welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل ومقالات / ج 4*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

رسائل ومقالات / ج 4

صفحه 1

رسائل ومقالات

تبحث في مواضيع فقهية، أُصولية، كلامية و...

الجزء الرابع

تأليف

الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

إيران ـ قم


صفحه 2

اسم الكتاب: رسائل ومقالات

الجزء: الرابع

المؤلف: العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

الطبعة: الأُولى

المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

التاريخ: 1425 هـ

الكمية: 2000 نسخة

الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الصفّ والإخراج: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

توزيع

مكتبة التوحيد

قم ـ ساحة الشهداء

تلف 7745457 و 2925152


صفحه 3

بسم الله الرحمن الرحيم


صفحه 4

صفحه 5

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي بنعمته تتم الصالحات، الحمد للّه على إكمال الدين وإتمام النعمة، والصلاة والسلام على نبيّه الخاتم وعلى الأئمّة الهداة قادة الأُمم.

أمّا بعد فهذا هو الجزء الرابع من كتابنا«رسائل و مقالات» نقدّمه إلى القرّاء الكرام راجين أن يقع موقع القبول منهم.

وقد أوردنا فيه رسائل مستقلة ومقالات نشرت بين الحين والآخر، والغاية من الجميع هو الذب عن حياض الإسلام وإماطة الستر عن وجه العقيدة والشريعة، وتدور هذه الرسائل والمقالات على محاور:

1. الفقه ويشتمل على أربع مسائل.

2. أُصول الفقه وفيه أربع مسائل.

3. مسائل كلامية يجمعها وجود التناقض المحال فيها وانّ المحدّثين التزموا بكلا الطرفين مع أنّ الالتزام بهما التزام بصحّة التناقض وهي أربع عشرة مسألة.

4. خمس محاضرات حول مسائل مختلفة كانت قد أُلقيت في جامعات المغرب الأقصى وكان لها دور إيجابي في التعرف على فقه الشيعة وأُصوله والمسائل العقلية .

5. التراجم والتعريف بالشخصيات العلمية الكبيرة كالمحقّق الكركي رجل العلم والسياسة وهو أوّل من طبق نظرية ولاية الفقيه على الصعيد السياسي، وصار


صفحه 6

هدفاً للنقد و الاعتراض; كما وردت فيه ترجمة السيد عبد العظيم الحسني وذكر فيها حياته وبيئته وحديثه.

6. رسائل ومكاتبات إلى بعض العلماء والشخصيات الإسلامية كما تتضمن الإجابة عن بعض الفتاوى والمسائل الشرعية وتوجيه النصائح إلى جيل الشباب.

7. حوار مع الشيخ صالح بن عبد اللّه الدرويش القاضي بالمحكمة الكبرى بالقطيف حول كتابه «صحبة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)» ، وكان قد انتقى أوراقاً تنسجم مع ما يتبنّاه من عدالة الصحابة جميعاً وترك سائر الأوراق التي لا تنسجم مع هذه النظرية ونحن هنا نعرض الجميع.

هذا ما نقدّمه إلى القرّاء الكرام، طالبين منهم النقد البنّاء، كما نسأله سبحانه أن يوفّقنا لنشر بقية ما كتبناه من رسائل ومقالات لأهداف متعددة، وفي ظروف مختلفة فإنّ المرء ب آرائه وأفكاره لا بصورته وسيماه.


وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

قم المقدسة

15محرم الحرام 1425هـ


صفحه 7

الفصل الأوّل

الفقه

1. دية الحرة المسلمة

2. إرث الزوج والزوجة

3. دية الذمّيّ والمستأمن

4. مصافحة الأجنبية المسلمة


صفحه 8

صفحه 9

1

دية الحرّة المسلمة

الحمد للّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على نبيّه وآله الطاهرين.

أمّا بعد: لقد عادت دراسة دية الحرّة المسلمة إلى الساحة، وصارت نتيجتها هو التشكيك في الرأي السائد عبر القرون وهي انّ دية الحرة المسلمة نصف دية الحرّ المسلم.

وإنّما أُعيدت المسألة إلى الساحة، لأجل أنّ طابَع العصر الحاضر، هو طابَع العطف والحنان على النساء، بزعم أنّهنّ كنّ مهضومات الحقوق في الأدوار السابقة. فقامت مؤسسات وتشكّلت جمعيات لإحياء حقوقهنّ، وإخراجهنّ من زي الرقيّة للرجال، إلى الاستقلال والحرية، وربّما يتصوّر أنّ في القول بأنّ ديتها، نصف دية الرجل، هضماً لحقوقهنّ وإضعافاً لهن.

وقد عزب عن هؤلاء انّ خالق المرأة أعرف بحالها، ومصالحها كما قال سبحانه: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطيفُ الْخَبيرُ)(1)، وأرحم وأعطف بها من أصحاب هذه المؤسسات والجمعيات التي تتبنّى إحياء حقوقها.


1 . الملك:14.


صفحه 10

وإذا قال سبحانه: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)(1) فلمصلحة هو أعرف بها.

ولو قال الصادق(عليه السلام) ـ حاكياً عن الشارع ـ: «دية المرأة نصف دية الرجل»(2)، فلملاك ثابت عبر الأدوار.

يقول سبحانه:(يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).(3)

والمراد من التقدّم، هو رفض التشريع السماوي وإحلال التشريع الإنساني مكانه، بملاكات ظنّية لا يعتدّ بها.

ثمّ الكلام يقع في موارد ثلاثة:

1. دية النفس.

2. دية الأعضاء.

3. دية الجراح.

والأصل المسلّم عند الفقهاء في المقام الأوّل هو انّ دية المرأة نصف دية الرجل، كما أنّ الأصل المتّفق عليه في الموردين الأخيرين ممّا فيه أرش مقدّر من الشارع، هو ما نقله الفريقان عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف».

وسيوافيك الكلام في المقامات الثلاثة على وجه الإيجاز خصوصاً فيما يرجع إلى الثاني والثالث.


1 . النساء:11.

2 . الوسائل:18، الباب5 من أبواب ديات النفس، الحديث1.

3 . الحجرات:1.


صفحه 11

1

في دية النفس

اتّفق فقهاء الإسلام ـ إلاّ من شذّ ـ على أنّ دية المرأة نصف دية الرجل، ولنذكر كلمات الفقهاء من الفريقين ليظهر ما هو الرأي العام في المسألة عبر القرون وموقف الفقهاء من الحكم المعروف فيها:

ولنذكر قبل نقل كلمات الفقهاء نصّ عبارة الشيخ الطوسي في «الخلاف» فإنّه ذكر موقف الصحابة وفقهاء السنّة في هذه المسألة، قائلاً:

دية المرأة نصف دية الرجل، وبه قال جميع الفقهاء، وقال ابن عُلَيّة والأصمّ: هما سواء في الدية. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضاً روى عمرو بن حزم انّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«دية المرأة على النصف من دية الرجل»، وروى معاذ نحو هذا عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو إجماع الأُمّة، وروي ذلك عن: علي(عليه السلام)، وعن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت ولا مخالف لهم.(1)


1 . الخلاف:5/254، المسألة 63.


صفحه 12

1. شمس الدين السرخسي(المتوفّى490هـ)

بلغنا عن علي(عليه السلام) أنّه قال: دية المرأة على النصف من دية الرجل في النفس وما دونها (الأعضاء والجراح) وبه نأخذ.

وكان زيد بن ثابت يقول: إنّها تعادل الرجل إلى ثلث ديتها. يعني إذا كان الأرش بقدر ثلث الدية أو دون ذلك فالرجل والمرأة فيه سواء، فإن زاد على الثلث، فحينئذ حالها فيه على النصف من حال الرجل.(1) وما ذكره في الفقرة الثانية يرجع إلى دية الأعضاء والجراحات، وسوف نرجع إليهما بعد إنهاء الكلام في دية النفس.

2. القرطبي(520ـ 595هـ)

اتّفقوا على أنّ دية المرأة نصف دية الرجل في النفس.(2)

3. ابن قدامة(المتوفّى630هـ)

قال الخرقي في متن المغني:«ودية الحرة المسلمة، نصف دية الحرّ المسلم».

قال ابن قدامة في شرحه: قال ابن المنذر وابن عبد البرّ: أجمع أهل العلم على أنّ دية المرأة نصف دية الرجل. وحكى غيرهما عن ابن عُليَّة والأصم أنّهما قالا: ديتها كدية الرجل لقوله(عليه السلام): «في النفس المؤمنة مائة من الإبل»، وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة وسنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّ في كتاب عمرو بن حزم:«دية المرأة على النصف من دية الرجل» وهي أخصّ ممّا ذكروه وهما في كتاب


1 . المبسوط:26/79.

2 . بداية المجتهد:2/426.


صفحه 13

واحد، فيكون ما ذكرنا مفسِّراً لما ذكروه، ومخصّصاً له.

ودية نساء كلّ أهل دين، على النصف من دية رجالهم على ما قدّمنا في موضعه.(1)

والمراجع إلى كتب فقه أهل السنّة يرى فيها نظير هذه الكلمات بوفرة فلا نطيل الكلام في نقل كلماتهم.

غير أنّ الذي يجب إلفات نظر القارئ إليه هو أنّه لم يخالف إجماع المسلمين إلاّ رجلان:

أحدهما: ابن عُليَّة: وهو إسماعيل بن إبراهيم البصري(110ـ 193هـ) الذي كان مقيماً في بغداد وولي المظالم فيها في آخر خلافة هارون الرشيد، وكفى في سقوط رأيه أنّه كان يشرب النبيذ إلى حدّ لا يستطيع أن يمشي، فيُحمل على الحمار ولا يعرف منزله لكثرة السكر.

وثانيهما: أبو بكر الأصم عبد الرحمان بن كيسان المعتزلي صاحب المقالات في الأُصول، ذكره عبد الجبار الهمداني في طبقات المعتزلة، وهو أقدم من أبي الهذيل العلاّف(135ـ 235هـ)، والمعتزلة يعتمدون على العقل أكثر ممّا يعتمدون على النقل، ولذلك لا يطلق عليهم أهل السنّة في اصطلاح المحدّثين والأشاعرة.

ولنعطف عنان الكلام إلى نقل كلمات فقهائنا الأبرار.

1. الشيخ المفيد(336ـ 413هـ)

وإذا قتل الرجل المرأة عمداً فاختار أولياؤها الدية كان على القاتل إن رضي بذلك أن يؤدّي إليهم خمسين من الإبل إن كان من أربابها، أو خمسمائة من الغنم،


1 . المغني:9/531ـ 532.


صفحه 14

أو مائة من البقر، أو الحلل، أو خمسمائة دينار، أو خمسة آلاف درهم جياداً، وانّ دية الأُنثى على النصف من دية الذكر.(1)

2. أبو الصلاح الحلبي(374ـ 447هـ)

ودية الحرّة المسلمة، النصف من جميع ديات الحرّ المسلم ـ إلى أن قال ـ ودية الحرّة الذمية نصف دية الحرّ الذمي.(2)

3. الطوسي (385ـ 460هـ)

إذا قتل رجل امرأة عمداً وأراد أولياؤها قتله، كان لهم ذلك إذا ردّوا على أوليائه، ما يَفضل عن ديتها وهو نصف الرجل، خمسة آلاف درهم، أو خمسمائة دينار، أو خمسون من الإبل الخ.(3)

4. سلاّر الديلمي (المتوفّى 463هـ)

فإن قتل رجل امرأة عمداً واختار أولياؤها قتله، أدّوا إلى ورثته نصفَ ديته وإن اختاروا الدية فلهم نصف دية الرجل.(4)

5. عبد العزيز بن البرّاج القاضي (400ـ 481هـ)

فهذه ـ إشاره إلى ما ذكره من قبل من أقسام الدية ـ دية الحرّ المسلم صغيراً


1 . المقنعة:739.

2 . الكافي:391.

3 . النهاية:747.

4 . المراسم:236.


صفحه 15

كان أو كبيراً، ودية الحرة المسلمة، النصف من ذلك صغيرة أو كبيرة.(1)

6. ابن زهرة الحلّي(511ـ 585هـ)

ودية المرأة نصف دية الرجل بلا خلاف إلاّ من ابن عُليّة والأصم فإنّهما قالا: هما سواء، ويحتجّ عليهما بما روي من طرقهم من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«دية المرأة على النصف من دية الرجل».(2)

7. محمد بن إدريس الحلي(543ـ 598هـ)

إذا قتل رجل امرأة عمداً، وأراد أولياؤها قتله، كان لهم ذلك إذا ردّوا على الرجل ما يفضل عن ديتها، وهو نصف دية الرجل.(3)

8. قطب الدين الكيدري(المتوفّى600هـ)

ودية المرأة، نصف دية الرجل.(4)

9. نجم الدين المحقّق الحلّي(602ـ 676هـ)

ودية المرأة على النصف من جميع الأجناس.(5)

وفي المختصر النافع له: ودية المرأة على النصف من الجميع: العمد، وشبه العمد، والخطأ المحض.(6)


1 . المهذب:2/457.

2 . الغنية:414.

3 . السرائر:3/350.

4 . إصباح الشيعة:500.

5 . الشرائع:4/1018.

6 . المختصر النافع:303.


صفحه 16

10. ابن سعيد الحلي(601ـ 690هـ)

هذه دية الحرّ المسلم ومن بحكمه، ودية المرأة نصف ذلك.(1)

وفي موضع آخر: ويقاد المرأة بالرجل بلا ردّ، والرجل بالمرأة بعد ردّ نصف الدية عليه.(2)

11. العلاّمة الحلّي (648ـ 726هـ)

أمّا دية المرأة المسلمة الحرة فنصف دية الحر المسلم، سواء أكانت صغيرة أو كبيرة، عاقلة أو مجنونة.(3)

إلى غير ذلك من الكلمات المتماثلة للأصحاب في باب الديات في المقام ولا أرى حاجة لنقل ما بقي منها.

ويظهر من المناظرة التي دارت بين ربيعة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، انّ التنصيف كان أمراً مسلماً بين التابعين، يقول«ربيعة» حاكياً مناظرته.

قلت: كم في اصبع المرأة.

قال: عشر من الإبل.

قلت: كم في أصبعين؟

قال: عشرون.

قلت: كم في ثلاث؟


1 . الجامع للشرائع:574.

2 . الجامع للشرائع:572.

3 . قواعد الأحكام:3/668.


صفحه 17

قال: ثلاثون.

قلت: كم في أربع.

قال: عشرون.

قلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها.

فقال سعيد: أعرابي أنت؟

قلت: بل عالم متثبت أو جاهل متعلم.

قال: هي السنّة يابن أخ.(1)


1 . كنز الفوائد:2/203.


صفحه 18

دليل التنصيف

قد تعرفت على إجماع الفقهاء ـ إلاّ من لا يعتدّ بقوله ـ على أنّ دية الحرة المسلمة نصف دية الحرّ المسلم، بلا كلام، إنّما الكلام فيما يدلّ عليه.

1. أخرج البيهقي بسندين في أحدهما ضعف دون الآخر، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):«دية المرأة على النصف من دية الرجل».(1)

2. أخرج البيهقي بسنده، عن مكحول وعطاء قالوا: أدركنا الناس على أنّ دية المسلم الحرّ على عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)مائة من الإبل، فقوّم عمر بن الخطاب تلك الدية على أهل القرى ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم. ودية الحرة المسلمة إذا كانت من أهل القرى خمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم، فإذا كان الذي أصابها من الأعراب فديتها خمسون من الإبل، ودية الأعرابية إذا أصابها الأعرابي خمسون من الإبل لا يُكلّف الأعرابي الذهب ولا الورق.(2)

3. أخرج البيهقي عن حمّاد، عن إبراهيم، عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) أنّه قال: «عقل المرأة على النصف من دية عقل الرجل من النفس وفيما دونها».(3)

والمراد بإبراهيم، هو إبراهيم النخعي(المتوفّى93هـ) وهو لم يدرك عليّ بن أبي طالب، والسند منقطع.


1 . سنن البيهقي:8/95.

2 . سنن البيهقي:8/95.

3 . سنن البيهقي:8/95.


صفحه 19

4. أخرج النسائي والدارقطني، وصحّحه ابن خزيمة، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«عقل المرأة مثل عقل الرجل حتّى يبلغ الثلث من ديته».(1)

وسوف يوافيك ما يؤيد ذلك في دية الأعضاء والجراحات.

أحاديثنا في المسألة

الأحاديث الواردة في المسألة على طائفتين:

الأُولى: ما يدلّ بالدلالة المطابقيّة على أنّ دية الأُنثى نصف دية الذكر.

الثانية: ما يدلّ على المطلوب بالدلالة الالتزامية حيث يجوّز قتل الرجل بالمرأة بشرط ردّ فاضل ديته، ولولا التفاوت بين الديتين لكان هذا الشرط لغواً.

وإليك قسماً من كلتا الطائفتين:

الطائفة الأُولى: ما يدلّ على أنّ ديتها النصف

5. صحيح عبداللّه بن مسكان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في حديث: «دية المرأة نصف دية الرجل».(2) وهذه الجملة جزء من حديث مفصّل يأتي في الطائفة الثانية.

6. صحيح أبي أيوب، عن الحلبي وأبي عبيدة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سئل عن رجل قتل امرأة خطأ وهي على رأس تمخض. قال: «عليه الدية خمسة آلاف درهم، وعليه للذي في بطنها غرّة وصيف، أو وصيفة، أو أربعون ديناراً».(3)

7. روى صاحب الدعائم عن الصادق(عليه السلام):«والدية على أهل المذهب ألف


1 . التاج الجامع للأُصول:3/11; بلوغ المرام، رقم 1212.

2 . الوسائل:19، الباب5 من أبواب ديات النفس، الحديث1.

3 . الوسائل:19، الباب5 من أبواب ديات النفس، الحديث3.


صفحه 20

دينار ـ إلى أن قال: ـ و دية المرأة على النصف من ذلك على النفس وما جاوز ثلث الدية».(1)

8. وفي فقه الرضا(عليه السلام): «المرأة ديتها نصف دية الرجل وهو خمسمائة دينار».(2)

الطائفة الثانية: قتل الرجل مع رد فاضل ديته

هناك روايات متضافرة أو متواترة تدلّ على أنّه يجوز قتل الرجل بالمرأة بشرط ردّ فاضل ديته، نظير:

9. صحيح عبد اللّه بن سنان قال سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام) يقول: في رجل قتل امرأته متعمّداً، فقال: «إن شاء أهلها أن يقتلوه قتلوه، ويؤدّوا إلى أهله نصف الدية، وإن شاءوا أخذوا نصف الدية خمسة آلاف درهم».(3)

10. صحيح عبد اللّه بن مسكان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«إذا قتلت المرأة الرجل قتلت به، وإذا قتل الرجل المرأة، فإن أرادوا القود أدّوا فضل دية الرجل على دية المرأة وأقادوه بها، وإن لم يفعلوا قبلوا الدية دية المرأة كاملة، ودية المرأة نصف دية الرجل».(4)

نعم في السند محمد بن عيسى العبيدي، وهو وإن ضعّفه أُستاذ الصدوق، ولكن النجاشي وثّقه واستغرب تضعيفه، وقال: وكان محمد بن الحسن بن الوليد يستثني من روايات محمد بن أحمد بن يحيى(صاحب نوادر الحكمة) ما رواه عن


1 . مستدرك الوسائل:18، الباب5 من أبواب ديات النفس، الحديث 1و2.

2 . مستدرك الوسائل:18، الباب5 من أبواب ديات النفس، الحديث 1و2.

3 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث1.

4 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث2.


صفحه 21

محمد بن موسى الحمداني... أو عن محمد بن عيسى بن عبيد، ثمّ نقل النجاشي عن أُستاذه أبي العباس بن نوح أنّه قال: وقد أصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كلّه(استثناء طائفة من الرواة ممّن يروي عنهم مؤلف نوادر الحكمة)، وتبعه أبو جعفر بن بابويه على ذلك، إلاّ في محمد بن عيسى بن عبيد، فلا أدري ما رابه فيه، لأنّه كان على ظاهر العدالة والثقة.(1)

11. صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: في الرجل يقتل المرأة متعمّداً فأراد أهل المرأة أن يقتلوه. قال: «ذلك لهم إن أدّوا إلى أهله نصف الدية. وإن قبلوا الدية، فلهم نصف دية الرجل، وإن قتلت المرأة الرجل قتلت به ليس لهم إلاّ نفسها».(2)

فقوله: «وإن قبلوا الدية فلهم نصف دية الرجل» راجع إلى الطائفة الأُولى والباقي إلى الطائفة الثانية.

12. خبر علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الجراحات ـ إلى أن قال: ـ و قال: «إن قتل رجل امرأته عمداً فأراد أهل المرأة أن يقتلوا الرجل ردّوا إلى أهل الرجل نصف الدية وقتلوه» قال: وسألته عن امرأة قتلت رجلاً؟ قال: «تقتل ولا يغرم أهلها شيئاً».(3)

13. صحيح أبي مريم (عبد الغفار بن القاسم بن قيس الأنصاري)، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «أُتي رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)برجل قد ضرب امرأة حاملاً بعمود الفسطاط فقتلها، فخيّر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أولياءها أن يأخذوا الدية خمسة آلاف درهم


1 . رجال النجاشي:2/244، برقم 940.

2 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث3.

3 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 4.


صفحه 22

وغرّة وصيف أو وصيفة للذي في بطنها، أو يدفعوا إلى أولياء القاتل خمسة آلاف ويقتلوه».(1)

14. صحيح أبي بصير ـ يعني المرادي ـ عن أحدهما. قال: «إن قتل رجل امرأة وأراد أهل المرأة أن يقتلوه، أدّوا نصف الدية إلى أهل الرجل».(2)

15. موثّق أبي بصير عن أحدهما(عليهما السلام): قلت له: رجل قتل امرأة، فقال: «إن أراد أهل المرأة أن يقتلوه أدّوا نصف ديته وقتلوه، وإلاّ قبلوا الدية».(3)

16. خبر أبي مريم، قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن جراحة المرأة؟ قال: فقال: «على النصف من جراحة الرجل فما دونها». قلت: فامرأة قتلت رجلاً؟ قال: «يقتلونها»، قلت: فرجل قتل امرأة؟ قال: «إن شاءوا قتلوا وأعطوا نصف الدية».(4)

17. خبر أبي العباس، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «إن قتل رجل امرأة خيّر أولياء المرأة، إن شاءوا أن يقتلوا الرجل ويغرموا الدية لورثته وإن شاءوا أن يأخذوا نصف الدية».(5)

18. خبر محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) في الرجل يقتل المرأة، قال: «إن شاء أولياؤها قتلوه، وغرموا خمسة آلاف درهم لأولياء المقتول، وإن شاءوا أخذوا خمسة آلاف درهم من القاتل».(6)

19. خبر زيد الشحام، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): في رجل قتل امرأة متعمداً؟ قال: «إن شاء أهلها أن يقتلوه قتلوه ويؤدّوا إلى أهله نصف الدية».(7)

20. وفي تفسير العياشي، عن أبي العباس، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته


1 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5، 6، 7، 8، 9.

2 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5، 6، 7، 8، 9.

3 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5، 6، 7، 8، 9.

4 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5، 6، 7، 8، 9.

5 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5، 6، 7، 8، 9.

6 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث12، 13.

7 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث12، 13.


صفحه 23

عن رجلين قتلا رجلاً؟ قال(عليه السلام): «يخيّر وليّه أن يقتل أيّهما شاء ويغرم الباقي نصف الدية، أعني: نصف دية المقتول فيردّ على ورثته».

وكذلك إن قتل رجل امرأة إن قبلوا دية المرأة فذاك، وإن أبى أولياؤها إلاّ قتل قاتلها غرموا نصف دية الرجل وقتلوه، وهو قول اللّه:(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَليِّهِ سُلْطاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ)(1)».(2)

هذه عشرون حديثاً أكثرها من الصحاح والحسان واتحاد بعضها مع بعض لا يضرّ بتواتر المضمون، ومع هذه الأحاديث الهائلة لا أظنّ أنّ فقيهاً جامعاً للشرائط يجترئ ويخالف حكم المسألة.

إلى هنا تمّت دراسة أدلّة المسألة في فقه الفريقين.

وحان حين البحث في المقام الثاني:


1 . الإسراء:33.

2 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 21.


صفحه 24

2

في دية الأعضاء والجراحات

اتّفق الفقهاء على أنّ دية المرأة تساوي دية الرجل في الأُروش المقدرة إلى حدّ خاص، فإذا انتهت إليه فعلى النصف، وهذه الضابطة أمر متّفق عليه، غير أنّ الاختلاف في الحدّ الّذي إذا بلغته الدية، تكون على النصف.

والضابطة نفسها تؤيد الكبرى الكلّية في أنّ دية المرأة، نصف دية الرجل، والاختلاف في الحدّ الّذي إذا بلغته ترجع إلى النصف لا يضرّ بها. وقد أشار الشيخ الطوسي إلى الاختلاف الموجود في الحدّ، وقال:

المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديتها في الأُروش المقدّرة، فإذا بلغتها فعلى النصف. وبه قال عمر بن الخطاب، وسعيد بن المسيب، والزهري، ومالك، وأحمد، وإسحاق.

وقال ربيعة: تعاقله ما لم يزد على ثلث الدية أرش الجائفة والمأمومة، فإذا زاد فعلى النصف.

وربيعة جعلها كالرجل في الجائفة، وجعلها على النصف فيما زاد عليها.وبه قال الشافعي في القديم.


صفحه 25

وقال الحسن البصري: تعاقله ما لم تبلغ نصف الدية أرش اليد والرجل، فإذا بلغتها فعلى النصف.

وقال الشافعي في الجديد: لا تعاقله في شيء منها بحال، بل معه على النصف فيما قلّ أو كثر، في أنملة الرجل ثلاثة أبعرة وثلث، وفي أنملتها نصف هذا بعير وثلثان، وكذلك فيما زاد على هذا.

ورووا ذلك عن علي(عليه السلام). وذهب إليه الليث بن سعد من أهل مصر، وبه قال أهل الكوفة: ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه. وهو قول عبيد اللّه بن الحسن العنبري.

وقال قوم: تعاقله ما لم تبلغ نصف عشر الدية، أرش السن والموضحة، فإذا بلغتها فعلى النصف. ذهب إليه ابن مسعود، وشريح.

وقال قوم: تعاقله ما لم تبلغ عشر أو نصف عشر الدية أرش المنقلة، فإذا بلغتها فعلى النصف. ذهب إليه زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار.

دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.

وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديتها».

وقال ربيعة: قلت لسعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ فقال: عشر، قلت: ففي إصبعين؟ قال: عشرون. قلت: ففي ثلاث؟ قال: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون. قلت له: لمّا عظمت مصيبتها قلّ عقلها؟! قال: هكذا السنّة.

قوله: «هكذا السنّة» دالّ على أنّه أراد سنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وإجماع الصحابة والتابعين.(1)


1 . الخلاف:5/254ـ 256، المسألة63.


صفحه 26

هذا وقد صرّح بالضابطة كلّ من بحث في دية الأعضاء والجراحات، وأشار إلى الحدّ الّذي تنقلب الدية عنده إلى النصف، وذكره ـ بالتفصيل أيضاً ـ شمس الدين السرخسي في «المبسوط» وقال:

وبلغنا عن علي أنّه قال: في دية المرأة على النصف من دية الرجل في النفس وما دونها، وبه نأخذ، وقال ابن مسعود هكذا إلاّ في أرش الموضحة وأرش السن فانّها تستوي في ذلك بالرجل، وكان زيد بن ثابت يقول: إنّها تعادل الرجل إلى ثلث ديتها، يعني: إذا كان الأرش بقدر ثلث الدية أو دون ذلك فالرجل والمرأة فيه سواء، فإن زاد على الثلث فحينئذ حالها فيه على النصف من حال الرجل.(1)

ولمّا كان الحكم بالتنصيف إذا تجاوز الثلث، أو غيره مضاداً للقياس الّذي هو أحد الأدلّة في الفقه السنّي، صار مورداً للسؤال والاستغراب، فهذا هو البيهقي يروي بسنده عن ربيعة الرأي أنّه سأل سعيد بن المسيب ـ الّذي هو أحد الفقهاء الثمانية في المدينة ـ و قال: كم في اصبع المرأة؟ قال: عشرة، قال: كم في اثنين؟ قال: عشرون، قال: كم في ثلاث؟ قال: ثلاثون، قال: كم في أربع؟ قال: عشرون، قال ربيعة: حين عظم جراحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها؟!

قال: أعراقي أنت(تدين اللّه بالقياس)؟! قال ربيعة: عالم متثبت أو جاهل متعلّم، قال: يابن أخي إنّها السنّة.

قال الشافعي: لمّا قال ابن المسيب هي السنّة، أشبه أن يكون عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أو عن عامّة الصحابة.(2)


1 . المبسوط:26/79.

2 . سنن البيهقي:8/96.


صفحه 27

دليل الضابطة

قد تعرّفت على الضابطة، وأمّا دليلها، فإليك ما ورد عن الفريقين:

1. أخرج البيهقي بسنده المتصل إلى الشعبي أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول: «جراحات النساء على النصف من دية الرجل فيما قلّ و كثر».(1)

وإطلاقه يُقيد، بما في سائر الروايات.

2. أخرج البيهقي بسند موصول إلى زيد بن ثابت أنّه قال: جراحات الرجال والنساء سواء إلى الثلث، وما زاد فعلى النصف.

وقال عبد اللّه بن مسعود: إلاّ السن والموضحة فانّها سواء، وما زاد فعلى النصف.(2)

3. أخرج البيهقي بسنده، عن عروة البارقي أنّه جاء من عند عمر إلى شريح: إنّ الأصابع سواء في الخنصر والإبهام، وإنّ جروح الرجال والنساء سواء في السن والموضحة، وما خلا ذلك فعلى النصف.(3)

روى الشافعي والدارقطني، وصحّحه ابن خزيمة، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«عقل المرأة مثل عقل الرجل حتّى يبلغ الثلث من ديته».(4)

هذا ما لدى السنّة، وأمّا ما روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) فيكفي في ذلك:

1. ما رواه الكليني بسند صحيح، عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام):

ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة، كم فيها؟ قال: «عشرة من


1 . سنن البيهقي:8/96.

2 . سنن البيهقي:8/96.

3 . سنن البيهقي:8/97.

4 . التاج الجامع للأُصول:3/11.


صفحه 28

الإبل»، قلت: قطع اثنتين؟ قال: «عشرون»، قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: «ثلاثون»، قلت: قطع أربعاً؟ قال: «عشرون»، قلت: سبحان اللّه يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله ونقول: الّذي جاء به شيطان، فقال: «مهلاً يا أبان هذا حكم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين».(1)

2. قال المفيد في «المقنعة»: المرأة تساوي الرجل في ديات الأعضاء والجوارح حتّى تبلغ ثلث الدية، فإذا بلغتها رجعت إلى النصف من ديات الرجال، مثال ذلك أنّ في إصبع الرجل إذا قطعت عشراً من الإبل، وكذلك في أصبع المرأة سواء، وفي إصبعين من أصابع الرجل عشرون من الإبل، وفي أصبعين من أصابع المرأة كذلك، وفي ثلاث أصابع الرجل ثلاثون، وفي ثلاث أصابع من أصابع المرأة سواء، وفي أربع أصابع من يد الرجل أو رجله أربعون من الإبل، وفي أربع أصابع المرأة عشرون من الإبل لأنّها زادت على الثلث فرجعت بعد الزيادة إلى أصل دية المرأة وهي النصف من ديات الرجال، ثمّ على هذا الحساب كلّما زادت أصابعها وجراحها وأعضاؤها على الثلث رجعت إلى النصف، فيكون في قطع خمس أصابع لها خمس وعشرون من الإبل، وفي خمس أصابع الرجل خمسون من الإبل، بذلك ثبتت السنّة عن نبيّ الهدى، وبه تواترت الأخبار عن الأئمّة (عليهم السلام).(2)

وأمّا خفاء الحكم على مثل أبان بن تغلب، مع ماله من المكانة والجلالة


1 . وسائل الشيعة:19، كتاب الديات، الباب44 ، الحديث1.

2 . وسائل الشيعة:19، كتاب الديات، باب 44 ، الحديث3.


صفحه 29

حتّى أمره أبو جعفر بالجلوس في المسجد، والإفتاء للناس(1) فليس أمراً بديعاً، وقد خفى على ربيعة الرأي الّذي هو من التابعين ويروي عن أنس، وقد توفّي 136هـ كما توفّي أبان عام 141هـ.

وقد استغرب كلّ من ربيعة وأبان أنّ الحكم بالنصف، وذلك لأنّه كان على خلاف التماس العلل الواقعية للأحكام الشرعية من طريق العقل وجعلها مقياساً لصحة النصوص الشرعيّة فما وافقها يحكم عليه أنّه حكم اللّه الّذي يؤخذ به، وما خالفها كان موضعاً للرفض أو التشكيك، وعلى هذا النوع من الاصطلاح تنزّل التعبيرات الشائعة: انّ هذا الحكم موافق للقياس وذلك الحكم مخالف له.

وقد كان القياس بهذا المعنى ـ التماس العلل للأحكام من طريق العقل واستكشاف الحكم الشرعي بهاـ مثارَ معركة فكرية واسعة النطاق على عهد الإمام الصادق(عليه السلام) وبعض فقهاء عصره. وعلى هذا الاصطلاح دارت المناظرة التالية بين الإمام وأبي حنيفة: روى أبو نعيم بسنده، عن عمرو بن جميع: دخلتُ على جعفر بن محمد أنا و ابن أبي ليلى وأبو حنيفة، فقال لابن أبي ليلى: «من هذا معك؟! قال: هذا رجل له بصر ونفاذ في أمر الدين، قال: «لعلّه يقيس أمر الدين برأيه» إلى أن قال:«يا نعمان، حدثني أبي عن جدّي أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«أوّل من قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال اللّه تعالى له: اسجد لآدم فقال: (أَنَا خيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَتني مِنْ ناروَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين)، فمن قاس الدين برأيه قرنه اللّه تعالى يوم القيامة بإبليس، لأنّه اتّبعه بالقياس».(2)

فالقياس في هذه الرواية منصرف إلى هذا المصطلح حيث إنّ إبليس تمرّد عن


1 . رجال النجاشي:1برقم 6.

2 . حلية الأولياء:3/197.


صفحه 30

الأمر بالسجود، لأنّه على خلاف قياسه لتخيّله انّ الأمر بالسجود يقتضي أن يبتني على أساس التفاضل العنصري، ولأجل هذا خطّأ الحكم الشرعي لاعتقاده بأنّه أفضل في عنصره من آدم لكونه مخلوقاً من نار وهو مخلوق من طين.(1)

ويقول المحقّق الأردبيلي حول صحيح أبان:

وفيها بطلان القياس، بل يشكل أمر مفهوم الموافقة، فإنّ العقل يجد بحسب الظاهر أنّه إذا كان ثلاثون لازماً في الثلاث، فيكون لازماً في الأربع بالطريق الأولى، فعلم أنّه لا ينبغي الجرأة فيه أيضاً، إذ قد تخفى الحكمة، ولهذا شرطوا العلم بالعلّة في أصل المفهوم ووجودها في الفرع، فتأمّل.(2)


1 . الأُصول العامة للفقه المقارن للسيد محمدتقي الحكيم:315. وهو أوّل من نبّه بوجود اصطلاحين في استعمال القياس.

2 . مجمع الفائدة والبرهان:14/469.


صفحه 31

3

شبهات و ردود

لقد تجلّت الحقيقة بأجلى مظاهرها وتبيّن أنّ دية المرأة نصف دية الرجل في المقامات الثلاثة: النفس والأعضاء والجراحات.

بقي هنا دراسة بعض الشبهات التي عالقت بعض الأذهان.

1. التنصيف ينافي قوله سبحانه:(النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)(1)

إنّ القول بالتنصيف يخالف قوله سبحانه:(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).(2)

يلاحظ على الاستدلال: بأنّ الكلام في دية المرأة ولا مساس للآية بها لأنّها في مورد القصاص وكلامنا في الدية، وحاصل مفاد الآية: أنّ الإنسان يُقتل بالإنسان، ويُقتص بالإنسان من الإنسان، وبالتالي بالمرأة من الرجل، وبالرجل من


1 . المائدة:45.

2 . المائدة:45.


صفحه 32

المرأة، وهذا ما تضافرت عليه الروايات، وقد مرّ أنّ الرجل يقتل بالمرأة والمرأة بالرجل، ولذا يقول سبحانه:( أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ). وأيّ مساس لها بدية المرأة وأنّها هل هي نصف دية الرجل أو مثلها؟!

فإن قلت: إنّ مقتضى إطلاق قوله تعالى:( أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) هو جواز الاقتصاص من كلّ نفس بأزاء نفس آخر، مطلقاً بلا شرط، فتجويز قتل الرجل بالمرأة بردّ فاضل ديته على خلاف إطلاق الآية.

قلت: أوّلاً: إنّ الأخذ بالإطلاق فرع انعقاده وهو فرع كون المتكلّم في مقام البيان حتّى بالنسبة إلى الجهة الّتي نحن بصدد رفع الشك فيها بالإطلاق، ولكن الظاهر انّ الآية، كنظائرها ليست في مقام البيان بالنسبة إلى تلك الجهة، بل هي بصدد بيان انّ النفس تعادل النفس، وأمّا أنّ في الاقتصاص شرطاً آخر أو لا، فليست هي بصدد بيانه حتّى يتمسّك بالإطلاق وتُنفى شرطية رد فاضل الدية.

ثانياً: نفترض انعقاد الإطلاق في الآية إذ أقصى ما يلزم، هو أن يقيّد إطلاقها في مورد قتل الرجل بالمرأة برد فاضل الدية، وهو ليس بأمر مشكل، إذ كم من مطلق قرآني قُيّد بالحديث.

وليس هذا التقييد أمراً بديعاً، فانّ إطلاق هذه الآية قد قيّد بأُمور أُخرى أيضاً نظير:

قتل الوالد بالولد.

قتل الحر بالعبد.

فانّ مقتضى إطلاق قوله: ( أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) هو قتل الوالد بالولد، مع أنّه لا يقتص منه.


صفحه 33

لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يقاد والد بولده».(1)

أو قتل الحرّ بالعبد، مع أنّ صريح قوله سبحانه خلافه قال:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلى الحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثى بِالأُنْثى).(2)

مضافاً إلى ما ورد من الروايات فيه.(3)

2. التنصيف ينافي قوله سبحانه:(وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ...)(4)

كيف تكون دية المرأة نصف دية الرجل مع أنّ الآية تحكم بوجود المماثلة في الحقوق، بين الزوجين ويقول:(وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمعْرُوف)؟!

يلاحظ عليه: أنّ الآية لا تمس مسألة دية الزوجة أبداً، لأنّها تركّز على بيان مالهنّ من الحقوق على الأزواج وما للأزواج عليهنّ من الحقوق، وأيّ صلة للآية بما إذا قتل الأجنبيّ الأُنثى؟! فالآية تحدّد حق الزوج على الزوجة وحقّ الزوجة على الزوج بما جرت عليه عادة الناس إلاّ ما كان منه محرّماً في الشريعة، فما يراه العرف حقاً لأحد الزوجين فهو كذلك عند اللّه، لأنّ الحياة متطوّرة والحاجات متغيّرة، فربّما لا يعدّ الشيء من الحقوق في الأزمنة السابقة بخلاف العصر الحاضر وبالعكس، وللمفسّرين حول الآية كلمات وتفسيرات رائعة فراجعها.(5)


1 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1و غيره.

2 . البقرة:178.

3 . الوسائل:19، الباب37 من أبواب القصاص في النفس.

4 . البقرة:228.

5 . تفسير المنار:2/375; الميزان:2/232; الكاشف:1/343.


صفحه 34

3. التنصيف ينافي تحديد الدية بمائة من الإبل

إنّ القول بالتنصيف ينافي ما جاء في غير واحد من الروايات في تحديد الدية بألف دينار أو عشرة آلاف درهم أو مائة من الإبل، من غير فرق بين الذكر والأُنثى.

ففي صحيح جميل بن درّاج في الدية، قال: «ألف دينار أو عشرة آلاف درهم».(1)

وفي رواية الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال:«الدية عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار».(2)

وفي رواية جميل: «الدية مائة من الإبل»، إلى غير ذلك من الروايات(3)، فإنّ مقتضى هذه الروايات هو كون دية الأُنثى والذكر على حدّ سواء.

يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ هذه الروايات بصدد بيان مقدار الدية لا بيان أحكامها باختلاف حالات القاتل والمقتول، فلا إطلاق فيها بالنسبة إلى الطوارئ المختلفة في القاتل والمقتول.

وثانياً: لو افترضنا وجود الإطلاق فلا مانع من تقييد إطلاقها بهذه الروايات المتضافرة.

4. هذا النوع من التشريع يناقض العدالة

إنّ جعل عقل المرأة نصف عقل الرجل على خلاف مقتضى العدل والإحسان الذين أمرنا اللّه بهما في كتابه.


1 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات النفس، الحديث4، 5.

2 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات النفس، الحديث4، 5.

3 . الوسائل:19، الباب1 من أبواب ديات النفس، الحديث5، ولاحظ روايات الباب.


صفحه 35

يلاحظ عليه: أنّه لا يصحّ لباحث دراسة أيّ حكم شرعي مجرّداً عن الإطار الذي شرع في ظله وبمنأى عن سائر الأحكام التي صيغت جميعاً كنظام شامل متكامل، وإلاّ لأصبح القضاء فاقداً لشرط الصحّة.

وعلى ضوء ذلك، نقول: إنّ الدية سواء أكان القتل خطأ أم عن عمد، ليست بدلاً عن النفس المحترمة الّتي لا يعادلُها شيء، كيف؟ وقد قال سبحانه: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيرِ نَفْس أَوْ فَساد فِي الأَرْض فَكأَنّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياهَا فَكأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً).(1)

فالرجل والمرأة في هذا المضمار سيّان، بل الدية نوع جبر للخسارة الماديّة والاقتصادية الّتي تتحملها الأُسرة من أجل فقد المقتول.

ومن المعلوم أنّ دور الرجل في الأُمور الاقتصادية، وإدارة الأُسرة أمر لا يُنكر، فهي بفقد الرجل تخسر مادّياً أكثر ممّا تخسره بفقد المرأة.

وبتعبير آخر، بما أنّ نفقة العائلة تقع على عاتق الرجل دون المرأة، فهي بفقده تتحمل خسارة أكبر ممّا تتحمله من فقد المرأة.

نعم ما ذكرناه في المقام يرجع إلى الأغلب، ولا ينافي هذا أن تكون هناك بعض الموارد الّتي تقوم فيها المرأة بدور كبير في إدارة الأُسرة وتوفير الثروة لها. فإنّ حكم الشرع تابع للملاك الغالب.

5. هل الأردبيلي متوقّف في المسألة؟

يظهر من عبارة المحقّق الأردبيلي، أعني قوله: «فما أعرفه فكأنّه إجماع أو نصّ ما اطّلعت عليه» أنّه لم يطّلع على دليل صالح في المقام.


1 . المائدة:22.


صفحه 36

يلاحظ عليه: أنّ موقف المحقّق الأردبيلي في المسألة هو نفس موقف المشهور، والعبارة المذكورة لا تمسّ هذه المسألة، وإنّما هي راجعة لمسألة أُخرى، وإليك نقل كلامه:

قال العلاّمة في «الإرشاد»: ودية الأُنثى نصف ذلك.

فقال المحقّق الأردبيلي في شرح هذه الجملة: كأنّ دليله الإجماع والأخبار، وقد مرّت فتذكّر.(1)

ترى أنّه استدلّ في كلامه على التنصيف بالإجماع أوّلاً وبالأخبار التي مضت في كتابه; وهو يشير إلى الروايات التي ذكرها في مسألة أُخرى، أعني: قتل الحرّ بالحرّة.

قال العلاّمة: ويقتل الحرّ بالحرّة مع ردّ فاضل ديته.

فقال المحقّق الأردبيلي في شرح العبارة: وكذا قتله بالحرّة إذا قتلها ولكن تردّ ورثتها فضل دية الحرّ عن الحرّة إليه وهو نصف دية كاملة، وهي دية الحرّة، فإنّها نصف الحر، كما سيجيء.(2)

ثمّ إنّه (قدس سره) استدلّ على التنصيف بحسنة الحلبي وصحيحة ابن مسكان وصحيحة عبد اللّه بن سنان ورواية أبي مريم.(3)

إلى غير ذلك من الروايات التي تعرّفت عليها عند ذكر الطائفة الثانية من روايات المسألة.

ثمّ إنّه(قدس سره) قال: وفي هذه الأدلّة من الآيات والأخبار دلالة على قتل الرجل


1 . مجمع الفائدة والبرهان:14/322.

2 . يشير إلى ما ذكره في صفحة 322، أعني: مسألتنا الحاضرة.

3 . قد مرّت هذه الروايات في الطائفة الثانية.


صفحه 37

بالمرأة مع الردّ وبالعكس من غير غرم، وهو المشهور بين الأصحاب بحيث ما نقل الخلاف.(1)

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ المحقّق الأردبيلي جزم بالتنصيف في مسألتين واستدلّ بالأخبار، أعني:

1. دية المرأة نصف دية الرجل.

2. قتل الرجل بالمرأة مع ردّ فاضل الدية.

نعم ذكر(قدس سره) في مسألة ثالثة العبارة الماضية الّتي تُوهّم منها أنّ المحقّق لم يطّلع على الأخبار وتلك المسألة عبارة عن كون دية الطفل والطفلة مثل دية الرجل والمرأة، ففي هذا المكان قال: فما أعرفه، فكأنّه إجماع أو نصّ ما اطّلعت عليه.(2)

وأين هذه المسألة ممّا نحن فيه؟!

تمّت الرسالة بيد مؤلّفها جعفر السبحاني

عصر يوم الخميس ثاني شهر جمادى الأُولى

من شهور عام 1424من الهجرة النبوية

على هاجرها آلاف التحيّة


1 . مجمع الفائدة والبرهان:14/48.

2 . مجمع الفائدة والبرهان:14/313.


صفحه 38

صفحه 39

2

إرث الزوج والزوجة

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمّد وآله الطاهرين.

أمّا بعد فقد سُئلت في هذه الأيّام عن مسألتين في مورد إرث الزوج والزوجة، وقد ألقيت في سالف الأيام محاضرة موجزة حولهما ضمن سائر مسائل الإرث، وقد طبعت بعد ذلك باسم «نظام الإرث في الشريعة الإسلامية الغرّاء» ومع ذلك فقد خصّصتُ هذه الرسالة لبيانهما على وجه التفصيل، والمسألتان عبارة عن:

1. إذا ماتت الزوجة عن زوج ولم يكن هناك وارث مناسب ولا مسابب.

2. إذا مات الزوج عن زوجة ولم يكن هناك وارث مناسب ولا مسابب.

فلا شكّ أنّ الزوج في الصورة الأُولى يرث نصف المال بالفرض، إنّما الكلام في النصف الباقي، كذلك ترث الزوجة في الصورة الثانية الربع، وإنّما الكلام في الأرباع الثلاثة الباقية، ولنطرح كلّ مسألة على حدة.


صفحه 40

1

إذا ماتت الزوجة عن زوج

بلا مناسب ولا مسابب

إذا ماتت الزوجة عن زوج ولم يكن هناك أيّ وارث بالنسب والسبب، حتّى مولى النعمة وضامن الجريرة، فقد ذهبت عامّة أهل السنّة إلى أنّ الزوج يرث النصف، والباقي لبيت المال.

قال السرخسي في «المبسوط»: قال علي بن أبي طالب(عليه السلام): إذا فضل المال عن حقوق أصحاب الفرائض وليس هناك عصبة من جهة النسب، ولا من جهة السبب، فإنّه يردّ ما بقي عليهم على قدر أنصبائهم إلاّ الزوج والزوجة، وبه أخذ علماؤنارحمهمُ اللّه.

وقال عثمان بن عفّان: يُردّ على الزوج والزوجة كما يردّ على غيرهم من أصحاب الفرائض، وهو قول جابر بن يزيد.

وقال عبد اللّه بن مسعود: الردّ على أصحاب الفرائض إلاّ على ستة نفر: الزوج، والزوجة، وابنة الابن مع ابنة الصلب، والأُخت للأب مع الأُخت لأب وأُمّ،


صفحه 41

وأولاد الأُمّ مع الأُمّ، والجدّ مع ذي سهم أيّاً كان وهو قول أحمد بن حنبل.

وقال زيد بن ثابت: لا يردّ على أحد من أصحاب الفرائض شيء بعدما أخذوا فرائضهم ولكن نصيب الباقي لبيت المال، وهو رواية عن ابن عباس وبه أخذ الشافعي.

وعن ابن عباس في رواية يردّ على أصحاب الفرائض إلاّ على ثلاثة نفر: الزوج، والزوجة، والجدّة.(1)

فيظهر منه أنّه لم يقل بالردّ إلاّ عثمان بن عفّان.

ونقل الشيخ في «الخلاف» اتّفاقهم على عدم الردّ وأنّ الباقي لبيت المال.(2)

هذا ما لدى السنّة، وأمّا أصحابنا فالمشهور الّذي كاد أن يكون إجماعاً هو أنّ الباقي يرد على الزوج، وإليك بعض كلماتهم فنذكر منها ما يلي:

1. قال الصدوق في «المقنع»: فإن تركت امرأة زوجها ولم تترك وارثاً غيره فللزوج النصف والباقي يردّ عليه.(3)

2. قال الشيخ المفيد: اتّفقت الإمامية على أنّ المرأة إذا توفيّت وخلّفت زوجاً ولم تُخلّف وارثاً غيره من عصبتها ولا ذي رحم أنّ المال كلّه للزوج، النصف منه بالتسمية والنصف الآخر مردود عليه بالسنّة.(4)

3. وقال في «المقنعة»: إذا لم يوجد قريب ولا سبب للميّت ردّ باقي التركة على الأزواج.(5)


1 . المبسوط:15/193.

2 . الخلاف:4/116، كتاب الفرائض، المسألة130.

3 . الاعلام:55; المطبوع ضمن مصنفات الشيخ المفيد:ج9.

4 . المقنعة:691.

5 . الخلاف:4/116، كتاب الفرائض، المسألة130.


صفحه 42

والقدر المتيقّن من الأزواج هو الزوج، ويكون دالاً على الردّ في مسألتنا، بخلاف المسألة الثانية، فشمول عبارته لها موضع تأمّل.

4. قال الشيخ في «الخلاف»: إذا خلّفت المرأة زوجها ولا وارث لها سواه فالنصف له بالفرض والباقي يعطى إيّاه.(1)

5. وقال في «النهاية»: يردّ على الزوج، النصفُ الباقي بالصحيح من الأخبار عن أئمّة آل محمّد(عليهم السلام).(2)

6. وقال السيد المرتضى: وممّا انفردت به الإماميّة أنّ الزوج يرث المال كلّه إذا لم يكن وارث سواه، فالنصف بالتسمية، والنصف الآخر بالردّ، وهو أحقّ بذلك من بيت المال، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، وذهبوا إلى أنّ النصف الآخر لبيت المال.(3)

7. ويظهر من أبي الصلاح في «الكافي» اختياره حيث شرط في ميراث الإمام، عدم ذوي الأنساب والزوج ومولى النعمة. قال: وخامس المستحقين سلطان الإسلام المفترض الطاعة على الأنام وفرضه ثابت بشرط عدم ذوي الأنساب والزوج ومولى النعمة.(4)

8. وقال ابن البرّاج: فإن ماتت امرأة وتركت زوجها ولم تخلّف غيره، كان له النصف بالتسمية والباقي يردّ عليه.(5)


1 . النهاية: 642.

2 . المقنع:170.

3 . الانتصار:300.

4 . الكافي في الفقه:374.

5 . المهذّب:2/141.


صفحه 43

9. وقال ابن إدريس: قال أصحابنا: إنّ الزوج وحده يردّ عليه الباقي بإجماع الفرقة على ذلك. ثمّ نقل كلام المفيد والسيد المرتضى وردّ التفصيل الّذي استقربه الشيخ في «النهاية».(1)

10. وقال العلاّمة: وهذا (أي القول المشهور) هو الأقوى عندي، دليلنا في الردّ على الزوج الإجماع، فإنّ جلّة أصحابنا نقلوه ونقلهم حجة.(2)

11. وقال الشهيد في «الدروس»: أمّا لو لم يكن سوى الزوج أو الزوجة، فالمشهور الردّ على الزوج فيأخذ النصف تسمية والباقي ردّاً، ونقل المفيد والمرتضى والشيخ فيه الإجماع.(3)

وتبعهم المتأخرون في ذلك. قال النراقي في «المستند»: ذهب إليه معظم الطبقة الثالثة(4)، ومراده من الطبقة الثالثة: السبزواري في «الكفاية».(5) والفيض في «المفاتيح»(6)، ودعوى الشهرة عليه متكرّرة، وظاهر «الانتصار» و«السرائر» دعوى الإجماع عليه.(7)

ولعلّ هذا المقدار من النقول كاف في إثبات الشهرة القريبة من الإجماع، ومع ذلك كلّه فيظهر من بعض أصحابنا كالديلمي التردّد وعدم الترجيح.

قال سلاّر الديلمي في مراسمه حيث نقل الردّ على الزوج عن بعض


1 . السرائر:3/243.

2 . المختلف:9/42.

3 . الدروس:2/375، الدرس 192.

4 . المستند:19/396.

5 . الكفاية:304.

6 . المفاتيح: 3/304.

7 . المستند:19/396.


صفحه 44

الأصحاب من دون أن يختار. قال: ومن أصحابنا من قال: إذا ماتت زوجة ولم تُخلّف غير زوجها فالمال كلّه له بالتسمية والردّ.(1) ومنه يعلم أنّ ما نسب إليه من اختيار الردّ كما في «المستند» ليس بتامّ.

نعم يظهر من نسبة كون المال كلّه للزوج إلى بعض الأصحاب وجود القائل بعدم الردّ إلى الزوج ولازم ذلك هو الردّ على الإمام، إذ الأمر دائر بين الردّين: الردّ على الزوج، والردّ على الإمام، فإذا انتفى الأوّل تعيّن الثاني، وإلى هذا يشير فخر المحقّقين في شرحه، قال: قال سلاّر: ومن أصحابنا مَن قال: إذا ماتت امرأة ولم تخلّف غير زوجها فالمال كلّه له بالتسمية والردّ.(2) ويلزم من القول بعدم الردّ على الزوج كون الباقي للإمام، إذ لا وارث حينئذ سواه.

وقال العلاّمة في قواعده: للزوج مع الولد ـ ذكراً كان أو أُنثى ـ أو ولد الولد وإن نزل ـ كذلك ـ الربع، ومع عدمهم ـ أجمع ـ، النصف مع جميع الورّاث، والباقي للقريب إن وجد، فإن فقد فلمولى النعمة، فإن فقد فلضامن الجريرة، فإن فقد قيل: يردّ عليه، وقيل: يكون للإمام، سواء دخل أو لا.(3)

إلى هنا تبيّن أنّ المشهور هو الردّ على الزوج، والظاهر من الديلمي التوقّف، ومثله العلاّمة في «القواعد»، وأمّا وجود القائل بوجوب الردّ على الإمام فهو لازم كلام الديلمي حيث نسب الردّ على الزوج إلى بعض أصحابنا، وصريح العلاّمة في «القواعد».

ولعلّ هذا المقدار من الكلمات كاف في تبيين نظر المشهور في


1 . المراسم:222.

2 . إيضاح الفوائد في شرح القواعد:24/237.

3 . قواعد الأحكام:3/375.


صفحه 45

المسألة، غير أنّ الإجماع في المقام مدركي مستند إلى الروايات.

إذا عرفت ذلك فلندرس ما ورد من الروايات في المقام.

ما يدلّ على الردّ على الزوج

روى أصحاب الجوامع في المقام عن أبي بصير روايات، أربعة منها تنتهي إلى أبي جعفر الباقر(عليه السلام)، والأربعة الباقية إلى أبي عبد اللّه(عليه السلام).ويمكن إرجاع الجميع إلى روايتين أو ثلاث وأنّها نقلت بأسانيد مختلفة، وإليك نصوصها:

1. خبر علي، عن أبي بصير، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن المرأة تموت ولا تترك وارثاً غير زوجها؟ قال: «الميراث له كلّه».

2. عن موثّقة مشمعل(1)، عن أبي بصير، قال سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن امرأة ماتت وتركت زوجها لا وارث لها غيره؟ قال: «إذا لم يكن غيره، فله المال».

3. صحيح يونس، أبي بصير، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال:سألته عن المرأة تموت ولا تترك وارثاً غير زوجها. قال: «الميراث له كلّه».

4. موثق وهيب ، عن أبي بصير، عن أبي جعفر(عليه السلام) في امرأة توفّيت وتركت زوجها، قال: «المال كلّه للزوج»(يعني إذا لم يكن لها وارث غيره).

فهذه روايات أربع يرويها أصحاب الجوامع تنتهي أسانيدها إلى أبي بصير، عن أبي جعفر(عليه السلام). والظاهر كما تقدّم اتحاد الجميع، أو البعض مع الآخر.


1 . وفي التهذيب والوسائل: إسماعيل وهو تصحيف«مشمعل» كما في الكافي والفقيه.


صفحه 46

كما أنّ له روايات أربعاً عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، والظاهر اتّحاد أكثرها.

5. موثّق أبان بن عثمان، عن أبي بصير، قال: قرأ عليّ أبو عبد اللّه(عليه السلام) فرائض عليّ، فإذا فيها: «الزوج يحوز المال كلّه إذا لم يكن غيره».

6. صحيح أيّوب بن حرّ، عن أبي بصير، قال: كنت عند أبي عبد اللّه(عليه السلام) فدعا بالجامعة فنظر فيها، فإذا امرأة ماتت وتركت زوجها لا وارث لها غيره، المال له كلّه.

7. صحيح ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في حديث قال: قلت له: امرأة ماتت وتركت زوجها؟ قال: «المال له».

8. صحيح عنبسة بن بياع القصب، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت له: امرأة هلكت وتركت زوجها. قال: «المال كلّه للزوج».

وهذه روايات أربع عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) يبدو اتّحاد أكثرها.

وهناك روايات أُخرى نذكرها تباعاً:

9. صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) في امرأة توفّيت ولم يعلم لها أحد ولها زوج؟ قال: «الميراث لزوجها».

10. موثّق أو حسن مثنى بن الوليد الحنّاط، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قلت: امرأة ماتت وتركت زوجها؟ قال: «المال كلّه له، إذا لم يكن لها وارث غيره».

11. موثق إسماعيل بن عبد اللّه الجعفي، عن أبي جعفر(عليه السلام) في امرأة ماتت وتركت زوجها؟ قال: «المال للزوج» يعني إذا لم يكن وارث غيره.

إنّ هذه الروايات المتضافرة(1) حجّة، وفيها الصحيح والموثق وغيرهما.


1 . راجع الوسائل:18، الباب3 من أبواب ميراث الأزواج.


صفحه 47

ولا حاجة لدراسة أسانيد كلّ واحد منها على حدة.

وأمّا الطعن في سند رواية محمد بن قيس باشتراكه بين الثقة وغيره فمردود، بأنّه إذا روى عن عاصم بن حميد كما في المقام. فالمراد به هو محمد بن قيس البجلي الثقة راوية أقضية الإمام علي(عليه السلام)، لاحظ رجال النجاشي.(1)

كما أنّ اشتراك أبي بصير بين الثقة وغيره في غير محلّه،لأنّ أبا بصير: كنية يحيى ابن القاسم وليث البختري وكلاهما ثقة، وعند الإطلاق ينصرف إلى الأوّل، ولا أقلّ يكون مردداً بينهما، ولا ينصرف إلى سواهما.

فإن قلت: إنّ قوله سبحانه:(وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ)(2)، هو انّ له النصف مع عدم الولد مطلقاً، سواء كان وارث آخر أو لا؟

قلت: إنّ المطلق يقيّد، والعام يُخصّص، وهذه الروايات تقيد إطلاق الآية.

فإن قلت: إنّ في موثّقة جميل، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): «لا يكون الرد على زوج وزوجة»(3)، وحديث العبدي عن علي (عليه السلام)قال:«لا يزاد الزوج على النصف ولا ينتقص عن الربع»(4)، فالحديثان يعارضان ما سبق من الروايات.

قلت: سيوافيك تفسير الروايتين في المسألة الثانية وأنّ موردهما ما إذا كان معهما وارث آخر فلا صلة لهما بالمقام.

وأمّا الاستدلال بأصالة عدم الردّ، فهو محكوم بالدليل الاجتهادي.

ويمكن أن تكون مسألة الردّ عند موت الزوجة دون موت الزوج، راجعة إلى


1 . رجال النجاشي:2/198برقم 882.

2 . النساء:12.

3 . الوسائل:8، الباب3 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث8.

4 . الوسائل:8، الباب2 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث2.


صفحه 48

أنّ منتج الثروة وموّفرها هو الزوج، وهو الّذي جعلها في متناول الزوجة وملّكها إيّاها بطرق مختلفة، فإذا ماتت الزوجة، فالأولى بها هو نفس الزوج الّذي عانى في سبيل تنميتها وتوفيرها.

وهذا بخلاف ما إذا توفّي الزوج عن زوجة وليس معها أيّ وارث، فإنّ الزوجة، تأخذ إرثها، أعني: الثمن أو الربع، وأمّا الباقي فالأولى به هو الزوج، وبما أنّه مات، فإنّ الإمام أو الحاكم الشرعي هو الّذي يتولّى صرفه في مصالحه ويتصدّق به عنه ويُهدي ثواب ذلك إلى الزوج، بخلاف ما إذا رُدّ إلى الزوجة، فإنّها تصرفه في مصالحها الشخصية، دون المصالح العامة الّتي تعود بالخير على الزوج الميت.


صفحه 49

2

إذا مات الزوج عن زوجة بلا مناسب ولا مسابب

إذا مات الزوج عن زوجة وليس معها أيُّ وارث نسبي ولا سببي حتّى وليّ النعمة ولا ضامن الجريرة، فترث الزوجة الربع، وأمّا الباقي فأهل السنّة على أنّه يردّ على بيت المال، وقد مرّ كلام السرخسي في «المبسوط»، ونقله الشيخ الطوسي عنهم في «الخلاف» وسيوافيك بيانه.

وأمّا الشيعة فالمشهور عندهم انّه للإمام، وينوب عنه في عصر الغيبة، الحاكم الشرعي وهما أعرف بمصارفه. وهناك من يقول بأنّه يردّ على الزوجة كالردّ على الزوج في الصورة السابقة، وليس القول بالردّ على الزوجة في المقام، مثل القول بالردّ على الإمام في المسألة السابقة، لما عرفت من أنّ الردّ على الإمام فيها، شاذ لم يعرف قائله وإنّما استفيد من مفهوم كلام «سلاّر» في «المراسم» كما مرّ، بخلاف القول بالردّ على الزوجة في هذه المسألة. فقد قال به بعضهم وإن كان بالنسبة إلى القول الآخر، غير مشهور. وإليك كلمات الأصحاب:

1. قال في «الخلاف»: وفي الزوجة الربع لها بلا خلاف، والباقي لأصحابنا فيه روايتان.


صفحه 50

إحداهما: مثل الزوج يردّ عليها.

والأُخرى: الباقي لبيت المال.(1)

2. وقال في «النهاية»: وإذا خلّف الرجل زوجة، ولم يخلّف غيرها من ذي رحم قريب أو بعيد، كان لها الربع بنص القرآن والباقي للإمام.

وقد رُوي أنّ الباقي يردّ عليها، كما يردّ على الزوج.

وقال بعض أصحابنا في الجمع بين الخبرين: إنّ هذا الحكم (الردّ على الزوجة) مخصوص بحال غيبة الإمام وقصور يده، أمّا ما إذا كان ظاهراً ليس للمرأة أكثر من الربع والباقي له على ما بيّناه، وهذا وجه قريب من الصواب.(2)

وقد أشار الشيخ في «الخلاف» إلى قولين، وفي «النهاية» إلى أقوال ثلاثة; اثنان منهما هو نفس ما في «الخلاف»، والثالث التفصيل بين الحضور والغيبة، فيردّ على الإمام في زمان الحضور، وعلى الزوجة في زمان الغيبة.

والقول الثالث للشيخ الصدوق في «من لا يحضره الفقيه» حيث إنّه بعد ما نقل رواية أبي بصير عن الباقر(عليه السلام) عن امرأة ماتت وتركت زوجها لا وارث لها غيره، قال: «إذا لم يكن غيره، فالمال له، والمرأة لها الربع وما بقي للإمام».(3)

قال عقيب هذا الكلام: قال مصنّف هذا الكتاب: هذا في حال ظهور الإمام(عليه السلام)، فأمّا في حال غيبته فمتى مات الرجل وترك امرأة لا وارث له غيرها، فالمال لها.(4)


1 . الخلاف:4/116، كتاب الفرائض، المسألة 130.

2 . النهاية:642.

3 . ستوافيك الرواية عند نقل روايات المسألة.

4 . الفقيه:4/262ـ 263، الحديث 5615; وسائل الشيعة:17/16، الباب4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث8.


صفحه 51

ولكنّه في «المقنع»، وأباه في الرسالة، أفتيا بأنّ ما بقي للإمام المسلمين بلا تفصيل.

3. قال في «المقنع»: فإن ترك رجل امرأة ولم يترك وارثاً غيرها فللمرأة الربع، وما بقي فللإمام المسلمين.(1)

4. وقال السيد المرتضى: أمّا الزوجة فقد وردت رواية شاذّة(2) بأنّها ترث المال كلّه إذا انفردت كالزوج، ولكن لا يعوّل على هذه الرواية، ولا تعمل الطائفة بها، وليس يمتنع أن يكون للزوج مزيّة في هذا الكلام على الزوجة كما كانت له مزيّة عليها من تضاعف حقّه على حقّها.(3)

5. وقال الشيخ في «الإيجاز»: فإذا انفردوا كان لهم سهم المسمّى، إن كان زوجاً، النصف، والربع إن كانت زوجة، والباقي لبيت المال.

وقال أصحابنا: إنّ الزوج وحده يرد عليه الباقي بإجماع الفرقة على ذلك.(4)

6. وقال أبوا لصلاح الحلبي في «الكافي»: فإن كانت هناك زوجة فلها الربع والباقي للإمام، فإن لم تكن زوجة فله المال كلّه.(5)

7. وقال ابن البراج: فإن مات رجل وخلّف زوجة ولم يخلّف غيرها كان لها الربع بالتسمية والباقي للإمام(عليه السلام)، وقد روي أنّ الباقي يرد عليها مثل الزوج، والظاهر ما ذكرناه. ثمّ ذكر التفصيل الذي اختاره الصدوق في «الفقيه» واستقربه


1 . المقنع:170، ونظيره ما في رسالة أبيه إليه.

2 . ستوافيك الرواية.

3 . الانتصار:300.

4 . الإيجاز:271، المطبوع ضمن الرسائل العشر فخصّ الردّ على الزوج.

5 . الكافي:374.


صفحه 52

الشيخ في «النهاية» ـ كما مرّ ـ ثمّ قال: والأولى عندي ألاّ يدفع إليها إلاّ الربع بغير زيادة عليه والباقي للإمام.(1)

8. وقال ابن إدريس: وإذا خلّف الرجل زوجة ولم يُخلِّف غيرها من ذي رحم قريب أو بعيد، كان لها الربع بنص القرآن والباقي للإمام. وقد روي أنّ الباقي يرد عليها كما يردّ على الزوج.

ثمّ أشار إلى قول الصدوق والفقيه الذي استقربه الشيخ في «النهاية» من التفصيل بين الحضور، فيرد على الإمام، والغيبة فيرد عليها، وردّه بحماس.(2)

9. وقال المحقّق: ولو لم يكن وارث سوى الزوج ردّ عليه الفاضل. وفي الزوجة قولان:

أحدهما: لها الربع والباقي للإمام.

والآخر: يرد عليها الفاضل كالزوج.

وقال ثالث: الرد مع عدم الإمام.

والأوّل أظهر.(3)

10. وقال العلاّمة في «المختلف»: وأمّا عدم الردّ على الزوجة مطلقاً فللأصل، لأنّه تعالى جعل لها الربع مع عدم الولد، ولا تأخذ ما زاد، لعدم دليل يقتضيه.(4)

ولعل هذه الكلمات العشر من أساتذة الفقه كافية في إثبات الشهرة.


1 . المهذب:2/141ـ 142.

2 . السرائر:3/243.

3 . النافع:271، طبع مصر.

4 . المختلف:9/43.


صفحه 53

ومع ذلك كلّه فالقول بالتفصيل بين الحضور والغيبة، اختاره ـ وراء الصدوق والشيخ ـ لفيف من الفقهاء، منهم:

1. ابن سعيد الحلي في الجامع، قال: وإن لم يُخلّف غيرها فلها الربع والباقي للإمام، وإذا لم يتمكّن من سلطان العدل يردّ عليها.(1)

2. العلاّمة في التحرير حيث إنّه بعد ما ذكر القولين، الرد على الإمام، أو الزوجة، قال: الثالث إنّه يرد عليها حال غيبة الإمام لا وقت ظهوره، وهو الأقوى عندي.(2)

3. الشهيد في «اللمعة» قال: لا يرد على الزوج والزوجة إلاّ مع عدم كلّ وارث عدا الإمام. والأقرب إرثه مع الزوجة إن كان حاضراً.(3)

كما أنّ الظاهر من بعضهم التوقّف، منهم:

1. سلاّر الديلمي: ومن أصحابنا من قال إذا ماتت امرأة ولم تُخلِّف غير زوجها، فالمال كلّه له بالتسمية والردّ، فأمّا الزوجة فلا ردّ لها، بل ما يفضل من سهمها لبيت المال، وروي أنّه يرد عليها كما يرد على الزوج.(4)

2. العلاّمة في «القواعد»، قال في إرث الزوجة: فإن فقد الجميع قيل: يرد عليها، وقيل: للإمام، وقيل: يرد حال الغيبة دون الحضور.(5)

3. الشهيد في «الدروس» قال: أمّا الزوجة فثالث الأقوال للصدوق والشيخ في «النهاية»، الرد عليها حال الغيبة لا حال حضور الإمام جمعاً بين الأخبار،


1 . الجامع:502.

2 . التحرير:5/39.

3 . الروضة البهيّة قسم المتن:2/297، طبعة عبد الرحيم.

4 . المراسم:222.

5 . القواعد:3/375.


صفحه 54

والمشهور عدم الردّ مطلقاً.(1)

فتلخّص من جميع ما ذكرنا، أُمور ثلاثة:

1. انّ المشهور بين الأصحاب هو الردّ على الإمام مطلقاً.

2. التفصيل بين الحضور فيرد عليه، دون الغيبة فيرد على الزوجة، وهو خيرة الصدوق في «الفقيه» والشيخ في «النهاية»، والحلّي في «الجامع» و العلاّمة في «التحرير»، والشهيد في «اللمعة».

3. التوقّف في المسألة وهو الظاهر من الديلمي، و«القواعد» و «الدروس».

هذه هي آراء الفقهاء من عصر الصدوق إلى ثامن القرون، ولنذكر أدلّة القول المشهور.

ويستدلّ على قول المشهور بإطلاق الروايتين التاليتين:

1. موثّقة جميل، عن الصادق(عليه السلام) قال:«لا يكون ردّ على زوج ولا على زوجة».(2) وإطلاق الحديث يشمل المقام.

يلاحظ عليه: أنّ القدر المتيقّن من الحديث، هو وجود وارث آخر، فالزوجان لا يردّ عليهما عندئذ، بخلاف سائر الورّاث، فهم ربّما يرثون فرضاً ثمّ ردّاً كالبنت الواحدة مع الأبوين، فالبنت ترث النصف، ويرث كلّ واحد من الأبوين، السدس، فما بقي من السدس ترثه البنت ردّاً.

وأمّا الزوجان فبما أنّ كلّ واحد منهما ذو فرضين فيرثون فرضاً لا ردّاً، وأين هو من المقام الّذي انفردت الزوجة فيه وليس معها أيّ وارث؟! فالرواية منصرفة عمّا نحن فيه.


1 . الدروس:2/376.

2 . الوسائل:17، الباب3 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث8.


صفحه 55

2. خبر أبي عمر العبدي، عن علي بن أبي طالب في حديث أنّه قال: «ولا يزاد الزوج على النصف، ولا ينقص من الربع، ولا تزداد المرأة على الربع ولا تنقص من الثمن، وإن كن أربعاً أو دون ذلك فهن فيه سواء».(1)

وكيفية الاستدلال على عدم الردّ على الزوجة والإجابة عنه مثل الرواية السابقة فلا نعيد.

ويدلّ على ما ذكرنا، أي أنّ موردها وجود وارث آخر: هو أنّ المفروض في الرواية تعدّد الزوجة وبلوغها إلى أربع.

ومنه يظهر عدم صحّة الاستدلال بحديث موسى بن بكر عن زرارة ففيه: «ولا يردّ على الزوجة شيء»(2)، لأنّ مورده ما إذا كان معها وارث آخر، كما أنّه هو المورد أيضاً لقوله: «ولا يرد على الزوج شيء».(3)

فالأولى الاستدلال بالروايات الواردة في الموضوع.

1. صحيحة علي بن مهزيار قال: كتب محمد بن حمزة العلوي إلى أبي جعفر الثاني(عليه السلام): مولى لك أوصى بمائة درهم إليّ وكنتُ أسمعه يقول: كلّ شيء هو لي فهو لمولاي، فمات وتركها ولم يأمر فيها بشيء، وله امرأتان إحداهما ببغداد، ولا أعرف لها موضعاً الساعة، والأُخرى بقم ما الّذي تأمرني في هذه المائة درهم؟

فكتب إليه: «انظر أن تدفع من هذه المائة درهم إلى زوجتي الرجل وحقّهما من ذلك الثمن، إن كان له ولد، وإن لم يكن له ولد فالربع، وتصدق بالباقي على من تعرف أنّ له إليه حاجة إن شاء اللّه».(4)


1 . الوسائل:17، الباب2 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث2.

2 . الوسائل:17، الباب18 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث3.

3 . الوسائل:17، الباب18 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث3.

4 . الوسائل:17، الباب4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث1.


صفحه 56

وقد أُورد على الاستدلال بوجهين:

1. انّ ظاهر قول:«كلّ شيء هو لي فهو لمولاي»، إنّ الثمن كان ملكاً للإمام، فيحكم فيه بما يشاء ولا يكون عمله عندئذ، حجّة في المسألة.

يلاحظ عليه: الظاهر انّ التحليل كان تمليكاً تشريفياً لا حقيقياً، نظير ما يقول الصديق للصديق الوفي: «كل ما لي فهو لك». والشاهد على ذلك أنّ الإمام جعل للزوجة فيه حقاً شرعياً وهو الثمن، ولو كان التحليل حقيقياً كان تعليل كيفية التقسيم بقوله: «وحقّهما من ذلك الثمن إن كان له ولد» غير صحيح، لأنّه إنّما يتمّ لو كان المال ملكاً للميت ويدخل في ملك الوارث إرثاً من الزوج، لا هدية من الإمام.

2. إنّ الكلام إنّما هو فيما إذا لم يكن عدا الإمام وارث سوى الزوجة، وصريح الصحيحة انّ الإمام كان مولى للميت وعتيقه، فهي خارجة عن محل النزاع.

يلاحظ عليه: بمثل ما قلنا في جواب الإشكال الأوّل حيث إنّ المتبادر من المولى، أو الموالي في هذه الموارد، هو الولاية الفخرية، أو الولاية الشرعية لهم(عليهم السلام)، لا ولاء العتق، تعلم ذلك بالمراجعة إلى موارد استعمال لفظ «المولى» في الروايات.

2. خبر محمد بن نعيم الصحاف قال: مات محمد بن أبي عمير بياع السابري وأوصى إليّ وترك امرأة لم يترك وارثاً غيرها، فكتبت إلى العبد الصالح(عليه السلام) فكتب إليّ: «أعط المرأة الربع، واحمل الباقي إلينا».(1)

3. موثّق أبي بصير، قال: قرأ عليّ أبو جعفر في الفرائض:«...رجل تُوفّي


1 . الوسائل:17، الباب4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 2.


صفحه 57

وترك امرأته، قال: للمرأة الربع، وما بقي للإمام».(1)

4. موثّق أبي بصير، عن أبي جعفر(عليه السلام) في رجل توفّي وترك امرأته، قال: «للمرأة الربع، وما بقي فللإمام».(2)

5. خبر محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام)، في رجل مات وترك امرأته قال: «لها الربع ويرفع الباقي إلينا».(3)

6. خبر محمد بن مروان، عن أبي جعفر(عليه السلام) في زوج مات وترك امرأته؟ قال: «لها الربع ويدفع الباقي إلى الإمام».(4)

7. موثّق أبي بصير قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن امرأة ماتت وتركت زوجها لا وارث لها غيره؟ قال: «إذا لم يكن غيره فله المال، والمرأة لها الربع، وما بقي فللإمام».(5)

8. ويؤيّده فقه الرضا: «فإذا ترك الرجل امرأة فللمرأة الربع، وما بقي فللقرابة إن كان له قرابة، وإن لم يكن أحد جعل ما بقي لإمام المسلمين».(6)

والمجموع من حيث المجموع يفيد القطع بصدور الحكم عنهم(عليهم السلام)، وقد قلنا في محلّه: إنّ الحجّة، هو الخبر الموثوق الصدور لا خصوص خبر الثقة.

فإن قلت: إنّ القدر المتيقّن من الروايات صورة التمكّن من دفع المال إلى الإمام، فلا يعمّ صورة الغيبة، والشاهد على ذلك ورود السؤال فيها بصيغة الماضي.


1 . الوسائل:17، الباب4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3.

2 . الوسائل:17، الباب4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث4.

3 . الوسائل:17، الباب4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 5و 7و 8.

4 . الوسائل:17، الباب4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 5و 7و 8.

5 . الوسائل:17، الباب4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 5و 7و 8.

6 . مستدرك الوسائل:17/194، الباب3 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث1.


صفحه 58

قلت: إنّ المتبادر من الأجوبة، انّ الإمام بصدد الحكم الكلّي، بشهادة أنّ الإمام أخرج الفرائض من كتاب عليّ وفيه: «للمرأة الربع وما بقي للإمام» وإلاّ فيسري ذلك الاحتمال إلى أكثر الأجوبة الصادرة عنهم في مورد الخمس وجمع الزكوات.

فإن قلت: روى الشيخ بسند صحيح أو موثق عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) عن امرأة ماتت وتركت زوجها؟ قال: «المال كلّه له»، قلت: فالرجل يموت ويترك امرأته؟ قال:«المال لها».(1)

قلت: الرواية محمولة على ما إذا كانت الزوجة من أقرباء الزوج، بقرينة صحيح محمد بن القاسم بن الفضيل بن يسار البصري قال: سألت أبا الحسن الرضا(عليه السلام) عن رجل مات وترك امرأة قرابة ليس له قرابة غيرها؟ قال: «يدفع المال كلّه إليها».(2)

قال الشيخ في «التهذيب»: إنّه محمول على ما إذا كانت المرأة قريبة له ولا قريب له أقرب منها، فتأخذ الربع بسبب الزوجية، والباقي من جهة القرابة.(3)

ويؤيد ذلك أنّ وجود اللام في قوله: «المال لها»، للعهد، وذكر لفظة «كلّه» في جانب الزوج دون جانب الزوجة.

وقد عرفت كلام السيد المرتضى حيث وصف الرواية بأنّها شاذة لا يعوّل عليها.


1 . الوسائل:17، الباب4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 6و 9. وسند الثاني صحيح والأوّل موثق.

2 . الوسائل:17، الباب5 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث1.

3 . التهذيب:9/340.


صفحه 59

وأمّا الجمع بينه و بين ما تضافر من أنّ الباقي للإمام، بحمل ما دلّ على الثاني على زمان الحضور، والأوّل على حال الغيبة، فيكون الحكم الشرعي في ظروفنا هو ردّ الباقي على المرأة، فغير تام، لأنّه جمع تبرّعي بلا شاهد، ولذلك وصفه الحلّي في «السرائر» بقوله ما قرّبه شيخنا(رحمه الله)أبعد ممّا بين المشرق والمغرب، لأنّ تخصيص الجامع بين الخبرين بما قد ذهب إليه، يحتاج إلى دلالة قاهرة وبراهين متضافرة، لأنّ أموال بني آدم ومستحقاتهم لا تحلّ بغيبتهم، لأنّ التصرّف في مال الغير بغير إذنه قبيح عقلاً وسمعاً.(1)

أضف إلى ذلك أنّ الجواب بأنّ المال لها، صدر عن الإمام الصادق(عليه السلام)، في حال الحضور وإمكان الوصول إليه، فكيف ترك الإمام جواب السائل، وأشار إلى جواب ما لم يُسأل عنه؟!

والاعتبار أيضاً يساعد الرد على الإمام، لأنّه هو الذي اكتسب المال طيلة حياته، فلو ردّ على الزوجة، فلا يرجع على الزوج بخير بخلاف ما لو ردّ إلى الإمام، فإنّه يصرفه في مصالح الإسلام والمسلمين ويتصدّق به على المحتاجين فيعود ثوابه إليه.

