welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : رسائل ومقالات / ج 3*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

رسائل ومقالات / ج 3

رسائل ومقالات

تبحث في

مواضيع فلسفيّة وكلاميّة وفقهيّة
وفيها دعوة إلى التقريب بين المذاهب

الجزء الثالث

تأليف

آية الله جعفر السبحاني

نشر مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)

(3)

(4)

(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.

أمّا بعد، فهذا هو الجزء الثالث من كتابنا «رسائل ومقالات» نزّفه إلى القراء الكرام بحلة قشيبة عسى أن تنال رضاهم ويقع موقع قبولهم.

ثمّ الرسائل والمقالات تدور حول محاور ستة:

فالأوّل: يبحث في الأُصول والعقائد، واخترنا الموضوعات الّتي استأثرت باهتمام واسع من قبل السلفيّين والمحدِّثين.

والثاني: يتناول المسائل الفقهية الّتي يبتلي بها الناس في هذه الأعصار.

والثالث: يتطرق إلى الحديث والتاريخ واخترنا مسألتين مطروحتين على صعيد واسع، وهما:

1. دراسة الحوادث المريرة الّتي جرت على الزهراءعليها السلام عُقْب وفاة أبيها.

2. دراسة أسانيد زيارة عاشوراء الّتي ربما يتهاون بعض من لا خبرة له بتضعيفها.

والرابع: يركز فيه البحث على ما للحج من آثار اجتماعية وسياسية مضافاً إلى آثاره العبادية.

وركّزنا على ذلك لما نرى انّ تلك الشعيرة الإلهية تقام دون أن يترتب عليها ما


(6)

يتبناه الشارع في كتابه وسنته، ودون أن ينتفع بها المسلمون بالنحو المطلوب .

والخامس: يتضمن عدة تراجم.

أ. ترجمة فاطمة الزهراء عليها السلام ، الكوثر الفياض بوجه موجز.

ب. زين الدين العاملي المعروف الشهيد الثاني رائد النهضة العلمية في القرن العاشر.

ج. الفقيه المتكلم ميرزا يوسف القراجه داغي التبريزي.

وأمّا السادس: فيتمحور حول نقد الكتب الّتي طرأ عليها التحريف عبر التاريخ، أو اشتملت على آراء غير صحيحة وفي هذا البحث عبرة لأولى الأبصار .

وفي الختام نود أن نلفت نظر القارئ إلى انّ هذه المقالات لم تكتب في ظرف واحد، بل ألفت في ظروف مختلفة.

والحافز الّذي دعاني إلى كتابة هذه الموضوعات المتشتتة هو الذبّ عن حياض الإسلام واماطة اللثام عن وجه الحقيقة، ونرجو من الله سبحانه أن يوفقنا لمواصلة العمل في الأجزاء التالية، انّ بذلك قدير وبالاجابة جدير.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

20 جماى الأُولى من شهور عام 1423 هـ . ق


(7)

الفصل الأوّل

في العقائد

1. التحسين والتقبيح العقليّان

2. الإنسان بين الجبر والتفويض

3. نظرية الكسب عند الأشاعرة

4. الإرادة الإلهية: التكوينية والتشريعية

5. رؤية الله في الآخرة

6. أهل البيت، المرجع العلمي بعد رحيل الرسول صلى الله عليه و آله وسلم


(8)

(9)

1

التحسين والتقبيح العقليان

و

مكانتهما في العقيدة والشريعة

شغلت قاعدةُ التحسين والتقبيح العقليّين بالَ كثير من المفكّرين من أقدم العصور إلى يومنا هذا، إذ قلّما يتّفق أن يخوض باحث في العلوم الإنسانية دون أن يُشير إليها، لعلاقتها بعلم الكلام والأخلاق، والفقه وأُصوله.

مثلاً الباحث في علم الكلام عندما يصل بحثه إلى أفعاله سبحانه، يصف بعضه بالوجوب والحتمية، ويقول يجب عليه سبحانه بعث الرسل، لهداية الناس وإيصالهم إلى الغاية المتوخّاة من خلقتهم، كما يصف البعض الآخر بالامتناع وعدم الجواز كإعطاء المعجزة بيد المدّعي الكاذب، ويتّخذ الحسن والقبح أساساً لقضائه البات في المسألتين حيث يحسنُ الأوّل ويقبح الثاني.

وليس معنى ذلك، فرض التكليف على اللّه سبحانه؟! بأن يحكم العبد عليه تعالى بالإيجاب والامتناع كما ربما يتصوّره بعض المنكرين للحسن والقبح العقليين.(1)


1- شرح المقاصد:2/150طبعة استنبول; التبصير في الدين:153.


(10)

وذلك لأنّ هناك فرقاً بين فرض التكليف على اللّه، و بين كشف ما عنده من الحكم من خلال صفاته وكمال ذاته، فالقائل بالتحسين والتقبيح العقليين لا يفرض على اللّه تكليفاً إذ أين التراب ورب الأرباب، بل يستدلّ خلال ما عنده من الصفات على اللزوم والامتناع فيقول: إنّه سبحانه بما هو عادل، لا يجور على عباده، وبما انّه حكيم لا يعبث في فعله، إلى ذلك من الأحكام المستكشفة من خلال دراسة صفاته وسنوضحه ـ بإذن اللّه ـ في المستقبل.

