welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل ومقالات / ج 3*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

رسائل ومقالات / ج 3

رسائل ومقالات

تبحث في

مواضيع فلسفيّة وكلاميّة وفقهيّة
وفيها دعوة إلى التقريب بين المذاهب

الجزء الثالث

تأليف

آية الله جعفر السبحاني

نشر مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)

(3)

(4)

(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.

أمّا بعد، فهذا هو الجزء الثالث من كتابنا «رسائل ومقالات» نزّفه إلى القراء الكرام بحلة قشيبة عسى أن تنال رضاهم ويقع موقع قبولهم.

ثمّ الرسائل والمقالات تدور حول محاور ستة:

فالأوّل: يبحث في الأُصول والعقائد، واخترنا الموضوعات الّتي استأثرت باهتمام واسع من قبل السلفيّين والمحدِّثين.

والثاني: يتناول المسائل الفقهية الّتي يبتلي بها الناس في هذه الأعصار.

والثالث: يتطرق إلى الحديث والتاريخ واخترنا مسألتين مطروحتين على صعيد واسع، وهما:

1. دراسة الحوادث المريرة الّتي جرت على الزهراءعليها السلام عُقْب وفاة أبيها.

2. دراسة أسانيد زيارة عاشوراء الّتي ربما يتهاون بعض من لا خبرة له بتضعيفها.

والرابع: يركز فيه البحث على ما للحج من آثار اجتماعية وسياسية مضافاً إلى آثاره العبادية.

وركّزنا على ذلك لما نرى انّ تلك الشعيرة الإلهية تقام دون أن يترتب عليها ما


(6)

يتبناه الشارع في كتابه وسنته، ودون أن ينتفع بها المسلمون بالنحو المطلوب .

والخامس: يتضمن عدة تراجم.

أ. ترجمة فاطمة الزهراء عليها السلام ، الكوثر الفياض بوجه موجز.

ب. زين الدين العاملي المعروف الشهيد الثاني رائد النهضة العلمية في القرن العاشر.

ج. الفقيه المتكلم ميرزا يوسف القراجه داغي التبريزي.

وأمّا السادس: فيتمحور حول نقد الكتب الّتي طرأ عليها التحريف عبر التاريخ، أو اشتملت على آراء غير صحيحة وفي هذا البحث عبرة لأولى الأبصار .

وفي الختام نود أن نلفت نظر القارئ إلى انّ هذه المقالات لم تكتب في ظرف واحد، بل ألفت في ظروف مختلفة.

والحافز الّذي دعاني إلى كتابة هذه الموضوعات المتشتتة هو الذبّ عن حياض الإسلام واماطة اللثام عن وجه الحقيقة، ونرجو من الله سبحانه أن يوفقنا لمواصلة العمل في الأجزاء التالية، انّ بذلك قدير وبالاجابة جدير.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

20 جماى الأُولى من شهور عام 1423 هـ . ق


(7)

الفصل الأوّل

في العقائد

1. التحسين والتقبيح العقليّان

2. الإنسان بين الجبر والتفويض

3. نظرية الكسب عند الأشاعرة

4. الإرادة الإلهية: التكوينية والتشريعية

5. رؤية الله في الآخرة

6. أهل البيت، المرجع العلمي بعد رحيل الرسول صلى الله عليه و آله وسلم


(8)

(9)

1

التحسين والتقبيح العقليان

و

مكانتهما في العقيدة والشريعة

شغلت قاعدةُ التحسين والتقبيح العقليّين بالَ كثير من المفكّرين من أقدم العصور إلى يومنا هذا، إذ قلّما يتّفق أن يخوض باحث في العلوم الإنسانية دون أن يُشير إليها، لعلاقتها بعلم الكلام والأخلاق، والفقه وأُصوله.

مثلاً الباحث في علم الكلام عندما يصل بحثه إلى أفعاله سبحانه، يصف بعضه بالوجوب والحتمية، ويقول يجب عليه سبحانه بعث الرسل، لهداية الناس وإيصالهم إلى الغاية المتوخّاة من خلقتهم، كما يصف البعض الآخر بالامتناع وعدم الجواز كإعطاء المعجزة بيد المدّعي الكاذب، ويتّخذ الحسن والقبح أساساً لقضائه البات في المسألتين حيث يحسنُ الأوّل ويقبح الثاني.

وليس معنى ذلك، فرض التكليف على اللّه سبحانه؟! بأن يحكم العبد عليه تعالى بالإيجاب والامتناع كما ربما يتصوّره بعض المنكرين للحسن والقبح العقليين.(1)


1- شرح المقاصد:2/150طبعة استنبول; التبصير في الدين:153.


(10)

وذلك لأنّ هناك فرقاً بين فرض التكليف على اللّه، و بين كشف ما عنده من الحكم من خلال صفاته وكمال ذاته، فالقائل بالتحسين والتقبيح العقليين لا يفرض على اللّه تكليفاً إذ أين التراب ورب الأرباب، بل يستدلّ خلال ما عنده من الصفات على اللزوم والامتناع فيقول: إنّه سبحانه بما هو عادل، لا يجور على عباده، وبما انّه حكيم لا يعبث في فعله، إلى ذلك من الأحكام المستكشفة من خلال دراسة صفاته وسنوضحه ـ بإذن اللّه ـ في المستقبل.

هذا حال الباحث في علم الكلام وحاجته إلى تنقيح مسألة التحسين والتقبيح العقليين، ومثله الباحث في الأخلاق حينما يطرح القيم الأخلاقية على طاولة البحث فيعتمد على تلك القاعدة في تقييم الأفعال الإنسانية من حيث كونه فضيلة أو رذيلة.

وليست حاجة الفقيه إلى تلك القاعدة بأقلّ من حاجة الطائفتين، فانّ خلود الأحكام الفقهية عبْر الزمان وكون الشريعة الإسلامية، خاتمة الشرائع، رهن القول بالتحسين والتقبيح العقليين، فكلّ حكم شرعي يستمد ملاكه من تلك القاعدة فهو حكم مؤبّد بتأبيد ملاكه ـ الحسن والقبح ـ فلا يتغير ولا يتبدّل، فانّ الحسن ، حسن على كلّ حال، والقبيح قبيح كذلك، والحكم المستمَدَّ منه يكون كذلك فالاعتراف بالحسن والقبح العقليّين الأبديّين يُضفى على الأحكام الشرعية المستكشفة بهما، وصفَ الأبديّة.

وأمّا حاجة الأُصولي إلى القاعدة فواضحة جدّاً، حيث إنّ العقل أحد الأدلّة الأربعة التي يستنبط بها الأحكام و من أحكامه، الحكم بحسن الفعل وقبحه مثلاً إذا افترضنا انّ المكلّف شكّ في حكم موضوع بعد الفحص عن مظانّه في الكتاب والسنّة ولم يعثر فيهما على حكمه، فعند ذاك يستقل العقل بقبح عقاب المكلّف إذا


(11)

ارتكب مع احتمال الحرمة، أو ترك مع احتمال الوجوب استناداً إلى قبح العقاب بلا بيان.

وخلاصة القول: إنّ القاعدة إذا فُسِّرت بصورة صحيحة، تعدّ حجر الأساس لكثير من المسائل في العلوم الإنسانية كما عرفت نماذجها.

ولمّا كانت القاعدة أساساً لثبات القيم الأخلاقية، والقوانين الشرعية السماوية، المبنية على التحسين والتقبيح العقليّين، عاد بعض المفكّرين من الغربيّين الذين لا يروقهم ثبات القيم و دوامها، وبقاء الشريعة السماوية، يثيرون الشكوك حول القاعدة.

نعم سبقهم في إنكار القاعدة طائفة من المتكلّمين وهم الأشاعرة، لا لهذه الغاية، بل لاستنكارهم استطاعة العقل على إدراك حسن الفعل أو قبحه، وقالوا: إنّ المرجع في تمييز الحسن عن القبح هو الشرع، وبذلك افترق المسلمون إلى طائفتين:

1. من يقول بالتحسين والتقبيح العقليّين تمثّلهم الإمامية والمعتزلة.

2. من ينكر التحسين والتقبيح العقليّين ويقول بالشرعيّين منهما، و هم الأشاعرة وأهل الحديث، و سيوافيك انّ من أنكر استطاعة إدراك الحسن والقبح من الأفعال لا يتسنّى له، إثبات التحسين والتقبيح مطلقاً حتّى الشرعي منهما.

هذا هو دور القاعدة في العقيدة والشريعة، وهذا خلاف طائفة من المتكلّمين وجماعة من المفكّرين الغربيّين، لكن تبيين الموضوع ومناقشة الأقوال والآراء، والقضاء بين أدلة الطرفين والثمرات المترتبة على المسألة على وجه الإيجاز، يأتي في ضمن فصول:


(12)

1

ملاكات التحسين والتقبيح العقليّين

إنّ القول بأنّ العقل قادر على درك حسن الأفعال وقبحها، يُفسّر على وجوه، فلابدّ من ذكرها وتعيين ما هو محطّ البحث بين المثبتين والمنكرين.

1. التحسين والتقبيح الذاتيان

إذا كان الفعل الصادر عن الفاعل المختار ـ سواء أكان واجباً أم ممكناً ـ على نحو إذا نظر إليه العقل وتجرّد عن كلّ شيء، يحكم بحسنه ولزوم فعله أو بقبحه ولزوم تركه، فالعقل في قضائه هذا بالحسن أو القبح، لا ينظر إلاّ إلى نفس الموضوع، دون ما يترتّب عليه من المصالح والمفاسد العامّة، أو كونه موافقاً لغرض الفاعل أو الإنسان الحاكم أو غير ذلك من الأُمور الخارجة عن ذات الفعل، فهذا هو المسمّى بالتحسين والتقبيح العقليّين الذاتيّين.

مثاله، الإحسان و الظلم فيستقل العقل بحسن الأوّل وقبح الثاني، من دون نظر إلى مصالح الفعل أو مفاسده، أو كونه مؤمِّناً لغرض الفاعل أو الحاكم، فكأنّ الحسن والقبح داخلان في ذات الفعل وجوهره، لا ينفكان عنه، ففرض الفعل يلازم فرض أحد الحكمين.

وسيوافيك انّ هذا هو محطّ البحث بين المثبت والنافي.


(13)

2. التحسين والتقبيح في إطار المصالح والمفاسد

تؤكد هذه النظرية على القول بالتحسين والتقبيح العقليّين، لكن بالنظر إلى المصالح والمفاسد المترتبة على الفعل، ففي هذه النظرة لا يكون الفعل بما هوهو، موضوعاً للحسن والقبح كما عليه النظرية السابقة بل باعتبار كونه مبدأ للمصالح والمفاسد، وربّما يعبّر عن المصالح والمفاسد، بالأغراض والمقاصد.

والمراد منها، هي الأغراض النوعية لا الشخصية وإلاّ يلزم الهرج والمرج في وصف الأفعال، فإنّ الظلم يؤمِّن غرض الظالم، دون المظلوم فيوصف بالقبح عند الأوّل دون الثاني، بل المراد المصالح والأغراض العقلائية التي يدور عليها بقاء النظام و هذا كالعدل فانّه حسن إذ به قوام النظام، والظلم فانّه قبيح لأنّه هادم للنظام.

وسيوافيك انّ وصف الأفعال بالحسن والقبح باعتبار الآثار المترتّبة عليها وإن كان صحيحاً، لكنّه يصلح لوصف قسم من الأفعال بهما وهو أفعال الإنسان الذي يحمل فعْلُه المصلحةَ النوعية أو مفسدتها ولا يشمل فعل اللّه سبحانه فإن فعله يوصف بالحسن والقبح دون أن يكون هناك حديث المصلحة أو المفسدة كأخذ البريء بذنب المجرم، ونقض العهد والميثاق، وإساءة المحسن فانّه قبيح من دون أن يكون هنا أي فساد، فشمولية المسألة، لفعل المولى سبحانه وعبده يقتضي خروج هذا النوع من الحسن والقبح عن محط البحث.

وبما انّ الغاية الكبرى من الخوض في هذه المسألة، هو التعرف على أفعاله سبحانه وتمييز ما يجوز عليه عمّا لا يجوز، فلا محيص من القول بأنّ الملاك لوصف الفعل بالحسن والقبح في إطار عام حتّى يشتمل فعله سبحانه، هو الملاك الأوّل،


(14)

أي ما يكون الفعل بما هوهو، مجرّداً عن القيود التالية:

1. كون الفاعل واجباً أو ممكناً.

2. كون الفعل ممّا يترتّب عليه المصلحة أو لا.

3. كونه مؤمِّناً للغرض أو لا.

موضوعاً لحكم العقل بالحسن أو القبح.

3. موافقة العادات والتقاليد

إنّ لكلّ قوم عادات و تقاليد تخصّهم، فملاك الحسن والقبح موافقة الفعل للعادات والتقاليد ومخالفتها، وربّما يطلق عليه الحسن والقبح العرفيان، والتحسين والتقبيح بهذا المعنى وإن كان صحيحاً لكنّه لا يصلح لأن تكون ملاكاً للبحث عند المتكلّمين أو الأُصوليين، لانّهما بهذا المعنى يُصبحان أمرين نسبيين أوّلاً، لأنّ المعروف عند قوم ربما يكون منكراً عند قوم آخر; ولا يكون معياراً لمعرفة وصف أفعاله سبحانه ثانياً، لأنّها فوق العادات والتقاليد.

فخرجنا بالنتيجة التالية:

إنّ لوصف الأفعال بالحسن والقبح ملاكات ثلاثة فالذي يصلح لأن يكون ملاكاً للبحث في المقام، هو كون الفعل مجرّداً عن أي قيد وشرط، صالحاً لوصفه عند العقل بأحدهما، دون الملاكين الآخرين، كوصفه بهما باعتبار ما يترتّب عليه من المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار النوعية، أو باعتبار موافقته العادة السائدة على القوم أو مخالفتها، فإنّ هذين الملاكين تحدّد المسألة على وجه يخرج فعله سبحانه عن موردها.


(15)

2

تقسيم الحكمة إلى نظريّة وعمليّة

تنقسم الحكمة ، لدى الحكماء مند عهد مبكِّر إلى حكمة نظرية وحكمة عملية ، فلو تعلّق الإدراك بما من شأنه أن يُعلم، كانقسام الموجود إلى واجب وممكن، فهو حكمة نظريّة ولو تعلّق بما من شأنه أن يعمل كقولنا: العمل بالميثاق حسن ونقضه قبيح فهو حكمة عملية فالحكمتان: النظرية والعملية كلاهما من أقسام الإدراك وإنّما الاختلاف في المتعلَّق.

وهذا هو المعنى المعروف عند الفلاسفة والمتكلّمين وهو الظاهر من عبارة الفارابي حيث قال: النظرية هي التي بها يحوز الإنسان علم ما من شأنه أن يعلمه إنسان، والعملية هي التي يعرف ما من شأنه أن يعمله الإنسان بإرادته.(1)

والعقل المدرِك للحكمة الأُولى عقل نظري والمدرِك للثانية منهما عقل عمليّ وليس معناه انّ هنا عقلين مختلفين جوهراً بل عقل واحد يوصف تارة بالنظري وأُخرى بالعملي باعتبار اختلاف متعلقه.

وهنا مصطلح آخر للعقل العملي، يجعله في عداد القوى العاملة التي هي مبدأ محرّك لبدن الإنسان إلى الأفاعيل الجزئيّة(2)، أعرضنا عن ذكره تفصيلاً روماً للاختصار.


1- شرح منظومة السبزواري:310.
2- النجاة لابن سينا:164، ط مصر، و ص202 ط بيروت.


(16)

3

تقسيم القضايا إلى ضرورية وغير ضرورية

تنقسم الحكمة النظرية إلى ضرورية وغير ضروريّة فالأولى ما يحضر في النفس بلا نظر، والثانية، ما يحصل فيها بعد إعمال الفكر والنظر. وجه التقسيم انّه لو كانت القضايا بأجمعها ضروريّة لما احتاجت إلى التفكير ولم يكن هناك أية مشكلة فكرية، ولو كانت بأسرها غير ضرورية لتاه الإنسان في دوّامة من المشاكل الفكرية دون أن يجد حلولاً لها، لأنّ المفروض كون القضايا على نمط واحد، فلم يكن بد من أن تكون القضايا في الحكمة النظرية منقسمة إلى قسمين حتّى يستمد في حل غير الضروري، من الضروري.

فكما أنّ القضايا في الحكمة النظرية تنقسم إلى قسمين، فهكذا الحال في الحكمة العملية تنقسم إلى ضرورية وغير ضرورية بنفس الدليل السابق في الحكمة النظرية، فانّ القضايا التي يحكم العقل بحسنها أو قبحها، وبالتالي يمدح الفاعل ويذمُّه ويُلزم العمل على وفقه أو الاجتناب عنه لا تخلو من حالتين:

1. إمّا أن تكون قضايا واضحة يدركها العقل بلا توسيط مقدّمة، وهي القضايا الضرورية في الحكمة العملية.

وامّا أن لا يدركها إلاّ بإرجاعها إلى قضايا أُخرى حتّى تنتهي إلى أُم القضايا


(17)

العملية الضرورية لتكون مفتاحاً لحمل سائر القضايا.

فإذا كان امتناع اجتماع الضدّين أو ارتفاعهما أُمّ القضايا في الحكمة النظرية وبهما تثبت صحّة كلّ القضايا في العلوم، فحسن العدل وقبح الظلم أُمّ القضايا في الحكمة العملية، فلا يحكم بحسن شيء أو قبحه إلاّ إذا انطبق على الفعل أحد العنوانين.

وبذلك يظهر انّ تقسيم القضايا إلى ضروريّة وغير ضروريّة، لا ينحصر بالحكمة النظريّة، بل يعمّ القسمين، والدليل على التقسيم جار في كلا القسمين.


(18)

4

أدلّة القول بالتحسين والتقبيح العقليّين

أقام القائلون بالتحسين والتقبيح العقليّين أدلّة ساطعة على أنّ العقل يدرك حسن الأفعال وقبحها ولا يقتصر على مجرّد الإدراك، بل يبعث إلى الأوّل و يمدح فاعله، ويزجر عن الثاني ويذم فاعله، والرسالة الحاضرة لا تتحمل البسط بنقل عامة الدلائل ونكتفي من الكثير بالقليل.

الأوّل: بداهة العقل

كلّ إنسان يجد في نفسه حسن العدل و قبح الظلم، وإذا عَرَضَ الموضوعين على وجدانه، يجد في نفسه نزوعاً إلى العدل واستحساناً له ، وتنفراً عن الظلم وتقبيحاً له، وهكذا سائر الأفعال التي تعد من مشتقات العدل والظلم.

ولقائل أن يقول: إنّ الحكم بالتحسين والتقبيح ليس ناتجاً من صميم العقل وإنّما هو وليد التعاليم الدينية الراسخة التي يعتمد عليها المصلحون في دعوتهم فصار ذلك سبباً لرسوخ تلك الفكرة في أذهان الناس.

لكن وقفة قصيرة أمام هذا السؤال تبطل هذا الاحتمال، إذ لو كانت الفكرة ناتجة من دعوة المصلحين لاختصت الفكرة بهم وبمن وقع في إطار دعوتهم، ولكنّا نجد الفكرة أوسع من ذلك فقد غطَّت كافةَ الأُمم وطوائف البشر حتّى الّذين لا


(19)

يمتلكون ايماناً بالشرائع.

وإلى ما ذكر يشير العلاّمة الحلي في شرح تجريد الاعتقاد و يقول: إنّا نعلم بالضرورة حسن بعض الأشياء، وقبح بعضها من غير نظر إلى شرع، فإنّ كلّ عاقل يجزم بحسن الإحسان ويمدح عليه وبقبح الإساءة والظلم ويذم عليه، وهذا حكم ضروري لا يقبل الشك وليس مستفاداً من الشرع لحكم البراهمة والملاحدة به من غير اعتراف بالشرائع.(1)

الثاني: عدم ثبوتهما مطلقاً لو قلنا بالشرع فقط

إنّ نفاة القول بالتحسين والتقبيح العقليّين ذهبوا إلى أنّ التعرّف على حسن الأفعال وقبحها رهن بيان الشرع، فما حسّنه الشارع فهو حسن وما قبحه فهو قبيح، وليس للعقل سبيل إلى معرفة حسن الأفعال وقبحها، ولكنّهم غفلوا عن مضاعفات هذا القول، إذ لازمه عدم ثبوت الحسن والقبح مطلقاً حتّى الشرعي منهما .

بيان ذلك: أنّه لو قلنا بأنّه لا سبيل للعقل إلى معرفة حسن الفعل أو قبحه ولا يُعرفان إلاّ بتصريح الشرع بأنّ العدل حسن أو الظلم قبيح، لا يحصل الجزم بقوله، لتجويز الكذب عليه وبالتالي نحتمل أن يكون ما وصفه بالحسن، قبيحاً واقعاً، وما وصفه بالقبح، حسناً كذلك.

ولو افترضنا انّ الشارع أضاف إلى ما ذكره قوله: الصدق حسن والكذب قبيح، لا ينفعنا في الجزم بما حكم على العدل والظلم، من تحسين الأوّل وتقبيح الثاني لتجويز الكذب عليه في كلّ ما يخبر حتى قوله: «الصدق حسن» «والكذب قبيح» ، فلا يدفع هذا الاحتمال إلاّ بثبوت حسن الصدق وقبح الكذب قبل كلّ


1- كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد:59 المطبوع مع تعاليقنا عليه.


(20)

شيء بفضل العقل فما لم يثبت هذا الأصل بدليل العقل وحكمه لما حصل اليقين بصدق الأحكام الصادرة عن الشارع .

وحصيلة الكلام: أنّه ما لم يثبت حسن الصدق و قبح الكذب عن طريق العقل لا يثبت حسن أيِّ فعل أو قبحه بحكم الشرع، لأنّه من المحتمل أن يأمر بما هو المنكر عنده أو ينهى عمّا هو المعروف عنده ولو أخبر عن طريق أنبيائه وسفرائه انّه إنّما يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الفحشاء والمنكر، فلا يحصل اليقين بصدق كلامه وأخباره، لمكان احتمال الكذب في كلامه هذا، ولا يُنفى هذا الاحتمال إلاّ إذا ثبت عن غير طريق الشرع حسن الأوّل وقبح الثاني وانّه سبحانه فاعل مختار حكيم، مثله لا يكذب، ولا يعبث بكلامه.

ولو تدبّر نفاة القول بالتحسين والتقبيح العقليّين في هذا الدليل لرجعوا عن إنكارهم إلى الصراط المستقيم .

الثالث: إنكارهما يلازم امتناع إثبات الشرائع السماوية

من ادّعى السفارة من اللّه سبحانه وكونه نبيّاً مبعوثاً عنه، لا يمكن لنا تصديقه إلاّ في ظل القول بالحسن والقبح العقليّين، لأنّ الدليل الوحيد أو المؤثر على عامة الطبقات، كونه مبعوثاً بالمعاجز والبيّنات، فيستدلُّ بها على أنّه كان مبعوثاً من اللّه سبحانه لهداية الناس، هذا من جانب.

ومن جانب آخر انّ المعاجز لا تفيد اليقين بأنّه مبعوث من اللّه سبحانه إلاّ إذا ثبت أصل في باب النبوة وهو:

انّه سبحانه لا يزوِّد الكاذب بقدرة خارقة ليضلّ الناس عن طريقه لأنّه أمر قبيح عقلاً لا يصدر منه سبحانه، فلو لم يثبت هذا الأصل بحكم العقل لا يمكن الإذعان بصدق دعواه لاحتمال انّ المزوَّد بالمعاجز، مدّع كاذب، إذ لم يثبت بعدُ


(21)

قبح تسلط الكاذب على المعاجز و البيّنات.

ولو صدع الشارع بأنّه لا يسلط الكاذب على القوة الخارقة، لا يمكن الإيمان بصدق قوله، لعدم ثبوت قبح الكذب على الشارع كما مرّ في الدليل الأوّل.

يقول العلاّمة الحلّي حول هذا الدليل: لو كان الحسن والقبح سمعيّاً لا عقلياً، لما قبح من اللّه شيء، و لو كان كذلك لما قبح منه تعالى إظهار المعجزات على يد الكاذبين، وتجويز ذلك يسدّ باب معرفة النبوة إذ إظهار المعجزة بعد ادّعاء النبوة لا يكون دليلاً لصدق ادّعائه إذا كان باب احتمال إظهار المعجزة على يد الكاذب مفتوحاً.(1)

الحسن والقبح العقليّان في الذكر الحكيم

من سبر القرآن الكريم وأمعن في دعوته إلى الصلاح والفلاح يقف على أنّ القرآن يتّخذ وجدان الإنسان قاضياً ليحكم في قضايا كثيرة بشيء يرجع إلى الحسن والقبح، فالآيات التي نتلوها عليك تُسلّم انّ الإنسان الحرّ المجرّد عن سائر النزعات، قادر على درك حسن الفعل أو قبحه، ولذلك يترك القضاء فيها إليه ويقول:

1.(أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقينَ كَالْفُجّار).(2)

2. (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمين) .(3)

3. (هَلْ جَزاءُ الإِحْسانِ إِلاّ الإِحْسان) .(4)

ففي هذه الطائفة من الآيات يوكِّل الذكر الحكيم القضاءَ إلى وجدان


1- نهج الحقّ وكشف الصدق، 84 بتصرف.
2- ص:28.
3- القلم: 35.
4- الرحمن:60.


(22)

الإنسان، وانّه هل يصحّ التسوية بين المفسدين والمتّقين، والمسلمين والمجرمين، كما يتّخذ من الوجدان قاضياً، في قوله: (هَلْ جَزاءُ الإِحْسان إِلاّ الإِحْسان) .

وهناك آيات أُخرى تأمر بالمعروف كالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وتنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي على نحو تسلِّم انّ المخاطب بها، يعرفها معرفة ذاتية ولا يحتاج إلى الشرع ليعرِّفه الموضوع، وكأنّ الشرع يؤكد ما يجده الإنسان بفطرته، يقول سبحانه:

1.(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي القُربى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَر وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون) .(1)

2. (قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنْ) .(2)

3. (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَر ) .(3)

وكيفية دلالة هذه الآيات على قابلية العقل على درك الحسن والقبح عُلِمَتْ ممّا سبق.

وثمة آية أُخرى تندِّد بعمل المشركين حينما ينسبون بعض أعمالهم المنكرة إلى أمره سبحانه، وهو يردُّ عليهم بأنّ عملهم فحشاء واللّه لا يأمر به، والآية صريحة في انّ الإنسان بفضل الوجدان يعرف الفحشاء عن غيرها بلا حاجة إلى تعريف الشارع، كما هي صريحة في انّ اللّه سبحانه منزّه عن ارتكاب القبائح والمنكرات التي يعرفها الانسان بوجدانه، ويقول:

(وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاء).(4)

إلى هنا تمت أدلة القائلين بالتحسين والتقبيح العقليّين.


1- النحل:90.
2- الأعراف:33.
3- الأعراف:157.
4- الأعراف:28.


(23)

5

أدلّة المنكرين للتحسين والتقبيح العقليّين

ذهبت الأشاعرة تبعاً لأهل الحديث إلى أنّ الفعل عاجز عن إدراك حسن الأفعال وقبحها و وإنكارهم هذا أشبه بإنكار السوفسطائيين في إنكار الحقائق الخارجية، حتّى وجودهم وأنفسهم لأجل شبهات واهية، وذلك لأنّه لا يوجد على أديم الأرض إنسان ينكر جداً حسن الإحسان وقبح الظلم، حسن العمل بالميثاق وقبح نقضه، حسن جزاء الإحسان بالإحسان وقبح جزائه بالسوء، إلى غير ذلك من القضايا الواضحة التي تعد أُسساً للحياة الفردية والاجتماعية.

وهؤلاء المنكرون وإن رفعوا راية الإنكار ولكنّهم تراجعوا عنها باختراع معاني متعددة للحسن والقبح فسلّموا حكم العقل بالتحسين والتقبيح في بعضها دون البعض الآخر وليس التعرّف عليها بمهم.

وإنّما المهم في المقام دراسة أدلّتهم على الإنكار، وإليك البيان:

الأوّل: لو كانا بديهيين لما اختلف فيه اثنان

لو كان العلم بحسن بعض الأفعال وقبحها ضرورياً لما وقع التفاوت بينه و بين العلم بزيادة الكل على الجزء، و الثاني باطل بالوجدان، لوقوع الاختلاف بين العلمين، فانّ العلم بزيادة الكلّ على الجزء أوضح و أبين من التحسين والتقبيح.


(24)

على هامش الاستدلال

الاستدلال كأنّه مبني على ردّ الدليل الأوّل للمثبتين حيث قالوا: إنّ حسن الأفعال وقبحها من الأُمور البديهية، فردّ عليه النفاة بأنّه لو كان بديهياً، لما تفاوت العلمان: العلم بزيادة الكلّ على الجزء وحسن العدل وقبح الظلم، والعلوم الضرورية لا تتفاوت .

والاستدلال مبني على أصل غير أصيل وهو عدم وجود التفاوت في العلوم الضرورية، وذلك لأنّ القضايا اليقينية التي تتمتع بالبداهة على أقسام ستة وكلّها قضايا ضرورية مع وجود التفاوت بينهما.

1. الأوّليات: الكلّ أعظم من الجزء.

2. المشاهدات: وهي إمّا مشاهدة ظاهرية كقولنا: الشمس مشرقة، أو باطنية، كقولنا انّ لنا جوعاً وعطشاً.

3. التجربيات: انبساط الفلز في الحرارة.

4. الحدسيات: نور القمر مستفاد من الشمس.

5. المتواترات: مكّة المكرمة موجودة.

6. الفطريات: الأربعة زوج.

فأين قولنا: «الكلّ أعظم من الجزء» الذي يعد من الأوّليات في البداهة من قولنا: «نور القمر مستفاد من الشمس» الذي هو من الحدسيات، فوجود التفاوت بين هذه العلوم واضح جدّاً.

وأمّا سبب التفاوت فيرجع غالباً إلى وجود الاختلاف بين تصوّر مفرداتها. مثلاً قوله:«كلّ ممكن يحتاج إلى علّة»، حكم بديهي كما أنّ قولنا:«الكلّ أعظم من


(25)

الجزء» أيضاً بديهي، وسبب الاختلاف يرجع إلى أظهريّة مفردات الثاني من مفردات الأوّل، فأين الإمكان والحاجة والعلة في الظهور من «الكل» و«الجزء» و«العِظَم»، فاختلاف المفردات من حيث الظهور و الخفاء، يورث ظهوراً وخفاءً في المركب أيضاً.

الثاني: الكذب النافع ليس بقبيح

«لو كان الكذب قبيحاً، لكان الكذب المفضي إلى تخليص النبي من يد الظالم قبيحاً أيضاً، والتالي باطل لأنّه يحسن تخليص النبي من يد الظالم ، فالمقدّم مثله، فيصبح الكذب النافع غير قبيح، فلو كان قبح الكذب ذاتيّاً، لما تغيّر قبحه، بل يبقى عليه وإن ما بلغ.

على هامش الاستدلال

إنّ في المقام أمرين قبيحين:

1. الكذب والإغراء بالجهل.

2. ترك نصرة النبي وتعريضه للهلاك.

وقد دار الأمر بين ارتكاب أحد القبيحين.

1. أن يكذب و فيه نجاة النبي.

2.أن يترك نصرة النبي ويعرّضه للهلاك وفيه ترك الكذب القبيح.

والعقل عندئذ يحكم بتقديم أخف القبيحين على الآخر، تخلصاً عن ارتكاب الأقبح. فالكذب باق على قبحه، لكنّه يقدّم ارتكابه على الأقبح ويكون معذوراً في ارتكابه.

ويمكن أن يقال: إنّ إنقاذ النبي لا يتوقّف على الكذب مطلقاً إذا كان باب التعريض والتورية مفتوحاً، و لهذا قيل:«إنّ في التعاريض لمندوحة».


(26)

الثالث: التحسين والتقبيح فرض تكليف على اللّه

هذا الدليل هو أكثر تداولاً على ألسنة السُذَّج من الناس الذين يغترون بأدلّة المنكرين للتحسين والتقبيح العقليّين قالوا بأنّ القائلين بهما يوجبون على اللّه ما يوجبون على العبد، ويحرِّمون عليه من جنس ما يحرمون على العبد، ويسمّون ذلك العدل، و الحكمة مع قصور عقلهم عن معرفة حكمتهم.(1)

على هامش الاستدلال

إنّ المستدل خلط بين فرض التكليف على اللّه، وكشف ما عنده من الحُكْم من خلال صفاته وكماله، فالقائل بالملازمة لا يفرض التكليف على اللّه، ويقول: أين التراب ورب الأرباب، بل يستكشف ما عنده من الأحكام من خلال دراسة صفاته الكمالية، فهو بما انّه عادل، لا يجور، وحكيم لا يعبث، وعالم لا يجهل، نستكشف بها الأحكام اللائقة به حسب صفاته فالتكاليف يستنبطها العقل من قبيل التكاليف التي فرضتها على اللّه حكمته وعدله وعلمه. فلو قلنا لا يجوز على اللّه سبحانه تعذيب البريء أو أخذه بذنب المجرم، لا نعني انّا نفرض هذا التكليف عليه، وانّه يجب أن يقوم به، وإنّما نريد أنّ لازم صفاته الكمالية هو أن لا يفعل ذلك.

وهذا نظير ما يقوم به العلماء من كشف أسرار الطبيعة وقوانينها، فلو قال القائل: بأنّ زوايا المثلث تساوي قائمتين، فهذا لا يعني إلاّ أنّه في الواقع كذلك، لا انّه يجب أن يكون كذلك لأجل حكمه به.


1- التبصير في الدين:153; شرح المقاصد:2/150طبعة اسطنبول.


(27)

فإذا كان النظام السائد على الكون نظاماً مبنياً على العلم والعدل والحكمة فلازم ذلك أن لا يؤخذ البريء بذنب المجرم، فكشف هذا الحكم نظير كشف القوانين السائدة على الكون في العلوم الطبيعية والرياضية والفلكية.

وفي كلام بعض الأشاعرة إلماع لما ذكرنا، يقول النسفي (المتوفّى537هـ): وفي إرسال الرسل، حكمة.

ويقول التفتازاني (المتوفّى791هـ) في شرحه على ذلك الموضع من كلام النسفي: أي مصلحة وعاقبة حميدة. وفي هذا إشارة إلى أنّ الإرسال واجب لا بمعنى الوجوب على اللّه تعالى، بل بمعنى أنّ قضية الحكمة تقتضيه لما فيه من الحِكَم والمصالح وليس بممتنع.(1)

وكلامه هذا نفس ما ذكرناه، وهذا دليل على أنّ الأشاعرة قد أظهروا نوعاً من المرونة للعدلية عبْـر الزمان.

الدوافع من وراء إنكار التحسين والتقبيح العقليّين

إنّ التحسين والتقبيح العقليّين من المسائل الواضحة لدى العقل والعقلاء والتي لا تحتاج إلى مزيد بيان، ومن أنكرهما فإنّما ينكرهما بلسانه دون قلبه، وعلى الرغم من ذلك نرى وجود فئة كبيرة من المتكلّمين ـ كالأشاعرة ـ غلب عليهم إنكار هذا الأصل، فما هو الدافع الذي جرّهم إلى إنكاره؟

أقول: إنّ الدافع من وراء إنكار الحسن والقبح في أفعاله سبحانه غير الدافع الذي جرّهم إلى إنكارهما في أفعال الإنسان.


1- شرح العقائد النسفية:164.


(28)

فالدافع في الأوّل هو زعمهم المنافاة بين القول بهما و بين وصفه سبحانه بالمالك المطلق والسلطان بلا منازع الذي له أن يتصرف في ملكه كيف ما شاء حتى لو جازى الإحسان بالسوء.

كما أنّ الدافع في الثاني(إنكارهما في أفعال الإنسان) هو قولهم بالجبر في أفعاله وانّ الإنسان مضطر في فعله لا محيص له عن ارتكابه، ومع ذلك كيف يمكن أن يوصف فعله بالحسن و القبح؟!

يقول المحقّق الخراساني (المتوفّى1329هـ) في هذا الصدد:

وإنّما أنكر الأشاعرة الحسن والقبح العقليّين مطلقاً، أو في أفعاله تعالى فلبنائهم انّه تعالى كلّما فعل، صدر منه في محله، لأنّه مالك الخلق كلّه، فلو أثاب العاصي وعاقب المطيع لم يأت بقبيح، لأنّه تصرّف في ملكه، وهو لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون.

وأمّا في أفعال العباد، فلبنائهم على عدم صدور الأفعال منهم بالاختيار، بل بالجبر والاضطرار، ولا شيء من أفعال المجبور بحسن ولا قبيح.(1)

الرابع: جواز التكليف بما لا يطاق

اعتمد الفخر الرازي في إنكاره للحسن والقبح العقليّين على أنّ التكليف بما لا يطاق قبيح عقلاً عند العدلية، مع أنّ الشرع أمر به، وإليك نصّه:

1. لو كان قبيحاً لما فعله اللّه تعالى، وقد فعله بدليل أنّه كلّف الكافر بالإيمان، مع علمه بأنّه لا يؤمن، وعلمه بأنّه متى كان كذلك كان الإيمان منه محالاً.


1- درر الفوائد في شرح الفرائد:339.


(29)

2. لأنّه كلّف أبا لهب بالإيمان، ومن الإيمان تصديق اللّه تعالى في كلّ ما أخبر عنه، وممّا أخبر عنه أنّه لا يؤمن، فقد كلّفه بأن يؤمن بأنّه لا يؤمن، وهو تكليف الجمع بين الضدين.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الرازي تصور انّه قد وقف على دليل حاسم في المقام، فاستدلّ بما ذكرته المجبرة قبله بقرون وأجابت عنه العدلية بوجوه، وقال الرازي في بعض كلماته: لو اجتمعت جملة العقلاء لم يقدروا على أن يوردوا على هذا الوجه حرفاً إلاّ بالتزام مذهب هشام وهو انّه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها.(2)

أقول: إنّ ما نسبه إلى هشام بن الحكم فرية عليه كما أوضحناه في محله(3) ، وإليك الإجابة عن الدليلين الأوّلين، أمّا الدليل الأوّل فلأنّ علمه الأزلي لم يتعلّق بصدور كلّ فعل من فاعله على وجه الإطلاق، بل تعلّق علمه بصدور كل فعل عن فاعله حسب الخصوصيات المتوفرة فيه.

وعلى ضوء ذلك فقد تعلّق علمه الأزلي بصدور الحرارة من النار على وجه الجبر، بلا شعور، كما تعلّق علمه الأزلي بصدور الرعشة من المرتعش، عالماً بلا اختيار، ولكن تعلّق علمه سبحانه بصدور فعل الإنسان عن اختيار منه، فتعلّق علمه بوجود الإنسان وصدور فعله منه اختياراً، يؤكِّد الاختيـار ويدفع الجبر عن ساحة الإنسان.

وإن شئت قلت: إنّ العلّة إذا كانت عالمة شاعرة، ومريدة ومختارة كالإنسان، فقد تعلّق علمه بصدور أفعالها منها بتلك الخصوصيات وانصباغ


1- المحصل: 153، ط دارالفكر; نقد المحصل: 339، ط طهران.
2- شرح المواقف: 8/155.
3- لب الأثر في الجبر والقدر:150


(30)

فعلها بصبغة الاختيار والحرية، فلو صدر فعل الإنسان منه بهذه الكيفية لكان علمه مطابقاً للواقع غير متخلّف عنه، وأمّا لو صدر فعله منه عن جبر واضطرار بلا علم وشعور، أو بلا اختيار وإرادة، فعند ذلك يتخلّف علمه عن الواقع.

وأمّا الجواب على الدليل الثاني فحاصله: انّ أبا لهب مكلّف بالإيمان لكونه أمراً اختيارياً له، وأمّا الإخبار بعدم إيمانه فقد نزل به الوحي بعدما ختم اللّه على قلبه، وعندئذ فليس مكلّفاً بما جاء في القرآن من أنّه لا يؤمن بل هو من اخبارات القرآن كسائر أخباره.

إلى هنا تمّ بيان أدلّة المثبتين والمنكرين، وأظن انّ الحقّ تجلّى بأجلى مظاهره، وهو أحقّ أن يتبع، و ما جاء به المنكرون تسويلات سحروا أعين المغترين بها واسترهبوهم ولكن نور الحقيقة لا يفتأ متبلحا.

بقي الكلام في الآثار والثمرات المترتبة على القاعدة وهو موضوعنا في الفصل الآتي .


(31)

6

النتائج المترتّبة

على التحسين والتقبيح العقليّين

إنّ قيمة كلّ بحث رهن الآثار التي تترتّب عليه، والثمار التي يقتطفها الباحث، ومن حسن الحظ انّ للمسألة دوراً عظيماً في العلوم الإنسانية لا سيما في الكلام والأخلاق، وقد مضى الالماع إليه في صدر الرسالة وإليك شيئاً من هذه الثمرات.

1. وجوب المعرفة عقلاً

اتّفق المتكلمون على لزوم معرفة المنعم، لكن اختلفوا في وجه لزومه .

ذهبت الأشاعرة المنكرون للحسن والقبح العقليّين إلى أنّ معرفة المنعم (اللّه سبحانه) واجبة شرعاً مع أنّه أمر غير معقول، إذ كيف تجب معرفته شرعاً مع أنّ الشريعة لم تثبت بعدُ حتّى يثبت وجود معرفة اللّه في ضمن سائر أحكامه.

وذهبت الإمامية والمعتزلة إلى أنّ معرفته واجبة عقلاً، و استدلّوا على ذلك بوجهين:


(32)

الف: لزوم شكر المنعم

لا شكّ انّ حياة الإنسان رهن النعم التي يعيش فيها، فليس مصدر النعم هو نفسه بل شخص آخر هذا من جانب.

ومن جانب آخر انّ العقل يدفع الإنسان إلى شكر من أحسن إليه ولا يصح الشكر إلا بمعرفته ،فينتج وجوب معرفته عقلاً.

ب: دفع العقاب المحتمل بالمعرفة

إنّ معرفة اللّه دافعة للخوف الحاصل من الاختلاف، ودفع الخوف حسن بالضرورة.(1)

توضيحه: انّه ذهب الإلهيون إلى أنّ العالم وما فيه مخلوق للّه سبحانه ـ و هم جماهير الناس، و إن خالفهم شرذمة قليلة من المادّيين ـ و يدّعون أنّ للّه سبحانه سفراء و أنبياء حوّل إليهم بيان وظائف العباد في أبعاد مختلفة و إنّ في مخالفتهم مضاعفات وعقوبات.

وحيث إنّ الإنسان يحتمل جداً صدق مقولتهم فيبعثه عقله إلى وجوب معرفته ومعرفة سفرائه ويحسنه كما يزجره عن ترك المعرفة ويقبحه، ولولا القول بالحسن والقبح العقليّين لما كان هناك أي باعث إلى معرفته سبحانه.

2. وصفه بالعدل والحكمة

إنّ وصفه سبحانه بالعدل والحكمة فرع ثبوت التحسين والتقبيح العقليّين، ولولا استقلال العقل بحسن العدل وقبح الظلم لما صحّ وصفه سبحانه بالعدل أو


1- نهج الحق وكشف الصدق: 51 .


(33)

تنزيهه عن الظلم، ونظير ذلك وصفه بكونه حكيماً لا يعبث، لأنّ الفعل العبث قبيح عقلاً، و من عزل العقل عن درك التحسين والتقبيح العقليين لما تسنّى له إثبات هذين الوصفين له والاعتماد في إثباتهما على اخبار الشرع قد علمت عدم صحّته.(1)

الدليل على نفي صدور القبيح عن اللّه سبحانه

اعتمد المتكلّمون على نفي صدور القبيح منه سبحانه على وصفين:

أ. علمه بالحسن والقبح.

ب. غناه وعدم حاجته إلى شيء.

ونحن في حياتنا اليومية نشاهد ذلك بالعيان، فانّ من يرتكب القبيح فإنّما يرتكب لإحدى جهتين:إمّا لجهله بقبح الفعل، أو لإحساس الحاجة إليه (وإن كان ربّما لا يكون محتاجاً إليه في الواقع) ومن فقد هذين الأمرين فلا يصدر منه القبيح.

فإذا كان هذا هو السبب الأساسي لصدور القبيح من الإنسان، فهذا هو السبب أيضاً في صدوره عن اللّه سبحانه، فإذا كان سبحانه نفس العلم والغنى يمتنع صدور فعل القبيح منه.

3. لزوم اللطف على اللّه

اللطف عبارة عمّا يكون المكلّف معه أقرب إلى فعل الطاعة و أبعد عن فعل المعصية، وقد قسموا اللطف إلى :المقرِّب نحو الطاعة، وإلى المحصِّل لها; فلو كان موجباً لقرب المكلّف إلى فعل الطاعة والبعد عن فعل المعصية، فهو لطف مقرّب، ولو ترتّبت عليه الطاعة فهو لطف محصّل.


1- لاحظ ص 19 من الكتاب.


(34)

وحاصل اللطف عبارة عن فسح المجال أمام المكلّف بُغْية حصول الطاعة والابتعاد عن المعصية، وهو أمر غير إعطاء القابلية للمكلّف بل فوقه، فانّ القدرة شرط عقلي ولولاها لقبح التكليف، والمراد انّه سبحانه يتلطّف على العبد ـ وراء إعطائه القابلية والقدرة ـ بفعل أُمور يرغب معها إلى الطاعة وترك المعصية، فلو توقّف تحصيل الغرض(طاعة العبد) وراء إعطاء القدرة، على فعل المرغِّبات إلى الطاعة وترك المعصية كوعده وإيعاده كان على المكلِّف القيام به لكيلا ينتفي الغرض، وإلى هذا الدليل يشير المحقّق الطوسي، ويقول: واللطف واجب لتحصيل الغرض به.

4. بعثة الأنبياء

إنّ العقل يحكم بلزوم بعث الأنبياء، وذلك لأمرين رئيسيّين:

الأوّل: انّ للعقل أحكاماً كلية كلزوم شكر المنعم وعبادته، إلاّ أنّه عاجز عن الخوض في تفاصيلها، فوجب من باب اللطف بعث الأنبياء، لغاية إيضاح كيفية أداء الواجب و بيان المزيد من التفاصيل.

الثاني: انّ إدراك العقل حسن الفعل أو قبحه ربّما لا يكون باعثاً أو زاجراً إلاّ إذا افترض بوعد ووعيد من قبل المولى سبحانه وهو لا يتحقّق إلاّ ببعث الأنبياء الناطقين عنه سبحانه، وبذلك يعلم أنّ دور الأنبياء بالنسبة إلى ما يدركه العقل أحد أمرين، إمّا دور الإرشاد إلى التفاصيل التي لا يدركها العقل، وإمّا دور الدعم لحكمه.

5. حسن التكليف

إذا كان فعله سبحانه منزّهاً عن العبث، يستقلّ العقل بالحكم بلزوم إيصال


(35)

كلّ مكلّف إلى الغايات التي خلق لها، وذلك بتكليفهم بما يوصلهم إلى الكمال، وزجرهم عمّا يمنعهم عنه، حتى لا يُتركوا سدىً وتنفتح في ضوء التكليف طاقاتهم الروحيّة وعلم الإنسان بالحسن والقبح لا يكفي في استكماله، إذ هناك أُمور يقصر عن إدراك حكمه، علم الإنسان ، ولا تعلم إلاّ عن طريق الوحي والشرع.

مضافاً إلى أنّ حفظ النظام أمر حسن واختلاله وزعزعته أمر قبيح، ولا يسود النظام في المجتمع الإنساني إلاّ بتقنين قوانين سماويّة(1) تكفل تحقيق العدل والمساواة بين كافة الشعوب.

إلى غير ذلك من الثمرات المذكورة لحسن التكليف.

6. لزوم تزويد الأنبياء بالبيّنات والمعاجز

إنّ بداهة العقل قاضية بعدم جواز الخنوع والخضوع لأي ادّعاء مالم يعضده الدليل والبرهان، فمقتضى الحكمة الإلهية تزويد الأنبياء بالمعاجز والبيّنات حتى تتحقّق الغاية المتوخّاة من بعثهم، ولولاها لأصبح بعثهم سدىً وعملاً بلا غاية وهو قبيح.

7. لزوم النظر في برهان مدّعي النبوة

إذا كان مقتضى الحكمة الإلهية دعم الأنبياء بالبراهين، فيلزم على العباد عقلاً النظر في برهان مدّعي النبوة، لاستقلال العقل بذلك، ولدفع الضرر المحتمل.

وأمّا من عزل العقل عن الحكم في ذلك المجال، فليس له أن يثبت لزوم النظر إلاّ عن طريق الشرع، وهو بعد غير ثابت، فتطرح مشكلة الدور.


1- خرجت الوضعية فانّها لا تسعد بها الإنسان، العيان يكفيك عن البيان.


(36)

8. العلم بصدق دعوى الأنبياء

إذا اقترنت دعوة المتنبّئ بالمعاجز والبيّنات الواضحة ـ فبناء على استقلال العقل بالحسن و القبح العقليّين ـ لحكمنا بصدقه، لقبح إعطاء البيّنات للمدّعي الكذّاب لما فيه من إضلال الناس، وأمّا إذا عزلنا العقل عن الحكم المذكور، فلا دليل على صدق نبوّته.

9. الخاتمية واستمرار أحكام الإسلام

إنّ استقلال العقل بالتحسين والتقبيح ـ بالمعنى الذي عرفت ـ أساس الخاتمية وبقاء أحكام الإسلام وخلودها إلى يوم القيامة، لأنّ الفطرة ـ التي هي العماد لإدراك الحسن والقبح ـ مشتركة بين جميع أفراد البشر ولا تتبدّل بتبدّل الحضارات وتطور الثقافات، فإنّ تبدّلها لا يمسّ فطرة الإنسان ولا يُغير جبلته، فيصبح ماتستحسنه الفطرة أو تستقبحه خالداً إلى يوم القيامة، دون أن يتطرّق إليه التبدّل والتغيّر .

10. اللّه عادل لا يجور

من أبرز مصاديق حكمته ـ تعالى ـ هو عدله، بمعنى قيامه بالقسط، وأنّه لا يجور ولا يظلم، ويترتب عليه بعض النتائج التي منها:

أ. قبح العقاب بلا بيان

إذا كان اللّه تعالى عادلاً، فانّه لا يعاقب عباده دون أن يبيّن لهم تكاليفهم، لحكم العقل بقبح العقاب بلا صدور بيان، أو مع صدور دون أن يقع في متناول العباد، ولزوم تنزّه الواجب عنه.


(37)

ب. قبح التكليف بما لا يطاق

من نتائج حكم العقل بعدله تعالى، حكمه بلزوم تكليفه بما يطيقه العبد، وأنّ تكليفه وإلزامه بما هو فوق طاقته ظلم وقبيح لا يصدر عن الحكيم.

ج. مدَى تأثير القضاء و القدر في مصير الإنسان

هذه المسألة على الرغم من أهميتها البالغة في العقيدة الإسلامية، فقد احتدم الجدل حولها إلى درجه التكفير وإراقة الدماء خاصة في العصور الأُولى، فهل تأثيرهما إلى حدّ يسلب الاختيار عن الإنسان، أو لا. والأوّل قبيح عند العقل فيتعين الثاني.

د. اختيار الإنسان.

من جملة المسائل المترتبة على عدله تعالى، اختيار الإنسان في أفعاله دون أن يكون مجبوراً مسيَّراً فيما يقوم به من ظلم وجور.

11. ثبات الأخلاق والقيم

إنّ مسألة ثبات الأخلاق في جميع العصور و الحضارات أو تبدّلها تبعاً لاختلافها، ممّا طرح مؤخراً عند الغربيّين ودارت حوله نقاشات حادة، فمن قائل بثبات أُصولها، ومن قائل بتبدّلها وتغيّرها حسب تغير الأنظمة والحضارات، ولكن المسألة لا تنحل إلاّفي ضوء التحسين والتقبيح العقليّين الناشئين من قضاء الجبلّة الإنسانية والفطرة الثابتة، فعند ذاك تتسم أُصول الأخلاق بسمة الثبات والخلود.

خذ على سبيل المثال «إكرام المحسن» فانّه أمر يستحسنه العقل، ولا يتغير حكم العقل هذا أبداً، وإنّما الذي يتغيّـر بمرور الزمان، وسائل الإكرام وكيفيته.


(38)

إنّ الثابت عبارة عن الأُصول الفطرية التي لها جذور في عمق الإنسان، وطبيعته، وبما انّ الفطرة الإنسانية واحدة في جميع الشرائط والظروف لا تتغير بتغيّرها، تُصبح الأُصول المبنية على الفطرة الإنسانية أُصولاً ثابتة لا تتغيّر أيضاً، فقوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِوَالإِحْسانِ وإِيتاءِ ذِي الْقُربى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون) (1) ثابت ولا يتغيّر عبر القرون، لأنّ العدل والإحسان قد جبل الإنسان عليهما، نعم ثمة تغيّـر يطرأ على الأساليب المقررة لإجراء تلك الأُصول الثابتة تبعاً لتغيّر الزمان، فهي لم تزل تتغيّر حسب تغيّر الحضارات وهذا التغيّر ليس جوهرياً يمس ثبات تلك الأُصول.

إنّ للإنسان ـ مع غض النظر عن البيئة التي يعيش فيها ـ سلوكاً باطنياً يلازمه ولا ينفك عنه، وفطرة ثابتة ويعدّ جزءاً مهماً من شخصيته يميّزه عن سائر الحيوانات ويلازم وجوده في كلّ زمان ومكان.

فهذا السلوك الباطني الثابت لا يستغني عن قانون ينظم اتجاهاته، ويصونه عن الإفراط والتفريط، فإذا كان القانون مطابقاً لمقتضى فطرته، وصالحاً لتعديل ميولها، لزم خلوده بخلوده، وثبوته بثبوته، فمن زعم أنّ الأخلاق تتطور حسب تطور الظروف والشرائط غفل عن أنّ للإنسان سلوكاً باطنياً وفطرة ثابتة لا تنفك عنه مادام الإنسان إنساناً.

نعم إنّ الذي يتغيّر وتتغيّر بتبعه العادات والتقاليد، لا صلة له بالأخلاق وثباتها، وها نحن نذكر من الأُصول الثابتة في علم الأخلاق نماذج:

1. لا يشك ذو مسكة أنّ بقاء النظام في المجتمع الإنساني رهن قوانين


1- النحل:90


(39)

تؤمِّن حقوق جميع شرائح المجتمع بعيداً عن الظلم والجور والتعسّف، وهذا أصل ثابت لا يشك فيه أحد، بيد أنّ الذي يتغيّر هو الأساليب التي تتكفّل إجراء هذا الأصل، فلا تجد على أديم الأرض من ينكر حسن تقنين مبنيّ على العدل وبسطه بين الناس، وقبح الظلم والتعسف.

وهذا الأصل الثابت لم يتغيّر منذ انوجد الإنسان على البسيطة وأصبحت له حياة اجتماعية.

2. الاختلاف بين الرجل والمرأة أمر تكويني محسوس، فهما موجودان مختلفان عضوياً وروحياً على الرغم من الأبواق الإعلامية التي تبغي كسر الحواجز بينهما، ولذلك اختلفت أحكام كلّ منهما عن الآخر.

فإذا كان التشريع مطابقاً لفطرتهما ومسايراً لطبعهما يظل ثابتاً لا يتغيّر بمرور الزمان، لثبات الموضوع المقتضي لثبات المحمول.

3. الروابط العائلية، كرابطة الابن بأبويه، ورابطة الأخ بأخيه، وهي روابط طبيعية، تتحد فيها الأواصر الروحية والنسبية، فالأحكام التي شُرِّعَتْ لتنظيم تلك الروابط باتت ثابتة لا تتغيّر بتغيّر الزمان.

4. انّ التشريع الإسلامي بالغ في الاهتمام بالأخلاق للحيلولة دون تفسّخها، كما عالج أسباب التفسّخ الخلقي كالخمر والميسر والإباحة الجنسية بوضع حلول تتناسب معها من خلال تحريمها وإقامة الحدود على مقترفيها، وهذه الحلول ليست مقطعية تتغيّر بتغير الزمان، بل هي ثابتة لا تتغير، لأنّ الآثار التي تتركها المفاسد الخلقية أيضاً ثابتة، فالخمر يزيل العقل، والميسر ينبت العداوة في المجتمع، والإباحة الجنسية تفسد النسل والحرث.


(40)

هذا وأمثالها من الأحكام الثابتة في حياة الإنسان الاجتماعية ، وهي تنسجم قبل كلّ شيء مع فطرته.

وخلاصة البحث: أنّ تطوّر الحياة الاجتماعية في بعض مجالاتها، أو تغيّر الأحكام الموضوعة على وفق ملاكات واقعية متغيّـرة لا يكون ذريعة لنسخ قبح الظلم وحسن العدل ولزوم أداء الأمانة، ودفع الغرامات، والوفاء بالعهود والمواثيق وأضرابها.

وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين


(41)

2

الإنسان

بين

الجبر والتفويض

إنّ للشخصية الإنسانية أبعاداً مختلفة، ومن تلك الأبعاد معرفة كون الإنسان فاعلاً مختاراً فيما يفعل أو يترك، أو كونه مسيّراً قد رُسِم مصيرُ حياته بيد القَدَر أو عامل آخر ـ كما سيوافيك ـ ولا محيص له إلاّ السير في الطريق الذي خُطّ له.

مع انّ دراسة هذا البعد من أبعاد الشخصية الإنسانية دراسة مسألة فلسفية محضة يَلجها كبار الحكماء والفلاسفة عبْر القرون ولهم فيها آراء وأفكار، لكن و في الوقت نفسه مسألة يشتاق إلى فهمها عامّة الناس وقلّما وجدت في حياة الإنسان مسألة لها تلك الميزة، وفي الحقيقة هي من إحدى المسائل الأربع التي يتطلّع إلى فهمها الجميع ألا وهي:

1. من أين جاء إلى الدنيا؟

2. لماذا جاء إليها؟


(42)

3. إلى أين يذهب؟

4. وهل هو في إعماله مخيّر أو مسير؟

ولأجل ذلك لا يمكن تحديد الزمن الذي طُرِحت فيه مسألة الجبر والاختيار، كما لا يمكن تحديد مكانها، وإنّ باذرها هل هو إفريقي أو روميّ أو هندي أو صيني أو إيراني؟ وعلى كلّ تقدير فللمسألة جذور عميقة في تاريخ حياة الإنسان.

ثمّ إنّ الآراء المطروحة في المسألة تدور على محورين:

1. الإنسان مسيّر لا مخيّر، مجبور في أفعاله وليس بمختار.

2. الإنسان مخيّر في أفعاله لا مسيّر، مختار فيها وليس بمجبور.

ولكلّ من الرأيين قائل ودليل يعضد رأيه، إلاّ أنّ المهم هو الوقوف على الرأي السائد حين نزول الوحي على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فالسير في الحديث والتاريخ يُثبت بأنّ الرأي العام في الجزيرة العربية قبل البعثة كان هو الجبر، وقد بقيت رسوبات تلك الفكرة بعد البعثة وحتى رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . ولأجل تبيين هذا الجانب من جوانب البحث نعقد الفصل التالي.


(43)

1

الجبر على مسرح التاريخ الإسلامي

إنّ التأمّل في عقائد العرب في الجاهلية يُثبت بأنّهم أو طائفة منهم كانوا معتقدين بالقدر السالب للاختيار عن الإنسان، يقول سبحانه: (سَيَقُولُ الّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمنا مِنْ شَيء كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُل هَل عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ الظنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخرُصُون).(1)

وليست الآية، آية وحيدة تكشف عن عقيدة العرب في العصر الجاهلي حول فعل الإنسان، بل هناك آية أو آيات أُخرى تشير إلى عقيدتهم، يقول سبحانه: (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشًَة قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءنا وَاللّهُ أَمرنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّه ما لا تَعْلَمُون).(2)

فقولهم:(واللّهُ أَمَرنا بِها) إشارة إلى أنّ عبادة الوثن أمر قدّره اللّه سبحانه وليس لنا الفرار ممّا قُضي به، واللّه سبحانه يردّ على مزعمتهم بقوله:(قُلْ إِنّ اللّهَ لا يَأَمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّه ما لا تَعْلَمُون)، فلا يأمر بها ولا يقدِّرها بالمعنى الذي تدّعون.

وأمّا جذور هذه العقيدة وانّها كيف تسرّبت إلى الجزيرة العربية حتّى سادت


1- الأنعام:148.
2- الأعراف:28.


(44)

على المشركين فقد ظلّت مجهولة؟

والعجب انّ رسوبات فكرة الجبر بقيت بعد بزوغ نجم الإسلام وسادت حال حياة الرسول وبعد رحيله أيضاً.

روى الواقدي في مغازيه عن أُمّ الحارث الأنصارية وهي تحدّث عن فرار المسلمين يوم حنين قالت: مرّ بي عمر بن الخطاب منهزماً، فقلت: ما هذا؟ فقال عمر: أمر اللّه.(1)

و معنى ذلك انّه لم يكن دور للغزاة من المسلمين في هزيمة حنين، وقد كانت الهزيمة تقديراً قطعياً لم يكن محيص من التسليم امامها.

وهذا هو نفس الجبر لا يفترق عنه قيد شعرة، مع أنّه سبحانه يقول: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَواطِن كَثيرة وَيَومَ حُنَين إِذْ أَعْجَبَتكُمْ كَثْرَُتكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئاً وَضاقَت عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرين).(2)

وقد أشار سبحانه إلى عامل الهزيمة وهو أمران:

الأوّل: إعجابهم بكثرتهم، فاعتمدوا على الكثرة، مكان الاعتماد على اللّه سبحانه أوّلاً وعلى قواهم الذاتية ثانياً كما يقول: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرتكُم).

الثاني: الانسحاب عن ساحة الحرب بدل الثبات، كما يقول سبحانه(ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرين) مع أنّهم أمروا بالثبات كما يقول تعالى: (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحفاً فَلا تُوَلُّوهُم الأَدْبار).(3)

والعجب انّ هذه العقيدة كانت سائدة بعد رحيل الرسول وباقية في اذهان الصحابة، وهذا السيوطي ينقل عن عبد اللّه بن عمر أنّه جاء رجل إلى أبي بكر، فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ قال: نعم، قال: فإنّ اللّه قدّره عليّ ثمّ يعذّبني؟ قال: نعم


1- المغازي:3/904 .
2- التوبة:25 .
3- الأنفال:15.


(45)

يا بن اللخناء أما واللّه لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك.(1)

لقد كان السائل في حيرة من أمر القدر فسأل الخليفة عن كون الزنا مقدّراً من اللّه أم لا؟ فلما أجاب الخليفة بنعم، استغرب من ذلك، لأنّ العقل لا يسوّغ تقديره سبحانه شيئاً سالباً للاختيار عن الإنسان في فعله أو تركه ثمّ تعذيبه عليه، ولذلك قال: «فانّ اللّه قدّره عليّ ثمّ يعذبني؟!» فعند ذاك أقرّه الخليفة على ما استغربه، وقال: نعم يابن اللخناء.

استغلال الأُمويّين للقدر

إنّ طبيعة الحكومات الاستبدادية هي تبرير كلّ ما يسود المجتمع من الفقر والظلم والاعتساف بعامل خارج عن دائرة حكمهم كقضاء اللّه سبحانه وقدره حتّى لا يعترض عليهم معترض.

ومن هنا وجد التفسيرُ الخاطئ للدين طريقَه إلى المجتمع الحاضر وانّه وسيلة لدعم الجهاز الحاكم، وقد استغل الشيوعيون والعلمانيون هذه الفكرة لإبعاد الناس عن الدين ولكنّهم خلطوا سهواً أو عمداً بين كون الدين الواقعي ـ الذي أُلهم على قلوب الأنبياء ـ ولا يكون مسانداً للجهاز الظالم و بين التفسير الباطل للدين، إذ كيف يكون الدين مسانداً للسلطات الزمنية الجائرة مع أنّه يأمر بالعدل و الاحسان وينهى عن الظلم والفحشاء؟! يقول إمام المسلمين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ راوياً عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لن تقدس أُمّة لا يؤخذ للضعيف فيها حقّه من القوي غير متنعتع».(2)

1. انّ الأمويّين استغلّوا الجبر لإرساء قواعد حُكْمِهم حتى أنّ معاوية لمّا


1- تاريخ الخلفاء للسيوطي:95.
2- نهج البلاغة، قسم الرسائل برقم53.


(46)

نصب ولده يزيداً خليفة للمسلمين وسلّطه على رقاب المسلمين اعترضت عليه أُمّ المؤمنين عائشة، فأجابها معاوية: إنّ أمر يزيد قضاء من القضاء وليس للعباد الخيرة من أمرهم.(1)

2. وبهذا أيضاً أجاب معاوية عبد اللّه بن عمر عند ما سأل معاوية عن تنصيبه يزيدَ للحكم؟ بقوله: إنّي أُحذرك أن تشق عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملئهم وأن تسفك دماءهم، وانّ أمر يزيد قد كان قضاءً من القضاء وليس للعباد خيرة من أمره.(2)

3.وقد سرى هذا الاعتذار إلى غير الأمويّين من الذين ساروا في ركب الخلفاء، فهذا هو عمربن سعد بن أبي وقاص، قاتل الإمام الشهيد الحسين ـ عليه السَّلام ـ فلمّا اعترض عليه عبد اللّه بن مطيع العدوي بقوله: اخترت همدَان والريَ على قتل ابن عمك؟! فقال عمر: كانت أُمور قُضِيتْ من السماء و قد أعذرت إلى ابن عمي قبل الوقعة فأبى إلاّ ما أبى.(3)

4. وقد برّرت عائشة أُم المؤمنين خلافَها مع علي ـ عليه السَّلام ـ بالقضاء والقدر، على ما رواه الخطيب عن أبي قتادة فعندما ذكر قصة الخوارج في النهروان لعائشة أجابته أُمّ المؤمنين بقولها: وما يمنعني ما بيني وبين عليّ أن أقول الحق، سمعت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: «تفترق أُمّتي على فرقتين تمرق بينهما فرقة محلّقون رؤوسهم، مخفّون شواربهم، أزرهم إلى أنصاف سوقهم، يقرأون القرآن لا يتجاوز تراقيهم يقتلهم أحبهم إليّ، وأحبهم إلى اللّه»، قال: يا أُمّ المؤمنين فأنت تعلمين هذا فلم كان الذي منك؟! قالت: يا قتادة وكان أمر اللّه قدراً مقدوراً، وللقدر أسباب!!.(4)


1- الإمامة والسياسة لابن قتيبة :1/167.
2- الإمامةوالسياسية:1/171.
3- طبقات ابن سعد:5/148، ط بيروت.
4- تاريخ بغداد:1/160.


(47)

التقدير المساوي للجبر عقيدة مستوردة

ومن العوامل التي صارت سبباً لتركيز فكرة الجبر بين المسلمين هي الأساطير التي حاكها الأحبار والرهبان ونشروها بين المسلمين حول القضاء والقدر، فهذا هو حماد بن سلمة يروي عن أبي سنان قال: سمعنا وهب بن منبه، قال: كنتُ أقول بالقدر حتّى قرأت بضعة وسبعين كتاباً مَنْ كتب الأنبياء في كلّها: من جعل لنفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر، فتركتُ قولي.(1)

والمراد من القدر في قوله: «كنت أقول بالقدر» ليس القول بتقدير اللّه سبحانه وقضائه، بل المراد هو القول بالاختيار والمشيئة للعبد كما يظهر من ذيل كلامه.

وهذا النقل يعطي انّ القول بنفي الاختيار والمشيية للإنسان، قد تسرّب إلى الأوساط الإسلامية عن طريق هذه الجماعة وعن الكتب الإسرائيلية أفيصحّ بعد هذا أن نعد القول بنفي المشيئة للإنسان عقيدة جاء بها القرآن والسنّة النبوية، ونكفّر من قال بالمشيئة له ولو مشيئة ظلية تابعة لمشيئته سبحانه، ونقاتل في سبيل هذه العقيدة؟!

حديث «الفراغ من الأمر» بدعة يهوديّة

يجد الباحث في ثنايا الأحاديث وكلمات المحدّثين قولهم:«إنّ اللّه سبحانه قد فرغ من الأمر»، أي قد فرغ سبحانه من أمر التدبير والتكوين فلا يتغيّر ما قُدّر، ولا يتبدّل ما قضى به، وهو بظاهره نفس الجبر، إذ معناه انّه لا محيص للإنسان إلاّ


1- ميزان الاعتدال:4/353.


(48)

العمل بما قُدّر و قضى ولا يتمكّن من تغييره وتبديله، وبالتالي لا خيرة للإنسان في حياته فيما يختار أو يترك مع أنّه سبحانه يحكم على خلافه ويقول: (وَمَا كانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتَِي بِآيَة إِلاّ بِإِذْنِ اللّه وَلِكلِّ أَجل كتاب* يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتاب).(1)

وهل يمحو إلاّ ما أثبتَ؟! فلو كان قد فرغ من الأمر فما معنى محو ما أثبته وقدّره؟ كيف واللّه سبحانه مبسوط اليد لا يكبّله تقديره وقضاؤه، فله السيادة على القضاء والقدر دونهما عليه؟!

وهذا هو الثعلبي ينقل عن مجاهد قال: قالت قريش: «حينما أنزل (ما كان لرسول أن يأتي بآية إِلاّ بإِذن اللّه) ما لنا نراك يا محمد تملك من شيء وقد فرغ من أمره، فأنزلت هذه الآية تخويفاً ووعداً لهم، أي أن يشأ أحدثها من أمر ـ إلى أن قال: ـ ويُحدث في كلّ رمضان في ليلة القدر ويمحو ويُثبت ما يشاء من أرزاق الناس ومسائلهم وما يؤتيهم ويُنسأهم له.(2)

وقد تطرق عن طريق تلامذة الاحبار والرهبان انّه سبحانه يمحو ما يشاء و يثبت إلاّ الحياة والموت والشقاء والسعادة فانّهما لا يتغيران، ونقله السيوطي عن غير واحد من الصحابة والتابعين الذين كانوا يحسنون الظن باحبار اليهود ورهبان النصارى.

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى: (يَمْحُوا اللّه ما يَشاء وَيُثبت...) قال: إلاّ الحياة والموت، والشقاء والسعادة فانّهما لا يتغيّران.(3)


1- الرعد:38ـ 39.
2- تفسير الثعلبي، المسمّى بالكشف والبيان:5/298 ; الدر المنثور:4/659 واللفظ للثاني.
3- الدرّ المنثور:4/663، 661، 662.


(49)

أخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عمر: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: (يَمْحُوا اللّه ما يَشاءُ وَيُثْبِت): إلاّ الشقوة والسعادة والحياة والموت.(1)

وقد روى عن ابن عباس: قال: (يَمْحُوا اللّه ما يَشاء وَيُثبت) قال: «ذلك كلّ ليلة القدر يرفع ويخفض ويرزق» أي غير الحياة والموت والشقاوة والسعادة، فإنّ ذلك لا يزول.(2)

وأظنّ أنّ الرواية مكذوبة على لسان ابن عباس تلميذ الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، فإنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ وبيته الرفيع مجمعون على إمكان تغيير المصير حتّى السعادة والشقاء بالأعمال الصالحة والطالحة.

إنّ سيادة القدر على مصير الإنسان على نحو يسلب عنه الاختيار ولا يتمكّن من تبديل ما قدّر إلى خلافه، نفس القول بالجبر وسيادته.

إنّ هذا القول مرفوض عقلاً، وكتاباً، فإنّ إطلاق الكتاب يعمّ الجميع من الموت والحياة والسعادة والشقاء.

إنّ قوم يونس قد غيّروا مصيرهم السيّئ بالتوبة والعمل الصالح. يقول سبحانه: (فَلَولا كانَتْ قَريَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها ا إِيمانُها إِلاّ قَومَ يُونُسَ لمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الخِزْيِ فِي الحَياةِ الدُّنيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حين).(3)

ويدلّ على ذلك أيضاً الروايات المتضافرة.

أخرج ابن أبي شيبة في «المصنّف» وابن أبي الدنيا في الدعاء، عن ابن


1- الدرّ المنثور:4/663، 661، 662.
2- الدرّ المنثور:4/663، 661، 662.
3- يونس:98


(50)

مسعود (رضي اللّه عنه) قال: ما دعا عبد قطّ بهذه الدعوات إلاّ وسّع اللّه له في معيشته: يا ذا المن ولا يُمنُّ عليه، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطول لا إله إلاّ أنت، ظهر اللاجئين، وجار المستجيرين، ومأمن الخائفين، إن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب شقيّاً فامح عني اسم الشقاء وأثبتني عندك سعيداً...، ـ إلى أن قال ـ: فإنّك تقول في كتابك الذي أنزلت (يَمحُوا اللّه ما يَشاء وَيُثبت وعِندَهُ أُمّ الكتاب).(1)


1- الدر المنثور:4/661، و بهذا المضمون روايات أُخرى لاحظ ص 663.


(51)

2

أحاديث لا تفارق الجبرَ قيد شعرة

إنّ اتّفاق المحدّثين على أنّ الصحيحين وبعدهما السنن الأربع، من أصحّ الكتب بعد القرآن الكريم، عاق الكثير من المحقّقين من الخوض فيهما نقداً وتمحيصاً، ولولا هذا الاتّفاق لقام المحقّقون بالنقد والتمحيص فيما كان مخالفاً للكتاب والسنّة النبوية القطعية والعقل الصريح، وها نحن نسرد في المقام بعض ما جاء في الصحيحين ما لا يفارق الجبر قيد شعرة وهو إمّا مؤوّل أو موضوع على لسان الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

1. روى مسلم في صحيحه عن زيد بن وهب، عن عبد اللّه قال: حدّثنا رسول اللّه ـ وهو الصادق ـ أنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أُمّه أربعين يوماً، ثمّ يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثمّ يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثمّ يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتّى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتّى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها.(1)


1- صحيح مسلم:8/44، كتاب القدر.


(52)

فعلى هذا لا يقدر الإنسان على إضلال نفسه ولا هدايتها كما لا يقدر على أن يجعل نفسه من أهل الجنة أو النار، ولو حاول لتحصيل شيء منها ، سبقَ الكتابُ حائلاً بينه و بين إرادته، وهذا هو نفس القول بأنّ الإنسان مسيّر لا مخيّر.

ثمّ إنّ الإمام النووي الشارح لصحيح مسلم نظر إلى هذه الأحاديث بعين الرضا والقبول، فلما رأى انّها لا تفارق الجبر قيد شعرة حاول تأويل قوله: «فيسبق عليه الكتاب» في كلا الموضعين، وقال: «انّ هذا قد يقع في نادر من الناس لا أنّه غالب فيهم».

ثمّ إنّ من لطف اللّه تعالى وسعة رحمته انقلابُ الناس من الشر إلى الخير في كثرة وأمّا انقلابهم من الخير إلى الشر ففي غاية الندور ونهاية القلة، وهو نحو قوله تعالى: «إنّ رحمتي سبقت غضبي وغلبت غضبي».(1)

يلاحظ عليـه أوّلاً: بانّ حمـل أحـد الطرفين على الغلبـة والطرف الآخـر على وجه الندرة قسمة ضيزى فانّ ظاهر الحديث أنّ سبق الكتاب في الطرفين سيان.

وثانياً: انّ الحديث ظاهر في غلبة القدر على عمل الإنسان ونيته فربما يجعل الصالح طالحاً والطالح صالحاً، ولا صلة له بسبق رحمته على غضبه والظاهر انّ هذه الأحاديث حيكت على وفق عقائد اليهود الذين ذهبوا إلى انّ يده سبحانه مغلولة غُلَّت أيديهم.

2. وروى عنه أيضاً حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب


1- شرح صحيح مسلم للنووي:16/435.


(53)

أشقي أو سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي رب أذكر أو أُنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثمّ تُطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص».(1)

فعلى هذا فالصحف الأُولى التي قُدِّر فيها مصير الإنسان مطوية لا تفتح فلا يزيد فيها شيء ولا ينقص، وهذا لا يختلف عن الجبر قيد شعرة.

إنّ تفسير القضاء والقدر ـ اللّذين هما من المعارف العليا في الإسلام ـ بالمعنى الوارد في الرواية يجعل الإنسان مكتوف اليدين في خضمِّ الحياة فيسلب عنه كلّ سعي في طريق السعادة إذا كتب من أهل الشقاء أو في طريق الشقاء إذا كتب من أهل السعادة.

3. روى عبد اللّه بن عمر، عن أبيه قال: يا رسول اللّه أرأيت ما نعمل فيه أمر مبتدع أو فيما قد فرغ منه؟ فقال: بل فيما قد فرغ منه، ياابن الخطاب وكلّ ميسر، أمّا من كان من أهل السعادة فإنّه يعمل للسعادة، وأمّا من كان من أهل الشقاء فإنّه يعمل للشقاء.

وفي رواية قال: لمّا نزلت (فمنهم شقي و سعيد) سألت رسول اللّه ، فقلت: يا نبي اللّه فعلى مَ نعمل، على شيء قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال: بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كلّ ميّسر لما خلق له.(2)

وهذا الحديث يعرب عن أنّه قد تمّ القضاء على الناس في الأزل وجعلهم صنفين وكلّ ميسر لما خلق له في الأزل لا لما لم يخلق له، فأهل السعادة ميسّرون للاعمال الصالحة فقط وأهل الشقاء ميسّرون للأعمال الطالحة فقط، وأي جبر أوضح و أبين ممّا جاء في هذا الحديث.


1- صحيح مسلم:8/45، كتاب القدر.
2- جامع الأُصول:10/516ـ 517.


(54)

3

مضاعفات القول بالجبر

إنّ للقول بالجبر وإنّ الإنسان مسيّر لا مخيّر، مضاعفات كثيرة، نشير إلى قسم منها ونحيل الباقي إلى مجال آخر:

1. انتفاء الغرض من بعثة الأنبياء

إنّ الغرض من بعثة الأنبياء هو دعوة الناس وإرشادهم إلى معالم التوحيد ونهيهم عن الشرك في مجال العقيدة، وإلى محاسن الأخلاق وزجرهم عن مساويها في مجال العمل، يقول سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمّة رَسُولاً أَن اعْبُدوا اللّه وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوت)(1)، وقال سبحانه: (كانَ النّاسُ أُمّةً واحدةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيّينَ مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرين)(2) إلى غير ذلك من الآيات التي تعكس الهدف المنشود من وراء بعث الأنبياء، ولا يتحقّق هذا الغرض إلاّ في ظل كون الإنسان مخيّراً لا مسيراً، فلو كان مسيّراً فكلّ إنسان كتب عليه النار، فهو يدخلها ، إذن فما هو فائدة بعث الأنبياء، فإنّ دعوة الأنبياء وعدمها بالنسبة إليه سيّان؟! وهذا من الوضوح بمكان لا يحتاج إلى التطويل.


1- النحل:36.
2- البقرة:213.


(55)

2. انتفاء فائدة المناهج التربوية

التربية عبارة عن توفير أرضية مناسبة لخروج ما هو بالقوة إلى منصّة الظهور والفعلية، وهذا كالمزارع والفلاح القائمين بتربية البذور والنباتات فيوفّران ما يحتاجان إليه في إخراج الاستعداد المكنون فيهما إلى حيز الظهور والكمال، فليس للمربّى دور الخلق والإيجاد، بل تهيئة الظروف المناسبة لأن يُظهر الشيءُ كمالَه المستور لكي ينقلب البذر زرعاً والنبات شجراً.

وعلى ضوء ذلك فالمناهج التربوية في الإنسان، شعارها رفع المستوى الفكري له وسوقه نحو الفضائل ومنعه من السقوط في هاوية الرذائل، ومن المعلوم أنّ تحقّق هذه الغاية رهن وجود الحرية في الإنسان لكي يقع في إطار التربية، فيسير حسب الضوء الذي يريه المربي، فلو كان مسيّراً لا مخيّراً فإعمال الأساليب التربوية يُصبح أمراً لغواً غير مؤثر.

3. تكذيب الكتاب العزيز

إنّ من سبر الكتاب العزيز وتجرد عن عامّة الرواسب يجد انّ القرآن يصوّر الإنسان فاعلاً مختاراً يخاطبه فينصحه تارة، ويأمره أُخرى، ويزجره ثالثاً، ويعده رابعاً ويوعده خامساً، إلى غير ذلك من علائم الاختيار وآثاره، ونذكر منها مايلي:

1. قوله سبحانه: (إِنّا هديناهُ السَّبيل إِمّا شاكراً وَإِمّا كفوراً).

2. قوله سبحانه: (وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَليُؤْمِن وَمَن ْ شاءَ فليَكْفُر إِنّا أَعْتَدْنا للظّالِمينَ ناراً أَحاطَ بِهِم سُرادِقُها وَإِن يستغيثُوا يُغاثُوا بِماء كالمُهْل يَشْوِي الوُجُوهَ بئسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرتَفقاً).(1)


1- الكهف:29.


(56)

وللّه در الشهيد السعيد زين الدين العاملي حينما أنشد:

لقد جاء في القرآن آيةُ حكمة * تدمِّر آياتِ الضلال ومن يُجبر

وتخبر انّ الاختيار بأيدينا * فمن شاء فليؤُمن و من شاء فليكفر

3. قال سبحانه: (مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَليها وَما ربّكَ بِظَلاّم لِلْعَبيد).(1)

4 . قال سبحانه: (كُلُّ امرى بِما كَسَبَ رَهين).(2)

5. قال سبحانه: (لِكُلِّ امرى مِنْهُمْ مَا اكتَسَبَ مِنَ الإِثْم).(3)

6. قال تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ للإِنْسانِ إِلاّ ما سعى* وأَنَّ سَعْيَهُ سَوفَ يُرى* ثُمّ يُجزاهُ الجزاءَ الأوفى).(4)

إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أنّ الإنسان مخيّر فيما يختار ويترك وليس في حياته عاملُ ضغط باسم القدر والقضاء أو غيره، يسلب عنه الاختيار، وأمّا الآيات التي ربّما يستشم منها الجبر، ككون الهداية والضلال بيد اللّه سبحانه فسيوافيك تفسيرها .

4. الجبري يعمل خلافاً لعقيدته

كلّ من رفع راية الجبر واتّسم به في الحياة، وبنى عليه منهجاً فلسفياً، فهو يغالط نفسه، فترى أنّه إذا ظُلم وغصب حقّه، يندِّد بالظالم ويرفع شكواه إلى


1- فصلت:46.
2- الطور:21.
3- النور:11.
4- النجم:39ـ41.


(57)

المحاكم حتّى يأخذ الحاكم حقّه من الغاصب والظالم، فلو لم يكن لخصمه خيرة واختيار فما معنى التنديد والتعرض له؟ وهذا يدلّ على أنّه يصوّر الخصم المخالف إنساناً مختاراً غصب ما يملكه عن اختيار.

