 44 .

(255)

المؤمنين؟ قال7 تقول: إنّك تملكها بالله الذي يملكها من دونك. فإن يُملِّكها إيّاك كان ذلك من عطائه، وإن يسلبكها كان ذلك من بلائه، هو المالك لما ملكك، والقادر على ما عليه أقدرك.(1)

وحاصل الرواية: أنّ تمليكه سبحانه لا يبطل ملكه فالمولى سبحانه مالك لجميع ما يملّكه في عين كونه ملكاً للعبد.

ولقد اكتفينا بهذا المقدار من النصوص ولنعم ما قال الشهيد السعيد زين الدين العاملي:

لقد جاء في القرآن آية حكمة * تدمِّر آيات الضلال ومن يُجْبر

وتخبر أن الاختيار بأيدينا * فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر

رجوع الرازي إلى القول بالاَمر بين الاَمرين

إنّ فخر الدين الرازي (543 ـ 606 هـ)، مع كونه متعصباً في


(1)المصدر السابق كتاب العدل والمعاد، الباب الثاني الحديث 1، ص 71 ـ 75. وهذا الحديث يفسّر ما رواه المجلسي عن أبي إبراهيم موسى الكاظم 7 برقم 61، ص 39، من المصدر السابق نفسه.

(256)

الذب عن مذهب الاَشعري، رجع إلى القول بالاَمر بين الاَمرين وقال:

«هذه المسألة عجيبة، فإنّ الناس كانوا مختلفين فيها أبداً بسبب انّ ما يمكن الرجوع فيها إليها متعارضة، فمعوَّل الجبرية على أنّه لابد لترجيح الفعل على الترك من مرجح ليس من العبد، ومعوّل القدرية على أنّ العبد لو لم يكن قادراً على فعلٍ، لما حسن المدح والذم والاَمر والنهي». ثم ذكر الله الطائفتين إلى أن قال: «الحق ما قال بعض أئمة الدين انّه لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين، وذلك انّ مبنى المبادىَ القريبة لاَفعال العباد على قدرته واختياره والمبادىَ البعيدة على عجزه واضطراره، فالاِنسان مضطر في صوره مختار، كالقلم في يد الكاتب، والوتد في شق الحائط، وفي كلام العقلاء قال الحائط للوتد: لم تشقني؟ فقال: سل من يَدَقّني.(1)

اعتراف شيخ الاَزهر بصحة هذه النظرية

ومّمن اعترف بالاَمر بين الاَمرين شيخ الاَزهر في وقته، الشيخ محمد عبده في رسالته حول التوحيد، وقد أثّر كلامه في


(1)بحار الاَنوار: 5 | 82 . ولا يخفى انّه مع اعترافه ببطلان الجبر والتفويض في ثنايا كلامه لم يفسر نظرية الامر بين الاَمرين تفسيراً لائقاً بها.

(257)

الاَجيال المتأخّرة من تلاميذ منهجه ومطالعي كتبه، قال: «جاءت الشريعة بتقرير أمرين عظيمين، هما ركنا السعادة وقوام الاَعمال البشرية، الاَوّل: انّ العبد يكسب بإرادته وقدرته ما هو وسيلة لسعادته. والثاني: انّ قدرة الله هي مرجع لجميع الكائنات وأنّ من آثارها ما يحول بين العبد وإنفاذ ما يريده، وان لا شيء سوى الله يمكن له أن يمدّ العبد بالمعونة فيما لم يبلغه كسبه.

وقد كلّفه سبحانه أن يرفع همته إلى استمداد العون منه وحده، بعد أن يكون قد أفرغ ما عنده من الجهد في تصحيح الفكر، وإجادة العمل، وهذا الذي قرّرناه قد اهتدى إليه سلف الاَُمّة فقاموا من الاَعمال بما عجبت له الاَُمم وعوّل عليه من متأخري أهل النظر إمام الحرمين الجويني؛، وإن أنكر عليه بعض من لم يفهمه»(1)

وليس الشيخ عبده هو الفريد في الاعتراف بالمذهب الحق بل سبقه إمام الحرمين والشيخ الشعراني مؤلّف «اليواقيت»، والشيخ عبد العظيم الزرقاني المصري والشيخ شلتوت، إلى غير هؤلاء مّمن ذكرنا نصوصهم في كتابنا «بحوث في الملل والنحل»(2).


(1)رسالة التوحيد: 59 ـ 62 بتلخيص .

(2)راجع الجزء الثاني : 141 ـ 152 .

(258)


خاتمة المطاف

قد تعرّفت على مناهج الجبر والاختيار، وأوضحنا لك ما هو مقتضى البرهان ونصوص الكتاب العزيز والسنّة الصحيحة. غير انّ رفع الشبهات وقلع جذورها، رهن الاِجابة على الاَسئلة التالية:

1. إذا كان الاِنسان مختاراً في أفعاله وفيما يثاب ويعاقب، فما معنى كون الهداية والضلالة بيد الله فهو يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء حسب ما تواترت به الآيات؟

2. إذا كان الاِنسان مختاراً فما معنى انّ الحسنات والسيئات من الله سبحانه كما هو ظاهر قوله: (قُلْ كُلٌّ مِن عِنِد الله)(1)

3. إذا كان الاِنسان مختاراً في مصيره، فما معنى تقسيم الناس إلى السعداء والاَشقياء في بطون أُمهاتهم؟

4. إذا كان الاِنسان مختاراً، فما معنى التقدير الذي يَفرضُ الفعلَ على الاِنسان، ويخطُّ طريقَه ومثله القضاء؟

5. إذا كان الاِنسان مختاراً، فما معنى أخبار الطينة الّتي جمعها


(1)النساء: 78 .

(259)

السيد عبد الله بشرّ في كتابه «مصابيح الاَنوار في مشكلات الاَخبار»؟

6. إذا كان الاِنسان رهن عمله وسعيه، فهل يصح البخت والاتفاق والصدفة الذي يعول علهيا الناس في حياتهم؟

7. إذا كان مصير الاِنسان بيده، فكيف يفسّر الموت الاخترامي، أيّ الموت بالحوادث. الخارجة عن اختيار الاِنسان بالحرق والغرق والهدم والقصف؟

8 . دلّت الآيات القرآنيّة على أنّه سبحانه يختم على القلوب، ويطْبعُ عليها وبذلك يُصدُّ بابُ الهداية، فكيف يجتمع هذا، مع اختيار العباد؟

إلى غير ذلك من الاَسئلة المطروحة في مجال أفعال الاِنسان، من حيث الجبر والاختيار، وسوف نجيب على قسم كبير من هذه الاَسئلة بفضله وكرمه. ويظهر حال البعض الآخر ممّا ذكر جوابه.

Website Security Test