هذا حال الباحث في علم الكلام وحاجته إلى تنقيح مسألة التحسين والتقبيح العقليين، ومثله الباحث في الأخلاق حينما يطرح القيم الأخلاقية على طاولة البحث فيعتمد على تلك القاعدة في تقييم الأفعال الإنسانية من حيث كونه فضيلة أو رذيلة.

وليست حاجة الفقيه إلى تلك القاعدة بأقلّ من حاجة الطائفتين، فانّ خلود الأحكام الفقهية عبْر الزمان وكون الشريعة الإسلامية، خاتمة الشرائع، رهن القول بالتحسين والتقبيح العقليين، فكلّ حكم شرعي يستمد ملاكه من تلك القاعدة فهو حكم مؤبّد بتأبيد ملاكه ـ الحسن والقبح ـ فلا يتغير ولا يتبدّل، فانّ الحسن ، حسن على كلّ حال، والقبيح قبيح كذلك، والحكم المستمَدَّ منه يكون كذلك فالاعتراف بالحسن والقبح العقليّين الأبديّين يُضفى على الأحكام الشرعية المستكشفة بهما، وصفَ الأبديّة.

وأمّا حاجة الأُصولي إلى القاعدة فواضحة جدّاً، حيث إنّ العقل أحد الأدلّة الأربعة التي يستنبط بها الأحكام و من أحكامه، الحكم بحسن الفعل وقبحه مثلاً إذا افترضنا انّ المكلّف شكّ في حكم موضوع بعد الفحص عن مظانّه في الكتاب والسنّة ولم يعثر فيهما على حكمه، فعند ذاك يستقل العقل بقبح عقاب المكلّف إذا


(11)

ارتكب مع احتمال الحرمة، أو ترك مع احتمال الوجوب استناداً إلى قبح العقاب بلا بيان.

وخلاصة القول: إنّ القاعدة إذا فُسِّرت بصورة صحيحة، تعدّ حجر الأساس لكثير من المسائل في العلوم الإنسانية كما عرفت نماذجها.

ولمّا كانت القاعدة أساساً لثبات القيم الأخلاقية، والقوانين الشرعية السماوية، المبنية على التحسين والتقبيح العقليّين، عاد بعض المفكّرين من الغربيّين الذين لا يروقهم ثبات القيم و دوامها، وبقاء الشريعة السماوية، يثيرون الشكوك حول القاعدة.

نعم سبقهم في إنكار القاعدة طائفة من المتكلّمين وهم الأشاعرة، لا لهذه الغاية، بل لاستنكارهم استطاعة العقل على إدراك حسن الفعل أو قبحه، وقالوا: إنّ المرجع في تمييز الحسن عن القبح هو الشرع، وبذلك افترق المسلمون إلى طائفتين:

1. من يقول بالتحسين والتقبيح العقليّين تمثّلهم الإمامية والمعتزلة.

2. من ينكر التحسين والتقبيح العقليّين ويقول بالشرعيّين منهما، و هم الأشاعرة وأهل الحديث، و سيوافيك انّ من أنكر استطاعة إدراك الحسن والقبح من الأفعال لا يتسنّى له، إثبات التحسين والتقبيح مطلقاً حتّى الشرعي منهما.

هذا هو دور القاعدة في العقيدة والشريعة، وهذا خلاف طائفة من المتكلّمين وجماعة من المفكّرين الغربيّين، لكن تبيين الموضوع ومناقشة الأقوال والآراء، والقضاء بين أدلة الطرفين والثمرات المترتبة على المسألة على وجه الإيجاز، يأتي في ضمن فصول:


(12)

1

ملاكات التحسين والتقبيح العقليّين

إنّ القول بأنّ العقل قادر على درك حسن الأفعال وقبحها، يُفسّر على وجوه، فلابدّ من ذكرها وتعيين ما هو محطّ البحث بين المثبتين والمنكرين.

1. التحسين والتقبيح الذاتيان

إذا كان الفعل الصادر عن الفاعل المختار ـ سواء أكان واجباً أم ممكناً ـ على نحو إذا نظر إليه العقل وتجرّد عن كلّ شيء، يحكم بحسنه ولزوم فعله أو بقبحه ولزوم تركه، فالعقل في قضائه هذا بالحسن أو القبح، لا ينظر إلاّ إلى نفس الموضوع، دون ما يترتّب عليه من المصالح والمفاسد العامّة، أو كونه موافقاً لغرض الفاعل أو الإنسان الحاكم أو غير ذلك من الأُمور الخارجة عن ذات الفعل، فهذا هو المسمّى بالتحسين والتقبيح العقليّين الذاتيّين.

مثاله، الإحسان و الظلم فيستقل العقل بحسن الأوّل وقبح الثاني، من دون نظر إلى مصالح الفعل أو مفاسده، أو كونه مؤمِّناً لغرض الفاعل أو الحاكم، فكأنّ الحسن والقبح داخلان في ذات الفعل وجوهره، لا ينفكان عنه، ففرض الفعل يلازم فرض أحد الحكمين.

وسيوافيك انّ هذا هو محطّ البحث بين المثبت والنافي.