وبالجملة كلّ من رفع عقيرته بالجبر فهو حين الجدال والسجال وإن كان جبريّاً ولكنّه في حياته الاجتماعية اختياري على ضد الجبر ولا يقبل أيّ عذر لخصمه!!

5. الجبر واجهة لنيل المزيد من الحرية

إنّ من دوافع القول بالجبر هو اشباع الميول والغرائز الحيوانية في الحياة، فالجبري يطلب المزيد من الحرية من وراء ادّعائه الجبر، ويتستر تحت واجهة الجبر ليخلِّص نفسه من عهدة التكليف والمسؤولية، ففي الحقيقة هو لا يؤمن بالجبر كمنهج للحياة، بل يعتقد بالحرية فيها ليعيش فيها وفقاً لما تمليه عليه غرائزه الجامحة.

إلى هنا تم الحديث عن بعض مضاعفات الجبر.


(58)

شبهات وحلول

1

ثمّ إنّ للقائلين بالجبر شبهات مختلفة ربما يغتر بها السذج من الناس، فها نحن نستعرض تلك الشبهات ونضع أمام القارئ حلولاً لها على نحو لا يبقى لمشكك شك ولا لمريب ريب، فنقول:

1. مثلث الشخصية

إنّ فعل الإنسان تعبير عن شخصيّته المكوّنة بأُصول ثلاثة يعبّر عنها بمثلث الشخصية وإن كانت الأضلاع في بنائها ومقدار تأثيرها غير متساوية، ولكن كلّ ضلع يؤثر فيها تأثيراً قطعيّاً، وأمّا أضلاعها:

أ. ناموس الوراثة.

ب. الثقافة.

ج. البيئة.

أمّا الأوّل: فهو أمر اعترف به العلم والتجربة ويلمسه كل إنسان واع، فالولد كما يرث الصفات الجسمانية للوالدين كذلك يرث صفاتهما الخُلقية وينشأ عليها، يقول الشاعر:

ينشا الصغير على ما كان والده * انّ الأُصول عليها ينبت الشجر


(59)

فاللبنة الأُولى في بناء الشخصية الصالحة أم الطالحة هي ما يرث الولد من الوالدين من الفضائل والرذائل، وقد كشف العلم أنّ الجينات الموجودة في النطفة الإنسانية سبب طبيعي وعامل لانتقال هذه الصفات من الوالدين إلى الطفل.

وأمّا الثاني فيأتي دوره بعد دور الوراثة حيث إنّ المعلّم يمثِّل المدرسة التربوية الثانية بعد مدرسة الأبوين، ولهذا يكون دور التعليم في مصير الطفل دوراً حسّاساً في قلبه.

وأمّا الثالث فيأتي دوره إذا أتمّ دراسته وبدأ ممارسة العمل، فعندئذ يتأثر في سلوكه وخُلقه بالبيئة التي يعيش فيها، فإذا كانت العوامل الثلاثة متجانسة في الغاية والأثر، يقع الكلّ في طريق تكوين الشخصية الواحدة بلا صراع بينها ولا نزاع، وأمّا إذا كان بينها نزاع وصراع في الغاية والدعوة، فتكون النتيجة من حيث السلوك، تابعة لأقوى العوامل وأرسخها في الروح وهو يختلف حسب اختلاف تأثير الأوفر سهماً من هذه، ولأجل ذلك يوجد من يختار سلوك الآباء كما يوجد من يتركه و يقتفي أثر الثقافة أو البيئة.

وعلى كلّ تقدير فالإنسان مختار صورة، لكنّه مسيّر سيرة يخط مصيره هذه العوامل أو أقواها تأثيراً.

يلاحظ عليه: أوّلاً: بأنّ ما ذكر من تأثير العوامل الثلاثة في بناء الشخصية أمر لا غبار عليه، إنّما الكلام في كونها علّة تامّة أو معدّات تُوجِد أرضية لنمو مقتضاها، ولا توجد حتمية، غير قابلة للتغيير:

أمّا العامل الأوّل فلا شكّ في تأثيره، وقد قال سبحانه: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدا).(1) وفي الآيات والروايات


1- الأعراف:58.


(60)

تصريحات وإشارات إلى ذلك، لكن أثرها بين غير قابل للتغيير، كالبُله والحُمق والبلادة، وبين قابل له في ظلّ عوامل تربوية، ولأجل ذلك ربما يكون الولد المتولّد من أبوين بارّين، خائناً وجانياً، كما ربما يكون الولد المتولّد من أبوين طاغيين، إنساناً صالحاً مطيعاً، والأوّل كولد نوح، والثاني كعمر بن عبد العزيز الأموي.

ومثله العامل الثاني، فليس عاملاً حتميّ الأثر وقطعيّ النتيجة، فربّما يسعى الوالدان، لتغيير ما أوجده التعلّم من الآثار الطيّبة أو الخبيثة.

ولا يقلُّ عنه العامل الثالث، فقد أثّرت البيئة الفاسدة على امرأة نوح وامرأة لوط، فأفسدتهما(1)وفي الوقت نفسه بقيت في بيت نوح عدّة على صلاحهم وفلاحهم. فهذه العوامل بأجمعها معدّات، لا علّة تامّة في بناء الشخصية الحتمية غير القابلة للتغيير.

ثانياً: أنّ العوامل المكوِّنة للشخصية الإنسانية لا تنحصر في العوامل الثلاثة المذكورة التي اختارها المادي، لأنّها تناسب ما يبتغيه، كيف وانّ هناك أبعاداً روحية للإنسان وأحاسيس خاصة، توحي إليه خير الحياة وتدفعه إليها، بحماس، وإن لم يكن علّة تامة أيضاً في التخطيط، وهي عبارة عن الإدراكات النابعة من داخل الإنسان وفطرته من دون أن يتدخل في الإيحاء عامل خارجي، كإحساسه بالجوع والعطش، ورغبته في الزواج في سنين معيّنة، والاشتياق إلى المال والمنصب في فترات من حياته وميله إلى ما هو حسن بالذات وهروبه عمّا هو قبيح كذلك، كالإحسان والأمانة والوفاء بالميثاق، وفي مقابله الظلم، والخيانة، ونقض العهد.تلك المعارف ـ و إن شئت سمّيتها بالأحاسيس ـ تنبع من ذات الإنسان وأعماق وجوده.


1- لاحظ سورة التحريم، الآية 10


(61)

شبهات وحلول

2

أفعال الإنسان

في

إطار القضاء والقدر

القدر بمعنى انّه سبحانه يقدّر وجود الشيء ويحدّده كمّاً وكيفاً و زماناً ومكاناً إلى غير ذلك من الخصوصيات الحافّة بالشيء. هذا هو التقدير، وأمّا القضاء فهو حكمه القطعي بتحقّق ذلك الشيء المقدّر في ظرفه.

هذا حسَب أُصولنا وأمّا على أُصول غيرنا، «فالقضاء» هو إرادته سبحانه الأزلية، «والقدر» هو ايجاد الشيء على قدر مخصوص كما سيوافيك.(1)

والتقدير والقضاء بهذا المعنى يشمل كلّ ما في الكون من الموجودات الممكنة من السماء والأرض وما فيها حتّى الإنسان وجوده وفعله.

وإن أردنا أن نشبه المعقول بالمحسوس فنقول:

التقدير والقضاء أشبه بعمل الخياط عندما يأخذ قياسات الثوب، ثمّ يشرع بخياطته ولولا ذلك لتعسّر عليه الخياطة.

ما هو محط النزاع في المقام؟

إنّ محطّ النزاع في القضاء والقدر، هو أفعال الإنسان، التي يترتّب عليها الثواب والعقاب، ويحمد أو يذمّ، فهل وقوعها في إطار القضاء والقدر يسلب عنه


1- لاحظ ص 64.


(62)

الاختيار ويسود عليها، الجبر والحتم، أو لا؟!

وأمّا ما وراء ذلك من الأُمور الكونية سواء أكان له صلة بحياة الإنسان وأفعاله أم لا، فخارج عن محط النزاع، فالقول بسيادة الجبر عليه، نظر إلى الخصوصيات الكامنة في وجوده، تعبير واضح عن واقع وجوده مثلاً.

1. انّ حركة الشمس والقمر وما بينهما وفوقهما من السيارات والكواكب والمجرّات ، حركات جبرية لأنّه سبحانه قدّر وجودها، وحركاتها بهذه الخصوصية وقضى عليها به ، يقول سبحانه: (وَسَخَّر لَكُمُ اللَّيلَ والنَّهارَ والشَّمسَ والْقَمَر والنُّجُومُ مُسخّراتٌ بأمْرِهِ إِنَّ في ذلكَ لآيات لِقَوْم يَعْقِلُون)(1) فالجميع فواعل، تسخرية غير شاعرة بأفعالها.

2. ما يقوم به النحل والنمل من الأفاعيل العجيبة، المحيّرة للعقول حركات تسخرية، يقوم به عن شعور، ولكن لا بحرية واختيار فقد كتبت عليهما بقلم الفضاء ان يتخذ من الجبال بيوتاً و الشجر وممّا يعرشون يقول سبحانه حاكياً عن القضاء المحتوم على النحل:(وأوحَى ربّك إلى النَّحلِ أنِ اتَّخذي مِنَ الجِبال بُيوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعرِشُونَ* ثمّ كُلِي مِنْ كِلّ الثَّمَراتِ فَاسلُكي سُبُلَ ربّكِ ذُلُلاً يَخْرجُ مِنْ بُطونها شَرابٌ مُختلِفٌ أَلوانُهُ فيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إِنّ في ذلكَ لآيةً لِقَوم يَتفكّرونَ).(2)

فالنحل ذاته ووجوده وعمله وصنعه واقع في إطار التقدير و القضاء والنظام السائد على ذلك، هو سيادة الجبر عليه وأشباهه.

3. انّ خلقة الإنسان ونشوءه من النطفة إلى العلقة، إلى المضغة إلى العظام إلى غير ذلك ممّا يجري عليه إلى أن يوكد وينمو و يشبّ و يشيب، ويموت كلّها واقع في إطار التقدير والقضاء، لا خيار للإنسان فيه، شاء أم لم يشأ، فالقول بسيادة الجبر عليه في هذه المرحلة تعبير واقعي، لا ينافي حكم العقل والشرع.


1- النحل:12.
2- النحل:66.


(63)

4. انّ ما يواجهه الإنسان في حياته، ممّا يبتلي به غير مريد به كالطوفان الجارف الذي يكتسح مزرعته، والسيل العارم الذي يهدم منزله و بيته، والزلزال الشديد، الذي يزعزع بنيانه وبالتالي يخسر ويتضرر، كلّها بقدر من اللّه سبحانه لا يُلام بها الإنسان ولا يذمّ وهو أيضاً كسوابقه خارج عن محطّ البحث.

فالذي تدور عليه رحى النزاع والدراسة، ما يصدر عن الإنسان من الأفعال التي في وسعه تركها أو فعلها، فهل وقوعها في إطار التقدير يجرّنا إلى القول بالجبر، أو لاصلة بين القول بالقضاء والقدر، واستنتاج الجبر منه؟

وهذا موضوع بحثنا ودراستنا.

إنّ كثيراً من الناس زعموا انّ القول بالقضاء والقدر يضادّ كون الإنسان مخيراً، وقد كان ذلك الزعم سائداً في عصر الإمام أمير المؤمنين حيث أقبل شيخ إلى الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ عند منصرفه من صفين فقال: أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام، أبقضاء اللّه وقدره؟

فقال: «أجل يا شيخُ ما علَوتُم من تلْعة ولا هبطتم من واد إلاّ بقضاء من اللّه وقدره فقال الشيخ: عند اللّه احتسب عنائي يا أمير المؤمنين.(1)

فقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ :«يا شيخ، فواللّه لقد عظّم اللّه لكم الأجر في مسيركم، وأنتم سائرون، وفي مقامكم إذ أنتم مقيمون، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، لم تكونوا في شيء من حالاتكم مُكْرَهين، ولا إليه مضطرّين».

فقال الشيخ : فكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين، ولا إليه مضطرين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا و منصرفنا؟!

فقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ :«أتظن أنّه كان قضاءً حتماً، وقدراً لازماً، إنّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والأمر والنهي، والزجر من اللّه تعالى، وسقط معنى


1- ومعنى هذه الجملة: انّي لم أقم بعمل اختياري، ولأجل ذلك احتسب عنائي عند اللّه


(64)

الوعد والوعيد، ولم تكن لائمة للمذنب، ولا مَحْمَدَة للمحسن، ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب، وتلك مقالة إخوان عبدة الأوثان وخصماء الرحمن، وحزب الشيطان وقدرية هذه الأُمّة ومجوسها، وانّ اللّه كلّف تخييراً ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعص مغلوباً، ولم يُطع مكرهاً، ولم يملِّك مفوِّضاً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً، ولم يبعث النبيّين مبشّرين ومنذرين عبثاً، ذلك ظن الّذين كفروا فويل للّذين كفروا من النار».(1)

والحديث جمع بين القول بين القدر والقضاء وكون الإنسان مخيّراً لا مسيّراً. وانّ الإيمان بالقدر، لا يجعل الإنسان مكتوف اليدين بل هو مختار غير مكرَه.

ولقد بقيت الفكرة بعد رحيل الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ وتسرّبت إلى كثير من الأوساط فجعلوا القضاء والقدر من أدلّة الجبر.

ولمّا كان في القول بالقضاء والقدر وصمة الجبر، أنكرت المعتزلة وقوع الأفعال الاختيارية الصادرة عن العباد متعلّقة بالقضاء والقدر، خلافاً للأشاعرة فقد جعلوا الأفعال متعلّقاً للقضاء والقدر، فقالوا: إنّ قضاء اللّه هو إرادته الأزلية المتعلّقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال، وقدره إيجادها إيّاها على قدر مخصوص وتقدير معيّن في ذواتها وأحوالها .(2)

أقول: لا شكّ انّ كلّ ما في الكون من كبير وصغير وجليل ودقيق من الجواهر والأعراض كلّها واقعة في إطار القدر والقضاء، غير أنّ استنتاج الجبر من القدر والقضاء، استنتاج خاطئ، بل القول بهما يؤكد الاختيار على خلاف ما يستنتجه القائلون بالجبر. وإليك توضيح المقام فانّه يطلق القضاء والقدر على معنيين:


1- الصدوق: التوحيد:380، الحديث28.
2- شرح مواقف:8/180ـ181.


(65)

التفسير الأوّل للقضاء والقدر

1

6

القضاء والقدر هو السنن الكونية

يُطلق القضاء والقدر ويراد بهما السنن الكونية الواردة في الكتاب والسنّة السائدة على الكون عامّة، والإنسان خاصة وبيد الإنسان مفتاح التظلّل تحت أي سنّة من السنن، ونذكر من هذه السنن، الشيء القليل من الكثير:

1. قال سبحانه حاكياً عن شيخ الأنبياء نوح ـ عليه السَّلام ـ :(فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم إِنَّهُ كانَ غَفّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدراراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوال وَبَنينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً).(1)

فترى أنّ نوحاً ـ عليه السَّلام ـ يجعل الاستغفار سبباً مؤثراً في نزول المطر وكثرة الأموال وجريان الأنهار، ووفرة الأولاد. وإنكار تأثير الاستغفار في هذه الكائنات أشبه بكلمات الملاحدة. وموقف الاستغفار هنا موقف العلّة التامّة أو المقتضي بالنسبة إليها، والآية تهدف إلى أنّ الرجوع إلى اللّه وإقامة دينه وأحكامه، يسوق المجتمع إلى النظر والعدل والقسط، إذ في ظلّه تنصبّ القوى على بناء المجتمع على أساس


1- نوح:10ـ12.


(66)

صحيح، فتُصرف القوى في العمران والزراعة وسائر مجالات المصالح الاقتصادية العامّة; كما أنّ العمل على خلاف هذه السنّة، وهو رجوع المجتمع عن اللّه وعن الطهارة في القلب والعمل، ينتج خلاف ذلك.

وللمجتمع الخيار في التمسّك بأهداب أيّة من السُّنتين، فالكلّ قضاء اللّه وتقديره. فمن تمسّك بالأُولى فقد تمسّك بقضاء اللّه، كما أنّ تمسّك بالثانية فقد تمسّك به أيضاً.

2. قال سبحانه: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكات مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ).(1)

3. قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ).(2)

4. قال سبحانه: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْم حَتّى يُغَيِّروا ما بأَنْفُسِهِم).(3)

والتقرير في مورد هذه الآيات الثلاث مثله في الآية السابقة عليها وللإنسان الخيار في الأخذ بأيّة من السنتّين.

5. وقال سبحانه: (وَإِذْ تأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابي لَشديد).(4)

ترى أنّ الآية تتكفّل ببيان كلا طرفي السنّة الإلهية إيجاباً وسلباً، وتُبيّن النتيجة المترتّبة على كلّ واحد منهما. والكلّ قضاؤه وتقديره والخيار في سلوكهما للمجتمـع.


1- الأعراف:96.
2- الرعد:11.
3- الأنفال:53.
4- إبراهيم:7.


(67)

6. وقال سبحانه: (وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِب).(1)

7. وقال سبحانه: (يُثَبِّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثّابِتِ فِي الحَياةِ الدُّنيا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظّالِمين وَيَفْعَلُ اللّهُ ما يَشاء).(2)

فالمجتمع المؤمن باللّه وكتابه وسنّة رسوله إيماناً راسخاً يثبّته اللّه سبحانه في الحياة الدنيا وفي الآخرة، كما أنّ الظالم والعادل عن اللّه سبحانه يخذله سبحانه ولا يوفّقه إلى شيء من مراتب معرفته وهدايته. ولأجل ذلك يُرتِّب على تلك الآية قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَومَهُمْ دارَ الْبَوارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَونَها وَبِئْسَ الْقَرار).(3)

8. وقال سبحانه: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُون).(4)

فالصالحون لأجل تحلِّيهم بالصلاح في العقيدة والعمل، يغلبون الظالمين وتكون السيادة لهم، والذلّة والخذلان لمخالفيهم.

9. وقال سبحانه: (وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِيَنَهُمُ الَّذِي ارْتضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدْ خَوْفِهِمْ أَمْناً يعْبُدُونَني لاَ يُشْرِكُونَ بي شَيئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُون).(5)

فالاستخلاف في الأرض نتيجة الإيمان باللّه والعمل الصالح وإقامة دينه على


1- الطلاق:2ـ3.
2- إبراهيم:27.
3- إبراهيم:28ـ 29.
4- الأنبياء:105.
5- النور:55.


(68)

وجه التمام، ويترتّب عليه ـ وراء الاستخلاف ـ ما ذكره في الآية من التمكين وتبديل الخوف بالأمن.

10. وقال سبحانه: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرينَ أَمْثالُها).(1)

والآيات الواردة حول الأمر بالسير في الأرض والاعتبار بما جرى على الأُمم السالفة لأجل عتوّهم وتكذيبهم رسل اللّه سبحانه، كثيرة في القرآن الكريم، تبيّن سنّته السائدة على الأُمم جمعاء.

11. وقال سبحانه: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسيرُوا فِي الأَرْض فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبين).(2)

12. وقال سبحانه: (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرُ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الفَضْلِ العَظيمِ).(3)

13. وقال سبحانه: (مَا يُجادِلُ في آياتِ اللّهِ إِلاّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي البَلاد* كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَالأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمّة بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادلُوا بالبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ* وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النّار).(4)

والآية من أثبت الآيات المبيّنة لسنته تعالى في الذين كفروا، فلا يصلح للمؤمن أن يغرّه تقلّبهم في البلاد، وعليه أن ينظر في عاقبة أمرهم كقوم نوح


1- محمد:10.
2- الأنفال:29.
3- آل عمران:137.
4- غافر:4ـ6.


(69)

والأحزاب من بعدهم، حتّى يقف على أنّ للباطل جولة وللحقّ دولة، وانّ مردّ الكافرين إلى الهلاك والدمار كما أنّ مردّ المؤمنين إلى الجنة، والإنسان مخيّر بين التظلّل تحت أي واحد منهما.

14. وقال سبحانه: (وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهدَى مِنْ إِحدَى الأُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً* اسْتِكْباراً في الأَرْض وَمَكْرَ السَّيِّىء ولا يَحيقُ المَكْرُ السَّيِّئ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الأوّلينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَحْويلاً).(1)

وما ذكرنا من الآيات نبذة من السنن الإلهيّة السائدة على الفرد والمجتمع. وفي وسع الباحث أن يتدبّر في آيات الكتاب العزيز حتّى يقف على سننه تعالى وقوانينه، ثمّ يرجع إلى تاريخ الأُمم وأحوالها فيُصدِّق قوله سبحانه: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَحْويلاً).

فالجميع من قضائه وقدره، وللبشر أن يتظلل بأي واحد منهما شاء...وليس في القول بالقضاء والقدر بهذا المعنى، رائحة الجبر، بل فيها تأكيد للاختيار. هذا هو المعنى الأوّل لهما وإليك المعنى الثاني.


1- فاطر:42ـ 43.


(70)

المعنى الثانى للقضاء والقدر

2

7

علمه الأزلي بتحقّق الشيء مع خصوصياته

المراد من القدر هو علمه سبحانه بالأزل بحد الشيء وخصوصيات وجوده وحدوده، كما أنّ المراد من القضاء هو علمه بتحقّقه ووجوده، وهذا ما يسمّى بالتقدير والقضاء العلميّين.

وربما يتوهّم انّ دخول فعل الإنسان في اطار القدر والقضاء يوجب سلب الاختيار عن الإنسان، لأنّه سبحانه يعلم في الأزل فعل الإنسان حسب ما له من الخصوصيات، ويعلم تحقّقه في المستقبل، فإذا كان فعل الإنسان معلوماً للّه سبحانه تقديراً وقضاءً فلا يبقى له الاختيار.

على هامش الشبهة

إنّ علمه الأزلي لم يتعلّق بصدور كلّ فعل عن فاعله على وجه الإطلاق، بل تعلّق علمه بصدور كلّ فعل عن فاعله حسب الخصوصيات الموجودة فيه، وعلى ضوء ذلك تعلّق علمه الأزلي بصدور الحرارة من النار على وجه الجبر بلا شعور،


(71)

كما تعلّق علمه الأزلي بصدور الرعشة من المرتعش، عالماً بلا اختيار، ولكن تعلّق علمه سبحانه بصدور فعل الإنسان الاختياري منه بقيد الاختيار والحرية، فتعلّق علمه بوجود الإنسان وكونه فاعلاً مختاراً، وصدور فعله عنه اختياراً، يؤكّد الاختيار ويدفع الجبر عن ساحة الإنسان.

وإن شئت قلت: إنّ العلّة إذا كانت عالمة شاعرة، ومريدة ومختارة كالإنسان، فقد تعلّق علمه بصدور أفعالها منها بتلك الخصوصيات، وانصباغ فعلها بصبغة الاختيار والحرية. فلو صدر فعل الإنسان منه بهذه الكيفية لكان علمه مطابقاً للواقع غير متخلّف عنه; وأمّا لو صدر فعله عنه في هذا المجال عن جبر واضطرار بلا علم وشعور، أو بلا اختيار وإرادة، فعند ذلك يتخلّف علمه عن الواقع.

ونقول توضيحاً لذلك: إنّ الأعمال الصادرة من الإنسان على قسمين: قسم يصدر منه بلا شعور ولا إرادة، كأعمال الجهاز الدمويّ، والجهاز المعويّ، وجهاز القلب، والأحشاء، التي تتسم في أفعال الإنسان بسمة الأعمال الاضطرارية، غير الاختيارية; وقسم آخر يصدر منه عن إرادة واختيار، ويتّسم بسمة الأعمال الاختيارية غير الاضطرارية، كدراسته، وكتابته، وتجارته، وزراعته.

ولمّا كان علم اللّه تعالى تعبيراً عن الواقع على نحو لا يتخلّف عنه قيدَ شعرة، فيتعلّق علم اللّه بأفعال الإنسان على ما هي عليه من الخصائص والألوان. فتكون النتيجة أنّه سبحانه يعلم من الأزل صدور فعل معين في لحظة معيّنة من إنسان معيّن إمّا بالاضطرار، أو الإكراه، أو بالاختيار والحرية، وتعلّق مثل هذا العلم لا يُنتج الجبر، بل يلازم الاختيار. ولو صدر كلّ قسم على خلاف ما اتّسم به لكان ذلك تخلّفاً عن الواقع.


(72)

ولمّا كان الموضوع ممّا ضلّ فيه كثير من الأفهام، وزلّت أقدام غير واحد من الباحثين، ندرس الموضوع على وجه التفصيل، ونرفع النقاب عن وجه الواقع، بذكر بعض الأمثلة:

1. إذا كان تعلّق العلم بالفعل سالباً للاختيار وموجباً للجبر يلزم أن يكون سبحانه ـ نعوذ باللّه ـ فاعلاً بالجبر، لعلمه بفعله قبل إيجاده، واللّه سبحانه هو الفاعل المختار لا يخضع لشيء.

2. انّ المعلم الذي يمارس التدريس، بإمكانه التنبّؤ بنتائج الامتحان الذي سيقام لتلاميذه آخر الفصل الدراسي، حيث يستطيع أن يميز بين الناجح منهم والراسب وتكون نتيجة الامتحان وفق ما تنبّأ به، أفيصح للراسب في الامتحان أن يلقي وزر ذلك على عهدة معلمه؟!

فإنّ علم المعلّم وصّاف كشّاف يحكي عن الواقع ولا يؤثّر عليه وإنّما المؤثر على الواقع مؤهّلات التلميذ وسعيه وكدحه.

3. انّ علمه سبحانه لا يتعلّق بالمسبّب بما هو مسبّب وإنّما يتعلّق بضم المسبّب إلى أسبابه والنتائج إلى مقدّماتها، فإذا كان السبب والمقدمة أمراً اختيارياً، فأولى أن يكون المسبب كذلك.

كلمة للشيخ الغزالي في استنتاج الجبر من العلم الإلهي

وللشيخ محمد الغزالي كلمة في نقد انّ العلم الإلهي يسلب الاختيار، يقول: إنّ عامّة المسلمين يطوون أنفسهم على ما يشبه عقيدة الجبر ولكنّهم حياءً من اللّه يسترون الجبر باختيار خافت موهوم، وقد أسهمت بعض المرويات في تكوين هذه الشبهة وتمكينها، وكانت بالتالي سبباً في إفساد الفكر الإسلامي وانهيار الحضارة


(73)

والمجتمع .

إنّ العلم الإلهي المحيط بكلّ شيء وصّاف، كشاف، يصف ما كان، ويكشف ما يكون، والكتاب الدالّ عليه يسجّل للواقع وحسب! لا يجعل السماء أرضاً ولا الجماد حيواناً، إنّه صورة تطابق الأصل بلا زيادة ولا نقص ولا أثر لها في سلب أو إيجاب.

إنّ هذه الأوهام(التقدير سالب للاختيار) تكذيب للقرآن والسنّة، فنحن بجهدنا وكدحنا ننجو أو نهلك، والقول بأنّ كتاباً سبق علينا بذلك وأنّه لاحيلة لنا بازاء ما كتب أزلاً هذا كلّه تضليل وإفك، لقوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ بَصائِرٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها).(1) (وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُر).(2)

والواقع انّ عقيدة الجبر تطويح بالوحي كلّه وتزييف للنشاط الإنساني من بدء الخلق إلى قيام الساعة، بل هي تكذيب للّه والمرسلين قاطبة، ومن ثمّ فإنّنا نتناول بحذر شديد ما جاء في حديث مسلم وغيره: انّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتّى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار...».

إلى أن قال: وكلّ ميل بعقيدة القدر إلى الجبر فهو تخريب متعمّد لدين اللّه ودنيا الناس، وقد رأيت بعض النقلة والكاتبين يهوِّنون من الإرادة البشرية ومن أثرها في حاضر المرء ومستقبله وكأنّهم يقولون للناس أنتم محكومون بعلم سابق لا فكاك منه ومسوقون إلى مصير لا دخل لكم فيه، فاجهدوا جهدكم فلن تخرجوا من


1- الأنعام:104.
2- الكهف:29.


(74)

الخط المرسوم لكم مهما بذلتم.

إنّ هذا الكلام الرديء ليس نضح قراءة واعية لكتاب ربنا، ولا اقتداء دقيقاً بسنّة نبينا انّه تخليط قد جنينا منه المرّ.

وكل أثر مروي يشغب على حرية الإرادة البشرية في صنع المستقبل الأُخروي يجب أن لا نلتفت إليه، فحقائق الدين الثابتة بالعقل والنقل لا يهدّها حديث واهي السند أو معلول المتن، لكنّنا مهما نوّهنا بالإرادة الإنسانية فلا تنسى انّنا داخل سفينة يتقاذفها بحر الحياة بين مد وجزر وصعود وهبوط، والسفينة تحكمها الأمواج، ولا تحْكم الأمواجَ، ويعني هذا انّ نُلْزم موقفاً محدداً بازاء الأوضاع المتغيرة التي تمرّ بنا هذا الموقف من صنعنا وبه نحاسب.(1)


1- السنّة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث للشيخ الغزالي:144ـ 157.


(75)

شبهات وحلول

3

8

الهداية والضلالة بيد اللّه

دلّت الآيات القرآنية على أنّ الهداية والضلالة بيده سبحانه، فهو يضلّ من يشاء و يهدي من يشاء، فإذا كان أمر الهداية مرتبطاً بمشيئته، فلا يكون للعبد دور لا في الهداية ولا في الضلالة، فالضال يعصي بلا اختيار، والمهتدي يطيع كذلك وهذا بالجبر، أشبه منه بالاختيار.

قال سبحانه: (وَما أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاّ بِلِسانِ قَومِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ العَزيزُ الحَكيم).(1)

فإذا كانت الهداية والضلالة بيد اللّه سبحانه فما معنى الاختيار؟

على هامش الشبهة

هذه هي الشبهة أو الاستدلال على القول بالجبر ولكن الإجابة عليها ليست أمراً مشكلاً بشرط أن نقف على أنّ الهداية على أقسام، ونميز الهداية العامّة التي


1- إبراهيم:4.


(76)

عليها تبتني مسألة الجبر والاختيار والهداية الخاصة التي مفتاحها بيد الإنسان، وإليك التفصيل:

1. الهداية العامّة التكوينية

والمراد منها خلق كلّ شيء وتجهيزه بما يهديه إلى الغاية التي خلق لها: قال سبحانه حاكياً كلام النبي موسى ـ عليه السَّلام ـ :(قالَ رَبُّنَا الّذي أَعطى كلَّ شَيء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى)(1)، وجهز كلّ موجود بجهاز يوصله إلى الكمال، فالنبات مجهّز بأدقّ الأجهزة التي توصله في ظروف خاصة إلى تفتح طاقاته، فالحبة المستورة تحت الأرض ترعاها أجهزة داخلية وعوامل خارجية كالماء والنور إلى أن تصير شجرة مثمرة، ومثله الحيوان والإنسان فهذه الهداية عامة لجميع الأشياء ليس فيها تبعيض وتمييز.

قال سبحانه : (سَبّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى* وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى).(2)

وقال سبحانه: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَينَين* وَلِساناً وشفَتين* وهَديناهُ النّجْدَيْن).(3)

وقال سبحانه: (وَنَفْس وَمَا سَوّاها* فَأَلهَمها فُجُورَهَا وَتَقْواها).(4)

إلى غير ذلك من الآيات الواردة حول الهداية التكوينية التي تنبع من ذات الشيء بما أودع اللّه فيها من الأجهزة والالهامات التي توصله إلى الغاية المنشودة من غير فرق بين المؤمن و الكافر، فقوله سبحانه عام يعمّ مجموع البشر مؤمنه


1- طه:50.
2- الأعلى:1ـ3.
3- البلد:8ـ10.
4- الشمس:7ـ8.


(77)

وكافره(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطرَت اللّه ِالّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَر النّاسِ لا يَعْلَمُونَ).(1)

ففطرة كلّ إنسان تهديه إلى التوحيد ونبذ الشرك، ومن أجهزة الهداية التكوينية، العقل الموهوب للإنسان المرشد له إلى معالم الخير والصلاح.وهذا النوع من الهداية العامة لكلّ موجود فضلا ً عن الإنسان .

2. الهداية العامّة التشريعية

المقصود من الهداية العامة التشريعية هو بعث الأنبياء وإرسال الرسل وإنزال الكتب لهداية الناس، وهذا الفرع من الهداية يشمل عامّة البشر ، ولا يختص بطائفة دون أُخرى، قال سبحانه:

(لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنَا بِالبَيِّناتِ وَأَرْسَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ).(2)

فالآية بظاهرها تثبت الهداية العامة لكافة البشر.

3. الهداية الخاصة

وهناك هداية خاصة تختص بجملة من الأفراد الذين استضاءُوا بنور الهداية العامة، تكوينيّا وتشريعيّها فيقعون مورداً للعناية الإلهية ، فمن اقتفى أثر الأنبياء وعمل بكتابهم يصلح لأن تشمله هداية خاصة وهو تسديده في مزالق الحياة إلى سبيل النجاة.

كما أنّ من لم يستضئ بنور الهداية التشريعية العامة يحرم من تلك الهداية


1- الروم:30.
2- الحديد:25.


(78)

الخاصّة، وهذا النوع من الهداية بيد اللّه تعالى وإليه يشير قوله سبحانه:(ولكن يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدي مَنْ يَشاءُ وَلتُسْئَلُنَّ عَمّا كُْتُمْ تَعْمَلُون).(1) ولكن شموله لطائفة دون أُخرى ليس اعتباطياً، بل تشمل من استضاء بالهدايتين الأُوليين فتعمه هذه الهداية الخاصة، كما أنّ من أعرض عنهما يحرم منها وتكون النتيجة خذلانه في الحياة، وهذا النوع من الهداية تابع لملاكات خ(2)اصة فيشير إليها سبحانه عند البحث عنهما، يقول:

1. (إِنّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاء وَيَهْدِي إِليهِ مَنْ أَناب).

فهذه الهداية هداية تشريعية خاصة ولا تشمل إلاّ لمن وُصف بالانابة والتوجّه إلى اللّه كما يقول(وَيهْدي إِليهِ مَنْ أَناب)، وبما ذكرنا يتّضح معنى كثير من الآيات الباحثة عن الهداية ويصفها بأنّها بيد اللّه يضلّ ويهدي، ولكن يهدي من اكتسب لنفسه أهلية خاصة لشمولها ويحرم منها من حرم نفسه عن الهدايتين الأُوليين، وإليك باقي الآيات:

وقال سبحانه: (اللّهُ يَجْتَبي إِليهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدي إِليهِ مَنْ يُنيبُ).(3)

وقال سبحانه: (والّذينَ جَاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنينَ)(4) فمن أراد وجه اللّه سبحانه يمدّه بالهداية إلى سبله.

وقال سبحانه:(والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً).(5)

وقال سبحانه: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً* وَرَبَطْنا عَلى


1- وهذه الملاكات كما تشير إليها الآيات التالية عبارة عن الإنابة ، والجهاد والاهتداء في أمر الهداية ومقابلاتها في أمر الضلالة.
2- النحل:93
3- الشورى:13.
4- العنكبوت:69.
5- محمد:17.


(79)

قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقَالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّمواتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً).(1)

وكما أنّه علق الهداية هنا على من جعل نفسه في مهب العناية الخاصّة، علّق الضلالة في كثير من الآيات على صفات تشعر باستحقاقه الضلال وبمعنى الحرمان من الهداية الخاصة.

قال سبحانه: (وَاللّهُ لا يَهْدِي القَومَ الظّالِمين).(2)

وقال سبحانه: (وَيُضِلُّ اللّهُ الظّالِمينَ وَيَفْعلُ اللّهُ مَا يَشاءُ).(3)

وقال سبحانه: (وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاّ الْفاسِقينَ).(4)

وقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَريقاً* إِلاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ).(5)

وقال سبحانه: (فَلَمّا زَاغُوا أَزاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللّهُ لا يَهْدي الْقَومَ الفَاسِقين).(6)

فالمراد من الإضلال هو عدم الهداية لأجل عدم استحقاق العناية والتوفيق الخاص، لأنّهم كانوا ظالمين وفاسقين. كافرين ومنحرفين عن الحقّ. وبالمراجعة إلى الآيات الواردة حول الهداية والضلالة يظهر أنّه سبحانه لم ينسب في كلامه إلى نفسه إضلالاً إلاّ ما كان مسبوقاً بظلم من العبد أو فسق أو كفر أو تكذيب


1- الكهف:13و 14.
2- الجمعة:5.
3- إبراهيم:27.
4- البقرة:26.
5- النساء: 168و 169.
6- الصف:5.


(80)

ونظائرها التي استوجبت قطع العناية الخاصة وحرمانه منها.

إذا عرفت ما ذكرنا، تقف على أنّ الهداية العامة التي بها تناط مسألة الجبر والإختيار، عامة شاملة لجميع الأفراد، ففي وسع كلّ إنسان أن يهتدي بهداها. وأمّا الهداية الخاصة والعناية الزائدة فتختص بطائفة المنيبين والمستفيدين من الهداية الأُولى. فما جاء في كلام المستدل من الآيات من تعليق الهداية والضلالة على مشيئته سبحانه ناظرٌ إلى القسم الثاني لا الأوّل.

أمّا القسم الأوّل فلأنّ المشيئة الإلهية تعلقت على عمومها بكلّ مكلّف بل بكل إنسان، وأمّا الهداية فقد تعلقت مشيئته بشمولها لصنف دون صنف ولم تكن مشييئته، مشيئة جزافية، بل الملاك في شمولها لصنف خاص هو قابليته لأن تنزل عليه تلك الهداية، لأنّه قد استفاد من كلّ من الهداية التكوينية والتشريعية العامتين، فاستحق بذلك العناية الزائدة.

كما أنّ عدم شمولها لصنف خاص ما هو إلاّ لأجل اتصافهم بصفات رديئة لا يستحقون معها تلك العناية الزائدة.

ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه بعد ما يقول: (فَيُضِلُّ اللّه مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ)، يذيّله بقوله: (وَهُوَ العَزِيزُ الحَكيمُ)(1)، مشعراً بأنّ الإضلال والهداية كانا على وفاق الحكمة، فهذا استحقّ الإضلال وذاك استحق الهداية.


1- إبراهيم:4 .


(81)

9

هل الإيمان بالقدر ركن

من أركان الإيمان؟

إنّ الإيمان بالقدر من المعارف القرآنية وقد ورد في غير واحد من الآيات.

قال سبحانه: (انّا كلَّ شَيْء خَلَقْناهُ بِقَدَر ).(1)

و قال عزّ اسمه: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً).(2)

فالكون و ما فيه، خُلِق عن علم وتقدير، فقُدِّر كلّ شيء بما له من الصفات والخصوصيات، والمقادير والأشكال قبل وقوعها، وسُجِّل ذلك في كتاب خاص، قال سبحانه: (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّة فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّماءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتاب مُبين).(3)

وقال عزّ شأنه: (وما تسقُطُ مِنْ وَرَقَة إِلاّ يَعْلَمُها وَلاَ حَبَّة في ظُلُماتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْب وَلاَ يابِس إِلاّ في كِتاب مُبين).(4)

وقال في المصائب التي تحدث في الأرض وما يواجهه الإنسان من خير و شر:(مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ في كتاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها


1- القمر:49 .
2- الفرقان:2.
3- يونس:61.
4- الأنعام:59.


(82)

إِنَّ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسير).(1)

فالمصائب قدرت من حيث الخصوصيات وقضى عليها بالوجود، في كتاب قبل أن يُخلق الكون وما فيه.

لكن الكلام في أنّ الإيمان بالقدر هل هو ركن من الأركان ، كما عليه أكثر أهل السنّة فيكون الإيمان به في جنب الإيمان باللّه وكتبه ورسله، ويوم ميعاده، أو هو أصل ومعرفة قرآنية كسائر المعارف الواردة في الكتاب العزيز؟ والظاهر هو الثاني، وأمّا الأوّل فلا دليل عليه، إذ كون شيء معدوداً من المعارف القرآنية غير كونه ركناً من أركان الإيمان، إذ رب معرفة وردت في القرآن، وليست ركناً من الإيمان، كالحياة البرزخية، والشفاعة، والتوبة، ومع ذلك فليست من أركان الإيمان.

ولو كان ركناً من الأركان لجاءت الإشارة إليه في ثنايا الآيات المشيرة إلى أركان الإيمان كقوله سبحانه: (ولكنّ ا البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَالمَلائِكَةِ وَالكِتابِ وَالنَّبِيِّين).(2)

وقال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِليهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلائِكتهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِليكَ الْمَصير).(3)

فقد جاء فيهما أركان الإيمان وهي الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ولم ترد فيهما أية إشارة إلى الإيمان بالقدر، فلو كانت له هذه المنزلة، لما أهملها الذكر الحكيم.


1- الحديد:22.
2- البقرة:177.
3- البقرة:285.


(83)

وأظنّ انّ الغلو في القدر جاء من قبل الأحبار والرهبان، وعدّ من أركان الإيمان في عصر الأمويين، وقد أحصا الأحاديث الواردة فيه ابن الوزير اليمني(1). فبلغت 227 حديثاً، منها 72 حديثاً في وجوب الإيمان بالأقدار، و155 حديثاً في ثبوتها.(2)

وقد تفلسف بعضهم في عدّه من أركان الإيمان من أنّ الإيمان بالقدر داخل ضمناً في الإيمان باللّه، بل جزء حقيقي منه ، لأنّ معناه الإيمان باحاطة علم اللّه تعالى بكلّ شيء وشمول إرادته لكلّ ما يقع من الكون ونفوذ قدرته في كلّ.(3)

أقول: لو كان السرّ في عدّه من أركان الإيمان، كونه تعبيراً آخر عن إحاطة علمه وشمول إرادته لكلّ شيء، فلما ذا عدل عن المعنى الواضح إلى المعنى المبهم الذي لا ينتقل إلى ما ذكره إلاّ العلماء. فمقتضى البلاغة أن تُعدّ إحاطة علمه وشمول إرادته لكلّ شيء من أركان الإيمان.

ومن قرأ تاريخ نشوء فكرة القدر، وانتشاره بين المحدّثين، يقف على أنّ إكبار القدر وجعله من أركان الإيمان، كان سياسة أموية، لأجل تبكيت الناس وكبح جماحهم، والحط من مظاهراتهم أمام أعمال السلطة، ولا أظن أنّ معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، كانا ينكران سعة علمه، أو إرادته سبحانه حتّى ذهب الثاني ضحّية جهاده، ومكافحته مع الظالمين وقُتل بفتوى فقيه السلطة «الأوزاعي».


1- تقرأ ترجمة ضافيه له في كتابنا «الزيدية في موكب التاريخ».
2- نقله عنه مؤلّف الإيمان بالقدر.
3- الإيمان بالقدر:9.


(84)

10

التفويض و مضاعفاته

لما كانت السلطة الأُموية مروّجة للقدر والقضاء بالمعنى السالب للاختيار وكان ذلك مخالفاً للفطرة الإنسانية وقضاء العقل وسيرة العقلاء، قام رجال أحرار في وجه هذه العقيدة يركِّزون على القول بحرية الإنسان في إطار حياته ولكنّ السلطة اتهّمتهم بنفي القضاء والقدر ثمّ وضعت السيوف على رقاب بعضهم.

هذا هو معبد الجهني اتّهموه بنفي القدر فذهب إلى الحسن البصري فقال له: إنّ بني أُميّة يسفكون الدماء ويقولون إنّما تجري أعمالنا على قدر اللّه تعالى، فقال: كذب أعداء اللّه .(1)

ومثله غيلان الدمشقي فقد اتّهم بنفس ما اتهّم به معبد الجهني فقد جاهر بمذهبه أيام هشام بن عبد الملك وأحضر الأوزاعي لمناظرته فأفتى بقتله فصلب على باب كيسان بدمشق.(2)

ولا أظن انّ الرجلين كانا ينكران القضاء والقدر، إذ كيف يمكن لمسلم أن ينكر أصلاً قرآنياً يعد من المعارف العليا للقرآن الكريم، وإنّما كانا ينكران تبرير


1- الخطط المقريزية:2/356.
2- الملل والنحل للشهرستاني:1/47.


(85)

ظلم الظالمين وتعدّي الجائرين، بالقضاء والقدر.

نعم صار ذلك سبباً بعد فترة من الزمن لظهور نظرية التفويض التي تدّعي تفويض الأُمور إلى العباد وانّه ليس للّه سبحانه أيّ صنع في أفعالهم فجعلوا الإنسان خالقاً لأفعاله، مستغنياً عن اللّه سبحانه في ايجاد أفعاله، فصار الإنسان على حسب هذه النظرية كالإله في مجال الأفعال كما كان القضاء والقدر عند الجبريّين حاكماً على كلّ شيء ولا يمكن تغييره إلى صورة أُخرى من الصور، فالطرفان يحيدان عن جادة التوحيد ويميلان إلى جانبي الإفراط والتفريط. وإليك نقد النظرية على وجه الإيجاز:

1. القول بالتفويض يلازم الشرك

إنّ القول بالتفويض يلازم الشرك الخفي، أي الاعتقاد بوجود خالقين مستقلّين في الخلق والإيجاد: أحدهما العلّة العليا التي خلقت الموجودات والكائنات والإنسان، والأُخرى الإنسان نفسه فإنّه يستقل بعد الخلقة في أفعاله وتنقطع حاجته إلى اللّه بعد وجوده وهو نفس تصوير المِثْل للّه سبحانه.

2. الإنسان في دوّامة الحدوث

إنّ الموجود الطبيعي في النظرة الأُولى له حدوث وبقاء ولكنّه في النظرة الدقيقة كلّه حدوث بعد حدوث، لأنّ مقتضى الحركة الجوهرية هو كون العالم في تبدل مستمر وتجدّد دائم، بأعراضها وجواهرها، فذوات الأشياء في تجدد واندثار متواصل، وما أشبه العالم بالصورة المنعكسة في الماء الجاري، فهي ثابتة في النظرة الأُولى، ولكنّها في النظرة الدقيقة متعددة متبدّلة حسب تبدّل الماء وقال سبحانه:


(86)

(وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُهَا جَامِدةً وَهِي تَمرُّ مَرَّ السَّحابِ).(1)

وبما أنّ المروي عن المفوضة انّ الإنسان محتاج إلى اللّه في حدوثه لا في بقائه، ولذلك قالوا باستغنائه في الفعل عنه تعالى، فليبين موقف الوجود الإمكاني إلى الواجب تبارك وتعالى نأتي بمثال:

الأُولى: انّ مثل الموجودات الإمكانية بالنسبة إلى الواجب كمثل المصباح الكهربائي المضيء فالحس الخاطئ يزعم انّ الضوء المنبعث من هذا المصباح هو استمرار للضوء الأوّل، ويتصور انّ المصباح إنّما يحتاج إلى المولّد الكهربائي في حدوث الضوء دون استمراره.

والحال انّ المصباح فاقد للإضاءة في مقام الذات محتاج في ضوئها إلى ذلك المولّد في كلّ لحظة، لأنّ الضوء المتلألئ من المصباح إنّما هو استضاءة بعد استضاءة واستنارة بعد استنارة من المولد الكهربائي.

فينطفئ المصباح إذا انقطع الاتصال بينه و بين المولد، فالعالم يشبه هذا المصباح الكهربائي تماماً فهو لكونه فاقداً للوجود بالذات يحتاج إلى العلّة(الواجب الوجود) في حدوثه وبقائه، لأنّه يأخذ الوجود آناً بعد آن وزماناً بعد زمان.

فإذا كان هذا حال الفاعل وذاته، فكيف حال الفعل فالمحتاج إلى الواجب في كلّ آن، محتاج إليه في الفعل والإيجاد، لأنّ الفعل رهن الذات وموقوف عليها، والذات في كلّ آن رهن العلّة العليا وموقوفة عليها، فينتج انّ الفعل رهن العلّة العليا وموقوف عليها.


1- النمل:88.


(87)

11

الأمر بين الأمرين

كان الرأي السائد في المسألة أحد الرأيين، إمّا الجبر، وإمّا التفويض; وبذلك ضلّ القائلون إمّا في متاهات الجبر أو بوقوعهم في حبال الشرك.

ثمّ إنّ الداعي لاختيار أحد المذهبين هو انّ القائلين بالجبر زعموا أنّ صيانة التوحيد في الخالقية (لا خالق ولا مؤثر إلاّ اللّه سبحانه) رهن القول بالجبر، فلو قلنا بالاختيار يلزم أن يكون الإنسان خالقاً لفعله، جاعلاً لعمله وهو ينافي التوحيد الأفعالي الذي يعبّر عنه بالتوحيد في الخالقية.

كما أنّ القائلين بالتفويض زعموا أنّ صيانة عدله سبحانه وتنزيهه عن الظلم والتعدّي، رهن القول بالتفويض وتصوير انّ الإنسان فاعل مختار مستغن في فعله عن الواجب سبحانه بل محتاج في حدوثه إلى اللّه لا في بقائه فكيف في فعله؟

وعلى كلّ تقدير فالجبري يعتقد بانقطاع فعل الإنسان عنه، وانّه فعل اللّه تماماً من دون أن يكون له صلة بالفاعل إلاّ كونه ظرفاً لفعل الخالق.

والقائل بالتفويض يعكس الأمر ويعتقد بانقطاع نسبة الفعل إلى الخالق، وكونه مخلوقاً للإنسان تماماً من دون أن يكون هناك صلة بين فعله وخالق الكون. فالطائفة الأُولى يحسبون أنّهم بالقول بالجبر يرفعون راية التوحيد في الخالقية، كما أنّ الطائفة الثانية يزعمون أنّهم بالقول بالتفويض ينزهون الرب عن كلّ عيب وشين.


(88)

كان الرأيان سائدين ولكن أئمّة أهل البيت ضربوا على وجه الرأيين وقالوا: إنّ موقف الإنسان بالنسبة إلى اللّه غير موقف الجبر المشوِّه لسُمعة المذهب، وغير موقف التفويض المُلْحِق للإنسان بمكان الشرك، بل موقفه أمر واقع بين الأمرين.

إنّ صيانة التوحيد في الخالقية ليس منوطاً بالقول بالجبر، أو صيانة عدله وقسطه ليس منحصراً بالقول بالتفويض، بل يمكن الجمع بين الرأيين برأي ثالث، وهو انّ الإنسان ذاته وفعله قائمان بذاته سبحانه، و بذلك لا يصحّ فصل فعل الإنسان عنه سبحانه لافتراض قيامهما وعامة العوالم بوجوده سبحانه.

وفي الوقت نفسه انّ فعله غير منقطع عنه، وذلك لأنّ مشيئة اللّه تعلّقت بنظام قائم على أسباب ومسببات، وصدور كلّ مسبب (فعل الإنسان) عن سببه وهو الإنسان، فلا يصحّ فصل المسبّب عن سببه، فالنتيجة هو انّ لفعل الإنسان صلة باللّه وصلة بسببه، وهذا هو الأمر بين الأمرين.

نحن نعتقد بالتوحيد في الخالقية الذي يعبر عنه بالتوحيد الأفعالي، ولكن لا بمعنى إنكار العلل والأسباب وإنكار الروابط بين الظواهر الكونية و نفي أيّ سبب ظلّي يعمل بإذنه سبحانه، فإنّ إلغاء الأسباب مخالف للضرورة والوجدان والذكر الحكيم.

بل بمعنى انّ العوالم الحسيّة والغيبيّة بذواتها وأفعالها قائمة به سبحانه، وكما انّ تأثيرها وسببيّتها بإذنه ومشيئته، فكلّ ظاهرة كونية لها نسبة إلى أسبابها، كما أنّ لها نسبة إلى خالق أسبابها، فإلغاء كلّ سبب وعلّة، ونسبة الظاهرة إلى ذاته سبحانه، غفلة عن تقديره سبحانه لكلّ شيء سبباً، كما أنّ نسبة الفعل إلى السبب القريب وفصله عن اللّه سبحانه غفلة عن واقع السبب وانّه بوجوده وأثره قائم باللّه سبحانه، فكيف يمكن فصل أثره عنه تعالى؟!


(89)

ولأجل إيضاح الموضوع نقول: إنّ الأسباب الطبيعية على أقسام:

1. سبب مؤثر ـ بإذن اللّه ـ فاقد للشعور.

2. سبب مؤثر ـ بإذن اللّه ـ واجد للشعور، لكن فاقد للاختيار كحركة المرتعش.

3. سبب مؤثر ـ بإذن اللّه ـ واجد للشعور والاختيار كتحريك الإنسان ليده.

فالحرارة تصدر من النار بإذنه سبحانه بلا شعور.

وحركة يد المرتعش تصدر منه مع علم الفاعل بلا اختيار.

والأفعال التي يُثاب بها الإنسان أو يعاقب وبها تناط سعادته وشقاؤه يوم القيامة تصدر منه عن علم واختيار، كلّ ذلك بإذنه ومشيئته.

فلا القول بالتوحيد الأفعالي (لا مؤثر ولا خالق إلاّ هو) يصادم الاختيار، لأنّ حصر الخالقية المستقلّة باللّه لا ينافي نسبة الخالقية غير المستقلة وغير النابعة من إذنه إلى الإنسان، ولا القول بالاختيار يزاحم سلطانه وقدرته، فالفعل فعل الإنسان، لأنّه السبب القريب وفي الوقت نفسه منسوب إليه سبحانه لكونه السبب البعيد(1) الذي أوجد الإنسان وأفاض عليه القدرة وزوّده بالاختيار.

هذا بيان موجز لهذا القول الموروث من أئمّة أهل البيت واستقبل المفكّرون من أهل السنّة هذه الفكرة، كالإمام الرازي و الشيخ عبده في رسالة التوحيد، لمّا رأوا انّ في القول بالجبر الأشعري مضاعفات لا تحتمل، وقد شاع ذلك القول بين المفكّرين المصريّين لما تأثّروا بالأفكار الغربية المروّجة للحرية والاختيار.

وتتجلّى قيمة هذا المذهب ببيان برهانه العقلي أوّلا، وتحليل ما يدلّ عليه من الذكر الحكيم ثانياً، والأحاديث الصحيحة ثالثاً.


1- قد استخدمنا«السبب البعيد» لأجل تقريب المطلب، وإلاّ فالواقع فوق ذلك.


(90)

1. نسبة الفعل إلى اللّه بالتسبيب وإلى العبد بالمباشرة

إنّ نسبة فعل العبد إلى اللّه بالتسبيب وإلى العبد بالمباشرة، فإنّ اللّه سبحانه وهب الوجود والحياة والعلم والقدرة لعباده وجعلها في اختيارهم، وانّ العبد هو الذي يصرف الموهوب في أي مورد شاء فيُنسب الفعل إلى اللّه تعالى لكونه مفيض الأسباب، وإلى العبد لكونه هو الذي يصرفها في أي مورد شاء.وهناك مثال يبين حال النظريات الثلاث: الجبر، والتفويض، والأمر بين الأمرين.

لو فرضنا شخصاً مرتعش اليد، فاقد القدرة، فإذا ربط رجل بيده المرتعشة سيفاً قاطعاً وهو يعلم انّ السيف المشدود في يده سيقع على آخر ويُهلكه، فإذا وقع السيف وقتله، ينسب القتل إلى من ربط يده بالسيف، دون صاحب اليد الذي كان مسلوب القدرة في حفظ يده.

ولو فرضنا أنّ رجلاً أعطى سيفاً لمن يملك حركة يده وتنفيذ إرادته فقتل هو به رجلاً، فالأمر على العكس، فالقتل ينسب إلى المباشر دون من أعطى.

ولكن لو فرضنا شخصاً مشلول اليد (لا مرتعشها) غير قادر على الحركة إلاّ بإيصال رجل آخر التيّار الكهربائي إليه ليبعث في عضلاته قوّة ونشاطاً بحيث يكون رأس السلك الكهربائي بيد الرجل بحيث لو رفع يده في آن ، انقطعت القوة عن جسم هذا الشخص في الحال وأصبح عاجزاً. فلو أوصل الرجل تلك القوة إلى جسم هذا الشخص، فذهب باختياره وقتل إنساناً، والرجل يعلم بما فعله، ففي مثل ذلك يستند الفعل إلى كلّ منهما، أمّا إلى المباشر فلأنّه قد فعل باختياره وإعمال قدرته، وأمّا إلى الموصل فلأنّه أقدره وأعطاه التمكّن، حتّى في حال الفعل والاشتغال بالقتل، كان متمكناً من قطع القوة عنه في كلّ آن شاء وأراد.


(91)

فالجبري يمثِّل فعل العبد بالنسبة إلى اللّه تعالى كالمثال الأوّل، حيث إنّ اليد المرتعشة فاقدة للاختيار ومضطرة إلى الإهلاك.

كما أنّ التفويضي يمثّل نسبة فعله إليه كالمثال الثاني، فهو يصور أنّ العبد يحتاج إلى إفاضة القدرة والحياة منه سبحانه حدوثاً لا بقاءً والعلّة الأُولى كافية في بقاء القدرة فيه إلى نهاية المطاف، كما أنّه كان الأمر في المثال كذلك، فكان الإنسان محتاجاً إلى رجل آخر في أخذ السيف، وبعد الحصول عليه انقطعت حاجته إلى المعطي.

والقائل بالأمر بين الأمرين يصوّر النسبة كالمثال الثالث، فالإنسان في كلّ حال يحتاج إلى إفاضة القوة والحياة منه إليه بحيث لو قُطع الفيض في آن واحد بطلت الحياة والقدرة، فهو حين الفعل يفعل بقوة مفاضة منه وحياة كذلك من غير فرق بين الحدوث والبقاء .

والحاصل إنّ للفعل الصادر من العبد نسبتين واقعيتين، إحداهما: نسبته إلى فاعله بالمباشرة باعتبار صدوره منه باختياره وإعمال قدرته; وثانيتهما: نسبته إلى اللّه تعالى باعتبار أنّه معطي الحياة والقدرة في كلّ آن وبصورة مستمرة حتى في آن اشتغاله بالعمل.(1)

وهناك مثال آخر ذكره شيخنا المفيد، فقال:

نفترض انّ مولى من الموالي العرفيّين يختار عبداً من عبيده ويزوّجه إحدى فتياته ثمّ يقطع له قطيعة ويخصه بدار وأثاث وغير ذلك ممّا يحتاج إليه الإنسان في حياته إلى حين محدود ولأجل مسمّى.

فإن قلنا إنّ المولى وإن أعطى لعبده ما أعطى وملّكه ما ملك، لكنّه لا


1- المحاضرات:2/87ـ88; أجود التقريرات: 1/90.


(92)

يملك، وأين العبد من الملك؟ كان ذلك قول المجبرة.

وإن قلنا: إنّ المولى بإعطائه المال لعبده وتمليكه، جعله مالكاً وانعزل هو عن المالكية وكان المالك العبد، كان ذلك قول المعتزلة.

ولو جمعنا بين الملكين بحفظ المرتبتين، وقلنا:إنّ المولى مقامه في المولوية، وللعبد مقامه في الرقية، وانّ العبد يملك في ملك المولى، فالمولى مالك في حين انّ العبد مالك، فهنا ملك على ملك.

كان ذلك القول الحق الذي رآه أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وقام عليه البرهان.(1)

وفي بعض الروايات إشارات واضحة إلى الأمر بين الأمرين.

روى الصدوق في توحيده عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «قال اللّه عزّ وجلّ: يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبإرادتي كنت أنت الذي تريد لنفسك ما تريد».(2)

ترى أنّه يجعل مشيئة العبد وإرادته مشيئة اللّه سبحانه وإرادته، ولا يعرّفهما مفصولتين عن اللّه سبحانه، بل الإرادة في نفس الانتساب إلى العبد، لها نسبة إلى اللّه سبحانه.

2. الأمر بين الأمرين في الكتاب العزيز

إذا كان معنى الأمر بين الأمرين هو وجود النسبتين في فعل العبد: نسبة إلى اللّه سبحانه ونسبة إلى العبد من دون أن تزاحم إحدى النسبتين، النسبةَ الأُخرى، فقد قرره الكتاب العزيز ببيانات مختلفة:


1- الميزان:1/100.
2- التوحيد:340، باب المشيئة والإرادة، الحديث10.


(93)

1. انّه ربما ينسب الفعل إلى العبد وفي الوقت نفسه يسلبه عنه وينسبه إلى اللّه سبحانه، يقول: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبليَ الْمُؤْمِنينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَميعٌ عَلِيمٌ).(1)

ولا يصحّ هذا الإيجاب(إِذْ رَمَيْتَ) في عين السلب(وما رَمَيْتَ) إلاّ على الوجه الذي ذكرنا،وهذا يعرب عن أنّ للفعل نسبتين وليست نسبتُه إلى العبد، كلَّ حقيقته وواقعه، وإلاّ لم تصح نسبته إلى اللّه، كما أنّ نسبته إلى اللّه ليست خالصة (وإن كان قائماً به تماماً) بل لوجود العبد وإرادته تأثير في طروء عناوين عليه.

2. قال سبحانه: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُركُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْم مُؤْمِنين).(2)

فالظاهر انّ المراد من التعذيب هو القتل، لأنّ التعذيب الصادر من اللّه تعالى بأيدي المؤمنين ليس إلاّ ذاك، لا العذاب البرزخي ولا الأُخروي فانّهما راجعان إلى اللّه سبحانه دون المؤمنين، وعلى ذلك فقد نسب فعل واحد(التعذيب) إلى المؤمنين وخالقهم ولا تصح هاتان النسبتان إلاّ على هذا المنهج، وإلاّ ففي منهج الجبر لا تصح النسبة إلاّ إليه سبحانه. وفي منهج التفويض على العكس، والمنهج الذي يصحّح كلتا النسبتين هو منهج الأمر بين الأمرين.

3. الأمر بين الأمرين في الروايات

لقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ إلى فعل الإنسان فيما يثاب به ويعاقب عليه، أمر بين الأمرين، وقد جمع الصدوق القسم الأوفر من الروايات


1- الأنفال:17.
2- التوبة:14.


(94)

في توحيده، والعلاّمة المجلسي في بحاره، ونحن نذكر رواية واحدة ذكرها صاحب «تحف العقول» و هي مأخوذة عن رسالة كتبها الإمام الهادي ـ عليه السَّلام ـ في نفي الجبر والتفويض، ومما جاء فيها:

فأمّا الجبر الذي يلزم من دان به الخطأُ، فهو قول من زعم انّ اللّه عزّ وجلّ أجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها، ومن قال بهذا القول فقد ظلم اللّه في حكمه وكذّبه وردّ عليه قوله: (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)(1) وقوله: (ذَلِكَ بِمَا قَدَمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّم لِلْعَبيدِ)(2) وقوله: (انّ اللّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيئاً وَلَكنَّ الناسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(3)فمن زعم انّه مجبر على المعاصي، فقد أحال بذنبه على اللّه، وقد ظلمه في عقوبته، ومن ظلم اللّه فقد كذب كتابه، ومن كذب كتابه فقد لزمه الكفر بإجماع الأُمّة .

ومن زعم انّ اللّه تعالى فوّض أمره ونهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز .

لكن نقول: إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق الخلق بقدرته، وملّكهم استطاعة تعبّدهم بها، فأمرهم ونهاهم بما أراد، و هذا، هو القول بين القولين ليس بجبر ولا تفويض.

تمّ الكلام في مسألة الجبر والتفويض والأمر بين الأمرين

صبيحة يوم الأحد في السادس والعشرين

من ربيع الثاني من شهور عام 1423هـ

جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


1- الكهف:49.
2- الحج:10.
3- يونس:44.


(95)

3

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين.

أمّا بعد، فهذه رسالة موجزة وضعتُها لتبيين معالم نظرية الكسب التي تبنّاها الإمام الأشعري وأشاعها في الأوساط العلمية.

وحقيقة تلك النظرية ترجع إلى أنّ اللّه هو الخالق و العبد هو الكاسب، وأنّ الخلق والإيجاد في أفعال الإنسان من اللّه سبحانه، والكسب والاكتساب من العبد، فالثواب والعقاب لأجل الكسب.

ولمّا كان القول بنظرية الكسب نابعاً من القول بالتوحيد في الخالقية وحصرها في اللّه سبحانه بالمعنى الذي اختاره أهل الحديث، يجب تبيين نظريتهم في هذا الأصل أوّلاً، ثمّ تبيين نظرية الكسب التي تبنّاها الأشعري وغيره لدفع وصمة الجبر عن أفعال العباد ثانياً، وإيضاح المراحل التي مرّت على النظرية عبْر قرون ثالثاً.

فتبيين الحقّ في عامّة جوانب الموضوع يأتي ضمن فصول:


(96)

1

نظرية الكسب عند الأشاعرة

إنّ من الأُصول المسلَّمة عند أهل الحديث(1) ـ وتبعهم الإمام الأشعري ـ انّ أفعال العباد مخلوقة للّه سبحانه وليس للإنسان أيُّ دور في إيجاد أفعاله وإنشائها، بل كلّ ما في الكون من الجواهر والأعراض مخلوق للّه سبحانه بالمباشرة، وليس بينه سبحانه و عالم الكون أيّ واسطة في الإيجاد والإفاضة حتّى على نحو الظلِّية والتبعيَّة و بإذن اللّه سبحانه.

وبعبارة أُخرى: ليس في صفحة الوجود مؤثّر أصلي وتبعي، ذاتي وظلّي إلاّ اللّه سبحانه، وهو تعالى اسمُه، قائم مكان عامّة العلل التي تتصوّرها الفلاسفة والمتكلّمون وأخصُّ بالذكر علماء الطبيعة، عللاً مؤثّرة ولو بإذنه تعالى ولا يشذُّ منه فعل الإنسان فهو مخلوق للّه سبحانه، خلقاً مباشرياً ويعبّر عنه بـ«خلق الأعمال» أو «خلق الأفعال».

قد انتقل الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (260ـ 324هـ) من الاعتزال ـ بعد ما قضى أربعة عقود من عمره فيه ـ إلى منهج أهل السنّة وبالأخص منهج الإمام أحمد بن حنبل (164ـ 241هـ)، وقد دخل جامع البصرة


1- سيوافيك انّه من الأُصول المسلّمة عند الجميع سوى المعتزلة وإنّما الاختلاف بين الإمامية والأشاعرة في التفسير.


(97)

وارتقى كرسياً ونادى بأعلى صوته أيّها الناس:من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان; كنت أقول بخلق القرآن، وانّ اللّه لا تراه الأبصار، وانّ أفعال الشر أنا أفعلها; وأنا تائب مقلع، معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعايبهم.(1)

ولأجل ايقاف القارئ الكريم على حقيقة التوحيد في الخالقية بالمعنى ـ الذي تبنّاه الإمام أحمد وبعده الإمام الأشعري، نأتي ببعض نصوصهم.

1. قال الشيخ الأشعري في الباب الثاني من كتاب«الإبانة»:

إنّه لا خالق إلاّ اللّه، وإنّ أعمال العبد مخلوقة للّه ومقدورة كما قال: (وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَما تعمَلُون)(2) . وانّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً وهم يُخْلَقون، كما قال سبحانه: (هَلْ مِنْ خالِق غَيرُ اللّه)(3).(4)

2. وقال في «مقالات الإسلاميّين» عند نقل عقائد أهل الحديث وأهل السنّة: واقرّوا: انّه لا خالق إلاّ اللّه، وانّ سيئات العباد يخلقها اللّه، وانّ أعمال العباد يخلقها اللّه عزّ وجلّ، وانّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا منها شيئاً.(5)

3. وقال في «اللمع»: إن قال قائل: لم زعمتم أنّ أكساب العباد مخلوقة للّه تعالى؟ قيل له: قلنا ذلك لأنّ اللّه تعالى قال: (وَاللّه خلَقكُم وما تَعْمَلُون) وقال : (جزاء بِما كانُوا يَعْمَلُون)، فلمّا كان الجزاء واقعاً على أعمالهم كان الخالق لأعمالهم.(6)


1- وفيات الأعيان:3/285، فهرست ابن النديم:257.
2- الصافات:96.
3- فاطر:3.
4- الإبانة:20.
5- مقالات الإسلاميين:1/321.
6- اللمع:69.


(98)

وترى لِدَّة هذه العبارات في غير واحد من الرسائل التي أُلّفت لبيان عقيدة أهل الحديث والأشاعرة ـ التي اشتُقَّت من أهل الحديث ـ ننقل منها ما يتعلّق بالمتأخرين منهم.

4. قال السيد الشريف الجرجاني في «شرح المواقف»: إنّ أفعال العباد الاختيارية، واقعة بقدرة اللّه سبحانه وحدها وليس لقدرتهم تأثير فيها، واللّه سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختياراً، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارناً لهما، فيكون فعل العبد مخلوقاً للّه إبداعاً و إحداثاً ومكسوباً للعبد، والمراد بكسبه إيّاه، مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك من تأثير ومدْخل في وجوده، سوى كونه محلاً له، وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري.(1)

5. وقال الزبيدي في «إتحاف السادة»: انّ الإله، هو الذي لا يمانعه شيء، وانّ نسبة الأشياء إليه على السويّة، وبهذا بطل قول المجوس وكلّ من أثبت مؤثراً غير اللّه من علّة أو طبع أو ملك أو إنس أو جن ـ و لذلك ـ لم يتوقف علماء ماوراء النهر في تكفير المعتزلة حيث جعلوا التأثير للإنسان.(2)

ولعلّ هذا المقدار من النصوص يكفي فيما هو المقصود(وما أبعد بينه و بين ما يمرّ عليك من ابن تيميّة من أنّ أكثر أهل السنّة يعترفون بالعلل الطبيعية) .

وحاصل تلك العقيدة هو إنكار الأسباب والمسببات في صحيفة الوجود عامّة، فليس هنا إلاّ خالق واحد هو اللّه سبحانه وما سواه مخلوق، و ليس بين الخالق وعامّة المخلوقات أيُّ سبب تبعي أو علّة يؤثر بإذنه سبحانه.


1- شرح المواقف:8/146.
2- إتحاف السادة:2/135


(99)

وعلى ضوء هذا التفسير: أنكروا العلّيّة والمعلولية والتأثير والتأثّر بين الموجودات الإمكانية، فزعموا انّ آثار الظواهر الطبيعية كلّها مفاضة منه سبحانه من دون أن يكون هناك رابطة بين الظاهرة المادية وآثارها، فعلى مذهبهم «النار حارّة» بمعنى انّه جرت سنّة اللّه على إيجاد الحرارة عند وجود النار مباشرة من دون أن تكون هناك علقة بين النار وحرارتها، والشمس وإضاءتها، والقمر وإنارته، بل اللّه سبحانه جرت عادته على إيجاد الضوء والنور مباشرة عقيب وجود الشمس والقمر دون أن يكون هناك نظام وقانون تكويني باسم العلّيّة والمعلولية، وعلى ذلك فليس في صفحة الوجود إلاّ علّة واحدة، ومؤثر واحد، يؤثّر بقدرته وسلطانه في كلّ الأشياء من دون أن يُعمل سبحانه قدرته ويظهر سلطانه عن طريق إيجاد الأسباب والمؤثرات، بل هو بنفسه شخصياً قائم مقام جميع ما يُتصور من العلل والأسباب التي كشف عنها العلم طيلة قرون.

وقد سادت هذه الفكرة على شرائح واسعة من العلماء والمفكّرين طيلة عصور متمادية، فيقولون: «جرت عادة اللّه على خلق هذا بعد ذلك» أي خلق الحرارة بعد النار والبرودة بعد الماء، وقد بلغ إصرارهم على إنكار أصل العلّّيّة حداً كفّروا من يتفوّه بالعلّيّة أو مقتضى الطبيعة ـ كما نقله الزبيدي ـ.

وهذا هو الأزهر كان يُدّرس فيها قول الناظم:

ومن يقل بالطبع أو بالعلّة * فذاك كفـر عند أهل الملّـة

نعم ظهر في الآونة الأخيرة مفكِّرون آثروا اتّباع الحقّ على تقليد الأئمة وأصحروا بالحقيقة كما تأتي أسماؤهم ونصوصهم فانتظر.


(100)

2

التوحيد في الخالقية عند الإماميّة(1)

اتّفق أهل القبلة ـ إلاّ من شذّ كالمعتزلة ـ على التوحيد في الخالقية وانّه لا خالق إلاّ اللّه سبحانه، وقد قامت الإمامية منهم بتفسيره بوجه لا ينافي القول بنظام الأسباب والمسببّات و العلل الطبيعية ومعاليلها، وإليك حاصل نظريتهم.

إنّ الخالقية المستقلّة النابعة من الذات، غير المعتمدة على شيء منحصرة باللّه سبحانه ولا يشاركه فيها شيء، وأمّا غيره سبحانه فإنّما يقوم بأمر الخلق والإيجاد بإذن منه وتسبيب، ويعدّ الكلّ جنوداً للّه سبحانه، يعملون بتمكين منه لهم .ويظهر هذا المعنى من ملاحظة الأُمور التالية:

الأوّل: لا يشك المتدبّر في الذكر الحكيم في أنّه كثيراً ما يُسنِد آثاراً إلى الموضوعات الخارجية والأشياء الواقعة في دار المادة، كالسماء وكواكبها ونجومها والأرض وجبالها وبحارها وبراريها وعناصرها ومعادنها والسحاب والرعد والبرق والصواعق والماء والأعشاب والأشجار والحيوان والإنسان إلى غير ذلك من


1- قلنا«عند الإمامية» و لم نقل عند العدلية، لأنّ هذا التفسير يختصّ بهم وأمّا المعتزلة الذين يُعدّون من العدلية فقد أنكروا هذا الأصل، لأجل الصيانة بعدله سبحانه زاعمين أنّ القول بهذا الأصل يضاد أصل العدل، غافلين عن انّ المضاد هو التفسير الأشعري، لا الإمامي. وقد فصّلنا الكلام في ذلك في محاضراتنا:«الإلهيات» فلاحظ.


(101)

الموضوعات الواردة في القرآن الكريم. فمن أنكر إسناد القرآن آثار تلك الأشياء إلى أنفسها فإنّما أنكره باللسان، وقلبه مطمئن بخلافه، وسيوافيك في الفصل الثالث شيء من الآيات الناصّة على ذلك.

الثاني: انّ القرآن يُسند إلى الإنسان أفعالاً لا يقوم بها إلاّ هو، ولا يصحّ إسنادها إلى اللّه سبحانه بلا واسطة، كأكله وشربه ومشيه وقعوده ونكاحه ونموه وفهمه وشعوره وسروره وصلاته وصيامه، فهذه أفعال قائمة بالإنسان مستندة إليه، فهو الذي يأكل ويشرب وينمو ويفهم و يصلّي و يصوم وهو سبحانه منزّه عن هذه الأفعال.

الثالث: انّ اللّه سبحانه أمر الإنسان بالطاعة أمر إلزام، ونهاه عن المعصية نهيَ تحريم، فيجزيه بالطاعة، ويعاقبه بالمعصية. فلو لم يكن للإنسان دور في ذلك المجال، وتأثير في الطاعة والعصيان فما هي الغاية من الأمر والنهي، وما معنى الجزاء والعقوبة؟!

وهذه الأُمور الثلاثة إذا قارنها الباحث إلى قوله سبحانه: (قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلّ شَيء وَهُوَ الْواحدُ القَهّار)(1) الذي يدلّ على بسط فاعليته وعلّيته على كلّ شيء، يَستنتج منها انّ النظام الإمكاني على اختلاف هويّاته وأنواعه، فعّال ومؤثر في آثاره، لكن بتقديره سبحانه ومشيئته وإذنه وهو القائل جلّ وعلا(الّذي أعطى كلّ شَيء خَلْقَهُ ثُمّ هَدى)(2) وقال تعالى: (والّذي قَدّرَ فَهَدى)(3) وأنّ مظاهر الكون وأعمالها وآثارها وحركاتها وسكناتها تنتهي إلى قضائه وتقديره وهدايته وإجرائه نظام الأسباب والمسببات في صحيفة الكون.

فعلى هذا فالأشياء في جواهرها وذواتها وحدود وجودها وخصوصياتها تنتهي


1- الرعد:16.
2- طه:50.
3- الأعلى:3.


(102)

إلى الخلقة الإلهية، كما أنّ أفعالها التي تصدر عنها في ظل تلك الخصوصيات تنتهي إليها أيضاً وليس العالم ومجموع الكون إلاّ مجموعة متوحّدة يتّصل بعضها ببعض ويتلاءم بعضها مع بعض، ويؤثر بعضها في بعض، واللّه سبحانه وراء هذا النظام ومعه وبعده ولا خالق ولا مدبّر حقيقة وبالأصالة إلاّ هو كما لا حول ولا قوة إلاّ باللّه.

وبعبارة أُخرى:انّ التدبر في الآيات الواردة في التوحيد في الخالقية إذا فسّرت على نحو التفسير الموضوعي(1).يثبت أنّ آثار الموجودات الإمكانية آثار لها، وفي الوقت نفسه تنتهي الأسباب إلى اللّه سبحانه. فجميع هذه الأسباب والمسببات يرتبط بعضها ببعض ويؤثر بعضها في بعض، وفي الوقت نفسه مرتبطة باللّه سبحانه وإليه ينتهي النظام الإمكاني والعلل والمعاليل.

وليس السبب منقطعاً عن اللّه، وفي الوقت نفسه ليس المسبب فعلاً مباشرياً له سبحانه فبذلك يجمع بين القول بحصر الخالقية في اللّه سبحانه، والقول بنظام العلل والمعاليل المنتهية إليه والقائمة به، فالخالقية المستقلة النابعة من الذات، منحصرة باللّه سبحانه، والخالقية الظلية والتبعية، النابعة من قدرته سبحانه من خصائص النظام الإمكاني ولنعم قال القائل«فالفعل فعل اللّه وهو فعلنا».

وباختصار: إنّ العوالم الممكنة من عاليها إلى سافلها متساوية النسبة إلى قدرته سبحانه، فالجليل والحقير، والثقيل والخفيف عنده سواسية، لكن ليس معنى الاستواء هو قيامه تعالى بكلّ شيء مباشرة، وخلع التأثير عن الأسباب والعلل، بل يعني أنّ اللّه سبحانه يُظهر قدرته وسلطانه عن طريق خلق الأسباب،


1- نريد من التفسير الموضوعي هو جمع الآيات الواردة في أي موضوع من الموضوعات واستنطاق بعض الآيات ببعض والخروج بنتيجة واحدة، هي حصيلة عامة الآيات. وقد ألّفنا موسوعة قرآنية على هذا الغرار وأسميناها بـ«مفاهيم القرآن» انتشرت في عشرة أجزاء.


(103)

وبعث العلل نحو المسببات والمعاليل، والكلّ مخلوق له، ومظاهر قدرته وحوله، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه.

فالأشعري، خلع الأسباب والعلل ـ وهي جنود اللّه سبحانه ـ عن مقام التأثير والإيجاد، كما أنّ المعتزلي(1) عزل سلطانه عن ملكه وجعل بعضاً منه في سلطان غيره، أعني: فعل العبد في سلطانه.

والحقّ الذي عليه البرهان ويصدّقه الكتاب هو كون الفعل موجوداً بقدرتين، لكن لا بقدرتين متساويتين، ولا بمعنى علّتين تامّتين، بل بمعنى كون الثانية من مظاهر القدرة الأُولى وشؤونها وجنودها:(وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ)(2)وقد جرت سنّة اللّه تعالى على خلق الأشياء بأسبابها، فجعل لكلّ شيء سبباً، وللسبب سبباً، إلى أن ينتهي إليه سبحانه، والمجموع من الأسباب الطولية علّة واحدة تامّة كافية لإيجاد الفعل، والتفصيل يطلب من محله، ونكتفي في المقام بكلمة عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «أبى اللّه أن يجري الأشياء إلاّ بأسباب، فجعل لكلّ شيء سبباً وجعل لكلّ سبب شرحاً».(3)

وبهذه النظرية ـ أي نظرية كون العالم مخلوقاً على النظام السببي و المسببي وانّ فيه فواعل اضطرارية كما أنّ فيه فواعل اختيارية ـ تتناسق الأُمور الثلاثة الماضية وتتوحّد نتائجها، وهذا بخلاف ما قلنا بالنظرية الأُولى فانّها توجب التضاد بين الأُمور الثلاثة المسلمة الماضية.


1- انّ المعتزلة، أنكرت صلة أفعال الإنسان باللّه سبحانه، لغاية حفظ عدله وتنزيهه من الظلم والعمل السيّئ، وزعمت انّ وجود الإنسان مخلوق للّه وفعله مخلوق لنفس الإنسان فقط، فأخرجت أفعال العباد عن سلطان اللّه تبارك و تعالى، ونعم ما قال الإمام الكاظم ـ عليه السَّلام ـ : «مساكين القدرية أرادوا أن يصفوا اللّه بعدله، فأخرجوه عن سلطانه».
2- المدثر:31 .
3- الكافي:1/183، باب معرفة الإمام، الحديث7.


(104)

3

التوحيد في الخالقية عند الأشعري

ومضاعفاته

قد تقدّم انّ المسلمين إلاّ من شذّ تبعاً للذكر الحكيم والبراهين العقلية اتّفقوا على حصر الخالقية في اللّه سبحانه وعدُّوه من مراتب التوحيد ولا يصحّ الحصر ولا ينسجم مع سائر الأُصول إلاّ إذا فسر على النحو الذي مرّ آنفاً، فالقول بهذا الحصر ـ على ما فسرنا ـ لا ينافي الإيمان بالعلل والأسباب الطولية والنظام السائد على العالم من العلّية والمعلولية، المنتهي إلى اللّه سبحانه.

غير انّ الإمام الأشعري ومن تبعه أخذوا بظواهر بعض الآيات فأنكروا أصل التأثير حتّى الظلي والتبعي في غيره سبحانه ولم يعترفوا إلاّ بعلة واحدة وهي اللّه سبحانه، القائم مكان عامة العلل، فجعلوا الظواهر كلّها مخلوقة للّه بالمباشرة وبلا توسط سبب وكأنّ من أنكر ذلك التفسير فقد أنكر التوحيد في الخالقية، غير انّ التوحيد في الخالقية صحيح، والتفسير المذكور له مردود من جهات نشير إلى بعضها.

الأُولى: تصريح القرآن بتأثير العلل الطبيعة

إنّ القرآن الكريم يصرح بوضوح كامل بتأثير بعض الأشياء في بعض


(105)

ويكشف عن نظام سائد على العالم نظاماً عليّاً ومعلولياً، سببياً ومسببياً، ونحن نذكر في المقام بعض الآيات:

1. (وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِرَاتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْناب وَزَرعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوان يُسْقَى بِماء واحِد وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلى بَعْض فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذلكَ لآيات لِقَوْم يَعْقِلُونَ).(1)

وجملة (يُسقَى بِماء واحِد) كاشفة عن دور الماء وأثره في إنبات النباتات ونمو الأشجار، ومع ذلك يُفضل بعض الثمار على بعض.

