welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : لبُّ الاَثر في الجبر و القدر*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

لبُّ الاَثر في الجبر و القدر

لبُّ الاَثر
في
الجبر و القدر

تقريراً لمحاضرات آية الله العظمى
السيد الاِمام الخميني
ـ طيب الله ثراه ـ
يتناول عرض مناهج الجبر والاختيار

بقلم

العلاّمة المحقّق
جعفر السبحاني


(2)

اسم الكتاب:… لبُّ الاَثر في الجبر والقدر

المحاضر:… آية الله السيد الاِمام الخميني - قدس سره-

المؤلّف:… العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

الطبعة:… الاَُولى

المطبعة:… قم: اعتماد

التاريخ:… 1418 هـ ق ـ 1377 هـ ش

الكمية:… 2000 نسخة

الناشر:… مؤسسة الاِمام الصادق - عليه السّلام-

الصف والاِخراج …مؤسسة الاِمام الصادق - عليه السّلام-

حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة المحقّق

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل بريّته، وأشرف خليقته، محمد خاتم أنبيائه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، عيبة علمه وحفَظَةَ سننه وخلفائه في أُمّته.

أمّا بعد : فإنّ مسألة الجبر والتفويض من المسائل الشائكة التي دام النزاع والبحث فيها عبْر قرون، فاختارت كل طائفة مذهباً.

فمن قائل إنّه ليس للاِنسان أيّ دور في فعله وعمله وإنّه مكتوف اليدين، مسيّر في حياته يسير على ما خُطَّ له من قبل.

إلى تفويضي يثبت له قدرة وإرادة مستقلة، وكأنّه إلهٌ آخر في الاَرض، مستغنٍ عن ربِّه في فعله.

ولكن مذهب الحق هو المذهب الوسط بين الجبر والتفويض، الذي تبناه القرآن الكريم والسنّة النبوية، وركّز عليه أئمة أهل البيت: وهو


(4)

الموافق للعقل والبرهان.

وقد أُلّفت حول المسألة رسائل وكتب كثيرة متوفرة بين السنة والشيعة لا مجال لذكر أسمائها وعناوينها.

وقد عثرت في هذا الموضوع على رسالتين كريمتين، وكنزين ثمينين.

إحداهما: للسيد القائد آية الله العظمى الامام الخميني - قدس سره - وقد اسماها بـ «لب الاَثر في الجبر والقدر» وهي بقلم سيّدي الوالد تقريراً لدروس استاذه الامام، وقد القاها عام 1371 هـ ق، فكانت كنزاً مستوراً، فقمت بإعدادها للنشر وتخريج احاديثها ومصادرها.

ثانيتهما: ما حرّرها الوالد بقلمه الشريف في هذا المجال في دوراته الاَُصولية، وقد أكملها دورة بعد دورة حتى بلغت في الدورة الرابعة الكمال المطلوب، فقمت أيضاً بإعدادها وتنسيقها.

فها أنا أنشر تينك الرسالتين. وأرجو من الله سبحانه أن يتقبّل عملي ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، انّه على كل شيء قدير وبالاِجابة جدير.


سعيد السبحاني

14 شهر ذي القعدة الحرام

من شهور عام 1418 هـ



(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي تقدّس عن وسمة الحُدوث والعوارض، وعظُم سلطانه عن الشريك والمعارض، فله الشكر الاَوفى وله العظمة والعلى.

والصلاة والسلام على صاحب الآيات البيّنات، والمعجزات الباهرات، الذي أكمل به الدين وأتمّ به النعمة ، وعلى آله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

أمّا بعد:

فلمّا انتهى بحث سيدنا الاَُستاذ ـ علم العلم وتيّاره، وكعبة الفضل ومناره، مَن انتهت إليه رئاسة التدريس في العصر الحاضر ـ سيدنا وأُستاذنا الكبير آية الله العظمى الحاج السيد«روح الله الموسوي الخميني» ـ دام ظّله الوارف ـ إلى مسألة اتّحاد الطلب


(6)

والاِرادة وانجرّ البحث إلى مسألة الجبر والتفويض، ألحّ عليه روّاد العلم وطلاّب الحقيقة أن يغور في بحارها، ويخوضَ في عُبابها، فلبّى دعوتَهم، وأجاب مسؤلهم، فأتى في بحوثه بأفكار أبكار، وآراءٍ ناضجة، وطرحَ المسألة بشكل لم يسبق إليه سابق.

وقد اغتنمتُ الفرصة فأوردت ما أفاده في قالب التأليف، وأفرزته عن سائر المسائل الاَُصولية لغزارة مطالبه وكثرة مباحثه، وقد عرضته عليه (دام ظله) فاستحسنه وأسماه «لبُّ الاَثر في الجبر والقدر». وأرجو من الله سبحانه أن يكون مصباحاً ينير الطريق لروّاد العلم وبغاة الفضيلة.(1)

قــم

جعفـر السبحانـي

تحريراً في جمادى الآخرى

من شهور عام 1371 هـ. ق



(1)وقد قدمته للطبع بعد مضي سبع وأربعين سنة من تاريخ تحريره ولم أتصرف فيه إلاّ اليسير مما يرجع الى اصلاح العبارة وتبيين المقصود.