وقد ورد في بعض الروايات: «وإن لم يكن له ولد فالربع، تصدّق بالباقي على من تعرف أنّ له إليه حاجة».(2)

نعم لو كانت الزوجة فقيرة جاز صرف الباقي في دفع عيلتها بإذن الإمام أو القائم مقامه.


1 . السرائر:3/242.

2 . الوسائل:7، الباب4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث1.


صفحه 60

والحاصل: انّ تضافر الروايات على الردّ على الإمام، وشذوذ ما دلّ على الردّ على الزوجة، واشتهار الفتوى بذلك في الأعصار المختلفة، وكون الجمع بينهما بالحمل على الحضور، جمعاً تبرعيّاً، يشرف الفقيه على القطع بلزوم الردّ على الإمام.

***

تمّ الكلام في هاتين المسألتين صبيحة يوم الأحد

الحادي والعشرين من شهر ربيع الثاني

من شهور عام 1424هـ. ق

حرّره المؤلف جعفر السبحاني

عُفي عنه


صفحه 61

3

دية الذمّي والمستأمن

الحمد للّه، والصّلاة والسّلام على رسوله وآله، الغرّ الميامين، صلاة دائمة.

أمّا بعد فهذه رسالة عملناها في بيان دية الذمّي والمستأمن لما قام به مجلس الشورى الإسلامي ـ في هذه الأيّام ـ من التصويب على أنّ دية الذمّيّ مثل دية المسلم ووافق عليه مجلس صيانة الدستور فأصبح قانوناً للقضاء في المحاكم الإيرانية.

وقد ألقينا محاضرات حول المسألة في أوائل الثورة الإسلامية في إيران، والآن نرجع إلى المسألة بموضوعية وتجرّد عمّا ذكرناه، وحرّرناه، نسأله سبحانه أن يهدي كلّ مجاهد في سبيله إلى الصراط المستقيم.

أقوال الفقهاء في المسألة

إنّ لفقهاء السنّة فيها آراء أربعة:

1. دية الذمّيّ مثل دية المسلم لا يفترقان، ذهب إليه من الصحابة: ابن مسعود، وهو إحدى الروايتين عن عمر وعثمان، ومن التابعين: الزهري، ومن الفقهاء: الثوري وأبو حنيفة وأصحابه.


صفحه 62

2. دية الذمّيّ على النصف من دية المسلم: ذهب إليه من التابعين:عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير، ومن الفقهاء: مالك بن أنس.

والظاهر من الشيخ الطوسي في «الخلاف» انّ النصف عند أصحاب هذا القول حكم كلّ من الذمّي والذمّيّة . فدية الذمّي نصف دية المسلم، ودية الذمّيّة نصف دية المسلمة.

لكن الظاهر من الفقيه المعاصر وهبة الزحيلي، انّ دية الذمّيّة مثل دية المسلمة حيث قال عند نقل هذا القول: دية الذمّيّ نصف دية المسلم، ونساؤهم نصف ديات المسلمين أي كالنساء المسلمات.(1) وسيوافيك أنّ القرطبي نقل خلاف ذلك.

3. دية الذمّي ثلث دية المسلم: وبه قال من الصحابة عمر و عثمان، ومن التابعين: سعيد بن المسيب وعطاء، ومن الفقهاء: أبو ثور وإسحاق والشافعي. فدية الذمّيّ عندهم أربعة آلاف درهم بناء على أنّ دية المسلم اثنا عشر ألف درهم.

4. التفريق بين العمد، والخطأ: فلو كان القتل عمداً فدية المسلم، وإن كان خطأ فنصف دية المسلم، حكاه الشيخ الطوسي عن أحمد بن حنبل.(2)

قال شمس الدين السرخسي الحنفي: ودية أهل الذمّة وغيرهم مثل دية المسلمين رجالهم كرجالهم ونساؤهم كنسائهم، وكذلك جراحاتهم وجناياتهم بينهم وما دون النفس من ذلك سواء.

وقال مالك: دية الكتابي على النصف من دية المسلم، ودية المجوسي


1 . لاحظ الفقه الإسلامي وأدلّته:6/311، تأليف الدكتور وهبة الزحيلي.

2 . الخلاف:5/263، المسألة77.


صفحه 63

ثمانمائة درهم(القول الثاني).

وحديث سعيد بن المسيب: انّ النبيّ قضى في دية الكتابي بثلث دية المسلم، وفي رواية بنصف دية المسلم(القول الثالث).

وعن عمر أنّه قضى في دية المجوسي بثمانمائة درهم.(1)

وقال القرطبي: وأمّا دية أهل الذمّة إذا قُتلوا خطأ، فإنّ للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:

أحدها: أنّ ديتهم على النصف من دية المسلم، ذكرانهم على النصف من ذكران المسلمين، ونساؤهم على النصف من نسائهم.(2) وبه قال: مالك وعمر بن عبد العزيز، وعلى هذا تكون دية جراحهم على النصف من دية المسلمين.

الثاني: أنّ ديتهم ثلث دية المسلم. وبه قال الشافعي، وهو مرويّ عن: عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وقال به جماعة من التابعين.

الثالث: أنّ ديتهم مثل دية المسلمين. وبه قال أبو حنيفة والثوري وجماعة، وهو مروي عن ابن مسعود، وقد روي عن عمر وعثمان، وقال به جماعة من التابعين.(3)

ولندرس أدلّة أقوالهم.

دليل القول بالمساواة

استدلّت الحنفية على مماثلة الديتين بوجوه:


1 . المبسوط:26/84.

2 . هذا يؤيد انّ ما نقلنا من القول بالنصف مطلقاً ذكراناً وإناثاً، خلافاً لما نسبه إليهم الفقيه المعاصر. فلاحظ.

3 . بداية المجتهد:2/414.


صفحه 64

1. قوله تعالى: (وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلهِ).(1) والمراد منه ما هو المراد من قوله في قتل المؤمن:(وَدِيةٌ مسلّمة إِلى أَهْله)، وهو الدية الكاملة.

2. وفي حديث ابن عباس أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ودي العامريين اللّذين قتلهما عمرو بن أُميّة الضمري وكانا مستأمنين عند رسول اللّه بدية حرّين مسلمين، وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «دية كلّ ذي عمد في عمده ألف دينار».

3. وعن أبي بكر وعمر أنّهما قالا: دية الذمّيّ مثل دية الحر المسلم.

4. وقال علي(عليه السلام): إنّما أعطيناهم الذمة وبذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا.

5. وما نقلوا فيه من الآثار بخلاف هذا لا يكاد يصحّ، فقد روي عن معمر قال: سألت الزهري عن دية الذمّيّ، فقال: مثل دية المسلم، فقلت: إنّ سعيداً يروي بخلاف ذلك، قال: ارجع إلى قوله تعالى:(وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلهِ). فهذا بيان أنّ الرواية الشاذة لا تقبل فيما يدلّ على نسخ الكتاب، ثمّ تأويله: انّه قضى بثُلْث الدية في سنة واحدة فظن الراوي: أنّ ذلك جميع ما قضى به، وعند تعارض الأخبار يترجّح المثبت للزيادة.

6. وقوله:«المسلمون تتكافأ دماؤهم» لا يدلّ على أنّ دماء غيرهم لا تكافئهم، فتخصيص الشيء بالذكر لا يدلّ على نفي ما عداه، والمراد بالآثار: نفي المساواة بينهما في أحكام الآخرة دون أحكام الدنيا، فإنّا نرى المساواة بيننا وبينهم في بعض أحكام الدنيا، ولا يجوز أن يقع الخلف في خبر اللّه تعالى.(2)

هذه هي أدلّة القول بالمساواة الّتي ساقها السرخسي في كتابه، وإليك


1 . النساء:92.

2 . المبسوط:26/85.


صفحه 65

دراستها.

أقول: لا صلة للآية بالمقام وذلك لوجهين:

1. المقتول في الآية مؤمن لا ذمّيّ

إنّ الاستدلال بالآية على أنّ دية الذمّيّ تساوي دية المسلم نشأ عن الغفلة عن أنّ مرجع الضمير في قوله: (وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْم...) هو المؤمن ، لا الكافر، وعليه يكون المقتول مؤمناً من قوم كافرين، لا كافراً. والدليل سياق الآية، وإليك لفظها في مقاطع ثلاثة:

1. (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْريرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا).

2. (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم عَدُوّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة).

3.(وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة).

وقد بُيِّن في هذه المقاطع الثلاثة أحكام قتل المؤمن.

إذا كان المقتول مؤمناً من قوم مؤمنين فتجب الكفّارة والدية معاً.

وإن كان المقتول مؤمناً لكن من قوم محاربين، فتجب الكفّارة لقتل المؤمن خطأ، ولا تجب الدية، لأنّ المحارب لا يرث شيئاً من المؤمن.

وإن كان المقتول مؤمناً لكن لا من قوم محاربين، بل من قوم بينكم و بينهم ميثاق من الذمّة والأمان، فيجب الأمران: الكفّارة والدية.

وإن أردت توضيح مفاد الآية فاجعل الفقرات الثلاث كلاً تلو الأُخرى:

1.(مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خطَأً فَتَحْريرُ رَقَبَة...).


صفحه 66

2. (فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْم عَدُوّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ...).

3. (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ...).

فالمقتول في الفقرتين الأُوليين مؤمن بتصريح الآية، فيكون المقتول في الثالثة أيضاً مؤمناً بحكم وحدة السياق، كما هو الظاهر.

2. إيجاب الكفّارة دليل على كون المقتول مؤمناً

ثمّ إنّ في نفس الآية دلالة واضحة على أنّ المقتول خطأ مؤمن لا كافر ذمّي، وهي إيجاب الكفّارة والتوبة على القاتل في الآية وراء الدية، قال سبحانه:(وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤمِنَة فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللّهِ).(1)

ولا كفّارة في قتل الكافر خطأ، ولا توبة إجماعاً.

وقد خاض جماعة من المفسّرين في تفسير الآية فذكروا في مرجع الضمير وجهين دون أن يرجّحوا أحدهما على الآخر:

الأوّل: انّ المقتول كافر، إلاّ أنّه يلزم الدية على القاتل، لأنّ له ولقومه عهداً.

الثاني: انّه مؤمن، فعلى قاتله دية يؤديها إلى قومه من المشركين لأنّهم أهل ذمة.(2)

وقد أطنب الرازي في تفسير الآية(3) ورجّح كون المقتول، هو المؤمن فيما بين أهل العهد والذمة وقال:


1 . النساء:92.

2 . التبيان:3/292; مجمع البيان:2/91; وتفسير القرطبي:5/325.

3 . راجع التفسير الكبير: 10 / 235 .


صفحه 67

إنّ المراد منه المسلم، وذلك لأنّه تعالى ذكر أوّلاً حال المسلم القاتل خطأ، ثمّ ذكر حال المسلم المقتول خطأ إذا كان فيما بين أهل الحرب، ثمّ ذكر حال المسلم المقتول خطأ إذا كان فيما بين أهل العهد وأهل الذمّة، ولا شكّ انّ هذا ترتيب حسن، فكان حمل اللفظ عليه جائزاً، والّذي يؤكد صحّة هذا القول أنّ قوله: (وَإِنْ كانَ) لابدّ من إسناده إلى شيء جرى ذكره فيما تقدّم، والّذي جرى ذكره فيما تقدّم هو المؤمن المقتول خطأ، فوجب حمل اللفظ عليه.

ثمّ إنّ القائلين بأنّ المقتول ذمّيّ، اعترضوا على أصحاب القول الآخر(المقتول مؤمن) بوجوه ثلاثة:

1. إنّ المسلم المقتول خطأ سواء أكان من أهل الحرب أو كان من أهل الذمة فهو داخل تحت قوله: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمناً خطأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ)، فلو كان المراد من هذه الآية هو المؤمن لكان هذا عطفاً للشيء على نفسه وانّه لا يجوز، بخلاف ما إذا كان المؤمن المقتول خطأ من سكّان دار الحرب فانّه تعالى أعاده لبيان انّه لا تجب الدية في قتله.

حاصل الإشكال: لو كان المقتول خطأ هو المؤمن كان اللازم الاقتصار بالشق الأوّل، دون ذكر الشق الثالث لأنّه داخل تحته.

ولمّا كان لازم ذلك، هو ترك الشق الثاني أيضاً، لأنّ المقتول فيه أيضاً مؤمن، استدركه وقال بخلاف ما إذا كان المقتول خطأ من سكان دار الحرب فانّه تعالى أعاده لبيان انّه لا تجب الدية في قتله.

يلاحظ عليه: بأنّ المقتول في الشقوق الثلاثة هو المؤمن، لكن باختلاف في الدار والأُسرة المنتمي إليها، فالمؤمن المقتول خطأ:

إمّا أن يكون من سكان دار الإسلام ففيه الدية والكفّارة.


صفحه 68

أو من سكان دار الحرب ففيه الكفّارة دون الدية. أمّا الأوّل لأجل كون المقتول مؤمناً، وأمّا الثاني فلأنّه لا يرث الكافر المؤمن.

أو من سكان مواضع أهل الذمّة والعهد.

وإذا اختلفت القيود المؤثرة في الحكم، لا يكون القسم الثالث من قبيل عطف الشيء على نفسه.

الثاني: إذا كان المقتول مؤمناً، فكيف يرثه قومه الكفّار؟! لأنّ المفروض أنّه مؤمن ولكن قومه كفّار لا يرثون بخلاف ما إذا كان المقتول كافراً، حيث يرثه قومه الكافرون.

يلاحظ عليه: أنّه لو قلنا بشمول «لا توارث بين أهل ملّتين» للدية أيضاً يُقيّد إطلاقه بما إذا كان المقتول مؤمناً وقتله مسلم خطأ، فيرثه قومه وإن كانوا كافرين.

على أنّه يمكن أن يكون المراد انّ أهله المسلمين يرثونه منهم لا كلّهم.

الثالث: انّ قوله:(وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ)يقتضي أن يكون من ذلك القوم في الوصف الّذي وقع التنصيص عليه وهو حصول الميثاق بينهما، فإنّ كونه منهم مجمل لا يدرى أنّه منهم في أي الأُمور، وإذا حملناه على كونه منهم في ذلك الوصف زال الإجمال فكان ذلك أولى، وإذا دلّت الآية على أنّه منهم في كونه معاهداً وجب أن يكون ذمياً أو معاهداً مثلهم.

يلاحظ عليه: بأنّ الإجمال كما يرتفع بكون المقتول أيضاً ممّن له الميثاق كقومه، يرتفع بكونه مؤمناً ولكن منهم، من حيث الدم والوطن والعيش بينهم.

وبالجملة: هذه الوجوه، لا تضر بظهور الآية في أنّ المقتول مؤمن لا ذمّيّ كما لا يخفى.


صفحه 69

والحاصل: أنّ الآية في عامّة مواضعها بصدد بيان حكم قتل المؤمن، وأنّه على صور ثلاث: إمّا أن يكون من أُمّة مسلمة، أو من قوم عدو محارب، أو من قوم لهم ذمّة، فيجب الأمران في الأُولى والثالثة دون الثانية. بل فيها الكفّارة فقط.

وبذلك يظهر ضعف ما ذيّل به السرخسي كلامه، وقال:

إنّه لا يصحّ نسخ الكتاب بالرواية أوّلاً.

إنّ الرواية شاذة ثانياً.

يُردّ قول سعيد بن المسيب بالرجوع إلى الآية ثالثاً.

وذلك لأنّ الجميع فرع كون المقتول ذمّيّاً، لا مؤمناً.

دراسة سائر الوجوه

قد عرفت عدم دلالة الآية على ما تبنّوه، وإليك دراسة سائر أدلّتهم.

2. رواية ابن عباس

أخرج الترمذي، عن عكرمة، عن ابن عباس أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ودي العامريّين بدية المسلمين وكان لهما عهد من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).

قال أبو عيسى(مؤلف السنن) هذا حديث غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه.(1)

ويكفي في ضعف الرواية أنّ الراوي إباضي، تجنّبه مسلم وروى له قليلاً مقروناً بغيره، وأعرض عنه مالك، وتحايده، إلاّ من حديث أو حديثين قال عبد اللّه ابن الحارث: دخلت على علي بن عبد اللّه(بن عباس) فإذا عكرمة في وثاق عند


1 . سنن الترمذي:4/30، كتاب الديات، الباب12، رقم 1404; سنن النسائي:4/44 باب ذكر الدية من الورق.


صفحه 70

باب الحُشّ، فقلت: ألا تتقي اللّه؟! فقال: إنّ هذا الخبيث يكذب على أبي.(1)

3. ما نقل عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

ما نقل عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «دية كل ذي عمد في عمده ألف دينار».

أقول: لم نقف عليه مسنداً في الصحاح والسنن، وعلى فرض الثبوت، فهو منصرف إلى دية المسلم.

وعلى فرض العموم أو الإطلاق يقيّد بما دلّ على أنّه أقلّ من دية المسلم.

4. ما نقل عن علي(عليه السلام)

نقل عن الإمام علي(عليه السلام) أنّه قال: «إنّما أعطيناهم الذمّة وبذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا»، والرواية على فرض صحّة النقل، فإنّما تدلّ على حقن دمائهم وحرمتها، وأمّا تكافؤ دمائهم ومساواتها مع المؤمنين فلا يدلّ عليه كلامه.

كيف؟! وهو الراوي عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمّتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عدو في عدوه».(2)

فتخصيص التكافؤ بالمؤمنين لا يخلو من دلالة على حصره بهم. ولو كان هنا تكافؤ في الدماء فلماذا قال: «ألا لا يقتل مؤمن بكافر»؟


1 . ميزان الاعتدال:3/94، رقم الترجمة5716.

2 . سنن أبي داود:4/181رقم 4520.


صفحه 71

5. ما نقله عن الشيخين

ما رواه عن أبي بكر وعمر أنّهما قالا: دية الذمّيّ في مثل دية الحرّ المسلم.

لكن قول الصحابي أو فتواه ليس حجّة على غيره ما لم يرفعه إلى الرسول.

مضافاً إلى أنّه معارض بما رواه ابن المسيب من أنّ عمر قضى في دية اليهودي والنصراني بأربعة آلاف درهم وفي دية المجوسي بثمانمائة.(1)

وبه يظهر ضعف الاستدلال بما روي عن عبد اللّه بن مسعود قال: من كان له عهد أو ذمة فديته دية المسلم.(2) إذ الحديث موقوف غير مرفوع إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

وبالجملة : الروايات عن الصحابة مختلفة متعارضة أوّلاً، وموقوفات ثانياً.

دليل القول بالنصف

ذهبت المالكية والحنابلة إلى أنّ دية الكتابي (اليهودي والنصراني) نصف دية المسلم.

واستدلّ عليه بما رواه أصحاب السنن بألفاظ مختلفة، تنتهي أسانيده إلى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه، وإليك ما نقلوه.

1. أخرج الترمذي باسناده، عن أُسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «دية عقل الكافر نصف دية عقل المؤمن».(3)

2. أخرج النسائي، عن سليمان بن موسى ـ و ذكر كلمة معناها ـ عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «عقل أهل الذمّة نصف عقل المسلمين وهم اليهود والنصارى».


1 . سنن البيهقي:8/100، باب دية أهل الذمّة.

2 . سنن البيهقي:8/103.

3 . سنن الترمذي:4/25، كتاب الديات برقم 1413.


صفحه 72

3. وأخرج بسند آخر، عن أُسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد اللّه بن عمرو أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: عقل الكافر نصف عقل المؤمن.(1)

4. أخرج ابن ماجة عن عبد الرحمن بن عياش، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قضى:«انّ عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى».(2)

5. أخرج أبو داود، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال:«دية المعاهد نصف دية الحرّ».(3)

قلت: الأسانيد تنتهي في الجميع إلى عمرو بن شعيب، وهو مختلف فيه.

وثّقه ابن معين وابن راهويه، وقال الأوزاعي: ما رأيت قرشياً أكمل من عمرو بن شعيب.

يقول الذهبي بعد نقل هذه الكلمات:

قلت: ومع هذا القول فما احتجّ به البخاري في جامعه، وقال أبو زرعة: إنّما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه عن جدّه، قالوا: إنّما سمع أحاديث يسيرة وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها.

وقال عبد الملك الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: عمرو بن شعيب له أشياء مناكير وانّما نكتب حديثه لنعتبر به، فأمّا أن يكون حجّة فلا.

وقال ابن شيبة: سألت ابن المديني، عن عمرو بن شعيب؟ فقال: ... وما


1 . سنن النسائي:4/45، باب حكم الدية.

2 . سنن ابن ماجة:2/883، باب دية الكافر برقم 2644.

3 . سنن أبي داود:4/194، باب 5 دية الذمي برقم 4583. ولاحظ سنن البيهقي:8/101.


صفحه 73

روى عمرو عن أبيه عن جدّه، فإنّما هو كتاب وجده فهو ضعيف.(1) إلى غير ذلك من الكلمات الّتي تسلب الاعتماد على حديثه.

دليل القول بالثلث

ذهبت الشافعية إلى أنّ دية اليهودي والنصراني والمعاهد، والمستأمن ثلث دية المسلم:

واستدلّ عليه بأمرين:

1. ما رواه البيهقي عن سعيد بن المسيب: انّ عمر بن الخطاب قضى في دية اليهودي والنصراني بأربعة آلاف وفي دية المجوسي بثمانمائة درهم.(2)

ونقله الترمذي مرسلاً، وقال: وروي عن عمر بن الخطاب أنّه قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم ودية المجوسي ثمانمائة درهم، وبهذا يقول مالك بن أنس والشافعي والحنفي.(3)

يلاحظ عليه: أنّ سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر، أوّلاً، وعلى فرض السماع إنّ فعل الصحابي ليس بحجّة ما لم يسنده إلى النبي.

2. ما رواه أيضاً عن عمرو بن شعيب: إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فرض على كلّ مسلم قتل رجلاً من أهل الكتاب أربعة آلاف(درهم).(4)

يلاحظ عليه: أنّ الحديث موقوف غير موصول، أضف إلى ما ذكرنا ما في عمرو بن شعيب ـ الّذي كان جدّه من الصحابة ـ من الضعف.


1 . لسان الميزان:3 برقم 6382، لاحظ بقية كلامه.

2 . سنن البيهقي:8/100.

3 . سنن الترمذي:4/26، كتاب الديات، ذيل حديث 1412.

4 . سنن البيهقي:8/101.


صفحه 74

دليل القول بالتفصيل

نسب إلى أحمد أنّه قال: إن كان القتل عمداً فدية المسلم، وإن كان خطأ فنصف دية المسلم. حكاه الشيخ في «الخلاف»، ولعله لأجل حمل ما دلّ على أنّ ديته دية المسلم على العمد، وما دلّ على النصف على الخطأ.

وحصيلة الكلام: إنّ ما رواه أهل السنّة في مورد دية الذمّيّ، وما عمل به الخلفاء أو نقل عن الصحابة والتابعين مختلفة، مضطربة جدّاً، لا يمكن الجمع بين الروايات والآثار، إلاّ جمعاً تبرعياً بلا شاهد كما في القول بالتفصيل، ومن لاحظ سنن البيهقي يرى تضارب الروايات والآثار بنحو واضح يسلب الاعتماد عليها.

دراسة المسألة على ضوء أحاديث الشيعة

إلى هنا تمّت دراسة المسألة على ضوء أُصول أهل السنّة، وإليك دراستها على ضوء أُصولنا فنقول:

المشهور هو أنّ دية الذمّيّ هو ثمانمائة، وهناك قولان أو احتمالان آخران:

1. دية اليهودي والنصراني والمجوسي دية المسلم.

2. دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم. (ثلث الدية).

ونسبهما المحقّق إلى بعض الروايات دون أن يذكر لهما قائلاً. وسيوافيك الكلام فيهما بعد الفراغ من بيان أدلّة القول الأوّل.


صفحه 75

1

دية الذمّيّ ثمانمائة درهم

اشتهر بين الأصحاب قديماً وحديثاً أنّ دية الحرّ الذمي هو ثمانمائة، ودية الحرّة الذمّيّة نصفها.

ولنذكر بعض الكلمات قبل الروايات:

1. قال المفيد: ودية أعضاء أهل الذمّة بحساب ديات أنفسهم، وهي ثمانمائة درهم للرجال منهم، وأربعمائة للنساء.(1)

2. قال المرتضى: وممّا انفردت به الإمامية: القول بأنّ دية أهل الكتاب والمجوس، الذكر منهم ثمانمائة درهم والأُنثى أربعمائة درهم.(2)

3. قال الشيخ: دية اليهودي والنصراني مثل دية المجوسي ثمانمائة درهم.(3)

4. وقال أيضاً: ودية الذمي ثمانمائة درهم جياداً، أو قيمتها من العين، ودية


1 . المقنعة:765.

2 . الانتصار:545المسألة 306، كتاب الحدود والقصاص والديات.

3 . الخلاف:5/263، المسألة 77.


صفحه 76

نسائهم على النصف من دية رجالهم.(1)

5. قال أبو الصلاح: ودية الحرّ الذمّيّ، ثمانمائة درهم وضحاً، ودية الحرة الذمية نصف دية الحرّ الذمي.(2)

6. قال سلاّر: دية الذمّيّ إن كان رجلاً ثمانمائة درهم، وإن كانت امرأة أربعمائة درهم.(3)

7. قال ابن البراج: ودية الكافر ثمانمائة درهم.(4)

8. قال ابن زهرة: ودية اليهودي والنصراني والمجوسي ثمانمائة درهم بدليل إجماع الطائفة.(5)

9. قال الكيدري: ودية اليهودي والنصراني والمجوسي ثمانمائة درهم.(6)

10. وقال ابن إدريس: ودية الرجل الذمّيّ ثمانمائة درهم جياداً أو قيمتها من الذهب، ودية نسائهم، على النصف من دية ذكرانهم، ودية المجوسي ودية الذمّّي سواء، لأنّ حكمهم، حكم اليهود والنصارى.(7)

11. قال المحقّق: ودية الذمّيّ ثمانمائة درهم يهودياً كان أو نصرانياً أو مجوسياً، ودية نسائهم على النصف.(8)


1 . النهاية:749.

2 . الكافي:391.

3 . المراسم:236.

4 . المهذب:2/486.

5 . غنية النزوع:2/414.

6 . إصباح الشيعة:500.

7 . السرائر:3/352.

8 . الشرائع:4/1018.


صفحه 77

12. وقال أيضاً: وفي دية الذمّيّ روايات، والمشهور ثمانمائة درهم، وديات نسائهم على النصف من ذلك.(1)

13. قال ابن سعيد الحلّي : ودية الحرّ الذمّيّ ثمانون ديناراً والذمّيّة نصفها.(2) وثمانون ديناراً يعادل ثمانمائة درهم تقريباً.

14. وقال العلاّمة الحلّيّ: وأمّا الذمّيّ الحرّ فديته ثمانمائة درهم، سواء كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، ودية المرأة الحرّة منهم أربعمائة درهم.(3)

15. وقال أيضاً: دية الذمّيّ من اليهود والنصارى والمجوس ثمانمائة درهم، ودية نسائهم على النصف.(4)

إلى غير ذلك من كلمات علمائنا المتماثلة في اللفظ والمعنى إلى العصر الحاضر.

وقال أخيرهم لا آخرهم الإمام الخميني(قدس سره) : دية الذمّيّ الحرّ ثمانمائة درهم، يهودياً كان أو نصرانياً أو مجوسياً، ودية المرأة الحرّة منهم نصف دية الرجل.(5)

ويدلّ على هذا القول الروايات المتضافرة الّتي تناهز العشر أو تزيد عليها، وهي بين صحاح وحسان وهي على طوائف:


1 . المختصر النافع:306.

2 . الجامع للشرائع:589.

3 . قواعد الأحكام:2/668.

4 . التحرير:5/568، المسألة 722.

5 . تحرير الوسيلة:2/503ـ 504.


صفحه 78

الطائفة الأُولى

دية الذمّيّ ثمانمائة درهم

قد وردت روايات تدلّ على أنّ دية الذمّيّ، أو دية اليهودي والنصراني والمجوسي ثمانمائة درهم، دلالة مطابقية أو التزامية، نظير:

1. صحيحة أو حسنة ابن مسكان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): أنّه قال: «دية اليهودي والنصراني والمجوسي ثمانمائة درهم».(1)

2. موثّقة سماعة بن مهران، قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): كم دية الذّمّي؟ قال: «ثمانمائة درهم».(2)

3. صحيحة ليث المرادي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن دية النصراني واليهودي والمجوسي؟ فقال: «ديتهم جميعاً سواء، ثمانمائة درهم، ثمانمائة درهم».(3)

4. معتبر أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه عن دية اليهود والنصارى والمجوس؟ قال: «هم سواء ثمانمائة درهم».(4)


1 . الوسائل:19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث2، 9.

2 . الوسائل:19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث2، 9.

3 . الوسائل:19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث5، 8.

4 . الوسائل:19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث5، 8.


صفحه 79

وفي صدر السند إسماعيل بن مهران، وطريق الفقيه إليه صحيح، وفي أثنائه درست بن أبي منصور، وهو ممّن يروي عنه ابن أبي عمير والبزنطي بطريق صحيح، ولذلك قلنا: «معتبر أبي بصير».

5. خبر محمد بن قيس، عن أبي جعفر في حديث قال:«دية الذمّيّ ثمانمائة درهم».(1)

وإنّما وصفناه بالخبر، لتردّد محمد بن قيس بين الثقة والممدوح والمهمل والضعيف. والثقة منهم، هو محمد بن قيس البجلي، ويميّز عن غيره برواية عاصم بن حُميد عنه.

6. صحيح بريد العجلي قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجل فقأ عين نصراني؟ قال: «إنّ دية عين النصراني أربعمائة درهم».(2) وهو يدلّ بالملازمة على أنّ دية النفس هو ثمانمائة، لأنّ في العينين دية كاملة.

7. خبر علي بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن دية اليهودي والنصراني والمجوسي كم هي؟ سواء؟ قال: «ثمانمائة، ثمانمائة كلّ رجل منهم».(3) ويدلّ بالمفهوم على أنّ دية الأُنثى منهم، تنقص منه.

8. وفي «دعائم الإسلام» عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال:«إذا قتل المسلم اليهودي، أو النصراني، أُدِّب أدباً بليغاً، وغرم ديته، وهي ثمانمائة درهم».(4)

9. فقه الرضا: «ودية الذمّيّ الرجل ثمانمائة درهم، والمرأة على هذا الحساب أربعمائة درهم».(5)


1 . الوسائل:19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث3، 4، 6.

2 . الوسائل:19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث3، 4، 6.

3 . الوسائل:19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث3، 4، 6.

4 . مستدرك الوسائل:18، الباب11 من أبواب ديات النفس، الحديث 1، 2.

5 . مستدرك الوسائل:18، الباب11 من أبواب ديات النفس، الحديث 1، 2.


صفحه 80

الطائفة الثانية

المرتكز عند الصحابة هو ثمانمائة درهم

يستفاد من بعض الروايات أنّ المرتكز لدى الصحابة في دية اليهودي والنصراني هو ثمانمائة درهم، وكان الشك عالقاً بدية المجوسي،نظير:

10. صحيح سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«بعث النبي خالد ابن الوليد إلى البحرين فأصاب بها دماء قوم من اليهود والنصارى والمجوس، فكتب إلى النبي: إنّي أصبت دماء قوم من اليهود والنصارى فوديتهم ثمانمائة درهم، ثمانمائة، وأصبت دماء قوم من المجوس ولم تكن عهدت إليّ فيهم عهداً، فكتب إليه رسول اللّه: إنّ ديتهم مثل دية اليهود والنصارى، وقال: إنّهم أهل الكتاب».(1)

رواه الشيخ عن ابن أبي عمير وسنده إلى كتبه في «الفهرست» صحيح.

وربّما تضعّف الرواية بأنّ التاريخ لم يسجّل بعث خالد بن الوليد إلى البحرين بينما بعث إلى أماكن أُخرى، والإشكال مبني على تصوّر أنّ المراد من البحرين ما هو المتبادر في عصرنا هذا، ولكن الحقيقة غير ذلك حيث إنّ المتبادر


1 . الوسائل:19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث7.


صفحه 81

من «البحرين» في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده، غير المتبادر منه في الأعصار المتأخرة، فإنّه في أعصارنا عبارة عن الجزيرة الخاصة التي يحيطها الماء من كلّ جانب، وقد اعترفت إيران باستقلالها، كما اعترفت الأُمم المتحدة به، ولكنّه في عصر الرسول، كان يطلق على منطقة وسيعة. يقول ياقوت الحموي: وهو اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان ـ إلى أن قال: ـ البحرين من أعمال العراق وحدّه من عمان ناحية جُرّفار، واليمامة على جبالها، وربّما ضُمَّت اليمامة إلى المدينة وربّما أُفردت. هذا كان أيّام بني أُميّة ولمّا ولي بنو العباس صيّروا عمان والبحرين واليمامة عملاً واحداً.(1)

وقد أمدَّنا الجغرافيُّ الهمدانيّ بمعلومات قيّمة عن البحرين، فتحدث عن المدن والقرى ومن يسكنها من القبائل، فمن ذلك قوله: مدينة البحرين العظمى هجر، وهي سوق بني محارب من عبد القيس، ومنازلها ما دار بها من قرى البحرين، فالقطيف موضع نخل وقرية عظيمة الشأن وهي ساحل وسكانها جذيمة من عبد القيس سيدهم ابن مِسْمار ورهطه، ثمّ العُقير من دونه وهو ساحل وقرية دون القطيف من العَطف، وبه نخل، ويسكنه العرب من بني محارب، ثمّ السِّيف سِيْفُ البحر، وهو من أوال، على يوم، وأوال جزيرة في وسط البحر مسيرة يوم في يوم، وفيها جميع الحيوان كلّه إلاّ السِّباع، ثمّ السَّتار وتعرف بستار البحرين، وهي منازل بني تميم فيه متصلة البيضاء وكان بها نخل وسكن، والفطح وهو طريق بين الستار والبحر إلى البصرة، ومن المياه المتصلاة معقلات ثمّ خمس ثم معقلات طويلع وهو عن يمين سنام ثم كاظمة البحور... فالإحساء منازل ودور


1 . معجم البلدان:1/346، مادة بحرين.


صفحه 82

لبني تميم، ثمّ لسعد من بني تميم، وكان سوقها على كثيب يسمى الجرعاء تتبايع عليه العرب، وعن يمين البحرين ودونها يبرين، والخِنّ، موضع فيه نخل كثير لبني وَدَعة، ويبرين نخل وحصون وعيون جارية وغير جارية وسِبَاخ، والبحرين إنّما سمّيت البحرين من أجل نهرها مُحلِّم ولنهر«عين الجريب».(1)

وقد بعث النبي خالد بن الوليد إلى «بني جذيمة» من بني عامر بن لؤي.(2) ولعلّه أصاب في سفره هذا بما أصاب، وقد عرفت ما في كلام الهمداني من أنّ القطيف موضع نخل وقرية عظيمة الشأن وهي ساحل وساكنها «جذيمة من عبد القيس».


1 . صفة جزيرة العرب:279ـ 281.

2 . السيرة النبوية:4/77، باب مسير خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بني جذيمة.


صفحه 83

الطائفة الثالثة

ما يخصّ المجوس بالمساواة بهما

وقد وردت روايات تحكي عن أنّ السائل أو عامة الناس كانوا يعرفون مقدار دية اليهودي والنصراني، ولكن كانوا في شك في دية المجوسي وانّها هل تساوي دية الطائفتين أو لا؟ نظير:

11. صحيحة أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إبراهيم يزعم أنّ دية اليهودي والنصراني والمجوسي سواء؟ فقال: «نعم، قال الحق».(1) والمراد بإبراهيم هو إبراهيم الكرخي من فقهاء السنّة.

12. موثق زرارة قال: سألته عن المجوس ما حدّهم؟ فقال: «هم من أهل الكتاب ومجراهم مجرى اليهود والنصارى في الحدود والديات».(2)

والحديثان بصدد بيان التسوية، وأمّا ما هو مقدار الدية، فلا يدلاّن على شيء منه، فيحتمل أن يكون، ديتهم، دية المسلم، أو ثمانمائة، أو أربعة آلاف درهم.

ومع ذلك لا يخلو من إشعار لما هو المشهور، إذ لو كان المراد هو مماثلة ديتهم مع دية المسلم لقال ديتهم كدية المسلم، ويؤيد ما ذكر، صحيحي ابن مسكان وليث المرادي الماضيين (الحديث الأوّل والثالث) فانّ التعبير في الجميع واحد، وقد جاء التصريح بمقدار الدية في الأخيرين.


1 . الوسائل:19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث1، 11.

2 . الوسائل:19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث1، 11.


صفحه 84

الطائفة الرابعة

في أنّ العدول عن ثمانمائة لمصلحة

وقد وردت رواية تعرب عن كون ثمانمائة هو الحكم الشرعي، غير أنّ الإمام يحكم بتغريمه بأكثر منها لصيانة دماء الأبرياء من أهل الذمة، نظير:

13. موثّقة سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن مسلم قتل ذمّياً؟ فقال:«هذا شيء شديد لا يحتمله النّاس فليعط أهله دية المسلم حتّى ينكل عن قتل أهل السّواد، وعن قتل الذمّي، ثمّ قال: لو أنّ مسلماً غضب على ذمّي فأراد أن يقتله ويأخذ أرضه ويؤدّي إلى أهله ثمانمائة درهم إذاً يكثر القتل في الذمّيّين، ومن قتل ذميّاً ظلماً فانّه ليحرم على المسلم أن يقتل ذميّاً حراماً ما آمن بالجزية وأدّاها ولم يجحدها».(1)

والحديث يدلّ على وجود التفاوت بين الديتين، أعني: قوله: «فليعط أهله، دية المسلم». كما أنّ قوله: «ويؤدّي إلى أهله ثمانمائة درهم» يدلّ على أنّ الحكم الأوّلي والمسلّم بين المسلمين في عصر النبيّ وبعده في دية الذميّ هو ثمانمائة، وإنّما عدل الإمام عنه إلى كونها دية المسلم، لمصلحة ملزمة وقد أُشير إليها بقوله: «حتى ينكل عن قتل أهل السواد وعن قتل الذمّيّ». ويكون الحكم عندئذ أشبه بالحكم الولائي لدَرء المفسدة لا حكماً شرعياً كليّاً وإن فقد ملاكه.

وسيوافيك فقه الحديث عند الكلام في أدلّة القائلين بالمساواة.


1 . الوسائل:19، الباب14 من أبواب ديات النفس، الحديث1.


صفحه 85

الطائفة الخامسة

قتل المسلم بكافر مع ردّ فاضل الديتين

استفاضت الروايات على جواز قتل المسلم بكافر إذا ردّ فضل دية المسلم، وهي تنفي المماثلة بين الديتين وتثبت وجود التفاوت بين الديتين، وإن لم يعيّن مقدارها، وبالتالي تصلح لردّ القول بالمساواة:

14. روى الكليني بسند صحيح فيه محمد بن عيسى العبيدي ـ وهو أيضاً ثقة على المشهور ـ عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «إذا قتل المسلم يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً فأرادوا أن يقيدوا، ردّوا فضل دية المسلم وأقادوه».(1)

15. موثّقة سماعة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل قتل رجلاً من أهل الذمّة؟ فقال: «هذا حديث شديد لا يحتمله الناس ولكن يعطي الذمّي دية المسلم ثمّ يقتل به».(2)

والمراد فضل ما بين الديتين.

16. صحيح أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال:«إذا قتل المسلم النصراني فأراد أهل النصراني أن يقتلوه، قتلوه، وأدّوا فضل ما بين الديتين».(3)

17. صحيح أبي بصير قال: سألته عن ذمّي قطع يد مسلم؟ قال: «تقطع يده إن شاء أولياؤه ويأخذون فضل ما بين الديتين، وإن قطع المسلم يد المعاهد


1 . الوسائل:19، الباب47 من أبواب قصاص النفس، الحديث2.

2 . الوسائل:19، الباب47 من أبواب قصاص النفس، الحديث3، 4.

3 . الوسائل:19، الباب47 من أبواب قصاص النفس، الحديث3، 4.


صفحه 86

خُيّر أولياء المعاهد فإن شاءوا أخذوا دية المسلم، وإن شاءوا قطعوا يد المسلم وأدّوا فضل ما بين الديتين، وإذا قتله المسلم صنع كذلك».(1)

ولما كانت هذه الروايات معارضة لما دلّ على أنّ المسلم لا يقاد بكافر(2) ، صار فقهاء الإمامية أمام هذه الروايات على طوائف:

أ. منهم من ردّ العمل بها كابن إدريس قال: لا يجوز قتل المسلم به مطلقاً، سواء أكان معتاداً لقتل أهل الذمّة أو لا.(3)

ب. منهم مَن عمل بها على وجه الإطلاق ولم يشترط شيئاً (الاعتياد) كالصدوق في «المقنع» قال: وإن قطع المسلم يد المعاهد، خُيّر أولياء المعاهد، فإن شاءوا أخذوا دية يده، وإن شاءوا قطعوا يد المسلم وأدّوا إليه فضل ما بين الديتين، وإذا قتله المسلم صحّ كذلك.(4)

ج. ومنه من حملها على المتعوّد لقتل الذميّ، كالشيخ في «النهاية» قال: إذا قتل المسلم ذمّيّاً عمداً، وجب عليه ديته ولا يجب عليه القود، إلاّ أن يكون معتاداً لقتل أهل الذمّة، فإن كان كذلك وطلب أولياء المقتول القود كان على الإمام أن يقيّده به بعد أن يأخذ من أولياء الذمّي ما يفضل من دية المسلم فيردّه على ورثته، فإن لم يردّوا أو لم يكن معتاداً فلا يجوز قتله به على حال.(5)

ويدلّ على مختار الشيخ ما رواه إسماعيل بن الفضل عن الصادق(عليه السلام) قال:


1 . الوسائل:19، الباب2ـ من أبواب قصاص الطرف، الحديث1.

2 . الوسائل:19، الباب47 من أبواب قصاص النفس، الحديث1 وغيره.

3 . السرائر:3/352.

4 . المقنع:191.

5 . النهاية:749.


صفحه 87

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن دماء اليهود والنصارى هل عليهم وعلى من قتلهم شيء إذا غشّوا المسلمين وأظهروا العداوة لهم؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون متعوّداً لقتلهم»، قال: وسألته عن المسلم هل يقتل بأهل الذمّة وأهل الكتاب إذا قتلهم؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون معتاداً لذلك لا يدع قتلهم، فيقتل وهو صاغر».(1)

وعلى كلّ تقدير فالروايات صالحة لردّ القول بالمساواة وإن لم تُقدِّر مقدار الدية.

وهذه الروايات المتضافرة مع الإجماع بين المتقدّمين والشهرة من المتأخّرين يُشرف الفقيه على القطع بأنّ دية الذمّي لا تتجاوز عن ثمانمائة، ولأجل إيقاف القارئ على موقف المتأخّرين من الحكم المجمع عليه بين المتقدّمين، نذكر شيئاً من آرائهم.

موقف المتأخّرين من الحكم المشهور

قد عرفت أنّ الرأي السائد بين القدماء إلى عصر العلاّمة هو أنّ دية الذمّي ثمانمائة درهم، ويعلم ممّا ذكره الفقيه المتتبع السيّد العاملي اتّفاق المتأخرين عليه أيضاً.

قال في «مفتاح الكرامة» بعد قول العلاّمة«فديته ثمانمائة درهم»: إجماعاً كما في «الانتصار» و«الخلاف» و«الغنية» و«كنز العرفان»، وهو المشهور رواية وفتوى كما في «كشف اللثام» وأشهر فيهما كما في «الروضة»، والمشهور في عمل الأصحاب كما في «المقتصر»، والمشهور كما في «النافع» و «كشف الرموز» و «المهذب البارع» و«التنقيح» و «ملاذ الأخيار»، وعليه عامّة أصحابنا إلاّ النادر كما في «الرياض».


1 . الوسائل:19، الباب47 من أبواب قصاص النفس، الحديث1 وغيره.


صفحه 88

والأخبار بذلك متضافرة وهي سبعة أخبار أو أكثر وفيها الصحيح والمعتبر، معتضدة بالأصل، والشهرات، والإجماعات، ومخالفة العامة لأنّهم أطبقوا في دية اليهودي والنصراني على خلافنا، واختلفوا على أربعة أقوال: فمن قائل: إنّ ديته ثلث دية المسلم، وقائل بأنّـها نصفها، وقائل: بأنّها دية المسلم، وقائل: إن كان عمداً فديته وإن كان خطأ فنصف ديته.(نعم) وافقنا في المجوسي مالك والشافعي.(1)

مقتضى الأصل العملي في المسألة

إنّ مقتضى الأصل العملي في المسألة هو البراءة من الزائد على ثمانمائة، لأنّه من قبيل دوران الأمر بين الأقل والأكثر الاستقلاليّين.

فإن قلت: إنّ المقام من قبيل الشك في المحصِّل، لأنّه يعلم باشتغال ذمّته بالدية ويشك في أنّ محقّق الدية هل هو الأقل أو الأكثر؟

قلت: إنّ عنوان الدية كالعنوان المشير إلى ما اشتغلت به ذمّته وليست لها أصالة وموضوعية، وما هو الأصل إنّما هو اشتغال الذمّة بما هو مردّد بين الأقل والأكثر.

هذا نظير ما إذا علم أنّه مديون لزيد وقد سجّله في «مذكرة» لكنّه فقدها فانّه لا يُلزم إلاّ بالأقل لا بالأكثر، بتوهم أنّ ذمّته مشغولة بما في «المذكّرة»، ولا يحصل اليقين بأداء ما فيها إلاّ بالعمل بالأكثر.


1 . مفتاح الكرامة:10/368. قد عرفت أنّ عدد الروايات يُناهز العشر أو يتجاوزها.


صفحه 89

2

ديته دية المسلم

ورد في بعض الروايات إنّ ديته كدية المسلم، ولم نعثر على قائل به من عصر الشيخ إلى عصرنا الحاضر، ونسبه المحقّق في «الشرائع» إلى بعض الروايات وقال:

وفي بعض الروايات: دية اليهودي والنصراني والمجوسي دية المسلم. وفي بعضها: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف. والشيخ(رحمه الله)نزّلهما على من يعتاد قتلهم فيغلِّظ الإمام الدية بما يراه عن ذلك حسماً للجرأة.(1)

وظاهر ذلك أنّه لم يجد قائلاً به ونسبه إلى بعض الروايات.

ومثله العلاّمة في «التحرير» قال: وفي رواية ديته دية المسلم، وفي أُُخرى: أربعة آلاف، وحملها الشيخ على من يعتاد قتلهم فيغلظ الإمام بما يراه حسماً للجرأة عليهم.(2)

وربّما يتصوّر أنّه نفس خيرة الصدوق في «الفقيه»، وسيوافيك أنّ مختاره في «الفقيه» غير هذا.


1 . الشرائع:4/1018.

2 . التحرير:5/565.


صفحه 90

وعلى كلّ تقدير فيدلّ عليه:

1. صحيحة أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«دية اليهودي والنصراني والمجوسي، دية المسلم».(1)

والشيخ أخذ الرواية من كتاب إسماعيل بن مهران ولم يذكر سنده إلى الكتاب في المشيخة، وطريقه إليه في «الفهرست» ضعيف; ولكن نقلها في «الفقيه»(2)، وسند الصدوق إليه صحيح، إذ في سنده إليه محمد بن موسى المتوكل وعلي بن الحسين السعد آبادي، وقد ادّعى ابن طاووس الإجماع على وثاقة الأوّل، والثاني مؤدِّب أبي غالب الزراري ومعلمه، ولذلك قال الأردبيلي: والرواية بين حسنة في النهاية على ما قال العلاّمة وابن داود، وصحيحة على ما رأيته في الفقيه.(3)

2. صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«من أعطاه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ذمّة فديته كاملة». قال زرارة: فهؤلاء؟ قال أبو عبد اللّه(عليه السلام):«وهؤلاء من أعطاهم ذمّة».

وفي نسخة «الاستبصار»: ممّن أعطاهم.(4)

وجه الدلالة: أنّ زرارة تلقّى قوله: «من أعطاه رسول اللّه ذمّة فديته كاملة» قضيّة خارجية تختص بمن أعطاه شخص الرسول تلك الذمّة، ولذلك عاد وسأله عن المتواجدين في عصره من اليهود والنصارى والمجوس، فأجاب الإمام بأنّهم


1 . الوسائل:19، الباب14 من أبواب ديات النفس، الحديث2.

2 . الفقيه:4/122 برقم 5257.

3 . مجمع الفائدة والبرهان:14/306.

4 . الوسائل: 19، الباب 14 من أبواب ديات النفس، الحديث 3 .


صفحه 91

أيضاً ممّن أعطاه الرسول ذمّة، لأنّه إنّما أعطى المتواجدين من أهل الكتاب في عصره ذمّة، بما هو رسوله سبحانه وتبيان شرعه وحامل وحيه، فلا يختص حكمه بعصر دون عصر.

وبعبارة أُخرى: انّ حكمه على المتواجدين في عصره كان من باب القضية الحقيقية الّتي يعم الحكم جميع أفراد الموضوع عبر القرون.

ويتجلّى ذلك المعنى بوضوح على نسخة«الاستبصار» حيث جاء فيها «ممّن أعطاهم»، ومن المعلوم أنّ النبي أعطاهم لأجل أنّهم من مصاديق الضابطة الكلية في مورد الطوائف الثلاث.

3. ما رواه سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن مسلم قتل ذمّياً؟ فقال: «هذا شيء شديد لا يحتمله الناس، فليعط أهله دية المسلم حتّى ينكل عن قتل أهل السواد»، وقد مضت الرواية فيما سبق.(1)

يلاحظ على الاستدلال بهذه الروايات:

أوّلاً: إعراض الأصحاب عنها، إذ لم نجد من أفتى بها، وسيوافيك أنّ الصدوق لم يعمل بها، وانّما أفتى بالتفصيل بين حالات الذمّي.

وثانياً: كيف يمكن لنا طرح الروايات المتضافرة وقد اشتهر العمل بها عبر القرون، والأخذ بروايتين لم يعمل أحد بهما؟!

وثالثاً: احتمال التقية، لما عرفت من أنّه المروي عن ابن مسعود، وإحدى الروايتين عن عمر وعثمان، ومن التابعين: الزهري، ومن الفقهاء: الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، كما مرّ.

ورابعاً: إنّ المهم في المقام ، هو موثّقة سماعة حيث إنّ الإمام قام بتنفيذ


1 . الوسائل:19، الباب14 من أبواب ديات النفس، الحديث1. وقد مضت الرواية برقم 14 القتل في الذميّين.


صفحه 92

التسوية بين المسلم وغيره في زمانه قائلاً: بأنّ هذا شيء شديد لا يحتمله الناس.

والقائل بالتسوية يتمسّك بهذا التعليل ويقول: إنّ التعليل يعمّ زماننا حيث إنّ الناس لا يحتملون كون دية المسلم، عشرة آلاف درهم والذمّي ثمانمائة، مضافاً إلى منظمة حقوق الإنسان الّتي اعترف بمنشورها أكثر البلاد الإسلامية، وهي تصر على التسوية في الحقوق من دون تمايز بين المتديّن وغيره، وفي الأوّل بين المسلم وغيره.

يلاحظ عليه:

أنّ قوله«هذا شيء شديد لا يحتمله الناس» يحتمل وجهين:

1. انّ تقدير دية الذمّيّ بالأقل من دية المسلم ممّا لا يحتمله الناس مطلقاً، سواء كان القاتل عامداً أو خاطئاً، وسواء القتل بنيّة الإفساد وتملّك الأموال أو للتشفّي واستيلاء الغضب عليه.

2. انّ قتل الذمّي لغاية تملّك أراضيه والاستيلاء على أمواله والخروج من مغبّة هذا العمل بأداء ثمانمائة درهم، ممّا لا يحتمله الناس.

فلو كان المراد هو الأوّل، لكان الاستناد إليه صحيحاً، في الخاطئ والعامد، دون ما إذا كان المراد هو الثاني.

ولكن الظاهر غير الأوّل، ويشهد عليه ذيل الحديث: «لو أنّ مسلماً غضب على ذمّي فأراد أن يقتله ويأخذ أرضه ويؤدّي إلى أهله ثمانمائة درهم إذاً يكثر القتل في الذميّين».

حيث إنّ العبارة ظاهرة في أنّ الإمام يندّد بأُناس كانوا بصدد قتل الذميّين وتملّك أراضيهم، والخروج عن مغبّة عملهم بدفع شيء رخيص، ومن المعلوم أنّ


صفحه 93

هذا النوع من الأعمال يورث الفساد والفوضى في المجتمع، ويسلب الأمان عنه، فالإمام يلزم القاتل في هذه الصورة بدفع الدية الكاملة، وأين هذا من الصورتين التاليتين:

1. القاتل الخاطئ الّذي يعلو عليه الحزن لعمله.

2. القاتل العامد، من دون أن يكون الداعي، سفك دمه، وتملّك أمواله وأراضيه، وإنّما قتله ضمن مناقشات انتهت إلى قتل الذمي.

وعلى هذا فليس للفقيه النابه إلاّ الاقتصار بالتسوية في صورة واحدة، أعني: إذا كان الداعي، هو الفساد وإشاعة الفوضى.

ثمّ إنّ الحكم بالتسوية ليس بمعنى نسخ الحكم الشرعي، فانّ النسخ بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) باطل بلا إشكال، بل من باب دَرء الفساد بتغريم القاتل بأكثر ممّا وجب عليه فيصبح حكماً ولائياً.

وخامساً: انّ هنا جمعاً آخر ذكره الشيخ الطوسي في «التهذيب» وهو: أنّ ما دلّ على المماثلة في مقدار الدية، أو على أربعة آلاف درهم ـ كما في بعض الروايات ـ محمول على مورد المتعوّد لقتل الأبرياء من الذميّين حيث قال: الوجه في هذه الأخبار أن نحملها على من يتعوّد قتل أهل الذمّة، فإنّ من كان كذلك فللإمام أن يلزمه دية المسلم كاملة تارة، وتارة أربعة آلاف بحسب ما يراه أصلح في الحال وأردع لكي ينكل عن قتلهم غيره، فأمّا من ندر ذلك منه فلا يلزمه أكثر من ثمانمائة درهم حسب ما قدّمناه.(1)

ويدلّ على هذا الجمع حديثان:


1 . التهذيب:10/188 تحت رقم 737.


صفحه 94

1. صحيح إسماعيل بن الفضل، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن دماء المجوس واليهود والنصارى، هل عليهم وعلى من قتلهم شيء، إذا غشّوا المسلمين وأظهروا العداوة لهم والغش؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون متعوّداً لقتلهم»، قال: وسألته عن المسلم هل يقتل بأهل الذمّة وأهل الكتاب إذا قتلهم؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون معتاداً لذلك لا يدع قتلهم، فيقتل وهو صاغر».(1)

2. نفس موثّقة سماعة الّتي استدلّ بها على المماثلة، فقد جاء فيها قوله:«فليعط أهله دية المسلم حتّى ينكل عن قتل أهل السواد»(2)، أي حتّى يتراجع عن القتل مرّة أُخرى.

وحاصل الكلام : انّ الحكم بالمثل في رواية سماعة مختص بالعامد دون الخاطئ وناظر إلى من هو بصدد قتل الأبرياء وأخذ أراضيهم، فلا محيص للإمام في ردعه عن القتل وتراجعه عن الظلم بالحكم عليه بأخذ دية المسلم، حتّى تنطفئ نائرة الفتنة. والتعليل ناظر إلى تلك الصورة.

من غير فرق بين كونه حكماً ولائياً أو واقعيّاً. وإن كان الحقّ هو الأوّل، لأنّ الثاني يلازم النسخ بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

فإن قلت: إنّ مورد التعليل وإن كان ما ذكر، لكنّه يعمّم، كما أنّه يخصّص، فالناس لا يحتملون التفرقة بين الديتين بهذا المقدار الهائل.

قلت: لو صحّ ما ذكر لزم الشطب على قسم من الأحكام السياسية


1 . الوسائل:19، الباب16 من أبواب ديات النفس، الحديث1.

2 . الوسائل:19، الباب14 من أبواب ديات اللنفس، الحديث1.


صفحه 95

والقضائية والأحوال الشخصية، لأنّ الغربيّين ودعاتهم في الشرق لا يحتملون قطع يد السارق وحدّ الزاني ـ بالرضا ـ ورجم المحصن والمحصنة، والقضاء باليمين، وفصل الخصومة بعلم القاضي، أو كون الطلاق بيد الرجل فقط، فهؤلاء في منأى عن التفكير بمثل هذه الأُمور، أفهل يصحّ لنا تعطيل تلك الأحكام لأجل رفض هؤلاء؟! كلا ولا.


صفحه 96

3

ديته أربعة آلاف درهم

وربّما تقدّر ديته بأربعة آلاف درهم الّتي تساوي أربعمائة دينار، ولم نقف على من عمل به من الأصحاب، وما نسبه العلاّمة إلى ابن الجنيد، غير هذا القول، بل هو كالصدوق يُفصِّل بين حالات الذمّيّ كما سيوافيك.

ويدلّ عليه خبر علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال:«دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم».(1)

قال الصدوق في «الفقيه»: قد روي أنّ دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، لأنّهم أهل الكتاب.(2)

وفي الفقه الرضوي:«وروي أنّ دية الذمّيّ أربعة آلاف درهم».(3)

وقال المرتضى: فإن احتج القائل بالمثل بما رواه عمرو بن حزم عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في النفس مائة إبل; قلنا: إنّه خبر واحد، ومعارض بأخبار نرويها كثيرة عن


1 . الوسائل:19، الباب14 من أبواب دية النفس، الحديث 4.

2 . الفقيه:4/91.

3 . مستدرك الوسائل:18/304، الباب11 من أبواب ديات النفس، الحديث2.


صفحه 97

النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يتضمّن بعضها أنّ الدية النصف، وبعضها أنّ الدية الثلث، فإذا تعارضت الأخبار سقطت.(1)

وهذه الأخبار الّتي أشار إليها السيّد المرتضى ليست في كتبنا، بل هي مبثوثة في «سنن البيهقي» وغيره على ما عرفت.

يلاحظ على الجميع أوّلاً: بإعراض الأصحاب عنه وما أفتى أحد بمضمونه.

وثانياً: احتمال التقيّة فيه لما عرفت من وجود نفس القول عند العامّة، وروى البيهقي عن سعيد بن المسيب أنّ عمر بن الخطاب قضى في دية اليهودي والنصراني بأربعة آلاف درهم، ودية المجوسي بثمانمائة درهم.(2)

وثالثاً: أن يكون الحكم بالثلث ولائياً، لعدم تحمّل الناس الحكم الشرعي الواقعي ـ كما مرّ ـ.

ورابعاً: أن يكون الحكم بالثلث راجعاً إلى العامد ولا يعم الخاطئ.

وخامساً: أن يحمل على المتعوّد قتل الأبرياء من أهل الذمة، ليكون تغريمه هذا المقدار الباهظ رادعاً له عن العمل، كما مرّ.

إلى هنا تمّت دراسة الأقوال والروايات، وعرفت أنّه لا قائل عندنا بالثاني والثالث بصورة أنّه حكم شرعي واقعي.


1 . الانتصار:547.

2 . سنن البيهقي:8/100.


صفحه 98

4

تفصيلان للصدوق وابن الجنيد

ثمّ إنّ هنا تفصيلين: أحدهما للصدوق، والآخر لابن الجنيد، وقد جنحا إلى هذا التفصيل لغاية الجمع بين الروايات.

1. لكلّ من المثل والثلث وثمانمائة مورد خاص

حاول الصدوق أن يجمع بين الأقسام الثلاثة من الروايات، بحمل كلّ على مورد خاص، وقال ما هذا لفظه:

قال مصنف هذا الكتاب(رحمه الله): هذه الأخبار اختلفت لاختلاف الأحوال وليست هي على اختلافها في حال واحدة، بل لهم أحوال ثلاثة:

1. متى كان اليهوديّ والنصرانيّ والمجوسيّ على ما عوهدوا عليه من ترك إظهار شرب الخمور وإتيان الزِّنا وأكل الرِّبا والميتة ولحم الخنزير ونكاح الأخوات وإظهار الأكل والشّرب بالنّهار في شهر رمضان واجتناب صعود مساجد المسلمين واستعملوا الخروج باللّيل عن ظهراني المسلمين والدّخول بالنّهار للتسوّق وقضاء الحوائج، فعلى من قتل واحداً منهم أربعة آلاف درهم، و مرّ


صفحه 99

المخالفون على ظاهر الحديث فأخذوا به ولم يعتبروا الحال.

2. ومتى آمنهم الإمام وجعلهم في عهده وعقده وجعل لهم ذمّة ولم ينقضوا ما عاهدهم عليه من الشرائط الّتي ذكرناها وأقرّوا بالجزية وأدّوها فعلى من قتل واحداً منهم خطأ دية المسلم وتصديق ذلك. إلى أن قال:

3. ومتى لم يكن اليهود والنّصارى والمجوس على ما عوهدوا عليه من الشّرائط الّتي ذكرناها، فعلى من قتل واحداً منهم ثمانمائة درهم، ولا يقاد لهم من مسلم في قتل ولا جراحة كما ذكرته في أوّل هذا الباب، والخلاف على الإمام والامتناع عليه يوجبان القتل فيما دون ذلك، كما جاء في المؤلى إذا وقف بعد أربعة أشهر أمره الإمام بأن يفيء أو يطلق، فمتى لم يفئ وامتنع من الطلاق ضربت عنقه لامتناعه على إمام المسلمين.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره الشيخ الطوسي في الجمع بين المتعوِّد وغيره، المتعوِّد على اختلاف درجاته، أولى ممّا ذكره فانّه جمع بلا شاهد حيث جعل ملاك الاختلاف في مقدار الدية، مقدار انضباط أهل الذمّة ومدى صلتهم بالإمام وعدمه، وهذا النوع من الجمع، جمع تبرّعي بلا شاهد.

2. لكلّ من الثلث والثمانمائة مورد خاص

حاول ابن الجنيد الجمع بين ما دلّ على أنّ ديته، أربعة آلاف درهم أو ثمانمائة، يحمل كلّ على مورد خاص ويقرب كلامه من كلام الصدوق.

قال: فأمّا أهل الكتاب الذين كانت لهم ذمّة من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يغيّروا ما شرط عليهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فدية الرجل منهم أربعمائة دينار أو أربعة آلاف درهم.


1 . الفقيه:4/123ـ 124.


صفحه 100

وأمّا الذين ملكهم المسلمون عنوة ومنّوا عليهم باستحيائهم ـ كمجوس السواد وغيرهم من أهل الكتاب بالجبال وأرض الشام ـ فدية الرجل منهم ثمانمائة درهم، والمرأة من كلا الصنفين ديتها نصف دية نظيرها من الرجال.(1)

يلاحظ عليه: أنّه كالجمع السابق، جمع بلا شاهد، ولذلك يقول صاحب «مفتاح الكرامة» في حق هذا التفصيل: وهذا التفصيل كتفصيل الصدوق لا أثر له في الأخبار.(2)

فظهر من كلّ ما ذكرنا: انّ مقدار الدية في مورد الذمّي، هو المعروف، أعني: ثمانمائة درهم، وليس للفقيه العدول عن ذلك، إلاّ إذا اقتضت المصلحة، تغريم القاتل بأكثر ممّا يستحقّ، لحسم مادة الفساد وصيانة دماء الأبرياء من القتل، وعند ذلك لا يتعيّن الأمران، بل يكون الميزان هو ما يراه الحاكم فيها من المصلحة ودفع المفسدة.

وبعبارة أُخرى: التفصيل بين العامد والخاطئ عملاً برواية سماعة على ما مرّ، ولكن لا مطلق العامد، بل العامد الذي هو بصدد قتل الكتابي لأجل الاستيلاء على أراضيه وأمواله كلّ ذلك بالحكم الولائي.

وإن أردت العمل بمقتضى التعليل في عامّة الموارد فليكن ذلك من باب الولاء لا الإفتاء بالحكم الواقعي.

تمت الرسالة بيد مؤلّفها جعفر السبحاني في السابع والعشرين من شهر

ربيع الثاني من شهور عام ألف وأربعمائة وأربع وعشرين

نسأله سبحانه أن يقبلها بوجهه الكريم

وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين


1 . مختلف الشيعة:9/436.

2 . مفتاح الكرامة:10/269.


صفحه 101

4

مصافحة الأجنبية المسلمة

قد طرحت في هذه الأيّام مسألة مصافحة الرجل الأجنبي، المرأةَ الأجنبية المسلمة بالشكل التالي:

مرأة مسلمة تربّت في بيئات غربية وتأثرت بثقافتها، وهي مسلمة معتقدة بأحكام الشرع وفروعه من الصلاة والصوم والحجاب، ولكن البيئة فرضت عليها الأمر الآتي:

إذا كان بين الرجل الأجنبي والمرأة الأجنبية صلة وتعارف فإذا تقابلا ينظر الرجل إلى المرأة ويصافحها، فلو غضّ الرجل البصر عنها ولم يصافحها، تتلقّى ذلك الأمر إهانة لها، فعلى ذلك الفرض هل يجوز للرجل الأجنبي النظر إليها ومصافحتها؟

هذا هو السؤال: وقد أجاب عنه بعض المعاصرين بالجواز قائلاً: بأنّ حرمة مسّ المرأة الأجنبية والنظر إليها لأجل تكريمها وحفظ حرمتها، فإذا افترضنا أنّ المرأة ترفض تلك الكرامة، وتتلقّى عدم النظر والمصافحة إهانة لها، فيجوز النظر والمصافحة بشرط عدم الالتذاذ وعدم قصده، وقد أثارت هذه الفتوى استغراب الآخرين، فعادوا يُفتون بالحرمة بجدّ وحماس.


صفحه 102

ومن جانبنا فقد طرحنا المسألة على صعيد البحث متجرّداً عن رأي مسبق أو خضوع للعاطفة أو نزوع إلى فئة دون فئة، وغير ذلك من النوازع النفسانية، الّتي تحجز عن إصابة الحقّ.

أقول: يقع الكلام في محاور ثلاثة:

1. أقوال الفقهاء.

2. الروايات الواردة.

3. تحليل ما استند إليه المجيب.

المحور الأوّل: أقوال الفقهاء

ولنذكر أوّلاً آراء أهل السنّة:

1. ذهبت الحنفية والحنابلة إلى حرمة مصافحة الرجل للمرأة إلاّ العجوز الّتي لا تشتهي ولا تُشتهى، وكذلك مصافحة المرأة للرجل العجوز الذي لا يشتهي ولا يُشتهى، ومصافحة الرجل العجوز للمرأة العجوز.

فاستدلّوا بأنّ الحرمة لخوف الفتنة، فإذا كان أحد المتصافحين ممّن لا يشتهي ولا يُشتهى، فخوف الفتنة معدوم أو نادر.(1)

2. ذهبت المالكية إلى تحريم مصافحة المرأة الأجنبية وإن كانت متجالّة وهي العجوز الفانية التي لا إرب للرجال فيها، أخذاً بعموم الأدلّة المثبتة للتحريم.(2)

3. والظاهر من الشافعية هو نفس ما ذهب إليه مالك، لعدم استثنائه العجوز.(3)


1 . بدائع الصنائع:123.

2 . كفاية الطالب:2/437.

3 . مغني المحتاج:3/132; انظر الموسوعة الكويتية:37/358ـ359، مادة « مصافحة».


صفحه 103

واستدلّ أهل السنّة بحديث عائشة قالت: كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يُمحتن بقول اللّه عزّ وجلّ: (يَا أَيُّهَا النَّبي إِذَا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبَايِعْنَكَ عَلى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ)(1) قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا من المؤمنات فقد أقرّ بالمحنة، وكان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): انطلقن فقد بايعتكن، ولا واللّه ما مسّت يد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يد امرأة قط غير أنّه يبايعهنّ بالكلام. قالت عائشة: واللّه ما أخذ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)النساء قط إلاّ بما أمره اللّه تعالى، وما مسّت كف رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كف امرأة قط، وكان يقول لهنّ إذا أخذ عليهنّ: «قد بايعتكنّ» كلاماً.(2)

وأمّا فقهاء الشيعة فقد اتّفقوا على حرمة المسّ والمصافحة بقول مطلق، وإليك بعض كلماتهم:

قال العلاّمة: وأمّا مصافحة الرجل للمرأة فإن كانت أجنبية لم يجز إلاّ من وراء الثياب مع أمن الافتتان به وعدم الشهوة، لما رواه الصدوق عن أبي بصير أنّه سأل الصادق(عليه السلام) هل يصافح الرجل المرأة ليست له بذي محرم؟ قال: «لا إلاّ من وراء الثياب».(3)

وقال المحقّق الثاني: وأمّا مصافحة الرجل للمرأة فإن كانت أجنبية لم يجز، إلاّ من وراء الثياب مع أمن الافتتان وعدم الشهوة.(4)

وقال الشيخ النجفي: لا بأس بمصافحة الامرأة الأجنبية للرجل من وراء


1 . الممتحنة:12.

2 . صحيح مسلم:6/29، دار الفكر، بيروت; فتح الباري في شرح صحيح البخاري:5/312.

3 . التذكرة:2/575، الطبعة الحجرية.

4 . جامع المقاصد:12/44.


صفحه 104

الثياب وبالعكس.(1)

وقال السيد الطباطبائي في «العروة الوثقى»: لا يجوز مصافحة الأجنبية، نعم لا بأس بها من وراء الثوب.(2)

وقال أيضاً في مسألة أُخرى: لا تلازم بين جواز النظر وجواز المسّ، فلو قلنا بجواز النظر إلى الوجه والكفّين من الأجنبية لا يجوز مسّها إلاّ من وراء الثوب.(3)

وليس للمعاصرين على كلام صاحب العروة أيّ تعليقة أو استثناء ممّا يدلّ على أنّ الحرمة أمر مسلّم بين الفقهاء، وقد اكتفينا بهذا المقدارالقليل.

المحور الثاني: الروايات الواردة

1. روى الصدوق في حديث المناهي قال: ومن صافح امرأة تحرم عليه فقد باء بسخط من اللّه عزّ وجلّ، ومن التزم امرأة حراماً قرن في سلسلة من نار مع شيطان فيقذفان في النار.(4)

2. روى الكليني عن يزيد بن حمّاد وغيره، عن أبي جميلة، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه(عليهما السلام) قالا في حديث: «وزنا الفم القُبلة ، وزنا اليدين اللمس».(5)

3. روى الكليني عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت له: هل يصافح الرجل المرأة ليس بذات محرم؟ فقال: «لا إلاّ من وراء ثوب».

4. روى الكليني عن سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن مصافحة الرجل المرأة؟ قال: «لا يحلّ للرجل أن يصافح المرأة إلاّ امرأة يحرم عليه


1 . الجواهر:29/99.

2 . العروة الوثقى، كتاب النكاح، المسألة 40و 47.

3 . العروة الوثقى، كتاب النكاح، المسألة 40و 47.

4 . الوسائل:14، الباب105 من أبواب مقدّمات النكاح، ح1.

5 . الوسائل:14، الباب104 من أبواب مقدّمات النكاح، ح2.


صفحه 105

أن يتزوّجها.

وأمّا المرأة التي يحلّ له أن يتزوّجها فلا يصافحها إلاّ من وراء الثوب ولا يغمز يدها».(1)

5. روى الصدوق في «الفقيه» عن الصادق(عليه السلام) لمّا سُئل عن مصافحة المرأة الأجنبية:«لا إلاّ من وراء الثوب».(2)

6. روى المجلسي في «البحار» عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يجوز للمرأة أن تصافح غير ذي محرم إلاّ من وراء ثوبها، ولا تبايع إلاّ من وراء ثوبها».(3)

7. وقد روى الفريقان كيفية بيعة النساء رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بعبارات مفصّلة ملخّصها ما جاء في رواية المفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): كيف ماسح رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) النساء حين بايعهنّ؟ فقال: «دعا بمركنه الّذي كان يتوضأ فيه فصب فيه ماء ثمّ غمس فيه يده اليمنى، فكلّما بايع واحدة منهن قال: اغمسي يدك فتغمس كما غمس رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكان هذا مماسحته إياهن».(4)

إلى غير ذلك من الروايات الّتي يعثر عليها المتتبّع في مختلف الأبواب وفيها الصحيح والموثّق، ولذلك لا ترى أيّ خلاف في المسألة بين الفقهاء لأجل هذه الروايات، والسيرة المستمرة بين المسلمين.

أضف إلى تلك الروايات أنّ الأصل الأوّلي في باب النظر إلى المرأة هو الحرمة والجواز بحاجة إلى دليل، شأن كلّ موضوع يكون الحكم الأوّلي فيه الحرمة، وهذا


1 . الوسائل:14، الباب115 من أبواب مقدّمات النكاح، ح1 و ح2.

2 . الفقيه:3/469، الحديث 4635.

3 . البحار:103/256، ح1.

4 . الوسائل:14، الباب115 من أبواب مقدّمات النكاح، ح4.


صفحه 106

كالدماء والأعراض والأموال الّتي نقل الشيخ الأنصاري إجماع الفقهاء على لزوم الاحتياط فيها، وما ذلك إلاّ لأنّ الأصل الأوّلي فيها الحرمة، ولا يختص لزوم الاجتناب بالأُمور الثلاثة الواردة في كلامه، بل يعمّ اللحوم المشتبهة حكماً أو موضوعاً، وبيع الأوقاف، وغير ذلك.

ومورد البحث داخل تحت هذه القاعدة، ولذلك يقول العلاّمة الحلّي: المرأة كلّها عورة، وهذا قول كلّ من يُحفظ عنه العلم، وهو ما حكاه سيد المحقّقين في درسه الشريف عند البحث عن ستر المرأة في الصلاة، ومع ذلك فالروايات المذكورة تُدعِمُ القاعدة وتؤكدها.

المحور الثالث: تحليل ما استند إليه المجيب

المصافحة في اللغة: الأخذ باليد كالتصافح، قال في «تاج العروس»: الرجل يصافح الرجل: إذا وضع صفح كفه في صفح كفه. وهي مفاعلة من إلصاق صفح الكف بالكف، وإقبال الوجه بالوجه.

وقد عرفت تضافر الفتاوى والروايات على حرمة مصافحة الرجل المرأة الأجنبية إنّما الكلام في استثناء المرأة المسلمة الّتي تتلقّى عدم التصافح إهانة الّذي ورد في السؤال، فقد جوّزه المجيب باستناد أنّ حرمة المسّ لأجل تكريمها وحفظ حرمتها، فإذا افترضنا أنّ المرأة ترفض تلك الكرامة وتتلقّى عدم النظر والمصافحة إهانة لها، فيجوز النظر والمصافحة، لأجل فقدان ملاك الحرمة، بشرط عدم الالتذاذ وعدم قصده.

أقول: الّذي يمكن أن يستند إليه القائل في تنقيح المناط، الأمران التاليان:


صفحه 107

الأمر الأوّل

قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْواجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَحِيماً).(1)

ذكر المفسرون أنّ أهل الريبة كانوا يمازحون الإماء، وربّما يتجاوز المنافقون إلى ممازحة الحرائر، فإذا قيل لهم في ذلك قالوا حسبناهنّ إماءً، فقطع اللّه عذرهم فأُمر الحرائر بالستر حتى يُعرفن بذلك فلا يؤذين.

فلعلّ المجيب انتزع من هذا التعليل أنّ حرمة النظر إلى الأجنبية لأجل تكريمها، فإذا رفضت وارتفعت العلّة ارتفع الحكم.

يلاحظ عليه بأُمور:

أوّلا: لم يكن في أذهان المسلمين يوم نزلت آية الغضّ شيء سوى أنّ تحريم النظر وإيجاب الغض لأجل صيانة الناظر عن المفاسد المختلفة الّتي تترتب عليه، كما جاء ذلك صريحاً في رواية سعد الإسكاف عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: استقبل شاب من الأنصار امرأة بالمدينة وكان النساء يتقنعن خلف آذانهن، فنظر إليها وهي مقبلة، فلمّا جازت نظر إليها ودخل في زقاق قد سمّاه ببني فلان فجعل ينظر خلفها واعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشقّ وجهه، فلمّا مضت المرأة نظر فإذا الدماء تسيل على ثوبه وصدره، فقال: واللّه لآتينّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ولأخبرنّه، فأتاه فلمّا رآه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ما هذا؟ فأخبره فهبط جبرئيل(عليه السلام) بهذه الآية:(قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللّهَ خَبيرٌ بِمَا يَصْنَعُون)(2). (3)


1 . الأحزاب:59.

2 . النور:30.

3 . الوسائل:14، الباب104 من أبواب مقدمات النكاح، ح4.


صفحه 108

ترى: أنّ إيجاب الغضّ لأجل صالح الناظر دون غيره و ما جاء في الرواية شيء من المضاعفات التي يستعقبها النظر وليس فيها أيّ إيماء إلى أنّ إيجاب الغض لغاية صيانة كرامة المرأة.

ويؤيد ما ذكرنا، أي أنّ الملاك هو حفظ مصالح الناظر ومنها تحديد شهوته والحدّ عن فورانها، ما ورد عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث قال: «إذا جلست المرأة مجلساً فقامت عنه فلا يجلس في مجلسها رجل حتى يبرد».(1)

ولذلك نرى أنّ الشعراء الواعين قد لخّصوا هذه الحالات في شعرهم يقول الشاعر المصري:

نظرة، فإبتسامة، فسلام *** فـكلام، فموعد، فلقـاء

وكأنّه يشعر بأنّ النظر بعدها غمزة وبعد الغمزة إبتسامة وبعدها دنوّ وسلام، وبعدها كلام يُختم بالوعد واللقاء، وهكذا ينفتح باب الفساد.

وسيوافيك في آخر المقال ما يدعم ما اخترناه فانتظر.

وأمّا حفظ كرامتهن فهو من الدواعي الجانبية للتشريع الإسلامي.

ثانياً: أنّ المتبادر من الآية أنّ صيانتهنّ عن أذى أهل الريبة والمنافقين وقطع العذر عنهم سبب لإيجاب الستر و الحجاب، حتّى يُعرفن بالستر أنّهنّ حرائر لا إماء، وأمّا كون الصيانة سبباً لحرمة النظر والمسّ فلا تدلّ عليه الآية، وبعبارة أُخرى: حفظ كرامتهنّ علّة لإيجاب الستر وليس علّة لحرمة النظر والمس، حتّى ينتفيا بانتفائه.

ثالثاً: سلّمنا أنّ حفظ كرامتهنّ هو الملاك لحرمة النظر، وأمّا كونه هو الملاك لحرمة المسّ فلا يستفاد من الآية، لأنّ الكلام فيها يدور حول النظر، لا المسّ.


1 . الوسائل:14، الباب14 من أبواب مقدّمات النكاح، ح1.


صفحه 109

رابعاً: نفترض جواز النظر عند ارتفاع ملاكه وهو رفض المرأة كرامتها، ولكنّه لايكون دليلاً على جواز المسّ، لأنّ النظر أضعف من المسّ، والجواز في الأضعف لا يكون دليلاً على الجواز في الأقوى، ولذلك يقول العلاّمة في «التذكرة»: كلّ موضع يحرم فيه النظر فتحريم ا لمسّ أولى، لأنّه أقوى وأشدّ في التلذذ والاستمتاع من النظر.(1)

وقال في «الجواهر»: ثمّ لا يخفى عليك أنّ على موضع حكمنا فيه بتحريم النظر فتحريم اللمسّ فيه أولى كما صرّح به بعضهم، ولا أجد فيه خلافاً.(2)

والغرض من نقل الكلمتين هو إثبات أنّ الحرمة في المسّ أغلظ وآكد، فلا يُستدل بالجواز في الأضعف على الجواز في الأقوى.

الأمر الثاني

الأمر الثاني الّذي يمكن أن يكون قد استند إليه المجيب هو الروايات الواردة في خصوص جواز النظر إلى شعور نساء أهل الذمّة وأيديهنّ وشعور نساء الأعراب.

1. روى الكليني عن السكوني، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا حرمة لنساء أهل الذمّة أن يُنظر إلى شعورهنّ وأيديهن».(3)

2. في «قرب الإسناد» ما رواه الحميري عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) قال:«لا بأس بالنظر إلى رؤوس نساء أهل الذمّة».(4)


1 . التذكرة:2/575، الطبعة الحجرية.

2 . الجواهر:29/100.

3 . الوسائل:14، الباب112 من أبواب مقدّمات النكاح، ح1و 2.

4 . الوسائل:14، الباب112 من أبواب مقدّمات النكاح، ح1و 2.


صفحه 110

3. ما رواه الكليني عن عبّاد بن صهيب قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام) يقول:«لا بأس بالنظر إلى رؤوس أهل تهامة والأعراب وأهل السواد والعلوج، لأنّهم إذا نُهوا لا ينتهون(1) ـ قال ـ : والمجنونة والمغلوبة على عقلها لا بأس بالنظر إلى شعرها وجسدها ما لم يتعمد ذلك».(2)

يلاحظ على الاستدلال بها أُمور:

1. أنّ الروايات وإن كانت تعلّل جواز النظر بعدم الحرمة لنساء أهل الذمّة تارةً وعدم انتهائهنّ بالنهي ثانياً، لكن لو أخذنا بعموم التعليل يلزم إسراء الحكم (جواز النظر) إلى غير الموارد المذكورة; كالمسلمة السافرة الّتي إذا نهيت لا تنتهي. وأمّا إسراء الحكم إلى المسّ فلا، لأنّه من مقولة القياس وإسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر.