وأوضح دليل على ذلك قوله تعالى في الآيتين التاليتين:

2. (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ).(2)

3. (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ المَاءَ إِلى الأَرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ).(3)

ففي هاتين الآيتين يصرح الكتاب العزيز ـ بجلاء ـ بتأثير الماء في الزرع، إذ أنّ «الباء» تفيد السببية ـ كما نعلم ـ.

4. (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبال فِيهَا مِنْ بَرَد فَيُصيبُ بِهِ من يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ).(4)

ففي هذه الآية نرى ـ لو أمعنا النظر ـ كيف بيّن القرآن الكريم المقدّمات الطبيعية لنزول المطر والثلج من السماء من قبل أن يعرفها العلم الحديث ويطّلع


1- الرعد:4.
2- البقرة:22.
3- السجدة:27.
4- النور:43.


(106)

عليها بالوسائل التي يستخدمها لدراسة الظواهر الطبيعية واكتشاف عللها ومقدّماتها.

فقبل أن يتوصل العلم الحديث إلى معرفة ذلك ـ بزمن طويل ـ سبق القرآن إلى بيان تلك المقدّمات في عبارات هي:

1. يزجي(يحرك) سحاباً.

2. ثمّ يؤلّف (ويركِّب) بينه.

3. ثمّ يجعله ركاماً (أي كتلة متراكمة متكاثفة).

فينسب هذه المراحل إلى اللّه تعالى. ثمّ يقول:

4. فترى الودق (أي المطر) يخرج من خلاله.

5. يكاد سنابرقه يذهب بالأبصار.

وهكذا يصرح اللّه سبحانه بتأثير الأسباب والعلل الطبيعية في المرحلتين الأخيرتين، غاية ما هنالك أنّ تأثير هذه العلل والأسباب بإذن اللّه ومشيئته بحيث إذا لم يشأ هو سبحانه لتعطلت هذه العلل عن التأثير.

5. (اللّهُ الّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ).(1)

وأيّة جملة أوضح من قوله: (فَتُثيرُ سَحاباً) أي الرياح، فالرياح في نظر القرآن هي التي تثير السحاب وتسوقه من جانب إلى جانب آخر.

إنّ الإمعان في عبارات هذه الآية يهدينا إلى نظرية القرآن ورأيه الصريح حول «تأثير العلل الطبيعية بإذن اللّه».

ففي هذه الجمل جاء التصريح:


1- الروم:48.


(107)

1. بتأثير الرياح في نزول المطر.

2. وتأثير الرياح في تحريك السحب.

3. كما جاء التصريح بانتساب تبسيط السحاب في السماء.

4. ثمّ تجمعه ـ فيما بعد ـ على شكل قطع متراكمة إلى اللّه سبحانه.

5. ثمّ نزول المطر بعد هذه التفاعلات والمقدمات.

فإذا ينسب القرآن هذين الأمرين الثالث والرابع إلى اللّه وانّه (هو) يبسط السحاب في السماء و(هو) الذي يجعله كسفاً، فإنّما يقصد ـ من وراء ذلك ـ التنبيه إلى مسألة «التوحيد الأفعالي» الذي يعبّر عنه بالتوحيد في الخالقية، وفي الوقت نفسه «لا منافاة بين هذه النسبة والقول بتأثير العلل الطبيعية في بسط السحب فجمعها.

على أنّ الآيات ـ التي تؤكِّد على دور العلل الطبيعية وتأثيرها المباشر وتعتبر العالم مجموعة من الأسباب للمسببات التي تعمل بإرادة اللّه وإذنه، وتكون فاعليتها فرعاً من فاعليته سبحانه ـ أكثر من أن ينقل في المقام، وفيما ذكرنا من الآيات كفاية لمن تدبّر.

الثانية: انتفاء الغاية من إيجاد القدرة في الإنسان

إذا صحّ تقسيم الفاعل إلى فاعل قادر مختار، يتوصّل إلى مقاصده بالمشيئة وإعمال القدرة; وفاعل مضطرّ، يقع مصدراً للآثار، من دون إرادة واعمال القدرة، فالإنسان من مصاديق القسم الأوّل بل من أفضل مصاديقه، فهو يصدر عن فكر ورويّة وميل واشتياق، وعزم وجزم، وإعمال للقدرة التي وهبها اللّه سبحانه له، وهذا شيء يدركه وجدان كلّ إنسان حرّ التفكير ولا يبطله أي دليل وبرهان حتّى


(108)

أنّ الشيخ الأشعري استدلّ على كون الإنسان مختاراً في فعله، بالفرق بين الحركتين: الاكتسابية والاضطرارية فقال: فإذا كانت حركة المرتعش من الفالج والمرتعد من الحمى حركة اضطرارية، وإذا كانت الحركة الأُخرى بخلاف هذا الوصف لم يكن اضطراراً، لأنّ الإنسان في ذهابه ومجيئه، وإقباله وإدباره بخلاف المرتعش من الفالج والمرتعِد من الحمى، يعلم الإنسان التفرقة بين الحالين من نفسه وغيره علمَ اضطرار لا يجوز معه الشك.(1)

فإذا كان هذا حال الإنسان وهذه مواهبه وعطاياه، فما هو الغاية من خلق القدرة في الإنسان التي لا دور لها في الإنشاء والإيجاد، سوى حديث المقارنة، مقارنة القدرة مع الحادثة من دون أن يكون بين قدرة العبد وفعله أي صلة .

انّ إبعاد قدرة العبد عن التأثير في مصير الإنسان، يضادّ وجدانَ كلّ فاعل، أوّلاً، ويُضفي على تزويد الإنسان بها، شأن اللغوية ثانياً، ويُعرِّف خالق القدرة لاعباً ثالثاً، قال سبحانه:(وَما خَلَقنا السماء والأَرضَ وما بيْنَهُما لاعِبِين).(2)

إنّ التوحيد في الخالقية، من المعارف العليا القرآنية والتي لم يصل إليها حتى الأوحدي من الفلاسفة إلاّ عن طريق التدبّر في آيات الذكر الحكيم، ومن خالفه من المعتزلة فإنّما خالفه بزعم انّه يخالف عدلَه وتنزيهه سبحانه غير انّ الذي يخالف عدله، ويضاد تنزيهه، هو حصر الخالقية بالمعنى الذي تبنّاه أهل الحديث والأشاعرة، فانّه يضاد كونه حكيماً، عادلاً، نزيهاً عن اللغو واللعب حيث خلق في الإنسان القدرة التي لا دور لها في حياته في عاجله وآجله، وأمّا تفسيره على النهج الذي عرفت وقد سار عليه أئمة أهل البيت فهو يدعم كونه سبحانه حكيماً، عادلاً، نزيهاً من اللغو والعبث.

وكم من عائب قولاً صحيحاً * وآفتـه مــن الفهـم السقيـم


1- اللمع:75.
2- الأنبياء:16.


(109)

الثالثة: كلّ فاعل مسؤول عن فعله

إنّ العقلاء قاطبة ـ حتى أهل الحديث والأشاعرة ـ يرى الإنسان مسؤولاً عن فعله وعمله، وليس المحسِن والمسيء عندهم سواسية، بل يُثاب الأوّل، ويُعاقب الثاني، كلّ، وفقَ عمله، ومدى مسؤوليته، وهذا فرع أن يكون للفاعل دور في فعله، وعمله، ولو أصاب رأسه حجر فأدماه، فيحمل مسؤولية الإدماء على عاتق الرامي، دون الحجر، وذلك لأنّ له شعوراً وارادة، دون الآخر، وعلى ضوء ذلك يصف الذكر الحكيم بأنّ الإنسانَ مسؤول عن عمله ويقول: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤولون)(1) بل يعد أدواة المعرفة أيضاً، مسؤولة ويقول (إِنَّ السَّمعَ والبصرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤولاً)(2) ، وذلك لأنّها بيد الإنسان، أداة طيّعة يستخدمها كيف ما شاء.

فإذا كان هذا لسانَ العقل والعقلاء وصريحَ الذكر الحكيم فلو كانت أفعاله وأعماله، مخلوقة للّه، على نحو تفقد صلتَها بالإنسان، فما معنى كونه مسؤولاً عن عمل، قام به غيره، أو مجزّياً بفعل غيره، وليس لجسمه أو روحه دور، سوى كونه ظرفاً و وعاءً لفعل الغير يخلقه فيه.

إذ كيف يثاب أو يعاقب على ما ليس له فيه شأن؟! وكيف يكون معاقباً وقد جنى غيره وفق قول القائل:

غيري جنى وأنا المعاقَبُ فيكم * فكـأننـي سبّـابــة المتنــدم

إنّ هذه التوالي الفاسدة التي يدركها كلّ إنسان واع ووجدان حرّ دفعت الشيخ الأشعري، ومن لفّ لفّه إلى الخروج عن هذا المأزق باختراع «نظرية


1- الصافات:24.
2- الإسراء:36.


(110)

الكسب» حتّى يتخلّصوا ممّا يترتب على خلق الأعمال من التوالي الفاسدة فإذا قيل لهم كيف يُثاب المرء أو يُعاقب على عمل لم يوجده هو؟ وكيف يتفق هذا مع ما هو مقرّر في عدالة اللّه وحكمته في تكليف خلقه؟

أجابوا: انّ العباد وإن لم يكونوا خالقين لأعمالهم لكنّهم كاسبون لها، وهذا الكسب هو مناط التكليف ومدار الثواب والعقاب وبه يتحقّق عدل اللّه وحكمته فيما شرّع للمكلّفين.

قالوا: إنّ هنا نصوصاً تثبت بأنّه لا خالق إلاّ هو، كقوله (اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْء) (1)، (هَلْ مِنْ خالِق غَيْرُ اللّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأَرْض)(2) إلى غير ذلك.

وبجانب هذا توجد نصوص، تَنسب أعمال العباد إليهم، وتُعلّق رضوان اللّه للمحسنين منهم وتعلّق غضبه للمسيئين منهم و يقول:(مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها)(3) ،(إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها)(4) إلى غير ذلك من الآيات.

فحملوا النصوص الأُولى على الخلق، وحملوا الثانية على الكسب جمعاً بين الأدلّة، فإذا قيل ما هذا الكسب؟ وما يراد به؟ وهل هو أيضاً موجود أو معدوم؟ فمالوا يميناً ويساراً حتّى يأتوا به تفسيراً معقولاً مع أنّه مضت على النظرية قرون عشرة لكنّها بقيت في محاق الإبهام، بل دخلت أخيراً في مدحرة الإنكار، وهذا هو الذي ندرسه في الفصول المقبلة بعد مقدّمة موجزة.


1- الرعد: 16 .
2- فاطر: 3 .
3- الجاثية: 15 .
4- الإسراء: 7 .


(111)

4

نظرية الكسب بين

التفسير، والتكامل، والإبطال

قد تعرفت على أنّ القول بالتوحيد في الخالقية ـ الذي يعبّر عنه اليوم بعموم القدرة والإرادة ـ بنحو التفسير الذي قام به أهل الحديث والأشاعرة، صار ذا مضاعفات عديدة أهمها، كون الإنسان مجبوراً لا مختاراً، مسيّراً لا مخيّراً، غير مسؤول عن عمله وفعله، لأنّ الفعل فعل اللّه لا فعله، وهو خالقه وموجده وليس له دور، سوى كونه وعاءً لفعل اللّه سبحانه.

كما تعرّفت على أنّ الشيخ الأشعري قد وقف على ما يترتب على تفسيره من النتائج الفاسدة، حاول أن يتخلّص من ذلك المأزق بطرح نظرية الكسب حتّى يكون للإنسان دور في مجال أفعاله وأعماله فصار سهم الخالق هو الإيجاد والإنشاء وسهم الإنسان هو الكسب والاكتساب، والثواب والعقاب على الكسب.

وقد مرّت على النظرية مراحل مختلفة عبر أجيال، وذلك لأنّ باذر الفكرة وغارسها مرّ عليها بإجمال دون أن يفسّرها ويبيّنها، فأخذ رُوّاد منهج الأشعري بتبيينها وتفسيرها أوّلاً، وتطويرها وإكمالها ثانياً، إلى أن وصلت النوبة إلى العقول الحرّة، فأنكروها وأبطلوها وصرّحوا بأنّها نظرية لا تسمن ولا تغني من جوع وانّ المضاعفات و التوالي الفاسدة باقية بحالها، فها نحن نشرح كلّ واحدة من هذه المراحل الثلاث واحدة بعد الأُخرى حتى تسهل الإحاطة بها.


(112)

لمرحلة الأُولى

في تبيين النظرية وتفسيرها

يظهر من غير واحد من كُتّاب تاريخ العقائد والمناهج الكلامية، انّ الإمام الأشعري ليس مبتكراً لنظرية الكسب، بل لها جذور في كلمات من سبق عليه كجهم بن صفوان (المتوفّى128هـ) وضرار بن عمرو العيني الذي يعدّ من رجال منتصف القرن الثالث.

قال القاضي عبد الجبار: إنّ جهم بن صفوان ذهب إلى أنّ أفعال العباد لا تتعلّق بنا وقال: إنّما نحن كالظروف لها، حتى أنّ ما خلق فينا كان وإن لم يخلق لم يكن.

وقال ضرار بن عمرو: إنّها متعلّقة بنا ومحتاجة إلينا، ولكن جهة الحاجة إنّما هي الكسب، فقد شارك جهماً في المذهب وزاد عليه في الإحالة.(1)

إنّ الشيخ الأشعري نقل في كتاب «مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلّين» انّ ضرار بن عمرو ممّن كان يذهب إلى أنّ العبد كاسب، قال: والذي فارق ضرار بن عمرو به المعتزلة، قوله: إنّ أعمال العباد مخلوقة وانّ فعلاً واحداً لفاعلين أحدهما خَلَقَه وهو اللّه، والآخر اكتسبه وهو العبد، وانّ اللّه عزّ وجلّ فاعل لأفعال


1- شرح الأُصول الخمسة:363.


(113)

العباد في الحقيقة، وهم فاعلون لها في الحقيقة.(1)

وقد نقل العلاّمة الحلّي نظرية الكسب عمّن تقدّم على الشيخ الأشعري كالنجّار وحفص الفرد.(2)

فسواء أكانت النظرية للإمام الأشعري أم لغيره، فقد مرّت عليها مراحل أولاها، مرحلة التبيين والتفسير حتى تخرج عن الإبهام والغموض.

مرحلة التبيين

قد حاول غير واحد من أعيان الأشاعرة، أن يرفع النقاب عن وجه النظرية منهم الغزالي(450ـ505هـ) من مشاهير الأشاعرة في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس فقام بإيضاحها بكلام مبسوط يتلخّص فـي العنـوان التالي:

1. الكسب صدور الفعل من اللّه، عند حدوث القدرة في العبد

قال: ذهبت المجبرة إلى إنكار قدرة العبد فلزمها إنكار ضرورة التفرقة بين حركة الرعدة، والحركة الاختيارية، ولزمها أيضاً استحالة تكاليف الشرع. وذهبت المعتزلة إلى إنكار تعلّق قدرة اللّه تعالى بأفعال العباد من الحيوانات والملائكة والجن والإنس والشياطين، وزعمت أنّ جميع ما يصدر منها، من خلق العباد واختراعهم، لا قدرة اللّه تعالى عليها بنفي ولا إيجاب، فلزمتها شناعتان عظيمتان:

إحداهما: إنكار ما أطبق عليه السلف من أنّه لا خالق إلاّ اللّه، ولا مخترع


1- مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين:281.
2- كشف المراد، الفصل الثالث من الإلهيات:189، ط صيدا.


(114)

سواه.

والثانية: نسبة الاختراع والخلق إلى قدرة من لا يعلم ما خلقه، كأعمال النحل والعنكبوت وغيرهما من الحيوانات التي تقوم بأعاجيب الأعمال وغرائبها، ثمّ قال: وإنّما الحقّ إثبات القدرتين على فعل واحد، والقول بمقدور منسوب إلى قادرين، فلا يبقى إلاّ استبعاد توارد القدرتين على فعل واحد. وهذا إنّما يبعد إذا كان تعلّق القدرتين على وجه واحد، فإن اختلفت القدرتان، واختلف وجه تعلّقهما فتوارد التعلّقين على شيء واحد غير محال، كما نبيّنه.

ثمّ إنّه حاول بيان تغاير الجهتين، وحاصل ما أفاد هو: إنّ الجهة الموجودة في تعلّق قدرته سبحانه على الفعل غير الجهة الموجودة في تعلّق قدرة العبد. والجهة في الأُولى جهة إيجادية تكون نتيجتُها وقوعَ الفعل في الخارج، وحصوله في العين. والجهة في القدرة الثانية جهة أُخرى، وهي صدور الفعل من اللّه سبحانه عند حدوث القدرة في العبد.

فلأجل ذلك تُسمّى الأُولى خالقاً ومخترعاً، دون الثانية، فاستعير لهذا النمط من النسبة، اسم الكسب تيمّناً بكتاب اللّه تعالى.

هذا توضيح مرامه وإليك نصّ عبارته: لما كانت القدرة (قدرة العبد) والمقدور جميعاً بقدرة اللّه تعالى: سُمي خالقاً و مخترعاً، ولما لم يكن المقدور بقدرة العبد وإن كان معه، فلم يسمّ خالقاً ولا مخترعاً.(1)

ثمّ اعترض على نفسه بما هذا حاصله: كيف تصحّ تسمية القدرة المخلوقة في العبد قدرة، إذا لم يكن لها تعلّق بالمقدور، فإنّ تعلق القدرة بالمقدور ليس إلاّ


1- الاقتصاد في الاعتقاد: 92.


(115)

من جهة التأثير والإيجاد ـ وحصول المقدور بها ـ و أجاب عنه: بأنّ التعلّق ليس مقصوراً على الوقوع بها، بل هناك تعلّق آخر غير الوقوع، نظير تعلّق الإرادة بالمراد، والعلم بالمعلوم، فإنّهما يتعلّقان بمتعلّقهما بتعلّق، غير الوقوع ضرورة أنّ العلم ليس علّة للمعلوم، فإذاً لابدّ من إثبات أمر آخر من التعلّق سوى الوقوع.(1)

وقد قام التفتازاني بتفسير الجهتين في شرح مقاصده وقال ما يقرب من كلام الغزّالي:«لما بطل الجبر المحض بالضرورة، وكون العبد خالقاً لأفعاله بالدليل، وجب الاقتصاد في الاعتقاد، وهو انّها مقدورة بقدرة اللّه تعالى اختراعاً وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلّق يعبّر عنه بالاكتساب وليس من ضرورة، تعلّق القدرة بالمقدور أن يكون على وجه الاختراع.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الغزالي لم يأت في تفسير نظرية الكسب بأمر جديد، وحاصله يتلخّص في كلمتين:

1. إنّ دور قدرة العبد ليس إلاّ دور المقارنة، فعند حدوث القدرة في العبد يقوم سبحانه بخلق الفعل.

2.إنّ للتعلّق أنواعاً ولا تنحصر في الإيجاد والوجود، والإيقاع والوقوع، بل هناك جهة أُخرى يُعبّر عنها بالكسب ـ فالعبد مصدر لهذه الجهة، وبذلك يسمّى كاسباً ـ.

ومع هذا التطويل فالإشكال باق بحاله، فإنّ وقوع الفعل مقارناً لقدرة العبد، لا يُصحّح نسبة الفعل إلى العبد، ولا تحمَّل مسؤوليته، فإنّ نسبة المقارن إلى المقارن كنسبة تكلم الإنسان إلى نزول المطر في الصحراء، فإذا لم يكن لقدرة العبد


1- الاقتصاد: 92ـ 93.
2- شرح المقاصد:127.


(116)

تأثير في وقوع الفعل، كيف يصحّ في منطق العقل التفكيك بين الحركة الإختيارية، والحركة الإضطرارية؟ والغزالي بكلامه هذا نقض ما ذكره في صدر البحث حيث ردّ على المجبّرة بوجدان الفرق بين الحركتين، وهذا الفرق لا يتعقّل إلاّ في ظل تأثير قدرة العبد على الوقوع والوجود.

وأضعف من ذلك تنزيل تعلّق قدرة العبد بتعلّق العلم على المعلوم، مع أنّ واقعية العلم وماهيته هي الكشف التابع للمكشوف، فلا يصحّ أن يكون مؤثّراً في المعلوم وموجداً له، ولكن واقعية القدرة والسلطة، واقعية الإفاضة والإيجاد، فلا يتصوّر خلعها عن التأثير مع فرضه قدرة كاملة وبصورة علّة تامّة.

2. الكسب: توجه قدرة العبد صوب الفعل عند صدوره من اللّه

قام التفتازاني(712ـ792هـ) في «شرح العقائد النسفية» بتفسير الكسب بالوجه التالي وهو انّ صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسب، وإيجاد اللّه تعالى الفعلَ عقيب ذلك خلق. والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين، لكن بجهتين مختلفتين. فالفعل مقدور اللّه تعالى بجهة الإيجاد، ومقدور العبد بجهة الكسب، وهذا القدر من المعنى ضروري وإن لم نقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة عن تحقيق كون فعل العبد بخلق اللّه تعالى وإيجاده، مع ما فيه للعبد من القدرة والاختيار.(1)

ويقرب من ذلك ما في متن المواقف للعضدي وشرحه للشريف الجرجاني قالا: وأمّا التكليف والتأديب والبعثة والدعوة فانّها قد تكون دواعي للعبد، إلى الفعل واختياره، فيخلق اللّه الفعل عقيبها عادة وباعتبار ذلك الاختيار المترتب على الدواعي، يصير الفعل طاعة إذا وافق ما دعاه الشرع إليه، ومعصية إذا


1- شرح العقائد النسفية: 117.


(117)

خالفه ويصير علامة للثواب والعقاب.(1)

ويرد على ما ذكروه انّ العزم والارادة والاختيار من الأُمور الوجودية الممكنة فمن خالفها أو هو اللّه سبحانه؟ أم العبد؟ وعلى الأوّل يلزم الجبر وعلى الثاني ينتقص القاعدة، أعني التوحيد في الخالقية.

ثمّ إنّ نظرية الكسب بلغت من الإبهام إلى حد أنّ القمة من مشايخ الأشاعرة كالتفتازاني يعترف بعجزه عن تفسيره حيث قال: «وإن لم نقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة...».

إلى هنا تمت المرحلة الأُولى من المراحل(2) التي مرّت على نظرية الكسب، وهنا من سلك مسلك العلمين: الغزالي والتفتازاني في تفسير النظرية، أعرضنا عن نقله روماً للاختصار، وحان وقت الانتقال إلى المرحلة الثانية أعني مرحلة التطوير والتكامل.


1- شرح المواقف:8/155.
2- ولا يفوتنّك انّ هذه المراحل الثلاث لم تتكون حسب التسلسل الزمني بل تكوّنت عبر قرون لا تأبى أن تكون بعضها في عرض الآخر.


(118)

المرحلة الثانية

مرحلة التطوير والتكامل

قد يرى الباحث في كلمات الأشاعرة في هذه المرحلة معاني و مفاهيم جديدة حول نظرية الكسب على وجه يخرجها عن الإبهام الذي كان يصحب النظرية في المرحلة الأُولى، حتى كانت النظرية موصوفة باللغز كما في قول القائل:

مـمّا يقـال ولا حقيقــة عنـده * معقـولـة تدنـو إلـى الأفهـام

الكسب عند الأشعري والحال * عند البهشمي وطفرة النظام(1)

فعدّ الشاعرُ نظريةَ الكسب في إحاطة الإبهام بها في عداد نظرية «الحال» عند أبي هاشم و «الطفرة» عند النظام. وهذا دليل على قصور النظرية وعدم كفايتها لحلّ العقدة، وهناك كلام متين للقاضي عبد الجبار نأتي بنصه:

قال:إنّ فساد المذهب قد يكون بأحد طريقين:

أحدهما: بأن يُبيّن فساده بالدلالة.

والثاني: بأن يُبيّن أنّه غير معقول في نفسه، وإذا ثبت أنّه غير معقول في نفسه، كفيت نفسَك مؤونة الكلام عليه، لأنّ الكلام على ما لا يعقل لا يمكن... والذي يبيّن لك صحّة ما نقوله أنّه لو كان معقولاً لكان يجب أن يعقله مخالفو


1- القضاء والقدر لعبد الكريم الخطيب: 185.


(119)

المجبّرة في ذلك، من الزيدية والمعتزلة والخوارج والإمامية. فإنّ دواعيهم متوافرة، وحرصهم شديد في البحث عن هذا المعنى، فلمّا لم يوجد في واحد من هذه الطوائف ـ على اختلاف مذاهبهم، وتنائي ديارهم، وتباعد أوطانهم، وطول مجادلتهم في هذه المسألة ـ من ادّعى أنّه عقل هذا المعنى أو ظنّه أو توهّمه، دلّ على أنّ ذلك ممّا لا يمكن اعتقاده والإخبار عنه ألبتة.

وأحد ما يدلّ على أنّ الكسب غير معقول، هو أنّه لو كان معقولاً لوجب ـ كما عقله أهل اللغة وعبروا عنه ـ أن يعقله غيرهم من أرباب اللغات، وأن يضعوا له عبارة تُنبئ عن معناه. فلمّا لم يوجد شيء من اللغات ما يفيد هذه الفائدة، دلّ على أنّه غير معقول.(1)

قال الشيخ المفيد:

ثلاثة أشياء لا تُعقل، وقد اجتهد المتكلّمون في تحصيل معانيها من معتقديها بكلّ حيلة فلم يظفروا منهم إلاّ بعبارات يتناقض المعنى فيها على مفهوم الكلام:

1. اتحاد النصرانية.

2. كسب النجارية.

3. أحوال البهشمية.

إلى أن قال: ومن ارتاب فيما ذكرناه في هذا الباب فليتوصل إلى إيراد معنى ـ في واحد منها ـ معقول، والفرق [كذا] بينها في التناقض والفساد، ليعلم أنّ خلاف ما حكمنا به هو الصواب! وهيهات.(2)


1- شرح الأُصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: 364ـ 366.
2- حكايات الشيخ المفيد برواية الشريف المرتضى لاحظ مجلة«تراثنا» العدد3، من السنة الرابعة، 118.


(120)

ولأجل وجود هذا النقص الواضح حول النظرية حاول بعض روّاد الأشاعرة الذين قامت بهم خيمة هذا المنهج وأشادوا بنيانه، ورفعوا قوائمه، ان يُفسّر النظرية مزيجة بشيء من التطوير والإكمال حتّى يخرج عن عداد الأحوال لابي هاشم أو الطفرة للنظام، واذكر منهم الأقطاب الثلاثة :

1. أبو بكر محمد الطيب القاضي المعروف بابن الباقلاني( 403هـ)

إنّ القاضي الباقلاني من أئمّة الأشاعرة، فقد بذل وسعه في دعم المنهج الأشعري والذب عنه بحماس ولولا القاضي و بعض أترابه، كابن فورك الاصفهاني (المتوفّى 406هـ) لما كان للمنهج الأشعري نصيب من السعة والشمول، وقد اعتنقه ـ إلى يومنا هذا ـ عامّة أهل السنّة ـ غير أهل الحديث ـ .

وقد أضفى القاضي على نظرية الكسب مفهوماً جديداً، صحّ أن يعبر عنه بالتطوير، وقال ما هذا حاصله:

الدليل قد قام على أنّ القدرة الحادثة لا تصلح للإيجاد، لكن ليست الأفعال أو وجوهها واعتباراتها تقتصر على وجهة الحدوث فقط، بل هاهنا وجوه أُخرى هي وراء الحدوث.

ثمّ ذكر عدّة من الجهات والاعتبارات وقال: إنّ الإنسان يفرّق فرقاً ضرورياً بين قولنا: أوجد، وبين قولنا: صلى وصام وقعد وقام. وكما لا يجوز أن تضاف إلى الباري تعالى جهة ما يضاف إلى العبد، فكذلك لا يجوز أن تضاف إلى العبد، جهة ما يضاف إلى الباري تعالى.

فأثبت القاضي تأثيراً للقدرة الحادثة،وأثرها هو الحالة الخاصة، وهو جهة من جهات الفعل، حصلت نتيجة تعلّق القدرة الحادثة بالفعل، وتلك الجهة هي


(121)

المتعيّنة لأن تكون مقابلة بالثواب والعقاب، فإنّ الوجود من حيث هو وجود لا يُستحق عليه ثواب وعقاب، خصوصاً على أصل المعتزلة، فإنّ جهة الحسن والقبح هي التي تقابل بالجزاء، والحسن والقبح صفتان ذاتيتان وراء الوجود، فالوجود من حيث هو وجود ليس بحسن ولا قبيح.

قال: فإذا جاز لكم إثبات صفتين هما حالتان، جاز لي إثبات حالة هي متعلّق القدرة الحادثة، ومن قال هي حالة مجهولة، فبيّنا بقدر الإمكان جهتها، وعرفنا أي شيء هي، ومثلناها كيف هي.(1)

وحاصـل كلامه ـ مع مـا قمنا بتلخيصه ـ: هـو أنّ للقدرة الحادثة تأثيراً فـي حدوث العناوين والخصوصيات التي هي ملاك الثواب والعقاب، وهذه العنـاوين وليدة قدرة العبد، حادثة بها، وإن كان وجود الفعل حادثاً بقـدرته سبحانه.

فوجود الفعل مخلوق للّه سبحانه، لكن تعنونه بعنوان الصوم والصلاة والأكل والشرب راجع إلى العبد والقدرة الحادثة فيه.

يلاحظ عليه: أنّ هذه العناوين والجهات التي صارت ملاكاً للطاعة والعصيان لا تخلو من صورتين: إمّا أن تكون من الأُمور الوجودية وعندئذ تكون مخلوقة للّه سبحانه حسب الأصل المسلم.

وإمّا أن تكون من الأُمور العدمية فعندئذ لا تكون للكسب واقعية خارجية، بل يكون أمراً ذهنياً غنياً عن الإيجاد والقدرة. ومثل ذلك كيف يكون ملاكاً للثواب والعقاب.

وباختصار: إنّ واقعية الكسب إمّا واقعية خارجية موصوفة بالوجود فحينئذ


1- الملل والنحل:1/97ـ98.


(122)

يكون مخلوقاً للّه سبحانه، ولا يكون للعبد نصيب في الفعل، أو لا تكون له تلك الواقعية بل يكون أمراً وهمياً ذهنياً، فحينئذ لا يكون العبد مصدراً لشيء حتّى يثاب عليه أو يعاقب.

2. كمال الدين بن الهمام (789ـ861هـ)

إنّ كمال الدين محمد بن همام الدين مؤلّف كتاب «المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة»(1)تخلّص عن المأزق بالقول بتخصيص ما دلّ على حصر الخالقية باللّه، بعزم العبد وقصده، فكلّ شيء مخلوق للّه سبحانه وهو خالقه إلاّ عزم العبد على الطاعة والعصيان فالخالق هو العبد، وإليك نصّه في ذلك المجال.

فإن قيل: لا شكّ انّه تعالى خلق للعبد قدرة على الأفعال، ولذا يدرك تفرقة ضرورية بين الحركة المقدورة وغيرها.

قلنا: إنّ براهين وجوب استناد كلّ الحوادث، إلى القدرة القديمة بالإيجاد، إنّما تلجئ إلى القول بتعلّق القدرة بالفعل بلا تأثير، لو لم تكن عمومات تحتمل التخصيص. فأمّا إذا وجد ما يوجب التخصيص فلا. لكن الأمر كذلك. وذلك المخصّص أمر عقلي، هو أنّ إرادة العموم فيها يستلزم الجبر المحض المستلزم لضياع التكليف وبطلان الأمر والنهي.

ثمّ أوضح ذلك بقوله: لو عرّف اللّه تعالى العبد العاقل أفعالَ الخير والشر، ثمّ خلق له قدرة أمكنه بها من الفعل والترك، ثمّ كلّفه بالإتيان بالخير ووعده عليه. وترك الشر وأوعده عليه، بناء على ذلك الإقدار لم يوجب ذلك نقصاً في الإلوهية. إذ غاية ما فيه أنّه أقدره على بعض مقدوراته لحكمة صحّة التكليف واتجاه الأمر


1- طبع في القاهرة مع شرح كمال الدين الشريف.


(123)

والنهي. غير أنّ السمع ورد بما يقتضي نسبة الكلّ إليه تعالى بالإيجاد وقطعها عن العباد. فلنفي الجبر المحض وصحّة التكليف وجب التخصيص، وهو لا يتوقّف على نسبة جميع أفعال العباد إليهم بالإيجاد، بل يكفي لنفيه أن يقال:

جميع ما يتوقف عليه أفعال الجوارح من الحركات، وكذا التروك التي هي أفعال النفس من الميل والداعية التي تدعو والاختيار، بخلق اللّه تعالى، لا تأثير لقدرة العبد فيه. وإنّما محلّ قدرته، عزمه عقيب خلق اللّه تعالى هذه الأُمور في باطنه عزماً مصمّماً بلا تردّد، فإذا أوجد العبد ذلك العزم، خلق اللّه تعالى له الفعل. فيكون منسوباً إليه تعالى من حيث هو حرّكه، وإلى العبد من حيث هو زناً ونحوه. فعن ذلك العزم الكائن بقدرة العبد المخلوقة للّه تعالى، صحّ تكليفه وثوابه وعقابه. وكفى في التخصيص تصحيح التكليف هذا الأمر الواحد. أعني: العزم المصمّم. وما سواه ممّا لا يحصى من الأفعال الجزئية والتروك كلّها مخلوقة للّه تعالى ومتأثّرة عن قدرته ابتداءً بلا واسطة القدرة الحادثة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ المجيب تصوّر أنّ القول بانحصار الخلق باللّه سبحانه يستند إلى دليل سمعي قابل للتخصيص كسائر عمومات الكتاب والسنّة في الأحكام الشرعية والسنن. ولكن القول به يستند إلى برهان عقلي غير قابل للتخصيص، وهو أنّ الممكن في ذاته وفعله قائم باللّه سبحانه، متدلّ به، وليس يملك لنفسه ذاتاً ولا فعلاً. ولا فرق في ذلك بين الأفعال الخارجية والأفعال القلبية، أعني: العزم والجزم فالكلّ ممكن، والممكن يحتاج إلى واجب في وجوده وتحقّقه، فينتج أنّ العزم والجزم في وجوده وتحقّقه محتاج إلى الواجب ومعلول لوجوده.


1- شرح العقائد الطحاوية، ص 122ـ 126، نقلاً عن المسايرة.


(124)

نعم، لو كان صاحب المسايرة وأساتذته وتلامذته ممّن يفرقون بين الخلقين: خلق على وجه الاستقلال وخلق على النحو التبعي لما صعب عليهم المقام.

3. ابن الخطيب«قدرة اللّه مانعة عن قدرة العبد»

إنّ لسان الدين بن الخطيب يرى أنّ الكسب فعل يخلقه اللّه في العبد، كما يخلق القدرة والإرادة والعلم فيضاف الفعل إلى اللّه خلقاً لأنّه خالقه، وإلى العبد كسباً لأنّه محله الذي قام به ـ إلى أن قال: ـ انّ الطاعة والمعصية للعبد من حيث الكسب، ولا طاعة ولا معصية من حيث الخلق، والخلق لا يصحّ أن يضاف إلى العبد، لأنّه إيجاد من عدم والفعل موجود بالقدرة القديمة لعموم تعلّق القدرة الحادثة بها.

فالقدرة الحادثة تتعلق ولا تؤثّر و هي ـ القدرة الحادثة ـ تصلح للتأثير لولا المانع و هو وجود القدرة القديمة، لأنّهما إذا تواردتا لم يكن للقدرة الحادثة تأثير.(1)

وحاصل هذه النظرية: أنّ لقدرة العبد شأناً في التأثير لولا المانع، ولكن وجود القدرة القديمة مانع عن تأثير قدرة العبد الحادثة، ولولا سبق القدرة القديمة لكان المجال للقدرة الحادثة مفتوحاً.

يلاحظ عليه:

أوّلا: إذا كان دور الإنسان في مجال أفعاله دور الظرف والمحل، فلا معنى لإلقاء المسؤولية في الشرائع السماوية والأنظمة البشرية على عاتقه، لأنّ مكان الفعل لا يكون مسؤولاً عن الفعل المحقّق فيه، وقد صرح صاحب النظرية بكون الإنسان محلاً لإعمال قدرته سبحانه.


1- القضاء والقدر: 187 نقلاً عن كتاب الفلسفة والأخلاق، للسان الدين بن الخطيب:55.


(125)

ثانياً: أنّ ما جاء في هذا البيان يغاير ما عليه الأشعري وأتباعه، فإنّهم لا يقيمون لقدرة الإنسان وزناً ولا قيمة، ولكن ابن الخطيب يعتقد بكونها قابلة للتأثير لولا سبق المانع وهو القدرة القديمة، ومع ذلك ليس بتام.

وذلك لأنّ فرض المانعية لإحدى القدرتين بالنسبة إلى الأُخرى إنّما يتم لو صحّ فرض كونه سبحانه هو الفاعل المباشر لكلّ ما ظهر على صفحة الوجود الإمكاني، فعند ذاك يصحّ جميع ما يتصوّر من أنّ القدرة في الإنسان مغلوبة لقدرة الخالق، ولكنّه لم يثبت ، بل الثابت خلافه، وأنّ النظام الإمكاني نظام مؤلف من أسباب ومسببات، وكلّ مسبب يستمد ـ بإذنه سبحانه ـ عمّا تقدّمه من السبب تقدّماً زمانياً أو تقدّماً رتبياً وكمالياً.

وعلى ذاك الأصل يسقط حديث مانعية إحدى القدرتين، بل تُصبح قدرة العبد بالنسبة إلى قدرته تعالى، مجلى لإرادته ومظهراً لمشيئته، كيف وقد تعلّقت مشيئته بصدور فعل كلّ فاعل عن مبادئه التي أفاضها عليه، حتّى تكون النار مبدأً للحرارة عن إجبار واضطرار، والإنسان مصدراً لأفعاله عن قدرة واختيار، فلو قام كلّ بفعله فقد قام في الجهة الموافقة لإرادة اللّه لا المضادّة والمخالفة، فقيام هؤلاء أشبه بقيام الجنود بأمر آمرهم: (وَللّهِ جُنُودُ السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَكانَ اللّهُ عَلِيماً حَكيماً) (1)، (وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ).(2)

ثالثاً: أنّ هذه المحاولات والتمحّلات ناشئة عن تصوير القدرتين في عرض واحد، فلأجل ذلك يتصوّر تارة كون قدرته سبحانه مانعاً عن تأثير قدرة العبد، وأُخرى بأنّه لو تعلّقت قدرة العبد على ما تعلّقت به قدرته، يلزم توارد القدرتين على مقدور واحد.


1- الفتح:4.
2- المدثر:31.


(126)

ولكن الحقّ كون فعل العبد مقدوراً ومتعلّقاً بهما، ولا يلزم من ذلك أيّ واحد من المحذورين، لا محذور التزاحم والتمانع، ولا محذور اجتماع القدرتين التامتين على مقدور واحد، وذلك لأنّ قدرة العبد في طول قدرة اللّه سبحانه، فاللّه سبحانه بقدرته الواسعة أوجد العبد وأودع في كيانه القدرة، وأعطاه الإرادة والحرية والاختيار، فلو اختار أحد الجانبين فقد أوجده بقدرة مكتسبة من اللّه سبحانه، واختيار نابع عن ذاته، وحريّة هي نفس واقعيته وشخصيته، فالفعل منتسب إلى اللّه لكون العبد مع قدرته وإرادته، وما يحفّ به من الخصوصيات، قائم بذاته سبحانه، متدلّية بها، كما أنّه منتسب إلى الإنسان لكونه باختياره الذاتي وحريته النابعة من نفسه، اختار أحد الجانبين وصرف قدرته المكتسبة في تحقّقه، كما قال سبحانه:(وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللّه رَمى)(1)، (وَما تَشاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّه).(2)

فنفى عنه الرمي بعد إثباته له، وأثبت له المشيئة في ظل المشيئة الإلهية.

وما جاء في هذه الآيات من المعارف الإلهية لا يصل إليها إلاّ المتأمّل في آي الذكر الحكيم، وما نشر عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ حولها، وعليه «فالفعل فعل اللّه وهو فعلنا».(3)


1- الأنفال:17.
2- الإنسان:30.
3- شرح المنظومة للسبزواري: ص 175 اقتباس من قوله فيها:
لكن كما الوجود منسوب لنا والفعل فعل اللّه وهو فعلنا.


(127)

المرحلة الثالثة

مرحلة

الإنكار والإبطال

قد تعرّفت على المرحلتين المتقدّمتين اللتين مرّتا على نظرية الكسب وهي فيهما بين التبيين والتطوير ـ ولكن مشايخ الأشاعرة ـ عفا اللّه عنّا وعنهم ـ و إن بذلوا جهودهم الحثيثة لإيضاحها وتطويرها، ولكنّهم لم يأتوا بشيء يُسمن ويغني من جوع، أو يروي الغليل ـ وكان الأمر على هذه الحالة إلى أن بعث اللّه رجالاً أبطالاً أدركوا خطورة الموقف، وجفاف النظرية ومضاعفاتها السيّئة، فنفضوا غبار التقليد عن عقولهم، وتفكّراتهم، ونظروا إلى الموضوع نظر متحرّر عن كلّ رأي مسبق، فجعلوا لقدرة الإنسان نصيباً في أفعاله وأعماله، منهم:

1. إمام الحرمين الجويني(المتوفّى 478هـ) نسبة الفعل إلى قدرة العبد حقيقة

إنّ أبا المعالي المعروف بإمام الحرمين، ذهب إلى أنّ لقدرة العباد تأثيراً في أفعالهم، وأنّ قدرتهم ستنتهي إلى قدرة اللّه سبحانه وإقداره، وأنّ عالم الكون مجموعة من الأسباب والمسبّبات، وكلّ مسبّب يستمد من سببه المقدّم عليه، وفي الوقت نفسه، ذاك السبب يستمد من آخر، إلى أن يصل إلى اللّه سبحانه. وإليك نص عبارته التي نقلها الشهرستاني:


(128)

إنّ نفي هذه القدرة والاستطاعة ممّا يأباه العقل والحس، وأمّا إثبات قدرة لا أثر لها بوجه، فهو كنفي القدرة أصلاً. وأمّا إثبات تأثير في حالة لا يفعل، فهو كنفي التأثير، فلابدّ إذاً من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة لا على وجه الإحداث والخلق، فإنّ الخلق يشعر باستقلال إيجاده من العدم، والإنسان كما يحسُّ من نفسه الاقتدار، يحسّ من نفسه أيضاً عدم الاستقلال. فالفعل يستند وجوده إلى القدرة، والقدرة يستند وجودها إلى سبب آخر تكون نسبة القدرة إلى ذلك السبب، كنسبة الفعل إلى القدرة، وكذلك يستند سبب إلى سبب آخر حتّى ينتهي إلى مسبب الأسباب، وهو الخالق للأسباب، ومسبباتهاـ المستغني على الإطلاق ـ فإنّ كلّ سبب مهما استغنى من وجه، محتاج من وجه، والباري تعالى هو الغني المطلق الذي لا حاجة له ولا فقر.(1)

قال الشهرستاني بعد ما نقل كلامه هذا: وهذا الرأي إنّما أخذه من الحكماء الإلهيّين، وأبرزه في معرض الكلام. وليس تختص نسبة السبب إلى المسبّب ـ على أصله ـ بالفعل والقدرة (قدرة الإنسان) بل كلّ ما يوجد من الحوادث فذلك حكمه، وحينئذ يلزم القول بالطبع وتأثير الأجسام في الأجسام إيجاداً، وتأثير الطبائع في الطبائع إحداثاً، وليس ذلك مذهب الإسلاميّين، كيف، ورأي المحقّقين من العلماء أنّ الجسم لا يؤثر في الجسم.(2)

هذا هو ما علّقه الشهرستاني على كلام إمام الحرمين وآخذه عليه، وهو غير صحيح. فإنّ المراد من العلّية الطبيعية بين الأجسام والمظاهر المادية، ليس هو الإيجاد والإحداث من كتم العدم، بل المراد هو تفاعل الأجسام والطبائع، بعضها


1- الملل والنحل:1/98ـ99.
2- المصدر نفسه.


(129)

مع بعض بإذنه سبحانه، كانقلاب الماء إلى البخار، والمواد الأرضية إلى الأزهار والأشجار، وغير ذلك ممّا كشف عنه الحسّ والعلم.

وأمّا الصور الطارئة على الطبائع عند التفاعل والانقلاب كصور الزَّهْر والشجر، فليست مستندة إلى نفس الطبائع، بل الطبائع معدات وممهدات لنزول هذه الصور من علل عليا، كشف عنها الذكر الحكيم عندما صرح بأنّ لعالم الكون مدبرات يدبرونه بإذنه سبحانه، قال: (فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً).(1)

إنّ كون العبد فاعلاً لفعله، وعالم الطبائع مؤثراً في آثاره فإنّما هو بمعنى كونهما «ما به الوجود» لا «ما منه الوجود»، وكم من فرق بين التعبيرين. فمن اعترف بالتأثير فقد اعترف بالمعنى الأوّل والسببية الناقصة، لا بالمعنى الثاني، أعني إفاضة الوجود، والخلق بالمعنى القائم باللّه سبحانه، فإنّ الخلق فيض يُبتدئ منه سبحانه، ويجري في القوابل والقوالب فيتجلّى في كلّ مورد بصورة وشكل، والإنسان بما أنّه مجبول على الاختيار، يصرف باختياره ما أُفيض عليه في مكان دون مكان و في صورة دون صورة. نعم ليس لغيره من الطبائع إلاّ طريق واحد وتجلّ فارد.

وأظن أنّ الشهرستاني لو وقف على الفرق بين الفاعلين، لما اعترض على كلام إمام الحرمين ـ بأنّه ليس من مذهب الإسلاميين ـ نعم هو ليس من مذاهب الحنابلة والأشاعرة، وأمّا العدلية بعامة طوائفها فهم قائلون بذلك، وقد عرفت قضاء القرآن والعقل في ذاك المجال.


1- النازعات:5


(130)

2. أحمد بن تيمية(662ـ 728هـ) يعترف بتأثر قدرة العبد

إنّ أحمد بن تيمية من دعاة السلفية في القرن الثامن، وهو الذي أحيا مذهب السلف، بعد اندراسه، ودعا إليه بحماس وخالف الرأي العام في مسائل عديدة في العقائد والفقه، وأخذ برأي أهل الحديث في عامّة الموارد، حتّى في إجلاسه سبحانه فوق عرشه، ووصفه بأنّ له أطيطاً كأطيط الرحل، إلاّ أنّه خالفهم في تأثير العلل الطبيعية وقدرة العبد واستطاعته، وأنّما عدل عن آرائهم في هذا الموضوع وأخذ برأي العدلية من الإمامية والمعتزلة لأجل قوة البراهين التي أقامها العلاّمة الحلي رداً على قول الأشاعرة بأنّه لا دور للعبد في أفعاله، وذلك لأنّ مقالة مثل هذه يستلزم أشياء شنيعة.

فلم يجد ابن تيمية محيصاً إلاّ العدول عن رأي أهل الحديث والانسلاك في صفوف العدلية، وممّا يقضى به العجب انّه نسب مختاره إلى جمهور أهل السنّة المثبتين للقدر، وكأنّ الإمام أحمد أو الإمام الأشعري ليسا من أئمة أهل السنّة.

وعلى كلّ تقدير، فهذا نصّ كلامه:

انّ جمهور أهل السنّة المثبتين للقدر، لا يقولون بما ذكره، بل جمهورهم يقولون بأنّ العبد فاعل حقيقة، وأنّ له قدرة حقيقية واستطاعة حقيقية، وهم لا ينكرون تأثير الأسباب الطبيعية بل يقرّون بما دلّ عليه العقل من أنّ اللّه تعالى يخلق السحاب بالرياح، ويُنزّل الماء بالسحاب ويُنبِت النباتَ بالماء، ولا يقولون بأنّ قوى الطبائع الموجودة في المخلوقات لا تأثير لها، بل يقرون أنّ لها تأثيراً لفظاً ومعنى.

ولكن هذا القول الذي حكاه هو (العلاّمة الحلّي) قول بعض المثبتة للقدر كالأشعري ومن وافقه من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، حيث لا


(131)

يثبتون في المخلوقات قوى الطبائع ويقولون: إنّ اللّه فعل عندها لا بها، ويقولون: إنّ قدرة العبد لا تأثير لها في الفعل، وأبلغ من ذلك قول الأشعري بأنّ اللّه فاعل فعل العبد، وأنّ عمل العبد ليس فعلاً للعبد، بل كسب له، وإنّما هو فعل اللّه، وجمهور الناس من أهل السنّة من جميع الطوائف على خلاف ذلك، وأنّ العبد فاعل لفعله حقيقة.(1)

أقول: إنّ الإمام في العقائد لدى أهل السنّة، هو الإمام أحمد، وبعده الإمام الأشعري، والمفروض أنّهم لا يقولون بعدم تأثير قدرة العبد في فعله، ومعه: كيف يمكن أن ينسب إلى أهل السنّة غيره؟!

والحقّ أنّ ابن تيمية من رماة القول على عواهنه فيقضي ويبرم وينقض من دون أن يصدر من مصدر صحيح.

والعجب انّه ينسب إلى أهل السنّة بأنّهم لا ينكرون تأثير الأسباب الطبيعية!!

كيف يقول ذلك والأزهر والأزهريون يردّدون في ألسنتهم قول القائل:

ومن يقل بالطبع أو بالعلة * فذاك كفر عند أهـل الملـة

3. نظرية الشعراني(911ـ973هـ) وتأثير قدرة العبد في فعله

إنّ الشيخ الشعراني مؤلف كتاب «اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر» من أقطاب الحديث والكلام والتصوف، فقد أدرك بصفاء ذهنه انّ العقيدة بالكسب لا تفارق الجبر قدر شعرة، فحاول أن يعالج المسألة من طريق الكشف فقال:


1- منهاج السنة:1/266.


(132)

اعلم يا أخي أنّ هذه المسألة من أدقّ مسائل الأُصول وأغمضها، ولا يُزيل إشكالها إلاّ الكشف الصوفي، أمّا أرباب العقول من الفرق فهم تائهون في إدراكها، وآراؤهم فيها مضطربة. إذ كان أبو الحسن الأشعري يقول: ليس للقدرة الحادثة (قدرة العبد) أثر، وإنّما تعلّقها بالمقدور مثل تعلّق العلم بالمعلوم في عدم التأثير.

وقد اُعترض عليه بأنّ القدرة الحادثة إذا لم يكن لها أثر فوجودها وعدمها سواء، فإنّ قدرة لا يقع بها المقدور، بمثابة العجز. ولقوة هذا الاعتراض لجأ أصحاب الأشعري إلى القول بالجبر. وقال آخرون إنّ لها تأثيراً ما، وهو اختيار الباقلاني، لكنّه لما سئل عن كيفية هذا التأثير في حين التزامه باستقلال القدرة القديمة في خلق الأفعال، لم يجد جواباً. وقال: إنّا نلتزم بالكسب لأنّه ثابت بالدليل، غير أنّي لا يمكنني الإفصاح عنه بعبارة. وتمثل الشيخ أبو طاهر بقول الشاعر:

إذا لـم يكن إلاّ الأسنّة مركبـاً * فلا رأي للمضطر إلاّ ركوبها

ثمّ قال: ملخص الأمر: أنّ من زعم أنّه لا عمل للعبد، فقد عاند، ومن زعم أنّه مستبد بالعمل، فقد أشرك; فلابدّ أنّه مضطر على الاختيار.(1)

هذا، وقد أحسن الشيخ في نقد الكسب ولكن الإحالة إلى الكشف الصوفي إحالة إلى المجهول، أو إحالة إلى إدراك شخصي لا يكون حجّة للغير.

4. الشيخ عبده(1266ـ1323هـ) ، وتأثير قدرة العبد في فعله

لم نجد بين رحيل الشيخ الشعراني عام 937هـ إلى عصر مفتي الديار


1- اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر: 139ـ 141.


(133)

المصرية من ينفض غبار التقليد عن تفكيره، ولعلّ في هذه الفترة رجالاً أحراراً في التفكير، وصلوا إلى ما وصل إليه إمام الحرمين ومن جاء بعده، وعلى كلّ تقدير فقد خالف الشيخ محمد عبده، الرأي السائد على الأزهر والأزهريين وقام بوجههم وصرح بتأثير قدرة العبد في فعله.

كانت العقيدة الإسلامية في مصر تتجلّى في المذهب الأشعري وكان إنكار العلّية والمعلولية والرابطة الطبيعية بين الطبائع وآثارها من أبرز سمات ذاك المذهب، وكان التفوّه بخلافه آية الإلحاد والكفر، وقد شنّ الماديون على هذه العقيدة أُموراً ملأوا بها صحفهم وكتبهم، منها:

1. إنّ الإلهيّين لا يعترفون بناموس العلّية والمعلولية، وينكرون الروابط الطبيعية بين الأشياء وآثارها، مع أنّ العلم ـ بأساليبه التجريبية المختلفة ـ يثبت ذلك بوضوح.

2. إنّ الإلهيّين يعترفون بعلّة واحدة وهي اللّه تعالى، وهم يقيمونه مقام جميع العلل، وينسبون كلّ ظاهرة مادية إليه سبحانه، وأحياناً إلى العوالم العِلْوية التي يعبّر عنها بالملك والجن والروح.

3. إنّ الإلهيّين ـ بسبب قولهم بأنّ أفعال العباد مخلوقة للّه سبحانه ـ لا يعتقدون بدور للإنسان في حياته وعيشه، فهو مجبور في السير على الخط الذي يرسمه له خالقه، ومكتوف الأيدي أمام تلاطم أمواج الحوادث، فلأجل ذلك لا يؤثر في الإنسان شيء من الأساليب التربوية ولا يغيره إلى حال.

إلى غير ذلك من الإشكالات والمضاعفات والتوالي الفاسدة، التي لا تقف عند حدّ.

وقد وقف الشيخ عبده على خطورة الموقف، وأنّه ممّا يستحقّ أن يشتري لنفسه اللوم والذم، بل الأمر الأشد من ذلك، في سبيل إظهاره الحقيقة، حتّى يدفع


(134)

الهجمات الشعواء عن وجه الإسلام والمسلمين بقوة ورصانه.

نعم، قد أثّر في تفكير الشيخ عبده وأوجد فيه هذا الحافز والاندفاع، عاملان كبيران، كان لهما الأثر البالغ في بناء شخصيته الفكرية والفلسفية والاجتماعية والسياسية، وهما:

1. اطّلاعه على نهج البلاغة للإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في منفاه(بيروت).

2. اتّصاله بالسيد المجاهد جمال الدين الأسدآبادي (1254ـ 1316هـ).

ففي ضوء هذين العاملين، خالف الرأي العام في كثير من الموارد، ومنها أفعال العباد، فقال في رسالة التوحيد التي كتبها عام 1303هـ للتدريس في المدارس الإسلامية في بيروت سنة إقصائه من مصر إليها ـ فقال:

يشهد سليم العقل والحواسّ من نفسه أنّه موجود ولا يحتاج في ذلك إلى دليل يهديه، ولا معلم يرشده، كذلك يشهد أنّه مدرك لأعماله الإختيارية، يزن نتائجها بعقله، ويقدّرها بإرادته، ثمّ يصدرها بقدرة ما فيه، ويعد إنكار شيء من ذلك مساوياً لإنكار وجوده في مجافاته لبداهة العقل.

كما يشهد بذلك في نفسه يشهده أيضاً في بني نوعه كافة، متى كانوا مثله في سلامة العقل والحواس... وعلى هذا قامت الشرائع، وبه استقامت التكاليف، ومن أنكر شيئاً منه فقد أنكر مكان الإيمان من نفسه، وهو عقله الذي شرفه اللّه بالخطاب في أوامره ونواهيه.

إلى أن قال: ودعوى أنّ الاعتقاد بكسب العبد.(1) لأفعاله يؤدي إلى


1- ولعلّه استخدم لفظ الكسب ليكون واجهة لبيان مقصده بتعبير مقبول عند أهل السنّة وإلاّ فما ذكره لا صلة له بالكسب المصطلح، إلاّ أن يريد الكسب القرآني، أعني قوله سبحانه: (لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ)البقرة:286.


(135)

الإشراك باللّه ـ و هو الظلم العظيم ـ دعوى من لم يلتفت إلى معنى الإشراك على ما جاء به الكتاب والسنّة، فالإشراك اعتقاد أنّ لغير اللّه أثراً فوق ما وهبه اللّه من الأسباب الظاهرة، وأنّ لشيء من الأشياء سلطاناً على ما خرج عن قدرة المخلوقين، وهو اعتقاد من يعظم سوى اللّه مستعيناً به في ما لا يقدر العبد عليه....

جاءت الشريعة لتقرير أمرين عظيمين، هما ركنا السعادة وقوام الأعمال البشرية:

الأوّل: إنّ العبد يكسب بإرادته وقدرته ما هو وسيلة لسعادته.

والثاني: إنّ قدرة اللّه هي مرجع لجميع الكائنات، وإنّ من آثارها ما يحول بين العبد وبين إنفاذ ما يريده، وإنّ لا شيء سوى اللّه يمكن له أن يمدّ العبد بالمعونة فيما لم يبلغه كسبه.

وقد كلّفه سبحانه أن يرفع همّته إلى استمداد العون منه وحده، بعد أن يكون قد أفرغ ما عنده من الجهد في تصحيح الفكر وإجادة العمل. وهذا الذي قرّرناه قد اهتدى إليه سلف الأُمّة، فقاموا من الأعمال بما عجبت له الأُمم، وعوّل عليه من متأخّري أهل النظر إمام الحرمين الجويني ، وإن أنكر عليه بعض من لم يفهمه.(1)

5. الزرقاني والجمع بين النصوص

إنّ الشيخ محمد بن عبد العظيم الزرقاني مؤلّف كتاب «مناهل العرفان في علوم القرآن» أحد المحقّقين في العلوم القرآنية، وكتابه هذا، يدلّ على سعة باعه


1- رسالة التوحيد: 59ـ 62 بتلخيص.


(136)

واطّلاعه ونزاهة قلمه و دماثة خلقه مع المخالفين، فقد طرح في كتابه مسألة خلق الأفعال وقال: ولنعلم أنّ المتخالفين في ذلك ما زالوا مع خلافهم، إخواناً مسلمين، تُظلّهم راية القرآن ويضمّهم لواء الإسلام.

في القرآن الكريم والسنّة النبوية نصوص كثيرة على أنّ اللّه تعالى خالق كلّ شيء، وانّ مرجع كلّ شيء إليه وحده، وانّ هداية الخلق وضلالهم بيده سبحانه، ثمّ ذكر شيئاً من الآيات والروايات الواردة في هذا الصدد.

ثمّ قال: بجانب هذا توجد نصوص كثيرة أيضاً من الكتاب والسنّة، تنسب أعمال العباد إليهم وتعلن رضوان اللّه وحبّه للمحسنين فيها، كما تعلن غضبه وبغضه للمسيئين، ثمّ ذكر قسماً من الآيات والروايات الدالّة على ذلك، ثمّ خرج بالنتيجة التالية:

إنّ أهل السنّة بهرتهم النصوص الأُولى فقالوا : إنّ العبد لا يخلق أفعالَ نفسه الاختيارية وإنّما هي خلق اللّه وحده. وإذا قيل لهم: كيف يثاب المرء أو يعاقب على عمل لم يوجده هو؟ وكيف يتفّق هذا وما هو مقرر من عدالة اللّه وحكمته في تكليف خلقه؟ قالوا: إنّ العباد ـ و إن لم يكونوا خالقين لأعمالهم ـ كاسبون لها. وهذا الكسب هو مناط التكليف ومدار الثواب والعقاب، وبه يتحقّق عدل اللّه وحكمته فيما شرع للمكلّفين.

وهكذا حملوا النصوص الأُولى على الخلق وحملوا الثانية على الكسب جمعاً بين الأدلّة.

أمّا المعتزلة فقد بهرتهم النصوصُ الثانية وما يظاهرها من برهان العقل فرجّحوها وقالوا: إنّ العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية. وإذا قيل لهم: أليس اللّه


(137)

خالق كلّ شيء ومنها أعمال العبد؟ قالوا: بلى إنّه خالق كلّ شيء حتّى أعمال عباده الاختيارية، بيد أنّه خلق بعض الأشياء بلا واسطة وخلق بعضها الآخر بواسطة، وأعمال المكلّفين من القبيل الثاني، خلقها اللّه بوساطة خلق آلاتها فيه، وآلاتها هي القدرة الكلية والإرادة الكلية الصالحتان للتعلق بكلّ من الطرفين. وليس لنا من حول ولا قوة سوى أنّنا استعملناها على أحد وجهيها، إمّا بحسن الاختيار وإمّا بسوء الاختيار. ثمّ لا مانع عندنا من القول بأنّه سبحانه خالق لأفعال عباده، ولكن على سبيل المجاز، باعتبار أنّه خالق أسبابها ووسائلها.

ثمّ قال هو: و لقد كان سلفنا الصالح يؤمنون بوحدانية اللّه وعدله، ويؤمنون بقدره وأمره، ويؤمنون بهذه النصوص وتلك النصوص، ويؤمنون بأنّ العبد يعمل ما يعمل و أنّ اللّه خالق كلّ شيء، ويؤمنون بأنّه تعالى تنزّه في قدره عن أن يكون مغلوباً أو عاجزاً، وتنزّه في أمره وتكليفه عن أن يكون ظالماً أو عابثاً. ثمّ بعد ذلك يصمتون، فلا يخوضون في تحديد نصيب عمل الإنسان الاختياري من قدرة اللّه، ونصيبه من قدرة العبد. ولا يتعرّضون لبيان مدى ما يبلغ فعل اللّه في قدره، ولا لبيان مدى ما يبلغ فعل العبد في امتثال أمره، ذلك ما لم يعلموه ولم يحاولوه، لأنّهم لم يكلّفوه، وكان سبحانه أرحم بعباده من أن يكلّفهم إيّاه، لأنّه من أسرار القدر أو يكاد، والعقل البشري محدود التفكير ضعيف الاستعداد. ومن شره العقول طلب ما لا سبيل لها إليه (وَما أُوتيتُمْ من العلمِ إِلاّ قَليلاً).

لم يمتحنّا بمـا تعيـا العقـولُ بـه * حرصاً علينا فلم نرتب ولم نهمِ(1)


1- مناهل العرفان في علوم القرآن:1/506ـ 511، والشعر جزء من قصيدة البوصيري في مدح النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .


(138)

6. الشيخ شلتوت(1310ـ1383هـ) العبد فاعل بإرادته وقدرته

إنّ الشيخ شلتوت أحد المجتهدين الأحرار في القرن الماضي لا تأخذه في اللّه لومة لائم، فإذا شاهد الحق أجهر به، ولا يطلب رضى أحد، ولا يخاف غضب آخر، فهو ممّن اعترف بحرية الإنسان في مجال العمل، قال:

وقد تناول علماء الكلام في القديم والحديث هذه المسألة، وعُرِفت عندهم بمسألة الهدى والضلال، أو بمسألة الجبر والاختيار، أو بمسألة خلق الأفعال، وكان لهم فيها آراء فرّقوا بها كلمة المسلمين، وزلزلوا بها عقائد الموحدين العاملين، وصرفوا الناس بنقاشهم في المذاهب والآراء عن العمل الذي طلبه اللّه من عباده، وأخذوا يتقاذفون فيما بينهم بالإلحاد والزندقة،والتكفير والتفسيق، وما كان اللّه ـ و آياته بينات واضحات ـ ليقيم لهم وزناً فيما وقفوا عنده، وداروا حوله، ودفعوا الناس إليه.

ثمّ إنّ ذلك العيلم بعد ما ذكر آراء السلف المختلفة قال:

والذي نراه كما قلنا أنّ للعبد قدرة وإرادة ولم يخلقهما اللّه فيه عبثاً، بل خلقهما ليكونا مناط التكليف ومناط الجزاء وأساس نسبة الأفعال إلى العبد نسبة حقيقية، واللّه يترك عبده وما يختار لنفسه، فإن اختار الخير تركه فيه يدعوه سابقه إلى لاحقه، ولا يمنعه بقدرته الإلهية عن استمراره فيه; وإن اختار الشر، تركه فيه يدعوه سابقه إلى لاحقه، ولا يمنعه بقدرته الإلهية عن استمراره فيه، والعبد وقدرته واختياره كل ذلك بمشيئة اللّه وقدرته وتحت قهره، ولو شاء لسلب قوة الخير فكان العبد شرّاً بطبعه لا خير فيه، ولو شاء لسلبه قوة الشر فكان خيراً بطبعه لا شر فيه، ولكن حكمته الإلهية في التكليف و الابتلاء، قضت بما رسم، وكان فضل اللّه على الناس عظيماً.


(139)

ومن هنا يتبين أنّ العبد ليس مجبوراً، لا ظاهراً ولا باطناً، ولا مجزياً على ضلاله بإضلال اللّه إياه، فإنّ هذا أمر تأباه حكمة الحكيم وعدل العادل، وتمنع تصوّره.

القضاء والقدر ليس معناهما الإلزام

وبهذا يكون المؤمنون عمليّين، لا يعتذر الواحد منهم عن تقصير في واجب بالقضاء والقدر، فليس في القضاء والقدر إلاّ العدل المطلق، والحكمة الشاملة العامة، ليس فيهما إلاّ الحكم والترتيب، وربط الأسباب بالمسببات على سنّة دائمة مطّردة، هي أصل الخلق كلّه، وهي أساس الشرائع كلّها، وهي أساس الحساب والجزاء عند اللّه، وليس فيهما شيء من معاني الإكراه والإلزام. وإنّما معناهما الحكم والترتيب، فقضى: حكم وأمر، وقدر: رتب ونظم، وعلم اللّه بما سيكون من العبد باختياره وطوعه ـ شأن المحيط علمه بكلّ شيء ـ ليس فيه معنى إلزام العبد بما علم اللّه أنّه سيكون منه، وإنّما هو العلم الكامل الذي لا يقصر عن شيء في الأرض ولا في السماء، ولا فيما كان وما يكون.(1)

وبذلك تمت المراحل التي مرّت على نظرية الكسب التي شغلت بالَ المفكّرين عدة قرون وتركتْ بصماتِها على ثقافة المسلمين وعلى حياتهم بحجة انّ الإنسان مكتوف اليد، ليس له ولا لقدرته وإرادته أيُّ أثر في حياته.

قال أحمد أمين:غالت المعتزلة، بحرية الارادة، وغلوا فيها أمام قوم، سلَبُوا الانسانَ إرادتَه، حتّى جعلوه كالريشة في مهب الريح، أو كالخشبة في اليمّ. وعندي انّ الخطأ في القول بسلطان العقل، وحرية الإرادة، والغلوّ فيهما، خير من


1- تفسير القرآن الكريم، للشيخ شلتوت: 240ـ 242.


(140)

الغلوّ في أضدادهما، وفي رأيي انّه لو سادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم كان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي، وقد أعجزهم التسليمُ وشلّهم الجبرُ، وقعد بهم التواكل.(1)

ولو كان الكاتب واقفاً على منهج أئمّة أهل البيت في حرية الإنسان ، وحدود سلطان العقل لأذعن بأنّ المنهج في تحديد الحرية، خال عن الغلوّ، وانّه أعطى لكلّ حقّه، فما عاقه القول بالتوحيد في الخالقية، عن القول بحرية الإنسان، وانّ مصيره من حيث السعادة والشقا بيده، كما لم يمنعه القول بتأثير قدرة العبد في انتخابه واختياره عن القول بالتوحيد في الأفعال، وانّ كلّ ما في الكون من دقيق وجليل قائم به سبحانه، ومفاض منه عبر العلل والأسباب .

لم يزل النقاش والجدال قائماً بين الأشاعرة والمعتزلة على قدم وساق، وكلّ يتهم الآخر بأشنع التهم، فالأشعري يتّهم المعتزلي بالشرك وانّ القول باستقلال الإنسان في فعله يستلزم أن يكون للّه شركاء بعدد الإنسان وهم عباده المكلّفون، وهذا يناقض عقيدة التوحيد، وبرهان الوحدانية; كما أنّ المعتزلة تتّهم الأشاعرة بأنّ قولهم بخلق الأعمال لا يتّفق مع القول بعدله وحكمته سبحانه، إذ كيف يثاب المرء أو يعاقب على عمل لم يوجده.

ولو رجع روّاد المنهجين، إلى منهج أئمّة أهل البيت لوقفوا على الحقّ الصراح، وانّ القول بالتوحيد في الخالقية لا يزاحم القول بالعدل والحكمة، (بشرط أن يفسر على النهج الصحيح) وانّ بين الأصلين كمال التلاؤم.

رُوي انّ القاضي عبد الجبار المعتزلي(المتوفّى415) دخل دارَ الصاحب بن عباد فرأى فيه أبا إسحاق الاسفرائني الأشعري(المتوفّى413هـ) فقال القاضي:


1- ضحى الإسلام:3/7.


(141)

سبحان من تنزّه عن الفحشاء (يريد بذلك انّ القول بخلق الاعمال يستلزم انّه سبحانه خلق الفحشاء)، فأجابه أبو إسحاق: سبحان من لا يجري في ملكه إلاّ ما شاء، ويريد انّ القول بوقوع أفعال العباد بلا مشيئة منه سبحانه يستلزم القول بتحقّق أُمور خارجة عن سلطانه.(1)

ولو تتلمذ عميدا المعتزلة والأشاعرة على خريجي منهج أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ لوقفا على أنّ الشعارين غير متزاحمين، فاللّه سبحانه في الوقت الذي تنزّه عن الفحشاء لا يجري في ملكه إلاّ ما شاء، فَجعْلُ كلّ من الشعارين مقابلاً للآخر رهن الجمود على القول بعموم الخلقة على التفسير الذي سار عليه الأشعري، وعلى انقطاع فعل العبد عن قدرته سبحانه على النحو الذي سار عليه المعتزلة.

هذا تمام الكلام حول نظرية الكسب، ومراحلها التي مرّت بها وما لها من التوالي والمضاعفات.

بقيت هنا عدّة أُمور نذكرها تباعاً في خاتمة المطاف.


1- شرح المقاصد:2/145; شرح المواقف:8/156.


(142)

خاتمة المطاف

وفيها أُمور:

الأمر الأوّل: نسبة فعل العبد إلى اللّه فوق التسبيب

ربما يقال: انّ نسبة فعل العبد إلى اللّه سبحانه نسبةُ المسبَّب إلى السبب، واللّه سبحانه خلق الإنسان وزوّده بالقدرة فهو يفعل بقدرته سبحانه، و بما انّ العبد والقدرة من أفعاله سبحانه، يكون الصادر عن قدرة العبد فعلاً له سبحانه تسبيباً.

أقول: إنّ حديث التسبيب هو متلقّى النظر الساذج وكفى في النجاة الاعتقاد بذلك.

وأمّا في النظرة الدقيقة فانّ نسبة فعل العبد إلى اللّه سبحانه فوق ذلك، لأنّ العالم الإمكاني بجواهره وأعراضه وطبائعه ومجرداته فقير بالذات لا يملك لنفسه شيئاً من الوجود، فالجميع قائم باللّه سبحانه قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، فلا يُمكن الفصل بين الوجود الإمكاني ووجود الواجب، فانّ الفصل آية الغناء، وهو يلازم الوجوب والمفروض انّه فقير بالذات حدوثاً و بقاء.

وأفضل جملة تعبر عن هذه العلقة الوثيقة قوله سبحانه: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ)(1) وقوله سبحانه: (ما يكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثة إِلاّ هُوَ رابعُهُم وَلا خَمْسة


1- الحديد:4.


(143)

إِلاّ هُوَ سادِسُهُم ولا أدنى مِنْ ذلك ولا أكْثَرَ إلاّ هُو مَعَهُم أين ما كانُوا)(1) ومفاد هاتين الآيتين هو كونه سبحانه مع كلّ موجود إمكاني من دون فرق بين الإنسان وفعله.

وليس المراد من المعية هو حلوله سبحانه في ذوات الأشياء وآثارها، بل المراد هو المعية القيومية.

وقد ذكر صدر المتألّهين تمثيلاً في المقام، وإليك بيانه:

إذا أردت التمثيل لتبيين كون الفعل الواحد فعلاً لشخصين على الحقيقة، فلاحظ النفس الإنسانية، وقواها، فاللّه سبحانه خلقها مثالاً، ذاتاً وصفة وفعلاً، لذاته وصفاته وأفعاله، قال سبحانه: (وَفِى الأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنينَ* وَفي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُون).(2) وقد أُثر عن النبي والوصي القول بأنّه «من عرف نفسه، عرف ربّه».(3)

إنّ فعل كلّ حاسّة وقوة من حيث هو فعل تلك القوة، فعل النفس أيضاً، فالباصرة ليس لها شأن إلاّ إحضار الصورة المبصرة، أو انفعال البصر منها، وكذلك السامعة، فشأنها إحضار الهيئة المسموعة أو انفعالها بها، ومع ذلك فكلّ من الفعلين، كما هو فعل القوة، فعل النفس أيضاً، لأنّها السميعة البصيرة في الحقيقة، وليس شأن النفس استخدام القوى بل هو فوق ذلك. لأنّا إذا راجعنا إلى وجداننا نجد انّ نفوسنا بعينها الشاعرة في كلّ إدراك جزئي، وشعور حسّي، كما أنّها المتحركة بكلّ حركة طبيعية أو حيوانية منسوبة إلى قواها. وبهذا يتّضح انّ النفس


1- المجادلة:7.
2- الذاريات:20ـ 21.
3- غرر الحكم:268، طبعة النجف. وروي عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ قوله: «أعلمكم بنفسه أعلمكم بربه» أمالي المرتضى:2/329.


(144)

بنفسها في العين قوّة باصرة، وفي الأُذن قوة سامعة، وفي اليد قوة باطشة، وفي الرِِّّجل قوّة ماشية، وهكذا الأمر في سائر القوى التي في الأعضاء، فبها تبصر العين وتسمع الأُذن وتمشي الرجل. فالنفس مع وحدتها وتجرّدها عن البدن وقواه وأعضائه، لا يخلو منها عضو من الأعضاء عالياً كان أو سافلاً، ولا تبائنها قوة من القوى مدركة كانت أو محركة، حيوانية كانت أو طبيعية.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّه كما ليس في الوجود شأن إلاّ وهو شأنه، كذلك ليس في الوجود فعل إلاّ فعله، لا بمعنى أنّ فعل زيد مثلاً ليس صادراً عنه، بل بمعنى انّ فعل زيد مع أنّه فعله بالحقيقة دون المجاز فهو فعل اللّه بالحقيقة. فكما أنّ وجود زيد بعينه أمر متحقّق في الواقع، منسوب إلى زيد بالحقيقة لا بالمجاز، وهو مع ذلك شأن من شؤون الحقّ الأوّل، فكذلك علمه وإرادته وحركته وسكونه وجميع ما يصدر عنه منسوب إليه بالحقيقة لا بالمجاز والكذب. فالإنسان فاعل لما يصدر عنه و مع ذلك ففعله أحد أفاعيل الحقّ الأوّل على الوجه اللائق بذاته سبحانه.(1)

وفي الحديث القدسي إلماع إلى هذا النوع من النسبة بين الخالق والمخلوق، قال: «يابن آدم بمشيئتي كنتَ أنتَ الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبقوتي أدّيتَ إليّ فرائضي، وبنعمتي قوِيتَ على معصيتي، جعلتك سميعاً بصيراً قوياً».(2)

فالأشاعرة خلعوا الأسباب والعلل وهي جنود اللّه سبحانه، عن مقام التأثير والإيجاد. كما أنّ المفوّضة عزلتْ سلطانَه عن ملكه وجعلت بعضاً منه في سلطان غيره. والحقّ الذي أيّده البرهان ويصدّقه الكتاب كون الفعل موجوداً بقدرتين، لكن لا بقدرتين متساويتين ولا بمعنى علّتين تامّتين بل بمعنى كون الثانية من مظاهر القدرة الأُولى وشؤونها وجنودها، (وَما يعلم جنود ربّك إلاّ هو). (3)


1- الأسفار:6/377ـ 378، و ص 374.
2- البحار:5/57.
3- المدثر:31.


(145)

الأمر الثاني: تنمية العلم في ظلّ القول بنظام الأسباب والمسبّبات

قد أوضحنا في محاضراتنا في «الإلهيات» انّ القول بانّ المادة لم تزل أزلية، ولو صارت ذات سنن وقوانين فإنّما هي وليدة الصدفة،لا يدفع بالإنسان إلى التحقيق وسبر أغوار الطبيعية، وذلك إذ لا علم له بوجود سنن وأنظمة في داخل العالم حتّى يبحث عنه الإنسان، فلا محيص للباحث في سنن العالم والمستطلع للحقائق السائدة فيه ـ قبل الفحص عن السنن ـ عن اعتناق نظرية الخلقة وهي انّ العالَم مصنوع علم وقدرة واسعة، أخرجه من العدم إلى الوجود وأجرى فيها سنناً وأنظمة.

والحاصل: انّ الذي يبعث الإنسان إلى الفحص عن النظم والسنن هو نظرية الإلهيّين وهو انّ العالم مخلوق موجود واجب عالم قد مر، وأمّا النظرية الأُخرى أي عدم تدخّل علم وقدرة في النظم والسنن فيعرقل خطا الباحث عن الغور في العالم.

هذا هو الذي أوضحنا حاله في «الإلهيات».

فنقول: إنّ إنكار العلل والمعاليل والأسباب والمسبّبات والاعتقاد بعلّة واحدة مكان العلل نظير القول بأنّ النظام مخلوق صدفة، وذلك لأنّ الذي يبعث الباحث عن الوجود وأسراره هو اعتقاده بانّ كلّ ذرة في ذات هذا العالم مشتملة على قانون يريد أن يستكشفه ويفرغه في قالب العلم، وأمّا إذا اعتقد خلاف ذلك وانّه ليس للعالم إلاّ علّة واحدة وأنكر الأنظمة والسنن فلا يجد في نفسه باعثاً نحو الفحص والتحقيق، إذ لا علم له بوجود السنن والأنظمة حتّى يبحث عنها ، فدعامة العلم لا تقوم إلاّ بالقول بأنّه سبحانه تبارك و تعالى خلق العالم على نظام خاص وأجرى فيه شيئاً هي مظاهر علمه وقدرته.


(146)

وقد جرت سنّة اللّه تعالى على خلق الأشياء بأسبابها، فجعل لكلّ شيء سبباً و للسبب سبباً إلى أن ينتهي إلى اللّه سبحانه، والمجموع من الأسباب الطولية علّة واحدة تامّة كافية لايجاد الفعل، ونكتفي في المقام بكلمة عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ حيث قال: «أبى اللّه أن يجري الأشياء إلاّ بأسباب، فجعل لكلّ شيء سبباً وجعل لكلّ سبب شرحاً».(1)

الأمر الثالث:

إنّ المنقول عن الفيلسوف الفرنسي «مالبرانس»(1631ـ 1715م) يتّحد مع نظرية الأشعري حرفاً بحرف، و من المظنون أنّه وقف على بعض الكتب الكلامية للأشاعرة، فأفرغ نظرية الكسب حسب ما تلقّاه من تلك الكتب، وحاصل ما قال:

إنّ كلّ فعل إنّما هو في الحقيقة للّه، ولكن يظهر على نحو ما يظهر، إذا تحقّقت ظروف خاصة إنسانية أو غير إنسانية حتّى لكأنّها يخيّل للإنسان أنّ الظروف هي التي أوجدته.

فهذه النظرية أولى بأن تسمّى بنظرية الاتّفاقية، أو نظرية الظروف والمناسبات، وهي نفس نظرية الأشعري حيث يرى أنّه لا تأثير للقدرة الحادثة في الأحداث، وإنّما جرت سنّة اللّه بأن يلازم بين الفعل المحدَث و بين القدرة المحدثة (بالكسر) له إذا أراد العبد وتجرد له، ويسمى هذا الفعل كسباً. فيكون خلقاً من اللّه، وكسباً من العبد، عندما يقع في متناول قدرته واستطاعته، من غير تعلّقه عليه.(2)


1- الكافي:1/183، باب معرفة الإمام، الحديث7.
2- القضاء والقدر للكاتب المصري عبد الكريم الخطيب: 182.


(147)

وقد نقل «ذكاء الملك» نظرية ذلك الفيلسوف الفرنسي في موسوعته الفلسفية. وهي تبتني على إنكار قانون العلّية والمعلولية بين الأشياء، وأنّ كلّ ما يعدّ علّة لشيء فهو من باب المقارنة. فلو رأينا أنّ جسماً يحرك جسماً آخر، فذلك إدراك سطحي، والمحدث هو اللّه سبحانه، وتلاقي الجسمين ظرف لقيامه بالتحريك، ومثله تحريك النفس عضواً من أعضاء البدن، فالمحرّك هو اللّه سبحانه وإرادة النفس ظرف ومحلّ لظهور فعله سبحانه.

ولا نعلّق على هذه النظرية سوى القول بأنّها مخالفة للبراهين الفلسفية القائمة على وحدة حقيقة الوجود في جميع المراتب، واختلافها بالشدة والضعف. فعندئذ لا معنى لأن يختصّ التأثير ببعض المراتب دون آخر مع الوحدة في الحقيقية.

إنّ إنكار التأثير على وجه الإطلاق بين الظواهر الطبيعية ومافوقها يخالف البرهان العقلي الفلسفي، أوّلاً; وصريح الذكر الحكيم، ثانياً; والفطرة السليمة الإنسانية، ثالثاً، والتفصيل في الجهات الثلاث موكول إلى محلّه.

الأمر الرابع: التفسير الخاطئ في قسم من الأُصول

قد تعرّفت على التفسير الخاطئ للتوحيد في الخالقية وانّ هذه العقيدة القرآنية كيف فسرِّت بصورة مشوهة حتّى صارت سبباً لانتفاء الغاية من خلق القدرة في الإنسان إلى غير ذلك من المضاعفات التي تعرّفت عليها.

وفي تاريخ العقائد نظائر لهذا الأصل ابتليت بتفاسير خاطئة استوجب توالي فاسدة، نظير:

1. القضاء والقدر وسعتها لأفعال البشر.


(148)

2. علمه سبحانه بالكائنات وأفعال الإنسان.

3. البداء و انّ للإنسان أن يغيّر مصيره بالأعمال الصالحة والطالحة.

4. التقية التي هي سلاح الضعيف أمام من صادر حرياته.

ونظائرها فانّ كلاً من هذه الأُصول لها دلائل ساطعة في القرآن الكريم والسنّة تعدّ من المعارف العليا في الإسلام ولكنّها مع الأسف الشديد وقعت في إطار تفاسير باطلة صارت سبباً للطعن والغمز.