(7)

الفصل الاَوّل

مقدمة البحث


(8)

(9)

وقد ذكر (دام ظله) قبل الخوض في المقصود أموراً نأتي بها واحداً تلو الآخر.

الاَوّل: السير التاريخي للمسألة

إنّ مسألة الجبر والتفويض من المسائل الشائكة التي شغلت بال الحكماء والفلاسفة منذ عصور قديمة، وكانت مطروحة على بساط البحث بين حكماء الاَغريق(1)إلى أن طلعت شمس الاِسلام وبزغ نوره، فتداولت المسألة بين حكماء الاِسلام ومتكلّميه، نجم عنها فيما بعد، آراء ونظريات بين الاِفراط والتفريط.

فمن ذاهب إلى الجبر وأنّ أفعال العباد مخلوقة لله تبارك وتعالى، كخلق أجسامهم وطبائعهم، وليس للعباد فيها صنع حتى قيل بعدم الفرق بين حركة يد الكاتب والمرتعش؛ إلى آخر


(1)يطلق الاَغريق ويراد منه ـ اليونان ـ والنسبة إلاغريقي، جمعه الاَغارقة.

(10)

ذاهب إلى التفويض وأنّ أفعال العباد مفوّضة إليهم مخلوقة لهم، لا صلة لها بالله سبحانه سوى انّه أقدر العبد على العمل، وليس له تعالى إرادة ومشيئة متعلَقة بأفعالهم بل هي خارجة عن نطاق إرادته ومشيئته.

وقد أقام كلّ من الطائفتين دلائل وبراهين على مذهبه سوف نقوم باستقصائها إن شاء الله تعالى.

والمذهب الحق هو مذهب أئمة أهل البيت: من نفي الجبر والقدر(1)، وأنّ الحقيقة في أفعال العباد هو الأخذ بالأمر بين الاَمرين، فلا جبر حتى تُسلب المسؤوليّة عن الاِنسان ليكون بعث الاَنبياء سُدى، وجهود علماء التربية وزعماء الاِصلاح عبثاً، ولا تفويض حتى يُقوّض أصل التوحيد في الخالقية ويُؤلّه الاِنسان ويكون خالقاً ثانياً في مجال أفعاله، يخرج بذلك بعض ما في الكون عن إطار إرادة الله ومشيئته.

الثاني: صفاته تعالى عين ذاته

اتّفق الحكماء والمتكلّمون على أنّ له سبحانه صفاتِ جمالٍ


(1)المراد من القدر هنا التفويض، وقد استعمل القدر على لسان أئمة أهل الحديث في المفوضة، وقد ذكرنا ما يفيدك حول هذا اللفظ في الجزء الاَوّل من كتابنا بحوث في الملل والنحل. لاحظ ص 111 ـ 117 .

(11)

وكمال، ويعبّر عنها بالصفات الجمالية والكمالية والثبوتية، كالعلم والقدرة والحياة وغيرها، ولكن اختلفوا في كيفية وصفه سبحانه بها، وملاك الاختلاف هو:

إنّ بساطة الذات وعدم تركّبها عقلاً وخارجاً تأبى عن وصفها بأوصاف كثيرة في مرتبة الذات، فإنّ حيثية العلم غير حيثية القدرة كما أنّهما غير حيثية الحياة، فكيف يمكن أن يجتمع وصف الذات بالبساطة مع وصفها بالعلم والقدرة والحياة في مقام الذات؟

وقد تخلّصت كلّ من الاَشاعرة والمعتزلة عن هذا المأزق بنحو خاص.

فذهبت الاَشاعرة إلى أنّ هذه الصفات ليست صفات ذاتية وإنّما هي من لوازم الذات، ففي مقام الذات لا علم ولا قدرة ولا حياة، وإنّما تلازمها هذه الاَوصاف دون أن يكون بينهما وحدة في الوجود والتحقّق.

ولمّا استلزم ذلك القولُ بوجود القدماء الثمانية المركبة من الذات والاَوصاف الثبوتية السبعة، ذهبت المعتزلة إلى نفي الصفات عنه تعالى بتاتاً لا في مرتبة الذات ولا في مرتبة الفعل،


(12)

بل قالوا إنّ ذاته نائبة مناب الصفات، بمعنى أنّ خاصية العلم تترتّب على الذات دون أن يكون هناك علم وراءها، كما أنّ أثر القدرة التي هي إتقان الفعل يترتّب على ذاته دون أن يكون هناك قدرة وراءها، فما يتوقع من الصفات كالكشف في العلم وإتقان الفعل في القدرة يترتّب على ذاته من دون أن يكون لتلك الاَوصاف وجود وتحقّق في مرتبتها، وقد اشتهر عنهم قولهم: «خذ الغايات واترك المبادىَ».