2. من أين عُلِم أنّ ما ذكر في الآية والرواية علّة الحكم، إذ من المحتمل أنّه حكمة للحكم، وإنّما يؤخذ بعموم العلّة لا بالحكمة، مثلاً: (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَّبَصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ في أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ...)(3)، فالمتبادر من الآية أنّ سبب التربّص لأجل الاطمئنان على وجود أو عدم وجود الحمل في الرحم، ومع ذلك فالاطمئنان حكمة الحكم لا علّته، ولذلك يجب التربّص على المرأة العقيم، والّتي لم يمسّها الزوج عدّة أشهر إلى غير ذلك. فإثبات أنّ ما ذكر علّة لا حكمة يحتاج إلى دليل.

3. لو سلمنا أنّه علّة لكن من أين ثبت أنّه تمام العلّة، إذ يحتمل أن يكون


1 . تذكير الضمائر باعتبار (أهل تهامة).

2 . الوسائل:14، الباب113 من أبواب مقدّمات النكاح، ح1.

3 . البقرة:228.


صفحه 111

جزء العلّة والجزء الآخر لحرمة المسّ والنظر هو صيانة المصافح عن إثارة الشهوة وعدم الافتتان، كما هو الظاهر من قوله سبحانه:(وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ).(1)

4. المتبادر من الروايات أنّ السبب الوحيد أو الجزء الأقوى لإيجاب الحجاب والستر وحرمة النظر والمسّ هو صيانة المجتمع من فوران الشهوة، وإذا كنت في شكّ من ذلك فلاحظ الروايات التالية:

1. روى الكليني عن علي بن عقبة، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، وكم من نظرة أورثت حسرة طويلة».(2)

2. وروى في «الوسائل» عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها للّه عزّ وجلّ لا لغيره أعقبه اللّه أمناً وإيماناً يجد طعمه».(3)

إلى غير ذلك من الروايات في هذا المضمار.

هذا ونكمل المقال بذكر أمرين:

الأوّل: أنّ ما ذكره من التحليل لو صحّ فإنّما يتم في المجتمعات الغربية حيث إنّ المرأة لها تلك الذهنية، وأمّا المرأة المسلمة الّتي تعيش في المجتمعات الإسلامية فليس لها تلك الذهنية إلاّ الشاذة من النساء، ومن المعلوم أنّ سلوك الشواذ لا يعطي للموضوع عرفيّة عامة حتّى يكون تلقّيها لعدم المصافحة إهانة


1 . الأحزاب:53.

2 . الوسائل:14، الباب104 من أبواب مقدّمات النكاح، ح1.

3 . الوسائل:14، الباب104 من أبواب مقدمات النكاح، ح5.


صفحه 112

سبباً لانقلاب الحرمة إلى الجواز.

الثاني: الرجاء من المجيب المحترم التأمّل في ما كتبته وقدّمته إليه فإن وجد فيه هفوة فليعلمني به، وإن وجده حقّاً فليعمل على ضوء وظيفته بإخبار الآخرين بتبدّل رأيه.

واللّه سبحانه هو الهادي إلى الصراط المستقيم

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

الثامن عشر من شهر شوال المكرم من شهور عام 1424هـ


صفحه 113

الفصل الثاني

أُصول الفقه

1. دور العقل في استنباط الحكم الشرعي

2. مسلك حق الطاعة

3. الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري

4. دلالة الظواهر على معانيها قطعية أو ظنية


صفحه 114

صفحه 115

1

دور العقل في استنباط

الحكم الشرعي

المشهور عند الأُصوليّين من أصحابنا انحصار الأدلّة في أربعة، أعني: الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، ويعبّر عنها في كلماتهم بالأدلّة الأربعة الّتي ربما يقال: إنّها الموضوع لعلم الأُصول وأنّه يبحث فيه عن عوارضها.

ولأجل ذلك تَرى أنّهم عقدوا لكلّ واحد منها باباً أو فصلاً مستقلاً بحثوا فيه عن عوارضه وخصوصيّاته.

فهذا هو المحقّق القمي (1151ـ 1231هـ)، الّذي نهج في تأليف كتابه «القوانين المحكمة» منهج«مقدّمة معالم الدين» للشيخ حسن بن زين الدين العاملي (959ـ 1011هـ)، قد عقد لكلّ من الأدلّة الأربعة باباً واستقصى الكلام عليها، وإليك الإشارة إلى عناوينها:

قال: «الباب السادس في الأدلّة الشرعية، وفيه مقاصد:

المقصد الأوّل: في الإجماع...(1) المقصد الثاني: في الكتاب...(2)، المقصد


1 . القوانين المحكمة:1/364، 392.

2 . القوانين المحكمة:1/393ـ 408.


صفحه 116

الثالث: في السنّة، وهو قول المعصوم أو فعله(1)، المقصد الرابع: في الأدلّة العقلية، والمراد من الدليل العقلي هو حكم عقلي يتوصل به إلى الحكم الشرعي، وينتقل من العلم بالحكم العقلي إلى الحكم الشرعي».

وقد طرح فيه قاعدة التحسين والتقبيح العقليّين، وإن خلط بين الحكم العقلي القطعي كالقاعدة، والحكم العقلي الظنّي كالاستصحاب على طريقة القدماء.

وهذا هو المحقّق محمد حسين المعروف بصاحب الفصول (المتوفّى 1255هـ) قد مشى في كتابه في ضوء «القوانين المحكمة»، فخصّ كلاً من الأدلّة الأربعة بالبحث وأفرد لكلّ باباً، وإليك عناوينها:

«المقالة الثانية في الأدلّة السمعية:

القول في الكتاب.(2) القول في الإجماع.(3) الكلام في الخبر(السنّة).(4) المقالة الثالثة في الأدلّة العقلية».(5)

وقد خلط في المقالة الثالثة كصاحب القوانين الدليل العقلي القطعي بالعقلي الظني، وجعل الجميع في مصاف واحد، ولكنّه أشبع الكلام في القسم القطعي.

كما أنّ الشيخ الأنصاري (1214ـ 1281هـ) خصّ الأدلّة العقلية في «مطارح الأنظار» بالبحث وأفردها عن غيرها، وأفاض في الكلام على التحسين


1 . القوانين المحكمة:1/409ـ 496.

2 . الفصول :240ـ 242.

3 . الفصول:242ـ 264.

4 . الفصول:264ـ 316.

5 . الفصول:317ـ 384.


صفحه 117

والتقبيح العقلي وغيرهما.(1)

هذا هو ديدن الأُصوليّين المتأخّرين وقريب منه ديدن القدماء.

مثلاً عقد الشيخ الطوسي (385ـ 460هـ) باباً للأخبار.(2) كما عقد باباً خاصاً للإجماع.(3) وأفرد فصلاً لما يعلم بالعقل والسمع.(4)

ولمّا وصلت النوبة للمحقّق الخراساني (1255ـ 1329هـ)، حاول تلخيص علم الأُصول، فغيّر إطار البحث، فلم يعقد لكلّ دليل من الأدلّة الأربعة باباً خاصاً واضحاً، فقد أدخل البحث عن حجّية الكتاب، في فصل حجّية الظواهر كتاباً كانت أو سنّة، كما أدرج البحث عن الإجماع في البحث عن حجّية الإجماع المنقول بخبر الواحد، وأدغم البحث عن السنّة في حجّية الخبر الواحد، وترك البحث عن حجّية العقل بتاتاً، بل ركّز على نقد مقال الأخباريّين في عدم حجّية القطع الحاصل من الدليل العقلي، دون أن يبحث في حجّية العقل في مجال الاستنباط وتحديد مجاريه، وتمييز الصحيح عن الزائف، وصار هذا سبباً لاختفاء الموضوع على كثير من الدارسين.

وقد كان التركيز على الأدلّة الأربعة بما هي هي أمراً رائجاً بين الأُصوليّين، سواء أصحّ كونها موضوع علم الأُصول أم لا.

وهذا هو فقيه القرن السادس محمد بن إدريس الحلّي (543ـ 598هـ) يذكر الأدلّة الأربعة في ديباجة كتابه ويحدّد موضع كلّ فيها، ويقول: فإنّ الحقّ لا يعدو أربع طرق: إمّا كتاب اللّه سبحانه، أو سنّة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) المتواترة المتفق عليها،


1 . لاحظ مطارح الأنظار:233ـ 239.

2 . عدة الأُصول:1/63ـ 155.

3 . عدة الأُصول:2/601ـ 639.

4 . عدة الأُصول:2/759ـ 762.


صفحه 118

أو الإجماع، أو دليل العقل; فإذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في المسائل الشرعية عند المحقّقين الباحثين عن مأخذ الشريعة، التمسّك بدليل العقل فيها، فإنّها مبقاة عليه وموكولة إليه، فمن هذا الطريق يوصل إلى العلم بجميع الأحكام الشرعية في جميع مسائل أهل الفقه، فيجب الاعتماد عليها والتمسّك بها، فمن تنكّب عنها عسف وخبط خبط عشواء وفارق قوله من المذهب.(1)

إذا عرفت ذلك فلنقدم أمام البحث عن حجّية العقل أُموراً تسلط الضوء على الموضوع.


1 . السرائر:1/46.


صفحه 119

1

العقل كاشف وليس بمشرّع

إنّ الشيعة الإمامية أدخلت العقل في دائرة كشف الحكم، حيث يُستكشف به الحكم الشرعي في مجالات خاصة كما يُستكشف بسائر الأدلّة من الكتاب والسنّة والإجماع.

وليس معنى ذلك إطلاق سراحه في جميع المجالات بحيث يُستغنى به عن الشرع، بل للعقل مجالات خاصة لا يصلح له الكشف إلاّ فيها، وسيوافيك بيان تلك المجالات.

ويراد من حجّيّة العقل كونه كاشفاً لا مشرّعاً، فإنّ العقل حسب المعايير الّتي يقف عليها، يقطع بأنّ الحكم عند اللّه سبحانه هو ما أدركه، وأين هذا من التشريع أو من التحكُّم والتحتم على اللّه سبحانه، كما ربّما نسمعه من بعض الأشاعرة، حيث يزعمون أنّ القائلين بحجّية العقل في مجالات خاصة يُحكِّمون العقل على اللّه، ولكنّهم غفلوا عن الفرق بين الكشف والحكم، فإنّ موقف العقل في هذه المسائل هو نفس موقفه في الإدراكات الكونية، فإذا حكم بأنّ زوايا المثلث تساوي مائة وثمانين درجة، فمعناه: أنّه يكشف عن واقع محقّق ومحتّم قبل حكم


صفحه 120

العقل، فهكذا المورد فلو حكم بأنّ العقاب بلا بيان قبيح، فليس معناه: أنّه يحكم على اللّه سبحانه بأن لا يُعذّب الجاهلَ غير المقصّر، بل المراد: أنّ العقل من خلال التدبّر في صفاته سبحانه ـ أعني: العدل والحكمة ـ يستكشف أنّ لازم ذينك الوصفين الثابتين للّه سبحانه، هو عدم عقاب الجاهل.

وكنّا نسمع من روّاد منهج التفكيك بين العقل والشرع أنّ روّاد الفلسفة يحتّمون على اللّه أن يحكم بالوجوب واللزوم و... وأنّ عمل الفيلسوف هو الحكم على اللّه، غافلين عن أنّ عمله هو الاستكشاف، فلو قال: «واجب الوجود بالذات واجب من جميع الجهات» إنّما يخبر عن تلك الحقيقة بالبرهان الّذي أرشده إليها، فيستنتج من ذلك أنّه سبحانه واجب في علمه وقدرته كما أنّه واجب في فعله وخلقه.

وليس الإشكال أمراً جديداً فقد سبقهم الرازي وقال: لا يجب على اللّه تعالى شيء عندنا ـ خلافاً للمعتزلة ـ فانّهم يوجبون اللطف والعوض والثواب. والبغداديّون خاصّة يوجبون العقاب، ويوجبون الأصلح في الدنيا.

بين الإيجاب المولوي والإيجاب الاستكشافي

لا شكّ أنّه ليس لأحد أن يكلّف اللّه سبحانه بشيء ويحكم عليه باللزوم والوجوب، لأنّه سبحانه فوق كلّ مكلّف، ولا فوقه أحد، ومع ذلك كلّه فربما يأتي في كلام المتكلّمين بأنّه يجب على اللّه سبحانه أن لا يعذّب البريء. غير أنّ أهل الحديث واتباع السلفية لم يفرّقوا بين الإيجاب المولوي والإيجاب الاستكشافي، فالذي هو باطل لا يتفوّه به أيّ إنسان موحّد، هو الإيجاب المولوي، فإنّه سبحانه مولى الجميع والناس عباد له، وأمّا الايجاب الاستكشافي بمعنى أنّ العقل


صفحه 121

يستكشف من خلال صفاته سبحانه ككونه حكيماً عادلاً قادراً، أنّه سبحانه لا يعذّب البريء فالقول بأنّه يجب على اللّه سبحانه بمعنى الملازمة بين حكمته وعدله وعدم تعذيب البريء، وليس استكشاف العقل في المقام بأقلّ من استكشاف الأحكام الكونية حيث يحكم بأنّ زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين، فزوايا المثلث في الخارج موصوفة بهذا المقدار والكميّة، ولكن العقل يستكشف ذلك.

وبذلك يظهر أنّ ما أطنب به أتباع السلفية حول الأحكام العقلية إطناب بلا طائل، وتفسير بما لا يرضى به صاحبه، فقالوا:

أوجب العدلية على اللّه تعالى أشياء بمحض عقولهم، وإن لم ترد بها الشريعة.

بل أوجبوا على اللّه أشياء مخالفة للصحيح الصريح من نصوص الكتاب والسنّة، و لا شكّ أنّ هذا الإيجاب العقلي من المعتزلي على اللّه باطل، لأنّه يلزم عليه أن يكون هناك موجب فوق اللّه أوجب عليه شيئاً، ولا موجب عليه سبحانه وتعالى، كما يلزم عليه أن يكون تعالى فاعلاً مختاراً، وهو باطل.(1)

وقد أجاب عنه المحقّق نصير الدين الطوسي وقال: ليس هذا الوجوب بمعنى الحكم الشرعي كما هو المصطلح عند الفقهاء، بل هذا الوجوب بمعنى كون الفعل بحيث يستحقّ تاركه الذمّ، كما أنّ القبيح بمعنى كون الفعل بحيث يستحقّ فاعله الذمّ. والكلام فيه هو الكلام في الحسن والقبح بعينه ويقولون إنّ القادر العالم الغني لا يترك الواجب ضرورة.(2)


1 . مدارج السالكين:1/66.

2 . نقد المحصل:342.


صفحه 122

والعجب أنّ بعض أتباع السلفيّة يحكم على اللّه سبحانه بنفس ما يحكم به العدليّة وكأنّه غفل عمّا عليه سلفه.

قال: والحقّ أنّ الظلم ممكن مقدور عليه واللّه تعالى منزّه عنه، لا يفعله لعلمه وعدله، لا لكونه مستحيلاً عليه كما تقوله الأشاعرة، ولا لمجرّد القبح العقلي كما تقوله المعتزلة، فهو لا يحمل على أحد ذنب غيره، كما قال تعالى: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)(1) وقال: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً).(2)

فعقوبة الإنسان بذنب غيره ظلم ينزّه عنه اللّه تعالى.(3)


1 . الإسراء:15.

2 . طه:112.

3 . منهاج السنّة:2/309.


صفحه 123

2

تضافر الروايات على حجّيّة العقل

تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) على حجّيّة العقل، نأتي بنصّين ونحيل الباقي إلى مصادرها.(1)

قال الإمام الصادق(عليه السلام):«حجة اللّه على العباد النبي، والحجّة في ما بين العباد وبين اللّه العقل».(2)

وقال الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) مخاطباً هشام بن الحكم: «يا هشام إنّ للّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة، وحجّة باطنة; فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمّة، وأمّا الباطنة فالعقول»(3). وتخصيص ما دلّ على حجّية العقل بالمعارف والعقائد، تخصيص بلا وجه.

وأمّا الآيات الدالّة على حجّية العقل في مجالات خاصّة فسيوافيك نقل قسم منها عند البحث عن التحسين والتقبيح العقليّين.


1 . الكافي:1/10ـ 29، كتاب العقل والجهل.

2 . الكافي:1/25، الحديث22.

3 . الكافي: 1/16، الحديث12.


صفحه 124

3

الإدراك النظري والإدراك العملي

قسّم الحكماء الإدراك العقلي إلى: إدراك نظري، وإدراك عملي.

فالأوّل: إدراك ما ينبغي أن يُعلم، كإدراك وجود الصانع وصفاته وأفعاله.

والثاني: إدراك ما ينبغي أن يُعمل، كإدراكه حسن العدل وقبح الظلم، وحسن رد الوديعة وقبح الخيانة فيها، وحسن العمل بالميثاق وقبح نقضه، إلى غير ذلك من العلوم الإدراكية الّتي يستعملها العقل في حياته ومعاشه.

فبذلك يعلم أنّ المقسّم إلى قسمين(النظري والعملي) هو إدراك العقل لا نفس العقل، فليس لنا عقلان أحدهما نظري و الآخر عملي، بل عقل واحد تارة يدرك ما من شأنه أن يُعلم، وأُخرى ما من شأنه أن يعمل.

فالفيلسوف والمتكلّم يعتمدان على العقل النظري في المسائل النظرية الّتي يعبّر عنها بالإلهيّات، فبالعقل يَعرفُ العبدُ إلهه وصفاته وأفعاله، كما أنّ الفقيه والأخلاقي يعتمدان على العقل العمليّ في موارد من الفقه والأخلاق.

ومن العجائب أنّ طائفة من المسلمين ألغوا دور العقل في العقائد والأحكام واعتمدوا في كلا الموردين على النقل، مع أنّه ما لم تثبت حجّية النقل عن


صفحه 125

طريق العقل كيف يمكن الاعتماد على النقل؟!

إنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) أعطوا للعقل أهمية كبيرة، فهذا هو الإمام أبو جعفر الباقر(عليه السلام) يقول:«إنّ اللّه لمّا خلق العقل استنطقه ـ إلى أن قال: ـ و عزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ منك، ولا أكملتك إلاّ في مَن أُحب، أما إنّي إيّاك آمر وإيّاك أنهى، وإيّاك أُعاقب وإيّاك أُثيب».(1)

إذا علمت هذه الأُمور الثلاثة فلندخل في صلب الموضوع وهو تحديد مساحة حجّية العقل والبرهنة على حجّيته فيها.

أقول: إنّ للعقل مجالات خاصة هو فيها حجّة بلا كلام.


1 . الكافي:1/10، كتاب العقل والجهل، الحديث1.


صفحه 126

1

مجال التحسين والتقبيح

إذا استقلّ العقل بحسن فعل بما هو فعل صادر عن الفاعل المختار أو قبحه، وتجرّد في قضائه عن كلّ شيء (عن أمر الشارع ونهيه وحتّى الآثار الّتي تترتب على الشيء، كقوام النظام الإنساني بالعدل وانهياره بممارسة الظلم) إلاّ النظر إلى نفس الفعل، فهل يكون حكم العقل كاشفاً عن حكم الشرع؟ نظير استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، وحسنه معه، فهل يستكشف منه أنّ حكم الشرع كذلك؟ والجواب: نعم، وذلك لأنّ الحكم المزبور من الأحكام البديهيّة للعقل العملي.

فإذا عرض الإنسان العدلَ والظلم على وجدانه وعقله، يجد في نفسه نزوعاً إلى العدل وتنفرّاً من الظلم، وهكذا كلّ فعل يصدق عليه أحد العنوانين، وهذا من الأحكام العقلية النابعة من صميم العقل وليس متأثراً بالجوانب اللاشعورية أو الغرائز الحيوانية أو العواطف الإنسانية، أو الآثار البنّاءة أو الهدامة لهما، يقول العلاّمة الحلّي:

«إنّا نعلم بالضرورة حسن بعض الأشياء وقبح بعضها من غير نظر إلى


صفحه 127

شرع، فإنّ كلّ عاقل يجزم بحسن الإحسان ويمدح عليه، ويُقبِّح الإساءة والظلم ويذمّ عليه، وهذا حكم ضروري لا يقبل الشكّ وليس مستفاداً من الشرع لحكم البراهمة والملاحدة به من غير اعتراف منهم بالشرائع».

ويقول أيض(1)اً في كتاب آخر: إنّ من الأفعال ما هو معلوم الحُسن والقبح بضرورة العقل، كعلمنا بحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار، فكلّ عاقل لا يشكّ في ذلك، وليس جزمه بهذا الحكم بأدون من الجزم بافتقار الممكن إلى السبب، وأنّ الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية.(2)

ومن حسن الحظ انّ الذكر الحكيم يشير إلى موقف العقل من إدراك تحسين الأشياء وتقبيحها، فترى أنّه يحتج في موارد بقضاء فطرة الإنسان بحسن بعض الأفعال، وفي الوقت نفسه يقبّح بعضها على وجه يسلِّم بأنّ الفطرة الإنسانية صالحة لهذين الإدراكين، ولذلك يتخذ وجدان الإنسان قاضياً صادقاً في قضائه ويقول:

1. ( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقينَ كَالْفُجَارِ).(3)

2.(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).(4)

3. (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ).(5)

ففي هذه الطائفة من الآيات يوكل الذكرُ الحكيم القضاءَ إلى وجدان


1 . كشف المراد المطبوع مع تعاليقنا:59.

2 . نهج الحق وكشف الصدق:83.

3 . سورة ص:28.

4 . القلم:35ـ 36.

5 . الرحمن:60.


صفحه 128

الإنسان، وانّه هل يسوّي بين المفسدين والمتّقين، والمسلمين والمجرمين، كما يتّخذ من الوجدان قاضياً، ويقول:(مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)ويقول أيضاً: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ).

وهناك آيات أُخرى تأمر بالمعروف كالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وتنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي على نحو تسلِّم أنّ المخاطب يعرفهما معرفة ذاتية، ولا يحتاج في تعرفهما إلى الشرع، وكأنّ الشرع يؤكد ما يجده الإنسان بفطرته.

ويقول سبحانه:

1. (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).(1)

2.(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ).(2)

3. (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ).(3)

نظرية الأشاعرة

ثمّ إنّ الأشاعرة عطَّلوا دور العقل في درك لحسن والقبح، فقالوا: إنّ المرجع في الحسن والقبح هو الشرع، فما حسّنه الشارع فهو حسن، وما أخبر عن قبحه فهو قبيح، وليس للعقل المقدرة على تمييز الحسن عن القبيح.

هذا، وقد ذهلوا عن أنّ القول بكون الحسن والقبح شرعيين، وأنّهما لا يثبتان إلاّ بالشرع، يستلزم عدم ثبوتهما حتّى بالشرع أيضاً، وذلك لأنّه إذا كان العقل عاجزاً عن درك محاسن الأفعال ومساوئها ومن ثمّ «عن حسن الصدق»


1 . النحل:90.

2 . الأعراف:33.

3 . الأعراف:157.


صفحه 129

و«قبح الكذب»، فمن أين نعلم أنّ الشارع صادق في إخباره؟ لأنّه لم يثبت بعدُ حسن الصدق ولا قبح الكذب، فإذا أخبرنا عن شيء أنّه حسن، لم نجزم بحسنه حتّى عند الشرع، لتجويز الكذب عليه.

والحاصل: أنّه لو لم نعرف حسن الأفعال وقبحها شرعاً إلاّ عن طريق إخبار الأنبياء، فإذا قالوا: الصدق حسن والكذب قبيح، لا يحصل لنا العلم بصدق القضية، إذ نحتمل أن يكون المخبر كاذباً.

ولو قيل: إنّه سبحانه شهد على صدق مقالة أنبيائه، فنقول: إنّ شهادته سبحانه لم تصل إلينا إلاّ عن طريقهم، فمن أين نعلم صدقهم في كلامهم هذا؟

أضف إلى ذلك من أين نعلم أنّه سبحانه ـ و العياذ باللّه ـ لا يكذب؟

فهذه الاحتمالات لا تندفع إلاّ باستقلال العقل ـ قبل كلّ شيء ـ بحسن الصدق وقبح الكذب، وأنّه سبحانه منزّه عن القبح....(1)

وربّما يعترض عليه بأنّ ما ذكر من التالي (عدم ثبوت الحسن والقبح مطلقاً حتّى بالشرع لو كان الطريق منحصراً بالسماع من الشرع) إنّما يصحّ إذا انحصر الطريق بإخباره المحتمل فيه الصدق والكذب، وأمّا لو كان الطريق هو أمره ونهيه فلا يتطرّق إليه احتمال الكذب، لأنّه والصدق من أوصاف الإخبار لا الإنشاء.

وهذا هو ما ذكره القوشجي معترضاً به على المحقّق الطوسي وقال: إنّ الحسن والقبح عبارة عن كون الحسن متعلّق الأمر والمدح، والقبيح متعلق النهي والذمّ.(2)

ويلاحظ عليه: أنّ احتمال الكذب في الإنشاء وإن كان منتفياً، لكنّ هنا


1 . لاحظ كشف المراد:59، المطبوع مع تعاليقنا.

2 . شرح التجريد للقوشجي:442، طبعة تبريز.


صفحه 130

احتمالاً أو احتمالات تمنع من استكشاف الحسن والقبح، من مجرّد سماع الأمر بشيء والنهي عنه، إذ من المحتمل أن يكون الشارع عابثاً في أمره ونهيه، ولو قال: إنّه ليس بعابث، لا يثبت به نفي احتمال العبث عن فعله وكلامه; لاحتمال كونه هازلاً أو كاذباً في كلامه.

فلأجل ذلك يجب أن يكون بين الإدراكات العقلية شيء لا يتوقّف درك حسنه وقبحه على شيء، وأن يكون العقل مستقلاً في دركه، وهو حسن العدل وقبح الظلم وحسن الصدق وقبح الكذب، حتّى يستقلّ العقل في ظلِّه بإدراك أنّ كلّ ما حكم به الشرع فهو صادق في إخباره أو مريد لا هازل في إنشائه، فيثبت عندئذ أنّ ما تعلّق به الأمر حسن شرعاً، وما تعلّق به النهي قبيح شرعاً، وهذا ما يهدف إليه المحقّق الطوسي من أنّه لولا استقلال العقل بإدراك حسن أو قبح بعض الأفعال ما ثبت حسن ولا قبح بتاتاً.

بعض الأحكام المستنبطة من هذا الأصل

إنّ هذا الأصل الّذي عليه العدلية، يحتجّ به في الأُصول في ا لموارد التالية:

1. البراءة من التكليف المحتمل; لقبح العقاب بلا بيان.

2. الاشتغال بالتكليف عند العلم الإجمالي وتردّد المكلّف فيه بين أمرين، لحكمه بأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية وحسن عقوبة من لم يخرج عن عهدة التكليف القطعي على وجه اليقين.

3. الإتيان بالمأمور به مُجز عن الإعادة والقضاء، لقبح بقاء الأمر بعد الامتثال.

4. مرجّحات باب التزاحم.


صفحه 131

إنّ مرجّحات باب التزاحم كلّها من باب تقديم الأهمّ على المهم، وإليك عناوينها:

أ. تقديم مالا بدل له على ما له بدل.

ب. تقديم المضيّق على الموسّع.

ج. تقديم أحد المتزاحمين على الآخر لأهميته.

د. سبق امتثال أحد الحكمين زماناً.

هـ. تقديم الواجب المطلق على المشروط.

إلى غير ذلك من الموارد الّتي يستقل العقل فيها بحسن الفعل وقبح ضدّه، فيستكشف منه كونه كذلك عند الشارع.

ثمّ إنّ الحكم الشرعي المستنبط من حسن الأفعال أو قبحها، يكون حكماً إلزامياً دائراً بين الإلزام بالفعل أو الإلزام بالترك، ولذلك تكون الأحكام المستنبطة بالعقل منحصرة في حكمين: الوجوب أو الحرمة.

وذلك لأنّ العناوين المحسنة أو المقبحة ـ بحكم وجوب انتهاء كلّ ما بالعرض إلى ما بالذات ـ تنتهي إلى العدل والظلم، فإذا كان الفعل حسناً عند العقل فانّما هو لانطباق عنوان العدل عليه، فيكون خلافه ظلماً، ومعه كيف يكون جائز الترك (المستحب) أو كان الفعل قبيحاً، فإنّّما هو لانطباق عنوان الظلم عليه، ومعه كيف يكون جائز الفعل (المكروه) ولذلك حصر المتكلّمون الأحكام الشرعية المستنبطة من العقل في حكمين: الوجوب والحرمة.

وأمّا تقسيم الأحكام الشرعية إلى أقسام خمسة، فهو وإن كان صحيحاً لكن لا بملاك الحسن والقبح، بل بملاك المصلحة أو المفسدة الملزمة وغيرها، وهذا لا يمنع أن يكون في مورد الوجوب والحرمة ملاكان: الحسن العقلي والمصلحة الملزمة،


صفحه 132

أو القبح العقلي والمفسدة.

وهناك إجابة أُخرى نشير إليها وهي:

إنّ الأحكام المستنبطة من الحسن والقبح حسب الثبوت وإن كانت أربعة; لاختلاف درجات الحسن والقبح، فالدرجة العالية من الحسن تقتضي الوجوب والمتوسطة تقتضي الاستحباب، وهكذا القبح فالدرجة القوية منه تلازم الحرمة والدرجة الضعيفة تلازم الكراهة، إلاّ أنّ هذا صحيح حسب الثبوت، وأمّا حسب الإثبات فلا; لأنّ الحسن والقبح من المستقلات العقلية، والعقل لا يدرك إلاّ ما كان لازم الفعل أو لازم الترك، وأمّا ما وراء ذلك فهو وإن صحّ واقعاً، لكن ليس للعقل إليه سبيل.

والحاصل: أنّ الضيق: إنّما هو في إدراك العقل للحسن والقبح، والعقل لا يدرك إلاّ ما كان لازم الفعل أو لازم الترك، كالإحسان لمن أحسن وعدم الإساءة إليه، والعمل بالميثاق وعدم نقضه، إلى غير ذلك من العناوين التي يقف عليها العقل، فلا يستنبط منه إلاّ الحكم الإلزامي.


صفحه 133

2

في مجال الملازمات

إنّ باب الملازمات هو المجال الثاني لحكم العقل، فإذا أدرك العقل الملازمة بين الوجوبين أو الحرمتين وورد أحد الوجوبين في الشرع دون الآخر، يحكم العقل بالوجوب الثاني بناء على وجود الملازمة بين الحكمين، فاستكشاف الحكم الشرعي رهن ثبوت الملازمة بين الحكمين، وإليك نماذج من هذا:

1. الملازمة بين الوجوبين، كوجوب الشيء ووجوب مقدّمته.

2. الملازمة بين الحرمتين، كحرمة الشيء وحرمة مقدّمته.

3. الملازمة بين وجوب الشيء وحرمة ضدّه، كوجوب المضيق وحرمة الموسّع عند التزاحم.

4. الملازمة بين النهي عن العبادة وفسادها.

5. الملازمة بين النهي عن المعاملة وفسادها.

6. الملازمة بين وجود الحكم لدى وجود الشرط والوصف و... والانتفاء لدى الانتفاء.

إلى غير ذلك ممّا يدخل أبواب الملازمة الموصوفة عندهم بالملازمات غير


صفحه 134

المستقلة، فانّ الحكم المستكشف في هذه الموارد عن طريق الملازمة، حكم شرعي نظير:

1. وجوب مقدّمة الواجب.

2. حرمة مقدّمة الحرام.

3. حرمة الضدّ الموسّع المزاحم للمضيق كالصلاة عند الابتلاء بإزالة النجاسة عن المسجد، أو أداء الدين الحال.

4. فساد العبادة المنهي عنها، كالصوم في السفر.

5. فساد المعاملات المنهي عنها كبيع الخمر.

إلى غير ذلك من الموارد الّتي توصف بباب الملازمات غير المستقلة، وفي الفقه الشيعي والأُصول دور كبير لباب الملازمات، فمن مثبت وناف ومفصِّل.

قال المحقّق السيد علي القزويني معلّقاً على قول المحقّق القمي: «ومنها ما يحكم به العقل بواسطة خطاب الشرع كالمفاهيم والاستلزامات»: أي بملاحظته كحكمه بوجوب المقدّمة بملاحظة الخطاب بذي المقدّمة، وبحرمة الضد، بملاحظة الخطاب بالمأمور به المضيق، وبالانتفاء عند الانتفاء بملاحظة الخطاب المعلّق على شرط أو وصف أو غيرهما، لئلا يلغو التعليق وذكر القيد ويسمّى بالاستلزامات العقلية كحكم العقل باستلزام إيجاب الشيء وجوب مقدّماته واستلزام الأمر بالشيء حرمة ضدّه، واستلزام الوجود عند الوجود، والانتفاء عند الانتفاء، فالمفاهيم أيضاً مندرجة في الاستلزامات.(1)

إلى هنا تبيّن حجّية حكم العقل في المجالين:

1. مجال التحسين والتقبيح ويسمّى بالملازمات المستقلة.


1 . تعليقة السيد علي القزويني المطبوعة على هامش القوانين. لاحظ القوانين:2/1، قسم الحواشي.


صفحه 135

2. مجال الملازمات غير المستقلة.

ووجه تسمية الأوّل بالمستقلات والثاني بغيرها، هو: انّ إدراك الموضوع والحكم في الأوّل، راجع إلى العقل ولا يستعين في حكمه بالشرع، بل يدرك الموضوع ويصدر الحكم، كقولنا: العدل حسن والظلم قبيح، بخلاف القسم الثاني، فإنّه في حكمه يستعين بالشرع، فإنّ الشارع هو المعيّن للموضوع، مثلاً يقول: إنّ الوضوء مقدمة للواجب، والعقل يُصدر الحكم ويقول: مقدمة الواجب واجبة، ومثله سائر الموارد.


صفحه 136

3

في مجال تنقيح المناط

إذا اقترن الموضوع في لسان الدليل بأوصاف وخصوصيات لا يراها العرف دخيلة في الموضوع ويعدّها من قبيل المثال، كما إذا ورد في السؤال: رجل شكّ في المسجد بين الثلاث والأربع، فأُجيب بأنّه يبني على كذا، فإنّ السائل وإن سأل عن الرجل الّذي شكّ في المسجد، لكنّ العرف يعدّ تلك القيود مثالاً، لا قيداً للحكم، فيعمّم الحكم على الرجل والأُنثى ومن شكّ في المسجد والبيت.

إنّ تنقيح المناط الّذي يساعد عليه الفهم العرفي ممّا لا إشكال فيه، ولا صلة له بالقياس; إذ لا أصل ولا فرع، بل الحكم في نظر المخاطب يعمّ الرجل والأُنثى، والشاك في المسجد والبيت، مرة واحدة.

ومن هذا القبيل قصة الأعرابي الّذي قال: هلكتُ يا رسول اللّه، فقال له: ما صنعت؟ قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان، قال: اعتق.(1)

والعرف ربما يساعد على إلغاء القيدين التاليين وعدم مدخليتهما في الحكم:


1 . صحيح مسلم:3/138ـ 140، كتاب الصيام، الحديث 187، وقد روي بطرق مختلفة مع اختلاف يسير في المتن.


صفحه 137

1. كونه أعرابياً.

2. الوقوع على الأهل.

فيعمّ البدوي والقروي، والوقوع على الأهل وغيره، وصيام شهر رمضان وغيره، فيكون الموضوع من واقع نهار شهر رمضان وهو صائم.

إنّ تنقيح المناط من المزالق للفقيه، إذ ربما يُلغي بعض القيود باستحسان أو غيره، مع عدم مساعدة العرف عليه، فعليه الاحتياط التام في تنقيح موضوع الحكم والاقتصار على ما يساعد عليه فهم العرف من إلغاء القيد، وإن شكّ في مساعدة العرف على الإلغاء وعدمها، فليس له تعميم الحكم.

وعلى كلّ حال، فهذه التعميمات، لا صلة لها بالقياس، وإنّما هي استظهار من مفاد الدليل واستنطاقه حسب الفهم العرفي.

وهذا ما يعبر عنه في الفقه الإمامي، بإلغاء الخصوصية، أو مناسبة الحكم والموضوع، مضافاً إلى التعبير عنه بـ«تنقيح المناط».(1)


1 . الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف:2/441ـ 442.


صفحه 138

4

في مجال تخريج المناط

إذا قضى الشارع بحكم في محل من دون أن ينصّ على مناطه، فهل للعقل أن يستحصل مناط الحكم غير المذكور في النص حتّى يُعمِّم الحكم في ضوء المناط؟

وهذا هو الأمر الرائج في فقه السنّة، الممنوع في فقه الشيعة، وقد ذكروا لاستخراج المناط طرقاً سبعة، والمهم منها هو استنباط العلة عن طريق السبر والتقسيم.

والسبر في اللغة هو الامتحان، وتقريره: أن تُحصر الأوصاف الّتي توجد في واقعة الحكم وتصلح لأن تكون العلّة واحدة منها، ويختبرها وصفاً وصفاً في ضوء الشروط الواجب توفّرها في العلّة، وأنواع الاعتبار الّذي تعتبر به، وبواسطة هذا الاختبار تستبعد الأوصاف الّتي لا يصحّ أن تكون علّة وتُستبقى الّتي يصحّ أن تكون علّة، وبهذا الاستبعاد وهذا الاستبقاء يتوصّل إلى أنّ هذا الوصف هو العلّة.

أقول: إنّ السبر والتقسيم إنّما يوجب القطع بالمناط في موردين:

1. إذا كان المورد في وضوح المناط من مقولة تحريم الخمر، فلو افترضنا أنّه


صفحه 139

لم يرد فيه نصّ على علّة الحكم، فأخذ المجتهد يردّد العلّة بين كونها من العنب، أو كونها سائلاً، أو كونها ذا لون خاص، أو كونها مسكراً، وعندئذ يستبعد كلّ واحدة من العلل إلاّ الأخيرة، فيحكم بأنّها العلّة، ثمّ يقيس كلّ مسكر عليها، وهذا النوع من المناط خاص بالخمر وما هو نظيرها في الموضوع، لكن أكثر موارد القياس يفقد هذا النوع من الاطمئنان، وأكثر من يحتج على صحّة تخريج المناط يُمثل بالخمر الّذي لا يشكّ الإنسان بعد التأمّل في أنّ مناط تحريمها هو الإسكار، فأين هو من سائر الموارد المبهمة؟!

2. التقسيم إذا كان دائراً بين النفي والإثبات يفيد اليقين، كقولك: العدد إمّا زوج أو فرد، والحيوان إمّا ناطق أو غير ناطق، وأمّا إذا كان بشكل التقسيم والسبر، أي ملاحظة كلّ وصف خاص وصلاحيته للحكم، فما استحسنه الذوق الفقهي يجعله مناطاً للحكم، وما استبعده يطرحه، فمثل هذا لا يكون مناطاً قطعياً بل ظنياً، وهذا شيء أطبق عليه مثبتو القياس.

وفي ضوء ما ذكرنا فتنقيح المناط في الموردين المذكورين من الأدلّة العقلية القطعية، وأمّا في غيرهما فهو من الأدلّة العقلية الظنيّة، ويشبه أن يكون نفس القياس مستنبط العلّة الّذي يبحث عنه في باب القياس، وهو من الأدلّة الظنية، ولكنّا بصدد بيان الأدلّة القطعية.

ولأجل أن يقف القارئ على أنّ تخريج المناط دليل ظني لا قطعي نأتي بمثال:

قد ورد في الحديث: «لا يُزوّج البكرَ الصغير إلاّ وليُّها»، فقد ألحق بها بعض فقهاء السنّة الثيِّب الصغيرة، بل المجنونة والمعتوهة.

وذلك بتخريج المناط، وانّه عبارة عن كون المزوّجة صغيرة ناقصة العقل،


صفحه 140

فيعمّ الحكم الثيِّب الصغيرة والمجنونة أو المعتوهة لاتّحاد المناط.

وأمّا استخراج المناط فهو بالبيان التالي:

إنّ الحديث اشتمل على وصفين كلّ منهما صالح للتعليل، وهما الصغر والبكارة، وبما أنّ الشارع قد اعتبر الصغر علّة للولاية في المال كما قال: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ)(1) هذا من جانب، ومن جانب آخر، الولاية على المال والولاية على التزويج نوعان من جنس واحد وهو الولاية، فتكون النتيجة أنّ الشارع قد اعتبر الصغر علّة للولاية على التزويج بوجه من وجوه الاعتبار، فيقاس على البكر الصغيرة، من في حكمها من جهة نقص العقل، وهي المجنونة أو المعتوهة، كما تقاس عليها أيضاً الثيّب الصغيرة، وبذلك أسقطوا دلالة لفظ البكارة من الحديث على المدخلية في الحكم.

ويلاحظ عليه: أنّه من أين علم أنّ الصغر تمام الموضوع للحكم مع إمكان أن يكون جزءاً منه كما هو مقتضى اجتماعه مع البكر؟

إنّ قياس باب النكاح بباب التصرّف في الأموال، قياس مع الفارق، فإنّ العناية بصيانة مال الصغير تستدعي أن يكون الموضوع هو الصغير ذكراً كان أو أُنثى، بكراً كان أو ثيّباً، إذ لا دخالة لهذه القيود في أمر الصيانة، ولهذا يعمّ الحكم جميعَ أفراد الصغيرة، وهذا بخلاف باب النكاح فيحتمل فيها الفرق بين الصغيرة البكر والثيب، نظير الفرق بين الكبيرة البكر والثيب، حيث ذهب جماعة إلى أنّ الأُولى أيضاً لا تزوّج إلاّ بإذن الوليّ.(2)


1 . النساء:6.

2 . نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغراء، للمؤلف:1/172ـ 176.


صفحه 141

ولأجل إيضاح المقام نأتي بأمثلة أُخريش الّتي أفتى فقهاء السنّة فيها بناءً على تخريج المناط:

1. قياس الولاية في النكاح بالميراث

يقدّم الأخ من الأب والأُمّ على الأخ للأب في الميراث. المقيس عليه

فيقدّم الأخ من الأب والأُمّ على الأخ للأب في ولاية النكاح. المقيس

امتزاج الإخوة. المناط

2. قياس الجهل في المهر بالبيع

إنّ الجهل بالعوض يفسد البيع بالاتفاق. المقيس عليه

فالجهل بالمهر يفسد النكاح. المقيس

وجود المعاوضة والجهل فيها. المناط

3. قياس ضمان السارق بالغاصب

إنّ الغاصب يضمن إذا تلف المال تحت يده. المقيس عليه

فالسارق أيضاً يضمن وإن قطعت يده. المقيس

تلف المال تحت اليد العادية. المناط

فانّ تخريجات المناط في هذه الموارد وعشرات أمثالها تخريجات ظنية، وهي بحاجة إلى قيام الدليل، وإلاّ فيمكن أن يكون للميراث خصوصية غير موجودة في النكاح، أو يكون الجهل بالعوض مفسداً في البيع دون النكاح، لأنّ البيع مبادلة بين مالين، بخلاف النكاح فإنّه علاقة تجمع بين شخصين، فالعلّة هو الجهل بالعوض لا الجهل بالمهر، والمهر ليس عوضاً، وإن أطلق عليه العوض فإنّما هو


صفحه 142

بضرب من المجاز والاستعارة.

التماس العلل وعوض النصوص عليها

إنّ التماس العلل الواقعية للأحكام الشرعية من طريق العقل وعرض النصوص على العلل المزعومة وجعلها مقياساً لصحّة النصوص الشرعية وبطلانها، كان أمراً رائجاً بين فقهاء السنّة في عصر الإمام الصادق(عليه السلام)، وعلى هذا النوع من الاصطلاح تنزّل التعبيرات الشائعة:«إنّ هذا الحكم موافق للقياس وذلك الحكم مخالف له»، وليس المراد من القياس فيها، القياس المعروف المؤلف من الأصل والفرع والجامع بينهما، بل المراد: تصحيح الأحكام حسب العلل الّتي استحسنها الفقيه حسب عقله وذوقه، فيوصف الحكم الموافق بالصحّة والمخالف بالبطلان.

وقد كان القياس بهذا المعنى مثارَ معركة فكرية واسعة النطاق على عهد الإمام الصادق(عليه السلام) وبعض فقهاء عصره، وعلى هذا الاصطلاح دارت المناظرة التالية بين الإمام وأبي حنيفة: روى أبو نعيم بسنده عن عمرو بن عبيد: دخلت على جعفر بن محمد أنا وابن أبي ليلى وأبو حنيفة، فقال لابن أبي ليلى: من هذا معك؟ قال: هذا رجل له بصر ونفاذ في أمر الدين، قال: «لعلّه يقيس أمر الدين برأيه» إلى أن قال: «يا نعمان، حدثني أبي عن جدّي أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: أوّل من قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال اللّه تعالى له: اسجد لآدم، فقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، فمن قاس الدين برأيه قرنه اللّه تعالى يوم القيامة بإبليس، لأنّه اتّبعه بالقياس».(1)


1 . حلية الأولياء:3/197.


صفحه 143

فالقياس في هذه الرواية منصرف إلى هذا المصطلح; لأنّ إبليس تمرّد على الأمر بالسجود، لأنّه على خلاف قياسه، لتخيّله أنّ الأمر بالسجود يقتضي أن يبتني على أساس التفاضل العنصري، ولأجل هذا خطّأ الحكم الشرعي; لاعتقاده بأنّه أفضل في عنصره من آدم; لكونه مخلوقاً من نار وهو مخلوق من طين.

وعلى هذا الاصطلاح يبتني ما رواه أبان بقوله:

قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع امرأة، كم فيها؟ قال: «عشرة من الإبل»، قلت: قطع اثنين؟ قال: «عشرون»، قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: «ثلاثون»، قلت: قطع أربعاً؟ قال: عشرون».

قلت: سبحان اللّه! يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله، ونقول: الّذي جاء به الشيطان، فقال(عليه السلام): «مهلاً يا أبان! هذا حكم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) انّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثُلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين».(1)

إنّما صار أبان إلى تخطئة الخبر الّذي وصل إليه حتّى نسبه إلى الشيطان، لأجل أنّه وجده خلاف ما حصّله وأصّله، وهو انّه كلّما ازدادت الأصابع المقطوعة تزداد الدية، فلمّا سمع قوله «قطع أربعاً، قال: عشرون» قامت سورته، إذ وجده مخالفاً للأصل الأصيل عنده، فردعه الإمام بأنّ هذا هو حكم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وانّ استنكارك قائم على الأخذ بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين، وتصحيح الأحكام وتخطئتها حسب الموازين المتخيّلة سبب لمحق الدين، وأنّى للعقول أن تصل إليها؟


1 . الوسائل:18، الباب44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.


صفحه 144

هذا أحد المصطلحين في القياس، وقد صار هذا الاصطلاح مهجوراً في العصور المتأخرة، والرائج هو الاصطلاح التالي:

استنباط حكم واقعة ـ لم يرد فيها نصّ ـ من حكم واقعة ورد فيها نصّ; لتساويهما في علّة الحكم ومناطه وملاكه، وهو دليل ظنّي خارج عن نطاق البحث، فافهم واغتنم.

التنصيص بالعلّة ليس من تنقيح المناط ولا تخريجه

قد علمت أنّ تنقيح المناط غير تخريجه وأنّ الأوّل من المداليل العرفية دون الثاني، ومع ذلك هنا قسم آخر خارج عن كلا القسمين، وإليك البيان:

إذا كان مناط الحكم وملاكه مذكوراً في نفس الدليل على نحو يعلم منه أنّه تمام علّة الحكم لا حكمته.

فاستكشاف أحكام سائر الموارد عن طريق هذه العلّة من المداليل اللفظية، مثلاً إذا قال: الخمر حرام لأنّه مسكر، فإلحاق غير الخمر من سائر المسكرات، به ليس عملاً بالقياس المصطلح، بل عمل بالسنّة الشريفة والضابطة الّتي أدلى بها الشارع.

وفي الحقيقة إذا كان استخراج الحكم غير متوقّف إلاّ على فهم النص بلا حاجة إلى اجتهاد، فهو عمل بالظاهر، بخلاف ما إذا كان متوقّفاً وراء فهم النص على بذل جهد، والوقوف على المناط، ثمّ التسوية، ثمّ الحكم، قال سبحانه:(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَه)(1) فلا نحتاج في حكم الخير الكثير إلاّ إلى فهم مدلول الآية.


1 . الزلزلة:7.


صفحه 145

ولنذكر مثالاً من طريقنا:

روى محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الإمام الرضا(عليه السلام)، أنّه قال: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء، إلاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه فيُنزح حتّى يذهب الريح ويطيب طعمه، لأنّ له مادة».(1)

فإنّ قوله: «لأنّ له مادة» بما أنّه تعليل لقوله: «لا يفسده شيء» يكون حجّة في غير ماء البئر أيضاً، فيشمل التعليل بعمومه، ماءَ البئر، وماء الحمام والعيون وصنبور الخزّان وغيرها، فلا ينجس الماء إذا كان له مادة، فالعمل عندئذ بظاهر السنّة ولا صلة له بتنقيح المناط وتخريجه، فليس هناك أصل ولا فرع ولا انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة والفروع بأجمعها داخلة تحته.

وفي ضوء ما ذكرنا، يكون العمل بالملاك المنصوص، عملاً بظاهر السنّة لا بالقياس، وأمّا المجتهد فعمله تطبيق الضابطة ـ الّتي أعطاها الشارع ـ على جميع الموارد دفعة واحدة، فليس هناك أصل ولا فرع ولا انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة والفروع بأجمعها داخلة تحته، كما أنّه ليس من مقولة تنقيح المناط وتخريجه.

أولوية الحكم في الفرع

إذا كان ثبوت الحكم في الفرع أولى من ثبوته في الأصل; لقوة العلّة المفهومة فيه بطريق النص، فهو حجّة على الإطلاق، وهو أيضاً عمل بالنص لا بالقياس، كما أنّه ليس من مقولة تنقيح المناط وتخريجه، وعلى فرض كونه قياساً فهو حجّة عند


1 . وسائل الشيعة:1، الباب14 من أبواب الماء المطلق، الحديث6.


صفحه 146

الجميع، نظير الاحتجاج بقوله سبحانه: (فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفّ)(1) على تحريم الضرب، ولا شكّ في وجوب الأخذ بهذا الحكم، لأنّه مدلول عرفي يقف عليه كل من تدبّر الآية.


1 . الإسراء:23.


صفحه 147

5

في مجال درك مصالح الأفعال ومفاسدها

إنّ الأحكام الشرعية عند الإمامية تابعة للمصالح والمفاسد، فلا واجب إلاّ لمصلحة في فعله، ولا حرام إلاّ لمفسدة في اقترافه، والتشريع الإلهي منزّه عن التشريع بلا ملاك، ونصوص الكتاب والسنّة يشهدان على ذلك:

إنّه سبحانه يُعلّل وجوب الاجتناب عن الخمر والميسر بأنّ اقترافهما يورث العداوة والبغضاء والصدّ عن ذكر اللّه عموماً والصلاة خصوصاً، يقول عزّ وجلّ:(إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلوةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ).(1)

كما أنّه يعلّل وجوب الصلاة بأنّها تنهى عن الفحشاء والمنكر، يقول سبحانه: (وَأَقِمِ الصَّلوةَ إِنَّ الصَّلوةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)(2)، إلى غير ذلك من الآيات الّتي تشير إلى ملاكات التشريع في الذكر الحكيم.

وكذلك الروايات فقد أكد الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) في بعض كلماته


1 . المائدة:91.

2 . العنكبوت:45.


صفحه 148

ذلك، فقال: «إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يبح أكلاً ولا شرباً إلاّ لما فيه المنفعة والصلاح، ولم يُحرِّم إلاّ ما فيه الضرر والتلف والفساد».(1)

وقال(عليه السلام) في وجه حرمة الدم: «إنّه يسيء الخلق، ويورث القسوة للقلب، وقلّة الرأفة والرحمة، ولا يؤمن أن يقتل ولده ووالده».(2)

وقال أبو جعفر الباقر(عليه السلام): «إنّ مُدْمِن الخمر كعابد الوثن، ويورث الارتعاش، ويهدم مروّته، ويحمل على التجسّر على المحارم من سفك الدماء وركوب الزنا».(3)

هذا من حيث الثبوت ممّا لا شكّ فيه.

إنّما الكلام في إمكان وقوف الفقيه على مصالح الأحكام ومفاسدها التي تدور عليها الأحكام إذا لم يرد فيها نصّ صحيح، فالحقّ هو التفصيل بين ما اتّفق العقلاء على وجود المصلحة أو المفسدة في الموضوع، وما إذا لم يكن هناك اتّفاق من عامّة العقلاء، بل انفرد فيه فقيه واحد، وإليك البيان:

إذا كان إدراك المصلحة إدراكاً عامّاً يتّفق فيه العقلاء، كوجود المفسدة في استعمال المخدّرات، والمصلحة في استعمال اللقاح لصيانة الطفل عن الجُدْري والحصبة حيث أصبح العقلاء متفقين على وجود المفسدة والمصلحة الملزمة، في ذلك فلا مانع من أن يتّخذ ما أدركه العقل من المصالح والمفاسد ملاكاً لكشف حكم الشرع، وأمّا إذا لم يكن كذلك، بل أدرك فقيه واحد أو فقيهان وجود المصلحة في إنشاء حكم، فهل يصحّ لهما إنشاء حكم وفق ما أدركاه، ينسبونه إلى الشريعة الإسلاميّة؟ فالجواب هو النفي، إذ من أين للعقل القطع بأنّ ما أدركه


1 . مستدرك الوسائل:3/71.

2 . بحار الأنوار:62/165، ح3.

3 . بحار الأنوار:62/164، ح2.


صفحه 149

علّة، هي العلّة التامة التي يدور الحكم مدارها، إذ يحتمل أن يكون هناك مانع من حكم الشرع على وفق ما أدركه العقل.

يقول المحقّق الأصفهاني: إنّ مصالح الأحكام الشرعية المولوية التي هي ملاكات تلك الأحكام ومناطاتها، لا تدخل تحت ضابطة، وعليه لا سبيل للعقل بما هو إليها.(1)

والحاصل: أنّه لا يصحّ للفقيه أن يتّخذ ما أدركه من المصالح والمفاسد ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي من الوجوب والحرمة حتّى يكون من مصادر التشريع.

أضف إلى ذلك أنّ المصالح والمفاسد لمّا لم تكن على وزان واحد، بل ربّ واجب يسوغ في طريق إحرازه اقتراف بعض المحرمات، لاشتماله على مصلحة كثيرة لا يجوز تركها بحال، كإنقاذ الإنسان المتوقّف على استطراق أرض الغير، بلا إذنه، وربّ حرام ذي مفسدة كبيرة لا يجوز اقترافه وإن استلزم ترك الواجب أو الواجبات، فأنّى للعقل درك درجة المصلحة والمفسدة حتّى يكون مصدراً للتشريع والحكم بالوجوب والحرمة في عامة الحالات؟

إلى هنا تمّ بيان المجالات التي للعقل فيها دور في استكشاف الحكم الشرعي.

إذا عرفت ذلك فلندخل في مقالة الأخباريّين التي صارت سبباً للغور في هذا البحث.


1 . نهاية الدراية:2/130، الطبعة الحجريّة.


صفحه 150

6

الحركة الأخبارية

في مطلع القرن الحادي عشر

ظهرت الحركة الأخبارية في مطلع القرن الحادي عشر، وقد شطبت على العلوم العقلية بقلم عريض، ولم تر للعقل أي وزن ولا اعتبار في العلوم إلاّ ما كانت مادته قريبةً من الحس، كالحساب والهندسة وأمثال ذلك، وأمّا ما وراء ذلك فذهبت إلى أنّ العقل عاجز عن الإدراك الصحيح.

وقد رفع رايتها الشيخ محمد أمين بن محمد شريف الأسترآبادي الأخباري(المتوفّى عام 1033هـ) وألّف عند مجاورته للبلدين مكة المكرّمة والمدينة المنورة، كتابين في هذا المجال، وهما:

1. الفوائد المكية.

2. الفوائد المدنية.

والأُسس التي قامت عليها المدرسة الأخبارية لا تعدو خمسة أُسس، وأمّا ما وراء ذلك فإنّما هو أُمور جزئية أو راجع إليها، وأمّا تلك الأُسس فهي عبارة عن:


صفحه 151

1. عدم حجّية ظواهر الكتاب إلاّ بعد ورود التفسير عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، لما ورد من الأحاديث الناهية عن تفسير القرآن بالرأي أوّلاً، ولطروّ مخصّصات ومقيّدات على عمومه وخصوصه ثانياً.

2. نفي حجّية حكم العقل في المسائل الأُصولية وعدم الملازمة بين حكم العقل والنقل، وانّ ما حكم به العقل حكم به الشرع، لا أساس له.

3. نفي حجّية الإجماع من دون فرق بين المحصّل والمنقول.

4. ادّعاء قطعية صدور كلّ ما ورد في الكتب الحديثية الأربعة من الروايات، لاهتمام أصحابها بتلك الروايات، فلا يحتاج الفقيه إلى دراسة أسنادها أو تقسيمها إلى الأقسام الأربعة المشهورة، كما قام به ابن طاووس وتبعه العلاّمة.

5. التوقّف عن الحكم إذا لم يدل دليل من السنّة على حكم الموضوع، والاحتياط في مقام العمل، مثلاً التدخين الذي كان موضوعاً جديداً آنذاك يُتوقف عن الحكم فيه ويراعى الاحتياط في مقام العمل بتركه.

ثمّ إنّ المحدّث الشيخ عبد اللّه بن الحاج صالح السماهيجي الذي هو أحد الأخباريين في القرن الثاني عشر، ألّف رسالة في المسائل الضرورية التي لاغنى عنها في مرحلتي الأُصول والفروع، وقد ذكر في تلك الرسالة الفروق بين الأُصوليين والأخباريين، فبلغت الأربعين.(1)

وقد نقلها صاحب الروضات في ترجمة محمد أمين مؤسس الأخبارية.(2)

وكما قلنا: فإنّ الأُسس الفارقة المهمة هي ما ذكرنا، وإليك نقل بعض الفروق الأُخرى:


1 . روضات الجنّات:4/250.

2 . روضات الجنّات:1/127.


صفحه 152

قال:

1. إنّ الأدلّة عند الأُصوليّين أربعة: الكتاب والسنّة والإجماع ودليل العقل، ولكنّها عند الأخباريين تختصر بالأوّلين، بل بعضهم يقتصر على الثاني.

2. الأُصوليون يجوزون العمل بالظنون في نفس الحكم الشرعي، والأخباريون لا يعوّلون إلاّ على العلم. إلاّ أنّ العلم عندهم قطعي واقعي، وعادي وأصلي، وهما ما وصلا عن المعصوم، ولم يجز فيه الخطأ عادة.

3. الأُصوليون يقسّمون الأخبار إلى الأربعة المشهورة، والأخباريون إلى صحيح وضعيف.

4. الأُصوليون يفسّرون الأقسام الأربعة للحديث بما هو المعروف في علم الدراية، والأخباريون يفسّرون الصحيح بالمحفوف بالقرائن التي توجب العلم بالصدور عن المعصوم، والضعيف بما هو عار عن ذلك.

5. الأُصوليون يحصرون الناس في صنفين: مجتهد ومقلّد، والأخباريون يقولون: إنّ الناس كلّهم مقلّدون للمعصوم ولا يجوز لهم الرجوع إلى المجتهد بغير حديث صحيح صريح.

إلى غير ذلك من الفروق.

وقبل الخوض في مقالة الأخباريين لابدّ من الإشارة إلى بعض العوامل الّتي سبّبت ظهور هذه الفرقة; فإنّ تبيينها من أهمّ المسائل في الأدوار الفقهية التي تحتاج إلى دراسة مفصّلة حتّى تعكس الظروف التي نشأت فيها الفكرة.

وهناك فروض مختلفة نقلناها في «تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره»(1)، ومن أراد التفصيل فليرجع إليها.


1 . تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره:386.


صفحه 153

والذي نظنّ أن يكون هو السبب الواقعي لظهور تلك الفرقة هو ما يلي:

سبب ظهور الفكر الأخباري

إنّ أصحاب الصادقين(عليهما السلام) ومن بعدهم كانوا على قسمين، فقد كانوا بين مُكب على جمع الأخبار وقراءتها وتصحيحها وجمعها في أصل أو كتاب دون أن يستنطقوا العقل في المعارف والمسائل العقليّة والأُصوليّة، وبين آخذ بالنقل والعقل معاً، ونذكر من النصف الثاني: زرارة بن أعين، ويونس بن عبد الرحمن، والفضل بن شاذان، وغيرهم، وكان الأكثر على الخط الأوّل، وقد استمرّ الخطّان إلى عصر الغيبة، فابن الجنيد وابن أبي عقيل ومن تلاهم إلى عصر الشيخ المفيد وتلميذيه المرتضى والطوسي كانوا على خط الجمع بين العقل والنقل، وعند التعارض كانوا يقدّمون العقل القطعي على النقل الظنّي.

وقد امتد الخط الأوّل إلى القرن الخامس، وبعده انحسر أمام ازدهار الخط الثاني وكانت القوة للمنهج الثاني إلى القرن العاشر.

وبهذا يُعلم المراد من «الأخباري» في لسان العلاّمة ومن قبله; وهو الخبير بالأخبار والمدوّن والناشر لها، دون أن يكون هناك منهج باسم الأخبارية أمامَ منهج الآخرين، نعم كان للطائفة الأُولى عقائد خاصة في بعض المسائل اعتمدوا فيها على بعض الروايات، فنقلها الصدوق في كتاب العقائد ونقدها الشيخ المفيد في كتاب تصحيح العقائد.

إنّ الأمين الاسترآبادي تصور أنّ الخط الأوّل كان منهجاً منسجماً تام الأركان في عصر الأئمة وبعدهم، ولكن غلب عليهم عصر الاجتهاد وصار الأمين بصدد إحيائه وبسطه، وأسماه بالأخبارية، وألقى فكرة الإحياء بصورة البرهان ونقد أُسس


صفحه 154

الأُصوليين، ثمّ إنّه تكاملت الفكرة الأخبارية بعد عصر الأمين بيد تلاميذ منهجه إلى أن عاد منهجاً متكاملاً يفارق الأُصوليين في أربعين مسألة أو بضع أُصول.

وممّا نلفت إليه النظر أنّ الأمين مؤسس هذا المنهج ممّن يؤكّد على الحس والعلوم الّتي تكون مبادؤها قريبة من الحس، ويندِّد بالعلوم النظرية الّتي تكون مبادؤها بعيدة عنه، قائلاً: إنّ العلوم النظرية قسمان:

قسم ينتهي إلى مادّة قريبة من الإحساس، ومن هذا القسم علم الهندسة والحساب وأكثر أبواب المنطق، وهذا القسم لا يقع فيه الخلاف بين العلماء والخطأ في نتائج الأفكار، والسبب في ذلك أنّ الخطأ في الفكر إمّا من جهة الصورة، أو من جهة المادة، والخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء، لأنّ معرفة الصورة من الأُمور الواضحة عند الأذهان المستقيمة، والخطأ من جهة المادة لا يتصوّر في هذه العلوم لقرب الموارد فيها إلى الإحساس.

وقسم ينتهي إلى مادة بعيدة عن الإحساس; ومن هذا القسم الحكمة الإلهية والطبيعية وعلم الكلام وعلم أُصول الفقه والمسائل النظرية والفقهية وبعض القواعد المذكورة في كتب المنطق.

ثمّ استشهد بوقوع الاختلافات بين الفلاسفة.(1)

والعجب أنّ تلك الفكرة (الرجوع إلى الحس والانكباب عليه) والابتعاد عن النقل والنظر بدأت في الغرب قريباً من عصر الأمين، حيث رفع رايتها علماء تجريبيون، نظير ديكارت (1596ـ 1650م)، ومن البعيد أن يكون هناك صلة بين الفريقين.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى توضيح مقالة الأخباريّين حول منع العمل


1 . الفوائد المدنية:130.


صفحه 155

بالحكم المستنبط من غير الكتاب والسنّة وهي تحتمل أحد أمرين:

الأوّل: إنّهم يرفضون العمل بالمستنبط من غير المصدرين، لأجل أنّه لا يفيد القطع بالحكم، وأنّه لا يخرج عن دائرة الظن، وهذا يرجع إلى منع الصغرى.

الثاني: إنّهم يرفضون العمل بغيرهما وإن أفاد القطع بالحكم، وذلك لعدم الملازمة بين حكم العقل والشرع، والظاهر من بعض كلمات المحدّث الاسترآبادي أنّه كان يركّز على منع الصغرى وهو منع إفادة القطع حيث يقول في كتابه:

الفصل الأوّل في إبطال التمسّك بالاستنباطات الظنيّة في نفس أحكامه تعالى، ويقول أيضاً في ذيل هذا الفصل: كلّ من قال بجواز التمسّك بالاستنباطات الظنية في نفس أحكامه تعالى من محقّقي العامة وجمع من متأخري أصحابنا الخاصة اعترف بانحصار دليل جوازه بالإجماع.(1)

إلى غير ذلك من العبارات الّتي يجدها السابر لكتابه الدالّة على أنّه بصدد منع الصغرى.

ومع ذلك فاحتمال كون النزاع كبرويّاً وهو عدم حجّية القطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة باق بحاله، وذلك لأجل نفي الملازمة بين الحكمين: العقلي والشرعي.

لو افترضنا أنّ النزاع كبروي ـ أي في حجية القطع الحاصل من الأدلّة العقلية ـ فيقع الكلام في مقام الثبوت والإثبات.

والمراد من الثبوت: إمكان النهي عن العمل به.

والمراد من مقام الإثبات: ورود النهي عنه شرعاً، بعد ثبوت الإمكان.

وإليك الكلام في كلا المقامين:


1 . الفوائد المدنية:90، الطبعة الحجرية.


صفحه 156

المقام الأوّل: إمكان النهي عن العمل بالقطع

يظهر من بعض كلمات الشيخ الأعظم، امتناع النهي عن العمل بالقطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة، لأنّه يعدّ تناقضاً في نظر القاطع مطلقاً، وفي الواقع عند الإصابة.

لكن الحق جواز المنع عن العمل بالقطع الحاصل من غيرهما، لأنّ للشارع التصرّف في موضوع إطاعته وامتثاله، بأن يطلب إطاعة الأحكام الّتي وصل إليها المكلّف عن طريق الكتاب والسنّة، فإنّ لزوم الإطاعة وإن كان عقلياً، لكن تحديد موضوعها سعة وضيقاً بيد الشارع، فله أن يحدّد الموضوع ويخصّها بالأحكام المستنبطة من طريقيهما لا من الطرق الأُخرى.

هذا هو الوجه الذي اعتمدنا عليه، ولكن ذهب المحقّق النائيني إلى جواز التقييد بوجه آخر وهو قاعدة «نتيجة الإطلاق والتقييد» التي استفاد منها في غير مورد ومنها: إمكان تخصيص الأحكام بالعالمين بالبيان التالي، وحاصله: إنّ العلم بالحكم لمّا كان من الانقسامات اللاحقة للحكم، فلا يمكن فيه التقييد; لاستلزامه الدور، وإذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق أيضاً، لأنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة.

ومن جانب آخر: أنّ الإهمال الثبوتي لا يعقل، بل لابدّ إمّا من نتيجة الإطلاق أو من نتيجة التقييد، فإنّ الملاك الّذي اقتضى تشريع الحكم إمّا أن يكون محفوظاً في كلتا حالتي الجهل و العلم، فلابدّ من نتيجة الإطلاق، وإمّا أن يكون محفوظاً في حالة العلم فقط، فلابدّ من نتيجة التقييد، وحيث لم يمكن أن يكون الجعل الأوّلي متكفّلاً لبيان ذلك، فلابدّ من جعل آخر يستفاد منه نتيجة الإطلاق والتقييد وهو المصطلح عليه بـ(متمّم الجعل)، فاستكشاف كلّ من


صفحه 157

نتيجة الإطلاق والتقييد يكون من دليل آخر، وقد ادّعى تواتر الأدلّة على اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل، وأنّ الحكم مطلق في حقّ العالم والجاهل، ولكن تلك الأدلّة قابلة للتخصيص، وقد خصّص في غير مورد، كما في مورد الجهر والإخفات والقصر و الإتمام.(1)

ومن هذه الموارد توجيه مقالة الأخباريين بأن يقال: إنّ الأحكام الواقعية قيّدت بنتيجة التقييد، وهي إنّ الأحكام الشرعية، إنّما تجب إطاعتها إذا وصلت إلى المكلّف عن طريق الكتاب والسنّة.

ويلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ تقابل الإطلاق والتقييد اللحاظيّين تقابل الضدّين; لفرض قيامهما بلحاظ السعة والضيق، فكيف يكون تقابلهما تقابل العدم والملكة؟

وثانياً: سلّمنا أنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة، ولكن لا يصحّ ما رتب عليه، وهو أنّه إذا لم يصحّ تقييد الحكم بالعلم به يمتنع إطلاقه بالنسبة إلى العالم والجاهل به، وذلك لأنّ امتناع التقييد لأجل استلزامه الدور، وهو مختص بصورة التقييد بالعالم، فلا مانع من إطلاقه بالنسبة إلى كلتا الحالتين، فلا يلزم من امتناع التقييد امتناع الإطلاق.

وثالثاً: أنّ المحذور ـ على فرض قبوله ـ إنّما هو في الإطلاق اللحاظي، بأن يلاحظ المكلّف في حالتي العلم والجهل بالحكم، لا في الإطلاق الذاتي، وهو كون الطبيعة متعلّقة للحكم، أو كون ذات البالغ العاقل موضوعاً للحكم، وهذا متحقّق في كلتا الحالتين; سواء أكان هناك علم بالحكم أم لا.

فالمحذور المتصوّر في باب الإطلاق اللحاظي غير جار في الإطلاق الذاتي فلا وجه لعدّهما من باب واحد.


1 . فوائد الأُصول:3/12.


صفحه 158

هذا كلّه حول الثبوت، وقد عرفت إمكان المنع عن العمل بالقطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة. بقي الكلام في المقام الثاني:

المقام الثاني: في ورود المنع عن العمل أو عدمه

ذهبت الأخبارية إلى ورود المنع عن العمل بالقطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة، وقد استدلّوا بطوائف ثلاث من الروايات سيوافيك الكلام فيها.

وربّما يستدلّ لهم بالدليل العقليّ ولنقدّم هذا القسم على الأدلّة النقلية.

الأوّل: احتمال سعة مناط الحكم عند العقل

إنّ العقل وإن كان يدرك الجهات المحسّنة والمقبّحة، إلاّ أنّه من الممكن أن تكون لتلك الجهات موانع ومزاحمات في الواقع وفي نظر الشارع، ولم يصل العقل إليها; إذ ليس من شأن العقل، الإحاطة بالواقع.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خلاف المفروض، لأنّ الكلام فيما إذا حكم العقل بحكم قطعي على موضوع بما هو هو، كقبح الظلم وخيانة الأمانة، أو كقبح ترجيح المهم على الأهمّ، وعندئذ لا يحتمل أن يكون للحكم مانع في الواقع أو شرط عند الشارع، فما ذكره خارج عن محط البحث.

نعم لو احتمل العقل أحد هذه الأُمور لم يحكم بحكم باتّ.

الثاني: جواز خلو الواقعة من الحكم

يجوز أن لا يكون للشارع فيما حكم فيه العقل بالوجوب أو الحرمة، حكم


1 . فوائد الأُصول:3/60 ناقلاً عن كتاب الفصول.


صفحه 159

أصلاً، لا موافقاً ولا مخالفاً، بأن تخلو الواقعة من الحكم رأساً، وعلى ذلك لا حكم للشرع في الموضوع وفاقاً أو خلافاً.(1)

يلاحظ عليه: أنّ احتمال خلو الواقعة من الحكم يخالف مع ما ورد عنهم(عليهم السلام):«ما من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة».

وفي حديث آخر: أكلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه أو تقولون فيه؟ قال: «بل كلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه» أو «في الكتاب والسنّة».(2)

فكيف يمكن أن لا يكون للشارع حكم في الموضوعات الخطيرة، وقد قال(صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبة حجّة الوداع:«يا أيّها الناس ما من شيء يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم من النار، إلاّ وقد أمرتكم به، وما من شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنّة إلاّ وقد نهيتكم عنه».(3)

ثمّ إنّ الأخباريّين استدلّوا بطوائف من الروايات الّتي زعموا دلالتها على مدّعاهم، وإليك استعراضها تحت عناوين خاصة ليسهل للطالب الوقوف عليها، ولم نذكر جميع الروايات لأنّها غير خارجة عن تلك العناوين.

الطائفة الأُولى: لزوم توسيط الحجّة في بيان الحكم

قامت الأدلّة على لزوم العمل بحكم يتوسط الحجّة في تبليغه وبيانه، ولا عبرة بالحكم الواصل من غير تبليغ الحجّة.

ويدلّ على ذلك صحيح زرارة: «أما لو أنّ رجلاً صام نهاره، وقام ليله، وتصدّق بجميع ماله، وحجّ جميع دهره، ولم يعرف ولاية ولي اللّه فيواليه، وتكون


1 . الفصول في علم الأُصول:337.

2 . الكافي:1/59ـ 62، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة.

3 . الوسائل:12، الباب12 من أبواب مقدّمات التجارة، الحديث2.


صفحه 160

جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على اللّه ثواب، ولا كان من أهل الإيمان».(1)

وعن الرضا، عن آبائه(عليهم السلام)، قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «من دان بغير سماع ألزمه اللّه ألبتة إلى الفناء».(2)

وقال أبو جعفر(عليه السلام): «كلّ ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل».(3) إلى غير ذلك من الروايات.

ويلاحظ عليه: بما نوهنا به في محاضراتنا في غير مقام، وهو أنّه كما أنّ للآيات شأن نزول، فكذلك للروايات شأن صدور، وكما أنّ شأن النزول يرفع الإبهام الطارئ على الآية لأجل الفصل الزماني، فهكذا شأن الصدور بالنسبة للرواية.

وفي ضوء تلك القاعدة فالرواية ناظرة إلى التابعين والفقهاء، كأبي حنيفة وابن شبرمة وابن أبي ليلى وغيرهم الذين أعرضوا عن أئمّة أهل البيت بتاتاً ولم يستضيؤوا بنور علومهم، وإنّما اقتصروا على ما رواه الصحابة من المسانيد والمراسيل والموقوفات غير الكافية في مجال الإجابة عن المسائل المستجدّة.

وأمّا فقهاء الشيعة الذين رجعوا في كلّ واقعة إلى الكتاب والسنّة وتمسّكوا بالثقلين، غاية الأمر أخذوا بالعقل في ماله شأن الحكم على وجه القطع والبت، فهؤلاء ليسوا من مصاديق الحديث، لأنّهم عرفوا ولاية ولي اللّه فوالوه في عامّة الموارد الّتي فيها لهم حكم وبيان وجعلوا أعمالهم بدلالة الولي، لكنّهم أخذوا في موارد بالحكم القاطع للعقل، لا لأجل الإعراض عن أبوابهم، بل من باب الأخذ بالحكم العقلي الّذي أيّده الأئمّة في غير واحد من رواياتهم.


1 . الوسائل:18، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 13.

2 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 14، 18.

3 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 14، 18.


صفحه 161

الطائفة الثانية: ما يدلّ على عدم حجّية الرأي

وهناك طائفة أُخرى تدلّ على عدم حجّية الرأي، فقد روي عن الإمام علي(عليه السلام) أنّه قال:«إنّ المؤمن أخذ دينه عن ربّه ولم يأخذه عن رأيه».(1)

وروى ابن مسكان، عن حبيب قال: قال لنا أبو عبد اللّه(عليه السلام):«ما أحد أحبّ إليّ منكم، إنّ الناس سلكوا سبلاً شتّى، منهم من أخذ بهواه، ومنهم من أخذ برأيه، وإنّكم أخذتم بأمر له أصل».(2)

يلاحظ عليه: أنّ المراد من الرأي هو الإفتاء بغير دليل قطعي أو سنّة صحيحة بشهادة قول أبي جعفر (عليه السلام): «من أفتى الناس برأيه فقد دان اللّه بما لا يعلم».(3)

ولذلك يوصف أصحاب القياس بأصحاب الرأي كأبي حنيفة ومدرسته.

روى الدميري عن بعض أصحاب أبي حنيفة أنّه سمع عن أبي حنيفة أنّه يقول: ما جاء عن رسول اللّه فعلى الرأس والعين، وما جاء عن الصحابة اخترناه، وما كان غير ذلك فهم رجال ونحن رجال.

وعن أبي حنيفة أنّه قال: علمنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاء بأحسن منه قبلناه.(4)

وعلى ذلك يحمل قوله(عليه السلام): «من قال بالقرآن برأيه فقد أخطأ».

أي: قال فيه قولاً غير مستفاد من كتاب ولا سنّة ولا من دليل يعتمد عليه، بل قال برأيه حسب ما يقتضيه أمره ويذهب إليه وهمه بالظن والتخمين.


1 . الوسائل:18، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، 31، 12.

2 . الوسائل:18، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، 31، 12.

3 . الوسائل:18، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، 31، 12.

4 . حياة الحيوان:2/103; الملل والنحل للشهرستاني:1/338.


صفحه 162

وأين هذا من الإفتاء بالحكم العقلي القطعي الموافق للفطرة الإنسانية والحكم الواضح عند العقلاء.

والحاصل: إنّ هذه الرواية تندد بعمل أبي حنيفة; فإنّه لم يثبت إلاّ سبعة عشر حديثاً من أحاديث النبي(1) ومع ذلك يبني على المقاييس والآراء الّتي اعتمد عليها فقهه الّذي عمل به أغلبُ المسلمين.

ولذلك نرى أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) يذمّ أبا حنيفة وابن شبرمة، يقول الأخير: دخلت أنا و أبو حنيفة على جعفر بن محمد(عليهما السلام) فقال لأبي حنيفة : «اتّق اللّه ولا تقس في الدين برأيك، فإنّ أوّل من قاس إبليس».(2)

وكذلك قال أبو جعفر(عليه السلام) لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة: «شرّقا وغرّبا، فلا تجدان علماً صحيحاً إلاّ شيئاً خرج من عندنا أهل البيت».(3)

الطائفة الثالثة: ما يدلّ على أنّ المرجع هو الكتاب والسنّة

هناك روايات تدلّ على أنّ المرجع في الأحكام هو الكتاب والسنّة، قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «من أخذ دينه من أفواه الرجال أزالته الرجال، ومن أخذ دينه من الكتاب والسنّة زالت الجبال ولم يزل».(4)

وقال(عليه السلام): «وإنّما الناس رجلان: متتبع شرعة، ومبتدع بدعة، ليس معه من اللّه برهان سنّة، ولا ضياء حجّة».(5)

يلاحظ عليه: أنّها بصدد ردّ علم من يعمل بكلّ ما اشتهر على ألسن الناس وإن لم يكن له دليل، مقابل من يرجع إلى الكتاب والسنّة، ولا صلة له بالبحث


1 . مقدّمة ابن خلدون:282، فصل الحديث، طبع دار ومكتبة الهلال.

2 . الوسائل:18، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 25 و 16.

3 . الوسائل:18، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 25 و 16.

4 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22و31.

5 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22و31.


صفحه 163

أبداً.

والحاصل: أنّ هذه الروايات الّتي حشدها صاحب الوسائل في الباب السادس والعاشر من أبواب صفات القاضي وغيرهما لا صلة لها بالمجتهدين الكبار الذين أخذوا الأُصول والفروع عنهم(عليهم السلام)وأناخوا ركائبهم أمام أبوابهم(عليهم السلام)، بل هي راجعة إلى المعرضين عن أبوابهم.

وقد تقدّم أنّ قسماً من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام) كزرارة ويونس بن عبد الرحمن وغيرهما كانوا على خط العقل مع العلم بالنقل ولم يعزلوا العقل عن منصة التشريع.

ثمّ إنّ للمحدّث الاسترآبادي مغالطة واضحة في بعض كلماته وطالما نسمعها من أصحاب التفكيك في عصرنا هذا.

قال: إن تمسّكنا بكلامهم فقد عصمنا عن الخطأ، وإن تمسّكنا بغيرهم لم نُعْصَم عنه، ومن المعلوم أنّ العصمة من الخطأ أمر مطلوب مرغوب فيه شرعاً وعقلاً.

يلاحظ عليه: أنّه مغالطة محضة ، فإنّ المسلم الواعي لا يعوِّض كلامهم بشيء، إذ لا يعادله شيء، لكن الكلام في أنّه إذا لم يوجد عنهم نص صحيح، ولا ظاهر قويم، فهل هنا مرجع غير الشرع؟ فالأُصولي يجيب بالإثبات، لكن فيما إذا كان الموضوع ممّا يصحّ أن يرجع إليه، والأخباري يجيب بالنفي.


بلغ الكلام إلى هنا ظهيرة يوم الأحد آخر

شهر شعبان المعظم من شهور عام 1424هـ

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)


صفحه 164

صفحه 165

2

مسلك حقّ الطاعة

بين الرفض والقبول

اتّفق الأُصوليون المتأخرون على أنّ المرجع في الشبهات الحكمية هو البراءة العقلية، فإذا شكّ الإنسان في وجوب شيء أو حرمته بعد الفحص عن مظان الدليل، يحكم العقل بعدم وجوبه وحرمته ظاهراً مستنداً إلى قبح العقاب بلا بيان. ولتوضيح مقصدهم نقول:

إنّ التمسك بالبراءة العقلية يتحدّد بأُمور:

الأوّل: عدم ورود البيان من المولى في المورد، سواء أكان البيان بالعنوان الأوّلي أم بالعنوان الثانوي، مثلاً: إذا شككنا في حرمة شرب التتن، فالعقل لا يمنع من الارتكاب بشرط أن لا يرد في المقام بيان في حرمة شرب التتن إمّا بما هو هو كما إذا قال: لا تشرب التتن، أو بما هو مشكوك الحرمة كأن يقول: إذا شككت في حرمة شيء فعليك بالاحتياط، فالبراءة العقلية رهن عدم وجود أحد البيانين وإلاّ فيرتفع موضوعها.

الثاني: عدم احتمال وجود غرض مهم للمولى في المورد بخصوصه على نحو


صفحه 166

لا يرضى بتركه حتّى في صورة الظن والشكّ، كما إذا شاهدنا غريقاً نحتمل أنّه ولد المولى، فالعقل يحكم بالاحتياط لافتراض انّ التكليف فعلي منجز في صورة الاحتمال أيضاً، كما هو كذلك في صورتي الظن والقطع.

الثالث: إذا تمكّن المولى من البيان، على نحو يكون قادراً على بيان مقاصده، وأغراضه بأحد الوجهين، ومع ذلك ترك البيان، ولم يُلزم العبدَ بالإيجاب والترك فعندئذ يستقل العقل بعدم مسؤولية العبد أمام مولاه، إذ لو كان له غرض لازم الاستيفاء لأبانه وبيّنه ولما سكت عنده.

نعم يمنع عن إجراء البراءة، انتفاء أحد الأُمور الثلاثة الماضية وذلك بتحقّق أحد الأُمور التالية:

أ : ورود البيان من المولى إمّا بالعنوان الأوّلي أو بالعنوان الثانوي.

ب: احتمال وجود غرض مطلوب للمولى في المورد على نحو يكون الحكم فعلياً حتّى في صورة الشكّ أيضاً.

ج: كون المولى غير متمكّن من البيان، عاجزاً عن تقرير مقاصده، وممنوعاً من التكلّم على نحو تنقطع منه صلته بالمكلَّف.

والمفروض وجود الشرائط الثلاثة وعدم انتفائها فتجري البراءة العقلية، لعدم تمامية الحجّة على العبد، لو لم نقل بالعكس.

إنّ استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان لا يتوقّف على إدخاله تحت عنوان الظلم بأن يكون العقاب مع عدم البيان ظلماً بالنسبة إلى العبد، لما قلنا في محلّه من أنّ المستقلات العقلية في الحكمة العمليّة أكثر من القضيتين المعروفتين: بـ: «حسن العدل وقبح الظلم»، بل ربما يستقل العقل بأُمور، وإن لم ينطبق عليها عنوان الظلم أو العدل، كاستقلاله بحسن الوفاء بالميثاق وقبح نقضه،


صفحه 167

وكاستقلاله بحسن جزاء الإحسان بالإحسان وقبح جزائه بالسوء، والمقام أيضاً من هذا القبيل فالعقل مستقلّ بقبح العقاب مع تمكّن المولى من البيان، سواء أكان العقاب في هذه الحالة من مصاديق الظلم أم لا.

ثمّ إنّ الأُمور الثلاثة التالية تؤيّد كون موقف العقل، عند الشكّ في الحكم الشرعي الإيجابي أو التحريمي ، هو البراءة:

1. انّ النظام السائد بين العقلاء فيما يرجع إلى أمر الطاعة، هو البراءة ما لم يكن بيان في المقام، فالرئيس لا يحتج على من دونه في الرتبة والدرجة، إلاّ بما بيّنه وشرحه له وأمره باتّباعه، ولو قام أحد الموظّفين، بكلّ ما أُمر به وبُيّن له، على نحو لم يفته شيء منه، ولكنّه ترك ما شكّ في مطلوبيته ممّا لم يكن موجوداً في برنامجه، يعدّ مطيعاً غير عاص، ولا يحتجّ الرئيس عليه بالشكّ والترديد، مع أنّه كان متمكناً من البيان، وما هو إلاّ لقضاء فطرتهم بذلك وعقولهم عليه لا أنّهم اتّفقوا على هذا التحديد، فاتّفاقهم على تلك الضابطة من وحي الفطرة، ولأجل ذلك صارت القاعدة عالمية لا تختص بقطر دون قطر أو شعب دون شعب، والسعة والعمومية ـ كما قلنا في محلّه ـ آية كون الحكم فطريّاً نابعاً من صميم ذات الإنسان لا أمراً اتّفق عليه العقلاء لمصالح وأغراض خاصّة.

2. انّه سبحانه يصرّح في غير واحد من آياته، بأنّ الغاية من إرسال الرسل، هو قطع عذر العباد، وإبطال حجّتهم على اللّه على نحو لولا إرسال الرسل، لكانت الحجّة للعباد على اللّه تعالى.

يقول سبحانه: (رُسُلاً مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكيماً)(1)، فالآية صريحة في أنّه سبحانه أبطل


1 . النساء:165.


صفحه 168

حجّتهم، بإرسال الرسل وأتم الحجّة عليهم به، مكان احتجاج العباد على اللّه إن لم يبعث الرسل. والآية خير دليل على أنّه لا يحتج عليهم إلاّ بالبيان الواصل، وإلاّ لاحتجّ العباد على اللّه سبحانه بأنّه أهمل بيان مقاصده وأغراضه بترك إرسال الرسل.

وليست الآية، هي الآية الفريدة في المقام بل تعزّزها آيات أُخرى يشهد الكلّ على أنّ الاحتجاج لا يتمّ إلاّ ببيان واصل، لا بالشكّ في التكليف، يقول سبحانه: (وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُم بِعَذاب مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى)(1) ، فالآية كنظيرتها، صريحة في أنّ احتجاجه سبحانه على العباد، أو احتجاجهم عليه، يدور مدار البيان الواصل وعدمه، فلو صدر البيان من المولى، لصحّ الاحتجاج على العباد، وإلاّ لصحّ العكس، واللّه سبحانه لإيصاد باب احتجاجهم عليه، بعث الأنبياء مبشرين ومنذرين ليكون للّه سبحانه عليهم الحجّة، دون أن يكون لهم الحجّة عليه.

3. انّ سبحانه يتبرّأ في كثير من آياته من التعذيب قبل البيان، ويراه أمراً غير ممكن أو غير لائق بشأنه تعالى وما هذا إلاّ لقبحه ويقول:

(وَمَا كُنّا مُعَذّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً).(2)

(ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمّها رَسُولاً).(3)

إنّ«كان» الناقصة إذا استعملت مع «ما» النافية يراد بها أحد المعنيين:


1 . طه:134.

2 . الإسراء:15.

3 . القصص:59.


صفحه 169

1. نفي الشأنية وانّه غير لائق بمقامه سبحانه، مثل قوله: (وَما كانَ اللّه لِيُضيعَ إِيمانكُم).(1) والمراد من الإيمان الصلاة إلى البيت المقدس، فأطلق الإيمان وأُريد به العمل.

2. نفي الإمكان، مثل قوله سبحانه: (وَما كانَ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّه).(2) والمراد نفي الإمكان الذاتي لاستحالة وجود الممكن (الموت) بلا علّته التامة وهي إرادته سبحانه.

وعلى ضوء ذلك فالمراد من قوله (ما كُنّا مُعذّبين) وقوله: (وَماكانَ رَبّكَ مُهلِكَ القُرى) إمّا نفي الشأنية وانّه أجلّ من أن يرتكب هذا الأمر القبيح، (التعذيب بلا بيان).

أو نفي الإمكان الوقوعي لا الذاتي، فانّ التعذيب قبل البيان بملاحظة ما للّه سبحانه من صفات الحكمة أو العدل، لا يصدر منه ولا يقع.

وإن أردت إرجاع المعنيين إلى معنى واحد فلامشاحّة.

فبهذه الأُمور الثلاثة، يتّضح أنّ ملاك الاحتجاج عند العقل على العباد، هو البيان الواصل، لا البيان المشكوك، وتكون البراءة العقلية في الشبهات الوجوبية أو التحريميّة أصلاً راسخاً لا تحركه العواصف.

فإن قلت: سلّمنا انّه لا يجوز العقاب إلاّ عند البيان، ولكنّه لا ينحصر البيان بالقسم القطعي، بل يعمّ الظنّي والاحتمالي، فالظن بالتكليف أو احتماله، نوع بيان له.


1 . آل عمران:143.

2 . آل عمران:145.


صفحه 170

قلت: إنّ الموضوع لوجوب الطاعة، أو حرمة التمرّد هو البيان الواصل، فلا يصدقان إلاّ مع وصوله، أمّا الظن بالحكم واحتماله، فهما موضوعان لحسن الاحتياط، فلا يحسن إلاّ إذا كان هناك أحد الأمرين فيجب تمييز ما هو موضوع لوجوب الطاعة عمّا هو موضوع لحسن الاحتياط، فالبيان الظني أو الاحتمالي موضوعان للثاني دون الأوّل. ولو كان البيان الاحتمالي كافياً في إتمام الحجّة لما تبرّأ منه سبحانه لوجوده في أكثر الناس قبل بعث الرسل.

فإن قلت: ما الفرق بين مقاصد العبد وأغراضه، ومقاصد المولى وأغراضه، فانّ سعي العبد لا يتحدد بصورة القطع بها بل يعمّ صورتي الظن والاحتمال، فليكن سعي العبد وراء مقاصد المولى وأغراضه كذلك، أفهل يمكن أن تكون مقاصد الشريعة، أقل قيمة من أغراض العبد، ولا يجب تحصيلها عند الظن والشك؟

قلت: لا شكّ انّ مقاصد الشريعة أولى وأفضل من المقاصد الدنيوية للعبد لكن الكلام في حد دائرة مسؤولية العبد عند العقل، فهل هو مسؤول عن عامة مقاصد المولى وأغراضه سواء أكانت مقطوعة أم مظنونة أم مشكوكة، أو هو مسؤول عمّا قامت الحجّة عليه، سواء أكان هناك غرض أم لا، إنّ العقل الفطري يحكم بالثاني.

وإن شئت قلت: الواجب على العبد طاعة المولى فيما أمر ونهى، وعدم التمرد، حتى يدور في فلك العبودية ولا يخرج عن زيّ الرقية، وصدق الطاعة أو التمرد، فرع وجود موضوع لهما ولا موضوع إلاّ إذا تمّ البيان من المولى.

نعم ربما يكون الاحتمال منجّزاً للواقع، وباعثاً إلى الحركة نحو المحتمل، فيما لو احتمل انّه لو كان للمولى غرض في المقام، لما رضى بتركه ـ كما مرّ ـ وهو


صفحه 171

خارج عن محط البحث.

ثمّ إنّ لغير واحد من المحقّقين بياناً آخر لتقرير البراءة العقلية نذكره مشفوعاً بالنقد والتحليل.

1. البيان الواقعي غير محرّك

ذكر المحقّق النائيني(قدس سره) وجهاً لحكم العقل بالبراءة عند الشكّ في التكليف، حاصله:انّ مجرد البيان الواقعي، مع عدم وصوله إلى المكلّف، لا يكفي في صحّة المؤاخذة واستحقاق العقوبة، لأنّ وجود البيان الواقعي كعدمه، غير قابل لأن يكون باعثاً ومحركاً لإرادة العبد ما لم يصل إليه الأمر ويكون له وجود علمي.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الأمر مطلقاً، ـ بوجوده الواقعي و بوجوده العلمي ـ ليس محركاً للعبد نحو المطلوب وليس له أثر ـ حتّى بعد الوصول ـ سوى بيان موضوع الطاعة، وإنّما المحرك لإرادة العبد هو الخوف من العقاب، أو الطمع في الثواب، ونسبة التحرك إلى الأمر، نسبة مجازية باعتبار كونه موضوعاً لما يترتّب على مخالفته، العقاب، وعلى موافقته الثواب.

فإذا لم يكن للأمر تأثير سوى بيان موضوع الطاعة، فلابدّ من نقل الكلام، إلى تحديد مسؤولية العبد ـ عند العقل ـ أمام المولى، فلو كان مسؤولاً فيما تُعدّ موافقته طاعة، ومخالفته تمرّداً فلا يجب الاحتياط في صورة الظن بالتكليف أو احتماله، ولو كان مسؤولاً أمام المولى مطلقاً في عامة الحالات، فلابدّ من الاحتياط، فكون الأمر محركاً في صورة الوصول وغير محرّك عن غير هذه الصورة كأنّه أجنبيّ عمّا هو المقصود.ولابدّ من التركيز على مقدار مسؤولية العبد أمام مولاه كما عرفت


1 . فوائدالأُصول:3/365.


صفحه 172

والعقل الفطري يحدد كمّية المسؤولية، بما لو خرج عنه لعدّ متمرّداً، ولا يصدق التمرّد إلاّ إذا كان البيان واصلاً.

2. الحكم الحقيقي متقوّم بالبيان

وهنا بيان آخر لتبيين قبح العقاب بلا بيان وهو ما أفاده المحقّق الاصفهاني فقال: إنّ مدار الإطاعة والعصيان على الحكم الحقيقي، والحكم الحقيقي متقوم بنحو من أنحاء الوصول لعدم معقولية تأثير الإنشاء الواقعي في انقداح الداعي، وحينئذ لا تكليف حقيقي مع عدم الوصول فلا مخالفة للتكليف الحقيقي، فلا عقاب، فانّه على مخالفة التكليف الحقيقي.(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: المنع من عدم كون الحكم الإنشاني، حكماً، بشهادة صحّة تقسيمه إلى الإنشائي والفعلي، تقسيماً حقيقياً، لا مجازياً .

وثانياً: أنّ الحكم الحقيقي أعمّ من الحكم الواصل إلى المكلّف، كما إذا تمّ البيان من المولى ولكن حالت الموانع بينه وبين المكلّف، فالحكم عندئذ فعليّ حقيقيّ غير منجّز، فلو كان المدار في وجوب الطاعة، هو الحكم الحقيقي فيجب الاحتياط إذا احتمل تمامية البيان من المولى أو ظن بها مع أنّه مجرى البراءة لدى القائل.

والأولى تحديد موضوع وجوب الطاعة وحرمة التمرّد، فهل موضوع الوجوب هو انكشاف الواقع انكشافاً علميّاً، أو يعمّ مطلق الانكشاف ولو كان احتمالياً؟ فمن قال بعدم وجوب الاحتياط قال بالوجه الأوّل، ومن قال بوجوبه قال بالوجه الثاني، فالواجب علينا تحرير موضوع وجوب الطاعة لا إحراز صدق الحكم وعدم


1 . نهاية الدراية:2/190.


صفحه 173

صدقه.

وقد عرفت أنّ العبد مسؤول أمام المولى فيما أمر ونهى، إذ عندئذ يصدق أنّه مطيع لمولاه، غير متمرد ولا خارج زي الرقية، وليس مسؤولاً عمّا ظن واحتمل كما مرّ.

3. قبح العقاب بلا بيان عقلائي لا عقلي

وربّما يتصوّر انّ قبح العقاب بلا بيان، أمر عقلائي أمضاه الشارع، وليس له من حكم العقل رصيد.

يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ ما ذكر ـ و أغمضنا عمّا قلناه من قضاء العقل الفطري به بشهادة كونه عالمياً ـ لانقلبت البراءة العقلية عندئذ إلى البراءة الشرعية وهو خلف، لأنّ بناء العقلاء لا يحتجّ به إلاّ إذا أمضاه الشارع، وبعد الإمضاء يصير أصلاً شرعياً، لا عقلياً مع أنّ القائل يرى البراءة العقلية، غير البراءة الشرعية.

حقّ الطاعة للمولى

لا شكّ انّ للمولى، حقّ الطاعة على عبده ولكنّه يتحدّد ـ بقضاء العقل الفطري ـ بما إذا تمّت الحجّة عليه من جانب المولى ببيان ما وظيفته بأحد الوجهين، وبالتالي يتحدد بصورة القطع بالوظيفة الواقعية أو الظاهرية، ولا يشمل صور الظن بالحكم أو الشكّ فيه.

وليس تحديد العقل موضوعَ الطاعة في المقام بمعنى حكومته على المولى سبحانه وتحديد مولويته بصورة العلم بالحكم بل هو كاشف عن واقعية ثابتة،


صفحه 174

وذلك بالنظر إلى ما للمولى سبحانه من صفات ككونه حكيماً عادلاً، إلى غير ذلك من الصفات الكمالية نظير حكم العقل بعدم صدور القبيح منه فحكم العقل بعدم الصدور بمعنى استكشافه ذلك منه بالنظر إلى ما للمولى سبحانه من صفات تستلزم ذلك.

وقد وقفت على كلام للسيد الشهيد الصدر(قدس سره) وهو ينكر هذه القاعدة ـ أي قبح العقاب بلا بيان ـ ويعتمد على قضية حقّ الطاعة ويقول: إنّ للمولى حقّ الطاعة في المجالات الثلاثة: القطع بالحكم، والظن، والاحتمال به.

ثمّ إنّه أوضح ذلك بما ألّفه بقلمه الشريف كالحلقات و بما قرره تلامذته، ونحن نذكر ما وقفنا عليه من كلماته أوّلاً ثمّ نردفه بنقل ما ذكره في محاضراته، وقد أسماه بـ«مسلك حق الطاعة»، و ذكره في غير موضع من حلقاته كما ذكر ثمار المسلكين في الحلقة الثانية.(1) وإليك مقتطفات من كلامه.

حقّ الطاعة أوسع من العلم بالتكليف

قال: إنّ دائرة حقّ الطاعة أوسع من التكاليف المعلومة، بل يعمّ المظنونة والمحتملة، فحكم العقل بحقّ الطاعة للمولى غير محدّد بصورة العلم بالتكليف، وذلك لأنّ مرجعه إلى تحديد دائرة حقّ الطاعة في التكاليف المعلومة، خاصة فيما يرجع حكم العقل بمنجزية التكاليف المحتملة عندنا، إلى توسعة دائرة حقّ الطاعة وهكذا.(2)

ثمّ إنّه(قدس سره) بيّن ما يتبنّاه تحت عنوان «مسلك حقّ الطاعة» وقال:


1 . الحلقة الثانية:46ـ 51.

2 . الحلقة الثالثة:2/13.


صفحه 175

نحن نؤمن في هذا المسلك بأنّ المولوية الذاتية الثابتة للّه سبحانه وتعالى لا تختص بالتكاليف المقطوعة، بل تشمل مطلق التكاليف الواصلة ولو احتمالاً، وهذا من مدركات العقل العملي وهي غير مبرهنة، فكما أنّ أصل حقّ الطاعة للمنعِم والخالق مدرك أوّلي للعقل العملي غير مبرهن، كذلك حدوده سعة وضيقاً، وعليه فالقاعدة العملية الأوّلية هي أصالة الاشتغال بحكم العقل ما لم يثبت الترخيص الجادّ في ترك التحفظ، فلابدّ من الكلام على هذا الترخيص وإمكان إثباته شرعاً وهو ما يسمّى بالبراءة الشرعية.(1)

يلاحظ عليه بوجهين: أمّا أوّلاً: فإنّ ما أفاده «انّ أصل حقّ الطاعة للمنعم والخالق مدرك أوّلي للعقل العملي غير مبرهن كذلك حدوده سعة وضيقاً» منظور فيه، فإن أراد بالبرهان، البراهين الفلسفية الّتي يستلزم فرض نقيض المطلوب فيها اجتماعَ النقيضين أو ارتفاعهما فهو صحيح لكن هذا النوع من البرهان يختصّ بمسائل الحكمة النظرية لا الحكمة العملية والمفروض انّ المقام من القسم الثاني، وعدم وجود هذا النوع من البرهان في المقام لا يضرّ بقطعية القضية لاستقلال العقل العملي بالبراءة عندئذ.

وإن أراد من عدم كونه برهانيّاً انّ العقل العملي لا يدرك دركاً وجدانياً ما هو حكمه في مورد حقّ الطاعة ولا موضوعه سعة وضيقاً فهو مرفوض، إذ لامعنى لأن يتوقّف العقل في الموضوعات الّتي له فيها حقّ القضاء، وقد عرفت أنّ العقل في الشبهات الحكمية البدوية يحكم بحكمين:

1. إذا احتمل العبد انّ للمولى غرضاً لازم الاستيفاء في عامة المجالات وإن كان مشكوكاً، فعندئذ يستقلّ بالاشتغال واعمال الاحتياط ومورد هذا النوع من


1 . الحلقة الثالثة:2/33.


صفحه 176

الشكّ متوفّر في الشبهات الموضوعية غالباً.

2. إذا شكّ في حرمة شيء أو وجوبه ولم يكن المورد من قبيل القسم الأوّل فالعقل يستقلّ بالبراءة لافتراض انّ المولى متمكن من بيان وظيفة العبد بأحد النحوين الماضيين، فإذا سكت، يستكشف العقل عدم حكم إلزامي في المقام وإلاّ لأعرب وأبان.

ثانياً: فلو افترضنا قضاء العقل الدقيق بلزوم الاحتياط في المشكوكات، فإنّما يصحّ الاعتماد عليه إذا كان الحكم (لزوم إطاعة المولى في المظنونات والمشكوكات) أمراً واضحاً عند أكثر العقول، فعلى المولى أن يعتمد على قضاء عقل العبد في ذلك المجال، وأمّا إذا كان حكمه مغفولاً عنه عند العامّة حيث اعتاد الناس أنّ الامتثال رهن البيان وقد عرفت أنّ السائد بين العقلاء فيما يرجع إلى الرئيس والمرؤوس هو ذاك، فاعتماد المولى على هذا الحكم الخفيّ على أكثر الناس، غير صحيح.

هذا تحليل ما وقفنا عليه في الحلقة الثالثة من حلقاته الّتي ألّفها بقلمه الشريف.

ثمّ إنّه(قدس سره) بسط الكلام فيما تبنّاه من تقدّم حقّ الطاعة على قبح العقاب بلا بيان في محاضراته وجاء فيها ما يميط الستر عن مرامه، ونحن نذكر نصّ التقرير لكن بتلخيص.

التبعيض في التنجيز تبعيض في المولوية

يقول(قدس سره) :إنّ المولوية وحقّ الطاعة ينقسم إلى أقسام ثلاثة:

1. المولوية الذاتية الثابتة بلا جعل واعتبار والّتي هي أمر واقعي على حدّ


صفحه 177

واقعيات لوح الواقع وهذه مخصوصة باللّه تعالى بحكم مالكيته لنا، الثابتة بملاك خالقيته.

2. المولوية المجعولة من قبل المولى الحقيقي، كما في المولوية المجعولة للنبيّ أو الوليّ، وهذه تتبع في السعة والضيق مقدار جعلها لا محالة.

3. المولوية المجعولة من قبل العقلاء أنفسهم بالتوافق على أنفسهم، كما في الموالي والسلطات الاجتماعية وهذه أيضاً تتبع مقدار الجعل والاتّفاق العقلائي.

ثمّ قال: إنّ المشهور ميّزوا بين أمرين: مولوية المولى ومنجزية أحكامه فكأنّه يوجد عندهم بابان:

أحدهما باب مولوية المولى الواقعية وهي عندهم أمر واقعي مفروغ عنه لا نزاع فيه ولا يكون للبحث عن حجّية القطع ومنجزيته مساس به.

والباب الآخر هو منجزية القطع وأنّه متى يكون تكليف المولى منجزاً؟!، وفي هذا الباب ذكروا أنّ التكليف يتنجز بالوصول والقطع ولا يتنجز بلا وصول، ولهذا حكموا بقاعدة قبح العقاب بلا بيان.

ويقولون هذا وكأنّهم لا يفترضون أنّه تفصيل بحسب روحه في الباب الأوّل وفي حدود مولوية المولى وحق طاعته.

لكن هذا المنهج غير صحيح وانّ المنجزية الّتي جعلوها باباً ثانياً إنّما هي من لوازم أن يكون للمولى حقّ الطاعة على العبد في مورد التنجيز وأيَّ تبعيض عقلي في المنجزية بحسب الحقيقة، تبعيض في المولوية، فلابدّ من جعل منهج البحث ابتداءً عن دائرة مولوية المولى وانّها بأيّ مقدار، وهنا فرضيات:

1. أن تكون مولوية المولى أمراً واقعياً موضوعها واقع التكليف بقطع النظر عن الانكشاف ودرجته، وهذا باطل جزماً، لأنّه يستلزم أن يكون التكليف في موارد


صفحه 178

الجهل المركب منجزاً ومخالفته عصياناً، وهو خلف لمعذّرية القطع.

2. أن يكون حقّ الطاعة في خصوص ما يقطع به ويصل إلى المكلّفين من تكاليف المولى، وهذا هو روح موقف المشهور الّذي يعني التبعيض في المولوية بين موارد القطع والوصول وموارد الشكّ، ولكنّا نرى بطلان هذه الفرضية أيضاً لأنّا نرى أنّ مولوية المولى من أتمّ مراتب المولوية على حدّ سائر صفاته، وحقّه في الطاعة على العباد أكبر حقّ، لأنّه ناشئ من المملوكية والعبودية الحقيقية.

3. المولوية في حدود ما لم يقطع بالعدم، وهذه هي التي ندّعيها وعلى أساسها ننكر قاعدة قبح العقاب بلا بيان التي على أساسها ذهب المشهور إلى التبعيض في المولوية، وكأنّهم قاسوا ذلك ببعض المولويات العقلائية التي لا تثبت في غير موارد وصول التكليف، نعم لو قيل بأنّ الشارع أمضى السيرة والطريقة المعتادة في المولويات الثابتة عند العقلاء وبمقدار ما تستوجبه من الحقّ فلا بأس به ويكون مرجع هذا بحسب الحقيقة إلى البراءة الشرعية المستكشفة عن طريق إمضاء السيرة العقلائية.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ تخصيص المشهور التنجزَ بصورة البيان الواصل ليس لغاية التبعيض في حق الطاعة، لافتراض انّه أمر واقعي نابع من خالقيته أو منعميته بل تخصيصه بصورة وجود البيان لأجل وجود القصور في ناحية المطيع، لجهله بالحكم وعدم علمه بالوظيفة، فالمقتضي للطاعة وإن كان موجوداً، لكن المانع غير مفقود.

وثانياً: لو كان تخصيص التنجيز بصورة البيان الواصل، تخصيصاً في مولوية المولى، يلزم تخصيص التنجيز بصورة ما لم يقطع بالعدم تبعيضاً في حقّ الطاعة


1 . بحوث في علم الأُصول:4/30، مبحث القطع.


صفحه 179

أيضاً لاستلزامه خروج صورة القطع بالخلاف من تحت حقّ الطاعة فلو كان حقّ الطاعة غير قابل للتبعيض يكون الملاك هو الصورة الأُولى التي ليس فيها أي تحديد للتنجيز وبالتالي لمولويته، وقد اعترف(قدس سره) ببطلانه.

ثمّ إنّ له (قدس سره) كلاماً آخر، في مبحث البراءة يتحد مضمونه مع ما سبق قال:

إنّ هناك خطأ أساسياً في هذا الطرز من التفكير، حيث فُصِّل بين الحجّية والمولوية مع أنّه لا فصل بينهما بل البحث عن الحجّية بحث عن حدود المولوية بحسب الحقيقة، لأنّ المولوية عبارة عن حقّ الطاعة، وحق الطاعة يدركه العقل بملاك من الملاكات، كملاك شكر المنعم أو ملاك الخالقية أو المالكية، ولكن حقّ الطاعة له مراتب وكلّما كان الملاك آكد كان حقّ الطاعة أوسع.

فقد يُفرض بعضُ المراتب من منعمية المنعم لا يترتب عليه حقّ الطاعة إلاّ في بعض التكاليف المهمة في كلّها، وقد تكون المنعمية أوسع بنحو يترتّب حقّ الطاعة في خصوص التكاليف المعلومة، وقد تكون مولوية المولى أوسع دائرة من ذلك بأنْ كانت منعميته بدرجة يترتّب عليه حقّ الطاعة حتّى في المشكوكات والمحتملات من التكاليف، فهذا بحسب الحقيقة سعة في دائرة المولوية، إذن فالحجّية ليست شيئاً منفصلاً عن المولوية وحق الطاعة.

ومرجع البحث في قاعدة قبح العقاب بلا بيان إلى البحث عن أنّ مولوية المولى هل تشمل التكاليف المحتملة أم لا. ولا شكّ انّه في التكاليف العقلائية عادة تكون المولوية ضيّقة ومحدودة بموارد العلم بالتكليف، وأمّا في المولى الحقيقي فسعة المولوية وضيقها يرجع فيهما إلى حكم العقل العملي تجاه الخالق سبحانه، ومظنوني انّه بعد الالتفات إلى ما بيّناه لا يبقى من لا يقول بسعة مولوية المولى الحقيقي بنحو تشمل حتّى التكاليف الموهومة. ومن هنا نحن لا نرى جريان


صفحه 180

البراءة العقلية.(1)

يلاحظ عليه: بأنّه أي صلة بين كون المولوية ذاتية غير مجعولة نابعة من خالقيته ومنعميّته وبين سعة الاحتجاج في صورة الشكّ في التكليف وعدم قيام الحجّة على العبد. فيمكن أن تكون مولويته وسيعة، لكن يكون حقّ الطاعة مضيّقاً، وذلك لأنّ سعة المولوية، تابعة، لسعة ملاكها وهو كونه سبحانه في عامة الحالات خالقاً موجداً للعبد من العدم إلى الوجود فهو مولى العباد في جميع الأحوال.

وأمّا سعة الطاعة وضيقها فليسا تابعين لسعة المولوية وضيقها، بل تابعة لصحّة الاحتجاج على العبد عقلاً وعدمها. وقد عرفت اختصاصها بصورة وجود موضوع الطاعة.

وبعبارة ثانية: انّ جعل سعة الطاعة وضيقها، مترتبين على سعة المولوية وعدمها غير صحيح، فإنّ السعة والضيق في مجال الطاعة تابعان لصحّة الاحتجاج وعدمها، فإن قلنا بأنّه يصحّ الاحتجاج على العبد في كلّ الأحوال الثلاثة: القطع والظن والشك، وجب على العبد الطاعة من دون حاجة إلى ملاحظة سعة مولويته أو ضيقها.

وأمّا لو قلنا بعدم صحّة الاحتجاج على العبد إلاّ فيما تمت الحجّة فيه على العبد، فلا يصحّ الاحتجاج في صورة الظن والشكّ، وإن كانت مولويته وسيعة.

والشاهد على ذلك أنّه ربما تفترق المولوية، عن حقّ الطاعة والتنجيز في صورة القطع بالخلاف، فالمولوية ثابتة حتّى مع الجهل المركب ولا يمكن سلبها


1 . بحوث في علم الأُصول:5/24، مباحث الأُصول العملية.


صفحه 181

عن العباد لكونها نابعة من أمر تكويني ذاتي، دون حقّ الطاعة أو التنجيز، بل هو مرتفع لكون القطع بالخلاف مانعاً من التنجز، وليكن الجهل بالواقع كالقطع بالخلاف مانعاً، لا لقصور في المقتضي بل لوجود المانع.

وبعبارة ثالثة هاهنا أمران:

أحدهما: ملاك الطاعة ومنشؤها.

ثانيهما: موضوع الطاعة. فملاك الطاعة ليس إلاّ المولوية، لكن موضوعها هو حكم المولى، والوصول شرط لوجوب الطاعة، وهذا هو الوجه في كون دائرة المولوية أوسع من وجوب الطاعة، إذ الطاعة متفرعة على حكم المولى الواصل إلى العبد، وإن كان منشؤها هو مولوية المولى.


صفحه 182

تحليل الاعتراض على قاعدة مسلك الطاعة

خاتمة المطاف

قد تعرّفت على مغزى قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» وانّها قاعدة محكمة، رصينة تعدّ من أحكام العقل العملي في الحكمة العملية، كما تعرّفت على مفاد قاعدة «حق الطاعة» وانّها كسابقتها، رصينة محكمة لكنّها محدّدة بما إذا قام الدليل على وجود التكليف ولا يكفي الظن بالتكليف ولا احتماله.

وقد اعترض على مسلك «حق الطاعة» بأُمور أهمّها وجود التزاحم بين الإلزام المستفاد من قاعدة حقّ الطاعة عند الشكّ في الوجوب، وملاك الإباحة الاقتضائية الّتي تقتضي الترخيص والحرية في العمل، وإليك بيان الاعتراض كما في بعض الرسائل:

«إنّنا في موارد الشكّ في التكليف كما نحتمل أن يكون الحكم الواقعي حكماً تكليفياً مشتملاً على ملاك اقتضائي للإلزام، كذلك نحتمل أن يكون حكماً ترخيصياً مشتملاً على ملاك اقتضائي للإباحة، فلو كان الاحتمال الأوّل مقتضياً لحكم العقل بالبناء على الإلزام، لضمان الحفاظ على الملاك الإلزامي المحتمل على فرض وجوده، لكان الاحتمال الثاني أيضاً مقتضياً لحكم العقل بالبناء على الترخيص لضمان الحفاظ على الملاك الترخيصي المحتمل على فرض وجوده، لأنّ


صفحه 183

كليهما من الملاكات ذات الأهمية عند المولى على فرض وجودها، ولا وجه لترجيح الأوّل على الثاني مالم نحرز كونه أهمّ منه عند المولى إلى درجة تقتضي تقديم ضمان حفظه على ضمان حفظ الثاني عند التزاحم بينهما في مقام الحفظ».

نقد الاعتراض

الظاهر انّ الاعتراض غير وارد على مسلك حق الطاعة على فرض صحته، وشموله لحالتي الظن بالتكليف واحتماله، ويظهر ذلك من خلال بيان أمرين:

الأوّل: الفرق بين الحكم والتكليف

لا شكّ انّ الحكم مشترك بين الأحكام الخمسة، فالترخيص الاقتضائي رهن إنشاء إباحة ناشئة عن ملاك الترخيص الموجود في الشيء المباح، المقتضي الحكم بالتساوي بين الفعل والترك، وشأن هذا الإنشاء كشأن سائر الأحكام الأربعة: الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة، فالجميع رهن الإنشاء ونتاجه كما هو واضح.

وأمّا التكليف فهو وإن كان من أقسام الحكم لكن يتميّز عن مطلق الحكم بالسمات التالية:

أ. انّ التكليف يشتمل على طلب وبعث أو نهي وزجر، سواء أكان الزامياً أم لم يكن.

ب. انّ امتثال التكليف يتّصف بالمشقة والعناء غالباً.

ج. انّ التكليف يتصوّر فيه الإطاعة والعصيان كما في الوجوب والحرمة، أو الموافقة والمخالفة كما في الاستحباب والكراهة، وبالتالي يكون المكلّف بالنسبة إليه


صفحه 184

إمّا مطيعاً أو عاصياً أو موافقاً أو مخالفاً.

د. انّ حقيقة التكليف تُلقي مسؤولية على عاتق المكلّف سواء أكانت بنحو الإلزام أم لا.

وهذه كلّها من سمات التكليف وهي متوفرة في الأحكام الأربعة دون الإباحة الاقتضائية فهي حكم ولكن ليس بتكليف.

فليس فيها طلب ولا بعث أو نهي أو زجر، ولا يستلزم العمل بها أي تعب وعناء، ولا يتصوّر فيها الطاعة والعصيان ولا الموافقة والمخالفة، ولا يثقل كاهل المكلّف بالحكم بالإباحة كلّ ذلك واضح عند التدبّر.

فإن قلت: كيف تكون الإباحة من مقولة الحكم دون التكليف مع أنّ الحكم منحصر في التكليفي والوضعي، وعلى هذا فالإباحة الاقتضائية من مقولة التكليف أخذاً بحصر الحكم فيهما.

قلت: إنّ تسمية الأحكام الخمسة بالأحكام التكليفية من باب الغلبة، لأنّ الأربعة الباقية من مقولته.

نعم الإباحة الوضعية ـ كما في قوله سبحانه: (أَحلّ اللّه البيع)بمعنى إمضاء البيع وجعله ماضياً إمّا من مقولة التكليف، أو موضوع للتكليف ولعلّ الثاني أظهر .

فخرجنا بالنتيجة التالية: انّ في مورد الإباحة الذاتية حكم شرعي نابع من ملاك ذاتي في الفعل تقتضي إنشاء التسوية والترخيص وليس هناك من جانب المولى تكليف ملقى على عاتق العبد.

نعم الإباحة من الأحكام الشرعية فلو قلنا بالموافقة الالتزامية يجب الاعتقاد


صفحه 185

بها تفصيلاً وإن لم نقل بكفاية الاعتقاد بصحّة ما جاء به النبي فليس في موردها تكليف وبالتالي امتثال.

الثاني: مصب حق الطاعة هو التكليف لا مطلق الحكم

إنّ حقّ الطاعة عبارة عن تحمّل العبد مسؤولية أمام المولى، ولزوم مثوله بين يديه فيما أمر به أو نهى عنه، فتختص بالطبع بموارد التكليف ولا تعمّ مطلق الحكم وبالتالي لا تشمل الإباحة الاقتضائية المعلومة تفصيلاً فضلاً عن الإباحة المحتملة.

كلّ ذلك لا لأجل التمسّك بلفظ الطاعة والجمود عليه، بل لأنّ واقع الطاعة الذي هو عبارة عن مثول العبد أمام المولى يُحدِّد حقيقة الطاعة بما إذا كان العبد مسؤولاً عمّا كُلِّف به. وأمّا الأحكام الإباحيّة الّتي ليس للمولى فيها طلب ولا بعث للعبد فلا موضوع هناك للطاعة ولا للمسؤولية.

وعندئذ فإذا دار الأمر بين كون الحكم الواقعي حكماً تكليفياً مشتملاً على ملاك مقتض للإلزام أو حكماً ترخيصياً مشتملاً على ملاك يقتضي الترخيص والتسوية بين الفعل والترك.

فإن قلنا: إنّ حقّ الطاعة يختصّ بالتكاليف المبيّنة من جانب المولى ـ كما هو المختار ـ لم يكن في مورد الشبهة أيّ موضوع لحقّ الطاعة. أمّا بالنسبة إلى الوجوب المحتمل فلأجل اختصاص القاعدة بالوجوب المعلوم لا المحتمل.

وأمّا بالنسبة إلى الإباحة الاقتضائية فلأجل عدم وجود موضوع للطاعة حتّى يحكم العقل بوجوب الطاعة.

وأمّا إذا قلنا: إنّ حقّ الطاعة يسع التكاليف المعلومة والمظنونة والمحتملة


صفحه 186

فلا يزاحمه احتمال كون الحكم الواقعي إباحة اقتضائية. لعدم وجود موضوع للطاعة فيها ويتفرَّد الحكم الإلزامي المحتمل بالطاعة.

فإن قلت: هب: انّ الإباحة الاقتضائية ليست من أقسام التكليف ولا يتصوّر فيها الامتثال والعصيان لكن الغرض من إنشائها هو تيسير الأمر على المكلّف وإطلاق العنان له بين الفعل والترك.

وعلى هذا فلو كان الأمر دائراً بين كونه واجباً أو مباحاً اقتضائياً، فإيجاب الاحتياط بمقتضى قاعدة حقّ الطاعة وإلزام المكلّف بالأخذ بالفعل ينافي ملاك الإباحة الاقتضائية الّتي مدارها إعطاء المكلّف كامل الحرية بين الفعل والترك، فكون الفعل محتمل الوجوب يقتضي الإلزام والضيق، كما أنّ كونه محتمل الإباحة يقتضي التيسير والسهولة وإطلاق العنان، فشمول القاعدة لهذه الصورة يوجد التزاحم بين الملاكين المحتملين.

قلت: إنّ الغرض من جعل الإباحة الاقتضائية يتلخّص في أمرين:

الأوّل: اعتقاد المكلّف بكون حكم اللّه في هذا المورد هي الإباحة لا غير، وهذا هو المسمّى بالموافقة الالتزامية، فلو كان الحكم أي الإباحة معلومة بالتفصيل وجب الاعتقاد بإباحتها تفصيلاً، وإن لم تكن معلومة بالتفصيل كما في المقام كفى الاعتقاد بصحّة ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا المورد إجمالاً، كلّ ذلك بناء على وجوب الموافقة الالتزامية.

الثاني: ترخيص المكلّف على الصعيد العملي من جانب الشارع دون أن يكون هناك إلزام. فإذا كان المطلوب من جعل الإباحة الاقتضائية، هو الترخيص بما هوهو فهذا حاصل غير منتف، إذ ليس من جانب المولى أي إيجاب أو تحريم


صفحه 187

بل حكم بالتسوية بين الفعل والترك، ولكنّه لا ينافي أن يتعلّق إلزام بالفعل المباح القطعي، فضلاً عن المحتمل، لأجل انطباق عنوان آخر.

ويشهد على صحّة ما ذكرنا الأمران التاليان:

1. انّ الفعل المباح، إذا صار مبدأ للضرر والحرج، يعرض عليه اللزوم دون أن يتصّور وجود التزاحم بين ملاك الإباحة الاقتضائية، وملاك حرمة الضرر والحرج حتّى يكون تقديم حكمهما على الأُولى من باب الأولوية والأحقية، لأنّ اقتضاء التسوية بما هوهو لا ينافي ترجيح أحد الطرفين لأجل عامل خارجي، فاقتضاء الميزان، تساوي الكفّتين، لا ينافي ترجيح أحد الطرفين بعامل خارجي، فلا موضوع للتزاحم حتّى يرجح أثر العامل الخارجي على التساوي الداخلي.

2. انّ الفعل المباح ربّما يقع مقدّمة للواجب والحرام فإذا قلنا بالملازمة بين حكمي المقدّمة وذيها، فعندئذ يعرض عليها الإلزام بالفعل والترك، ولا يتصوّر فيه أي تزاحم بين ملاك الحكمين، حتّى يكون تقديم الإلزام على الإباحة من باب الأهميّة والأولوية.

وما ربما يقال: من أنّ العبد في الإباحة الاقتضائية مكلّف بحفظ غرض الشارع ومقصده، وهو الترخيص والتسهيل، فغير مفيد فإن أُريد انّه مكلّف في مرحلة الاعتقاد، فهو صحيح فأيّ اعتقاد بحكم الفعل يضاد الإباحة فهو تشريع محرم.

وإن أُريد انّه مكلّف به في مرحلة العمل فهو لازم الاتّباع لكن لو لم يحمله عامل خارجي على الأخذ بأحد الطرفين إلزاماً.

***


صفحه 188

تمّ الكلام حول القاعدتين يوم اندلعت نار الحرب بين الحكومة العراقية و قوات الاحتلال: البريطانيّة والامريكيّة ـ خذلهما اللّهـ وذلك في يوم الخميس، السادس عشر من شهر محرم الحرام من شهور عام 1424هـ.

اللّهم احفظ الإسلام والمسلمين، وردّ كيد الظالمين إلى نحورهم وبلادهم.


صفحه 189

3

الجمع بين الحكم

الواقعي و الظاهري

إنّ العنوان الواقعي لهذه المسألة عند القدماء هو: جواز التعبّد بخبر الواحد عقلاً، ولكنه تغيّر عنوانها في الأعصار المتأخرة من عصر المحقّق البهبهاني (1118ـ 1206هـ) إلى الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري و بقي إلى يومنا هذا.وإليك بعض كلمات القدماء:

قال المرتضى(355ـ 436هـ): إنّ شبهة من أحال التعبّد بالعمل بالخبر الواحد في تخصيص أو غيره، التي عليها المدار ومنها تتفرع جميع الشبه أنّ العموم طريقة العلم فلا يجوز أن يُخصّ بما طريق إثباته غالب العلم . ثمّ قام بقلع الشبهة.(1)

وقال الشيخ الطوسي(385ـ 460هـ) في فصل خاص بذكر الخبر الواحد: اختلف الناس في خبر الواحد ـ إلى أن قال: ـ فقال قوم لا: يجوز العمل به عقلاً.(2)


1 . الذريعة:1/281.

2 . العدّة:1/98.


صفحه 190

وقال المحقّق الحلّـيّ(602ـ 676هـ) في المعارج: يجوز التعبّد بخبر الواحد عقلاً خلافاً لابن قبة(قبل 317هـ).(1)

وقال في المعالم: (965ـ 1011هـ): وماعُري من الخبر الواحد عن القرائن المفيدة للعلم يجوز التعبّد به عقلاً، ولا نعرف في ذلك من الأصحاب مخالفاً سوى ما حكاه المحقّق عن ابن قبة، ويعزى إلى جماعة من أهل الخلاف.(2)

وفي الجملة عنوان المسألة هو جواز التعبّد وإمكانه وعدمه. كما أنّ عنوان المسألة يختلف عن عنوان المتأخّرين لأجل اختلاف أدلّتهم على امتناع التعبّد.

ذكر المحقّق في المعارج استدلال القائلين بمنع التعبّد، قال: احتجّ الخصم بوجهين:

أحدهما: أنّ خبر الواحد لا يوجب العلم فيجب أن لا يعمل به، و]المقدمة[ الأُولى ظاهرة ولأنّا لا نتكلم إلاّ ما في هذا شأنه من الأخبار، وأمّا الثانية فلأنّه عمل بمالا يؤمن كونه مفسدة.

ثانيهما: ثبت أنّه لا يقبل خبر النبي إلاّ بعد قيام المعجزة على صدقه ففي من عداه أولى.(3)

وأين هذا الاستدلال ممّا في كلام المتأخّرين من اجتماع المثلين أو الضدّين أو الإلقاء في المفسدة أو تفويت المصلحة، إلى غير ذلك ممّا سيمر عليك.

هذا هو العنوان عند القدماء، وأمّا عنوان المتأخّرين فهو الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، سواء أكان الحكم الظاهري موافقاً للواقع أم مخالفاً، لأنّ الحكم الظاهري إن كان مماثلاً للحكم الواقعي يلزم اجتماع المثلين وإن كان مخالفاً


1 . المعارج: 80.

2 . المعالم: 340.

3 . المعارج: 81.


صفحه 191

له يلزم اجتماع الضدّين.

وأيضاً ففي الصورة الأُولى يلزم اجتماع الإرادتين في موضوع واحد، وفي الصورة الثانية يلزم اجتماع مصلحة ومفسدة أو إرادة وكراهة في موضوع واحد.

هذا مع فرض حفظ الحكمين والملاكين دون أن يكون هناك كسر وانكسار، وإلاّ فلو غلب ملاك الحكم الظاهري الملاكَ الواقعي ولم يكن في الساحة إلاّ الحكم الظاهري يلزم التصويب واختصاص الحكم الواقعي بالعالمين وخروج الجاهلين من تحته، وهو تصويب باطل لاتّفاق الإمامية على أنّ أحكامه سبحانه مشتركة بين العالم والجاهل.

وهذا ما دعا المحقّقين إلى الغور في هذا المقام حتّى يرفعوا بذلك مشكلة الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري.

وإذا أردت تصوير المحاذير بصورة واضحة فنقول: إنّ المحذور إمّا ملاكيّ وإمّا خطابيّ وإمّا مبادئيّ.

المحذور الملاكي

المراد بالمحذور الملاكي هو التزاحم في ملاكات الحكم كالمصلحة والمفسدة، حيث اتّفقت الإمامية على أنّ أحكام اللّه سبحانه تابعة للمصالح والمفاسد، فإذا كان الحكم الواقعي هو الحرمة وملاكها المفسدة وكان الحكم الظاهري هو الوجوب وملاكه هو المصلحة، يلزم اجتماع المصلحة والمفسدة، وهذا ما يعبر عنه بالمحذور الملاكي. ولا يختص المحذور الملاكي بهذه الصورة، وربّما يتجلّى بصورة أُخرى وهي تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة; كما إذا كان الحكم الواقعي هو الوجوب والظاهري هو الإباحة، فالعمل بالثاني يفوّت مصلحة الحكم الواقعي; كما أنّه إذا كان الحكم الواقعي هو الحرمة والظاهري هو


صفحه 192

الوجوب فهو يوقع المكلّف في المفسدة.

هذا هو المحذور الملاكي، سواء أتجلّى بصورة اجتماع المصلحة و المفسدة أو بصورة تفويت المصلحة أو بصورة الإلقاء بالمفسدة.

المحذور الخطابي

المحذور الخطابي عبارة عن اجتماع المثلين أو الضدين، فعند الموافقة يلزم الأوّل، أي تشريع حكمين متماثلين لموضوع واحد; وعند المخالفة يلزم الثاني، أي تشريع حكمين ضدّين لموضوع واحد.

المحذور المبادئي

المحذور المبادئي عبارة عن تواجد الإشكال في مبادئ الأحكام، أعني: الإرادة والكراهة فانّ البعث والزجر ينشآن منهما، فلو وافق الظاهري الحكم الواقعي يلزم اجتماع الإرادتين في شيء واحد، وإن خالفه يلزم اجتماع الإرادة والكراهة.

هذا كلّه إذا لم يكن هناك كسر وانكسار بين الملاكين، وإلاّ فلو غلب ملاك الظاهري على ملاك الواقعي يلزم اختصاص الأحكام الواقعية بغير من قامت الأمارة عنده على خلاف الواقع، وهذا هو التصويب وتخصيص الأحكام بالعالمين وإخراج الجاهل عنها.

فعلى من يريد الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري والالتزام بحكمين أحدهما ظاهري والآخر واقعي السعي في حلّ المشاكل المتجلّية في ملاكات الأحكام تارة وفي نفس الأحكام وخطاباته أُخرى و في مبادئ الأحكام من الإرادة


صفحه 193

والكراهة والحب والبغض ثالثاً.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أتى في «الكفاية» بأجوبة خمسة وكأنّه اختار الثلاثة الأُول ورفض الجواب الرابع والخامس.

ونحن نذكر تلك الأجوبة مقرونة بالتحليل والتوضيح:

الأوّل: المجعول في الأحكام الظاهرية هو الحجيّة

اختلفت كلمتهم فيما هو المجعول في باب الأمارات والأُصول إلى أقوال، منها أنّ المجعول في الجميع هو الحجّية المنجلية في التنجز عند الإصابة والتعذير عند المخالفة، وعلى ذلك ليس هنا حكم ظاهري وراء الحكم الواقعي، بل ليس للشارع إلاّ حكم واحد باسم الحكم الواقعي، وأمّا الحكم الظاهري فليس له حقيقة سوى أنّ الشارع جعل الأمارة حجة فقط ، لتكون منجزّة إذا أصابت ومعذرة إذا أخطأت، وليس جعل الحجيّة أمارة كخبر الواحد ملازماً لجعل المؤدّى والمحتوى.

هذا خلاصة الجواب: وإليك نص المحقّق الخراساني في هذا الصدد، قال: إنّ التعبّد بطريق غير علمي إنّما هو بجعله حجة والحجّية المجعولة غير مستتبعة لانشاء أحكام تكليفية حسب ما أدّى إليه الطريق، بل إنّما تكون موجبة لتنجّز التكليف به إذا أصاب وصحة الاعتذار إليه إذا أخطأ، وتكون مخالفته وموافقته تجرّياً وانقياداً مع عدم إصابته كما هو شأن الحجّة غير المجعولة (العلم والقطع) فلا يلزم اجتماع حكمين مثلين أو ضدين، ولا طلب الضدين ولا اجتماع المفسدة والمصلحة والكراهة والإرادة.(1)


1 . الكفاية:2/48ـ 49.


صفحه 194

وهو (قدس سره) بإنكار الحكم الظاهري بتاتاً وأنّه ليس هناك حكم وراء الواقع أجاب عن جميع الإشكالات، إذ ليس هناك وراء الحكم الواقعي حكم حتّى يلزم الاجتماع ـ أي اجتماع حكمين ضدين أو مثلين ـ ولا الإرادة ولا الكراهة ولا المصلحة ولا المفسدة، لأنّ الاجتماع في أي مرتبة من المراتب من شؤون وجود حكمين فإذا لم يكن هناك حكم ثان لم يكن هناك ما يُعدّ من شؤون الحكم الثاني أي الاجتماع في المظاهر الثلاثة.

نعم ما ذكره من الجواب لا يدفع محذور تفويت المصلحة، أو الإلقاء في المفسدة، فإنّ الأمر بالعمل بالأمارة بنفسه مفوّت لمصلحة الواقع أو موقع في المفسدة الواقعية وإن لم يتضمّن حكماً شرعياً، وقد أجاب عنه (قدس سره) بأنّه مدفوع بوجود مصلحة غالبة على مصلحة التفويت أو الإلقاء.

ولعلّ مراده من تلك المصلحة هو المصلحة السلوكية في منهج الشيخ الأنصاري، و المراد بها تسهيل الأمر على المسلمين، حيث إنّ الأمر بتحصيل الواقع يورث العسر والحرج في أكثر الأزمنة بخلاف العمل بالأمارة، فإنّ فيه تسهيلاً للأمر ولو خالف الواقع بنسبة قليلة لكنّه يوافقه بنسبة كثيرة، وهذا المقدار من الخير الكثير يُجبر الشر القليل.

تحليل الجواب

وهذا الجواب غير خال من الإشكال حيث إنّ القول بأنّ المجعول في باب الأمارات هو الحجّية خلاف التحقيق، فإنّه ليس للشارع أيّ جعل في باب الأمارات، بل أقصى ما قام به، انّه أمضى ما عليه العقلاء من العمل بقول الثقة، بالسكوت أو بإخراج الفاسق وإبقاء العادل بالروايات الإرجاعية وغيرها، فما ورد في الروايات إمّا إرشاد إلى الصغرى أو إمضاء لما في يد العقلاء حتّى أنّ ما ورد في


صفحه 195

التوقيع عن الناحية المقدسة، أعني قوله: «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فانّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة اللّه» ليس بصدد إنشاء الحجّية، بل إخبار عن كونهم حجج اللّه كما يخبر عن نفسه بأنّه حجّة من اللّه، إذ لا معنى لإنشاء الحجّية على نفسه.

الثاني: أحد الحكمين حقيقي والآخر طريقي

هذا الجواب مبني على أنّ جعل الحجّية لا يفارق جعل المؤدّى، أي جعل الحكم الظاهري فلا يمكن لنا الالتزام بجعل الحجّية من دون الالتزام بلازمه، أي جعل الحكم الشرعي على وفق الأمارة، بل يمكن أن يقال أنّه لا معنى لجعل الحجّية سوى جعل تلك الأحكام.

وعلى ضوء هذا أجاب عن المحاذير بأنّ أحد الحكمين حقيقي والآخر طريقي، والمراد من الحكم الحقيقي ما صدر عن مصلحة أو مفسدة في متعلّقه موجبة لإرادته وكراهته، مستلزمة لإنشائه زجراً أو بعثاً، كما أنّ المراد من الحكم الطريقي هو الحكم المنشأ عن مصلحة في نفس الحكم لا في المتعلّق، موجبة لإنشائه الذي هو سبب التنجز إن صادف الواقع والاعتذار إن خالف الواقع وعندئذ ترتفع المحاذير.

أمّا المحذور الملاكي فلاختلاف متعلّق المصلحة والمفسدة، فحامل الملاك في الحكم الواقعي هو المتعلّق والآخر هو نفس الحكم

أمّا الخطابي فهو مندفع باختلاف الحكمين جوهراً وذاتاً، لأنّ أحدهما طريقي والآخر حقيقي فلا يلزم من اجتماعهما (اجتماع المثلين) المحال، أو اجتماع الضدّين; وأمّا المحذور المبادئي ـ أعني: الإرادة والكراهة ـ فقد تعلّقا في الحكم


صفحه 196

الواقعي بالمتعلّق، وأمّا في الحكم الظاهري فليس هناك إرادة وكراهة بالنسبة إلى المتعلّق، نعم تعلّقت الإرادة في الثاني بنفس الإنشاء، ولا مانع من اجتماع الإرادتين إذا اختلفا في المتعلّق حيث إنّها في الواقعي تعلّقت بالمتعلّق وفي الظاهري بالإنشاء.

تحليل الجواب

يلاحظ على هذا الجواب: أنّ القول بوجود حكمين أحدهما نفسي والآخر طريقي قول بلا دليل، فإنّ المجعول هو الحكم الواقعي النفسي ولا دليل على جعل حكم طريقي في مقابل الحكم الواقعي، بل أقصى ما هناك هو الأمر بالعمل بالطرق ليتوصل بها المكلّف إلى الواقع، فإن أوصلته إليه فليس هنا إلاّ مؤدّى الأمارة الذي هو حكم واقعي، وإلاّ فتكون أُكذوبة نسبت إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام(عليه السلام).

وبالجملة: حكم نقلة الأحاديث والروايات عن اللّه سبحانه بواسطة أنبيائه وأئمته، حكم الناطق في الأجهزة الإعلامية عن جانب الدولة، فلو أصاب خبره الواقع يكون المؤدّى نفس الواقع، وإن أخطأ يكون كلاماً مكذوباً على لسانها.

أضف إلى ذلك أنّ القول بتعلّق الإرادة في الحكم الحقيقي بالمتعلّق وفي الحكم الطريقي بنفس الإنشاء خلطٌ بين الإرادة والكراهة والحب والبغض، فإنّ الأخيرين يتعلّقان في الحكم الواقعي بالمتعلّق ولا أثر منهما في الحكم الظاهري، وأمّا الإرادة التي تعدّ من مبادئ الحكم فالواقعي والطريقي في ذلك المضمار سيّان في تعلّقها بالطلب الإنشائي مطلقاً كان واقعياً أو ظاهرياً.


صفحه 197

الثالث: تقسيم الفعلي إلى منجز وغير منجز

كان الجواب الثاني مبنيّاً على أنّ الحكم الظاهري ليس حكماً حقيقياً بل حكم طريقي للتنجيز والتعذير، ولكنّه ربّما لا يتماشى هذا الجواب في الأُصول العملية غير المحرزة كقوله: «كلّ شيء حلال حتّى تعلم أنّه حرام» فإنّ ظاهره جعل الحكم الحقيقي في صورة الشك في الحلية والحرمة، وعند ذلك يعود المحذور عندما كان الحكم الواقعي هو الحرمة والظاهري هو الحليّة، حيث إنّ الإذن في الإقدام والاقتحام ينافي المنع واقعاً وفعلاً، وذلك لأنّ الإباحة على قسمين:

الأوّل: أن تكون ناشئة عن عدم مصلحة أو مفسدة ملزمتين أو غير ملزمتين.

الثاني: أن تكون ناشئة عن مصلحة في نفس الإباحة.

ومن المعلوم أنّ الإباحة بالمعنى الثاني لا تجتمع مع النهي وعند ذلك التجأ المحقّق الخراساني إلى جواب ثالث وهو:

أنّ الأحكام الواقعية كلّها فعلية لكنّها على قسمين:

أ. فعلي منجز، وهو إذا علم به المكلّف أو أصابته الأمارة.

ب. فعلي غير منجز، وهو ما إذا خالفته الأمارة.

ففي مجرى الأُصول غير المحرزة نلتزم بأنّ الواقع فعلي غير منجز والحكم المنجّز عبارة عن محتوى الأُصول غير المحرزة.

وبعبارة أُخرى الأحكام الواقعية فعلية إذا لم يكن هناك إذن في الترك لأجل المصلحة.


صفحه 198

الرابع: الحكم الواقعي إنشائي

قد نسب المحقّق الخراساني هذا الجواب إلى الشيخ الأنصاري، وحاصله: أنّ الأحكام الواقعية أحكام إنشائية، والأحكام الظاهرية أحكام فعلية.

وبعبارة أُخرى: الحكم الواقعي في مورد الأُصول والأمارات عندما كانت مخالفة له، ليس بفعلي.

وأورد عليه المحقّق الخراساني بوجهين:

1. لو كانت الأحكام الواقعية أحكاماً إنشائية يلزم عدم وجوب امتثالها لو قامت الأمارة عليها، وذلك لأنّ جوهر الحكم الواقعي لمّا كان إنشائياً فقيام الأمارة لا يغيـّر الواقع ولا يخرجه عن الإنشائية، لأنّها قامت على حكم إنشائي غير واجب الامتثال.

ثمّ أورد على نفسه وقال: لا مجال لهذا الإشكال، لأنّ الحكم الواقعي قبل قيام الأمارة عليه إنشائي وبقيامها عليه يصير فعلياً بالغاً تلك المرتبة.

ثمّ أجاب عنه ما هذا توضيحه:

إنّ الأمارة إنّما تخرج الحكم الإنشائي إلى مرتبة الفعلية إذا أدّت إلى الحكم الواقعي وقامت على الحكم الإنشائي الواقعي ففي هذه المرحلة ينقلب الحكم الواقعي الإنشائي إلى الفعلية.

وأمّا المقام فقد قامت على الحكم الانشائي التعبدي، لأنّ المفروض انّه لم يُحرز الحكم الواقعي الإنشائي بعدُ لعدم العلم بصدق الأمارة حتّى يصدق عليها انّها قامت على حكم واقعي إنشائي.

وبعبارة أُخرى: الموضوع لوجوب الامتثال هو الحكم الإنشائي الواقعي


صفحه 199

الذي قامت عليه الأمارة، وهذا فرع العلم بوجود الحكم الواقعي في مورد الأمارة، والمفروض عدمه، والذي قامت عليه الأمارة هو الحكم الإنشائي التعبديّ أو التنزيلي الذي قامت عليه الأمارة وهو غير الموضوع.

وإلى هذا الجواب أشار بقوله: فانّه يقال لا يكاد يُحرز بسبب قيام الأمارة المعتبرة على حكم إنشائي لا حقيقة ولا تعبداً إلاّ حكم إنشائي تعبداً لا حكم ]واقعي[ إنشائي أدت إليه الأمارة. أمّا حقيقة فواضح، وأمّا تعبّداً فلأنّ قصارى ما هو قضية حجية الأمارة كون مؤداه هو الواقع تعبّداً لا الواقع]الحقيقي [الذي أدّت إليه الأمارة.

ثمّ إنّه ضعّف الجواب عمّـا أورده على نفسه واستسلم أمام الإشكال على مرامه، وذلك بالبيان التالي:

نفترض أنّ الأثر الشرعي مترتّب على الحكم الواقعي الإنشائي إذا أدّت إليه الأمارة، فالموضوع مركّب من جزءين:

أ. الحكم الواقعي الإنشائي.

ب. الذي قامت عليه الأمارة.

فإذا قام الدليل على أنّ الأمارة حجّة، فهذا التنزيل فعل الحكيم لابدّ من وجود الأثر له ولا يترتّب عليه الأثر إلاّ بتنزيل الجزء الأوّل، وهو أنّ مؤدّى الأمارة هو مؤدّى الواقع فصار الجزء الأوّل أيضاً محرزاً، فتنزيل الأمارة منزلة الحجة الشرعية يدلّ بالدلالة الاقتضائية على أنّ مؤدّى الأمارة نازل منزلة الواقع. وهذا هو المفهوم من عبارته في «الكفاية» في المقام حيث قال:

اللّهمّ إلاّ أن يقال أنّ الدليل على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع الذي صار مؤدّى لها، هو دليل الحجّية بدلالة الاقتضاء.


صفحه 200

وبالجملة إفاضة الحجّية على الأمارة فعل الحكيم، وهو بما هو هو لايترتّب عليه الأثر إلاّ أن يصان عن اللغويّة بدلالة الاقتضاء بتنزيل آخر وهو جعل مؤدّى الأمارة منزلة الواقع، فإذا قامت الأمارة على حكم فكأنّ الأمارة قامت على حكم واقعي إنشائي، فيتبدّل إلى الفعلية لتمام الموضوع.

ولكن الظاهر أنّ مراده من قوله:«لكنّه لا يكاد يتم إلاّ إذا لم يكن الأحكام بمرتبتها الإنشائية أثر أصلاً وإلاّ لم يكن لتلك الدلالة مجال كما لا يخفى»، هو انّ جعل الحجّية على الأحكام الإنشائية لابدّ أن يحمل على بيان كون الأحكام الإنشائية تكون فعلية إذا قامت الأمارة عليها، وإلاّ ـ إذ لم يلازم قيام الأمارة فعلية الأحكام الواقعية ـ يكون جعل الحجّية على الأمارة أمراً لغواً، ويصون كلام الحكيم عن اللغو، يستدلّ بإفاضة الحجية عليها، على صيرورة الأحكام الإنشائية فعلية.

وعلى هذا التقرير يصحّ ما ذكره أخيراً ـ لا على التقرير المتقدم ـ «من أنّه لا يكاد يتمّ إلاّ إذا لم تكن الأحكام بمرتبتها الإنشائية أثر أصلاً وإلاّ لم يكن لتلك الدلالة مجال كما لا يخفى»، فلا يستكشف من جعل الحجّية للأمارة، صيرورة الأحكام الإنشائية فعلية، وذلك لترتّب الأثر وإن لم تصر فعلية ـ كما في مورد النذر ـ كما إذا نذر للّه أن يصلّي ركعتين إذا قامت الأمارة على حكم إنشائي، فيجب العمل بالنذر وإن لم يصر فعلياً.

إلى هنا تمّ الكلام حول الإشكال الأوّل الذي أورده المحقّق الخراساني على الشيخ الأنصاري. وإليك الإشكال الثاني.


صفحه 201

2. وجود أحكام واقعية فعلية

وحاصل الإشكال هو: كيف يلتزم الشيخ بكون الأحكام الواقعية إنشائية مع أنّا نعلم وجود أحكام فعلية بعثية وزجرية في موارد الطرق والأُصول العملية المتكفّلة لأحكام فعلية، فإذا قامت الأمارة على حكم فعلي واحتملنا مخالفتها للواقع يلزم منه احتمال اجتماع حكمين فعليين متنافيين فكما أنّ القطع بالمتنافي محال فهكذا احتماله.

ثمّ خرج المحقّق الخراساني بالنتيجة التالية وقال: فلا يصحّ التوفيق بين الحكمين بالتزام كون الحكم الفعلي الواقعي ـ الذي يكون مورد الطرق إنشائياً ـ غير فعلي.

أقول: ما نسبه المحقّق الخراساني إلى الشيخ لا يصدّقه كلامه في المقام، فيكون ما ساقه من الإشكالات أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، لأنّ ظاهر كلامه في «الفرائد» أنّ الأحكام الواقعية فعلية، فإذا قامت الأمارة على وفقها فالمؤدّى هو نفس الحكم الواقعي، وأمّا إذا خالفها فالمكلّف معذور في مخالفة الحكم الواقعي غير أنّ المصلحة الفائتة أو المفسدة الواقعة، بالمصلحة السلوكية. وإليك بيان مرامه في ضمن أُمور:

1. الحكم الواقعي عند الشيخ هو الحكم المتعيّـن المتعلّق بالعباد الذي تحكي عنه الأمارة ويتعلّق به العلم لا الظنّ، وقد أُمر السفراء بتبليغه وإن لم يلزم امتثاله فعلاً في حقّ من قامت عنده أمارة على خلافه إلاّ أنّه يكفي في كونه الحكم الواقعي، أنّه لا يُعذر فيه إذا كان عالماً به أو جاهلاً مقصّراً والرخصة في تركه عقلاً كما في الجاهل القاصر أو شرعاً كمن قامت عنده أمارة معتبرة على خلافه.(1)


1 . الفرائد: 30، طبعة رحمة اللّه.


صفحه 202

2. إنّه(قدس سره) دفع محذور تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة بالمصلحة السلوكية، وحاصل ما أفاد أنّ الإشكال إنّما يتوجّه إذا لم تتدارك المصلحة الفائتة أو المفسدة الواردة، بمصلحة في نفس التعبّد بالظن بمعنى انّه لا مانع أن يكون في سلوك الأمارة وتطبيق العمل عليها مصلحة يجبر بها الفائتة منها أو الواردة من المفسدة، وذلك لأنّ في بعث الناس إلى تحصيل العلم مفسدة العسر والحرج وبالتالي خروجهم عن الدين بخلاف الأمر بالعمل بالأمارة والأُصول ففيها تسهيل للمكلّفين في سلوكهم الاجتماعي والفردي، والمصلحة السلوكية لا تمسّ كرامة الواقع ولا تغيره غير أنّه إذا صادفت الأمارة الواقع يكون نفس الواقع وإلاّ يكون كاذباً، ولكن نفس العمل بالأمارة لما كان ذا مصلحة سلوكية يتدارك به ما فات من المصالح أو ابتلى به من المفاسد.(1)

والمتبادر من هذه العبارة أنّ العمل بالأمارة ذو مصلحة سلوكية، وهو مصلحة اليسر في العمل بالدين، لأنّ في بعث الناس إلى تحصيل العلم مفسدة العسر والحرج.

وأمّا في مورد الأمارات فليس هنا جعل للحكم الشرعي، سواء أوافق الواقع أو خالف، وانّما تتضمن الأمارة وجوب العمل عليها لا وجوب إيجاد عمل «على طبقها».(2)

3. ثمّ إنّه(قدس سره) دفع بالأمرين السابقين كلّ المحاذير.

أمّا تفويت المصلحة والإلقاء بالمفسدة فيتدارك بالمصلحة السلوكية.

وأمّا اجتماع المصلحة والمفسدة فأحد الأمرين قائم بموضوع الحكم


1 . الفرائد:30.

2 . الفرائد:27، طبعة رحمة اللّه.


صفحه 203

الواقعي والآخر بالعمل بالأمارة ونفس السلوك.

وأمّا محذور مبادئ الأحكام ـ أعني: الإرادة والكراهة ـ فمتعلّق بأحدها الحكم الواقعي والآخر العمل بالأمارة.

وأمّا محذور التضادّ الخطابي فهو مرفوع بإنكار الحكم الظاهري وأنّه ليس هنا حكم وراء الواقع. نعم أمر بالعمل بالأمارة لحيازة المصلحة السلوكية وبذلك تُعلم الأُمور التالية:

1. أنّ ما نسب المحقّق الخراساني إلى القائل بأنّ الأحكام الواقعية إنشائية ثمّ أورد عليه إشكالين بقوله تارة وأُخرى ثانياً أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، لما عرفت من أنّ الشيخ يعتقد بأنّ الأحكام الواقعية لها خصائص أربع:

أ. لا يُعذر إذا كان عالماً.

ب. لا يُعذر إذا كان جاهلاً مقصّراً.

ج. يُعذر إذا كان جاهلاً قاصراً.

د. إذا كان معذوراً شرعاً.

ومن له هذه الشؤون الأربعة يكون (الحكم) فعلياً لا إنشائياً.

2. أنّ مرجع جواب الشيخ إلى الجواب الأوّل للمحقّق الخراساني من أنّ المجعول هو الحجّية لا الحكم الشرعي، غاية الأمر أنّ المحقّق الخراساني عبّر عن نظريته بأنّ المجعول هو الحجّية، والشيخ الأنصاري عبّر عنها بأنّ المجعول وجوب العمل على الأمارة لا جعل مؤدّاها حكماً شرعياً.

3. إنّ الشيخ الأنصاري دفع عامّة المحاذير من غير فرق بين المحذور الملاكي(المفسدة والمصلحة) والمحذور المبادئي(الإرادة والكراهة) والمحذور


صفحه 204

الخطابي(كاجتماع الضدين أو المثلين).

هذا ما فهمناه من التدبّر في كلام الشيخ ولكلّ فهمه ودليله.

الخامس: الحكمان ليسا في رتبة واحدة

قد أشار إليه المحقّق الخراساني بقوله: إنّ الحكمين ليسا في مرتبة واحدة، بل في مرتبتين ضرورة تأخّر الحكم الظاهري عن الواقعي بمرتبتين.

والجواب منسوب إلى السيد محمد الفشاركي (المتوفّى 1315هـ) وقد ذكره شيخ مشايخنا المحقّق الحائري في درره .(1)

وحاصل الجواب: أنّ صلاة الجمعة بما هي هي موضوع للوجوب، وأمّا الموضوع لعدم الوجوب أو الحرمة عبارة عن صلاة الجمعة التي تعلّق بها الحكم الواقعي وشك فيه، فهو موضوع للحرمة أو عدم الوجوب، وأمّا تأخّر الثاني عن الواقعي بمرتبتين فظاهر، لأنّ موضوع عدم الوجوب أو الحرمة مركب من أُمور ثلاثة:

أ. صلاة الجمعة.

ب. تعلّق الحكم الواقعي به.

ج. الشكّ فيه.

د. فعندئذ يترتّب عليه عدم الوجوب.

وعدم الوجوب متأخّر عن الحكم الواقعي برتبتين، لأنّ الحكم الواقعي في رتبة ثانية والظاهري في رتبة رابعة.


1 . لاحظ درر الأُصول:2/25ـ 26.


صفحه 205

ثمّ أورد عليه المحقّق الخراساني بأنّ الحكم الظاهري وإن لم يكن في رتبة الحكم الواقعي لكن الحكم الواقعي ـ لأجل إطلاقه وشموله للحالات الثلاثة ـ أعني: العلم بالحكم الواقعي، أو الجهل به، أو الشكّ فيه ـ واقع في مرتبة الحكم الظاهري، وهذا الإشكال هو الذي ذكره المحقّق الخراساني في نقد القائلين بالترتب.

إلى هنا تمت الأجوبة الخمسة التي ذكرها الخراساني مع التفصيل والبيان.

جولتنا في المقام

قد عرفت مقالات القوم في الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي، غير أنّ هنا بياناً آخر وإن شئت فاجعله سادس الأجوبة وربّما توجد جذوره في الأجوبة السابقة، وحاصله مبني على أمرين:

أ. أنّ حجّية الأمارة ليس إلاّ إمضاءً للسيرة العقلائية في حياتهم ومعاشهم حيث يعتمدون على قول الثقة في مختلف المجالات لكن أخبار الثقة ليس إلاّ لغاية الإيصال إلى الواقع، فلو صادف ينجِّز وإلاّ يعذِّر دون أن يكون له دور في إنشاء الحكم وفق مؤدّاه ، مثلاً إذا أخبرنا الناطق الرسمي للدولة عن حكم مصوّب فلا يحدث خبره إنشاء حكم، سواء أكان موافقاً للواقع أو لا، بل لو صدق فقد أخبر بالواقع، ولو كذب فيكون المؤدّى كاذباً دون أن يكون هناك حكم خاطئ مجعول من جانب الدولة.

وعلى ضوء ذلك ليس في موارد الأمارات أي حكم مجعول وإنّما يؤخذ لأجل كونه طريقاً موصلاً.

ب. أنّ إيجاب العمل بالعلم موجب للعسر والحرج وربّما يكون سبباً لخروج


صفحه 206

الناس عن الدين، ولذلك قام الشارع بإمضاء ما بيد العقلاء من حجّية قول الثقة وغيره الذي يوافق الواقع 90% ويخالفه 10%، ففي تجويز العمل بالأمارة خير كثير وإن كان ينتهي إلى شر قليل على عكس إيجاب تحصيل العلم، ففيه الشر الكثير، فقدّم الأوّل على الثاني لتلك الغاية.

إذا عرفت ذلك فنقول: لا محذور بالتعبّد بالأمارة الظنيّة لا ملاكاً ولا خطاباً ولا مبادئياً.

أمّا الأوّل فله صورتان:

الأُولى: ما يتجلّى بصورة تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة، كما إذا كان الشيء واجباً أو حراماً ودلّت الأمارة على حلّيته ، ففيه تفويت المصلحة إذا كان واجباً، أو الإلقاء في المفسدة إذا كان حراماً.

الثانية: ما يتجلّى بصورة تدافع الملاكات كما إذا قامت الأمارة على وجوب ما كان حراماً في نفس الأمر، وإليك دراسة الصورتين:

أمّا الصورة الأُولى فإنّ في العمل بالأمارة وإن كان فوت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة في بعض الموارد، لكن في إيجاب العمل بتحصيل العلم والاحتياط مفسدة كبرى وهي لزوم العسر والحرج الشديدين اللّذين ربما يسببان رغبة الناس عن الدين وخروجهم عنه، زرافات ووحداناً، ففي هذا المأزق، يحكم العقل، بتقديم الأوّل على الثاني.

لا أقول: إنّ المصلحة الفائتة أو المفسدة الواردة تتدارك; بل أقول: إنّ الأمارات حجّة من باب الطريقية المحضة، وإنّ قيام الأمارة لا يحدث مصلحة في المتعلّق، ولكن إذا دار الأمر بين الشرّ القليل والشر الكثير يحكم العقل بتقديم الأوّل على الثاني.


صفحه 207

وأمّا الصورة الثانية، أعني: محذور تدافع الملاكات فدفعه واضح، لأنّه إنّما يلزم لو كانت الأمارة محدثة للمصلحة أو المفسدة في المتعلّق فيلزم التدافع وقد عرفت عدم دور للأمارة سوى الطريقية.

وبعبارة أُخرى: إذا كانت الأمارة تمس كرامة الواقع وتحدث مصلحة أو مفسدة في المتعلّق، كان للتدافع وجه، وأمّا لو قلنا بالطريقية المحضة كما هو الحق، فلا مصلحة ولا مفسدة في الحكم الظاهري حتى يتحقق التدافع.

حتى ولو قلنا بالمصلحة السلوكية لا يلزم التدافع، لأنّ المصلحة السلوكية مصلحة نوعية قائمة بنفس الأمر بالعمل بالأمارة لغاية إيجاد الرغبة في الدين فلا صلة لها بالمتعلّق الذي قامت به المصلحة والمفسدة.

ومن هنا تبيّن انّه لايكون في الأمر بالعمل بالأمارة أيُّ محذور ملاكي.

2. المحذور الخطابي

المحذور الخطابي يتلخّص في اجتماع المثلين أو اجتماع الضدّين.

والجواب عنه بوجهين:

1. أنّ التماثل والتضادّ من أقسام التقابل، وكلاهما من الأعراض الخارجية التي توصف بها الأُمور الحقيقية. وأمّا البعث والزجر الإنشائيّان فهما من الأُمور الاعتبارية التي لاتوصف بالتضاد والتماثل إلاّ اعتباراً، والاعتبار خفيف المؤونة فلا مانع من إنشاء البعث والزجر في شيء واحد.

وبعبارة أُخرى: انّ دلالة الألفاظ على المعاني بالوضع والاعتبار، فإذا كان الوضع كذلك فالبعث والزجر المفهومان من اللفظين أولى أن يكونا اعتباريين.

فإن قلت: إنّ إنشاء الإيجاب والزجر مسبوقان بإرادتين متضادتين فكيف


صفحه 208

يمكن أن تتعلّق إرادتان بشيء واحد في آن واحد.

قلت: هذا محذور آخر سيوافيك بيانه في المحذور المبادئي والكلام في المقام في المحذور الخطابي.

2. أنّ الإشكال مبني على أن يكون في مورد الأمارات والأُصول حكم شرعي طبق المؤدّى، وهو خلاف التحقيق، إذ ليس للأمارة والأُصول المحرزة دور سوى الطريقية والإيصال إلى الواقع، فإن وافق الواقع فالمتحقّق هو الواقع وإلاّ فقد تضمّن خبراً كاذباً.

نعم يمكن القول بجعل الحكم الظاهري في الأُصول غير المحرزة كالحليّة في قوله : كلّ شيء حلال حتّى تعلم أنّه حرام، وكالطهارة في قوله: كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر، ففي هذه الصورة يدفع المحذور الخطابي بالجواب الأوّل وهو اعتبارية إنشاء الحليّة أو الطهارة.

3. المحذور المبادئي

إذا تعلّقت الإرادة القطعية بالأحكام الواقعية وفي الوقت نفسه تعلّقت بالأحكام الظاهرية لزم ظهور الإرادتين المتماثلتين عند التوافق، أو المتضادتين عند التقارن، ويقرب منهما مشكلة الحب والبغض إذا كان هناك تخالف بين الحكم الظاهري والحكم الواقعي.

والجواب ما عرفت من أنّه ليس لنا في مورد الأمارات والأُصول المحرزة حكم مجعول باسم الحكم الظاهري حتّى تتعلق به الإرادة والكراهة، ولو كانت هناك إرادة أو كراهة فقد تعلّقتا بالحكم الواقعي فحديث اجتماع الإرادتين أو الإرادة والكراهة أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.


صفحه 209

نعم تعلّقت إرادة المولى بالعمل بالأمارة على الوجه الكلي تيسيراً وتسهيلاً للأمر، وأين هو من تعلّقها بالمتعلّق؟

وإن أبيت إلاّ عن القول بامتناع اجتماع الإرادتين حتى بهذا النحو بمعنى تعلّق الإرادة الذاتية بالمتعلّق وتعلّق إرادة أُخرى بالعمل بالأمارة المخالفة للواقع فلا محيص عن القول برفع الشارع اليد عن الحكم الواقعي، وإرادته للمصلحة العليا وهو ترغيب إلى الدين، وهذا لا يلازم التصويب، لأنّ الحكم الإنشائي المشترك بين العالم والجاهل موجود غير مرفوع، بينما اللازم هو تعليق فعلية الحكم الواقعي أو تنجزه على عدم قيام الأمارة على خلافه، وبهذا اندفعت المحاذير الثلاثة: الملاكية والخطابية والمبادئية.


صفحه 210

4

دلالة الظواهر على معانيها

قطعية أو ظنّية؟

اشتهر بين الأُصوليّين أنّ دلالة الظواهر على معانيها ظنيّة لا قطعية، وبذلك جوّزوا تخصيص الكتاب العزيز بخبر الواحد بحجّة أنّ ظواهر الكتاب ظنية.

وإليك سرد بعض الكلمات.

احتجّ القائل بعدم جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد، بأنّ الكتاب قطعي، والخبر الواحد ظني، والظني لا يعارض القطعي.