أمّا القضاء والقدر فقد فسّرا بنحو صارت نتيجته كون الإنسان مكتوف اليد، أو كالريشة في مهب الريح، أو كالخشبة في اليم، أو غير ذلك.

وأمّا الثاني، فقد جعلوا علمه الوسيع سبباً للجبر وانّه ليس للخاطئ إلاّ ارتكاب الخطأ و إلاّ ينقلب علمه جهلاً.

وأمّا الثالث، فقد فسروه بظهور ما خفي عليه سبحانه، وتعالى عن ذلك.

وأمّا الرابع، فقد جعلوه من فروع النفاق.

فيجب على الباحث أن يستنطق الكتاب والسنة فيها مجرداً عن كلّ رأي مسبق حتّى يقف على حقائق تلك الأُصول.

وبما انّه قد استوفينا الكلام في هذه الأُصول في عدة من مؤلّفاتنا فلا نجد حاجة إلى تكرارها، ومن أراد فليرجع إلى الصفحة أدناه.(1)


1- انظر 1. الإلهيات في أربعة أجزاء: الجزء الأوّل والثاني; 2. مفاهيم القرآن في عشرة أجزاء، الجزء الأوّل; 3. الملل والنحل، الجزء الأوّل والثالث ; 4. مع الشيعة الإمامية في تاريخهم وعقائدهم.


(149)

الأمر الخامس: تغيير عنوان المسألة في كتب المتأخّرين

إنّ العنوان الرائج في كتب القدماء هو خلق الأعمال و الأفعال ولكن العنوان الموجود بين المتأخرين غير ذلك فهم يعبرون عن المسألة بالعنوان التالي:

إنّ اللّه قادر على كلّ المقدورات أو انّ أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة اللّه سبحانه و تعالى وحده.(1)

ولعل التعبير الثاني أفضل، وذلك لأنّ مادة الخلق لا تنسب إلى الفعل في لغة العرب، فلا تجد في الكتاب والسنّة ولا عند شعراء العصر الجاهلي من ينسب الخلق إلى الفعل ويقول خلق الأكل أو الشرب.

نعم ورد في القرآن الكريم قول إبراهيم: (وإنّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ أوثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً )(2)فقد نسب الخلق إلى الإفك الذي هو يعدّ فعلاً للإنسان.

ولكن الإمعان في الآية يفسر لنا وجه هذه النسبة، فانّ الإفك كناية عن الاعتقاد بكون الأصنام إلهاً يُعبد، فقد صار هذا سبباً لنسبة الخلق إلى الفعل(الإفك) المتجسّم في ضمن «الأوثان» التي يتعلّق بها «الخلق» .

وهذا يعرب عن أنّ العنوان الواضح هو ما اختاره المتأخّرون من عمومية قدرته لأفعال العباد.

الأمر السادس: في إيضاح الجهمية والنجارية والضرارية

إنّ هذه الطوائف الثلاث من دُعاة القول بالجبر وخلق الأعمال وانّ نصيب


1- لاحظ شرح المواقف:8/145.
2- العنكبوت:17.


(150)

العبد من الفعل هو الكسب، ولذا حاولنا أن نقول فيهم كلمة للإيضاح.

تنتسب الجهمية إلى جهم بن صفوان(المتوفّى 128هـ) وهو تلميذ الجعد بن درهم الذي قتله خالد بن عبد اللّه القسري سنة 124هـ.

ويليهم في القول بالجبر النجارية وهم أصحاب الحسين بن محمد بن عبد اللّه النجار (المتوفّى عام 230هـ) وله مناظرات مع النظام .

وعرفهم الشهرستاني بقوله بأنّهم يقولون إنّ الباري تعالى هو خالق أعمال العباد خيرها وشرها، حسنها وقبيحها والعبد مكتسب لها، ويثبتون تأثيراً للقدرة الحادثة ويسمّون ذلك كسباً.(1)

الضرارية نسبة إلى ضرار بن عمرو، و قد ظهر في أيام واصل بن عطاء(80ـ130)، و قد ألف قيس بن المعتمر كتاباً في الردّ على ضرار سمّاه كتاب «الردّ على ضرار».

إنّ هذه الطائفة أيضاً تقول بأنّ أفعال العباد مخلوقة للّه حقيقة والعبد مكتسبها.(2)

بلغ الكلام إلى هنا ظهيرة يوم الخميس

السادس والعشرين من شهر صفر

المظفر من شهور عام 1423

من الهجرة النبوية

وآخر دعوانا

ان الحمد للّه ربّ العالمين


1- لاحظ الملل والنحل للشهرستاني:1/89.
2- مقالات الإسلاميين:129; الملل والنحل:1/90.


(151)

4

في الإرادة الإلهيّة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي تجلّى لعباده بأسمائه وصفاته، وبما أراهم من سطوته وقدرته، وانحسرت العقول عن كنه معرفته، فلم تجد مَساغاً إلى بلوغ غاية ملكوته.

والصلاة والسلام على أفضل بريّته، وأشرف خليقته، محمّد وآله الذين هم عيبة علمه، وحفظة سننه، وحجج اللّه في أرضه، مادامت الشمس والقمر دائبين، يبليان كل جديد، ويقرّبان كل بعيد.

أمّا بعد، فهذه رسالة وجيزة وضعتها لتحقيق معنى الإرادة الإلهية و مدى تأثيرها في اختيار الإنسان.

وقد طال فيها الكلام وكثر فيها النقاش، فعدّها بعضهم من صفات الذات و هم الحكماء، وعدّها الآخرون ـ أعني: المحدّثين و المتكلّمين ـ من صفات الفعل.

وتحقيق الحقّ في ما هو الإرادة الإلهية ونسبتها إلى إرادة العبد واختياره يأتي ضمن فصول:

المؤلّف


(152)

1

في تقسيم صفاته

إنّ صفاته سبحانه تنقسم إلى قسمين: ثبوتية، وسلبية. و إن شئت قلت: جمالية وجلالية. فإن كانت الصفة مثبتة لجمال وكمال في الموصوف، وكانت مشيرة إلى واقعية في ذاته، تسمّى ثبوتية ذاتية أو جمالية; و إن كانت الصفة هادفة إلى نفي نقص وحاجة عنه سبحانه، تسمّى سلبية أو جلالية.

فالعلم والقدرة والحياة من الصفات الثبوتية التي تشير إلى وجود كمال وواقعية في الذات الإلهية، كما أنّ نفي الجسمانية والتحيّز والحركة والتغيّر من الصفات السلبية التي تهدف إلى سلب ما يعدّ نقصاً في الموجود، عن ساحته سبحانه.

وهذان الاصطلاحان «الجمالية والجلالية» قريبان ممّا ورد في الكتاب العزيز قال سبحانه:(تَباركَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرَام).(1)

فصفة الجلال تدلّ على ما جلّت ذاتُه عن التلبّس به، وصفة الإكرام ما تكرّمت ذاتُه به وتجمّلت، فيُوصف بالكمال، ويُنزّه بالجلال.

ثمّ إنّ علماء العقائد حصروا الصفات الجمالية في ثماني وهي: العلم، القدرة، الحياة، السمع، البصر، الإرادة، التكلّم، والغنى; كما حصروا


1- الرحمن:78.


(153)

الصفات السلبية في سبع وهي: انّه تعالى ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، وانّه غير مرئي، ولا متحيّز، ولا حالّ في غيره، ولا يتّحد بشيء.

غير أنّ النظر الدقيق يقتضي عدم حصر الصفات في عدد معين، فإنّ الحقّ أن يقال: انّ الملاك في الصفات الجمالية والجلالية هو أنّ كلّ وصف يعدّ كمالاً للوجود فاللّه موصوف به. وكلّ وصف يعتبر نقصاً وعجزاً وحاجة فهو منزّه عنه، وليس علينا أن نُحصر الكمالية والجلالية في عدد معيّن.

وعلى ذلك يمكن إرجاع جميع الصفات الثبوتية إلى وصف واحد، والصفات السلبية إلى أمر واحد، ويؤيّد ما ذكرناه انّ الأسماء والصفات التي وردت في القرآن الكريم تفوق بأضعاف المرّات العدَد الذي ذكره المتكلّمون.

تقسيم آخر

قسّم المتكلّمون صفاته سبحانه إلى: صفة الذات، وصفة الفعل. والأوّل ما يكفي فرض الذات في حمل الوصف عليه كالعلم والحياة والقدرة، فيقال: اللّه عالم، حيّ، قادر; والثاني ما يتوقّف وصف الذات به على فرض شيء وراء الذات، وهو فعله سبحانه.

فصفات الفعل هي المنتزعة من مقام الفعل، بمعنى انّ الذات توصف بالصفة عند ملاحظة الذات مع الفعل، وذلك كالخلق والرزق ونظائرهما من الصفات الفعلية الزائدة على الذات بحكم انتزاعها من مقام الفعل.

ومعنى انتزاعها انّا إذا لاحظنا النِّعَم التي يتنعّم بها الناس نسمّيه سبحانه لأجل هذا الفعل رزاقاً، كما نسمّيه رحيماً وغافراً لأجل رحمته لعباده وغفرانه لذنوبهم.


(154)

ثمّ إنّهم اختلفوا في بعض الصفات وانّه هل هو من صفات الذات أو من صفات الفعل كالإرادة والتكلّم؟ فأهل الحديث والمتكلّمون على أنّ الإرادة من صفات الفعل تنتزع من إعمال القدرة خلافاً للحكماء فإنّهم جعلوها من صفات الذات بالمعنى المناسب لذاته سبحانه، نظير الاختلاف في الكلام فالأشاعرة على أنّه من صفات الذات، والمعتزلة والإمامية على أنّه من صفات الفعل.

أمّا وجه الاختلاف في الكلام فهو مذكور في محلّه وخارج عن هدف الرسالة.

وأمّا وجه اختلافهم في الإرادة وذهاب بعض إلى أنّه من صفات الذات والبعض الآخر إلى أنّه من صفات الفعل، فحاصله:

إنّ من جعلها من صفات الذات فباعتبار أنّ الإرادة من صفات الكمال بشهادة انّ الفاعل المريد أكمل من الفاعل غير المريد، فسلبها عن الذات يستلزم كونه فاعلاً غير مريد، وهو نقص في الفاعلية، سواء أكانت مع الشعور أم بدونه.

وأمّا من جعلها من صفات الفعل فلأجل انّ الإرادة أمر تدريجي بالذات، توجد بعد وجود مقدّمات من تصوّر الموضوع والتصديق بفائدته واشتياقاً إلى فعله إلى أن ينتهي إلى الجزم والتصميم، والإرادة بهذا المعنى أمر حادث تعالى سبحانه عن أن تقع ذاته محلاًّ للحوادث.

فلأجل هذين الأمرين اختلفت أنظارهم في أمر الإرادة وأنّها هل هي من صفات الذات أو من صفات الفعل؟ فمن جانب انّ الإرادة وصف كمال لا يمكن خلو الذات عن ذلك الكمال، ومن جانب آخر انّ حقيقة الإرادة حقيقة متجدّدة، والتجدّد عين الحدوث، والحدوث عين الفقر، واللّه سبحانه منزّه عن ذلك.


(155)

2

في حقيقة الإرادة الإنسانية

ما هي حقيقة الإرادة؟

إنّ الإرادة والكراهة كيفيّتان نفسانيّتان كسائر الكيفيّات النفسانية، يجدهما الإنسان بذاتهما بلا توسط شيء مثل اللّذة والألم وغيرهما من الأُمور الوجدانية. والمقصود في المقام تحليل ذلك الأمر الوجداني وصياغته في قالب علمي، وقد اختلفت أنظارهم في واقع الإرادة في الإنسان فضلاً عن اللّه سبحانه. وإليك الآراء المطروحة في الإرادة الإنسانية:

1. نظرية المعتزلة: الاعتقاد بالنفع

فسّرت المعتزلة الإرادة بـ«اعتقاد النفع» والكراهة بـ«اعتقاد الضرر» قائلين بأنّ نسبة القدرة إلى طرفي الفعل والترك متساوية، فإذا حصل في النفس الاعتقاد بالنفع في أحد الطرفين، يرُجَّح بسببه ذلك الطرف و يصير الفاعل مؤثراً فيه.(1)

يلاحظ عليه:أنّ مجرّد الاعتقاد بالنفع لا يكون مبدأ وباعثاً نحو المراد، إذ كثيراً ما يعتقد الإنسان بوجود النفع في كثير من الأفعال ولا يريدها، وربّما لا


1- الأسفار:6/337.


(156)

يعتقد بوجوده فيها، بل يعتقد بوجود الضرر ومع ذلك يريدها لموافقتها لبعض القوى الحيوانية.

2. نظرية الأشاعرة: المخصّصة للقدرة بأحد المقدورين

فسّرت الأشاعرة الإرادة بأنّها صفة مخصِّصة للقدرة بأحد المقدورين وهي مغائرة للعلم والقدرة، لأنّ خاصية القدرة صحّة الإيجاد واللا إيجاد، وذلك بالنسبة إلى جميع الأوقات وإلى طرفي الفعل والترك على السواء.

يلاحظ عليه: أنّ تفسير الإرادة، بما يخصِّص القدرة بأحد المقدورين، تفسير لها بأثرها ولازمها، من دون إلماع إلى حقيقتها وواقعها، إذ من آثار الإرادة هو تحديد القدرة وسوقها إلى صوب المراد، ولكنّه غير واقع الإرادة الذي نحن بصدد بيانه.

3. النظرية المعروفة : الشوق النفساني

وقد اشتهر بين المحصلين انّ الإرادة عبارة عن الشوق النفساني الذي يحصل في الإنسان تلو اعتقاده بالنفع.(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً :أنّه ربّما يوجد هذا الميل والشوق، دون أن يكون هناك إرادة ، كما في الإنسان المتديّن بالنسبة للمحرمات.

وثانياً: قد يوجد الفعل بدون الشوق النفساني أو الشوق المؤكّد كما في الأفعال العادية من تحريك الأعضاء وكثير من الأفعال العبثية والجزافية، وكما في تناول الأدوية غير المستساغة وغيرها، فإنّ الإنسان يشرب الدواء المرّ عن إرادة لا عن شوق.


1- الأسفار:6/337.


(157)

4. الإرادة : القصد والعزم

الإرادة كيفية نفسانية متخلّلة بين العلم الجازم والفعل ويعبّر عنها بالقصد والعزم تارة، وبالإجماع والتصميم أُخرى. وليس ذلك القصد من مقولة الشوق بقسميه المؤكّد وغير المؤكّد، كما أنّه ليس من مقولة العلم رغم حضوره لدى النفس كسائر الكيفيات النفسانية.

وباختصار، حقيقة الإرادة هي العقد والميل القاطع نحو الفعل، وهذا هو المختار ويشهد عليه الوجدان.

وعلى كلّ حال فسواء أصحّت هذه التفاسير للإرادة الإنسانيّة أم لا، لكن لا يمكن تفسير الإرادة الإلهية بهذه الوجوه.

أمّا الأوّل: فقد عرفت أنّ تفسير الإرادة باعتقاد النفع ملازم لإنكار الإرادة مطلقاً في الموجودات الإمكانية فضلاً عن اللّه سبحانه، وذلك لأنّ مرجع الارادة ـ عندئذ ـ إلى العلم بالنفع مع أنّا نجد في أنفسنا شيئاً وراء العلم والاعتقاد بالنفع، ومن فسر الإرادة بالاعتقاد بالنفع فقد أثبت العلم وأنكر الإرادة.

وأمّا الثاني: أعني: تفسير الإرادة بتخصيص القدرة بأحد المقدورين، ففيه: انّه لا يناسب شأنه سبحانه، لأنّ التخصيص أمر حادث فتعالى أن تكون ذاته مركزاً للحوادث إلاّ أن يرجع إلى تفسير الإرادة الفعلية به دون الذاتية، فالإرادة في مقام الفعل هو ما جاء في هذا التفسير، وعلى هذا تكون الإرادة من صفات الفعل دون صفات الذات فيلزم خلوها عن ذلك الكمال.

وأمّا الثالث: ففيه انّ الشوق من مقولة الانفعال تعالى عنه، مضافاً إلى أنّ الشوق شأن الفاعل الناقص الذي يريد الخروج عن النقص إلى الكمال فيشتاق إليه شوقاً أكيداً.


(158)

وأمّا الأخير: فسواء أفسّرت بالقصد والعزم أو الإجماع والتصميم فحقيقتها الحدوث بعد العدم، والوجود بعد اللاوجود،وهي بهذا المعنى يستحيل أن يوصف به سبحانه.

ولأجل عدم مناسبة هذه التعاريف لذاته سبحانه صار المتألّهون على طائفتين:

الأُولى: من يحاول جعلها من صفات الذات ولكن يتصرف في معنى الإرادة.

الثانية: من لا يتصرف في نفي الإرادة ولكن يجعلها من صفات الفعل كالخلق والرزق، فالجميع ينتزع من فعله سبحانه وإعمال قدرته. وأصحاب هذا القول قد أراحوا أنفسهم من الإشكالات المتوجهة إلى كون الإرادة من الصفات الذاتية للّه سبحانه.

وإليك الكلام حول هذين القولين في فصلين مختلفين.


(159)

3

الإرادة الإلهية

من

صفات الذات

قد عرفت أنّ الإرادة بتفاسيرها المختلفة لا تليق أن تنسب إلى اللّه سبحانه، ولذلك عاد القائلون بأنّ الإرادة من صفات الذات إلى تفسيرها بنحو يناسب ذاته سبحانه، وإليك تفاسيرهم:

الأُولى: الإرادة هو العلم بالأصلح

يظهر من صدرالمتألّهين وغيره، أنّ إرادته سبحانه عبارة عن العلم بالأصلح، فقال الأوّل: فثبت انّ إرادة اللّه ليست عبارة عن القصد، بل الحقّ في كونه مريداً، انّه سبحانه وتعالى يعقل ذاته، ويعقل نظام الخير الموجود في الكلّ من ذاته، وانّه كيف يكون؟ وذلك النظام يكون لا محالة كائناً مستفيضاً وهو غير مناف لذات المبدأ الأوّل جلّ اسمه، لأنّ ذاته كلّ الخيرات الوجودية كما مرّ مراراً من أنّ البسيط الحق، كلّ الأشياء الوجودية، فالنظام الأكمل الكوني الإمكاني تابع للنظام الأشرف الواجبي الحقّي، وهو عين العلم والإرادة


(160)

فعلم المبدأ بفيضان الأشياء عنه، وانّه غير مناف لذاته، هو إرادته لذلك ورضاه، فهذه هي الإرادة الخالية عن النقص والإمكان.(1)

أقول: إنّ تفسير الإرادة الإلهية بالعلم بالأصلح هو الظاهر من أكثر المتأخّرين بعد صدرالمتألّهين، وقد تلقّاه الحكيم السبزواري أصلاً مسلّماً ففسّرها به، قال في منظومته:

عقيب داع، دركنا الملائما * شـوقـاً مؤكــداً إرادة سمــا

وفيه عين الداع عيـن علمـه * نظام خير هـو عيـن ذاتـه(2)

يلاحظ عليه: أنّ تفسير الإرادة الإلهية بالعلم بالأصلح أو العلم العنائي وإن كان سليماً عن إشكال الحدوث والتدرّج حيث إنّ علمه سبحانه بذاته علم فعلي قديم منزّه عن وصمة الحدوث والتدرج، إلاّ أنّ إرجاع الإرادة إلى العلم، يلازم نفي واقع الإرادة عنه سبحانه، لأنّ العلم والإرادة حقيقتان مختلفتان، فتفسير الثانية بالأوّل، إثبات لوصف العلم، ونفي لوصف الإرادة، فيُصبح سبحانه فاعلاً عالماً غير مريد، مع أنّ الفاعل العالم المريد أفضل وأكمل من الفاعل العالم غير المريد.

وقد نبّه بذلك بعض أئمّة أهل البيت. روى بكير بن أعين أنّه قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : علمه ومشيئته هما مختلفان أو متّفقان؟ فقال:« العلم ليس هو المشيئة، ألا ترى أنّك تقول: سأفعل كذا


1- الأسفار:6/316، الموقف الرابع، الفصل الثاني. ولاحظ أيضاً ص 341، 342.
2- شرح المنظومة:179 .


(161)

إن شاء اللّه ولا تقول: سأفعل كذا إن علم اللّه، فقولك: إن شاء اللّه دليل على أنّه لم يشأ، فإذا شاء، كان الذي شاء كما شاء وعلم اللّه السابق للمشيئة».(1)

ثمّ إنّ العلاّمة الطباطبائي ممّن يسلّم انّ علمه بنظام الخير مبدأ له ، و مع ذلك يُنكر تسمية العلم بالأصلح والنظام الأتم إرادة فقال: إنّ ما ذكره صدر المتألّهين وغيره من الحكماء المتقدّمين من أمر الإرادة الذاتية، وأقاموا عليه البرهان، فهو حقّ، لكن الذي تثبته البراهين انّ ما سواه تعالى يستند إلى قدرته التي هي مبدئيته المطلقة للخير وعلمه بنظام الخير، وأمّا تسمية العلم بالخير والأصلح، إرادة أو انطباق مفهوم الإرادة بعد التجريد على العلم بالأصلح الذي هو عين الذات فلا .

نعم قام البرهان على أنّه واجد لكلّ كمال وجودي، وهذا لا يوجب تخصيص الإرادة من بينها بالذكر في ضمن الصفات الذاتية. وبالجملة ما ذكروه حق من حيث المعنى وإنّما الكلام في إطلاق لفظ الإرادة وانطباق ما جرّد من مفهومها، على صفة العلم.(2)

وليعلم أنّ القول باتّحاد صفاته سبحانه مع ذاته ليس بمعنى أنّ كلّ وصف عين الوصف الآخر كأن تكون الإرادة عين العلم، بل المراد أنّ ذاته سبحانه كلّه علم وفي الوقت نفسه كلّه قدرة وكلّه حياة دون أن يشكّل العلم جزءاً من الذات والقدرة جزءاً آخر حتّى يلزم التركيب، فلا يصحّ أن يقع القول بعينيّة صفاته مع الذات، ذريعة لتفسير الإرادة بالعلم بالأصلح.


1- الكافي:1/109، باب الإرادة من صفات الفعل.
2- الأسفار:6/316قسم التعليقة.


(162)

الثانية: إرادته سبحانه هو ابتهاجه بذاته

هذه هي النظرية الثانية التي اختارها بعض المحقّقين من مشايخ مشايخنا ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ فقد فسّر الإرادة بالابتهاج وجعل له مرحلتين:

1. الابتهاج الذاتي وهو الإرادة في مقام الذات.

2. الابتهاج الفعلي ينبعث من الابتهاج الأوّل قائلاً: فإنّ من أحب شيئاً أحبّ آثاره، وهذه المحبة الفعلية هي الإرادة في مقام الفعل وأسماها بالإرادة الفعلية، فقال في كلام مبسوط:

«لا ريب عند أهل النظر أنّ مفاهيم الصفات ـ حسبما يقتضيه طبعهاـ متفاوتة متخالفة، لا متوافقة مترادفة، وإن كان مطابَقها واحداً بالذات من جميع الجهات، فكما أنّ مفهوم العلم غير مفهوم الذات وسائر الصفات، وإن كان مطابَق مفهوم العلم والعالِم، ذاته بذاته; حيث إنّ حضور ذاته لذاته، بوجدان ذاته لذاته، وعدم غيبة ذاته عن ذاته، كذلك ينبغي أن يكون مفهوم الإرادة بناء على كونها من صفات الذات ـ كمفهوم العلم ـ مبائناً مع الذات ومفهوم العلم، لا أنّ لفظ الإرادة معناه العلم بالصلاح، فانّ الرجوع الواجب هو الرجوع في المصداق، لا رجوع مفهوم إلى مفهوم. ومن البين أنّ مفهوم الإرادة ـ كما هو مختار الأكابر من المحقّقين ـ هو الابتهاج والرضا، و ما يقاربهما مفهوماً، ويعبّر عنه بالشوق الأكيد فينا.

والسرّ في التعبير عنها بالشوق فينا، وبصرف الابتهاج والرضا فيه تعالى: أنا لمكان إمكاننا ناقصون غير تامّين في الفاعلية، وفاعليتنا لكلّ شيء بالقوة، فلذا نحتاج في الخروج من القوة إلى الفعل إلى أُمور زائدة على ذواتنا ـ من


(163)

تصوّر الفعل والتصديق بفائدته والشوق الأكيد ـ المميلة جميعاً للقوة الفاعلة المحرّكة للعضلات، بخلاف الواجب تعالى فإنّه ـ لتقدّسه عن شوائب الإمكان وجهات القوة والنقصان ـ فاعل وجاعل بنفس ذاته العليمة المريدة، وحيث إنّه صرف الوجود، وصرف الوجود صرف الخير، فهو مبتهج بذاته أتمّ ابتهاج، وذاته مرضية لذاته أتمّ الرضا. وينبعث من هذا الابتهاج الذاتي ـ وهي الإرادة الذاتية ـ ابتهاج في مرحلة الفعل، فإنّ من أحبّ شيئاً أحبّ آثاره، وهذه المحبّة الفعلية هي الإرادة في مرحلة الفعل، وهي التي وردت الأخبار عن الأئمّة الأطهار ـ سلام اللّه عليهم ـ بحدوثها(1); لوضوح أنّ المراد هو الإرادة التي هي غير المراد، دون الإرادة الأزلية التي هو عين المراد; حيث لا مراد في مرتبة ذاته إلاّ ذاته، كما لا معلوم في مرتبة ذاته إلاّ ذاته.(2)

ويظهر من الحكيم السبزواري ارتضاؤه ، قال في منظومته:

مبتهج بذاته بنهجة * أقوى ومن له بشيء بهجة

مبتهج بما يصير مصدره * من حيث إنّه يكون أثره

كرابط لا شيء باستقلاله * ليس له حكم على حياله


1- أُصول الكافي:1/85ـ86، باب الإرادة، نشر المكتبة الإسلامية; وتوحيد الصدوق: 146ـ 148، باب صفات الذات والأفعال، الحديث 15ـ 19، نشر جماعة المدرسين.
2- نهاية الدراية:1/278ـ 279.


(164)

رضاؤه بالذات بالفعل رضا * وذا الرضا إرادة لمن قضى(1)

يلاحظ على تلك النظرية بما مرّ في النظرية السابقة، فإنّ تفسير الإرادة الإلهية بابتهاج الذات و إن كان يدفع مشكل التدريج والحدوث، لكن الإشكال الآخر باق بحاله، فإن واقع الابتهاج في الإنسان من مقولة الانفعال، والإرادة أشبه بمقولة الفعل، فتفسير الإرادة بالابتهاج ـ حتّى مع التجريد عن النقص ـ يستلزم نفي وصف الإرادة عنه سبحانه.

إنّ الإرادة في الإنسان رمز الاختيار والحرية، فالفاعل المريد، مختار في فعله، يوجده بإرادته، وأين هي من تفسير الإرادة بالابتهاج الذي هو رمز كون الفعل ملائماً لذات الفاعل وطبعه؟!سواء أكان اختياريّاً أم لا فتفسير أحدهما بالآخر نفي لواقع المفسَّر.


1- شرح المنظومة:180 .


(165)

4

الإرادة الإلهية

من صفات الفعل

قد مضى في الفصل السابق بعض الأنظار الذي يفسر الإرادة الإلهية بأنّها من صفات الذات، وحان وقت البحث عن الأنظار التي تعدّها من صفات الفعل، فخصصنا هذا الفصل بهذا كما خصصنا الفصل السابق بالنظر الآخر.

ذهب غير واحد من المحقّقين إلى أنّ الإرادة أشبه بصفة الفعل، نظير الخلق والإيجاد والرحمة ، وقبل الخوض في بيانها نقدّم شيئاً ربّما مضى التنبيه عليه في صدر الرسالة، و هو:

أثبتت البراهين الفلسفية انّ كلّ كمال وجودي فإنّه موجود للواجب في حدّ ذاته، وإلاّ يلزم تطرّق النقص إليه، وفرض موجود أكمل منه، لأنّ كون الفاعل وراء كونه عالماً، مريداً مختاراً، كمال للذات فلا يمكن سلبه عنه.

ومن جانب آخر انّ الإرادة كيفية نفسانية، و ماهية ممكنة والواجب منزّه عن الماهية والإمكان، وليست الإرادة كالعلم فإنّه يصلح وصف الواجب به إذا جرّد عن النقص وبقى منه سوى الكشف، وهذا بخلاف الإرادة فإنّها مهما جرّدت عن شوائب الإمكان والنقص لا يوصف بها الواجب، لأنّ واقعيّة الإرادة


(166)

هي الخروج من القوّة إلى الفعل، ومن التصوّر إلى التصديق بالفائدة ومنه إلى الشوق ومنه إلى القصد والعزم، وهذا المعنى مهما جرّد من النقص لا يصلح لأن يوصف به الواجب.

ثمّ إنّ هذين الأمرين صارا سبباً لذهاب جمع إلى أنّه من صفات الذات أخذاً بالأمر الأوّل وذهاب جمع آخر إلى أنّها من صفات الفعل،منهم السيد الطباطبائي قدَّس سرَّه فقال في تعاليقه على«الأسفار» ما هذا لفظه:

1. الإرادة صفة منتزعة من حضور العلّة التامّة للفعل

لو كان بين كيفيّاتنا النفسانية، كيفيّة متميّزة متخلّلة بين العلم الجازم و الفعل، باسم الإرادة فهو القصد، وهو ميل نفساني نحو الفعل، نظير ميل الجسم الطبيعي من مكان إلى مكان وليس من الشوق أو الشوق المؤكّد في شيء، كما سيجيء، وليس هو العلم وإن كانت الصفات والأحوال النفسانيّة كالحبّ والبغض والرضا والسخط والحزن والسرور وغيرها، علميّة شعورية، لأنّ الإرادة لو كانت أمراً متميّزاً في نفسها فهي متخلّلة بين العلم والفعل فليست فينا علماً.

ومن هنا يظهر أنّا لو جرّدناها من شوائب النقص وأجرينا وصفها عليه تعالى لم ينطبق على علمه تعالى، لأنّ مفهومها غير مفهوم العلم ولا ينفع التجريد مع تغاير المفهومين، بخلاف تجريد معنى العلم مثلاً، فإنّه وإن تبدّلت خصوصيّاته وحدوده بالتجريد حتّى عاد وجوداً واجبياً منفياً عنه جميع خصائص الكيفية النفسانية الخاصة لكن معناه الأصلي وهو حضور شيء لشيء محفوظ باق بعد التجريد وعند الإجراء على ما كان عليه قبل.


(167)

ويظهر أيضاً أنّ الإرادة لو أخذت صفة له تعالى بعد التجريد، كانت صفة فعل نظير الخلق والإيجاد والرحمة، منتزعة عن مقام الفعل، فتماميّة الفعل من حيث السبب إذا نسب إلى الفعل سمّيت إرادة له، فيكون الفعل مراداً له تعالى، وإذا نسبت إلى اللّه كانت إرادة منه فهو مريد، كما أنّ كلّ ما يستكمل به الشيء في بقائه رزق، فالشيء مرزوق وهو تعالى رزّاق وهكذا.

إلى أن قال: وما ذكره الحكماء الإلهيون من أمر الإرادة الذاتية وأقاموا عليه البرهان، فهو حقّ لكن الذي تثبته البراهين أنّ ما سواه تعالى يستند إلى قدرته التي هي مبدئيته المطلقة للخير وعلمه بنظام الخير، وأمّا تسمية العلم بالخير والأصلح، إرادة أو انطباق مفهوم الإرادة بعد التجريد على العلم بالأصلح الذي هو عين الذات فلا.(1)

وقال في مقام آخر: إنّ الإرادة منتزعة من مقام الفعل من حيث انتسابه إلى قدرته تعالى القاهرة أو من اجتماع الأسباب الموجبة عليه من حيث انتسابها إليه.(2)

وقد ذكر عصارة نظريته في «نهاية الحكمة» حيث قال:

لا ينبغي أن تقاس الإرادة بالعلم الذي يقال إنّه كيفية نفسانية ثمّ يجرّد عن الماهية ويجعل حيثية وجودية عامة موجودة للواجب تعالى وصفاً ذاتياً هو عين الذات. وذلك لأنّا ولو سلمنا أنّ بعض مصاديق العلم وهو العلم الحصوليّ كيف نفساني، فبعض آخر من مصاديقه وهو العلم الحضوريّ جوهر أو غير ذلك، وقد تحقّق أنّ المفهوم الصادق على أكثر من مقولة واحدة وصف


1- الأسفار:6/315ـ 316، قسم التعليقة.
2- الأسفار:6/353، قسم التعليقة.


(168)

وجودي غير مندرج تحت مقولة، منتزع عن الوجود بما هو وجود، فللعلم معنى جامع يهدى إليه التحليل وهو حضور شيء لشيء.

وأمّا الإرادة المنسوبة إليه تعالى فهي منتزعة من مقام الفعل، إمّا من نفس الفعل الذي يوجد في الخارج، فهو إرادة ثمّ إيجاب، ثمّ وجوب ، ثمّ وجود; وإمّا من حضور العلّة التامة للفعل كما يقال عند مشاهدة جمع الفاعل أسباب الفعل ليفعله، أنّه يريد كذا فعلاً.(1)

يلاحظ على النظرية: لا شكّ أنّ أكثر ما ذكره السيد الأُستاذ حقّ لا غبار عليه، وقد مرّ بعض ما ذكره في البحوث السابقة، أعني:

1. أنّ ماهية الإرادة وواقعيتها غير واقعية العلم.

2. أنّ الإرادة في الإنسان مهما جرّدت عن وصفة الإمكان لا يوصف به الواجب.

3. أنّ الإرادة من صفات الكمال، والموجود المريد أفضل من غير المريد فلابدّ من وصفه سبحانه بأنّه مريد.

كلّما ذكره من هذه الأُمور صحيح، ولكن تفسير الإرادة بحضور العلّة التامة للفعل يناقض الأصل الثالث، وقد صرّح به أيضاً في ثنايا كلامه، حيث قال:

«نعم قام البرهان بأنّه واجد لكلّ كمال وجودي، ومع ذلك كيف يمكن خلوّ الذات عن هذا الكمال الوجودي وحصره في مقام الفعل».

ولو كانت الإرادة منتزعة من حضور العلّة التامّة للفعل، يلزم أن تكون الفواعل الطبيعية كلّها مريدة لحضورها عند آثارها.


1- نهاية الحكمة: 299ـ 300.


(169)

وبالجملة تصوّر خلوّ الذات عن واقع الإرادة يلزم أن يكون سبحانه فاعلاً غير مريد ولا مختار، وهذا نقص في الفاعل تعالى عنه سبحانه. و سيوافيك ما هو الحقّ في معنى الإرادة الذاتية في اللّه سبحانه.

***

2. الإرادة إعمال القدرة

إنّ المحقّق الخوئي بعد ما طرح تفسير الإرادة بالعلم والابتهاج والرضا ونقدهما بما مرّ ذكره، حاول أن يفسّر الإرادة الإلهية بإعمال القدرة، فقال: إنّ الإرادة لا تخلو من أن تكون بمعنى إعمال القدرة، أو بمعنى الشوق الأكيد ولا ثالث لهما، وحيث إنّ الإرادة بالمعنى الثاني لا تعقل لذاته سبحانه، يتعيّن الإرادة بالمعنى الأوّل له سبحانه وهو المشيئة وإعمال القدرة.(1)

وقال في موضع آخر: إنّ أفعال العباد لا تقع تحت إرادته سبحانه وتعالى ومشيئته .

والوجه ما تقدّم بشكل مفصّل، من أنّ إرادته تعالى، ليست من الصفات العليا الذاتية، بل هي من الصفات الفعلية التي هي عبارة عن المشيئة وإعمال القدرة.(2)

يلاحظ عليه أوّلاً:أنّ تفسير الإرادة بإعمال القدرة يرجع إلى كونها من صفات الفعل، ومعنى ذلك خلوّ الذات عن ذلك الكمال الوجودي وهو يستلزم تصوّر الأكمل والأفضل من الواجب.

وثانياً: أنّ القول بأنّ أفعال العباد خارجة من متعلّق الإرادة الإلهية مخالف


1- المحاضرات:2/37.
2- المحاضرات:2/72.


(170)

للبرهان، فإنّ الفعل ممكن كذاته، فكما أنّ الذّات تتعلّق به الإرادة الإلهية، فهكذا الفعل وإلاّ يلزم تحديد سلطانه سبحانه، وتحقّق بعض الأشياء بلا إرادة منه وهو كما ترى، وقد ورد في غير واحد من الروايات الردّ على تلك الفكرة.

روى هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إنّ اللّه أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون، واللّه أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد».(1)

يقول سبحانه: (وَما تَشاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ ربّ العالَمِين).(2)

ويقول سبحانه:(وَماكانَ لِنَفْس أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بإِذْنِ اللّه).(3)

إلى غير ذلك من الروايات والآيات الدالّة على أنّ أفعال العباد غير خارجة عن إرادته سبحانه بها، وأمّا كيفيّة الجمع بين عموم إرادته والقول بالاختيار،فسيوافيك بيانه.

3. الإرادة الإلهية في روايات أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام

إنّ السابر في ما صدر عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ في مورد الإرادة الإلهية يقف على أنّهم نظروا إليها من زوايا ثلاث:

1. الإرادة الإلهيّة غير العلم والقدرة.

2. ما من ظاهرة من الظواهر الكونية إلاّ وقد تعلّقت بها إرادته سبحانه.

3. إرادته سبحانه من صفات الفعل لا من صفات الذات.

فلنقتصر في كلّ من هذه المواضيع الثلاثة بالقليل عن الكثير.


1- بحارالأنوار:5/41، كتاب العدل والمعاد، الحديث64.
2- التكوير:29.
3- يونس:100.


(171)

الف: إرادته غير علمه وقدرته

قد ناظر الإمام علي بن موسى الرضا ـ عليه السَّلام ـ أحد المتكلّمين في خراسان ـ أعني: سليمان المروزي ـ والمناظرة مبسَّطة نقتصر على ما له صلة بالمقام:

قال سليمان: إنّ إرادته علمه.

قال الرضا ـ عليه السَّلام ـ :«...وعلى هذا فإذا علم الشيء فقد أراده».

قال سليمان: أجل.

قال الرضا ـ عليه السَّلام ـ : «فإذا لم يرده، لم يعلمه».

قال سليمان: أجل.

قال الرضا ـ عليه السَّلام ـ : «من أين قلنا ذلك وما الدليل على أنّ إرادته علمه، وقد يعلم مالا يريده أبداً؟

ذلك قول اللّه عزّ وجلّ:(وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالّذِي أوحَيْنا إِليك)(1) ،فهو يعلم كيف يذهب ولا يذهب به أبداً».

قال سليمان: إنّه سبحانه قد فرغ من الأمر، فليس يزيد فيه شيئاً.

قال الرضا ـ عليه السَّلام ـ : «هذا قول اليهود، فكيف قال تعالى: (ادْعُوني أَستَجِبْ لَكُم)». (2)

قال سليمان: إنّما عنى بذلك أنّه قادر عليه.

قال الرضا ـ عليه السَّلام ـ :«أفيعد ما لا يفي به؟ فكيف قال:(يَزِيدُ فِي الخَلْقِ ما يَشاء)(3) وقال عزّ وجلّ: (يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتاب)(4) وقد فرغ من الأمر...» فلم يحر سليمان جواباً.(5)


1- الإسراء:86 .
2- المؤمن:60.
3- فاطر:1.
4- الرعد:39.
5- عيون أخبار الرضا:1/189 .


(172)

إنّ ما دار بين الإمام والمروزي كاف في نقد ما يتخيّل بأنّ إرادته سبحانه هي علمه بالأصلح .

ب. عموم إرادته سبحانه بكلّ ظاهرة كونية

أمّا عموم إرادته سبحانه بكلّ ظاهرة كونية فهو يبتني على مقدّمات فلسفية ثابتة، وإليك الإشارة إليها على وجه الإيجاز:

1. سعة قدرته وخالقيته سبحانه، وانّ كلّ ما في صفحة الكون من دقيق وجليل وذات وفعل مخلوق للّه سبحانه لا على النحو الذي فسّر به الأشاعرة عموم قدرته بأن يكون الواجب الفاعل المباشري لكلّ ظاهرة مجردة أو مادية، بل على النحو المختار لدى الإمامية.(1)

2. إنّ كلّ ما في دار الإمكان، قائم بالواجب غير مستغن عنه في شأن من شؤونه لا في ذاته ولا في فعله، وإنّ غناء فعل الإنسان عن الواجب يستلزم خروجه عن حدّ الإمكان وانقلابه موجوداً واجباً، وهذا خلف، فما في الكون يجب أن يكون منتهياً إلى الواجب قائماً به قيام المعنى الحرفي بالاسمي، فالقول باستقلال الإنسان في فعله أشبه بمقالة الثنوية.

3. شهادة الروايات على عموم قدرته، ونقتصر على روايات ثلاث:

1. روى الصدوق في توحيده بسنده عن حفص بن فرط، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «من زعم أنّ اللّه تعالى يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على اللّه، ومن زعم أنّ المعاصي من غير قوة اللّه، فقد كذب على اللّه، و من


1- لاحظ الإلهيات:2/275.


(173)

كذب على اللّه أدخله النار».(1)

2. روى البرقي في محاسنه عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إنّ اللّه أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون، واللّه أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد».(2)

3. وروى عن حمزة بن حمران، قال: قلت له: إنّا نقول إنّ اللّه لم يكلّف العباد إلاّ ما آتاهم وكلّ شيء لا يطيقونه فهو عنهم موضوع، ولا يكون إلاّ ما شاء اللّه، وقضى وقدر و أراد؟ فقال: «واللّه إنّ هذا لديني و دين آبائي».(3)

ج: الإرادة من صفات الفعل

من سبر فيما ورد عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ في مجال الرواية يقف على اهتمام الأئمّة بتوجيه أصحابهم إلى أنّ الإرادة من صفات الفعل لا من صفات الذات، وقد عقد الشيخ الكليني باباً في ذلك المجال ننقل منه ما يلي:

1. روى عاصم بن حميد، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت: لم يزل اللّه مريداً؟ قال: «إنّ المريد لا يكون إلاّ المراد معه، لم يزل اللّه عالماً قادراً ثمّ أراد».(4)

2. روى صفوان بن يحيى، عن الإمام الكاظم ـ عليه السَّلام ـ : أخبرني عن الإرادة من اللّه و من الخلق؟ فقال:« الإرادة من الخلق الضمير، و ما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، وأمّا من اللّه تعالى فإرادته إحداثه لا غير ذلك، لأنّه لا يروِّي ولا يهمّ ولا يتفكّر، وهذه الصفات منفية عنه وهي صفات الخلق، فإرادة اللّه، الفعل، لا غير


1- توحيد الصدوق:359، باب نفي الجبر والتفويض، الحديث2.
2- بحارالأنوار:5/41، كتاب العدل والمعاد، الحديث64.
3- بحارالأنوار:5/41، الحديث65.
4- الكافي:1/109، باب الإرادة من صفات الفعل، الحديث1.


(174)

ذلك، يقول له: كن فيكون بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همّة ولا تفكّر ولا كيف لذلك، كما أنّه لا كيف له».(1)

3. روى محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «المشيئة محدثة».(2)

تحليل الروايات الماضية

لا يشكّ ذو مسكة في أنّ الروايات ظاهرة في كون الإرادة من صفات الفعل دون صفات الذات، لما يترتّب على القول الثاني من قدم العالم وغيره، ولما كان القول بكونها من صفات الفعل مخالفاً للأصل المبرهن في الفلسفة الإسلامية من أنّ الإرادة وصف كمال للموجود بما هو موجود، حاول صدر المتألّهين تفسير الروايات بنحو يوافق أُصوله فقال:

«والتحقيق انّ الإرادة تطلق بالاشتراك الصناعي على معنيين:

أحدهما : ما يفهمه الجمهور و هو ضد الكراهة، وهي التي تحصل فينا عقيب تصوّر الشيء الملائم، وعقيب التردّد حتّى يترجح عندنا الأمر، الداعي إلى الفعل أو الترك فيصدر أحدُهما منّا، وهذا المعنى فينا من الصفات النفسانية، وهي والكراهة فينا كالشهوة والغضب فينا وفي الحيوان، ولا يجوز على اللّه، بل إرادته نفس صدور الأفعال منه من جهة علمه بوجه الخير، وكراهته عدم صدور الفعل القبيح عنه لعلمه بقبحه.

وثانيهما: كون ذاته بحيث يصدر عنه الأشياء لأجل علمه بنظام الخير فيها التابع لعلمه بذاته، لا كاتّباع الضوء للمضيء والسخونة للمسخِّن، ولا كفعل المجبورين والمسحّرين، ولا كفعل المختارين بقصد زائد وإرادة ظنيّة يحتمل الطرف المقابل، وقد تحقّقت انّ قيّوم الكلّ إنّما يفعل الكلّ عن علم هو نفس


1- الكافي:1/109، باب الإرادة من صفات الفعل، الحديث 3و7.
2- الكافي:1/109، باب الإرادة من صفات الفعل، الحديث 3و7.


(175)

ذاته العليم الذي هو أتمّ العلوم، فإذن هو سبحانه فاعل للأشياء كلّها بإرادة ترجع إلى علمه بذاته، المستتبع لعلمه بغيره، المقتضي لوجود غيره في الخارج لا لغرض زائد وجلب منفعة ـ إلى أن قال : ـ و لما كان فهم الجمهور لا يصل إلى الإرادة بهذا المعنى، بل إلى النحو الذي في الحيوان أو ضدّه الكراهة ويكون حادثاً عند حدوث المراد، جعلها (الإمام) من صفات الأفعال ومن الصفات الإضافية المتجدّدة كخالقيته أو رازقيته.(1)

وقال المولى محمد صالح المازندراني في شرحه على أُصول الكافي: الإرادة تطلق على معنيين كما صرّح به بعض الحكماء الإلهيّين.

أحدهما: الإرادة الحادثة وهي الّتي فُسرت في الحديث بأنّها نفس الإيجاد واحداث الفعل.

وثانيهما: الإرادة التي هي من الصفات الذاتية التي لا توصف الذات بنقيضها أزلاً وأبداً، وهي التي وقع النزاع فيها.

فذهب جماعة إلى أنّها نفس علمه الحق بالمصالح والخيرات وعين ذاته الأحدية.

وذهبت الأشاعرة إلى أنّها صفة غير العلم.(2)

نقد وتحليل

إنّ هذا التفسير للروايات يتمتع بنقاط قوّة، وهي:

أوّلاً: فسّر الإرادة بمعنيين وهي بأحدهما صفة ذات وبالمعنى الآخر صفة فعل.


1- شرح أُصول الكافي:1/278.
2- شرح أُصول الكافي، للمولى محمد صالح المازندراني:3/345.


(176)

ثانياً: الإرادة الإنسانية تمتنع أن تقع وصفاً للّه سبحانه فلا محيص من إرجاع الإرادة بهذا المعنى في حقّه سبحانه إلى كونها صفة فعل.

ثالثاً: الإرادة الذاتية بالمعنى المناسب لذاته كانت حقيقة لا تُدرك الأفهام الساذجة غورَها، بل حتّى الأفهام الحادة كسليمان المروزي ، فلذلك لم يذكر الإمام من الإرادة إلاّ ما هو وصف للفعل.

ورابعاً: انّ إصرار أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ على كون الإرادة من صفات الفعل للحيلولة دون وصف ذاته بالإرادة بهذا المعنى، ولأجل ذلك ركزوا على أنّها من صفات الفعل.

وخامساً: انّ جعل الإرادة من صفات الذات كان مثاراً لشبهة قدم الإرادة بقدم الذات وبالتالي قدم العالم وعامّة مخلوقاته. ولأجل الحيلولة دون طروء هذه الشبهة في الأذهان كان الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ يعدّون الإرادة من صفات الفعل.

وممّا يعرب عن ذلك ما رواه سليمان بن جعفر الجعفري قال: قال الرضا ـ عليه السَّلام ـ : «المشيئة والإرادة من صفات الأفعال، فمن زعم أنّ اللّه تعالى لم يزل مريداً شائياً فليس بموحّد».(1)

هذه هي نقاط القوة في هذا النوع من التفسير، وعلى الرغم من ذلك فلا يخلو التفسير المذكور من ضعف، وهو انّ إرجاع الإرادة الذاتية إلى العلم بالأصلح إنكار للإرادة والكمال المطلق للموجود.


1- توحيد الصدوق:338.


(177)

5

ما هو المختار في الإرادة الالهيّة؟

قد مرّ آنفاً التفاسير المطروحة للإرادة الإلهية وعرفت وجوه الضعف فيها، والذي يمكن أن يقال: انّ الإرادة تنقسم إلى: إرادة في مقام الفعل، وإرادة في مقام الذات.

فالإرادة في مقام الفعل هو ما مرّ تفسيره في الأحاديث وكلمات المحقّقين فلا نطيل، ونظير الإرادة هو العلم فإنّه ينقسم إلى العلم في مقام الفعل والعلم في مقام الذات .

فما سوى اللّه علمه سبحانه في مقام الفعل، فكلّ الأشياء بما انّه فعله وخلقه، أيضاً علمه وعرفانه، نظير الصور الذهنية المخلوقة للنفس فهي في حدّ كونها فعلاً للنفس، علم لها.

وهذا هو المستفاد من رواية أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، ولكنّا لا نرى فيها ما يدلّ على نفي الإرادة الذاتية بالمعنى المتناسب لمقام ذاته.

وأمّا الإرادة في مقام الذات فبيانه رهن مقدّمة، وهي انّ الفاعل من حيث العلم بفعله وإرادته واختياره ينقسم إلى أقسام أربعة:

أ. ما يفعل بلا شعور، كالعلل الطبيعية مثل النار والحرارة.


(178)

ب. ما يفعل مع شعور دون أن يكون له إرادة واختيار، كحركة يد المرتعش.

ج. ما يصدر عن الفاعل عن علم وإرادة ولكنّه ليس مختاراً بل مضطرّاً إلى الفعل، وهذا كإرادة المكرَه، فالمكرَه عندنا من أقسام المريد لكنّه ليس بمختار، فانّه يرجح أحد المحذورين على الآخر بإرادته، ولكنّه ليس في ترجيح هذا مختاراً، ولو لم يكن هناك ضغط خارجي لترك العمل من رأس.

د. ما يصدر عن علم وإرادة واختيار، فهذا النوع من الفواعل أتمُّها وأفضلها، لأنّ الفعل يصدر عن الفاعل من صميم ذاته فهو شاعر، مقابل ما ليس بشاعر، مريد، في مقابل من ليس بمريد، مختار في فعله دون أن يكون مكرهاً وعليه ضغط من خارج يبعثه إلى إرادة أحد العملين حتّى يرجح أقل المحذورين.

هذه هي أقسام الفواعل والأخير أفضلها.

إذا علمت ذلك فاعلم أنّ الفاعل المختار من جميع الجهات واجد لكمالات المراتب السابقة، أعني: العلم والإرادة، فانّ الغاية من العلم والإرادة هو جعل الفاعل فاعلاً مختاراً، فإذا حصل الاختيار للفاعل وكان مختاراً في فعله، والفعل صادراً عن صميم ذاته دون أن يكون هناك مكرَهاً فهو واجد لكمالات المراتب السابقة خصوصاً الإرادة.

وعلى ضوء ذلك انّه سبحانه تبارك و تعالى مريد بالذات فهو بهذا المعنى أي أنّه مختار والفاعل المختار واجد لكمال الإرادة وإن لم يكن واجداً لها بحدّها، وهذا ما نسمّيه بالإرادة البسيطة.


(179)

والحاصل: انّ الإرادة التفصيلية التي تتألّف من تصوّر الفعل والتصديق بالفائدة ورفع الموانع والشوق المؤكّد ثمّ الجزم والتصميم وإن لم تكن موجودة في الذات ولكن نتيجة الإرادة كون الفاعل مختاراً بالذات، متحقّق في الذات وهي موصوفة بها، فكونه مختاراً جامع لعامّة الكمالات السابقة.

وإن شئت قلت: إنّ الإرادة صفة كمال لا لأجل كونها حادثة طارئة متقضّية بعد حدوث المراد، و إنّما هي صفة كمال لكونها رمز الاختيار وسمة عدم المقهورية حتّى أنّ الفاعل المريد المكرَه له قسط من الاختيار، حيث يختار أحد طرفي الفعل على الآخر تلو محاسبات عقلية فيرجّح الفعل على الضرر المتوعّد به، فإذا كان الهدف والغاية من وصف الفاعل بالإرادة هو إثبات الاختيار وعدم المقهورية فوصفه سبحانه بكونه مختاراً غير مقهور في سلطانه، غير مجبور في إعمال قدرته، كاف في جري الإرادة عليه، لأنّ المختار واجد لكمال الإرادة على النحو الأتم والأكمل.

وقد ثبت في محلّه انّه يلزم في إجراء الصفات ترك المبادئ والأخذ بجهة الكمال، فكمال الإرادة ليس في كونها طارئة زائلة عند إيجاد المراد أو كون الفاعل خارجاً بها عن القوة إلى الفعل أو من النقص إلى الكمال، بل كمالها في كون صاحبها مختاراً مالكاً لفعله، آخذاً بزمام عمله، فلو كان هذا هو كمال الإرادة، فاللّه سبحانه واجد له على النحو الأكمل، إذ هو الفاعل المختار غير المقهور في سلطانه (واللّهُ غالبٌ على أمرِه)(1).(2)


1- يوسف:21.
2- لاحظ الإلهيات:1/175.


(180)

6

الإرادة التكوينية والتشريعية

تنقسم الإرادة إلى تكوينية وتشريعية، واختلفوا في تفسير هذا التقسيم إلى نظريات:

الأُولى: نظرية المحقّق الخراساني

قال المحقّق الخراساني: الإرادة التكوينية عبارة عن العلم بالنظام على النحو الكامل التام، والإرادة التشريعية هو العلم بالمصلحة في فعل المكلّف.(1)

وفسّرهما في موضع آخر بالعبارة التالية وقال: لا محيص عن اتّحاد الإرادة والطلب و ان يكون ذلك الشوق المؤكّد المستتبع لتحريك العضلات في إرادة فعله بالمباشرة(التكوينيّة) أو المستتبع لأمر عبيده به فيما لو أراده لا كذلك (لا بالمباشرة) مسمّى بالطلب والإرادة .(2)

والعبارة الأُولى ناظرة إلى تفسير الإرادتين في حقّه سبحانه، والثانية ناظرة إلى تفسيرهما في الإنسان.

فالإرادة التكوينية على التفسير الأوّل هو العلم بالنظام على النحو


1- الكفاية:1/99.
2- الكفاية:1/96.


(181)

الكامل، والإرادة التشريعية هو العلم بالمصلحة في فعل المكلّف; ولكنّهما على التفسير الثاني عبارة عن الشوق المؤكّد المستتبع إمّا لتحريك العضلات فهي الإرادة التكوينية، أو المستتبع لأمر العبيد به فهي التشريعية.

ولا يخفى ضعف التفسيرين.

أمّا الأوّل، فلأنّ تفسير الإرادة الإلهية التكوينية بالعلم بالنظام على النحو الكامل والتشريعية بالعلم بالمصلحة، تفسير غير تام، لما مرّ من أنّ واقع الإرادة غير واقع العلم.

وأمّا التفسير الثاني، فلأنّ تفسير الإرادة بالشوق المؤكّد الذي هو الجامع بين الإرادة التكوينية والتشريعية في الإرادة الإنسانية تفسير ضعيف، إذ ليس الشوق من مبادئ الإرادة ولا نفس الإرادة بشهادة انّ الإنسان كثيراً ما يريد شيئاً ويفعله بلا شوق كشرب الدواء المرّ، وربّما يشتاق ولا يفعله كما في المحرّمات.

الثانية: نظرية المحقّق الإصفهاني

إنّ الإرادة التكوينية تتعلّق بفعل المريد نفسِه، والتشريعية تتعلّق بفعل الغير. ثمّ ذكر في توضيح الثانية ما هذا نصّه:

إنّ فعل الغير إذا كان ذا فائدة عائدة إلى الشخص، ينبعث من الشوق إلى تلك الفائدة، شوق إلى فعل الغير بملاحظة ترتّب تلك الفائدة العائدة إليه، وحيث إنّ فعل الغير ـ بما هو فعل اختياري له ـ ليس بلا واسطة مقدوراً للشخص، بل يتبع البعث والتحريك إليه، لحصول الداعي للغير فلا محالة ينبعث للشخص(الآمر) شوق إلى ما يوجب حصول فعل الغير اختياراً وهو


(182)

تحريكه إلى الفعل.

فالإرادة التشريعية ليست ما تعلّق بالتحريك والبعث فانّهما من أفعاله(1)، فلا مقابلة بين التشريعية والتكوينية، بل التشريعية من الشوق المتعلّق بفعل الغير اختياراً، وأمّا إذا لم يكن لفعل الغير فائدة عائدة إلى الشخص فلا يعقل تعلّق الشوق به بداهة انّ الشوق النفساني لا يكون بلا داع.(2)

ولمّا كان تفسير الإرادة التشريعية بالشوق المتعلّق بفعل الغير اختياراً، موجباً لانتفاء الإرادة التشريعية في اللّه سبحانه، لعدم تعقـّل الشـوق فـي ساحتـه تعالى، حاول أن يفسّر الإرادة التشريعية بوجه، يناسب ساحته تعالى و قال:

نعم من جملة النظام التام ـ الذي لا أتمّ منه ـ نظام إنزال الكتب وإرسال الرسل والتحريك إلى ما فيه صلاح العباد، والزجر عمّا فيه الفساد، فالمراد بالإرادة الذاتيّة بالعرض لا بالذات، هذه الأُمور دون متعلّقاتها فلا أثر للإرادة التشريعية في صفاته الذاتية; كما في الخبر الشريف المروي في توحيد الصدوققدَّس سرَّه بسنده عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ قال ـ عليه السَّلام ـ :«إنّ للّه إرادتين ومشيّتين: إرادة حتم وإرادة عزم، ينهى وهو يشأ، و يأمر وهو لا يشأ» الخ، وهو ظاهر في أنّ الإرادة التشريعية حقيقتها الأمر والنهي، وانّ حقيقة الإرادة والمشيئة هي الإرادة التكوينية.(3)


1- أي ليست الإرادة التشريعية هي الإرادة المتعلّقة بالبعث، إذ على هذا لا تبقى مقابلة بين الإرادتين حيث تتعلّقان بفعل الآمر.
2- نهاية الدراية:1/280ـ 281.
3- نهاية الدراية:1/281ـ 282، الطبعة المحقّقة.


(183)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الإرادة التكوينية وإن كانت تقابل الإرادة التشريعية لكن التقابل لا يقتضي تفسير الأُولى بما يتعلّق بفعل المريد، والأُخرى بما يتعلّق بفعل الغير، بل يكفي وجود التغاير بينهما في خصوصيات المتعلّق بأن يقال: انّ الإرادة مطلقاً في التكوينية والتشريعية تتعلّق بفعل النفس والمريد; غاية الأمر انّه لو كان متعلّقها إيجاد شيء في الخارج كالأكل والشرب توصف بالتكوينية، ولو كان متعلّقها بعث المكلّف إلى إيجاد شيء في الخارج تسمّى تشريعية، وبذلك يظهر عدم صحّة قوله: فالإرادة التشريعية ليست ما تتعلّق بالتحريك والبعث فانّهما من أفعاله فلا مقابلة (أي يلزم عدم المقابلة) بين الإرادتين، لما عرفت من أنّه يكفي في التقابل، وجود الاختلاف في خصوصيات المتعلّق بعد اشتراكهما في كون المتعلّق فيهما هو فعل المريد، غاية الأمر ينقسم فعل المريد إلى قسمين، كما عرفت.

وثانياً: أنّ لازم تفسير التشريعية بالشوق إلى فعل الغير لما فيه فائدة عائدة إلى الشخص المريد، هو كون الإرادة التكوينية أيضاً من مقولة الشوق، وقد عرفت أنّ الإرادة ليست من مقولة الشوق، وربّما يكون هنا شوق ولا إرادة كما تكون إرادة ولا يكون شوق.

وثالثاً: أنّ تقسيم الإرادة إلى التكوينية والتشريعية في مورده سبحانه والإنسان بملاك واحد، وهو إن تعلّقت الإرادة بإيجاد الشيء تكويناً، فالإرادة تكوينية مطلقاً في المالك والمملوك، وإن تعلّقت بالإنشاء والبعث فهي تشريعية كذلك، و هذا بخلاف ما أفاده قدَّس سرَّه حيث فسّر الإرادة التكوينية: بحبه بذاته لذاته، وحبه لأفعاله بالعرض، وأمّا الإرادة التشريعية فهي عبارة عن إرسال الرسل وإنزال الكتب.


(184)

رابعاً: انّ إرسال الرسل وإنزال الكتب من مظاهر الإرادة التكوينية، حيث إنّها عبارة عن ابتهاج الواجب ذاته بذاته وابتهاجه بأفعاله وما يدخل في دار الوجود، بالعرض، ومن أفعاله إرسال الرسل وإنزال الكتب ومعه كيف عدّهما من مظاهر الإرادة التشريعية؟!

الثالثة: نظرية العلاّمة الطباطبائي

وحاصل النظرية عبارة عمّا ذكرناه في نقد نظرية المحقّق الإصفهاني من أنّه لا فرق بين الإرادة التكوينية والتشريعية في أنّ كليهما يتعلّقان بفعل المريد، غاية الأمر إن تعلّقت بفعل المريد غير البعث والزجر فهي إرادة تكوينية، وإن تعلّقت ببعث الغير وزجره عن الشيء فهي إرادة تشريعية، فمتعلّق الإرادتين في الحقيقة فعل المريد; غاية الأمر انّ المتعلّق إن كان الفعل الخارجي فهو إرادة تكوينية، وإن تعلّقت بإنشاء البعث والزجر الذي هو أيضاً فعل المريد فالإرادة تشريعية.

قالقدَّس سرَّه معلّقاً على قول صاحب الكفاية«المستتبع لأمر عبيده به فيما لو أراده لا كذلك» ما هذا لفظه: إنّ الإرادة في استتباعها لأمر العبيد من قبيل إرادة الفعل بالمباشرة، وأمّا بالنسبة إلى إرادة فعل العبد مثلاً فلا إرادة في النفس تتعلّق بفعل الغير، بل إنّما هي إرادة إنشائية وتسميتها إرادة متعلّقة بفعل الغير مجاز أو مسامحة، لمكان التلبّس الواقع بين الأمر والمأمور به.

وبه يتبيّن انّ القول بتعلّق الإرادة بفعل المأمور به مسامحة أو خطأ واضح تابع من الاتّحاد المتوهّم بين الأمر والمأمور به، وذلك انّ الإرادة حيثية حقيقية رابطة بين الذات المريدة وفعلها القائم بها، وأمّا النفس وفعل غيرها فلا رابطة


(185)

بينهما حتّى يتوسط بينهما حيثية الإرادة، فالإرادة المتعلّقة بفعل المأمور توهّماً متعلّقة بالحقيقة بأمره بالفعل فتنسب إلى نفس الفعل مجازاً، أو انّ إرادة الأمر لتعلّقها بفعل ما(البعث) له ارتباط بفعل المأمور تعد متعلّقة بنفس فعل المأمور تجوّزاً، كما يقال: أردت الخبز وإنّما أراد أكله، وهذا النحو من الاسناد أو النسبة كثير الدوران في الاستعمال.(1)

وحاصل تلك النظرية: انّ تقسيم الإرادة إلى التكوينية والتشريعية صرف اصطلاح نشأ من غرض خاص، وإلاّ فالإرادة في كلا القسمين تتعلّق بفعل المريد، إذ يمتنع أن تتعلّق الإرادة بفعل الغير، لأنّها لا تتعلّق إلاّ بما كان تحت اختيار المريد وفعل الغير خارج عن اختياره فكيف تتعلّق إرادته به؟! هذا ما بعث السيد العلاّمة الطباطبائي إلى القول بأنّ كلا القسمين من نسيج واحد، وإنّما الاختلاف في المراد، فتارة يكون المراد أمراً تكوينياً، وأُخرى أمراً اعتبارياً كإنشاء البعث المنتزع من الأمر.

وبعبارة أُخرى: إنّ الإنسان بما انّه طالب للكمال ربّما يقوم بالفعل بنفسه الذي يرى فيه الكمال وربّما يستخدم الغير لأجل تبسيط قدرته ونيل الكمال المطلوب عن طريقه، فتكون الغاية من الإرادة التشريعية هو الوصول إلى الكمال المطلوب عن طريق استخدام الغير وبعثه نحو المراد.

هذه هي الإرادة التشريعية الإنسانية، وأمّا الإرادة التشريعية الإلهية فهي أجل من أن تكون لتلك الغاية، لأنّه كمال مطلق لا يتطرّق إليه النقص ولا يتصوّر فوقه كمال، إنّما الغاية لأمره ونهيه هو إيصال المأمور إلى الكمال، وعلى هذا فالإرادة التشريعية في عامّة المراتب بمعنى واحد غير أنّ الغاية


1- حاشية الكفاية، للعلاّمة الطباطبائي:78.


(186)

تختلف في الإنسان وغيره، فالغرض منها في الإنسان هو طلب الكمال لنفسه وفي حقّه سبحانه هو إيصال الغير إلى الكمال.

تمّ تحرير الرسالة حول الإرادة الإلهية

في السابع والعشرين من شهر ربيع الأوّل

من شهور عام 1423هـ.

وآخر دعوانا

أن الحمد للّه ربّ العالمين


(187)

5

الرؤية في الكتاب والسنّة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدللّه المعروف من غير رؤية، والخالق من غير رويّة، والصلاة والسلام على خير خلقه وصفوة رسله، وعلى آله الطيّبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين.

أمّا بعد، فهذه رسالة موجزة حول رؤية اللّه سبحانه في الدارين التي أثارت ضجة كبيرة في الأوساط الإسلامية، فالمفكِّرون الواعون على تنزيهه سبحانه عن التجسيم والتشبيه والجهة والرؤية،ومقلِّدة أخبار الآحاد والمخدوعون بالإسرائيليات على جواز الرؤية في الآخرة. ورائدنا في الرسالة، الكتاب، والسنّة الصحيحة، والعقل الصريح الذي به عرفنا اللّه سبحانه و صفاته وأنبياءه ويأتي كلامنا فيها ضمن فصول:


(188)

1

الرؤية فكرة يهودية مستوردة

لما انتشر الإسلام في الجزيرة العربية وضرب بجرانه أراضيها، ودخل الناس في الإسلام زرافات ووحداناً، لم تجد اليهود والنصارى محيصاً إلاّ الاستسلام للأمر الواقع، فدخلوا في الإسلام متظاهرين به غير معتقدين غالباً، إلاّ من شملتهم العناية الإلهية منهم و كانوا قليلين، ولكن الأغلبية الساحقة منهم خصوصاً الأحبار والرهبان بقوا على ما كانوا عليه من العقائد.

كانت الأحبار والرهبان عارفين بما في العهدين من القصص والحكايات والأُصول والعقائد، فعمدوا إلى نشرها بين المسلمين بخداع خاص وبطريقة علمية، وكانت السذاجة سائدة على أكثر المسلمين فزعموهم علماء ربانيّين يحملون العلم، فأخذوا منهم ما يلقون، بقلب واع ونيّة صادقة، فأوجد ذلك أرضية صالحة لنشر القصص الخرافية والعقائد الباطلة خصوصاً فيما يرجع إلى التجسيم والتشبيه وتحقير الأنبياء في أنظار المسلمين بإسناد المعاصي الموبقة إليهم ، ولم تكن رؤية اللّه بأقلّ ممّا سبق في تركيزهم عليها، فما ترى في كتب الحديث قديماً وحديثاً من الأخبار الكثيرة حول التجسيم والتشبيه والرؤية ونسبة المعاصي إلى الأنبياء والتركيز على القدر والقضاء السالبين للاختيار، فكلّها من آفات المستسلمة من اليهود والنصارى، فحسبها بعض السلف حقائق راهنة وقصصاً صادقة، فتلقّوها


(189)

بقبول حسن ونشروها بين الخلف، ودام الأمر على ذلك حتّى يومنا هذا. ويكفيك الحديث التالي:

قصد الحنابلة الإمام العلاّمة محمد بن جرير الطبري يوم الجمعة في الجامع وسألوه عن حديث جلوسه سبحانه على العرش ، فقال أبو جعفر: أمّا أحمد بن حنبل فلا يعدّ خلافه، فقالوا له: فقد ذكره العلماء في الاختلاف; فقال: ما رأيته روي عنه، ولا رأيت له أصحاباً يعوّل عليهم، وأمّا حديث الجلوس على العرش فمحال، ثمّ أنشد:

سبحان من ليس له أنيس * ولا له في عرشه جليس

فلما سمعوا ذلك وثبوا فرموه بمحابرهم، وقد كانت أُلوفاً، فقام بنفسه ودخل داره فردموا داره بالحجارة حتّى صار على بابه كالتل العظيم، وركب «نازوك» صاحب الشرطة في عشرات أُلوف من الجند يمنع عنه العامّة، ووقف على بابه إلى الليل، وأمر برفع الحجارة عنه، وكان قد كتب على بابه البيت المتقدّم فأمر «نازوك» بمحو ذلك، وكتب مكانه بعض أصحاب الحديث:

لأحمدَ منزلٌ لا شكَّ عَال * إذا وَافى إلى الرحمن وافِدْ

فيُدْنيه ويقعده كريماً * على رغم لهم في أنفِ حاسِدْ

عَلى عرشِ يُغَلِّفُهُ بطيب * على الأكبادِ من بَاغ وعَانِدْ


(190)

له هذا المُقامُ يكونُ حقا * كَذاكَ رواه ليثٌ عن مُجَاهِدْ(1)

أهكذا يُتعامل مع إمام كبير وفقيه عظيم، ومحدّث بصير مثل الطبري ولا ذنب له إلاّ أنّه إمام مفكّر، لا يؤمن بأساطير اليهود، و إن تلقّاها «مجاهد» ونظراؤه حقيقة راهنة؟!

ومن العوامل التي فسحت المجال للأحبار والرهبان لنشر ما في العهدين بين المسلمين، حظر تدوين حديث الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونشره ونقله والتحدّث به أكثر من مائة سنة، فأوجد الفراغ الذي خلفه هذا العمل، أرضية مناسبة لظهور بدع يهودية ونصرانية، وسخافات مسيحية وأساطير يهودية خصوصاً من قبل كهنة اليهود و رهبان النصارى.

يقول الشهرستاني: وضع كثير من اليهود الذين اعتنقوا الإسلام أحاديث متعدّدة في مسائل التجسيم والتشبيه، وكلّها مستمدة من التوراة.(2)

قال ابن خلدون: إنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنّما غلبت عليهم البداوة والأُمّية، وإذا تشوّقوا إلى معرفة شيء ممّا تتوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكوّنات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم و هم أهل التوراة من اليهود و من تبع دينهم من النصارى مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه و عبد اللّه بن سلام و أمثالهم


1- قال الطبري في التفسير: حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي قال: حدثنا ابن فضيل عن ليث عن مجاهد في قوله: عسى الخ قال: يجلسه معه على عرشه. لاحظ مقدمة اختلاف الفقهاء للطبري:11.
2- الملل والنحل:1/117.


(191)

فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم، و تساهل المفسرون في مثل ذلك وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها كلّها كما قلنا من التوراة أو ممّا كانوا يفترون.(1)

ومن أكابر أحبار اليهود الذين تظاهروا بالإسلام هو كعب الأحبار، فقد خدع عقول المسلمين وحتى الخلفاء والمترجمين له من علماء الرجال، وقد أسلم في زمن أبي بكر، وقدم من اليمن في خلافة عمر فأخذ عنه الصحابة وغيرهم.

قال الذهبي: العلاّمة الحبر الذي كان يهودياً فأسلم بعد وفاة النبيّ، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر، وجالس أصحاب محمد، فكان يحدّثهم عن الكتب الإسرائيلية ويحفظ عجائب ـ إلى أن قال: ـ حدّث عنه أبو هريرة ومعاوية وابن عباس وذلك من قبيل رواية الصحابي عن تابعي وهو نادر عزيز، وحدّث عنه أيضاً أسلم «مولى عمر» وتبيع الحميري ابن امرأة كعب، وروى عنه عدّة من التابعين كعطاء بن يسار وغيره مرسلاً، وقع له رواية في سنن أبي داود والترمذي والنسائي.(2)

وعرّفه الذهبي أيضاً في بعض كتبه بأنّه من أوعية العلم.(3)

فقد وجد الحبر الماكر جوّاً ملائماً لنشر الأساطير والقصص الوهمية، وبذلك بثّ سمومه القتّالة بين الصحابة والتابعين، وقد تبعوه وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً.

وقد تنبّه إلى جسامة الخسارة التي أحدثها ذلك الحبر، لفيف من السابقين،


1- مقدّمة ابن خلدون: 439.
2- سير أعلام النبلاء: 3/489.
3- تذكرة الحفّاظ: 1/52.


(192)

منهم ابن كثير في تفسيره حيث إنّه بعد ما أورد طائفة من الأخبار في قصة ملكة سبأ مع سليمان ـ عليه السَّلام ـ قال: والأقرب في مثل هذه السياقات أنّها متلقّاة عن أهل الكتاب، ممّا وجد في صحفهم كروايات كعب ووهب ـ سامحهما اللّه تعالى ـ في ما نقلاه إلى هذه الأُمّة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب ممّا كان وما لم يكن، وممّا حُرِّف وبُدِّل ونُسِخَ، وقد أغنانا اللّه سبحانه عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ.(1)

والذي يدلّ على عمق مكره وخداعه لعقول المسلمين أنّه ربّما ينقل شيئاً من العهدين، وفي الوقت ذاته نرى أنّ بعض الصحابة الذين تتلمذوا على يديه وأخذوا منه، ينسب نفس ما نقله«كعب» إلى الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، والذي يبرّر ذلك العمل حسن ظنّهم وثقتهم به، فحسبوا المنقول شيئاً صحيحاً، فنسبوه إلى النبيّ، زاعمين أنّه إذا كان كعب الأحبار عالماً به، فالنبيّ أولى بالعلم منه.

فإن كنت في شكّ من ذلك فاقرأ نصّين في موضوع واحد أحدهما للإمام الطبري في تاريخه ينقله عن كعب الأحبار في حشر الشمس والقمر يوم القيامة، والآخر للإمام ابن كثير صاحب التفسير ينقله عن أبي هريرة عن النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ومضمون الحديث ينادي بأعلى صوته بأنّه موضوع مجعول على لسان الوحي نشره الحبر الخادع وقَبِلَه الساذج من المسلمين ونسبه إلى نبي الإسلام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

1.قال الطبري: عن عكرمة قال: بينا ابن عباس ذات يوم جالس إذ جاءه رجل فقال: يا ابن عباس سمعتُ العجب من كعب الحبر يذكر في الشمس والقمر قال: وكان متّكئاً فاحتفر ثم قال: وما ذاك؟ قال: زعم يُجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنّهما ثوران عقيران فيُقذفان في جهنم، قال عكرمة: فطارت


1- ابن كثير: التفسير، قسم سورة النمل: 3/339.


(193)

من ابن عباس شفة ووقعت أُخرى غضباً، ثم قال: كذب كعب، كذب كعب، كذب كعب، ثلاث مرّات، بل هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام، اللّه أجلّ وأكرم من أن يعذّب على طاعته، ألم تسمع قول اللّه تبارك وتعالى: (وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْـنِ) إنّما يعني دؤوبهما في الطاعة، فكيف يعذِّب عبـدين يُثنـي عليهما أنّهما دائبان في طاعتـه. قاتلَ اللّه هذا الحبر وقبّح حبريته، ما أجـرأه على اللّه وأعظم فريته على هـذين العبدين المطيعين للّه، قـال: ثم استرجع مراراً.(1)

2. قال ابن كثير: روى البزار عن عبد العزيز بن المختار قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن في هذا المسجد مسجد الكوفة، وجاء الحسن فجلس إليه فحدث قال: حدثنا أبو هريرة أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «إنّ الشمس والقمر ثوران في النار عقيران يوم القيامة» فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أُحدثك عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وتقول أحسبه قال: وما ذنبهما؟! ثمّ قال: لا يروى عن أبي هريرة إلاّ من هذا الوجه.(2)

إنّ كعب الأحبار لمّا أسلم بعد رحيل الرسول لم يتمكّن من إسناد ما رواه من الأسطورة إلى النبيّ الأكرم، ولو كان مدركاً لحياته وإن كان قليلاً لنسبها إليه ولكن حالت المشيئة الإلهية دون أمانيّه الباطلة.

ولكنّ أبا هريرة لمّا صحب النبي واستحسن الظن بكعب الأحبار ـ أُستاذه في الأساطير ـ نسب الرواية إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

هذا نموذج قدّمته إلى القارئ لكي يقف على دور الأحبار والرهبان في نشر


1- الطبري: التاريخ: 1/44، ط بيروت.
2- ابن كثير: التفسير: 4/475، ط دار الاحياء.


(194)

البدع اليهودية والنصرانية بين المسلمين، ولا يُحسن الظن بمجرّد النقل بلا تأكيد من صحته.

هذا غيض من فيض وقليل من كثير ممّا لعب به مستسلمة اليهود والنصارى في أحاديثنا وأُصولنا، ولولا أنّ اللّه سبحانه قيّض في كل آونة رجالاً مصلحين كافحوا هذه الخرافات وأيقظوا المسلمين من السبات، لذهبت هذه الأساطير بروعة الإسلام وصفائه وجلاله.


(195)

2

الرؤية في العهد القديم

قد سبق انّ الرؤية فكرة مستوردة أدخلها مستسلمة أهل الكتاب بين المسلمين ونشروها بينهم حتّى صارت عقيدة إسلامية ربما يُكفّر من ينكرها، وقد استمد الأحبار والرهبان في نشر تلك الفكرة من العهدين المتوافرين بين أيديهم، و ها نحن نذكر نصوصاً من العهد القديم حول الرؤية ليتّضح صدق ما قلناه.

1. وقال (الرب) لا تقدر أن تَرى وجهي لأنّ الإنسان لا يراني ويعيش. قال الرب هو ذا عندي مكان، فتقف على الصخرة، ويكون من اجتاز مجدي أني أضعك في نقرة من الصخرة وأترك بيدي حتّى أجتاز، ثمّ أرفع يدي فتنظر ورائي و أمّا وجهي فلا يُرى .

سفر الخروج آخر الاصحاح الثالث والثلاثين.

وعلى هذا فالرب يُرى قفاه ولا يرى وجهه.

2. رأيت السيد جالساً على كرسي عال ... فقلت ويل لي لأنّ عيني قد رأتا الملك رب الجنود.

سفر أشعيا الاصحاح 6 الفقرة 1ـ6.

والمقصود من السيد هو اللّه جلّ ذكره.


(196)

3. كنت أرى انّه وضعت عروش وجلس القديم الأيام، لباسه أبيض كالثلج وشعر رأسه كالصوف النقي وعرشه لهيب نار.

سفر دانيال الاصحاح 7 الفقرة 91.

4. أمّا أنا فبالبرّ أنظر وجهك.

مزامير داود الاصحاح 17 الفقرة15.

5. فغضب الرب على سليمان لأنّ قلبه مال عن الرب إله إسرائيل الذي تراءى له مرتين.

سفر الملوك الأوّل الاصحاح 11 الفقرة 9.

وقد رأيت الرب جالساً على كرسيه و كلّ جند البحار وقوف لديه.

سفر الملوك الأول الاصحاح 22 الفقرة 19.

6. كان في سنة الثلاثين في الشهر الرابع في الخامس من الشهر وأنا بين المسبيين عند نهر خابور، انّ السماوات انفتحت فرأيت رؤى اللّه ـ إلى أن قال ـ هذا منظر شبه مجد الرب، ولمّا رأيته خررت على وجهي و سمعت صوت متكلّم.

سفر حزقيال الاصحاح 1، الفقرة 1ـ28.

هذه نماذج ممّا في العهد القديم حول الرؤية، وعليه اعتمد الحبر الماكر في نشر أفكاره، و قد كان يركّز على فكرتين يهوديتين.

الأُولى: فكرة التجسيم.

الثانية: رؤية اللّه.

يقول في الفكرة الأُولى: إنّ اللّه تعالى نظر إلى الأرض فقال: إنّي واطئ على بعضك.فاستعلت إليه الجبال، وتضعضعت له الصخرة، فشكر لها ذلك فوضع


(197)

عليها قدمه فقال: هذا مقامي، ومحشر خلقي و هذه جنتي و هذه ناري، و هذا موضع ميزاني، و أنا ديان الدين.(1)

ففي هذه الكلمة من هذا الحبر تصريح على تجسيمه تعالى أوّلاً، و تركيز على أنّ الجنة والنار وا لميزان ستكون على هذه الأرض، ومركز سلطانها سيكون على الصخرة، و هذا من صميم الدين اليهودي المحرّف. هذا حول التجسيم.

وأمّا تركيزه على الرؤية فقد أشاع فكرة التقسيم، فقال: إنّ اللّه تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى و محمد، و منه انتشرت هذه الفكرة، أي فكرة التقسيم بين المسلمين.(2)

ومن أعظم الدواهي انّ الرجل تزلّف إلى الخلفاء في خلافة عمر و عثمان و حدّث عن الكثير من القصص الخرافية، و بعدما توفّي عثمان تزلّف إلى معاوية و نشر في عهده ما يؤيد به ملكه و دولته، و من كلماته في حقّ الدولة الأموية، يقول: مولد النبي بمكة، و هجرته بطيبة، وملكه بالشام.(3)

وبذلك أضفى على الدولة الأموية صبغة شرعية، وجعل ملكهم وسلطتهم امتداداً لملك النبي وسلطته.

إنّ فكرة الرؤية تسرّبت إلى المسلمين من المتظاهرين بالإسلام كالأحبار و الرهبان، و صار ذلك سبباً لجرأة طوائف من المسلمين على جعلها في ضمن العقيدة الإسلامية(4)، بحيث يكفر منكرها أحياناً و يفسق، و لمّا صارت تلك


1- حلية الأولياء لابن نعيم الاصفهاني:6/20.
2- شرح نهج البلاغة:3/237.
3- الدارمي في السنن:1/5.
4- مقالات الإسلاميين رسالة الأشعري في عقيدة أهل الحديث، الفقرة21.


(198)

العقيدة راسخة في القرنين الثاني والثالث بين المسلمين، عاد المتكلّمون المحقّقون للبرهنة والاستدلال على بطلان الفكرة من الكتاب أوّلاً و السنّة ثانياً، ولولا رسوخها بينهم لما تحمّلوا عبء الاستدلال وجهد البرهنة، و سوف يوافيك أنّ الكتاب العزيز يردُّ فكرة الرؤية ويستعظم أمرها وينكرها ويستفظعها بشدة وحماس، وما استدلّ به على جواز الرؤية من الكتاب فلا مساس له بالموضوع، فانتظر حتّى يأتيك البيان.