لنذكر شيئاً حول النظريتين وإن كانتا خارجتين عن محطّ البحث.

أمّا الاَشاعرة، فقد حاولوا الحفاظ على بساطة الذات بإخراج الصفات الثبوتية عن حدّ الذات وجعلها في مرتبة تالية لازمة لها قديمة مثلهّا إلاَ أنّهم وقعوا في ورطة القول بالقدماء الثمانية، فصار الاِله الواحد تسعة آلهة، وهو أشبه بالفرار من محذور إلى آخر أُفسد منه.

أضف إليه أنّ لهذا القول مضاعفات نشير إلى اثنين منها :

1. لو كانت زائدة على الذات كانت مرتبة الذات خالية عنها وإلاّ لكانت مرتبة الذات عين تلك السلوب لهذه الكمالات،


(13)

والخلو إن كان موضوعه الماهية كان إمكاناً ذاتياً، لكن لا ماهية للواجب تعالى، فموضوع ذلك الخلو وجود صرف هو حاق الواقع وعين الاَعيان، وإن كان موضوعه هو الاِمكان الاستعدادي القائم بالمادّة، والمادة لابد لها من صورة والمركّب منهما جسم ،يلزم كونه سبحانه جسماً تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.(1)

2. ما اعتمد عليه سيدنا الاَُستاذ (دام ظله) وحاصل ما أفاد أنّ الوجود في أيّ مرتبة من المراتب فضلاً عن المرتبة العليا لا ينفكّ عن الكمال، أي العلم والشعور والقدرة والاِرادة، فكلّ مرتبة من مراتب الوجود، تلازم مرتبة من مراتب الكمال، فإذا كانت الذات في مرتبة تامّة من الوجود يستحيل انفكاك الكمال التام عنها.

برهانه: أنّ الكمالات المتصوّرة من العلم والاِرادة والقدرة والحياة إمّا من آثار الوجود أو من آثار الماهية أو من آثار العدم، ولا شك في بطلان الثالث، فدار الاَمر بين رجوعه إلى الماهية أو الوجود، وحيث إنّ الماهية أمر اعتباري لا تتأصّل إلاّ بالوجود، فتنحصر الواقعية بالوجود.


(1)لاحظ تعليقة المحقق السبزواري على الاَسفار: 6 | 133.

(14)

وعلى صعيد آخر: إنّ الوجود حقيقة واحدة ذات مراتب مشككة، فكل مرتبة من مراتب الوجود غير خالية عن أصل الحقيقة (الوجود) وإنّما تختلف فيه شدّة وضعفاً؛ فيستنتج من هذين الاَمرين:

1. أصالة الوجود واعتبارية الماهيات.

2. أنّ الوجود حقيقة واحدة سارية في جميع المراتب.

عدم انفكاك الكمالات عن حقيقة الوجود في عامة المراتب خصوصاً في المرتبة التامّة، أعني: صرف الوجود وبحته.(1)

وبذلك يظهر وهن نظرية المعتزلة أيضاً حيث أنكروا صفاته تعالى من رأس تخلّصاً من ورطة القدماء الثمانية، بيد أنّهم وقعوا في محذور آخر وهو: خلوّ الذات عن الصفات وقيامها مناب الصفات، إذ يردها كلا الاَمرين إيضاً:

أ. إنّ موضوع الخلو إمّا الاِمكان الماهوي أو الاِمكان الاستعدادي.

ب. الوجود لا ينفك عن العلم وسائر الكمالات.

ثم إنّ المراد من عينية الصفات للذات ليس اتّحاد مفاهيمها


(1)ثمّة براهين أُخرى لاتّحاد الصفات مع الذات ذكرها صدر المتألّهين في أسفاره:6| 133 ـ 136 .

(15)

مع الذات أو اتّحاد مفاهيم بعضها مع الآخر، لاَنّ المفاهيم من مقولة الماهيات وهي مثار الكثرة، كما أنّ الوجود مدار الوحدة، بل المراد وحدة واقعية هذه الصفات مع واقعية الذات، وانّ الذات بوحدتها كافية في انتزاع هذه الصفات عنها وأنّها بصرافتها وخلوّها عن أيّ شيء غير الوجود، كاف في الحكم عليها بالعلم والقدرة والحياة.

الثالث: الاِرادة الذاتية لله سبحانه

اتّفق أهل الحديث على نفي الاِرادة الذاتية وأنّ إرادته سبحانه هي إحداثه وإيجاده تمسّكاً بالروايات الواردة عن أئمة أهل البيت:.

ولكن سلب الاِرادة الذاتية عنه سبحانه يستلزم خلوّ الذات عن الكمال المطلق للموجود بما هو موجود، وتصوّرَ ما هو أكمل منه ژتعالى، لاَنّ الفاعل المريد، أفضل وأكمل من الفاعل غير المريد، فيكون سبحانه كالفواعل الطبيعية غير المريدة التي تعد من مبادىَ الآثار.