(13)

2. التحسين والتقبيح في إطار المصالح والمفاسد

تؤكد هذه النظرية على القول بالتحسين والتقبيح العقليّين، لكن بالنظر إلى المصالح والمفاسد المترتبة على الفعل، ففي هذه النظرة لا يكون الفعل بما هوهو، موضوعاً للحسن والقبح كما عليه النظرية السابقة بل باعتبار كونه مبدأ للمصالح والمفاسد، وربّما يعبّر عن المصالح والمفاسد، بالأغراض والمقاصد.

والمراد منها، هي الأغراض النوعية لا الشخصية وإلاّ يلزم الهرج والمرج في وصف الأفعال، فإنّ الظلم يؤمِّن غرض الظالم، دون المظلوم فيوصف بالقبح عند الأوّل دون الثاني، بل المراد المصالح والأغراض العقلائية التي يدور عليها بقاء النظام و هذا كالعدل فانّه حسن إذ به قوام النظام، والظلم فانّه قبيح لأنّه هادم للنظام.

وسيوافيك انّ وصف الأفعال بالحسن والقبح باعتبار الآثار المترتّبة عليها وإن كان صحيحاً، لكنّه يصلح لوصف قسم من الأفعال بهما وهو أفعال الإنسان الذي يحمل فعْلُه المصلحةَ النوعية أو مفسدتها ولا يشمل فعل اللّه سبحانه فإن فعله يوصف بالحسن والقبح دون أن يكون هناك حديث المصلحة أو المفسدة كأخذ البريء بذنب المجرم، ونقض العهد والميثاق، وإساءة المحسن فانّه قبيح من دون أن يكون هنا أي فساد، فشمولية المسألة، لفعل المولى سبحانه وعبده يقتضي خروج هذا النوع من الحسن والقبح عن محط البحث.

وبما انّ الغاية الكبرى من الخوض في هذه المسألة، هو التعرف على أفعاله سبحانه وتمييز ما يجوز عليه عمّا لا يجوز، فلا محيص من القول بأنّ الملاك لوصف الفعل بالحسن والقبح في إطار عام حتّى يشتمل فعله سبحانه، هو الملاك الأوّل،


(14)

أي ما يكون الفعل بما هوهو، مجرّداً عن القيود التالية:

1. كون الفاعل واجباً أو ممكناً.

2. كون الفعل ممّا يترتّب عليه المصلحة أو لا.

3. كونه مؤمِّناً للغرض أو لا.

موضوعاً لحكم العقل بالحسن أو القبح.

3. موافقة العادات والتقاليد

إنّ لكلّ قوم عادات و تقاليد تخصّهم، فملاك الحسن والقبح موافقة الفعل للعادات والتقاليد ومخالفتها، وربّما يطلق عليه الحسن والقبح العرفيان، والتحسين والتقبيح بهذا المعنى وإن كان صحيحاً لكنّه لا يصلح لأن تكون ملاكاً للبحث عند المتكلّمين أو الأُصوليين، لانّهما بهذا المعنى يُصبحان أمرين نسبيين أوّلاً، لأنّ المعروف عند قوم ربما يكون منكراً عند قوم آخر; ولا يكون معياراً لمعرفة وصف أفعاله سبحانه ثانياً، لأنّها فوق العادات والتقاليد.

فخرجنا بالنتيجة التالية:

إنّ لوصف الأفعال بالحسن والقبح ملاكات ثلاثة فالذي يصلح لأن يكون ملاكاً للبحث في المقام، هو كون الفعل مجرّداً عن أي قيد وشرط، صالحاً لوصفه عند العقل بأحدهما، دون الملاكين الآخرين، كوصفه بهما باعتبار ما يترتّب عليه من المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار النوعية، أو باعتبار موافقته العادة السائدة على القوم أو مخالفتها، فإنّ هذين الملاكين تحدّد المسألة على وجه يخرج فعله سبحانه عن موردها.


(15)

2

تقسيم الحكمة إلى نظريّة وعمليّة

تنقسم الحكمة ، لدى الحكماء مند عهد مبكِّر إلى حكمة نظرية وحكمة عملية ، فلو تعلّق الإدراك بما من شأنه أن يُعلم، كانقسام الموجود إلى واجب وممكن، فهو حكمة نظريّة ولو تعلّق بما من شأنه أن يعمل كقولنا: العمل بالميثاق حسن ونقضه قبيح فهو حكمة عملية فالحكمتان: النظرية والعملية كلاهما من أقسام الإدراك وإنّما الاختلاف في المتعلَّق.

وهذا هو المعنى المعروف عند الفلاسفة والمتكلّمين وهو الظاهر من عبارة الفارابي حيث قال: النظرية هي التي بها يحوز الإنسان علم ما من شأنه أن يعلمه إنسان، والعملية هي التي يعرف ما من شأنه أن يعمله الإنسان بإرادته.(1)

والعقل المدرِك للحكمة الأُولى عقل نظري والمدرِك للثانية منهما عقل عمليّ وليس معناه انّ هنا عقلين مختلفين جوهراً بل عقل واحد يوصف تارة بالنظري وأُخرى بالعملي باعتبار اختلاف متعلقه.

وهنا مصطلح آخر للعقل العملي، يجعله في عداد القوى العاملة التي هي مبدأ محرّك لبدن الإنسان إلى الأفاعيل الجزئيّة(2)، أعرضنا عن ذكره تفصيلاً روماً للاختصار.