(199)

3

الرؤية في منطق العلم والعقل

إنّ الرؤية في منطق العلم والعقل لا تتحقّق إلاّ إذا كان الشيء مقابلاً أو حالاًّ في المقابل، من غير فرق بين تفسيرها حسب رأي القدماء أو حسب العلم الحديث، فإنّ القدماء كانوا يفسرون الرؤية على النحو التالي:

إنّها عبارة عن خروج الشعاع من العين وسقوطه على الأشياء ثمّ انعكاسه عن الأشياء فرجوعه إلى العين وعندئذ تتحقق الرؤية، ولكن العلم الحديث كشف بطلان هذا التفسير، و قال:

إنّها عبارة عن صدور الأشعة من الأشياء ودخولها إلى العين عن طريق عدستها وسقوطها على شبكية العين فتتحقّق الرؤية.

وعلى كلّ تقدير فالضرورة قاضية على أنّ الإبصار بالعين متوقّف على حصول المقابلة بين العين والمرئي، أو حكم المقابلة كما في رؤية الصور في المرآة، و هذا أمر تحكم به الضرورة وإنكاره مكابرة واضحة، فإذا كانت ماهية الرؤية هي ما ذكرناه فلا يمكن تحقّقها فيما إذا تنزّه الشيء عن المقابلة أو حكمها.

وبعبارة واضحة: انّ العقل والنقل اتّفقا على كونه سبحانه ليس بجسم ولا جسماني ولا في جهة، والرؤية فرع كون الشيء في جهة خاصة، وما شأنه هذا لا يتعلّق إلاّ بالمحسوس لا المجرد.


(200)

المحاولة اليائسة في تجويز الرؤية

إنّ مفكّري الأشاعرة الذين لهم أقدام راسخة في المسائل العقلية لمّا وقفوا أمام هذا الدليل ذهبوا يميناً و يساراً للجمع بين الرؤية والتنزيه، وإليك بيان ذلك:

1. الرؤية بلا كيف

هذا العنوان هو الذي يجده القارئ في كتب الأشاعرة وربّما يعبر عنه خصومهم بـ«البلكفة» ومعناه انّ اللّه تعالى يُرى بلا كيف و أنّ المؤمنين في الجنة يرونه بلا كيف، أي منزّهاً عن المقابلة والجهة والمكان.

يلاحظ عليه: أنّ تمنّي الرؤية بلا مقابلة ولا جهة ولا مكان، أشبه برسم أسد بلا رأس ولا ذنب على جسم بطل، فالرؤية التي لا يكون المرئي فيها مقابلاً للرائي ولا متحقّقاً في مكان ولا متحيزاً في جهة كيف تكون رؤية بالعيون والأبصار؟!

والحقّ أنّ قول الأشاعرة كأهل الحديث «بلا كيف» مهزلة لا يُعتمد عليها، فانّ الكيفية ربما تكون من مقوّمات الشيء و لولاها لما كان له أثر، فمثلاً يقولون: إنّ للّه يداً و رجلاً و عيناً وسمعاً بلا كيف، ويصرحون بثبوت واقعيات هذه الصفات حسب معانيها اللغوية للّه سبحانه لكن بلا كيفية.

وهذا كما ترى، فإنّ اليد في اللغة العربية وضعت للجارحة حسب ما لها من الكيفية، فإثبات اليد للّه بالمعنى اللغوي مع حذف الكيفية، يكون مساوياً لنفي معناها اللغوي و يكون راجعاً إلى تفسيرها بالمعاني المجازية التي يفرّون منها فرار المزكوم من المسك، و مثله القدم والوجه.

وبعبارة أُخرى: انّ الحنابلة والأشاعرة يصرّون على أنّ الصفات الخبرية


(201)

كاليد والرجل والقدم و الوجه في الكتاب والسنّة يجب ان تفسر بنفس معانيها اللغوية، ولا يجوز لنا حملها على معانيها المجازية كالقدرة في اليد مثلاً، و لمّا رأوا انّ ذلك يلازم التجسيم التجأوا إلى قولهم: يد بلا كيف أو وجه بلا كيف، ولكنّهم مادروا انّ الكيفية في اليد والوجه وغيرهما مقوّمة لمفاهيمها، فنفي الكيفية يساوق نفي المعنى اللغوي، فكيف يمكن الجمع بين المعنى اللغوي والحمل عليه بلا كيف؟! ومنه يعلم حال الرؤية بالبصر والعين فإنّ التقابل مقوّم لمفهومها، فإثباتها بلا كيف يلازم نفي أصل الرؤية، و الكلام في المقام إنّما هو النظر بالبصر والرؤية بالعين، لا الرؤية بالقلب أو في النوم فانّها خارجة عن محط البحث.

2. اختلاف الأحكام باختلاف الظروف

إنّ بعض المثقّفين من الجدد لمّا وجدوا انّ الرؤية لا تنفك عن الجهة التجأوا إلى القول بأنّ كلّ شيء في الآخرة غيره في الدنيا، ولعلّ الرؤية تتحقّق في الآخرة بلا هذا اللازم السلبي. وهذا ما سمعته عن بعض المشايخ في دمشق.

يلاحظ عليه: بأنّه رجم بالغيب، فإن أرادوا من المغايرة بأنّ الآخرة ظرف للتكامل وانّ الأشياء توجد في الآخرة بأكمل وجودها وأمثلها، فهذا لا مناقشة فيه، يقول سبحانه: (كُلّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرة رِزقاً قالُوا هذا الَّذي رُزِقنا مِنْ قَبلُ وأُوتُوا بِهِ مُتشابهاً).(1) وإن أرادوا انّ القضايا العقلية البديهية تتبدّل في الآخرة إلى نقيضها، فهذا يوجب انهيار النُّظم الكلامية والأساليب العلمية التي يعتمد عليها المفكّرون من أتباع الشرائع وغيرهم، إذ معنى ذلك انّ النتائج المثبتة في جدول الضرب سوف تتبدّل في الآخرة إلى ما يباينها، فتكون النتيجة ضرب 2*2=5 أو


1- البقرة:25.


(202)

10 أو...و انّ قولنا: «كلّ ممكن يحتاج إلى علّة» يتبدّل في الآخرة إلى أنّ الممكن غني عن العلّة، فعند ذلك لا يستقر حجر على حجر و تنهار جميع المناهج الفكرية، ويصير الإنسان سوفسطائيا.

3. عدم الاكتراث عن إثبات الجهة

إنّ أساتذة الجامعات الإسلامية في الرياض ومكة المكرمة والمدينة المنورة بدل أن يُجهدوا أنفسهم في فهم المعارف ويتجردوا في مقام التحليل عن الآراء المسبقة، نرى أنّهم يدعمون شباب الجامعات و خرّيجيها بدعم مالي وفكري ليجمعوا من هنا و هناك أُموراً حول الرؤية، ليخرجوا بنتيجة هي إثبات الجهة للّه حتّى يتسنّى لهم إثبات الرؤية، و هذا العمل أشبه بدفع الفاسد بالأفسد، وإن كنت في شك من ذلك فاستمع لما يلي:

يقول الدكتور أحمد بن محمد آل حمد خريج جامعة أُم القرى: إنّ إثبات رؤية حقيقيّة بالعيان من غير مقابلة أو جهة، مكابرة عقلية لأنّ الجهة من لوازم الرؤية، وإثبات اللزوم ونفي اللازم مغالطة ظاهرة.

ومع هذا الاعتراف تخلّص عن الالتزام بإثبات الجهة للّه بقوله: إنّ إثبات صفة العلو للّه تبارك و تعالى ورد في الكتاب والسنّة في مواضع كثيرة جدّاً، فلا حرج في إثبات رؤية اللّه تعالى في هذا العلو الثابت له تبارك وتعالى، ولا يقدح هذا في التنزيه، لأنّ من أثبت هذا أعلم البشر بما يستحقّ اللّه تعالى من صفات الكمال.

أمّا لفظة الجهة فهي من الألفاظ المجملة التي لم يرد نفيها ولا إثباتها بالنص فنأخذ حكم مثل هذه الألفاظ.(1)


1- رؤية اللّه تعالى: 61، نشر معهد البحوث العلمية في مكة المكرمة.


(203)

يلاحظ عليه:

أوّلاً: من أين ادّعى انّ الكتاب والسنّة أثبت العلو للّه الذي هو مساوق للجهة، فإن أراد قوله سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرش) فقد حقّق في محلّه بأنّ استواءه على العرش كناية عن استيلائه على السماوات والأرض، وعدم عجزه عن التدبير، وأين هو من إثبات العلوّ للّه؟! وقد أوضحنا مفاد هذه الآيات في أسفارنا الكلامية.(1)

وإن أراد ما جمعه ابن خزيمة وأضرابه من حشويات المجسّمة والمشبّهة، فكلّها بدع يهودية أو مجوسية تسرّبت إلى المسلمين يرفضها القرآن الكريم وروايات أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ .

ثانياً: إذا افترضنا صحّة كونه موجوداً في جهة عالية ينظر إلى السماوات والأرض، فكيف يكون محيطاً بكل شيء وموجوداً مع كلّ شيء؟! (وهُوَ مَعَكُمْ أَيْن ما كُنتم) (2) فإذا كان هذا معنى التنزيه فسلام اللّه على التجسيم، ولعلّ شاعر المعرة تمنّى الموت أمام أمثال هذه الأقوال والآراء وقال:

يا موت زر إنّ الحياة ذميمة * ويا نفس جدي إنّ دهرك هازل

أقول: إنّ الذي تستهدفه رسالات السماء كان يتلخّص في توحيده سبحانه وأنّه واحد لا نظير له ولا مثيل أوّلاً، وتنزيهه سبحانه عن مشابهة الممكنات والموجودات ثانياً.

لكنّ لفيفاً من أصحاب الحديث بعد رحيل الرسول توغّلوا في وحل الشرك والتجسيم وأبطلوا كلتا النتيجتين; فقالوا بحماس بقدم القرآن وعدم حدوثه،


1- الإلهيات:1/330ـ 340.
2- الحديد:4.


(204)

فأثبتوا بذلك مِثْلاً للّه في الأزلية وكونه قديماً كقدمه سبحانه.

وأثبتوا للّه سبحانه العلو والجهة اغتراراً ببعض الظواهر والأحاديث المستوردة، فأبطلوا بذلك تنزيهه سبحانه وتعاليه عن مشابهة المخلوقات.

فخالفوا رسالات السماء في موردين أصليّين:

1. التوحيد، بالقول بقدم القرآن.(1)

2. التنزيه بإثبات الجهة والرؤية.

(كالَّتي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوّة أنْكاثاً) . (2)


1- القول بقدم القرآن غير القول بقدم علمه سبحانه، والثاني صحيح لا ريب فيه، وأمّا الأمر الأوّل فهو شرك وإثبات ندّ للّه سبحانه فلا يختلط عليك الأمر.
2- النحل : 92.


(205)

4

موقف الذِّكر الحكيم من أمر الرؤية إجمالاً

إنّ الذكر الحكيم يصف اللّه سبحانه بصفات تهدف جميعها إلى أنّه منزّه عن الجسم والجسمانية، وأنّه ليس له مثل ولا نظير، ولا ندّ ولا كفو، وأنّه محيط بكل شيء، ولا يحيطه شيء، إلى غير ذلك من الصفات المنزّهة التي يقف عليها الباحث عند جمع الآيات الواردة في هذا المجال، وبدورنا نشير إلى بعض منها:

قال سبحانه:

1. (فاطِرُ السَّمواتِ والأرضِ جَعلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الأنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فيهِ لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وهوَ السَّميعُ البَصيرُ).(1)

2. (قُلْ هُوَ اللّهُ أحدٌ * اللّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ * ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحَدٌ) .(2)

3. (هُوَ الأوّلُ والآخِرُ والظّاهرُ والباطِنُ وهُوَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ) .(3)

4. (هُوَ الَّذِي خَلقَ السَّمواتِ والأرضَ في سِتَّةِ أيّام ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرضِ وما يَخْرُجُ مِنْها وما يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهوَ


1- الشورى: 11 .
2- الإخلاص: 1ـ 4 .
3- الحديد:3.


(206)

مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنتُمْ واللّهُ بِما تَعمَلُونَ بَصِيرٌ).(1)

5.(هُوَ اللّهُ الَّذِي لا إلهَ إلاّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤمِنُ المُهَيْمِنُ العَزيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبحانَ اللّهِ عَمّـا يُشرِكُونَ).(2)

6.(هُوَ اللّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسماءُ الحُسنى يُسبِّحُ لَهُ ما في السَّمواتِ وَالأرضِ وَهُوَ العَزيزُ الحكيمُ) .(3)

7. (ما يَكونُ مِنْ نَجوى ثَلاثَة إلاّ هُوَ رابِعُهُم ولا خَمسة إلاّ هُوَ سادِسُهُمْ ولا أَدنى مِنْ ذلكَ ولا أكثرَ إلاّ هوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يومَ القِيامة إنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيء عَليمٌ).(4)

8. (ألا إنَّهُمْ في مِرْيَة مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَـيء مُحيطٌ).(5)

9. (اللّهُ لا إلهَ إلاّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَومٌ لَهُ ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَينَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ولا يُحِيطُونَ بِشَيء مِنْ عِلمِهِ إلاّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمواتِ والأرضَ ولا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وهوَ العَليُّ العَظيمُ).(6)

10. (لا تُدرِكُهُ الأبصارُ وهوَ يُدرِكُ الأبصارَ وهوَ اللَّطِيفُ الخَبيرُ ).(7)

وحصيلة هذه الآيات أنّه لا يوجد في صفحة الوجود له مثل، وهو أحد لا كفو له، لم يلد ولم يولد بل هو أزليّ، فبما أنّه أزليّ الوجود، فوجوده قبل كل شيء أي لا وجود قبله، وبما أنّه أبديّ الوجود فهو آخر كل شيء إذ لا وجود بعده، وبما أنّه


1- الحديد : 4.
2- الحشر : 23 .
3- الحشر : 24 .
4- المجادلة : 7.
5- فصلت:54.
6- البقرة : 255 .
7- الأنعام:103.


(207)

خالق السماوات والأرض فالكون قائم بوجوده فهو باطن كل شيء، كما أنّ النظام البديع دليل على وجوده فهو ظاهر كل شيء.

لا يحويه مكان لأنّه خالق السماوات والأرض وخالق الكون والمكان، فكانَ قبل أن يكون أيّ مكان، وبما أنّ العالم دقيقه وجليله، فقير محتاج إليه قائم به، فهو مع الأشياء معيّة قيومية لا معيّة مكانية، ومع الإنسان أينما كان. فلا يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعهم ولا خمسة إلاّ هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلاّ هو معهم أينما كانوا وذلك مقتضى كونه قيّوماً وما سواه قائماً به، ولا يمكن للقيوم الغيبوبة عمّـا قام به، وفي النهاية هو محيط بكل شيء لا يحيطه شيء، فقد أحاط كرسيّه السماوات والأرض، فالجميع محاط وهو محيط، ومن كان بهذه المنزلة لا تدركه الأبصار الصغيرة الضعيفة ولا يقع في أُفقها ولكنّه لكونه محيطاً ، يدرك الأبصار.

هذه صفاته سبحانه في القرآن ذكرناها على وجه الإيجاز وأوردناها بلا تفسير. وقد ثبت في محله أنّ من سمات العقيدة الإسلامية كونها عقيدة سهلة لا إبهام فيها ولا لُغز فلو وجدنا شيئاً في السنّة أو غيرها يصطدم بهذه الصفات فيحكم عليه بالتأويل إن صحّ السند، أو بالضرب عرض الجدار إن لم يصح، فمن تلا هذه الآيات وتدبّر فيها، يحكم بأنّه سبحانه فوق أن يقع في وهم الإنسان وفكره ومجال بصره وعينه; وعند ذلك لو قيل له: إنّه جاء في الأثر أنّكم سترون ربّكم يوم القيامة كما ترون هذا (البدر) لا تضامون في رؤيته(1) ، يتلقّاه أمراً مناقضاً لما تلا من الآيات أو استمع إليها، ويحدث في نفسه ويقول: الخالق البارئ الذي هو ليس بجسم ولا جسماني، لا يحويه مكان، محيط بالسماوات والأرض كيف يُرى يوم القيامة كالبدر


1- البخاري:الصحيح:4/200.


(208)

في جهة خاصة وناحية عالية مع أنّه كان ولا علو ولا جهة، بل هو خالقهما؟! وأين هذه الرؤية من وصفه سبحانه بأنّه لا يحويه مكان ولا يقع في جهة وهو محيط بكل شيء؟!

ولا يكون التناقض بين الوصفين بأقل من التناقض الموجود في العقيدة النصرانية من أنّه سبحانه واحد وفي الوقت نفسه ثلاثة، وكلّما حاول القائل بالرؤية الجمع بين العقيدتين، لا يستطيع أن يرفع التعارض والاصطدام بين المعرفتين في أنظار المخاطبين بهذه الآيات والرواية، ومن جرّد نفسه عن المجادلات الكلامية والمحاولات الفكرية للجمع بين المعرفتين يرى التعريفين متصادمين، فأين القول بأنّه سبحانه بعيد عن الحسّ والمحسوسات، منزّه عن الجهة والمكان، محيط بعوالم الوجود، من تنزيله سبحانه منزلة الحسّ والمحسوسات، واقعاً بمرأى ومنظر من الإنسان يراه ويُبصره كما يبصر البدر، يشاهده في أُفق عال؟! وقد تعرّفت على أنّ السهولة في العقيدة وخلوّها من الألغاز هو من سمات العقيدة الإسلامية، فالجمع بين المعرفتين كجمع النصارى بين كونه سبحانه واحداً وثلاثاً.

هذا من جانب، ومن جانب آخر نرى أنّه سبحانه كلّما طرح مسألة الرؤية في القرآن الكريم فإنّما طرحها باستعظام من أن ينالها الإنسان ويتلقّى سؤالها وتمنّيها من الإنسان أمراً فظيعاً وقبيحاً وتطلّعاً إلى ما هو دونه.

1. قال سبحانه: (وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرونَ * ثُمَّ بَعثناكُمْ مْن َبعدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرونَ).(1)

2. وقال سبحانه: (يَسأَلُكَ أهْلُ الكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ


1- البقرة:55 ـ 56 .


(209)

فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أكبَرَ مِنْ ذلكَ فَقالُوا أرِنَا اللّهَ جَهْرَةً فَأَخذتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِنْ بَعدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلكَ وآتَينا مُوسى سُلطاناً مُبِيناً).(1)

3. وقال سبحانه: (ولَمّا جاءَ مُوسى لمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ قَالَ لَنْ تَرانِي ولكِنِ انْظُرْ إلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسوفَ تَراني فَلَمّا تَجَلّـى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّـا أفاقَ قالَ سُبحانَكَ تُبتُ إلَيكَ وأنَا أوّلُ المؤمنينَ).(2)

4. وقال سبحانه: (و اختارَ مُوسى قَومَهُ سَبعِينَ رَجُلاً لِميقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهُم مِنْ قَبلُ وإيّايَ أَتُهلِكُنا بِما فعلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إنْ هِيَ إلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وتَهدِي مَنْ تَشاءُ أَنتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وارحَمنا وأنتَ خَيرُ الغافِرينَ).(3)

فالمتدبّر في هذه الآيات يقضي بأنّ القرآن الكريم يستعظم الرؤية ويستفظع سؤالها ويقبّحه ويعدّ الإنسان قاصراً عن أن ينالها على وجه ينزل العذاب غبَّ سؤالها. فلو كانت الرؤية أمراً ممكناً ولو في وقت آخر لكان عليه سبحانه أن يتلطّف عليهم بأنّكم سترونه في الحياة الآخرة لا في الحياة الدنيا، ولكنّا نرى أنّه سبحانه يقابلهم بنزول الصاعقة فيقتلهم ثم يحييهم بدعاء موسى، كما أنّ موسى لمّا طلب الرؤية وأُجيب بالمنع، تاب إلى اللّه سبحانه وقال: (أنا أوّل المؤمنين) بأنّك لا تُرى. فإذا كانت الرؤية نعمة عظمى كما يدّعيها القوم، فلا وجه لنزول العذاب عند طلبها، غاية الأمر يجاب السائل بعدم الإمكان في الدنيا.


1- النساء :153.
2- الأعراف :143 .
3- الأعراف : 155 .


(210)

فالإمعان بما ورد فيها من عتاب وتنديد، بل وإماتة وإنزال عذاب يدلّ بوضوح على أنّ الرؤية فـوق قابليـة الإنسان، وطلبه إليها أشبه بالتطلّع إلى أمر محـال.

فعند ذلك لو قيل للمتدبّر بالآيات: إنّه روى قيس بن أبي حازم أنّه حدّثه جرير و قال: خرج علينا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ليلة البدر فقال: «إنّكم سترون ربّكم يوم القيامة كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته»(1) ; يجد الحديث مناقضاً لما ورد في هذه الآيات، ويحدِّث نفسه أنّه كيف صار الأمر الممتنع، أمراً ممكناً، والإنسان غير المؤهّل للرؤية مؤهّلاً لها؟!


1- البخاري:الصحيح:4/200.


(211)

5

الرؤية في الذكر الحكيم تفصيلاً

الآية الأُولى: (لا تدركه الأبصار)

قد عرفت تعبير الكتاب عن الرؤية إجمالاً، وانّه يعد طلب الرؤية وسؤالها أمراً فظيعاً قبيحاً موجباً لنزول الصاعقة والعذاب، فالآيات السابقة وضّحت موقف الكتاب من هذه المسألة لكن على وجه الإجمال، غير أنّا إذا استنطقنا ما سبق من الآيات، نقف على قضاء الكتاب في أمر الرؤية على وجه التفصيل. وقد عقدنا هذا الفصل لدراسة بعض ما سبق حتّى نتأكد ممّا فهمنا من دراسة الكتاب العزيز، وإليك البيان:

قال سبحانه: (ذلِكُمُ اللّه ربّكُمْ لا إلهَ إلاّ هُوَ خالِقُ كُلّ شَيء فاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيء وَكِيل) .

(لا تُدْرِكُهُ الأَبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصار وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبير).(1)

تقرير الاستدلال يتم في مرحلتين:


1- الأنعام:102ـ 103.


(212)

المرحلة الأُولى: في بيان مفهوم الدرك

الدرك في اللغة: اللحوق و الوصول وليس بمعنى الرؤية، ولو أريد منه الرؤية فإنّما هو باعتبار قرينية المتعلّق .

قال ابن فارس: الدرك له أصل واحد (أي معنى واحد) وهو لحوق الشيء بالشيء ووصوله إليه، يقال: أدرك الغلام والجارية: إذا بلغا، وتدارك القوم: لحق آخرُهم أوَلَهم.(1)

وذكر ابن منظور نحو ما ذكره ابن فارس وأضاف: ففي الحديث أعوذ بك من درك الشقاء أي لحوقه، يقال: مشيت حتّى أدركته، وعشت حتّى أدركته، وأدركته ببصري أي رأيته.(2)

ومنه قوله سبحانه: (حتّى إِذا أَدْرَكَهُ الغَرقُ قالَ آمَنْتُ أنَّهُ لا إلهَ إلاّ الذِي آمَنَت بهِ بَنُو إسرائيل).(3)أي حتّى إذا لحقهم الغرق فأظهروا الإيمان و لات حين مناص.

إذا كان الدرك بمعنى اللحوق والوصول فدرك كلّ شيء و وصوله بحسبه، فالإدراك بالبصر، التحاق من الرائي بالمرئي بالبصر، والإدراك بالمشي كما في قول ابن منظور مشيت حتى أدركت، التحاق الماشي المتأخر، بالمتقدّم بالمشي، و هكذا.

فإذا قال سبحانه: (لا تدركه الأبصار) يتعيّن ذلك المعنى الكلّي، أي اللحوق والوصول بالرؤية، ويكون المعنى انّ الأبصار لا تلحق باللّه بالرؤية، فإنّ لحوق البصر يتحقّق عن طريق الرؤية، وهذا الوصف ممّا تفرّد به سبحانه.


1- مقاييس اللغة:2/366.
2- لسان العرب:10/419، نفس المادة.
3- يونس:90.


(213)

الثانية: في مفهوم الآيتين

إنّه سبحانه لما قال: (وَهُوَ عَلى كُلّ شَيء وَكيل) ربّما يتبادر إلى بعض الأذهان انّه إذا صار وكيلاً على كلّ شيء، يكون جسماً قائماً بتدبير الأُمور الجسمانية، فدفعه بأنّه سبحانه مع كونه وكيلاً لكلّ شيء(لا تدركه الأبصار).

ولما يتبادر من ذلك الوصف إلى بعض الأذهان انّه إذا تعالى عن تعلّق الابصار فقد خرج عن حيطة الأشياء الخارجية وبطل الربط الوجودي الذي هو مناط علمه بمخلوقاته، دفعه بقوله: (وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبصار) مشيراً إلى وجود الربط الذي هو مناط علمه بهم.

ثمّ إنّه سبحانه أتم كلامه بذكر وصفين: أعني:

1. اللطيف، 2. الخبير.

والظاهر انّ الأوّل، راجع إلى قوله: (لا تُدْرِكُهُ الأَبصار)، والثاني إلى قوله: (وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبصار).

فهو بما انّه «لطيف» فوق الحس، لا تدركه الأبصار، وبما انّه «خبير» (يدرك الأَبصار).

وبعبارة أُخرى: انّ الأشياء في مقام التصوّر على أصناف:

1. ما يَرى و يُرى، كالإنسان.

2. ما لا يَرى ولا يُرى، كالأعراض النسبية كالأُبوّة والبنوة.

3. ما يُرى ولا يَرى كالجمادات.

4. ما يَرى و لايُرى.


(214)

وهذا القسم تفرّد به خالق جميع الموجودات بأنّه يَرى ولا يُرى، والآية بصدد مدحه وثنائه، بأنّه جمع بين الأمرين يَرى ولا يُرى لا بالشقّ الأوّل وحده نظير قوله سبحانه: (فاطِرِ السَّمواتِ والأرْضِ وَهُوَ يُطعِمُ ولا يُطْعَم).(1) ودلالة الآية على انّه سبحانه لا يُرى بالأبصار بمكان من الوضوح.

الآية الثانية: الرؤية إحاطة علمية باللّه سبحانه

قال سبحانه: (يومَئذ لا تَنفَعُ الشفاعةُ إلاّ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحمنُ وَرضي لَهُ قولاً* يعلمُ ما بينَ أيدِيهم وما خَلفَهُم ولا يُحِيطون به عِلماً).(2)

إنّ الآية تتركب من جزءين:

الأوّل: قوله: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم).

الثاني: قوله: (ولا يُحيطون به علماً).

والضمير المجرور في قوله: «به» يعود إلى اللّه سبحانه.

ومعنى الآية: اللّه يحيط بهم لأنّه: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) ويكون معادلاً لقوله: (وهُوَ يدرك الأبصار) ولكنّهم (لا يحيطون به علماً) و يساوي قوله: (لا تدركه الأبصار).

وأمّا كيفية الاستدلال فبيانها انّ الرؤية سواء أوقعت على جميع الذات أم على جزء منه، نوع إحاطة علمية من البشر به سبحانه، وقد قال: (ولا يحيطون به علماً).


1- الأنعام:14.
2- طه:109ـ110.


(215)

الآية الثالثة: ردّ السؤال بنفي الرؤية مؤبّداً

قال سبحانه: (وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنْي أَنْظُرُ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَراني وَلكِنْ انْظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جعَلهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوّلُ الْمُؤْمِنينَ).(1)

لا شكّ انّنا إذا عرضنا الآية على عربي صميم لم يتأثّر ذهنه بالمناقشات الكلامية الدائرة بين النفاة والمثبتين وطلبنا منه أن يبيّن الإطار العام للآية ومفادها ومَنْحاها وانّها بصدد بيان امتناع الرؤية أو جوازها، يجيب بصفاء ذهنه بأنّ الإطار العام لها هو تعاليه سبحانه عن الرؤية وانّ سؤاله أمر عظيم فظيع لا يمحى أثره إلاّ بالتوبة، ففهم ذلك العربي حجة علينا لا يجوز لنا العدول عنها، والقرآن نزل بلسان عربي مبين ولم ينزل بلسان المتكلّمين أو المجادلين.

كما أنّا إذا أردنا أن نفسر مفاد الآية تفسيراً صناعياً، فلا شكّ أنّه يدلّ أيضاً على تعاليه عنها وذلك بوجوه:

1. الإجابة بالنفي المؤبّد

لمّا سأل موسى رؤية اللّه تبارك و تعالى أُجيب بـ(لن تراني)و المتبادر من هذه الجملة أي قوله (لن تراني) هو النفي الأبدي الدالّ على عدم تحقّقها أبداً.

والدليل على ذلك هو تتبّع موارد استعمال كلمة «لن» في الذكر الحكيم، فلا


1- الأعراف:143.


(216)

تراها متخلّفة عن ذلك حتّى في مورد واحد.

1. قال سبحانه: (إِنَّ الّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمعُوا لَه).(1)

2. (إِنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعِينَ مَرّة فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ).(2)

3. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبيلِ اللّه ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفّار فَلَنْ يَغْفِر اللّه لَهُمْ).(3)

4. (سَواء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِر اللّه لَهُمْ).(4)

5. (وَلَنْ تَرضى عَنْكَ الْيَهُود وَلاَ النَّصارى حَتّى تَتَّبعَ مِلّتهُمْ).(5)

6. (فإِنْ رَجَعَكَ اللّه إِلى طائِفَة مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوج فَقُل لَنْ تخرُجُوا مَعي أَبداً وَلَنْ تقاتِلُوا مَعي عَدوّاً).(6)

إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أنّ «لن» تفيد التأبيد.

2. تعليق الرؤية على أمر غير واقع

علّق سبحانه الرؤية على استقرار الجبل وبقائه على الحالة التي هو عليها عند التجلّي، وعدم تحوّله إلى ذرات ترابية صغار بعده، والمفروض انّه لم يبق على حالته السابقة وبطلت هويته وصار تراباً مدكوكاً، فإذا انتفى المعلّق عليه ينتفي المعلّق، وهذا النوع من الكلام طريقة معروفة حيث يعلّقون وجود الشيء بما يعلم


1- الحج:73.
2- التوبة:80.
3- محمد:34.
4- المنافقون:6.
5- البقرة:120.
6- التوبة:83.


(217)

أنّه لا يكون واللّه سبحانه بما أنّه يعلم أنّ الجبل لا يستقرّ في مكانه ـ بعد التجلّي ـ فيعلّق الرؤية على استقراره، حتّى يستدلّ بانتفائه على انتفائه، قال سبحانه: (ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الخِياط).(1)

3. تنزيهه سبحانه ـ بعد الافاقة ـ عن الرؤية

تذكر الآية بأنّ موسى لما أفاق فأوّل ما تكلّم به هو تسبيحه سبحانه و تنزيهه وقال: (سبحانك)، وذلك لأنّ الرؤية لا تنفك عن الجهة والجسمية وغيرهما من النقائص، فنزّه سبحانه عنها، فطلبها نوع تصديق لها.

4. توبته لأجل طلب الرؤية

إنّه ـ عليه السَّلام ـ بعد ما أفاق، أخذ بالتنزيه أوّلاً، والتوبة والإنابة إلى ربّه ثانياً، وظاهر الآية انّه تاب من سؤاله كما أنّ الظاهر من قوله: (وَأَنَا أَوّل المُؤْمنين) أنّه أوّل المصدّقين بأنّه لا يُرى بتاتاً.

إجابة عن سؤال

إنّ سؤال الرؤية من الكليم دليل على إمكانها، فلو كان أمراً محالاً لما سألها.

والجواب عن الشبهة واضح، فإنّ الاستدلال بطلب موسى إنّما يصحّ إذا طلبها الكليم باختيار ومن دون ضغط من قومه، فعندئذ يصلح للتمسّك به ظاهراً، لكن القرائن تشهد على أنّه سأل الرؤية على لسان قومه حين كانوا مصرّين على ذلك .


1- الأعراف:40.


(218)

ويدلّ عليه قوله سبحانه: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِم).(1)

وبعد ما عادوا إلى الحياة بدعاء موسى طلبوا منه أن يسأل الرؤية لنفسه لا لهم حتّى يسمعوا النصّ من عند اللّه باستحالة ذلك.(2)

فعند ذاك لم يكن لموسى محيص إلاّ الإقدام على السؤال وقال: (ربّ أرني أنظر إليك)فأجيب بقوله: (لن تراني).

وعلى ذلك ما كان طلب الرؤية إلاّ ليكبت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء و ضُلاّلاً وتبرّأ من فعلهم، وذلك أنّهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم و أعلمهم الخطأ ونبّههم على الحقّ فلجّوا وتمادوا في لجاجهم، وقالوا لابدّ و لن نؤمن حتّى نرى اللّه جهرة، فأراد أن يسمعوا النص من عند اللّه باستحالة ذلك و هو قوله: (لن تراني) ليتيقّنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة، فلذلك قال: (ربّ أرني أنظر إليك).(3)

إلى هنا تمت دراسة الآيات الصريحة في امتناع رؤية اللّه تبارك و تعالى بطرق مختلفة، ومن أمعن فيها وتجرد عن العقيدة التي تربّى عليها منذ نعومة أظفاره لرأى انّ الذكر الحكيم صريح في تعاليه سبحانه عن أن يقع في إطار الرؤية وأنّ طلب الرؤية تمنّي باطل.


1- النساء:153.
2- أو تسئل لنفسه وتحل رؤيته مكان رؤيتهم كما حلّ سماعه للوحي محل سماعهم لكلامه تعالى.
3- الزمخشري: الكشاف:1/573ـ 574.


(219)

6

الرؤية في كلمات أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام

إنّ المراجع إلى خطب الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في التوحيد وما أُثر عن أئمّة العترة الطاهرة في مجال الرؤية، يقف على أنّ مذهبهم هو امتناعها وانّه سبحانه لا تدركه أوهام القلوب، فكيف بأبصار العيون؟ وإليك نزراً يسيراً ممّا ورد في هذا الباب.

1. قال الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في خطبة الأشباح: «الأوّل الذي لم يكن له قبل فيكون شيء قبله، والآخر الذي ليس له بعد فيكون شيء بعده، والرادع أناسي الأبصار عن أن تناله أو تدركه».(1)

2. وقد سأله ذعلب اليماني، فقال: هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين؟ فقال ـ عليه السَّلام ـ : «أفأعبد مالا أرى؟» فقال: وكيف تراه؟ فقال: «لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان، قريب من الأشياء غير ملابس، بعيد منها غير مبائن».(2)

3. وقال ـ عليه السَّلام ـ : «الحمد للّه الذي لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر».(3)


1- نهج البلاغة، الخطبة87.
2- نهج البلاغة، الخطبة 174.
3- نهج البلاغة، الخطبة180.


(220)

إلى غير ذلك من خطبه ـ عليه السَّلام ـ الطافحة بتقديسه وتنزيهه عن إحاطة القلوب والأبصار به.(1)

وأمّا المروي عن سائر أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ فحدث عنه ولا حرج.

1. روى الصدوق عن عبد اللّه بن سنان، عن أبيه قال: حضرت أبا جعفر (محمد الباقر) ـ عليه السَّلام ـ فدخل عليه رجل من الخوارج فقال له: يا أبا جعفر أيّ شيء تَعبد؟ قال: «اللّه»، قال: رأيته؟ قال: «لم تره العيون بمشاهدة العيان ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يُعرف بالقياس ولا يُدرك بالحواس، ولا يُشبه بالناس، موصوف بالآيات، معروف بالعلامات، لا يجور في حكمه، ذلك اللّه لا إله إلاّ هو» قال: فخرج الرجل وهو يقول: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته.(2)

2. روى الصدوق عن أبي الحسن الموصلي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «جاء حبر إلى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك حين عبدته؟ فقال: ويلك ما كنت أعبد ربّاً لم أره، وقال: كيف رأيته؟ قال: ويلك لا تُدرِكه العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان».(3)

3. ما روي عن الإمام علي بن موسى الرضا ـ عليه السَّلام ـ في مناظرته مع أحد المحدّثين باسم أبي قرة، ذكر أبو قرة الحديث الموروث عن الحبر الماكر كعب الأحبار من أنّه سبحانه قسم الرؤية والكلام بين نبيّين فقسّم لموسى ـ عليه السَّلام ـ الكلام ولمحمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الرؤية.

فقال أبو الحسن ـ عليه السَّلام ـ :«فمن المبلّغ عن اللّه إلى الثقلين الجن والإنس إنّه (لا


1- لاحظ الخطبتين 48و81.
2- التوحيد:108، باب ما جاء في الرؤية الحديث5، والسائل كان من الخوارج.
3- التوحيد:109، الحديث6. والسائل أحد أحبار اليهود.


(221)

تدركه الأبصار)، (لا يحيطون به علماً) و (ليس كمثله شيء) أليس محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟» قال: بلى.

قال أبو الحسن ـ عليه السَّلام ـ :«فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم انّه جاء من عند اللّه، وانّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه، ويقول إنّه: (لا تدركه الأبصار)، (لا يحطيون به علماً) و (ليس كمثله شيء) ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً وهو على صورة البشر، أما تستحيون؟! أما قدرت الزنادقة ان ترميه بهذا، أن يكون أتى عن اللّه بأمر ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر».(1)


1- الاحتجاج:2/375.


(222)

7

شبهات القائلين بالرؤية

إنّ للقائلين بالرؤية في الآخرة شبهات ربّما يغتر بها من ليس له إلمام بالكتاب والسنّة فيتصوّر المغالطة دليلاً، نذكر منها ما هو المهم، وهو:

قوله سبحانه: (إِلى ربّها ناظرة)

استدلّوا على تحقّق الرؤية في الآخرة بهذا المقطع الوارد في الآيات التالية:

(كَلاّ بل تُحِبُّون العاجِلة* و تَذَرُونَ الآخِرَة* وُجُوهٌ يَومَئِذ ناضِرَة* إِلى رَبّها ناظِرَة* وَوُجُوهٌ يَومَئِذ باسِرَة* تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَة).(1)

يقول المستدل: إنّ النظر إذا كان بمعنى الانتظار يستعمل بغير صلة، ويقال: انتظرته، وإذا كان بمعنى التفكّر يستعمل بلفظة «في»، و إذا كان بمعنى الرأفة يستعمل بلفظة «اللام»، وإذا كان بمعنى الرؤية استعمل بلفظة «إلى» فيحمل على الرؤية.(2)

أقول: سواء أقلنا إنّ النظر في الآية بمعنى الانتظار أو قلنا بمعنى الرؤية، فالآية لا تدلّ على جواز الرؤية يوم القيامة بتاتاً، وذلك لوجوه:


1- القيامة:20ـ25.
2- شرح التجريد للقوشجي:334.


(223)

الأوّل: انّه سبحانه نسب النظر إلى الوجوه لا إلى العيون، فلم يقل عيون يومئذ ناظرة إلى ربّها ناضرة، بل قال:(وُجوهٌ يَومَئِذ ناظرة)، فلو كان المراد الجدي هو الرؤية الحسّية لكان المتعيّن استخدام العيون بدل الوجوه، و أنت لا تجد في الأدب العربي قديمه وحديثه مورداً نسب فيه النظر إلى الوجوه وأُريدت به الرؤية الحسية بالعيون والأبصار، بل كلّما أُريد منه الرؤية نسب إلى العيون أو الأبصار.

يقول سبحانه: (يرونه مِثليهم رأي العين).(1)

وقال سبحانه:(وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها).(2)

وقال سبحانه: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنات يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِن).(3)

فأداة الرؤية في القرآن الكريم هي العين والبصر لا الوجه، يقول سبحانه: (وَهُوَ الَّذي أَنشأ لَكُمُ السَّمْع وَالأَبْصار وَالأَفْئِدَة).(4)

الثاني: نحن نوافق المستدلّ بأنّ النظر إذا استعمل مع إلى يكون بمعنى الرؤية، لكن ربّما تكون الرؤية كناية عن معنى آخر، فعندئذ يكون المقصود الحقيقي هو المكنّى عنه لا المكنّى به.

مثلاً إذا أردنا وصف زيد بالجود يقال: «زيد كثير الرماد»، فالمعنى اللغوي ذم حيث يحكي عن كثرة النفايات في الدار، ولكن المعنى المكنّى عنه الذي هو المتبادر العرفي هو مدح يحكي عن جوده وسخائه، فالعبرة في تفسير الآية هو المراد الجدي لا المراد الاستعمالي.

والآية الكريمة ـ أعني قوله: (إلى ربّها ناظرة) ـ من هذا القبيل فهو حسب الإرادة الاستعمالية بمعنى وجوه ناظرة إلى اللّه سبحانه أي رائية له، ولكنّه كناية عن


1- آل عمران:13.
2- الأعراف:179.
3- النور:31.
4- المؤمنون:87.


(224)

انتظار الرحمة أو العذاب مثلاً: يقول الشاعر:

وجوه ناظرات يوم بـدر * إلى الرحمن يأتي بالفلاح

فلا يشكّ الإنسان انّ قوله: «وجوه ناظرات» بمعنى رائيات، ولكنّه كُنّي به عن انتظار النصر والفتح.

ومنه الشعر التالي:

أني إلـيك لما وعـدت لناظر * نظر الفقير إلى الغني الموسر

لا شكّ انّ المراد من النظر في كلا الموردين هو الرؤية، استعمالاً، ولكنّه كناية عن انتظار إنجاز الوعد ووصول العطاء.

والحاصل: انّ النظر إذا أُسند إلى العيون يكون المعنى الاستعمالي والجدي هو الرؤية، ولكن إذا أُسند إلى الشخص أو الوجه تكون بمعنى الرؤية استعمالاً ويكون كناية عن الانتظار جداً، مثلاً يقال: أنا ناظر إلى فلان ما يصنع بي، يريد معنى التوقع والرجاء.

ينقل الزمخشري انّه سمع سروية مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم ويأوون إلى مقائلهم، تقول: «عُيينتيّ نويظرة إلى اللّه ثمّ إليكم» تقصد راجية ومتوقعة لإحسانهم إليها كما هو معنى قولهم: «أنا أنظر إلى اللّه ثمّ إليك» أتوقع فضل اللّه ثمّ فضلك.(1)

الثالث: كان على من يستدلّ بالآية أن يرفع إبهامها بمقابلها، فإنّ الآيات تتألف من ثلاث مقاطع متقابلة، بالنحو التالي:


1- الكشاف:3/294.


(225)

1. (كلاّ بَل تُحِبُّون العاجلة) يقابلها (وتَذَرُونَ الآخرة).

2. (وُجُوهٌ يومئذ ناضرة) يقابلها (وجوه يومئذ باسرة).

3. (إِلى ربّها ناظرة) يقابلها (تظن أن يفعل بها فاقرة).

فقوله: (إِلى ربّها ناظرة) كما ترى يقابلها قوله: (تظن أن يفعل بها فاقرة)، فبما انّ الجملة المقابلة صريحة في أنّ أصحاب الوجوه الباسرة ينتظرون العذاب الكاسر لظهرهم ويظنون نزوله و مثل هذا الظن لا ينفك عن الانتظار، فتكون قرينة على أنّ أصحاب الوجوه المشرقة ينظرون إلى ربّهم، أي يرجون رحمته، حتّى تكون الجملة متقابلة لمقابلها.

وإلاّ فلو حمل قوله سبحانه: (إِلى ربّها ناظرة) إلى رؤية اللّه خرجت الجملة عن التقابل ويعود كلاماً عارياً عن البلاغة و يكون مفاد المتقابلين كالشكل التالي:

أصحاب الوجوه الناضرة ... ...ينظرون إلى اللّه ويرونه سبحانه.

أصحاب الوجوه الباسرة......ينتظرون نزول العذاب والنقمة.

وهو كما ترى لا يليق أن ينسب إلى الوحي.

على أنّك تجد هذا التقابل والانسجام في آيات أُخرى وكأنّ الجميع سبيكة واحدة.

1. (وجوهٌ يَومئد مُسْفِرَة) (ضاحِكةٌ مُستبشِرة).

2. (ووُجوهٌ يَومئِذ عَليها غَبرَة) (تَرهَقُها قَتَرة).(1)

فإنّ قوله: (ضاحكة مستبشرة) قائم مقام قوله: (إِلى ربّها ناظرة) فيرفع


1- عبس:38ـ41.


(226)

إبهام الثاني بالأوّل.

3. (وُجُوهٌ يَومئذ خاشِعَة) (عامِلَةٌ ناصِبَةٌ* تَصْلَى ناراً حامِيَة).(1)

4. (وُجُوهٌ يومئذ ناعِمَة) (لِسَعْيِها راضِيةٌ * في جَنَّة عالية).(2)

انظر إلى الانسجام البديع، والتقابل الواضح بينها ، والاستهداف الواحد، والجميع بصدد تصنيف الوجوه يوم القيامة، إلى ناضرة ومسفرة، وناعمة وإلى باسرة، وسوداء(غبرة) وخاشعة.

أفبعد هذا البيان يبقى الشكّ في أنّ المراد من (إِلى ربّها ناظرة) هو انتظار الرحمة، والقائل بالرؤية يتمسّك بهذه الآية ويغض النظر عمّا حولها من الآيات، ومن المعلوم أنّ هذا من قبيل محاولة إثبات المدّعى بالآية، لا محاولة الوقوف على مفادها.

وفي الختام أرى من الجدير بالذكر أن أنقل الحوار القصير الذي دار بيني و بين أحد المثّقفين في تركيا، وكان يُجيد اللغتين التركية والعربية والثانية كانت لغته الأُمّ، لأنّه كان من الإسكندرونة المحتلّة ـ حسب زعم السوريين ـ ، وقد كان يرافقني عندما حللت ضيفاً على تركيا لإلقاء محاضرة في المؤتمر الذي انعقد لبيان أحكام السفر، وقد استرسلنا في الحوار إلى أن سألني عن رؤية اللّه تبارك و تعالى في الآخرة؟

فأجبته بالنفي.

قال: لماذا؟


1- الغاشية 2ـ4.
2- الغاشية:8ـ10.


(227)

قلت له: هل يُرى سبحانه كلّه أو بعضه.

فعلى الأوّل يكون الرائي محيطاً واللّه سبحانه محاطاً مع أنّه تعالى محيط بكلّ شيء.

وعلى الثاني يكون مركباً ذا أجزاء يكون بعض أجزائه غائبة من البعض الآخر والمجموع محتاجاً إلى أجزائه، والحاجة آية الإمكان وهو آية الفقر الذي هو على طرف النقيض من اللّه الغني.

فتحيّر السائل من بياني هذا ولم يجب بشيء.


(228)

8

رؤيته تعالى في الأحاديث النبوية

قد تعرّفت على موقف الكتاب من رؤيته سبحانه وأنّه كلّما يذكر الرؤية وسؤالها وطلبها، يستعظمه ويستفظعه إجمالاً، وعندما يطرحها تفصيلاً، يعدّها أمراً محالاً، كما عرفت أنّ ما تمسك به القائلون بجواز الرؤية من الآيات لا يدلّ على ما يدّعون.

بقي الكلام في الروايات الواردة حول الرؤية في الصحاح والمسانيد، ودلالتها على المطلوب واضحة كما ستوافيك، لكن الكلام في حجية الروايات التي تضاد الذكر الحكيم، وتباينه، فإذا كان الكتاب العزيز مهيمناً على سائر الكتب فلماذا لا يكون مهيمناً على السنن المروية عن الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ التي دوّنت بعد مضي 143 سنة من رحيله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولم تَصُن عن دسّ الأحبار والرهبان؟! قال سبحانه: (وأنزلنا إليكَ الكتابَ بالحقِّ مُصدِّقاً لِما بينَ يديهِ منَ الكتابِ ومُهيمناً عليهِ فاحكُمْ بينَهمْ بما أنزلَ اللّهُ ولا تتَّبعْ أهواءَهمْ عمّا جاءكَ من الحقِّ) (1) وقال تعالى: (إنّ هذا القرآنَ يقصُّ على بني إسرائيلَ أكثرَ الَّذي هُمْ فيهِ يَختلفونَ)(2) ولا يعني ذلك، حذف السنّة من الشريعة ورفع شعار: حسبنا كتاب اللّه، بل يعني التأكد من الصحّة ثم تطبيق العمل عليها.


1- المائدة:48.
2- النمل:76.


(229)

وإليك ما ورد في الصحاح حول الرؤية:

روى البخاري في باب «الصراط جسر جهنم» بسنده عن أبي هريرة قال: قال أُناس: يا رسول اللّه هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ فقال: «هل تضارّون في الشمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا يا رسول اللّه، قال: «هل تضارّون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟» قالوا: لا يا رسول اللّه، قال: «فإنّكم ترونه يوم القيامة، كذلك يجمع اللّه الناس فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمسَ، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأُمّة فيها منافقوها، فيأتيهم اللّه في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ باللّه منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربّنا فإذا أتانا ربّنا عرفناه فيأتيهم اللّه في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربّنا فيتبعونه ويضرب جسر جهنم ... ـإلى أن يقول:ـ ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار فيقول: يا ربّ قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فاصرف وجهي عن النار، فلا يزال يدعو اللّه فيقول: لعلّك إن أعطيتك أن تسألني غيره.

فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، فيصرف وجهه عن النار، ثم يقول بعد ذلك: يا رب قرّبني إلى باب الجنة، فيقول: أليس قد زعمت أن لا تسألني غيره؟ ويلك ابن آدم ما أغدرك، فلا يزال يدعو فيقول: لعلّـي إن أعطيتك ذلك تسألني غيره، فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، فيعطي اللّه من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره، فيقرّبه إلى باب الجنّة فإذا رأى ما فيها، سكت ما شاء اللّه أن يسكت، ثم يقول: ربي أدخلني الجنّة، ثم يقول: أو ليس قد زعمت أن لا تسألني غيره، ويلك يابن آدم ما أغدرك، فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك (اللّه) فإذا ضحك منه أذن له بالدخول فيها ... الحديث.(1)


1- البخاري: الصحيح: 8/117 باب الصراط جسر جهنم.


(230)

ورواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة مع اختلاف يسير.(1)

ورواه أيضاً عن أبي سعيد الخدري باختلاف غير يسير في المتن وفيه: حتى إذا لم يبق إلاّ من كان يعبد اللّه تعالى من برّ وفاجر أتاهم ربّ العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما تنتظر تتبع كل أُمّة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربّنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنّا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ باللّه منك، لا نشرك باللّه شيئاً، مرتين أو ثلاثاً حتى أنّ بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد للّه من تلقاء نفسه، إلاّ أذن اللّه له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلاّ جعل اللّه ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خرّ على قفاه ... الحديث.(2)

وقد نقل الحديث في مواضع من الصحيحين بتلخيص، ورواه أحمد في مسنده.(3)

تحليل الحديث

إنّ هذا الحديث مهما كثرت رواته، وتعددت نقلته لا يصح الركون إليه في منطق الشرع والعقل بوجوه:

1. إنّه خبر واحد لا يفيد شيئاً في باب الأُصول والعقائد، وإن كان مفيداً في باب الفروع والأحكام، إذ المطلوب في الفروع هو الفعل والعمل، وهو أمر ميسور


1- مسلم: الصحيح: 1/113، باب معرفة طريق الرؤية.
2- مسلم: الصحيح: 1/115، باب معرفة طريق الرؤية.
3- أحمد بن حنبل: المسند: 2/368.


(231)

سواء أذعن العامل بكونه مطابقاً للواقع أو لا، بل يكفي قيام الحجّة على لزوم تطبيق العمل عليه، ولكن المطلوب في العقائد هو الإذعان وعقد القلب ونفي الريب والشك عن وجه الشيء، وهو لا يحصل من خبر الواحد ولا من خبر الاثنين، إلاّ إذا بلغ إلى حدّ يُورِث العلم والإذعان، وهو غير حاصل بنقل شخص أو شخصين.

2. إنّ الحديث مخالـف للقرآن، حيث يثبـت للّه صفات الجـسم ولوازم الجسمانية كما سيوافيك بيانه عن السيد الجليل شرف الدين ـ رحمه اللّه ـ.

3. ماذا يريد الراوي في قوله: «فيأتي اللّه في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم»؟! فكأنَّ للّه سبحانه صوراً متعددة يعرفون بعضها، وينكرون البعض الآخر، وما ندري متى عرفوا التي عرفوها، فهل كان ذلك منهم في الدنيا، أو كان في البرزخ أم في الآخرة؟!

4. ماذا يريد الراوي من قوله: «فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد للّه من تلقاء نفسه ...»؟ فإنّ معناه أنّ المؤمنين والمنافقين يعرفونه سبحانه بساقه، فكانت هي الآية الدالّة عليه.

5. كفى في ضعف الحديث ما علّق عليه العلاّمة السيد شرف الدين ـ رحمه اللّه ـ حيث قال: إنّ الحديث ظاهر في أنّ للّه تعالى جسماً ذا صورة مركّبة تعرض عليها الحوادث من التحوّل والتغيّر، وأنّه سبحانه ذو حركة وانتقال، يأتي هذه الأُمّة يوم حشرها، وفيها مؤمنوها ومنافقوها، فيرونه بأجمعهم ماثلاً لهم في صورة غير الصورة التي كانوا يعرفونها من ذي قبل. فيقول لهم: أنا ربكم، فينكرونه متعوذين باللّه منه، ثم يأتيهم مرّة ثانية في الصورة التي يعرفون. فيقول لهم: أنا ربكم، فيقول المؤمنون والمنافقون جميعاً: نعم، أنت ربّنا. وإنّما عرفوه بالساق، إذ كشف لهم


(232)

عنها، فكانت هي آيته الدالة عليه، فيتسنّى حينئذ السجود للمؤمنين منهم، دون المنافقين، وحين يرفعون رؤوسهم يرون اللّه ماثلاً فوقهم بصورته التي يعرفون لا يمارونَ فيه، كما كانوا في الدنيا لا يُمارون في الشمس والقمر، ماثلين فوقهم بجرميهما النيرين ليس دونهما سحاب، وإذا به، بعد هذا يضحك ويعجب من غير معجب، كما هو يأتي ويذهب إلى آخر ما اشتمل عليه الحديثان ممّا لا يجوز على اللّه تعالى، ولا على رسوله، بإجماع أهل التنزيه من أشاعرة وغيرهم، فلا حول ولا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم.(1)

2. روى البخاري في كتاب الصلاة، باب مواقيت الصلاة، وفضيلتها عن قيس (بن أبي حازم) عن جرير قال: كنّا عند النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فنظر إلى القمر ليلة ـ يعني البدر ـ فقال: إنّكم ترون ربّكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثمّ قرأ: (وَسَبِّحْ بحمدِ ربِّكَ قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وقبلَ الغُروبِ)(2).

وحديث قيس بن أبي حازم مع كونه مضاداً للكتاب ضعيف من جانب السند وإن رواه الشيخان، ويكفي فيه وقوع قيس بن أبي حازم في سنده، ترجمه ابن عبد البر وقال: قيس بن أبي حازم الأحمسي جاهلي إسلامي لم ير النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في عهده وصدق إلى مصدِّقه، وهو من كبار التابعين، مات سنة ثمان أو سبع وتسعين وكان عثمانياً.(3)


1- كلمة حول الرؤية:65، وهي رسالة قيّمة في تلك المسألة وقد مشينا على ضوئها ـ رحم اللّه مؤلفها رحمة واسعة ـ.
2- البخاري: : الصحيح:1/111 ـ115، الباب26 و35 من أبواب المواقيت الصلاة، طبع مصر، ورواه مسلم في صحيحه لاحظ: صحيح مسلم بشرح النووي:5/136 وغيرهما.
3- الاستيعاب:3 برقم 2126.


(233)

وقال الذهبي: قيس بن أبي حازم عن أبي بكر وعمر، ثقة حجة كاد أن يكون صحابياً، وثّقه ابن معين والناس، وقال علي بن عبد اللّه عن يحيى بن سعيد: منكر الحديث، ثم سمّى له أحاديث استنكرها، وقال يعقوب الدوسي: تكلّم فيه أصحابنا، فمنهم من حمل عليه، وقال: له مناكير، فالذين أطروه عدّوها غرائب وقيل: كان يحمل على عليّ ـ رضي اللّه عنه ـ إلى أن قال: والمشهور أنّه كان يقدم عثمان، وقال إسماعيل: كان ثبتاً قال: وقد كبر حتى جاوز المائة وخرف.(1)

وقد تقدم أنّ العدل والتنزيه علويان، كما أنّ الجبر والتشبيه أمويان، وهل يصح في ميزان النصفة الأخذ برواية رجل عثماني الهوى، معرضاً عن الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ ، وعاش حتى خرف؟! أو أنّ الواجب ضربها عرض الحائط؟

نرجو من اللّه سبحانه أن تكون هذه البحوث مصباحاً منيراً للشباب المتطلّعين إلى الحقيقة الذين استهدفوا من قبل أعداء الإسلام بغية سلب هويتهم وأصالتهم الإسلامية.

جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


1- ميزان الاعتدال:3برقم 6908.


(234)

(235)

6
أهل البيت عليهم السَّلام
المرجع العلمي والفكري
بعد رحيل الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

كان للنبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رئاسة دينية تامّة في إدارة دفّة الحكم.

فهو من جانب كان يدير الجيوش، ويسدّ الثغور، ويقيم الحدود، ويُقسِّم الفيء بين المسلمين، ويقضي بينهم. إلى غير ذلك من الأُمور الّتي لها صلة بالأُمور الدنيوية.

ومن جانب آخر كان يقوم بأُمور لها صلة بالأُمور المعنوية :

أوّلاً: يبيّن الأحكام الشرعية كلية وجزئية، ويجيب على الحوادث المستجدّة الّتي لم يُبيّن حكمها في الكتاب ولا في السنّة الموجودة.

ثانياً: يفسّر القرآن الكريم فيبيّن مجملاته، ويقيّد مطلقاته، ويخصِّص عموماته إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى رفع إبهامات الكتاب.

ثالثاً: يرّد على الشبهات والتشكيكات الّتي يلقيها أعداء الإسلام من مشركي مكة المكرمة واليهود والنصارى بعد الهجرة.

رابعاً: يصون الدين من أيِّ محاولة تحريفية، ومن أيّ دسّ في التعاليم المقدسة.


(236)

فأمّا الجانب الأوّل أي إدارة دفة الحكم بعد رحيله، فقد تناوله العلماء بالبحث والتحليل، وتمخض عن طرح رأيين:

الأوّل: نظرية التنصيص وانّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد نصّ على خليفته وعيّن من يدير دفة الحكم بعده في مواقف مختلفة أشهرها وأعمها حديث الغدير الذي ألقاه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في محتشد عظيم عند منصرفه عن حجّة الوداع في غدير خم عام 10 هـ وقال : ألست بكم أولى من أنفسكم؟ قالوا: بلى فقال: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله».

والحديث من الأحاديث المتضافرة المتواترة عبر القرون وقد نقل جم غفير من الصحابة والتابعين والعلماء عبر القرون، وربما تنتهي أسانيد الحديث إلى أكثر من مائة صحابي وقد ألّف في ذلك كتب وموسوعات وأُلقيت حولها العديد من المحاضرات والمناظرات لا نطيل بذكرها المقام.(1)

الثاني: نظرية الشورى، وانّ صيغة الحكم تخضع لتلك النظرية وعلى صحابة النبي عامة أو على أهل الحل والعقد منهم خاصة أن يجتمعوا ويشاروا وينتخبوا من يأخذ بزمام الحكم ويدير دفته، وهذه النظرية هي النظرية المعروفة بنظرية الشورى أو نظرية الانتخاب.

وبما انّ ذلك الجانب قد أُشبع بالبحث والتحليل على وجه احتل مسافة شاسعة من الأبحاث الكلامية والعقائدية، لذا آثرنا الإحجام عنه خوفاً من الإطناب.

ولذلك نكرس البحث في الجانب الآخر الذي له صلة بالأُمور المعنوية وقد عرفت فيما سبق انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يقوم بالأُمور الأربعة السالفة الذكر التي لا


1- وكفانا في ذلك ما ألّفه العلاّمة المحقّق الشيخ عبد الحسين الأميني (رضوان اللّه عليه) مؤلف الغدير.


(237)

يتولاها إلاّ من له مؤهلات خاصة من قبل اللّه سبحانه ولا يقوى على النهوض بهذه المهمة إلاّ من علّمه اللّه سبحانه من لدنه علماً، كما قال في مصاحب موسى.(1)

ولا ريب انّ من كان يقوم بمثل هذه المسؤوليات، يورث فقدُه وغيابُه من الساحة، فراغاً هائلاً في الحياة الاجتماعية، وثغرة كبرى في القيادة لا يسدّها إلاّ إخلاف من يتحلّى بنفس المؤهلات الفكرية والعلمية التي كان النبي الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يتحلّى بها ما عدا خصيصة النبوة وتلقّي الوحي.

ومن الخطأ أن نتهم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ والعياذ باللّه ـ بأنّه قد ارتحل من دون أن يفكّر في ملء تلك الثغرات المعنوية الحاصلة برحيله.

وهذا ما يسوقنا إلى الفحص في كلمات الرسول الأعظم حتّى نتعرف على من عيّنه الرسول لملء هذه الثغرات.

فإذا راجعنا أحاديث النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نقف بوضوح على أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد سدّ هذه الثغور بإخلاف من جعلهم قرناء الكتاب وأعداله، وأناط هداية الأُمّة بالتمسك بهما.

وها نحن نذكر الشيء القليل الّذي هو كنموذج من كلماته الكثيرة في ذلك المجال.

1. روى ابن الأثير الجزري في جامع الأُصول عن جابر بن عبد اللّه، قال:

رأيت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حجّة الوداع يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول:«إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا : كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي».(2)


1- لاحظ الاسراء:65.
2- جامع الأُصول: 1/424.


(238)

2. وأخرج مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم، قال:

قام رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يوماً فينا خطيباً بماء يُدعى خماً بين مكة والمدينة، وحمد اللّه وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثمّ قال:

أمّا بعد : ألا أيّها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأُجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أوّلهما: كتاب اللّه فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب اللّه واستمسكوا به فحثّ على كتاب اللّه ورغب فيه.

ثمّ قال: وأهل بيتي أذكركم اللّه في أهل بيتي، أذكركم اللّه في أهل بيتي، أذكركم اللّه في أهل بيتي.(1)

3. أخرج الترمذي في صحيحه عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال: رأيت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حجّة يوم عرفة على ناقته القصواء يخطب فسمعته، يقول: يا أيّها الناس إنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا، كتاب اللّه وعترتي.(2)

4. أخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه حبل ممدود إلى السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وانّها لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض.(3)

وهذا الحديث المعروف بحديث الثقلين رواه عن النبي أكثر من ثلاثين صحابياً، ودوّنه ما يربو على ثلاثمائة عالم في كتبهم في مختلف العلوم والفنون، وفي جميع الأعصار والقرون، فهو حديث صحيح متواتر بين المسلمين، وقد عين النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ببركة هذا الحديث من يسدّ هذه الثغرات ويكون المرجع العلمي بعد رحيله وليس هو إلاّ أهل بيته.


1- صحيح مسلم:2/325.
2- سنن الترمذي:5/662، باب مناقب أهل بيت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .
3- مسند أحمد:3/14.


(239)

من هم أهل البيت؟

وأمّا من هم أهل بيته الّذين هم أحد الثقلين، وأشار إليهم سبحانه في قوله: (إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّركُمْ تَطْهيراً) .(1) فقد عرّفهم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في مواطن متعددة، بل كان له ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عناية وافرة بتعريفهم لم ير مثلها إلاّ في موارد نادرة .

أوّلاً: صرّح بأسماء من نزلت الآية في حقّهم، حتّى يتعين المنزول فيه باسمه ورسمه.

ثانياً: قد أدخل جميع من نزلت الآية في حقّهم تحت الكساء ومنع من دخول غيرهم.

ثالثاً: كلّما خرج إلى الصلاة كان يمر ببيت فاطمة عليها السَّلام عدّة شهور، ويقول: الصلاة أهل البيت(إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّركُمْ تَطْهيراً) ولنذكر لكلّ موطن نموذجاً:

أمّا الأوّل: أخرج الطبري في تفسير الآية عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : نزلت الآية في خمسة: فيّ وفي علي ـ عليه السَّلام ـ و حسن ـ عليه السَّلام ـ وحسين ـ عليه السَّلام ـ و فاطمة عليها السَّلام (إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّركُمْ تَطْهيراً) .

وقد رويت في هذا المجال روايات فمن أراد فليرجع إلى تفسير الطبري والدر المنثور للسيوطي.

وأمّا الثاني: فقد أخرج السيوطي عن ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن عائشة قالت: خرج رسول اللّه غداة وعليه مرط مرجّل


1- الأحزاب:33.


(240)

من شعر أسود فجاء الحسن والحسين عليمها السَّلام فأدخلهما معه، ثمّ جاء علي فأدخله معه، ثمّ قال:(إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّركُمْ تَطْهيراً).

ولو لم تذكر فاطمة عليها السَّلام في هذا الحديث فقد جاء في حديث آخر، حيث روى السيوطي، وقال: أخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه عن سعد، قال: نزل على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الوحي فأدخل علياً وفاطمة وابنيهما تحت ثوبه، ثمّ قال: اللّهمّ إنّ هؤلاء أهلي وأهل بيتي.

وفي حديث آخر جاء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلىّ فاطمة ومعه حسن وحسين، وعلي حتّى دخل فأدنى علياً وفاطمة فأجسلهما بين يديه وأجلس حسناً و حسيناً كلّ واحد منهما على فخذه ثمّ لفّ عليهم ثوبه وأنا مستدبرهم، ثمّ تلا هذه الآية:(إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّركُمْ تَطْهيراً) .

وأمّا الثالث: فقد أخرج الطبري عن أنس انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يمر ببيت فاطمة عليها السَّلام ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة، فيقول الصلاة أهل البيت(إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّركُمْ تَطْهيراً) .(1)

***


1- وللوقوف على مصادر هذه الروايات لاحظ تفسير الطبري:22/5ـ7 والدر المنثور:5/198ـ 199، والروايات تربو على أربع وثلاثين رواية، ورواها من عيون الصحابة: أبو سعيد الخدري، أنس بن مالك، ابن عباس، أبو هريرة الدوسي، سعد بن أبي وقاص، واثلة بن الأسقع، أبو الحمراء أعني هلال بن حارث، ومن أُمّهات المؤمنين: عائشة وأُمّ سلمة.
ورواه من أصحاب الصحاح : مسلم في صحيحه:7/122ـ123 والترمذي في سننه: 5/699برقم 3871، ولاحظ جامع الأُصول لابن الأثير:10/100ـ103.


(241)

اعتراف أئمّة المذاهب بأفقهية أهل البيتعليهم السَّلام

إنّ كثيراً من علماء أهل السنّة ـ قديماً وحديثاً ـ اعترفوا بأفقهية أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، فها نحن نذكر هنا شيئاً قليلاً من كثير.

روى ابن عساكر في تاريخه في ترجمة السجاد (علي بن الحسين ـ عليه السَّلام ـ ) عن أبي حازم انّه قال: ما رأيت هاشمياً أفضل من علي بن الحسين، وما رأيت أحداً كان أفقه منه.(1)

وقال الشافعي: إنّ علي بن الحسين، أفقه أهل البيت.(2)

وقال عبد اللّه بن عطاء: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند أبي جعفر، لقد رأيت الحكم بن عتيبة مع جلالته في القوم كأنّه متعلّم.(3)

وقال أبوحنيفة: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الصادق ـ عليه السَّلام ـ .(4)

ونقل الإمام الشافعي في رحلته: انّه سمع من مالك قوله للرجل الّذي أجاب على مسائله:

قرأت ـ أو سمعت ـ الموطأ؟ قال: لا.

قال: فنظرت في مسائل ابن جُريج؟ قال: لا.

قال: فلقيت جعفر بن محمد الصادق ؟ قال: لا.

قال: فهذا العلم من أين لك؟(5)


1- سير اعلام النبلاء:4/394.
2- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:15/274.
3- حلية الأولياء:3/186.
4- تهذيب الكلمات:5/79.
5- رحلة الإمام الشافعي:25.


(242)

قد خرجنا بالنتيجة التالية:

إنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد ارتحل وقد خلف الثقلين لترجع إليهما الأُمّة في حلّ معضلاتها ومشكلاتها، وانّه عيّن المقصود من أهل بيته وأشاد بهم في مواقف مختلفة وعرفهم للأُمّة بيد انّ هناك سؤالاً يطرح نفسه ، وهو:

إجابة على سؤال

إنّ أهل بيت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعترته الطاهرة قد ارتحلوا فأين تراثهم وعلومهم حتّى ترجع إليها الأُمّة. هب انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تعبّدنا بالرجوع إليهم والتمسك بأحاديثهم وكلماتهم فأين أحاديثهم وعلومهم حتّى نرجع إليهم؟

والجواب عنه واضح، وهو انّ تراث أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وأحاديثهم ومعارفهم تتمثل في الأُمور التالية:

الأوّل: كتاب علي

فقد كان لعلي كتاب خاص بإملاء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقد حفظته العترة الطاهرة ـ عليهم السَّلام ـ و صدرت عنه في مواضع كثيرة ونقلت نصوصه في موضوعات مختلفة، وقد بث الحرّالعاملي في موسوعته الحديثية، أحاديث ذلك الكتاب حسب الكتب الفقهية من الطهارة إلى الديات، ومن أراد فليرجع إلى تلك الموسوعة.

وقال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ عندما سئل عن الجامعة؟ فقال: فيها كلّ ما يحتاج الناس إليه، وليس من قضية إلاّ فيها حتّى أرش الخدش.

وكان كتاب علي مصدراً لأحاديث العترة الطاهرة يرثونه واحد بعد آخر وينقلون عنه ويستدلون به على السائلين.


(243)

وهذه هو أبو جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ يقول لأحد أصحابه ـ أعني حمُران بن أعين ـ و هو يشير إلى بيت كبير: يا حمران إنّ في هذا البيت صحيفة طولها سبعون ذراعاً بخطّ علي ـ عليه السَّلام ـ وإملاء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لو وُلّينا الناس لحكمنا بما أنزل اللّه لم نعد ما في هذه الصحيفة.

وهذا هو الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ يعرّف كتاب علي ـ عليه السَّلام ـ بقوله: «فهو كتاب طوله سبعون ذراعاً إملاء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من فلق فيه وخط علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ بيده، فيه واللّه جميع ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة حتّى أنّ فيه أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة».

ويقول سليمان بن خالد: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول:«إنّ عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعا،ً إملاء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خطّعليّ ـ عليه السَّلام ـ بيده، ما من حلال ولا حرام إلاّوهو فيها حتّى أرش الخدش».

ويقول أبو جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ لبعض أصحابه: يا جابر إنّا لو كنّا نحدثكم برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين، ولكنّا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسولاللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ».(1)

وقد كان علي ـ عليه السَّلام ـ أعلم الناس بسنة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وكيف لا يكون ذلك، وهو يقول: كنت إذا سألت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ انبأني وإذا سكت ابتدأني.

وقد كان يصدر عن ذلك الكتاب إمام بعد إمام، و هذا هو ولده الإمام الحسن السبط ـ عليه السَّلام ـ وهو يصف كتب علي:

«إنّ العلم فينا ونحن أهله، وهو عندنا مجموع كلّه بحذافيره، ومنه لا يحدث


1- قد جمع العلاّمة المجلسي ما ورد من الأثر حول كتاب علي في موسوعته بحار الأنوار:26/18ـ 66 تحت عنوان باب جهات علومهم وما عندهم من الكتب، الحديث12، 1، 10، 20.


(244)

شيء إلى يوم القيامة حتّى أرش الخدش إلاّوهو عندنا مكتوب، بإملاء رسول اللّه وخطّعلي بيده».(1)

وقال الإمام زين العابدين ـ عليه السَّلام ـ لرجل شاجره في مسألة فقهية:« يا هذا لو صرت إلى منازلنا لأريناك آثار جبرئيل في رحالنا، أيكون أحد أعلم بالسنة منّا».(2)

وقال الإمام أبو جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ للحكم بن عتيبة:

اذهب أنت وسلمة وأبو المقدام، حيث شئتم ـ يميناً وشمالاً ـ فواللّه، لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرائيل.(3)

وقال ـ عليه السَّلام ـ لسلمة بن كهيل والحكم: «شرّقا وغرّبا، لن تجدا علماً صحيحاً إلاّ شيئاً يخرج من عندنا أهل البيت».(4)

إلى غير ذلك من كلمات أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ والّتي تعرب عن علمهم بالسنّة والكتاب، وانّهم أعرف الناس بمواقع الكتاب والسنّة.

الثاني: الصحيفة السجادية

هذه الصحيفة المعروفة بالصحيفة السجادية أو زبور آل محمّد من مظاهر علوم أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وهي خالدة على جبين الدهر، وأسانيدها إلى الإمام متسلسلة متضافرة بل متواترة. وهناك وراء اتصال الأسانيد شيء آخر وهو انّ فصاحة ألفاظها وبلاغة معانيها وعلوّ مضامينها و ما فيها من أنواع التذلّل للّه تعالى والثناء عليه، والأساليب العجيبة في طلب عفوه وكرمه والتوسّل إليه أقوى


1- الحاكم ،المستدرك:3/125.
2- الاحتجاج:1/287.
3- نزهة الناظر للحلواني:45.
4- رجال النجاشي برقم 966.


(245)

شاهد على صحّة نسبتها إليه وانّ هذا الدرّ من ذلك البحر وهذا الجوهر من ذلك المعدن، وهذا الثمر من ذلك الشجر، مضافاً إلى اشتهارها شهرة لا تقبل الريب. وتعدد أسانيدها المتصلة إلى مُنشئِها، فقد رواها الثقات بأسانيدهم المتعددة المتصلة إلى زين العابدين ـ عليه السَّلام ـ .(1)

الثالث: رسالة الحقوق

إنّ للإمام علي بن الحسين عليمها السَّلام رسالة معروفة باسم رسالة الحقوق، أوردها الصدوق في خصاله بسند معتبر، كما رواها الحسن بن شعبة في تحف العقول مرسلة، وهي من جلائل الرسائل في أنواع الحقوق، يذكر الإمام فيها حقوق اللّه سبحانه على الإنسان وحقوق نفسه عليه، وحقوق أعضائه من اللسان والسمع والبصر والرجلين واليدين والبطن والفرج، ثمّ يذكر حقوق الأفعال، من الصلاة والصوم والحجّ والصدقة والهدي التي تبلغ خمسين حقاً، آخرها حقّ الذمة.

الرابع: رسالة الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ في الفرائض والسنن

روى المحدثون انّ المأمون بعث الفضل بن سهل إلى الرضا ـ عليه السَّلام ـ فقال: إنّي أُحبّ أن تجمع لي من الحلال والحرام،والفرائض والسنن فانّك حجة اللّه على خلقه ومعدن العلم، فدعا الرضا ـ عليه السَّلام ـ بدواة وقرطاس وقال للفضل اكتب:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

«حسبنا شهادة أن لاإله إلاّ اللّه أحداً، صمداً لم يتّخذ صاحبة ولا ولداً...».

والرسالة مطبوعة في كتاب تحف العقول عن آل الرسول.(2)


1- في رحاب أئمّة أهل البيت:3/414.
2- تحف العقول:306ـ 311.


(246)

الخامسة: رسالة الإمام الهادي ـ عليه السَّلام ـ

روى المحدثون عن الإمام الراشد الصابر أبي الحسن علي بن محمد عليمها السَّلام رسالة في الردّ على أهل الجبر والتفويض وإثبات العدل والمنزلة بين المنزلتين، وقد نقلها بنصها ابن شعبة الحراني في تحف العقول.(1)

هذه الرسائل هي المدونة من قبل الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ أنفسهم وهناك رسائل أُخرى بأقلامهم لم نذكرها روماً للاختصار.

وأمّا ما رُوي عنهم ودونها أئمّة أهل الحديث عبر القرون فحدث عنه ولا حرج ونشير إلى بعضها.

السادس: نهج البلاغة

إنّ كتاب نهج البلاغة من أعرف الكتب وأشهرها عند الفريقين، وهو يتضمن خطب الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ وكتبه وكلماته القصار قام بجمعها الشريف الرضي (المتوفّى عام 406هـ).

وقد حذف الأسانيد وجاء بالمتون لاشتهار صدورها عن علي ـ عليه السَّلام ـ ، وقد قام غير واحد من الأصحاب بالاستدراك على ما نقله الشريف الرضي، فذكروا خطباً ورسائل كثيرة كما استخرج بعضهم أسانيد نهج البلاغة من الكتب المؤلفة قبل الشريف الرضي، وقد قيل في حقّه: إنّه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق.

السابع: أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف

إنّ أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ قد ربَّوا جيلاً كبيراً من الفقهاء والمحدّثين، فدوّنوا


1- تحف العقول:338ـ 352.


(247)

ما وعوه عنهم في كتبهم المعروفة بأربعمائة مصنَّف، ولم يزل بعضها موجوداً إلى الآن بهيئتها ووضعها.

غير انّ كثيراً منها قد انتقل موادها إلى الأُصول المؤلفة على يد علماء الشيعة في الأعصار المتأخّرة وهي بين جوامع أوّلية كالمحاسن لأحمد بن محمد بن أبي خالد البرقي (المتوفّى 274هـ) ونوادر الحكمة لمحمد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمي (المتوفّى 293هـ) وكتاب الجامع لأحمد بن البزنطي (المتوفّى 221هـ) وكتاب الثلاثين للأخوين الحسن والحسين ابني سعيد بن حماد الأهوازي.

وبين جوامع ثانوية كـ«الكافي »للشيخ الكليني (المتوفّى 329هـ)، و«من لا يحضره الفقيه» للمحدّث الخبير أبي جعفر الصدوق (المتوفّى 381هـ) و«التهذيب» و«الاستبصار» للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (المتوفّى 460هـ).

وبين جوامع متأخرة كـ«الوافي» لمحمد بن محسن الفيض الكاشاني (المتوفّى 1091هـ) و«وسائل الشيعة» للحرّ العاملي (المتوفّى 1104هـ) و«بحار الأنوار» لمحيي السنة الشيخ محمد باقر المجلسي (المتوفّى عام 1110هـ).

فهذه الجوامع وغيرها الّتي لم نشر إليها بغية الاختصار قد احتضنت علوم أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ في مختلف المجالات، ومن أراد أن يتمسك بالثقلين فهذا هو كتاب اللّه، وهذه هي سنة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الّتي نقلها أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ عنهم.

وهناك نكتة جديرة بالإشارة وهي انّه إذا كان أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ مطهرين من الرجس حسب تنصيص الكتاب، والمرجع العلمي بعد رحيل الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقرناء القرآن وأعداله بنفس رواية الثقلين، إلى غير ذلك من سمات ومواصفات فلماذا غفل إخواننا أهل السنة عن الرجوع إليهم والاستضاءة بأنوارهم وركوب


(248)

سفينتهم حتّى ينجوا من الغرق.

والعجب انّهم رجعوا إلى كلّ صحابي وتابعي وكلّ إنسان يتّسم بالسلفية ومع ذلك لا نرى أنّهم يتمسكون بأحاديث أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ إلاّ نزراً قليلاً لا يذكر.

فهم طرقوا كلّ باب حتّى باب مستسلمة أهل الكتاب نظراء كعب الأحبار و وهب بن منبّه إلى غير ذلك ولم يطرقوا باب أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ .

نسأله سبحانه أن يلمّ شعث المسلمين ويرزقهم توحيد الكلمة كما رزقهم كلمة التوحيد .

وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

4 ربيع الثاني من شهور عام 1422


(249)

الفصل الثاني
مقالات في الفقه

1. التشريع في الحكومة الإسلامية

2. حول سعة المطاف والرمي

3. شرطية السوم في تعلّق الزكاة

4. إرث المسلم من الكافر

5. إلماع إلى تاريخ علم الأُصول


(250)

(251)

1

التشريع في الحكومة الإسلامية(1)

ينمُّ اتّساع الحياة الاجتماعية للإنسان واضمحلال الحياة الفردية في الغابات والبوادي، عن ميله الطبيعي للحياة الاجتماعية كي يتسنّى له عن طريق التعاون مع أبناء جنسه، التغلّب على ما يكتنفها من مصاعب، هذا من ناحية، ومن ناحية أُخرى فإنّ الإنسان موجود أناني ويمثل حبّ الذات أمراً غريزياً فيه وهو يطمح في الاستحواذ على كلّ شيء، وإذا ما خضع يوماً للقوانين الاجتماعية الصارمة فإنّما يفعل ذلك اضطراراً، ولولا الاضطرار لما تخلّى عن طبيعته الأنانية، وخير دليل على ذلك هو عدم تورّعه عن سحق حقوق الآخرين كلّما سنحت له الفرصة. من هنا فقد اتّفقت آراء العلماء على أنّ إقامة المجتمع الإنساني السليم، تستلزم تشريع منهج كامل، لكي تتضح في ضوئه حقوق وواجبات الأفراد في الحياة الاجتماعية، وذلك المنهج هو عبارة عن القوانين الاجتماعية التي تمثل البنية التحتية للمجتمع الإنساني، فلنحقّق من الذي يضطلع بمهمة وضع هذا المنهج؟


1- أُلقي هذا المقال في المؤتمر الرابع للفكر الإسلامي الذي عقدته منظمة الإعلام الإسلامي في طهران عام 1415هـ.


(252)

الحكومة في الإسلام

جرى بنا القول على نحو الإجمال أنّ المشرّع إنّما يريد من خلال سنّه للتعاليم الفردية والاجتماعية توجيه المجتمع نحو الكمال وتوفير السعادة المادية والمعنوية لأفراده عن طريق تحديد واجباتهم وتأمين حقوقهم.

ومن هنا يجب أن يتوفر في المشرّع، الشرطان التاليان:

1. أن يكون على معرفة بالطبيعة الإنسانية: فإذا كان الهدف من التقنين هو تأمين حاجات الإنسان الجسدية والروحية، فلابدّ والحالة هذه من أن يكون المقنّن عارفاً على نحو الدقة بكلّ خفايا الإنسان ببعديه الجسدي والروحي، وبعبارة أُخرى على المشرّع أن يكون على معرفة دقيقة بالطبائع الفردية والجماعية.