وأمّا موقف الروايات التي رُويتْ عن أئمة أهل البيت:، فالاِمعان فيها يعرب عن أنّها بصدد نفي الاِرادة الحادثة


(16)

المتدرّجة عنه سبحانه.

روى صفوان بن يحيى قال: قلت لاَبي الحسن 7: أخبرني عن الاِرادة من الله ومن الخلق؟ فقال: «الاِرادة من الخلق: الضمير، وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، وأمّا من الله تعالى فإرادته إحداثه لا غير ذلك، لاَنّه لا يروِّي ولا يهمّ ولا يتفكّر، وهذه الصفات منفيّة عنه وهي صفات الخلق، فإرادة الله: الفعل لا غير ذلك، يقول له كن فيكون بلا لفظ، ولا نطق بلسان، ولا همّة ولا تفكّر ولا كيف لذلك، كما أنّه لا كيف له»(1)

ترى أنّ الراوي يسأل الاِمام عن واقع الاِرادة في الواجب والممكن، فبما أنّ واقعها في الممكن هي الاِرادة الحادثة، فنفاها الاِمام عن الله سبحانه وفسّرها بالاِحداث والاِيجاد، فلو أثبّت الاِمام في هذا المجال إرادة ذاتية له سبحانه مقام الذات، لاَوهمَ ذلك إنّ أرادتَها كإرادة الاِنسان الحادثة، مثلاً إنّه سبحانه كالاِنسان يُروِّي ويهمُّ ويتفكّر، فمثل هذه الرواية وأضرابها ليست بصدد نفي الاِرادة الذاتية بتاتاً، بل بصدد نفي الاِرادة الحادثة ـ كالاِرادة البشرية ـ في مقام الذات.


(1)الكافي: 1 | 109، باب الاِرادة أنّها من صفات الفعل.

(17)

شبهة نفاة الاِرادة الذاتيّة

ثم إنّ نُفاة الاِرادة في ذاته سبحانه تمسّكوا ببرهان عقلي مفاده أنّ القائلين بالاِرادة الذاتية لله سبحانه يفّسرونها بعلمه المحيط، ولكن إرادته لا تصحّ أن تكون عين علمه، لاَنّه يعلم كلّ شيء ولا يريد كل شيء، إذ لا يريد شراً ولا ظلماً ولا كفراً ولا شيئاً من القبائح والآثام، فعلمه متعلّق بكل شيء وإرادته ليست كذلك، فعلمه عين ذاته، أمّا إرادته فهي صفة زائدة على ذاته.

فهذه شبهة قد احتجّ بها بعض مشايخنا الاِمامية (رضوان الله عليهم) على إثبات أنّ الاِرادة زائدة على ذاته تعالى.

وقد أجاب عنها صدر المتألّهين وأوضحها سيدنا الاَُستاذ بماحاصله:

إنّ في القبائح والآثام كالشرّ والظلم والكفر جهتين: جهة وجود، وجهة عدم؛ وإن شئت قلت: جهة كمال وجهة نقص؛


(18)

وإرادته كعلمه يتعلّق بجهة الوجود والكمال، ويستحيل أن يتعلّق بجهة العدم والنقص، فذاته سبحانه كشف تام عن الجهة الاَُولى وهي أيضاً مراده، ويستحيل أن تكون ذاته كشفاً تامّاً عن العدم والنقص، فإنّ الاَعدام والنقائص ليست بشيء، لاَنها بطلان محض.

وبعبارة أُخرى: إنّ العلم يكشف عن المعلوم بما هو موجود ولا يكشف عن الاَعدام وما في وزانها من النقائص والشرور، بل يكون كشفه عنها بالتبعيّة والعرض، فصرف الوجود ـ الذي هو كل الاَشياء، وبسيط الحقيقة التي بوحدتها وبساطتها جامعة لكلّ الاَشياء ـ إنّما يكشف في مقام الذات عن الاَشياء والموجودات دون الاَعدام والنقائص المحضة، وقد ثبت في محلّه أنّ واقع القبائح من الشرّ والظلم والكفر، عدم وبطلان محض، فلا يتعلّق بها العلم ولا الاِرادة إلاّ تبعاً وعرضاً.