1- شرح منظومة السبزواري:310.
2- النجاة لابن سينا:164، ط مصر، و ص202 ط بيروت.


(16)

3

تقسيم القضايا إلى ضرورية وغير ضرورية

تنقسم الحكمة النظرية إلى ضرورية وغير ضروريّة فالأولى ما يحضر في النفس بلا نظر، والثانية، ما يحصل فيها بعد إعمال الفكر والنظر. وجه التقسيم انّه لو كانت القضايا بأجمعها ضروريّة لما احتاجت إلى التفكير ولم يكن هناك أية مشكلة فكرية، ولو كانت بأسرها غير ضرورية لتاه الإنسان في دوّامة من المشاكل الفكرية دون أن يجد حلولاً لها، لأنّ المفروض كون القضايا على نمط واحد، فلم يكن بد من أن تكون القضايا في الحكمة النظرية منقسمة إلى قسمين حتّى يستمد في حل غير الضروري، من الضروري.

فكما أنّ القضايا في الحكمة النظرية تنقسم إلى قسمين، فهكذا الحال في الحكمة العملية تنقسم إلى ضرورية وغير ضرورية بنفس الدليل السابق في الحكمة النظرية، فانّ القضايا التي يحكم العقل بحسنها أو قبحها، وبالتالي يمدح الفاعل ويذمُّه ويُلزم العمل على وفقه أو الاجتناب عنه لا تخلو من حالتين:

1. إمّا أن تكون قضايا واضحة يدركها العقل بلا توسيط مقدّمة، وهي القضايا الضرورية في الحكمة العملية.

وامّا أن لا يدركها إلاّ بإرجاعها إلى قضايا أُخرى حتّى تنتهي إلى أُم القضايا


(17)

العملية الضرورية لتكون مفتاحاً لحمل سائر القضايا.

فإذا كان امتناع اجتماع الضدّين أو ارتفاعهما أُمّ القضايا في الحكمة النظرية وبهما تثبت صحّة كلّ القضايا في العلوم، فحسن العدل وقبح الظلم أُمّ القضايا في الحكمة العملية، فلا يحكم بحسن شيء أو قبحه إلاّ إذا انطبق على الفعل أحد العنوانين.

وبذلك يظهر انّ تقسيم القضايا إلى ضروريّة وغير ضروريّة، لا ينحصر بالحكمة النظريّة، بل يعمّ القسمين، والدليل على التقسيم جار في كلا القسمين.


(18)

4

أدلّة القول بالتحسين والتقبيح العقليّين

أقام القائلون بالتحسين والتقبيح العقليّين أدلّة ساطعة على أنّ العقل يدرك حسن الأفعال وقبحها ولا يقتصر على مجرّد الإدراك، بل يبعث إلى الأوّل و يمدح فاعله، ويزجر عن الثاني ويذم فاعله، والرسالة الحاضرة لا تتحمل البسط بنقل عامة الدلائل ونكتفي من الكثير بالقليل.

الأوّل: بداهة العقل

كلّ إنسان يجد في نفسه حسن العدل و قبح الظلم، وإذا عَرَضَ الموضوعين على وجدانه، يجد في نفسه نزوعاً إلى العدل واستحساناً له ، وتنفراً عن الظلم وتقبيحاً له، وهكذا سائر الأفعال التي تعد من مشتقات العدل والظلم.

ولقائل أن يقول: إنّ الحكم بالتحسين والتقبيح ليس ناتجاً من صميم العقل وإنّما هو وليد التعاليم الدينية الراسخة التي يعتمد عليها المصلحون في دعوتهم فصار ذلك سبباً لرسوخ تلك الفكرة في أذهان الناس.

لكن وقفة قصيرة أمام هذا السؤال تبطل هذا الاحتمال، إذ لو كانت الفكرة ناتجة من دعوة المصلحين لاختصت الفكرة بهم وبمن وقع في إطار دعوتهم، ولكنّا نجد الفكرة أوسع من ذلك فقد غطَّت كافةَ الأُمم وطوائف البشر حتّى الّذين لا


(19)

يمتلكون ايماناً بالشرائع.

وإلى ما ذكر يشير العلاّمة الحلي في شرح تجريد الاعتقاد و يقول: إنّا نعلم بالضرورة حسن بعض الأشياء، وقبح بعضها من غير نظر إلى شرع، فإنّ كلّ عاقل يجزم بحسن الإحسان ويمدح عليه وبقبح الإساءة والظلم ويذم عليه، وهذا حكم ضروري لا يقبل الشك وليس مستفاداً من الشرع لحكم البراهمة والملاحدة به من غير اعتراف بالشرائع.(1)

الثاني: عدم ثبوتهما مطلقاً لو قلنا بالشرع فقط

إنّ نفاة القول بالتحسين والتقبيح العقليّين ذهبوا إلى أنّ التعرّف على حسن الأفعال وقبحها رهن بيان الشرع، فما حسّنه الشارع فهو حسن وما قبحه فهو قبيح، وليس للعقل سبيل إلى معرفة حسن الأفعال وقبحها، ولكنّهم غفلوا عن مضاعفات هذا القول، إذ لازمه عدم ثبوت الحسن والقبح مطلقاً حتّى الشرعي منهما .