2. النزاهة من النوازع النفعية: يستلزم التحلّي بالرؤية الواقعية وصيانة مصالح المجتمع أن يكون المشرّع مجرداً من كلّ أنواع الأنانية والنفعية عند وضعه للقانون; إذ إنّ غريزة حب الذات تخلق حاجزاً كثيفاً أمام البصيرة، والإنسان مهما كان عادلاً ومنصفاً و واقعياً في رؤيته فلابدّ من أن يقع تحت تأثير نوازع الأنانية وحبّ الذات.

علينا أن نبحث أين يجتمع هذان الشرطان على الوجه الأكمل؟ لا ريب في أنّ المشرّع لو أُريد له أن يكون عالماً بخفايا الإنسان على أفضل وجه، فليس ثمّة من يُوصف بهذه الميزة سوى اللّه سبحانه; وليس هنالك من يملك معرفة بمخلوق ما، أكثر من خالقه; وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى بقوله: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَق وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبير) .(1)


1- الملك:14.


(253)

فالخالق الذي أبدع المخلوق من خلايا لا حصر لها وركّب أجزاء بدنه على اختلافها، من المسلّم أنّه أعلم من الآخرين بما خفي وظهر من حاجات مخلوقه وبمصالحه ومفاسده; فهو تعالى بعلمه محيط بعلاقات الأفراد ونتائجها والواجبات التي تمثل مصدراً لانسجام المجتمع، والحقوق التي يستحقها كلّ إنسان.

ولا يتوفر الشرط الثاني ـ الذي هو عبارة عن التجرّد عن النفعية أثناء وضع القانون ـ إلاّ في الذات الإلهية المقدسة، وذلك لاستغنائه تعالى عن أية منفعة لدى المجتمع البشري ونزاهته عن كلّ أنواع الغرائز لا سيما غريزة حبّ الذات، في حين أن بني الإنسان بأسرهم تستحوذ عليهم ـ إلى حدّ ما ـ نزعة الأنانية، وهي الآفة التي تهدد سلامة التقنين، ومهما حاولوا الانعتاق من مخالب هذه الشهوة، نجدهم يقعون فيها من جديد.

نقدّم بعد هذا التمهيد شرحاً للموضوعات التالية:

أُسلوب التشريع في الحكومة الإسلامية

ليس هنالك ـ في نظر القرآن ـ من مُقنّن أو مشرّع سوى اللّه سبحانه، سواء أكانت الجهة المقنّنة فرداً أم جماعة، أمّا الآخرون ـ كالفقهاء والعلماء ـ فإنّهم بمثابة خبراء بالقانون ويضطلعون بمهمة بيان الأحكام الإلهية من خلال الرجوع إلى مصادر التشريع.

يتّضح من خلال استقراء الآيات القرآنية، أنّ التقنين أو التشريع مختصّ باللّه سبحانه وحده، ولا توجد في النظام التوحيدي حجّة على نفوذ رأي شخص في حقّ شخص آخر، ولا حقّ لأحد في فرض آرائه على الفرد أو المجتمع، أو


(254)

استخدام القوة لإجبار الناس على تنفيذها.

إنّ أفراد المجتمع الإنساني كما صرّح بذلك الرسول الكريم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «سواسية كأسنان المشط»(1) لا فضل لأحد منهم على الآخر، من هنا لا يوجد أي مسوّغ يبيح لفرد أو فئة إصدار حكم يصب في صالح فرد أو جماعة أو ضرر فرد أو جماعة أُخرى، ثمّ يدعو الناس لاتّباعه.

وأسمى مظاهر المساواة في ظل النظام التوحيدي هو ما صرّح به الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قوله: «الناس أمام الحقّ سواء»، وانّ القانون يُطبق على المجتمع دون أي اعتبار للامتيازات. وقد قارع الإسلام بكلّ ضراوة، النظامَ الطبقي الجائر الذي كان سائداً في العهد الساساني حيث كانت فئة من الناس ترى نفسها فوق القانون، بينما كان هناك فئة أُخرى تخضع لحكم القانون.

هناك آيات قرآنية كثيرة ترى انحصار التقنين في الذات الإلهية، ونحن نكتفي هنا بذكر بعض منها; قال تعالى:

(ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسماء سَمّيتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤكُمْ ما أَنْزَل اللّه بِها مِنْ سُلْطان إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للّه أَمَرَأَلاّتَعْبُدُوا إِلاّإِياهُ ذلكَ الدِّينُ القَيِّم وَلكن أَكْثر النّاس لا يَعْلَمُون) .(2)

وقد وردت عبارة (إن الحكم إلاّللّه) مرّتين في هذه السورة(سورة يوسف) إحداهما في هذه الآية، والأُخرى في الآية 67 من السورة حيث قال تعالى:

(وَقالَ يا بَنيّ لا تدخُلُوا مِنْ باب واحد وَادْخُلُوا مِنْ أَبواب مُتَفرِّقة وَما أغني


1- الناس كأسنان المشط سواسية(من لا يحضره الفقيه:4/272).
2- يوسف:40.


(255)

عَنْكُمْ مِنَ ا للّه مِنْ شَيء إِنِ الحُكْمُ إِلاّللّه عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَليهِ فَلْيَتَوَكَّل المُتَوكّلُون).(1)

والمراد من الحكم في الآية الثانية هو الحكم التكويني; بمعنى انّ الكون كلّه بيده ويخضع لتدبيره، وسائر جُمَل الآية يؤيد هذا المعنى، إذ إنّ يعقوب حينما كان يرشد أبناءه إلى سبيل الوصول إلى هدفهم ويوضح لهم طريق النصر ويأمرهم بالدخول من أبواب متفرقة، سرعان ما يقول لهم: (وَما أَغني عَنْكُمْ مِنَ اللّهِ مِنْ شَيْء إِنِ الحُكْمُ إِلاّللّهِ عَليهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتوكَّل المُتَوكِّلُون) .

ويفيد منحى الآية انّ الهدف منها هو بيان الحكم التكويني للباري تعالى; فقد أشارت إلى ذلك في موضع آخر بالقول:(لَهُ مُلْكُ السَّموات وَالأرض) (2)، ومراد يعقوب هو انّ جميع الأفعال في الكون وكل الانتصارات والهزائم إنّما هي بيده تعالى، في حين انّ المراد منها في الآية الأُولى هو الحكم التشريعي، أي أنّ اللّه سبحانه هو صاحب الحقّ في الأمر والنهي والتحليل والتحريم، وسرعان ما يقول: (أَمَرَأَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّإِيّاهُ) وكأنّ سائلاً سأله بعد عبارة (إِن الحكم إِلاّ للّه) ، إذا كان منصب الحكم والتشريع مختصاً باللّه دون سواه فما هو حكم اللّه في العبودية؟ فأجابه على الفور:(أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ) .

بناء على ذلك،فانّ المراد من عبارة(إِن الحكم إِلاّ للّه) هو الحكومة التي تقوم على أساس السلطة التشريعية، ومثل هذا المنصب إنّما يختصّ باللّه سبحانه ولا حقّ لغيره في التدخل فيه، والسلطة التشريعية والتقنين شأن خاص باللّه ولا حق لأحد بإصدار حكم أو تشريع فريضة دون إذن منه تعالى.


1- يوسف:67.
2- الحديد:2.


(256)

القوانين الثابتة والمتغيّـرة

ثمّ تساؤل يثار هنا وهو: إذا لم يكن ثمّة مشرّع غير اللّه، ولا وجود لقوانين سوى قوانين الوحي المدوّنة في الكتاب والسنّة، فكيف والحالة هذه يتسنّى إدارة مجتمع متغيّـر بقوانين ثابتة؟

وبعبارة أُخرى: إنّ المجتمع المتغير والمتطور يحتاج إلى قوانين متغيّـرة ومتطوّرة في حين انّ القوانين الإلهية ثابتة لا تغيّـر فيها.

وأمّا الإجابة فقد ثبت خلال البحوث المتعلّقة بالنبوة الخاتمة وجود نوعين من القوانين في الإسلام هما:

1. القوانين الثابتة أو ما يصطلح عليها بالدائمية التي لا سبيل إلى تغييرها.

2. الأحكام والتشريعات المتغيرة التي تتغير بتغير الظروف والمستجدّات.

بعد أن بيّنتْ الآيات القرآنية مسألة التوحيد التشريعي بجلاء، علينا البحث في شأن دور السلطة التشريعية فيما يخص هذا الجانب من الأحكام أي في المجموعة من الأحكام التي تتبدّل شكلاً ومضموناً مع مرور الزمن وتبعاً لتغيّر الأوضاع.

فنقول: هنالك مجموعة من القواعد الثابتة التي لا يمكن تخطّيها، والتغير الذي يطرأ عليها إنّما هو في مظهر الحكم وهيكله الخارجي لا جوهره; فعلى سبيل المثال ربما تتخذ علاقة الحكومة الإسلامية بالدول الأجنبية أنماطاً متفاوتة; فقد تقتضي الظروف ان تتعامل معها الحكومة الإسلامية من باب الصداقة وتُقيم روابطها على هذا الأساس وتقوم بتطوير علاقاتها السياسية والثقافية والاقتصادية معها، وقد تستدعي الظروف قطع تلك الروابط أو تقليص علاقاتها الاقتصادية والثقافية معها إلى أمد على أقل تقدير. وهذا التغيير يقع في شكل الحكم وطريقة


(257)

تنفيذه وليس في جوهره; فالجوهر غير قابل للتغيير بالمرة. فعلى الحاكم الإسلامي المحافظة على مصالح الإسلام وصيانة عزّة المسلمين وأن لا يسمح بخضوع البلد الإسلامي لسيطرة الكفّار والمستعمرين; وهذا تعبير عن الحكم الوارد في الآية: (وَلَنْ يَجْعَل اللّه لِلِكافرينَ على المؤمِنينَ سَبيلاً) (1). إنّ الشيء المهم هو الحفاظ على كيان الإسلام; وقد تستدعي المحافظة على الإسلام قطع العلاقات تارة أو توطيدها تارة أُخرى.

وكذا الأمر فيما يتعلّق بمبدأ تقوية الجانب الدفاعي في الإسلام; فهناك مبدأ عام يوضحه القرآن الكريم بقوله: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطعْتُمْ مِنْ قُوَّة) (2)، فهذا المبدأ الذي يؤكد ضرورة تفوق الجيش الإسلامي على سائر الجيوش، لا يقبل التغيير على الإطلاق، والجانب الخاضع للتغيير منه هو شكله وأسلوب تطبيقه في مختلف الأعصار; ففي العهود المنصرمة كانت قوة الجيش الإسلامي تتأتى عن طريق توفير السهام والسيوف والرماح، أمّا في الوقت الحاضر فهو يُطبّق بطريقة أُخرى، ولابدّ من تجهيز الجيش الإسلامي بأحدث الأسلحة وبشتّى أنواعها البرية والجويةوالبحرية.

والخلاصة هي انّ التشريع الإلهي لا تطاله يد البشر أبداً; والأحكام الّتي بيّنت الشريعة روحها وجوهرها لا يحق للحاكم الإسلامي سوى التصرف بشكلها ومظهرها.

الاجتهاد واستنباط الأحكام

الاجتهاد يعني السعي العلمي للوصول إلى الحكم الشرعي من خلال اتباع


1- النساء:141.
2- الأنفال:60.


(258)

المنهج الصحيح استناداً إلى الكتاب والروايات والإجماع والعقل. والاجتهاد والتفقّه الذي وصف بأنّه القوة المحركة للإسلام، يعد أحد عوامل خلود الإسلام; إذ يتيسّر عن طريقه استنباط أية مسألة من القرآن والروايات، وبذلك يمكن الاستغناء عن قوانين الآخرين.

يعلم المطّلعون على تاريخ الفقه بأنّ الاجتهاد كان موجوداً على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعد رحيله وعن العهود التي تلت ذلك، ولابدّ من الانتباه إلى وجود فارق بين الاجتهاد في ذلك الزمان و بين الاجتهاد في زماننا هذا، فقد كان الاجتهاد آنذاك بسيطاً ويسيراً لتوفر القرائن المساعدة على فهم الأحاديث بالإضافة إلى إمكانية الاستفسار من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ لكشف ما يكتنفها من الغموض والإبهام في حالة وجود تعقيد أو لبس في فهم الآية أو الرواية، ولكن كلّما ابتعدنا عن ذلك الزمان اتخذ الاجتهاد طابعاً فنياً نتيجة الاختلاف في الآراء والروايات والطعون الواردة بحقّ بعض الرواة، وازدياد حاجة الأُمّة للاجتهاد واتّساع مدياته.

قال الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ لأبان بن تغلب، وكان من جملة المتفقهين من أصحابه: «اجلس في مجلس المدينة وأفتِ الناس، فانّـي أحبّ أن يرى في شيعتي مثلك».(1)

مكانة الفقيه في النظام الإسلامي

الفقيه هو الذي يستنبط الأحكام الشرعية من مصادرها الأربعة ويضعها بين أيدي الناس، وهو ليس المشرِّع أو المتقنّن في النظام الإسلامي، فهو لا يضع


1- مستدرك وسائل الشيعة:17/315(طبعة مؤسسة آل البيتعليهم السَّلام ).


(259)

حكماً ولا يبطل حكماً، ولكن بما انّ استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها يحتاج إلى التخصّص والأهلية العلمية، فالمجتهد ـ وبعد حصوله على مجموعة من الكفاءات ـ يصبح قادراً على استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنّة والعقل والإجماع، فيكفي الآخرين الكثير من العناء.

فإذا تلخّص الاجتهاد في معرفة التشريع واستنباط الأحكام من مظانّها، فهو في هذه الحالة يُعد وسيلة لتشخيص القانون، وعن طريقه يمكن تشخيص الحقّ من الباطل ومعرفة ما هو شرعي وما هو غير شرعي.

ويرى فقهاء الشيعة كفاية الأدلة الأربعة لا سيما سنّة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ التي وصلتنا عن طريق أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ لاستنباط الأحكام الشرعية والإفتاء بشأن الوقائع المستجدة في المجتمع. وقد أثبتوا صحّة هذه الرؤية على مدى القرون الأربعة عشر من تاريخ الإسلام.ويكفينا أن نعرف في هذا الصدد أنّ أحد كتب الحديث وهو كتاب «وسائل الشيعة» يحتوي على ما يناهز ست وثلاثين ألف رواية فقهية، وإذا أضفنا إليه كتاب «مستدرك الوسائل» ستتجلى أمامنا سعة مصادر الفقه الشيعي الإسلامي، خاصة إذا عرفنا أنّها تضم مجموعة من الأُصول الكلية والقواعد الشاملة التي بوسعها أن تلبّي الكثير من المتطلبات.

يقول الكاتب السوري المعاصر مصطفى أحمد الزرقاء مؤلف كتاب «المدخل الفقهي العام»:

«ولا يخفى انّ نصوص الكتاب والسنّة محدودة متناهية والحوادث الواقعة والمتوقعة غير متناهية، فلا سبيل إلى إعطاء الحوادث والمعاملات الجديدة منازلها وأحكامها في فقه الشريعة إلاّ على طريق الاجتهاد بالرأي».(1)


1- المدخل الفقهي العام:6/77.


(260)

إذا كانت الغاية من الاجتهاد، هو معرفة حكمه سبحانه فهو رهن أن يكون له واقع معيّن خارج نطاق المعرفة في الكتاب والسنّة أو في مراتب العلم الإلهي كاللوح المحفوظ، ولكن إذا لم يكن له وجود سوى في حدود الفكر، ففي مثل هذه الحالة يتحول الاجتهاد من وسيلة للمعرفة إلى مصدر لها، ويتحول الفقيه من عالم بالتشريع إلى مقنن ومشرّع، في حين انّ الاجتهاد وكذا مسألة التصويب والتخطئة لها في الفقه الشيعي منحىً آخر.

ففي هذا المذهب تضمنت المصادر الدينية حكم ما كان و ما يكون، فأصبحت الشريعة بأكملها في متناول أيدي الفقهاء المجتهدين، وما عليهم إلاّ المبادرة لاستنباط الأحكام من خلال السعي الحثيث،وقد يصيبون في هذا السبيل أو يخطئون، لكنّهم بريئو الذمّة إذا ما وقعوا في الخطأ، ولم يُوكل أمر التقنين لأحد حتّى في إطار مجموعة قواعد الاستنباط كالقياس والاستحسان.

دور مجلس الشورى الإسلامي

تتركز مهمة مجلس الشورى الإسلامي على التخطيط في ضوء الأحكام الإسلامية ، فلا غنى لأي بلد، مهما بلغت درجة تقدّمه الحضاري، عن وضع الخطط لأبنائه لمواجهة مختلف المتطلبات المستجدّة يوماً بعد يوم. وإذا ما دخلت قرارات مجلس الشورى الإسلامي حيز التنفيذ تكون بمثابة التعاليم الإلهية التي تخرج من طابعها الكلي إلى الجزئي.

ونظراً لاحتمال تجاوز النواب للأحكام الإسلامية العامة أثناء عملية وضع الخطط وتعارض قراراتهم مع هذه الأحكام، فلابدّ من وجود مجموعة من الفقهاء المعروفين إلى جانب مجلس الشورى كي يدققوا فيما يقرره المجلس، ويدرسوا مدى تطابقه مع أُصول الشرع المقدس.


(261)

مشكلة اختلاف الفتاوى في النظام الإسلامي

يمثل الاجتهاد في الفقه عنصراً لبقاء الشريعة وديمومتها، لكنّه يُعتبر في الوقت ذاته مبعث اختلاف وازدواجية. وهنا يتبادر إلى الأذهان هذا التساؤل وهو: كيف يتسنّى تقويض الاختلاف في الفتاوى في ظل النظام الإسلامي، لا سيما وانّ باب الاجتهاد مفتوح على مصراعيه في الفقه الشيعي، وربما يصطدم رأي المجتهد مع آراء كافة ذوي الرأي، بل و حتى المشهورين من أئمّة الفقه. ومثل هذا الاجتهاد الواسع الأبواب يؤدي إلى وقوع الاختلاف ويتسبب في خلق مشكلة على صعيد حياة الأُمّة، وما تخطط له الحكومة والقائمون على القضاء؟!

وحديثنا هنا يختصّ بمرحلة سيادة النظام الإسلامي وخمود نيران الفتن والمؤامرات وعدم وجود حالة طوارئ بل انّ حالة الطوارئ خارجة عن موضوع بحثنا; فمواطن الضرورة تختلف فيما بينها كماً ونوعاً وطريقة معالجتها تخضع للظروف السائدة فيها. من هنا فانّ الحديث يتركز هنا على نظام مستتب لا يعيش حالة استثنائية.

وقد تبرز مشكلة الاختلاف في الفتيا على ثلاثة مستويات هي:

1. حياة الناس وعلاقاتهم.

2. الجهاز القضائي.

3. خطط الحكومة.

ولكلّ واحدة من هذه الحالات أسلوب حلّ خاص بها:

1. لا شكّ في أنّ الفقه الشيعي يعتقد انّ باب الاجتهاد المطلق مفتوح ويرى وجوب تقليد المجتهد الحي، وهذا ما جعله فقهاً متكاملاً وقادراً على تلبية متطلبات كلّ عصر; فالبقاء على تقليد الميت يعوق ازدهار الفقه ويكبّل مسيرته


(262)

نحو التكامل.

والمشهور بين الفقهاء الشيعة انّهم لا يوجبون تقليد الحيّ فحسب، بل يوجبون أيضاً تقليد الأعلم في استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها ويوجّهون الناس إلى تقليد الأعلم والأفقه الذي غالباً ما يجري التعريف به عن طريق ذوي الاختصاص وتتجه الأنظار نحوه، وبالتالي فانّ الأكثرية من الأُمّة لا تواجه مشكلة فيما يتعلّق باختلاف الفتيا حيث تجتمع المرجعية العامة في شخص واحد.

2. هذه المشكلة محلولة تلقائياً في الجهاز القضائي انطلاقاً من المعايير التي وضعها الفقه الشيعي في هذا المجال، فمشكلة اختلاف الفتاوى في الجهاز القضائي ترتفع بتوفر شرط الاجتهاد في القاضي، فلابدّ للقاضي ـ في الفقه الشيعي ـ أن يكون مجتهداً وفقيهاً مستنبطاً وقادراً على استخراج حكمه في القضية استناداً للمصادر الاستدلالية دون الرجوع إلى قانون مدوّن.

إنّ وضع قانون مكتوب للقضاة يُعَدُّ ضرباً من تقليد المحاكم في الغرب وجاء نتيجة للغفلة عن شرط الاجتهاد المطلق في القاضي، وهذا بطبيعة الحال لا ينسجم مع الأُسس الفقهية عند الشيعة، إذ إنّ الاشتكاء إمّا أن يكون حقوقياً أو جزائياً، وبعبارة أُخرى إمّا أنّه يتعلق بالدعاوي المالية والحقوقية أو يتعلق بالحدود والتعزيرات.

ففي الحالة الأُولى يتعيّن على القاضي القضاء وفقاً لرأيه واجتهاده، فإذا ما تطابق مضمون القانون الوضعي مع رأيه فخير، وإلاّ فعليه القضاء برأيه واجتهاده.

أمّا بالنسبة إلى الحالة الثانية فانّ الحدود والأحكام الجزائية في الإسلام قد جرى توضيحها وربما يطرأ عليها تغيير نادراً، وانّ وضع قانون موحدإنّما هو من


(263)

قبيل «لزوم ما لا يلزم»، واجتهاد القاضي يغنيه عن الرجوع لمثل هذا القانون.

أمّا التعزيرات فهي في نظر الفقه الإسلامي منوطة بتشخيص القاضي، أو كما يصطلح عليها الفقهاء موكولة «على ما يراه الحاكم من المصلحة»، من هنا فلا داعي لوضع قانون مدوّن وتزويد القضاة به لغرض تجنب الاختلاف في وجهات النظر بشأن التعزيرات.

وهذا الجانب يعد من الأبعاد المشرقة في الفقه الإسلامي، حيث تناط طريقة ومدى التعزير بما يراه القاضي ولا تجري معاقبة الجناة ـ وإن تشابهت جرائمهم ـ بعقوبات متشابهة، فربما يصلح مجرم من خلال توبيخه، وقد لا يصلح مجرم آخر اقترف جريمة مشابهة إلاّ بجلده خمسين جلدة، والإصرار على وضع قانون موحّد للتعزيرات يعمل جميع القضاة وفقاً له يتعارض مع القاعدة المتقدم ذكرها والتي تتفق آراء كبار فقهاء المسلمين بشأنها.

إنّ الإصرار على تدوين قانون موحّد للمحاكم، سواء كان حقوقياً أم جزائياً، منشؤه تجاهل شرط الاجتهاد في القاضي، أو لحكم الضرورة التي تستدعي استخدام قضاة لا قدرة لديهم على الاستنباط، ونظراً لافتقاد هؤلاء القُضاة لعنصر الاجتهاد فلابدّ والحالة هذه من تدوين قانون ووضعه بين أيديهم.

3. إنّ اختلاف الفتاوى لا يثير أي مشكلة لا للحكومة ولا لأعضاء مجلس الشورى الإسلامي، سواء أكان على شكل مشروع أم على شكل لائحة، للأسباب التالية:

أ: إنّ الأحكام الشرعية العامة، بدءاً من الطهارة وانتهاءً بالديات، خارجة عن حدود خطط ولوائح مصادقة النواب; فمثل هذا الصنف من الأحكام مختصّ بفقهاء الإسلام ولا مجال لإبداء الرأي فيه من قبل جهة أُخرى; فعلى سبيل المثال


(264)

لا مجال أبداً لإخضاع أحكام البيع والربا والقصاص والديات للتصويب، لأنّ الحكم الإلهي أرفع من أن يصوّت عليه عباد اللّه.

ب: يجب أن يكون كلّ ما يخطط له النواب على الأصعدة الثقافية والاقتصادية والسياسية وكذا ما تقرره الحكومة محصوراً في إطار القوانين الإلهية العامة، ويبقى تشخيص مطابقتها أو معارضتها للشرع المقدس على عاتق الفقهاء الذين توكل إليهم مهمة الإشراف على ما يصادق عليه المجلس. وهذه المهمة تُلقي مسؤولية ثقيلة على عاتق فقهاء مجلس صيانة الدستور الذين لا بدّ من أن يتوفر فيهم الاجتهاد المطلق والاطلاع والإتقان التام للأُسس الفقهية، وهم الذين يبتّون في مدى صحّة الأحكام بعد إحرازهم لمطابقتها للموازين الشرعية، ولا يمكنهم في هذا المجال التعويل على رأي مجتهد آخر.

اتّضح ممّا تقدّم انّ الاختلاف في الفتاوى لا يثير مشكلة إلاّ في حالة الضرورة. فقدان الاجتهاد في القاضي وبطبيعة الحال يجب تدوين كلّ ما يصادق عليه المجلس، وصياغته على شكل «قانون مدوّن» أو بتعبير أدق «مقررات مدونة» وتلتزم به الدوائر التنفيذية ويعمل الجميع على ضوئه.

المذهب الرسمي للدولة الإسلامية

ربما يجري الحديث أحياناً حول دولة واحدة كالجمهورية الإسلامية في إيران، وتارةً عن جمهوريات إسلامية متحدة حين تزول الحدود المصطنعة بين البلدان الإسلامية وتتلاحم كلّ هذه الدول تحت راية واحدة، و الحديث عن الحالة الثانية خارج عن إطار بحثنا; لأنّه من غير الصواب إبداء وجهة نظر قاطعة بهذا المجال مالم تتوفر عوامل تحقّق مثل هذه الوحدة; ولا يمكن الحديث بنحو


(265)

قاطع إلاّ حينما تتضح طبيعة ومعالم تلك الحكومة المتحدة.

موضوع الحديث هذا يخصّ حالة الدولة الواحدة; فلا شكّ في أنّ المذاهب الفقهية ـ بصريح الدستورـ محترمة والأفراد أحرار في اختيار المذهب الفقهي، هذا من ناحية، ومن ناحية أُخرى لابدّ من وجود بُنية دينية تحتية تقوم عليها النشاطات الاقتصادية والثقافية والسياسية للحكومة بحيث تجري نشاطاتها على ضوئها وتتخذ لها مساراً واحداً في تحركها، فمن المتعذر تنظيم معاملات البلاد دون الاستناد إلى نظام فقهي منسجم، وهذا المذهب الفقهي هو الذي يحكمها. وبما انّ الحكومة منبثقة من صلب الأُمّة فلابدّ بطبيعة الحال من سيادة مذهب الأكثرية فيصبح مذهباً رسمياً للدولة، ولكن بما انّ الاختلاف في الفتاوى المتعلقة بالأحوال الشخصية موجود في جميع المذاهب الفقهية، وخضوع أتباع كلّ مذهب لأحكام مذهبهم في مسائل الزواج والطلاق والميراث وغيرها، واعتراف القانون بهذه المذاهب أيضاً، فلابدّ من تحديد قضاة معروفين من هذه المذاهب للحكم وفقاً لما تنصّ عليه مذاهبهم إذا ما احتاج أتباع هذه المذاهب لمراجعة الجهات القضائية. ولحسن الحظ فانّ القوانين الحقوقية والجزائية في الإسلام فيها من المشتركات من الكثرة ما يحول دون بروز أيّة مشاكل نتيجة اختلاف الفتاوى بين المذاهب الفقهية في هذا المجال.

حقوق الأقليات في ظل الحكومة الإسلامية

ليس ثمة دين أو حكومة في العالم كالإسلام يحرص على ضمان الحريات للأقليات ويحافظ على كرامتهم وحقوقهم القومية; فالإسلام هو الدين الوحيد الذي يوفر العدالة الاجتماعية بتمامها في البلد الإسلامي، وليس للمسلمين


(266)

وحدهم بل لجميع القاطنين في دولته مع ما يوجد بينهم من اختلاف في الدين والعنصر واللغة واللون. وهذه إحدى المزايا الإنسانية العظمى التي يعجز أي دين أو قانون غير الإسلام عن تحقيقها; فالأقليات الدينية تستطيع العيش في البلد الإسلامي بحرية والتمتع بالحقوق الاجتماعية والأمنية داخلياً وخارجياً شأنهم شأن المسلمين، وذلك بعقدهم لعهد الذمة والحصول على الانتماء للبلد الإسلامي.

1. شروط عقد الذمة

لعقد الذمة ثلاثة شروط، وبزوالها ينتفي هذا العقد، وهي:

أ: أن لا يقوم أهل الذمة بما يتنافى مع مفاد العقد المبرم، كالتآمر على الإسلام ومصالح المسلمين وشن الحرب ضدّهم ومساندة أعدائهم والمشركين.

ب: أن يلتزم أهل الذمّة بأحكام الإسلام الجزائية التي تُطبق بحقّهم.

ج: دفع مبلغ سنوي تحت عنوان (الجزية) للدولة الإسلامية.

وتمثل هذه الشروط الثلاثة شروطاً أساسية في عقد الذمة. أمّا إذا أدرجت شروط أُخرى في العقد فيجب على أهل الذمة الالتزام بها. هذا العقد يوجب لأهل الذمة حقوقاً على المسلمين، ويلزم الحكومة بحمايتهم من جميع أشكال التجاوز والاعتداء والاضطهاد، ويضمن لهم حرية إقامة شعائرهم الدينية وطقوسهم العبادية.

إنّ هذا التسامح من قبل المسلمين إزاء أهل الكتاب «اليهود والنصارى والمجوس» يسمّيه المسلمون «عقد الذمة أو المعاهدة»، وهو يقوم على أساس نوع من «التعايش السلمي»، وبالرغم من بعض القيود التي يعاني منها أهل الذمة في ظل الحكومة الإسلامية إلاّ أنّ الإسلام يضمن لهم الحرية والاستقرار قدر الإمكان،


(267)

وهذه مسؤولية الدولة الإسلامية في أن تحترم أموالهم وأرواحهم وأعراضهم، وأن لا تسمح بأن تتعرض حقوقهم للانتهاك بأي نحو كان.

ففي نظر الإسلام تحظى أعراض الأقليات الدينية، التي تخضع لذمة الإسلام وتعقد مع المسلمين عقد المعاهدة. بالاحترام كأعراض المسلمين. من هنا فإنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ لما بلغه هجوم بعض العتاة بأمر من معاوية على إحدى المدن في العراق وتجاوزهم على أموال الناس وأرواحهم وأعراضهم، غضب ـ عليه السَّلام ـ كثيراً و أبدى أسفه وقال:

«لقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأُخرى المعاهدة، فينتزع حجلها وقُلبها وقلائدها ورُعثها ما تمتنع منه إلاّ بالاسترجاع والاسترحام».(1)

كانت أعراض المسلمين والمعاهدين موضع احترام عند أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ بحيث إنّه قال:

«فلو أنّ امرأً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً».(2)

2. الجزية ضريبة عادلة

تمثل الجزية نوعاً من العون المادي الذي يقدّمه أهل الذمة للدولة الإسلامية في مقابل المسؤولية التي تتحمّلها في توفير الأمان لهم.

ولا يوجد مقدار معين للجزية، وهي تتردد وفقاً لقدرات الذميين. وسُئل الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ عن مقدار الجزية فقال:


1- نهج البلاغة، الخطبة27.
2- المصدر نفسه.


(268)

«ذلك إلى الإمام يأخذ من كلّ إنسان منهم ما شاء، على قدر ماله وما يطيق».(1)

يقول المؤرخ المسيحي الشهير جرجي زيدان في كتابه تاريخ التمدّن الإسلامي:

وضع الرومان الجزية على الأمم التي أخضعوها وكانت أكثر بكثير ممّا وضعه المسلمون بعدئذ; فإنّ الرومان لما فتحوا غاليا(فرنسا) وضعوا على أهلها جزية يختلف مقدارها ما بين 9 جنيهات و15 جنيهاً في السنة، أو نحو سبعة أضعاف جزية المسلمين.(2)

يتضح من هذا الحكم انّ ظروف الذميين قد أُخذت بنظر الاعتبار في أخذ الجزية أيضاً، وهذا ينمّ عن غاية التسامح والوئام والعفو والصفح الذي يتصف به المسلمون.

يقول محمد بن مسلم: سألت الصادق ـ عليه السَّلام ـ عمّا يجب أن يدفعه أهل الذمة لحفظ دمائهم وأموالهم؟ فقال ـ عليه السَّلام ـ :

«الخراج، وإن أخذ من رؤوسهم الجزية فلا سبيل على أرضهم، وان أخذ من أرضهم فلا سبيل على رؤوسهم».

يتبين من هذه الرواية أنّ على أهل الذمة إمّا أن يدفعوا الجزية، وإمّا خراج الأراضي. ومن هنا فلا يجوز للدولة الإسلامية استيفاء ما يزيد عن هاتين الضريبتين(الجزية والخراج) من الأقليات الدينية. وهذا ما يؤكده محمد بن مسلم حيث يقول:


1- وسائل الشيعة:15/149(طبعة مؤسسة آل البيتعليهم السَّلام ).
2- جرجي زيدان، مجموعة مؤلفاته الكاملة:11/285.


(269)

سألتُ الباقر ـ عليه السَّلام ـ في أهل الذمة هل يؤخذ من أموالهم ومواشيهم شيء سوى الجزية؟ قال: لا.

بناء على ذلك فإنّ الجزية تعدّ شيئاً ضئيلاً في قبال المسؤوليات التي تتحملها الحكومة الإسلامية، إذ إنّ أهل الذمة بتسديدهم المبلغ السنويّ مقابل ضمان أمنهم بالكامل فإنّهم لا تقع عليهم أية مسؤولية من الناحية العسكرية والدفاعية، ولا تشملهم الضرائب التي تتقاضاها الحكومة الإسلامية من المسلمين بناءً على ما جاء في القانون الإسلامي.

إنّ الواجبات المفروضة على المسلمين إزاء الحكومة الإسلامية أكثر بكثير وأصعب ممّا هي عليه بالنسبة لأهل الذمة; لأنّ المسلمين مكلّفون بأداء الخمس والزكاة والخراج والصدقات إلى الحكومة وعليهم أداء الخدمة العسكرية عند الحاجة، في حين أنّ أهل الذمة بتسديدهم لمبلغ ضئيل ينتفعون بكلّ ما توفره الحكومة الإسلامية ويقفون على قدم المساواة مع المسلمين، والحكومة تتعامل مع الجميع على حدّ سواء من حيث توفير الأمن وأسباب الاستقرار والرفاهية العامة.

3. الاعتراف بحقوق الأقليات

يوضح القرآن الكريم بصريح الكلام السياسة الإسلامية العامة فيما يتعلق بالمحافظة على حقوق سائر الأديان فيقول:

(لا ينهاكُمُ اللّه عَن الّذينَ لم يُقاتِلُوكُم فِي الدِّين ولَم يخرِجُوكُم مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبرّوهم وتُقسِطُوا إِليهم إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ المُقْسِطين).(1)

أي لو أنّ الأقليات الدينية ومن يقف في صف المعارضة للإسلام لم ينهضوا


1- الممتحنة:8.


(270)

لقتالكم ولم يمارسوا الضغوط عليكم أو يخرجوكم من دياركم، فليس لكم إلاّ التعامل معهم بالقسط والإحسان. وهكذا يسمح الإسلام للأقليات الدينية ولمعارضيه أن يعيشوا داخل المجتمع الإسلامي ويتمتعوا بكامل الحقوق الإنسانية، شريطة أن لايؤذوا المسلمين أو يناهضوهم.

يقول تعالى في آية أُخرى:

(إِنّما يَنْهاكُمُ اللّه عَنِ الَّذينَ قاتلُوكُمْ فِي الدِّين وَأَخرجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهروا عَلى إِخراجِكُمْ أَن تولّوهُمْ وَمَنْ يَتَولّهُمْ فَأُولئك هُمُ الظالِمُون) .(1)

تُستفاد من هاتين الآيتين معالم السياسة العامة للإسلام بشأن الأقليات الدينية والمناهضين للإسلام; فما دامت الأقلية لا تتعدى على حقوق الأكثرية ولا تحوك المؤامرات ضدّ الإسلام والمسلمين فإنّها تتمتع بكامل الحرية في البلد الإسلامي على المسلمين التعامل معها بالقسط والإحسان، أمّا إذا تواطئوا مع بلدان أُخرى للعمل ضدّ المسلمين، حينها يتعيّن على المسلمين التصدي لممارساتهم وعدم النظر إليهم بعين المودّة.

4. حسن التعامل مع الأقليات الدينية

يحث الإسلام المسلمين على احترام عقودهم فيما يتعلّق بحماية أهل الذمة ومداراتهم وحسن التعامل معهم، وقد جاء في القرآن الكريم:

(وَلا تُجادِلُوا أَهل الكِتاب إِلاّ بِالّتي هيَ أَحسن إِلاّ الّذينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنّا بِالّذي أُنْزِلَ إِلينا وَأُنْزل إِلَيْكُمْ).(2)


1- الممتحنة:9.
2- العنكبوت:46.


(271)

وقد أوصى النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ المسلمين بالرفق بأهل الكتاب ومداراتهم، فقد ورد حديث عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول فيه:

«من ظلم معاهداً وكلّفه فوق طاقته فأنا حجيجه يوم القيامة».(1)

ويقول في موضع آخر:

«من آذى ذمياً فأنا خصمه، ومن كنتُ خصمه خصمتُه يوم القيامة».(2)


1- فتوح البلدان، البلاذري، تحقيق عبد اللّه أنيس الطباع، بيروت، مؤسسة المعارف، 1407هـ، ص167.
2- روح الدين الإسلامي، 274.


(272)

(273)

2

تُثار بين الحين والآخر، مشاكل فقهيّة على الصعيد العملي في فريضة الحجّ فرفعناها إلى سماحة آية اللّه الشيخ جعفر السبحاني دام ظلّه لإبداء الحلول المناسبة لها، فتفضل بالجواب مشكوراً.

وإليك نصّ الأسئلة والأجوبة:   مجلة الميقات

السؤال1

حدود الطواف، وما يسبّبه ضيق المطاف من حرج. هلاّ حدثتمونا عن هذه المسألة بشكلها الفقهي؟ علماً بأنّ هذه المسألة (الطواف بين البيت والمقام) ليس لها أثر مهمّ في دائرة الفقه السنّي لسعة دائرة المطاف عندهم وإنّما هي مسألة يبدو أنّها مختصّة بالفقه الشيعيّ.

الجواب

إنّ المطاف هو الحدّ الفاصل بين الكعبة ومقام إبراهيم، وهو يقرب من نحو 12 متراً، فعلى الطائف أن لا يخرج عن هذا الحدّ في الجوانب الأربعة للكعبة.

غير أنّ مبدأ هذا الحدّ في الأضلاع الثلاثة هو جدار الكعبة.

وأمّا الضلع الذي يتصل به حجر إسماعيل، فهل يُحاسب الحد الفاصل


(274)

من جدار الكعبة كما هو المشهور بين أكثر فقهائنا، أو يحاسب من جدار الحجر إلى نهاية اثني عشر متراً، كما عليه لفيف من المتقدّمين والمعاصرين؟

فلو قلنا بالاحتمال الأوّل فبما أنّ الحجر خارج عن المطاف حيث لا يجوز السلوك فيه، يكون مقدار المسافة للطواف نحو ثلاثة أمتار وهو سبب الحرج في أكثر الأوقات، ولازم ذلك أن يكون المطاف في الأضلاع الثلاثة هو 12 متراً وفي الضلع المتصل به حجر إسماعيل ثلاثة أمتار.

وأمّا لو قلنا بالاحتمال الثاني، فبما أنّ مبدأ المسافة هو خارج الحجر، يكون المطاف نظير سائر الأضلاع، وبذلك يزول الحرج في غالب الأوقات.

إنّما الكلام في استظهار أحد القولين من الأدلّة.

والدليل الوحيد في المقام هو رواية محمد بن مسلم المضمرة ـ والإضمار من مثله غير ضائر ـ قال: سألته عن حد الطواف بالبيت، الذي من خرج عنه لم يكن طائفاً بالبيت؟ قال: «كان النّاس على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يطوفون بالبيت والمقام، وأنتم اليوم تطوفون ما بين المقام و بين البيت، فكان الحد، من موضع المقام اليوم، فمن جازه فليس بطائف، والحدّ قبل اليوم، واليوم واحد قدر ما بين المقام و بين البيت(1) من نواحي البيت كلّها، فمن طاف فتباعد من نواحيه أبعد(2) من مقدار ذلك، كان طائفاً بغير البيت بمنزلة من طاف بالمسجد لأنّه طاف في غير حدّ، ولا طواف له».(3)

والاستدلال بالحديث رهن صحّة السند وإتقان الدلا لة.


1- في التهذيب:«ومن».
2- في التهذيب:«أكثر».
3- الكافي:4/413، باب حدّ الطواف; ولاحظ الوسائل:9، الباب 28 من أبواب الطواف، الحديث1.


(275)

أمّا الأوّل أي السند فكلّ من ورد في طريق الحديث ثقة غير «ياسين الضرير» فانّه لم يوثّق، بل هو مهمل من ذلك الجانب وإن لم يكن مجهولاً، ومع ذلك فحديثه معتبر.

قال النجاشي: «ياسين الضرير» الزيّات البصري، لقي أبا الحسن ـ عليه السَّلام ـ لمّا كان بالبصرة، وروى عنه، ثمّ ذكركتابه وسنده إليه. كما ذكره الشيخ وكتابَه وسندَه إليه أيضاً، وللصدوق أيضاً إلى كتابه سند.

وبما انّ المعنونين في رجال النجاشي إماميون إلاّ أن يصرِّح على الخلاف فيمكن استظهار كون الرجل إمامياً فعناية المشايخ الثلاثة بذكره وذكر كتابه واستحصال السند إليه، تعرب عن صلاحية كتابه للاحتجاج، فالرواية صالحة له.

وجاء السند في «الكافي» بالنحو التالي:

عن محمد بن يحيى وغيره، عن محمد بن أحمد(بن يحيى بن عمران الأشعري) عن محمد بن عيسى، عن ياسين الضرير، عن حريز بن عبد اللّه، عن محمد بن مسلم.(1)

نعم رواه الشيخ في «التهذيب» بسند لا يخلو من تشويش، قال: محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن غير واحد، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ياسين الضرير.(2)

وعليه فالسند مشتمل على مجهول،وبما انّ مصدر نقل الشيخ هو «الكافي» فالظاهر تطرق التحريف إلى سند التهذيب.

هذا كلّه حول السند.

وأمّا الثاني أي إتقان الدلالة فقد ذهب المشهور من فقهائنا إلى أنّ الحدّ


1- الكافي :4/413 ، باب حدّ الطواف.
2- التهذيب:5/126، باب الطواف برقم 23.


(276)

الفاصل يحتسب في عامّة الجوانب من جدار البيت أخذاً بظاهر قوله:«قدر ما بين المقام وبين الطواف من نواحي البيت كلّها فمن طاف فتباعد من نواحيه أكثر من مقدار ذلك، كان طائفاً بغير البيت».

وعلى ذلك يكون المطاف في الأضلاع الثلاثة، اثني عشر متراً، إلاّ الضلع المتصل به حجر إسماعيل، فبما انّ الحجر مستثنى من المطاف ينحصر المطاف بالباقي بعده وهو لا يزيد على ثلاثة أمتار التي تساوي ستة أذرع ونصف.

أقول: إنّ الرواية لأوّل وهلة تحتمل أحد معنيين، ولا يتعيّن المقصود النهائي إلاّ في الإمعان في الغرض الذي سيقت له، فإليك الاحتمالين:

1. انّ الرواية بصدد بيان حدي المسافة، ويكون غرضها مصروفاً إلى بيان المبدأ والمنتهى.

2. انّ الرواية بصدد بيان مقدار المسافة التي يطوف فيها الطائف بحيث لو تجاوز عنها في جانب المقام لبطل طوافه. وإنّما ذكر المبدأ ليتيسّر له ذكر المسافة التي لو خرج عنها الطائف لبطل طوافه.

فإذا كان المقصود هو الأوّل، لكانت الرواية مؤيدة للقول المشهور، غير انّ القرائن المتوفرة تشهد بأنّ الغرض هو بيان مقدار المسافة التي لا يجوز الخروج عنها، وأمّا المبدأ فهو وإن تعرضت إليه الرواية بقولها:« قدر ما بين المقام و بين البيت من نواحي البيت كلّها» إلاّ أنّه لم تصب اهتمامها عليه، وإنّما جاء ذكره ليكون مقدّمة لبيان حدّ المسافة التي لا يجوز للطائف الخروج عنه.

وقبل أن نذكر القرائن نود أن نقدّم لمحة تاريخية عن مقام إبراهيم، وما طرأ عليه من النقل عبْـر التاريخ.

روى الصدوق بسنده في «علل الشرائع»، عن سليمان بن خالد، عن أبي


(277)

عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «لما أوحى اللّه تعالى إلى إبراهيم أن أذّن في الناس بالحجّ، أخذ الحجر الذي فيه أثر قدميه وهو المقام فوضعه بحذاء البيت لاصقاً بالبيت بحيال الموضع الذي هو فيه اليوم ـ إلى أن قال : ـ فلمّا كثر الناس وصاروا إلى الشر والبلاء ازدحموا عليه فرأوا أن يضعوه في هذا الموضع الذي هو فيه اليوم ليخلو المطاف لمن يطوف بالبيت، فلمّا بعث اللّه تعالى محمداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ردّه إلى الموضع الذي وضعه فيه إبراهيم، فمازال فيه حتّى قبض رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وفي زمن أبي بكر وأوّل ولاية عمر، ثمّ قال عمر: قد ازدحم الناس على هذا المقام فأيّكم يعرف موضعه في الجاهلية؟ فقال له رجل: أنا أخذت قدره بقدر قال: والقدر عندك قال: نعم، قال: فائت به فجاء به فأمر بالمقام فحمل وردّ إلى الموضع الذي هو فيه الساعة».(1)

فالحديث يدلّ على أنّه لم يكن في عصر الإمام أيّ تشويش فكري بالنسبة إلى المبدأ، فلو كانت هناك بلبلة في الفكر، فإنّما هي في جانب المقام لما طرأ عليه من النقل من مكان إلى آخر.

إذا عرفت ذلك، فلنشر إلى القرائن المؤيدة لما اخترناه من المعنى للحديث، فنقول : إنّ هناك قرائن، نشير إليها تباعاً:

أ. نفس سؤال الراوي حيث ركّز على الحدّ الذي لا يجوز الخروج عنه وقال:سألته عن حدّ الطواف بالبيت الذي«من خرج عنه» لم يكن طائفاً بالبيت، فلابدّ أن يكون الجواب ناظراً إلى تلك الجهة أي بيان الحدّ الذي لايجوز الخروج عنه.

ب. انّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ يبيّن كيفية طواف الناس أيّام رسول اللّه بالبيت والمقام،


1- علل الشرائع:2/423، طبعة النجف; وفي طبعة الأعلمي:2/128 سقط فلاحظ.


(278)

ثمّ يبيّن انقلاب الأمر بعده حتى صار الناس يطوفون بين البيت والمقام، ثمّ يؤكد بأنّ ذلك لا يؤثر في تغيير الحدّ بقوله: «فكان الحدّ، موضعَ المقام اليوم فمن جازه فليس بطائف» ، فهذه التعابير تشير كلّها إلى أنّ المقصود الأصلي في الرواية هو بيان المسافة التي يطاف فيها ولا يجوز الخروج عنها. وإن نقل المقام في العهدين لا يؤثر في ذلك.

ج. «فالحد قبل اليوم واليوم واحد،قدر ما بين المقام و بين البيت» وهو ظاهر في أنّ تغيير مكان المقام لا يؤثر في تحديد المسافة ومقدارها فهي في جميع الظروف واحدة لا تتغير، وإن ذُكر المبدأ(بين البيت) فلأجل أن يتيسّر له بيان حدّ المسافة التي لا يجوز الخروج عنه

وقد لخّص العلاّمة المجلسي في شرحه الغرض من الحديث و قال: والحاصل انّ المعتبر دائماً مقدار ما بين الموضع الذي فيه المقام الآن وبين البيت سواء أكان المقام فيه أم لم يكن.(1)

وعلى ضوء ذلك فالرواية تركز على بيان الحدّ الفاصل الذي لا يجوز الخروج عنه في عامة الجوانب لا على مبدئه.

فإذا كانت الرواية ظاهرة في تبيين المسافة التي يسلكها الطائف وتساويها في جميع الأضلاع فيجب الأخذ بها في عامة الجوانب.

لكن الأخذ به واضح في الأضلاع الثلاثة. إنّما الكلام في الأخذ به في الضلع المتصل بحجر إسماعيل، فهو يتحقّق بأحد أمرين:

الأوّل: أن يكون الحجر جزءاً من المسافة والمطاف فيجوز للطائف سلوكه.

الثاني: أن لا يكون الحجر جزءاً منها بل خارجاً عنها.


1- ملاذ الأخيار:7/393.


(279)

وبما انّ الروايات المتضافرة تمنع عن دخول الحجر في الطواف والسلوك فيه، فينتفي الاحتمال الأوّل، و يتعيّن الاحتمال الثاني، فيكون المبدأ خارج الحجر إلى نهاية 12 متراً.

ثمّ إنّ المشهور وإن ذهب إلى أنّ المبدأ هو البيت في ذلك الضلع الخاص، غير أنّ جماعة من الفقهاء اختاروا ما ذكرناه، وإليك مقتطفات من كلماتهم:

1. قال الشهيد الثاني في «الروضة»: وتحتسب المسافة من جهة الحجر من خارجه وإن جعلناه خارجاً من البيت.(1)

2. وقال أيضاً في «المسالك»:وتجب مراعاة هذه النسبة من جميع الجهات فلو خرج عنها ولو قليلاً بطل، ومن جهة الحجر تحتسب المسافة من خارجه بأن ينزله منزلة البيت وإن قلنا بخروجه عنه.

ثمّ إنّه قدَّس سرَّه تردد فيما ذكر و قال:مع احتمال احتسابه(الحجر)منها على القول بخروجه وإن لم يجز سلوكه.(2)

يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من الرواية جواز السلوك في المسافة المحدّدة في عامة الجوانب، فلو كان الحجر جزءاً من المسافة جاز السلوك فيه مع تضافر الروايات على المنع.

3. وقال سبطه في «المدارك»:وقد قطع الأصحاب بأنّه يجب مراعاة قدر ما بين البيت والمقام من جميع الجهات، وفي رواية محمد بن مسلم دلالة عليه ، وتحتسب المسافة من جهة الحجر من خارجه وإن كان خارجاً من البيت، لوجوب إدخاله في الطواف، فلا يكون محسوباً من المسافة.(3)


1- الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية:2/249.
2- مسالك الأفهام:2/333.
3- مدارك الأحكام:8/131.


(280)

4. وقال المحقّق السبزواري في «الذخيرة»: وقد ذكر جماعة من المتأخرين انّه يحتسب المسافة من جهة الحجر من خارجه، ومنهم من قال: وإن كان خارجاً من البيت، ومنهم من علّله بوجوب إدخاله في الطواف فلا يكون محسوباً من المسافة.(1)

5. كما نقله المحقّق النراقي عن جماعة من المتأخرين(2) .

6. وقال في «الجواهر»: نعم لا إشكال في احتساب المسافة من جهة الحجر من خارجه، بناءً على أنّه من البيت، بل في «المدارك» وغيرها وإن قلنا بخروجه عنه لوجوب إدخاله في الطواف فلا يكون محسوباً من المسافة.(3) وإن استشكل في ما ذكره وزعم انّه خلاف ظاهر الخبر.

ويؤيد ذلك أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ طاف في عمرة القضاء مع أصحابه الذين صدّهم المشركون في العام الماضي، فهل يمكن أن يطوف هذا الجمّ الغفير في مسافة قليلة لا تتجاوز عن ثلاثة أمتار.

قال ابن هشام: ثمّ استلم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه حتّى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليماني مشى حتّى يستلم الركن الأسود، ثمّ هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشى سائرها.(4)

وقد شارك النبي في غزوة الحديبية حوالي 700 رجل ولما صُدُّوا في ذلك العام، قضوا عمرتهم في السنة القادمة، والظاهر انّهم شاركوا في القضاء بلا استثناء.

قال ابن إسحاق: خرج معه المسلمون ممن كان صدّ معه في عمرته تلك،


1- ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد:628.
2- مستند الشيعة:12/76.
3- الجواهر:19/298.
4- السيرة النبوية:2/371،عمرة القضاء.


(281)

وهي سنة سبع، فلمّا سمع به أهل مكة خرجوا عنها.(1)

جواز الطواف خارج المقام عند الضرورة

قد عرفت أنّ مقدار المسافة في عامّة الأضلاع واحد دون أن يكون المطاف في الأضلاع الثلاثة أوسع من الآخر، لكن الكلام في أشهر الحجّ عند وجود الحجاج في أوائل شهر ذي الحجة الحرام، فالمسافة المذكورة لا تسع لهذا العدد الهائل من الحجيج، فهل يجوز الطواف في خارج المقام للضرورة أو يجوز مطلقاً على كراهة؟ قولان:

الأوّل: انّه يجوز الطواف خارج المقام اختياراً على كراهة،وقد اختاره قليل من الفقهاء ، منهم:

1. الصدوق في الفقيه، حيث روى بسند صحيح عن أبان بن عثمان عن محمد بن علي الحلبي، قال: سألت أبا عبد اللّه عن الطواف خلف المقام، قال: «ما أحب ذلك وما أرى به بأساً، فلا تفعله إلاّ أن لا تجد منه بُدّاً».(2)

فلو قلنا بأنّ قوله ـ عليه السَّلام ـ : «ما أحب ذلك »ظاهر في الكراهة، وهي تزول مع الضرورة، يكون دليلاً على أنّ الصدوق ممّن يجوِّز الطواف خارج المقام اختياراً وإن كان مكروهاً، وتزول الكراهة في الضرورة.

2. وقال المحقّق الأردبيلي بعد نقل الرواية المذكورة: فانّها ظاهرة في الجواز خلف المقام على سبيل الكراهة، وتزول مع الضرورة، ولكن قال في المنتهى: وهي تدلّ على ذلك مع الضرورة والزحام وشبهه.


1- السيرة النبوية:2/370.
2- الفقيه:2/399،الباب 219، ما جاء في الطواف خلف المقام.


(282)

وأنت تعلم انّ دلالتها على ما قلناه(جواز الطواف خلف المقام اختياراً) أظهر إلاّ أن يقال: انّه لا قائل به فيحمل على ما قاله في «المنتهى». على أنّ أبان الظاهر انّه ابن عثمان، وفيه قول فلا يقبل منه ما ينفرد به.(1)

يلاحظ عليه: أنّ أبان بن عثمان من أصحاب الإجماع وقد اتّفقوا على وثاقة هؤلاء.

فتلخّص ممّا ذكرنا انّ الصدوق والأردبيلي ذهبا إلى جواز الطواف خلف المقام اختياراً، وأمّا غيرهما كابن الجنيد وغيره فقد اختاروا الجواز عند الضرورة.

الثاني: اختصاص الجواز بصورة الضرورة والزحام، وعليه ابن الجنيد والعلاّمة في بعض كتبه، وإليك كلماتهم:

1. قال العلاّمة في «التذكرة» بعد ما نقل خبر الفقيه: وهو يعطي الجواز مع الحاجة كالزحام.(2)

2. قال العلاّمة: المشهور انّه لا يجوز إدخال المقام في الطواف، وقال ابن الجنيد: يطوف الطائف بين البيت والمقام الآن، وقدره من كلّ جانب فإن اضطر أن يطوف خارج المقام أجزأه.(3)

وهناك دليل آخر على الجواز حين الزحام، وحاصله:

انّه سبحانه يأمر مجموع الحجيج الحاضرين في المسجد بالطواف بقوله: (وَلْيَطوفوا بِالبيت العتيق)(4)هذا من جانب.

ومن جانب آخر يقول سبحانه: (وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج).(5)


1- مجمع الفائدة والبرهان:7/87.
2- التذكرة:8/93.
3- المختلف:4/183.
4- الحج:29.
5- الحج:78.


(283)

فمقتضى دعوة الحاضرين في المسجد إلى الطواف مع رعاية عدم تسبب الحرج هو كون المطاف في هذه الظروف أوسع من الحدّ المذكور مع ملاحظة الأقرب فالأقرب.

السؤال 2

تكرّرت الحوادث المفجعة حين رمي الجمرات خاصّة في السنوات الأخيرة... لأسباب منها سوء الإدارة والتنظيم، أو جهل الناس بأحكامهم، أو لعجلتهم في أداء هذا المنسك. إلاّ أنّ هناك من يلقي باللوم على الفقهاء في أنّهم عسّروا على الناس الشريعة وهي السهلة السمحاء، بل ولم يعلّموا الناس أحكامهم.

فهلا وضّحتم الموقف الفقهي بشكل جليّ لهذه المسألة؟ وهل هناك مجال أو حلّ شرعيّ يساهم في درء مثل هذه الحوادث أو تقليلها؟

الجواب

إنّ لتكرر الحوادث المفجعة حين رمي الجمرات سبباً آخر غير مذكور في السؤال وهو ظاهرة «الافتراش» فانّ كثيراً من البدويين يسدون طريق الحجيج من خلال افتراشهم. الأمر الذي يفرض على الحكومة السعودية أن تُجليهم عن المكان وتتخذ لهم أماكن سكن مناسبة.

وهناك أُسلوب آخر لحلّ الأزمة وهو استغلال اختلاف الفتاوى بالنحو التالي:


(284)

إنّ أصحاب المذاهب الأربعة يخصّون جواز الرمي في اليوم العاشر من ذي الحجة بما قبل الظهر، كما أنّهم يخصّونه في الحادي عشر والثاني عشر بما بعد الظهر، فعلى الشيعة لا سيما غير الأقوياء أن تستغلّ هذاالظرف المناسب من خلال الرمي في اليوم العاشر بعد الظهر و في اليومين الأخيرين قبله.

على أنّ الأقوى هو جواز الرمي من فوق الجمرات عبر الجسر الجديد الذي يمتد فوقها.

هذا هو الحلّ العاجل غير انّه لابدّ من حلّ الأزمة جذرياً دون أن يمس أصل الحكم الشرعي.

السؤال3

غالباً ما يكون الذبح خاصّة في السنوات الأخيرة خارج منى؟

فما هي حدود منى؟ وهل تتّسع بكثرة الحجيج؟ وهل يصحّ الذبح خارج منى كأن يكون في بلد الحاج، إذا لم تتوفر شروط الذبح الشرعية بشكل كامل؟

الجواب

منى بلدة قريبة من مكّة وهي أقرب المواقع الرئيسية إلى مكّة ثمّ المزدلفة ثمّ عرفة، فإذا دخلت منى من مكّة كانت أوّل جمرة، هي جمرة العقبة، وحدّ منى هي ما بين جمرة العقبة ووادي محسِّر طولاً، وأمّا عرضاً فهو ما بين الجبلين أو الجبال الشاهقة، فوادي محسِّر أبعد من مكة من منى وإنّما يقع بينها و بين المزدلفة.

وأمّا مسألة الذبح فيجوز تأخير الذبح إلى اليوم الثاني عشر من ذي


(285)

الحجة، فإذا أمكن الذبح فـي هذه المـدة بمنى فيقدم ذلك، فإذا لم يتمكن كما هو السائد عند كثرة الحجيج فيجب الذبح خارج منى في وادي محسِّر مع الأخذ بنظر الاعتبار الأقرب فالأقرب، ولا يجزي الذبح في بلد الحاج وكالة،وقد قال سبحانه: (وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ لَكُمْ فِيها خَيْر)(1) وهو لا يتحقّق إلاّ أن يكون الذبح في الأماكن المقدسة.

السؤال 4

كيف ترون مناسك الحجّ وأداءها مستقبلاً مع عظمة القادمين لأداء هذه الشعيرة المقدّسة وكثرتهم، واحتمال إجراء تغييرات عمرانيّة تتناسب وكثرة الحجيج، فهل يكون للفقه الزمكاني أثر يذكر في هذه المسألة؟

الجواب

قد ذكرنا في رسالة مستقلة(2) دور الزمان والمكان في الاستنباط وأشرنا إلى بعض الروايات الواردة في هذا الموضوع عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ والتي تناهز العشرين رواية ، كما ذكرنا كلمات الفقهاء من عصر الصدوق إلى يومنا هذا من الفريقين، وذكرنا انّ الظروف الطارئة لا تمس كرامة الأحكام الواقعية ولا تحدث أي خدشة فيها ولكن يؤثر في أساليب تنفيذ الأحكام، فالأحكام ثابتة وأساليب تنفيذها متغيّرة، ومنها الحج،ولابدّ أن يكون كل تغيير عمراني تقتضيه كثرة


1- الحج:36.
2- لاحظ رسائل و مقالات:2/141ـ113.


(286)

الحجيج خاضعاً لهذا الإطار، أي أن يكون الحكم الواقعي ثابتاً وأسلوب إجرائه متغيراً.

وإليك نموذجاً من هذا النوع:

لا شكّ انّ هناك أُموراً وقعت موضوعاً لأحكام شرعية نظير :

1. الاستطاعة: قال سبحانه: (وَ للّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبيلاً) (1).

2. الفقر: قال سبحانه: (إِنّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالمَساكِينِ... وَ ابْنِ السَّبِيلِ)(2).

3. الغنى: قال سبحانه: (وَمَنْ كانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِف وَمَنْ كانَ فَقيراً فليَأكُل بِالمَعْرُوفِ)(3).

4. بذل النفقة للزوجة: قال سبحانه: (أسكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سكَنتُم مِنْ وُجِدْكُمْ) (4).

5. إمساك الزوجة بالمعروف: قال سبحانه: (فَامْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفِ أَوْ سَرِّّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف)(5).

ومن الواضح انّ مصاديق هذه الموضوعات تتغيّر حسب تغيّر أساليب الحياة، فالإنسان المستطيع بالأمس للحجّ، لا يعد مستطيعاً اليوم، لكثرة حاجات الإنسان في الزمان الثاني دون الأوّل ، وبذلك يتضح حال الفقر والغنى، فربّ غني بالأمس فقير اليوم.

كما أنّ نفقة الزوجة في السابق كانت منحصرة في الملبس والمأكل


1- آل عمران:97.
2- التوبة:60.
3- النساء:6.
4- الطلاق:6.
5- البقرة:231.


(287)

والمسكن، وأمّا اليوم فقد ازدادت حاجاتهاعلى نحو لو لم يقم الرجل ببعض تلك الحاجات يعد عمله بخساً لحقها، وامتناعاً من بذل نفقتها.

السؤال5

منافع الحجّ، السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة... كثيرة، والحديث عنها لا ينتهي، فهلا تفضل سماحتكم بالحديث عنها؟

الجواب

الإمعان والدقة في الآيات الواردة حول الحجّ ومناسكه وما رويت حوله من النبي الأكرم والعترة الطاهرة من الروايات وما استقرت عليه سيرة المسلمين في القرون الأُولى الإسلامية، يعرب عن أمرين مهمين، يُعرّفان ماهية الحجّ وحقيقته وأهدافه وهما: انّ الحجّ عمل عبادي، وفي الوقت نفسه ملتقى سياسي للمسلمين، ويطيب لي أن أذكر كلا الأمرين بعبارات موجزة مستشهداً بآيات الذكر الحكيم، وما أثر في ذلك المجال.

الحج عمل عباديّ

والذي يدل على أنّ الحجّ عمل عبادي هو:

1. انّ الحجّ عمل يقصد به الإنسان كسب رضاه سبحانه تلبية لنداء الخليل ـ عليه السَّلام ـ حيث قام بدعوة الناس إلى الحجّ الذي أقامه بعد انهيار، وعمّره بعد خراب، كما قال سبحانه: (وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلّ ضامِر


(288)

يَأْتينَ مِنْ كُلِّ فجّ عَميق...) (1) .

2. الحجّ تذكار وذكر للّه سبحانه في كافة مراحله ومواقفه ومراسمه ومشاهده، وقد أمر سبحانه في غير واحدمن الآيات حجّاح بيته أن يذكروه في جميع المواقف، قال سبحانه: (فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفات فَاذْكُروا اللّه عِنْدَ الْمَشْعَرِالحَرامِ وَاذْكُرُوه كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّين*ثُمَّ أَفيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيمٌ* فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللّهَ كَذِكْركُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً )(2) .

و يقول سبحانه: (وَاذْكُرُوا اللّهَ في أَيّام مَعْدُودات فَمَنْ تَعَجَّلَ في يَومَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأْخَّرَفَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)(3) .

3. الحجّ تطهير للنفس من دنس الأقذار الخلقية وتوجيهها إلى المثل العليا وكبح للنفس عن اللذائذ الدانية النفسانية . قال سبحانه: (الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الحَجّ وَماتَفْعَلُوا مِنْ خَيْر يَعْلَمْهُ اللّهُ ...) (4) .

ولأجل انّ الحجّ تطهير للنفوس سميت أعماله مناسكاً، وهو من نسك ثوبه أي غسله، فكأنّ تلك الأعمال تغسل ما عليها من صدأ الذنوب ودرن الآثام، قال سبحانه: (فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فاذْكُرُوا اللّهَ) (5) .

4. الحجّ تدريب وتربية للنفس للغلبة على الهوى وتحصيل التقوى الذي


1- الحج: 27.
2- البقرة: 198ـ200.
3- البقرة: 203.
4- البقرة: 197.
5- البقرة: 200.


(289)

هو خير الزاد للإنسان، قال سبحانه في ثنايا آيات الحجّ:(فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِالتَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولي الأَلْبابِ )(1) .

5. قد كان الهدف الأسمى من تجديد بناء البيت بيد بطل التوحيد، دعوة الناس إلى عبادة اللّه وحده ورفض عبادة الأنداد والشرك بألوانه، قال سبحانه: (وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهيمَ وَإِسماعيلَ أَنْ طَهّرا بَيْتي لِلْطائفينَ وَالعاكِفينَ والرُّكَّعِ السُّجُود)(2)، وقال سبحانه: (إِنّ أَوّلَ بَيْت وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذي بِبَكَّةَ مُباركاً وهُدىً لِلْعالَمين) (3) ولأجل ذلك كان شعار الخليل ـ عليه السَّلام ـ عند بناء البيت ورفع قواعده هو الطلب من اللّه سبحانه أن يجعل ذرّيته أُمّة مسلمة ويريهم مناسكهم ويتوب عليهم بالرحمة. قال سبحانه حاكياً عنه ـ عليه السَّلام ـ (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهيمُ القَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّميعُ الْعَليمُ) (4) .

6. انّ الخليل أنزل أُسرته بأرض قاحلة عند البيت المحرّم لغاية إقامة الصلاة، وفي الوقت نفسه طلب من اللّه سبحانه أن يوجّه أفئدة الناس إلى هذا البيت لتلك الغاية السامية، قال سبحانه حاكياً عن الخليل: (رَبَّنا إِنّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتي بِواد غَيْرِ ذي زَرْع عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فَاجعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوي إِلَيْهِمْ) (5) .

7. الحجّ تزهيد عن الدنيا واكتفاء من زخرفها وزبرجها بثوبين يرتدي بأحدهما ويتّزر بالآخر، ويردد في جميع الحالات الشكر والثناء امتثالاً لأمره سبحانه: (لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (6) .

8. الحجّ عمل رمزي لكثير من العبادات والطقوس الواردة في الشريعة


1- البقرة: 197.
2- البقرة: 125.
3- آل عمران: 96.
4- البقرة: 127.
5- إبراهيم: 37.
6- إبراهيم : 37.


(290)

المفروضة في ظروف خاصّة، فصار الحجّ بمفرده مظهراً لها و مجسّداً لكثير منها حيث نجد فيه الأعمال التالية المعربة عن جانبه العبادي، أعني: النيّة، الطهارة من الحدث والخبث، الصلاة، الصوم، الطواف بالبيت، الذبح للّه، إطعام القانع والمعتر من اللحوم، الاعتكاف الذي يجسده الوقوف في المشاعر، ورجم الشيطان العدو الوحيد للإنسان الذي يوسوس في صدور الناس.

كلّ ذلك يعرب عن أنّ الحجّ عبادة للّه وتقرب إليه يصل به الإنسان إلى مدارج الكمال.

الحجّ ملتقى سياسيّ

إنّ كون الحجّ أمراً عبادياً أو مجسّداً لأكثر العبادات لا ينافي أن يشتمل على بعد آخر فيه حياة للمسلمين وقوام لعيشهم وإقامة لشؤونهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والحكومية، وهذا ما نعبّر عنه بكون الحجّ ملتقى سياسياً تجتمع فيه هذه الآثار الحيوية، وهذا ما يدعمه أيضاً الذكر الحكيم وتؤيّده السنّة النبوية وعمل المسلمين في القرون الإسلامية الأُولى.

أمّا الآيات التي ترمز إلى تلك الأبعاد فنكتفي منها بما يلي:

الف. قال سبحانه: (وَإِذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلّناسِ وَأَمْناً) (1) والمراد من كونه مثابة كونه مرجعاً للناس والمسلمين عامّة، ولأجل انّ الحجّ عمل اجتماعي يجب أن يخيّم عليه الأمن ويسيطر ـ عليه السَّلام ـ ، حتى يقوم الناس بعمل اجتماعي لأهداف اجتماعية، قال سبحانه: (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً)(2)، وقال تعالى حاكياً عن خليله: (رَبِّ اجْعَل هذَا بَلَداً آمِناً) (3).


1- البقرة: 125.
2- آل عمران: 67.
3- البقرة: 126.


(291)

فالحجّ بما انّه أمر اجتماعي و ملتقى للشعوب المختلفة، بحاجة إلى استتباب الأمن والهدوء حتى يقوم كلّ إنسان وشعب ببيان فكرته ونظريته ولا يخاف من إنسان ولا دولة، ويتجلّـى الحجّ كمنبر حرّ للمسلمين كلّهم، وهذا ما نعبـّر عنه بكونه عملاً اجتماعياً.

وفي جانب ذلك فالحجّ ملتقى ثقافي يلتقي فيه المفكرون الكبار والعلماء في شتّى الحقول، فيقومون بعرض الاطروحات والتجارب على الصعيد الثقافي والعلمي والاقتصادي كي تتعرف كلّ طائفة على ما عند الأُخرى من الأفكار القيمة والنظريات المفيدة فيؤدي ذلك إلى التقاء الأفكار والاحتكاك بينها.

إذاً الحجّ عمل اجتماعي وملتقى ثقافي وفي الوقت نفسه مؤتمر سياسي سنوي يجتمع فيه قادة المسلمين فيتشاورون في مهام الأُمور بغية التنسيق والتعاون فيما بينهم، ولعلّ إلى تلك الجوانب الثلاثة يشير قوله تعالى: (جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنّاسِ) (1) .

فسواء كان القيام بمعنى القوام وما به حياة المسلمين، أو كان بمعنى ضدّ القعود، فالآية تتضمن نكتة مهمة وهي انّ كيان المسلمين معقود بناصية الحجّ فبه يقومون وفي ظلّه قوام حياتهم، فالآية نظير قوله سبحانه: (وَلا تُؤتُوا السُّفَهاء أَمْوالَكُمُ الَّتي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِياماً) (2) .

فوصف سبحانه أموال الناس بكونها قياماً لهم أي بها يقومون في الحياة، أو بها قوام حياتهم الاجتماعية، فاقتران الآيتين يعرب عن كون الحجّ ركناً في حياة المسلمين وبقاء كيانهم. ويشير أيضاً إلى تلك الجوانب قوله سبحانه: (لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْـمَ اللّهِ فـي أَيّام مَعْلُومات عَلـى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ


1- المائدة: 97.
2- النساء: 5.


(292)

الأَنْعامِ) (1) فكانت الغاية من دعوة كلّ راجل وراكب إلى الاجتماع في أيّام الحجّ خصوصاً في المواقف و المشاهد، حيازة المنافع الكبيرة التي يحتوي عليها الحجّ. فما جاء في الآية تعبير جامع يتضمن كلّ نفع يرجع إلى المسلمين في ذلك الملتقى، ولا يصحّ لنا تخصيصه بالنفع المعنوي بإخراج النفع المادي، أو تخصيصه بنفع دون نفع، ففي ذلك الوفود إلى اللّه سبحانه منافع كثيرة يصطادها المسلمون حسب قابلياتهم وصلاحياتهم.

هذا ما لخّصناه للقارئ الكريم من الذكر الحكيم،وأمّا السنّة الشريفة فيكفي في ذلك انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أمر الإمام عليّاً ـ عليه السَّلام ـ بأن يتلو آيات البراءة في يوم الحجّ الأكبر. قال سبحانه: (وَأَذانٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَريءٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ وَرَسُولُهُ...)(2) وهل يشك ذو مسكة في أنّ البراءة ورفع الأمان عن المشركين وإمهالهم أربعة أشهر عمل سياسي قام به قائد الإسلام أيّام رسالته وازدهار دعوته، حتى يكون ذلك قوّة للمسلمين في الأجيال اللاحقة؟

هذا هو الإمام الطاهر الحسين بن علي عليمها السَّلام أطاح بطاغية عصره ففضحه بعرض جناياته وأعماله المخزية على الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان في موسم الحجّ في أرض منى، وقد اجتمع تحت منبره قرابة ثمانمائة منهم، وأبان في خطابه موقف أهل البيت من الإسلام، ثمّ ذكر مظالم الجهاز الأموي الحاكم، وطلب من الجميع أن يحملوا خطابه وهتافه إلى إخوانهم وأوطانهم حتى يقفوا على فداحة الكارثة التي ألمّت بهم من جـراء تسلّم بني أُمية لمنصة الحكم، وقد جاءت خطبته في كتب السير و التاريخ، فمن أراد فليرجع إليها.

وبعد ذلك انّ في سيرة المسلمين لدليلاً واضحاً على أنّ الحجّ ملتقى سياسي


1- الحج: 28 .
2- التوبة: 3.


(293)

وراء كونه عملاً عبادياً، فانّ الإصلاحات الجذرية التي قام بها المفكّرون المسلمون قد انعقدت نطفها في الأراضي المقدسة وفي موسم الحجّ، فحملوا الفكرة التي تبنّوها في جواربيت اللّه الحرام وفي ذلك المحتشد العظيم، ثمّ غذّوها بفكرتهم وتجاربهم إلى أن أُتيحت لهم الفرص لبناء مجتمع طاهر أو حكومة عادلة أو ثورة عارمة في وجه الطغاة والظالمين، وبذلك يتضح انّ الحجّ الإبراهيمي ليس مجرد طقوس وسنن يقوم بها الفرد أو الجمع في أيّام معلومات، بل فيه آية العبادة وشارة السياسة وفيه منافع للمسلمين في عاجلهم وآجلهم، فيجب على المسلمين احياءهذه السنة الكريمة الحجّ الحقيقي الذي وضع حجره الأساس إبراهيم الخليل ـ عليه السَّلام ـ . كلّ ذلك بفضل الحجّ وببركة ذلك المحتشد العظيم.

جعفر السبحاني


(294)

(295)

3

بسم الله الرحمن الرحيم

في شرطية السوم
دون اعتبار عدم العمل

الحمدللّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّد النبيين ، وآله الطاهرين، وأصحابه المنتجبين إلى يوم الدين.

أمّا بعد، فالذي دعاني إلى تأليف هذه الرسالة ـ بعد ما انتهيت من القاء محاضرات في مسائل الزكاة ـ هو وقوفي على فتوى لبعض أعاظم العصر وأجلاّئه ـ دام ظله الوارف ـ تدور حول الغاء شرطية السوم في تعلق الزكاة بالأنعام الثلاثة والاقتصار بمانعية العمل، فصارت النتيجة هو تعلق الزكاة بالأنعام الثلاثة مطلقاً سائمة كانت أم معلوفة إلاّ إذا كانت عوامل فلا تتعلق بها ومن المعلوم انّ العمل من خصائص الإبل والبقر فقط فتكون النتيجة وجوب الزكاة في الغنم بكلا قسميه، وهكذا الإبل والبقر مطلقاً إلاّ إذا كانا عوامل.

فاغتنمنت الفرصةُ لدراسة الموضوع بنظرة ثاقبة وجرّدت نفسي عمّا اخترته في السابق من الرأي فانّ الحقّ هو منشودي الأعلى، ومقصودي الاسنى، سواء أوافق نظري السابق أم خالف، فالحقّ أحقّ أن يتبع أينما وجد وكتبت حصيلة


(296)

دراستي وتفكيري في الموضوع، وقدمته إلى سدنته، عسى أن يقع موضع القبول. وقبل الخوض في المقصود نذكر أُموراً ثلاثة:

الأوّل: اقتصار المتقدمين على شرط واحد

يظهر من كلمات غير واحد من الفقهاء من المتأخرين انّه يشترط في تعلق الزكاة بالانعام أُمور أربعة:

1. النصاب، 2. الحول، 3. السوم، 4. عدم العمل.

وعلى هذا فالسوم، وعدم العمل شرطان مستقلان ولكن المتقدمين من أصحابنا اقتصروا على شرط واحد وهو السوم فقالوا بشرطية السوم وعدم تعلق الزكاة بالمعلوفة، من دون أن يخوضوا في الشرط الرابع، وعلى هذا فالزكاة تتعلق بالأنعام الثلاثة إذا كانت سائمة، لا معلوفة وأمّا العوامل، فعدم تعلقها بها ليس لأجل كون العمل بما هوهو مانعاً من التعلق، بل لأجل كونه ملازماً للتعليف في المعاطن وغيرها وذلك لانّ الماشية على قسمين والغرض منها أحد أمرين:

1. الدرّ والنسل فمثله يُرسَل إلى الصحراء للرعي ولا يُربط في المِعْلَف وربما لا يراه المالك عدّة شهور.

2. ما يقصد به العمل، كالركوب، والنضح ونقل الأمتعة فمثله تربط في المعاطن ويُعلف ليكون في متناول المالك متى شاء و يندر فيه السوم، ويغلب عليه التعليف فلو استثنيت العوامل فلأجل كونها فاقدة للشرط أي السوم، لما عرفت من الملازمة العرفية بين العمل والتعليف، لا لكون العمل بما هوهو مانعاً.

هذا ما يستفاد من كلمات المتقدمين المقتصرين على شرط واحد وهو السوم، من دون أن يذكروا العمل ولنستعرض نماذج من نصوصهم:


(297)

1. قال المفيد(336ـ 413): فأمّا الأنعام فإنّما تجب الزكاة فيها على السائمة إذا حال عليها الحول.

وقال في باب «حكم الخيل في الزكاة» وتُزكّى العتاق الاناث السائمة والبراذين السائمة سنة غير فريضة لما روي عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ انّه وضع على الخيل العتاق، والاناث السائمة عن كلّ فرس في كلّ عام دينارين، وجعل على البراذين السائمة الاناث، في كلّ عام ديناراً.(1)

2. وقال الشيخ (385ـ 460) في النهاية: و امّا الإبل والبقر والغنم فليس في شيء منها زكاة إلاّ إذا كانت سائمة ويكون قد حال عليها الحول فصاعداً، فأمّا المعلوفة منها فليس في شيء منها زكاة على حال ـ إلى أن قال ـ: وأمّا الخيل ففيها الزكاة مستحبة إذا كانت سائمة فإذا كانت معلوفة فليس فيها شيء.(2)

3. وقال في المبسوط: شرائط وجوب زكاة الإبل أربعة: الملك والنصاب والسوم وحؤول الحول.(3)

5. وقال سلار(ت463) عند بيان الشروط.

أحدها السوم، والثاني التأنيث وكلاهما يعتبر في النعم ولا تجب في المعلوفة زكاة ولا في الذكورة، بالغاً ما بلغت. (4) وما ذكره من اشتراط الأُنوثة لم يوافقه أحد وفي رواية ابن أبي عمير الماع إلى اشتراط الأُنوثة في خصوص الإبل وسيوافيك الكلام فيها، قال كان علي ـ عليه السَّلام ـ لا يأخذ من جمال العمل صدقة كانّه لم يحب أن


1- المقنعة:246.
2- النهاية:177.
3- المبسوط:1/191.
4- المراسم العلوية:139.


(298)

يؤخذ من الذكورة بشيء لانّه ظهر يحمل عليها.(1)

6. وقال ابن البراج (400ـ 481): «ليس تجب زكاة الإبل إلاّ بشروط: الملك و السوم، والنصاب وحلول الحول» وذكر نفس هذه الشروط في زكاة البقرة والغنم.(2)

7. وقال ابن زهرة(511ـ 585)وشرائط وجوبها في الأصناف الثلاثة من المواشي أربعة: الملك والحول، والسوم وبلوغ النصاب.(3)

8. وقال ابن إدريس(539ـ 598) : لا تجب الزكاة في الإبل إلاّ بشروط أربعة: الملك والنصاب والسوم وحؤول الحول وكذلك في البقر والغنم ثمّ قال: الأظهر أن يزاد في شروط الإبل والبقر، والغنم شرطان آخران، هما إمكان التصرف بلا خلاف بين أصحابنا وكمال العقل.(4)

9. وقال الكيدري(ت600) في الأصناف الثلاثة من المواشي أربعة شروط: الملك والحول والسوم وبلوغ النصاب.

10. وقال ابن سعيد الحلي (601ـ 690): وأمّا الإبل فشروط الزكاة فيها الملك والسوم والحول ثمّ قال: وأمّا البقر فشروط الزكاة فيها مثل شروط الإبل، إلى أن قال: وأمّا الغنم فشروط الزكاة فيها مثل الإبل والبقر.(5)

هذه عشرة كاملة من نصوص فقهائنا القدامى الذين اقتصروا على شرط


1- الوسائل:6، الباب7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث4.
2- المهذب:1/161، 163، 164.
3- الغنية:119.
4- السرائر:1/432.
5- الجامع للشرائط:126ـ 129.


(299)

واحد وهو السوم ولم يذكروا من مانعية العمل شيئاً.

وبما انّ سيرة قسم منهم هو الاقتصار على الفقه المنصوص يمكن القول بانّ المشهور عند أصحاب الأئمة هو شرطية السوم ومانعية التعليف، وأمّا عدم كون الماشية عاملة فليس شرطاً مستقلاً وإنّما هو لأجل الملازمة العرفية بين العمل و التعليف إذ قلما يتّفق أن تكون الإبل والبقر عاملة ومع ذلك سائمة، فانّ العمل يستوجب أن تكون الماشية تحت متناول المالك وفي حظيرته لا بعيدة عنه، سائمة في الصحراء.

نعم يظهر من الشيخ في الخلاف والمحقق في الشرائع انّ عدم العمل شرط برأسه وراء كون السوم شرطاً قال في الخلاف: لا تجب الزكاة في الماشية حتّى تكون سائمة للدر والنسل فإن كانت سائمة للانتفاع بظهرها وعملها فلا زكاة فيها.(1) ترى انّه عدّ العمل مانعاً من تعلق الزكاة مع كون الماشية سائمة.