أقول : قد أشار إلى هذا الجواب صدر المتألّهين، وقال: إنّ فيض وجوده يتعلّق بكل ما يعلمه خيراً في نظام الوجود، فليس في العالم الاِمكاني شيء مناف لذاته ولا لعلمه الذي هو عين ذاته ولا أمر غير مرضيّ به، فذاته بذاته كما أنّها علم تام بكل خير موجود، فهي أيضاً إرادة ورضاء لكل خير، إلاّ أنّ أصناف الخير


(19)

متفاوته وجميعها مرادة له ـ إلى أن قال: ـ فالخيرات كلّها مرادة بالذات، والشرور القليلة اللازمة للخيرات الكثيرة أيضاً إنّما يريدها بما هي لوازم تلك الخيرات لا بما هي شرور، فالشرور الطفيفة النادرة داخلة في قضاء الله بالعرض، وهي مرضيّ بها كذلك، فقوله تعالى: (ولا يَرضَى لِعبادِهِ الكُفرَ)(2)وما يجري مجراها من الآيات معناه أنّ الكفر وغيره من القبائح غير مرضى بها له في أنفسها وبما هي شرور ولا ينافي ذلك كونها مرضياً بها بالتبعية والاستجرار.(3)

فتلخّص من ذلك: أنّ علمه تعالى إنّما يتعلّق بالموجود بما هو موجود الذي يساوق الخير والكمال، فلابدّ أن يكون كشفه عن نقيضه الموسوم بالعدم والشرّ بالتبع والعرض فيكون وزان العلم وزان الاِرادة، وبالعكس يتعلّق كل بما يتعلق به الآخر بالذات وبالعرض.

إلى هنا تبيّن أنّ الشبهة غير مجدية في سلب الاِرادة عن مقام الذات.

نعم لا نشاطر القوم الرأي في إرجاع الاِرادة إلى العلم بالمصالح، وذلك لاَنّ أصل الاِرادة كمال، وإرجاعه إلى العلم


(1)الزمر | 7 .

(2)الاَسفار: 6 | 343 ـ 345 .

(20)

الذي هو من مقولة الكيف، يستلزم سلب كمال عن ذاته وتصوّر أكمل منه.

وبه يظهر عدم تمامية القولين في باب الاِرادة:

أ ـ إرجاع إرادته إلى الفعل والاِحداث، كما عليه أهل الحديث.

ب ـ إرجاع إرادته إلى العلم بالمصالح.

فإنّ القولين يشتركان في سلب كمال عنه.

وأمّا ما هي حقيقة إرادته، فهذا خارج عن موضوع البحث موكول إلى أبحاث عليا.

الرابع: في كلامه سبحانه

اتّفق المسلمون تبعاً للذكر الحكيم على كونه سبحانه متكلِّماً، قال سبحانه: (وكلَّمَ الله مُوسى تَكْلِيماً)(1)وقال سبحانه: (وَما كانَ لِبَشَرِ أنْ يُكلِّمَهُ اللهُ إلاّ وَحْياً أو مِنْ وَراءِ حِجابٍ أو يُرسِلَ رَسولاً فَيُوحي بإذِنِه ما يَشاءُ إنَّهُ عليٌّ حَكيمٌ)(2)

ولكّنهم اختلفوا في تفسير كلامه.

فذهبت المعتزلة والاِمامية إلى أنّه من صفات الفعل وأنّ


(1)النساء | 164 .

(2)الشورى | 51 .

(21)

كلامه هو فعله، واستشهدوا عليه ببعض الآيات والروايات، قال سبحانه: (ولَوْ أنَّ ما في الاَرضِ مِنْ شَجرةٍ أقلامٌ والبَحرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعدهِ سَبعةُ أبحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلماتُ اللهِ إنَّ اللهَ عَزيزٌ حَكيمٌ)(1)

وقال أمير المؤمنين - عليه السّلام- : «يخبرُ لا بلسان ولهوات، ويسمعُ لا بخروق وأدوات، يقولُ ولا يلفِظُ، ويَحفّظُ ولا يتحفظ، ويريدُ ولا يُضْمرِ، يُحبُ ويَرضى من غير رقة، ويبغضُ ويغضبُ من غير مشقة، يقولُ لمن أراد كونه كن فيكون، لا بصوت يقرع ولا بنداء يسمع، وإنّما كلامهُ سبحانه فعلٌ منه أنشأه ومَثّلَهُ، ولم يكنْ من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً»(2)

وما ورد عنه - عليه السّلام- يبيّن نوعا من كلامه والنوع الاخر منه ايجاد الكلام في الشجر والجبل.

وحاصل تلك النظرية أنّ وصفه سبحانه بكونه متكلّماً، بمعنى قيام الكلام به قياماً صدورياً لا حلولياً، كما أنّ إطلاقه علينا كذلك، إلاّ أنّ الفرق أنّ إيجادنا بالآلة دونه تعالى، فالله سبحانه يخلق الحروف والكلمات في الحجر والشجر أو نفوس الاَنبياء بلا آلة فيصحّ وصفه بالتكلّم.


(1)لقمان | 27 .

(2)نهج البلاغة، الخطبة 181، ج 2 | 146، ط عبده.

(22)

أقول: الكلام في وصفه سبحانه بفعل يصلح ان يصدر عنه بلا توسّط شيء، ومن الواضح أنّ العقل دلّ على امتناع وصفه سبحانه بهذا الملاك، فإنّ الكلام أمر حادث متدرّج متصرّم، والتصرّم والتجدّد نفس ذاته، وجلّ جنابه أن يكون مصدراً لهذا النوع من الحدث بلا واسطة، لاَنّ سبب الحادث حادث كما برهن عليه في الفن الاَعلى في مسألة ربط الحادث بالقديم، فكيف تكون ذاته القديمة البسيطة الثابتة مبدأ لموجود حادث متصرّم متجدّد؟!