بيان ذلك: أنّه لو قلنا بأنّه لا سبيل للعقل إلى معرفة حسن الفعل أو قبحه ولا يُعرفان إلاّ بتصريح الشرع بأنّ العدل حسن أو الظلم قبيح، لا يحصل الجزم بقوله، لتجويز الكذب عليه وبالتالي نحتمل أن يكون ما وصفه بالحسن، قبيحاً واقعاً، وما وصفه بالقبح، حسناً كذلك.

ولو افترضنا انّ الشارع أضاف إلى ما ذكره قوله: الصدق حسن والكذب قبيح، لا ينفعنا في الجزم بما حكم على العدل والظلم، من تحسين الأوّل وتقبيح الثاني لتجويز الكذب عليه في كلّ ما يخبر حتى قوله: «الصدق حسن» «والكذب قبيح» ، فلا يدفع هذا الاحتمال إلاّ بثبوت حسن الصدق وقبح الكذب قبل كلّ


1- كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد:59 المطبوع مع تعاليقنا عليه.


(20)

شيء بفضل العقل فما لم يثبت هذا الأصل بدليل العقل وحكمه لما حصل اليقين بصدق الأحكام الصادرة عن الشارع .

وحصيلة الكلام: أنّه ما لم يثبت حسن الصدق و قبح الكذب عن طريق العقل لا يثبت حسن أيِّ فعل أو قبحه بحكم الشرع، لأنّه من المحتمل أن يأمر بما هو المنكر عنده أو ينهى عمّا هو المعروف عنده ولو أخبر عن طريق أنبيائه وسفرائه انّه إنّما يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الفحشاء والمنكر، فلا يحصل اليقين بصدق كلامه وأخباره، لمكان احتمال الكذب في كلامه هذا، ولا يُنفى هذا الاحتمال إلاّ إذا ثبت عن غير طريق الشرع حسن الأوّل وقبح الثاني وانّه سبحانه فاعل مختار حكيم، مثله لا يكذب، ولا يعبث بكلامه.

ولو تدبّر نفاة القول بالتحسين والتقبيح العقليّين في هذا الدليل لرجعوا عن إنكارهم إلى الصراط المستقيم .

الثالث: إنكارهما يلازم امتناع إثبات الشرائع السماوية

من ادّعى السفارة من اللّه سبحانه وكونه نبيّاً مبعوثاً عنه، لا يمكن لنا تصديقه إلاّ في ظل القول بالحسن والقبح العقليّين، لأنّ الدليل الوحيد أو المؤثر على عامة الطبقات، كونه مبعوثاً بالمعاجز والبيّنات، فيستدلُّ بها على أنّه كان مبعوثاً من اللّه سبحانه لهداية الناس، هذا من جانب.

ومن جانب آخر انّ المعاجز لا تفيد اليقين بأنّه مبعوث من اللّه سبحانه إلاّ إذا ثبت أصل في باب النبوة وهو:

انّه سبحانه لا يزوِّد الكاذب بقدرة خارقة ليضلّ الناس عن طريقه لأنّه أمر قبيح عقلاً لا يصدر منه سبحانه، فلو لم يثبت هذا الأصل بحكم العقل لا يمكن الإذعان بصدق دعواه لاحتمال انّ المزوَّد بالمعاجز، مدّع كاذب، إذ لم يثبت بعدُ


(21)

قبح تسلط الكاذب على المعاجز و البيّنات.

ولو صدع الشارع بأنّه لا يسلط الكاذب على القوة الخارقة، لا يمكن الإيمان بصدق قوله، لعدم ثبوت قبح الكذب على الشارع كما مرّ في الدليل الأوّل.

يقول العلاّمة الحلّي حول هذا الدليل: لو كان الحسن والقبح سمعيّاً لا عقلياً، لما قبح من اللّه شيء، و لو كان كذلك لما قبح منه تعالى إظهار المعجزات على يد الكاذبين، وتجويز ذلك يسدّ باب معرفة النبوة إذ إظهار المعجزة بعد ادّعاء النبوة لا يكون دليلاً لصدق ادّعائه إذا كان باب احتمال إظهار المعجزة على يد الكاذب مفتوحاً.(1)

الحسن والقبح العقليّان في الذكر الحكيم

من سبر القرآن الكريم وأمعن في دعوته إلى الصلاح والفلاح يقف على أنّ القرآن يتّخذ وجدان الإنسان قاضياً ليحكم في قضايا كثيرة بشيء يرجع إلى الحسن والقبح، فالآيات التي نتلوها عليك تُسلّم انّ الإنسان الحرّ المجرّد عن سائر النزعات، قادر على درك حسن الفعل أو قبحه، ولذلك يترك القضاء فيها إليه ويقول:

1.(أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقينَ كَالْفُجّار).(2)

2. (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمين) .(3)

3. (هَلْ جَزاءُ الإِحْسانِ إِلاّ الإِحْسان) .(4)

ففي هذه الطائفة من الآيات يوكِّل الذكر الحكيم القضاءَ إلى وجدان


1- نهج الحقّ وكشف الصدق، 84 بتصرف.
2- ص:28.
3- القلم: 35.
4- الرحمن:60.


(22)

الإنسان، وانّه هل يصحّ التسوية بين المفسدين والمتّقين، والمسلمين والمجرمين، كما يتّخذ من الوجدان قاضياً، في قوله: (هَلْ جَزاءُ الإِحْسان إِلاّ الإِحْسان) .

وهناك آيات أُخرى تأمر بالمعروف كالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وتنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي على نحو تسلِّم انّ المخاطب بها، يعرفها معرفة ذاتية ولا يحتاج إلى الشرع ليعرِّفه الموضوع، وكأنّ الشرع يؤكد ما يجده الإنسان بفطرته، يقول سبحانه:

1.(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي القُربى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَر وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون) .(1)

2. (قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنْ) .(2)

3. (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَر ) .(3)

وكيفية دلالة هذه الآيات على قابلية العقل على درك الحسن والقبح عُلِمَتْ ممّا سبق.

وثمة آية أُخرى تندِّد بعمل المشركين حينما ينسبون بعض أعمالهم المنكرة إلى أمره سبحانه، وهو يردُّ عليهم بأنّ عملهم فحشاء واللّه لا يأمر به، والآية صريحة في انّ الإنسان بفضل الوجدان يعرف الفحشاء عن غيرها بلا حاجة إلى تعريف الشارع، كما هي صريحة في انّ اللّه سبحانه منزّه عن ارتكاب القبائح والمنكرات التي يعرفها الانسان بوجدانه، ويقول:

(وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاء).(4)

إلى هنا تمت أدلة القائلين بالتحسين والتقبيح العقليّين.


1- النحل:90.
2- الأعراف:33.
3- الأعراف:157.
4- الأعراف:28.


(23)

5

أدلّة المنكرين للتحسين والتقبيح العقليّين

ذهبت الأشاعرة تبعاً لأهل الحديث إلى أنّ الفعل عاجز عن إدراك حسن الأفعال وقبحها و وإنكارهم هذا أشبه بإنكار السوفسطائيين في إنكار الحقائق الخارجية، حتّى وجودهم وأنفسهم لأجل شبهات واهية، وذلك لأنّه لا يوجد على أديم الأرض إنسان ينكر جداً حسن الإحسان وقبح الظلم، حسن العمل بالميثاق وقبح نقضه، حسن جزاء الإحسان بالإحسان وقبح جزائه بالسوء، إلى غير ذلك من القضايا الواضحة التي تعد أُسساً للحياة الفردية والاجتماعية.

وهؤلاء المنكرون وإن رفعوا راية الإنكار ولكنّهم تراجعوا عنها باختراع معاني متعددة للحسن والقبح فسلّموا حكم العقل بالتحسين والتقبيح في بعضها دون البعض الآخر وليس التعرّف عليها بمهم.

وإنّما المهم في المقام دراسة أدلّتهم على الإنكار، وإليك البيان:

الأوّل: لو كانا بديهيين لما اختلف فيه اثنان

لو كان العلم بحسن بعض الأفعال وقبحها ضرورياً لما وقع التفاوت بينه و بين العلم بزيادة الكل على الجزء، و الثاني باطل بالوجدان، لوقوع الاختلاف بين العلمين، فانّ العلم بزيادة الكلّ على الجزء أوضح و أبين من التحسين والتقبيح.


(24)

على هامش الاستدلال

الاستدلال كأنّه مبني على ردّ الدليل الأوّل للمثبتين حيث قالوا: إنّ حسن الأفعال وقبحها من الأُمور البديهية، فردّ عليه النفاة بأنّه لو كان بديهياً، لما تفاوت العلمان: العلم بزيادة الكلّ على الجزء وحسن العدل وقبح الظلم، والعلوم الضرورية لا تتفاوت .

والاستدلال مبني على أصل غير أصيل وهو عدم وجود التفاوت في العلوم الضرورية، وذلك لأنّ القضايا اليقينية التي تتمتع بالبداهة على أقسام ستة وكلّها قضايا ضرورية مع وجود التفاوت بينهما.

1. الأوّليات: الكلّ أعظم من الجزء.

2. المشاهدات: وهي إمّا مشاهدة ظاهرية كقولنا: الشمس مشرقة، أو باطنية، كقولنا انّ لنا جوعاً وعطشاً.

3. التجربيات: انبساط الفلز في الحرارة.

4. الحدسيات: نور القمر مستفاد من الشمس.

5. المتواترات: مكّة المكرمة موجودة.

6. الفطريات: الأربعة زوج.

فأين قولنا: «الكلّ أعظم من الجزء» الذي يعد من الأوّليات في البداهة من قولنا: «نور القمر مستفاد من الشمس» الذي هو من الحدسيات، فوجود التفاوت بين هذه العلوم واضح جدّاً.

وأمّا سبب التفاوت فيرجع غالباً إلى وجود الاختلاف بين تصوّر مفرداتها. مثلاً قوله:«كلّ ممكن يحتاج إلى علّة»، حكم بديهي كما أنّ قولنا:«الكلّ أعظم من


(25)

الجزء» أيضاً بديهي، وسبب الاختلاف يرجع إلى أظهريّة مفردات الثاني من مفردات الأوّل، فأين الإمكان والحاجة والعلة في الظهور من «الكل» و«الجزء» و«العِظَم»، فاختلاف المفردات من حيث الظهور و الخفاء، يورث ظهوراً وخفاءً في المركب أيضاً.

الثاني: الكذب النافع ليس بقبيح

«لو كان الكذب قبيحاً، لكان الكذب المفضي إلى تخليص النبي من يد الظالم قبيحاً أيضاً، والتالي باطل لأنّه يحسن تخليص النبي من يد الظالم ، فالمقدّم مثله، فيصبح الكذب النافع غير قبيح، فلو كان قبح الكذب ذاتيّاً، لما تغيّر قبحه، بل يبقى عليه وإن ما بلغ.

على هامش الاستدلال

إنّ في المقام أمرين قبيحين:

1. الكذب والإغراء بالجهل.

2. ترك نصرة النبي وتعريضه للهلاك.

وقد دار الأمر بين ارتكاب أحد القبيحين.

1. أن يكذب و فيه نجاة النبي.

2.أن يترك نصرة النبي ويعرّضه للهلاك وفيه ترك الكذب القبيح.

والعقل عندئذ يحكم بتقديم أخف القبيحين على الآخر، تخلصاً عن ارتكاب الأقبح. فالكذب باق على قبحه، لكنّه يقدّم ارتكابه على الأقبح ويكون معذوراً في ارتكابه.

ويمكن أن يقال: إنّ إنقاذ النبي لا يتوقّف على الكذب مطلقاً إذا كان باب التعريض والتورية مفتوحاً، و لهذا قيل:«إنّ في التعاريض لمندوحة».


(26)

الثالث: التحسين والتقبيح فرض تكليف على اللّه

هذا الدليل هو أكثر تداولاً على ألسنة السُذَّج من الناس الذين يغترون بأدلّة المنكرين للتحسين والتقبيح العقليّين قالوا بأنّ القائلين بهما يوجبون على اللّه ما يوجبون على العبد، ويحرِّمون عليه من جنس ما يحرمون على العبد، ويسمّون ذلك العدل، و الحكمة مع قصور عقلهم عن معرفة حكمتهم.(1)

على هامش الاستدلال

إنّ المستدل خلط بين فرض التكليف على اللّه، وكشف ما عنده من الحُكْم من خلال صفاته وكماله، فالقائل بالملازمة لا يفرض التكليف على اللّه، ويقول: أين التراب ورب الأرباب، بل يستكشف ما عنده من الأحكام من خلال دراسة صفاته الكمالية، فهو بما انّه عادل، لا يجور، وحكيم لا يعبث، وعالم لا يجهل، نستكشف بها الأحكام اللائقة به حسب صفاته فالتكاليف يستنبطها العقل من قبيل التكاليف التي فرضتها على اللّه حكمته وعدله وعلمه. فلو قلنا لا يجوز على اللّه سبحانه تعذيب البريء أو أخذه بذنب المجرم، لا نعني انّا نفرض هذا التكليف عليه، وانّه يجب أن يقوم به، وإنّما نريد أنّ لازم صفاته الكمالية هو أن لا يفعل ذلك.

وهذا نظير ما يقوم به العلماء من كشف أسرار الطبيعة وقوانينها، فلو قال القائل: بأنّ زوايا المثلث تساوي قائمتين، فهذا لا يعني إلاّ أنّه في الواقع كذلك، لا انّه يجب أن يكون كذلك لأجل حكمه به.


1- التبصير في الدين:153; شرح المقاصد:2/150طبعة اسطنبول.


(27)

فإذا كان النظام السائد على الكون نظاماً مبنياً على العلم والعدل والحكمة فلازم ذلك أن لا يؤخذ البريء بذنب المجرم، فكشف هذا الحكم نظير كشف القوانين السائدة على الكون في العلوم الطبيعية والرياضية والفلكية.

وفي كلام بعض الأشاعرة إلماع لما ذكرنا، يقول النسفي (المتوفّى537هـ): وفي إرسال الرسل، حكمة.

ويقول التفتازاني (المتوفّى791هـ) في شرحه على ذلك الموضع من كلام النسفي: أي مصلحة وعاقبة حميدة. وفي هذا إشارة إلى أنّ الإرسال واجب لا بمعنى الوجوب على اللّه تعالى، بل بمعنى أنّ قضية الحكمة تقتضيه لما فيه من الحِكَم والمصالح وليس بممتنع.(1)

وكلامه هذا نفس ما ذكرناه، وهذا دليل على أنّ الأشاعرة قد أظهروا نوعاً من المرونة للعدلية عبْـر الزمان.

الدوافع من وراء إنكار التحسين والتقبيح العقليّين

إنّ التحسين والتقبيح العقليّين من المسائل الواضحة لدى العقل والعقلاء والتي لا تحتاج إلى مزيد بيان، ومن أنكرهما فإنّما ينكرهما بلسانه دون قلبه، وعلى الرغم من ذلك نرى وجود فئة كبيرة من المتكلّمين ـ كالأشاعرة ـ غلب عليهم إنكار هذا الأصل، فما هو الدافع الذي جرّهم إلى إنكاره؟

أقول: إنّ الدافع من وراء إنكار الحسن والقبح في أفعاله سبحانه غير الدافع الذي جرّهم إلى إنكارهما في أفعال الإنسان.


1- شرح العقائد النسفية:164.


(28)

فالدافع في الأوّل هو زعمهم المنافاة بين القول بهما و بين وصفه سبحانه بالمالك المطلق والسلطان بلا منازع الذي له أن يتصرف في ملكه كيف ما شاء حتى لو جازى الإحسان بالسوء.

كما أنّ الدافع في الثاني(إنكارهما في أفعال الإنسان) هو قولهم بالجبر في أفعاله وانّ الإنسان مضطر في فعله لا محيص له عن ارتكابه، ومع ذلك كيف يمكن أن يوصف فعله بالحسن و القبح؟!

يقول المحقّق الخراساني (المتوفّى1329هـ) في هذا الصدد:

وإنّما أنكر الأشاعرة الحسن والقبح العقليّين مطلقاً، أو في أفعاله تعالى فلبنائهم انّه تعالى كلّما فعل، صدر منه في محله، لأنّه مالك الخلق كلّه، فلو أثاب العاصي وعاقب المطيع لم يأت بقبيح، لأنّه تصرّف في ملكه، وهو لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون.

وأمّا في أفعال العباد، فلبنائهم على عدم صدور الأفعال منهم بالاختيار، بل بالجبر والاضطرار، ولا شيء من أفعال المجبور بحسن ولا قبيح.(1)

الرابع: جواز التكليف بما لا يطاق

اعتمد الفخر الرازي في إنكاره للحسن والقبح العقليّين على أنّ التكليف بما لا يطاق قبيح عقلاً عند العدلية، مع أنّ الشرع أمر به، وإليك نصّه:

1. لو كان قبيحاً لما فعله اللّه تعالى، وقد فعله بدليل أنّه كلّف الكافر بالإيمان، مع علمه بأنّه لا يؤمن، وعلمه بأنّه متى كان كذلك كان الإيمان منه محالاً.


1- درر الفوائد في شرح الفرائد:339.


(29)

2. لأنّه كلّف أبا لهب بالإيمان، ومن الإيمان تصديق اللّه تعالى في كلّ ما أخبر عنه، وممّا أخبر عنه أنّه لا يؤمن، فقد كلّفه بأن يؤمن بأنّه لا يؤمن، وهو تكليف الجمع بين الضدين.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الرازي تصور انّه قد وقف على دليل حاسم في المقام، فاستدلّ بما ذكرته المجبرة قبله بقرون وأجابت عنه العدلية بوجوه، وقال الرازي في بعض كلماته: لو اجتمعت جملة العقلاء لم يقدروا على أن يوردوا على هذا الوجه حرفاً إلاّ بالتزام مذهب هشام وهو انّه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها.(2)

أقول: إنّ ما نسبه إلى هشام بن الحكم فرية عليه كما أوضحناه في محله(3) ، وإليك الإجابة عن الدليلين الأوّلين، أمّا الدليل الأوّل فلأنّ علمه الأزلي لم يتعلّق بصدور كلّ فعل من فاعله على وجه الإطلاق، بل تعلّق علمه بصدور كل فعل عن فاعله حسب الخصوصيات المتوفرة فيه.

وعلى ضوء ذلك فقد تعلّق علمه الأزلي بصدور الحرارة من النار على وجه الجبر، بلا شعور، كما تعلّق علمه الأزلي بصدور الرعشة من المرتعش، عالماً بلا اختيار، ولكن تعلّق علمه سبحانه بصدور فعل الإنسان عن اختيار منه، فتعلّق علمه بوجود الإنسان وصدور فعله منه اختياراً، يؤكِّد الاختيـار ويدفع الجبر عن ساحة الإنسان.

وإن شئت قلت: إنّ العلّة إذا كانت عالمة شاعرة، ومريدة ومختارة كالإنسان، فقد تعلّق علمه بصدور أفعالها منها بتلك الخصوصيات وانصباغ


1- المحصل: 153، ط دارالفكر; نقد المحصل: 339، ط طهران.
2- شرح المواقف: 8/155.
3- لب الأثر في الجبر والقدر:150


(30)

فعلها بصبغة الاختيار والحرية، فلو صدر فعل الإنسان منه بهذه الكيفية لكان علمه مطابقاً للواقع غير متخلّف عنه، وأمّا لو صدر فعله منه عن جبر واضطرار بلا علم وشعور، أو بلا اختيار وإرادة، فعند ذلك يتخلّف علمه عن الواقع.

وأمّا الجواب على الدليل الثاني فحاصله: انّ أبا لهب مكلّف بالإيمان لكونه أمراً اختيارياً له، وأمّا الإخبار بعدم إيمانه فقد نزل به الوحي بعدما ختم اللّه على قلبه، وعندئذ فليس مكلّفاً بما جاء في القرآن من أنّه لا يؤمن بل هو من اخبارات القرآن كسائر أخباره.

إلى هنا تمّ بيان أدلّة المثبتين والمنكرين، وأظن انّ الحقّ تجلّى بأجلى مظاهره، وهو أحقّ أن يتبع، و ما جاء به المنكرون تسويلات سحروا أعين المغترين بها واسترهبوهم ولكن نور الحقيقة لا يفتأ متبلحا.

بقي الكلام في الآثار والثمرات المترتبة على القاعدة وهو موضوعنا في الفصل الآتي .

Website Security Test