وردّ عليه صاحب المعالم بأنّ مورد التخصيص هو الدلالة وهي ظنيّة وإن كان المتن قطعيّاً فلم يلزم ترك القطعي بالظني بل هو ترك الظنّي بالظنّي.

وبتقرير آخر: وهو انّ عام الكتاب وإن كان قطعي النقل لكنّه ظنّي الدلالة، وخاص الخبر وإن كان ظنّي النقل لكنّه قطعي الدلالة، فصار لكلّ، قوة من وجه، وضعف من وجه فتساويا، فتعارضا، فوجب الجمع بينهما.(1)


1 . معالم الدين: 306.


صفحه 211

و قال المحقّق القمي في مسألة تخصيص الكتاب بالخبر الواحد: إنّ الكتاب وإن كان قطعي الصدور ولكنّه ظني الدلالة، و خاص الخبر وإن كان ظني الصدور ولكنّه قطعي الدلالة، فصار لكلّ، قوة من وجه، فتساويا فتعارضا، فوجب الجمع بينهما.

ثمّ ردّ عليه بأنّ الخاص أيضاً ليس بقطعي الدلالة ـ إلى أن انتهى إلى قوله: ـ بأنّ كليهما ظنيان تعارضا وتساويا، ولأجل أنّ التخصيص أرجح أنواع المجاز رجحنا التخصيص.(1)

نعم ذهب السيد المرتضى في «الذريعة» والشيخ في «العدّة» إلى عدم جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، لا بملاك أنّ ظواهر الكتاب قطعيّة، بل لوجود القصور في حجّية خبر الواحد.

قال المرتضى: والذي نذهب إليه أنّ أخبار الآحاد لا يجوز تخصيص العموم بها على كلّ حال وقد كان جائزاً أن يتعبد اللّه تعالى بذلك فيكون واجباً غير أنّه ما تعبّدنا به .(2)

وقال الشيخ في «العدّة»: لو سلّم لهم العمل بخبر الواحد على غاية اقتراحهم لم يجز تخصيص العموم به لأنّه ليس ما دلّ على وجوب العمل بها، يدلّ على جواز التخصيص كما أنّ ما دلّ على وجوب العمل بها، لا يدلّ على وجوب النسخ بها، بل احتاج ذلك إلى دليل غير ذلك فكذلك التخصيص فلا فرق بينهما.(3)


1 . القوانين المحكمة:1/309.

2 . الذريعة:1/280.

3 . عدة الأُصول:1/345.


صفحه 212

نعم يظهر من بعض كلماته أنّ عموم الكتاب يفيد العلم وخبر الواحد يوجب غلبة الظن ولا يجوز أن يترك العلم للظن على حال، فوجب لذلك أن لا يُخص العموم به.(1)

والظاهر أنّ مراده هو كون الكتاب قطعي الصدور وخبر الواحد ظنّي الصدور، فلا يترك القطعي بالظنّي، وإلاّ فلو أُريد العلم لأجل الدلالة فالخبر الواحد ـ مع قطع النظر عن الصدور ـ مثله.

الرازي وكون الظواهر ظنيّة

إنّ الرازي ممّن شرح هذا الموضوع وأثبت ـ حسب ظنّه ـ بأنّ الدلائل اللفظية ظنيّة، لأنّ التمسّك بالدلائل اللفظية موقوف على عشرة أُمور ظنّية، والموقوف على الظنّي ظنّي.

وهذه الأُمور العشرة موجزها عبارة عن:

عصمة رواة مفردات تلك الألفاظ، وإعرابها، وتصريفها، وعدم الاشتراك، والمجاز، والنقل، والتخصيص بالأشخاص والأزمنة، عدم الإضمار، والتأخير، والتقديم، والنسخ، وعدم المعارض العقلي، الذي لو كان لرجح عليه.(2)

ثمّ إنّه شرح الأُمور العشرة في غير واحد من كتبه ويتلخّص بالنحو التالي:

1. أنّ التمسّك بالدلائل اللفظية يتوقّف على نقل مفردات اللغة، ونقل النحو والتصريف، لكن رواية هذه الأشياء منقولة بالآحاد، لأنّها تنتهي إلى أشخاص قليلين، غير معصومين، ولا يمنع إقدامهم على الكذب، أو وقوعهم في


1 . عدة الأُصول:1/344.

2 . محصل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين للرازي: 71.


صفحه 213

الخطأ، ومثل هذه الرواية لا تفيد إلاّ الظن.(1)

2. و يتوقف على عدم الاشتراك، فإنّه بتقدير الاشتراك يجوز أن يكون مراد اللّه تعالى من هذا الكلام غير هذا المعنى الذي اعتقدناه، لكن نفي الاشتراك ظني.(2)

3. و يتوقف على المجاز، فإنّ حمل اللفظ على حقيقته إنّما يتعيّن لو لم يكن محمولاً على مجاز، لكن عدم المجاز مظنون.(3)

4. و يتوقف على عدم الحذف والإضمار، لأنّ تجويزه يفضي إلى انقلاب النفي إثباتاً، والإثبات نفياً، لكن عدم الحذف والإضمار مظنون.(4)

5. و يتوقف على عدم التقديم والتأخير، لأنّ بسببهما يتغيّر المعنى، لكن عدمهما مظنون.(5)

6. و يتوقّف على عدم التخصيص، وعدمه مظنون.(6)

7. و يتوقّف على عدم الناسخ، وعدمه مظنون.(7)

8. ويتوقف على عدم النقل، بتقدير أن يقال: الشرع أو العرف نقله من معناه اللغوي إلى معنى آخر، كان المراد هو المنقول إليه لا ذلك الأصل.(8)

9. و يتوقّف على عدم المعارض النقلي، لأنّ الدلائل اللفظيّة قد يقع فيها التعارض، ويصار فيها إلى الترجيحات التي لا تفيد إلاّ الظن.(9)


1 . الأربعين:424.

2 . الأربعين:425.

3 . المطالب العالية:9/114.

4 . المطالب العالية:9/114.

5 . المطالب العالية:9/116.

6 . الأربعين:425.

7 . الأربعين:425.

8 . المحصول:1/571.

9 . الأربعين:426.


صفحه 214

10. ويتوقف على سلامتها عن المعارض العقلي القاطع، لأنّ بتقدير وجوده يجب صرف الظاهر السمعي إلى التأويل، لكن عدم هذا المعارض القطعي مظنون لامعلوم، لأنّ أقصى ما في الباب أنّ الإنسان لا يعرف ذلك المعارض، لكن عدم العلم لا يفيد العلم بالعدم.(1)

ثمّ قال: «فثبت أنّ الدلائل النقلية موقوفة على هذه المقدرات العشرة، وكلّها ظنّية، والموقوف على الظني أولى أن يكون ظنياً، فالدلائل النقلية ظنيّة».(2)

وقد تبعه غير واحد من المتكلّمين كالإيجي في مواقفه فنقل ما ذكره الرازي بحرفيته لكن على وجه الإيجاز. ولم يذكر أي مصدر لكلامه. (3)

وقد شرح السيد الشريف الجرجاني المواقف شرحاً مزجياً، ونحن نأتي بكلام الشارح، الممزوج بكلام الإيجي، لأنّ فيه إيضاحاً لمقاصده قال:

المقصد الثامن: الدلائل النقلية هل تفيد اليقين بما يستدل بها عليه من المطالب؟ قيل: لا لا تفيد، وهو مذهب المعتزلة وجمهور الأشاعرة.(لتوقّفه) أي توقّف كونها مفيدة لليقين(على العلم بالوضع) أي وضع الألفاظ المنقولة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بازاء معان مخصوصة(والإرادة) أي وعلى العلم بأنّ تلك المعاني مرادة منه(والأوّل) وهو العلم بالوضع (إنّما يثبت بنقل اللغة) حتّى يتعيّن مدلولات جواهر الألفاظ(و) نقل (النحو) حتّى يتحقّق مدلولات الهيئات التركيبية (و) نقل(الصرف) حتّى يعرف مدلولات هيئات المفردات (و أُصولها) أي أُصول هذه العلوم الثلاثة(تثبت برواية الآحاد)، لأنّ مرجعها إلى أشعار العرب وأمثالها وأقوالها التي يرويها عنهم آحاد من الناس كالأصمعي والخليل وسيبويه وعلى تقدير صحّة


1 . الأربعين:426.

2 . الأربعين:426.

3 . المواقف:40.


صفحه 215

الرواية يجوز الخطأ من العرب، فإنّ امرأ القيس قد خطئ في مواضع عديدة مع كونه من أكابر شعراء الجاهلية (وفروعها) تثبت (بالأقيسة وكلاهما) يعني رواية الآحاد والقياس دليلان (ظنيان) بلا شبهة.

(والثاني) وهو العلم بالإرادة .

(يتوقّف على عدم النقل) أي نقل تلك الألفاظ عن معانيها المخصوصة التي كانت موضوعة بازائها في زمن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى معان أُخرى، إذ على تقدير النقل يكون المراد بها تلك المعاني الأُولى لا المعاني الأُخرى التي نفهمها الآن منها.

(و) على عدم (الاشتراك)، إذ مع وجوده جاز أن يكون المراد معنى آخر مغايراً لما فهمناه.

(و) عدم (المجاز) إذ على تقدير التجوّز يكون المراد المعنى المجازي لا الحقيقي الذي تبادر إلى أذهاننا.

(و) عدم (الإضمار) إذ لو أضمر في الكلام شيء تغيّـر معناه عن حاله.

(و) عدم (التخصيص) إذ على تقدير التخصيص كان المراد بعض ما تناوله اللفظ لا جميعه كما اعتقدناه.

(و) عدم (التقديم والتأخير) فانّه إذا فرض هناك تقديم وتأخير كان المراد معنى آخر لا ما أدركناه.

(والكل) أي كلّ واحد من النقل واخواته (لجوازه) في الكلام بحسب نفس الأمر(لا يجزم بانتفائه بل غايته الظن).

واعلم أنّ بعضهم أسقط الإضمار بناء على دخوله في المجاز بالنقصان وذكر النسخ وكأنّ المصنّف أدرجه في التخصيص، لأنّ النسخ على ما قيل تخصيص بحسب الأزمان .


صفحه 216

(ثمّ بعد) هذين (الأمرين) أعني: العلم بالوضع والعلم بالإرادة (لابدّ من العلم بعدم المعارض العقلي).(1)

هذه كلمات الرازي والايجي والجرجاني، غير أنّ هنا نكتة نلفت إليها نظر القارئ، وهي:

دراسة أدلّة الرازي على أنّ دلالة الظواهر ظنيّة

إنّ هنا بحثاً صغروياً وبحثاً كبروياً.

فلو كان البحث مركّزاً على الفحص عن انعقاد الظهور للجملة وعدمه ـ وبعبارة أُخرى: هل للكلام ظهور أو لا ـ يكون البحث صغروياً، كما إذا كان البحث مركّزاً ـ على ظهور الكلام الذي فرغنا من ثبوته ـ هل يكشف عن المعاني، كشفاً قطعياً أو ظنيّاً أو لا؟ يكون البحث كبرويّاً.

والكلام في المقام يدور حول الثاني، أي بعد ما ثبت للجملة ظهور، وصار الكلام ذا ظهور مستقر على نحو يُعد خلافه مرجوحاً أو غير ملتفت إليه.

وأمّا ما طرحه الرازي فإنّما يرجع إلى المقام الأوّل وهو الشكّ في وجود الظهور أو استقراره، فجعل ـ مثلاً ـ عدم الاشتراك سبباً لظنيّة الدلالة، إذ لو كان هناك اشتراك أو احتماله، لم ينعقد للكلام ظهور.

وهكذا كسائر الشكوك فإنّ الشكّ في كون اللفظ مستعملاً في المعنى المجازي أو كون الجملة مشتملة على الحذف والإضمار كلّها يرجع إلى الشكّ في وجود الصغرى(وجود الظهور) ولا شكّ أنّ الشكّ فيه كاف في كون الدلالة ظنيّة.


1 . شرح المواقف:2/51ـ 52.


صفحه 217

إنّما الكلام إذا تمّت دلالة الكلام واستقرّ ظهوره في معنى معيّن على نحو يُعد خلافه مرجوحاً أو غير ملتفت إليه فهل توصف دلالته حينئذ ظنيّة؟

وبذلك تعرف الفرق بين الظاهر والنصّ، فقد عرفا بوجوه مختلفة، ولكن أوجز التعاريف للنص والظاهر هي ما يلي:

النص: ما لا يحتمل إلاّ معنىً واحداً.

الظاهر: ما يحتمل معنيين: أحدهما راجح ملتفت إليه، والثاني مرجوح لا يلتفت إليه العرف.

وإن شئت قلت: إنّ النصّ ما لا يمكن صرفه إلاّ إلى معنى واحد ولو صرفه إلى معنى آخر لعُدّ المتكلّم متناقضاً وهذا بخلاف الظاهر، فإنّ صرفه إلى غير المعنى الظاهر أمر مرجوح ولكن لا يُعدّ تناقضاً، فالأوّل كقوله سبحانه: (قُل هُوَ اللّه أَحد)فإنّ لفظة «أحد» نصّ في التوحيد والقول بالتثليث يناقضه أو قوله سبحانه:(فلبث فيهم ألف سنة إلاّ خمسين عاماً)(1) ، فإنّ الألف وكذا لفظ الخمسين وهكذا سائر ألفاظ الآية لا تحتمل إلاّ معنى واحداً.

وأمّا الثاني فكقوله: أكرم العلماء فإنّه ظاهر في عامة العلماء، ولكن لو قال بأنّ مقصودي منهم هو قسم العدول، فهذا يُعدّ خلافاً للظاهر ولا يعدّ الرجل مناقضاً إذا كان بصدد التشريع والتقنين، فإنّ المخصص في البيئات التقنينية يأتي متأخّراً غالباً لا مقارناً.

ولذلك لا يقبل من الإنسان ـ الذي ليس له شأن التقنين ـ إلقاء العام وإرادة الخاص إذا لم يذكر المخصّص في جنب العام.


1 . العنكبوت:14.


صفحه 218

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ دلالة الظواهر على معانيها التي وضعت لها دلالة قطعيّة وليست بظنية ومن يصف دلالة الظواهر بالظنيّة يطلب منها ما لا يتوفر فيها، وسيتّضح ذلك بعد بيان مقدّمة.

تقسم الإرادة إلى استعمالية أو جدّية

لا شكّ أنّ للمتكلّم الذي هو بصدد الإفادة والاستفادة، إرادتين:

1. إرادة استعمالية.

2. إرادة جدّية.

والمراد من الإرادة الاستعمالية هو استعمال اللفظ في معناه، أو إحضار المعاني في ذهن المخاطب، سواء كان المتكلّم جادّاً أو هازلاً أو مورّياً أو غير ذلك، سواء كان المعنى حقيقياً أو مجازياً.

والمراد من الإرادة الجدية هو أن يكون ما استعمل فيه اللفظ مراداً له جدّاً، وما هذا إلاّ لأنّه ربما يفارق المرادان: الاستعمالي، والجدّي، كما في الهازل والمورّي والمقنّن الذي يُعلّق الحكم على العام والمطلق مع أنّ المراد الجدّي هو الخاص والمقيد، ففي هذه الموارد تغاير الإرادة الجدية الإرادة الاستعمالية، إمّا تغايراً تاماً كما في الهازل والمورّي واللاغي، أو تغايراً جزئياً كما في العام الذي أُريد منه الخاص، أو المطلق الذي أُريد منه المقيد بالإرادة الجدية.

إذا عرفت ذلك فنحن على القول بأنّ دلالة الظواهر على معانيها دلالة قطعية لا ظنّية وذلك بوجوه من الأدلّة.


صفحه 219

الأوّل: المفاهمة على أساس القطع بالمراد

لا شكّ أنّ المفاهمة بين الناس في أصعدة الحياة المختلفة على أساس القطع واليقين بمراد المتكلّم، فعندما يخاطب الزوجُ الزوجةَ والوالدُ الولدَ والمعلمُ المتعلّمَ والسوقيُ البائع المشتريَ والموظف من راجعه، فلا يتردّد المخاطب في مقاصد المتكلّم، وليس كلّ كلام يُلقى في هذه الأصعدة نصّاً اصطلاحياً وإنّما الغالب هو ما يسمّيه الأُصوليون بالظواهر، وإلاّ فلو كانت دلالة الجمل في الحياة العامة للإنسان ظنية، لانهارت الحياة وامتنع التفاهم.

إنّ الأساتذة في الجامعات، والمدرسين في الثانويات، يربّون جيلاً كبيراً بالظواهر التي زعم الرازي وغيره أنّها ظنيّة الدلالة باحتمال تطرق أحد أُمور عشرة مع أنّا نرى أنّ هذه الاحتمالات لا تنقدح في ذهن تلاميذهم، بل يتلقّون كلامهم وجملهم قاطعة الدلالة واضحة المراد.

وممّا يرشد إلى ذلك أنّه سبحانه يصف الإنسان بقوله: (الرّحمن * خلق الإنسان *علّمه البيان)فالإنسان بكلامه يبين مراده بالنص والظاهر معاً فالقدح في دلالة الظواهر على المعاني كأنّه قدح في أبرز صفات الإنسان التي أشار إليها اللّه سبحانه في الآية المتقدّمة.

نعم دفع الأُصوليون الاحتمالات التي ذكرها الرازي والإيجي والجرجاني ومن تقدّم عليهم أو تأخّر عنهم بأُصول عقلائية اختراعية، كدفع احتمال المجاز بأصالة الحقيقة، ودفع احتمال النقل والإضمار بأصالة عدمهما،إلى غير ذلك من الأُصول اللفظية التي دفعوا بها تلك الاحتمالات الطارئة على الذهن.

ولكنّك خبير بأنّ المفاهمة تتحقّق بين الناس مع الغفلة عن هذه الأُصول،


صفحه 220

لأنّ هذه الشكوك لا تظهر في الأذهان حتّى تعالج بهذه الأُصول، والمخاطب يتلقّى دلالة الظواهر دلالة قطعية دون أن يحتمل إرادة المجاز أو وجود الإضمار والنقل حتّى يعالج تلك الشكوك بتلك الأُصول اللفظية.

الثاني: هداية الأنبياء على أساس القطع

لا شكّ أنّه سبحانه بعث أنبياؤه لهداية الناس كما أمر أولياؤه وعلماء الأُمّة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكلّ ذلك يتحقّق بمخاطبة الناس بما لديهم من النصوص والظواهر، فلو كانت دلالة الظواهر على المقاصد دلالة ظنيّة لعرقلت خُطى الهداية والإرشاد، وأصبح عندئذ تعليم الناس وإرشادهم كأُمنية غير محقّقة. يقول سبحانه: (وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه ليبين لهم).(1)

الثالث: صيرورة القرآن معجزة ظنّية

لو كانت دلالة الظواهر ظنيّة لزم أن يكون القرآن معجزة ظنّية، لأنّ الإعجاز أمر قائم باللفظ والمعنى، فلو كان ما يفهمه من ظواهر آياته مفهوماً ظنّياً يكون إعجازه مبنياً على أساس ظنّي، والنتيجة تابعة لأخسّ المقدّمتين، ومن المعلوم أنّ الإعجاز الظنّي لا يكون عماداً للنبوة التي تطلب لنفسها دليلاً قطعياً.

وعلى هذه الوجوه الثلاثة تكشف الظواهر عن المراد الجدّي ـ فضلاً عن الاستعمالي ـ كشفاً قطعياً، لا ظنيّاً، لما عرفت من أنّ المخاطبين لا يلتفتون إلى هذه الشكوك التي أبدعها إمام المشكّكين، بخلاف الوجه الرابع الآتي فإنّ الظواهر ـ على ذاك الوجه ـ تكشف عن المراد الاستعمالي كشفاً قطعياً، لا المراد الجدّي.


1 . إبراهيم:4.


صفحه 221

الرابع: ما هي الرسالة الموضوعة على عاتق الظواهر؟

ما نذكره في هذا المقام هو بيت القصيد بين الأدلّة وهو أنّ الذين يصفون الظواهر بظنية الدلالة لم يحقّقوا ـ تحقيقاً علمياً ـ المهمة التي أُلقيت على عاتق الظواهر فزعموا أنّ كشف الظواهر عن المراد الجدّي ظنّي لا قطعي، ولو كان هذا هو الأمر المهم على عاتق الظواهر كان لوصف دلالتها بالظنّية وجه، ولكن الوظيفة التي أُلقيت على عاتقها شيء آخر وهي بالنسبة إليها قطعية الدلالة.

توضيحه: أنّ الوظيفة الملقاة على عاتق الظواهر عبارة عن إحضار المعاني في ذهن المخاطب، سواء أكانت المعاني حقائق أو مجازات، فلو قال: رأيت أسداً، فرسالته إحضار انّ المتكلّم رأى الحيوان المفترس، وإذا قال: رأيت أسداً في الحمام، فرسالته إحضار انّ المتكلّم رأى رجلاً شجاعاً فيه، فدلالة الجملة في كلا الموردين على المراد الاستعمالي قطعية وليست بظنية، وقد أدّى اللفظ رسالته بأحسن وجه. وعلى ذلك لا تصحّ تسميته كشفاً ظنّياً، اللّهم إلاّ إذا كان الكلام مجملاً أو متشابهاً، فالكلام عندئذ يكون قاصراً عن إحضار المعنى الاستعمالي مشخصاً، لكنّهما خارجان عن محطّ البحث والكلام في الظواهر لافي المجملات والمتشابهات.

سؤال وجواب

إنّ السبب لعدّ الظواهر من الظنون هو تطرق احتمالات إليها، وهي:

1. يحتمل أنّ المتكلم لم يستعمل اللفظ في معنى من المعاني.

2. أو استعمل في المعنى المجازي ولم ينصب قرينة.


صفحه 222

3. أو كان هازلاً في كلامه.

4. أو كان مورّياً في خطابه.

5. أو كان لاغياً فيما يلقيه.

6. أو أطلق العام وأراد الخاص.

7. أو أطلق المطلق وأراد المقيّد.

فمع تطرق هذه الاحتمالات إلى الظواهر، تسلب عنها القطعيةُ وتسبّب الاضطراب في كشف الإرادة الاستعمالية عن الإرادة الجدية على وجه القطع.

هذا هو السؤال وإليك الجواب بوجهين:

أوّلاً: إنّ الاحتمالات الخمسة الأُولى موجودة في النصوص أيضاً، فيحتمل فيها كون المتكلّم لاغياً أو هازلاً أو مورّياً أو متّقياً، إلى غير ذلك من الاحتمالات ومع ذلك نرى أنّ الأُصوليين يعدّونها من القطعيات.

ثانياً: إنّك قد عرفت أنّ الوظيفة الملقاة على عاتق الظواهر هي احضار المعاني المرادة استعمالاً في ذهن المخاطب وليس لها دور في مجال المفاهمة إلاّ ذلك، وأمّا هذه الاحتمالات ودفعها وعلاجها فليس على عاتق الظواهر حتّى توسم لأجل وجودها بوسم الظنّية، ولذلك قلنا إنّ النصوص والظواهر أمام هذه الاحتمالات سواسية.

فمؤاخذة الظواهر بوسم الظنية أشبه بقول القائل :

غيري جنى و أنا المعاقب فيكم *** فكـأنّنـي سبــابــة المتنــدّم

وأمّا الاحتمالان الأخيران ـ أعني: احتمال استعمال العام وإرادة الخاص، أو المطلق وإرادة المقيّد ـ فهما وإن كانا من خصائص الظواهر ولا يوجدان في


صفحه 223

النصوص لكنّهما لا يضران بقطعية الدلالة، لما عرفت من أنّ المراد هو دلالتها على ما هو المراد استعمالاً لا ما هو المراد جدّاً، بل تعيين المراد الجدّي ـ عند طروء الشكّ والريب ـ على عاتق أُصول عقلائية، تدور عليها رحى الحياة، وهي أنّ مقتضى كون المتكلّم حكيماً التحرز عما يُعدّ لغواً أو هزلاً. نعم في الموارد التي يحتمل فيها التقية أو التخصيص والتقييد، فكشف الظواهر عن المراد الجدّي فرع إحراز كون المتكلّم بصدد بيان المراد الواقعي أو عدم العثور على المخصص والمقيّد في مظانها.

فتلخص من هذا البحث الضافي أُمور:

الأوّل: إنّ البحث في المقام كبروي وليس صغروياً بمعنى أنّ الكلام ـ بعد ثبوت ظهور للكلام ـ في أنّ دلالته على المعاني المرادة قطعية أو ظنية.

الثاني: ما جاء به الرازي من التشكيكات ـ على فرض صحتهاـ يرجع إلى منع الصغرى، أي عدم وجود الظاهر لا إلى منع الكبرى.

الثالث: إنّ المفاهمة بين الناس على أساس القطع بالمراد الجدّي من غير فرق بين النصوص والظواهر.

الرابع: ما عالج به الأُصوليون بعض الاحتمالات المضرّة بالظهور إنّما يحتاج إليها إذا كان هناك ريب وشك.

والمفروض صفاء ذهن المخاطبين في الأصعدة المختلفة عن هذه الشكوك حتّى تزال بها.

نعم على فرض طروء الشكوك فأصالة الحقيقة وعدم الاشتراك أو عدم النقل والإضمار محكمة مفيدة.


صفحه 224

الخامس: المهمة الموضوعة على عاتق الظواهر هي دلالة المتكلّم على المراد الاستعمالي، وأمّا المراد الجدّي فليس على عاتق الظواهر بشهادة طروء الشكوك الخمسة على النصوص أيضاً.

السادس: بما أنّ المفاهمة في الأصعدة المختلفة على القطع بالمراد فالإرادة الاستعمالية تكشف عن المراد الجدي قطعياً، لما عرفت من أنّ الشكوك التي أثارها الأُصوليون من أصحابنا أو ما أثاره الرازي ممّا يغفل عنها المتكلّم والمخاطب. نعم لو طرأ شكٌّ ـ على فرض طروئه ـ فيعالج بالأُصول العقلائية.

السابع: لمّا جرت السيرة على فصل المخصص والمقيد عن العام والمطلق في صعيد التقنين والتشريع، فكشف الإرادة الاستعمالية عن الإرادة الجدّية يتوقف على الفحص عن المخصص والمقيّد. و كون المتكلّم على حالة التقنين يدفعنا إلى الفحص عنهما.

ولذلك لو لم يكن المتكلّم جالساً على منصة التشريع يتلقّى العام دليلاً على الجدّ ولا يلزم الفحص عن مخصّصه، وهكذا المطلق، يؤخذ به ولا يلتفت إلى مقيده.

جعفر السبحاني

1/ذو القعدة الحرام من شهور عام 1424هـ


صفحه 225

الفصل الثالث

الكلام

مسائل كلامية تجمعها وجود التناقض المحال فيها، وهي كما نذكر:

1. الاستغناء عن سنّة الرسول؟!

2. أُفكر فأنا موجود.

3. ماتت بلا بيعة.

4. عشرة في الجنة.

5. اللجنة السداسية لتعيين الخليفة.

6. السيرتان المتناقضتان في نقل حديث الرسول.

7. مات النبي بلا وصية في أمر الخلافة.

8. بين الجبر والاختيار.

9. إنّما الأعمال بالنيات.

10. رؤية الله بين الرفض والقبول.

11. لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها.

12. عادل لا يجوز.

13. الطلاق مرّتان.

14. إن ترك خيراً الوصيّة للوالدين .


صفحه 226

صفحه 227

تمهيد

كلّ إنسان يعرف بالفطرة أنّ الجمع بين الوجود والعدم أمر محال، وهذا ما يعبّر عنه الفلاسفة بـ«امتناع اجتماع النقيضين»، فافتراض كون شخص موجوداً في زمان ومكان خاصّين وفي الوقت نفسه كونه معدوماً فيهما يستحيله العقل السليم، ولذلك يقول الفلاسفة: إنّ أصحَّ الأقاويل وأصدق القضايا التي لا يشكّ فيها إنسان هو مسألة امتناع اجتماع الوجود والعدم والصحّة والبطلان في شيء واحد من جهة واحدة، إلى غير ذلك من الشرائط الثمانية التي ذكرها المنطقيّون في كتبهم.

ولكنّ السابر في غضون التاريخ والحديث يقف على تسليم المؤرّخين والمحدّثين بأُمور متناقضة ، وإيمانهم بالمتناقضين والركون إليهما. وهذا ما يحدونا إلى نقد التاريخ والحديث وقراءتهما من جديد، حتّى نأخذ بالنقي الصافي ونترك المشوب بالكدر.

ولعلّ القارئ الكريم يتصوّر ما ذكرناه دعوى بلا برهان، وأنّ النوازع النفسانية خمّرت تلك الفكرة في أذهاننا، وأنّ المحقّقين من المؤرّخين والمحدّثين قد بذلوا جهدهم في تمييز الصواب عن الخطأ والصحيح عن الزائف، فكيف يمكن أن يحدّثوا بالمتناقضين، ويؤمنوا بهما؟!


صفحه 228

لكنّي ـ شخصياً ـ لا أقبل تلك الفكرة، لأنّي عثرت لهم على موارد متناقضة في مجال الأفعال والأقوال وربّما بين الأقوال والأفعال، ولإثبات ذلك نأتي ببعض الأمثلة حتّى يتبيّن لبغاة الحق أنّ التاريخ والحديث يجب أن يُدرسا من جديد.


صفحه 229

1

الاستغناء عن سنّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

يظهر ممّا رواه البخاري في صحيحه ـ والذي يعتبره أهل السنّة أصحّ الكتب بعد القرآن الكريم ـ: «أنّه لما اشتد بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وَجَعُهُ، قال: «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده». قال عمر: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غلبه الوجع وعندنا كتاب اللّه حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغظ، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع»; فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزية كلُّ الزريّة، ما حال بين رسول اللّه وبين كتابه».(1); وقد نقله أيضاً في مواضع أُخرى سيوافيك بيانها.

وحول هذا الحديث نقاط من البحث سيظهر من خلالها ما ذكرناه من الإيمان بالمتناقضين.

1. إنّه سبحانه يصف كلام نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى)(2)، فمن كان لا ينطق عن الهوى في حياته ورسالته، كيف يصفه الخليفة بقوله: «إنّ النبي غلبه الوجع»؟! فإنّ الناطق عن غلبة الداء ينطق عن الهوى والقرآن يصفه(صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّه


1 . صحيح البخاري:1، الحديث114.

2 . النجم:3.


صفحه 230

لا ينطق عن الهوى، فكيف نجمع بين المتناقضين؟!

على أنّ الخطب سهل في هذا التعبير بالنسبة إلى التعابير الأُخرى، لأنّ البخاري نقل الحديث في مواضع مختلفة، الوطء فيها أشدّ، وإليك ما نقله فيها:

ـ قالوا:هجر رسول اللّه.(1)

ـ فقالوا: ما له؟! أهجر استفهموه.(2)

ـ فقالوا :ما شأنه أهجر استفهموه فذهبوا يردّون عليه.(3)

ـ فقال بعضهم: إنّ رسول اللّه قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب اللّه.(4)

ـ فقال عمر: إنّ النبي قد غلبه الوجع وعندكم القرآن.(5)

ـ و قال عمر: إنّ النبي قد غلبه الوجع.(6)

2. إنّه سبحانه ينهى المسلمين عن رفع أصواتهم فوق صوت النبي مراعاة للأدب ويقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ)(7)، ولكنّنا نرى أنّ الصحابة الحضور في مجلس النبي يختلفون فيما بينهم ويكثرون اللغط «أو ليس اللغط إلاّ الجلبة والأصوات المبهمة التي لا تفهم»؟ فأين عملهم من نهيه سبحانه عن رفع الأصوات فوق صوت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

3. إنّه سبحانه ينهى عن إيذاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ويوعدهم بالعذاب الأليم


1 . الحديث رقم 3053.

2 . الحديث رقم 3168.

3 . الحديث رقم 4431.

4 . الحديث رقم 4432.

5 . الحديث رقم 5669.

6 . الحديث رقم 7366.

7 . الحجرات:2.


صفحه 231

ويقول: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيم)(1)، ولكنّ الحضّار حول فراش النبي آذوا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى خاطبهم بقوله: «قوموا عنّي، ولا ينبغي عندي التنازع» وهذا كلام مَن استاء من حضورهم واختلافهم حتّى أمرهم بترك البيت.

4. أنّ الخطب الجلل الذي حاق بالمسلمين في ذلك اليوم كان متمثّلاً في قول ابن عباس: إنّ الرزية كلّ الرزية، ما حال بين رسول اللّه و بين كتابه.

5.انّ سنّة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) عِدْل القرآن الكريم في الحجّية فهي بلفظها وإن لم تكن وحياً لكنّها بمعناها ومضمونها وحي كالقرآن المجيد، فالقرآن والسنّة توأمان لا ينفكان إلى يوم القيامة، ولأجل ذلك قام المسلمون بجمع سنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد حياته، إلى حد صار «السنّيّ» لقباً لطائفة كبيرة من المسلمين.

وما هذا إلاّ لأنّ السنّة تتكفّل ببيان ما أُجمل في القرآن الكريم كالصلاة والزكاة أو الصوم، أو ما جاء أصله في القرآن دون تفصيله، فلو رفضنا السنّة، لأصبح الإسلام أبتر غير كاف ولا ناجع لبيان ما يحتاج إليه المسلم إلى يوم القيامة.

فإذا كانت هذه مكانة السنّة وقيمتها، فكيف يقول الخليفة: «حسبنا كتاب اللّه»؟!

كيف يقول الخليفة حسبنا كتاب اللّه مع أنّ القرآن الكريم يقول: (وَمَا آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).(2)

هذه الأسئلة الخمس تعرب عن وجود تناقض في حياة لفيف من الصحابة، فتظاهروا على خلاف الأُصول والأُسس التي قام عليها الإسلام.


1 . التوبة:61.

2 . الحشر:7.


صفحه 232

غاية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الكتابة

قد حيل بين رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وكتابته، وربّما يجد الإنسان في نفسه تعطّشاً إلى معرفة ما كان يضمره النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من طلب الورق والقلم لكن يمكن معرفته من خلال تصريحات الخليفة بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإليك كلامه بعد زمن استُتبَّ له فيه الأمر وجلس على منصة الرئاسة.

روى ابن عباس(رض) قال: دخلت على عمر في أوّل خلافته، وقد أُلقي له صاعٌ من تمر على خَصَفة، فدعاني إلى الأكل، فأكلت تمرة واحدة، وأقبل يأكل حتّى أتى عليه، ثمّ شرب من جَرّ كان عنده، واستلقى على مِرفقة له، وطفق يحمد اللّه، يكرر ذلك، ثمّ قال: من أين جئت يا عبد اللّه؟ قلت: من المسجد، قال: كيف خلّفت ابن عمك؟ فظننته يعني عبد اللّه بن جعفر، قلت: خلّفته يلعب مع أترابه، قال: لم أعنِ ذلك، إنّما عَنيتُ عظيمَكم أهلَ البيت، قلت: خلّفته يمتح بالغَرْب على نخيلات من فلان، وهو يقرأ القرآن، قال: يا عبد اللّه، عليك دماء البُدن إن كتمتنيها! هل بقى في نفسه شيء من أمر الخلافة؟ قلت: نعم، قال: أيزعم أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) نصّ عليه؟ قلت: نعم، وأزيدك، سألت أبي عمّا يدّعيه، فقال: صدق، فقال عمر: لقد كان من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في أمره ذَرْوٌ من قول لا يثبت حُجّة، ولا يقطع عذراً، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام، لا وربّ هذه البنيّة لا تجتمع عليه قريش أبداً! ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّي علمت ما في نفسه، فأمسك، وأبى اللّه إلاّ إمضاء ما حتم.(1)


1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:12/20ـ 21 نقله عن أبي طاهر صاحب كتاب «تاريخ بغداد» في كتابه مسنداً.


صفحه 233

التفكيك بين الرسالة والخلافة

وقد نقل ابن أبي الحديد في مكان آخر نظرية الخليفة في مسألة اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد، فخاطب ابن عباس بقوله: يابن عباس، أتدري ما منع الناس منكم؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، قال:لكنّي أدري، قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: كرهتْ قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة، فيجخِفوا جخفاً، فنظرتْ قريش لنفسها فاختارت، ووفقت فأصابت.

هذا التعبير يعرب عن أنّ الخليفة لا يرى اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد، و في مقابل هذا الرأي يحكي الذكر الحكيم عن اجتماع النبوة والإمامة في آل إبراهيم، يقول سبحانه: (أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبراهيمَ الكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً)(1)، فالملك العظيم هو الإمامة والخلافة الراشدة التي أعطاها اللّه سبحانه لآل إبراهيم مع ما آتاهم من النبوّة وخصهم بالوصاية، وهذا تناقض آخر في هذا المورد حيث يحكم سبحانه بصحّة الجمع بين المقامين في بيت واحد والخليفة يردّه ويعتقد بالتفريق.

التعرف على هدف النبي من طريق آخر

إنّ لفيفاً من الصحابة وعلى رأسهم عمر بن الخطاب وإن حالوا بين النبي و الكتابة لنوايا كشف عنها الخليفة كما مرّ عليك في محادثته مع ابن عباس، إلاّ أنّه يمكن التعرف على مقصد النبي من الكتابة من خلال حديث الثقلين لاشتراكهما في التعبير، حيث قال في المقام: وهو طريح الفراش «أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده»، وهو بنفسه جاء قريباً منه في حديث الثقلين قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين


1 . النساء:54.


صفحه 234

ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي»، وهذا يدلّ على أنّ النبي كان بصدد إيصاء الأُمّة بالتمسّك بالثقلين كتاب اللّه وعترته اللّذين لا يفترقان أبداً حتّى يردا عليه الحوض، وعلى رأس العترة علي أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي نصّ على خلافته وولايته في منصرفه عن حجة الوداع على صعيد ضفاف غدير خم في ذلك الحشد الكبير، فقال: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه».

هذه هي التناقضات والتهافتات الكثيرة التي تلحّ على الباحث أن يقرأ التاريخ قراءة جديدة.


صفحه 235

2

...أُفكّر فأنا موجود

جعل «ديكارت» ـ ذلك الفيلسوف الطائر الصيت ـ قوله:«أفكر فأنا موجود» حجر الأساس ونقطة الانطلاق لتحصيل «يقين ما» ـ بعد أن شكّ في كلّ شيء حتّى في وجوده، فحاول أن يخرج به عن إطار الشك المطلق الذي استولى عليه وجعله شاكّاً في كلّ ما يعتقد به، فقال (وهو في تلك الحالة): لو كنت أنا شاكّاً في كلّ شيء لما كنت شاكّاً في:

«أنّي أفكر فأنا موجود».

ولكن غاب عنه أنّ هذه القضية المتيقّنة مسبوقة بقضية يقينية أُخرى له ، ولولاها لما خرج بهذه الجملة عن إطار الشكّ، وهو أنّه عندما يفكّر هل يصحّ أن يصف نفسه بأنّه لا يفكّر أو لا؟

فعلى الأوّل: يهوي حجر الزاوية، ولا يجد مستقراً مكيناً، لزوال يقينه بأنّه يفكّر.

وعلى الثاني: يجد في نفسه معرفة قطعية سابقة على ما توهمّه أوّل المعارف، وهي امتناع أن يوصف شخص واحد، في آن واحد، بأنّه يفكّر ولا يفكّر. وهذا ما


صفحه 236

نسمّيه«امتناع اجتماع النقيضين»، الذي يُطلق عليه «أُمّ المعارف» و «أُمّ القضايا».

فإذا كان امتناع اجتماع النقيضين بهذه المرتبة ، كان على قادة المسلمين رفض كلّ قضية تستلزم التناقض في الرأي والعمل، ومع ذلك ترى أنّـهم قد جمعوا بين المتناقضين في القضايا التي تمتُّ إلى آل البيت(عليهم السلام) ، وإليك البيان:

المكانة الرفيعة لبنت المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ لبنت المصطفى فاطمة الزهراء(عليها السلام) مكانة مرموقة في قلوب المؤمنين عامّة، حتّى الخوارج والنواصب فهم أيضاً يحترمونها ويصفونها بالعظمة والكرامة، كيف وقد روى المحدثون أنّه نزل قوله سبحانه: (في بُيُوت أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)(1)، على قلب سيد المرسلين وهو في المسجد فتلا هذه الآية على أصحابه الملتفين حوله، ولمّا انتهى من تلاوة الآية قام إليه رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول اللّه؟ قال: بيوت الأنبياء، فقام إليه أبو بكر، فقال: يا رسول اللّه أهذا البيت منها؟ ـ مشيراً إلى بيت علي وفاطمه (عليهما السلام) ـ قال:«نعم، من أفاضلها».(2)

وقد أفرد المحدّثون باباً في فضائل السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في صحاحهم ومسانيدهم، والتي لا يسعنا نقل معشار ما حدّثوا به في موسوعاتهم وإنّما اقتصرنا منها على ما ذكرناه.

ولكن نرى في حياة الخلفاء تناقضاً في علاقتهم مع بنت المصطفى(عليها السلام)!!

هذا هو البخاري قد أخرج في صحيحه عن المسور بن مخرمة أنّ رسول


1 . النور:36.

2 . الدر المنثور:6/203، تفسير سورة النور; روح المعاني:18/174.


صفحه 237

اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «فاطمة بَضْعة منّي، فمن أغضبها أغضبني».(1) و البضعة بفتح الباء هي القطعة من الشيء، فإذن أنّ فاطمة هي جزء من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمن أغضبها فقد أغضب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

و«الغضب» كما يصفه علماء الأخلاق ردُّ فعل للإيذاء الوارد على الإنسان، فالإنسان يُؤذى فيَغضب، فمن أغضب رسول اللّه فقد آذاه من ذي قبل.

وأمّا جزاء من آذاه فالذكر الحكيم يتوعّده بقوله: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْر لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَليم).(2)

فهلمّ معي نتعرّف على من آذى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):

روى البخاري في كتاب فرض الخمس عن عروة بن الزبير أنّ عائشة أُمّ المؤمنين أخبرته أنّ فاطمة (عليها السلام) ابنة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول اللّه أن يقسم لها ميراثها، ما ترك رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)ممّا أفاء عليه.

فقال لها أبو بكر: إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا نُورث ما تركنا صدقة» فغضبت فاطمة بنت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفّيت، وعاشت بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ستة أشهر.(3)

فهنا قضايا ثلاث يستحيل الإذعان بها معاً، لأنّها متناقضات.

فمن جانب أنّ الخليفة أغضب فاطمة وآذاها، ومن آذاها وأغضبها فقد آذى وأغضب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فتكون النتيجة أنّ الخليفة آذى رسول اللّه بلا كلام.


1 . صحيح البخاري:2، الحديث رقم 3714.

2 . التوبة:61.

3 . البخاري:2، رقم الحديث 3093.


صفحه 238

ومن جانب آخر إنّ اللّه سبحانه توعّد من آذى رسول اللّه بعذاب أليم، وهو نصّ الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

فهاتان القضيتان تعضد كلّ منها الأُخرى.

ومن جانب ثالث إنّ البخاري ومن يعتبر كتابه أصحّ الكتب يصف أبا بكر بالخلافة والإمامة والأُسوة والقدوة للمسلمين، أفيمكن أن يكون خليفة المسلمين ممّن آذى رسول اللّه وأغضبه فاستحقّ ما استحق؟!

فلا محيص في حلّ العقدة ورفع التناقض إلاّ باختيار أحد أمرين:

أ. رفع اليد عن حديث البضعة أو الآية الكريمة.

ب. رفض كون الخليفة أُسوة وقدوة وإماماً وخليفة.

فأيّهما الصحيح؟ نحيل ذلك إلى اختيار القارئ الكريم.

وعلى كلّ تقدير: الجمع بين الأمرين مستحيل(وما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه).(1)


1 . الأحزاب:4.


صفحه 239

3

ماتت بلا بيعة

......... و أحق الأقاويل ما كان صدقه دائماً، وأحقّ من ذلك ما كان صدقه أوّليّاً، وأوّل الأقاويل الحقّة الأولية الذي إنكاره مبنى كلّ سفسطة هو القول بأنّه لا واسطة بين الإيجاب والسلب فإنّه إليه ينتهي جميع الأقوال عند التحليل، وإنكاره إنكار لجميع المقدّمات والنتائج.(1)

ما ذكره حكيم الإسلام وصدر المتألّهين هو الحقّ الذي لا غبار عليه ولا يشك في صحّته ذو مسكة، وكلّ إنسان بفطرته واقف على بطلان اجتماع النقيضين

وللأسف ربّما نجد أنّ جماعة كبيرة من المحدّثين جمعوا بين النقيضين وآمنوا بهما.

فمن جانب فتحوا باباً لفضائل بنت المصطفى وقالوا: إنّها سيّدة نساء العالمين.


1 . صدر المتألهين، الأسفار:1/89ـ 90.


صفحه 240

أخرج الحاكم في مستدركه عن عائشة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال وهو في مرضه الذي توفّي فيه: «يا فاطمة ألا ترضي أن تكوني سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء هذه الأُمّة، وسيدة نساء المؤمنين».(1) قال الحاكم ـ بعد إخراج الحديث ـ هذا إسناد صحيح ولم يخرجاه هكذا، وصحّحة الذهبي في تعليقته على المستدرك.

وأخرج الحاكم أيضاً عن ابن عمر أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا سافر، كان آخر الناس عهداً به; فاطمة، وإذا قدم من سفره كان أوّل الناس به، فاطمة(رض).(2)

هذه هي مكانة بنت المصطفى فاطمة(عليها السلام).

ومن جانب آخر روى مسلم في صحيحه عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية».(3)

وأخرج أحمد في مسنده عن معاوية قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية».(4)

ومن جانب ثالث نقل البخاري في صحيحه أنّ بنت المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) ماتت ولم تبايع أبا بكر.

روى عن عائشة أُمّ المؤمنين أنّ فاطمة بنت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول اللّه أن يقسم لها ميراثها، ممّا ترك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا أفاء اللّه عليه.

فقال لها أبو بكر: إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لانُورَثُ، ما تركنا صدقة»، فغضبت فاطمة بنت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتّى


1 . المستدرك:3/156.

2 . المستدرك:3/156.

3 . صحيح مسلم: 4، باب الأمارة، ص 58، الحديث 88.

4 . مسند أحمد:4/96.


صفحه 241

توفّيت، وعاشت بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ستة أشهر.(1)

هذه أُمور ثلاثة لو أذعن بها المحدّث، بل أيّ إنسان واع لأدرك أنّ الالتزام بها، يضطرّه إلى الإذعان بالمتناقضين، وإلاّ فهو واقع بين محذورين:

1. رفض شرعية خلافة الخليفة بشهادة أنّ سيدة نساء العالمين، ومَن يكون غضبها، غضب الرسول، وإيذاؤها إيذاءً له، رفضته وهجرته ولم تبايع حتى لفظت آخر أنفاسها.

2. رمي بنت المصطفى، المطهّرة بنصّ الكتاب بأنّها ـ نستجير باللّه ـ ماتت...، لأنّها لم تبايع إمام عصرها وخليفة زمانها، فعلى القارئ الكريم الأخذ بأحد الأمرين لحل التناقض.

ولا أظن أنّ مسلماً يتردّد في طهارة الزهراء(عليها السلام) ونزاهتها وعظمتها عند اللّه وعند رسوله، اللّهمّ إلاّ أن يكون أمويّ النزعة لا يقيم للإسلام ولا للنبي وزناً ولا قيمة.

ومن عجيب الأمر أنّ المحدّثين أخذوا بالأمرين معاً، لا بأحدهما.


1 . صحيح البخاري:2/539ـ 541، كتاب فرض الخمس، باب فرض الخمس، الحديث رقم 3092.


صفحه 242

4

عشرة في الجنة

......... رحم اللّه الإمام السيد الخميني ـ ذلك الرجل المجاهد الذي أنفق عمره الشريف في مكافحة الكفر والطغيان، ورفع راية الإسلام في ربوع إيران، وأقام جمهورية إسلامية، وقد واجه في طريقه ما واجه وكابد ما كابد ـ كان قدس اللّه نفسه يقول: إذا وصل سند التوثيق إلى نفس الإنسان بأن يقول قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أو الوصي(عليه السلام) في حقّي كذا وكذا، فهو أحقّ الأقاويل بالشك والترديد.

فلو كان امتناع اجتماع النقيضين أحقَّ الأقاويل بالإذعان كان التوثيق الواصل بسنده إلى شخص الإنسان أحقَّ الأقاويل بالشك والترديد.

وذلك لأنّ الإنسان المؤمن الكيّس، بل كلّ عاقل لا يمدح نفسه ولو بلسان الغير ولا ينبس بذلك ببنت شفة، وإنّما يدع الآخرين لنقل ذلك، ليكون أوقع في القلوب.

هذه سيرة العقلاء والعلماء الواعين.

فلو كان هذا معياراً كلّياً أو غالبياً، فكلّ مدح وتوثيق في حقّ الراوي في علم الرجال إذا انتهى سنده إلى شخص المترجم له، لا عبرة به.


صفحه 243

وعلى ضوء ذلك نتناول حديث العشرة المبشّرة حيث نرى أنّ سند الحديث ينتهي إلى شخص يعدّ نفسه منهم.

أخرج الترمذي عن عبد الرحمن بن حميد عن أبيه أنّ سعيد بن زيد ـ بن عمرو بن نفيل ـ حدّثه في نفر أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: عشرَةٌ في الجنة: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان، وعليُّ، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن، وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وقاص. قال: فعدَّ هؤلاء التسعة وسكت عن العاشر، فقال القوم: ننشدك اللّه يا أبا الأعور مَنِ العاشر؟ قال: نشدتموني باللّه، أبو الأعور في الجنة.(1)

أخرج أحمد في مسنده عن رباح بن حرب بن مغيرة قال: إنّ شعبة كان في المسجد الأكبر وعنده أهل الكوفة عن يمينه وعن يساره، فجاءه رجل يدعى سعيد بن زيد فحيّاه المغيرة وأجلسه عند رجليه على السرير، فجاء رجل من أهل الكوفة فاستقبل المغيرة فسبّ وسبّ، فقال: مَن يسب هذا يا مغيرة؟ قال: يسب علي بن أبي طالب(رض)، قال: يا مغيرة بن شعبة يا مغيرة بن شعبة ـ ثلاثاً ـ ألا أسمع أصحاب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يسبّون عندك لا تنكر ولا تغيّر، فأنا أشهد على رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بما سمعت أُذناي ووعاه قلبي من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فإن لم أكن أروى عنه كذباً يسألني عنه إذا لقيته انّه قال: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعلي في الجنة وعثمان في الجنة وطلحة في الجنّة والزبير في الجنة وعبد الرحمن في الجنة وسعد بن مالك في الجنة وتاسع المؤمنين في الجنة لو شئت أن أُسمّيه لسمّيته، قال: فصيح أهل المسجد يناشدونه يا صاحب رسول اللّه من التاسع؟ قال: ناشدتموني باللّه واللّه العظيم أنا تاسع المؤمنين ورسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)العاشر.(2)


1 . سنن الترمذي:5/648، رقم الحديث 3748.

2 . مسند أحمد:1/187.


صفحه 244

نحن لا نناقش في سند الحديث ولا في دلالته مع وجود الاختلاف في أسماء المبشّرين، وإنّما أُلفت نظر القارئ إلى نكتة لها أهمية خاصة في تقييم الحديث، وهي أنّ قسماً من هؤلاء العشرة المبشّرين بالجنة قد قاتل بعضهم بعضاً، فهذا هو التاريخ يحدّثنا أنّ عثمان ثالث الخلفاء قد قُتل بأمر طلحة والزبير.

وقد قُتلا ـ هما ـ في حرب الجمل، التي أشعلت نارها أُمّ المؤمنين عائشة وقادت جيشاً جرّاراً وعلى رأسه الزبير وطلحة، فلم تزل المناشدة والحجاج قائماً على قدم وساق بين علي(عليه السلام) وقادة جيش الجمل إلى أن تأجّجت نار الحرب وأُريقت دماء المسلمين وقتلا في نفس الحرب.

أخرج البخاري في صحيحه عن الحسن: خرجت بسلاحي ليالي الفتنة فاستقبلني أبو بكرة، قال: أين تريد؟ قال: أُريد نصرة ابن عم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): إذا تواجه المسلمان بسيفهما فكلاهما من أهل النار، قيل: فهذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنّه أراد قتل صاحبه.(1)

لا شكّ أنّ تطبيق أبي بكرة الحديث على حرب الجمل تفسير خاطئ، فأين المسلم الذي بايعه جمهور الصحابة من المهاجرين و الأنصار وبايعوه بيعة شرعية وانتخبوه إماماً لأنفسهم!! ـ أين هو ممّن نقض البيعة ونكث؟!، فقد نقض الزبير وطلحة ببيعتهما للإمام(عليه السلام)والحديث ـ لو صحّ ـ فإنّما يراد به من يقاتلا لا عن مبدأ ديني وأساس شرعي.

نحن نمرّ على ذلك ونقول: كيف يمكن عدّ هؤلاء جميعاً ـ وبلا استثناء ـ من أهل الجنّة؟ وهل يمكن أن يكون القاتل والمقتول على الحق؟ وهل يصحّ أن يعدّ من نقض البيعة ونكث وأخرج حبيس رسول اللّه وزوجه عن بيتها وقد أُمرت


1 . صحيح البخاري:4/509، الباب إذا التقى المسلمان بسيفهما من كتاب الفتن، رقم 7083.


صفحه 245

بالإقرار فيه ، قال تعالى: (وَقَرَنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)(1) ، هل يصحّ عدّ هؤلاء من أهل الجنة؟!

لا أدري ولا القارئ يدري ولا المنجم يدري!!

ولكن أدري أنّ المتناقضين لا يجتمعان ولا يرتفعان.


1 . الأحزاب:33.


صفحه 246

5

اللجنة السداسية لتعيين الخليفة

أو

اللعبة السياسيّة

... خرج عمر بن الخطاب يوماً يطوف في السوق فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة وكان نصرانياً، فقال: يا أمير المؤمنين أعدني على المغيرة بن شعبة فإنّ عليّ خراجاً كثيراً، قال: وكم خراجك؟ قال: درهمان في كلّ يوم، قال: وايش صناعتك؟ قال: نجار، نقاش، حدّاد، قال: فما أرى خراجك بكثير على ما تصنع من الأعمال قد بلغني انّك تقول: لو أردتُ أن أعمل رحى تطحن بالريح لفعلتُ، قال: نعم، قال: فاعمل لي رحى، قال: لئن سلمت لأعملنّ لك رحى يتحدّث بها مَن بالمشرق والمغرب، ثمّ انصرف عنه، فقال عمر: لقد توعّدني العبد آنفاً، ثم انصرف عمر إلى منزله.

(وبعد مضي يومين ودخل اليوم الثالث)، دخل أبولؤلؤة في الناس وبيده


صفحه 247

خنجر له رأسان نصابه في وسطه، فضرب عمر ست ضربات إحداهنّ تحت سُّرته، وهي التي قتلته.

فلمّا وجد عمر حرّ السلاح سقط وقال: أفي الناس عبدالرحمن بن عوف؟ قالوا: نعم يا أميرالمؤمنين، هو ذا، قال: تقدّم فصلّ بالناس، قال: فصلّى عبدالرحمن بن عوف وعمر طريح ثم احتمل فأُدخل داره.(1)

روى الطبري في تاريخه قال: فلمّا يئس من الحياة، قيل له: لو استخلفت، قال: مَن استخلف؟

لو كان أبو عبيدة ابن الجراح حياً استخلفته، فإن سألني ربي، قلت: سمعتُ نبيّك يقول إنّه أمين هذه الأُمّة.

ولو كان سالم مولى ابن حذيفة حيّاً استخلفته، فإن سألني ربي قلتُ: سمعتُ نبيك يقول: إن سالماً شديد الحبّ للّه.

فقال له رجل: أدلّك عليه عبد اللّه بن عمر، فقال: قاتلك اللّه ما أردتَ اللّهَ بهذا، ويحك كيف استخلف رجلاً عجز عن طلاق امرأته ... إلى أن قال: فإن استخلفتُ فقد استخلف من هو خير مني(يريد أبا بكر)، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني(يريد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم))ولن يضيع اللّه دينه ـ إلى أن قال ـ فلمّـا أصبح عمر دعا علياً وعثمان وسعداً وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام فقال: إني نظرت فوجدتكم رؤوساء الناس وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلاّ فيكم وقد قبض رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو عنكم راض، إنّي لا أخاف الناس عليكم إذا استقمتم ولكن أخاف عليكم اختلافكم فيما بينكم، فيختلف الناس...

فإذا مت فتشاوروا ثلاثة أيام وليصلّ بالناس صهيب ولا يأتين اليوم الرابع


1 . تاريخ الطبري:3/263ـ 264; الكامل:3/36.


صفحه 248

إلاّ وعليكم أمير منكم، ويحضر عبداللّه بن عمر مشيراًـ ولا شيء له من الأمر ـ وطلحة شريككم في الأمر.

فقال لأبي طلحة الأنصاري: يا أبا طلحة إنّ اللّه عزّ وجلّ طالما أعز الإسلام بكم فاختر خمسين رجلاً من الأنصار فاستحثّ هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلاً منهم، وقال للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلاً منهم، وقال لصهيب: صلّ بالناس ثلاثة أيام، وأدخل علياً وعثمان والزبير وسعداً وعبدالرحمن بن عوف وطلحة ـ إن قدم ـ وأحضر عبد اللّه بن عمر ـ ولا شيء له من الأمر ـ و قم على رؤوسهم، فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلاً وأبى واحد فاشدخ رأسه ـ أو اضرب رأسه ـ بالسيف، وإن اتّفق أربعة فرضوا رجلاً منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما، فإن رضي ثلاثة رجلاً منهم وثلاثة رجلاً منهم، فحكّموا عبد اللّه بن عمر فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلاً منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد اللّه بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّـا اجتمع عليه الناس.

فلمّا مات عمر وأخرجت جنازته فصلّى عليه صهيب، ولمّا دفن عمر جمع مقداد أهل الشورى في بيت المسور بن مخرمة، فتنافس القوم في الأمر وكثر بينهم الكلام، فقال الزبير: نصيبي في هذا الأمر لعليّ، وقال عبدالرحمن لسعد: أنا وأنت كلالة فاجعل نصيبك لي. ثمّ التفت إلى علي وعثمان فقال: إني قد سألت عنكما وعن غيركما فلم أجد الناس يعدلون بكما، هل أنت يا علي مبايعي على كتاب اللّه وسنّة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟ فقال:اللّهم لا ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي، فالتفت إلى عثمان فقال: هل أنت مبايعي على كتاب اللّه وسنّة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللّهم نعم! فأشار بيده إلى كتفيه


صفحه 249

فقال: إذا شئتما فانهضا.(1)

وفي تاريخ المدينة لأبي زيد عمر بن شبّة النميري البصري (و هو من مشايخ الطبري ويروي عنه في تاريخه كثيراً) دعا عبد الرحمن علياً فقال: عليك عهد اللّه وميثاقه لتعملنّ بكتاب اللّه وسنّة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده. قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي. ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي. قال: نعم، فبايعه. فقال علي: (حبوتَه حبو دهر) ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا(فَصَبْرٌ جَميلٌ وَاللّهُ الْمُسْتعانُ عَلى ما تَصِفُون)(2) واللّه ما ولّيت عثمان إلاّ ليردّ الأمر إليك، واللّه(كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأن) (3) فقال عبدالرحمن: يا عليّ لا تجعل على نفسك سبيلاً، فإنّي قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم لايعدلون بعثمان، فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجل(4)ه.

وقال ابن كثير: صعد عبدالرحمن بن عوف منبر رسول اللّه ثم تكلّم فقال: أيّها الناس، إنّي سألتكم سراً وجهراً بأمانيكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إمّا علي وإمّا عثمان، فقم إليّ يا علي، فقام إليه فوقف تحت المنبر فأخذ عبدالرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب اللّه وسنة نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللّهم لا ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي، قال: قال: فأرسل يده وقال: قم إليّ يا عثمان، فأخذ بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب اللّه وسنّة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللّهم نعم! فقال: فرفع رأسه إلى السقف ويده بيد عثمان فقال: اللّهم اسمع وأشهد.


1 . تاريخ الطبري:3/292ـ 301بتلخيص.

2 . يوسف:18.

3 . الرحمن:29.

4 . تاريخ المدينة المنورة:3/925ـ 930.


صفحه 250

ثمّ نقل عن المؤرّخين أنّ علياً قال لعبد الرحمن: خدعتني وإنّك إنّما وليته لأنّه صهرك وليشاورك كلّ يوم في شأنه.(1)

ويظهر ممّا نقله الذهبي في «تاريخ الإسلام» أنّ عبد الرحمن اشترط طاعة نفسه. قال: فخلا بعلي وقال: لك من القدم في الإسلام والقرابة ما قد علمت، اللّه عليك لئن أمرتك لتعدلن وإن أمرت عليك لتسمعنّ ولتطيعن، وقال: ثم خلا بالآخر فقال له كذلك، فلمّـا أخذ ميثاقهما بايع عثمان.

وقد تب(2)عه السيوطي في ذلك، فإنّه قال ـ بعد ما ذكر أنّ كلاً من الزبير وسعد وطلحة قد وهبا حقوقهم لعلي وعبد الرحمن وعثمان على الترتيب ـ فقال عبد الرحمن لعلي وعثمان: اجعلوه إليّ، فخلا بعلي وقال: لك من القدم في الإسلام والقرابة من النبي ما قد علمت، اللّه عليك لئن أمّرتك لتعدلنّ، ولئن أمّرت عليك لتسمعنّ ولتطيعنّ؟ (3)قال: نعم، ثم خلا بالآخر فقال له كذلك، فلما أخذ ميثاقهما بايع عثمان.(4)

هذه قصة الشورى وهذه مصادرها، وهناك مصادر أُخرى أعرضنا عنها، واقتصرنا على ما ذكرنا، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى المصادر المذكورة في الهامش.(5)


1 . البداية والنهاية:4/152.

2 . تاريخ الإسلام:3/280 أظن أنّ ما ذكره الذهبي تحريف لما تضافر في التاريخ من أنّه شرط متابعة سيرة الشيخين إذ من البعيد أن يشترط على الإمام، إطاعة نفسه.

3 . وليس التصديق في نقل الذهبي.

4 . تاريخ الخلفاء، للسيوطي:158.

5 . الإمامة والسياسة:1/23; شرح نهج البلاغة:1/185ـ 190; الكامل في التاريخ:3/26ـ 27; تاريخ اليعقوبي:2/160، إلى غير ذلك من المصادر الجمّة التي تعرضت لقصة الشورى السداسيّة وكيفية إقصاء علي(عليه السلام) عن الخلافة بلعبة سياسية على ما سيتبيّن لك.


صفحه 251

تحليل قصة الشورى

هذا المقطع من تاريخ الإسلام من المقاطع المهمة التي فتحت باب الفتنة في وجه الأُمّة، وأبرز هذه الفتن اغتيال الخلفاء واحداً بعد الآخر الأمر الذي أزال الأُبّهة عن الخليفة والخلافة الإسلامية، وهذا ما يدفعنا إلى أن نحلّله بأسلوب لا ننزع فيه إلى عاطفة ولا نتحيّز إلى فئة، ونطرح ما حوله من الآراء والأسئلة .

1. إنّ شكوى أبي لؤلؤة من المغيرة لم تكن حادثة خاصة له بل كانت لها جذور في تاريخ الخلافة بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

إنّ الخط الذي سار عليه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وورثه المسلمون بعده هو إقامة العدل والقسط بين الناس والمساواة أمام القانون ورفض العنصرية، قال سبحانه: (يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبيرٌ).(1)

فإذا كان الميزان في الرفعة والسموّ هو التقوى فلا فرق بين عربي وأعجمي ومسلم ومعاهد لا سيّما إذا كان الأخير يتفيّأ ظلال الإسلام، وهذا هو الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من ظلم معاهداً وكلّفه فوق طاقته فأنا حجيجه يوم القيامة».(2)

وفي رواية أُخرى قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «من آذى ذمياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة».(3)

وأين هذا ممّا يرويه مالك في «الموطأ »عن الثقة عنده أنّه سمع سعيد بن المسيب يقول: أبى عمر بن الخطاب أن يُوّرِّث أحداً من الأعاجم إلاّ أحداً وُلد في


1 . الحجرات:13.

2 . فتوح البلدان:167، ط مصر.

3 . روح الدين الإسلامي:274.


صفحه 252

العرب. قال مالك: وإن جاءت امرأة حامل من أرض العدو فوضعته في أرض العرب فهو ولدها يرثها إن ماتت، وترثه إن مات، ميراثها في كتاب اللّه.(1)

كلّ ذلك يحكي عن وجود خط مشؤوم بحق الموالي وهضم حقوقهم، وكانت ظلامة أبي لؤلؤة من هذه المقولة.

«انّ الجامعة الكبرى إنّما هي الإسلام ولكنّهم كانوا يجعلون للعرب مزية على سواهم من الأُمم، لأنّهم قوام الإسلام، وقد أوصى عمر بن الخطاب بأهل البادية خيراً، لأنّهم أصل العرب ومادة الإسلام، وقال:«إيّاكم وأخلاق العجم» والإسلام نهضة عربية جمعت العرب على العجم، وعمر أوّل خليفة فضّل العرب وجعل لهم مزية على سواهم ومنع من سبيهم ومن أقواله:«قبيح بالعرب أن يملك بعضهم بعضاً وقد وسع اللّه عزّ وجلّ وفتح الأعاجم» وفدى سبايا العرب من الجاهلية والإسلام إلى أيّامه عملاً بالحديث«لا سبأ في الإسلام».

«وكان عمر لا يدع أحداً من العجم يدخل المدينة، وهو الذي قسّم خيبر بين المسلمين وأخرج اليهود منها، وقسّم وادي القرى وأجلى يهود نجران إلى الكوفة لتخلو جزيرة العرب من غير العرب. وكان كثير العناية بالجامعة العربية يوصي العرب بحفظ أنسابهم لئلا تضيع عصبيتهم، ومن وصاياه«تعلّموا النسب ولا تكونوا كنبط السواد إذا سئل أحدكم عن أصله قال من قرية كذا».(2)

2. اتّفقت كلمة المؤرّخين على أنّ أبا لؤلؤة رفع شكواه إلى عمر ليقضي بينه و بين مولاه ابن شعبة و قال: إنّ عليه خراجاً كثيراً وإنّه يدفع كلّ يوم إلى المغيرة درهمين، فالخليفة بدل أن يحضر المشتكى عليه ليقضي بينهما بالحق والعدل سأل


1 . الموطأ:2/520، كتاب الفرائض، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي.

2 . تاريخ التمدن الإسلامي:4/31ـ 32.


صفحه 253

أبا لؤلؤة عن مهاراته، فلمّا وقف عليها أصدر حكمه: فما أرى خراجك بكثير على ما تصنع من الأعمال!! وهذا كلام مَن لا يقيم لشكوى المشتكي وزناً ولا قيمة، ويجنح إلى تفضيل المشتكى عليه، فأصبح عمر ضحيّة هذا الحكم.

3. إنّه ـ لما طولب بالاستخلاف ـ تردّد بين القيام به وعدمه، فمن جانب أنّ أبا بكر اختاره لمنصب الخلافة، حيث استخلفه شخصياً بلا مشاورة، ومن جانب آخر انّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ حسب زعمه ـ مات ولم يستخلف. وفي النهاية استخلف اقتداءً بسيرة أبي بكر، تاركاً سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يدّعي!!

وعند ذلك يُطرح هذا السؤال : أكانت سيرة أبي بكر أفضل من سيرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟! وقد عرّفه الذكر الحكيم بأنّه الأُسوة والقدوة، إذ قال تعالى: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُول اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللّهَ وَالْيَومَ الآخِرَ وَذَكَر اللّهَ كَثيراً).(1)

وبعبارة أُخرى: هل الخلافة عن النبي منصب تنصيصي أو منصب انتخابي؟ فعلى الأوّل يلزم على النبي وعلى من خلفه أن ينصّ على الخليفة من بعده، وعلى الثاني يحرم عليه التنصيص لأنّ فيه هضماً لحقوق الأُمّة حيث إنّ انتخاب القائد من حقوقهم وباختيارهم، فحكم اللّه سبحانه في مسألة الإمامة لا يخرج عن أحد الاحتمالين، فعلى الأوّل وجب عليه الاستخلاف وعلى الثاني حرم عليه، فكيف استنتج الخليفة بأنّه يجوز له الاستخلاف اقتداءً بأبي بكر، وعدمه اقتداءً بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

4. اختار عمر من الصحابة الحضور ستة أشخاص، وظن أنّهم القادة وأنّ رسول اللّه توفّي وهو عنهم راض، ولكنّه في الوقت نفسه كان في الصحابة من هو


1 . الأحزاب:21.


صفحه 254

أفضل من بعضهم بكثير.

فهذا هو أبو ذر شبيه عيسى في أُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي قال في حقّه الرسول: «ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ».(1)

وهذا هو عمار بن ياسر الذي قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّه:«إنّ عمّار بن ياسر جلدة ما بين عيني وأنفي».(2)

وقد رآه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عند بناء المسجد وقد حمّلوه ثلاث لبن أو أحجار ثقيلة فشكا إليهم عملهم وقال: يا رسول اللّه قتلوني يحملون عليّ ما لايحملون، فنفض رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وفرته وكان رجلاً جعداً وهو يقول قولته التاريخية: «ويح ابن سمّية ليسوا بالذين يقتلونك، إنّما تقتلك الفئة الباغية».(3)

ومع ذلك نرى أنّه قدّم عليهما وعلى غيرهما أناساً لا يبلغون مرتبتهما في التقوى والجهاد والعزوف عن الدنيا.

5. إن تشكيلة اللجنة كانت تنبئ منذ تشكيلها عن حرمان علي(عليه السلام) من الخلافة، إذ لم يكن له في هذه اللجنة إلاّ رأيان: رأي نفسه ورأي ابن عمته ـ أعني: الزبير بن العوام ـ وإلاّ فالأربعة الباقون كان هواهم مع غير علي و أثبت المستقبل ذلك، حيث وهب سعد رأيه إلى عبد الرحمن بن عوف لأنّهما من قبيلة واحدة(بني زهرة)، كما وهب طلحة رأيه لعثمان لأنّهما تيميان.

فلو أراد الإنسان القضاء في التاريخ وقراءة صحائفه من جديد، فلا يشكّ


1 . المستدرك:3/342; مسند أحمد:2/163.

2 . تاريخ الخميس:1/345; السيرة الحلبية:2/71.

3 . الجمع الصحيحين:2/461، رقم 1794; مستدرك الحاكم:3/386، 387، 391; الاستيعاب: 2/436.


صفحه 255

في أنّ تأسيس الشورى كان لعبة سياسية تاريخية لحرمان علي، لكن بصورة قانونية.

6. لقد كانت رغبة الخليفة أوّلاً وبالذات إلى أبي عبيدة وسالم، ولذلك قال: لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته ولو كان سالم حياً لاستخلفته; فقد فضّلهما على الستة وفيهم علي: أخو النبي، وهارون هذه الأُمّة، وأقضاها، وباب مدينة العلم، ومن جاهد في سبيل اللّه في كلّ معارك الإسلام وأبلى فيها أحسن البلاء.

7. إنّ هذه الشورى قد أنشأت بين رجالها الستة من التنافس والفتن ما فرق جماعة المسلمين وشقّ عصاهم، إذ رأى كلّ واحد من رجالها نفسه كفوءاً للخلافة، ورأى أنّه نظير الآخرين منها، ولم يكونوا قبل الشورى على هذا الرأي، بل كان عبد الرحمن تبعاً لعثمان، وسعد كان تبعاً لعبد الرحمن، والزبير إنّما كان من شيعة علي والمتفانين في نصرته يوم السقيفة، لكن الشورى سوّلت له الطمع بالخلافة ففارق علياً مع المفارقين.

فلمّا قتل عثمان وبايع الناس علياً، كان طلحة والزبير أوّل من بايع، لكنّ مكانتهما في الشورى أطمعتهما في الخلافة وحملتهما على نكث البيعة والخروج على الإمام، فخرجا عليه وخرجت معهما عائشة طمعاً في استخلاف أحد الشيخين: الزبير وطلحة.

8. والعجب العجاب هو التناقض الواضح بين قولي الخليفة ، فهو من جانب انتخب هؤلاء الستة قائلاً بأنّ رسول اللّه مات وهو عنهم راض، ومن جانب آخر يأمر أبا طلحة أو غيره بقتلهم وقال: «فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلاً وأبى واحد فاشدخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة فرضوا رجلاً منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما فإن رضوا ثلاثة رجلاً...». فكيف يضرب رأس


صفحه 256

من رضى عنه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!!

9. إنّ طبيعة التشاور إظهار النظر وإبداء الرأي وطلب المصلحة للأُمّة، فإذا كان المنتخَب غير مرضي عند المستشارين أفيصحّ أن يشدخ رأسه أو يضرب عنقه بمجرد أنّه أعرب عن رأيه وأظهر ما في ضميره دون أن يطرق باب النفاق؟!

10. جعل الخليفة رأي عبد الرحمن هو الحاسم للاختلاف وكأنّه مثاية الحق ومحور تمييزه عن الباطل مع أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)قال في حق علي: «عليٌّ مع الحقّ والحقّ مع علي، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض يوم القيامة».(1)

أفيصحّ مع هذا الوصف تقديم عبد الرحمن بن عوف على من يدور الحقّ مداره؟!

والقارئ إذا اطّلع على ترجمة عبد الرحمن بن عوف وانكبابه على الدنيا واغتراره بزخارفها يمتلأ عجباً من حرصه وطمعه. وهذا هو التاريخ يحدّثنا عن الثروة التي تركها عبد الرحمن بعد وفاته.

قال ابن سعد: ترك عبد الرحمن ألف بعير، وثلاثة آلاف شاة، ومائة فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحاً.

وقال: وكان فيما خلّفه ذهبٌ قطّع بالفؤوس حتّى مجلت أيدي الرجال منه، وترك أربع نسوة فأصاب كلّ امرأة ثمانون ألفاً. وعن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن قال: صالحنا امرأة عبد الرحمن التي طلّقها في مرضه من ربع الثُّمن بثلاثة وثمانين ألفاً.

وقال اليعقوبي: ورّثها عثمان فصولحت عن ربع الثُّمن على مائة ألف دينار، وقيل: ثمانين ألف.


1 . مجمع الزوائد:7/236 وغيره.


صفحه 257

وقال المسعودي: ابتنى داره ووسَّعها وكان على مربطه مائة فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف من الغنم، وبلغ عند وفاته ثمن ماله أربعة وثمانين ألفاً.(1)

11. وإن تعجب فعجب شرط عبد الرحمن للمبايعة حيث قال: هل أنت يا علي مبايعي على كتاب اللّه وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟! فضم إلى الكتاب والسنّة سيرة الشيخين، فلو كانت سيرتهما مطابقة للكتاب والسنّة فلا حاجة لاشتراطها، وإن كانت مجانبة لهما فما قيمتها!!

ولكن عبد الرحمن كان على ثقة بأنّ علياً لا يقبل هذا الشرط، فجاء به لإبعاده عن قبول بيعته، ولذلك قدّم علياً لتصفو الساحة أمام عثمان، فلما عرضها عليه قبلها برحابة صدر.

وهنا تقف على عمق المؤامرة من أوّل تأسيس الشورى إلى انقضائها، كما تقف على قيمة كلام الإمام (عليه السلام) الذي خاطب به عبد الرحمن:«خدعتني وإنّما وليته لأنّه صهرك وليشاورك كلّ يوم في شأنه».

12. فلمّا ظهر حرمان الإمام(عليه السلام) من الخلافة قال(عليه السلام) لعبد الرحمن: «حبوته حبو دهر» وليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا (فصبر جميل واللّه المستعان على ما تصفون).

إنّ عبد الرحمن بن عوف بايع عثمان لأُمنية دنيوية، ولكن الدنيا ما وفت له، فقد اتّسعت الشقة بين الخليفة وعبد الرحمن .

يقول المؤرّخون: إنّ عبد الرحمن ندم أشدّ الندم لمّا رأى عثمان أعطى


1 . راجع طبقات ابن سعد:3/96، ط ليدن; مروج الذهب:1/434; تاريخ اليعقوبي:2/146; صفة الصفوة لابن الجوزي:1/138; الرياض النضرة لمحبّ الطبري:2/291.


صفحه 258

المناصب والولايات إلى أقاربه وحاباهم بالأموال الطائلة، فدخل عليه وعاتبه، وبالغ في الإنكار عليه، وهجره وحلف أن لا يكلّمه أبداً حتّى أنّه حوّل وجهه إلى الحائط لمّا جاءه عثمان عائداً له في مرضه، وأوصى أن لا يصلّي عليه عند وفاته، فصلّى عليه الزبير.(1)


1 . انظر: العقد الفريد لابن عبد ربه:4/350; وشرح نهج البلاغة:1/30; وتاريخ أبي الفداء:1/166.


صفحه 259

6

السيرتان المتناقضتان

في

نقل حديث الرسول

قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):«نضّر اللّه عبداً سمع مقالتي فوعاها، ثمّ أدّاها إلى من لم يسمعها، فربّ حامل فقه لا فقه له، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه».(1)

وفي حديث: احفظوهن، وأخبروا بهن مَن وراءكم.(2)

إلى غير ذلك من النصوص النبوية الدالّة على وجوب رواية الحديث ونقله ونشره.

وهذه سيرة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) وهذه جمله وكلماته.


1 . مستدرك الحاكم:1/87، 88; مسند أحمد:1/437.

2 . مسند أحمد:1/228.


صفحه 260

وأمّا سيرة الخلفاء فحدّث عنها ولا حرج.

... انّ الصديق]أبابكر[ جمع الناس بعد وفاة نبيّهم فقال: إنّكم تحدثُّون عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول اللّه شيئاً، فَمَن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب اللّه فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه.(1)

بعث عمر إلى أبي مسعود، وابن مسعود فقال: ما هذا الحديث الذي تكثرونه عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).(2)

بعث عمر بن الخطاب إلى عبد اللّه بن مسعود وإلى أبي الدرداء، وإلى أبي مسعود الأنصاري فقال: ما هذا الحديث الذي تكثرونه عن رسول اللّه، فحبسهم بالمدينة حتى استشهد.(3)

وقال عمر لقرضة بن كعب عندما شيّعه إلى موضع قرب المدينة:... فأقلّوا الرواية عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنا شريككم(سيوافيك الحديث بتفصيله ومصدره).

هاتان السيرتان، سيرتان متناقضتان، فأيّهما أحق بالاتّباع؟! وإليك التفصيل والتبيين:

السنّة هي المصدر الثاني للشريعة

إنّ السنّة النبوية عدل القرآن الكريم، والمصدر الثاني للعقيدة والشريعة، وقد خصّ اللّه بها المسلمين دون سائر الأُمم.


1 . تذكرة الحفاظ:1/2ـ3.

2 . ابن عساكر، تاريخ دمشق:33/159.

3 . الكامل لابن عدي:1/18.


صفحه 261

واهتمّ المسلمون بنقل ما أُثر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتحرّوا في نقله الدقّة.

وكفى في مكانة الحديث قوله سبحانه: (وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحيٌ يُوحى)(1). والآية وإن كانت ناظرة إلى الوحي القرآني لكن قوله : (وما ينطق عن الهوى) غير قابل للتخصيص، فهي بصدد وضع قاعدة كلية في كلّ ما يصدر منه ويصدق عليه أنّه ممّا نطق به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

فهذه الآية ونظائرها تبعث المسلمين إلى اقتفاء أثر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يأمر و ما ينهى. يقول سبحانه: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).(2)

فقوله: (ما نهاكم عنه) قرينة على أنّ المراد من قوله: (آتاكم)أي ما أمركم .

إنّ السنّة النبوية تارة تكون ناظرة إلى القرآن الكريم فتبيّن مجملاته كالزكاة والصلاة والصوم، أو تخصّص عموماته، أو تقيّد مطلقاته، وأُخرى تكون ناظرة إلى بيان العقيدة والشريعة فحسب، وفي كلا القسمين تكون الصياغة والتعبير للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكن المحتوى والمضمون وحي من اللّه سبحانه، ولذلك تُعدّ السنّة عِدلاً للقرآن الكريم، فالصلاة والزكاة والصوم والحجّ أُمور توقيفية لا تُعلم إلاّ من قبل سنّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهو المبيّن لحقائقها وشروطها وموانعها، وقد صلّى وقال: «صلّوا كما رأيتموني أُصلي» وبذلك رفع الإجمال عن ماهية الصلاة المأمور بها، ومثلها في باب الزكاة والحجّ وغيرهما من أبواب الفقه، فإذا كانت هذه مكانة السنّة النبوية ومنزلتها العظيمة عند اللّه وعند المسلمين، كان اللازم صيانتها


1 . النجم:3ـ4.

2 . الحشر:7.


صفحه 262

وحفظها كحفظ القرآن الكريم، لكونهما قد صدرا عن الوحي غير أنّ القرآن وحي بلفظه ومعناه بخلاف السنّة فهي وحي بمعناها لا بلفظها. انّ الوحي من اللّه عزّ وجلّ إلى رسوله ينقسم على قسمين:

أحدهما: وحي متلوّ، مؤلّف تأليفاً معجز النظام وهو القرآن.

والثاني: وحي مرويّ منقول، غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلوّ لكنّه مقروء، وهو الخبر الوارد من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو المبيّن عن اللّه عز ّوجلّ مراده .(1)

قد كان النبي يرخّص لرواة الحديث من أصحابه، بل ربّما يرغّبهم في كتابة حديثه.

1. أخرج البخاري عن أبي هريرة أنّ خزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأخبر بذلك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فركب راحلته فخطب، فقال: إنّ اللّه حبس على مكة القتل أو الفيل (شك أبو عبد اللّه) وسلّط عليهم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين ألا وإنّـها لم تحل لأحد قبلي ولم تحل لأحد بعدي ـ إلى أن قال: ـ فجاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول اللّه؟ فقال: اكتبوا لأبي فلان، إلى أن قال: كتب له هذه الخطبة.(2)

2. أخرج البخاري عن وهب بن منبّه، عن أخيه قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثاً عنه منّي، إلاّ ما كان من عبد اللّه بن عمرو، فانّه كان يكتُب ولا أكتُب.(3)


1 . الإحكام في أُصول الأحكام:1/93.

2 . صحيح البخاري:1/76، ح112، باب كتابة العلم.

3 . صحيح البخاري:1/38، ح113.


صفحه 263

وقد قام ابن عمرو بكتابة الحديث بإذن من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأمره.

3. روى الدارمي وابن داود في سننهما وأحمد في مسنده عن عبد اللّه بن عمرو، قال: كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: تكتب كلّ شيء سمعته من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)ورسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بشر يتكلّم في الغضب والرضا، فأمسكتُ عن الكتابة.

فذكرت ذلك لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأومـأ بإصبعه إلى فيـه وقـال: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منـه إلاّ حـقّ».(1)

4. روى أحمد في مسنده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قلت يا رسول اللّه: إنّا نسمع منك أحاديث فلا نحفظها أفلا نكتبها؟ قال:« بلى، فاكتبوها».(2)

الاستعانة باليمين

5. أخرج الحافظ الخطيب البغدادي أنّ رجلاً اشتكى قلّة حفظه إلى رسول اللّه فقال له النبي: «استعن على حفظك بيمينك ـ يعني اكتب ـ».

وقد أخرج الخطيب هذا الحديث بطرق كثيرة، وفي قسم منها قال: إنّ رجلاً من الأنصار كان يسمع من النبي أشياءً تعجبه كان لا يقدر على حفظها فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : «استعن بيمينك».

وفي بعض الطرق قال: يا رسول اللّه إنّي أسمع منك أحاديث وأخاف أن


1 . سنن الدارمي:1/125، باب من رخّص في كتابة العلم; سنن أبي داود:2/318، باب في كتابة العلم; مسند أحمد:2/162.

2 . مسند أحمد:2/215.


صفحه 264

تفلت مني، فقال: «استعن بيمينك».(1)

تقييد العلم بالكتابة

6. سأل عبد اللّه بن عمر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن تقييد العلم والمنع عن فراره قال: قلت: يا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أقيد العلم؟ قال: «نعم»، قلت:وما تقييده؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «الكتاب».(2)

ولا أظنّ علماً نافعاً صادقاً مطابقاً للواقع ـ بعد كتاب اللّهـ أهمّ من حديث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).

عدم الحرج في الكتابة

7. أخرج الحافظ الخطيب البغدادي عن رافع بن خديج قال: قلنا: يا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّا نسمع منك أشياءً أفنكتبها؟ قال: «اكتبوا ولا حرج».(3)

ختامه مسك

ولنختم المقام بكلام رب العزّة حيث أمر بكتابة الدَّيْن، فلا أدري هل الدَّيْن أهم أم حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فالدَّيْن يكتب ولا يكتب حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

إنّ اللّه سبحانه يأمر عباده بكتابة الدَّيْن صغيراً وكبيراً ويقول: (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْن إِلى أَجل مُسمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنكُمْ كاتِبٌ


1 . تقييد العلم:65ـ67.

2 . تقييد العلم:68ـ70.

3 . تقييد العلم:72.


صفحه 265

بِالعَدِْل...ـ إلى أن يقول: ـ ولا تسأمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أو كَبِيراً إلى أَجَلِهِ).(1)

فإذا كان هذا حال الدَّيْن الذي هو متاع الدنيا الزائل، فما بال حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو عِدْل القرآن وحجته سبحانه على الناس إلى يوم القيامة مع أنّه في مظنة النسيان والتحريف والزيادة والنقيصة فكتابته أوجب بكثير من كتابة الدّين.

يقول الخطيب البغدادي في هذا الصدد: فلمّا أمر اللّه تعالى بكتابة الدَّيْن حفظاً له، واحتياطاً عليه وإشفاقاً من دخول الريب فيه، كان العلم الذي حفظه أصعب من حفظ الدَّيْن، أحرى أن تباح كتابته خوفاً من دخول الريب والشكّ فيه. بل كتاب العلم في هذا الزمان مع طول الاسناد واختلاف أسباب الرواية، أحجّ من الحفظ، ألا ترى أنّ اللّه عزوجل جعل كتب الشهادة فيما يتعاطاه الناس من الحقوق بينهم، عوناً عند الجحود، وتذكرة عند النسيان ، وجعل في عدمها عند المموّهين بها أوكد الحجج ببطلان ما ادّعوه فيها، فمن ذلك أنّ المشركين لما ادّعوا بهتاً اتّخاذ اللّه سبحانه بنات من الملائكة أمر اللّه نبينا(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول لهم: (فأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقين)(2)

أقول: إنّه سبحانه افتتح آي قرآنه بالأمر بالقراءة مبيّناً أهمية القلم في التعليم والتعلم حيث قال عزّ من قائل: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الإِنْسانَ مِنْ عَلَق* اقْرأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ).(3)

بل عظّم سبحانه القلم والكتابة تعظيماً، حتّى جعلها بمرتبة استحقاق


1 . البقرة:282.

2 . تقييد العلم:71.

3 . العلق:1ـ4.


صفحه 266

القسم بها فهو جلّ وعلا يقول: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)(1)

أفهل يقبل معه أن ينهى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن إمساك القلم لكتابة ما هو قرين القرآن وتاليه في الحجية، أعني: السنّة الشريفة؟! كلا ولا.

فكرة الاكتفاء بالقرآن

أدرك الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ بين الصحابة مَن قد يرفع شعار الاكتفاء بكتاب اللّه سبحانه، فيصدّ عن نشر الحديث وتدوينه وكتابته، كيف وقد سمع ذلك من بعضهم يوم الخميس عندما طلب كتاباً يكتب للأُمّة لئلاّ تضل بعده قال عمر: إنّ النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب اللّه حسبنا.(2)

وقد تنبّأ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بنور اللّه سبحانه وقال في حديث كما يرويه المقدام بن معديكرب الكندي أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: يوشِكُ الرجل متكئاً على أريكته يُحدَّث بحديث من حديثي فيقول: بيننا و بينكم كتاب اللّه عزّ وجلّ فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرّمناه ، ألا وإنّما حرّم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) مثل ما حرّم اللّه.(3)

روى عبيد اللّه بن أبي رافع عن أبيه: أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«لا ألفينّ أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر ممّا أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري. ما وجدنا في كتاب اللّه اتّبعناه».(4)


1 . القلم:1.

2 . صحيح البخاري:1/38، ح110.

3 . سنن ابن ماجة:1/6، ح12.

4 . سنن ابن ماجة:1/7، ح13.


صفحه 267

وفي حديث أبي هريرة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: لا أعرفنّ ما يحدَّث أحدكم عنّي الحديث وهو متكئ على أريكته فيقول: اقرأ قرآناً. ما قيل من قول حسن فأنا قلته.(1)

ونحن نرى مصاديق ذلك التنبّؤ في حياة الخليفة ـ غير ما مرّ عليك في عهد النبي ـ فهذا هو قرظة بن كعب يحدّث قائلاً: بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة وشيّعنا فمشى معنا إلى موضع يقال له صِرار، فقال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قال: قلنا: لحقّ صحبة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ولحقّ الأنصار. قال: لكنّي مشيت معكم لحديث أردت أن أُحدِّثكم به، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم، إنّكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز كهزيز المِرْجل. فإذا رأوكم مدّوا إليكم أعناقهم وقالوا: أصحاب محمد. فأقِلُّوا الرواية عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ أنا شريككم.(2)

ثمّ إنّ الخليفة قد تمادى كثيراً في منع نشر الحديث وكتابته، وكان المنع عن التحدث بحديث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)هي الفكرة التي خامرت ذهنه قبيل وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكي يعطيها صبغة قانونية استشار في ذلك جمعاً من صحابة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

يقول عروة بن الزبير : إنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير اللّه فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً وقد عزم اللّه له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن; وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها، وتركوا كتاب اللّه تعالى، وإنّي


1 . سنن أبي داود:1/9، ح21; كنز العمال:1/173، برقم 878.

2 . سنن ابن ماجة:1/12، ح 28.


صفحه 268

واللّه لا أُلبس كتاب اللّه بشيء أبداً.(1)

إنّ الغاية من الاستشارة هي الوصول إلى الواقع ورفع الستر عن وجه الحقيقة، فإذا كان المستشارون هم أصحاب رسول اللّه، وقد اتّفقوا على كتابة الحديث، فلماذا استبدّ الخليفة برأيه ومنع من كتابة الحديث بسبب باطل سنوضحه؟!

ويا ليت أنّ أُمنية الخليفة قد توقّفت عند هذا الحدّ ولكنّه أقدم على إحراق الصحف التي كانت تتضمن حديث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بتمويه خاص وهو النظر فيها حتى يأخذ أعدلها وأقومها فجاء كُتّابُ الأحاديث بما لديهم من الصحف.

أخرج الخطيب عن القاسم بن محمد أنّ عمر بن الخطاب بلغه أنّه قد ظهر في أيدي الناس كتب، فاستنكرها وكرهها، وقال: «أيّها الناس، انّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبها إلى اللّه أعدلها وأقومها، فلا يبقين أحد عنده كتاب، إلاّ أتاني به، فأرى فيه رأيي» قال: فظنّوا أنّه يريد ينظر فيها، ويقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف; فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار، ثمّ قال: «أُمنيّة كأُمنية أهل الكتاب».(2)

ولم يقتصر على ذلك بل كتب إلى الأمصار بمحو ما كتبوه. أخرج الخطيب عن يحيى بن جعدة: انّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنّة ثمّ بدا له أن لا يكتبها ثمّ كتب في الأمصار: من كان عنده شيء فليمحه.(3)

وقد صار المنع عن التدوين سنّة بعد الخليفة لكن بصورة محدودة، حيث قال عثمان على المنبر: لا يحل لأحد أن يروي حديثاً لم يُسمع به في عهد أبي بكر ولا


1 . تقييد العلم:49.

2 . تقييد العلم:52.

3 . تقييد العلم:53.


صفحه 269

في عهد عمر.(1)

كما أنّ معاوية اتّبع طريقة الخلفاء الثلاث فخطب وقال: يا أيّها الناس أقلّوا الرواية عن رسول اللّه، وإن كنتم تتحدّثون فتحدّثوا بما كان يتحدّث به في عهد عمر.(2)

حتّى أنّ عبيد اللّه بن زياد عامل يزيد بن معاوية على الكوفة نهى زيد بن أرقم الصحابي عن التحدّث بأحاديث رسول اللّه.(3)

وبذلك أصبح ترك كتابة الحديث سنّة إسلامية، وعدّت الكتابة شيئاً منكراً مخالفاً لها!!

بأي السنّتين نقتدي

قد عرفت سنّة النبي وأنّه كان يأمر بكتابة الحديث، وقد أمر في أواخر عمره بإحضار كتاب يكتب للأُمّة ما يتضمّن هدايتها، فعلى ذلك كان اللازم على المسلمين في مختلف العصور التحدّث بسنّة الرسول وتدوينها وكتابتها.

هذا من جانب ومن جانب آخر يروي ابن ماجة عن العرباض: أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قام فينا ذات يوم فوعظنا موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقيل يا رسول اللّه: وعظتنا موعظة مودِّع فاعهد إلينا بعهد. فقال: «عليكم بتقوى اللّه والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً، وسترون من بعدي اختلافاً شديداً فعليكم بسُنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديّين...».(4)


1 . كنز العمال:10/295، ح29490.

2 . كنز العمال:10/291، ح 29473.

3 . فرقة السلفية:14 نقلاً عن مسند أحمد.

4 . سنن ابن ماجة:1/16، ح 42.


صفحه 270

فعلى ضوء هذا العهد يلزم على علماء الأُمّة ومحدّثيهم جمع كتب الحديث وشروحها وما علّق عليها على صعيد واحد وإحراقها اقتداءً بسنّة الخلفاء الراشدين حتّى تبقى الساحة للذكر الحكيم.

فكيف نجمع بين السنّتين؟! والعجب أنّ المحدّثين يروون كلتا السنّتين، وليس هذا إلاّ تعبيراً عن ظاهرة التناقض التي تحكم حياتهم العلمية والاجتماعية!!

الأعذار المفتعلة

لمّا كان المنع عن كتابة الحديث ونشره على خلاف الكتاب والسنّة النبوية، حاول غير واحد من الباحثين تبرير هذا المنع بوجوه غير مقنعة، وها نحن نشير إلى هذه الوجوه بما يلي:

1. صيانة القرآن من الاختلاط بالحديث

ذهب غير واحد ممّن تكلّم حول منع كتابة الحديث إلى أنّ المنع كان لغاية صيانة القرآن من الاختلاط بالحديث، واستدلّوا على ذلك بقول الخليفة: «لا ألبس كتاب اللّه بشيء أبداً».

روى الخطيب باسناده عن عروة بن الزبير أنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، إلى أن قال: ...إنّي أردت أن أكتب السنن وانّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبُّوا عليها وتركوا كتاب اللّه وإنّي واللّه لا ألبس كتاب اللّه بشيء أبداً.(1)

ماذا يريد الخليفة من كلمته؟ هل يريد النهي عن كتابة غير القرآن مع


1 . تقييد العلم:49.


صفحه 271

القرآن في صفحة واحدة كما عليه بعض؟(1)، فلو كان هذا المراد، لكان عليه أن يأمرهم بفصل الحديث عن القرآن في الكتابة لا إحراق الحديث ولا النهي عن بثّه بين الناس.

وقد سعى الخطيب البغدادي في تبيين هذا الوجه، فقال:

قد ثبت أنّ كراهة من كره الكتاب من الصدر الأوّل، إنّما هي لئلاّ يضاهي بكتاب اللّه غيره، أو يشتغل عن القرآن بسواه، ـ إلى أن قال: ـ ونُهي عن كتب العلم في صدر الإسلام وجدَّته لقلّة الفقهاء في ذلك الوقت، والمميّزين بين الوحي وغيره، لأنّ أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين، ولا جالسوا العلماء العارفين، فلم يؤمن أن يُلحقوا ما يجدون من الصحف، بالقرآن، ويعتقدوا أنّ ما اشتملت عليه كلام الرحمن.(2)

أقول:إنّ تبرير المنع عن كتابة الحديث لمخافة اختلاط القرآن به أشبه بدفع الفاسد بالأفسد، سواء أُريد الكتابة في صفحة واحدة أو في صحائف متعدّدة، وذلك:

أوّلاً: انّ العناية بحفظ القرآن ونشره وبسطه بين المسلمين، تمنع من اختلاطه بأي شيء غيره، وقد أثبتت التجربة صحّة هذا، حيث أكبّ المسلمون على كتابة الحديث من القرن الثاني إلى يومنا هذا ولم يتطرق الحديث إلى آي القرآن وسوره.

ثانياً: انّ القرآن متميز بأُسلوبه وبلاغته عن أُسلوب الحديث وبلاغته، فإنّ


1 . تيسير الوصول:3/177.

2 . تقييد العلم:57.


صفحه 272

القرآن لبلاغته وفصاحته يصل إلى حد يتميز عن كلّ كلام بشري، سواء أكان كلام النبي أم غيره، فلا يحصل الاختلاط حتّى لو كتبا في صفحة واحدة.

إنّ هذا العذر ـ كما مرّ ـ أقبح من نفس العمل فإنّه يحطّ من مكانة القرآن وإعجازه ويهبط به إلى درجة ربّما يشتبه فيها غير القرآن بالقرآن لدى العرب الأقحاح!!

2. الاشتغال بغير القرآن

هذا هو الوجه الثاني لتبرير منع الخليفة من كتابة الحديث، وحاصله: انّ تجويز كتابة الحديث كان يلازم ترك كتاب اللّه العزيز ، والشاهد عليه ما رواه عروة ابن الزبير قال: أراد عمر أن يكتب السنن، فاستخار اللّه تعالى شهراً، ثمّ أصبح وقد عُزم له، فقال:

«ذكرت قوماً كتبوا كتاباً، فأقبلوا عليه، وتركوا كتاب اللّه عزّ وجلّ».(1)

وسيوافيك أنّ هذا هو السبب الذي حدا بعبد اللّه بن مسعود إلى أن يدعو بالطست والماء، لمحو الأحاديث المكتوبة في الصحيفة، قائلاً بأنّ هذه القلوب أوعية فأشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره.(2)

يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ ذلك لوجب ترك تحصيل العلم في عامة المجالات من غير فرق بين العلوم الكونية والنفسية والاجتماعية، لأنّ كلّ ذلك يوجب الاشتغال بغير القرآن.

ثمّ إنّ عطف سائر الكتب على الحديث وجعلهما على درجة واحدة جرأة


1 . تقييد العلم:49.

2 . تقييد العلم:53ـ 54.


صفحه 273

على الرسول وكلامه، فإنّ كلام غير الرسول فيه الحق والباطل، وأين هو من حديث الرسول الذي كلّه حقّ وصواب ولا يخرج من فيه إلاّ ما هو الحقّ؟!

إنّ هذين العذرين وما يشبههما من الأعذار التي ذكرها الخطيب في تقييد العلم، إنّما هي تبريرات لعمل الخليفة وغيره ممّن يرى رأيه، ولا يصغي إليها من له إلمام بمنزلة الكتاب ومكانة الحديث النبوي.

السبب الواقعي: صرف الناس عن آل البيت

أظن انّ السبب الذي يختفي وراء ذلك هو نفس السبب الذي يكمن وراءمنع كتابة الصحيفة يوم الخميس بمرأى ومسمع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فالغاية بداية ونهاية وقبل رحلته(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعدها، واحدة لم تتغير.

وليس هذا ادّعاء محضاً نابعاً من الخضوع للعاطفة، إذ في المقام شواهد تاريخية تدلّ على أنّ السبب الواقعي هو صرف الناس عن استماع فضائل أهل البيت ومناقبهم وما لهم من المكانة المرموقة في الإسلام وعلو الشأن بين المسلمين، وهي كما يلي:

1. محو صحيفة فيها فضائل

روى الخطيب البغدادي بسنده عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال:

جاء علقمة بكتاب من مكة ـ أو اليمن ـ صحيفة فيها أحاديث في أهل البيت.ـ بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فاستأذنا على عبد اللّه، فدخلنا عليه، قال: فدفعنا إليه الصحيفة.

قال: فدعا الجارية، ثمّ دعا بطست فيها ماء.

فقلنا له: يا أبا عبد الرحمن، انظر فيها، فإنّ فيها أحاديث حساناً، فجعل


صفحه 274

يميثها فيها ويقول: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوحَيْنا إِليكَ هذا القُرآن) (1)، القلوب أوعية، فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بما سواه.(2)

وكانت الصحيفة تشتمل على أحاديث حسان في أهل بيت النبي تشيد بفضائلهم، وتشير إلى مقاماتهم التي تجذب القلوب إليهم، وكان بثّ تلك الأحاديث يوم ذاك يضرّ السلطة التي كانت تصرف الناس عن أهل بيت النبي، فلذلك قام ابن مسعود الذي كان يؤيد الخلافة الحاكمة، بتمييثها في الماء ، مموِّّهاً بأنّ قراءتها تورث الاشتغال عن القرآن!!

2. خرق كتاب فيه فضائل الأنصار

روى الزبير بن بكار بسنده عن عبد الرحمن بن يزيد قال قدم علينا سليمان بن عبد الملك حاجاً سنة (82هـ)، وهو وليّ عهد، فمرّ بالمدينة، فدخل عليه الناس، فسلّموا عليه، وركب إلى مشاهد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، التي صلّى فيها، وحيث أُصيب أصحابه بأُحد، ومعه أبان بن عثمان، وعمرو بن عثمان، وأبو بكر بن عبد اللّه، فأتوا به قباء، ومسجد الفضيخ، ومشربة أُمّ إبراهيم، وأُحد، وكلّ ذلك يسألهم؟ ويخبرونه عمّا كان.

ثمّ أمر أبا ن بن عثمان أن يكتب له سِيَر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ومغازيه.

فقال أبان: هي عندي، قد أخذتها مصحّحة، ممّن أثِق به.

فأمر بنسخها، وألقى فيها إلى عشرة من الكُتّاب، فكتبوها في رقّ، فلمّا صارت إليه، نظر، فإذا فيها ذكر الأنصار في العقبتين، وذكر الأنصار في بدر.


1 . يوسف:3.

2 . تقييد العلم:53ـ 54.


صفحه 275

فقال ]سليمان بن عبد الملك[: ما كنت أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل، فإمّا أن يكون أهل بيتي غمضوا عليهم، وإمّا أن يكونوا ليس هكذا.

فقال أبان بن عثمان: أيّها الأمير، لا يمنعنا ما صنعوا... أن نقول بالحقّ، هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا.

قال]سليمان[: ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتّى أذكره لأمير المؤمنين، لعلّه يخالفه، فأمر بذلك الكتاب، فخُرق، وقال: أسأل أمير المؤمنين إذا رجعت، فإن يوافقه فما أيسر نسخه.

فرجع سليمان بن عبد الملك، فأخبر أباه بالذي كان من قول أبان، فقال عبد الملك: وما حاجتك أن تقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل؟ تُعرِّفُ أهل الشام أُموراً لا نُريد أن يعرفوها!

قال سليمان: فلذلك ـ يا أمير المؤمنين ـ أمرتُ بتخريق ما كنتُ نسخته حتّى أستطلع رأي أمير المؤمنين.

فصوّب رأيه.(1)

فإذا كانت السلطة لا تتحمل نشر فضائل الأنصار، فكيف تتحمل نشر فضائل آل البيت(عليهم السلام)؟!

3. الترخيص في نقل الأحكام

وهناك ما يدلّ على أنّ الخليفة رخّص في رواية الحديث الذي يتعلّق بالأحكام والفرائض، فقد نقل ابن كثير عن عمر أنّه قال: «أقلّوا الرواية عن رسول اللّه إلاّ فيما يعمل».(2) وهذا يعرب عن أنّ الممنوع من كتب الأحاديث، هو ما


1 . الموفقيات للزبير بن بكار:222ـ 223.

2 . البداية والنهاية:8/107.


صفحه 276

يتعلّق بغير ما يعمل وليس هو إلاّ ما يتعلّق بالسياسة والخلافة، أو بفضائل الأشخاص، وقد سمع الأصم والأبكم أحاديث الرسول في آل البيت وكان رسول اللّه منذ صدع بالدعوة وجهر بها ، ينصّ على فضائل علي ومناقبه في مناسبات شتّى، فقد عرّفه في يوم الدار الذي ضم أكابر بني هاشم وشيوخهم، بقوله: «إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا».

وفي يوم الأحزاب بقوله: «ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين».

وفي اليوم الذي غادر فيه المدينة متوجهاً إلى تبوك، وقد ترك علياً خليفته على المدينة، عرّفه بقوله: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي».

إلى أن عرّفه في حجة الوداع في غدير خم بقوله: «من كنت مولاه، فهذا علي مولاه».

وغير ذلك من المناقب والفضائل المتواترة، وقد سمعها كثير من الصحابة فوعوها.

فكتابة حديث رسول اللّه بمعناها الحقيقي، لا تنفك عن ضبط ما أثر عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّ أوّل المؤمنين به، وأخلص المناصرين له في المواقف الحاسمة، وليس هذا بالشيء الذي يلائم شؤون الخلافة التي تصدّرها المانع عن الكتابة.

وهناك وجه آخر للمنع عنها، هو أنّ علياً كان أحد المهتمين بكتابة حديث رسول اللّه وضبطه، كما كان مولعاً بضبط الوحي وكتابته، وقد كتب ما أملاه عليه رسول اللّه من أحاديث فكان أُذناً واعية، وهو (عليه السلام)، يصف لنا ذلك بقوله: «إنّي كنت إذا سألته أنبأني وإذا سكت ابتدأني». وهو أوّل من ألف


صفحه 277

أحاديث رسول اللّه وكتبها، وهذه منقبة سامية لأمير المؤمنين دون غيره، إلاّ أقلّ القليل. فجدّ مخالفوه في إخفاء هذه الفضيلة، باختلاق حديث منع الكتابة.

الآثار السلبية لمنع كتابة الحديث

قد كان لمنع كتابة الحديث آثار سلبية سيئة، نذكر بعضها:

1. ذهاب قسم كبير من أحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) التي كان لها صلة قوية بصميم الدين: أُصوله وفروعه. ذلك لأنّ فترة المنع تجاوزت قرناً كاملاً، بل زادت عليه وفي تلك الفترة مات حملة الحديث من الصحابة وأكثر التابعين فذهبوا بالأحاديث التي كانت في صدورهم.

يقول الشيخ محمد أبو زهرة: كاد القرن الأوّل ينتهي، ولم يُصدر أحد من الخلفاء أمره إلى العلماء بجمع الحديث بل تركوه موكولاً إلى حفظهم، ومرور هذا الزمن الطويل كفيل بأن يذهب بكثير من حملة الحديث من الصحابة والتابعين.(1)

2. فسح المجال للدجّالين والوضّاعين لوضع الحديث وجعله ونشره بين الناس والاحتجاج به دون أن يكون له سند في صحيفة أو غيرها. ويعرب عن ذلك كثرة الموضوعات في عصر تدوين الحديث، فإنّ أئمّة الحديث أخرجوا صحاحهم وسننهم من أحاديث كثيرة، فهذا أبو داود قد أتى في سننه بأربعة آلاف وثمانمائة حديث، وقال:انتخبته من خمسمائة ألف حديث. ويحتوي صحيح البخاري من الخالص بلا تكرار ألفي حديث وسبعمائة وواحد وستين حديثاً اختارها من زهاء ستمائة ألف حديث. وفي صحيح مسلم أربعة آلاف حديث أُصول، دون


1 . الحديث والمحدثون:127.


صفحه 278

المكررات صنفها من ثلاثمائة ألف. وذكر أحمد بن حنبل في سنده ثلاثين ألف حديث، وقد انتخبها من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديث، وكان يحفظ ألف ألف حديث. وكتب أحمد بن الفرات(المتوفّـى 258هـ) ألف ألف وخمسمائة ألف حديث، فأخذ من ذلك ثلاثمائة ألف في التفسير والأحكام والقواعد وغيرها.(1)

3. فسح المجال للأحبار والرهبان للتحدّث عن العهدين، وكان التحدّث بحديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في مسجد النبي أمراً ممنوعاً وفي الوقت نفسه نرى أنّ المستسلمة من الأحبار و الرهبان استغلوا تلك الفرصة ونشروا ما عندهم من الأساطير.

هذا هو تميم بن أوس الداري هو أوّل من قصّ بين المسلمين واستأذن عمر أن يقصّ على الناس قائماً فأذن له.(2)

يقول الكوثري: إنّ عدة من أحبار اليهود ورهبان النصارى ومؤابذة المجوس أظهروا الإسلام في عهد الراشدين ثمّ أخذوا بعدهم فيما ما عندهم من الأساطير.(3)

(إِنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد).(4)


1 . الغدير:5/292ـ 293.

2 . كنز العمال، رقم الحديث 20448.

3 . مقدمة تبيين المفتري:30.

4 . ق:37.


صفحه 279

7

مات النبي بلا وصية في أمر الخلافة

و

لا يبيت مسلم إلاّ ووصيته مكتوبة

دلّت السنّة النبوية على أنّه لا ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين أو ثلاث إلاّ ووصيته مكتوبة عنده.

روى ابن الأثير عن الصحيحين(البخاري ومسلم) والسنن(أبي داود، الترمذي، النسائي) مضافاً إلى الموطأ لمالك: أنّ رسول اللّه قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به ـ و في رواية: له شيء ويريد أن يوصي به ـ أن يبيت ليلتين ـ و في رواية : ثلاث ليال ـ إلاّ ووصيته مكتوبة عنده».

قال نافع: سمعت عبد اللّه بن عمر يقول: ما مرّت عليّ ليلة منذ سمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول ذلك إلاّ وعندي وصيتي مكتوبة». (1)


1 . جامع الأُصول:11/625، حرف الواو، رقم الحديث 9245 ولاحظ سنن البيهقي:6/271، باب الحزم لمن له شيء.


صفحه 280

وقد ورد في غير واحد من الأحاديث، الأمر بالوصية بالاعتكاف والحج والجهاد في سبيل اللّه إلى غير ذلك من الموارد التي ينبغي الإيصاء فيها.

وهذا هو الدستور العام للمسلمين ليكونوا على حذر من أن يفاجئهم الموت قبل أن يتداركوا حوائجهم.

هذا من جانب ومن جانب آخر فإنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تكلّم في أبسط الأشياء وأوصى فيها بأُمور نظير آداب التخلّي والجنائز، فقد جاء فيها:

1. أخرج البخاري عن عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أنساً يقول: كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا دخل الخلاء قال: «اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الخبث والخبائث».(1)

2. أخرج البخاري عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولّيها ظهره، شرِّقوا أو غرِّبوا».(2)

3. أخرج البخاري عن عبد اللّه بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الماء، وإذا أتى الخلاء فلا يمسّ ذكره باليمين ولا يتمسّح بيمينه».(3)

4. أخرج البخاري عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: إنّه سمع عبد اللّه يقول:أتى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاث أحجار فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة فقال: «هذا ركس».(4)

وإليك ما ورد حول الجنائز.

5. أخرج البخاري عن عامر بن ربيعة، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إذا رأيتم


1 . صحيح البخاري:1، الحديث 142، 144، 153، 156.

2 . صحيح البخاري:1، الحديث 142، 144، 153، 156.

3 . صحيح البخاري:1، الحديث 142، 144، 153، 156.

4 . صحيح البخاري:1، الحديث 142، 144، 153، 156.


صفحه 281

الجنازة فقوموا حتّى تخلّفكم، أو توضعوا».(1)

6. أخرج البخاري عن عامر بن ربيعة، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إذا رأى أحدكم جنازة فإن لم يكن ماشياً معها فليقم حتّى يُخَلِّفها، أو تخلِّفه، أو توضع من قبل أن تخلفه».(2)

7. أخرج البخاري عن سعيد المقبري، عن أبيه قال: كنا في جنازة، فأخذ أبو هريرة بيد مروان، فجلسا قبل أن توضع، فجاءأبو سعيد فأخذ بيد مروان فقال: قم، فواللّه لقد علم هذا أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) نهانا عن ذلك، فقال أبو هريرة: صدق.(3)

8. أخرج البخاري عن أبي هريرة، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«اسرعوا بالجنازة فإن تكن صالحة فخير تقدّموها، وإن يكن سوى ذلك فشرٌ تضعوه عن رقابكم».(4)

9. أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «من شهد الجنازة حتّى يصلّي فله قيراط، ومن شهد حتّى تدفن قال له قيراطان».(5)

10. أخرج البخاري عن أبي هريرة: أنّ أسود، رجلاً أو امرأة، كان يقُمّ المسجد فمات ولم يعلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بموته، فذكره ذات يوم فقال: «ما فعل ذلك الإنسان»؟ قالوا: مات يا رسول اللّه. قال: «أفلا آذنتموني». فقالوا: إنّه كان كذا وكذا قصته. قال: فحقّروا شأنه، قال: «فدُلّوني على قبره». فأتى قبره فصلّى عليه.(6)

هذه عشرة كاملة التقطناها من بابين: آداب التخلّي والجنائز، ولو سبر الباحث كتب الحديث والفقه المختلفة لعثر فيها على أحاديث اهتمّ النبي فيها


1 . صحيح البخاري، الحديث 1307 ، 1308و 1309.

2 . صحيح البخاري، الحديث 1307 ، 1308و 1309.

3 . صحيح البخاري، الحديث 1307 ، 1308و 1309.

4 . صحيح البخاري، الحديث رقم 1315.

5 . صحيح البخاري، الحديث رقم 1325.

6 . صحيح البخاري، الحديث رقم 1337.


صفحه 282

بأبسط الأشياء وأدناها من المكروهات والمستحبات ممّا لا يبلغ شأو الوصاية والزعامة.

ومع ذلك فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ على رأي أهل السنّة ـ أهمل بيان مسألة خطيرة لها تأثير كبير في حياة المجتمع الإسلامي عاجلاً وآجلاً وهي: بيان أُسلوب تولّـي الزعامة الدينية بعد رحيله وإيضاح صيغة الحكومة الإسلامية، فهل هي مقام انتصابي يقوم فيه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من اللّه سبحانه بنصب الوصي، أو مقام انتخابي تقوم به الأُمّة أو لفيف منهم على انتخابه؟

والشيعة الإمامية على أنّ الإمامة استمرار لوظائف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّ الإمام يقوم مقام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ويحقّق ما كان يحقّق سوى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يوحى إليه ولا يوحى إلى الإمام، وقد استدلّوا على ذلك بروايات التنصيب كحديث الغدير وحديث المنزلة وحديث الثقلين والسفينة، وغير ذلك من الأحاديث التي حفلت بها المسانيد، ولا نطيل المقام بنقلها، فقد كفانا مؤونة ذلك الموسوعات المعنيّة بهذا الشأن.

وإنّا نلفت نظر القارئ إلى الأمر الثاني الذي تبنّاه أهل السنّة ونسأل:

إذا كان أمر الإمامة مفوضاً إلى الأُمّة فلماذا لم يصرّح النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الضابطة الكلية التي لها تأثير في وحدة الكلمة وتقارب الخطى وتماسك القوى؟

وعلى فرض تسليم الضابطة فما هي مؤهلات الخليفة التي بها يستحق الزعامة؟

وما هي مؤهّلات المنتخبين؟ فهل تنتخبه الأُمة الإسلامية كلّها، أو خصوص الصحابة من المهاجرين والأنصار، أو أهل الحلّ والعقد منهم، أو خصوص القرّاء والعلماء أو غير ذلك؟

والمسألة مبهمة جدّاً، وما ذكره أرباب المقالات والعلماء الأعلام في هذا


صفحه 283

الصعيد إنّما أخذوه من الخلافات السائدة بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فجعلوه مقياساً لضابطة الإمامة والخلافة ومؤهّلات الخليفة وشرائط المنتخبين.

ومع ذلك كلّه لم يتّفقوا على شروط واحدة.

الاختلاف في مؤهّلات الحاكم

قال عبد القاهر البغدادي: قال أصحابنا: إنّ الذي يصلح للإمامة ينبغي أن يكون فيه أربعة أوصاف:

أحدها: العلم. وأقلّ ما يكفيه منه، أن يبلغ فيه مبلغ المجتهدين في الحلال والحرام، وفي سائر الأحكام.

الثاني: العدالة والورع. وأقلّ ما يجب له من هذه الخصلة، أن يكون ممّن يجوز قبول شهادته تحمّلاً وأداءً.

والثالث: الاهتداء إلى وجوه السياسة وحسن التدبير، وأن يعرف مراتب الناس، فيحفظهم عليها ولا يستعين على الأعمال الكبار، بالخصال الصغار، ويكون عارفاً بتدبير الحروب.

الرابع: النسب من قريش.(1)

وقال أبو الحسن البغدادي الماوردي: الشروط المعتبرة في الإمامة سبعة:

أحدها: العدالة على شروطها الجامعة.

الثاني: العلم المؤدّي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام.

الثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان.


1 . أُصول الدين:277.


صفحه 284

الرابع: سلامة الأعضاء.

الخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح .

السادس: الشجاعة والنجدة.

السابع: النسب، وهو أن يكون من قريش.(1)

وقال ابن حزم: يشترط فيه أُمور(ثمانية):

1. أن يكون صلبه من قريش.

2. أن يكون بالغاً مميزاً.

3. أن يكون رجلاً.


1 . الأحكام السلطانية:6.


صفحه 285

4. أن يكون مسلماً.

5. أن يكون متقدماً لأمره.

6. عالماً بما يلزمه من فرائض الدين.

7. متقياً للّه بالجملة، غير معلن الفساد في الأرض.

8. أن لا يكون مولّىً عليه».(1)

وقال القاضي سراج الدين الأرموي: صفات الأئمة تسع:

1. أن يكون مجتهداً في أُصول الدين وفروعه.

2. أن يكون ذا رأي وتدبير.

3. أن يكون شجاعاً.

4. أن يكون عدلاً.

5. أن يكون عاقلاً.

6. أن يكون بالغاً.

7. أن يكون مذكراً.

8. أن يكون حرّاً.

9. أن يكون قرشياً.(2)

وجعلها التفتازاني ثلاثة عشر.(3).وهكذا دواليك.

فالاختلاف في مؤهّلات الخليفة ناشئ عن اعتقادهم بكون الخلافة مقاماً انتخابياً وانّ النبيّ ارتحل ولم ينبس بها ببنت شفة.

وليس الاختلاف منحصراً في مؤهّلات الخليفة وإنّما هو قائم في كيفية استلام الحكم.

الاختلاف في كيفية استلام الحكم وانعقاد الإمامة

قال الإسفرائيني(344ـ406هـ): وتنعقد الإمامة بالقهر والاستيلاء ولو كان فاسقاً أو جاهلاً أو أعجمياً.(4)

وقال الماوردي: اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم على مذاهب شتّى فقالت طائفة:


1 . الفِصَل:4/186.

2 . مطالع الأنوار:470.

3 . شرح المقاصد:2/271.

4 . كتاب الجنايات كما في إحقاق الحق للسيد التستري:2/317.


صفحه 286

لا تنعقد إلاّ بجمهور أهل العقد والحل من كلّ بلد.

وقالت طائفة أُخرى: أقلّ ما تنعقد به منهم الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة.

وقال آخرون: تنعقد بثلاثة يتولاّها أحدهم برضى الاثنين ليكون حاكماً وشاهدين كما يصح عقد النكاح بوليّ وشاهدين .

وقالت طائفة: تنعقد بواحد.(1)

وقال التفتازاني: تنعقد بطرق:

أحدها: بيعة أهل الحلّ والعقد.

الثاني: استخلاف الإمام وعهده.

الثالث: القهر والاستيلاء. فإذا مات الإمام وتصدى للإمامة من يستجمع شرائطها من غير بيعة واستخلاف وقهر الناس بشوكته، انعقدت الخلافة له، وكذا إذا كان فاسقاً أو جاهلاً على الأظهر.(2)

والعجب أنّ الزعامة الإسلامية أسفّت وهبطت إلى حد عقد النكاح فيكفي فيها ثلاثة حتى يكون أحدهم بمنزلة الولي والآخران بمنزلة الشاهدين، وصارت رمية لكلّ رام يحفظها كلّ فاسق وجاهل، ويدعى بـ «أمير المؤمنين»، فإذا كانت الخلافة الإسلامية هذا شأنها، والفاسق و الجاهل ممارسها، والتشريع على منصّتها، فعلى الإسلام السلام!!

هذا هو التناقض الواضح في أحاديثهم وعقائدهم، فمن جانب يوصي


1 . الأحكام السلطانية: 6ـ7، طبعة مصر.

2 . شرح المقاصد:2/272، طبعة استنبول.


صفحه 287

النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كلّ مسلم بكتابة وصيته ولكنّه سلام اللّه عليه يرحل ولا يوصي في ما يلمّ به شعث الأُمّة!!!

وجملة القول: إنّ اختلافهم في شرائط الإمام وطرق تنصيبه، جعل الخلافة وبالاً على المسلمين، حتّى أخذت لنفسها شكلاً يختلف كلّ الاختلاف عن الشكل الذي ينبغي أن تكون عليه. فقد أصبحت الخلافة الإسلامية، إمبراطورية، وملكاً عضوضاً، يتناقلها رجال العَيْث والفساد، فمن يد فاسق، إلى آخر فاجر غارق في الهوى، إلى ثالث سفّاك متعصّب. وقد أعانهم في تسنّم ذروة تلك العروش، مرتزقة من رجال متظاهرين باسم الدين، فبرروا أفعالهم، ووجّهوا أعمالهم توجيهاً ملائماً للظروف السائدة، وصحّحوا اتّجاهاتهم السياسية الخاصة، باختلاق أحاديث وابتداع سنن، فاصطنعوا لهذا وذاك فضائل و مناقب، لدعم مواقفهم السياسية، ويكفيك النموذج التالي، لتقف على حقيقة تلك الأحاديث المفتراة:

رووا عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهُدايَ، ولا يَسْتَنّون بسُنّتي، وسيقوم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال الراوي: قلت: كيف أصنع يا رسول اللّه إن أدركت ذلك؟ قال: «تسمع وتطيع للأمير، وإن ضَـرَبَ ظهرَك، وأخذَ مالَك، فاسمع وأطع».(1)

فإذا كان هذا حال صحيح الكتب أو أصحّها فما حال غيره من المسانيد والسنن؟!!


1 . صحيح مسلم:6/20ـ 24، باب الأمر بلزوم الجماعة، وباب حكم من فرق أمر المسلمين، وفي البابين نظائر كثيرة لهذا الحديث.


صفحه 288

8

بين الجبر والاختيار

التأمّل في عقائد العرب في العصر الجاهلي يثبت أنّهم (أو طائفة منهم) كانوا معتقدين بالجبر، بمعنى أنّ الإنسان يعمل بلا اختيار وحرية، وكأنّ عامل التقدير قد خط مصيره فلا يمكن له تجاوزه.

والذكر الحكيم يعكس عقيدتهم في العديد من آياته، نقتصر على آيتين منها:

قال سبحانه: (سَيَقُول الَّذينَ أَشْرَكُوا لَو شاءَ اللّه ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْء كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُون).(1)

وقال سبحانه: (وإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُل إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمُون).(2)


1 . الأنعام:148.

2 . الأعراف:28.


صفحه 289

فقولهم: (واللّهُ أَمرنا بها)يشير إلى عقيدتهم في عبادة الأوثان والأصنام وأنّه سبحانه شاء عبادتها وقدّرها، وليس لنا الفرار ممّا قُدِّر.

واللّه سبحانه يرد على عقيدتهم بقوله: (قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاء أَتَقُولُونَ عَلى اللّه ما لا تَعْلَمُون) فلا يقدِّر سبحانه الشرك وعبادة من سواه.

هذا هو شعار المشركين، وأمّا شعار الإسلام والمسلمين فهو شعار الاختيار والحرية وأنّ الإنسان ليس مسلوب الاختيار، ولا كالريشة في مهبّ الريح، واللّه سبحانه خلقه ووهب له قدرة الاختيار والانتخاب، فيقول:

1.(وقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبّكمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شاءَ فَليَكْفُر).(1)

2.(إِنّا هَدَيْناهُ السَّبيل إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً)(2)

3. (مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسهِ وََمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّم لِلْعَبيد)(3)

4.(كُلُّ امرئ بِما كَسَبَ رَهين)(4)

5. (لِكُلِّ امرئ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَب مِنَ الإِثْم)(5)

6. (وأَن لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى)(6)

إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على أنّ الإنسان خُلِق مختاراً في ما يفعل ويترك، وليس هناك أي ضغط وجبر مادي أو معنوي يدفع الإنسان إلى ما لا يريده


1 . الكهف:29.

2 . الإنسان:2.

3 . فصلت:46.

4 . الطور:21.

5 . النور:11.

6 . النجم:39.


صفحه 290

ويختاره.

ولسنا في مقام بيان مضاعفات الجبر وأنّ القول به ينتهي إلى انتفاء الغرض من بعثة الأنبياء كما ينتهي إلى انتفاء الغرض من المناهج التربوية، لأنّ المفروض أن ليس للإنسان إلاّ طريق واحد ولا مناص له من السير عليه.

إنّما الهدف بيان التناقض بين مضامين الآيات وما رواه المحدّثون في أصحّ الكتب عندهم، والتي ليس بعد كتاب اللّه تعالى كتب أفضل وأصحّ منها.

روى مسلم في صحيحه عن زيد بن وهب عن عبد اللّه: قال: «حدّثنا رسول اللّه وهو الصادق: إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أُمّه أربعين يوماً، ثمّ يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثمّ يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثمّ يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتّى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتابُ فيعملُ بعمل أهل النار فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتّى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها».(1)

هذه الرواية لا تفارق الجبر قيد شعرة، فهي صريحة في أنّ الإنسان لا يملك نفسه في مجال الضلالة والهداية وإنّما مصيره فيهما بيد الكتاب، فربّ إنسان مؤمن مهتد يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الضلال فيدخل النار، ورب إنسان ضال شقي، له مصيره الخاص، لكن يسبق الكتاب عليه فيعمل بعمل أهل الهداية فيدخل الجنّة.

فالمصير النهائي ليس بيد الإنسان: المهتدي والضال وإنّما هو بيد الكتاب


1 . صحيح مسلم:8/44، كتاب القدر.


صفحه 291

المقدّر لكلّ شيء.

وليس هذا الحديث وحيد نسجه في هذا الباب، بل الصحاح مليئة بهذه الروايات التي لا تنفك عن الجبر.

روى مسلم في صحيحه عن حذيفة بن أُسيد يبلغ به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا ربّ أشقي أو سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي رب أذكر أو أُنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثمّ تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص.(1)

وهذا الحديث يدلّ على أنّ الإنسان لا يستطيع تغيير مصيره بالأعمال الصالحة والأدعية والصدقات وأنّ الكتاب حاكم على مصير الإنسان فلا يزداد ولا ينقص.

مع أنّ القرآن الكريم يصرح بإمكان تغيير المصير بالعمل الصالح والطالح فيقول سبحانه: (وَلَوْ أَنَّ أَهلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكات مِنَ السَّماءِ وَالأَرضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُون).(2)

وهذا الذكر الحكيم يدعو إلى الاستغفار الذي يغير المصير ويقول: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً *يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدراراً *وَيُمْدِدْكُمْ بِأَموال وَبَنينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً).(3)

إنّ شعار المحدّثين خصوصاً السلفية منهم هو الصحيحان، وهما من أصحّ الكتب بعد القرآن الكريم فلا يقبلان نقاشاً ولا خدشاً، وبالتالي آمنوا


1 . صحيح مسلم:8/45، كتاب القدر.

2 . الأعراف:96.

3 . نوح:10ـ 12.


صفحه 292

بالمتناقضين، فمن جانب يثير الكتاب في الإنسان روح الاختيار والحرية ومن جانب تورث هذه الأحاديث في الإنسان روح الكبت والركود في الحياة.

وأظن أنّ هذه الروايات المتناقضة مع صريح الذكر الحكيم قد اختلقت في عصر الأمويين لدعم خلافتهم، ودعوة الناس للسكوت والرضا بما يحيطهم من الفقر والبؤس والجوع والظلم.

قال الدكتور أحمد محمود صبحي في كتابه «نظرية الإمامة»: «إنّ معاوية لم يكن يدعم ملكه بالقوة فحسب، ولكن ب آيديولوجية تمسّ العقيدة في الصميم، ولقد كان يعلن في الناس أنّ الخلافة بينه و بين علي قد احتكما فيها إلى اللّه فقضى اللّه له على علي، وكذلك حين أراد أن يطلب البيعة لابنه يزيدمن أهل الحجاز أعلن أنّ اختيار يزيد للخلافة كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة في أمرهم، وهكذا كاد أن يستقرّ في أذهان المسلمين، أنّ كلّ ما يأمر به الخليفة حتى ولو كانت طاعة اللّه في خلافه فهو قضاء من اللّه قد قدّر على العباد».(1)

وفي الختام نأتي بما جادت به قريحة الفقيه المحقّق الشهيد السعيد زين الدين العاملي(911ـ 965هـ) حيث أنشأ وقال:

لقد جاء في القرآن آية حكمة *** تدمِّر آيات الضلال ومن يُجبّر

وتخبر أنّ الاختيار بأيدينا *** فمن شاء فليؤمن وما شاء فليكفر


1 . نظرية الإمامة:334.


صفحه 293

9

إنّما الأعمال بالنيّات

و

الحيل الشرعية

روى البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب أنّه قال: سمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنّما الأعمال بالنيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.(1)

وبما أنّ لهذا الحديث مكانة عالية عند البخاري جعله خطبة لكتابه دون أن يضع للصحيح خطبة غيره.

قال ابن حجر: وقد قيل أنّه أراد أن يقيمه مقام الخطبة للكتاب، لأنّ في سياقه أن ّعمر قاله على المنبر بمحضر الصحابة، فإذا صلح أن يكون في خطبة


1 . صحيح البخاري:1، رقم الحديث1.


صفحه 294

المنبر صلح أن يكون في خطبة الكتاب.

وقد أورده في غير واحد من أبواب كتابه.(1) هذا والكتاب المجيد يعزز مفاد الحديث حيث يحكي محاولة بني إسرائيل لتحليل الصيد يوم السبت في سورة الأعراف ويقول: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ التي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذ تَأْتيهِمْ حِيتانُهُمْ يَومَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَومَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُون)(2)

فإنّ الغرض من تحريم الاصطياد في السبت هو امتحانهم في أُمور الدنيا، ولكنّهم توصّلوا بحيلة مبطلة لغرضه سبحانه، وهي حيازة الحيتان وحبسها عن الخروج إلى البحر يوم السبت، لغاية الاصطياد يوم الأحد، فكيف يمكن أن يكون مثل هذا التحيّل أمراً جائزاً، فاللّه سبحانه عاقبهم بنيّاتهم الفاسدة الخفية، لا بظاهر أعمالهم.

ومع ذلك نرى أنّ الحنفية أخذوا بالذكر الحكيم، وفي الوقت نفسه أجازوا الحيل الشرعية المبطلة لأغراض الشرع ومقاصده.

ولعلّ الشيخ البخاري افتتح كتابه بحديث النيّة بقصد الإطاحة بأبي حنيفة ومن على رأيه حيث إنّهم أباحوا الميل لتحليل ما حرّمه الشارع تحت عنوان «فتح الذرائع»، ولذلك يردّ عليه في كتاب الحيل دون أن يذكر اسمه ويقول:

باب إذا غصب جارية فزعم أنّها ماتت، فقضي بقيمة الجارية الميتة، ثمّ وجدها صاحبها فهي له، ويرد القيمة ولا تكون القيمة ثمناً...


1 . لاحظ رقم 54 و 2529 و 3898 و 5070 و 6679و 6953.

2 . الأعراف:163.


صفحه 295

هذا هو الحق الصراح الذي جاء به البخاري في عنوان الفصل، لكنّه حكى بعده عن بعض الناس ـ والمراد به أبو حنيفة ـ ما يخالفه وقال:

قال بعض الناس: الجارية للغاصب، لأخذه القيمة، وفي هذا احتيال لمن اشتهى جارية رجل لا يبيعها، فغصبها واعتل أنّها ماتت، حتّى يأخذ ربها قيمتها، فيطيب للغاصب جارية غيره. قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): أموالكم عليكم حرام، ولكلّ غادر لواء يوم القيامة.(1)

ونقول إيضاحاً لكلام البخاري: إنّ فتح الذرائع لو قيل به فإنّما يقال فيما إذا كان السبب مؤثراً في حصول النتيجة دون ما لم يكن غير مؤثر، وبه يظهر بطلان ما أفتى به أبو حنيفة، وذلك لأنّ زعم الغاصب موت الجارية لا يخرجها عن ملك صاحبها، ولا يوجب اشتغال ذمة الغاصب بقيمتها، بل تبقى الجارية على ملكية المالك، فلو ظهر حياتها انكشف انّ القضاء بردّ القيمة كان باطلاً من أصله.

ومن خلاله ظهر انّ السبب (زعم الغاصب موت الجارية) غير مؤثر في الانتقال فلا تقع ذريعة لتملّكها، ولذلك ردّ البخاري على أبي حنيفة وقال: «وفي هذا احتيال لمن اشتهى جارية رجل لا يبيعها، فغصبها واعتلّ بأنّها ماتت حتّى يأخذ ربها قيمتها، فيطيب للغاصب جارية غيره»، لما عرفت من أنّ اعتقاد الغاصب بموت الجارية جازماً لا يكون سبباً لخروج الجارية عن ملك صاحبها وخروج قيمتها عن ملك الغاصب، فكيف إذا كان عالماً بالخلاف و كاذباً في الإخبار؟ فعدم جواز التحيّل في هذه المسألة لأجل انّ السبب حلالاً كان أو حراماً غير مؤثر فيه.

وجملة القول في إعمال الحيل: إنّه إنّما يجوز إذا كان السبب مؤثراً في إثبات


1 . صحيح البخاري:4، كتاب الحيل، الباب التاسع، الحديث رقم 6966.


صفحه 296

المقصود، وكانت الغاية إثبات حق أو دفع باطل، وأمّا إذا كانت الغاية إبطال الحق أو إثبات الباطل فهو محرّم وإثم وعدوان.

وما اشتهر من قولهم: «وفي الحيل مخارج من المضائق» ليس كلام المعصوم ليؤخذ بإطلاقه، حتّى فيما إذا كانت الغاية إبطال حقّ، أو إثبات باطل وإلاّ يكون فيه خروج عن مضيق ودخول في مضيق آخر، مثل من نوى بعقد البيع، الربا، فقد وقع في الربا.

ولأجل التوسع في فتح الذرائع، صار ذلك سبباً لتحليل الربا والرشوة بأفظع أنواعهما على وجه لا ترى فيه فرقاً بين الربا الظاهر و بين الربا الخفي، ومثله الرشوة.

فكيف يمكن لمسلم أن يستمع إلى قوله سبحانه: (واسألهم عن القرية...)وقول الرسول: إنّما الأعمال ... ويفتي بتحليل الفائض أو الرشوة ولكن بطريق خفي؟!

ثمّ إنّ البخاري في صحيحه أشار إلى بعض الحيل التي سوّغتها الحنفية وفيها إبطال للحقوق ـ حسب زعمه ـ ، ونحن نشير إلى بعضها:

1. أخرج عن أنس أنّ أبا بكر كتب له فريضة الصدقة التي فرض رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) :«ولا يُجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة».(1)

ثمّ قال: قال بعض الناس: في عشرين ومائة بعير، حِقّتان، فإن أهلكها متعمداً أو وهبها أو احتال فيها فراراً من الزكاة، فلا شيء عليه.(2)

2.و أخرج عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):«إذا ما ربّ النعم لم يعط


1 . صحيح البخاري:4/464، كتاب الحيل، رقم 6955.

2 . صحيح البخاري:4/465، كتاب الحيل، رقم 6956.


صفحه 297

حقّها، تُسلّط عليه يوم القيامة فتخبط وجهه بأخفافها».

ثمّ قال: وقال بعض الناس في رجل له إبل فخاف أن تجب عليه الصدقة فباعها بإبل مثلها أو بغنم أو ببقر أو بدراهم فراراً من الصدقة بيوم احتيالاً، فلا بأس عليه.(1)

3. وأخرج عن ابن عباس أنّه قال: استفتى سعد بن عبادة الأنصاري رسول اللّه في نذر كان على أُمّه توفّيت قبل أن تقضيه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «اقضه عنها».

وقال بعض الناس: إذا بلغت الإبل عشرين ففيها أربع شياه، فإن وهبها قبل الحول أو باعها فراراً أو احتيالاً لإسقاط الزكاة فلا شيء عليه، وكذلك إن أتلفها فمات فلا شيء في ماله.(2)

4. وأخرج عن نافع عن عبد اللّه ـ رضي اللّه عنه ـ أنّ رسول اللّه نهى عن الشغار قلت لنافع: ما الشغار؟ قال: ينكح ابنة الرجل وينكحه ابنته بغير صداق، وينكح أُخت الرجل وينكحه أُخته بغير صداق.

وقال بعض الناس: إن احتال حتّى تُزوج على الشغار، فهو جائز والشرط باطل.(3)

إنّ البحث عن فتح الذرائع، والحيل الشرعية رهن بحث مسهب، والقضاء في الموارد الّتي زعم البخاري كونها على خلاف القواعد والأُصول، موكول إلى محلّه. والقوم بين تحليل الذرائع أو سدّها، بين مفرط ومفرّط والطريق الوسط، هو المختار، وقد ذكرنا شيئاً في أثناء البحث.


1 . صحيح البخاري:4/465، كتاب الحيل، رقم 6958.

2 . صحيح البخاري:4/465، كتاب الحيل، رقم 6959.

3 . صحيح البخاري:4/466، كتاب الحيل، رقم 6960.


صفحه 298

10

(لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)

و

إنّكم ترون ربّكم كما ترون هذا القمر

إنّ الرؤية، فكرة يهودية مستوردة، أدخلها مستسلمة أهل الكتاب في أوساط المسلمين ونشروها بينهم إلى أن صارت رؤية اللّه يوم القيامة عقيدة إسلامية يكفّر من ينكرها.

والسابر في العهد القديم يقف على تصريحه برؤية اللّه في الدنيا فضلاً عن الآخرة.

ففي سفر إشعيا : «رأيت السيد جالساً على كرسي عال فقلت ويل لي لأنّ عينيّ رأتا الملك رب الجنود».(1)

وفي سفر الخروج وقال (الرب) لا تقدر أن ترى وجهي لأنّ الإنسان لا يراني ويعيش. قال الرب هو ذا عندي مكان، فتقف على الصخرة، ويكون من اجتاز


1 . سفر إشعيا الإصحاح 16، الفقرة 1ـ6.


صفحه 299

مجدي أنّي أضعك في نقرة من الصخرة وأترك بيدي حتى أجتاز مجدي، ثمّ أرفع يدي فتنظر ورائي وأمّا وجهي فلا يُرى).(1)

هذه النصوص وغيرها ممّا لم ننقله لغرض الاختصار تعرب عن عقيدة اليهود في اللّه سبحانه، وهو أنّه جسم قابل للرؤية الحسيّة.

إنّ الذكر الحكيم يؤكد على نفي الرؤية الحسيّة بتعبيرات مختلفة حيث قال سبحانه:(لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطيفُ الْخَبيرُ).(2)

الدرك في اللغة: اللحوق والوصل وليس بمعنى الرؤية، ولو أُريد منه الرؤية فإنّما هو باعتبار قرينية المتعلّق.

قال ابن فارس: الدرك له أصل واحد(أي معنى واحد) وهو لحوق الشيء بالشيء و وصوله إليه، يقال: أدرك الغلام والجارية إذا بلغا، وتدارك القوم: لحق آخرهم أوّلهم.(3)

وذكر ابن منظور نحو ما ذكره ابن فارس وأضاف: ففي الحديث: أعوذ بك من درك الشقاء، أي لحوقه، يقال: مشيت حتّى أدركته، وعشت حتّى أدركته، وأدركته ببصري أي رأيته.(4)

ومنه قوله سبحانه:(حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ ءامَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ)(5); أي حتّى إذا لحقهم الغرق فأظهروا الإيمان ولات حين مناص.


1 . سفر الخروج آخر الإصحاح الثالث والثلاثين.

2 . الأنعام:103.

3 . مقاييس اللغة:2/369.

4 . لسان العرب:10/419، نفس المادّة.

5 . يونس:90.


صفحه 300

إذا كان الدرك بمعنى اللحوق والوصول، فدرك كلّ شيء ووصوله بحسبه، فالإدراك بالبصر، التحاق من الرائي بالمرئي بالبصر، والإدراك بالمشي كما في قول ابن منظور: مشيت حتى أدركته، التحاق الماشي المتأخّر بالمتقدّم بالمشي، وهكذا.

فإذا قال سبحانه: (لا تدركه الأبصار) يتعين ذلك المعنى الكلّي، أي اللحوق والوصول بالرؤية، ويكون المعنى أنّ الأبصار لا تلحق باللّه بالرؤية، فإنّ لحوق البصر يتحقّق عن طريق الرؤية، وهذا الوصف:(لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصار)ممّا تفرّد به سبحانه.

إنّ القرآن الكريم كلّما يطرح مسألة الرؤية يطرحها بشكل يؤكّد فيه عجز الإنسان عن نيلها ويعتبر سؤالها وتمنّيها أمراً فظيعاً وقبيحاً وتطلّعاً إلى أمر هو دونه.

1. قال سبحانه: (وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُون) .(1)

2. (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ).(2)

إلى غير ذلك من الآيات التي تندّد بالإنسان المتمنّي رؤيته سبحانه، وعندما طلب موسى رؤيته سبحانه ـ و ذلك بعد إصرار من قومه لتقوم رؤيته مكان رؤية القوم ـ خوطب بقوله تعالى: (لَنْ تَراني وَلكِنِ انْظُرْ إِلى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَراني).(3)


1 . البقرة:55.

2 . النساء:153.

3 . الأعراف:143.


صفحه 301

حديث قيس بن أبي حازم حول الرؤية

مع أنّ القرآن صريح في نفي الرؤية نرى أنّهم يروون عن قيس بن أبي حازم أنّه حدّثه جرير فقال: خرج علينا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة البدر فقال: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا، لا تضامّون في رؤيته».(1)

فهذا الحديث مناقض تماماً لما ورد في هذه الآيات، فكيف صار الإنسان غير القادر على رؤيته سبحانه قادراً على ذلك يوم القيامة، فحديثه معارض للكتاب لا قيمة له أمام الوحي، على أنّه ضعيف سنداً وإن رواه الشيخان، و يكفي في ضعفه وقوع قيس بن أبي حازم في سنده، فقد ترجمه ابن عبد البر وقال: قيس بن أبي حازم الأحمسي جاهلي إسلامي لم ير النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في عهده، وصدق إلى مصدِّقه، وهو من كبار التابعين، مات سنة ثمان أو سبع وتسعين وكان عثمانياً.(2)

وقال الذهبي: قيس بن أبي حازم عن أبي بكر وعمر ثقة حجة كاد أن يكون صحابياً، وثّقه ابن معين والناس، وقال عليّ بن عبداللّه بن يحيى بن سعيد: منكر الحديث ثمّ سمّى له أحاديث استنكرها ، وقال يعقوب الدوسي: تكلّم فيه أصحابنا فمنهم من حمل عليه، وقال: له مناكير، فالّذين أطروه عدّوها غرائب، وقيل: كان يحمل على عليّ(رض)، إلى أن قال: والمشهور أنّه كان يقدّم عثمان، وقال إسماعيل: كان ثبتاً، قال: و قد كبر حتّى جاوز المائة وخرف.(3)

ولا أنسى أنّي كنت قد حللت ضيفاً في أحد المؤتمرات المنعقدة في تركيا، وكان يرافقني فيه أحد خريجي كلية الشريعة، فدار البحث بيني و بينه حول


1 . صحيح البخاري:1، الباب27 من مواقيت الصلاة، ح 576.

2 . الاستيعاب:3 برقم 2126.

3 . ميزان الاعتدال بتلخيص: 3 برقم 6908.


صفحه 302

الرؤية وكان يجيد اللغة العربية لأنّه كان من أهل الاسكندرونة، فقلت له ـ حاسماً للنزاعـ :

أنتم تدّعون رؤية اللّه سبحانه في القيامة .

فأجاب : نعم.

قلت: هل يُرى كلّه سبحانه أو بعضه. فإن قلت يُرى كلّه، فيصير سبحانه محاطاً لمن هو في السماوات والأرض مع أنّه سبحانه محيط بهما، يقول سبحانه:(وكان اللّه بكلّ شيء محيطاً).(1)

وإن قلت: يرى بعضه يلزم أن يكون مركباً، والتركيب آية العجز، لحاجة الكلّ إلى الجزء، والحاجة تُضاد وجوب وجوده، فبَهُت وسكت.

لقد أخبر سبحانه و تعالى موسى بشكل قاطع، قائلاً: (لن تراني) وكلمة «لن» لنفي التأبيد، أي لن تراني في الدنيا والآخرة، ولم يستعمل في الذكر الحكيم إلاّ في هذا المعنى.

قال سبحانه:

1. (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ).(2)

2. (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّه لَهُمْ).(3)


1 . النساء:126.

2 . الحج:73.

3 . التوبة:80.


صفحه 303

3. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهمْ).(1)

4. (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ).(2)

5. (وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ).(3)

6.(فَإِنْ رَجَعَكَ اللّهُ إِلى طائِفَة مِنْهُمْ فَاسْتَأذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً).(4)

إلى غير ذلك من الآيات، فتخصيص قوله: (لن تراني)بالدنيا، تفسير بالرأي الذي هو ضلال ووبال. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النّار».(5)


1 . محمد:34.

2 . المنافقون:6.

3 . البقرة:120.

4 . التوبة:83.

5 . أُصول السرخسي:2/121; المنخول من تعليقات الأُصول:427.

ورواه الترمذي في سننه:5/199 برقم 2950 و 2951 بلفظ: من قال في القرآن بغير علم ـ و في رواية أُخرى: برأيه ـ فليتبوأ مقعده من النار.


صفحه 304

11

(لا يكّلف اللّه نفساً إلاّ وسعها)

و

يجوز التكليف بما لايطاق

الوجدان السليم والعقل الفطري ـ غير المشوب بشبه المجوّزين للتكليف بما لايطاق ـ، يحكم حكماً باتّاً بقبح التكليف بما لايطاق، بل بامتناع صدوره من الحكيم المريد، وذلك لأنّ الإنسان إذا وقف على أنّ المخاطب عاجز عن إتيان ما يؤمر به، يمتنع حينئذ ظهور الإرادة الجدّية في لوح نفسه وضمير روحه، ويكون طلبه من الإنسان العاجز أشبه بطلب شيء من الجماد.

ولذلك يقول المحقّقون :إنّ مرجع التكليف بما لا يطاق إلى كون التكليف محالاً.

وقد أيّد اللّه سبحانه حكم العقل في غير واحد من آياته فقال: (لا يُكلّفُ اللّهُ َنْفساً إلاّ وُسْعَها)(1)، وقال أيضاً: (لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلاّ وُسْعَها)(2)، وقال:


1 . البقرة:286.

2 . البقرة:233.


صفحه 305

(وَأَوْفُوا الكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها)(1)، وقال سبحانه: (والّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحات لانُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها)(2)، وقال تبارك وتعالى: (وَ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقّ).(3)

هذا وقد اتّفق العقلاء على قبحه وامتناعه.

ومع هذه الدلالة الفطرية الواضحة والآيات المشرقة نرى أنّ جماعة يُعدُّون من الباحثين في المسائل العقائدية يجوِّزون التكليف بما لا يطاق اغتراراً بظواهر بعض الآيات التي لو تدبّروا فيها لظهر المقصود منها.

هذا هو حجّة الإسلام الغزالي يقول: الأصل الخامس أنّه يجوز على اللّه سبحانه أن يكلّف الخلق ما لا يطيقونه.(4)

وقد كرر ذلك في كتابه «الاقتصاد في الاعتقاد» وقال: إنّ للّه تعالى أن يكلف العباد ما يطيقونه وما لا يطيقونه.(5) وعلى ذلك درج كلّ أشعري كتب شيئاً في العقائد.

وهذا هو فخر الدين الرازي يقول: الفصل الثامن في إثبات أنّ التكليف بما لا يطاق واقع، وأنّه متى كان الأمر كذلك امتنع أن يقال أنّه تعالى يراعي مصالح العباد.(6)

يقول التفتازاني في المقاصد: لا يمتنع تكليف مالا يطاق ولا تُعلَّل أفعاله


1 . الأنعام:152.

2 . الأعراف:42.

3 . المؤمنون:62.

4 . قواعد العقائد:203.

5 . الاقتصاد:112.

6 . المطالب العالية:3/305.


صفحه 306

بالأغراض .

وقال في شرحه: جعل أصحابنا جواز تكليف ما لا يطاق وعدم تعليل أفعال اللّه تعالى بالأغراض من فروع مسألة الحسن والقبح وبطلان القول بأنّه يقبح منه شيء، ويجب عليه فعل وترك.(1)

ثمّ إنّه قسّم ما لا يطاق إلى ثلاث مراتب:

أدناها: ما يمتنع العلم، بعلم اللّه تعالى بعدم وقوعه أو لإرادته ذلك أو لإخباره بذلك، فلا نزاع في وقوع التكليف به فضلاً عن الجواز.

والمرتبة الوسطى: ما أمكن في نفسه لكن لم يقع متعلّقاً بقدرة العبد أصلاً كخلق الجسم أو عادة كالصعود إلى السماء، وهذا هو الذي وقع النزاع في جواز التكليف به.

وأقصاها : ما يمتنع لذاته كقلب الحقائق وجمع الضدين أو النقيضين، وفي جواز التكليف به تردد.(2)

أقول: أمّا المرتبة الدنيا ـ أعني: ما يمتنع العلم، بعلم اللّه تعالى بعدم وقوعه ـ فعدّه ممّا لا يطاق مبني على أنّ علمه سبحانه بعدم الوقوع أو الوقوع يخرج شيء عن دائرة الإمكان، ولكنّه غير تام، بل تارك الصلاة كفاعلها مسبوقان بعلمه سبحانه بترك الأوّل وفعل الثاني، ولو كان سبق العلم من اللّه موجباً لكون الشيء واجباً أو ممتنعاً لما صح تعلّق التكليف بأيّ شيء مطلقاً، لأنّ الأشياء في علمه سبحانه لا تخلو من حالتين: إمّا يعلم بوقوعها من العبد، أو يعلم بعدم وقوعها.


1 . شرح المقاصد:4/296.

2 . شرح المقاصد:4/298بتصرف منّا.


صفحه 307

وفي كلتا الحالتين يخرج عن دائرة الإمكان ويدخل في دائرة الإيجاب.

فالمدّعى ـ أعني: صيرورة الشيء ممتنعاً بسبق علمه تعالى على عدم صدوره من العبد ـ باطل، وقد أوضحنا حاله في كتابنا «الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف»، الجزء 3.

نعم مصب البحث هو المرتبة الوسطى والقصوى، والعقل النظري يحكم بقبحه أوّلاً، بل بامتناعه ثانياً.

الاستدلال على جواز التكليف بما لا يطاق

وقد استدلّت الأشاعرة على جواز التكليف بما لا يطاق ب آيات نظروا إليها نظرة بدائية دون تعمّق وتفكير، وقد أوضحنا حال هذه الآيات في موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل»، ج2، ص 185ـ190. ولا بأس بذكر استدلالهم بما لم نحم حوله في الموسوعة، وهو أنّ اللّه تعالى أخبر نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ أبا جهل لا يصدّقه ثمّ أمره بأن يأمره بأن يصدقه في جميع أقواله.(1)

أظن أنّ الغزالي غفل عن مورد الاستدلال فمثّل بأبي جهل مع أنّه لم يخبره النبي بعدم إيمانه، فكان عليه أن يستدلّ بما استدلّ به غيره.

ففي «محجة الحق» لأبي الخير القزويني: إن اللّه تعالى كلّف أبا لهب الإيمان بالقرآن، ومن جملة ما أنزل في القرآن أنّه لا يؤمن قوله تعالى: (سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَب)فكأنّه كلّفه الإيمان بأنّه لا يؤمن.(2)

يلاحظ عليه: بأنّه سبحانه أمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بدعوة أبي لهب إلى الإيمان به فقط،


1 . قواعد العقائد:204.

2 . لاحظ هوامش قواعد العقائد للغزالي: ص 204.


صفحه 308

وأمّا أنّه أمره أن يؤمن بما ورد في سورة المسد فلا، فإن هذه السورة نزلت بعدما يئس النبي من إيمانه ودلّت القرائن على لجاجته وعناده، وعندئذ سقط التكليف عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بدعوته مجدّداً إلى الإيمان بما في السورة.

وحصيلة الكلام: أنّ القائلين بجواز التكليف بما لا يطاق قد شوّهوا سمعة الإسلام بين الغربيّين حيث عرّفوه مناقضاً للفطرة الإنسانية وحكم العقل والعقلاء.

وهؤلاء مكان أن يتمسّكوا بمحكمات الكتاب تمسّكوا ب آيات يظهر مفادها بمحكمات القـرآن، بـل لا تحتـاج إلى التفسير إذا أمعنـوا النظـر فيهـا; ومثـال ذلك أنّهم استـدلّوا على ما تبنّوه من جواز التكليف بما لا يطاق، بأنّه سبحانه أمـر الملائكة بالإنباء بالأسمـاء و قـال :(أَنْبِئُوني بِأَسماءِ هولاءِ)(1) ، أو أمر الناس بتحدّي القرآن وقال: (فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ)(2) مع عدم قدرة الملائكة بالإنباء والإنسان على التحدي.

ولكنّهم غفلوا عن أنّ الغاية من الأمر هي التعجيز لا طلب شيء بصورة جديّة.


1 . البقرة:31.

2 . البقرة:23.


صفحه 309

12

عادل لا يجور

و

للّه تعالى أن يؤلم الأطفال(1)

الحجر الأساس لوصفه سبحانه بالعدل هو القول بقدرة العقل على التحسين والتقبيح العقليين.

وبعبارة أُخرى: أنّ إثبات عدله سبحانه مبني على أُمور ثلاثة:

الأوّل: إنّ هناك أفعالاً تتّصف بذاتها بالحسن والقبح.

الثاني: إنّ اللّه تعالى عالم بحسن الأشياء وقبحها.

الثالث: إنّه سبحانه لا يصدر منه القبيح.

والمهم من هذه المقدّمات هو المقدّمة الأُولى وهي انّ العقل يدرك حسن


1 . اللمع:116، للأشعري.


صفحه 310

الأفعال وقبحها، ولا يتوقّف دركه على تعلق الأمر والنهي من الشارع بشيء حتّى يستدل بالأمر على حسن المتعلّق وبالنهي على قبحه، وذلك لأنّ اللّه سبحانه خلق الإنسان على فطرة خاصة حيث ألهمه سبحانه قبل أن يتدين بدين، حسن الأفعال وقبحها، فقال سبحانه: (فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها).(1)

وأوضح دليل على أنّ الإنسان يعرف حسن الأفعال وقبحها قبل الشرع هو قوله سبحانه: (وإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِ مَا لا تَعْلَمُون* قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ).(2)

وقال تعالى: (قُلْ إِنّما حَرَّمَ رَبّي الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ).(3)

فالآيتان الأُولى والثالثة تدلان بوضوح على أنّ الفاحشة صارت متعلّقة للنهي لكونها بذاتها فاحشة، لا أنّها صارت فاحشة لأجل النهي، ونظير ذلك قوله: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) فهو ظاهر في أنّ القسط يتميز عن ضده بذاته، قبل أن يتعلّق حكم من الشرع به.

ويؤيد ذلك قوله سبحانه: (فَبِظُلْم مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّبات أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبيلِ اللّهِ كَثيراً).(4)

قال ابن قيّم الجوزية: والقرآن مملوء من أوّله إلى آخره بذكر حِكَم الخلق، والأمر ومصالحهما ومنافعهما وما تضمّناه من الآيات الشاهدة الدالّة عليه، ولا يمكن من له أدنى اطّلاع على معاني القرآن، إنكار ذلك. وهل جعل اللّه سبحانه


1 . الشمس:8.

2 . الأعراف:28و 29.

3 . الأعراف:33.

4 . النساء:160.


صفحه 311

في فِطَر العباد استواء العدل والظلم، والصدق والكذب، والفجور والعفة ، والإحسان والإساءة، والصبر والعفو، والاحتمال والطيش، والانتقام والحدة، والكرم والسماحة، والبذل والبخل، والشح والإمساك؟ بل الفطرة على الفرقان بين ذلك، كالفطرة على قبول الأغذية النافعة، وترك ما لا ينفع ولا يغذي، ولا فرق في الفطرة بينهما أصلاً.

ولكن ف(1)ي مقابل ذلك نرى من يتحكّم في حقّه سبحانه و يقول: إنّ العدل والظلم والحسن والقبح أمامه سبحانه سيّان، فلو أمر بإدخال البريء النار فهو حسن، كما أنّه لو أمر بإدخال المجرم الجنة فهو حسن!!

وربما لا يصدّقني القارئ فيما حكيت وإليك كلمات الأشاعرة.

فإن قال قائل: هل للّه تعالى أن يؤلم الأطفال في الآخرة؟ قيل له: للّه تعالى ذلك، وهو عادل إن فعله. وكذلك كلّ ما يفعله على جرم متناه بعقاب لا يتناهى، وتسخير الحيوان بعضهم لبعض، والإنعام على بعضهم دون بعض، وخلقه إيّاهم مع علمه بأنّهم يكفرون، كلّ ذلك عدل منه ولا يقبح من اللّه لو ابتدأهم بالعذاب الأليم وإدامته، ولا يقبح منه أن يعذب المؤمنين ويدخل الكافرين الجنان، وإنّما نقول إنّه لا يفعل ذلك; لأنّه أخبرنا أنّه يعاقب الكافرين وهو لا يجوز عليه الكذب في خبره.

والدليل على أنّ كلّ ما فعله، فله فعله: أنّه المالك القاهر الذي ليس بمملوك ولا فوقه مبيح ولا آمر ولا زاجر ولا حاظر ولا من رُسِم له الرسوم وحُدَّ له الحدود; فإذا كان هذا هكذا لم يقبح منه شيء; إذ كان الشيء إنّما يقبح منّا لأنّا تجاوزنا ما حد ورسم لنا وأتينا ما لم نملك إتيانه; فلما لم يكن الباري مملَّكاً ولا تحت


1 . مفتاح السعادة:2/39.


صفحه 312

أمر لم يقبح منه شيء .(1)

يقول الغزالي: إنّ للّه عزّ وجلّ إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سابق، ومن غير ثواب لاحق، خلافاً للمعتزلة، لأنّه متصرّف في ملكه، ولا يتصور أن يعدو تصرفه ملكه، والظلم عبارة عن التصرّف في ملك الغير بغير إذنه، وهو محال على اللّه تعالى، فإنّه لا يصادف لغيره ملكاً حتى يكون تصرفه فيه ظلماً.(2)

ويقول محقّق الكتاب: فلو أدخل جميعهم الجنة من غير طاعة سابقة منهم كان له ذلك، ولو أورد الكل منهم النار من غير زلّة منهم كان له ذاك، لأنّه تصرّف مالك الأعيان في ملكه وليس عليه استحقاق إن أثاب فبفضله يثيب وإن عذب فلحق ملكه يعذب.(3)

وقد عزب عن الإمام والمأموم أنّ العدل ليس مجرد التصرّف في ملك النفس حتى يعرف الظلم بالتصرف في ملك الغير حتّى يصح قول القائل أنّ العالم وما فيه ملك للّه سبحانه وللمالك التصرف في ملكه كيف ما شاء.

بل العدل عبارة عن وضع الشيء في موضعه والظلم وضع الشيء في غير موضعه.

واللّه سبحانه منزّه عن الظلم بنفس المعنى والشاهد عليه هو العقل حيث يُحسن الأوّل ويقبح الثاني، وإن أنكر القائل حكم العقل أو حجيته، فنقول :إنّه سبحانه يفسّر الظلم بقوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً)(4)، أي لا يخاف أن يُحمَّل شطحات غيره، أو ينقص من حسناته


1 . اللمع للشيخ الأشعري:117.

2 . قواعد العقائد للغزالي: 204.

3 . قواعد العقائد: 205، الهامش.

4 . طه:112.


صفحه 313

ولا يعذب بما لا تكسب يداه، يقول سبحانه: (اليَومَ تُجزى كُلُّ نَفْس بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَومَ).(1)

وجملة القول: تعذيب البريء بما لم يفعله، وضع للشيء في غير موضعه، وبخس حق المطيع، بإدخاله النار، وظلم ووضع للشيء في غير موضوعه، فكيف يجوز للّه سبحانه ما هو منزّه عنه عقلاً ونقلاً؟!!


1 . غافر:17.


صفحه 314

13

(الطَّلاق مرّتان)

و

أنت طالق ثلاثاً، تطليقات ثلاث

كان الحكم السائد من عهد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى سنين من عهد عمر، هو احتساب الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد، طلاقاً واحداً اتّباعاً لقوله سبحانه: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسان).(1)

و «المرة» بمعنى الدفعة للدلالة على الواحد في الفعل. و «الإمساك» خلاف الإطلاق.و «التسريح» مأخوذ من السرح وهو الإطلاق، والمقصود منه هو عدم التعرض لها لتنقضي عدّتها في الطلاق الثالث الذي هو أيضاً نوع من التسريح.

فقوله سبحانه: (الطلاق مرّتان)ظاهر في أمرين:

أ. إنّ هذا الحكم يشمل كافة أقسام الطلاق وأنّ التفريق بين الطلقات ليس من خصيصة طلاق دون طلاق، بل طبيعة الطلاق تلازم ذلك بشهادة أنّ «اللام»


1 . البقرة:229.


صفحه 315

في الطلاق للجنس أو الاستغراق.

ب. إنّه يلزم أن يقع كلّ طلاق مرّة بعد أُخرى لا دفعة واحدة وإلاّ يصير مرّة ودفعة، ولذلك عبّر سبحانه بلفظ المرّة ليدلّ على كيفية الفعل وأنّه الواحد منه فالدفعة، والكرّة، والنزلة، مثل المرّة وزناً ومعنى واعتباراً.

وعلى ضوء ما ذكرنا لو قال المطلق: أنت طالق ثلاثاً لم يطلق زوجته مرة بعد أُخرى ولم يطلق مرّتين، بل طلّق مرة واحدة، ولا يكون قوله:«ثلاثاً» سبباً لتكرره، وعلى ذلك فرع الفقهاء فروعاً، مثلاً:

1. اعتبر في اللعان شهادات أربع، فلا تجزي عنها شهادة واحدة مشفوعة بقوله: «أربعاً».

2. فصول الأذان المأخوذ، في التثنية، لا يتأتّى التكرار فيها بقراءة واحدة وإردافها بقوله: «مرتين».

3. ولو حلف في القسامة وقال: «أقسم باللّه خمسين يميناً أنّ هذا قاتله» كان هذا يميناً واحداً.

4. ولو قال المقرّ بالزنا: «أنا أُقرّ أربع مرّات أنّي زنيت» كان إقراراً واحداً ويحتاج إلى إقرارات ثلاثة.

هذا هو المقياس الكلّي في كلّ مورد اعتبر فيه العدد.

فإن قلت: ربّما تستعمل لفظة«مرتين» بمعنى المضاعف كما في قوله في حق نساء النبي: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً).(1)

قلت: الأصل في المرة والمرتين هو ما ذكرنا، وقد يعدل عنه بالقرينة كما في


1 . الأحزاب:31.


صفحه 316

الآية حيث إنّ المراد هو المضاعف والشاهد على ذلك الآية المتقدمة عليها قال سبحانه: (يا نِسَاءَ النَّبِىِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَة مُبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسِيراً).(1)

فقوله في الآية الأُولى(يضاعف لها العذاب ضعفين)قرينة على أنّ المراد من قوله: (نؤتها أجرها مرّتين) إيتاء الأجر المضاعف لا الأجر بعد الأجر، فلا يكون استعماله مرّتين في المضاعف فيها دليلاً على سائر المقامات.

وأمّا قوله: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) ففيه وجهان; المعروف إنّ الجملة تشير إلى وضع المرأة بعد التطليقتين، فإمّا أن يمسكها الزوج بمعروف والاستمرار معها فلا يطلقها طلاقاً ثالثاً بل يعيش معها عيشة مستمرة، أو يسرحها بالتطليقة الثالثة التي لا رجوع بعدها أبداً إلاّ بعد التحليل.

هذا هو التفسير المعروف لهذا المقطع من الآية وهناك وجه آخر يُطلب من التفاسير، والاختلاف في تفسير هذا المقطع لا يضر بالمقصود.

هذا هو مفاد الآية وعليه كان عمل المسلمين في عهد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، ولكن الأخير قد جعل الطلاق الثلاث في مجلس واحد ـ من دون رجوع بينها ـ تطليقات ثلاث تحرم المطلقة بعدها، ولا تحلّ عليه إلاّ على الزوج بمحلل، وقد تواتر ذلك عنه:

1. روى مسلم عن طاووس عن ابن عباس، قال: كان الطلاق على عهد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.


1 . الأحزاب:30.


صفحه 317

2. وروى مسلم عن ابن طاووس عن أبيه: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم انّما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأبي بكر وثلاثاً من (خلافة) عمر؟ فقال: نعم.(1)

3. وروى مسلم عن طاووس أيضاً: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول اللّه وأبي بكر واحدة؟ قال: قد كان ذلك فلمّا كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم.(2)

وعلى هذا فبأيّ القولين نعمل وعلى أيّ المصدرين نعتمد!

هل الكتاب العزيز الذي يحكم بتفريق التطليقات أو حكم الحاكم النابع عن اجتهاده تجاه النص؟!وكم للخليفة الثاني من هذا النوع من الاجتهادات أمام النص.

والعجب أنّ كثيراً من الفقهاء أخذوا بالمتناقضين

يقول سبحانه: (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي اللّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَميعٌ عَليمٌ).(3)


1 . صحيح مسلم:4/184، باب الطلاق الثلاث، الحديث 1ـ3، التتابع بمعنى التتابع في الشر.

2 . صحيح مسلم:4/184، باب الطلاق الثلاث، الحديث 1ـ3، التتابع بمعنى التتابع في الشر.

3 . الحجرات:1.


صفحه 318

14

(إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين)

و

لا وصية لوارث

يقول سبحانه:(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوتُ إِنْ تَرَكَ خَيراً الوصيّةُ لِلوالِدينِ وَالأَقْرَبينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً على المُتَّقين).(1)

إنّ تبيين مفهوم الآية رهن بيان أُمور:

1. المراد من حضور الموت: ظهور أماراته من المرض والهرم وغيره، ولم يرد إذا عاين ملك الموت، لأنّ تلك الحالة تشغل الإنسان عن الوصيّة.

2. تدلّ الآية على أنّ الموصي ينبغي أن يراعي جانب المعروف في مقدار الوصية والموصى له، فمن يملك المال الكثير إذا أوصى بدرهم فلم يوص بالمعروف، كما أنّ الإيصاء للغني دون الفقير خارج عن المعروف، فإنّ المعروف هو العدل الذي لا ينكر، ولا حيف فيه ولا جور.


1 . البقرة:180.


صفحه 319

3. انّ الآية صريحة في الوصية للوالدين، ولا وارث أقرب للإنسان من والديه، وقد خصّهما بالذكر لأولويتهما بالوصية ثمّ عمّم الموضوع وقال:(والأقربين)ليعم كلّ قريب، وارثاً كان أم لا.

والعجب أنّ كثيراً من فقهاء السنّة تركوا الآية التي تعدّ الوصية للوارث حقّاً على المتقين، للخبر الواحد الذي لا يقاوم نص الكتاب; قال الخرقي في متن المغني: «ولا وصية لوارث إلاّ أن يجيز الورثة ذلك». وقال ابن قدامة في شرحه: إنّ الإنسان إذا أوصى لوارثه بوصية فلم يجزها سائر الورثة، لم تصح، بغير خلاف بين العلماء.(1)

إنّ القوم بدل أن يعملوا بالكتاب أخذوا بالتفلسف للإعراض عنه.

قال ابن قدامة: إنّ في الوصية للوارث إيقاع العداوة والحسد بينهم، وقال بعضهم: إنّ في إيثار بعض الورثة من غير رضى الآخرين ما يؤدي إلى الشقاق والنزاع وقطع الرحم وإثارة البغضاء والحسد بين الورثة.(2)

سبحان اللّه كيف تركوا كتاب اللّه وراء ظهورهم بهذه الأعذار الواهية؟!

وقد غفل القوم أنّ في مقابل هذه الأعذار ما يبرر الوصية للوارث بل يلزمها عند العقل، فلو افترضنا أنّ الموصى له عاجز مقعد مستحق للإيصاء فهل يثير الإيصاء البغضاء والحسد؟

وربّما يكون مورد الوصية لا يليق إلاّ بأحدهم، كما إذا كتب كتاباً بخطه وقلمه وأولاده بين عالم وجاهل فلا يستفيد منه إلاّ العالم. فله الوصية لعالمهم حتى يقدر كتابه.

وقال صاحب المنار: الآية صريحة في جواز الوصية للوالدين ولا وارث أقرب


1 . المغني:6/79.

2 . المغني:6/79.


صفحه 320

للإنسان من والديه، وقد خصّهما بالذكر لأولويتهما بالوصية، ثمّ عمّم الموضوع وقال: «والأقربين» ليعم كلّ قريب وارثاً كان أم لا، غير أنّ جمهور الفقهاء من أهل السنّة رفضوا الآية وقالوا بأنّ الآية منسوخة ب آية المواريث، ولكنّ الإمام عبده خالف رأي الجمهور وقال: لا دليل على أنّ آية المواريث نزلت بعد آية الوصية هنا، فإنّ السياق ينافي النسخ، فإنّ اللّه تعالى إذا شرع للناس حكماً وعلم أنّه مؤقت وانّه سينسخه بعد زمن قريب فانّه لا يؤكّده ولا يوثّقه بمثل ما أكّد به أمر الوصية هنا من كونه حقّاً على المتّقين ومن وعيد لمن بدله.(1)

ولكنّهم انتبهوا بعد لأي من الدهر حيث إنّ قانون الوصية في مصر أخذ برأي الشيعة الإمامية في سنة 1946م، فأجاز الوصية للوارث في حدود الثلث من غير إجازة الورثة، نعم التزم القانون السوري برأي الجمهور وهي انّ الوصية لا تنفذ إلاّ إذا أجازها الورثة.

وآخر كلام عند القوم: إنّ الآية منسوخة بخبر الواحد وهو «ولا وصية لوارث» ، ولا أدري هل ينسخ الكتاب العزيز بخبر الواحد؟! وهل يصحّ رفع اليد عن القطعي بالظنّ؟! فإذا كانت الوصية للوارث، توجب الشقاق والنزاع وقطع الرحم وتؤجّج نار الشحناء، فلماذا أمر بها سبحانه في كتابه ـ و لو لبرهة من الزمن ـ قبل نسخه بخبر الواحد، ووصف ما فيه المفسدة الكبيرة، حقّاً على المتقين؟!

هذه المضاعفات ناتجة من الدفاع عن الصحيحين والقول بأنّهما أصح الكتب بعد كتاب اللّه ولا يخضعان للنقاش والرد، ولولا ذلك لما خطر ببال أحد، انّ الإيصاء للوارث عن حق وعدل، يثير الفساد، والحق انّ ما تمسّكوا به تجاه القرآن الكريم خبر واحد مخالف للكتاب العزيز مردود.


1 . تفسير المنار:2/136ـ 137.


صفحه 321

الفصل الرابع

المحاضرات

1. علم الكلام والتحديات المعاصرة

2. اقصاء العقل عن ساحة العقائد والمعارف الإلهية خسارة فادحة

3. تطور أُصول الفقه عند الإمامية

4. الفلسفة الإسلامية بعد ابن رشد

5. الفقه الإسلامي وأدواره التاريخية


صفحه 322

صفحه 323

1

علم الكلام

والتحدّيات المعاصرة(1)

لم تكن الغاية من تشريع الجهاد في سبيل اللّه، وفتح البلاد واجتيازها، هي فرض العقيدة الإسلامية على الأُمم المغلوبة لكي ينضمّوا إلى صفوف الموحّدين شاءوا أم كرهوا، وذلك لأنّ العقيدة، بمعنى الإيمان القلبي، لا تخضع للجبر والإكراه، كما قال سبحانه: (لا إِكراهَ في الدِّين)(2)، فالذي تضطمّ عليه الجوانح يختلف حكمه عن الاعمال المتعلّقة بالجوارح، حيث يمكن فرض عمل خارجي على الإنسان ليقوم به خوفاً ممّا أُوعد به، ولكن لا يمكن فرض الإيمان على القلب ما لم تكن هناك مبادئ ومقدّمات نفسية أو علمية تورث التصديق وتنتهي إلى إيمان الإنسان به.

لقد كانت الغاية من الجهاد في سبيل اللّه هي تحرير البلاد من حكم الطواغيت الذين كانوا يقفون سدّاً منيعاً يحول بين الناس والدعوة الإلهية العالمية، وتلاوة آياتها وتوضيح معالمها. وبعد حصول الهدف وإزالة القيود المفروضة على


1 . أُلقيت في قاعة كلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة القاضي عياض في محافظة مراكش9/1/1425هـ.ق.

2 . البقرة:256.


صفحه 324

الأُمم، كانوا مختارين بين القبول والرفض (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر).(1)

ومن حسن الحظ أنّ النتيجة كانت إيجابية لا سلبية، وكان الناس يدخلون في دين اللّه زرافات ووحداناً بإخلاص ورضى من دون عنف، إذ كانوا يجدون ضالّتهم في الشريعة الإسلامية التي تتماشى و فطرتهم السليمة وعقولهم الحصيفة.

ولم تمض مدة طويلة على بزوغ شمس الإسلام حتّى رفرفت راياته على ربوع الأرض شرقها وغربها فتشكّلت أُمّة واحدة من أعراق وعناصر مختلفة جسّدت قوله سبحانه: (إنّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون).(2)

إنّ مقتضى تشكيل الأُمّة من عناصر وفئات مختلفة، هو احتكاك الثقافات وتوسع المعارف وتلاقح الأفكار المختلفة، فصار ذلك سبباً لانتقال كثير من العلوم الكونية والرياضية الرائجة في الأُمم المتحضرة إلى الجزيرة العربية وغيرها.

وأعان على ذلك حركة الترجمة التي بدأت تظهر في أواخر القرن الأوّل، فازدهرت العلوم والفلسفة في المشرق الإسلامي ورفع رايتها عباقرة من المسلمين في كل صقع وزمان.

إن تأثّر المسلمين بما لدى الأُمم الأُخرى من العلوم، وإن كان فيه الكثير من الإيجابيات، لكنّه لم يكن منفكّاً عن بعض السلبيات والمضاعفات حيث بذر شبهاً وطرح أسئلة حول العقيدة الإسلامية وشريعتها، إذ كان فيما بين الكتب المترجمة أُصول ربما لا توافق ظاهر الشريعة وروحها.

كما أنّ الأسرى الذين نُقلوا إلى الحواضر والمدن الإسلامية قد بثّوا بعض


1 . الكهف:29.

2 . الأنبياء:92.


صفحه 325

الشبه بين السذّج من المسلمين من غير وعي، فصار ذلك سبباً للنزاع والجدال فانتهز أعداء الدين هذه الفرصة بإثارة عجاجة الشبهات على أُصول الإسلام وفروعه بين حين وآخر، لغاية الاصطياد في الماء العكر.

وبسبب خطورة الموقف قام الغيارى من علماء الإسلام بالدفاع عن حياضه بنفس المنطق الذي كان الخصم متدرعاً به، فقاموا بوظيفتهم الرسالية في عصورهم وحياتهم، فصار ذلك نواة لعلم الكلام ونموه وتطوّره بين المسلمين.

لم يزل علماء الكلام في مقدّم خط الدفاع عن الإسلام بمختلف مشاربهم ومسالكهم والذي كان يجمعهم الإيمان بما جاء به نبيهم الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم).

ومن قرأ تاريخ علم الكلام يقف على مدى الجهود التي بذلتها كلّ فئة، والنتائج الباهرة التي توصّلوا إليها.

رحم اللّه الماضين من علمائنا حيث لم يغفلوا ساعة عن صيانة الدين وحفظ الشريعة ببيانهم وبنانهم، وتربية جيل متحصن بالمنطق والبرهان أمام المهاجمين، بمنطقهم وبرهانهم، فقد طوّروا علم الكلام أحسن تطوير في كلّ قرن حسب تلبية حاجات ذلك الزمان.

نعم كان بين المسلمين من ينكر لزوم ذلك، وربّما يهاجمه بمنطق واه، لكن ذلك لم يثن عزيمة المحقّقين ولم يعتنوا بهذه الفكرة الرجعية الشاذة عن منطق القرآن والسنّة وسيرة أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).

فهذا هو القرآن الكريم ينطق بأفضل البراهين في مجال العقائد: التوحيد وأقسامه، والمعاد وغيرهما.

وهذا هو الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) لم تزل سيرته تدعو إلى التفكير في الأُصول والفروع فقد فتح أمام الأُمّة باب التفكير الصحيح في المعارف الإلهية والمسائل


صفحه 326

العقلية، فإنّه صلوات اللّه عليه يذكر في خطبه ورسائله وكلماته القصار، كثيراً ممّا يرجع إلى أسمائه وصفاته، والعوالم الغيبية مقروناً بالبرهان والدليل، وكفاك في هذا الباب ما ذكره في كيفيّة وصفه سبحانه التي شغلت بال المتكلّمين على مر العصور، فإذا كانت هذه هي مكانة علم الكلام ومنزلته في الدفاع عن العقيدة ، فعلى المسلمين تنميته في كلّ عصر حسب ما تقتضيه حاجات المجتمع.

ولو تردّد باحث في لزوم دراسة المذاهب والمدارس العقائدية في الحقب الغابرة، فلا يرتاب في لزومه في العصر الراهن الذي تطورت فيه أجهزة الإعلام والاتصالات اللاسلكية، وتوفّر فيه البثّ المباشر عبر الأقمار الصناعية، فتحاك الشبهة في الغرب في ساعة وتُبثّ بعد دقيقة في الشرق وتعمّ العالم كلّه.

وقد استغل غير واحدمن النصارى واليهود ضعف المسلمين في مجال الصناعة والعلوم الطبيعية فصاروا يبثّون الشبهات التي لو تركت بحالها لزعزعت العقيدة الإسلامية في نفوس الشباب.

وهذا ما يدعو علماء الإسلام إلى بذل الجهود في قسم العقيدة ودراسة الشبه أو المسائل الكلامية الجديدة في ضوء الدليل والبرهان.

وهانحن نذكر بعض ما يجب دراسته في جامعتنا الدينية على وجه مفصّل، ونحن نعتقد أنّ أُصول الكلام الإسلامي التي وصلت إلينا عن مشايخنا ومحقّقينا كافية في إعانتنا على تفنيد هذه الشبه، ولكن الذي نحتاج إليه هو عرضها على نحو يوافق روح العصر ولغة الشباب.

1. سبب نشأة الدين

لم يزل المادّيون ودعاتهم يثيرون هذا السؤال بين الناس ويجيبون عنه بأنّ


صفحه 327

نشوء الدين في المجتمعات لم يكن عن تعقّل فلسفي أو قانون علمي، بل أنّ ثمّة عوامل مادية سبّبت تولّد فكرة الدين والتوجّه إلى العوالم الغيبيّة في العقل البشري، وهي:

إمّا خوف الإنسان من الحوادث الطبيعية المرعبة، فتخيّل وجود قوة عليا ليلوذ بها عند الزلازل والآفات.

وإمّا الجهل بالعلل الطبيعية، فنسب الظواهر الكونية إلى قوة غير طبيعية.

أو غير ذلك من العوامل المتخيّلة.

وهذا يناقض ما عليه الإلهيّون من أنّ للدين جذوراً في الفطرة والإنسان يميل إليها ميلاً فطرياً، مضافاً إلى أنّ الإلهيين كانوا حاملي راية العلم وكشف العلل الطبيعية، فكيف يمكن رميهم بهذه التهم الواهية؟!

2. ماهي الحاجة إلى الديّن؟

إنّ الماركسية قبل انهيار الاتحاد السوفياتي كانت تثير هذه الشبهة وتنكر حاجة الإنسان إلى الدين، وإنّ المجتمع الإنساني قد بلغ في العلم والوعي مستوى يغنيه عن التعلّق بمبادئ غيبيّة غير مرئية.

وهذا ما يدعو عباقرة المسلمين إلى دراسة الدين وماله من الآثار البنّاءة التي لا يغني عنها العلم والمعرفة المادية.

بشهادة أنّ المجتمع البشري قد بلغ درجة عالية من العلم لكنّا نراه على شفا حفرة من الهلاك والدمار بسبب هذا التطور المادي فقط.


صفحه 328

3. شمولية الدين

إنّ الليبرالية تحدّد دور الدين بأنّه علاقة روحية بين الخالق والمخلوق، فالدين أمر فردي يقوم به الإنسان في بيته وكنيسته ومسجده وما للدين و التدخل في الأُمور الاجتماعية والسياسية!!

وهذا يناقض ما جاء به نبينا الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) تماماً فإنّ الشريعة الإسلامية قد جاءت لإنقاذ البشر على الصعيدين الروحي والمادي.

فحصر دور الدين بالأُمور المعنوية إنكار للشريعة الإسلامية التي تلبّي حاجات الإنسان في كافة الجوانب.

4. النبوة موهبة إلهية أو نبوغ اجتماعي

إنّ هؤلاء الذين يريدون القضاء على الشرائع السماوية قد فسّروا النبوة بأنّها نبوغ اجتماعي، ويصوّرون النبي نابغة عصره في إصلاح بيئته، وبذلك يقطعون صلة الأنبياء بعالم الغيب ويصورون النبي كأنّه نابغة اجتماعية أظهر أفكاره بصورة أنّه مبعوث من اللّه حتّى تأخذ مكانها بين الناس.

هذا التفسير يُعدّ أكبر افتراء على الدين، وأين هؤلاء من المصلحين العاديين الذين يلعبون في حياتهم على حبلين؟!

5. خلود الشريعة واستمرارها

الشريعة الإسلامية باعتبارها خاتمة الشرائع ونبيها خاتم الأنبياء وكتابه خاتم الكتب، شريعة خالدة لا تمسّها يد التغيير والتبديل، ولكن الليبرالية تتهم


صفحه 329

الشريعة الإسلامية بأنّ قوانينها كانت رد فعل للوضع السائد آنذاك ولا خلود لها بعد تغير الظروف.

6. الوحدة أو التعدّدية الدينية

التعدّدية الدينية تريد إضفاء الصحة على كافة الشرائع في عامة الأزمنة، وتقول يكفي في سعادة الإنسان أن يلتزم بإحدى الشرائع من غير فرق بين المنسوخة والناسخة، وعدّوا منها البوذية والهندوسية. وأين هذا من قوله سبحانه: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا).(1)

7. تعارض الدين والعلم

إنّ هذه الفكرة وإن لم تكن فكرة حديثة بل لها جذور في التاريخ، ولكنّها أصبحت في هذه الأزمنة مسألة عويصة جرّت الشك والتزلزل إلى بعض أُصولنا وفروعنا، حيث زعموا أنّ طريق الدين غير طريق العلم، فتارة يتّحدان وأُخرى يتفارقان، وقد أشعلت فتيلة هذه المسألة نظرية تكامل الأنواع التي رفع رايتها «دارون» الذي أنكر أصالة الإنسان وخلقته من طين وعرفه بأنّه موجود مشتق عن شيء يشبه القردة.

إنّ للحق دولة وللباطل جولة، وهذه الفكرة الباطلة قد جالت وصالت في الأوساط العلمية مدة يسيرة حتّى قضت عليها التجارب المتأخرة فجعلتها في مدحرة البطلان.ومع ذلك لم تزل الفكرة تتجلّى في مسائل بصور أُخرى.


1 . البقرة:137.


صفحه 330

8. صلة الدين بالأخلاق

الأخلاق جزء من الدين وهي تستمد منه، ولولا الاعتقاد بيوم الحساب والعقاب لما قام للأخلاق عمود ولا اخضرّ لها عود، فالدين عماد الأخلاق، خلافاً لكثير من المادّيين الذين يفصلون الأخلاق عن الدين ويعتقدون أنّه يمكن أن يكون الإنسان رجل الأخلاق وفي الوقت نفسه منكراً للعوالم الغيبية.

9. الدين يضادّ الحرية

إنّ الوجوديين وعلى رأسهم الفيلسوف الطائر الصيت (سارتر) يحمل راية هذه الفكرة، وأنّ الحرية الكاملة للإنسان في سلوكه الفردي والاجتماعي رهن رفض أي عقيدة تحدد حريته.

ولكنّه غفل عن أنّ حرية الإنسان محددة بإطار خاص، سواء أشاء أم لم يشأ، فهل يمكن له أكل كلّ ما شاء أو فعل كلّ ما يشاء؟ فلا محيص من تحديد لحرياته. ففي إعطاء زمام الحياة للحرية الكاملة، هدم للحضارة وانحلال عن الإنسانية.

10. الهرمونيتيك وتفسير النصوص

هذه النظرية تعرف النصوص الدينية بأنّها مجموعة رموز و ألغاز كلّ يفسّـره حسب ذوقه وما يحيط به من فكر ووعي فلا يمكن لأحد أن يصف قراءته للدين هي القراءة الصحيحة، فلذلك أعادوا السفسطة الجديدة إلى الساحة.

هذه نماذج من المسائل الجديدة أوالشبهات التي أخذت لنفسها دوراً في إغراء الشباب بالابتعاد عن الدين، وهذا ما يدفع كلّ عالم إلى بذل الجهود لدراستها وحل عقدها ونشر ذلك في الملأ الإسلامي على ضوء التفكير الصحيح.


صفحه 331

2

إقصاء العقل عن ساحة العقائد والمعارف الإلهيّة

خسارة فادحة(1)

التفكير هو العامل المميّز للإنسان عن سائر الحيوانات، فهو يشاركها في الغرائز والميول، ولكن يفارقها بأنّه موجود مفكّر، وفي ظلّ التفكير بسط نفوذه، وبلغ حدّاً حيّر فيه العقول، وأدهش الألباب، ولم يزل دؤوباً في تسخير ما خُلق له.

وقد حاز الفكر على عناية كبيرة في القرآن الكريم حتّى نوّه به ثماني عشرة مرّة بصور مختلفة، إلى أن عاد وجعله من سمات أُولي الألباب، وقال: (إِنّ في خَلْقِ السَّماوات والأَرض وَاختلافِ اللَّيل والنَّهار لآيات لأُولي الأَلباب *الَّذينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنا عَذابَ النّار).(2)

إنّ القرآن الكريم لم يزل يدفع الإنسان إلى التعقّل والتفكير والتدبّر ويختم كثيراً من آياته بقوله: (لعلّكم تعقلون) أو (لعلّكم تتفكرون)، وكفاك قوله سبحانه:(وَمَا كانَ لِنَفْس أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا


1 . القيت في قاعة كلية الطب التابعة لجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء في 5/1/1425هـ.ق.

2 . آل عمران:190ـ 191.


صفحه 332

يَعْقِلُونَ)(1)، فيحكي عن جعل الرجس على الطائفة غير المتعقّلة .

ويقول سبحانه: (إِنّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُون)(2)، فشرّ الدّواب عنده سبحانه هو من لا يعقل.

إنّ القرآن الكريم لا يقتصر على مجرد الدعوة إلى التعقّل والتفكّر، بل كثيراً ما يطرح الموضوعات ويبرهن عليها بدلائل عقلية، ويُقنع بذلك الطرف الآخر، ونذكر لذلك أمثلة من الذكر الحكيم.

1. التوحيد في الخالقية

إنّ التوحيد في الخالقية بمعنى أنّه لاخالق سواه وأنّ صحيفة الكون مخلوقة لخالق واحد، من العقائد الحقّة التي ركّز عليها الذكر الحكيم، ولكنّه سبحانه يطرح هذا القسم من التوحيد مقروناً بالبرهان، وبالتالي يطلب التفكير والتأمّل فيه، فيقول سبحانه: (وَمَا كانَ مَعَهُ مِنْ إِله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَق وَلعلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض سُبحانَ اللّهِ عَمّا يَصِفُون).(3)

وحاصل البرهان: أنّ تعدّد الخالق يقتضي تعدّد المخلوق وهو يلازم تعدّد التدبير، وتعدّد التدبير في الكون المنسجم الواحد المتصل، ينتهي إلى الفساد.

وبتعبير آخر: إذا حاول كلّ من الخالقين تدبير قسم من الكون الذي خلقه يجب عندئذ أن يكون لكلّ جانب من الجانبين، نظام خاص مغاير لنظام الجانب الآخر وغير مرتبط به أصلاً، لأنّ تعدّد الخالق واختلافهما جوهراً يقتضي اختلاف


1 . يونس:100.

2 . الأنفال:22.

3 . المؤمنون:91.


صفحه 333

تدبيرهما، وعندئذ يلزم انقطاع الارتباط وذهاب الانسجام المشهود في الكون، في حين أنّنا لا نرى في الكون إلاّ نوعاً واحداً من النظام يسود كلّ جوانبه من الذرّة إلى المجرّة، وإلى هذا الشق أشار بقوله في الآية الثانية:(إِذاً لَذَهَبَ كُل إِله بِما خَلق).

2. التوحيد في الربوبية

التوحيد في الربوبية بمعنى التوحيد في التدبير من العقائد الحقّة التي دان بها المسلمون قاطبة وخالفهم الوثنية.

وعندما يطرح القرآن الكريم هذه العقيدة فانّه يطرحها مقرونةً بالبرهان، فيقول سبحانه:(لَو كانَ فِيهما آلهةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا فَسُبحانَ اللّه ربِّ العرشِ عمّا يَصِفُون).(1)

فإذا حاول كل واحد من الآلهة تدبير مجموع الكون باستقلاله بمعنى أن يعمل كلّ واحد ما يريده في الكون دونما منازع، ففي هذه الصورة يلزم تعدّد التدبير، لأنّ المدبّر متعدّد ومختلف في الذات، ونتيجة الاختلاف في الذات هو تعدّد التدبير، وهذا يستلزم طروء الفساد على العالم.

3. حدوث الإنسان والمادة

ذهب الإلهيون قاطبة إلى حدوث الإنسان والمادة وأنّ ما في الكون حادث مسبوق وجوده بالعدم، فحدوثها رهن وجود محدث يخرجها عن كتم العدم إلى ساحة الوجود، وهذا هو الأصل الصحيح.


1 . الأنبياء:22.


صفحه 334

ولو طرحنا هذا الأصل، ففي مقابله نظريتان باطلتان بحكم صميم العقل ألا وهما:

أ. حدوث الإنسان ووجوده من غير سبب.

ب. حدوث الإنسان بنفسه.

فالأوّل أي حدوثه بلا سبب يعارض الحكم البديهي الفطري بأنّ لكلّ حادث علّة، فكيف يمكن ظهور الإنسان والكون إلى ساحة الوجود بلا سبب؟

والثاني كونه موجداً لنفسه يعارض أيضاً الحكم الفطري للعقل أيضاً، فهو بما أنّه علّة يجب أن يكون متقدّماً في الوجود، وبما أنّه معلول يجب أن يكون متأخّراً، فيلزم أن يكون شيء واحداً متقدّماً و متأخّراً .

هذه نماذج من العقائد الحقّة التي يطرحها الذكر الحكيم مقرونة بالبرهان الذي لا يفارق التفكير الصحيح.

4. معارف قرآنية لا تدرك إلاّ بالتفكير

وفي الذكر الحكيم آيات حول العقائد الحقّة التي لا يُدرك مغزاها إلاّ بالتفكير والتعقّل.

أ. يقول سبحانه:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء): لا نظير له.

لماذا ليس له مثيل ونظير؟

ب. (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنما كُنْتُم).(1)

كيف يكون شيء واحد معنا في عامة القرون والأزمنة؟


1 . الحديد:4.


صفحه 335

ج. (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ).(1)

كيف يكون جميع العالم وجه اللّه؟ فكأنّ العالم لا يخلو من ذاته فأينما تولّى الإنسان فهو يستقبل ذاته.

د. (هُوَ الأوّلُ وَالآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم).(2)

إنّ الآية المباركة تصف الباري بصفات أربع:

فهو الأوّل، وفي الوقت نفسه هو الآخر.

كما أنّه هو الظاهر، وفي الوقت نفسه هو الباطن.

هذه حقائق ومعارف علمية لا يُدرك كنهها ولا حقائقها إلاّ بالتعقّل والتفكير، فمن عزل العقل عن ساحة العقائد واكتفى بأخبار الآحاد حول المعارف فقد جعل هذه الآيات مبهمة مجملة كأنّها نزلت للتلاوة والتبرّك دون التدبّر والتفكير.

5. سنّة اللّه في المجتمع الإنساني

وليست الآيات النازلة حول العقائد نسيجة وحدها في ضرورة التدبّر والتفكّر فيها، بل هناك قسم كبير من الآيات تدور حول سنن اللّه تبارك وتعالى في حق الأُمم السالفة حتى تكون عبرة للحاضر.

فقد كشف فيها عن وجود صلة بين فعل الإنسان وما يحيق به من ألوان العذاب، ودعا إلى السير في الأرض والتفكير فيها، و نشير هنا إلى شيء يسير منها، يقول سبحانه:


1 . البقرة:115.

2 . الحديد:3.


صفحه 336

(وإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها الْقَوْلُ فَدَمَّرْناهَا تَدْمِيراً).(1)

فقد نبّه بقوله: ( فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها الْقَوْلُ فَدَمَّرْناهَا تَدْمِيراً) بوجود الصلة بين الفسق و التوغّل في الشهوات وبين العقاب والهلاك، وإنّ الأوّل علّة للثاني، فلم يكن عقابهم جزافاً وبلا سبب.

يقول سبحانه: (فَكأيّن مِنْ قَرْيَة أَهلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِهَا وَبِئْر مُعَطّلَة وَقَصْر مَشِيد).(2)

فالآية تدلّ على السببية التامّة بين هلاك الأُُمم وظلمها، ثمّ تشير الآية التالية إلى أنّها سنّة إلهية لا تتبدّل ولا تتغيّر، وإنّما يفهمها ذوو القلوب الواعية والآذان الصاغية، يقول سبحانه: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الّتي فِي الصُّدُور).(3)

إنّ المتدبّر في الآيات التي تشرح لنا سنن اللّه تبارك وتعالى والمجتمع يقف على أنّ القرآن يعترف بقانون العلّية في المجتمعات الإنسانية، وفي الوقت نفسه يدعو الإنسان إلى التدبّر والتفكّر في تلك السنن، فكثيراً ما يقول: (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّهِ تَبْديلاً).(4)

وقال سبحانه:(وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَحْويلاً).(5)


1 . الإسراء:16.

2 . الحج:45.

3 . الحج:46.

4 . الأحزاب:62.

5 . فاطر:43.


صفحه 337

ويشير بهذه الآيات إلى أنّ سنّة اللّه سبحانه في من سبق و غبر وفي من يأتي مستقبلاً هي سنة واحدة:(سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً).(1)

6. سنّة اللّه في الكون

كما أنّ للّه سبحانه سنناً قطعية لا تتغيّر في أفعال الإنسان ونتائجها ومضاعفاتها، فله سبحانه أيضاً سنن في الكون والطبيعة، فقد خلق العالم على نظام خاص وأجرى فيه قانون السببية والعلّية فيه، فكلّ ظاهرة طبيعية لها علّة من سنخها، كلّ يؤثر بإذنه سبحانه وتقديره.

وليست تأثير العلل في معلولاتها إلاّ مظاهر لسننه وإرادته ومشيئته وليس لها أي استقلال في التأثير، وكفانا في ذلك قوله سبحانه:(وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمراتِ رِزْقاً لَكُمْ)(2)، فالآية صريحة في تأثير الماء في إخراج الثمرات اليانعة، كآية أُخرى صريحة في تأثير الماء في خروج الزرع يقول سبحانه:(أوَ لَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ المَاءَ إِلى الأَرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُون).(3)

فالاعتقاد بمثل هذا النوع من السنّة يثير شعور الإنسان إلى التفكّر والتعقّل في الكون وكشف أسراره ورموزه، حتى لا يكون الإنسان الشرقي متطفّلاً على موائد الغربيين في الإحاطة بإسرار العالم .

***


1 . الإسراء:77.

2 . البقرة:22.

3 . السجدة:27.


صفحه 338

المسيحية ورفض العقل في مجال العقائد

بالرغم من إيماننا بأنّ شريعة المسيح من الشرائع السماوية، ولها من المزايا ما لسائر الشرائع،إلاّ أنّنا نرى أنّ رجال الدين المسيحيين قد رفضوا العقل في مجال العقائد واستغنوا بالإلهام والإشراق ، فاعتقدوا بالتثليث وأنّه سبحانه واحد وفي الوقت نفسه ثلاثة، فجمعوا بين الوحدة والكثرة الحقيقيين، مع أنّ بداهة العقل تحكم بأنّ الشيء إمّا واحد وليس بكثير أو كثير ليس بواحد. فإذا سئلوا عن هذا التناقض أجابوا بأنّ التثليث وما شابهه، من العقائد التي لا يُدرَك كنهُها بالعقل والبرهان وإنّما يجب الإيمان بها.

وبذلك أوجدوا فاصلاً كبيراً بين العقل والدين أو بين العلم والدين، ورفعوا راية التضاد بين هذين المبدأين، مع أنّ خاتم الشرائع ـ القرآن الكريم ـ يؤكد على تلازمهما وعدم انفكاكهما، ويقول:(وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ).(1)

نعم الدعوة إلى العقل والتفكير ليس بمعنى رفض سائر الطرق إلى معرفة اللّه سبحانه كالإلهام والإشراق، فإنّ الفتوحات الباطنية من المكاشفات والمشاهدات الروحية والإلقاءات في الروع غير مسدودة بنص الكتاب العزيز:

1. قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَاناً)(2)، أي يجعل في قلوبكم نوراً تفرّقون به بين الحق والباطل وتميّزون به بين الصحيح والزائف، لا بالبرهنة والاستدلال، بل بالشهود والمكاشفة.


1 . الروم:56.

2 . الأنفال:29.


صفحه 339

2. وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَل لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللّهُ غَفُورٌ رَحِيم).(1)

إنّ صاحب الكشّاف ومن تبعه وإن فسره بقوله: «ويجعل لكم يوم القيامة نوراً تمشون به» إلاّ أنّ الظاهر خلافه، وأنّ المراد النور الذي يمشي المؤمن في ضوئه طيلة حياته، في معاشه ومعاده، في دينه ودنياه، وهذا النور الذي يحيط به ويضيء قلبه، نتيجة إيمانه وتقاه ويوضّحه قوله سبحانه: (أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَ جَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ).(2)

3. وقال سبحانه: (وَ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا).(3)

4. وقال تعالى:(وَاتَّقُوا اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم).(4)

فإنّ عطف الجملة الثانية على الأُولى يكشف عن صلة بين التقي وتعليمه سبحانه.

5.وقال سبحانه: (كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الجَحِيم).(5)

فإنّ الظاهر أنّ المراد رؤيتها قبل يوم القيامة، رؤية البصيرة، وهي رؤية القلب التي هي من آثار اليقين على ما يشير إليه قوله تعالى: (وَ كَذَلِكَ نُرِي إِبْرهِيمَ مَلَكُوتَ السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ).(6)


1 . الحديد:28.

2 . الأنعام:122.

3 . العنكبوت:69.

4 . البقرة:282.

5 . التكاثر:5ـ6.

6 . الأنعام:75.


صفحه 340

وهذه الرؤية القلبية غير محقّقة قبل يوم القيامة لمن ألهاه التكاثر، بل ممتنعة في حقه لامتناع اليقين عليهم.

والمراد من قوله: (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليَقِين) هو مشاهدتها يوم القيامة بقرينة قوله سبحانه بعد ذلك: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ)فالمراد بالرؤية الأُولى رؤيتها قبل يوم القيامة، وبالثانية رؤيتها يوم القيامة .(1)

ومع الاعتراف بانفتاح باب المكاشفات نركّز على أمرين:

1. أنّ العقل والعلم والإيمان والكشف والشهود جميعاً تصبُّ في مصب واحد، وليس بينهما تضادّ أو تباين أو منافاة.

2. انّ الكشف والشهود إذا كان صادقاً، أمر فردي لا يتجاوزه ولا يهتدي به الغير ولكن التعقّل والبرهان أمر يغطي المجتمع كلّه والحكيم الإلهي ببرهانه القويم،يهدي الأُمّة إلى الصراط المستقيم.

حدود العقل في مجالات العقائد

قد عرفت أنّ القرآن الكريم أعطى للعقل مكانة خاصة وعدّ التفكير الصحيح من صفات أُولي الألباب.

وهذا لا يعني أنّ العقل يغني الإنسان عن النقل ـ أي الكتاب والسنّة القطعيين ـ وإنّما يقصد أنّ العقل أحد أدوات المعرفة فيما له صلاحية للإدراك والحكم، ولذلك لا يحوم العقل حول الموضوعات الخارجة عن شأنه. مثلاً:

1. التفكّر في ذات اللّه سبحانه وكنهه. فالعقول الجبارة فضلاً عن العقول


1 . الميزان:20/496ـ 497.


صفحه 341

المتعارفة عجزت عن درك كُنه ذاته، كيف وإنّ الدرك نوع إحاطة للمدرَك واللّه سبحانه لا حدّ لوجوده وهو محيط بكلّ شيء ولا يحيط به شيء، (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً).(1)

2. التوغّل في واقع علمه وإرادته وحياته، فإنّ صفاته سبحانه وإن كانت غير ذاته مفهوماً، ولكنّها عين ذاته تعالى حقيقة وواقعاً. فكما أنّ العقل لا يدرك حقيقة ذاته، فانّه لا يدرك حقيقة صفاته سبحانه.

وبكلمة مختصرة الأُمور الغيبية يجب الإيمان بها، يقول سبحانه: (الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ).(2)

ومع ذلك كلّه فللعقل دور كامل في قسم من المعارف الإلهية الواردة في الكتاب والسنّة وقد خسر أقوام كانوا قد أقصوا العقل عن مجال العقائد وفسحوا المجال لأخبار الآحاد وكلمات مستسلمة اليهود والنصارى، «فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير» ومن نماذج هذا الإقصاء:

1. وجوب معرفة اللّه

اتّفق علماء الإسلام على وجوب معرفته سبحانه، ولكنّهم اختلفوا في طريقها، فهل الحاكم به هو العقل أو النقل؟ فمن أعطى للعقل سهماً في باب المعارف يقول: إنّ الحاكم به هو العقل، لأنّ في ترك المعرفة ضرراً محتملاً في الدنيا أو بعدها. ودفع مثل هذا الضرر «العقاب» واجب.

غير أنّ المخالف يقول واجب بالشرع والحاكم به هو النقل ولكن كيف يمكن أن يحكم به الشرع وتجب إطاعته وهو بعد غير ثابت.


1 . طه:110.

2 . البقرة:3.


صفحه 342

2. قبح التكليف بما لا يطاق

من نتائج إدخال العقل في باب المعارف هو الحكم بقبح التكليف بما لا يطاق، فهو إمّا أمر ممتنع أو أمر قبيح، ومع ذلك نرى أنّ الرافضين للعقل جعلوا جواز التكليف بما لايطاق أصلاً من أُصولهم .

3. قبح العقاب بلا بيان

إنّ من نتائج حكم العقل هو أنّه سبحانه لايعاقب عباده دون أن يبين لهم تكليفهم. ولذلك قالوا: الأصل هو البراءة عن التكليف حتّى يدلّ عليه دليل، ومن حسن الحظ انّ الشرع عزّزه أيضاً، قال سبحانه:(وَما كُنّا مُعذّبين حتّى نَبْعَثَ رَسُولاً).(1)

4. إيلام الطفل في الآخرة

إنّ الذين أعطوا العقل سهما واسعاً في معرفة أفعاله سبحانه حكموا بأنّ إيلام الطفل يوم القيامة ظلم لا يحوم حوله الحكيم، وفي الوقت نفسه نرى أنّ بعض الطوائف يجوّزون ذلك قائلين بأنّ العالم ملك له وللمالك أن يتقلّب في ملكه كيف يشاء، غافلين عن أنّ عدله وحكمته يصدّه عن أن يتقلّب في ملكه بما يعدّ ظلماً و خروجاً عن العدل.

التحسين والتقبيح العقليان

إنّ للعقل قابلية في معرفة حسن الأفعال وقبحها جميعاً أو قسماً منها، فهو


1 . الإسراء:15.


صفحه 343

بنفسه يدرك حسن الإحسان وحسن مجازاة الإحسان بالإحسان وحسن العمل بالميثاق وهكذا، كما يدرك من صميم ذاته قبح الظلم وقبح مجازاة الإحسان بالإساءة ونقض الميثاق إلى غير ذلك، وهناك من رفضوا مقدرة العقل على درك حسن الأشياء وقبحها مع أنّ الذكر الحكيم يقول:(وَإِذا فَعَلُوا فاحِشةً قَالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِ مَا لا تَعْلَمُون).(1) والآية أوضح شاهد على أنّ الإنسان يعرف الفحشاء قبل الشرع ويدرك قبحها، لا انّه لا يعرفها إلاّ بتعريفه، فالآية التي تنزّه اللّه سبحانه عن الفحشاء، تسلّم قدرة الإنسان على درك حسن الأفعال وقبحها ومنها الفحشاء.

ونظيره قوله سبحانه: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمين* مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون ).(2)

وقوله سبحانه: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُون).(3)

وقوله سبحانه:(أَمْ نَجْعَلُ الذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحات كَالْمُفْسِدينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقينَ كَالْفُجّار).(4)

وهذه الآيات تتخذ من وجدان الإنسان شاهداً على عدم التسوية، ويدلّ بالتالي على أنّ الإنسان قادر بفطرته الإلهية على درك حسن الأفعال وقبحها، ولمّا كانت التسوية بين الطائفتين قبيحة، تقدّست ساحته عنها.


1 . الأعراف:28.

2 . ن:35ـ 36.

3 . الجاثية:21.

4 . ص: 28.


صفحه 344

ثمرات القاعدة

تترتّب على تلك القاعدة ثمرات كثيرة رفعت مستوى العقائد الإسلامية إلى درجة يقتنع بها كلّ ذي فطرة سليمة، وها نحن نشير إلى عناوين تلك الثمرات ونحيل التفصيل إلى الكتب الكلامية:

1. وجوب معرفة اللّه على كلّ إنسان وجوباً عقلياً.

2. وجوب تنزيه فعله سبحانه عن العبث واقترانه بالغايات والأغراض.

3. لزوم تكليف العباد، وذلك لأنّه إذا كان فعله سبحانه منزّهاً عن العبث، يستقل العقل بالحكم بلزوم إيصال كلّ مكلّف إلى الغايات التي خلق لها، وتكليف العباد من مبادئ هذه الغاية.

4. لزوم بعث الأنبياء حتى يصل الإنسان في ظلّ هدايتهم إلى الغاية التي خُلق لها.

5. لزوم النظر في برهان مدّعي النبوة،لأنّ العقل يستقل في دفع الضرر المحتمل، فاحتمال صدق مدّعي النبوة مقارن لاحتمال الضرر، فيجب عليه النظر حتّى يتبيّن صدقه أو كذبه.

6. الخاتمية واستمرار أحكام الإسلام، حيث إنّ خلود أحكام الإسلام وتشريعاته إلى يوم القيامة رهن كونها مطابقة للفطرة العلوية للإنسان حتّى تبقى مستمرة مادامت الفطرة باقية، ولذلك لا تتبدّل الأحكام مع تبدّل الحضارات وتطور المدنيات، فإنّ تبدلها لا تبدل فطرة الإنسان.

7.ثبات الأخلاق ودوامها في جميع الأُصول والحضارات، وماذلك إلاّ لأنّ


صفحه 345

الأخلاق الإسلامية مبتنية على وفق الفطرة وهي ثابتة فتكون الأخلاق ثابتة، خذ على ذلك مثلاً «إكرام المحسن»، فإنّه أمر يستحسنه العقل، ولا يتغيّر حكم العقل هذا أبداً، وإنّما الذي يتغير بمرور الزمن ، وسائل الإكرام وكيفياته، فإذاً الأُصول ثابتة ، والعادات والتقاليد ـ التي ليست إلاّ لباساً للأُصول ـ هي المتغيّرة.

8. اللّه عادل لا يجور، وهذا من أبرز مصاديق القول بالتحسين والتقبيح وأنّه لا يجور ولا يظلم، إلى غير ذلك من الثمرات التي ذُكرت في محلّها.

بين الإيجاب المولوي والإيجاب الاستكشافي

لا شكّ أنّه ليس لأحد أن يكلّف اللّه سبحانه بشيء ويحكم عليه باللزوم والوجوب، لأنّه سبحانه فوق كلّ مكلّف، وليس فوقه أحد، ومع ذلك كلّه فربّما يأتي في كلام المتكلّمين بأنّه يجب على اللّه سبحانه أن لا يعذب البريء، والذين لا يرون للعقل دوراً يستوحشون من قول العدلية، يجب على اللّه كذا أو يمنع عليه هذا، ولكنّهم لم يفرّقوا بين الإيجاب المولوي والإيجاب الاستكشافي، فالذي هو باطل لا يتفوّه به أيّ إنسان موحّد، هو الإيجاب المولوي، فإنّه سبحانه مولى الجميع والناس عباد له; وأمّا الإيجاب الاستكشافي بمعنى أنّ العقل يستكشف من خلال صفاته سبحانه ككونه حكيماً عادلاً قديراً، أنّه سبحانه لا يعذّب البريء، فالقول بأنّه يجب على اللّه سبحانه بمعنى الملازمة بين حكمته وعدله وعدم تعذيب البريء، وليس استكشاف العقل في المقام بأقلّ من استكشاف الأحكام الكونية حيث يحكم بأنّ زوايا المثلث تكون قائمتين، فزوايا المثلث في الخارج موصوفة بهذا المقدار، ولكن العقل يستكشف ذلك.

***


صفحه 346

دور العقل في الشريعة

ما مرّ من البحث الموجز يعرب عن دور العقل في العقائد والمعارف، وأمّا دور العقل في الشريعة فليس بمعنى أنّ الشرع أعطى زمام التشريع بيد العقل فله أن يشرّع حسب المعايير، كلا فإنّ هذه الفكرة خاطئة جداً، وليس دين اللّه وشريعته يصاب بالعقول، ومع ذلك فله دور في تأسيس ضوابط ربّما يبتنى عليها استنباط قسم من الأحكام . وقد حدّد أصحابنا صلاحيته في ذلك المضمار في كتبهم الأُصولية.


صفحه 347

3

تطور أُصول الفقه عند الإمامية (1)

الإسلام عقيدة وشريعة. فالعقيدة هي الإيمان باللّه سبحانه وصفاته والتعرّف على أفعاله.

والشريعة هي الأحكام والقوانين الكفيلة ببيان وظيفة الفرد والمجتمع في حقول مختلفة، تجمعها العناوين التالية: العبادات، والمعاملات، والإيقاعات والسياسات.

فالمتكلّم الإسلامي مَنْ تكفّل ببيان العقيدة، وبرهن على الإيمان باللّه سبحانه وصفاته الجمالية والجلالية، وأفعاله من لزوم بعث الأنبياء ونصب الأوصياء لهداية الناس وحشرهم يوم المعاد.

كما أنّ الفقيه من قام ببيان الأحكام الشرعيّة الكفيلة بإدارة الفرد والمجتمع، والتنويه بوظيفتهما أمام اللّه سبحانه ووظيفة كلّ منهما بالنسبة إلى الآخر.

بيد أنّ لفيفاً من العلماء أخذوا على عاتقهم بكلتا الوظيفتين، فهم في مجال العقيدة أبطال الفكر وسنامه، وفي مجال التشريع أساطين الفقه وأعلامه، ولهم الرئاسة التامّة في فهم الدين على مختلف الأصعدة.


1 . أُلقيت في جامعة القرويين في مدينة فاس 4 / 1 / 1425 هـ . ق.


صفحه 348

فإذا كانت الشريعة جزءاً من الدين ففهمها واستخراجها من الكتاب والسنّة رهن أُمور، أهمها: العلم بأُصول الفقه، وهو العلم الذي يُرشد إلى كيفية الاجتهاد والاستنباط ويذلّل للفقيه استخراج الحكم الشرعي من مصادره الشرعية.

قام بتدوين علم الأُصول في أوّل الأمر طائفتان ، هما: المتكلّمون والفقهاء.

فالطائفة الأُولى كانت تمثِّل مذهب الإمام الشافعي الذي ألّف في أُصول الفقه رسالته المعروفة.

والطائفة الثانية: كانت تمثّل المذهب الحنفي في الفقه.

ولأجل ذلك تميّز تأليف كلّ طائفة عن الأُخرى ببعض الوجوه، وإليك بعض الميزات التي تمتعت بها طريقة المتكلّمين:

أ. النظر إلى أُصول الفقه نظرة استقلالية حتّى تكون ذريعة لاستنباط الفروع الفقهية، وبذلك صار أُصول الفقه علماً مستقلاً غير خاضع للفروع التي ربّما يستنبطها الفقيه من دون رعاية الأُصول، بخلاف الطائفة الأُخرى فهؤلاء يقتنصون القواعد من الفروع الفقهية المستفادة من الكتاب والسنّة.

ب. تميّزت كتب هذه الطريقة بطابع عقلي واستدلالي أُستخدمت فيها أُصول مسلّمة في علم الكلام، فترى فيها البحث عن الحسن والقبح العقليين، وجواز التكليف بمالا يطاق وعدمه إلى غير ذلك، بخلاف الطائفة الأُخرى.

ج. ظهر التأليف على هذه الطريقة في أوّل القرن الرابع.

ولكلّ من الطائفتين تآليف ذكرنا تفصيلها في كتابنا.(1)


1 . مصادر الفقه الإسلامي ومنابعه:400ـ 467.


صفحه 349

والذي نبحثه هنا هو اهتمام فقهاء الإمامية بتطوير علم الأُصول منذ تأسيسه إلى عصرنا هذا، الذي لا تمضي فيه سنة أو سنتان إلاّ ونحن نشاهد صدور كتاب أو كتابين، بل أكثر في أُصول الفقه.

ما هو موضوع أُصول الفقه؟

المشهور أنّ موضوع أُصول الفقه هو الأدلّة الأربعة، أو الحجة في الفقه; والثاني هو الأظهر لاختلاف الفقهاء في تحديد الأدلّة، بالأربعة، وهناك مَن يحتج بالعقل ومنهم من لا يحتج به.

وبما أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، فللأُصولي أن يبحث في أُصول الفقه عن عوارض «الحجة في الفقه»، عندئذ يقع الكلام في العوارض التي تعرض على «الحجّة في الفقه» و الأُصولي يبحث عنها؟ وهذا ما يحتاج إلى بيان زائد، وهو:

إنّ العارض على قسمين:

أ. عارض خارجي يخبر عن عروض شيء على المعروض خارجاً، كالبحث عن عوارض الأجسام الخارجية كما في الفيزياء، أو الداخلية كما في الكيمياء، إلى غير ذلك من الأعراض.

ب. عارض تحليلي وعقلي، وهذا نظير ما يبحث عنه الحكيم في الفلسفة عن تعيّنات الموجود بما هو موجود حيث إنّ الموضوع لهذا العلم هو الوجود المطلق العاري عن كلّ قيد، فالحكيم يبحث عن تعيّناته وتشخّصاته، فصار يقسّمه إلى واجب وممكن، وعلّة ومعلول، ومادّي ومجرّد، وواحد وكثير.

وعلى ضوء هذا فالموضوع في علم أُصول الفقه هو الحجة في الفقه، فإنّ


صفحه 350

الفقيه يعلم وجداناً بأنّ بينه و بين ربّه حججاً تتضمن بيان الشريعة والأحكام العملية. فيبحث عن تعيّنات هذه الحجج المعلومة بالإجمال، وانّها هل تتشخّص بخبر الواحد أو لا؟ و بالقياس وعدمه، إلى غير ذلك . فقولنا: خبر الواحد حجة أو القياس حجّة يرجع واقعهما إلى تعيّن الحجّة الكليّة غير المتشخّصة في خبر الواحد والقياس وغيرهما، حتّى أنّ البحث عن كون الأمر ظاهراً في الوجوب والنهي في الحرمة يرجع لب البحث فيه إلى وجود الحجة على لزوم إتيان الأمر الفلاني أو وجود الحجّة على تركه.

جذور علم الأُصول في أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)

إنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) لا سيّما الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام) أملوا على أصحابهم قواعد كلية في الاستنباط يقتنص منها قواعد أُصولية أوّلاً وقواعد فقهية ثانياً على الفرق المقرّر بينهما، وقد قام غير واحد من علماء الإمامية بتأليف كتاب في جمع القواعد الأُصولية والفقهيّة الواردة في أحاديث أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ، و نخص بالذكر الكتب الثلاث التالية:

أ. الفصول المهمة في أُصول الأئمّة: للمحدّث الحرّ العاملي (المتوفّـى 1104هـ).

ب. الأُصول الأصليّة للعلاّمة السيد عبد اللّه شبر الحسيني الغروي(المتوفّـى1242هـ).

ج. أُصول آل الرسول، للسيد هاشم بن زين العابدين الخوانساري الاصفهاني (المتوفّـى 1318هـ).

إنّ أوّل من دوّن أُصول الفقه عند أهل السنّة هو الإمام المطلبي محمد بن


صفحه 351

إدريس الشافعي(150ـ 204هـ)، فقد أملى في ذلك رسالته التي جعلت كمقدمة لما أملاه في الفقه في كتابه الموسوم بـ«الأُم» ثمّ توالى بعده التأليف على طريقة المتكلّمين تارة والفقهاء أُخرى.

وبمحاذاة تلك الحركة بدأ نشاط علم أُصول الفقه عند الإمامية على ضوء القواعد الكلية الواردة في أحاديث أئمتهم، مضافاً إلى ما جادت به أفكارهم.

فألّف يونس بن عبد الرحمن (المتوفّـى208هـ) كتابه «اختلاف الحديث ومسائله» وهو نفس باب التعادل و الترجيح في الكتب الأُصولية.

كما ألّف أبو سهل النوبختي إسماعيل بن علي (237ـ 311هـ) كتاب: الخصوص والعموم، والأسماء والأحكام، وإبطال القياس; إلى أن وصلت النوبة إلى الحسن بن موسى النوبختي فألّف كتاب «خبر الواحد والعمل به»، وهذه هي المرحلة الأُولى لنشوء علم أُصول الفقه عند الشيعة القدماء.

إلى أن ظهر في القرن الرابع شيخ الأُمّة محمد بن محمد بن النعمان المفيد(336ـ 413هـ) فألّف كتابه«التذكرة في أُصول الفقه» المطبوع.

وأعقبه تلميذه الكبير السيد المرتضى(355ـ 436هـ) فألّف كتابه المعروف «الذريعة» المطبوع في جزءين .

وأعقبه تلميذه الجليل الشيخ الطوسي(385ـ 460هـ) فألّف كتاب «العدّة» في أُصول الفقه في جزءين.

كما ألّف زميله سلاّر الديلمي (المتوفّى 448هـ) كتابه المعروف «التقريب في أُصول الفقه».

هذا إلمام موجز بنشوء علم الأُصول ونموه إلى القرن الخامس عند الإماميّة، ولا نطيل الكلام ببيان سائر الأدوار من عصر سلاّر إلى نهاية القرن الرابع عشر،


صفحه 352

فإنّ بيانه رهن كتاب مفرد.

إنّما المهم هو بيان التطوير الذي أحدثه علماء الإمامية في ذلك العلم على نحو لا يُرى نظيره في كتب الآخرين.

نحن نقدّر ما كابده علماء الفريقين في سبيل هذا العلم إبداعاً وابتكاراً، أو بياناً وإيضاحاً حتى أوصلوه إلى القمة، ومع ذلك كلّه لا نرى مانعاً من بيان ما يختصّ بالإمامية من تنشيط وتصعيد الحركة الأُصولية عبر القرون و قد تمّ تحقيق هذا التنشيط بإحداث قواعد وضوابط تُمِدُّ المستنبط في مختلف الأبواب، وها نحن نشير إلى بعضها:

1. تقسيم الواجب إلى مشروط ومعلّق

إنّ تقسيم الواجب إلى مطلق كمعرفة اللّه، ومشروط كالصلاة بدخول الوقت، تقسيم معروف.

وأمّا تقسيم الواجب إلى مشروط ومعلّق فهو من خصائص أُصول الفقه للإمامية.

والفرق بينهما أنّ القيد في الأوّل يرجع إلى الهيئة، وفي الثاني يرجع إلى المادة.

وبعبارة أُخرى: كلا الواجبين مقيّدان، إلاّ أنّ القيد في الواجب المشروط قيد للوجوب كالوقت بالنسبة إلى الصلاة، فما لم يدخل الوقت لا وجوب أصلاً. ولكنّه في الواجب المعلّق قيد للواجب، فالوجوب حالي لكن الواجب مقيد بوقت متأخر.

وهذا نظير مَن استطاع الحج، فوجوب الحج مشروط بالاستطاعة، فلا وجوب قبلها وبحصولها يكون الوجوب فعلياً ولكن الواجب استقبالي مقيّد


صفحه 353

بظرفه، أعني: أيّام الحجّ.

ويترتّب على التقسيم ثمرات مذكورة في محلّها، ونقتصر على ذكر ثمرة واحدة.

إنّ تحصيل مقدّمة الواجب المشروط غير لازم، لأنّ وجوب المقدّمة ينشأ من وجوب ذيها، فإذا كان ذو المقدّمة غير واجب فلا تجب مقدّمته شرعاً فلا يجب تحصيلها.

هذا بخلاف مقدّمة الواجب المعلّق، فبما أنّ الوجوب فعلي ـ بحصول الاستطاعة ـ يجب تحصيل مقدّمات الحج وإن كان الواجب استقبالياً.

2. دلالة الأمر والنهي على الوجوب والحرمة

لقد بذل الأُصوليون جهودهم في إثبات دلالة الأمر والنهي على الوجوب والحرمة،دلالة تضمنيّة أو التزامية، وطال النقاش بين الموافق والمخالف، ولكن المحقّقين المتأخّرين من الإمامية دخلوا من باب آخر، وهو أنّ السيرة المستمرة بين العقلاء هي: أنّ أمر المولى ونهيه لا يترك بدون جواب ـ رغم عدم دلالتهما على الوجوب والحرمة لفظاً ـ و كيفية الجواب عبارة عن لزوم الإتيان في الأوّل والترك في الثاني. وهو عبارة عن الوجوب والحرمة.

كما أنّ العقل يدعم موقف العقلاء فيؤكد على متابعة الأمر والنهي حذراً من احتمال المخالفة.

وبالرغم من أنّ أمر المولى على قسمين: واجب ومندوب كما أنّ نهيه كذلك: حرام و مكروه، ومع ذلك يلزم العقل العبد المكلّف على الامتثال حذراً من المخالفة الاحتمالية.


صفحه 354

3. الإطلاق فرع كون المتكلّم في مقام البيان

إذا وقع لفظ كلّي تحت دائرة الحكم ـ كما إذا قال: أعتق رقبة ـ يحكم الفقهاء بأنّ الموضوع مطلق، فلا فرق في مقام الامتثال بين كونها مؤمنة أو كافرة. فجعلوا دلالة المطلق على الاجتزاء بكلّ فرد منه، دلالة عقلية بمعنى أنّ الموضوع عند المشرّع هو ذات المطلق، فلو كان الموضوع مركباً من شيئين: المطلق و قيده، لزم أن يركّز عليه المشرّع، فسكوته دليل على عدم مدخليته.

لكن الركن الركين في جواز التمسّك بالمطلق ـ عند الإمامية ـ كون المتكلّم في مقام بيان للموضوع من جزء أو شرط ولولا إحرازه لم يتم التمسّك بالمطلق، وعلى هذا فلو قال: الغنم حلال، لا يصحّ التمسك بإطلاقه لإثبات حليّة مطلق الغنم (مملوكه ومغصوبه، الجلاّل وغيره،)وبحجّة انّ المتكلّم اتّخذ الغنم موضوعاً لحكمه وهو صادق على القسمين، ذلك لأنّ المتكلّم بصدد بيان حكم الغنم بما هوهو، لا بما إذا اقترن مع العوارض.

نرى أنّ بعض الفقهاء أفتوا بجواز أكل ما أمسكته كلاب الصيد دون وجوب أن يغسل مواضع عضّها، تمسّكاً بقوله سبحانه: (فكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ)(1) ولم يقل فكلوا بعد غسل مواضع العض.

ولكن التمسّك بإطلاق الآية غفلة عن الشرط اللازم للمطلق، أعني: كون المتكلّم في مقام البيان فليست الآية إلاّ بصدد بيان حلّية ما اصطادته الجوارح، وأنّه ليس من مقولة الميتة، وأمّا أنّه يؤكل بغير غسل، أو معه فليست الآية في مقام بيانه حتّى يستدلّ سكوته على عدم شرطيّته.


1 . المائدة:4.


صفحه 355

وبالتدبّر في هذا الأصل يظهر بطلان كثير من التمسّكات بالإطلاق في كثير من أبواب الفقه و هو غير صالح للتمسّك.

4. الملازمات العقلية

لقد طال البحث في دلالة الأمر على وجوب المقدّمة والنهي على حرمة مقدّمته وحاول كثير من الأُصوليين إثبات الدلالة اللفظية بنحو من الأنحاء الثلاثة، ولكن الإمامية طرقوا باباً آخر في ذلك المجال وانتهوا إلى نفس النتيجة لكن من طريق أوضح، وهو: وجود الملازمة العقلية بين إرادة الشيء وإرادة مقدّمته، من غير فرق بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية، فكما أنّ إرادة الصعود إلى السطح لا تفارق إرادة تهيئة السلّم واستخدامه، فهكذا الإرادة التشريعية بمعنى تعلّق إرادته بصعود الغير إلى السطح.

وقد استفاد الأُصوليّون من هذه القاعدة ـ الملازمة العقلية ـ في غير واحد من أبواب أُصول الفقه، كالملازمة بين الأمر بالشيء و إجزائه عن الإتيان به ثانياً، والنهي عن العبادات وفسادها، والنهي عن المعاملات وفسادها عند تعلّق النهي بما لا يجتمع مع صحتها، كالنهي عن أكل ثمنها، كما إذا قال: ثمن الميتة سحت، أو ثمن المغنّية سحت.

5. التعارض والتزاحم والفرق بينهما

إنّ التنافي بين الدليلين إذا كان راجعاً إلى مقام الجعل والإنشاء بأن يستحيل من المقنّن الحكيم، صدورُ حكمين حقيقيين لغاية الامتثال فهو المسمّى بالتعارض، مثلاً يستحيل جعل حكمين باسم: «ثمن العذرة سحت، ولا بأس ببيع العذرة»، فلو كان تنافي الخبرين من تلك المقولة، فهذا ما يبحث عنه في باب


صفحه 356

التعادل والترجيح ويرجّح أحد الخبرين على الآخر بمرجّحات منصوصة أو مستنبطة.

وأمّا إذا كان التنافي راجعاً إلى مقام الامتثال دون مقام الجعل والإنشاء، وهذا كما إذا ابتلي الإنسان بغريقين، فالتنافي في المقام يرجع إلى عجز المكلّف عن الجمع بينهما، لأنّ صرف القدرة في أحدهما يمنع المكلّف عن صرفها في الآخر، فهذا ما يعبّر عنه بالتزاحم.وإلاّ فلا تنافي في مقام التشريع بأن يجب إنقاذ كلّ غريق فضلاً عن غريقين.

وبذلك ظهر الفرق بين التعارض والتزاحم بوجه آخر، وهو أنّ ملاك التشريع والمصلحة موجود في أحد المتعارضين دون الآخر، بخلاف المتزاحمين فالملاك موجود في كل من الطرفين كإنقاذ كلّ من الغريقين ولكن المانع هو عجز المكلّف، وعند ذلك يجب رفع التزاحم بالتخيير إذا كانا متساويين، أو بالترجيح كما إذا كان أحدهما أهمّ من الآخر .

وبذلك يستطيع الفقيه رفع التنافي بين كثير من الأدلّة التي يظهر فيها التنافي لعجز قدرة المكلّف مع كون الحكمين ذا ملاك. ورفع التنافي رهن إعمال مرجّحات خاصة بباب التزاحم، وها نحن نذكر رؤوسها دون تفصيل:

1. تقديم ما لا بدل له على ما له بدل.

2. تقديم المضيّق على الموسّع.

3. تقديم الأهمّ بالذات على المهم.

4. سبق أحد الحكمين زماناً.

5. تقديم الواجب المطلق على المشروط.

والتفصيل موكول إلى محله.


صفحه 357

ولنمثل لإعمال الترجيح مثالاً يوضح المقصود:

قد أصبح تشريح بدن الإنسان في المختبرات من الضروريات الحيوية التي يتوقّف عليها نظام الطب الحديث، فلا يتسنّى تعلم الطب إلاّ بالتشريح والاطّلاع على خفايا أجهزة الجسم وأمراضها.

غير أنّ هذه المصلحة تصادمها، مصلحة احترام المؤمن حيّهِ وميّتهِ، إلى حدّ أوجب الشارع، الإسراع في تغسيله وتكفينه وتجهيزه للدفن، ولا يجوز نبش قبره إذا دفن، ولا يجوز التمثيل به وتقطيع أعضائه، بل هو من المحرّمات الكبيرة، والذي لم يجوّزه الشارع حتى بالنسبة إلى الكلب العقور، غير أنّ عناية الشارع بالصحّة العامّة وتقدّم العلوم جعلته يسوّغ ممارسة هذا العمل لتلك الغاية، مقدّماً بدن الكافر على المسلم، والمسلم غير المعروف على المعروف منه، وهكذا....

6. تقسيم حالات المكلّف إلى أقسام

إنّ تقسيم حالات المكلّف إلى أقسام ثلاثة ـ أعني: كونه قاطعاً بالحكم، أو ظانّاً، أو شاكّاً فيه ـ تقسيم طبيعي في مورد الحكم الشرعي، بل بالنسبة إلى كلّ شيء يفكر الإنسان فيه ويلتفت إليه فهو بين قاطع وظان وشاك.

لا شكّ أنّ القاطع يعمل بقطعه ولا يمكن نهيه عن العمل بالقطع، لأنّه يرى نفسه مصيباً للواقع، إنّما الكلام في الشقين الأخيرين، فالإمامية لا يعتقدون بحجّية الظنون في مورد استنباط الأحكام إلاّ ما قام الدليل القطعي على حجّيته، ويستدلّون على ذلك بأنّ الشكّ في حجّية الظن يوجب القطع بعدم الحجّية، ولعلّ بعض الناس يتلقاه لُغزاً، إذ كيف يتولّد من الظن بالحجّية، القطع بعدمها، ولكنّه تظهر صحته بأدنى تأمّل، وذلك لأنّ المراد من الظن هو الظن


صفحه 358

بالحكم الشرعي، هذا من جانب، ومن جانب آخر، العمل به مع التردد في الحجّية مصداق للبدعة والبدعة حرام قطعي لا مزية فيه.

وبعبارة أُخرى: إذا كانت البدعة عبارة عن إدخال ما لم يعلم كونه من الدين في الدين، فإذا عمل المكلّف بالظن، مع الشك في حجّيته وإذن الشارع بالعمل به فقد أدخل بعمله هذا، ما لم يعلم كونه من الدين، في الدين، فإذا قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو غير عالم بأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال، فقد نسب إليه حكماً ما لم يعلم كونه منه، ولذلك أصبحت الضابطة الأُولى عند الإمامية حرمة العمل بالظن إلاّ ما قام الدليل القطعي على حجّته، كخبر الثقة الضابط، و البيّنة، و قول أهل الخبرة، إلى غير ذلك من الظنون التي ثبتت حجّيتها من جانب الشرع.

وأمّا حكم الشاك فهذا هو بيت القصيد في المقام .أقول: الشكّ على أقسام أربعة:

1. الشكّ في شيء له حالة سابقة

إذا شككنا في بقاء حكم أو بقاء موضوع كنّا جازمين به سابقاً وإنّما نشك في بقائه، فهنا يؤخذ بالحالة السابقة ويسمّى باصطلاح الأُصوليين بالاستصحاب عملاً بالسنّة: «لا تنقض اليقين بالشك».

2. الشكّ في أصل تشريع الحكم

إذا شككنا في حرمة شيء أو وجوبه وليس له حالة سابقة، كالشك في حرمة التدخين أووجوب الدعاء عند رؤية الهلال، وأمثال ذلك، فالمرجع هنا هو البراءة، لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، ويعضده ما ورد في الشرع من قوله


صفحه 359

سبحانه:(وَمَا كُنّا مُعذّبين حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(1) وبعث الرسول كناية عن بيان الوظائف في العقائد والأحكام وقول النبيّ الأكرم:«رفع عن أُمّتي تسع: ما لا يعلمون...».

وهذا(الشكّ في أصل الحكم) يسمّى في مصطلح الأُصوليّين بالشبهة البدويّة.

3. إذا كان عالماً بالحكم وجاهلاً بالمكلّف به

إذا كان المكلّف عالماً بالحكم الشرعي وجاهلاً بالمكلّف به، كما إذا علم بوجوب صلاة الظهر ولم يعرف القبلة، فيحكم العقل بالاشتغال ولزوم تحصيل البراءة اليقينية وهو الصلاة إلى أربع جوانب ليعلم أنّه صلّى إلى القبلة.

من غير فرق بين كون الجهل متعلّقاً بالموضوعات الخارجية كالمثال المذكور أو بمتعلقات الأحكام كما إذا علم بأنّه فات منه صلاة واحدة مردّدة بين المغرب والعشاء، فالعقل يحكم بوجوب الجمع بينهما، لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، وعلى هذا الأصل فرّعوا فروعاً كثيرة.

4. تلك الصورة ولكن لم يكن الاحتياط ممكناً

كما إذا دار أمر الشيء بين كونه واجباً أو حراماً، فالمرجع هاهنا هو التخيير.

وبذلك ظهر أنّ علاج الشكّ في الموضوع، أو الحكم الشرعيين، يتحقّق بإعمال القواعد الأربع حسب مظانها وهي:

أ. الاستصحاب، عندما كانت هناك حالة سابقة.


1 . الإسراء:15.


صفحه 360

ب. البراءة، إذا كان الشكّ في الحكم الشرعي ولم يكن هناك حالة سابقة بالنسبة إليه.

ج. قاعدة الاشتغال، عند الشكّ في المكلّف به مع إمكان الاحتياط.

د. التخيير، فيما إذا لم يمكن الاحتياط.

إنّ بعض هذه القواعد وإن كان يتواجد في أُصول الآخرين ولكن بيان أحكام القاطع والظان والشاك بهذا المنوال من خصائص أُصول الإمامية.

7. أدلّة اجتهادية وأُصول عملية

إنّ تقسيم ما يحتجّ به المستنبط إلى دليل اجتهادي، وأصل عملي من خصائص أُصول الفقه عند الإمامية، لأنّ ما يحتجّ به المجتهد ينقسم إلى قسمين:

أ. ما جُعِلَ حجّة لأجل كون الدليل بطبعه طريقاً ومرآة إلى الواقع، وإن لم يكن طريقاً قطعياً بشكل كامل، وهذا كالعمل بقول الثقة والبيّنة وأهل الخبرة وغير ذلك، فإنّها حجج شرعية لأجل كونها مرايا للواقع وتسمّى بالأدلّة الاجتهادية.

وهذا بخلاف الأُصول العملية كالاستصحاب، والبراءة، والتخيير، والاشتغال، فالمجتهد وإن كان يحتج بها، ولكن لا بما أنّها طرق إلى الواقع ومرايا له، وإنّما يحتجّ بها لأجل الضرورة ورفع الحيرة، حيث انتهى المستنبط إلى طريق مسدود.

و يترتّب على ذلك تقدم الدليل الاجتهادي على الأصل العملي، فلا يحتج بأصل البراءة مع وجود الدليل كقول الثقة على وجوب الشيء أو حرمته، ولا بالاستصحاب إذا كان هناك دليل اجتهادي كالبيّنة على ارتفاع المستصحب.


صفحه 361

وبذلك يظهر الخلط بين كلمات الفقهاء فلم يميّزوا بين الأدلّة الاجتهادية والأُصول العملية فربّما جعلوا الأصل معارضاً للدليل الاجتهادي.

8. تقديم أحد الدليلين على الآخر بملاكات

لا شكّ أنّ بعض الأدلّة يتقدّم على الآخر ولكن المذكور في كلمات الأُصوليين ملاك واحد، وهو أنّ المخصص يتقدّم على العام، وربّما يضاف إليه تقدّم الناسخ على المنسوخ، وهذا ممّا لا ريب فيه، ولكن هناك موجبات أُخرى توجب تقدّم أحد الدليلين الاجتهاديين على الآخر، وهي عبارة عن العنوانين التاليين:

أ. كون الدليل حاكماً على دليل آخر.

ب. كونه وارداً على الآخر.

أمّا الحاكم فهو عبارة عن: أن يكون لسان أحد الدليلين بالنسبة إلى الدليل الآخر لسان التفسير فيقدّم المفسِّـر على المفسَّـر، مثلاً: قال سبحانه: (يا أَيُّها الذينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة فاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ وَأَيديكُمْ إِلى الْمَرافِق)(1)، فالآية صريحة في الطهارة المائية وأنّ شرط صحة الصلاة هو تحصيل الطهارة المائية قبلها.

وإذا قيس قوله: «التراب أحد الطهورين يكفيك عشر سنين» إلى الآية، يأخذ لنفسه طابَع التفسير ويوسّع الشرط اللازم تحصيله قبل الصلاة، فتكون النتيجة شرطية مطلق الطهارة: المائية والترابية، غاية الأمر أنّ الاجتزاء بالثانية رهن فقدان الأُولى.

ونظير ذلك قوله: «الطواف بالبيت صلاة فيستدلّ به على وجوب تحصيل


1 . المائدة:6.


صفحه 362

الطهارة قبل الطواف، وذلك لأنّ الدليل الثاني يجعل الطواف من مصاديق الصلاة ادّعاءً و تشريعاً فيكون الطواف محكوماً بالصلاة من أحكام.

وأمّا الوارد فهو أن يكون أحد الدليلين مزيلاً ورافعاً لموضوع الدليل الآخر، وهذا نظير قول الثقة بالنسبة إلى أصل البراءة العقلية، فإنّ موضوع البراءة هو قبح العقاب بلابيان، أي بلا بيان من الشارع، فإذا أخبر الشارع بحجّية قول الثقة فيكون قوله في مورد الشك بياناً من الشارع، فيكون رافعاً له.

9. تقدّم الأصل السببي على المسببي

كثيراً ما يتصوّر أنّ أحد الأصلين معارض للأصل الآخر، وهذا صحيح إذا كان الأصلان في درجة ورتبة واحدة، وأمّا إذا كان أحد الأصلين متقدّماً رتبة على الآخر وكان الأخذ بأحدهما رافعاً للشكّ في الجانب الآخر فيؤخذ بالمتقدّم ويطرح الآخر، وملاك التقدّم هو كون الشكّ في أحد الأصلين ناشئاً عن الشكّ في الأصل الآخر، فإذا عملنا بالأصل في جانب السبب يرتفع الشك عن الجانب المسبب حقيقة، ولنذكر مثالاً:

إذا كان هناك ماء طاهر شككنا في طروء النجاسة عليه، ثمّ غسلنا به الثوب النجس قطعاً، فربّما يتصوّر تعارض الأصلين، فإنّ مقتضى استصحاب طهارة الماء هو كون الثوب المغسول به طاهراً، ومقتضى استصحاب نجاسة الثوب كون الماء نجساً فيقال: تعارض الاستصحابان.

ولكن الأُصولي الإمامي يقدّم استصحاب طهارة الماء على استصحاب نجاسة الثوب، وذلك لأنّ الشكّ في بقاء نجاسة الثوب بعد الغسل بالماء، نابع عن كون الماء طاهراً وعدمه، فإذا قلنا بحكم الشارع: «لا تنقض اليقين


صفحه 363

بالشكّ» بطهارة الماء وقال إنّه طاهر، فيزول الشك في جانب الثاني ويحكم عليه بالطهارة، وذلك لأنّ كلّ نجس، غسل بماء محكوم بالطهارة فهو طاهر.

ومن هنا ينفتح أمام الفقيه باب واسع لرفع التعارض بين الأُصول العملية.

10. الأقل والأكثر والشكّ في المحصّل

إذا تعلّق الحكم الشرعي بمركب ذي أجزاء، وشككنا في قلّة أجزائه وكثرته، كما إذا شككنا في أنّ الجلسة بعد السجدتين واجبة أو مستحبة، فالمرجع هو البراءة عن وجوبها، لأنّ الأجزاء الباقية معلومة الوجوب وهذا الجزء مشكوك وجوبه، فيرجع فيه إلى أصل البراءة، أخذاً بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي مالا يعلمون» حيث إنّ وجوب هذا الجزء ممّا لا يُعلم.

وهذا ما يعبّر عنه في مصطلح الأُصوليّين من الإمامية «بالأقل والأكثر الارتباطيين».

ولكنّهم استثنوا صورة أُخرى ربّما تسمّى بالشكّ في المحصّل تارة، والشكّ بالسقوط ثانياً، ومورده ما إذا كان المكلّف به أمراً بسيطاً لا كثرة فيه، ولكن محقَّقه ومحصّله في الخارج كان كثيراً ذا أجزاء، فشككنا في جزئية شيء لمحصِّله وعدمه، مثلاً لو قلنا بأنّ الطهور في قوله: «لا صلاة إلاّ بطهور» اسم للطهارة النفسانية الحاصلة للنفس الإنسانية لا للغسلات والمسحات، ولكن نشكّ في جزئية شيء كالمضمضة والاستنشاق وعدمه للمحصِّل، فيحكم هنا بالاشتغال ولزوم ضم الاستنشاق أو المضمضة إلى الوضوء، وذلك لأنّ المحصِّل وإن كان مركّباً ذا أجزاء منحلاً إلى ما علم وجوبه كالغسلات والمسحات وإلى ما شكّ في وجوبه كالمضمضة والاستنشاق، وهو في حدّ نفسه قابل لإجراء البراءة عن وجوده، ولكن


صفحه 364

بما أنّ تعلّق الوجوب بالطهور بمعنى الطهارة النفسانية وهو أمر بسيط لا يتجزأ ولا يتكثر، فلا تقع مجرى للبراءة، بل العقل يبعث المكلّف إلى تحصيلها بالقطع والجزم، لأنّ الاشتغال اليقيني بهذا الأمر البسيط يقتضي البراءة اليقينية، ولا تحصل البراءة القطعية إلاّ بضمّ الاستنشاق والمضمضة إلى سائر الواجبات والإتيان بهما رجاءً واحتمالاً.

هذه نماذج من التطبيقات التي قدمتها لحضراتكم وهناك أُمور أُخرى لها تأثير خاص في استنباط الأحكام ومذكورة في كتبهم.

غفر اللّه لعلمائنا الماضين وحفظ اللّه الباقين منهم


صفحه 365

4

الفلسفة الإسلامية

بعد ابن رشد(520ـ595هـ)(1)

الفلسفة ـ بمعنى البحث عن الوجود المطلق وأقسامه وسننه ـ قرينة الإنسان المفكّر سواء أكان شرقياً أم غربياً، صينيّاً أم إفريقياً، فتخصيص مكان معين لتولّدها فكرة خاطئة. فمنذ كان الإنسان يفكّر ويعي، يبحث ويستطلع، وقع عالم الوجود، مرتعاً لتفكيره وتأملاته.

فالإنسان منذ أن عرف يمينه من يساره، مازال يفكر في أُمور ثلاثة:

أ. من أين جئتُ؟

ب. لماذا جئتُ؟

ج. وإلى أين أذهبُ؟

وقد أخذت هذه المسائل ونظائرها تطَّرد وتتكامل عبر القرون، بتكامل الإنسان ونمو فكره.


1 . أُلقيت في كلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة محمد الخامس في الرباط2/1/1425.


صفحه 366

وممّا لا شكّ فيه أنّ مناطق خاصة ـ لأجل ظروف توفرت فيها ـ صارت مهداً لنضوج المسائل الفلسفية حتّى توالت فيها تيارات فكرية مختلفة، فمن صينية إلى إغريقية، ومن هندوسية إلى فهلوية، إلى غير ذلك من المشارب والمسالك.

لم يزل تاريخ الثقافة البشرية يحتفل برجال كبار من فلاسفة و علماء، وكلتا الطائفتين تشتركان في بذل الجهود لفهم أسرار الكون وحلّ مشاكله غير أنّ هناك فارقاً واضحاً بينهما، وهو أنّ الفيلسوف يجعل الوجود محوراً لبحثه من دون أن يخصص دراسته بموضوع دون موضوع، بخلاف الآخر فإنّه يأخذ جزءاً من الكون للبحث والتحليل. مثلاً انّ الأوّل يبحث عن النظام السائد على صحيفة الوجود، سواء أكان مجرداً أم مادياً، عرضاً أم جوهراً، وبكلمة جامعة يتخذ الوجود موضوعاً ... والآخر يبذل جهوده لتحليل جزء من الكون دون جميعه، فالعدد هو مصب اهتمام الرياضي كما أنّ النجوم والكواكب هي ساحة عمل الفلكي إلى غير ذلك من العلوم.

وبذلك ظهر الفرق بين الفلسفة والعلم، وإن أردت مزيد توضيح فنقول: الفلسفة تتّخذ الوجود المطلق موضوعاً للبحث، فتبحث عن تعييناته ككونه واجباً أو ممكناً مجرداً أو مادياً، عرضاً أو جوهراً، كماً أو كيفاً، واحداً أو كثيراً، حادثاً أو قديماً، علّة أو معلولاً، كلياً أو جزئياً، هذا هو شأن الفلسفة; وأمّا العلم فهو يبحث عن أحكام موضوعات خاصة والتي كانت محمولات في تقسيم الوجود.

ولذلك عرّفوا الفلسفة بتعاريف، كلّها ترمي إلى هدف واحد:

1. خروج النفس إلى كمالها في جانبي العلم والعمل.

2. العلم بأحوال أعيان الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر


صفحه 367

الطاقة البشرية.

3. استكمال النفس الإنسانية بمعرفة الحقائق، الحكم بوجودها تحقيقاً بالبراهين لا أخذاً بالظن والتقليد بقدر الوسع الإنساني.

4. نظم العالم نظماً عقلياً حسب الطاقة البشرية لغاية التشبّه بالباري تعالى.

5. صيرورة الإنسان عالماً عقلياً مضاهياً للعالم العيني لا في المادة، بل في صورته وهيئته.

وأين هذه التعاريف من عالم رياضي بذل جهوده في فهم ما للعدد من الآثار والعوارض؟! وأين هو أيضاً من العالم الفيزيائي الذي أفنى عمره في فهم ما للفلز من الخصائص والمواصفات؟!

وفي ضوء هذا الفرق بين العلم والفلسفة وبالتالي بين الفيلسوف والعالم، تتميز مسائل الفنّين بجوهرهما فلا يختلط أحدهما بالآخر.

مثلاً: قولنا الفلز يتمدّد بالحرارة من قوانين الفيزياء وليس بحثاً فلسفياً، بخلاف قولنا: كلّ ممكن يحتاج إلى علّة. كما أنّ القول بأنّ زوايا المثلث تساوي قائمتين مسألة رياضية، وأين هو من قول الفيلسوف بأنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد؟

حاجة العلوم إلى الفلسفة

وبهذا ظهرت حاجة العلوم إلى الفلسفة، لأنّ موضوعات العلوم التي يبحث فيها عن عوارضها، هي مسائل فلسفية فما لم يثبت في الفلسفة انقسام الوجود إلى


صفحه 368

مجرد ومادّة، والمادة إلى جوهر وعرض، والعرض إلى كم وكيف، لم يتسنّ للباحث الرياضي دراسة أحكام الكم المنفصل كالأعداد، أو دراسة أحكام الكم المتصل كالسطوح في الهندسة السطحية.

هذا إلمام إجمالي بتفسير الفلسفة أوّلاً ، والفرق بينها و بين العلوم ثانياً، وحاجة الأخيرة إلى الفلسفة ثالثاً.

لكن الذي نتوخّاه في هذا المقام هو النظرة إلى الفلسفة الإسلامية إلى ظهور ابن رشد وتكاملها بعده بيد الآخرين، وهو الأمر الذي أهمله كُتّابُ تاريخ الفلسفة، فقد تصوّروا أنّ حركة الفلسفة الإسلامية قد توقّفت بموت ابن رشد وتعرقلت خطاها، وهذا هو الذي اشتهر بين المستشرقين، وأخذه عنهم بعضُ كُتّاب المسلمين الجدد كحقيقة راهنة، دون أن يتعمّقوا في دراستها.

فقد ذهب ت. ج. دي بور الأُستاذ في جامعة امستردام في كتابه «تاريخ الفلسفة في الإسلام» ، والدكتور محمد عبدالهادي أبو ريده أُستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الكويت في تعليقه على الكتاب المذكور (بعد أن نقله إلى العربية)، ذهبا إلى تعرقل عجلة الفلسفة بموت ابن رشد، حيث تمّ استعراض حياة عدد من فلاسفة الإسلام الذين اقتفوا منهج أرسطو متأثرين بالإفلاطونية، ومنهم:

الكندي فقد بحث في حياته وموقفه من علم الكلام والرياضيات وآرائه حول اللّه، وحول العالم، والنفس والعقل.

ثمّ تعرّض بعده لحياة الفارابي وموقفه إزاء أفلاطون وأرسطو وفلسفته والمنطق الذي كان يعتمد عليه وآرائه حول العالم العلوي والسفلي والنفس الإنسانية والأخلاق والسياسة والحياة الآخرة.


صفحه 369

ثمّ ذكر أبا علي بن مسكويه(المتوفّى عام 420هـ) وبيّن آراءه في ماهية النفس والأخلاق، ثمّ انتقل إلى ذكر حياة ابن سينا(المتوفّى عام 425هـ) وجهوده في الفلسفة والمنطق والإلهيات والطبيعيات. ثمّ ذكر ابن الهيثم وحياته ومؤلّفاته.

ثمّ إنّ المؤلف جعل عنوان الباب الخامس «نهاية الفلسفة في المشرق»، ولذلك أورد فيه الغزالي باعتبار أنّ موقفه بالنسبة إلى الفلسفة كان موقفاً سلبياً، وكأنّه يشير إلى انتهاء دور الفلسفة في الشرق الإسلامي ثمّ يرجع إلى الفلسفة في الغرب الإسلامي، فيذكر ابن باجة وآراءه في المنطق وماوراء الطبيعة، كما يذكر ابن طُفَيْل القيسي ، ففي الفصل الرابع يستعرض حياة ابن رشد وآراءه في الجسم والعقل وغير ذلك، وكأنّ ابن رشد كان آخر ناصر للفلسفة الإسلامية حيث تولّدعام 520وتوفّي في 595هـ، و ليس بعد ذلك شيء ولا قرية وراء عبادان!!

وهذا بعين الحق بخس لتاريخ الفلسفة الإسلامية في المشرق الإسلامي، فقد ظهر ـ بعد رحيل ابن رشد ـ رجالات كبار تكاملت الفلسفة الإسلامية بأيديهم ووصلت إلى القمة وحفلت بذكرهم كتب التراجم والمعاجم، وها نحن نذكر أسماءهم ونشير إلى مواقفهم إشارة عابرة، ونقتصر على أسماء كبار الفلاسفة إلى نهاية القرن العاشر أو شيء قليل بعده ونحيل التفصيل إلى كتب المعاجم.

1. سديد الدين الحمصي الرازي (المتوفّى 585تقديراً) :من آثاره التعليق الوافي الكبير، والمنقذ من التقليد، والمرشد إلى التوحيد، إلى غير ذلك من الآثار.

2. نصير الدين الطوسي (المتوفّى 672هـ): هو من الأدمغة الكبيرة العالمية، ومن العباقرة الذين لم تلد الدنيا منهم إلاّ القليل في العلم والفلسفة والفلكيات والرياضيات وغيرها. هو (كما يقول الأُستاذ طوقان:) أحد الأفذاذ القليلين الذين ظهروا في القرن السادس للهجرة، وأحد حكماء الإسلام، المشار إليهم بالبنان.


صفحه 370

ومن آثاره: شرح الإشارات لابن سينا، تجريد الاعتقاد، التذكرة في علم الهيئة، اختيارات المهمات، اختبارات النجوم، وغيرها.

وله دور في حفظ الثقافة الإسلامية من تطاول المغول.

3. كمال الدين البحراني ميثم بن علي بن ميثم البحراني(المتوفّى سنة 699هـ): من أكبر رجالات الفلسفة والكلام والعرفان في عصره، يصفه السيد علي خان المدني في (السلافة) بقوله: بأنّه الفيلسوف الحكيم، وانّه يشهد له بالتفوّق كلّ من الشريف الجرجاني وصدر الدين الشيرازي، الذي أكثر النقل عنه في حاشية شرح التجريد، وخاصة في مباحث الجواهر والأعراض.

ومن آثاره شرح نهج البلاغة، وفيه من المباحث الفلسفية والعرفانية الشيء الكثير، وغير ذلك من التأليفات.

4. العلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف بن المطهر(المتوفّى عام 726هـ): ولد في بيت عريق بالعلم والدين، ومن أُسرة عربية صحيحة، وفي جوّ فيه حركة علمية عارمة، درس العلوم العقلية والفلسفية عند الفيلسوف نصير الدين الطوسي.

ومن كتبه الفلسفية: نهاية المرام، وكشف الغطاء من كتاب الشفاء لابن سينا في الفلسفة، القواعد والمقاصد في المنطق، الطبيعي، والإلهي، إلى غير ذلك من الآثار.

5. قطب الدين أبو جعفر محمد بن محمد الرازي (الذي توفّي في دمشق عام 766هـ): وهو من أئمّة المنطق والفلسفة وغيرهما. ومن أشهر من ظهر في القرن الثامن من العلماء، واشتهر بشرحه على كتاب «الشمسية» وعلى كتاب «المطالع» في المنطق، كما اشتهر بكتابه (المحاكمات) بين شارحي (الإشارات) في الفلسفة


صفحه 371

والشرحان هما: لنصير الدين الطوسي والإمام فخر الدين الرازي.

6. غياث الدين الشيرازي الأمير منصور بن صدر الدين الشيرازي الحسين الدشتكي، توفّي في شيراز عام 941هـ.

وهو من العلماء الذين ظهروا في القرن العاشر الهجري واشتهر بالفلسفة والكلام والمنطق والفلك والرياضيات وغيرها، ومن الذين خلفوا آثاراً قيمة، ومؤلّفات عديدة في أنواع المعرفة.

7. الداماد، السيد محمد باقر الحسيني الاسترآبادي المعروف بالداماد (المتوفّـى 1040هـ): شخصية علمية مرموقة في جوانب الفلسفة والمنطق، وقد تخرج على يديه جملة من الفلاسفة الكبار، منهم:

الفيلسوف صدر المتألّهين الشيرازي صاحب الأسفار.

والفيلسوف عبد الرزاق اللاهيجي.

والحكيم ملا محسن الفيض الكاشاني.

ومن آثاره: القبسات، الصراط المستقيم، الحبل المتين، كتاب خلسة الملكوت، تقويم الإيمان، الأُفق المبين....

8. صدر الدين الشيرازي محمد بن إبراهيم المعروف بصدر المتألّهين(المتوفّى عام 1050هـ): أعظم فيلسوف إسلامي ظهر في القرن الحادي عشر للهجرة، وأكبر حكيم إشراقي، أوضح طرق الفلسفة الإشراقية، والمشائيّة ، وأزال كثيراً من الفروق الماثلة بين الفلسفتين. وأسّس فلسفة اشتهرت بالحكمة المتعالية .وإليك شيئاً من خصائصها وأفكارها الابكار.

1. وإنّ من أياديه على أبناء الفلسفة أنّه أتى بنظام بديع في المسائل


صفحه 372

الفلسفية، فقدّم ما حقّه التقديم وأخّر ما حقّه التأخير، فأصبحت المسائل الفلسفية، كالمسائل الرياضية يستمد البحث الثاني من ماضيه.

2. ولقد توفّق(رحمه الله) كل التوفيق في الجمع بين الآراء الباقية من أفلاطون (مؤسّس مدرسة الإشراق) وتلميذه الجليل أرسطو (مبتكر منهج المشاء) وكان الأوّل من المعلمين داعياً إلى تهذيب النفس وتصفية الباطن، قائلاً بأنّ الطريق الوحيد إلى اقتناص شوارد الحقائق واكتشاف دقائق الكون هو هذا المنهج ليس غير، وكان الثاني منهما مخالفاً له في أساس منهجه، قائلاً بأنّ الدليل للوصول إلى الحقائق المكنونة، والدقائق المجهولة، هو التفكير والاستدلال والبرهنة الصحيحة، فكان يخطو على ضوء البرهان العقلي من مقدمة إلى أُخرى، إلى أن يصل إلى الحقيقة التي يتوخّاها بسيره النظري.

ولم يزل التشاجر قائماً على ساقيه بين العلمين وأتباعهما في اليونان والاسكندرية وأوربا في القرون الوسطى، إلى أن سرى هذا الاختلاف إلى الفلاسفة الإسلاميين، وهم بين مشائي لا يقيم للإشراق وزناً، وإشراقي لا يجنح إلى فلسفة المشاء.

وقد قضى مؤسّسنا الشيرازي على هذا التشاجر والنقاش الذي أشغل أعمار الفلاسفة من الأغارقة والمسلمين طوال هذه القرون والأجيال البالغة إلى ألفي سنة، فختم بأفكاره وأسلوبه، ونهجه، على هذه المناظرات، ومن كان له إلمام بأساسه الرصين يعرف كيف رفع هذا المبتكر الفذّ تلك المشاجرات، وكيف ألغى بالأُصول المحرّرة تقابل المسلكين، وتضاربهما، بحيث لا يكاد يصحّ بعد هذه الأُصول أن يعد أحدهما مقابلاً للآخر.

3. و إنّه قد حاز قصب السبق في ميدان الابتكار على فلاسفة الأغارقة من


صفحه 373

اليونانيين، وأُمّة كبيرة من المسلمين، فجاء بأفكار عالية جديدة على عهده لا توجد في زبر الأوّلين ولا في خواطر الآخرين، وضمّ إلى تلك الأنظار نتائج جهود أُمّة كبيرة من الأُمّة الإسلامية وخلاصة دروسهم العالية ومحاضراتهم القيّمة، ولباب مجاهداتهم طوال القرون الثمانية منذ ظهور الفلسفة في البيئات الإسلامية إلى عصر المؤسّس.

إنّ الأُصول التي اعتمد عليها الفيلسوف الشيرازي في صياغة فلسفته والتي أوجدت تحوّلاً جذرياً في الفلسفة أسفرت عن نتائج باهرة في حقل العقائد، وهي كالتالي:

1. أصالة الوجود.

2. اشتراك الوجود.

3. اتّحاد جوهر العاقل والمعقول.

4. بسيط الحقيقة كلّ الأشياء.

5. الحركة الجوهرية.

6. فعلية كلّ مركب بصورته لا بمادته.

7. النفس جسمانية الحدوث روحانية البقاء.

8. اتّحاد العلّة مع المعلول بالحمل الحقيقي والرقيقي.

9. النفس في وحدتها كلّ القوى.

10. انّ العلم لا جوهر ولا عرض وإنّما هو نحو من الوجود.


صفحه 374

آثاره ومؤلفاته

لسيدنا صدر المتألهين آثار ومؤلفات نشير إلى عناوينها :

1. الأسفار الأربعة: وربّما يطلق عليها: الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية، وهذا الكتاب هو المرجع لباقي مؤلفاته لا سيما : كتابيه المبدأ والمعاد، والمشاعر، وقد طبع في إيران على الحجر في أربعة مجلّدات كبار سنة 1282هـ، يقع مجموعها في 926 صفحة بالقطع الكبير، وعلى الأجزاء الثلاثة تعاليق المحقّق السبزواري، والأسفار جمع سفر ـ بفتح السين والفاء ـ ويراد به السياحة العقليّة الأربعة التي نوّه إليها في مقدّمة الكتاب، وهي:

الأوّل: السفر من الخلق إلى الخلق.

الثانـي: السفر بالحقّ في الحقّ.

الثالث: السفر من الحقّ إلى الخلق بالحقّ.

الرابـع: السفر بالحقّ في الخلق.

وقد أُعيد طبعه بصف جديد في تسعة أجزاء عام 1384هـ مزيّناً بتعليقات المحقّق السبزواري وأُستاذنا الكبير السيد محمد حسين الطباطبائي (1321ـ 1402هـ)، وعليها تقديم بقلم الشيخ العلاّمة محمد رضا المظفر.

2. المبدأ والمعاد: طبع عام 1314هـ وهو في الفنّين: الربوبيات والمعاد، جمع فيه بين مسلكي أهل البحث والعرفان.

3. الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية: لخّص فيه آراءه في المسائل الحكمية، طبع عام 1286هـ.

4. المشاعر: طبع عام 1315هـ وفيه حصيلة ما أسّسه من الأُصول في


صفحه 375

الفلسفة.

5. الحكمة العرشية على الطريقة العرفانية: طبع مع المشاعر.

6. أسرار الآيات وأنوار البيّنات في معرفة أسرار آيات اللّه تعالى وصنائعه وحكمه على الطريقة العرفانية مع تطبيق الآيات القرآنية على أكثر، بحوثه مرتّبة على مقدّمة وثلاثة أطراف كلّ طرف ذو مشاهد، الطرف الأوّل في علم الربوبية، والثاني في أفعاله تعالى، والثالث في المعاد، طبعت في إيران مكرراً.

7. شرح الهداية الأثيرية:طبع عام 1313هـ.

8. شرح إلهيات الشفاء: نهج فيه منهج المتن، طبع بالقطع الكبير عام 1303 هـ مع إلهيات الشفاء في مجلّد واحد.

9. رسالة الحدوث: رسالة مبسوطة في مسألة حدوث العالم، طبع عام 1302هـ.

10. كتاب مفاتيح الغيب: طبع مع شرح أُصول الكافي.

إلى غير ذلك من الآثار والمؤلّفات إلى أن لقى ربّه في سفره إلى الحجّ، ودفن في مقابر النجف الأشرف.

يصفه السيد حسين البروجردي في أُرجوزته الرجالية بقوله:

ثمّ ابن إبراهيم صدر الأجلّ *** في سفر الحجّ مريضاً ارتحل

قدوة أهل العلم والصفاء *** يروي عن الداماد والبهائي


صفحه 376

صفحه 377

5

الفقه الإسلامي

و

أدواره التاريخية(1)

التشريع الإسلامي ثمرة ناضجة لجهود العلماء عبر القرون من عصر الصحابة إلى يومنا هذا، وقد مرّ الفقه الإسلامي بأدوار مختلفة يمكن تلخيصها فيما يلي:

1. الدور الأوّل: عصر الصحابة والتابعين

امتدّ هذا الدور من رحلة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أوائل القرن الثاني، وكان الصحابة والتابعون فيه يصدرون عن الكتاب والسنّة، وإذا لم يجدوا حلولاً شرعية للحوادث المستجدة اجتهدوا في حلول مناسبة، صارت فيما بعد النواة الأُولى لنموّ الفقه وتكامله.

2. الدور الثاني: عصر ظهور المذاهب الفقهية

أثمرت الجهود المضنية في هذا الدور عن تأسيس مذاهب فقهيّة اتّسم كلّ


1 . أُلقيت في آكادمية العلوم المغربية في الرباط في 3 / 1 / 1425 هـ . ق .


صفحه 378

منها بأُسلوب خاص، وقدكتب لبعضها البقاء إلى يومنا هذا.

وقد استمرّ هذا الدور إلى نهاية القرن الثالث وشيئاً من الرابع.

3. الدور الثالث : عصر التخريج والتفريع

لمّا ظهرت المذاهب الفقهية في العراق والشام ومصر وغيرها، وحظي بعضها بانتشار واسع، كرّس خريجو هذه المذاهب جهودَهم للتخريج والتفريع إلى حدّ لم يكن له مثيل في العصور السابقة. وأُلّفت في هذه الفترة موسوعات فقهية تحمل ذلك الطابعَ .

فمن الأحناف: أبو بكر الجصّاص صاحب تفسير آيات الأحكام(المتوفّى عام 370هـ)، وأبو الحسن القدوري البغدادي(المتوفّى428هـ) صاحب كتاب التجريد وهو يشتمل على الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي.

ومن المالكية: أبو الوليد محمد بن رشد القرطبي زعيم فقهاء وقته بالأندلس والمغرب(المتوفّى سنة 520هـ)، والقاضي أبو الفضل عباس بن موسى(المتوفّى سنة 541هـ) له كتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك.

ومن الشافعية: القاضي أبو حامد المروزي صاحب كتاب الجامع وشرح مختصر المزني (المتوفّى عام 363هـ)، وأبو المعالي عبد الملك بن عبد اللّه الجويني(المتوفّى عام 478هـ) مؤلف النهاية في الفقه، والبرهان.

ومن الحنابلة: أبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي(المتوفّى عام 431هـ) مؤلف الفصول المسمى بـ«كفاية المفتي» ، ومحمد بن عبد اللّه السامري(المتوفّى عام 616هـ) مؤلف «المستوعب» .


صفحه 379

إلى غير ذلك من أعلام وفطاحل وأقطاب في الفقه، وكلّ برع في التخريج على مذهب إمامه.

4. الدور الرابع: عصر الجمود والانحطاط

بدأ هذا الدور أواسط القرن السابع عقب إقفال باب الاجتهاد وحصر المذاهب الفقهيّة في الأربعة المعروفة.

يقول العلاّمة المقريزي وهو يصف هذا الوضع المأساويّ : فاستمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 665هـ، حتّى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة، وعودي من تمذهب بغيرها، وأنكر عليه، ولم يولَّ قاض ولا قبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلّداً لأحد هذه المذاهب، وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتّباع هذه المذاهب وتحريم ماعداها، والعمل على هذا إلى اليوم.(1)

فقد أخذ الفقه في هذا الدور بالضمور والجمود والاكتفاء بنقل ما كان موجوداً في الكتب الفقهية للمذاهب دونما مناقشة، وكانت وظيفة الفقيه تدريس المتون الفقهية والتحشية والتعليق عليها، دون أن يخرج عن إطار المذهب الذي ينتحله، وقد استمر هذا الدور إلى أواخر القرن الثالث عشر.

ويصف الأُستاذ مصطفى أحمد الزرقاء القرن السابع ومابعده، بقوله: في هذا الدور أخذ الفقه بالانحطاط، فقد بدأ في أوائله بالركود وانتهى في أواخره إلى الجمود، وقد ساد في هذا العصر الفكر التقليدي المغلق وانصرفت الأفكار عن تلمّس العلل والمقاصد الشرعية في فقه الأحكام إلى الحفظ الجاف


1 . الخطط المقريزية:2/344.


صفحه 380

والاكتفاء بتقبل كلّ ما في الكتب المذهبية دون مناقشة، وطفق يتضاءل وينضب ذلك النشاط الذي كان لحركة التخريج والترجيح والتنظيم في فقه المذاهب، وأصبح مريد الفقه يدرس كتاب فقيه معين من رجال مذهبه فلا ينظر إلى الشريعة وفقهها إلاّ من خلال سطوره بعد أن كان مريد الفقه قبلاً يدرس القرآن والسنّة وأُصول الشرع ومقاصده. وقد أصبحت المؤلّفات الفقهية ـ إلاّ القليل ـ أواخر هذا العصر اقتصاراً لما وجد من المؤلفات السابقة أو شرحاً له فانحصر العمل الفقهي في ترديد ما سبق ودراسة الألفاظ وحفظها وفي أواخر هذا الدور حل الفكر العامي محل الفكر العلمي لدى كثير من متأخّري رجال المذاهب الفقهية.(1)

إنّ إقفال باب الاجتهاد في أواسط القرن السابع ليس معناه انّ المجتمع الإسلامي قد خلا من أي مجتهد مطلق، وإنّما المراد أنّ الطابع السائد على المجتمع الإسلامي هو تقليد الفقهاء الأربعة، وإلاّ فقد وجد خلال هذه القرون من اتّسم اجتهاده بالاجتهاد المطلق، مثل:

1. تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي، القاضي السبكي (683ـ 756هـ).

2. عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي، القاضي السبكي(727ـ 771هـ).

3. أحمد بن علي بن حجر العسقلاني(773ـ 852هـ).

4. جلال الدين السيوطي (848ـ 911هـ).


1 . المدخل الفقهي العام:1/197ـ 198.


صفحه 381

5. شيخ الإسلام أبي يحيى زكريا بن محمد الأنصاري(823ـ 926هـ).

6. أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي(909ـ 974هـ).

5. الدور الخامس :عصر عودة النشاط الفقهي

لقد كان للحضارة والتقدّم الصناعي الذي ارتجّت بها البلدان الأُوروبية وتأثّر بها الشرق، خصوصاً فيما يرجع إلى العلاقات الاجتماعية والسياسية، بل الأحوال الشخصية، فواجه المجتمع الإسلامي مسائل مستجدة لم يكن لها مثيل أو سابقة في المذاهب والكتب المدوّنة، وهذا ما دعا بعض الفقهاء إلى تجديد نشاطهم وخلع ثوب الركود عن أنفسهم بفتح فروع فقهية في الجامعات والمؤسسات التعليمية وعقد المؤتمرات. وكان من ثمرات ذلك أنّ اللجنة الفقهية في الدولة العثمانية أصدرت في سنة 1286هـ مجلة الأحكام العدلية بصفة قانون مدني عام من الفقه الحنفي، وقسّمتها إلى كتب وكلّ كتاب إلى أبواب أوّلها البيوع وآخرها القضاء، وكان هذا هو النواة الأُولى لتطوير الفقه في هذا العصر ومابعده، وتبعه إنشاء المجامع الفقهية ومجالس الإفتاء وقيام العلماء بالاجتهاد في المسائل المستحدثة والوقائع الجديدة، التي تشمل موضوعات متعدّدة مثل: التأمين، والشركات، والأسهم، وزكاة الأسهم، وأطفال الأنابيب، وموت الدماغ، والتشريح، وقامت الدعوة إلى الاجتهاد الجماعي مقام الاجتهاد الفردي.

إلى هنا خرجنا ببيان الأدوار التي مر بها الفقه السنّي بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا.

وأمّا الأدوار التي مرّ بها الفقه الشيعي فالحديث فيها ذو شجون، وقد ألّفتُ


صفحه 382

في هذا الموضوع كتاباً خاصاً باسم «أدوار الفقه الإمامي» وهو مطبوع ومنتشر.

اقتراحات

نحن في هذا الوقت السعيد وأمام أصحاب الفضيلة والأساتذة نقترح أُموراً هامة لعلّها تقع موقع القبول، وإذا كان للأساتذة ملاحظات عليها فنحن على استعداد لسماعها ودراستها، وهي:

1. فتح باب الاجتهاد المطلق

إذا كان الاجتهاد هو بذل الجهد في استنباط الأحكام عن أدلّته الشرعية فهذا لا يختص بزمان دون زمان ولا بفئة دون فئة، وليس فهم الكتاب والسنّة ممّا وهبه اللّه سبحانه للسلف دون الخلف، فالكلّ أمام اللّه سواء، فكلّ من بلغ مرتبة يستطيع بها استخراج الحكم الشرعي من أُصوله فعليه العمل بما استنبط ويحرم عليه تقليد الآخرين وإن بلغ المقلَّد ما بلغ من العلم والفقاهة، لأنّه حسب اجتهاده يخطّئ الطرف الآخر، فكيف يمكنه ترك ما يعتقده صحيحاً والأخذ بما يعتقده غير صحيح.

إنّ الاجتهاد المطلق يعطي للدين خلوداً، ولقوانينه دواماً ويجعله صالحاً لعامّة الظروف والبيئات، فهل يصح لنا الإعراض عن استثمار هذه الموهبة الإلهية؟

إنّ الاجتهاد المطلق يجعل النصوص الشرعية حيّة متحرّكة نامية متطورة تتماشى مع نواميس الزمان والمكان، فهل يجوز في منطق العقل ترك هذه الإيجابيات؟! وقد كان المسلمون الأوائل يعملون بفقه الآخرين كالصحابة والتابعين ولم يكن يومذاك أي أثر من المذاهب الأربعة، ولا محيص إلاّ أن نقول: إنّ


صفحه 383

الواجب هو العمل بالأحكام الشرعية والاجتهاد طريق إليها ولا فرق بين طريق وطريق. ونحن نشكره سبحانه ونحمده على تواجد طائفة من العلماء قد تبنّوا في الفترة الأخيرة فتح باب الاجتهاد المطلق والخروج عن نطاق المذاهب المحدودة وقد كتبوا في ذلك رسائل وكتيبات.(1)

وهناك كلمة قيمة لابن قيّم الجوزية أماطت الستر عن وجه الحقيقة، قال:

«لا واجب إلاّ ما أوجبه اللّه ورسوله، ولم يوجب اللّه ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأُمّة فيقلّده دينه دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرّأة مبرأ أهلها من هذه النسبة ـ إلى أن قال: ـ وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأُمّة لم يقل بها أحد من أئمّة الإسلام، وهم أعلى رتبة وأجل قدراً، واعلم باللّه ورسوله من أن يُلزموا الناس بذلك، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة».

2. تدريس الفقه المقارن في الجامعات

بذل فقهاء الإسلام جهداً كبيراً في تنمية بذرة الفقه ورعايتها حتى صارت شجرة طيبة تؤتي أُكلها كلّ حين ، من غير فرق بين فقهاء طائفة و أُخرى، فعلى ضوء ذلك لا محيص من التعاون العلمي واستضاءة كلّ طائفة بما لدى الطوائف الأُخرى. وقد قيل: إنّّ الحقيقة بنت البحث، وهذا المثل السائر يوضّح أنّ الوقوف على الحقيقة وإماطة الستر عن وجهها رهن النقاش العلمي وتبادل الآراء، لأنّ


1 . لاحظ مجلة رسالة الإسلام لجماعة دار التقريب، العدد الأوّل من السنة الخامسة، ودائرة معارف القرن الرابع عشر لفريد وجدي، مادة(جهد)، ولاحظ كتابنامفاهيم القرآن:6/280.


صفحه 384

ذلك أشبه بالتقاء الأسلاك الكهربائية، فكما أنّ الضوء يتفجّر حينما يلتقي قطبي الكهرباء السالب والموجب، فكذلك نور الحقيقة يتّسع أمامنا بشكل أبهج وأنور عند تبادل الأفكار والآراء.

وعلى ضوء ذلك، نقترح دراسة الفقه الإمامي في جامعات المغرب دراسة معمّقة بيد أساتذته، وقد قمنا بتنفيذ هذا الاقتراح في الجمهورية الإسلامية الإيرانية حيث يدرس هناك فقه بعض المذاهب في جامعاتنا جنباً إلى جنب مع الفقه الإمامي.

إنّ الفقه الإمامي يستمد في استنباط الأحكام من الكتاب والسنّة التي وصلت إليهم عن طريق رجال صادقين وعلى رأسهم أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)الذين هم قرناء الكتاب في حديث النبي المتواتر ـ: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا» فالعترة الطاهرة عند الإمامية عيبة علم الرسول وحفظة سنّته .

ففي ظل التعاون الفقهي المقترح يتمكّن فقهاء السنّة من رفد بحوثهم الفقهية بالزاخر الطيب من السنن النبوية الواردة عن طريق أئمّة أهل البيت، وهي ليست بقليلة.

3. الرجوع إلى المجتهد الحي

إنّ فقهاء الإسلام أعلام الهدى و مصابيح الدجى، لا فرق بين من مات منهم، ومن هو حيٌ يُرزق. غير أنّ المجتهد الحي أعرف بالظروف السائدة في المجتمع، وانطلاقاً من قول القائل: «الشاهد يرى ما لا يراه الغائب»، فهو يعرف مقتضيات الزمان والمكان، على نحو لو كان الفقيه الفقيد حاضراً في ذلك الزمان لربما عدل عن رأيه وأفتى بغير ما أفتى به سابقاً، وهذا ما يدفع الفقهاء إلى ترويج


صفحه 385

تقليد المجتهد الحي أو اللجنة الفقهية المتشكّلة من الأحياء.

نعم هذا الاقتراح ربما يكون ثقيلاً على من اعتاد تقليد غير الأحياء ولكنّه ينسجم مع الفطرة الإنسانية التي بُنيت عليها أُسس الدين الإسلامي، و ليس ذلك أمراً بعيداً عن حياة البشر، فإنّ المجتمع في حاجاته يرجع إلى الأطباء والمهندسين الأحياء، لأنّهم أعرف بحاجات العصر وبالدواء والداء.

رحم اللّه الماضين من علمائنا وحفظ اللّه الباقين منهم


صفحه 386

صفحه 387

الفصل الخامس

التراجم

1. المحقّق الكركي

2. عبدالعظيم الحسني


صفحه 388

صفحه 389

1

المحقّق الكركي

رجل العلم والسياسة

العلماء حصون الإسلام وقلاعه المنيعة وعزّ الدين، فلم يزل الدين مصوناً ببيانهم وبنانهم من هجمات الأعداء ودسائس الأغيار.

العلماء هم البدور المنيرة، والمصابيح الزاهرة، والأنجم الساطعة في غياهب الدُّجى ومتاهات البيداء.

العلماء هم الذين ينفون عن الدين تأويل المبطلين وتحريف الغالين وانتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد.

وبالتالي العالم في المجتمع كالشمعة المضيئة، ينير الدرب بإذابة ذاته وشخصه ويعبِّد الطريق للسالكين.

هكذا شأن العلماء ووصفهم. وحياتهم طافحة بالتضيحات وبذل النفس والنفيس في طريق هداية الأُمّة.

وقد زخر تاريخ أُمّتنا المجيدة بعلماء كبار أخذوا على عاتقهم صيانة الشريعة عن الدس والانحراف وهداية المجتمع إلى الحقّ اللباب، وقد بذلوا في سبيل ذلك كلّ ما يملكون حتّى أنّ قسماً منهم خاض غمار الشهادة لغاية حفظ


صفحه 390

الدين.

نعم التاريخ مليء بذكر الحوادث الحلوة والمرة، فالحلوة منها هي حياة العلماء والمصلحين المحنكين الذين تركوا آثاراً ومواقف في بيئتهم وثنايا أُمّتهم.

ولسنا غالين إذا قلنا: إنّ حياة هذه الجماعة هي الّتي تمثل السطور الذهبية للتاريخ، فعلى الناشئة الاهتمام بتراجمهم والوقوف على ما تركوا من بصمات في حياة أُمّتهم.

***

إنّ الزعيم الكبير أُستاذ الفقهاء والمحقّقين الشيخ علي بن عبد العالي الكركي (عليه سحائب الرحمة والرضوان) الّذي نحن بصدد الإشارة إلى جانب من جوانب حياته، أحد هؤلاء الأفذاذ الذين كتبوا صحائف تاريخهم بخدماتهم الجليلة في المجالات المختلفة: العلمية والاجتماعية والسياسية.

وليس هذا من العجب، إذ هو نبغ في أرض خصبة بالعلم والثقافة وعرفت بالصمود والكفاح منذ أمد بعيد، فهو وليد جبل عامل الّذي أطل على العالم بعلمائه ومفكريه وأبطاله ومجاهديه الذين نذروا أنفسهم للحقّ ووقفوا حياتهم على إعلاء كلمة اللّه في الأرض، ولهم في كلّ زمان زعيم يُقتدى به.

لو افترضنا انّ جبل عامل كان جبلاً من ذهب أو فضة أو سائر الأحجار الكريمة لما كان له تلك القيمة الّتي يثمنها التاريخ، وذلك لأنّ الذهب والفضة زهرتا الحياة الدنيا (وَالْبَاقِياتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلا).

وقد شهد غير واحد من المؤرّخين بدوره في ضخّ الأُمّة بالعلماء والفقهاء الأعلام، وهذا هو القاضي الشهيد التستري يقول في «مجالس المؤمنين»:


صفحه 391

ما من قرية هناك إلاّ وقد خرج منها جماعة من علماء الإمامية وفقهائهم.(1)

وقد نقل الشيخ الحر العاملي أنّه سمع من بعض مشايخه:

اجتمع في جنازة في قرية من قرى جبل عامل سبعون مجتهداً في عصر الشهيد وما قاربه.

ثمّ يقول: إنّ عدد علمائهم يقارب خمس عدد علماء المتأخّرين، وكذا مؤلفاتهم بالنسبة إلى مؤلفات الآخرين مع أنّ بلادهم بالنسبة إلى باقي البلدان أقلّ من عُشر العشر، أعني: جزءاً من مائة جزء من البلدان.(2)

وما عساني أقول في بلاد ذكرها الإمام الصادق(عليه السلام) حيث إنّه سئل كيف يكون حال الناس في حال قيام القائم(عليه السلام)، وفي حال غيبته، ومَن أولياؤه وشيعته المصابين منهم، المتمثلين أمر أئمّتهم والمقتفين لآثارهم والآخذين بأقوالهم؟

قال(عليه السلام): «بلدة بالشام».

قيل: يابن رسول اللّه إنّ أعمال الشام متسعة؟ قال: «بلدة بأعمال الشقيف أو تون و بيوت و ربوع تعرف بسواحل البحار وأوطئة الجبال».

قيل يابن رسول اللّه هؤلاء شيعتكم؟ قال(عليه السلام): «هؤلاء شيعتنا حقاً، وهم أنصارنا وإخواننا والمواسون لغريبنا والحافظون لسرنا، واللينة قلوبهم لنا والقاسية قلوبهم على أعدائنا، وهم كسكان السفينة في حال غيبتنا، تمحل البلاد دون بلادهم، ولا يصابون بالصواعق، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويعرفون حقوق اللّه ويساوون بين إخوانهم، أُولئك المرحومون المغفور لحيهم وميتهم


1 . مجالس المؤمنين:31.

2 . أمل الآمل، القسم الأوّل:15.


صفحه 392

وذكرهم وأنثاهم، ولأسودهم وأبيضهم وحرّهم وعبدهم وانّ فيهم رجالاً ينتظرون، واللّه يحبّ المنتظرين».

ثمّ يقول شيخنا الحرّ العاملي بعد نقل هذا الحديث:

وإن لم أجده في كتاب معتمد لكنّه لم يتضمن حكماً شرعياً وهناك قرائن على ثبوت مضمونه والصفات المذكورة صفات أكثرهم وأغلبهم.(1)

العامليون في إيران

حمل لواء الدولة الشيعية في إبّان ظهورها لفيف من علماء جبل عامل الذين لم يدّخروا جهداً في تعزيز كيانها وتقويمها وتثقيفها بالثقافة الشيعية ولولاهم لما كان لها حظّ من الرقي والتقدّم في مجال الدين والثقافة، فأوّل من هاجر إليها الشيخ المحقّق الكركي الذي أُقيم لتكريمه هذا المؤتمر الكبير.

وهو بهذه الهجرة قد فتح الباب للآخرين، فاقتفوا أثره ويمّموا وجهوهم شطر إيران، وإليك أسماء بعض المهاجرين الذين كان لهم دور في تطوير الدولة وتثقيف الشعب الإيراني ونشر الولاء بينهم:

1. الشيخ حسين بن عبد الصمد الجباعي (918ـ 984هـ) والد الشيخ البهائي، هاجر إلى إيران بعد شهادة أُستاذه الشهيد الثاني عام (966هـ)، وعيّن شيخاً للإسلام في قزوين ونُقل إلى مشهد ثمّ إلى هراة ثمّ غادر إيران عام 983هـ إلى البحرين وتوفّي هناك بعد سنة.

2. الشيخ محمد بن الحسين بن عبد الصمد(953ـ 1030هـ) المشتهر ببهاء الدين العاملي، وهو أحد نوابغ العالم فقد عُين شيخاً للإسلام في اصفهان


1 . أمل الآمل:1/16.


صفحه 393

أيّام حكم الشاه عباس الكبير أعظم ملوك الصفوية فأقام فيها منشآت ومساجد ومدارس.

ويشهد على علو كعبه، آثاره ومصنفاته، كما تشهد على تبحره في العرفان، منظومته الّتي يصف فيها الحب الإلهي بقوله:

عشاق جمالك قد غرقوا *** في بحر صفاتك احترقوا

في باب نوالك قد وقفوا *** وبغير صفاتك ما عرفوا(1)

3. الشيخ لطف اللّه بن عبد الكريم الميسي(المتوفّى عام 1032هـ).

حيث بنى له الشاه عباس الكبير المسجد المعروف بمسجد الشيخ لطف اللّه. وهو يعدّ من آثار اصفهان الجميلة.

4. الحرّ العاملي محمد بن الحسن(1030ـ 1104هـ).

المحدّث الإمامي الشهير صاحب وسائل الشيعة، وأحد كبار علماء الإمامية. ولم يزل كتابه «وسائل الشيعـة» مرجعاً للعلماء والفقهاء إلى يومنا هذا.

إلى غير ذلك من فطاحل العلماء الذين كان لهم مواقف مشهودة في تسيير الدولة الصفوية في طريق الكمال.

ولا يظنّ القارئ الكريم انّ عدد المهاجرين يقف على ما ذكرنا، بل انّ عددهم أكثر من ذلك وهذا هو الشيخ جعفر المهاجر«حفظه اللّه» قد ذكر في كتابه «الهجرة العاملية إلى إيران في العصر الصفوي» أسماء سبع وتسعين عالماً


1 . بهاء الدين، شير و شكر:13.


صفحه 394

هاجروا إلى إيران وغذّوا بعلومهم الشعب الإيراني.

وبحقّ أنّ الأُمّة الإيرانية بعامة طبقاتها مرهونة في ولائها وثقافتها الدينيّة لهؤلاء المهاجرين الذين تركوا بلادهم وأوطانهم حبّاً للمبادئ ورغبة في إقامة دولة الحق.

البلاء للولاء

وبما أنّ «البلاء للولاء» فقد شهدت تلك المنطقة ـ منطقة جبل عامل ـ الموالية لأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)اضطهاداً وسياسةً دموية في العهدين: العثماني والفرنسي وقد أُريقت فيها دماءٌ طاهرة وهتكت حرمات كثيرة وقد سبب ذلك مهاجرة لفيف منهم إلى ديار بعيدة.

وهذا هو العالم الشاعر إبراهيم يحيى يصف مظالم «الجزار» وفظائعه على الشيعة في جبل عامل تلك المنطقة الخصبة بالعلم والفضل، وجمال الطبيعة وكانت ولم تزل داراً للشيعة منذ عصور، تلمع كشقيقتها «حلب» في خريطة الشامات، وقد صوّر الشاعر ما جرى عليهم في قصيدته على وجه يدمي الأفئدة والقلوب، وقد هاجر من موطنه إلى دمشق ونظم فيها القصيدة الميميّة نقتطف منها ما يلي:

يعزّ علينا أن نروحَ ومصرنا *** لفرعونَ مغنى يصطفيه ومغنم

منازلُ أهل العدل منهم خليّة *** وفيها لأهل الجور جيش عرمرم

وعاثت يدُ الأيام فينا ومجدنا *** وبالرغم مني أن أقول مهدَّم

ولستَ ترى إلاّ قتيلاً وهارباً *** سليباً ومكبوباً يُغَلّ ويُرغم


صفحه 395

وكم علم في عامل طُوّحت به *** طوائح خطب جرحها ليس يلأم

وأصبح في قيد الهوان مكبّلاً *** وأعظمُ شيء عالم، لا يعظّم

وكم من عزيز ناله الضيم فاغتدى *** وفي جيده حبل من الذلّ محكم

وكم هائم في الأرض تهفوا بلبّه *** قوادم أفكار تغور وتتهم

ولما رأيتُ الظلم طال ظلامه *** وانّ صباح العدل لا يتبسم

ترحلتْ عن دار الهوان وقلّما *** يَطيب الثوى في الدار والجار، أرقم

تملّكها ـ والملك للّه ـ فاجر *** سواء لديه ما يحلّ ويحرم

عتلّ زنيم، يُظهر الدين كاذباً *** وهيهات أن يخفى على اللّه مجرم(1)

ومع ذلك كلّه نرى الصمود والكفاح مكتوباً على جباه العامليين حيث إنّ سيطرة أمثال الجزّار وأشباهه لم يثن عزمهم عن الاستمرار في الدفاع عن مبدئهم وشرفهم وكيانهم. كما أنّهم لم يغترّوا أخيراً بوعود الأعداء، وتلقوها في كلّ عصر وزمان وعوداً جوفاء وخدعاً فارغة، وهذا هو علاّمة العلماء وسيّد المؤرخين السيّد محسن الأمين(قدس سره) يصف خداعهم ووعودهم في هذين البيتين:

قالوا الشعوب نَفُكّها من رقِّها *** كلاّ بل استِعْبادَها قد راموا

باسم الحماية والوِصايةِ يُجْترى *** حقٌّ لكم وتدوسُكُم أقدامُ

هكذا كان الأجداد في الدفاع عن العز والشرف وقد ورثه الأبناء كابراً عن كابر.


1 . الشيعة والحاكمون:196.


صفحه 396

وكفانا في البرهنة على ذلك مشاهدة المقاومة الإسلامية الّتي يقودها أبناء هذه التربة الطيبة، وما يبثّه منارها من روح الجهاد وعزم الكفاح.

نعم هذا العطاء الثرّ للعامليين في كلّ عصر وزمان، إنّما هو ثمرة اقتفائهم لفقهائهم وعلمائهم الواعين بالظروف والعارفين بمسؤولياتهم الملقاة على عاتقهم في كلّ زمان، قال الإمام الصادق(عليه السلام):«العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس».

وعلى رأس هؤلاء ومقدّمهم زعيم الإمامية و محقّقها ومروّج مذهبها في زمانه علي بن الحسين بن علي بن محمد بن عبد العالي الكركي العاملي المعروف بالمحقّق الكركي وبالمحقّق الثاني، ويقال له علي بن عبد العالي اختصاراً، المولود عام 868هـ والمتوفّى 940هـ.

وتدلّ آثاره وتآليفه ومواقفه السياسية والاجتماعية على أنّه كعبة العلم ومناره، ولجّة الفضل وتيّاره، عالم محقّق، وفاضل مضطلع، حاز قصب السبق في حلبات مختلفة، وما من علم من علوم الشريعة إلاّ وقد شرب من عذبه، وما من فن إلاّ خاض في أعماقه، فهو ذو همة قعساء تناطح السماء.

ففي مجال الكلام متكلم بارع له أفكاره وآراءه، وفي مجال الفقه متخصص قليل النظير بل مبتكر في قواعده وأُصوله، وفي مجال الدراية والرجال فارس حلبتهما ومرتكز لوائهما، وفي دور السياسة وقيادة الأُمّة قائد محنّك عارفٌ بزمانه وظروفه، فلا غرو إذا وصفناه بقول الشاعر:

هو البحر من أي النواحي أتيته *** فلجّته المعروف والجـود ساحله

كما لا عتب على اليراع إذا وقف عن تعريف شخصيته وتبيين مواقفه وتقييم آثاره.

إنّ الإلمام بحياة الشيخ الكركي بكافة جوانبها رهن كتاب مفرد، غير أنّا


صفحه 397

نشير في هذا المقال إلى زوايا خاصة من حياته العلمية والسياسية ليقف القارئ عن كثب على ما للشيخ من فضائل ومناقب وآثار ومؤلفات فتأتي ترجمته الإجمالية ضمن فصول:

الفصل الأوّل: في حياته الشخصية منذ ولادته إلى وفاته.

الفصل الثاني: كلمات الثناء في حقّ المحقّق.

الفصل الثالث: تصانيفه ومؤلفاته.

الفصل الرابع: آراؤه الفقهية.

الفصل الخامس: تلاميذه والمستجيزون منه.

الفصل السادس: حياته السياسية والخدمات الّتي قدّمها للمجتمع.


صفحه 398

الفصل الأوّل

حياته الشخصيّة

منذ

ولادته إلى وفاته

هو علي بن الحسين بن علي بن محمد بن عبد العالي العاملي، زعيم الإماميّة ومفتيها ومروّج مذهبها في عصره، المعروف بالمحقّق الكركي، وبالمحقّق الثاني، ويقال له علي بن عبد العالي اختصاراً، وربما يشتبه بعلي بن عبد العالي بن محمد بن أحمد بن علي بن مفلح الميسي العاملي الشهير بابن مفلح(المتوفّى 938هـ) أحد كبار فقهاء الإمامية وعلمائها الربانيّين وهو والد زوجة الشهيد الثاني.

مولده، وتجواله في البلاد طلباً للعلم والحديث

ولد في «كرك نوح» سنة 868هـ، وبعد ما درس في مسقط رأسه الفقه الشيعي على يد كبار علمائها آنذاك، لم تقتنع نفسه الطموحة بما أخذ فشدّ الرحال إلى سائر البلدان الإسلاميّة، يقول الأفندي التبريزي: قد سافر إلى بلاد الشام ثمّ


صفحه 399

إلى بلاد مصر وأخذ عن علمائها.(1)

وقد صرح في بعض إجازاته لتلاميذه بذلك، يقول في إجازته المفصّلة للشيخ إبراهيم الخانيساريّ: وأمّا كتب أهل السنّة في الفقه، فأنّي أروي الكثير منها عن مشايخنا ـ رضوان اللّه عليهم ـ وعن مشايخ أهل السنّة، خصوصاً «الصحاح الستّة» و خصوصاً «الجامع الصحيح» للبخاريّ، و«صحيح أبي الحسن بن الحجّاج القشيريّ النيسابوريّ».

فأمّا روايتي لذلك عن أصحابنا فإنّما هي بالإجازة، وأمّا عن مشايخ أهل السنّة فبالقراءة لبعض المكمّلة بالمناولة، وبالسماع لبعض، وبالإجارة لبعض، فقرأت بعض «صحيح البخاري» على عدّة:

منهم: الشيخ الأجلّ العلاّمة، أبو يحيى زكريا الأنصاريّ، وناولني مجموعة مناولة مقرونة بالإجازة، وأخبرني أنّه يرويه عن جمع من العلماء، منهم: قدوة الحفّاظ ومحقّق الوقت أبو الفضل أحمد بن عليّ بن حجر، قال:

أنبأنا به العفيف أبو محمّد عبد اللّه بن محمّد بن محمّد بن سليمان النيسابوريّ، سماعاً لمعظمه، وإجازة لسائره، قال:

أنبأنا به الرضي أبو إبراهيم بن محمّد الطبريّ، أنبأنا به أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي حرقي، سماعاً إلاّ شيئاً يسيراً، قال:

أنبأنا به أبو الحسن عليّ بن حميد بن عمّار الطرابلسيّ، أنبأنا به أبو مكتوم عيسى بن الحافظ أبي ذرّ عبد بن أحمد الهرويّ، قال:

أنبأنا به أبي، قال: أنبأنا به أبو العبّاس أحمد بن أبي طالب ابن أبي النعم


1 . رياض العلماء:6/441.


صفحه 400

نعمة بن حسن بن عليّ بن بيان الصالحيّ الحجّار، عرف بابن الشحنة، سماعاً لجميعه، قال أيضاً:

وأنبأتنا به أُمّ محمّد ستّ الوزراء، وزيرة ابنة عمر بن أسعد بن المنجا التنوخيّة، سماعاً لجميعه إلاّ يسيراً مجبوراً بالإجازة، قالت:

أنبأنا به أبو عبد اللّه الحسين بن أبي بكر المبارك بن محمّد بن يحيى الزبيديّ، سماعاً، قال:

أنبأنا به أبو الوقت عبد الأوّل بن عيسى بن شعبة الشجريّ الهرويّ، سماعاً عليه لجميعه، قال:

أخبرنا به أبو الحسن عبد الرحمن بن محمّد بن المظفّر بن داود الداوديّ، قال:

أنبأنا به أبو محمّد عبد اللّه بن حمويه، أنبأنا أبو عبد اللّه محمّد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الغريريّ، قال:

أنبأنا به مؤلّفه الحافظ الناقد أبو عبد اللّه محمّد بن إسماعيل البخاريّ.

وأمّا «صحيح مسلم» فإنّي قرأت بعضه على الشيخ العلاّمة الرحلة عبد الرحمن بن الإبانة الأنصاريّ، بمصر في ثاني عشري من شعبان من سنة خمس وتسعمائة، وناولني باقيه مناولة مقرونة بالإجازة. وله إسناد عال مشهور بالصحيح المذكور، وسمعته إلاّ مواضع بدمشق بالجامع الأمويّ على العلاّمة الشيخ علاء الدين البصرويّ، وأجازني روايته ورواية جميع مروياته، وكذا سمعت عليه معظم مسند الفقيه الرئيس الأعظم محمّد بن إدريس الشافعيّ المطّلبيّ.

وأمّا موطأ الإمام العالم مالك بن أنس، نزيل دار الهجرة المقدّسة، فإنّي أرويه بعدّة طرق عن أشياخ علماء الخاصّة والعامّة، وكذا «مسند الإمام المحدّث الجليل


صفحه 401

أحمد بن حنبل» و «مسند أبي يعلى» و «سنن البيهقي» و «سنن الدار قطنيّ» و غير ذلك من المصنّفات الكثيرة الشهيرة، وقد اشتمل عليها مواضع ومظانّ هي معادنها، فليرجع إليها عند الحاجة.(1)

كما صرح بذلك أيضاً في إجازته للشيخ أحمد بن محمد خاتون العاملي قال: وقد أخذتُ عن علماء العامّة كثيراً من مشاهير كتبهم.

ففي الفقه مثل «المنهاج» للشيخ الإمام محيي الدين النواويّ، ومثل «الحاوي الصغير» للإمام عبد الغفّار القزوينيّ، ومثل «الشرحين الكبير والصغير على الوجيز» للشيخ المحقّق الإمام عبد الكريم القزوينيّ، وغير ذلك.

وفي الحديث مثل «الصحيحين» للإمامين الحافظين الناقدين البخاريّ ومسلم، وغيرهما من الصحاح، ومثل «المصابيح» للبغويّ، و «مسند الشافعي» و«مسند أحمد بن حنبل».

وفي التفسير مثل «معالم التنزيل» للبغوي أيضاً، و«تفسير العلاّمة القرطبيّ» و «تفسير القاضي البيضاويّ»، و غير ذلك.

فبعض هذه بالقراءة، وبعضها بالسماع، وبعضها بالإجازة، وربّما كان في بعض مع الإجازة مناولة.

وأسانيد هذه موجودة في متون الإجازات الّتي لي من أشياخ أهل السنّة، وبعضها مكتوبة بخطّي وعليها تصحيح من أخذتُ عنه، منهم بخطّه.(2)


1 . كشف الغمّة، مخطوط، نسخة مدرسة النمازيّ في خوي، رقم 161. كما في حياة المحقّق الكركي وآثاره:2/268.

2 . أعيان الشيعة:6/137.


صفحه 402

كلّ ذلك يدلّ على أنّ المحقّق الكركي قد تحمل مشاق السفر إلى البلدان لتحمّل الحديث وغيره عن أساتذة الوقت.

عودته إلى كرك

ثمّ إنّه بعدما طاف البلاد وأخذ ما احتاج إليه من العلوم عاد إلى كرك وبقي فيها فترة قصيرة، وقد شهد على اجتهاده وتوسّعه في العلوم عالمان كبيران من أعيان العصر، هما:

1. علي بن أحمد بن محمد هلال الكركي العاملي الشهير بعلي بن هلال الجزائري(المتوفّى نحو عام 910هـ)، أجازه عام 909هـ قبل هجرته إلى العراق. وسيوافيك نصّ الإجازة في الفصل القادم.

2. إبراهيم بن الحسن الدراق الّذي هو أوثق مشايخ الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي ـ أحد المعارضين للمحقّق الكركي في بعض المسائل الفقهية الّتي لها طابع سياسي، كالخراج وصلاة الجمعة ـ ، و أمّا اجازة الدرّاق للمحقّق الكركي فقد ذكر صاحب «الروضات» أنّه رأى هذه الإجازة، وتاريخها شهر رمضان سنة (909هـ).(1)

ولم يكتفِ صاحبنا بذلك، بل قرّر الذهاب إلى النجف الأشرف المدرسة الكبرى للشيعة، فسار إليها وهو يحمل الإجازتين اللّتين تشهدان على علوّ كعبه ومكانته.

ولكن لم نجد في مصادر ترجمته ما يدلّ على حضوره أبحاث أحد من مشايخ النجف الأشرف، بل لعلّه غادر كرك لأجل نشر ما أخذه على طلاب تلك


1 . لاحظ: الذريعة:10/133.


صفحه 403

المدرسة.

نزل المحقّق الكركي على النجف الأشرف مدينة العلم وهو يدرِّس، ويفيض و يربي إلى أن احتلت جيوش الدولة الصفوية العراق، ودخل سلطانها بغداد في الخامس والعشرين من شهر جمادى الآخرة(عام 914هـ)، وزار العتبات المقدّسة في كربلاء والنجف الأشرف ثمّ عاد إلى إيران.

وطبع الحال يقتضي انّه تعرّف في تلك الفترة على المحقّق الكركي، لأنّه الفقيه البارز المشار إليه بالبنان.

فلما عاد الملك إلى إيران أمر بإرسال الهدايا والصلات إلى المحقّق الكركي حتّى أنّ المصادر تؤكد على أنّه كان يصل إليه في كلّ سنة سبعون ألف دينار شرعي لينفقها على الطلاب والمشتغلين.(1)

كان المحقّق الكركي يدرّس و يؤلف إلى أن وصلت إليه الدعوة من ملك الدولة الصفوية للتوجّه إلى إيران، فلبى دعوته لنوايا دينية، وبقصد تغيير مسيرة الدولة والسعي إلى إقامتها على أساس الموازين الشرعية، وبجعل الحوار الديني بديلاً عن منطق القوة والتسلّط، فأعدّ العدّة للهجرة إلى إيران في أواخر عام (916هـ).

دخل المحقّق الكركي على الشاه إسماعيل بعد فتحه مدينة «هراة»، ثمّ استقر في مدينة مشهد المقدسة فألّف فيها الرسالة الجعفرية الّتي أتمّها في العاشر من جمادى الآخرة، كما انتهى من تأليف «نفحات اللاهوت» في السادس عشر من شهر ذي الحجّة سنة (917هـ).


1 . روضات الجنات:4/360; أعيان الشيعة:8/209.


صفحه 404

وظل يرافق الملك في تجواله في البلاد، وتدلّ المصادر على وجوده في منطقة «سلطانية» التابعة لزنجان عام 918هـ. ومع ذلك كلّه لم يكن النجاح حليفاً للمحقّق في جميع خطواته، ولم تحقّق له رحلته هذه ما كان ينشده من أهداف، لأنّ النوازع النفسية للملك وأخلاقه الخاصة عاقته عن التطوير الّذي كان يتوخّاه في ركائز الدولة، فلم يجد بدّاً من الرجوع إلى العراق في أواخر عام (919هـ) أو عام (920هـ).

الهجرة الثانية إلى إيران

عاد المحقّق إلى العراق بقلب موجَع ونفس حزينة، ومع ذلك كلّه كان يشعر بالارتياح، لأنّه أدى وظيفته الشرعية، فاستقر في النجف الأشرف مشتغلاً بالتدريس والتأليف وتربية الجيل كما يظهر من الإجازات الّتي أصدرها في تلك المرحلة لكثير من العلماء.

وقد توفّي الملك إسماعيل عام (930هـ) وفُوِّض الأمر إلى ولده طهماسب الّذي كان صغيراً عند وفاة والده ولما بلغ استلم الحكم عام (936هـ). وأوّل ما كان يحلم به الملك الجديد هو إعادة العراق لسيطرة الدولة الصفوية بعدما انتزعه منها العثمانيون، فاحتل بغداد في الرابع والعشرين من شهر جمادى الأُولى سنة 936هـ.(1)

ثمّ زار العتبات المقدسة في مدينة كربلاء والنجف وطلب من المحقّق الكركي صحبته، فهاجر إلى إيران في نفس السنة، وبقي فيها ثلاث سنوات وقد وصل الكركي في هذه المرحلة إلى قمة الهرم وحقّق ما كان يطلبه.


1 . أحسن التواريخ:153.


صفحه 405

وكان الملك طهماسب على خلاف والده ذا صدر رحب، يحترم آراء وتوجيهات المحقّق الكركي، وفي ضوء ذلك أصدر الملك عام (936هـ) بلاغاً أمر فيه كافة الأمراء والقادة بامتثال أوامره، وتطبيق إرشاداته.

وفي هذا الجو الهادئ والقدرة غير المنازع عليها وجد الكركي أُمنيته فأخذ يوجه إلى حكّام الولايات رسائل مباشرة تتضمّن قوانين العدل وكيفيّة سلوك العمّال مع الرعيّة في أخذ الخراج وكميّته ومدّته، وأخذ يتجول في أنحاء المدن الإيرانية الواسعة، فيعزل من الولاة من لا يراه صالحاً لذلك، ويولي من يراه صالحاً للولاية.

وأمر بإنشاء المدارس وتقوية الحوزات العلميّة، وعيّن في كلّ مدرسة معلّماً يعلّمهم أحكام دينهم، كما أخذ هو على نفسه تعليم كبار رجال الدولة من الأمراء والقادة.

وتشهد الإجازات الّتي منحها لكثير من العلماء على أنّه كان يتجول في البلاد، حيث نرى أنّه أجاز للسيد محمد مهدي ابن السيد محسن الرضوي المشهدي في مدينة قم، كما أنّه أجاز لكمال الدين درويش محمد بن الحسن العاملي في مدينة أصفهان.

ومع أنّه أحرز نجاحاً باهراً في هذه المرّة، إلاّ أنّه ـ و بسبب بعض القلاقل ـ عاد إلى العراق عام (939هـ)، قائماً بوظائفه إلى أن وافته المنية في مدينة النجف بعد سنة ونصف من عودته، وذلك في عام (940هـ). وأرخ عام وفاته بمادة «مقتداى شيعة» المساوية لعام 940هـ.

يقول السيد حسين البروجردي في منظومته الرجالية:


صفحه 406

ثمّ علي بن عبد العالي *** محقّق ثان وذو المعالي

بالحق امحى السنة الشنيعة *** لفوته قد قيل «مقتداى شيعه»

ما ذكرناه، ترجمة موجزة لحياة فقيه كبير، كرّس نفسه للعلم وأهله، وتحمل مشاق الأسفار لإقامة لواء العدل وبسط القسط.

فسلام اللّه عليه يوم ولد، ويوم مات، ويوم يبعث حيّاً.


صفحه 407

الفصل الثاني

كلمات الثناء في حقّ المحقّق

اعتقد انّ المحقّق الكركي غني عن نقل أي مدح وثناء في حقّه من غير فرق بين ما صدر عن أساتذته أو معاصريه أو المتأخّرين عنه.

غير أنّ إيقاف القارئ على مكانته العلمية والاجتماعية عن كثب، يقتضي ذكر بعض ما قيل في حقّه من المدح والثناء، وقد جمع الفاضل المعاصر الشيخ محمد الحسون كلمات العلماء في حقّه فبلغت أربعين كلمة لأربعين شخصاً، نقتطف منها ما يلي:

1. ثناء أُستاذه محمد بن علي العاملي

يُعتبر الشيخ محمد بن علي بن خاتون العاملي من أعلام أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر وقد أجاز للمحقّق الكركي وممّا جاء في إجازته:

أمّا بعد فإنّ العلم لا يخفى شرفه وسموّه ومقداره، ولمّا كانت الرواية هي أكبر الوصلة إليه والسبيل إليه. وكان ممّن يشمّ أعلى ذراه، وأحاط بصريحه وفحواه، وهو أهل أن يؤخذ منه، وينقل عنه، ذلك الشيخ الفاضل، والعالم العامل، والرئيس الكامل، زين الإسلام، الشيخ زين الدين علي ولد الشيخ الورع التقي النقي


صفحه 408

الزاهد العابد عزّ الدين حسين بن عبد العالي، أعلى اللّه شأنه وصانه عمّا شانه.(1)

2. ثناء أُستاذه علي بن هلال الجزائري

لما استجاز المحقّق أُستاذه عليّ بن هلال الجزائري، أجازه بالتكريم والاجلال، وقال:

وكان بتوفيق اللّه العظيم، وفضل منحه الجسيم، من طلاب هذه الإفادة، والراغبين في نيل هذه السعادة، الشيخ العالم العامل، الفاضل الكامل، المؤيد بالنفس الزكية، والأخلاق المرضية، من منحه اللّه العظيم، بالعقل السليم، والنظر الصائب، والحدس الثاقب، المولى الشيخ زين الدين علي ـ أعلى اللّه مجده ـ ، ابن الشيخ عزّ الدين حسين بن الشيخ زين الدين علي بن عبد العالي، التمس من المملوك إجازة، ولم أكن لذلك أهلاً، لولا خلوّ الزمان من أهل الفضل والكمال، لقلّة البضاعة، وقصور باعي في هذه الصناعة، فأنشدت عند ذلك ما قاله المعلّى وقد مدحه بعض الفضلاء:

لعمر أبيك ما نسب المعلّى *** إلى كرم وفي الدنيا كريم

ولكن البلاد إذا اقشعرّت *** وصوّح نبتها رعي الهشيم

ولكنّي لم أجد المنع جميلاً، ولا إلى ترك الإجابة سبيلاً لتحريم منع العلم عن الطالبين ووجوب بذله لأهله المستحقّين، فأجبت ما التمس بالسمع والطاعة، مع قصور باعي في الصناعة، وقلّة ما معي من البضاعة، وأجزت له أدام اللّه أيّامه وفضائله وأسبغ عليه نعمه وفواضله، ومدّ له في العمر السعيد


1 . بحار الأنوار:105/20، ط بيروت.


صفحه 409

ومتّعه بالعيش الرغيد، ورفع ذكره في الخافقين، وبلّغه اللّه بمنّه سعادة الدارين، إنّه خير موفّق ومعين، أن يروي عنّي عن شيخي المولى الشيخ الأعظم العالم العامل الفاضل الكامل الشيخ عزّ الدين حسن بن يوسف الشهير بابن العشرة، وعن شيخي المولى الإمام الأعظم البارز على أقرانه في زمانه ذي النفس القدسيّة، والأخلاق المرضية الشيخ عز الدّين حسن بن الشيخ عزّ الدين حسين الشهير بابن مطر، وعن شيخي المولى الإمام الأجل الأعظم الأفضل الأكمل الأعلم علاّمة علماء الإسلام وخلاصة فضلاء الزمان في زمانه المبرّز على أقرانه أبي العباس جمال الملّة والحقّ والدّنيا والدين، أحمد بن فهد تغمّده اللّه بسوابغ رحمته وأسكنه بأعلى منازل جنّته كتاب قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام من تصانيف الشيخ المولى الإمام الأعظم الأفضل الأكمل الأعلم الشيخ جمال الملّة والحقّ والدّنيا والدين الشيخ الإمام سديد الدين يوسف ابن المطهّر عن والده عن ولده الشيخ فخر الدين.(1)

وفي آخر الإجازة وكتب العبد الفقير إلى رحمة ربّه الغني عليّ بن هلال الجزائري مولداً العراقي أصلاً ومحتداً يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان من شهور سنة تسع وتسعمائة والحمد للّه وحده، وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد المصطفى وآله الطاهرين.(2)

وتعبّر الإجازة عن مكانته السامية عند أُستاذه وعن إحرازه مرتبة الاجتهاد.

3. ثناء الشهيد الثاني (المتوفّى 965هـ)

قال الشهيد الثاني ـ الغني عن التعريف ـ في إجازته للشيخ حسين بن عبد


1 . بحار الأنوار:105/28 و 34.

2 . بحار الأنوار:105/28 و 34.


صفحه 410

الصمد الحارثي الجبعي الصادرة له في ليلة الخميس الثالث من جمادى الآخر سنة 941هـ: وعن الشيخ جمال الدين أحمد وجماعة من الأصحاب الأخيار، عن الشيخ الإمام المحقّق نادرة الزمان ويتيمة الأوان، الشيخ نور الدين علي بن عبد العالي(قدس سره).

وفي مكان آخر من الإجازة قال: ومنها عن شيخنا الجليل المتقن الفاضل جمال الدين أحمد... عن الشيخ الإمام ملك العلماء والمحقّقين نور الدين علي بن عبد العالي الكركي المولد الغروي الخاتمة.(1)

الشيخ الإمام ملك العلماء والمحقّقين.(2)

4. ثناء المجلسي الثاني (المتوفّى 1110هـ)

وصف محمد باقر المجلسي المحقّق الكركي في أوّل كتابه «بحار الأنوار» ـ بعد ذكر مؤلفاته ـ و بقوله:

أفضل المحقّقين، مروّج مذهب الأئمّة الطاهرين نور الدين علي بن عبد العالي الكركي أجزل اللّه تشريفه.

وقال في موضع آخر منه: والشيخ مروّج المذهب نور الدين ـ حشره اللّه مع الأئمّة الطاهرين ـ حقوقه على الإيمان وأهله أكثر من أن تُشكر على أقله وتصانيفه في نهاية الرزانة والمتانة.(3)

5. ثناء الأفندي التبريزي(المتوفّى 1134هـ)

وقال الميرزا عبد اللّه أفندي التبريزي حجة التاريخ في عصره في كتابه


1 . بحار الأنوار:105/156.

2 . بحار الأنوار:105/151 و 156.

3 . بحار الأنوار:1/21و 41.


صفحه 411

«رياض العلماء»:

الفقيه المجتهد الكبير العالم العلاّمة شيخ المذهب ومدمّر دين أهل النصب والنواصب.(1)

6. ثناء المحدِّث البحراني(المتوفّى 1186هـ)

أمّا الشيخ يوسف البحراني فقيه الأخباريّين في عصره، فقد وصفه في كتابه «لؤلؤة البحرين» بقوله:

هو في الفضل والتحقيق وجودة التحبير والتدقيق أشهر من أن يكن وكفاك اشتهاره بالمحقّق الثاني وكان مجتهداً صرفاً أُصولياً بحتاً.(2)

7. ثناء شيخ الشريعة الاصفهاني (المتوفّى 1339هـ)

يعدّ شيخ الشريعة الاصفهاني أحد النوابغ القلائل في القرن الرابع عشر(3) وقد جمع من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر ذكره في البلدان، وقد تخرّج عليه أكثر من تأخّر عنه ممّن تسنّم منصة المرجعية للشيعة.

حكى الوالد(قدس سره) وهو ممّن عكف على دروس الشيخ عشر سنين وكتب شيئاً كثيراً من محاضراته الّتي كان يلقيها على تلاميذه في مسجد الطوسي أحد المساجد المعروفة في النجف الأشرف.

حكى عن أُستاذه أنّه قال و هو على منبر التدريس: إنّ لعلمين جليلين،


1 . رياض العلماء:3/441.

2 . لؤلؤة البحرين:151.

3 . أفرد ترجمته في موسوعة طبقات الفقهاء: القرن الرابع عشر:14/483.


صفحه 412

حقاً عظيماً في بيان مذهب الشيعة في حقلي العقيدة والشريعة ألا و هما: الشيخ المفيد (336ـ 413هـ)، و المحقّق الكركي.

أمّا الأوّل فقد بذل جهوده في تنقيح عقائد الشيعة، وتهذيبها ممّا ألصقه بها الغلاة عبر الزمان، حيث قام بتصحيح عقائد الصدوق وناقش بعض أُصوله، فبجهوده ازدهر المذهب في حقل العقيدة وعنه صدر من تأخّر عنه.

وأمّا الثاني، فهو برسائله الّتي ألّفها حول مسائل فقهية مختلفة، وبشرحه على القواعد، المسمّى بجامع المقاصد قدأكمل الأُسس والمباني الّتي يرتكز عليها قسم من المسائل الفقهية. فهو و الشيخ المفيد، صنوان على أصل واحد تكاملت بهما مباني المذهب في كلا المجالين.(1)

إلى غير ذلك من كلمات الثناء والتقدير والتبجيل في حقّ شيخنا المحقّق على نحو يتبين للقارئ انّ العلماء على اختلاف مسالكهم ومشاربهم في الفقه اتّفقوا على جلالة قدره وعلوّ كعبه في الفقه وأُصوله، وخدماته الصادقة على الدين وأهله.


1 . سمعته عن الوالد الشيخ محمد حسين السبحاني(قدس سره).


صفحه 413

الفصل الثالث

جولة في آثاره وتصانيفه

حقيقة الإنسان هي آراؤه وأفكاره فهي التي تمثِّل شخصيته وثقافته، فالآثار الّتي يتركها العلماء والمحقّقون خير دليل على مدى ما يتمتعون به من اطّلاع ووعي.

إنّ علماءنا الماضين ـ رضوان اللّه عليهم ـ على أصناف:

فمنهم من بلغ القمة في التفكير والمعرفة ولكن قل أثره ونَدَر تأليفه، فهؤلاء هم المتوغلون في المطالعة والدراسة، الحائدون عن الكتابة والضبط.

ومنهم من توغل في التصنيف والتآليف دون تحقيق وتحليل وكان همّه جمع الكلمات من هنا و هناك، فلا يوجد فيها شيء يعد من منتجاته الفكرية، وهذا كأكثر من كتب في التاريخ والتراجم.

ومنهم من جمع بين المنقبتين وصار ذا رئاستين فجمع بين الفكر والقلم فأودع أفكاره في قوالب تآليف تنير الدرب للجيل الآتي، وهم اللامعون بين العلماء لمعان النجوم في الليالي المظلمة كالشيخ المفيد والمرتضى والرضي (الكوكبان في سماء العلم والأدب) والشيخ الطوسي و الطبرسي إلى غير ذلك من الشهب الثاقبة.


صفحه 414

إنّ شيخنا المحقّق الكركي في الرعيل الأوّل من الصنف الثالث، فألّف وحقّق فبلغ في التحقيق إلى درجة عالية حتّى سمّي بالمحقّق الثاني، فلم يترك ما جاد به ذهنه الوقّاد للضياع، بل أودعه في قالب التأليف وإن كان أكثر تآليفه يدور حول الفقه والأُصول.

والحقّ أنّ الشيخ الكركي هو الرجل الأمثل في سماء التحقيق، قلّما يسمح الدهر بمثله إلاّ في فترات يسيرة، فهلمّ معي نقف على بعض أسماء كتبه، ممّا له دور في فتاوى الفقهاء المتأخرين ونقدّم الأهم على المهم في الذكر:

1. جامع المقاصد

هذا الكتاب هو بيت القصيد بين مؤلفاته، ألفه في النجف الأشرف أيّام الدولة الصفوية كما أشار إليه في مقدمة الكتاب، وهو شرح لكتاب قواعد الأحكام للعلاّمة الحلّي(المتوفّى سنة 726هـ).

وقد وصل فيه إلى بحث تفويض البضع من كتاب النكاح. وفرغ من هذا الجزء عام 935هـ. ولم يحالفه التوفيق لإكماله، ولعلّ من أحد أسبابه هو مغادرة العراق متوجهاً إلى إيران لإصلاح دفّة الحكم وتطبيقه على صعيد الشريعة.

والكتاب غني عن كلّ تعريف وعن كلّ إطراء وثناء، فهو من أوثق المراجع الفقهية للفقهاء العظام حيث جمع بين العمق والوضوح في التعبير، وقد حكي عن الشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر أنّه قال: من كان عنده «جامع المقاصد» و «الوسائل» و «الجواهر» فلا يحتاج إلى كتاب آخر للخروج عن عهدة الفحص الواجب على الفقيه في آحاد المسائل الفرعيّة».(1)


1 . جواهر الكلام(المقدّمة): 1/14.


صفحه 415

وكفى في فضله أنّ شيخنا الشهيد الثاني الّذي يضرب به المثل في الفقه والأُصول، صدّر في كتابه «المسالك» عن هذا الكتاب كثيراً.

وبما أنّ «جامع المقاصد» لم يتجاوز عن كتاب النكاح، فقد قام الفاضل الاصفهاني(1136هـ) بإتمامه بتأليف كتاب أسماه «كشف اللثام والإبهام عن قواعد الأحكام»، فابتدأ فيه من حيث انتهى إليه الكركي وأنهاه إلى آخر«القواعد» ثمّ ابتدأ من أوّله، فخرج منه الطهارة والصلاة والحجّ.

2. قاطعة اللجاج في حلّ الخراج

وقد نسبها إليه غير واحد ممّن ترجم للشيخ المحقّق (1) ، وهي وإن كانت رسالة صغيرة في حجمها لكنّها كبيرة في محتواها، تعرّض فيها مصنّفها لمسألة مهمة جدّاً وهي مسألة الخراج وحليّة أخذه من السلطان الجائر، وتعيين الأراضي الخراجية عن غيرها.

انتهى من تأليفه سنة 916هـ، ولعلّ شيخنا المحقّق أوّل فقيه تكلّم عن الخراج على وجه مبسوط، ولما ثقل حكمه بالحليّة على بعض معاصريه ـ أعني: الشيخ إبراهيم القطيفي المتوفّى عام (945هـ) ـ قام بنقضه بشكل عنيف وأسمى كتابه «السراج الوهّاج لدفع قاطعة اللجاج»، فرغ منه عام 924هـ، و أسلوبه لا يناسب أسلوب التحقيق، البعيد عن التعصب، وسيوافيك التفصيل عن الكتاب في الفصل الخاص بالإشارة إلى آراء المحقّق وأفكاره.


1 . أمل الآمل:1/121; رياض العلماء:2/444 إلى غير ذلك.


صفحه 416

3. صلاة الجمعة

وهي رسالة لطيفة تتّسم بالعمق والشمولية تبحث عن صلاة الجمعة في ثلاث أبواب وخاتمة، وقد انتهى من تأليفها عام 921هـ.

وقد نال الكتاب مكانة عالية بين الفقهاء وقد قام بترجمته من العربية إلى الفارسية الأُستاذ محمد صادق سركاني الّذي كان حيّاً عام 1033هـ.

ثمّ إنّ لشيخنا المحقّق ألواناً من التآليف يتخذها خطوة لما يتبنّاه، فتارة يؤلّف رسائل في مجال الإجابة عن الأسئلة، وأُخرى يُعلِّق على الكتب، وثالثة يفرّد بعض المسائل المهمة بالتأليف فنذكر من كلّ قسم بعضه.

أمّا الأجوبة فكالتالي:

1. جواب السؤال عن إثبات المعدوم.

2. جواب السؤال عن أبي مسلم الخراساني.

3. جواب الشيخ حسين الصيمري.

4. جوابات الشيخ يوسف المازندراني

5. جوابات المسائل الفقهية الأُولى.

6. جوابات المسائل الفقهية الثانية.

وأمّا القسم الثاني فهذه حواشيه وتعاليقه على الكتب الفقهية نكتفي بذكر أسمائها:

7. حاشية الألفية، 8. حاشية تحرير الأحكام، 9. حاشية الجعفرية، 10. حاشية شرائع الإسلام، 11. حاشية قواعد الأحكام، 12. حاشية اللمعة الدمشقية، 13. حاشية المختصر النافع، 14. حاشية مختلف الشيعة، 15.


صفحه 417

حاشية ميراث المختصر النافع.

وأمّا اللون الثالث ـ أعني: إفراد بعض المسائل بالتأليف ـ فكالتالي:

16. السجود على التربة المشوية، 17. شروط النكاح، 18. ملاقي الشبهة المحصورة.

إلى غير ذلك من التآليف الّتي أنهاها المحقّق الشيخ محمد الحسون إلى 82 تأليفاً.(1)

ثمرة ناضجة لحوزة الشهيد الأوّل

إنّ المحقّق الكركي ثمرة ناضجة للحوزة العلمية التي أرساها الشهيد الأوّل محمد مكي العاملي(734ـ 786هـ) وخرّجت جيلاً كبيراً من الفقهاء والمحقّقين وفي طليعتهم:

1. السيد أبو طالب أحمد بن قاسم بن زهرة الحسيني.

2. الشيخ جمال الدين أحمد بن النجار صاحب التعليقة على قواعد العلاّمة الحلّي.

3. الشيخ جمال الدين أبو منصور حسن بن محمد المكي، وهو ابنه والمجاز منه.

4. الشيخ ضياء الدين أبو القاسم علي بن الشهيد (الأوسط).

5. الشيخ رضي الدين أبو طالب محمد (وهو أكبر أولاده).

6. ولم يقتصر على تربية ال