وبذلك يظهر أنّه لا يصح وصفه بالتكلم بهذا الملاك، لاَنّ الكلام في وصفه سبحانه بما يصحّ صدوره عنه بلا توسيط، والمتجدّد بما هو متجدّد لا يصحّ صدوره عنه بلا واسطة.

نعم يمكن إيجاد الكلام المتصرّم في الشجر والحجر والنفس النبويّة لكنّه بحاجة إلى توسّط شيء آخر كما هو الحال في صدور كافة الموجودات الطبيعية التي جوهرها التصرّم والتجدّد.(2)


(1)يلاحظ عليه: أنّه لو تمّ ما ذكره (دام ظله) يلزم عدم صحة وصفه بالخالق والمبدع والمحيي والرزّاق والرحيم والغافر مع أنّها من أسمائه سبحانه وصفاته في الذكر الحكيم والاَحاديث والاَدعية، ويمكن دفع الاِشكال بأنّ حملَ كل صفة منتزعة من فعله عليه سبحانه لاَجل خصوصية موجودة في ذاته التي تصحّح صدور هذه 2 أ الاَفعال عنها، فالفاعل باشتماله على تلك الخصوصية يصحّ حمل كل ما يصدر عنه، عليه ووصفه بها سواء كان الصدور بلا واسطة كالعقول، أو مع الواسطة كخلق السموات والاَرض وإبداعها وإنشائها.

ومن هذا القبيل إيجاده الكلام في الجبل والشجر والنفس النبويّة.


(23)

وأمّا ما هو معنى نزول الوحي وإنزال الكتب على الاِنبياء والمرسلين، فهو من العلوم البرهانية التي قلّما يتّفق لبشر أن يكشف مغزاها؟ فالبحث عنه متروك لاَهله ومحلّه.

إذا وقفت على عقيدة المعتزلة في نفي الكلام عنه سبحانه، فحان حين البحث عمّا عليه الاَشاعرة.


(24)

نظرية الاَشاعرة في تكلّمه سبحانه

ذهبت الاَشاعرة إلى أنّ التكلّم من صفات الذات لا من صفات الفعل، وفسّروا كلامه بالكلام النفسي وبالمعنى القائم بذاته في الاَزل.

الكلام النفسي عندهم غير العلم في الاَخبار، وغير الاِرادة والكراهة في الاِنشاء. ففي الجمل الخبرية مثل قولك: زيد قائم، أُمور ثلاثة:

أ ـ الكلام اللفظي .

ب ـ المدلول اللفظي (من التصوّر والتصديق).

جـ ـ الكلام النفسي .

وفي مثل الاِنشائيات كقولك: كُلْ، أو لا تشرب الخمر، أُمور ثلاثة:

أ ـ الكلام اللفظي .


(25)

ب ـ المدلول اللفظي (الاِرادة والكراهة).

جـ ـ الكلام النفسي .

والحاصل أنّهم اعتقدوا أنّ في جميع الموارد معنى قائماً بالنفس غير المدلول، من دون فرق بين الجمل الخبرية أو الاِنشائية، وأطلقوا عليه: الكلام النفسي، بيد أنّهم خصّصوا باب الاَوامر باسم خاص وأسموه: الطلب، فالاِرادة مدلول لفظي والطلب كلام نفسي، وبذلك ذهبوا إلى مغايرة الاِرادة والطلب.

ومن هنا ظهر منشأ عنوان هذه المسألة أي وحدة الاِرادة والطلب أو مغايرتهما، فإنّها نتيجة القول بالكلام النفسي المغاير للمدلول اللفظي في الاِخبار (التصديق) والاِنشاء (الاِرادة والكراهة).

ثم إنّهم عجزوا عن تفسير الكلام النفسي على وجه يجعله مغايراً للعلم في الاِخبار والاِرادة والكراهة في الاِنشاء، ومع ذلك أصرّوا على وجود ذلك الاَمر في كل متكلّم من غير فرق بين الواجب والممكن، إلاّ أنّه في الواجب قديم وفي الممكن حادث.

وقد استدلّوا على ذلك بوجوه:


(26)

أدلّة الاَشاعرة على وجود الكلام النفسي:

إنّ الاِنسان قد يأمر بما لا يريده كامتحان عبده وإنّه هل يطيعه أو لا؟ فالمقصود هو الاختبار فحسب، فثمة طلب دون إرادة.(1)

وبعبارة أُخرى: إنّ صدور الاَوامر الامتحانية يتوقّف على وجود مبدأ في النفس تترشّح منه، وبما أنّه ليس هناك مبدأ باسم الاِرادة، فلا يصلح له إلاّ الطلب القائم بالنفس، وهو الكلام النفسي في مورد الاِنشاء.