وقال في الشرائع: الشرط الثاني السوم إلى أن قال: الشرط الرابع أن لا تكون عوامل فانّه ليس في العوامل زكاة ولو كانت سائمة.(2)

وقال في الجواهر بعد قول المحقّق«فانّه ليس في العوامل زكاة ولو كانت سائمة» قال: بلا خلاف أجده بل الإجماع بقسميه عليه.(3)

أقول: لو كان مصبّ الإجماع عدم تعلقها بالعوامل فهو صحيح لما عرفت من الملازمة العادية بين العمل و التعليف وأمّا لو كان مصبّه عدم تعلقها بها وإن كانت سائمة فهو كما ترى ضرورة خلو كلمات الأصحاب إلى عصر المحقق من


1- الخلاف:2، كتاب الزكاة، المسألة62.
2- الشرائع:1/110.
3- الجواهر:15/120.


(300)

هذا الشرط إلاّ ماعرفت من الخلاف.

هذا وأمّا موقف أهل السنة في هذين الشرطين فإليك بيانه:

موقف فقهاء السنة من الشرطين

1. قال الخرقي في مختصر «وليس فيما دون خمس من الإبل سائمة صدقة».

2. وقال: «وفي ذكر السائمة احتراز من المعلوفة والعوامل فانّه لا زكاة فيها عند أكثر أهل العلم، وحكى عن مالك «في الإبل النواضح والمعلوفة، الزكاة لعموم قوله ـ عليه السَّلام ـ «في كلّ خمس شياه».(1) ترى انّه جعل قيد السائمة احترازاً عن العوامل، للملازمة العرفية بينها و بين العاملة وعلى ذلك يكون عطف العوامل على المعلوفة من قبيل عطف الخاص على العام.

3. وقال في الخلاف:«وقال مالك «تجب في النعم الزكاة سائمة كانت أو غير سائمة فاعتبر الجنس. قال أبو عبيد:«وما علمت أحداً قال بهذا قبل مالك، وقال الثوري مثل قول أبي عبيد، الحكاية.(2)

الثالث: دراسة الروايات الواردة في المقام

قد عرفت انّ المتقدمين من الأصحاب ذهبوا إلى انّ هنا شرطاً واحداً وهو السوم ولا يجب في غير السائمة، نعم ظهر القول بتعدد الشرط منذ عصر المحقّق ومن تلاه كما عرفت اتفاق فقهاء السنة على شرطية السوم في التعلق وانّه لم يقل بتعلقها بالمعلوفة إلاّ مالك وقد تبع مشايخه كربيعة ومكحول و قتادة.


1- المغني:2/441.
2- الخلاف:2، كتاب الزكاة، السألة61.


(301)

ثم هل المتبادر من الروايات توفر شرط واحد وهو السوم أو توفر شرطين وهما وراء السوم، عدم كونها عاملة وهذا ما ندرسه تالياً.

إذا عرفت ذلك فلنذكر الروايات:

1. صحيحة الفضلاء الخمسة: زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير و بريد العجلي والفضيل عن أبي جعفر و أبي عبد اللّهعليمها السَّلام في حديث زكاة الإبل، قال:

وليس على العوامل شيء إنّما ذلك على السائمة الراعية.(1)

2. صحيحة الفضلاء الخمسة: عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في حديث زكاة البقر، قال:

ولا على العوامل شيء إنّماالصدقة على السائمة الراعية.(2)

3. صحيحة الفضلاء الخمسة: قالا:

ليس على العوامل من الإبل والبقر شيء إنّما الصدقات على السائمة الراعية.(3)

أقول: الحديث الأوّل كان حول الإبل والحديث الثاني كان حول البقر و الحديث الثالث حول كليهما حيث جمع بين الإبل والبقر، فهل الجمع من الإمام فيكون حديثاً ثالثاً أو من الفضلاء فلا يكون حديثاً مستقلاً .

والذي يهمّنا في هذه الأحاديث الثلاثة هو بيان أمرين:

الأوّل: انّ الإمام جعل السائمة في مقابل العوامل وما ذلك إلاّ لأجل أن الغالب عليها هو عدم السوم، فلو لم تكن الزكاة دائر مدار السوم وعدمه فلا معنى للتقابل.


1- الوسائل:6، الباب8 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1، 2، 5.
2- الوسائل:6، الباب8 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1، 2، 5.
3- الوسائل:6، الباب8 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1، 2، 5.


(302)

الثاني: انّ الإمام جعل الضابطة في آخر الحديث هو السوم و قال: «إنّما ذلك على السائمة الراعية»، وهذا يدلّ على انّ الميزان هو السوم.

4. ويقرب من هذا صحيحة زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه هل على الفرس والبعير يكون للرجل يركبها شيء، فقال: لا.

ليس على ما يعلف شيء إنّما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها، عامها الذي يقتنيها فيها الرجل، وأمّا ما سوى ذلك فليس فيه شيء.(1)

وجه الدلالة على انّ الشرط هو السوم وانّ عدم تعلق الزكاة بالعامل لأجل الملازمة بينها و بين التعليف هو انّ السائل سأل عن الفرس و البعير المركوبين، وأجاب الإمام بانّه ليس على ما يُعلف شيء و إنّما الصدقة على السائمة، فلو كان للعمل موضوعية ومانعية فكان على الإمام أن يجيب بانّه ليس على المركوب شيء ولكنّه ـ عليه السَّلام ـ يجيبه بانّه «ليس على ما يعلف شيء» وهذا دليل على انّ عدم تعلقها بالمركوب لأجل كونها معلوفة لا عاملة.

ثمّ إنّ الإمام أشار إلى الضابطة الكلية وقال: «إنّما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها» ومن المعلوم انّ السائمة المرسلة في المرج لا تعد للركوب ولا للنضح ولا للنقل إذ تكون خارجة عن متناول يد المالك حتّى يستعملها في هذه الموارد.

نعم ربما يتبادر من بعض الروايات التالية كون العمل مانعاً عن تعلق الزكاة برأسه وإن كانت الماشية سائمة .

5. ما رواه ابن أبي عمير في حديث قال: كان علي لا يأخذ من جمال العمل صدقة كانّه لم يحب أن يؤخذ من الذكورة شيء لانّه ظهر يحمل عليها.(2)


1- الوسائل:6، الباب7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 3، 4.
2- الوسائل:6، الباب7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 3، 4.


(303)

يلاحظ عليه : بانّ لفظ الإمام ينتهي عند قوله:«لا يأخذمن جمال العمل صدقة» وليس في كلامه إشارة إلى ما هو السبب من عدم الأخذ فهل هو التعليف كما استظهرناه أو لكون العمل مانعاً مستقلاً.

وأمّا ما ذكره ابن أبي عمير من قوله«كأنّه لم يحب أن يؤخذ من الذكورة شيء لانّه ظهر يحمل عليه» فهو استنباط شخصي من الراوي من شرطية الأُنوثة، ومانعية العمل.

6. موثقة زرارة عن أحدهما قال: ليس في شيء من الحيوان زكاة غير هذه الأصناف الثلاثة: الإبل والبقر والغنم.

وكلّ شيء من هذه الأصناف من الدواجن والعوامل فليس فيها شيء.(1)

يلاحظ عليه انّ الحديث على المطلوب أدل لانّه يقسم الأنعام إلى أقسام ثلاثة:

1. السائمة في الصحراء المرسلة في مرجها وهذا هو المراد من قوله«الإبل والبقر والغنم».

2. الدواجن و الأنعام الأهلية التي تُربّى في المنازل.

3. العوامل التي تُعلف عليها في المعطِن والمِعْلف وعدم التعلق بالأخيرين لكونها معلوفة .

هذه روايات الباب التي يمكن أن يكون مستنداً لأحد الرأيين.

نعم هناك روايات تدلّ على تعلق الزكاة بالعوامل وقد رواها إسحاق بن عمّار.(2) وقد حملها الشيخ على الاستحباب فلاحظ.


1- الوسائل:6، الباب7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث7و8.
2- الوسائل:6، الباب7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث7و8.


(304)

هذا دراسة ما رواه صاحب الوسائل وأمّا ما ورد في غيرها فهو أيضاً يدعم موقفنا في المسألة، وأنّ هنا شرطاً واحداً وهو السوم.

روى القاضي النعمان(259ـ 263) عن جعفر بن محمد انّه قال: الزكاة في الإبل والبقر والغنم السائمة يعني الراعية.(1)

ثمّ لو غضضنا النظر عن كلّ ذلك، فنقول: انّ العمل يتصوّر في الإبل والبقر فلو قلنا بمانعية العمل فإنّما يمنع في خصوصهما وإمّا الغنم فالموضوع فيه منتف ويرجع فيه إلى ما تضافر عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ من قولهم «في أربعين من الغنم السائمة شاة» على القول بمفهوم الوصف.

قال المحقّق الأردبيلي(ت993): وما رأيت في أخبارنا في الغنم شيئاً بخصوصه لعلّ العمومات (مثل قولهم ـ عليهم السَّلام ـ انّ الصدقات على السائمة الراعية) المذكورة تشمله لانّ الاعتبار باللفظ ولا يخصصه خصوص السبب كما ثبت في الأُصول، والإجماع وعدم القول بالواسطة ورواية العامة تؤيده.(2)

ومقصوده من رواية العامة ما رواه أبو داود في سننه عن كتاب النبي الذي بعث مصدقه به وفيه «وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين ففيها شاة».(3)

والعجب انّ المحقّق الأردبيلي لم يقف على الحديث الوارد من طرقنا في خصوص الغنم السائمة وهي موثقة زرارة، قال: سألت أبا جعفر عن صدقات الأموال، فقال في تسعة أشياء ليس في غيرها شيء في الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والزبيب والإبل والبقر والغنم السائمة هي الراعية وليس في شيء


1- مجمع الفائدة والبرهان:4/54.
2- مجمع الفائدة والبرهان:4/54.
3- سنن أبي داود:2/97، باب زكاة السائمة برقم1567; صحيح البخاري:2/146; سنن الدارقطني:2/114 و سنن البيهقي:4/100.


(305)

من الحيوان غير هذه الثلاثة أصناف شيء، وكلّ شيء كان من هذه الثلاثة أصناف فليس فيه شيء حتّى يحول عليه الحول منه يوم ينتج.(1)

والسند موثق لوجود علي بن الحسن بن فضال في السند.

إلى هنا تبين انّ الإمعان في الروايات يثبت بانّه ليس هنا إلاّ شرطاً واحداً وهو السوم وانّ العمل ليس بمانع وإنّما يمنع لأجل كونه معلوفاً غالباً.

وعلى فرض التسليم فالعمل إنّما يمنع في الإبل والبقر وإن كانت سائمة وأمّا الغنم فمقتضى ما دلّ على شرطية السوم مطلقاً وخصوص الموثقة هو التفصيل بين السائمة والمعلوفة، فتتعلق الزكاة بالأُولى دون الثانية.

إذا عرفت ما ذكرنا من الأُمور الثلاثة فحان دراسة الدليل والوجوه المؤيّدة التي تمسك بها بعض الأعاظم على إنكار شرطية السوم والأخذ بمانعية العمل بما هوهو، وهي وجوه ستة مع وجه سابع اسماه احتياطاً نذكرها واحداً تلو الآخر.

دراسة دليل بعض الأعاظم و الوجوه المؤيّدة

1. قال ـ مُدَّت ظلاله الوارفة ـ في اشتراط السوم إشكال قوي وإن كان ظاهرَ الأصحاب، لظهور روايات الباب في اشتراط أن لا تكون عوامل.

وأمّا كونها سائمة فهو من اللوازم القهرية لعدم كونها عوامل لعدم الداعي إلى ابقائها في حظائرها حينئذ عادة بل تسرح في مرجها وتساق إذا ساعدت الظروف، وهذا المقدار غير كاف في إثبات الاشتراط ويؤيد ما ذكرناه أُمور:

1. عدم ذكر هذا الشرط في صحيحة الفضلاء في الغنم بل ذكر في الإبل


1- الوسائل:7، الباب8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة وما تستحب فيه، الحديث9.


(306)

والبقر فقط.

2. عدم ذكر المعلوفة مستقلة في الروايات بل انضمنت إلى العوامل.

3. ابتدأ حول السخال من حين النتاج مع انّها ليست بسائمة.

4. عدم الاكولة من النصاب مع انّها معلوفة غالباً.

5. عدم وقوع السؤال عن المعلوفة وغيرها في آداب المصدِّق.

6. خروج غالب الأنعام من حكم الزكاة بناءً على اشتراطها.

فالأحوط الزكاة في المعلوفة أيضاً والظاهر انّ مستند المجمعين أيضاً الروايات السابقة التي لا تدلّ على مختارهم.(1)

فلندرسها واحداً تلو الآخر.

أمّا الدليل فقد ادّعي فيه ظهور روايات الباب في اشتراط عدم كونها عوامل وأمّا كونها سائمة فهي من اللوازم القهرية لعدم العمل.

يلاحظ عليه: انّه إذا كان الموضوع لعدم تعلّق الزكاة هو عدم العمل فاللازم في مقام الاجابة، هو التركيز على عدم العمل من دون حاجة إلى ذكر السوم مع انّا نرى انّ الأمر على العكس ففي الروايات الثلاثة الأُول يقول الإمام «وليس على العوامل شيء إنّما ذلك على السائمة الراعية» فإذا كان العمل مانعاً من تعلق الزكاة من دون مدخلية للسوم والعلف في تعلقها فذكر الضابطة أعني قوله «وإنّما الصدقة على السائمة الراعية» يُصبح أمراً لغواً وإن كان عدم العمل يلازم السوم في المرج.

وإن شئت قلت: إذا كان تمام الموضوع للتعلق هو عدم العمل فكان اللازم


1- تعليقات على العروة الوثقى:330.


(307)

في مقام الاجابة أن يركِّز الإمام على ما هو الموضوع للتعلق مع انّا نرى انّ الإمام يتجاوز عن ذلك ويعطي ضابطة كلية ويقول: إنّما الصدقة على السائمة الراعية فهذا يدلّ على انّ الأمر على العكس وانّ الميزان هو السوم وانّ عدم التعلق بالعوامل لأجل كونها معلوفة غالباً.

وأوضح من ذلك صحيحة زرارة فانّ الراوي فيها يسأل عن الفرس و البعير المركوبين والإمام مكان التركيز على عدم تعلقه بالمركوب يجيب بقوله: «ليس على ما يعلف شيء، إنّما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها»، فالسؤال إنّما هو عن العوامل ولكن الإجابة بالتعليف وعدمه. وهذا يشهد على انّ المحور السوم والتعليف لا الركوب وعدمه. وأمّا ما ذكره من المؤيدات فإليك تحليلها.

ثمّ إنّه دام ظله أيّد مقاله بأُمور ستة:

المؤيّد الأوّل: عدم ذكر السوم في صحيحة الفضلاء في الغنم بل ذكر في الإبل والبقر فقط

يلاحظ عليه: بانّ لفضلاء أصحاب الصادقين روايات ثلاث:

الأُولى: ما صدرت الرواية بنفس الإبل واتحذته موضوعاً للبحث حوله، فقالا: في صدقة الإبل: في كلّ خمس شاة إلى أن تبلغ خمساً وعشرين فإذا بلغت ذلك، ففيها ابنة مخاض ـ إلى أن قالا بعد ذكر اثني عشر نصاباً للإبل ـ: وليس على النيّف شيء و لا على الكسور شيء و ليس على العوامل شيء، إنّما ذلك على السائمة الراعية.(1)

الثانية: ما اتخذت البقرة موضوعاً لبيان أحكامها، قالا: في البقر في كلّ ثلاثين


1- التهذيب:4، باب زكاة الإبل، الحديث4.


(308)

بقرة تبيع حولي وليس في أقل من ذلك شيء و في أربعين بقرة، بقرة مسنة ـ وبعد ما أنهى الكلام في نصاب البقر، قالا: وليس على النيف شيء و لا على الكسور شيء ولا على العوامل شيء، إنّما الصدقة على السائمة الراعية.(1)

الثالثة: ما اتخذت الإبل والبقر معاً موضوعاً، فقالا: ليس على العوامل من الإبل والبقر شيء إنّما الصدقات على السائمة الراعية.(2)

وقد نقل صاحب الوسائل الروايتين الأُوليين بتلخيص كثير واقتصر على ما يهم الباب ثمّ نقل الثالثة.(3) وقد سبق منّا انّ الحديث الثالث ليس حديثاً مستقلاً بل جمع بين الحديثين امّا من الإمام أو من الرواة.

إذا عرفت ذلك فاعلم انّ عدم ذكر هذا الشرط في الغنم في صحيحة الفضلاء لأجل انّ الموضوع في الأُولى من بدأ الحديث إلى ختامه هو بيان نصاب الإبل و في الثانية هو البقر لا نصاب الغنم وقد انجرّ كلامه بعد بيان الانصاب إلى ذكر أُمور يرتبط بهما وهو العوامل فعدم مجيء هذا الشرط في الغنم في الصحيحة لأجل كون البحث فيهما مركزاً على الإبل والبقر وما يختصّ بهما من العمل فلا يعدّ عدم الذكر دليلاً على عدم الاشتراط.

أضف إلى ذلك انّك قد عرفت انّ الإمام قد صرّح في الغنم بشرطية


1- التهذيب:4، باب زكاة البقر، الحديث1.
2- التهذيب، باب وقت الزكاة، الحديث15.
3- لاحظ الوسائل:7، الباب7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث1، 2 ، 5.


(309)

السوم ففي موثقة زرارة عن أبي جعفر: «والغنم السائمة وهي الراعية»(1)

فبعد هذا التصريح في خصوص الغنم تكون النتيجة التصريح بشرطية السوم في الأنعام الثلاثة الإبل والبقر في صحيحة الفضلاء باعتراف المستدلّ والغنم في موثقة زرارة.

المؤيّد الثاني: عدم ذكر المعلوفة مستقلة في الروايات بل منضمّة إلى العوامل

يلاحظ عليه: انّ الموضوع هو السائمة وقد ركز الإمام على بيانها في صحيحة الفضلاء، فقال في المواضع الثلاثة: «إنّما الصدقة على السائمة الراعية» على وجه الحصر وهذا يدلّ على عدم الصدقة في المعلوفة تارة لأجل الحصر «إنّما» و أُخرى لأجل دلالة الوصف «السائمة الراعية» وهذا يكفي في بيان الحكم.

وبعبارة أُخرى فالواجب هو التصريح بموضوع الوجوب وهي السائمة وأمّا التصريح بموضوع عدم الوجوب فلا ملزم له وعلى فرض تسليم الالزام يكفي الإشارة إليه بأداة الحصر أولا و مفهوم الوصفين (السائمة، الراعية) ثانياً.

المؤيّد الثالث: ابتداء حول السخال من حين النتاج مع انّها ليست بسائمة

المراد من السخلة في المقام ولد الأنعام الثلاثة مطلقاً ولو مجازاً، فقد اتفقت كلمتهم على انّ السخال لا تعد مع الأُمهات بل لكلّ منهما حول بانفراده وقد وصفه في الجواهر بقوله: بلا خلاف أجده بل الإجماع في محكي الخلاف و المنتهى والانتصار وغيرها عليه. مضافاً إلى ظهوره من النصوص السابقة في مسألة ابتداء حولها.

إنّما الكلام في مبدأ حولها، فهل المبدأ حين النتاج والولادة أو بعد استغنائها بالرعي فيه قولان: أحدهما: انّ المبدأ هو وقت النتاج، مستدلاً بموثقة زرارة قال: عن أحدهما عليمها السَّلام ليس في الحيوان زكاة غير هذه الأصناف الثلاثة: الإبل والبقر


1- الوسائل:6، الباب8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث9.


(310)

والغنم، وكلّ شيء من هذه الأصناف من الدواجن والعوامل فليس فيها شيء، و ما كان من هذه الأصناف فليس فيها شيء حتّى يحول عليها الحول منذ يوم تُنتج.(1)

يلاحظ على الاستدلال أوّلاً: انّ السند يشتمل على فطحيين كعلي بن الحسن في صدر السند و عبد اللّه بن بكير في أثنائه.

وثانياً: انّ الرواية نقلها الشيخ بسند آخر عن زرارة مجردة عن الذيل(منذ يوم تنتج) قال: عن أبي جعفر ليس في صغار الإبل والبقر والغنم شيء إلاّ ما حال عليه الحول عند الرجل وليس في أولادها شيء حتّى يحول عليه الحول.(2)

وثالثاً: لو افترضنا العمل بالرواية فنقول: انّ السخلة قبل التمكن من الرعي ليست بسائمة ولا معلومة فلو دلّ الدليل على اشتراط السائمة فإنّما يدلّ على ما إذا كان الحيوان قابلاً للسوم والتعليف والسخلة التي تعيش بلبن الأُمّ لا سائمة ولا معلوفة فلا يضرّ عدّها من النصاب باشتراط السوم في تعلق الزكاة لانّ الشرط مختص بما يقدر عليه دون مالا يقدر.

رابعاً: انّ الموضوع هي السائمة فإذا كان أيّام الرضاع أيّاماً قليلة فبالاستغناء عن الرضاع إذا أرسلت إلى الرعي في الصحراء يصدق عليه انّها سائمة.

يقول المحقّق الأردبيلي: الاعتبار بالتسمية وليس في الأخبار اعتبار طول السنة صريحاً وقد مرّ انّ المعتبر هو التسمية وليس ذلك ببعيد لانّها غير معلوفة


1- الوسائل:6، الباب9 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث4.
2- التهذيب:4، الباب وقت الزكاة، الحديث20; الوسائل:6، الباب9 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث5.


(311)

يقيناً، وانّ زمان الرضاع الذي لا ترعى أيضاً قليل وانّ السوم والعلف إنّما يعتبر في زمان يصلح لذلك فالظاهر صدق الاسم.(1)

هذا كلّه على فرض العمل بالرواية غير انّ لفيفاً من المحقّقين كالمحقّق والعلاّمة وأكثر المتأخرين طرحوا الرواية وقالوا بانّ ابتداء الحول من حين استغناء السخال عن اللبن بالرعي.

يقول العلاّمة: ولا تعد السخال إلاّ بعد استغنائها بالرعي.(2)

وقال في المختلف: لا تعد السخال مع الأُمّهات بل لها حول بانفرادها، وهل يعتبر الحول من حين الانتاج أو من حين السوم، الأقرب الثاني، والمشهور الأوّل، لنا انّ الشرط السوم فلا تعد قبله، وقد ورد في صحيحة الفضلاء إنّما الصدقات على السائمة الراعية.

ثمّ ذكر احتجاج الشيخ وابن الجنيد وأتباعهما بموثقة زرارة وأجاب عنه بقوله:

1. المنع من صحّة السند.

2. وبان كون الحول غاية فانّه لا ينافي ثبوت غاية أُخرى للحديث الصحيح الذي ذكرناه(يريد صحيحة الفضلاء).(3)

فظهر من ذلك انّ المسألة مورد اختلاف، وعلى فرض العمل بالرواية لا ينافي اشتراط السوم لانّ الشرط راجع إلى الحيوان القابل للتعليف والسوم أوّلاً، وقلة الزمان الفاصل يكفي في صدق السائمة ثانياً.


1- مجمع الفائدة والبران:4/60.
2- مجمع البرهان و الفائدة، قسم المتن:4/58.
3- مختلف الشيعة:3/168.


(312)

المؤيّد الرابع: عد الاكولة من النصاب مع انّها معلوفة غالباً

يلاحظ عليه : انّ المؤيد مخدوش صغرى وكبرى، أمّا الصغرى فانّ الأكولة تفسر تارة بالشاة التي تعزل للأكل وتُسمَّن، ويكره للمصدِّق أخذها.(1) وأُخرى بالتي ترعى للأكل.(2) و مع ذلك فكيف يفسر بالأوّل.

وأمّا الكبرى فليس بمورد اتفاق قال العلاّمة في الإرشاد: ولا تعد الأكولة ولا فحل الضراب من النصاب مستدلاً بصحيحة عبد الرحمن بن حجاج عن أبي عبد اللّه قال: ليس في الأكيلة ولا في الربى التي تربي اثنين ولا شاة لبن ولا فحل الغنم صدقة.(3)

وأمّا من قال بعدّها من النصاب فقد حمل قوله «ليس في الأكيلة» على عدم الأخذ لا على عدم العدّ مستدلاً بموثقة سماعة عن أبي عبد اللّه، قال: لا تؤخذ الأكولة الكبيرة من الشاة تكون في الغنم ولا والدة ولا كبش الفحل.(4)ولا منافاة بين الحديثين حتّى يحمل الأوّل على الثاني، فالأكولة لا تعد ولا تؤخذ .

وحصيلة الكلام انّ الروايات تضافرت من قبل الفريقين على شرطية السوم في تعلق الزكاة فرفع اليد عن الإطلاقات المتضافرة في كتب الفريقين بهذين الفرعين اللذين وقع فيهما النقاش أمر غير تام بل الأولى التمسك بالمطلقات المتضافرة والقضاء في هذه الفرع بمقتضاها.


1- الصحاح، مادة أكل.
2- العين للخليل والمقاييس لابن فارس.
3- مجمع الفائدة، قسم المتن: 4/58.
4- الوسائل:6، الباب10 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث2.


(313)

المؤيّد الخامس: عدم وقوع السؤال عن المعلوفة وغيرها في آداب المصدق

يلاحظ عليه أوّلاً : انّه ورد آداب المصدق في روايتين.

إحداهما: ما رواه الكليني بسند صحيح عن بريد بن معاوية ، قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: بعث أمير المؤمنين مصدقاً من الكوفة إلى باديتها، فقال له: يا عبد اللّه انطلق وعليك بتقوى اللّه وحده لا شريك له(1)... الخ.

الثاني: ما رواه الشيخ الحر العاملي عن نهج البلاغة عن أمير المؤمنين في وصية كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات: انطلق على تقوى اللّه وحده لا شريك له، ولا تروعنّ مسلماً(2)...الخ.

لكن عدم الورود لا يعدّ دليلاً على عدم الاعتبار ضرورة انّ موقع الروايتين بيان آداب المصدق لا بيان ما تجب فيه الزكاة فالمحور فيهما ما يمت إلى المصدّق بصلة، فلو لم يذكر فيه السائمة ولا المعلوفة فلأجل عدم الحاجة إلى ذكرها إذ المقام، مقام بيان وظيفة المصدق ولأجل ذلك لم يذكر فيه سائر الشروط كالنصاب ولا حولان الحول ولا الملك ولا العقل ولا سائر الشرائط.

وثانياً: انّ في الرواية ايعازاً إلى انّ مورد الصدقة هي السائمة حيث يقول:«بعث أمير المؤمنين مصدقاً من الكوفة إلى باديتها» والسائد على البادية هو الرعي في الصحراء لا التعليف وفيما نقله عن نهج البلاغة الماع إلى ذلك أيضاً حيث قال: فإذا قدمت إلى الحيّ فأنزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم» و هذا يعرب عن كون الأنعام سائمة لانّ المعلوف يكون حول الحيّ لا البعيد عنه كالنقطة التي فيها الماء وربما يكون بين الماء والاحياء مسافة لا يستهان بها.


1- الوسائل:6، الباب14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث1و7.
2- الوسائل:6، الباب14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث1و7.


(314)

ونضيف على ذلك ما ذكرناه في المؤيدين السابقين من انّ الضابطة هو رد المتشابه إلى المحكم وقد تضافرت الروايات على شرطية السوم فلا يصحّ رفع اليد عنها بهذه الوجوه التي هي أشبه بالاستئناس لا الاستدلال.

المؤيد السادس

خروج غالب الأنعام من حكم الزكاة بناء على اشتراطها .

يلاحظ عليه: بانّ شرطية السوم لا توجب خروج أكثر الأنعام عن مصبّ الحكم وذلك لانّ الحكم مترتب على السائمة لا السوم، فانّ الغنم إذا سامت إلى حد يصدق عليها عرفاً انّها سائمة، فكما يصدق عليها في حال السوم انّها سائمة فكذلك حال اشتغالها بالاعتلاف يصدق عليها انّها سائمة إلاّ أن يبلغ الاعتلاف حدّاً يصدق انّها غير سائمة، والحدّ الموجب مصدق السائمة والمعلوفة موكول إلى العرف.

انّ صدق عنوان السائمة والمعلوفة كصدق عنوان النجار والخباز، فكما انّ عدم مزاولة النجارة والخبازة لمدة قصيرة لا يضرّ بصدق العنوان، فهكذا الحال في السائمة والمعلوفة فتعليف السائمة لمدة قصيرة لا يخرجها عن صدق عنوان السائمة ومثلها المعلوفة فانّ رعيها في المراتع أياماً معدودة لا يخرجها عن صدق عنوان المعلوفة فكأنّ المالك يقسم ماشية إلى قسمين:

قسم منها خاص للرعي في الصحراء للدر والنسل ولا يرجعها إلى المعلف إلاّ لغاية خاصة كالبرد وغيره، وقسم منها معدّة للتعليف في المعلف ولا يرسلها إليه إلاّ لغاية خاصة.

فمادامت الماشية تحمل أحد هذين العنوانين: من شأنها الرعي في المرج أو


(315)

من شأنها التعليف في المعلف يترتب على كلّ منها حكمه الخاص.

وعلى ضوء ذلك فالتعليف يوماً أو اسبوعاً أو شهراً أو أكثر لأجل مانع كالبرد وغيره لا يضر بالتسمية إذا كانت الأنعام معدّة للسوم في الصحراء للدرّ والنسل وعلى ذلك فلا يخرج أغلب الأنعام من حكم الزكاة.

ثمّ إنّه دام ظله ذكر انّ الأحوط ايجاب الزكاة في المعلوفة أيضاً وهو أمر عجيب لانّ الأمر دائر بين محذورين فانّ ايجاب الزكاة وإن كان لصالح الفقراء ولكنّه لا ينفك عن الحاق الضرر بالمالك.

وهذا كايجاب الزكاة على مال اليتيم والمجنون أخذاً بالاحتياط وقد قلنا في محله انّ الأمر دائر بين المحذورين فالمرجع في المقام هو البراءة لا الاحتياط كما انّ المتعيّن هو الأخذ بما هو المشهور بين الفريقين، والصفح عمّا تفرّد مالك، تبعاً لشيوخه الثلاثة: مكحول وربيعة وقتادة.(1)

هذا ما جاد به اليراع وسنحت به الفرصة قدَّمته إلى سماحته (دام ظله الوارف) أملاً أن يبدي نظره السامي فيما حرّرت.

ظهيرة يوم الثلاثين30

صفر المظفر من شهور

عام 1423هـ

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

جعفر السبحاني


1- المدونة الكبرى لفتاوى مالك:1/313; المغني:2/456.


(316)

(317)

4

المسلم يرث الكافر دون العكس

إنّ للإرث في الفقه الإسلامي موجبات و موانع

أمّا الموجبات له فسببان: النسب والسبب. وقد قيل:

الإرث في الشرع بأمرين وجب * بـالنسب الثابت شرعـاًوسبب

وأمّا الموانع فهي الكفر والقتل والرقّ فنُهمِلُ الكلامَ في المانعين الأخيرين ، ونركّز على المانع الأوّل ضمن مسألتين:

الأُولى: توريث الكافر من المسلم

لا يرث الكافر المسلم مطلقاً إجماعاً محقّقاً بين المسلمين مع تضافر الروايات عليه.

قال المفيد في «المقنعة»: ولا يرث كافر مسلماً على حال.(1)

وقال الطوسي في «المبسوط»: والكافر لا يرث المسلم بلا خلاف.(2)

وقال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أنّ الكافر لا يرث المسلم.(3)

وبما انّ هذه المسألة ممّا لم يختلف فيها اثنان، وهو مورد اتفاق بين الفريقين نكتفي بهذا المقدار ونركّز البحث على المسألة الثانية.


1- المقنعة :700.
2- المبسوط:4/79.
3- المغني: 6/340.


(318)

الثاني: توريث المسلم من الكافر

هذه المسألة اختلفت فيها كلمات الفقهاء، فالإمامية ولفيف من غيرهم على انّه يرث الكافر، ولكن الأكثرية من غيرهم على المنع.

وتحقيق الكلام في هذه المسألة التي أصبحت مثار بحث وجدل واسع بين المذهبين، يتم ببيان أُمور:


(319)

1

استعراض كلمات الفقهاء

1. قال الشيخ الطوسي: ذهبت الإمامية قاطبة تبعاً لأئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، ومعاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان من الصحابة، ومسروق وسعيد و عبد اللّه بن معقل و محمد بن الحنفية وإسحاق بن راهويه من التابعين إلى أنّ المسلم يرث الكافر.

وقال جمهور الصحابة والفقهاء على أنّه لا يرث المسلم الكافر.(1)

2. وقال ابن قدامة: قال جمهور الصحابة والفقهاء: لا يرث المسلم الكافر. يروى هذا عن أبي بكر وعثمان وعلي وأُسامة بن زيد وجابر بن عبد اللّه ، وبه قال عمرو بن عثمان وعروة والزهري و عطاء و طاووس والحسن وعمر بن عبد العزيز وعمرو بن دينار والثوري وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي وعامّة الفقهاء، وعليه العمل.

وروي عن عمر ومعاذ ومعاوية ، أنّهم ورَّثوا المسلم من الكافر ولم يورِّثوا الكافر من المسلم. وحكي ذلك عن محمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين، وسعيد بن المسيب، و مسروق، وعبد اللّه بن معقل، والشعبي، والنخعي، ويحيى بن يعمر،


1- الخلاف:4/23، كتاب الفرائض، المسألة16.


(320)

وإسحاق; وليس بموثوق به عنهم، فإنّ أحمد قال: ليس بين الناس اختلاف في أنّ المسلم لا يرث الكافر.(1)

وجدير بالذكر انّهم ينسبون عدم الإرث إلى علي ـ عليه السَّلام ـ وعلي بن الحسين المعروف بزين العابدين ـ عليه السَّلام ـ مع أنّ روايات أئمة أهل البيت متضافرة على خلافه كما سيوافيك.


1- المغني:6/340.


(321)

2

الكتاب حجّة قطعية

لا يعدل عنه إلاّ بدليل قطعي

إنّ الكتاب حجّة قطعية سنداً ودلالة في غير المجملات والمبهمات والمتشابهات ولا ترفع اليد عن مثله إلاّ بدليل قطعي آخر، فإنّ كون الكتاب حجّة ليس ككون خبر الواحد حجّة، بل هو من الحجج القطعية الذي لا يعادله شيء إلاّ نفس كلام المعصوم لا الحاكي عنه الذي يحتمل أن يكون كلام المعصوم أو موضوعاً على لسانه، و قد سمّاه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حديث الثقلين بالثقل الأكبر، ومعه كيف يمكن رفع اليد عن ظواهر القرآن بخبر الواحد وإن كان ثقة؟!

ولذلك قلنا في الأُصول: إنّ رفع اليد عن إطلاق الكتاب وعمومه بمجرّد ورود خبر ثقة مشكل جدّاً، إلاّ إذا احتفّ الخبر بقرينة يوجب اطمئنان الإنسان بصدوره من المعصوم يجعله بمثابة تسكن النفس إليه، ولأجل ذلك لم تجوّز طائفة من الأُصوليّين تخصيص القرآن بخبر الواحد.

قال الشيخ الطوسي ـ بعد نقل الآراء في تخصيص الكتاب وتقييده بخبر الواحدـ:

والذي أذهب إليه انّه لا يجوز تخصيص الكتاب بها [بأخبار الآحاد] على كلّ حال، سواء خُصّ أم لم يخصّ، بدليل متّصل أو منفصل، والذي يدلّ على


(322)

ذلك انّ عموم القرآن يوجب العلم، وخبر الواحد يوجب غلبة الظن، ولا يجوز أن يترك العلم بالظن على حال فوجب بذلك أن لا يخصّ العموم به.(1)

وأيّده المحقّق الحلّيّ فقال: لا نسلّم انّ خبر الواحد دليل على الإطلاق، لأنّ الدلالة على العمل به،هي الإجماع على استعماله فيما لا يوجد عليه دلالة فإذا وجدت الدلالة القطعية سقط وجوب العمل.(2)

وحاصل كلامهما وجود الشكّ في سعة دليل حجّية خبر الواحد، وانّه هل يعمّ ما إذا كان في المورد دليل قطعي مثل الكتاب؟!

إنّ كثيراً من الأُصوليّين وإن كانوا يتعاملون مع الكتاب العزيز معاملة سائر الحجج، أعني: السنّة الحاكية، لكنّ الكتاب أعظم شأناً من أن يكون عِدْلاً لأمثالها بل هو حجة قطعية، فعموم القرآن وإطلاقاته حجّة على المجتهد إلاّ إذا وقف على حجّة أُخرى تسكن النفس إليها ويطمئن بها المجتهد ، فعند ذلك يقيّد عموم القرآن وإطلاقاته به.

إذا عرفت ذلك فلندخل في صلب الموضوع ونقدّم أدلّة القائلين بالإرث على أدلّة نفاته.


1- عدّة الأُصول:1/135.
2- المعارج:46.


(323)

3

أدلّة القائلين

بإرث المسلم الكافر

استدلّ القائلون بأنّ المسلم يرث الكافر مطلقاً ، كتابياً كان أو وثنياً بوجوه:

1. إطلاقات الكتاب العزيز

إنّ مقتضى إطلاقات الكتاب وعموماته، هو التوارث في الحالتين، من دون فرق بين إرث الكافر، المسلم وبالعكس، قال سبحانه:

(يُوصيكُمُ اللّهُ في أَولادِكُمْ لِلذَّكَر مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيين فإِنْ كُنَّ نِساءً فَوق اثْنَتَين فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وإِن كانت واحدةً فلها النِّصف).(1)

و قال سبحانه: (ولكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْن مِنْ بَعْدِ وَصِيّة يُوصينَ بِها أَوْ دَيْن...).(2)

وقال سبحانه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّه يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ إِنِ امْرؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ


1- النساء:11.
2- النساء:12


(324)

وَلَد وَلَهُ أُختٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ...).(1)

غير أنّ الدليل القطعي وهو اتّفاق المسلمين قام على إخراج إرث الكافر من المسلم عن تحت هذه الإطلاقات والعمومات.

وأمّا إرث المسلم من الكافر فخروجه رهن دليل قطعي تسكن إليه النفس حتّى يعد عديلاً للقرآن في الحجّية ويخصّ الكتاب أو يقيّد بهذا الدليل، فلابدّ من دراسة الروايات التي استدلّ بها على عدم توريث المسلم من الكافر، وانّه هل هي بهذه المثابة أو لا؟ وستتم دراسته في الفصل القادم.

2. إجماع الإمامية على الإرث

اتّفقت الإمامية على أنّ المسلم يرث الكافر مطلقاً، و لم يختلف فيه اثنان منهم، وقد نصّت الإشارة إلى إجماع الطائفة في كلام الشيخ الطوسي، ولنذكر غيرها، حتّى يتّضح اتّفاقهم في المسألة.

1. قال المفيد(336ـ 413هـ): ويرث أهل الإسلام بالنسب والسبب أهلَ الكفر والإسلام، ولا يرث كافر مسلماً على كلّ حال. فإن ترك اليهودي، أو النصراني، أو المجوسي، ابناً مسلماً وابناً على ملّته، فميراثه عند آل محمد لابنه المسلم دون الكافر; ولو ترك أخاً مسلماً و ابناً كافراً، حجب الاخُ المسلم الابنَ في الميراث وكان أحقّ به من الابن الكافر، وجرى الابن الكافر مجرى الميت في حياة أبيه، أو القاتل الممنوع بجنايته من الميراث.(2)

2. وقال السيد المرتضى(355ـ 436هـ) في «الانتصار»: و ممّا انفردت به


1- النساء:176.
2- المقنعة:700.


(325)

الإمامية عن أقوال باقي الفقهاء في هذه الأزمان القريبة وإن كان لها موافق متقدّم الزمان: القول بأنّ المسلم يرث الكافر وإن لم يرث الكافر، المسلم.

وقد روى الفقهاء في كتبهم موافقة الإمامية على هذا المذهب عن سيدنا علي بن الحسين ـ عليه السَّلام ـ و محمد بن الحنفية وعن مسروق و عبد اللّه بن معقل المزني وسعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان .(1)

3. وقال الطوسي(385ـ 460هـ) والكافر لا يرث المسلم بلا خلاف، والمسلم يرث الكافر عندنا، حربياً كان أو ذمّيّاً، أو كافر أصل، أو مرتداً عن الإسلام.(2)

4. وقال ابن زهرة(511ـ585هـ): إنّ الكافر لا يرث المسلم فأمّا المسلم فانّه يرث الكافر عندنا وإن بعد نسبه. ويدلّ على ذلك الإجماع الماضي ذكره، وظاهر آيات الميراث، لأنّه إنّما يخرج من ظاهرها ما أخرجه دليل قاطع .(3)

5. وقال ابن إدريس(539ـ 598هـ): قد بيّنا فيما مضى انّ الكافر لا يرث المسلم، فأمّا المسلم فانّه يرث الكافر عندنا وإن بعد نسبه ويحجب من قرب عن الميراث بلا خلاف بيننا.

6. وقال الكيدري (...ـ 600هـ) :المسلم يرث الكافر، وإن بعد نسبه، أمّا بالعكس فلا، كما مضى.(4)

7. وقال المحقّق الحلي:(602ـ 676هـ): ويرث المسلم الكافر، أصلياً


1- الانتصار:587، المسألة323.
2- المبسوط:4/79.
3- غنية النزوع:328، تحقيق مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ .
4- إصباح الشيعة بمصباح الشريعة :370.


(326)

ومرتداً، ولو مات كافر وله ورثة كفّار، ووارث مسلم، كان ميراثه للمسلم.(1)

8. قال الشهيد الثاني ـ معلّقاً على كلام المحقّق «ويرث المسلم الكافر»ـ: هذا موضع وفاق بين الأصحاب.(2)

إلى غير ذلك من الكلمات الّتي يجدها الباحث في مظانّها، ولا حاجة إلى نقلها تفصيلاً.

وهذا النوع من الإجماع الموسوم بالإجماع المحصّل حجّة بنفسه حسب أُصول المخالفين، وكاشف عن رأي المعصوم على أُصولنا ، وهو حجّة قطعية لا يعدل عنها إلى غيرها.

3. الروايات المتضافرة عن أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام

قد تضافرت الروايات على أنّ المسلم يرث الكافر ولا عكس، وقد جمعها الشيخ الحرّ العاملي في كتاب الفرائض الباب الأوّل من أبواب موانع الإرث، و هي تناهز عشر روايات، وإليك استعراضها:

1. أخرج الصدوق بسند صحيح عن أبي ولاّد، قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «المسلم يرث امرأته الذمّيّة، وهي لا ترثه».(3)

ومورد الرواية هو إرث المسلم زوجته، ولكن المورد غير مخصّص خصوصاً بقرينة ما يأتي من المطلقات والعمومات.

2. أخرج الصدوق عن الحسن بن صالح، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «المسلم يحجب الكافر ويرثه، والكافر لا يحجب المسلم ولا يرثه».(4)


1- الشرائع:2/814.
2- مسالك الأفهام:13/31.
3- الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث،الحديث 1و2.
4- الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث،الحديث 1و2.


(327)

وعلى ذلك فلو كان للكافر ابن كافر، وأخ مسلم يحجب الأخ إرث الابن الكافر; والكلام في المقام في إرث المسلم، الكافر، و كونه ـ وراء ذلك ـ حاجباً عن إرث الكافر مسألة ثانية، ولا ملازمة عقلاً بين المسألتين، إذ يمكن الفصل بين المسألتين عقلاً، بأن يكون وارثاً ، لا حاجباً.

نعم دلّت الروايات على كونه حاجباً أيضاً، فيحجب إرث الكافر من الكافر، سواء كان الحاجب متّحداً مع الممنوع في الطبقة أو متأخّراً عنه، فالولد المسلم يحجب الولد الكافر، كما أنّ الأخ المسلم يحجب إرث الولد الكافر.

3. أخرج الشيخ بسند معتبر عن أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «لا يرث الكافر المسلم، وللمسلم أن يرث الكافر، إلاّ أن يكون المسلم قد أوصى للكافر بشيء».(1)

4. أخرج الشيخ عن عبد الرحمن بن أعين، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ في النصراني يموت و له ابن مسلم، أيرثه؟ قال: «نعم، إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يزدنا بالإسلام إلاّ عزّاً، فنحن نرثهم وهم لايرثوننا».(2)

5. ما أخرجه الصدوق بسند موثّق عن سماعة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن المسلم هل يرث المشرك؟ قال ـ عليه السَّلام ـ : «نعم، فأمّا المشرك فلا يرث المسلم».(3)

6. أخرج الفقيه بسند معتبر عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، قال: سمعته، يقول: «لا يرث اليهودي والنصراني المسلمين، ويرث المسلمون اليهود والنصارى».(4)


1- الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3، 4، 5، 7.
2- الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3، 4، 5، 7.
3- الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3، 4، 5، 7.
4- الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3، 4، 5، 7.


(328)

7. أخرج الشيخ في «التهذيب» عن أبي العباس (البقباق)قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «لا يتوارث أهل ملّتين(يرث هذا هذا، ويرث هذا هذا) إلاّ أنّ المسلم يرث الكافر والكافر لا يرث المسلم».(1)

8. أخرج الكليني بسند صحيح عن جميل وهشام ،عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ انّه قال: فيما روى الناس عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: لا يتوارث أهل ملّتين، قال: نرثهم ولا يرثونا، انّ الإسلام لم يزده في حقّه إلاّ شدّة.

وفي رواية الشيخ الطوسي «انّ الإسلام لم يزده إلاّ عزّاً في حقّه».(2)

ثمّ إنّ الرواية السابعة والثامنة تفسران ما رواه الجمهور عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من أنّه لا يتوارث أهل ملّتين كما سيوافيك بيانه، وحاصل التفسير: انّ نفي التوارث كما يحصل بعدم إرث كلّ الآخر، يتحقّق أيضاً بعدم إرث الكافر المسلم دون المسلم، الكافر.

وبذلك أيضاً يفسر بعض الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت بنفس اللفظ النبوي أو قريب منه، نظير الروايات التالية:

9. أخرج الشيخ بسند معتبر عن حنان بن سدير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته يتوارث أهل ملّتين؟، قال: «لا».(3)

10. ونظيره ما رواه علي بن جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، عن أخيه موسى بن جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، قال: سألته عن نصراني يموت ابنه وهو مسلم، فهل يرث، فقال: «لا يرث أهل ملّة».

وفي المصدر :لا يرث أهل ملّة ملّةً.(4)


1- الوسائل، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث15، 14، 20.
2- الوسائل، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث15، 14، 20.
3- الوسائل، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث15، 14، 20.
4- لاحظ الوسائل:17 ، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث24.


(329)

وهو محمول على عدم التوارث من الطرفين فلا ينافي إرث المسلم الكافر.

إلى هنا تمّت دراسة ما دلّ على إرث المسلم الكافر، وهي متضافرة تفيد الاطمئنان بالصدور.

الروايات المعارضة

ثمّ إنّ هناك روايات ربّما يتراءى التعارض بينها و بين ما سبق، لا تعارضاً مطلقاً، بل تعارضاً نسبياً، وهي القول بإرث المسلم الكافر إلاّ في مورد الزوج والزوجة أو خصوص الزوجة.

ومقتضى صناعة الفقه تخصيص المطلقات السابقة بهذه الروايات المتعارضة، إلاّ أنّها فاقدة للحجّية فيطرح تخصيصها بها، وإليك ما يعارضها بظاهره:

1. ما رواه الصدوق مرسلاً، قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل النصراني تكون عنده المرأة النصرانية فتسلم أو يسلم ثمّ يموت أحدهما؟ قال: «ليس بينهما ميراث».(1)

2. رواية عبد الملك بن عمير القبطي، عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال للنصراني الذي أسلمت زوجته: «بضعها في يدك، ولا ميراث بينكما».(2)

3. رواية عبد الرحمن البصري، قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «قضى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في نصراني، اختارت زوجته الإسلام و دار الهجرة: أنّها في دار الإسلام لا تخرج منها، و أنّ بضعها في يد زوجها النصراني، وأنّها لا ترثه ولا


1- الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث12و22.
2- الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث12و22.


(330)

يرثها».(1)

4. رواية عبد الرحمن بن أعين قال: قال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «لا نزداد بالاسلام إلاّ عزّاً، فنحن نرثهم ولا يرثونا، هذا ميراث أبي طالب في أيدينا، فلا نراه إلاّ في الولد والوالد، ولا نراه في الزوج والمرأة».(2)

وهذه الروايات لا يعتمد عليها في مقابل ما تضافر.

أمّا الأُولى فهي مرسلة الصدوق في «المقنع» وليست مسندة إلى المعصوم.

وأمّا الثانية فهي ـ مضافاً إلى كونها مرسلة لما في سندها من قوله: عن أُمّي الصيرفي أو بينه و بينه رجل، عن عبد الملك بن عمير القبطي ـ انّ عبد الملك لم يوثق.

وأمّا الثالثة فسندها وإن كان موثّقاً ومقتضى الجمع الصناعي هو تنصيص ما دلّ على إرث المسلم الكافر بهذه الرواية و تكون النتيجة: إرث المسلم الكافر، إلاّ الزوجة المسلمة فإنّها لا ترث الزوج الكافر.

ولكن العمل بهذه الرواية في مقابل ما تضافر وتواتر عنهم غير صحيح، مضافاً إلى أنّ مقتضى التعليل الوارد في رواية عبد الرحمن بن أعين عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «لا يتوارث أهل ملّتين، نحن نرثهم ولا يرثونا، إنّ اللّه عز ّوجلّ لم يزدنا بالإسلام إلاّ عزّاً». (3)هو عدم الفرق بين الزوجة وغيرها، لأنّ التعليل آب عن التخصيص.

وأمّا الرواية الرابعة فيرد عليها أمران:


1- الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث،الحديث 23و19.
2- الوسائل:17، الباب1 من أبواب موانع الإرث،الحديث 23و19.
3- انظر الرواية الرابعة.


(331)

الأوّل: انّ ظاهر الرواية هو عدم إيمان أبي طالب، وهذا ممّا اتّفق أئمّة أهل البيت على خلافه.

الثاني: انّ إخراج الزوجة والزوج خلاف مقتضى التعليل الوارد في نفس هذه الرواية.

أضف إلى ذلك إعراض المشهور عن هذه الروايات الأربع ومخالفتها لصحيح أبي ولاّد(الرواية الأُولى) على نحو التباين.

فخرجنا بالنتيجة التالية: انّ الرأي السائد عند أتباع أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ هو إرث المسلم الكافر، من دون فرق في المسلم بين كونه زوجاً أو زوجة.

وأمّا هذه الروايات الأربع، فهي بين ضعيفة كمرسلة الصدوق و رواية عبد الملك بن عمير، أو مخالفة للتعليل الآبي عن التخصيص، كالرواية الثالثة، أو مخدوش في المضمون لاشتماله على كفر أبي طالب، مضافاً إلى أنّ إخراج الزوج والزوجة خلاف التعليل الوارد فيها وخلاف صحيحة أبي ولاّد.

إلى هنا تمّت دراسة الروايات المروية عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ .

الرابع: الآثار المروية في السنن

ثمّ إنّ هناك آثاراً مروية عن الصحابة تؤيّد موقف الإمامية في المسألة، وإليك بعض ما وقفنا عليه:

1. أخرج أبو داود عن عبد اللّه بن بريدة، انّ أخوين اختصما إلى يحيى بن يعمر، يهودي ومسلم فورّث المسلم منهما، وقال: حدّثني أبو الأسود انّ رجلاً حدّثه، انّ معاذاً حدّثه، قال: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: الإسلام يزيد ولا


(332)

ينقص، فورث المسلم.(1)

2. أخرج أبو داود عن عبد اللّه بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الدؤلي انّ معاذاً أتى بميراث يهودي وارثه مسلم، بمعناه عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(2)

3. أخرج الدارمي عن مسروق قال: كان معاوية يورِّث المسلم من الكافر و لا يورث الكافر من المسلم، قال : قال مسروق: وما حدث في الإسلام قضاء أحب إليّ منه، قيل لأبي محمد تقول بهذا، قال: لا .(3)

قال السيد المرتضى بعد نقل قضاء معاذ: ونظائر هذا الخبر موجودة كثيرة في رواياتهم.

وعلى كلّ تقدير ففي الكتاب مع ما تضافر من الروايات عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وفي هذه الآثار كفاية لمن رام الحق، ولكن لا يتم الإفتاء إلا بدراسة دليل المخالف فانتظر.

الخامس: حرمان المسلم خلاف الامتنان

إنّ من درس موارد الحرمان في الإرث يقف على أنّه إمّا للإرغام، أو لضعة الوارث.

والأوّل كما في القاتل فلا يرث المقتول، وذلك لأنّه حاول بقتله أن يرثه معجلاً، فانعكس الأمر وصار محروماً بتاتاً.

والثاني كما في الرق حيث لا يرث الحر لضعة مرتبته ودرجته.


1- سنن أبي داود:3/126، حديث رقم2912.
2- سنن أبي داود:3/126، برقم 2913.
3- سنن الدارمي: 370، باب في ميراث أهل الشرك وأهل الإسلام.


(333)

فعلى ضوء ما ذكرنا يجب أن يرث المسلمُ الكافرَ دون العكس، وإلاّ يلزم أن يكون حرمان المسلم إرث الكافر ارغاماً له، وهو كما ترى.

وإن شئت قلت: إنّ التشريع الإسلامي قائم على الترغيب والترهيب، ففي الموضع الذي يكون المورِّث كافراً والوارث على وشك اعتناق الإسلام، فلو قيل له أنت لو أسلمت يكون جزاء إسلامك هو حرمانك من عطايا والدك وأُمّك التي يتركها لك، فهو يرجع إلى الوراء ويتعجب من هذا التشريع الذي يُرهِّب مكان الترغيب، ويبعِّد بدل التقريب إلى الإسلام ويعده على طرف النقيض من الترغيب.

إلى هنا تمّ ما دلّ على إرث المسلم الكافر.

فحان حين البحث في أدلّة نفاة الإرث وهي على قسمين:

1. الأحاديث الواردة في الموضوع.

2. الآثار المنقولة عن الصحابة.

فإليك دراسة كلّ واحد على حدة.


(334)

4

أدلّة القائلين بعدم التوريث

استدلّ القائلون بعدم توريث المسلم من الكافر بأحاديث وآثار، نشير إلى الجميع.

1. حديث عمر وبن شعيب

أخرج أبوداود بسنده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عبد اللّه بن عمرو، قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا يتوارث أهل ملّتين شتى».(1)

وأخرج الدارقطني بسنده عن عمرو بن شعيب، قال: أخبرني أبي، عن جدّي عبد اللّه بن عمرو، انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قام يوم فتح مكة، قال: «لا يتوارث أهل ملّتين». (2)

وأخرجه البيهقي بنفس السند، قال: لا يتوارث أهل ملّتين شتّى. وفي لفظ آخر: ولا يتوارثون أهل ملّتين.(3)

ورواه أيضاً ابن ماجة في سننه.(4)


1- سنن أبي داود3/126، برقم2911.
2- سنن الدارقطني :2/72، برقم16.
3- سنن البيهقي:6/218، باب لا يرث المسلم الكافر.
4- سنن ابن ماجة: 2/912، الحديث2731.


(335)

ونقله الدارمي عن عمر مرسلاً عن النبي، وعن أبي بكر و عمر موقوفاً أنّ رسول اللّه و أبا بكر وعمر قالوا: لا يتوارث أهل دينين . ونقل عن عمر قال: لا يتوارث أهل ملّتين.(1)

ولكن الاستدلال غير تام دلالة وسنداً.

أمّا الدلالة فقد أُشير إليه في غير واحد من روايات أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، وحاصله: انّ الحديث بصدد نفي التوارث لا الإرث من كلّ جانب ويصدق نفي التوارث بعدم توريث الكافر عن المسلم دون العكس، فلو قيل: ما تضارب زيد وعمرو، كفي في صدقه عدم الضرب من جانب واحد، فيقال: لم يكن هنا تضارب بل ضرب من جانب واحد، فالنبي بصدد نفي التوارث وهو لا ينافي الإرث من جانب واحد، وهذه الروايات وإن مرّت الإشارة إليها لكن نأت بواحد منها.

أخرج الكليني عن جميل وهشام، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ انّه قال: فيما روي الناس عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ انّه قال: لا يتوارث أهل ملّتين، قال: «نرثهم ولا يرثونا، انّ الإسلام لم يزده في حقّه إلاّ شدة».(2)

هذا كلّه حول دلالة الرواية، وأمّا السند فقد تفرّد بروايته عمرو بن شعيب و أبوه وجدّه عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، أفيمكن ترك الكتاب بالخبر الذي تفرد به هؤلاء؟!

على أنّ عمرو بن شعيب مطعون به ، فقد ترجم له ابن حجر في «التهذيب» ترجمة ضافية على نحو يسلب سكون النفس إلى روايته، حيث قال: قال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد:حديثه عندنا واه.

وقال علي عن ابن عيينة: حديثه عند الناس فيه شيء.


1- سنن الدارمي:2/369.
2- لاحظ الرواية الثامنة.


(336)

وقال أبو عمرو بن العلا : كان يعاب على قتادة وعمرو بن شعيب انّهما كانا لا يسمعان شيئاً إلاّ حدّثا به.

وقال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: له أشياء مناكير، وإنّما يكتب حديثه يعتبر به فأمّا أن تكون حجّة فلا.

إلى أن قال: و قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: إذا حدّث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه فهو كتاب، ومن هنا جاء ضعفه.(1)

فمن قرأ ترجمته المتصّلة في هذا الكتاب وأقوال العلماء المتضاربة في حقّه، يقف على أنّه لا يمكن تقييد الكتاب وتخصيصه بروايته.

2. حديث أُسامة

أخرج البخاري عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أُسامة بن زيد انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم.(2)

أخرج مالك عن عمرو بن عثمان بن عفان، عن أُسامة بن زيد، انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: لا يرث المسلم الكافر.(3)

أخرج مسلم بنفس هذا السند انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم.(4)

وأخرجه البيهقي في سننه(5) ، إلى غير ذلك من المصادر.

يلاحظ على الاستدلال: أوّلاً: أنّه خبر واحد تفرّّد بنقله أُسامة بن زيد كما


1- تهذيب التهذيب:8/48برقم80.
2- فتح الباري:12/40، برقم 6764.
3- الموطأ:2/519، الحديث10.
4- صحيح مسلم:5/59، كتاب الفرائض.
5- سنن البيهقي:6/218.


(337)

تفرد بنقله من نقل عنه، وطبيعة المسألة تقتضي أن يقوم بنقلها غير واحد من الصحابة والتابعين لا سيما في العهد النبوي ومن بعده حيث إنّ شرائح كبيرة من المجتمع كانت تبتلي بتلك الظاهرة ، فتفرّد أُسامة بسماع الحكم دون غيره يورث الشك بالرواية.

وثانياً: أنّ الزهري ينقل عن علي بن الحسين، وهو عن عمرو بن عثمان عن أُسامة انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»(1)، مع أنّ أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ومنهم علي بن الحسينعليمها السَّلام كانوا يروون و يفتون على خلاف ذلك فقد عرف أنّ آل محمّد متفردون على ذلك الرأي.

وثالثاً : أنّ الدارمي نقل الحديث عن علي بن الحسين عن أُسامة بحذف عمرو بن عثمان من السند.(2)

وقد نقل المرتضى في«الانتصار» أنّ الزهري نقله عن عمرو بن عثمان ولم يذكر علي بن الحسين، فالاختلاف في السند يوجب الطعن في الرواية.(3)

ورابعاً: أنّ أحمد بن حنبل ينقل عن مالك، عن الزهري، عن علي بن الحسينعليمها السَّلام عن عمرو بن عثمان، عن أُسامة بن زيد عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ «لا يرث المسلم الكافر» (4) من دون أن يرويه عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، مباشرة وهذا أيضاً اختلاف واضطراب في الرواية، يحطّ من الاعتماد عليها.

3. حديث عامر الشعبي

عن عامر الشعبي انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأبا بكر وعمر قالوا: لا يتوارث أهل دينين.


1- مسند أحمد:5/208.
2- سنن الدارمي:2/370.
3- نقله المرتضى في الانتصار، ص 590.
4- مسند أحمد:5/208.


(338)

ولكن الرواية مرسلة، لأنّ الشعبي(1) ولد بالكوفة سنة 19هـ و قيل: سنة 21هـ، ورأى الإمام عليّاً و صلّى خلفه، فكيف ينقل عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟! والمعروف أنّ الشعبي كان من الموالين لبني أُميّة أعداء أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، فكيف يمكن الاعتماد على روايته؟!

4. الاستدلال بالآثار المروية عن الصحابة

وقد استدلّ بالروايات الموقوفة على الصحابة من دون أن تسند إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهي كثيرة:

1. أخرج الدارمي عن عامر الشعبي، عن عمر قال: لا يتوارث أهل ملّتين.(2)

2. عن عامر انّ المغيرة بنت الحارث توفيت باليمن وهي يهودية، فركب الأشعث بن قيس وكانت عمّته إلى عمر في ميراثها، فقال عمر: ليس ذلك لك، يرثها أقرب الناس منها من أهل دينها، لا يتوارث ملّتان.(3)

3. عن ابن سيرين، قال عمر بن الخطاب: لا يتوارث ملّتان شتّى ولا يحجب من لا يرث.(4)

يلاحظ على الاستدلال بهذه الآثار: أنّها موقوفات لم تسند إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فهي حجّة على أصحابها على أنّ قوله: «لا يتوارث أهل ملّتين» أو قوله: «لا يتوارث ملّتان شتّى» لا يصلح دليلاً على عدم توريث المسلم من الكافر، لماعرفت من أنّه يهـدف إلى نفي التـوارث، و يكفي في صدقـه عـدم توريث الكافـر من المسلم. نعـم فهم الخليفـة واضرابـه، نفي الإرث من كـلّ جانب ففهمهم حجّة على


1- انظر موسوعة طبقات الفقهاء:1/414، برقم181.
2- سنن الدارمي:2/369، 370; سنن البيهقي:6/218.
3- سنن الدارمي:2/369، 370; سنن البيهقي:6/218.
4- سنن الدارمي:2/369، 370; سنن البيهقي:6/218.


(339)

أنفسهم دون غيرهم.

ولذلك يمكن أن يقال: انّ الحرمان من كلا الطرفين كان سنّة للخليفة لمصلحة رآها، وليس ذلك ببعيد، فإنّ له نظيراً غير هذا المورد.

أخرج مالك في موطّئه عن الثقة عنده انّه سمع سعيد بن المسيب يقول: أبى عمر بن الخطاب أن يورث أحداً من الأعاجم، إلاّ أحداً ولد في العرب.(1)

قال مالك: وإن جاءت امرأة حامل من أرض العدو ووضعته في أرض العرب، فهو ولدها يرثها إن ماتت و ترثه إن مات.(2)

وبذلك يعلم أنّ ما نسب إلى سعيد بن المسيب انّه قال: مضت السنّة أن لا يرث المسلم الكافر.(3)فلعلّ مراده من السنّة هو سنّة الخلفاء لا سنّة الرسول، وإلاّ لنسبها إليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

وأمّا ما رواه البيهقي في سننه عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب انّ عمر بن الخطاب قال: لا نرث أهل الملل ولا يرثونا.(4)

فهو مخدوش، لأنّ المعروف انّ سعيد بن المسيب ممّن يقول بالإرث، وقد نقله عنه غير واحد من الفقهاء.

وفي الحاوي: وحكي عن معاذ بن جبل ومعاوية انّ المسلم يرث الكافر ولا يرث الكافر المسلم، وبه قال محمد بن الحنفية وسعيد بن المسيب ومسروق والنخعي والشعبي وإسحاق بن راهويه.(5)

ونقله أيضاً النووي في شرح صحيح مسلم.(6)


1- الموطأ:2/520، برقم 14.
2- الموطأ:2/520، برقم 14.
3- نقله المرتضى في الانتصار: 589.
4- سنن البيهقي:6/219.
5- الحاوي:8/78.
6- شرح صحيح مسلم:11/52.


(340)

إلى هنا تمت دراسة أدلّة المانعين، وهي على أقسام:

1. غير تامّة دلالة، أعني: ما يركز على نفي التوارث بين المسألتين الذي يصدق بنفي الإرث من جانب الكافر فقط.

2. تامّة سنداً ودلالة، مثلما أخرجه البخاري، لكنّه خبر واحد لا يقاوم الكتاب.

3. غير تامّة سنداً كرواية عمرو بن شعيب، وقد عرفت ضعفها.

4. آثار موقوفة ليست حجّة إلاّ على أصحابها.

بقي للمانعين دليل آخر وحاصله: انّ الإرث من آثار الولاية، ولا ولاية بين الكافر والمسلم .

5. انقطاع الولاية بين الكافر والمسلم

استدلّ القائل بنفي التوريث مطلقاً بوجه آخر وهو انّه سبحانه قال: (وَالّذِينَ كَفَرُوا بَعضهُم أولياء بَعْض) فإنّ الآية بصدد بيان نفي الولاية من الكفّار والمسلمين، فإن كان المراد به الإرث فهو إشارة إلى أنّه لا يرث المسلم الكافر، وإن كان المراد به مطلق الولاية ففي الإرث الولاية لأحدهما على الآخر.(1)

وقال ابن حجر: إنّ التوارث يتعلّق بالولاية، ولا ولاية بين المسلم والكافر، لقوله تعالى: (ولا تتّخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض) .(2)

يلاحظ عليه بأمرين:


1- المبسوط للسرخسي:30/30.
2- فتح الباري:12/50.


(341)

أوّلاً: بأنّ الإرث من آثار الولاية في العتق وضمان الجريرة، فميراث المعتَق للمعتِق لأجل الولاء، وهكذا الأمر في ضمان الجريرة.

وأمّا الوراثة في غير هذين الموردين فلم يعلم أنّه من آثار الولاية، بل من آثار النسب والسبب.

والذي يدلّ على ذلك انّ التوارث أمر عقلائي لا يختصّ بأصحاب الشرائع، بل يعمّ قاطبة البشر، والملاك عند الجميع هو العلقة التكوينية بين أصحاب النسب أو الاعتبارية في السبب ووجود الولاية بين الوالد والولد أو غيرهما وإن كان أمراً ثابتاً مع العلقة التكوينية، لكن ليس كلّ مقرون بها يكون موضوعاً للوراثة.

والذي يوضح ذلك انّ الفقهاء يذكرون عند بيان أسباب الإرث، السببَ والنسَب مقابل الولاء.

أسباب ميراث الورى ثلاثة * كل يفيد ربّه الوراثة

وهي نكاح وولاء ونسب * ما بعدهن من مواريث سبب(1)

وثانياً: أنّ كون الولاية هي السبب للميراث يخالف ما عليه الحنفية و من تبعهم من أنّ المسلم، يرث المرتد مع انقطاع الولاية بين المسلم والمرتد.

قال النووي في شرح المهذب: قال أبو حنيفة والثوري: ما اكتسبه قبل الردة ورث عنه، وما اكتسب بعد الردة يكون فيها.(2)

وقال النووي في شرح صحيح مسلم: أمّا المسلم فلا يرث المرتد عند


1- المجموع:17/48.
2- المجموع:17/57.


(342)

الشافعي ومالك وربيعة وابن أبي ليلى وغيرهم، بل يكون ماله فيئاً للمسلمين.

وقال أبو حنيفة والكوفيون والأوزاعي وإسحاق: يرثه ورثته من المسلمين، وروي ذلك عن علي و ابن مسعود وجماعة من السلف.(1)

وقال في الشرح الكبير عن أحمد ما يدلّ على أنّ ميراث المرتد لورثته من المسلمين، يروى ذلك عن أبي بكر الصديق و علي وابن مسعود(رض)، وبه قال سعيد بن المسيب وجابر بن زيد والحسن وعمر بن عبد العزيز وعطاء والشعبي والحكم والأوزاعي والثوري وابن شبرمة وأهل العراق وإسحاق.(2)

ومن غريب القول: إنّ المسلم لا يرث الكافر ولكن الكافر يرث عتيقه المسلم، وهو منقول عن أحمد كما في الموسوعة الفقهية.(3)

ونكتفي بهذا المقدار من البحث، ولعلّ فيه غنى وكفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد، وأمّا الكلام في الفروع الأُخرى، أعني:

1. حجب المسلم الكافر.

2. إذا أسلم الكافر قبل القسمة وبعدها.

3. اشتراط عدم حجب المسلم الكافر في عقد الذمّة.

فنحيل الكلام فيها إلى مجال آخر، فإنّ هذه الفروع اختلفت فيها كلمة الفريقين بخلاف الفرع الأوّل، فجماهير أهل السنّة على المنع والإمامية على الجواز، وقد دام هذا الخلاف إلى يومنا هذا، ولعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً.


1- شرح النووي لصحيح مسلم:11/52.
2- المغني:7/167.
3- الموسوعة الفقهية:3/25، مادة إرث نقله عن العذب الفائض:1/31.


(343)

5
إلماع إلى تاريخ أُصول الفقه(1)

لم يكن علم الأُصول بمحتواه أمراً مغفولاً عنه عند الشيعة الإمامية، فقد أملى الإمامان الباقر والصادق عليمها السَّلام على أصحابهما قواعد كلية في الاستنباط ورتّبها بعض الأصحاب على ترتيب مباحث أُصول الفقه، نظير:

1.« الفصول المهمة في أُصول الأئمّة» للشيخ الحر العاملي (المتوفّـى عام 1104هـ).

2. «الأُصول الأصلية» للسيد عبد اللّه شبر (المتوفّـى 1242هـ).

3. «أُصول آل الرسول» للسيد الشريف هاشم الخوانساري (المتوفّى عام 1318هـ).

ثمّ إنّ أصحاب الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ لمسوا ضرورة تدوين أُصول الفقه، فألّفوا في ذلك رسائل مختصرة نظير:

1. «اختلاف الحديث ومسائله» ليونس بن عبد الرحمن(المتوفّـى عام 208هـ).

2. كتاب «الخصوص والعموم»، و«الأسماء والأحكام»، و«إبطال القياس»،


1- إلماعة عابرة بتاريخ علم الأُصول وقد بسطنا الكلام فيه في مقدمة الجزء الأوّل من كتاب« الوسيط في أُصول الفقه».


(344)

لشيخ المتكلّمين إسماعيل بن علي النوبختي(المتوفّـى عام 311هـ).

3. «خبر الواحد والعمل به» لحسن بن موسى النوبختي ابن أُخت إسماعيل بن علي النوبختي.

لم تكن هذه الكتب جامعة لعامة المسائل الأُصولية وإنّما اقتصرت على بعض المواضيع الأساسية، ولمّا وصلت النوبة إلى شيخ الأُمّة محمد بن محمد بن النعمان المشهور بالمفيد (336ـ 413هـ) ألّف رسالة «التذكرة بأُصول الفقه» (1)، ثمّ تبعه تلميذه البارع السيد الشريف المرتضى (355ـ 436) فألّف كتابه الكبير «الذريعة» وفرغ منه سنة 400 أو 430هـ.

ثمّ أعقبه تلميذه الفقيه الشيخ سلاّر الديلمي (المتوفّـى م 448هـ) فألّف كتاب «التقريب في أُصول الفقه»، كما تلاه الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (385ـ 460) فألف كتابه «العدة في أُصول الفقه» و قد طبع غير مرة.

فهذه الكتب هي النواة الأُولى لتقرير أُصول الفقه في القرون اللاحقة، وقد ألّفت عامة تلك الكتب في القرن الخامس، غير ما ألّفه المفيد، فانّه من المحتمل انّه ألّفه في مختتم القرن الرابع.

قام الفقيه البارع في القرن السادس المعروف بابن زهرة الحلبي (511ـ 585) بتأليف كتاب أسماه« غنية النزوع إلى علمي الأُصول والفروع»فخص الجزء الأوّل منها بالأُصولين.

وتلاه سديد الدين الشيخ محمود الحمصي (الذي كان حيّاً عام 581هـ فتألّف «المصادر في أُصول الفقه» وهو من أقطاب الكلام والأُصول في القرن السادس.


1- وقد طبعت ضمن مصنفاته التي طبعها المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى الألفية على وفاة المفيد، انظر الجزء:9/5 ولخصها الكراجكي في كتابه كنز الفوائد.


(345)

كما ألّف ـ في القرن السابع ـ نجم الدين المعروف بالمحقّق الحلي(602ـ676هـ) كتاب «المعارج في أُصول الفقه»، وتلاه كتاب آخر باسم «نهج الوصول إلى علم الأُصول» وقد طبع الأوّل دون الثاني.

وقام بعده ابن أخته، العلاّمة على الإطلاق الحسن بن يوسف(648ـ 726هـ) بتأليف كتب بين الإيجاز والإسهاب فألّف «مبادئ الوصول إلى علم الأُصول» وقد طبع في ذيل المعارج للمحقّق وهو في غاية الإيجاز، وأردفه بـ«تهذيب الوصول إلى علم الأُصول» وهو أبسط من الأوّل، كما ألّف «نهاية الوصول إلى علم الأُصول » وهي موسوعة أُصولية في عصره لم ير النور إلى يومنا هذا.

وقد تتابع التأليف بين علماء الشيعة الإمامية في أُصول الفقه من القرن السابع إلى القرن العاشر غير انّه لم يستمر على هذا المنوال، بل أُصيب في أوائل القرن الحادي عشر بنكسة لأجل ظهور الحركة الأخبارية على يد الشيخ محمد أمين الاسترابادي (المتوفّـى عام 1033هـ) حيث شنَّ حملة شعواء على الأُصول والأُصوليين وزيّف مسلك الاجتهاد المبني على القواعد الأُصولية، وقد أوجدت الحركة الأخبارية فجوة شاسعة في مواقف علماء الإمامية، فمن مندّد بالأخبارية إلى مؤيد لها، ودام ذلك النزاع قرابة قرنين إلى أن ظهر المحقّق البهبهاني (1118ـ 1206هـ) واستطاع بردوده القاطعة وبراهينه الساطعة أن يشيد للأُصول أركاناً جديدة ويجمع الجميع على صراط واحد، فهو يعد من مجدّدي الاجتهاد والأُصول في أواخر القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر.

ثمّ إنّه قدَّس سرَّه ربى جيلاً كبيراً أغنوا المباحث الأُصولية بأفكارهم النيرة، منهم:

1. الشيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء(1156ـ 1228) مؤلف «كشف


(346)

الغطاء». فقد طرح في مقدمته المسائل الأُصولية وأبدى فيها آراءه.

2. المحقّق أبو القاسم القمي(1115ـ 1231هـ) مؤلف «قوانين الأُصول».

3. السيد علي الطباطبائي(1161ـ 1231هـ).

ثمّ جاء دور الجيل الثاني من تلاميذ تلاميذ المحقّق البهبهاني، منهم:

1. الشيخ محمد تقي الاصفهاني (المتوفّـى عام 1248هـ) صاحب «الحاشية على المعالم».

2. شقيقه الشيخ محمد حسن بن عبد الرحيم الاصفهاني(المتوفّـى عام 1261هـ) صاحب كتاب «الفصول في علم الأُصول».

وقد بلغ ذلك العلم في عصر المحقّق الشيخ مرتضى الأنصاري (1214ـ 1281) ذروة السنام، فقد صارت مصنفاته في الفقه وأُصوله محور الدراسة وتداول العلماء ابتكاراته وأفكاره بالبحث والنقاش.

ثمّ جاء دور تلاميذ الشيخ الأنصاري الذين نشروا أفكاره بعد ان استوعبوها وزادوا عليها ما جادت به أذهانهم من ابتكارات نشير إلى أسماء بعضهم:

1. السيد المجدد الشيرازي(1224ـ 1312هـ).

2. المحقّق الكبير الشيخ محمد كاظم الخراساني(1255ـ 1329هـ) مؤلف كفاية الأُصول.

3. المحقّق البارع الميرزا حسين النائيني(1274ـ 1355هـ) وقدنشر تلاميذه أفكاره وآراؤه .

4. الشيخ المحقّق ضياء الدين العراقي (1278ـ 1361هـ) صاحب كتاب «المقالات في علم الأُصول».

5. الشيخ المحقّق محمد حسين الاصفهاني (1296ـ 1361هـ) مصنف


(347)

كتاب «نهاية الدراية في التعليقة على الكفاية».

6. الشيخ عبد الكريم الحائري(1274ـ 1355هـ) مؤسس الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة ومؤلف كتاب «درر الفوائد».

7. السيد المحقّق حسين البروجردي (1292ـ 1380هـ). صاحب التعليقة على الكفاية.

8. أُستاذنا الجليل الفقيه والأُصولي البارع السيد محمد الحجّة الكوهكمري (1301ـ 1372هـ) ودوّن دروسه تلميذه المحقّق: الحاج آقا علي الصافي دامت بركاته و قد طبع وانتشر.

9. المحقّق الكبير السيد أبو القاسم الخوئي (1317ـ 1411هـ). فقد دونت أفكاره عبر تلاميذه، ويعد صاحب مدرسة أُصولية متميزة.

أخيرهم لا آخرهم أُستاذنا الكبير المحقّق الإمام السيد روح اللّه الموسوي الخميني (1320ـ 1409هـ) فقد ساهم في تطوير الأُصول مساهمة فعالة، وقد قمنا بتدوين آرائه وأفكاره فيه نشرت باسم «تهذيب الأُصول» كما أنّه قدَّس سرَّه برز من قلمه الشريف كتاب« مناهج الوصول إلى علم الأُصول».

هذه إشارة عابرة إلى تاريخ علم الأُصول، وأرفع آيات الاعتذار إلى المشايخ الذين لعبوا دوراً فعّالاً في تصعيد نشاط الحركة الأُصولية لكن ضيق المجال عاق عن الإشارة إلى أسمائهم وآثارهم.

وقد استغنى بعض الفقهاء عن الخوض في المسائل الأُصولية على نحو الاستقلال من خلال إدراج أُمّها ت المسائل في طيات كتبهم الفقهية، كما هو الحال عند ابن زهرة (511ـ 585هـ) في «الغنية»، والشيخ يوسف البحراني(المتوفّـى عام 1186هـ) في «الحدائق»، والشيخ كاشف الغطاء(المتوفّـى عام 1228هـ) في «كشف الغطاء» وغيرهم قدّس اللّه أسرارهم.


(348)

(349)

الفصل الثالث

في الحديث

1. الحجّة الغراء على شهادة الزهراء (عليها السلام)

2. دراسة لسند زيارة عاشوراء


(350)

(351)

1
الحجّة الغراء
على شهادة الزهراءعليها السَّلام

هبّت رياح الفتن عُقْبَ وفاة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على المسلمين وغُربِلُوا غربالاً شديداً حتّى تميز المؤمن الراسخ في عقيدته، عن المنافق الذي تستر بواجهة الإسلام، وصدق قوله سبحانه:

(وَما مُحَمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْخَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل أَفَإِنْ ماتَ أَوْقُتِل انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرّ اللّه شَيئاً وَسَيَجْزي اللّهُ الشّاكِرين).(1)

وقد أسفرت هذه الفتن المحدقة بالمسلمين عن ظهور العُقَد والضغائن الكامنة حيال أهل بيت النبوة ـ عليهم السَّلام ـ الذين أذهب اللّه عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً وفي طليعتهم الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ المنصوص على خلافته في غير موضع من المواضع.(2)


1- آل عمران:144.
2- منها: يوم الدار بعد نزول قوله سبحانه: (وَأَنْذِرْ عَشيرتَكَ الأَقْرَبين) (الشعراء:214).
ومنها:يوم مغادرته المدينة صوب تبوك فقال لعلي: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي».
ومنها يوم الغدير الذي أبلغ فيه المسلمين برمتهم إمامة علي وخلافته بعد رحيله في محتشد عظيم لا ينكر. فراجع في تفاصيله إلى الكتب المؤلفة في هذا الموضوع.


(352)

فقد كان اللازم على المسلمين التمسّك باهداب وصية النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في تعيين أمير المؤمنين خليفة عليهم بعد رحيله، والاستظلال تحت رايته، والاحتراز عن الخلافات التي كانت تهدِّد كيان الدولة الإسلامية الفتيّة التي لا تزال بعد مهددة بأخطار جسيمة على الصعيد الداخلي والخارجي.

أمّا الداخلي فحزب النفاق الذي كان ينشر بذور العداء والشحناء في صفوف المسلمين بُغية نيل م آربه وهي الإطاحة بالدولة الإسلامية والقضاء على زعيمها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وكان يترصّد بالمسلمين الدوائر للانقضاض عليهم، وما برح على هذا النحو حتى قضى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نحبه واختاره اللّه لجواره.

ومن غريب الأمر أن يمدّ أبو سفيان يده للإمام أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ للبيعة ـ و هو يجهز النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ للدفن ـ قائلاً:

«واللّه إنّي لأرى عجاجة لا يُطفئها إلاّ دم، يا آل عبد مناف فيما أبو بكر من أُموركم، أين المستضعفان أين الأذلاّن: علي و العباس، وقال: يا أبا حسن أبسط يدك حتى أُبايعك».

فأبى علي عليه وزجره وقال:

«إنّك واللّه ما أردت بهذا إلاّ الفتنة وانّك واللّه طال ما بغيت الإسلام شرّاً لا حاجة لنا في نصيحتك».(1)

وكان علي ـ عليه السَّلام ـ واقفاً على خبث سريرته وسوء باطنه، وأنّه وأتباعه من المنافقين بصدد الانقضاض على الإسلام والقضاء عليه لو سُنِحت لهم الفرص.

إنّ حزب النفاق الذي أعرب سبحانه عن مدى خطورتهم على الإسلام من خلال كثرة الآيات الواردة التي تفضح خططهم، و ما زالوا بوفرة في المدينة وحولها


1- تاريخ الطبري:2/449، حوادث سنة11هـ.


(353)

متربّصين بالإسلام الدوائر.

هذا هو الخطر الداخلي وأمّا الخارجي فقد كان خطر الروم يهدّد كيان الإسلام، وكانت تربطه بحزب النفاق روابط وثيقة، ولم يكن هجومه على المدينة أمراً بعيداً عن الأذهان ولم يغب عن بال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خطرُهم حتى على فراش الموت فكان يوصي أصحابه بالانضواء تحت لواء أُسامة بن زيد بغية المسير إلى ثغورهم، وكان يُلحّ عليهم بالذهاب كلّما أفاق من مرضه ويلعن من تخلّف عنه ويقول:

«جهّزوا جيش أُسامة لعن اللّه من تخلّف عنه».(1)

وثمّة عامل ثالث كان محطَّ إثارة قلق لكلّ من ينبض قلبه للإسلام، وهو طروء روح العصيان على القبائل المجاورة للمدينة حيث كانوا على عتبة الارتداد من أجل التخلّف عن أداء الزكاة ودفع الضرائب للحكومة المركزية.

هذه العوامل الثلاثة التي تكفي واحدة منها في إثارة القلق والاضطراب صارت سبباً لغض الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ عن حقه وسكوته أمام المؤامرات التي حيكت في السقيفة، فلو كان الإمام مصرّاً على تسنّم منصة الخلافة وخوض غمار الحرب من أجل الوصول إلى هدفه، فليس من البعيد أن تتاح الفرصة للمنافقين للتصيّد بالماء العكر، وبالتالي هجوم الروم على المدينة ومحو الإسلام ، وقد نوه الإمام بهذه الأُمور العصيبة الداعية إلى السكوت في بعض خطبه، وقال:

«فواللّه ما كان يُلقى في روعي، ولا يخطر ببالي، انّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن أهل بيته، ولا أنّهم مُنحّوه عني ممّا بعده! فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون


1- الشهرستاني: الملل والنحل:1/23; ابن أبي الحديد:شرح نهج البلاغة:2/20، ط مصر.


(354)

إلى محق دين محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله ان أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل يزول منها ما كان، كما يزول السراب، أو كما يتقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأنّ الدين وتنهنه».(1)

إنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان ينظر بنور اللّه وقد تنبّأ في بعض كلامه بالأخطار التي كانت تحدق بعلي ـ عليه السَّلام ـ وأهل بيته بعد رحيله.

أخرج الحاكم في مستدركه انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال لعلي ـ عليه السَّلام ـ : أما أنت ستلقى بعدي جهداً، قال علي ـ عليه السَّلام ـ : في سلامة من ديني؟، قال: في سلامة من دينك.(2)

وأخرج المحب الطبري انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال لعلي ـ عليه السَّلام ـ : «ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها إلاّمن بعدي».(3)

وفي كلام آخر للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :

«يا علي انّك ستبتلي بعدي فلا تقاتلن». (4)

وهذه الروايات تعرب عن أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان عالماً بتضافر الأُمّة على هضم حقوق الإمام ـ عليه السَّلام ـ ولذلك أوصاه بالصبر والمثابرة دون أن يتعرض للقوم بعنف.

السقيفة والحوادث التي رافقتها

ابتدرت الأنصار إلى عقد مؤتمر السقيفة للتباحث فيمن يلي أمر الحكومة بعد رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وكان على رأسهم سعد بن عبادة وعشيرته.


1- نهج البلاغة، من كتاب له ـ عليه السَّلام ـ إلى أهل مصر، برقم 62.
2- مستدرك الحاكم:3/130 وصحّحه الذهبي أيضاً.
3- محب الدين الطبري: الرياض النضرة:2/210.
4- كنز الدقائق: للمناوي:188.


(355)

ولكن ثمة سؤال يطرح نفسه وهو ما هي الدواعي التي حدت بهم إلى عقد السقيفة في وقت مبكِّر؟

وللإجابة عنه لا بدّ من الإشارة إلى أنّ ثمة مخاوف كانت تساور الأنصار حيال المهاجرين، ذلك انّهم قتلوا جمّاً غفيراً من أرحام المهاجرين في معارك بدر وأُحد، وكانوا يخافون من اعتلاء المهاجرين منصَّة الحكم، وممارستهم الظلم والاضطهاد في حقّهم انتقاماً لما بدر منهم. فهذه المخاوف حدت بهم إلى عقد مؤتمر بغية تعيين الخليفة من بينهم ليكون لهم الشوكة والمنعة من الحوادث المريرة التي ربما يُتعرضون لها على يد المهاجرين.

فاجتمعت قبائل الأوس والخزرج في سقيفة بني ساعدة، وقام سعد بن عبادة رئيس الخزرج ينشد فضائل الأنصار ويقول:

يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب انّ محمّداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لبث بضعة عشر سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان ، فما آمن به من قومه إلاّرجال قليل وماكان يقدرون على أن يمنعوا رسول اللّه ولا أن يُعزّوا دينَه ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيماً وعمُّوا به، حتّى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة وخصّكم بالنعمة، فرزقكم اللّه الإيمان به وبرسوله، والمنع له ولأصحابه والإعزاز له ولدينه والجهاد لأعدائه، فكنتم أشدّ الناس على عدّوه منكم وأثقله على عدوه من غيركم، حتى استقامت العرب لأمر اللّه طوعاً وكرهاً، وأعطى البعيد المقاد صاغراً داخراً حتى اثخن اللّه عزّوجلّ رسوله بكم الأرض ودانت بأسيافكم له العرب وتوفّاه اللّه وهو عنكم


(356)

راض وبكم قرير عين، استبدّوا بهذا الأمر دون الناس.(1)

كان سعد بن عبادة يخطب في سقيفة بني ساعدة والمهاجرون كلّهم حيارى يتشاورون في تعيين مثوى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وكيفية تجهيزه وتغسيله والصلاة عليه، فإذا بنفرين أحدهما معن بن عدي، والآخر عويم بن ساعدة يتكلّمان مع أبي بكر ويهمسان في أُذنه بأنّ الأنصار اجتمعوا في سقيفة بين ساعدة لتعيين الخليفة، فعندئذ اعتزل أبو بكر وعمر و أبو عبيدة عن جماعة المهاجرين دون أن ينبسوا ببنت شفة ويخبروهم عن مقصدهم وم آربهم حتى جاءوا سقيفة بني ساعدة وسعد على بساط متكئاً على وسادة وهو يخطب، فأراد عمر أن يتكلّم، فنهاه أبو بكر وتكلم وقال:

نحن المهاجرون أوّل الناس إسلاماً وأكرمهم أحساباً وأوسطهم داراً و أحسنهم وجوهاً وأمسهم برسول اللّه رحماً، وأنتم إخواننا في الإسلام وشركاؤنا في الدين نصرتم فواسيتم فجزاكم اللّه خيراً، فنحن الأُمراء وأنتم الوزراء.(2)

ومع أنّ سعد بن عبادة و أبا بكر قد خطبا وذكر كلّ مالهم من فضل وكرامة، ولكن يقع السؤال انّه لماذا تم الاقتراع وخرجت القرعة باسم أبي بكر؟!

والجواب انّ بشير بن سعد ابن عم سعد بن عبادة قد حسد ابن عمه ورأى انّه على قاب قوسين أو أدنى من الخلافة والرئاسة ألقى خطاباً لصالح قريش وطلب من الأنصار التخلّـي عن دعواهم في الخلافة، فقال:

يا معشر الأنصار انّا واللّه لئن كنّا أولى فضيلة في جهاد المشركين وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلاّ رضا ربنا وطاعة نبيّنا... إلى


1- تاريخ الطبري:2/455 ـ456.
2- العقد الفريد:4/86.


(357)

أن قال: ألا انّ محمّداً من قريش وقومه أحقّ به وأولى، وأيم اللّه لا يراني اللّه أنازعهم هذا الأمر أبداً فاتقوا اللّه ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم.

ثمّ قام فبايع أبا بكر:

ولقد تنبأ الحباب بن منذر لما دعاه إلى هذه البيعة، فخاطبه وقال: «يا بشير بن سعد عققت عقاقي ما أحوجك إلى ما صنعت، أنَفِسْت على ابن عمك الإمارة». (1)

ثم رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد، وماتدعوا إليه قريش و ما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض: واللّه لئن وليتها الخزرج عليكم مرّة لازالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، فقام رئيسهم أُسيد بن حضير فبايع أبا بكر، وصار ذلك سبباً لبيعة عشيرته واحداً تلو الآخر، فأنكر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم.

وقد اكتفى أبو بكر ببيعة الأوس فخرجوا من السقيفة قاصدين المسجد يأخذون البيعة من كلّ من رأوه في الطريق إلى أن وصلوا إلى المسجد.(2)

دع ما وقع في السقيفة من صخب وهياج وضرب وشتم، فانّ الحديث ذو شجون.

وقد أخذت البيعة طوعاً وكرهاً وعلي ـ عليه السَّلام ـ وأهل بيته يجهزون النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ويا ليت الخليفة وأتباعه اكتفوا بما وقع ولكنّهم حاولوا أخذ البيعة من علي وأهل بيته بالقوة والعنف والتهديد، وذلك عندما اجتمع رجال من بني هاشم في بيت علي معترضين على هذا النوع من البيعة.


1- تاريخ الطبري:2/457ـ 458.
2- انظر تاريخ الطبري: 2/459.


(358)

وهناك ظهرت حوادث مريرة للغاية، وقد سكت قسم من المؤرخين عن سردها خوفاً ورهبة أو تزلّفاً وطمعاً.

وهناك من أخذته الحمية في الدين فسجلوا تلك الوقائع بنحو موجز، وهم على قسمين:

أ. من اقتصر على ما دار بين علي والبيت الهاشمي مع عمر من مناشدات واحتجاجات وتهديدات.

ب. من أزاح الستار عما قام به عمر بن الخطاب من أخذ البيعة بالعنف حتى انتهى الأمر إلى إحراق الباب وكسره وما تلاه من حوادث.

فها نحن نذكر كلمات كلا الفريقين ليعلم أنّ حديث الباب وشهادة بنت المصطفى من جرّاء تلك القلاقل ليست أُسطورة تاريخية وإنّما هي حقيقة تاريخية.

***

قد قرأت في هذه الأيّام مقالاً لبعض الكتاب الجُدد، نقل فيه شيئاً من فضائل الزهراءعليها السَّلام ليكون ذريعة لما يريد إثباته وهو انّ شهادة الزهراءعليها السَّلام أُسطورة تاريخية لا نصيب لها من الحقيقة، ومن أمعن في المقال يقف على أنّ الكاتب لا خبرة له في التاريخ، وقد جرّه رأيه المسبق إلى إنكار الحقيقة الساطعة، ولأجل ذلك ارتأينا أن نضع امام القارئ مصادر متقنة تُثبت شهادتها وهتك حرمتها.

ويدور بحثنا حول محاور ثلاثة:


(359)

الأوّل: عصمة الزهراء عليها السَّلام في لسان النبي.

الثاني: المكانة الرفيعة لبيت الزهراءعليها السَّلام في القرآن والسنّة.

الثالث: الحوادث المريرة التي جرت عليها عقب وفاة أبيها الرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

الأوّل: عصمة الزهراءعليها السَّلام في لسان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

حظيت الزهراءعليها السَّلام بمقام رفيع عند الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، حتّى قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حقّها:

«فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني».(1)

إنّ إغضاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يستعقب إيذاءه، و من آذاه فقد حكم عليه بالعذاب الأليم، قال سبحانه:

(وَالّذينَ يُؤْذُونَ رَسُول اللّه لَهُمْ عَذابٌ أَليم).(2)

وفي رواية أُخرى، بين انّ غضب الزهراءعليها السَّلام ورضاها يوجب غضب اللّه سبحانه ورضاه، فقال:

«يا فاطمة إنّ اللّه يغضب لغضبك ويرضى لرضاك».(3)

فأية مكانة شامخة للزهراءعليها السَّلام حتّى صار غضبها ورضاها ملاكاً لغضبه سبحانه ورضاه، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على عصمتها، فهو سبحانه بما انّه عادل و حكيم لا يغضب إلاّ على الكافر والعاصي، ولا يرضى إلاّ على المؤمن والمطيع.


1- فتح البارى في شرح صحيح البخاري:7/84، وأيضاً صحيح البخاري:6/491، باب علامات النبوة، والبخاري:8/110، باب المغازي.
2- التوبة:61.
3- مستدرك الحاكم:3/154; مجمع الزوائد:9/203، وقد استدرك الحاكم في كتابه الأحاديث الصحيحة حسب شروط البخاري ومسلم ولكن لم يخرجاه. وعلى ذلك فهذا الحديث صحيح عند الشيخين وهو متفق عليه.


(360)

وفي ظل تلك الكرامة أصبحت في لسان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سيدة نساء العالمين، فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :

«يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء العالمين، وسيّدة نساء المؤمنين، وسيدة نساء هذه الأُمّة».(1)

وعلى الرغم من أنّ الزهراءعليها السَّلام معصومة لا تعصي ولا تذنب، ولكنّها ليست بنبيّة، إذ لا ملازمة بين العصمة والنبوة، وهذه هي مريم البتول العذراء فهي معصومة بنصّ الكتاب الحكيم لكنّها ليست بنبية.

امّا انّها معصومة، فلقوله سبحانه في حقّها:

(وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَة يا مَرْيَم إِنَّ اللّه اصْطَفاكِ وَطهَّركِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءْ العالمين).(2)

فانّ الإخبار عن تطهير مريم بعد اصطفائها دليل على تطهيرها من الذنوب ومخالفة شريعة زمانها.

وامّا انّها ليست بنبية فأمر واضح لا يحتاج إلى بيان. فلتكن بنت خاتم الرسل سيّدة نساء العالمين، كمريم البتول معصومة غير نبيّة.

ولنقتصر في بيان فضائل الزهراءعليها السَّلام بهذا القدر اليسير، فانّ استيفاء البحث فيها بحاجة إلى تصنيف مفرد.


1- المستدرك للحاكم:3/156.
2- آل عمران:42.


(361)

الثاني: المكانة الرفيعة لبيت الزهراءعليها السَّلام في القرآن والسنّة

نزل قوله سبحانه: (في بُيُوت أَذِنَ اللّه أَنْ تُرفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) (1) على قلب سيد المرسلين وهو ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في المسجد الشريف، فقام إليه رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول اللّه؟ قال: بيوت الأنبياء، فقام إليه أبو بكر، فقال: يا رسول اللّه: أهذا البيت منها؟ ـ مشيراً إلى بيت علي و فاطمة عليمها السَّلام ـ قال: نعم، و من أفاضلها».

فقوله سبحا(2)نه: ( في بيوت) ظرف لما تقدمه من قوله (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاة فِيها مِصْباح المِصباح في زُجاجة...) (3) فالنور الذي نوهت به الآية بما له من صفات، مصدر إشعاعه هذه البيوت التي أذن اللّه أن ترفع، فكيف لا يكون لها منزلة وكرامة.

قال السيوطي: أخرج الترمذي وصححه، وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه من طرق عن أُمّ سلمة (رضي اللّه عنها) قالت: في بيتي نزلت: (إِنّما يُريدُ اللّه لِيذهبَ عَنْكُمُ الرِّجْس أَهْل البَيْت) وفي البيت فاطمة، و علي و الحسن، والحسين ـ عليهم السَّلام ـ ، فجلّلهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بكساء كان عليه، ثمّ قال: هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

وقال أيضاً: وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه، وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس: انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ


1- النور:36.
2- الدر المنثور:6/303، تفسير سورة النور; روح المعاني:18/174.
3- النور:53.


(362)

كان يمرّ بباب فاطمة عليها السَّلام إذا خرج إلى صلاة الفجر، ويقول: «الصلاة يا أهل البيت الصلاة (إِنّما يريدُ اللّه لِيذهب عنكمُ الرِّجس أَهل البيت وَيُطهّركُمْ تَطهيراً) .(1)

فإذا كانت هذه منزلة البيت وكرامته عند اللّه، فيعد اقتحامه وكشفه من أكبر الذنوب وأقبحها.

لكن لم تُراعَ وصية النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في احترام هذا البيت وأهله ، وشهد حوادث مريرة تعرض لها جمع من المؤرخين والمحدّثين ننقل نصّ أقوالهم حسب التسلسل الزمني.


1- الدر المنثور:6/605، ط دار الفكر، بيروت; المصنف:7/527.


(363)

1. ابن أبي شيبة والمصنف

2. البلاذري وكتاب الأنساب

3. ابن قتيبة والإمام والسياسة

4. الطبري وتاريخه

5. ابن عبد ربّه والعقد الفريد

6. ابن عبد البر والاستيعاب

7. ابن أبي الحديد وشرح نهج البلاغة

8. أبو الفداء والمختصر في تاريخ البشر

9. النويري ونهاية الارب في فنون الأدب

10. السيوطي ومسند فاطمة

11. المتقي الهندي وكنز العمال

12. الدهلوي وإزالة الخفاء

13. محمد حافظ إبراهيم والقصيدة العمرية

14. عمر رضا كحالة وأعلام النساء


(364)

(365)

أقوال المؤرخين والمحدثين

1. ابن أبي شيبة و«المصنف»

أخرج عبد اللّه بن محمد بن أبي شيبة الكوفي العبسي(المتوفّى سنة 235) في كتابه «المصنف» المطبوع، في الجزء الثاني في باب «ما جاء في خلافة أبي بكر وسيرته في الردة» أخرج، وقال: حدّثنا محمد بن بشر، حدّثنا عبيد اللّه بن عمر، حدّثنا زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم، انّه حين بويع لأبي بكر بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان علي والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتّى دخل على فاطمة ، فقال:

يا بنت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ! واللّه ما من أحد أحبّ إلينا من أبيك، وما من أحد أحبّ إلينا بعد أبيك منك، وأيم اللّه ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك، أن أمرتهم أن يحرق عليهم البيت، قال: فلما خرج عمر جاءوها، فقالت: تعلمون انّ عمر قد جاءني وقد حلف باللّه لئن عدتم ليحرقن عليكم البيت، وأيم اللّه ليمضين لما حلف عليه، فانصرفوا راشدين، فروا رأيكم ولا ترجعوا إلي، فانصرفوا عنها فلم يرجعوا إليها حتّى بايعوا لأبي بكر.(1)

إنّ الاحتجاج بهذا الحديث رهن وثاقة المؤلف ورواته، فلنبدأ بدراسة


1- المصنف:8/572، ط دار الفكر، بيروت، تحقيق و تعليق سعيد محمد اللحام.


(366)

سيرتهم.

أمّا ابن أبي شيبة، فكفى في وثاقته ما ذكره الذهبي في «ميزان الاعتدال» حيث قال:

عبد اللّه بن محمد بن أبي شيبة الحافظ الكبير، الحجة، أبو بكر. حدث عن أحمد بن حنبل، والبخاري، وأبي القاسم البغوي، والناس ووثقه جماعة.

ثمّ قال: أبو بكر «يريد به أبو شيبة»، ممّن قفز القنطرة، وإليه المنتهى في الثقة، مات في أوّل سنة 235.(1)

هذا حال المؤلف، وأمّا حال الرواة فلنبدأ بالأوّل فالأوّل:

محمد بن بشر

يعرفه ابن حجر العسقلاني، بقوله: محمد بن بشر بن الفرافصة بن المختار الحافظ العبدي، أبو عبد اللّه الكوفي.

وثقه ابن معين، وعرفه أبو داود بأنّه أحفظ من كان بالكوفة، قال البخاري وابن حبان في الثقات: مات سنة 203.

ثمّ نقل توثيق الآخرين له.(2)

عبيد اللّه بن عمر

يعرفه ابن حجر العسقلاني، بقوله: عبيد اللّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي، العمري، المدني، أبو عثمان أحد الفقهاء السبعة، وقد توفّـي عام 147هـ.


1- ميزان الاعتدال:2/490، رقم 4549.
2- تهذيب التهذيب:9/73، رقم الترجمة90.


(367)

قال عمرو بن علي : ذكرت ليحيى بن سعيد قول ابن مهدي: إنّ مالكاً أثبت من نافع عن عبيد اللّه، فغضب وقال: قال أبو حاتم عن أحمد: عبيد اللّه أثبتهم وأحفظهم وأكثرهم رواية.

قال ابن معين: عبيد اللّه من الثقات.

وقال النسائي: ثقة، ثبت.

وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة.

إلى غير ذلك من كلمات الإطراء.(1)

زيد بن أسلم العدوي

عرفه ابن حجر العسقلاني، وقال: زيد بن أسلم العدوي، أبو أُسامة، ويقال: أبو عبد اللّه المدني، الفقيه، مولى عمر، وثّقه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن سعد، وابن خراش.

وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، من أهل الفقه والعلم، وكان عالماً بتفسير القرآن، مات سنة 136.(2)

أسلم العدوي

أسلم العدوي، مولاهم أبو خالد ،ويقال أبو زيد، غير انّه حبشي، وقيل من سبي عين التمر، أدرك زمن النبي وروى عن أبي بكر، ومولاه عمر، وعثمان وابن عمر، ومعاذ بن جبل، وأبي عبيدة، وحفصة.

قال العجلي: مدني، ثقة، من كبار التابعين.


1- تهذيب التهذيب:7/38ـ 40، رقم الترجمة71.
2- تهذيب التهذيب:3/396، رقم الترجمة727.


(368)

وقال أبو زرعة: ثقة.

وقال أبو عبيد: توفي سنة ثمانين.

وقال غيره: هو ابن مائةوأربعة عشرة سنة.(1)

وقد اكتفينا في ترجمة رجال السند بما نقله ابن حجر العسقلاني، ولم نذكر ما ذكره غيره في حقّهم روماً للاختصار.

فتبين من هذا البحث انّ الرواية صحيحة، والاسناد في غاية الصحّة.

2. البلاذري و«الأنساب»

إنّ أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي، الكاتب الكبير، صاحب التاريخ المعروف، نقل الحادثة المريرة في كتابه وقال: في ضمن بحث مفصل عن أمر السقيفة:

لما بايع الناس أبا بكر اعتذر علي والزبير، إلى أن قال: إنّ أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة، فلم يبايع، فجاء عمر ومعه فتيلة، فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الخطاب، أتراك محرقاً عليّ بابي؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك.(2)

والاستدلال بالرواية رهن وثاقة المؤلف و من روى عنهم، فنقول:

أمّا المؤلف فقد وصفه الذهبي في كتاب «تذكرة الحفاظ» ناقلاً عن الحاكم بقوله: كان واحد عصره في الحفظ وكان أبو علي الحافظ.ومشايخنا يحضرون مجلس وعظه يفرحون بما يذكره على رؤوس الملأ من الأسانيد، ولم أرهم قط غمزوه في اسناد


1- تهذيب التهذيب:1/266، رقم الترجمة501.
2- أنساب الاشراف:1/586، طبع دار المعارف بالقاهرة.


(369)

إلى آخر ما ذكره.(1)

وقال أيضاً في سير أعلام النبلاء: العلاّمة، الأديب، المصنف، أبو بكر، أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي، البلاذري، الكاتب، صاحب «التاريخ الكبير».(2)

وقال ابن كثير في كتاب «البداية والنهاية» نقلاً عن ابن عساكر: كان أديباً، ظهرت له كتب جياد.(3)

هذا هو حال المؤلف، وأمّا حال الرواة الواردة أسماؤهم في السند، فإليك ترجمتهم:

المدائني

وهو علي بن محمد أبوالحسن المدائني الأخباري، صاحب التصانيف، روى عنه الزبير بن بكار، وأحمد بن زهير، والحارث بن أبي أُسامة، ونقل الذهبي عن يحيى انّه قال: المدائني ثقة، ثقة، ثقة، توفّي عام 293.(4)

مسلمة بن محارب

مسلمة بن محارب الزيادي عن أبيه، ذكره البخاري في تاريخه.(5)

وقد قال أهل العلم انّ سكوت أبـي زرعة أو أبـي حاتم أو البخاري عـن الجرح فـي الراوي توثيق لـه، وقـد مشى على هذه القاعـدة الحـافظ ابـن حجر


1- تذكرة الحفاظ:3/892 برقم 860.
2- سير اعلام النبلاء:13/162، رقم 96.
3- البداية والنهاية:11/65، حوادث سنة 279.
4- ميزان الاعتدال:3/153، رقم الترجمة5921.
5- التاريخ الكبير:7/387، رقم الترجمة1685.


(370)

فـي «تعجيل المنفعة» فتراه يقول فـي كثير من المواضع: ذكره البخاري ولم يذكـر فيـه جرحاً.(1)

سليمان بن طرخان

سليمان بن طرخان التيمي ـ ولاءً ـ روى عن أنس بن مالك وطاووس وغيرهم، قال الربيع بن يحيى عن سعيد: ما رأيت أحداً أصدق من سليمان التيمي.

وقال عبد اللّه بن أحمد عن أبيه : ثقة.

وقال ابن معين والنسائي: ثقة.

وقال العجلي: تابعي، ثقة فكان من خيار أهل البصرة.

إلى غير ذلك من التوثيقات، توفّـي عام 97.(2)

ابن عون

عون بن ارطبان المزني البصري، رأى أنس بن مالك(توفّـي عام 151).

قال النسائي في الكنى: ثقة، مأمون.

وقال في موضع آخر: ثقة، ثبت.

وقال ابن حبان في الثقات: كان من سادات أهل زمانه، عبادة وفضلاً وورعاً ونسكاً وصلابة في السنة وشدة على أهل البدع.(3)

إلى هنا تبين صحّة السند وانّ الرواية صحيحة، رواتها كلّهم ثقات، وكفى


1- لاحظ قواعد في علوم الحديث:385و 403 و تعجيل المنفعة:219، 223، 225، 254.
2- تهذيب التهذيب:4/202، رقم الترجمة341.
3- تهذيب التهذيب:5/348، رقم الترجمة600.


(371)

في ذلك حكماً.

وهذان النصان المرويان عن الثقات يعرب عن نوايا سيئة للخليفتين، وسيوافيك في القسم الثاني انّهم جسّدوا نواياهم حيال أهل بيت النبوة ـ عليهم السَّلام ـ .

3. ابن قتيبة و«الإمامةوالسياسة»

المؤرخ الشهير عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري (212ـ 276) وهو من رواد الأدب والتاريخ، وقد ألف كتباً كثيرة منها «تأويل مختلف الحديث» و «أدب الكاتب» وغيرهما من الكتب.(1)

قال في كتابه الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء:

إنّ أبا بكر رضي اللّه عنه تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند علي كرم اللّه وجهه، فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب، وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنها على من فيها، فقيل له: يا أبا حفص انّ فيها فاطمة، فقال: وإن .

إلى أن قال:

ثمّ قام عمر فمشى معه جماعة حتى أتوا فاطمة فدقوا الباب فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: يا أبت[يا] رسول اللّه، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب، وابن أبي قحافة، فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا. وكادت قلوبهم تتصدع وأكبادهم تتفطر وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا علياً فمضوا به إلى أبي بكر،


1- الاعلام:4/137.


(372)

فقالوا له بايع، فقال: إن أنا لم أفعل فمه؟ قالوا: إذاً واللّه الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك....(1)

إنّ من قرأ كتاب «الإمامة والسياسة» يرى أنّها نظير سائر الكتب لقدمائنا المؤرخين كالبلاذري والطبري وغيرهم، وقد نسب هذا الكتاب إليه ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة، ونقل عنه مطالب كثيرة ربما لا توجد في هذه النسخة المطبوعة بمصر، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على تطرق التحريف لهذا الكتاب، كما نسبه إليه الياس سركيس في معجمه.(2)

نعم ذكر صاحب الأعلام انّ للعلماء نظراً في نسبته إليه، ومعنى ذلك انّ غيره تردد في نسبته إليه، والتردد غير الإنكار.

وعلى كلّ حال فهو كتاب تاريخي نظير سائر الكتب التاريخية.

4. الطبري وتاريخه

محمد بن جرير الطبري (224ـ 310هـ) صاحب التاريخ والتفسير المعروفين بين العلماء، وقد صدر عنهما كلّ من جاء بعده، قد ذكر قصة السقيفة المحزنة، وقال:

حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن زياد بن كليب قال: أتى عمر بن الخطاب، منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال: واللّه لأحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة فخرج عليه الزبير، مصلتاً بالسيف فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه.(3)


1- الإمامة والسياسة:12، 13 طبعة المكتبة التجارية الكبرى، مصر.
2- معجم المطبوعات العربية:1/212.
3- تاريخ الطبري:2/443، طبع بيروت.


(373)

وهذا المقطع من تاريخ الإسلام يعرب عن أنّ أخذ البيعة للخليفة كان عنوة، وإنّ من تخلف عنها سوف يواجه مختلف أساليب التهديد من حرق الدار وتدميره، وبما انّ الطبري نقل الأثر بالسند فعلينا دراسة سنده مثلما درسنا ما رواه ابن أبي شيبة والبلاذري حتى يعضد بعضه بعضه ولا يبقى لمشكك شك ولا لمرتاب ريب.

أمّا الطبري فليس في إمامته ووثاقته كلام، فقد وصفه الذهبي بقوله: الإمام الجليل، المفسر، صاحب التصانيف الباهرة، ثقة، صادق.(1)

وأمّا دراسة رواة السند، فنقول:

ابن حميد

هو محمد بن حميد الحافظ، أبو عبد اللّه الرازي، روى عن عدّة منهم يعقوب ابن عبد اللّه القمي، وإبراهيم بن المختار، وجرير بن عبد الحميد، وروى عنه أبو داود والترمذي، وابن ماجة، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، إلى غير ذلك.

نقل عبد اللّه بن أحمد، عن أبيه: لا يزال بالري علم ما دام محمد بن حُميد حيّاً.

وقيل لمحمد بن يحيى الزهري: ما تقول في محمد بن حميد: قال: ألا تراني هوذا، أُحدث عنه.

وقال ابن خيثمة: سأله ابن معين، فقال: ثقة، لا بأس به، رازي، كيّس.

وقال أبو العباس بن سعيد: سمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسي، يقول: ابن حُميد ثقة، كتب عنه يحيى. مات سنة 248هـ.(2) نعم ربما جرحه بعض غير انّ قول المعدل مقدم على الجارح.


1- ميزان الاعتدال:4/498، رقم 7306.
2- تهذيب التهذيب:9/128ـ 131، رقم الترجمة180.


(374)

جرير بن عبد الحميد

جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي، أبو عبد اللّه الرازي، القاضي، ولد في قرية من قرى إصفهان، ونشأ بالكوفة، ونزل الري، روى عنه إسحاق بن راهويه، وابنا أبي شيبة، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين وجماعة.

كان ثقة يرحل إليه.

وقال ابن عمار الموصلي: حجّة، كانت كتبه صحيحة.(1)

المغيرة بن مِقْسم الضبي

المغيرة بن مِقْسم الضبي، الكوفي، الفقيه، روى عنه شعبة، والثوري، وجماعة، قال أبو بكر بن عياش: ما رأيت أحداً أفقه من مغيرة فلزمته.

قال العجلي: المغيرة ثقة، فقيه الحديث.

وقال النسائي: ثقة، توفي سنة 136هـ.

وذكره ابن حِبّان في الثقات.(2)

زياد بن كُليب

عرفه الذهبي بقوله: أبو معشر التميمي، الكوفي، عن إبراهيم والشعبي وعنه مغيرة، مات كهلاً في سنة 110هـ، وثّقه النسائي وغيره.(3)

وقال ابن حجر: قال العجلي: كان ثقة في الحديث، وقال ابن حبان: كان من الحفاظ المتقنين.(4)


1- تهذيب التهذيب:2/75، رقم الترجمة116.
2- تهذيب التهذيب:10/270، برقم 482.
3- ميزان الاعتدال:2/92، برقم 2959.
4- تهذيب التهذيب:2/382، برقم 698.


(375)

إلى هنا تمّت دراسة سند الرواية التي رواها الطبري، ولنقتصر في دراسة الاسناد بهذا المقدار لانّ فيما ذكرنا غنى وكفاية.

5. ابن عبد ربه والعقد الفريد

إنّ شهاب الدين أحمد المعروف بابن عبد ربه الأندلسي(المتوفّى عام 463هـ) عقد فصلاً لما جرى في سقيفة بني ساعدة، وقال: تحت عنوان «الذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر»:

علي والعباس، والزبير، وسعد بن عبادة، فأمّا علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حيث بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليُخرجهم من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم، فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار فلقيته فاطمة، فقالت: يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأُمّة.(1)

وهذا النص من هذا المؤرخ الكبير، أقوى شاهد على انّ الخليفة قد رام احراق الباب والدار بغية أخذ البيعة من علي ومن لازم بيته، وما قيمة بيعة تؤخذ عنوة.

6. ابن عبد البر والاستيعاب

روى أبو عمرو يوسف بن عبد اللّه بن محمد بن عبد البر (368ـ 463هـ) في كتابه القيم «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» بالسند التالي:

حدّثنا محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن أيّوب، حدّثنا أحمد بن


1- العقد الفريد:4/87، تحقيق خليل شرف الدين.


(376)

عمرو البزاز، حدّثنا أحمد بن يحيى، حدّثنا محمد بن نسير، حدّثنا عبد اللّه بن عمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، انّ عليّاً والزبير كانا حين بُويع لأبي بكر يدخلان على فاطمة فيشاورانها ويتراجعان في أمرهم، فبلغ ذلك عمر، فدخل عليها عمر، فقال: يا بنت رسول اللّه، ما كان من الخلق أحد أحبّ إلينا من أبيك، وما أحد أحبّ إلينا بعده منك، ولقد بلغني أنّ هؤلاء النفر يدخلون عليك، ولئن بلغني لأفعلنّ ولأفعلنّ. ثمّ خرج وجاءوها. فقالت لهم: إنّ عمر قد جاءني وحلف لئن عدتم ليفعلنّ، وأيم اللّه ليفينّ بها.(1)

ثمّ إنّ أبا عمرو لم ينقل نصّ كلام عمر بن الخطاب، وإنّما اكتفى بقوله: «لأفعلن ولأفعلنّ».

وقد تقدّم نصّ كلامه في نصوص الآخرين كابن أبي شيبة والبلاذري والطبري، ولعلّ الظروف لم تسنح له بالتصريح بما قال.

7. ابن أبي الحديد وشرح نهج البلاغة

نقل عبد الحميد بن هبة اللّه المدائني المعتزلي(المتوفّى عام 655) عن كتاب السقيفة لأحمد بن عبد العزيز الجوهري انّه قال:

لما بويع لأبي بكر كان الزبير والمقداد يختلفان في جماعة من الناس إلى عليّ، وهو في بيت فاطمة، فيتشاورون ويتراجعون أمورهم، فخرج عمر حتى دخل على فاطمة عليها السَّلام،وقال: يا


1- الاستيعاب:3/975، تحقيق علي محمد البجاوي، ط، القاهرة.


(377)

بنت رسول اللّه، ما من أحد من الخلق أحبّ إلينا من أبيك، وما من أحد أحبّ إلينا قلت بعد أبيك، وأيم اللّه ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن آمر بتحريق البيت عليهم، فلمّا خرج عمر جاءوها، فقالت: تعلمون انّ عمر جاءني، وحلف لي باللّه إن عدتم ليحرقن عليكم البيت، وأيم اللّه ليمضين لماحلف له.(1)

8. أبو الفداء والمختصر في أخبار البشر

ألّف إسماعيل بن علي المعروف بأبي الفداء(المتوفّى عام 732هـ) كتاباً أسماه «المختصر في أخبار البشر» ذكر فيه قريباً ممّا ذكره ابن عبد ربه في العقد الفريد، حيث قال:

ثمّ إنّ أبا بكر بعث عمر بن الخطاب إلى علي ومن معه ليخرجهم من بيت فاطمة رضي اللّه عنها، وقال: إن أبوا عليك فقاتلهم، فأقبل عمر بشيء من نار على أن يضرم الدار فلقيته فاطمة رضي اللّه عنها، وقالت: إلى أين يابن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم، أو يدخلوا فيما دخل فيه الأُمّة.(2)

9. النويري و «نهاية الارب في فنون الأدب»

أحمد بن عبد الوهاب النويري (677ـ 733هـ) أحد كبار الأدباء، له خبرة في التاريخ يعرّفه في الأعلام بقوله: عالم، بحاث، غزير الاطّلاع وقال في كتابه


1- شرح نهج البلاغة:2/45، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
2- المختصر في تاريخ البشر:1/156، ط دار المعرفة، بيروت.


(378)

«نهاية الإرب في فنون الأدب» ـ الذي وصفه الزركلي بقوله: إنّ نهاية الارب على الرغم من تأخر عصره يحوي أخباراً خطيرة عن صقيلة نقلها عن مؤرخين قدماء لم تصل إلينا كتبهم مثل ابن الرقيق، وابن الرشيق وابن شداد وغيرهم(1) ـ قال:

روى ابن عمر بن عبد البر، بسنده عن زيد بن أسلم، عن أبيه: انّ عليّاً والزبير كان حين بويع لأبي بكر، يدخلان على فاطمة، يشاورانها في أمرهم، فبلغ ذلك عمر، فدخل عليها، فقال: يا بنت رسول اللّه ما كان من الخلق أحد أحبّ إلينا من أبيك وما أحد أحبّ إلينا بعده منك، وقد بلغني انّ هؤلاء النفر يدخلون عليك ولئن بلغني لأفعلنّ ولأفعلنّ! ثمّ خرج وجاءوها، فقالت لهم: إنّ عمر قد جاءني وحلف إن عدتم ليفعلنّ وأيم اللّه ليفين.(2)

10. السيوطي ومسند فاطمة

جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (848ـ 911هـ) ذلك الباحث الكبير، والمؤرخ الخبير، يذكر في كتابه «مسند فاطمة» نفس ما رواه المؤرخون عن زيد بن أسلم عن أبيه أسلم:

انّه حين بويع لأبي بكر بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان علي والزبير يدخلون على فاطمة بنت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ويشاورونها ويرجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتى دخل على فاطمة، فقال: يا بنت رسول اللّه، واللّه ما من الخلق أحد أحبّ


1- الاعلام:1/165.
2- نهاية الارب في فنون الأدب:19/40، ط القاهرة، 1395هـ.


(379)

إليّ من أبيك وما من أحد أحبّ إلينا بعد أبيك منك، وأيم اللّه ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك، ان آمرهم أن يحرق عليهم الباب، فلما خرج عليهم عمر جاءوا، قالت: تعلمون انّ عمر قد جاءني وقد حلف باللّه لئن عدتم ليحرقنّ عليكم الباب، وأيم اللّه ليمضين لما حلف عليه.(1)

11. المتقي الهندي وكنز العمال

نقل علي بن حسام الدين المعروف بالمتقي الهندي (المتوفّى عام 975) في كتابه القيم «كنز العمال» ما جرى على بيت فاطمة الزهراءعليها السَّلام وفق ما جاء في كتاب «المصنف» لابن أبي شيبة، حيث قال:

عن أسلم انّه حين بويع لأبي بكر بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان علي والزبير يدخلون على فاطمة عليها السَّلام بنت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ويشاورونها ويرجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتّى دخل على فاطمة عليها السَّلام، فقال: يا بنت رسول اللّه ما من الخلق أحد أحبُّ إليَّ من أبيك، وما من أحد أحبّ إلينا بعد أبيك منك، وأيم اللّه ماذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن آمر بهم أن يحرق عليهم الباب.إلى آخر ما ذكر.(2)


1- مسند فاطمة: السيوطي: 36، ط مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت.
2- كنز العمال:5/651، برقم 14138.


(380)

12. الدهلوي وإزالة الخفاء

نقل ولي اللّه بن مولوي عبد الرحيم العمري، الدهلوي، الهندي، الحنفي(1114ـ 1176هـ) في كتابه «إزالة الخفاء» ما جرى في سقيفة بني ساعدة، وقال:

عن أسلم باسناد صحيح على شرط الشيخين، وقال:

انّه حين بويع لأبي بكر بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان عليّوالزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب، خرج حتّى دخل على فاطمة، فقال: يا بنت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، واللّه ما من الخلق أحد أحبّ إلينا من أبيك، وما من أحد أحبّ إلينا بعد أبيك منك، وأيم اللّه فانّ ذلك لم يكن بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن آمر بهم أن يحرق عليهم البيت.(1)

وذكر قريباً من ذلك في كتابه الآخر «قرة العينين».(2)

13. محمد حافظ إبراهيم والقصيدة العمرية

محمد حافظ بن إبراهيم فهمي المهندس، الشهير بحافظ إبراهيم(1287ـ 1351هـ)، شاعر مصر القومي. طبع ديوانه في مجلدين، وله قصيدة عمرية احتفل بها أُدباءمصر، وممّا جاء فيها قوله:

وقولة لعلي قالها عمر * أكرم بسامعها أعظم بملقيها


1- إزالة الخفاء:2/178.
2- قرة العينين:78.

(381)

حرقت دارك لا أبقي عليك بها * إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

ما كان غير أبي حفص يفوه بها * أمام فارس عدنان وحاميها(1)

والعجب انّ شاعر النيل يجعل الموبقات منجيات، ويعد السيئات من الحسنات، وما هذا إلاّ لأنّ الحب يعمي ويصم.

ومعنى هذا انّه لم يكن لبنت المصطفى أي حرمة ومكرمة عند عمر حين استعد لإحراق الدار ومن فيها لكي يصبح أبوبكر خليفة للمسلمين.

قال الأميني عقب نقله للأبيات الثلاثة، ما هذا نصّه:

ماذا أقول بعد ما تحتفل الأُمّة المصرية في حفلة جامعة في أوائل سنة 1918م بإنشاد هذه القصيدة العمرية التي تتضمن ما ذكر من الأبيات، وتنشرها الجرائد في أرجاء العالم، ويأتي رجال مصر نظراء أحمد أمين، وأحمد الزين، وإبراهيم الابياري، وعلي جارم، وعلي أمين، وخليل مطران، ومصطفى الدمياطي بك وغيرهم ويعتنون بنشر ديوان هذا شعره، وبتقدير شاعر هذا شعوره، ويخدشون العواطف في هذه الازمة، في هذا اليوم العصيب، ويعكرون بهذه النعرات الطائفية صفو السلام والوئام في جامعة الإسلام، ويشتتون بها شمل المسلمين،ويحسبون انّهم يحسنون صنعاً.

إلى أن قال: وتراهم بالغوا في الثناء على الشاعر وقصيدته هذه كأنّه جاء للأُمّة بعلم جم أو رأي صالح جديد، أو أتى لعمر بفضيلة رابية تسرُّ بها الأُمّة ونبيُّها المقدَّس، فبشرى بل بشريان للنبي الأعظم، بأنّ بضعته الصديقة لم تكن لها أي حرمة وكرامة عند من يلهج بهذا القول، ولم يكن سكناها في دار طهّر اللّه أهلها يعصمهم منه ومن حرق الدار عليهم. فزه زه بانتخاب هذا شأنه، وبخ بخ ببيعة


1- ديوان حافظ إبراهيم:1/82.


(382)

تمت بهذا الارهاب وقضت بتلك الوصمات.(1)

14. عمر رضا كحالة و «اعلام النساء»

عمر رضا كحالة من الكتاب المعاصرين اشتهر بكتابه «أعلام النساء» ترجم فيه حياة بنت النبي فاطمة الزهراءعليها السَّلام وممّا قال في ترجمتها:

وتفقد أبو بكر قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي بن أبي طالب كالعباس، والزبير وسعد بن عبادة فقعدوا في بيت فاطمة، فبعث أبو بكر إليهم عمر بن الخطاب، فجاءهم عمر فناداهم وهم في دار فاطمة، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب، وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنّها على من فيها. فقيل له: يا أبا حفص إنّ فيها فاطمة، فقال: وإن....

ثمّ وقفت فاطمة على بابها، فقالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم تركتم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا ولم تردوا لنا حقاً».(2)

***

إلى هنا تمّ ما وقفنا عليه في كتب أهل السنة ممّن أشار إلى نوايا الخليفة السيئة حيال بنت المصطفى وبيتها و من فيه، إلاّ أنّ أغلب هذه المصادر لم تخض في التفاصيل و لم تشر إلى الحوادث المريرة التي تلتها، لكن هناك أُناساً أبدوا شجاعة في اظهار الحقّ حيث أشاروا إلى الحوادث المريرة التي مرت على البيت الهاشمي.

وها نحن نشير إلى أسمائهم حسب التسلسل التاريخي .


1- الغدير:7/86ـ 87.
2- علام النساء:4/114.


(383)

كشف بيت فاطمة عليها السَّلام على لسان المؤرخين

15. أبو عبيد وكتاب الأموال

16. ابن سعد والطبقات الكبرى

17. النظام وكتاب الوافي بالوفيات

18. المبرد وكتاب الكامل

19. المسعودي ومروج الذهب

20. ابن أبي دارم وميزان الاعتدال

21. الطبراني والمعجم الكبير

22. ابن عبد ربه والعقد الفريد

23. ابن عساكر ومختصر تاريخ دمشق

24. ابن أبي الحديد وشرح نهج البلاغة

25. الجويني وكتاب فرائد السمطين

26. الذهبي وتاريخ الإسلام

27. نور الدين الهيتمي ومجمع الزوائد

28. ابن حجر العسقلاني ولسان الميزان

29. المتقي الهندي وكنز العمال.

30. عبد الفتاح عبد المقصود وكتاب الإمام علي


(384)

(385)

كشف بيت فاطمة عليها السَّلام
على لسان المؤرخين

15. أبو عبيد و كتاب «الأموال»

أبو عبيد قاسم بن سلاّم(المتوفّى عام 224) أحد الفقهاء الكبار في القرن الثالث، وقد اشتهر بكتابه النفيس «الأموال»الذي طبع غير مرة. فقد أزاح الستار عن وجه الحقيقة، وأشار إلى ما جرى على بيت فاطمة من المصائب. فقد نقل عن عبد الرحمن بن عوف قوله:

دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي توفّـي فيه فسلمت عليه، وقلت: ما أرى بك بأساً، والحمد للّه، ولا تأس على الدنيا، فو اللّه إن علمناك إلاّ كنت صالحاً مصلحاً.

فقال: إنّي لا آسى على شيء إلاّ على ثلاث فعلتهم، ووددت أنّي لم أفعلهم، وثلاث لم أفعلهم وددت انّي فعلتهم، وثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عنهم، فأمّا التي فعلتها ووددت انّي لم أفعلها، فوددت أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا. لخلة ذكرها قال أبو عبيد: لا أريد ذكرها ـ ووددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين عمر أو أبـي عبيدة، فكان أمـيراً وكنـت وزيـراً، ووددت انّـي حيـث كنـت وجهت


(386)

خالـداً إلـى أهـل الردة أقمت بـذي القصـة، فإن ظفر المسلمون ظفروا وإلاّكنت بصدد لقاء أو مـدد. الخ.(1)

ثمّ إنّ صاحب «الأموال» وإن لم يصرح بلفظ الخليفة وكره التلفّظ به، لكن غيره جاء بنفس النص الذي أدلى به الخليفة يوم كان طريح الفراش وستقف على كلام الآخرين في هذا المجال.

16. ابن سعد و«الطبقات الكبرى»

يذكر محمد بن سعد (المتوفّى عام 229هـ) عند ترجمة أبي بكر ما هذا نصّه:

قال: أخبرنا عبد اللّه بن الزبير، حدّثنا إسماعيل بن عامر، قال: جاء أبو بكر إلى فاطمة حين مرضت فاستأذن، فقال علي: هذا أبو بكر على الباب، فإن شئت أن تأذني له؟ قالت: وذلك أحب إليك؟ قال: نعم، فدخل عليها واعتذر إليها وكلّمها فرضيت عنه.(2)

فلولا أنّه تعدى على حقوقها وظلمتها، فلماذا اعتذر.

17. النظام و«الوافي بالوفيات»

ألّف صلاح الدين خليل بن إيبك الصفدي كتاباً أسماه «الوافي بالوفيات»، استدرك على كتاب «وفيات الأعيان» لابن خلكان، وقد ترجم فيه النظام المعتزلي إبراهيم بن سيار البصري (160ـ 231هـ).

وقال: قالت المعتزلة إنّما لقب ذلك(النظام) لحسن كلامه نظماً ونثراً، وكان


1- الأموال:193ـ 194، مكتبة الكليات الأزهرية.
2- الطبقات:8/27، ط دار صادر.


(387)

ابن أُخت أبي هذيل العلاف شيخ المعتزلة، وكان شديد الذكاء، ونقل آراءه، فقال:

انّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتّى ألقت المحسن في بطنها.(1)

18. المبرد و «الكامل»

محمد بن يزيد بن عبد الأكبر البغدادي(110ـ 285هـ) أحد الأُدباء الكتّاب، وصاحب الآثار الممتعة، وقد نقل في كتاب «الكامل» ما روي عن عبد الرحمن بن عوف عند ما زار أبا بكر في مرضه الذي مات فيه، وقال:

دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي مات فيه فسلمت وسألته: كيف به؟ فاستوى جالساً، إلى أن قال: قال أبو بكر: أمّا إنّي لا آسى إلاّ على ثلاث فعلتهنّ ووددت انّي لم أفعلهنّ، وثلاث لم أفعلهنّ ووددت انّي فعلتهن، وثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه عنهم.

فأمّا الثلاث التي فعلتها ووددت انّي لم أكن كشفت عن بيت فاطمة وتركته ولو أُغلَق على حرب، ووددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين: عمر أو أبي عبيدة، فكان أميراً وكنت وزيراً، ووددت انّي إذا أتيت بالفجاءة لم أكن أحرقته وكنت قتلته بالحديد أو أطلقته.


1- الوافي بالوفيات:6/17; والملل والنحل للشهرستاني:1/57 طبع دار المعرفة، ولاحظ في ترجمة النظام كتابنا «بحوث في الملل والنحل»:3/248ـ 255.


(388)

وأمّاالثلاث التي تركتها ووددت انّي فعلتها....الخ.(1)

19. المسعودي و«مروج الذهب»

إنّ أبا الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي(المتوفّى عام 346هـ)، أحد المؤرخين البارعين الذين كان لهم دور هام في تدوين تاريخ الإسلام، وقد ذكر في تاريخه المعروف بـ«مروج الذهب» عند ذكر أبي بكر ونسبه ولمع من أخباره وسيره، قال:

ومن كلامه انّه لما احتضر، قال: ما آسى على شيء إلاّعلى ثلاث فعلتها وَدِدْتُ انّي تركتها، وثلاث تركتها وَدِدْتُ انّي فعلتها، وثلاث وَدِدْت انّي سألت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عنها، فأمّا الثلاث التي فعلتها ووددت انّي تركتها، فوددت انّي لم أكن فتشت بيت فاطمة ـ وذكر في ذلك كلاماً كثيراً ـ ووددت انّي لم أكن حرقت الفجاءة وأطلقته نجيحاً أو قتلته صريحاً، ووددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين فكان أميراً وكنت وزيراً، والثلاث التي تركتها وودت انّي فعلتها... الخ.(2)


1- شرح نهج البلاغة:2/45ـ 47 ولاحظ الكامل:1/11، تحقيق الدكتور محمد أحمد الدّالي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ويظهر من محقّق الكتاب انّه وجد النص في الكامل حيث نقل شيئاً منه حول هذا النص. إلاّ انّ اليد الأمينة على التراث حرفت الباقي فلم تذكر الرواية برمتها حسب ما نقله ابن أبي الحديد عن الجوهري عن الكامل للمبرد.
نعم أشار المحقق في ذيل الصفحة إلى ما رواه صاحب العقد الفريد.
2- مروج الذهب:2/301، ط دار الأندلس، بيروت.


(389)

20. ابن أبي دارم و«ميزان الاعتدال»

أحمد بن محمد المعروف بابن أبي دارم، المحدث الكوفي (المتوفّى عام 357هـ) الذي يعرفه الذهبي، بقوله: كان موصوفاً بالحفظ والمعرفة.(1) وينقل عنه الحاكم.

ويقول أيضاً في كتابه «ميزان الاعتدال»: كان مستقيم الأمر عامة دهره، ثمّ في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب وحضرته ورجل يقرأ عليه:

انّ عمر رفص فاطمة حتى أسقطت بمحسن.(2)

21. الطبراني و«المعجم الكبير»

أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني(260ـ 360هـ) صاحب «المعجم الكبير» يعرفه الذهبي في ميزانه، ويقول: حافظ، ثبت.(3)

فقد نقل في فصل أسماه «مما اسند أبو بكر عن رسول اللّه» فجاء في ذلك الفصل حديث عبد الرحمن بن عوف أبا بكر في مرضه الذي توفّي فيه، فقال أبو بكر له:

أمّا انّي لا آسى على شيء إلاّ على ثلاث فعلتهن ووَدِدْتُ انّي لم أفعلهن، وثلاث لم أفعلهن وددت انّي فعلتهن،وثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عنها، فأمّا الثلاث اللاتي وددت انّي لم أفعلهن، فوددت انّي لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته وان أُغلق على الحرب، ووددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت


1- سير اعلام النبلاء:15/578، رقم الترجمة349.
2- ميزان الاعتدال:1/139، رقم الترجمة552.
3- ميزان الاعتدال:2/195، رقم الترجمة3423.


(390)

الأمر في عنق أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر، فكان أميراً وكنت وزيراً...الخ.(1)

22. ابن عبد ربه و«العقد الفريد»

قد تقدّم كلام ابن عبد ربه عند ذكر الحوار الذي دار بين فاطمة وعمر بن الخطاب من دون أن يشير هناك إلى الحوادث المريرة التي وقعت بعده ولكنّه صرح في مورد آخر بكشف الدار حيث نقل حديث عبد الرحمن بن عوف عند ما زار أبا بكر في مرضه، فقال: و قال تحت عنوان استخلاف أبي بكر لعمر:

أجل انّي لا آسي على شيء من الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهن، ووددت اني تركتهن، وثلاث تركتهن ووددت انّي فعلتهن، وثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عنهن.

فأمّا الثلاث التي فعلتهن ووددت انّي تركتهن، فوددت انّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء و إن كانوا أغلقوه على الحرب،...الخ.(2)

23. ابن عساكر و «مختصر تاريخ دمشق»

ألف علي بن حسن المعروف بابن عساكر (المتوفّى عام 571هـ) كتاباً في تاريخ دمشق طبع في ثمانين جزءاً وقد لخصه محمد بن مكرم المعروف بابن منظور (620ـ 711هـ) فجاء في ترجمة أبي بكر انّه دخل على أبي بكر في مرضه الذي توفّـي فيه، فأصابه مفيقاً إلى أن قال:


1- المعجم الكبير:1/62، برقم 43.
2- العقد الفريد:4/93، تحت عنوان استخلاف أبي بكر لعمر.


(391)

فقال أبو بكر: لا آسى على شيء من الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهن وودت أنّي لو تركتهن، وثلاث تركتهن وودت انّي فعلتهن، وثلاث وددت لو أنّي سألت عنهن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . فأمّا التي وددت انّي تركتهن: يوم سقيفة بني ساعدة وددت لو أنّي ألقيت هذا الأمر في عنق أحد هذين الرجلين ـ يعني عمر وأبا عبيدة ـ فكان أحدهما أميراً، وكنت وزيراً، وددت انّي لم أكن كشفت بيت فاطمة عن شيء مع أنّهم أغلقوه على الحرب.(1)

24. ابن أبي الحديد و «شرح نهج البلاغة»

عبد الحميد بن هبة اللّه المدائني المعتزلي (المتوفّى عام 655هـ) المؤرخ والكاتب القدير مؤلف «شرح نهج البلاغة» في عشرين جزءاً، فيها تاريخ وأدب، وكلام وفلسفة، يعرب عن تضلّعه في العلوم الإسلامية عامة، فقد نقل عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري مؤلف كتاب «السقيفة»(2) بلا غمز وردّ.

فذكر قوله: إنّي لا آسى إلاّ على ثلاث فعلتهن ووددت انّي لم أفعلهنّ، وثلاث لم أفعلن وودت انّي فعلتهن، وثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عنهنّ; فأمّا الثلاث التي فعلتها ووددت انّي لم أكن فعلتها، فوددت انّي لم أكن كشفت عن بيت فاطمة وتركته


1- مختصر تاريخ دمشق:13/122.
2- كتاب السقيفة لمؤلفه أحمد بن عبد العزيز، أقدم وأبسط كتاب تناول حوادث السقيفة بالشرح والتفصيل، ينقل عنه ابن أبي الحديد كثيراً في أجزاء مختلفة من كتابه فقد قام الفاضل محمد هادي الأميني بجمع نصوص الكتاب من شرح النهج لابن أبي الحديد ونشره وبذلك عاد الكتاب اإلى الساحة ولو بصورة ناقصة.


(392)

ولو أُغلق على حرب.(1)

وقال في مكان آخر نقلاً عن القاضي عبد الجبار:

وأمّا حديث الإحراق فلو صحّ لم يكن طعناً على عمر لأنّ له أن يهدد من امتنع عن المبايعة إرادة للخلافة على المسلمين.(2)

25. الجويني و «فرائد السمطين»

إبراهيم بن محمد الحديد المعروف بالجويني(المتوفّـى عام 722هـ) من مشايخ الذهبي، يقول في حقه: إمام، محدث، فريد، فخر الإسلام وصدر الدين.(3)

فقد روى في كتاب فرائد السمطين بالسند المذكور فيه عن ابن عباس، انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان جالساً ذات يوم إذ أقبل الحسن ـ عليه السَّلام ـ ، فلما رآه بكى، ثمّ قال: إليَّ إليَّ يا بُنيّ فمازال يُدنيه حتى أجلسه على فخذه اليمنى. ثمّ أقبل الحسين ـ عليه السَّلام ـ فلمّا رآه بكى، ثمّ قال: إليَّ إليَّ يا بُنيّ، فمازال يُدنيه حتّى أجلسه على فخذه اليُسرى. ثمّ أقبلت فاطمة عليها السَّلام، فلمّا رآها بكى، ثمّ قال: إليَّ إليَّ يا بُنيّة فاطمة، فاجلسها بين يديه. ثمّ أقبل أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ ، فلمّا رآه بكى، ثمّ قال: إليّ إليّ يا أخي، فمازال يدنيه حتى أجلسه إلى جنبه الأيمن.

فقال له أصحابه يا رسول اللّه! ما ترى واحداً من هؤلاء إلاّ بكيت! أو ما فيهم من تسرّ برؤيته؟ فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : والذي بعثني بالنبوة، واصطفاني على جميع البرية،


1- شرح نهج البلاغة:2/46ـ 47.
2- شرح نهج البلاغة:16/272 وقال المعلق: نقله المرتضى في الشافي:234ـ 235.
3- معجم شيوخ الذهبي:125 رقم الترجمة156.


(393)

إنّي وإيّاهم لأكرم الخلائق على اللّه عزّوجلّ و ما على وجه الأرض نسمة أحبَّ إليَّ منهم.

إلى أن قال: وأمّا ابنتي فاطمة فانّها سيدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين، وهي بضعة منّي وهي نور عيني،وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبيّ، وهي الحوراء الانسية، متى قامت في محرابها بين يدي ربها جلّ جلاله، زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض.

ويقول اللّه عزّ وجلّ لملائكته: يا ملائكتي، انظروا إلى أمتي فاطمة سيدة إمائي قائمة بين يدي، ترعد فرائصها من خيفتي وقد أقبلت بقلبها على عبادتي، أُشهدكم انّي قد أمّنت شيعتهامن النار. وانّي لما رأيتها ذكرتُ ما يُصنع بها بعدي كأنّي بها و «قد دخل الذُّل بيتها وانتهكت حرمتها وغصب حقّها، ومنعت إرثها،وكُسر جنبها، وأسقطت جنينها، وهي تنادي يا محمداه فلا تجاب، وتستغيث فلا تغاث.(1)

26. الذهبي و«تاريخ الإسلام»

يقول شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (المتوفّى 748هـ) في كتاب تاريخ الإسلام:

روى علوان بن داود البجلي، عن حميد بن عبدالرحمن عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه، وقد رواه الليث بن سعد عن علوان عن صالح نفسه، قال: دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه فسلمت عليه وسألته كيف أصبحت؟


1- فرائد السمطين:2/34ـ 35، ط بيروت.


(394)

فقـال: بحمد اللّه بارئاً، إلـى أن قال: ثمّ قال: انّي لا آسى على شـيء إلاّعلى ثـلاث فعلتهن وثـلاث لم أفعلهن، وثلاث وددت أنّـي سألت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عنهن: وددت انّي لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته وأن أُغلق عليّ الحرب، وددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق عمر أو أبي عبيدة.(1)

27. نور الدين الهيتمي و «مجمع الزوائد»

أخرج الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيتمي(المتوفّى سنة 807هـ) في كتابه مجمع الزوائد و ضبع الفوائد في باب كراهة الولاية ولمن تستحب.

روى وقال: فعن عبد الرحمن بن عوف، قال: دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي توفي فيه وسلمت عليه وسألته كيف أصبحت؟ فاستوى جالساً وقال: أصبحت بحمد اللّه بارئاً ـ إلى أن قال: ـ أمّا انّي لا آسى على شيء إلاّ على ثلاث فعلتهن وددت انّي لم أفعلهن، وثلاث لم أفعلهن وددت انّ فعلتهن، وثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عنهن.

فأمّا الثلاث التي وددت انّي لم أفعلهنّ فوددت انّي لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته وان اغلق على الحرب، وددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة قذفت الأمر في عنق الرجلين أبو عبيدة أو عمر و كان أمير المؤمنين وكنت وزيراً.(2)


1- تاريخ الإسلام:3/117ـ 118.
2- مجمع الزوائد:5/202ـ 203.


(395)

28. ابن حجر العسقلاني ولسان الميزان

أخرج الإمام الحافظ شهاب الدين أبو الفضل المعروف بالعسقلاني (المتوفّى سنة 852هـ) في كتابه لسان الميزان بسنده عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه، قال:

دخلت على أبي بكر أعوده فاستوى جالساً فقلت: أصبحت بحمد اللّه بارئاً، فقال أبو بكر: أمّا إنّي على ماترى بي... انّي لا آسى على شيء إلاّعلى ثلاث وددت انّي لم أفعلهن وددت انّي لم أكشف بيت فاطمة وتركته وإن أُغلق على الحرب، وددت انّي يوم السقيفة كنت قذفت الأمر في عنق أبي عبيدة أو عمر فكان أميراً وكنت وزيراً.(1)

29. المتقي الهندي و«كنز العمال»

روى علاء الدين المتقي الهندي(المتوفّى عام 975هـ) في كنز العمال حديث عبد الرحمن بن عوف بنحو مفصل، وقال:

عن عبد الرحمن بن عوف انّ أبا بكر الصديق، قال له في مرض موته: إنّي لا آسى على شيء إلاّعلى ثلاث فعلتهن ووِددت انّي لم أفعلهن وثلاث لم أفعلهن ودِدت انّي فعلتهن، وثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه عنهن، فأمّا اللاتي فعلتها ووددت انّي لم أفعلها فوددت انّي لم أكن أكشف بيت فاطمة وتركته وإن كانوا قد غلقوه على الحرب....(2)


1- لسان الميزان:4/188ـ 189.
2- كنز العمال:5/631، رقم الحديث14113.


(396)

30. عبد الفتاح عبد المقصود و كتاب «الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ »

إنّ عبد الفتاح مؤلف كتاب «الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ » أحد الكتّاب البارعين في العصر الحاضر، فقد جدّ وثابر وبذل جهوداً جبارة وأخذ زبدة المخض من الحقائق الناصعة وقدم بكتابه هذا خدمة مشكورة وقال في حادثة الدار:

إنّ عمر قال: والذي نفسي بيده، ليخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها.

قالت له طائفة ـ خافت اللّه، ورعت الرسول في عقبه ـ: يا أبا حفص انّ فيها فاطمة....

فصاح لا يبالي: وإن

واقترب وقرع الباب، ثمّ ضربه واقتحمه...وبدا له عليّ.

ورنّ حينئذاك صوت الزهراء عند مدخل الدار.

فان هي إلاّ رنة استغاثة أطلقتها «يا أبت رسول اللّه...» تستعدي بها الراقد بقربها في رضوان ربّه عليعسف صاحبه، حتّى تبدّل العاتي المدل غير إهابه، فتبدّد على الأثر جبروته، وذاب عنفه وعنفوانه، وودّ من خزى لو يخرّ صعقاً تبتلعه مواطئ قدميه ارتداد هدبه إليه .

وعندما نكص الجمع، وراح يفرّ كنوافر الظباء المفزوعة أمام صيحة الزهراء، كان عليّ يقلّب عينيه من حسرة وقد غاض حلمه، وثقل همّه، وتقبضت أصابع يمينه على مقبض سيفه كهمّ من غيظه أن تغوص فيه.(1)


1- عبد الفتاح عبد المقصود: الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ :4/274ـ 277.وله كلمة أُخرى في هذا الموضوع لاحظ الجزء1/192ـ 193 لم نأت بها روماً للاختصار.


(397)

خاتمة المطاف

انّ ما ذكرناه من المصادر الجمّة يكفي في إثبات المقصود ولو أضفنا إليه ما ذكره مؤرّخو الشيعة ومحدّثوهم حول حوادث السقيفة، لأصبحت القضية من المتواترات بل الضروريات التي لا يشكّ فيها من له إلمام بالتاريخ.

وقد كانت القضية في العصور الأُولى من الأُمور المسلمة حتى أنّ بعض من تلطّخت أيديهم بدماء المسلمين أخذوا يبرّرون ما يقترفونه بعمل الخليفة، وإليك هاتين الوثيقتين التاريختين.

الوثيقة الأُولى

روى المسعودي «انّ ابن الزبير عمد إلى مكة من بني هاشم، فحصرهم في الشعب، وجمع لهم حطباً عظيماً لو وقعت فيه شرارة من نار لم يسلم من الموت أحد، وفي القوم محمد بن الحنفية.

ثمّ قال وحدّث النوفلي في كتابه في الاخبار، عن ابن عائشة، عن أبيه، عن حماد بن سلمة، قال: كان عروة بن الزبير يعذِّر أخاه إذا جرى ذكرُ بني هاشم وحصره إياهم في الشعب وجمعه لهم الحطب لتحريقهم، ويقول: إنّما أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته إذا هم أبوا البيعة فيما سلف، وهذا خبر لا يحتمل ذكره هنا،وقد أتينا على ذكره في كتابنا في مناقب أهل البيت وأخبارهم المترجم بكتاب «حدائق الأذهان».(1)

ونقله ابن أبي الحديد أيضاً وقال: وكان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبد اللّه في حصر بني هاشم في الشعب، وجمعه الحطب ليحرقهم ويقول: إنّما أراد بذلك ألا


1- مروج الذهب:3/77، ط دار الأندلس.


(398)

تنتشر الكلمة، ولا يختلف المسلمون، وأن يدخلوا في الطاعة، فتكون الكلمة واحدة، كما فعل عمر بن الخطاب ببني هاشم لمّا تأخروا عن بيعة أبي بكر، فانّه أحضر الحطب ليحرق عليهم الدار.(1)

الوثيقة الثانية

وروى البلاذري قال: لما قتل الحسين ـ عليه السَّلام ـ كتب عبد اللّه بن عمر إلى يزيد بن معاوية :

أمّا بعد، فقد عظمت الرزية وجلت المصيبة، وحدث في الإسلام حدث عظيم، ولا يوم كيوم قتل الحسين.

فكتب إليه يزيد: أمّا بعد، يا أحمق، فانا جئنا إلى بيوت مجدَّدة، وفرش ممهدة، ووسادة منضّدة، فقاتلنا عنها فإن يكن الحقّ لنا فعن حقّنا قاتلنا. وإن كان الحقّ لغيرنا، فأبوك أوّل من سنّ هذا، واستأثر بالحقّ على أهله.(2)

قرائن وشواهد

إنّ هناك قرائن وشواهد تدل بوضوح على أنّ سيدة نساء العالمين استقبلت بعد رحيل أبيها حوادثَ مريرة من قبل من تسنّم منصة الخلافة، ويدل على ذلك الأُمور التالية:

أ. انّ فاطمة هجرت أبا بكر ولم تكلمه إلى أن ماتت.

أخرج البخاري في كتاب الخمس«فغضبت فاطمة بنت رسول اللّه فهجرت


1- شرح نهج البلاغة:20/147.
2- نهج الحق وكشف الصدق:356، علق عليه فرج اللّه الحسيني، مكتبة المدرسة. نقله عن الأنساب للبلاذري.


(399)

أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت».(1)

وأخرج في كتاب الفرائض وقال: فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت.(2)

وذكر في كتاب المغازي في باب غزوة خيبر قوله: فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت.(3)

فما ظنك بروايات يرويها الإمام البخاري، وما هذا إلاّ لأنّها انتهكت حرمتها حتى لاذت بقبر أبيها، و قالت:

ماذا على من شمّ تربة أحمد * ألاّ يشم مدى الزمان غواليا

صُبَّت عليَّ مصـائب لو أنّها * صُبَّـت على الأيّام صرن ليالياً(4)

ب. انّ عليّاً لما جهز فاطمة الزهراء وأودعها في قبرها، هاج به الحزن، وخاطب الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وقال:

«ستنبّئك ابنتك بتضافر أُمّتك على هضمها، فأحفها السؤال، واستخبرها الحال، هذا ولم يطل العهد ولم تخل منك الذكر».(5)

كلّ ذلك يعرب عن أنّهاعليها السَّلام ماتت مظلومة، مقهورة، مغصوبة الحقّ.

ج. انّها دفنت ليلاً بإيصاء منها، فما هو السرّ في هذا الإيصاء.

قال البلاذري بعد ذكره السند: انّ علياً دفن فاطمة عليها السَّلام ليلاً، إلى أن قال: وأوصت فاطمة عليها السَّلام أن تحمل على سرير طاهر، فقالت لها أسماء بنت عميس:


1- صحيح البخاري:4، كتاب الخمس.
2- صحيح البخاري:9، كتاب الفرائض.
3- صحيح البخاري:5، باب غزوة خيبر.
4- وفاء الوفا:2/444.
5- نهج البلاغة:الخطبة 202.


(400)

اصنع لك نعشاً كما رأيت أهل الحبشة يصنعون فأرسلت إلى جريد رطب فقطعته، ثمّ جعلت لها نعشاً، فتبسمت ولم تر متبسمة بعد وفاة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلاّساعتها تيك، وغسلها عليّ، وأسماء ، وبذلك أوصت ولم يعلم أبو بكر وعمر بموتها.(1)

***

ونختم الرسالة بالسلام على الصدّيقة الشهيدة الممنوعة إرثها، ، المكسور ضلعها،

المظلوم بعلها، المقتول ولدها سلاماً، لا بداية له ولا نهاية.

وهي سلام اللّه عليها كما يصفها السيد الحميري:

انّها أسرع أهلي ميتة * ولحاقاً بى، فلا تكثر جـزع

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

29/ذي الحجة الحرام من شهور عام 1421هـ.


1- أنساب الأشراف:1/405.


(401)

2

دراسة لسند زيارة عاشوراء

إنّ استحباب زيارة سيد الشهداء الحسين بن علي عليمها السَّلام في اليوم العاشر من محرم الحرام ممّا أصفق عليه علماء الطائفة الإمامية عبْر القرون، واتفاقهم هذا من أتقن الأدلّة على صحّتها وصدورهاعن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ .

قد ورد إلينا سؤال عن سندها في كتب الإمامية، فقمنا بتأليف هذه الرسالة لإزالة الشبهة العالقة ببعض الأذهان، فنقول:

إنّ زيارة سيد الشهداء في العاشر من محرم وردت بطرق خمسة، رواها شيخ الطائفة بطرق ثلاثة غير انّ السند الأوّل يختصّ ببيان ثواب الزيارة دون النصّ المعروف، والأخيرين طريقان لنفس النصّ، ويعلم ذلك بالإمعان في ما نقله الشيخ في هذا المضمار.

ورواها ابن قولويه بطريقين، فيكون الطرق إليها خمسة وإليك الأسانيد بنصها وتحليلها.

السند الأوّل إلى بيان ثواب زيارة الحسين ـ عليه السَّلام ـ

قال الشيخ الطوسي: روى محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن أبيه، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «من زار الحسين بن علي عليمها السَّلام في يوم عاشوراء من محرم الحرام حتّى يظلّ عنده باكياً القى اللّه عزّ وجلّ يوم يلقاه


(402)

بثواب ألفي حجة وألفي عمرة وألفي غزوة، ثواب كلّ غزوة وحجّة وعمرة كثواب من حجّ واعتمر وغزا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومع الأئمة الراشدين».

قال: قلت جعلت فداك فما لمن كان في بعيد البلاد وأقاصيه ولم يمكنه المصير إليه في ذلك اليوم؟

قال: «إذا كان كذلك برز إلى الصحراء أو صعد سطحاً مرتفعاً في داره وأومأ إليه بالسلام واجتهد في الدعاء على قاتله وصلّى من بعدُ ركعتين، وليكن ذلك في صدر النهار قبل أن تزول الشمس، ثمّ ليندب الحسين ـ عليه السَّلام ـ ويبكيه، ويأمر من في داره ممن لا يتّقيه بالبكاء عليه، ويقيم في داره المصيبة بإظهار الجزع عليه، وليعزَّ بعضهم بعضاً بمصابهم بالحسين ـ عليه السَّلام ـ ، وأنا الضامن لهم إذا فعلوا ذلك على اللّه تعالى جميع ذلك».

قلت: جعلت فداك أنت الضامن ذلك لهم والزعيم؟!

قال: «أنا الضامن وأنا الزعيم لمن فعل ذلك».

قلت: فكيف يُعزّي بعضنا بعضاً؟

قال:« تقولون: أعظم اللّه أُجورنا بمصابنا بالحسين ـ عليه السَّلام ـ وجعلنا وإيّاكم من الطالبين بثاره مع وليه الإمام المهدي من آل محمد ـ عليهم السَّلام ـ ، وإن استطعت أن لا تنتشر يومك في حاجة فافعل فانّه يوم نحس لا يُقضى فيه حاجة مؤمن، فإن قضيت لم يبارك له فيها ولم ير فيها رشداً، ولا يدَّخرن أحدكم لمنزله فيه شيئاً فمن ادّخر في ذلك اليوم شيئاً لم يبارك له فيما ادّخره ، ولم يبارك له في أهله ، فإذا فعلوا ذلك كتب اللّه تعالى لهم أجر ثواب ألف حجّة وألف عمرة وألف غزوة كلّها مع رسولاللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وكان له أجر وثواب مصيبة كلّ نبي ورسول ووصي وصدّيق وشهيد


(403)

مات أو قتل منذ خلق اللّه الدنيا إلى أن تقوم الساعة».(1)

إلى هنا تمّ سند الشيخ إلى بيان ثواب زيارة الحسين يوم عاشوراء دون أن يذكر فيه نصّ خاص للزيارة، بل اقتصرت الرواية في نيل الثواب على ما جاء في الرواية من البروز إلى الصحراء أو الصعود إلى السطح المرتفع والإيماء إليه بالسلام والاجتهاد في الدعاء على قاتله... إلى آخر ما جاء في نفس الرواية، وليس فيها أي أثر من الزيارة الخاصة التي نحن بصدد تقويم سندها.

وإليك دراسة سندها:

أقول:قد أخذ الشيخ الرواية من كتاب محمد بن إسماعيل بن بزيع، ونقل سنده إلى كتابه في الفهرست بالنحو التالي:

ابن أبي جيد، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع.(2)

وعلى هذا فالشيخ يروي ثواب زيارة الحسين ـ عليه السَّلام ـ في يوم عاشوراء عن المشايخ التالية:

1. ابن أبي جيد.

2. محمد بن الحسن بن الوليد.

3. علي بن إبراهيم.

4. محمد بن إسماعيل بن بزيع.

5. صالح بن عقبة.

6. عقبة بن قيس.

7. عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ .

وإليك دراسة أحوالهم:


1- مصباح المتهجد وسلاح المتعبد:713.
2- الفهرست:165 باب محمد: برقم 606; وذكره أيضاً ص 183 برقم 705.


(404)

1. ابن أبي جيد

علي بن أحمد بن محمد بن أبي جيد المكنّى بأبي الحسين، وهو من مشايخ النجاشي والشيخ، ومشايخ النجاشي كلّهم ثقات.

2. محمد بن الحسن بن الوليد

محمد بن الحسن بن الوليد(المتوفّى عام 343هـ) وهو من مشايخ الطائفة وأجلاّئها، غني عن الوصف والبيان ، ويصدر عنه الشيخ الصدوق في التعديل والتجريح.

3. علي بن إبراهيم القمي

علي بن إبراهيم وهو شيخ الكليني الذي كان حيّاً عام 307هـ، وهو من مشايخ الطائفة الذين لا يُشق غبارهم.

4. محمد بن إسماعيل بن بزيع

محمد بن إسماعيل بن بزيع من أصحاب أبي الحسن الأوّل والرضا والجواد ـ عليهم السَّلام ـ ، يقول الشيخ في رجاله: ثقة صحيح كوفي.(1) ويقول النجاشي: من صالحي هذه الطائفة وثقاتهم، كثير العمل.(2)

5. صالح بن عقبة

صالح بن عقبة بن قيس بن سمعان.

عرّفه النجاشي بقوله: صالح بن عقبة بن قيس بن سمعان بن أبي ربيحة.


1- رجال الشيخ:364 ، أصحاب الرضا ـ عليه السَّلام ـ ، برقم 6.
2- رجال النجاشي:2/214 برقم 894.


(405)

روى عن أبيه عن جدّه.

وروى عن زيد الشحام.

روى عنه محمد بن الحسين بن أبي الخطاب.

وابنه إسماعيل بن صالح بن عقبة.(1)

وليس المراد منه صالح بن عقبة بن خالد الأسدي، وذلك لأنّ محمد بن إسماعيل بن بزيع يروي عنه بواسطة محمد بن أيوب كما يظهر من طريق النجاشي إلى كتاب خالد الأسدي، حيث قال، بعد ذكر عدّة من المشايخ: ... عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن محمد بن أيّوب عن صالح بن عقبة بن خالد الأسدي.(2)

كما أنّ الشيخ اقتصر على ذكر شخص واحد، وقال : صالح بن عقبة له كتاب أخبرنا به ابن أبي جيد عن ابن الوليد عن الصفار محمد بن الحسين عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عنه.(3) ومراده هو: صالح بن عقبة بن قيس لا خالد الأسدي. فما احتمله المحقّق التستري ليس في محلّه.(4)

إذا ظهر ذلك فاعلم:

انّ الضابطة في كلّ ما يذكره النجاشي هو انّه إماميّ فلو كان غير إمامي لتعرض إلى مذهبه، كما أنّه لو كان قدح فيه لذكره.

وعلى ذلك بنى جمع من علمائنا الرجاليين كالسيد بحر العلوم الطباطبائي رحمه اللّه في الفائدة العاشرة من فوائده الرجالية.(5) فذهب إلى أنّ جميع من


1- رجال النجاشي:1/444، برقم 530.
2- رجال النجاشي:1/445، برقم 532.
3- الفهرست:110، برقم 364.
4- قاموس الرجال:5/465برقم 3633.
5- الفوائد الرجالية:4/114.


(406)

ذكره الطوسي والنجاشي في كتابيهما من الشيعة الإمامية صحيح المذهب، ممدوح بمدح عام يقتضيه الوضع لذكر المصنفين العلماءوالاعتناء بشأنهم وشأن كتبهم وذكر الطريق إليهم وذكر من روى عنهم و من رووا عنه إلاّ من نص فيه على خلاف ذلك من الرجال كالزيدية والفطحية والواقفية وغيرهم.

وعلى ضوء ذلك فهو إمامي ممدوح بمدح عام والذي جاء سبباً لذكره في الكتب.

هذا من جانب ومن جانب آخر يروي عنه شيخان عظيمان من مشايخ الشيعة الكبار هما:

1. محمد بن الحسين بن أبي الخطاب(المتوفّى عام 262هـ).

2. محمد بن إسماعيل بن بزيع من كبار مشايخ الشيعة.

نعم ضعّفه ابن الغضائري، كما نقله العلاّمة في خلاصته وقال:

غال، كذّاب لا يلتفت إليه.(1)

ولكن ذم الغضائري لا يعتد به، لأنّه قدح كثيراً من ثقاتنا وعلمائنا الذين لا يُشق غبارهم وقد كان له عقائد خاصّة في حقّ الأئمّة الاثني عشر فمن تجاوز عنها وصفه بالغلو، ومن روى رواية في ذلك الموضوع برواية لا توافق عقيدته وصفه بالكذب و لذلك رتب في كلامه على كونه غالياً، قوله: كذّاباً لا يلتفت إليه. وهذا دليل على أنّ وصفه بالكذب، لتوهم الغلوّ فيه.

كيف يمكن أن يوصف بالغلو والكذب من هو من مشايخ محمد بن الحسين بن أبي الخطاب أو محمد بن إسماعيل بن بزيع الذي ذكر عند الرضا ـ عليه السَّلام ـ فقال:«وددت انّ فيكم مثلَه» ومن اعتنى بذكره وذكر كتابه الشيخان النجاشي


1- الخلاصة، القسم الثاني: ص 23; رجال النجاشي، برقم 894.


(407)

والطوسي. فوثاقته قويّة وروايته معتبرة.

6. عقبة بن قيس بن سمعان

عنونه الشيخ في رجاله وعدّه من أصحاب الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ (1)، وكونه من أصحاب الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ يدلّ على أنّه إمامي ولم يظفر الشيخ بشيء من الذم فيه.

إلى هنا تمت دراسة السند الأوّل للشيخ إلى بيان ثواب زيارة الحسين في يوم عاشوراء.

والسند لا بأس به وهو من الحسن بمعنى الممدوح بالمدح العام لا الممدوح بالمدح الخاص.

***

السند الثاني إلى نصّ الزيارة لشيخ الطائفة

والمهم في المقام هو دراسة سند الشيخ إلى نصّ الزيارة ، قال قدَّس سرَّه :

صالح بن عقبة، وسيف بن عميرة، قال علقمة بن محمد الحضرمي، قلت لأبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ : علّمْني دعاء أدعو به ذلك اليوم إذ أنا زرته من قرب وأومأت من بعد البلاد، ومن داري بالسلام إليه.

قال: فقال لي يا علقمة: إذا أنت صليت الركعتين بعد أن تومئ إليه بالسلام فقل عند الإيماء إليه من بعد التكبير هذا القول، فانّك إذا قلت ذلك فقد دعوت بما يدعوا بن زوّاره من الملائكة، وكتب اللّه لك مائة ألف ألف درجة وكنت كمن استشهد مع الحسين ـ عليه السَّلام ـ حتى تشاركهم في درجاتهم ثمّ لا تعرف إلاّ مع الشهداء


1- رجال الشيخ:142 ، أصحاب الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ ، برقم 74.


(408)

الذين استشهدوا معه وكتب لك ثواب زيارة كلّ نبي وكلّ رسول وزيارة كلّ من زار الحسين ـ عليه السَّلام ـ منذ يوم قتل ـ عليه السَّلام ـ وعلى أهل بيته.

الزيارة:

السّلام عليك يا أبا عبد اللّه، السّلام عليك يابن رسول اللّه، السّلام عليك يابن أمير المؤمنين وابن سيد الوصيين، السّلام عليك يابن فاطمة سيدة نساء العالمين....

ثمّ قال ـ بعد السلام مرّة واللعن مرة ـ : ثمّ تسجد و تقول:

اللّهمّ لك الحمد، حمد الشاكرين، لك على مصابهم، الحمد للّه على عظيم رزّيتي، اللّهمّ ارزقني شفاعة الحسين ـ عليه السَّلام ـ يوم الورود، وثبت لي قدم صدق عندك مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين ـ عليه السَّلام ـ .