جواب: أنّ البحث عن حقيقة الاِرادة ومبدئها موكول إلى الفن الاَعلى، والذي يناسب ذكره في المقام هو ما يلي:

إنّ كل فعل اختياري، مسبوق بالتصوّر ثم التصديق بفائدة


(1)شرح المواقف: 2 | 49 .

(27)

وغاية، إذ لايتصوّر صدور الفعل بلا غاية، كيف، وهي من العلل الاَربعة: وربما يتمسّك في نفيها بالاَفعال العبثية، ولكّنه استدلال باطل، لاَنّ المنتفي فيها هو الغايات العقلائية، لا الغايات المسانخة للاَفعال الجزافية.

فإذا حصل التصديق بفائدة الفعل فتارة تَجدها النفس ملائمة لطبعها فتَشتاق إليه لاَجل الفائدة وكثرة الحاجة، يعقبها تجمّع(1) وتصميم من قبل النفس فتحرك الاَعضاء نحو الفعل.

وأمّا إذا لم تجده النفس ملائماً لطبعها فلا تتحرك نحوه، لكن لو حكم العقل بصلاح الفعل فتعزم بلا اشتياق، كشرب الدواء المرّ، أو قطع اليد الفاسدة.

وبهذا يعلم أنّ الشوق ليس من مبادىء الاختيار والاِرادة، على وجه الاطلاق فالاَوامر الصوريّة والحقيقية بما أنّها من الاَفعال الاختيارية رهن سبق اُمور منها:

التصور والتصديق بالفائدة والشوق، والتصميم والجزم، فالبعث، غير أنّهما يختلفان في الغاية.

توضيحه: أنّه لا فرق بين الاَوامر الامتحانية في أنّ الهيئة في


(1)الجمع بمعنى العزم، والتجمّع الحالة الخاصة في النفس يستتبعه تحريك العضلات لا محالة.

(28)

كلا الموردين مستعملة في البعث نحو الشيء وإنّما الاختلاف في الغاية، فهي في الاَُولى عبارة عن تحصيل ما يترتّب على وجود الفعل من فوائد وعوائد، ولكّنها في الثانية تحصيل العلم بحال العبد من خير وصلاح أو شرّ وفساد، والاختلاف في الغاية لا يكون منشأً للاختلاف في استعمال الهيئة ومدلولها.

وأمّا الاِرادة فإن أراد الاَشعري من انتفائها في الاَمر الامتحاني عدم تعلّقها بوقوع الفعل خارجاً، فهو أمر مسلّم، من غير فرق بين الاَوامر الصورية والاَوامر الحقيقية، فإنّه يمتنع تعلّق الاِرادة على فعل الغير بما هو خارج عن سلطان المريد.

وإن أراد انتفاء تعلّق الاِرادة بالبعث الذي يستفاد من التلفظّ بلفظ الاَمر، فلا نسلِّم انتفاءها، وذلك لاَنّ البعث فعل اختياري فلابد أن تسبقه الاِرادة بمبادئها.

وحصيلة الكلام أنّه لو أراد من انتفاء الاِرادة، الاِرادةَ المتعلّقة بفعل الغير، فهي منتفيه في كلا القسمين، لاَنّ إرادة الاِنسان لا تتعلّق إلاّ بفعل نفسه لا بفعل الغير، لاَنّه خارج عن سلطانه.

وإن أراد من انتفائها، الاِرادةَ المتعلّقة بالبعث والزجر اللذَّين يعدّان من فعل الفاعل، فالاِرادة موجودة في كلا المقامين، كيف!


(29)

والبعث والزجر فعلان اختياريان يوصفان به، ولا يصحّ الوصف إلاّ بمسبوقيتهما بالاِرادة.

ثم إن المحقق الخراساني أجاب عن الاِشكال ـ وقسّم الاِرادة والطلب ـ بعد الحكم بوحدتهما ـ إلى قسمين: حقيقية وإنشائية، فقال بوجودهما حقيقة في الاَوامر الحقيقية، وبعد مهما حقيقة في الاَوامر الاختبارية، وبوجودهما فيهما انشاءً.

وقد أشار إلى هذا الجواب بقوله «فإنّه كما لا إرادة حقيقة في الصورتين (صورتي الاختبار والاعتذار) لا طلب كذلك فيهما، والذي يكون فيهما إنّما هو الطلب الاِنشائي الايقاعي الذي هو مدلول الصيغة أو المادة(1)

يلاحظ عليه بأمرين :

الأوّل : أنّ الاِرادة من الاَُمور التكوينية الحقيقية، ولا تقع مثل هذه الاَُمور في إطار الاِنشاء، وإنّما يتعلّق الاِنشاء بالاَُمور الاعتبارية، فتقسيم الاِرادة إلى حقيقية وإنشائية ليس بتام.

الثاني : قد عرفت وجود الاِرادة الحقيقية في الصورتين، وهو تعلّقها حقيقة بالبعث والطلب، وإن لم تتعلّق بنفس الفعل الخارجي، الذي هو خارج عن سلطان الاَمر.


(1)كفاية الاَُصول، 1 | 96.

(30)

إكمال :

ما ذكرنا من أنّ تعلّق الاِرادة بشيء فرع وجود الغاية فيه، لا يهدف إلى لزوم وجود غاية زائدة على الذات مطلقاً بل أعم منها ومن غيرها، فالغاية في المريد الممكن هي التي تناسب مقام الفعل ومرتبته فهي زائدة عليها، وإنّما ارادته سبحانه تعلّقت بإيجاد الاَشياء أو ببعث الناس إلى أفعال خاصة، فالغاية هي ذاته لا شيء خارج عنها، لما حقّق في محلّه من أنّ العلّة الغائية، هي ما تقتضي فاعلية الفاعل، وتؤثر فيه وتخرجه عن مرحلة القوة إلى مرحلة الفعل، على وجه لولا الغاية لما كانت مصدراً للفعل.

والغاية بهذا المعنى تستحيل على الله سبحانه، بأن يريد إيجاد شيء أو بعث الناس نحو شيء لغاية خارجة عن ذاته مكمِّلة لها في مقام الاِيجاد والاِنشاء، لاَنّ كل فاعل يفعل لغرض غير ذاته، فهو فقير مستفيض محتاج إلى ما يستكمل به، وهو يناسب الفقر والاِمكان، لا الغنى والوجوب.

أضف إليه أنّه لو كان لفعله سبحانه في مجال التكوين والتشريع غاية وراء ذاته لزم تأثيرها فيها، وهو يلازم كون


(31)

الذات حاملة للاِمكان الاستعدادي، فيخرج بحصول الغاية عن مرحلة الاستعداد إلى مرحلة الفعلية، فيكون مركّباً من مادة وصورة، وهو يلازم التركيب والتجسيم والجهة، إلى غير ذلك من النواقص.

الدليل الثاني للاَشاعرة:

استدلّت الاَشاعرة على تغاير الطلب والاِرادة ـ لغاية إثبات الكلام النفسي في الاِنشاءات ـ بأنّ العصاة كافرين كانوا أم مسلمين، مكلّفون بما كلّف به أهل الاِيمان، لاَنّ استحقاق العقاب فرع وجود التكليف، ومن المعلوم أنّ التكليف الحقيقي فرع وجود مبدأ مثبت له، وعندئذ يقع الكلام فيما هو المبدأ للتكليف، أهي الاِرادة أم الطلب.

فإن قيل بالاَوّل، يلزم تفكيك مراده سبحانه عن إرادته، وهو محال، وإن قيل بالثاني فهو المطلوب. فثبت أنّ وراء الاِنشائيات أمراً نفسانياً باسم الطلب غير الاِرادة وهو المصحّح لتكليف العصاة.

وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني بالتفريق بين الاِرادة التكوينية والاِرادة التشريعية، بأنّ امتناع التفكيك يختصّ بالاَُولى دون الثانية.

يلاحظ عليه: بما ذكرنا من أنّ الاِرادة من الاَُمور التكوينية،


(32)

ولها حكم واحد، فإن كان التفكيك ممتنعاً، فلا فرق حينئذ بين التكوينية والتشريعية، وإلاّ فيجوز في كلا الموردين.

والجواب : أنّ الاِرادة في جميع المصاديق غير منفكّة عن المراد، غير أنّه يجب تمييز المراد عن غيره، ففي غير مقام البعث تتعلق إرادته سبحانه بالاِيجاد والتكوين فلا شك أنّ تعلّقها به يلازم تحقّق المراد، قال سبحانه: (إنَّما أمرُهُ إذا أرادَ شَيئاً أنْ يقولَ لهُ كُنْ فَيكُونُ)(1)

وأمّا في مقام البعث فتتعلّق إرادته بنفس البعث والطلب وهو أمر متحقّق لا ينفك عنه، وقد تقدم أنّ إرادة الفاعل لا تتعلّق إلاّ بفعل نفسه لا بفعل غيره، لاَنّ فعل الغير خارج عن سلطانه فكيف تتعلّق به؟

هذه بعض ما استدلّ به الاَشاعرة على مغايرة الطلب والاِرادة، ولهم أدلّة أُخرى، فمن أراد فليرجع إلى كتبهم الكلامية.(2)


(1)يس | 82 .

(2)لاحظ شرح المواقف للسيد الشريف على مواقف العضدي، شرح القوشجي على تجريد المحقق الطوسي، وقد أوضحنا حال أدلّتهم في الاِلهيات : 1 | 197 ـ 204.

(33)

هذا بعض الكلام حول اتحّاد الطلب والاِرادة استعرضناه ليكون مقدمة لمسألة الجبر والتفويض.

إذا عرفت هذه الامور الاربعة التي ذكرناها تحت عنوان المقدمة، اعلم ان لكلّ من الجبر والتفويض مباني مختلفة وهذا هو الذي سنتناوله في الفصل اللاحق: