welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل ومقالات / ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

رسائل ومقالات / ج 2

رسائل ومقالات
تبحث في

مواضيع فلسفيّة وكلاميّة وفقهيّة
وفيها دعوة إلى التقريب بين المذاهب

الجزء الثاني

تأليف

آية الله جعفر السبحاني

نشر مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)

(3)

(4)

(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الّذي لا يبلغ مدحته الحامدون، ولا يحصي نعماءه العادون، ولا يقدر على إدراكه المجتهدون، الباقي بعد فناء كلّ شيء، نشكره على توالي نعمه وسوابغ أفضاله.

ونصلّي ونسلّم على أشرف النفوس الزكية، وأفضل الذوات القدسيّة، سيد البرية محمد المصطفى، وعترته المرضية، صلاة دائمة مادامت السماوات ذات أبراج، والأرض ذات فجاج.

أمّا بعد: فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا «رسائل ومقالات» جادت به القريحة في مناسبات مختلفة، تناول موضوعات: فلسفية، كلامية، فقهية، حديثية، ورجالية، إلى غير ذلك.

والعنوان الجامع لأكثر هذه الرسائل والمقالات هو الذبُّ عن حياض الإسلام، والإفصاح عن عقائد الشيعة الّتي طالما حيكت حولها نسيج من الخيال والأوهام، والدعوة إلى التقريب بين المسلمين، وعقد مؤتمرات حول التوحيد والشرك، والإيمان والكفر، وتقييم بعض الكتب المنشورة.

وقد سلكنا في هذا الكتاب النهج الموضوعي الّذي يعتمد على الحوار بلغة


(6)

هادئة، وعلى هذا الأساس بعثنا برسائل إلى بعض قادة السلطة والفكر، تتضمن الدعوة إلى عقد مؤتمرات لحلِّ المشاكل العالقة بالمجتمع الإسلامي ; فإنّ فيه تقريبَ الخطى، وتلبية لما جاء به الكتاب والسنّة النبوية من الاعتصام بحبل الله المستحكم، ومسايرة لروح العصر الّذي هو عصر المنطق والحوار والمذاكرة، والانفتاح على أفكار الآخرين.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ صلّى الله على وآله وسلم ـ

29 رجب المرجب من شهور عام 1421 هـ


(7)

المقالات


(8)

(9)

1

الاجتهاد و تحديات العصر

تزامن القرن العشرون بقيام نهضة علميّة وصناعية كبيرة في الغرب، أعقبها ظهور العديد من المستجدّات التي كانت تطلب لنفسها حلولاً ولم يكن في الفقه الإسلامي أيُّ حل لها لحداثتها، فصار ذلك سبباً لسريان وهم في أذهان كثير ممّن أبهرتهم الحضارة الغربية، وهو عدم قدرة التشريع الإسلامي على مواكبة عصره وتخلفه عن ركب الحضارة، وقد كرس هذه الشبهة المستشرقون في البلاد الإسلامية بذريعة انّ النصوص الشرعية في الأحكام من القلة بمكان لا تفي بوضع حلول للمستجدات الطارئة على المجتمع.

وكان في الشرق آذان صاغية لسماع هذه الشبهة، فتجاوبوا مع هؤلاء المستشرقين متشبّثين بأنّ الحضارة الغربية أفرزت حقوقاً وعقوداً في مجالات مختلفة وموضوعات جديدة، لم يكن لها أي حلول في الفقه الإسلامي، كلّ ذلك صار سبباً لتوهم وجود النقص في التشريع الإسلامي و عجزه عن إدارة المجتمع بقوانينه وطقوسه، فلا محيص للمسلمين من التطفّل على موائد الغربيّين في هذه المجالات مثلاً:

1. التأمين بكافة أقسامه أمر جديد لا يوجد له أيّ حكم منصوص في التشريع الإسلامي.


(10)

2. حقّ التأليف، وحق ثبت الاختراع، وحق الطبع، وحق الانتشار، هذه الحقوق لم يكن لها حكم في التشريع الإسلامي.

3. التلقيح الصناعي و زرع الأعضاء وبيعها والاستنساخ البشري والتشريح وتغيير الجنسية وغيرها من الموضوعات الجديدة في عالم الطب.

4. الشركات التجارية كشركة التضامن وشركة التوصية وشركة المحاصةوشركة المساهمة وغيرها من الشركات.

5. البنوك التي لا محيص عنها في المجتمع المدني اليوم.

إلى غير ذلك من الموضوعات التي واجهت علماء الإسلام منذ مطلع القرن العشرين و كانت سبباً لإثارة شبهة النقص في التشريع الإسلامي.

وهذه الشبهة بالتقرير الذي عرفت تخالف مبادئ الإسلام من زاويتين:

الأُولى: مخالفتها لكمال الدين الذي جاء صريحاً في قوله سبحانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً)(1). فكيف أكمل دينه مع أنّ التشريع لا يفي بإدارة مجتمع متحضّر ومتطوّر.

الثانية: مخالفتها لخاتمية الشريعة الإسلامية، فالنبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم خاتم الأنبياء، وكتابه خاتمة الكتب، وشريعته خاتمة الشرائع، فكيف يمكن أن تكون شريعة خاتمة والمسلمون بعد متطفّلون على موائد الغربيّين لا سيما في حقل الحقوق و العقود والأحكام؟

هذه هي الشبهة التي احتلّت مساحة شاسعة من اهتمام العلماء والمثقفين، والإجابة عليها رهن بيان أُمور:


1-المائدة: 3 .


(11)

الأوّل: دراسة ما روي عن النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم دون تحيّز

إنّ الحديث النبوي عدل القرآن في الحجّية فيجب التعبد به وتطبيق العمل عليه من دون تحيّز لأحاديث طائفة دون أُخرى، فانّ في اقتصار كلّ طائفة بما لديهم مع غض النظر عن الطائفة الأُخرى من الأحاديث المروية عن الصادع بالحق، يورث رسوخ هذه الشبهة ، إذ لا شكّ انّ إخواننا أهل السنة كرّسوا جهودهم في جمع الأحاديث النبوية في صحاحهم وسننهم فيما يرجع إلى التشريع، كما أنّ شيعة أهل البيت بذلوا قصارى جهودهم في جمع ما روي عن النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عن طريق أئمّة أهل البيت، فجمعوا كمية هائلة ممّا أثر عنه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في تلك المجالات، فلو كان هناك مساهمة فقهية جامعة ووقف كلّ طائفة على ما عند الطائفة الأُخرى من الأحاديث المتضمنة للتشريع لتضاءلت الشبهة بشكل واضح.

مثلاً قد جمع ابن حجر العسقلاني(المتوفّى 852هـ) ما روي عنهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في مجال التشريع في كتاب أسماه «بلوغ المرام في شريعة خير الأنام» فبلغ ما بلغ، كما أنّ محدّثي الشيعة جمعوا ما روي عن النبي عن طريق أئمّة أهل البيت في جوامع مختلفة كـ«الوافي» للفيض الكاشاني (المتوفّى 1091هـ) و«وسائل الشيعة» للحرّ العاملي (المتوفّى 1104هـ)، فلو تضافرت الجهود في جمع كلّ ما روي عنه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لظهر انّ للشريعة الإسلامية مادة حيوية قادرة على الإجابة على كافة المستجدات بأوضح الوجوه وأحسن الطرق.

و قد صرح أئمّة أهل البيت كأبي جعفر الباقر _ عليه السلام _ بذلك و قال: «انّ اللّه تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأُمّة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله وجعل شيء حدّاً، وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ


(12)

حداً».(1)

وعنه أيضاً انّه قال: «ما من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة».(2)

وعن سماعة، عن الإمام أبي الحسن موسى _ عليه السلام _ قال: قلت له: أكل شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه، أو تقولون فيه؟ قال: «بل كلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه».(3)

إنّ الأُمّة وإن اختلفت في أمر الخلافة، وانّها هل هي تنصيصية أو انتخابية، لكنّها ـ من حسن الحظ ـ لم تختلف في مرجعية أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ في العلم والفقاهة أخذاً بالحديث المتواتر عن النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم:«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي، فما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا أبداً».

ولأجل ذلك يجب الأخذ بما روي عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ من مجالات كثيرة من الأحكام والحقوق حتى يستطيع المستنبط الإجابة على المستجدات وغيرها.

الثاني: الاجتهاد ومواكبة التشريع للزمان

إنّ الاجتهاد الذي هو عبارة عن استنباط الحكم الشرعي الفرعي عن أدلّته، موهبة إلهية لهذه الأُمّة وسبب لخلود التشريع الإسلامي واقتداره للإجابة على كافة المسائل.

فهو يساير سنن الحياة وتطورها، ويجعل النصوص الشرعية حيّة متحركة نامية متطورة، تتمشى مع نواميس الزمان والمكان، فلا يُحمد الجمود الذي يباعد بين الدين والدنيا، أو بين العقيدة والحياة الذي نشاهده في إقفال الاجتهاد.


1-راجع الكافي: 1 / 59 ـ 62، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة، الحديث 2 و 4 و 10 .
2-راجع الكافي: 1 / 59 ـ 62، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة، الحديث 2 و 4 و 10 .
3-راجع الكافي: 1 / 59 ـ 62، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة، الحديث 2 و 4 و 10 .


(13)

إنّ تجويز الاجتهاد في ظل الأُصول العامة الواردة في الشريعة، أغنى صاحبها عن ذكر التفاصيل والجزئيات، ولو قام بذكرها لأعرض الناس عن هذه الدعوة لتعقّدها و لأنّها تضمنت أحكاماً عن جزئيات ومخترعات لا تقع تحت حسّهم ويصعب عليهم تصورها لأنّها لم تعرف في زمانهم، وكان اللازم عليه حينئذ بيان قوانين وقواعد عامة يقتدر معها المستنبط على استنباط الأحكام.

الثالث: جوامع التشريع في السنّة

اشتملت السنّة النبوية على جوامع التشريع فصارت مبدأ فياضاً لكثير من الأحكام، ومادةً حيويةً للإجابة على المستجدات الطارئة، وإليك نزراً يسيراً من هذه الجوامع.

1. كلّ قرض جرّ منفعة فهو ربا.

2. على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي.

3. ليس لعرق ظالم حقّ.

4. من أحيا أرضاً ميتة فهي له.

5. لا ضرر ولا ضرار.

6. انّ اللّه وضع عن أُمّتي الخطأ والنسيان ومااستكرهوا عليه.

7. رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل.

8. المؤمنون عند شروطهم إلاّ شرطاً حرّم حلالاً، أو أحلّ حراماً.

9. البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر.


(14)

10. الصلح جائز بين المسلمين إلاّ ما حرّم حلالاً، أو حلّل حراماًً.

فإذا أُضيفت إلى هذه الأُمور الثلاثة ما ورد في الكتاب العزيز من الأحكام والحقوق يستطيع المستنبط الإجابة على كلّ ما أُلقي إليه من الأسئلة في مختلف الأزمنة.

التاريخ المرير أو إقفال باب الاجتهاد

لا شكّ انّ إقفال باب الاجتهاد كان خسارة كبيرة وسبباً لركود الحركة الفقهية وجمود العلماء و إضعاف روح الاستقلال الفكري، وطغيان فكرة التقليد حتى ساد في أذهان الناس انّ بلوغ درجة الاجتهاد أصبح متعذراً ومستحيلاً، وأنّ أقدارهم ومواهبهم لا تصل إلى ما وصل إليه أئمّة المذاهب الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، والتزم كلّ إنسان مذهباً معيناً، إمّا بدافع امتناعي ذاتي، أو لظروف معيشية أو مراعاة لأوضاع سياسية معينة.(1)

ويعزو الاستاذ أحمد أمين اقفال باب الاجتهاد إلى حالة نفسية سادت الأُمّة إبّان غزو المغول، و يقول: لم يكن مجردَ إغلاق باب الاجتهاد باجتماع بعض العلماء وإصدار قرار منهم، وإنّما كانت حالة نفسية واجتماعية، وذلك انّهم رأوا غزو التتار لبغداد وعسفهم بالمسلمين فخافوا على الإسلام ورأوا انّ أقصى ما يصبون إليه هو أن يصلوا إلى الاحتفاظ بتراث الأئمّة ممّا وضعوه و استنبطوه.(2)

إنّ التبرير المذكور لا يمكن أن يصمد أمام النقد، و ذلك لأنّ الاحتفاظ بتراث الأئمّة لا ينافي دراسة هذا التراث من خلال عرض أفكار الأئمّة وآرائهم


1-وهبة الزحيلي، أُصول الفقه الإسلامي: 2 / 1033 .
2-أحمد أمين، رسالة الإسلام، العدد الثاني من السنة الثالثة.


(15)

ونقدها وتحليلها على ضوء الاجتهاد.

وهناك من برّر إقفال باب الاجتهاد بأنّ الفقهاء لأجل أن يوصدوا الباب أمام من ليس أهلاً للاجتهاد والنظر و يقطعوا الطريق على الفرق والمذاهب التي كثرت، ويحموا الأُمّة من الانقسام الديني، فأقفلوا باب الاجتهاد وقسموا المجتهدين إلى طبقات:

طبقة الاجتهاد المطلق، وطبقة مجتهدي المذاهب، وطبقة مجتهدي المسائل، ثمّ يأتي بعدهم المقلّدون.(1)

فسواء أصحّ التبرير المذكور أم لم يصحّ، فقد كان لإقفال الاجتهاد مضاعفات سلبية أهمها ركود الحركة الفقهية على وجه لم يكن للعلماء شأن سوى التصفّح في كتب أئمّة المذاهب وقد لمس الأُستاذ مصطفى أحمد الزرقا ، خطورة الموقف، فأخذ يصف القرن السابع بأنّه قرن الانحطاط والجمود ويقول: في هذا الدور أخذ الفقه بالانحطاط، فقد بدأ في أوائله بالركود وانتهى في أواخره إلى الجمود، وقد ساد في هذا العصر الفكر التقليدي المغلق وانصرفت الأفكار عن تلمس العلل والمقاصد الشرعية في فقه الأحكام إلى الحفظ الجاف والاكتفاء بتقبل كلّ ما في الكتب المذهبية دون مناقشة، وطفق يتضاءل ويغيب ذلك النشاط الذي كان لحركة التخريج والترجيح والتنظيم في فقه المذاهب وأصبح مريد الفقه يدرس كتاب فقيه معين من رجال مذهبه فلا ينظر إلى الشريعة وفقهها إلاّ من خلال سطوره بعد ان كان مريد الفقه قبلاً يدرس القرآن والسنّة وأُصول الشرع ومقاصده.

وقد أصبحت المؤلفات الفقهية إلاّالقليل أواخر هذا العصر اقتصاراً لما


1-أُصول الفقه الإسلامي: 2 / 1033 .


(16)

وجد من المؤلفات السابقة أو شرحاً له، فانحصر العمل الفقهي في ترديد ما سبق ودراسة الألفاظ وحفظها وفي أواخر هذا الدور حل الفكر العامي محل الفكر العلمي لدى كثير من متأخري رجال المذاهب الفقهية.(1)

وعلى كلّ حال فقد كان الإقفال بخساً لحق الأُمّة وعرقلة لتقدّمها.

نحن لا نتكلم فيما سبق ـ عفا اللّه عمّا سلف ـ وإنّما نتكلم في العصر الحاضر، و نقول لا محيص عن فتح باب الاجتهاد وانّه أمر ضروري لا سترة منه، لأنّ للفقيه في المسائل المستجدة انتهاج أحد الطرق التالية:

1. بذل الوسع في استنباط أحكامها على ضوء الكتاب والسنّة وسائر الأُصول الشرعية.

2. اتّباع المبادئ الغربية من دون نظر إلى مقاصد الشريعة.

3. الوقوف دون إعطاء حكم لها.

ومن الواضح بمكان انّ الأوّل هو الذي يناسب المجتمع الإسلامي.

ومن حسن الحظ انّ لفيفاً من المفكّرين من القدامى والجدد قد دعوا إلى فتح باب الاجتهاد فمن القدامى العلاّمة الشوكاني حيث قال:

و من حصر فضل اللّه على بعض خلقه، وقصر فهم هذه الشريعة على ما تقدم عصره فقد تجرأ على اللّه عزّوجلّ، ثمّ على شريعته الموضوعة لكلّ عباده، ثمّ على عباده الذين تعبدهم اللّه بالكتاب والسنّة.(2)

وأمّا من المتأخرين فقد دعا العديد منهم إلى ضرورة فتح باب الاجتهاد منهم:


1-المدخل الفقهي العام: 1 / 186 ـ 187 .
2-إرشاد الفحول: 224 .


(17)

1. أحمد أمين الكاتب المصري نشر مقالة في مجلة رسالة الإسلام العدد الثالث.

2. الأُستاذ علي منصور المصري مستشار مجلس الدولة السابق لمحكمة القضاء الإداري، فقد نشر مقالاً حول فتح باب الاجتهاد نشرته مجلة رسالة الإسلام في عددها الأوّل من السنة الخامسة.

3. الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه «أُصول الفقه»، يقول: فمن الذي أقفل باب الاجتهاد؟ وما هي أدلّته؟ وهل يستطيع أحد أن يزعم انّ مواهب اللّه ومنحُه قاصرة على جيل دون جيل، أو إنسان دون إنسان؟ لهذا فانّ دعوى إقفال باب الاجتهاد غير مسموعة، لأنّ من مستلزمات ختم الشرائع السماوية بشريعة الإسلام فتح باب الاجتهاد على مصراعيه إلى ما شاء اللّه، وقد أحسن الشيعة والحركات السلفية الحديثة إذ قرروا بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً.(1)

وفي الختام نقول تبعاً لما أفاده الدكتور ـ حفظه اللّه ـ : إذا كان الاجتهاد بذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها التفصيلية، فلقد كان مفتوحاً منذ عصر النبي وأئمتهم عند الشيعة إلى يومنا هذا، ولم يزل الأئمّة يحرضون شيعتهم على الاجتهاد والتفريع والتخريج من الأُصول التي ألقوها على تلامذتهم.

قال الإمام الصادق _ عليه السلام _ : «إنّما علينا أن نلقي إليكم الأُصول وعليكم التفريع».(2)

وقال الإمام الرضا _ عليه السلام _ : «علينا إلقاء الأُصول وعليكم التفريع».(3)

وقد كان أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ يعلمون كيفية استنباط الحكم الشرعي من


1-أُصول الفقه الإسلامي: 2 / 1034 .
2-وسائل الشيعة: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 51 و 52 .
3-وسائل الشيعة: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 51 و 52 .


(18)

الآية، وكان موقفهم موقف المعلم بالنسبة إلى المتعلّم، فها نحن نكتفي بنقل رواية واحدة من روايات كثيرة في هذا المضمار.

روى عبد الأعلى مولى آل سام، قال: قلت لأبي عبد اللّه _ عليه السلام _ : عثرت فانقطع ظفري، فجعلت على أصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: «يعرف هذا وأشباهه من كتاب اللّه عزّوجلّ، قال اللّه تعالى: (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) (1)، امسح على المرارة».(2)

على أنّ للقرآن آفاقاً خفية لا يحيط بها إلاّالراسخون في العلم، وقد أرشد أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ إلى هذا النوع من الاستفادة و نقتصر على سرد هذه الحادثة التاريخية ليكون نموذجاً لما نروم إليه.

قُدِّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحدّ فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الإيمان يمحو ما قبله، و قال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، فكتب المتوكل إلى الإمام أبي الحسن الهادي _ عليه السلام _ يسأله، فلمّا قرأ الكتاب ، كتب:

يضرب حتى يموت، فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة، فكتب:بِسمِ اللّه الرِّحمن الرحيم

( فَلَمّا رَأَوا بَأَسَنا قالُوا آمَنّا بِاللّه وَحْدَهُ وَكَفَرنا بِما كُنّا بهِ مُشْرِكين* فَلَمْ يَكُ يَنْفَعهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوا بَأْسنا سنَّت اللّهِ الّتي قَدْخَلَتْ في عِباده وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُون)(3) فأمر به المتوكل فضرب حتى مات.(4)


1-الحج: 78 .
2-وسائل الشيعة: 1، الباب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 5 .
3-غافر: 84 ـ 85 .
4-ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب: 4 / 403 ـ 405 .


(19)

وأمّا تاريخ إقفال باب الاجتهاد وكيفيته فقد ذكره المقريزي في خططه وقال:

إنّه تولّى القاضي أبو يوسف القضاء من قبل هارون الرشيد بعد سنة 170 إلى أن صار قاضي القضاة فكان لا يولّي إلاّ من أراده، ولمّا كان هو من أخصّ تلاميذ أبي حنيفة فكان لم ينصب للقضاء ببلاد خراسان والشام والعراق وغيرها إلاّ من كان مقلّداً لأبي حنيفة، فهو الذي تسبب في نشر مذهب الحنفية في البلاد.

وفي أوان انتشار مذهب الحنفية في المشرق نُشر مذهب مالك في إفريقية المغرب، بسبب زياد بن عبد الرحمان، فإنّه أوّل من حمل مذهب مالك إليها، وأوّل من حمل مذهب مالك إلى مصر سنة 160هـ ، هو عبد الرحمان بن القاسم.

قال: و نشر مذهب محمد بن إدريس الشافعي في مصر بعد قدومه إليها سنة 198هـ، وكان المذهب في مصر لمالك والشافعي إلى أن أتى القائد «جوهر» بجيوش مولاه «المعز لدين اللّه أبي تميم معد» الخليفة الفاطمي، إلى مصر سنة 358هـ، فشاع بها مذهب الشيعة حتى لم يبق بها مذهب سواه(أي سوى مذهب الشيعة).

ثمّ إنّ المقريزي بيّن بدء انحصار المذاهب في أربعة فقال:

فاستمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 665هـ، حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة وعُودي من تمذهب بغيرها، وأنكر عليه، ولم يول قاض ولا قبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلداً لأحد هذه المذاهب وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتّباع هذه المذاهب وتحريم ماعداها، والعمل على هذا إلى اليوم.(1)


1-راجع الخطط المقريزية: 2 / 333، 334 و 344 .


(20)

و هذه الكلمة الأخيرة: «وتحريم ما عداها» تكشف عن أعظم المصائب على الإسلام حيث إنّه قد مضى على الإسلام ما يقرب من سبعة قرون و مات فيها على دين الإسلام ما لا يحصي عددهم إلاّربّهم ولم يسمع أحد من أهل القرنين الأوّلين اسم المذاهب أبداً ، ثمّ فيما بعد القرنين كان المسلمون بالنسبة إلى الأحكام الفرعية في غاية من السعة والحرية، كان يقلد عاميّهم من اعتمد عليه من المجتهدين، وكان المجتهدون يستنبطون الأحكام عن الكتاب والسنّة على موازينهم المقررة عندهم في العمل بالسنّة النبوية، فأي شيء أوجب في هذا التاريخ على عامة المسلمين: «العامي المقلّد والفقيه المجتهد» أن لا يخرج أحد في الأحكام الشرعية عن حد تقليد الأئمّة الأربعة، وبأي دليل شرعي صار اتّباع أحد المذاهب الأربعة واجباً مخيراً، والرجوع إلى ما ورائها حراماً معيّناً.

والعجب انّ الشيخ محمد زاهد الكوثري (1296ـ 1371هـ) مممّن يهاجم فتح باب الاجتهاد وكسر حصر المذاهب الأربعة ويصفه بأنّ «اللا مذهبية قنطرة اللا دينية» و أنا أتعجب من هذا المحقّق كيف وصف هذه الموهبة الإلهية بما ذكره مع أنّ الالتزام بمذهب خاص وعدم التجاوز عنه كان أمراً مسلماً قبل الأئمّة الأربعة، فهل يمكن أن نقول إنّ: «اللامذهبية قنطرة اللا دينية»؟!

وحقيقة الأمر انّ الإسلام لم يفرض على مكلف تقليد أحد الأئمة الأربعة، فلو قلنا بأنّه يجوز تقليد مجتهد، حياً كان أو ميتاً يجوز تقليد كلّ من أراد من المجتهدين الماضين إذا كان مذهبه الفقهي واصلاً إلى المكلف عن طريق معتبر، وإن قلنا بشرطية الحياة في المجتهد فعلى كلّ مكلف أن يقلّد أي مجتهد حي.

وأمّا على أُصول الإمامية فبما انّ تقليد الميت باطل من رأس، كما أنّ تقليد الأعلم فرض و معه لا يجوز تقليد غيره، فيجب على كلّ مكلّف تقليد المجتهد


(21)

الحي الأعلم حتى تجتمع كلمة المسلمين على مجتهد واحد .

و في الختام نقول: إنّ من أراد أن يحيط بتاريخ الاجتهاد في الإسلام وتطوره وعلل إيصاد بابه لدى المسلمين، فليرجع إلى المصادر التالية:

1. المواعظ والاعتبار في الخطط والآثار: تأليف الشيخ تقي الدين أبي العباس أحمد بن علي المعروف بالمقريزي المولود في بعلبك عام 766هـ، والمتوفّى بالقاهرة عام 845هـ.

2. تاريخ اليعقوبي في المائة السابعة لكمال الدين عبد الرزاق بن المروزي الفوطي البغدادي المتوفّى سنة 723.

4. الانصاف في بيان سبب الاختلاف.

5. عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد: ألّفهما ولي اللّه الدهلوي، المولود سنة 1114 والمتوفّى 1180.

6. الإقليد لأدلّة الاجتهاد والتقليد.

7. الطريقة المثلى في الإشارة إلى ترك التقليد: ألّفهما صديق حسن خان القنوجي البخاري، المتوفّى سنة 1307، وطبع بالاستانة عام 1295.

8. حصول المأمول من علم الأُصول: له أيضاً طبع في الجوائب سنة 1296.

9. مقالة صاحب السعادة أحمد تيمور باشا ابن إسماعيل بن محمد، المولود في القاهرة سنة 1288هـ ، وهي تحت عنوان «نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الأربعة» طبعت مستقلة في القاهرة سنة 1344هـ.

10. ما كتبه محمد فريد وجدي في دائرة معارفه في مادتي «جهد وذهب»وما كتبه يعد أبسط ما كتب في الموضوع.


(22)

11. أعلام الموقعين عن ربّ العالمين: للحافظ ابن القيم.

12. تاريخ حصر الاجتهاد: لشيخنا العلاّمة الطهراني ، المتوفّى يوم الجمعة

13 ذي الحجّة عام 1389هـ.

إلى غير ذلك من المؤلفات.

جعفرالسبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _

4 ربيع الأوّل 1421هـ


(23)

2

مكانة العقل

في العقيدة والشريعة

الإسلام عقيدة وشريعة، معارف وأحكام، فالعقيدة هي الرؤية الكونية التي ينبغي للمسلم الإذعان بها، كما أنّ الأحكام برامج عملية يسير على ضوئها.

وقد حاز العقل دوراً متميزاً على صعيد العقائد والمعارف والأحكام ممّا يدعونا إلى تسليط المزيد من الضوء عليه، فنقول:

لقد حثَّ الإسلام منذ نشوئه على التفكير والتعقّل في الكون وباطنه الذي يعبّر عنه سبحانه بملكوت السماوات والأرض، وقال: (أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمواتِوَالأَرضِ وَما خَلقَ اللّهُ مِنْ شَيء)(1) وقد استأثر التفكير والتعقل مساحة شاسعة من اهتماماته، حتى بلغت الآيات التي زهت بألفاظ (الفكر)، (العقل) من الكثرة بمكان.فقد ورد لفظ(الفكر) في القرآن بمختلف صيغة ثماني عشرة مرّة، كما ورد لفظ (العقل) فيه كذلك تسع وأربعين مرّة.

إنّه سبحانه زوَّد الإنسان بالتفكير والتعقّل وأعطى له الأدوات المطلوبة وأفضلها السمع والبصر، قال سبحانه: (وَاللّه أَخرجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمّهاتِكُمْ لاتَعْلَمُونَ شَيئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون)(2).


1-لاعراف: 185.
2-النحل: 78.


(24)

والمراد من الشكر في ذيل الآية صرف النعمة في مواضعها، فشكر السمع والبصر هو إدراك المسموعات والمبصرات بهما، وشكر الفؤاد هوإدراك المعقولات وغير المشهودات به، فالآية كما تحرِّض على إعمال السمع والبصر في درك ظواهر الكون، تحرِّض أيضاً على استعمال الفؤاد والقلب والعقل فيما هو خارج عن إطار الحس وغير واقع تحت متناوله، فمن أراد قصر التعليم والتفكير على ظواهر الكون وحرمان الإنسان من التفكير فيما هو خارج عن نطاق الحس فقد خالف القرآن الكريم.

فهو أشبه بالطفل الذي يقتصر بما حوله من الأشباه والصور، دون أن يستطلع ما وراءهما، فالإنسان بحاجة إلى الحس والعقل معاً بغية التحليق في سماء العلم والعرفان.

القرآن هو المنطلق الأوّل لتنمية الفكر الإنساني

إنّ القرآن هو المنطلق الأوّل لتنمية الفكر الإنساني وحثّه على التعقّل والتفكير، فمن أراد أن يخلص للّه في العبودية بلا تحليق العقل في سماء المعرفة، فقد تغافل عن آيات الذكر الحكيم ونظائرها.قال سبحانه: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيء أَمْ هُمُ الْخالِقُون* أَمْ خَلَقُوا السَّماوات وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ) (1).

فلو فسرنا «الشيء» في الآية بالسبب والعلة، فالجزء الأوّل من الآية يشير إلى برهان الإمكان الذي يقوم على لزوم سبب موجب لخروج الشيء من العدم إلى الوجود، والجزء الثاني منها يشير إلى بطلان كونهم خالقي أنفسهم، الذي يستقل العقل الصريح ببطلانه قبل أن يستقلّ العقل الفلسفي ببطلانه لأجل استلزامه


1-الطور: 35 ـ 36.


(25)

الدور.

ومن سبر غور هذه الآيات وتدبّر فيها يقف على عظمة قوله سبحانه: (سَنُريِهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلّ شَيء شَهِيد)(1).

فإذا كان التفكير هو جوهر الإسلام وأساسه وعليه أُقيم صَرْح الدين، فمع الأسف الشديد انّ جماعة من المسلمين عطّلوا العقول عن التفكير في المعارف بذريعة انّ كلّ ما وصف اللّه به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه.(2)

أقول: كيف يكون تفسير ما وصف اللّه به نفسه، بتلاوته والسكوت عليه، مع أنّ القرآن نزل للتدبّر في آياته من دون فرق بين آية وأُخرى، يقول سبحانه: (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياِتِه وليتذَكَّرَ أُولوا الأَلباب)(3).

والعجب انّ بعض هؤلاء راح يتفلسف في إثبات نظريته، ويقول: «إنّما أُعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبية، فمن شغل ما أُعطي لإقامة العبودية بإدراك الربوبية، فاتته العبودية ولم يدرك الربوبية».

وقائل هذا الكلام يفسِّر العبودية بالقيام والقعود والإمساك والصيام التي هي من واجبات الأعضاء، ولكنّنا نقول: إنّ العبودية تقوم على ركنين: ركن منه يرجع إلى فرائض الأعضاء وواجباتها، وركن آخر يرجع إلى العقل واللب، فتعطيل العقول عن معرفة المعبود بالمقدار الذي يستطيع الإنسان الوصول إليها، تعطيل لإقامة العبودية أو لجزئها، ولو اقتصر الإنسان في إقامة العبودية بالقيام والقعود


1-فُصّلت: 53.
2-الرسائل الكبرى، لابن تيمية:1/32، نقله عن سفيان بن عيينة.
3-ص : 29.


(26)

من دون إدراك للمعبود بصفات جماله وجلاله وأسمائه وصفاته، لكانت عبوديته كعبودية الحيوان والنبات والجماد، بل ربما تكون عبوديته أدنى مرتبة من عبوديتهم، كيف و قد قال سبحانه:

(وَإِنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيخرجُ مِنْهُ الماءُ و إنّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغافِل عَمّا تَعْمَلُون)(1).

فالحجر يستشعر عظمته سبحانه حسب وجوده، ولكن الإنسان تُفرض عليه تلاوة كتابه سبحانه والسكوت ثم السكوت عليه.

ولعمر الحقّ إذا كانت وظيفة الإنسان المسلم الواعي هو تلاوة ما يرجع إليه سبحانه، فمن المخاطب بالآيات التي تحمل دقائق البراهين على توحيده ونفي الندِّ عنه، ويقول:(وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يَصِفُون) (2).

ولو كانت الدعوة الإسلامية منحصرة بما يدركه الإنسان بالحس واللمس، فمن المخاطب يا تُرى! بقوله سبحانه:(لَو كانَ فِيهِما آلهةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا فَسُبحانَ اللّهِ رََبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُون)(3).

المعطّلة بثوبها الجديد

وقد ظهر التعطيل ـ أي تعطيل العقول عن المعارف والإلهيات ـ بثوبه الجديد في العصر الأخير، وقد حمل رايتها المغترّون بالعلوم الطبيعية.


1-البقرة: 74.
2-المؤمنون: 91.
3-الأنبياء: 22.


(27)

يقول فريد وجدى:

بما انّ خصومنا يعتمدون على الفلسفة الحسية والعلم الطبيعي في الدعوة إلى مذهبهم، فنجعلهما عمدتنا في هذه المباحث، بل لا مناص لنا من الاعتماد عليهما لأنّهما اللّذان أوصلا الإنسان إلى هذه المنصة من العهد الروحاني.(1)

ويقول بعض آخر:

كان الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ أخبروا الناس عن ذات اللّه وصفاته وأفعاله، وعن بداية هذا العالم ومصيره، وما يهجم عليه الإنسان بعد موته، وآتاهم علم ذلك كلّه بواسطتهم عفواً بلا تعب، وكفوهم مؤونة البحث والفحص في علوم ليس عندهم مبادؤها ولا مقدماتها التي يبنون عليها بحثهم ليتوصلوا إلى مجهول، لأنّ هذه العلوم وراء الحس والطبيعة، لاتعمل فيها حواسهم، ولا يؤدي إليها نظرهم، وليست عندهم معلوماتها الأوّلية.

إلى أن يقول: الذين خاضوا في الإلهيات من غير بصيرة، وعلى غير هدى، جاءوا في هذا العلم بآراء فجة، ومعلومات ناقصة وخواطر سانحة، ونظريات مستعجلة، فضلّوا وأضلوا.(2)

لو صحّ قول القائل: إنّ هذه العلوم وراء الحس والتجربة لا تعمل فيها حواس، ولا يؤدي إليها النظر فلا تتوفر معلوماتها الأوّلية، لزم تعطيل التدبّر في المعارف القرآنية التي تقع مبادؤها وراء الحسّ، وعندئذ يتوجه إليه السؤال بأنّه لماذا يطرح الذكر الحكيم جملة من المعارف ويحرض على التدبر فيها، وهي ممّا تقع وراء الحس والطبيعة، وليست الغاية من طرحها هو التلاوة والسكوت حتى تصبح


1-على إطلال المذهب المادي:1/16.
2-ماذا خسر العالم:97.


(28)

الآيات لقلقة لسان لا تخرج عن تراقي القارئ بدل أن تنفذ إلى صميم الذهن وأعماق الروح.

وإن كنت في ريب من وجود هذه المعارف في الكتاب العزيز، فلاحظ الآيات التالية:

(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء)(1).

(وَللّهِ المَثَلُ الأَعلى)(2).

(لَهُ الأَسماءُالحُسْنى)(3).

(فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّه) (4).

(أَمْ خلقوا مِنْ غَيْرِ شَيء أَمْ هُمُ الْخالِقُون)(5).

(وهو مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ)(6).

(ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثة إِلاّ هُوَ رابِعُهُم وَلاَ خَمْسَة إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدنى مِنْ ذلِكَ ولاَ أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمّ يُنبِّئُهُم بما عملوا يومَ القِيامةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيء عَليم) (7).

فهل يصح أن نعطّل عقولنا بحجّة إنّما أعطينا لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبية...؟!

أو بذريعة انّ الوحي كفانا مؤنة البحث والفحص في علوم لا نملك مبادءها ولا مقدماتها.


1-الشورى: 11.
2-النحل: 60.
3-طه:8.
4-البقرة: 115.
5-الطور: 35.
6-الحديد: 4.
7-المجادلة: 7.


(29)

إنّ هناك أُصولاً عقلية مبرهنة يعتقد بها الإلهيون وفي طليعتهم المسلمون، ولا يمكن للعلوم الطبيعية أن تساعدهم في فهمها ولا أن تهدي إليها البشر. كالبحث عن أنّ المصدر لهذا العالم والمبدئ له، أزلي أو حادث، واحد أو كثير، بسيط أو مركب، جامع لجميع صفات الجمال والكمال، أم لا؟هل لعلمه حد ينتهي إليه أم لا؟هل لقدرته نهاية أم لا؟ هل هو أوّل الأشياء وآخرها، أم لا؟ هل هو ظاهر الأشياء وباطنها أم لا؟

فالاعتقاد بهذه المعارف عن طريق العلوم الطبيعية والحسية غير ممكن، والاعتماد على الوحي للتعرف عليها غير مقدور لكلّ إنسان، مضافاً إلى أنّه تجب معرفتها قبل معرفة النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ فكيف يتعرّف عليها عن طريق النبي والوحي المنزل؟

كلّ هذا يدفعنا إلى استخدام العقل في فهم هذه الحقائق التي لا تنال بالحس بل تنال بالعقل، فهل يمكن للشارع الحكيم الدعوة إلى هذه الحقائق والمنع من استخدام ما هو أداة فهمها ودركها .

إنكار التحسين والتقبيح العقليين ومضاعفاته

إنّ إهمال العقل في مضمار المعارف، جرّ المنكرون إلى إنكار التحسين والتقبيح العقليين، و قالوا : إنّه لا يمكن للعقل إنكار ما هو الحسن بالذات والقبيح كذلك، بل يرجع في ذلك إلى الشرع كله، وبالتالي ليس للعقل القضاء الباتّ بحسن العدل والصدق، أو قبح الكذب والظلم، وإنّما يتبع ذلك الوحي، فما حسّنه الشارع فهو حسن، وما قبّحه الشارع فهو قبيح، وهذا الكلام وإن كان له بظاهره طلاوة، ولكن القول به ينتهي إلى عدم إمكان إثبات نبوة الأنبياء كافة .

1.إذا كان العقل عاجزاً عن درك حسن الأفعال وقبحها، فمن أين نعلم


(30)

صدق مدّعي النبوة الذي زود بمعاجز تجذب القلوب و تورث الإيمان؟

فلو اعتمدنا على العقل فهو كفيل بإثبات نبوته، لأنّه يحكم بأنّه قبيح على الحكيم أن يزود المتنبئ الكاذب بمعاجز، فتمكينه من هذه المعاجز دليل على صدقه وكونه مبعوثاً من قبل اللّه سبحانه، وأمّا لو أنكرنا ذلك فمن أين نميّز الصادق عن الكاذب ونحن نحتمل أنّه سبحانه يزوّد الكاذب بالمعاجز، كما يزوّد الصادق بها، لإنّه لم يثبت قبح الأوّل، و لا حسن الثاني؟!

2. نفترض انّه ثبت نبوة نبيّ من الأنبياء، لكن من أين نعلم أنّ الشارع في حكمه وقضائه في مجال الصدق والكذب صادق، لأنّه ما لم يثبت قبل السماع والوحي، حسن الصدق ولا قبح الكذب، فمن أين نرفع احتمال الكذب في إخبار الشارع بحسن الصدق أو قبح الكذب، فلا يرفع ذلك إلاّ بقضية محرزة مفادها انّ العقل يحكم في صميم ذاته بأنّ الحكيم يقبح عليه الكذب ويحسن عليه الصدق.

وبالجملة إنكار التحسين والتقبيح العقليين ينتهي إلى إنكار التحسين والتقبيح الشرعيين.

إلى هنا تبيّن انّه لابد من استخدام العقل في تبيين العقائد والمعارف والبرهنة عليها، فمن حاول أن يُقصي العقل عن مقامه فقد أقصى الشرع أيضاً .

مفاهيم لا بدّ أن تبحث من جديد

فإذا كان العقل له الدور الكبير والرصيد العظيم في تقييم المعارف والعقائد، فثمة مسائل تعدّ من العقائد ولكن لا يدعمها العقل وليس لها من النقل رصيد قطعي، وها نحن نشير إلى بعض هذه المسائل من دون أن نخوض في


(31)

أغوارها فانّ لشرحها وبيان مفاهيمها مكاناً آخر لا يسع هذا المختصر.

1. جواز التكليف بما لا يطاق

وقد صرح به الإمام الأشعري في اللمع(1) مع أنّ العقل الصريح يحكم بامتناعه ـ يعني العقل الذي عرفناه به سبحانه ـ إذ كيف يمكن أن يطلب شيء على نحو الجدّ ممّن لا طاقة له به.

2. جواز إيلام الأطفال في الآخرة

يقول الإمام الأشعري: هل للّه تعالى أن يؤلم الأطفال في الآخرة؟ قيل له:للّه تعالى ذلك وهو عادل ان فعل، وكذلك كلّ ما يفعله.(2)

و هذا شيء يناقض العقل الصريح، وليس تنزيهه سبحانه عنه، بمعنى عدم استطاعته عليه، بل تنزيهه سبحانه بمعنى كونه مقتضى عدله وحكمته، فالعقل يدلّ على أنّه سبحانه عادل حكيم، والعادل الحكيم لا يأخذ البريء بذنب لم يرتكبه.

وما ربما يقال من أنّ العالم كلّه ملك للّه سبحانه، والمالك يتصرف في ملكه كيفما شاء مغالطة محضة، بل المالك الحكيم يتصرف في ملكه حيث ما تقتضي حكمته.

3. القرآن ليس بمخلوق

يقول الإمام أحمد بن حنبل: القرآن كلام اللّه ليس بمخلوق، فمن زعم انّ


1-اللمع:116.
2-اللمع: 116.


(32)

القرآن مخلوق، فهو جهمي كافر، ومن زعم انّ القرآن كلام اللّه عزّوجلّ ووقف، فلم يقل مخلوق ولا غير مخلوق، فهو أخبث من الأوّل، و من زعم انّ الفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة، والقرآن كلام اللّه فهو جهمي، ومن لم يكفّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم.(1)

إنّ البحث عن قدم القرآن وحدوثه، وكونه مخلوقاً أو غير مخلوق ذوشجون، وقد جرّت تلك المسألة على المسلمين الويلات قد ضبطها التاريخ في عصر المأمون والواثق وبعدهما، وقد شهرت المعتزلة هذه المسألة بوجه المحدّثين والأشاعرة لمّا راج سوقهم، كما آل الأمر إلى العكس في عصر المتوكل و من أعقبه حيث شهرت الأشاعرة هذه المسألة بوجه المعتزلة، و أسفر ذلك عن وقوع ضحايا عديدة من الطرفين.

وبغض النظر عن ذلك، نعلق على ما ذكره ونقول: ما ذا يريد الإمام من قوله: «القرآن كلام اللّه ليس بمخلوق»؟ هل يريد انّه ليس بمختلق فقد صدق، لأنّ من يقول إنّه مختلق، فقد كفر برسالة النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ و معجزته و تبع كفّار قريش، حيث كانوا يقولون: (إِنْ هذا إِلاّ قَولُ البَشَر) (2).

أو يريد انّ القرآن في مرتبة علمه سبحانه ليس بمخلوق فقد صدق أيضاً، فإنَّ علمه سبحانه قديم و القرآن أحد معلوماته سبحانه، ولكن لا يختص ذلك بالقرآن بل علمه كله على حد سواء.

وإن أراد أنّ القرآن الملفوظ والمكتوب بعد نزوله قديم كذاته سبحانه، فهو نفس الاعتراف بالقديم الثاني، ولا قديم عند المسلمين إلاّ اللّه سبحانه.

والقول بأنّه ليس بقديم، ولكنّه أيضاً ليس بمخلوق، تفكيك بين اللازم


1-كتاب السنّة :49.
2-المدثّر: 25.


(33)

والملزوم، فإذا لم يكن قديماً يكون حادثاً، وكلّ حادث مخلوق.

وبالجملة ليس على صفحة الوجود قديم إلاّ سبحانه وما سواه حادث .

4. رؤيته سبحانه يوم القيامة بالأبصار المادية

يقول الإمام الأشعري بجواز رؤية اللّه تعالى بهذه الأبصار المادية يوم القيامة، ويقول: وليس في تجويز الرؤية إثبات أي حدث.(1)

ويقول أيضاً في «الإبانة»: وندين بأنّ اللّه تعالى يرى في الآخرة بالأبصار، كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون.(2)

يترتب على القول بالرؤية مضاعفات كثيرة تجعلها في عداد المحالات، فمثلاً:

إنّ المرئي إمّا كلّه سبحانه أو بعضه، فعلى الأول يكون سبحانه محاطاً، واللّه محيط، وعلى الثاني يلزم أن يكون مركباً ذا أجزاء وهو محال ، ولم يرد في صريح القرآن ما يدلّ على ذلك.

وأظهر ما استدلّ به على الرؤية هو قوله سبحانه: (وُجُوهٌ يَومَئِذ ناضرة* إلى ربّها ناظرة)(3). فخرج المستدلّ إلى أنّ المراد من الناظرة انّها رائية، ترى ربها عزّ وجلّ، ولكن المستدلّ غفل أنّه سبحانه يسند النظر إلى الوجوه لا إلى العيون، فلو أراد سبحانه الرؤية لقال عيون يومئذ ناضرة، ولم يقل وجوه يومئذ ناضرة.

على أنّ قوله: ( إلى ربّها ناظرة) عِدْل لقوله سبحانه: (تَظُنُّ أن يُفْعَلَ بها فاقرة)(4) وبالإمعان في مفهوم العدل، يعلم المقصود من قوله: (إِلى ربّها


1-اللمع في الردّ على أهل الزيغ والبدع:61.
2-الإبانة:21.
3-القيامة: 22 ـ 23.
4-القيامة: 25.


(34)

ناظرة).

توضيح ذلك:

إنّ الآية لا تدلّ على نظرية الرؤية حتى ولو قلنا بأنّ النظر في الآية بمعنى الرؤية، بل الآية تهدف إلى أمر آخر لا صلة له بمسألة الرؤية، ويعرف مفاد الآيات بمقارنة بعضها ببعض، وإليك بيانه:

إنّ الآية الثالثة تقابل الآية الأُولى، كما أنّ الرابعة تقابل الثانية، وعند المقابلة يرفع ابهام الثانية بالآية الرابعة، وإليك تنظيم الآيات حسب المقابلة:

1. (وجوه يومئذ ناضرة) يقابلها قوله: (وجوه يومئذ باسرة) .

2. (إِلى ربّها ناظرة) يقابلها قوله: (تظن أن يُفعل بها فاقرة) .

وبما انّ المقابل للآية الثانية واضح المعنى، فيكون قرينة على المراد منها، فإذا كان المقصود من المقابل أنّ الطائفة العاصية تظن وتتوقع أن ينزل بها عذاب يَكسر فقارها، ويقصم ظهرها، يكون المراد من عدله وقرينه عكسه، و ليس هو إلاّأنّ الطائفة المطيعة تكون مستبشرة برحمته ومتوقعة لفضله وكرمه،لا النظر إلى ذاته وهويته وإلاّ لخرجت المقابلات عن التقابل، وهو خلف.

وبعبارة أُخرى: يجب أن تكون المقابلات متحدة المعنى والمفهوم، إلاّ في النفي والإثبات، فلو كان المراد من المقابل الأوّل أعني: (إلى ربّها ناظرة) هو رؤية جماله سبحانه وذاته، فيجب أن يكون الجزاء في قرينه أعني: (تظن أن يفعل بها فاقرة)هوحرمان هؤلاء عن الرؤية أخذاً بحكم التقابل، وبما انّ تلك الجملة ـ أعني: القرين الثاني ـ لا تحتمل ذلك المعنى، أعني الحرمان من الرؤية، بل صريحة


(35)

في انتظار العذاب الفاقر، يكون ذلك قرينة على المراد من القرين الأوّل وهو رجاء رحمته وانتظار فرجه وكرمه.

هذه نماذج مما يضاد العقل الصريح، ولها نظائر في السنة النبوية المنسوبة إلى النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ وهو ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ بريء منها. ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا «الحديث النبوي بين الرواية والدراية».

فقد خرجنا بالنتيجة التالية:

إنّ الطريقة المثلى هي سلوك منهج لا يؤدّي إلى التشبيه ولا إلى التعطيل، فأهل التشبيه يصبّون المعارف العملية في قوالب جسمية وصفات مادية، وأهل التعطيل يوصدون نوافذ عقولهم وأفهامهم من التطلع إلى ما وراء الطبيعة، ولكن الطريق الوسط هو التعرف على ما وراء الطبيعة بما فيها من الجمال والجلال عن طريق التدبّر وإمعان النظر بتنظيم الحجج العقلية أو بالنظر إلى آيات وجوده، فعند ذلك يخرج الإنسان عن مهلكة التشبيه ومغبَّة التعطيل وافراط المجسمة وتفريط المعطلة، وهذا هو الذي يدعو إليه القرآن الكريم وخطب الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ و أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ .

قال الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ : «لم يطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته».(1)

وقال الإمام علي بن الحسين عليمها السَّلام : «إنّ اللّهَ عزّ وجلّ علم أنّه يكون في آخر الزمان متعمقون، فأنزل اللّه تعالى سورة (قُل هُو اللّه أَحد) والآيات الستّ من سورة الحديد».(2)


1-نهج البلاغة: الخطبة 29.
2-الكافي:1/91، باب النسبة، الحديث 3; نور الثقلين:5/231.


(36)

وكتب الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ في جواب سؤال «عبد الرحيم بن عتيك القصير» ـ عندما سأله عن قوم بالعراق يصفون اللّه بالصورة وبالتخطيط ـ: «سألت رحمك اللّه عن التوحيد وما ذهب إليه من قبلك فتعالى اللّه الذي ليس كمثله شيء و هو السميع البصير، تعالى عمّا يصفه الواصفون المشبّهون اللّه بخلقه المفترون على اللّه.

فاعلم رحمك اللّه أنّ المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات اللّه عزّوجلّ، فانفِ عن اللّه تعالى البطلان والتشبيه، فلا نفي ولا تشبيه هو اللّه الثابت الموجود، تعالى اللّه عمّا يصفه الواصفون ولا تعدوا القرآن فتضلّوا بعد البيان».(1)

مشكلة الصفات الخبريّة

الصفات الخبرية عبارة عما أخبر عنها النقل ولم يدلّ عليه العقل كاليد واليدين، والعين، والاستواء وما ضاهاها. فقد شغلت بال المحدّثين والمتكلمين عبر القرون واحتدمت مساجلات ومشاجرات، لأنّها بظاهرها تحكي عن التشبيه والتجسيم، ولذلك اختار كلّ ـ غير المجسمة ـ مهربا.

والآراء المشهورة فيها عبارة:

1. الإثبات مع التشبيه والتكييف.

2. الإثبات بلا تشبيه ولا تكييف.

3. تفويض معناها إلى اللّه والإمرار على الآية.

4. التأويل والتصرف في ظاهر الآية حذراً من مخالفة العقل، والجميع لا


1-الكافي1، باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه، الحديث 1.


(37)

يخلو من هن وهنات.

أمّا الأوّل، فهو عقيدة المشبهة والمجسمة، وهو مخالف لصريح الوحي، واتفاق المسلمين، وبداهة العقل.

أمّا الثاني فلا يخفى انّ فيه استسلاماً للمتناقضين فانّ واقع اليد، حسب اللغة يتقوّم بالهيئة المخصوصة والكيفية المعلومة، فإثبات اليد بالمعنى اللغوي، التزام بالهيئة، والكيفية و إردافها بالبلكفةـ أي بلا كيف ـ جمع بين النقيضين.

وأمّا الثالث ففيه تعطيل العقول عن فهم الآيات والتدبّر فيها، كما سبق.

وأمّا الرابع أي تأويل ما ورد في القرآن من الصفات الخبرية، فإن أُريد به، حمل الآية على خلاف ظاهرها بحجّة انّ ظاهرها يخالف العقل، فهو باطل لأنّه من المستحيل أن يكون الوحي القطعي مخالفاً للعقل الصريح القطعي، فما اشتهر على الألسنة من أنّه إذا خالف النقل حكم العقل، يؤوّل النقل ممّا لا أساس له من الصحّة، إذا كان النقل أمراً قطعيّاً كالوحي، فانّ لازم ذلك الاستسلام للمتناقضين.

وإن أُريد بالتأويل، الإمعان في القرائن الحافّة بالآية أو ما ورد في سائر الآيات لتحصيل الظهور المستقر، فهو صحيح لكنّه ليس بتأويل، وتسميته تأويلاً إنّما هو بالنسبة إلى الظهور البدوي لا بالنسبة إلى الظهور المستقر.

توضيح ذلك انّ لبعض الجمل ظهورين:

1. ظهور بدوي.

2. ظهور مستقر .

فإذا قلت: «زيد كثير الرماد» أو «جبان الكلب» فالظهور البدوي يوحي بذم صاحب البيت وكلبه، فانّ البيت المملوء بالرماد يكون وسخاً منفّراً، كما أنّ


(38)

أهمية الكلب تُكمن في ضراوته لا في جبنه.

ولكن بالنظر إلى الظهور المستقر، فالجملتان وردتا لمدح صاحب البيت وكلبه، حيث إنّ العرب تكني بهما عن سماحته وكثرة عطائه، ولو سُمّي هذا النوع من التفسير تأويلاً أي مخالفاً للظاهر، فإنّما هو بالنظر إلى الظهور البدوي دون الظهور المستقر، والتأويل الباطل هو صرف الظهور المستقر عن ظاهره، وهو غير متحقّق، وأمّا المتحقّق فهو رفع الظهور البدوي غير المستقرّ وهو ليس بمحذور.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تفسير آية واحدة وردت فيها الصفة الخبرية حتى تكون مقياساً لتفسير سائر الآيات الواردة فيها، الصفات الخبرية ، قال سبحانه: (يا إِبْليسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدي)(1).

فالآية بظاهرها البدوي تثبت للّه سبحانه «يدين»، فللمخاطب أن يفسر الآية بأحد الطرق التالية:

1. الإثبات مع التكييف وهو نفس التجسيم.

2. الإثبات بلا تكييف، وهو استسلام للمتناقض.

3. التفويض والإمرار عليها، وهو تعطيل للعقول.

4. التأويل، وحمل الآية خلاف ظاهرها وهو أمر باطل، إذ لو كان الظهور حجّة، فليس لنا التصرف فيه بحجّة انّ العقل يخالفه .

5.التفريق بين الظهور البدوي والظهور المستقر، برفض الأوّل، وأخذ الثاني، لأنّ العبرة في كشف المقاصد هو الثاني دون الأوّل.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ الإمعان في القرائن المحتفّة بالآية تعرب عن أنّ


1-ص : 75.


(39)

الإخبار بخلق آدم بيديه كناية عن اهتمامه سبحانه بخلقه، وانّه كان مصنوعاً له سبحانه دون غيره، فكأنّه سبحانه يقول لماذا رفضت يا إبليس السجود لمن كان لي الاهتمام بمكانه؟

فَأُطلقت الخلقة باليد وكنّى بها عن قيامه سبحانه بخلقه، وعنايته بإيجاده، وتعليمه إيّاه أسماءه، لأنّ الغالب في عمل الإنسان هو القيام به باستعمال اليد، يقول: هذا ما بنيته بيدي، أو ما صنعته بيدي، أو ربّيته بيدي، و يراد من الكلّ هو القيام المباشري بالعمل، وربّما استعان فيه بعينه وسمعه وغيرهما من الأعضاء، لكنّه لا يذكرها ويكتفي باليد. وكأنّه سبحانه يندّد بالشيطان بأنّك تركت السجود لموجود اهتممت بخلقه وصنعه.

ونظير ذلك قوله سبحانه: (أَوَ لَمْ يَرَوا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مالِكُونَ) (1)فالأيدي كناية عن تفرّده تعالى بخلقها، لم يشركه أحد فيه. فهي مصنوعة للّه تعالى والناس يتصرّفون فيها تصرف الملاّك كأنّها مصنوعة لهم، فبدل أن يشكروا يكفرون بنعمته. وأنت إذا قارنت بين الآيتين تقف على أنّ المقصود هو المعنى الكنائي، والمدار في الموافقة والمخالفة هو الظهور المستقر لا البدوي.

وما ذكرناه في تفسير الآية يكون اسوة لتفسير عامة الصفات الخبرية الواردة في القرآن من دون أن يستلزم التشبيه، أو الاستسلام للمتناقضين، أو التعطيل أو التأويل المرفوض.

وقس على ذلك قوله سبحانه:

1. (وَالسّماءَ بَنَيْناها بِأَيد وإنّا لَمُوسِعُونَ)(2)


1-يس : 71.
2-الذاريات: 47.


(40)

2. (ثُمَّ استَوى على العَرشِ يُدبّرُ الأَمْرَ ما مِنْ شَفيع إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ)(1).

3. (وَاصبِر لِحُكْمِ ربِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا)(2).

إلى غير ذلك من الآيات التي وردت فيها الصفات الخبرية، فانّ الحل الناجع، لتفسيرها، هو التفكيك بين الظهور البدوي والظهور المستقر، والاعتماد في كشف المراد على الثاني دون الأوّل، وذلك بالإمعان بالقرائن الموجودة في نفس الآية وسياقها.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


1-يونس: 3.
2-الطور: 48.


(41)

قال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ:

«العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس»

(الكافي:1/27)

3

الإسلام و متطلّبات العصر

أو

دور الزمان والمكان في الاستنباط

تقديم

دلّت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية واتّفاق المسلمين على أنّ رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ هو النبي الخاتم، وكتابه خاتم الكتب، وشريعته خاتمة الشرائع، ونبوته خاتمة النبوات، فما جاء على صعيد التشريع من قوانين و سنن تعدّ من صميم ثوابت هذا الدين لا تتطاول عليها يد التغيير، فأحكامه في العبادات والمعاملات وفي العقود والإيقاعات، والقضاء والسياسات أُصول خالدة مدى الدهر إلى يوم القيامة وقد تضافرت عليها الروايات:

1. روى أبو جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ قال: قال جدي رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : «أيّها الناس حلالي حلال إلى يوم القيامة ، وحرامي حرام إلى يوم القيامة، ألا وقد بيّنهما اللّه عزّ وجلّ في الكتاب وبيّنتهما لكم في سنتي وسيرتي».(1)


1-الوسائل: 18/124.


(42)

2. كما روى زرارة عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الحلال والحرام، فقال: «حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة، لا يكون غيرَه ولا يجيء بعده».(1)

والروايات في هذا الصدد عن النبي الأعظم وأهل بيته ـ صلوات اللّه عليهم ـ كثيرة، وقد جمعنا طائفة منها في كتابنا مفاهيم القرآن فبلغت 135 حديثاً، وبما انّ خلود شريعته أمر لم يشكّ فيه أحد من المسلمين، وهو من ضروريات الدين نقتصر على ذلك المقدار، ونطرح السؤال التالي:

إذا كانت الحياة الاجتماعية على وتيرة واحدة لصحّ أن يديرها تشريع خالد ودائم، وأمّا إذا كانت متغيرة تسودها التحوّلات والتغييرات الطارئة، فكيف يصحّ لقانون ثابت أن يسود جميع الظروف مهما اختلفت وتباينت؟

إنّ الحياة الاجتماعية التي يسودها الطابع البدوي والعشائري كيف تلتقي مع حياة بلغ التقدم العلمي فيها درجة هائلة، فكلّ ذلك شاهد على لزوم تغيير التشريع حسب تغيير الظروف.

هذا السؤال كثيراً ما يثار في الأوساط العلمية ويراد من ورائه أمر آخر، وهو التخلص من قيود الدين والقيم الأخلاقية، مع الغفلة انّ تغير ألوان الحياة لا يصادم ثبات التشريع وخلوده على النحو الذي بيّنه المحقّقون من علماء الإسلام.

وذلك لأنّ السائل قد قصّرالنظر على ما يحيط به من الظروف المختلفة المتبدلة، وذهل عن أنّ للإنسان خُلقاً وغرائز ثابتة قد فطر عليها وهي لا تنفك عنه مادام الإنسان إنساناً، وهذه الغرائز الثابتة تستدعي لنفسها تشريعاً ثابتاً يدوم بدوامها، ويثبت بثباتها عبر القرون والأجيال، وإليك نماذج منها:


1-الكافي: 1 / 57 .


(43)

1. انّ الإنسان بما هو موجود اجتماعي يحتاج لحفظ نسله إلى الحياة العائلية، وهذه حقيقة ثابتة في حياة الإنسان وجاء التشريع وفقاً لها، يقول سبحانه: (وَأَنْكِحُوا الأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ)(1).

2. العدالة الاجتماعية توفّر مصلحة المجتمع وتدرأ عنه الفساد والانهيار والفوضى، فليس للإنسان في حياته الاجتماعية إلاّ السير وفق نهج العدل والابتعاد عن الظلم، قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسان وَايتاءِ ذِي القُربى وَيَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(2).

3. انّ الفوارق الرئيسية بين الرجل والمرأة أمر طبيعي محسوس، فهما يختلفان في الخلقة على رغم كلّ الدعايات السخيفة التي تبغي إزالة كلّ تفاوت بينهما، وبما انّ هذا النوع من الاختلاف ثابت لا يتغير بمرور الزمان فهو يقتضي تشريعاً ثابتاً على شاكلة موضوعه، يقول سبحانه: (الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُُمْ عَلى بَعْض وَبِما أَنْفقُوا مِنْ أَمْوالِِهِمْ)(3).

4.الروابط العائلية هي روابط طبيعية ، فالأحكام المنسِّقة لهذه الروابط من التوارث ولزوم التكريم ثابتة لا تتغير بتغير الزمان، يقول سبحانه: (وَأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَولى بِبَعْض فِي كِتابِ اللّه)(4)والمراد من الأولوية هي الأقربية.

5. انّ الحياة الاجتماعية رهن الحفاظ على الأخلاق، وممّا لا شكّ فيه انّ الخمر والميسر والإباحة الجنسية تقوِّض أركان الأخلاق، فالخمر يزيل العقل، والميسر يورث العداء في المجتمع، والإباحة الجنسية تفسد النسل والحرث فتتبعها أحكامها في الثبات والدوام.


1-النور: 32 .
2-النحل: 90 .
3-النساء: 34.
4-الأنفال: 75 .


(44)

هذه نماذج استعرضناها للحياة الاجتماعية التي لا تمسّها يد التغير، وهي ثابتة ، فإذا كان التشريع على وفق الفطرة، وكان نظام التشريع قد وضع وفق ملاكات واقعية، فالموضوعات تلازم أحكامها، ملازمة العلة لمعلولها، والأحكام تتبع موضوعاتها تبعيّة المعاليل لعللها.

هذا جواب إجمالي، وأمّا الجواب التفصيلي فهو رهن الوقوف على الدور الذي يلعبه الزمان والمكان في مرونة الأحكام الشرعية، وتطبيع الأحكام على متطلبات العصر، وهذا هو الذي سنقوم بدراسته.

دور الزمان والمكان في الاستنباط

قد يطلق الزمان والمكان ويراد منها المعنى الفلسفي، فيفسر الأوّل بمقدار الحركة، والثاني بالبعد الذي يملأه الجسم، والزمان والمكان بهذا المعنى خارج عن محط البحث، بل المراد هو المعنى الكنائي لهما، أعني: تطور أساليب الحياة والظروف الاجتماعية حسب تقدم الزمان وتوسع شبكة الاتصالات. وهذا المعنى هو الذي يهمّنا في هذا البحث، ودراسته تتم في ضمن فصول خمسة:

الأوّل: دراسة الروايات الواردة في ذلك المضمار.

الثاني: نقل مقتطفات من كلمات الفقهاء.

الثالث: تطبيقات عملية.

الرّابع: دورالزمان والمكان في الأحكامالحكوميّة.

الخامس: في دراسة العصرين في الفقهالسني.

وإليك دراسة الجميع واحداً تلو الآخر.


(45)

الفصل الأوّل

استعراض الروايات الواردة

في ذلك المضمار

قد أُشير في غير واحد من الروايات عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ إلى أنّ للزمان والمكان دوراً في تغير الأحكام إمّا لتبدّل موضوعه بتبدّل الزمان، أو لتغير ملاك الحكم إلى ملاك آخر، أو لكشف ملاك أوسع من الملاك الموجود في عصر التشريع أو غير ذلك ممّا سيوافيك تفسيره عند البحث في التطبيقات.

وأمّا ما وقفنا عليه في ذلك المجال من الأخبار، فنذكره على الترتيب التالي:

1. سئل علي ـ عليه السَّلام ـ عن قول الرسول ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : «غيّروا الشيبَ ولا تشبَّهوا باليهود».

فقال ـ عليه السَّلام ـ : «إنّما قال ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ذلك والدين قلّ، فأما الآن وقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه فامرؤ وما اختار».(1)

فأشار الإمام بقوله: إنّ عنوان التشبّه كان قائماً بقلّة المسلمين وكثرة اليهود، فلو لم يخضِّب أحد من المسلمين شيبته وكانوا في أقلية صار عملهم تشبهاً باليهود وتقوية لهم، وأمّا بعد انتشار الإسلام في أقطار الأرض على نحو صارت اليهود هم الأقلية فلا يصدق التشبّه بهم إذا ترك الخضاب.


1-نهج البلاغة، قسم الحكم، رقم 17 .


(46)

2. روى محمد بن مسلم و زرارة عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ انّهما سألاه عن أكل لحوم الحمُر الأهلية، فقال: «نهى رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ عن أكلها يوم خيبر، وإنّما نهى عن أكلها في ذلك الوقت لانّها كانت حمولة الناس، وإنّما الحرام ما حرّم اللّه في القرآن».(1)

والحديث يشير إلى أنّ نهي رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ عن أكل لحومها كان لأجل انّ ذبحها في ذلك الوقت يورث الحرج والمشقة ،لأنّها كانت سبباً لحمل الناس و الأمتعة من مكان إلى آخر، فإذا ارتفعت الحاجة في الزمان الآخر ارتفع ملاك الحرمة.

3. روى محمد بن سنان ، أنّ الرضا ـ عليه السَّلام ـ كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: «كره أكل لحوم البغال والحمر الأهلية لحاجة الناس إلى ظهورها واستعمالها والخوف من فنائها وقلّتها لا لقذر خلقها ولا قذر غذائها».(2)

4. روى عبد الرحمن بن حجاج، عمّن سمعه، عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن الزكاة ما يأخذ منها الرجل؟ وقلت له: إنّه بلغنا أنّ رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ قال: أيّما رجل ترك دينارين فهما كيّ بين عينيه، قال: فقال: «أُولئك قوم كانوا أضيافاً على رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ فإذا أمسى، قال: يا فلان اذهب فعشّ هذا، فإذا أصبح قال: يا فلان اذهب فغدّ هذا، فلم يكونا يخافون أن يصبحوا بغير غذاء ولا بغير عشاء، فجمع الرّجل منهم دينارين، فقال رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ فيه هذه المقالة، فانّ الناس إنما يُعطَون من السنة إلى السنة فللرّجل أن يأخذ ما يكفيه ويكفي عياله من السنة إلى السنة».(3)


1-وسائل الشيعة: 16، الباب 4 من كتاب الأطعمة والأشربة، الحديث 1 و 8 .
2-وسائل الشيعة: 16، الباب 4 من كتاب الأطعمة والأشربة، الحديث 1 و 8 .
3-معاني الأخبار: 152، باب معنى قول النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _«أيما رجل ترك دينارين».


(47)

5. روى حماد بن عثمان، قال: كنت حاضراً عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ إذ قال له رجل : أصلحك اللّه، ذكرت أنت علي بن أبي طالب كان يلبس الخشن، يلبس القميص بأربعة دراهم و ما أشبه ذلك، ونرى عليك اللباس الجيّد، قال: فقال له:«إنّ علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر، ولو لبس مثل ذلك اليوم لشُهر به، فخير لباس كلّ زمان، لباس أهله».(1)

6. روى مسعدة بن صدقة: دخل سفيان الثوري على أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ فرأى عليه ثياب بيض كأنّها غرقئ البيض، فقال: إنّ هذا اللباس ليس من لباسك، فقال الإمام ـ بعد كلام ـ: «إنّ رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ كان في زمان مُقْفر جدْب، فأمّا إذا أقبلت الدنيا فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لا كفّارها».(2)

7. روى عبد اللّه بن سنان، قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول :«بينا أنا في الطواف وإذا برجل يجذب ثوبي، وإذا هو عباد بن كثير البصري»، فقال: يا جعفر ابن محمد تلبس مثل هذه الثياب وأنت في هذا الموضع مع المكان الذي أنت فيه من علي ـ عليه السَّلام ـ؟! فقلتُ :«فرُقبيّ اشتريته بدينار، وكان علي ـ عليه السَّلام ـ في زمان يستقيم له ما ليس فيه، ولو لبستُ مثل ذلك اللباس في زماننا لقال الناس هذا مراء مثل عباد».(3)

8. روى المعلى بن خنيس، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: إنّ عليّاً كان عندكم فأتى بني ديوان واشترى ثلاثة أثواب بدينار، القميص إلى فوق الكعب والإزار إلى نصف الساق، و الرداء من بين يديه إلى ثدييه ومن خلفه إلى إليتيه، وقال: هذا اللباس الذي ينبغي للمسلمين أن يلبسوه، قال أبو عبد اللّه: «ولكن لا تقدرون أن


1-الوسائل: 3، الباب 7 من أبواب أحكام الملابس، الحديث 7 و 10 .
2-الوسائل: 3، الباب 7 من أبواب أحكام الملابس، الحديث 7 و 10 .
3-الوسائل: 3، الباب 7 من أبواب أحكام الملابس، الحديث 3 .


(48)

تلبسوا هذا اليوم ولو فعلناه لقالوا مجنون، ولقالوا مرائيّ».(1)

9. روى أبو بكر الحضرميّ، قال سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «لسيرة علي ـ عليه السَّلام ـ في أهل البصرة كانت خيراً لشيعته ممّا طلعت عليه الشمس انّه علم انّ للقوم دولة، فلو سباهم تُسب شيعته».(2)

10. روى السراد، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ، قال: قلت له: أبيع السلاح، قال: «لا تبعه في فتنة».(3)

11.روى المعلى بن خنيس إذا جاء حديث عن أوّلكم وحديث عن آخركم بأيّهما نأخذ؟ فقال: «خذوا به حتى يبلغكم عن الحي، فخذوا بقوله، أما واللّه لا ندخلكم إلاّفيما يسعكم».(4) فإنّ الحكم الثاني المخالف لما روى سابقاً رهن حدوث تغير في جانب الموضوع أو تبدل الملاك أو غير ذلك من العناوين المؤثرة لتبدّل الحكم.

12.روى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: قال: «إنّ النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ نهى أن تحبس لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام من أجل الحاجة، فأمّا اليوم فلا بأس به».(5)

13.روى محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن إخراج لحوم الأضاحي من منى ؟ فقال:« كنّا نقول: لا يخرج منها بشيء لحاجة الناس إليه، وأمّا اليوم فقد كثر الناس فلا بأس بإخراجه».(6)


1-الكافي: 6، باب تشمير الثياب من كتاب الزي والتجمل، الحديث 2 .
2-الكافي: 5، كتاب الجهاد: 33 باب (لم يذكر عنوان الباب) الحديث 4 .
3-الكافي: 5، باب بيع السلاح منهم الحديث 4 وفي الباب ما له صلة بالمقام.
4-الكافي: 1، باب اختلاف الحديث، الحديث 9 .
5-الوسائل: 10، الباب 41 من أبواب الذبح، الحديث 3 .
6-الوسائل: 10، الباب 42 من أبواب الذبح، الحديث 5 .


(49)

14. روى الحكم بن عتيبة ، عن أبي جعفرـ عليه السَّلام ـ، قال: قلت له: إنّ الديات إنّما كانت تؤخذ قبل اليوم من الإبل والبقر والغنم، قال: فقال: «إنّما كان ذلك في البوادي قبل الإسلام، فلمّا ظهر الإسلام وكثرت الورق في الناس قسّمها أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ على الورق» قال الحكم:قلت: أرأيت من كان اليوم من أهل البوادي، ما الذي يؤخذ منهم في الدية اليوم؟إبل؟ أم ورق؟ فقال:« الإبل اليوم مثل الورق بل هي أفضل من الورق في الدية، انّهم كانوا يأخذون منهم في دية الخطأ مائة من الإبل يحسب لكلّ بعير، مائة درهم ،فذلك عشرة آلاف».

قلت له: فما أسنان المائة بعير؟ فقال: «ما حال عليه الحول ذُكْران كلّها».(1)

إنّ المشكلة في المقرر من الديات الست من وجوه:

الأوّل: عدم وجود التعادل والتساوي بين الأُمور الست في بدء الأمر، الواردة في بعض الأحاديث.

15. روى عبد الرحمن بن الحجاج دية النفس بالشكل التالي:

أ: مائة إبل كانت في الجاهلية وأقرّها رسول اللّه.

ب: مائتا بقر على أهل البقر.

ج: ألف شاة ثنيّة على أهل الشاة.

د: ألف دينار على أهل الذهب.

هـ: عشرة آلاف درهم على أهل الورق.

و:مائتا حلّة على أهل اليمن.(2)


1-الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 8 .
2-الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب دية النفس، الحديث 1 .


(50)

فأين قيمة مائتي حلة من قيمة مائة إبل أو غيرها؟! فقد أوجد ذلك مشكلة في أداء الدية خصوصاً إذا قلنا بما هو المشهور من أنّ اختيار أي واحد منها بيد القاتل، فإذاً كيف يتصور التخيير بين الأقل والأكثر؟!

والجواب انّه من المحتمل أن تكون جميع هذه الموارد متقاربة القيمة، لأنّ الحلل اليمانية وإن كانت زهيدة الثمن إلاّ انّ صعوبة اقتنائها حال دون انخفاض قيمتها.

وعلى فرض انخفاض قيمتها لما كان للجاني اختيار الحلل أخذاً بالمتيقن من مورد النص للجاني.

الثاني: المراد من الورق الوارد في النصوص هو الدينار والدرهم المسكوكين الرائجين، وهذا غير متوفر في غالب البلدان، لأنّ المعاملات تتم بالعملة الرائجة في كلّ بلد، وهي غير النقدين، وعلى فرض وجود النقدين في الأعصار السابقة، فليسا رائجين.

الثالث: لم ترد في النصوص الاجتزاء بالعملة الرائجة فما ورد من الدينار والدرهم فغير رائجين وما هو الرائج اليوم كالعملة الورقية فلم يرد فيها نصّ .

والجواب عن الأخيرين هو انّ تقويم دية النفس بالأنعام أو الحلل، لم يكن لخصوصية فيها دون غيرها، بل لأجل انّ قلّة وجود النقدين كانت سبباً لتعامل الناس بالأجناس فكان الثمن أيضاً جنساً كالمثمن ولما كثر الورق، قسّمها الإمام على الورق.

و هذا يعرب عن أنّ الدية الواقعية هو قيمة هذه الأنعام والحلل، لا أنفسها بما هي هي، بنحو لو أدى قيمتها لما أدّى الدية الواقعية.

ولو صحّ ذلك فلا فرق عندئذ بين النقدين والعملة الرائجة في البلاد هذه


(51)

الأيام، إذ الغرض أداء قيمة النفس بأشكالها المختلفة.

16. روى الحلبي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألت عن الوبا يكون في ناحية المصر فيتحول الرجل إلى ناحية أُخرى، أو يكون في مصر فيخرج منه إلى غيره.

فقال: «لا بأس إنّما نهى رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ عن ذلك لمكان ربيئة كانت بحيال العدو فوقع فيهم الوبا فهربوا منه، فقال رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : الفارّ منه كالفار من الزحف كراهية أن يخلو مراكزهم».(1)

فدلّ الحديث على أنّ النهي كان بملاك خاص، وهو انّ الخروج كان سبباً لضعف النظام الإسلامي وإلاّفلا مانع من أن يخرجوا منه بغية السلامة.

17. روى علي بن المغيرة، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : القوم يكونون في البلد فيقع فيه الموت، ألهم أن يتحوّلوا عنها إلى غيرها، قال: «نعم»، قلت: بلغنا انّ رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ عاب قوماً بذلك، فقال: «أُولئك كانوا ربيئة بازاء العدو فأمرهم رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ  أن يثبتوا في موضعهم ولا يتحولوا عنه إلى غيره، فلما وقع فيهم الموت تحولوا من ذلك المكان إلى غيره، فكان تحويلهم عن ذلك المكان إلى غيره كالفرار من الزحف».(2)

18. روى عبد اللّه بن بكير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : لا ينبغي أن يتزوج الرجل الحرّ المملوكةَ اليوم، إنّما كان ذلك حيث قال اللّه عزّوجلّ: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طولاً) والطول المهر، ومهر الحرة اليوم مثل مهر الأمة أو أقل.(3)


1-الوسائل: 2، الباب 20 من أبواب الاحتضار، الحديث 1 .
2-الوسائل: 2، الباب 20 من أبواب الاحتضار، الحديث 2 .
3-الوسائل: 14 الباب 45 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 5 .


(52)

فالحديث يهدف إلى تفسير قوله سبحانه:

(وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَولاً أن يَنْكِحَ المُحْصناتِ المُؤمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ مِنْ فتَيَاتِكُمُ المَؤمِناتِ) (1).

فالآية تعلّق جواز تزويج الأمة بعدم الاستطاعة على نكاح الحرة لأجل غلاء مهرها بخلاف مهر الأمة فانّها كانت زهيدة الثمن.

فإذا عاد الزمان إلى غير هذا الوضع وصار مهر الأمة والحرة على حدّ سواء بل كان مهر الحرة أقل فلا ينبغي أن يتزوج المملوكة فقد غيّرت الظروف جواز الحكم إلى كراهته أو تحريمه.

19. روى بكير بن محمد، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال سأله رجل وأنا حاضر، فقال: يكون لي غلام فيشرب الخمر ويدخل في هذه الأُمور المكروهة فأُريد عتقه، فهل أُعتقه أحبّ إليك أم أبيعه وأتصدق بثمنه؟ فقال: «إنّ العتق في بعض الزمان أفضل، وفي بعض الزمان الصدقة أفضل، فإن كان الناس حسنة حالُهم، فالعتق أفضل، وإذا كانوا شديدة حالُهم فالصدقة أفضل، وبيع هذا أحبّ إليّ إذا كان بهذه الحال».(2)

20. روى محمد بن سنان، عن الإمام موسى بن جعفر عليمها السَّلام في حديث: «ليس بين الحلال والحرام إلاّ شيء يسير، يحوله من شيء إلى شيء فيصير حلالاً وحراماً».

هذه بعض م(3)ا وقفنا عليه، ولعلّ الباحث في غضون الجوامع الحديثيّة يقف على أكثر من ذلك.


1-النساء: 25 .
2-الوسائل: 16، الباب 27 من أبواب العتق، الحديث 1 .
3-بحار الأنوار: 6 / 94، الحديث 1، باب علل الشرائع والأحكام.


(53)

حصيلة الروايات

إنّ الإمعان في مضامين هذه الروايات يثبت انّ تغير الحكم إنّما كان لإحدى الجهات التالية:

1. كان الحكم، حكماً حكومياً وولائياً نابعاً من ولاية النبي على إدارة المجتمع وحفظ مـصالحه، ومثل هذا الحكم لا يكون حكماً شرعياً إلهياً نزل به أمين الوحي عن ربّ العالمين، بل حكماً مؤقّتاً يدور مدار المصالح والمفاسد التي أوجبت تشريع هذا النوع من الأحكام.

ومن هذا القبيل النهي عن إخراج اللحم من منى قبل ثلاثة أيّام، أو النهي عن أكل لحوم الحمير، ولذلك قال الإمام بعد تبيين علّة النهي إنّما الحرام ما حرّماللّه في القرآن، مشيراً إلى أنّه لم يكن هذا النهي كسائر النواهي النابعة من المصالح والمفاسد، الذاتية كالخمر و الميسر بل نجم عن مصالح ومفاسد مؤقتة .

ونظيرهما النهي من الخروج عن مكان ظهر فيه الطاعون، حيث إنّ النهي كان لأجل انّ تحوّلهم من ذلك المكان كان أشبه بالفرار من الزحف فوافاهم النهي فإذا انتفى هذا القيد فلا مانع حينئذ من خروجهم.

2. انّ تبدل الحكم كان لأجل انعدام الملاك السابق، وظهور ملاك مباين، كما هو الحال في حديث الدينارين بخلاف عصر الإمام الصادق حيث كان يعطون من السنة إلى السنة.

ومثله جواز نكاح الأمة مع القدرة على الحرة، لأنّ ملاك الجواز هو غلاء مهر الحرة، وقد انتفى في ذلك العصر، بل صار الأمر على العكس كما في نفس الرواية.


(54)

3. عروض عنوان محرم عليه، ككونه لباس الشهرة أو رمي اللابس بالجنون كما في أحاديث الألبسة، كما يمكن أن يكون من قبيل تبدلّ الملاك، فقد ورد النهي في عصر مقفر، جدب، وأين هو من عصر الخصب والرخاء؟!

4. كون الملاك أوسع كما هو الحال بالاكتفاء بالدرهم والدينار في دية النفس، في عصر الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ فانّ الملاك توفر ما يقوّم به دم المجني عليه، ففي أهل الإبل الإبل، وفي أهل البقر والغنم بهما، وفي أهل الدرهم والدينار بهما.


(55)

الفصل الثاني

نقل مقتطفات من كلمات الفقهاء

إنّ تأثيرالظروف في تفسير الروايات والفتاوى في كلام الفقهاء أمر غير عزيز، وقد وقفوا على ذلك منذ أمد بعيد، ونذكر هنا مقتطفات من كلامهم:

1.الصدوق(306ـ 381هـ)

1. روى الصدوق في الفقيه عن النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ انّه قال: «الفرق بين المسلمين والمشركين التلحي بالعمائم».

ثمّ قال الصدوق في شرح الحديث: ذلك في أوّل الإسلام وابتدائه، وقد نقل عنه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أيضاً انّه أمر بالتلحّي ونهى عن الاقتعاط.(1)

قال الفيض الكاشاني بعد نقل الحديث: التلحّي إدارة العمامة تحت الحنك، والاقتعاط شدُّها من غير إدارة، وسُنّة التلحّي متروكة اليوم في أكثر بلاد الإسلام كقصر الثياب في زمان الأئمة، فصارت من لباس الشهرة المنهي عنها.(2)


1-الفقيه: 1 / 260 برقم 821 .
2-الوافي: 20 / 745 .


(56)

2. العلاّمة الحلّي (648ـ 726هـ)

قال في مبحث تجويز النسخ: الأحكام منوطة بالمصالح، والمصالح تتغير بتغير الأوقات، وتختلف باختلاف المكلّفين، فجاز أن يكون الحكم المعين مصلحة لقوم في زمان فيؤمر به، ومفسدة لقوم في زمان آخر فينهى عنه.(1)

3. الشيخ الشهيد محمد بن مكي العاملي(المتوفّى عام 786هـ)

قال: يجوز تغيير الأحكام بتغير العادات كما في النقود المتعاورة(2) والأوزان المتداولة، ونفقات الزوجات والأقارب فانّها تتبع عادة ذلك الزمان الذي وقعت فيه، وكذا تقدير العواري بالعوائد.

ومنه الاختلاف بعد الدخول في قبض الصداق، فالمروي تقديم قول الزوج، عملاً بما كان عليه السلف من تقديم المهر على الدخول.

ومنه: إذا قدّم بشيء قبل الدخول كان مهراً إذا لم يسم غيره، تبعاً لتلك العادة فالآن ينبغي تقديم قول الزوجة، واحتساب ذلك من مهر المثل.(3)

فقد أشار بقوله«ينبغي تقديم قول الزوجة» إلى مسألة التنازع بينهما فيما إذا ادّعت الزوجة بعد الدخول بعدم تسلم المهر، وادّعى الرجل تسليمه إليها، فقد روى الحسن بن زياد، قال: إذا دخل الرجل بامرأته، ثمّ ادّعت المهر وقال: قد أعطيتك فعليها البيّنة وعليه اليمين.(4)


1-كشف المراد: 173، ط مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _ .
2-المتعاورة أي المتداولة.
3-القواعد والفوائد: 1 / 152، القاعدة الخامسة، ط النجف الأشرف.
4-الوسائل: الجزء 15، الباب 8 من أبواب المهور، الحديث 7 .


(57)

غير انّ لفيفاً من الفقهاء حملوا الرواية على ما إذا كانت العادة الإقباض قبل الدخول وإلاّ فالبيّنة على الزوج.

قال صاحب الجواهر: الظاهر انّ مبنى هذه النصوص على ما إذا كانت العادة الإقباض قبل الدخول، بل قيل إنّ الأمر كذلك كان قديماً، فيكون حينئذ ذلك من ترجيح الظاهر على الأصل.(1)

4.المحقّق الأردبيلي (المتوفّى993هـ)

قال: ولا يمكن القول بكلية شيء بل تختلف الأحكام باعتبار الخصوصيات والأحوال والأزمان والأمكنة والأشخاص وهو ظاهر، وباستخراج هذه الاختلافات والانطباق على الجزئيات المأخوذة من الشرع الشريف، امتياز أهل العلم والفقهاء، شكر اللّه سعيهم ورفع درجاتهم.(2)

5. صاحب الجواهر(المتوفّى1266هـ)

قال في مسألة بيع الموزون مكيلاً وبالعكس: إنّ الأقوى اعتبار التعارف في ذلك وهو مختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.(3)

6. الشيخ الأنصاري(1214 ـ 1281هـ)

وقال الشيخ الأنصاري في بحث ضمان المثلي والقيمي: بقي الكلام في أنّه


1-الجواهر: 31 / 133 .
2-مجمع الفائدة والبرهان: 3 / 436 .
3-الجواهر: 23 / 375 .


(58)

هل يعد من تعذر المثل خروجه عن القيمة كالماء على الشاطئ إذا أتلفه في مفازة والجمد في الشتاء إذا أتلفه في الصيف أم لا؟ الأقوى بل المتعيّن هوالأوّل بل حكي عن بعض نسبته إلى الأصحاب وغيرهم والمصرح به في محكي التذكرة والإيضاح والدروس قيمة المثل في تلك المفازة ويحتمل آخر مكان أو زمان يخرج المثل فيه عن المالية.(1)

7. الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء(1294ـ 1373هـ)

قال في تحرير المجلة في ذيل المادة39:«لا ينكر تغيير الأحكام بتغير الأزمان» قد عرفت أنّ من أُصول مذهب الإمامية عدم تغيير الأحكام إلاّبتغيير الموضوعات امّا بالزمان والمكان والأشخاص، فلا يتغير الحكم ودين اللّه واحد في حقّ الجميع لا تجد لسنّة اللّه تبديلاً، وحلال محمّد ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ حلال إلى يوم القيامة وحرامه كذلك.

نعم يختلف الحكم في حقّ الشخص الواحد باختلاف حالاته من بلوغ ورشد وحضر وسفر وفقر وغنى وما إلى ذلك من الحالات المختلفة، وكلّها ترجع إلى تغيير الموضوع فيتغير الحكم فتدبر ولا يشتبه عليك الأمر.(2)

الظاهر انّه يريد من قوله: «امّا بالزمان والمكان والأشخاص فلا يتغير الحكم» أنّ مرور الزمان لا يوجب تغيير الحكم الشرعي بنفسه، وأمّا إذا كان مرور الزمان سبباً لطروء عناوين موجبة لتغير الموضوع فلا شكّ انّه يوجب تغير الحكم وقد أشار إليه في ذيل كلامه.


1-المكاسب: 110 .
2-تحرير المجلة: 1 / 34 .


(59)

8. السيد الإمام الخميني(1320ـ1409هـ)

قال:إنّي على اعتقاد بالفقه الدارج بين فقهائنا وبالاجتهاد على النهج الجواهري، وهذا أمر لابدّ منه، لكن لا يعني ذلك انّ الفقه الإسلامي لا يواكب حاجات العصر، بل انّ لعنصري الزمان والمكان تأثيراً في الاجتهاد، فقد يكون لواقعة حكم لكنّها تتخذ حكماً آخر على ضوء الأُصول الحاكمة على المجتمع وسياسته واقتصاده.(1)

وقد طرح هذه المسألة غير واحد من أعلام السنّة.

1. منهم ابن قيم الجوزية(المتوفّى751هـ) فقد عقد في كتابه فصلاً تحت عنوان «تغيّرالفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأموال والنيات والعوائد».

يقول في ذيل هذا الفصل:

هذا فصل عظيم النفع، ووقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة، وتكليفِ ما لا سبيل إليه، ما يعلم انّ الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فانّ الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلّها، ورحمة كلّها،ومصالح كلّها، وحكمة كلّها، فكلّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة.(2)

2. و منهم: أبو إسحاق الشاطبي(المتوفّى 790هـ) في الموافقات» قال: المسألة العاشرة: إنّا وجدنا الشارع قاصداً لمصالح العباد والأحكام العادية تدور


1-صحيفة النور: 21 / 98 .
2-اعلام الموقعين: 3 / 14 وقد استغرق في هذا الكتاب 56 صفحة.


(60)

معه حيثما دار، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة فإذا كان فيه مصلحة جاز.(1)

وقال في موضع آخر: النظر في م آلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك انّ المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلّفين بالإقدام أو بالإحجام إلاّ بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل.(2)

3. و منهم: العلاّمة محمد أمين أفندي الشهير بـ«ابن عابدين» مؤلف كتاب «مجموعة رسائل» قال ماهذا نصّه:

اعلم أنّ المسائل الفقهية إمّا أن تكون ثابتة بصريح النص، وإمّا أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد ورأي، وكثيراً منها ما يبينه المجتهد على ما كان في عرف زمانه بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلاً، ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد انّه لابدّ فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيّر عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أوّلاً للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنيّة على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد لبقاء العالم على أتم مقام وأحسن أحكام، ولهذا ترى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمهم بأنّه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذاً في قواعد مذهبه.(3)

4.و منهم :الفقيه الأُستاذ أحمد مصطفى الزرقاء في كتابه «المدخل الفقهي


1-الموافقات: 2 / 305، ط دار المعرفة.
2-الموافقات: 4 / 140، ط دار الكتب العلمية، والعبارة الأُولى أصرح في المقصود.
3-رسائل ابن عابدين: 2 / 123 .


(61)

العام»، قال:

الحقيقة ان الأحكام الشرعية التي تتبدّل بتبدّل الموضوعات مهما تغيرت باختلاف الزمان، فانّ المبدأ الشرعي فيها واحد وليس تبدّل الأحكام إلاّ تبدّل الوسائل والأساليب الموصلة إلى غاية الشارع، فانّ تلك الوسائل والأساليب في الغالب لم تحدّد في الشريعة الإسلامية بل تركتها مطلقة لكي يختار منها في كلّ زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجاً وأنجح في التقويم علاجاً.

ثمّ إنّ الأُستاذ جعل المنشأ لتغيير الأحكام أحد أمرين:

أ: فساد الأخلاق وفقدان الورع وضعف الوازع، وأسماه بفساد الزمان.

ب: حدوث أوضاع تنظيمية ووسائل فرضية وأساليب اقتصادية.

ثمّ إنّه مثّل لكلّ من النوعين بأمثلة مختلفة اقتبس بعضها من رسالة «نشر العرف» للشيخ ابن عابدين، ولكنّه صاغ الأمثلة في ثوب جديد.(1)

5.و منهم: الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه «أُصول الفقه الإسلامي» فقد لخص ما ذكره الأُستاذ السابق وقال في صدر البحث: تغير الأحكام بتغير الأزمان.

إنّ الأحكام قد تتغير بسبب تغير العرف أو تغير مصالح الناس أو لمراعاة الضرورة أو لفساد الأخلاق وضعف الوازع الديني أو لتطور الزمن وتنظيماته المستحدثة، فيجب تغير الحكم الشرعي لتحقيق المصلحة ودفع المفسدة وإحقاق الحق والخير، وهذا يجعل مبدأ تغير الأحكام أقرب إلى نظرية المصالح المرسلة منها إلى نظرية العرف.(2)


1-المدخل الفقهي العام: 2 / 924.
2-أُصول الفقه الإسلامي: 2 / 1116 .


(62)

وقبل تطبيق هذا الأصل على موارده نود أن نشير إلى أُمور يتبين بها حدّ هذا الأصل:

الأوّل: حصر التشريع في اللّه سبحانه

دلّت الآيات القرآنية على حصر التشريع في اللّه سبحانه وانّه ليس مشرع سواه، قال سبحانه: (إِنِ الحُكْمُ إِلاّ للّه أَمَرَ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاّإِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلكنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُون)(1).

والمراد من الحكم هو الحكم التشريعي بقرينة قوله: (أَمَرَ أَنْ لا تَعْبُدوا إِلاّإِيّاهُ) وهذا أمر أوضحنا حاله في موسوعتنا «مفاهيم القرآن».

وينبغي التأكيد على نكتة وهي انّ تغير الحكم وفق الزمان والمكان يجب أن لا يتنافى مع حصر التشريع باللّه سبحانه.

الثاني: خلود الشريعة

دلّ القرآن والسنّة على خلود الشريعة الإسلامية وانّ الرسول خاتم الأنبياء وكتابه خاتم الكتب، و شريعته خاتمة الشرائع، فحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة وبذلك تضافرت الآيات والروايات وقد تقدم.

فاللازم أيضاً أن لا يكون أيّ تناف بين خلود الشريعة وتأثير الزمان والمكان على الاستنباط.

ومن حسن الحظ انّ الأُستاذ أحمد مصطفى الزرقاء قد صرح بهذا الشرط، وهو انّ عنصري الزمان والمكان لا تمسان كرامة الأحكام المنصوصة في الشريعة، وإنّما يؤثران في الأحكام المستنبطة عن طريق القياس والمصالح المرسلة والاستحسان وقال ما هذا نصّه:


1-يوسف: 40 .


(63)

قد اتفقت كلمة فقهاء المذاهب على أنّ الأحكام التي تتبدّل بتبدّل الزمان وأخلاق الناس هي الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية، أي التي قررها الاجتهاد بناء على القياس أو على دواعي المصلحة، وهي المقصودة من القاعدة المقررة «تغيير الأحكام بتغير الزمان».

أمّا الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة، الناهية كحرمة المحرمات المطلقة وكوجوب التراضي في العقود، والتزام الإنسان بعقده،وضمان الضرر الذي يلحقه بغيره وسريان إقراره على نفسه دون غيره، ووجوب منع الأذى وقمع الإجرام، وسد الذرائع إلى الفساد وحماية الحقوق المكتسبة، ومسؤولية كلّ مكلّف عن عمله وتقصيره، وعدم مؤاخذة بريء بذنب غيره، إلى غير ذلك من الأحكام والمبادئ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعة لتأسيسها ومقاومة خلافها، فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان، بل هي الأُصول التي جاءت بها الشريعة لإصلاح الأزمان والأجيال، ولكن وسائل تحقيقها وأساليب تطبيقها قد تتبدل باختلاف الأزمنة المحدثة.(1)

وكلامه صريح في أنّ المتغير عندهم هو الأحكام الاجتهادية لا الأحكام المنصوصة، ويريد من الأحكام الاجتهادية ما استنبطه المجتهد من القواعد الخاصة، كالقياس والمصالح المرسلة، وقد صرّح بذلك الدكتور وهبة الزحيلي حيث قال: وذلك كائن بالنسبة للأحكام الاجتهادية ـ القياسية أو المصلحية ـ المتعلقة بالمعاملات أو الأحوال المدنية من كلّ ما له صلة بشؤون الدنيا وحاجات التجارة والاقتصاد وتغير الأحكام فيها في حدود المبدأ الشرعي، وهو إحقاق الحق وجلب المصالح ودرء المفاسد.


1-المدخل الفقهي العام: 2 / 924 ـ 925 .


(64)

أمّا الأحكام التعبدية والمقدرات الشرعية وأُصول الشريعة الدائمة، فلا تقبل التبديل مطلقاً، مهما تبدل المكان وتغير الزمان ، كحرمة المحارم، ووجوب التراضي في العقود، و ضمان الضرر الذي يلحقه الإنسان بغيره، و سريان إقراره على نفسه، وعدم مؤاخذة بريء بذنب غيره.(1)

نعم، نقل تقديم بعض الأحكام الاجتهادية على النص عن أحمد بن إدريس المالكي، ونجم الدين أبو ربيع المعروف بالطوفي، و بما انّا لم نقف على نصوص كلامهم نتوقف عن القضاء في حقّهم.

وعلى أي تقدير يجب على من يقول بتأثير العاملين على استنباط الحكم الشرعي أن يحددهما بشكل لا تمس الأصلين المتقدمين أي نحترز أولاً عن تشريع الحكم، وثانياً عن مس كرامة تأبيد الأحكام، وعلى ذلك فلا فرق بين الأحكام الاجتهادية والمنصوصة إذا كان الأصلان محفوظين.

الثالث: انّ المراد من تأثير الزمان والمكان على الاستنباط، هو أن يكون تغير الوضع موجباً لتبدل الحكم من دون أن يكون في النص إشارة إلى هذا النوع من التغيير، وإلاّ فلو كان التشريع الأوّل متضمناً لتغير الحكم في الزمان الثاني فهو خارج عن موضوع بحثنا وإن كان يمكن الاستئناس به، وعلى ذلك تخرج الموارد التالية عن موضوع البحث.

أ: اختلاف الحكم الشرعي في دار الحرب مع غيرها، مثلاً لو ارتكب المسلم فعلاً يستتبع الحد فلا يقام عليه في دار الحرب، بخلاف ما لو كان في دار الإسلام.

قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «لا يقام على أحد حدّ بدار العدو».(2)


1-أُصول الفقه: 2 / 1116 .
2-الوسائل: 18، الباب 10 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 1. لاحظ الخلاف: 5 / 522 قال ابن قدامة في المغني: 10 / 538. قال أبو حنيفة: لا حدّ ولا قصاص في دار الحرب ولا إذا رجع.


(65)

ب: من زنى في شهر رمضان نهاراً كان أو ليلاً عوقب على الحد لانتهاكه الحرمة، وكذا لو كان في مكان شريف أو زمان شريف.(1)

ج: اختلاف المجاهدين والمنفقين قبل الفتح وبعده، يقول سبحانه: (لا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الحُسْنى وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبير)(2).

د: نسخ الحكم في الزمان الثاني، كما في قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُول فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي نَجْواكُمْ صَدَقَة )(3) فقد نسخ بقوله سبحانه: (أ أشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي نَجْواكُمْ صَدقات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ...)(4).

هـ: تغير الأحكام بطروء العناوين الثانوية كالضرر والحرج وتقديم الأهم على المهم، والنذر والعهد واليمين وما أشبه ذلك.

وحصيلة الكلام أنّ محور البحث هو انّ الظروف المختلفة هي العامل الوحيد لتغير الأحكام بعد التشريع الأوّل، و هذه هي التي تبعث الفقيه على الإمعان في بقاء التشريع الأوّل أو زواله، وأمّا إذا قام الشارع بنفسه ببيان اختلاف الحكمين في الظرفين فهو خارج عن محط البحث وإن كان ربما يقرّب فكرة التأثير، ويستأنس بها المجتهد. أو كان التغيير لأجل طروء عناوين ثانوية كالاضطرار والحرج فهو خارج عن محط البحث وبذلك يعلم انّ استناد بعض من نقلنا نصوصهم من أعلام السنّة إلى تلك العناوين، خروج عن مصب البحث.


1-الشرائع: 4 / 941، كتاب الحدود، المسألة العاشرة.
2-الحديد: 10 .
3-المجادلة: 12.
4-المجادلة: 13 .


(66)

الرابع: إذا قلنا بتأثير الزمان والمكان على الاستنباط، فالحكم المستنبط عندئذ حكم واقعي وليس حكماً ظاهرياً كما هو معلوم، لعدم أخذ عنوان الشكّ في موضوعه ولا حكماً واقعيّاً ثانوياً الذي يعتمد على عنواني الضرر والحرج أو غير ذلك من العناوين الثانوية، فالمجتهد يبذل جهده في فهم الكتاب والسنّة لاستنباط الحكم الشرعي الواقعي في هذه الظروف، ويكون حكمه كسائر الأحكام التي يستنبطها المجتهد في غير هذا المقام، فالحكم بجواز بيع الدم أو المني أو سائر الأعيان النجسة التي ينتفع بها في هذه الأيام ليس حكماً ظاهرياً ولا مستخرجاً من باب الضرر والحرج ،وإنّما هو حكم واقعي كسابقه (أي التحريم) غير انّ الحكم السابق كان مبنياً على عدم الانتفاع بالأعيان النجسة انتفاعاً معتداً به، وهذا الحكم مبني على تبدل الموضوع .

وإن شئت قلت بتبدل مصداق الموضوع إلى مصداق موضوع آخر، تكون الحرمة والجواز كلاهما حكمين شرعيين واقعيين.


(67)

الفصل الثالث

تطبيقات عملية

إذا وقفت على الروايات الواردة حول تأثير الزمان والمكان، وعلى كلمات المحقّقين من الفريقين في ذلك المضمار فآن الآوان للبحث عن التطبيقات والفروع المستنبطة على ضوء ذلك الأصل، وبما انّ تأثير الزمان و المكان على الاستنباط ليس تأثيراً عشوائياً بل هو خاضع لمنهاج خاص يسير على ضوئه، فلذلك نذكر الأمثلة تحت ضوابط معينة لئلا تقع ذريعة إلى إنكار ثبات الأحكام و دوامها:

الأوّل : تأثيرهما في تطبيق الموضوعات على مواردها

لا شكّ انّ هناك أُموراً وقعت موضوعاً لأحكام شرعية نظير :

1. الاستطاعة: قال سبحانه: (وَ للّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبيلاً) (1).

2. الفقر: قال سبحانه: (إِنّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالمَساكِينِ... وَ ابْنِ السَّبِيلِ)(2).

3. الغنى: قال سبحانه: (وَمَنْ كانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِف وَمَنْ كانَ فَقيراً فليَأكُل


1-آل عمران: 97 .
2-التوبة: 60 .


(68)

بِالمَعْرُوفِ )(1).

4. بذل النفقة للزوجة: قال سبحانه: (أسكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سكَنتُم مِنْ وُجِدْكُمْ) (2).

5. إمساك الزوجة بالمعروف: قال سبحانه: (فَامْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفِ أَوْ سَرِّّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف)(3).

ومن الواضح انّ مصاديق هذه الموضوعات تتغير حسب تغير أساليب الحياة، فالإنسان المستطيع بالأمس للحجّ، لا يعد مستطيعاً اليوم، لكثرة حاجات الإنسان في الزمان الثاني دون الأوّل ، وبذلك يتضح حال الفقر والغنى، فربّ غني بالأمس فقير اليوم.

ـ كما أنّ نفقة الزوجة في السابق كانت منحصرة في الملبس والمأكل والمسكن، وأمّا اليوم فقد ازدادت حاجاتهاعلى نحو لو لم يقم الرجل ببعض تلك الحاجات يعد عمله بخساً لحقها، وامتناعاً من بذل نفقتها.

ـ إنّ المثلي والقيمي والمكيل و الموزون موضوعات للأحكام الشرعية، مثلاً: لا تجوز معاوضة المتماثلين إذا كان مكيلاً أو موزوناً إلاّبمثله قدراً و وزناً، دون المعدود والموزون، فيجوز تبديلهما بأكثر منهما فالمثلي يضمن بالمثلي، والقيمي بالقيمي، وقد عُرِّف المثلي بكثرة المماثل، والقيمي بقلّته، ولذلك عُدت الثياب والأواني من القيميات، لكن صارا اليوم بفضل الصناعة الحديثة، مثليين .

ثمّ إنّ المتبع في كون شيء مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً هو عرف البلد الذي يتعامل فيه وهو يختلف حسب اختلاف الزمان والمكان.


1-النساء: 6 .
2-الطلاق: 6 .
3-البقرة: 231 .


(69)

وبذلك اتضح انّ عنصري الزمان والمكان يؤثران في صدق المفاهيم في زمان دون زمان.

الثاني: تأثيرهما في تغير الحكم بتغيّر مناطه

لا شكّ انّ الأحكام الشرعية تابعة للملاكات والمصالح والمفاسد، فربما يكون مناط الحكم مجهولاً ومبهماً، وأُخرى يكون معلوماً بتصريح من قبل الشارع، والقسم الأوّل خارج عن محلّ البحث، وأمّا القسم الثاني فالحكم دائر مدار مناطه وملاكه.

فلو كان المناط باقياً فالحكم ثابت، وأمّا إذا تغيّر المناط حسب تغير الظروف فيتغير الحكم قطعاً، مثلاً:

1. لا خلاف في حرمة بيع الدم بملاك عدم وجود منفعة محلّلة فيه، ولم يزل حكم الدم كذلك حتى اكتشف العلم له منفعة محلّلة تقوم عليها رحى الحياة، وأصبح التبرع بالدم إلى المرضى كإهداء الحياة لهم، وبذلك حاز الدم على ملاك آخر فحلّ بيعه وشراؤه.(1)

قال السيد الإمام الخميني: الأقوى جواز الانتفاع بالدم في غير الأكل وجواز بيعه لذلك، و على ذلك تعارف من بيع الدم من المرضى وغيرهم لا مانع منه فضلاً عمّا إذا صالح عليه أو نقل حق الاختصاص ويجوز نقل الدم من بدن إنسان إلى آخر، وأخذ ثمنه بعد تعيين وزنه بالآلات الحديثة، ومع الجهل لا مانع من الصلح عليه، والأحوط أخذ المبلغ للتمكين على أخذ دمه مطلقاً، لا مقابل الدم ولا يترك الاحتياط ما أمكن.


1-المكاسب المحرّمة: 1 / 57 .


(70)

2. انّ قطع أعضاء الميت أمر محرّم في الإسلام، قال رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : «إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور»(1) ومن الواضح انّ ملاك التحريم هو قطع الأعضاء لغاية الانتقام والتشفّي، ولم يكن يومذاك أي فائدة تترتّب على قطع أعضاء الميت سوى تلبية للرغبة النفسية ـ الانتقام ـ ولكن اليوم ظهرت فوائد جمّة من وراء قطع أعضاء الميت، حيث صارت عملية زرع الأعضاء أمراً ضرورياً يستفاد منها لنجاة حياة المشرفين على الموت.ويمكن أن يكون من هذه المقولة المثال التالي:

3.لا شكّ انّ التوالد والتناسل أمر مرغوب في الشرع. روى محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: إنّ رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ قال: «تزوّجوا فإنّي مكاثر بكم الأُمم غداً يوم القيامة».(2)

وروى جابر عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «قال رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : ما يمنع المؤمن أن ينفذ أهلاً لعل اللّه يرزقه نسمة تثقل الأرض بلاإله إلاّاللّه».(3)

حتى أنّه سبحانه يمن على عباده بكثرة المال والبنين، ويقول: (اسْتَغفِروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غفّاراًيُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكمْ مِدرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوال وَبَنيِنَ)(4)

إلى غير ذلك من الآيات والروايات الحاثّة على تكثير النسل، لكن ربما تعتري البلاد أزمة اقتصادية وثقافية خانقة لا تتمكن من توفير الخدمات اللازمة لمواطنيها نتيجة كثافة سُكّانها، فعند ذلك ينقلب ملاك الحكم الاستحبابي إلى غيره، لأنّ هدف الشارع من تكثير النسل هو توفير العزّة والمنعة، فإذا تعسّر فحينها يكون تحديد النسل هو الحل المطلوب.


1-لاحظ نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 47.
2-الوسائل: 14، الباب الأوّل من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 2 و 3.
3-الوسائل: 14، الباب الأوّل من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 2 و 3.
4-نوح: 10 ـ 12 .


(71)

و هناك أمثلة أُخرى لم نستعرضها لعدم ثبوت تغيير الملاك عندنا، كصناعة التماثيل فربما يتصور انّ الملاك في التحريم هو كون صناعة التماثيل ذريعة لعبادة أصحابها، وأمّا اليوم فقد انتفى ذلك الملاك وعادت من الفنون الجميلة.

هذا بالنظر إلى البلاد الإسلامية، وأمّا بالنظر إلى دول جنوب آسيا فالتجسيم هناك رمز العبادة والشرك وذريعة إليه فهل يكفي في الحلية خلو العمل من الملاك في بلد خاص، أو يجب أن يكون كذلك في كافة البلدان أو أغلبها، والثاني هو المتعيّن.

الثالث: تأثيرهما في كشف مصاديق جديدة للموضوع

إنّ الزمان والمكان كما يؤثران في تغيّر الملاك وتبدّله، كذلك يؤثران في إسراء الحكم إلى موضوع لم يكن موجوداً في عصر التشريع وذلك بفضل الملاك المعلوم، ولنذكر هنا أمثلة:

1. انّ السبق والرماية من التمارين العسكرية التي يكتسب بها المهارة اللازمة للدفاع عن النفس وللقتال والظاهر من بعض الروايات حصرها في أُمور ثلاثة.

روى حفص بن غياث، عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال: «لا سبق إلاّ في خف أو حافر أو نصل ـ يعني: النضالـ».(1)

وروى عبد اللّه بن سنان عنه ـ عليه السَّلام ـ قال: سمعته يقول : «لا سبق إلاّفي خف أو حافر أو نصل ـيعني النضالـ».(2)

وروى الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ عن رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أنّه كان يقول: «إنّ الملائكة تحضر الرهان في الخف والحافر والريش وما سوى ذلك فهو قمار حرام».(3)


1-الوسائل: 13، الباب 3 من أبواب السبق والرماية، الحديث 1، 2، 3، 5 .
2-الوسائل: 13، الباب 3 من أبواب السبق والرماية، الحديث 1، 2، 3، 5 .
3-الوسائل: 13، الباب 3 من أبواب السبق والرماية، الحديث 1، 2، 3، 5 .


(72)

ومن المعلوم انّ المناط للسبق بهذه الأُمور هو تقوية البنية الدفاعية، فتحصيل هذا الملاك في هذه الأعصار لا يقتصر على السبق بهذه الأُمور الثلاثة، بل يتطلب لنفسه وسائل أُخرى أكثر تطوراً.

قال الشهيد الثاني في «المسالك»: لا خلاف بين المسلمين في شرعية هذا العقد، بل أمر به النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ في عدّة مواطن لما فيه من الفائدة المذكورة هي من أهمّ الفوائد الدينية لما يحصل بها من غلبة العدو في الجهاد لأعداء اللّه تعالى، الذي هو أعظم أركان الإسلام ولهذه الفائدة يخرج عن اللهو واللعب المنهي عن المعاملة عليهما.(1)

فإذا كانت الغاية من تشريعها الاستعداد للقتال والتدرب للجهاد، فلا يفرق عندئذ بين الدارج في زمن النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ وغيره أخذاً بالملاك المتيقن.

وعلى ذلك فالحصر ناظر إلى السبق فيما يعد لهواً كاللعب بالحمام كما في رواية عن رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أنّه قال: «كلّ لهو... باطل إلاّ في ثلاث: في تأديبه الفرس، ورميه عن قوسه، وملاعبته امرأته فانّهن حقّ».(2)

2. الدفاع عن بيضة الإسلام قانون ثابت لا يتغير، وإليه يرشد قوله سبحانه:(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِباطِ الخَيلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوّ اللّه وَعَدُوّكُمْ)(3)، فكان الدفاع في الصور السابقة بالسهم والنصل والسيف وما أشبه ذلك.

وأمّا اليوم وفي ظل التقدم العلمي الهائل، فقد أصبحت المعدات الحربية تدور حول الدبابات والمدرعات والحافلات والطائرات المقاتلة والبوارج البحريّة.


1-المسالك: 2 / 69 .
2-الوسائل: 13، الباب 1 من أحكام السبق والرماية، الحديث 5.
3-الأنفال: 60 .


(73)

3. أمر الإسلام بنشر الثقافة والتعليم والتربية وكانت الوسائل المستخدمة في هذا الصدد يوم ذاك لا تتعدى أُموراً بسيطة كالمداد والدواة، ولكن اليوم في ظل التقدم العلمي فقد أصبحت وسائل التعليم متطورة للغاية حتى شملت الكامبيوتر والتلفزة والاذاعة وشبكة المعلومات «الانترنت».

4. لقد ذهب المشهور إلى تخصيص الاحتكار بأجناس معدودة.

روى السكوني، عن الإمام الصادق عن آبائه ـ عليهم السَّلام ـ عن النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ قال: «الحكرة في ستة أشياء: في الحنطة والشعير والتمر والزيت والسمن والزبيب».(1)

وروى غياث، عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، قال:« ليس الحكرة إلاّفي الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن».(2)

وقد ذهب الشيخ الطوسي في النهاية بعد عدها إلى أنّه لا يكون الاحتكار في سوى هذه الأجناس وتبعه لفيف من الفقهاء.(3)

وثمة احتمال آخر وهو انّ الأجناس الضرورية يومذاك كانت منحصرة بما ورد في الروايات على نحو ينجم عن احتكارها أزمة في المجتمع الإسلامي، دون سائر الأجناس، وأمّا اليوم فلا شكّ انّه اتسعت الحاجات وتغيرت فعاد مالم يكن ضرورياً في الماضي أمراً ضرورياً في عصرنا هذا، فلو أوجد الحكرة في غير هذه الأجناس نفس الأزمة، يكون الجميع على حد سواء، خصوصاً وانّ الحلبي روى عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ انّه قال: سألته عن الرجل يحتكر الطعام ويتربص به، هل يصلح ذلك، ثمّ قال: «إن كان الطعام كثيراً يسع الناس فلا بأس به وإن كان الطعام قليلاً لا يسع الناس فانّه يكره أن يحتكر الطعام ويترك الناس ليس لهم


1-الوسائل: 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 10 و 4 .
2-الوسائل: 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 10 و 4 .
3-الحدائق الناضرة: 18 / 62 .


(74)

طعام».(1)

فإذا كان الميزان هو توفير السعة على الناس وعدمه فلا فرق بين الطعام وغيره فلا يبعد أن تعم حرمة الحكرة إلى غيره.

إنّ من المعلوم انّ الأحكام الشرعية تابعة للملاكات فانّها شرعت على أساس المصالح والمفاسد، وهذا يقتضي استيعاب الحكرة لغير ما نصّ عليه، وقد عرفت أنّ الروايات الحاصرة ناظرة إلى عمدة ما يحتاج إليه الناس في العصور الماضية.

و هذا هو خيرة صاحب الجواهر فانّه قال: بل هو كذلك في كلّ حبس لكلّ ما تحتاجه النفوس المحترمة ويضطرون إليه ولا مندوحة لهم عنه من مأكول أو مشروب أو ملبوس أو غيرها، من غير تقييد بزمان دون زمان، ولا أعيان دون أعيان، ولا انتقال بعقد، ولا تحديد بحدّ، بعد فرض حصول الاضطرار... بل لا يبعد حرمة قصد الاضطرار بحصول الغلاء ولو مع عدم حاجة الناس ووفور الأشياء، بل قد يقال بالتحريم بمجرد قصد الغلاء وحبه وإن لم يقصد الإضرار، ويمكن تنزيل القول بالتحريم على بعض ذلك.(2)

وقال أيضاً: لو اعتاد الناس طعاماً في أيّام القحط مبتدعاً جرى فيه الحكم لو بني فيه على العلة وفي الأخبار ما ينادي بأنّ المدار على الاحتياج وهو مؤيد للتنزيل على المثال، وإن كان فيه مالا يخفى.(3)

وإلى ذلك ذهب فقيه عصره السيد الاصفهاني، قال: الاحتكار وهو حبس


1-وسائل الشيعة: 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 2.
2-جواهر الكلام: 22 / 481 .
3-جواهر الكلام: 22 / 483.


(75)

الطعام وجمعه يتربص به الغلاء حرام مع ضرورة المسلمين وحاجتهم وعدم وجود من يبذلهم قدر كفاية...وإنّما يتحقّق الاحتكار بحبس الحنطة والشعير والتمر والزبيب والدهن، و كذا الزيت والملح على الأحوط لو لم يكن الأقوى، بل لا يبعد تحققه في كلّ ما يحتاج إليه عامة أهالي البلد من الأطعمة كالارز والذرّة بالنسبة إلى بعض البلاد.(1)

وقال المحقّق الحائري: إذا فرض الاحتياج إلى غير الطعام من الأُمور الضرورية للمسلمين كالدواء والوقود في الشتاء بحيث استلزم من احتكارها الحرج والضرر على المسلمين فمقتضى أدلة الحرج والضرر حرمته وإن لم يصدق عليه لغة الاحتكار.

ويمكن التمسّك بالتذييل الذي هو في مقام التعليل بحسب الظاهر المتقدم في معتبر الحلبي، بناء على أنّه إذا كان الظاهر أنّ التعليل بأمر ارتكازي فيحكم بإلغاء قيد الطعام، لأنّه ليس بحسب الارتكاز إلاّمن جهة توقّف حفظ النفس عليه، فإذا وجد الملاك المذكور في الدواء مثلاً فلا ريب انّه بحكمه عرفاً، وهذا يوجب إلغاء الخصوصية المأخوذة في التعليل.(2)

أقول: إنّ صاحب الجواهر والمحقّق الحائري حكما بتحريم الاحتكار لأجل الاضطرار، فصارت الحرمة حكماً ثانوياً .

ولكن الحقّ انّ الحرمة حكم أوّلي لما عرفت من أنّ الملاك هو كون الناس في السعة والضيق فيجوز الأوّل، ويحرم في الثاني، ولا أظن انّ الضيق الناجم عن احتكار الدواء للمرضى والجرحى أقل وطأة من حكر الملح والسمن والزيت.(3)


1-وسيلة النجاة: 2 / 8.
2-ابتغاء الفضيلة في شرح الوسيلة: 1 / 197 .
3-وراجع في حكم الاحتكار، مفتاح الكرامة: 4 / 107 ; مصباح الفقاهة: 5 / 498 .


(76)

الرابع: تأثيرهما في تغير أساليب تنفيذ الحكم

1.تضافرت النصوص على حلّية الأنفال للناس، ومن الأنفال: الآجام والأراضي الموات، وقد كان انتفاع الناس بها في الأزمنة الماضية لا يورث مشكلة في المجتمع، وذلك لبساطة الأدوات التي تستخدم في الاستفادة المحدودة من الأنفال. فلم يكن هناك أيّ ملزم للحد من انتفاع الناس من الأنفال، وأمّا اليوم فقد تطورت أساليبُ الانتفاع من الأنفال وازداد جشع الإنسان حيالها، فدعت الضرورة إلى وقف الاستغلال الجشع لهذه الأنفال من خلال وضع قوانين كفيلة بتحديد هذا الانتفاع صيانة للبيئة.

2. اتّفق الفقهاء على أنّ الغنائم الحربية تقسم بين المقاتلين على نسق خاص بعد إخراج خمسها لأصحابها، لكن الغنائم الحربية في عصر صدور الروايات كانت تدور حول السيف و الرمح والسهم والفرس وغير ذلك، ومن المعلوم انّ تقسيمها بين المقاتلين كان أمراً ميسراً آنذاك ، وأمّا اليوم وفي ظل التقدم العلمي الهائل فقد أصبحت الغنائم الحربية تدور حول الدبابات والمدرّعات و الحافلات و الطائرات المقاتلة والبوارج البحريّة ، ومن الواضح عدم إمكان تقسيمها بين المقاتلين بل هو أمر متعسرّ، فعلى الفقيه أن يتخذ أُسلوباً في كيفية تطبيق الحكم على صعيد العمل ليجمع فيها بين العمل بأصل الحكم والابتعاد عن المضاعفات الناجمة عنها.

3. انّ الناظر في فتاوى الفقهاء السابقين فيما يرجع إلى الحج من الطواف حول البيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والذبح في منى يحس حرجاً شديداً في تطبيق عمل الحج على هذه الفتاوى، ولكن تزايد وفود حجاج بيت اللّه عبر الزمان يوماً بعد يوم أعطى للفقهاء رؤى وسيعة في تنفيذ تلك الأحكام على


(77)

موضوعاتها ، فأفتوا بجواز التوسع في الموضوع لا من باب الضرورة والحرج، بل لانفتاح آفاق جديدة أمامهم في الاستنباط.

كانت الفتاوى في الأعصار السابقة على تحديد المطاف بـ26 ذراعاً ومن المعلوم انّ هذا التحديد كان يرجع فيما إذا كان عدد الحجاج لا يزيد على 100ألف حاج، وأمّا اليوم فعدد الطائفين تجاوز عن هذا الحد بكثير حتى بلغ عددهم في هذه الأعصار إلى مليوني حاج بل أزيد، فإذا خوطب هؤلاء بالطواف على البيت فهل يفهم منه انّه يجب عليهم الطواف بين الحدين؟ إذ معنى ذلك أن يحرم الكثير من هذه الفريضة، أو يفهم إيجاد التناوب بين الطائفين حتى لا يطوف حاج طوافاً ندبياً إلى أن يفرغ الحجاج عن الفريضة، أو يفهم منه ما فهمه الآخرون من أنّهم يطوفون بالبيت بالأقرب فالأقرب؟وإلى تينك الحالتين تشير الروايتان التاليتان(1) :

1. فقد روى محمد بن مسلم مضمراً، قال :سألته عن حدّالطواف بالبيت الذي من خرج عنه لم يكن طائفاً بالبيت؟ قال: «كان النّاس على عهد رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ يطوفون بالبيت والمقام وأنتم اليوم تطوفون ما بين المقام وبين البيت، فكان الحدّ موضع المقام اليوم، فمن جازه فليس بطائف، والحدّ قبل اليوم واليوم واحد قدر ما بين المقام و بين البيت من نواحي البيت كلّها، فمن طاف فتباعد من نواحيه أبعد من مقدار ذلك كان طائفاً بغير البيت بمنزلة من طاف بالمسجد لأنّه طاف في غير حدّولا طواف له».

2.محمّد بن علي الحلبيّ قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الطواف خلف المقام ؟ قال: «ما أحبّ ذلك وما أرى به بأساً، فلا تفعله إلاّ أن لا تجد منه بداً».


1-الوسائل: الجزء 9، الباب 28 من أبواب الطواف، حج 1 و 2.


(78)

والأُولى ناظرة إلى الحالة التي يتمكن الحاج من الطواف بين الحدين بلا مشقة كثيرة، ولعلّ الإمام المروي عنه هو أبو جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ ، ولم يكن يوم ذاك زحام كثير; والثانية منهما ناظرة إلى عصر الزحام بحيث يعسر للحاج أن يراعي ذلك الحدّ.

3. أفتى القدماء بأنّ الإنسان يملك المعادن المركوزة في أرضه تبعاً لها دون أي قيد أو شرط، وكان الداعي من وراء تلك الفتوى هو بساطة الوسائل المستخدمة لذلك، ولم يكن بمقدور الإنسان الانتفاع إلاّ بمقدار ما يعد تبعاً لأرضه، ولكن مع تطور الوسائل المستخدمة للاستخراج، استطاع أن يتسلط على أوسع مما يعدّتبعاً لأرضه، فعلى ضوئه لا مجال للإفتاء بأنّ صاحب الأرض يملك المعدن المركوز تبعاً لأرضه بلا قيد أو شرط، بل يحدد بما يعد تبعاً لها عرفاً، وأمّا الخارج عنها فهو إمّا من الأنفال أو من المباحات التي يتوقف تملّكها على إجازة الإمام.

نعم لا ينبغي التأمل في قيام السيرة العقلائية بل وكذا الشرعية ـ و إن انتهت إليها ـ على دخولها في ملك صاحب الأرض بتبع ملكه للأرض فتلحق الطبقة السافلة بالعالية والباطنة بمحتوياتها بالظاهرة أخذاً بقانون التبعية وإن لم يتم هذا الإلحاق من ناحية الإحياء حسبما عرفت ومن ثمّ لو باع ملكه فاستخرج المشتري منه معدناً ملكه وليس للبائع مطالبته بذلك، لأنّه باعه الأرض بتوابعها.

ولكن السيرة لا إطلاق لها والمتيقن من موردها ما يعد عرفاً من توابع الأرض وملحقاتها كالسرداب والبئر وما يكون عمقه بهذه المقادير التي لا تتجاوز عن حدود الصدق العرفي فما يوجد أو يتكون ويستخرج من خلال ذلك فهو ملك لصاحب الأرض بالتبعية كما ذكر.

وأمّا الخارج عن نطاق هذا الصدق غير المعدود من التوابع كآبار النفط


(79)

العميقة جداً وربما تبلغ الفرسخ أو الفرسخين، أو الآبار العميقة المستحدثة أخيراً لاستخراج المياه من عروق الأرض البالغة في العمق والبعد نحو ما ذكر أو أكثر، فلا سيرة في مثله ولا تبعية، ومعه لا دليل على إلحاق نفس الأرض السافلة بالعالية في الملكية فضلاً عن محتوياتها من المعادن ونحوها.

نعم في خصوص المسجد الحرام ورد أنّ الكعبة من تخوم الأرض إلى عنان السماء. ولكن الرواية ضعيفة السند. و من ثمّ ذكرنا في محله لزوم استقبال عين الكعبة لجميع الأقطار لا ما يسامتها من شيء من الجانبين.

5. انّ روح القضاء الإسلامي هو حماية الحقوق وصيانتها،وكان الأُسلوب المتبع في العصور السابقة هو أُسلوب القاضي الفرد، وقضاؤه على درجة واحدة قطعية، وكان هذا النوع من القضاء مؤّمناً لهدف القضاء، ولكن اليوم لما دبّ الفساد في المحاكم، وقلّ الورع اقتضى الزمان أن يتبدل أُسلوب القضاء إلى أُسلوب محكمة القضاة الجمع، و تعدّد درجات المحاكم حسب المصلحة الزمانية التي أصبحت تقتضي زيادة الاحتياط.

الخامس: تأثيرهما في بلورة موضوعات جديدة

إنّ التطور الصناعي والعلمي أسفر عن موضوعات جديدة لم يكن لها وجود من ذي قبل، فعلى الفقيه دراسة هذه الموضوعات بدقة و إمعان و لو بالاستعانة بأهل الخبرة والتخصص في ذلك المجال، وهانحن نشير إلى بعض العناوين المستجدة.

1. التأمين بكافة أقسامه، فهناك من يريد دراسة هذا الموضوع تحت أحد العناوين المعروفة في الفقه كالصلح والضمان وغيره، مع أنّه عقد مستقل بين


(80)

العقلاء، فعلى الفقيه دراسة ذلك العنوان كالموجود بين العقلاء.

2. لقد ظهرت حقوق عقلائية مستجدّة لم تكن مطروحة بين العقلاء، كحقّ التأليف، وحقّ براءة الاختراع، وحق الطبع، وحق الانتشار، وغيرها من الآثار الخلاّقة، وهذا ما يعبر عنه بالمالكية الفكرية وقد أقرّ بها الغرب واعترف بها رسمياً، ويعدّ المتجاوز على هذه الحقوق متعدياً.

3. المسائل المستجدّة في عالم الطب كثيرة من التلقيح الصناعي ، و زرع الأعضاء وبيعها، والاستنساخ البشري، والتشريح، وتغيير الجنسية إلى غير ذلك من المسائل.

4. الشركات التجارية هي من المستجدات والتي تقوم بدور أساسي في الحياة الاقتصادية، وهي بين شركات الأشخاص وشركات الأموال.

أمّا الأُولى فهي عبارة عن شركة التضامن، وشركة التوصية، وشركة الخاصة .

وأمّا الثانية فأهم أقسامها هي شركة المساهمة، فعلى الفقيه استنباط حكم هذه الشركات على ضوء النصوص والقواعد.

***

إلى هنا تبين انّ تغيير الأحكام من خلال تبدّل الظروف خاضع لأُصول صحيحة لا تتنافى مع سائر الأُصول وليس التغيير في ضوئها مصادماً لحصر التشريع أو لتأييد الأحكام أو سائر الأُصول.

السادس:تأثيرهما في تفسير القرآن الكريم

لا ينحصر تأثير الزمان والمكان على الاستنباط بل تعدّاه إلى حقل التفسير أيضاً، فإنّ للقرآن الكريم آفاقاً لا متناهية، يظهر واحد تلو الآخر، و هو كما قال


(81)

الإمام علي بن موسى الرضا عليمها السَّلام عندما سأله سائل بقوله: ما بال القرآن لا يزداد عند النشر والدرس إلاّ غضاضة؟

فأجاب ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ اللّه تعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كلّ زمان جديد وعند كلّ قوم غضّ إلى يوم القيامة.(1)

نرى أنّ الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ لا يشير في هذا الحديث إلى موضوع خلود القرآن فقط، بل يشير أيضاً إلى سرّ خلوده وبقائه غضاً جديداً لا يتطرق إليه البلى والذبول.

فكأنّ القرآن هو النسخة الثانية لعالم الطبيعة الواسع الأطراف الذي لا يزيد البحث فيه والكشف عن حقائقه وأسراره ، إلاّ إذعانالإنسان بأنّه في الخطوات الأُولى من التوصل إلى مكامنه الخفية في أغواره، فانّ كتاب اللّه تعالى كذلك لا يتوصل إلى كلّ ما فيه من الحقائق و الأسرار، لأنّه منزل من عند اللّه الذي لا تتصور له نهاية، ولا يمكن تحديده بحدود وأبعاد، فيجب أن تكون في كتابه لمعة من لمعاته، ويُثبت بنفسه أنّه من عنده، ويتوفر فيه ما يدلّ على أنّه كتاب سماوي ليس من صنع البشر، وهو خالد إلى ما شاء اللّه تعالى.

إنّ نبي الإسلام ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ هو أوّل من لفت الأنظار إلى تلكم المزية وانّ هذه المزية من أهم خصائصه، حيث يقول في وصفه للقرآن: «له ظهر وبطن، وظاهره حكم وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق، له تخوم وعلى تخومه تخوم، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة».(2)

فلنستعرض مثالاً نبين فيه دور الزمان في كشف اللثام عن مفهوم الآية.

إنّّه سبحانه يصف عامة الموجودات بالزوجية من دون فرق بين ذي حياة


1-البرهان في تفسير القرآن: 1 / 28.
2-الكافي: 2 / 599، كتاب القرآن.


(82)

وغيره، يقول: (وَمِنْ كُلِّ شَيء خَلقْنا زَوجَينِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون)(1).

و قد شغلت الآية بال المفسرين و فسّروه بما وصلت إليه علومهم، قال الراغب في تفسير الآية: «وفي الآية تنبيه على أنّ الأشياء كلّها مركبة من جوهر وعرض، ومادة وصورة، وان لا شيء يتعرّى من تركيب يقتضي كونه مصنوعاً وأنّه لابدّ له من صانع، تنبيهاً على أنّه تعالى هو الفرد، فبيّن أنّ كلّ ما في العالم زوج، حيث إنّ له ضداً أو مثلاً ما، أو تركيباً ما، بل لا ينفك بوجه من تركيب وإنّما ذكرها هنا زوجين، تنبيهاً على أنّ الشيء وإن لم يكن له ضد ولا مثل، فانّه لا ينفك من تركيب جوهر وعرض، وذلك زوجان.

غير ان(2)ّ الزمان فسّر حقيقة هذه الزوجية العامة، بتركيب الذرّة (أتُم) من جزءين معروفين.

وقد عبّر القرآن عن هذين الجزءين الحاملين للشحنتين المختلفتين، بالزوجية، حتى لا يقع موقع التكذيب والردّ، إلى أن يكشف الزمان مغزى الآية ومفادها.

وبذلك يعلم سرّ ما روي عن ابن عباس انّه قال: إنّ القرآن يفسره الزمان.(3)

فكما أنّ الزمان يفسر الحقائق الكونية الواردة في القرآن الكريم فكذلك يفسر إتقان تشريعه في مجال الفرد والمجتمع، كما هو أيضاً يفسر أخباره الغيبية الواردة فيه، وعلى ذلك فللزمان دور في الإفصاح عن معاني الآيات كدوره في استنباط الأحكام.


1-الذاريات: 49.
2-مفردات الراغب، مادة زوج، ص 216.
3-راجع النبات في حقل الحياة، تأليف نقي الموصلي، الشيخ العبيدين.


(83)

السابع: تأثيرهما في تفسير السنّة

ربما يرى الباحث اختلافاً في السنة المروية عن النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ وأهل بيته الطاهرين، فيعود إلى رفع الاختلاف بوجوه مختلفة مذكورة في الكتب الأُصولية، ولكن ثمة حل لطائفة من هذه السنن المتخالفة ، وهو انّ لكلّ من الحكمين ظرفاً زمانياً خاصاً يستدعي الحكم على وفاقه فلو حارب النبيّ ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ قريشاً في بدر و أحد فلمصلحة ملزمة في ذلك الزمان، ولو أظهر المرونة وتصالح معهم في الحديبية فلمصلحة ملزمة في ذلك ولم يصغ إلى مقالة من قال: «أنعطي الدنيّة في ديننا» وتصور انّ في الصلح تنازلاً عن الرسالة الإلهية والأهداف السامية وغفل عن آثاره البنّاءة التي كشف عنها سير الزمان كما هو مذكور في تاريخ النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ .

التفسير الخاطئ لتأثير الزمان والمكان

لا شكّ انّ الأحكام الشرعية تابعة لمصالح ومفاسد في متعلقاتها فلا واجب إلاّ لمصلحة في فعله، ولا حرام إلاّلمفسدة في اقترافه، انّ للتشريع الإسلامي نظاماً لا تعتريه الفوضى، و هذا الأصل وإن خالف فيه بعض المتكلّمين، غير أنّ نظرهم محجوج بكتاب اللّه وسنّة نبيّه و نصوص خلفائه ـ عليهم السَّلام ـ .

ترى أنّه سبحانه يعلل حرمة الخمر والميسر بقوله:

(إِنَّما يُريدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ وَالبَغْضاءَ فِي الخَمْرِوَالْمَيْسِر وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون) (1).

ويستدل على وجوب الصلاة بقوله سبحانه:(وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ وَالمُنْكَر)(2)إلى غير ذلك من الفرائض والمناهي التي أُشير إلى


1-المائدة: 91.
2-العنكبوت: 45.


(84)

ملاكات تشريعهما في الذكر الحكيم.

وقد قال الإمام الطاهر علي بن موسى الرضا عليمها السَّلام : «إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يبح أكلاً ولا شرباً إلاّ لما فيه المنفعة والصلاح، ولم يحرّم إلاّ ما فيه الضرر والتلف والفساد».(1)

والآيات القرآنية تشهد بوضوح على ما قاله ذلك الإمام الطاهر حيث إنّها تعلّل تشريع الجهاد بقوله: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بأنَّهُمْ ظُلِمُوا)(2) كماتعلّل القصاص بقوله: (وَلَكُمْ فِي القِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الأَلْباب لعَلَّكُمْ تَتَّقُون) (3).

إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على ذلك بوضوح، ومع أنّ المعروف من الإمام الأشعري هو عدم تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد بزعم انّ في القول بذلك تضييقاً للإرادة الإلهية، ولكن المحقّقين من أهل السنة على خلاف ذلك منهم الشاطبي في موافقاته قال:

وقد ثبت انّ الشريعة موضوعة لتحقيق مصالح الناس عاجلاً أم آجلاً، إمّا بجلب النفع لهم، أو لدفع الضرر والفساد عنهم، كما دلّ عليه الاستقراء وتتبع مراد الأحكام.(4)

وعلى ضوء ذلك فالمصالح المستكشفة عبر الزمان إذا كانت مصالح عامة أو مفاسد كذلك ولم يرد في موردها أمر ولا نهي، فللفقيه أن يستكشف من المصلحة الملزمة أو المفسدة كون الشيء واجباً أم حراماً وذلك، كتعاطي المخدرات في مورد المفاسد، و تزريق الأمصال فيما إذا انتشر الداء في المجتمع الذي لا ينقذه إلاّ التزريق، ففي هذه الموارد التي ليس للإسلام حكم إلزامي يمكن أن يستكشف الوجوب أو الحرمة ببركة إدراك العقل للمصلحة النوعية أو


1-مستدرك الوسائل: 3 / 71.
2-الحج: 39.
3-البقرة: 179.
4-الموافقات: 2 / 6 .


(85)

المفسدة كذلك.

إنّ استكشاف العقل المصالح والمفاسد إنّما يقع ذريعة للتشريع إذا كان المورد من قبيل «منطقة الفراغ» أي لم يكن للشارع هناك حكم بالإلزام بالفعل أو الترك، وأمّا إذا كان هناك حكم شرعي قطعي فلا يصح للمستنبط تغيير الحكم بالمصالح والمفاسد المزعومة، فانّه يكون من قبيل تقديم المصلحة على النص، وهو أمر غير جائز، وقد عرفت في صدر البحث انّ تأثير الزمان والمكان إنّما هو في الأحكام الاجتهادية دون الأحكام المنصوصة.

والحاصل انّه إذا كان هناك نص من الشارع ولم يكن الموضوع من قبيل (منطقة الفراغ) فلا معنى لتقديم المصلحة على النص، فانّه تشريع محرّم يكون ذريعة للتخلص من الالتزام بالأحكام الشرعية.

وبذلك يعلم أنّ ما صدر من بعض السلف في بعض الموارد من تقديم المصالح على النصوص قد جانب الصواب بلا شكّ كالمثال التالي:

دلّ الكتاب والسنّة على بطلان الطلاق ثلاثاً، من دون أن يتخلّل بينها رجوع أو نكاح، فلو طلّق ثلاثاً مرّة واحدة أو كرّر الصيغة فلا يحتسب إلاّ طلاقاً واحداً. وقد جرى عليه رسول اللّه والخليفة الأوّل وكان ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ لا يمضي من الطلقات الثلاث إلاّ واحدة منها، وكان الأمر على هذا المنوال إلى سنتين من خلافة الخليفة الثاني، وسرعان ما عدل عن ذلك، قائلاً : إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.(1)

إنّ من المعلوم أنّ إعمال الرأي فيما فيه نصّ من كتاب أو سنّة، أمر خاطئ، ولو صحّ إعماله فإنّما هو فيما لا نصّ فيه، و مع ذلك جاء الآخرون يبرّرونه بتغيّر


1-مسلم: الصحيح: 4 / 183، باب الطلاق الثلاث، الحديث 1.


(86)

الأحكام بالمصالح والمفاسد، لا سيما ابن قيمالجوزية، فقال: لمّا رأى الخليفة الثاني انّ مفسدة تتابع النصّ في إيقاع الطلاق لا تندفع إلاّبإمضائها على الناس، ورأى مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الإيقاع، أمضى عمل الناس، وجعل الطلاق ثلاثاً، ثلاثاً.(1)

يلاحظ عليه : أنّ إبطال الشريعة أمر محرّم لا يستباح بأي عنوان، فلا يصحّ لنا تغيير الشريعة بالمعايير الاجتماعية من الصلاح والفساد، وأمّا مفسدة تتابع النص في إيقاع الطلاق الثلاث فيجب أن تدفع عن طريق آخر، لا عن طريق إمضاء ما ليس بمشروع مشروعاً.

والعجب انّ ابن قيم التفت إلى ذلك، وقال: كان أسهل من ذلك (تصويب الطلقات ثلاثاً) أن يمنع الناس من إيقاع الثلاث، ويحرّمه عليهم، ويعاقب بالضرب والتأديب من فعله لئلاّ يقع المحذور الذي يترتّب عليه، ثمّ نقل عن عمر بن الخطاب ندامته على التصويب، قال: قال الخليفة الثاني: ما ندمت على شيء مثل ندامتي على ثلاث.(2)

و هنا كلمة للشيخ محمد شلتوت شيخ الأزهر حول عدّ الاجتهاد من مصادر التشريع حيث قال:

ويشمل الاجتهاد أيضاً، النظر في تعرف حكم الحادثة عن طريق القواعد العامة وروح التشريع، التي عرفت من جزئيات الكتاب وتعرفات الرسول، وأخذتْ في نظر الشريعة مكانة النصوص القطعية التي يرجع إليها في تعرف الحكم للحوادث الجديدة.


1-أعلام الموقعين: 3 / 48.
2-أعلام الموقعين: 3 / 36، وأشار إليه في كتابه الآخر إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان:1 / 336 .


(87)

وهذا النوع هو المعروف بالاجتهاد عن طريق الرأي وتقدير المصالح. وقد رفع الإسلام بهذا الوضع جماعة المسلمين عن أن يخضعوا في أحكامهم وتصرفاتهم لغير اللّه، ومنحهم حق التفكير و النظر والترجيح واختيار الأصلح في دائرة ما رسمه من الأُصول التشريعية، فلم يترك العقل وراء الأهواء والرغبات، ولم يقيده في كلّ شيء بمنصوص قد لا يتفق مع ما يجدّ من شؤون الحياة، كما لم يلزم أهل أي عصر باجتهاد أهل عصر سابق دفعتهم اعتبارات خاصة إلى اختيار ما اختاروا.(1)

ما ذكره حقّ ليس وراءه شيء إلاّ انّي لا أوافق قوله: «ولم يقيده في كلّ شيء بمنصوص قد لا يتفق مع ما يجدّ من شؤون الحياة» فانّه هفوة من الأُستاذ، إذ أي أصل وحكم شرعي منصوص لا يتفق مع ما يجدّ من شؤون الحياة. وليس ما ذكره إلاّ من قبيل تقديم المصلحة على النص، وهو تشريع محرم، وتقدّم على اللّه ورسوله، قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي اللّهِ وَرَسُولِه) (2).

فالواجب على كلّ مسلم التجنب عن هذا النوع من الاستصلاح، نعم للاستصلاح صور متنوعة ذكرناها في الجزء الأوّل من تقديمنا على «موسوعة طبقات الفقهاء».(3)


1-رسالة الإسلام، السنة الرابعة، العدد الأوّل، ص 5.
2-الحجرات: 1.
3-طبقات الفقهاء، المقدمة: القسم الأوّل: 265.


(88)

الفصل الرابع:

دور الزمان والمكان

في الأحكام الحكومية

ثم إنّ ما ذكرناه يرجع إلى دور الزمان والمكان في عملية الاجتهاد والإفتاء، وأمّا دورهما في الأحكام الحكومية التي تدور مدار المصالح والمفاسد وليست من قبيل الأحكام الواقعية ولا الظاهرية، فلها باب واسع نأتي بكلام موجز فيه.

إنّ تقدّم العناوين الثانوية على الأوّلية يحلّ العُقَد والمشاكل في مقامين:

الأوّل: إذا كان هناك تزاحم بين الحكم الواقعيّ الأوّلي والحكم الثانوي، فيقدّم الثاني على الأوّل، إمّا من باب الحكومة أو من باب التوفيق العرفيّ، كتقدّم لا ضرر و لا حرج على الأحكام الضررية والحرجية، وهذا النوع من التقدّم يرجع إلى باب الإفتاء والاستنباط.

الثاني: إذا كان هناك تزاحم بين نفس الأحكام الواقعيّة بعضها مع بعض بحيث لو لم يُتدَّخَل في فك العُقَد، وحفظ الحقوق لحصلت مفاسد، وهنا يأتي دور الحاكم والفقيه الجامع للشرائط، المتصدي لمنصب الولاء، بتقديم بعض الأحكام الواقعيّة على بعض بمعنى تعيين أنّ المورد من صغريات أيّ واحد من الحكمين الواقعيين، ولا يحكم الحاكم في المقام إلاّ بعد دقة وإمعان ودراسة للظروف الزمانية


(89)

والمكانية ومشاورة العقلاء والخبراء.

وبعبارة أُخرى: إذا وقع التزاحم بين الأحكام الأوليّة فيقدّم بعضها على بعض في ظلّ هذه العناوين الثانوية (1)، ويقوم الحاكم الإسلاميّ بهذه المهام بفضل الولاية المعطاة له، فتصير هذه العناوين مفاتيح بيد الحاكم، يرفع بها التزاحم والتنافي، فمعنى مدخليّة الزمان والمكان في حكم الحاكم عبارة عن تأثيرهما في تعيين أنّ المقام صغرى لأي كبرى من الكبريات، وأيّ حكم من الأحكام الواقعية، فيكون حكمه بتقديم إحدى الكبريين شكلاً إجرائيّاً للأحكام الواقعية ومراعاة لحفظ الأهمّ وتخطيطاً لحفظ النظام وعدم اختلاله.

وبذلك يظهر أنّ حكم الحاكم الإسلامي يتمتّع بميزتين:

الأُولى: إنّ حكمه بتقديم إحدى الكبريين، ليس حكماً مستنبطاً من الكتاب والسنّة مباشرة وإن كان أساس الولاية وأصلها مستنبطاً ومستخرجاً منهما، إلاّ أنّ الحاكم لمّا اعتلى منصّة الحكم ووقف على أنّ المقام من صغريات ذلك الحكم الواقعيّ دون الآخر للمقاييس التي عرفتها، يصير حكمه حكوميّاً وولائياً في طول الأحكام الأوّلية والثانوية وليس الهدف من وراء تسويغ الحكم له إلاّ الحفاظ على الأحكام الواقعيّة برفع التزاحم، ولذلك سمّيناه حكماً إجرائيّاً، ولائيّاً حكوميّاً لا شرعيّاً، لما عرفت من أنّ حكمه علاجيّ يعالج به تزاحم الأحكام الواقعية في ظلّ العناوين الثانوية، وما يعالج به حكم لا من سنخ المعالَج، ولو جعلناه في عرض الحكمين لزم انخرام توحيد التقنين والتشريع.


1-العناوين الثانوية عبارة عن: 1. الضرورة والاضطرار. 2. الضرر والضرار. 3. العسر والحرج. 4. الأهم فالأهم. 5. التقيّة. 6. الذرائع للواجبات والمحرمات. 7. المصالح العامّة للمسلمين.
وهذه العناوين أدوات بيد الحاكم، يحل بها مشكلة التزاحم بين الأحكام الواقعية والأزمات الاجتماعية.


(90)

الثانية: إنّ حكم الحاكم لمّا كان نابعاً عن المصالح العامّة وصيانة القوانين الإسلامية لا يخرج حكمه عن إطار الأحكام الأوّليّة والثانويّة، ولأجل ذلك قلنا إنّه يعالج التزاحم فيها، في ظلّ العناوين الثانويّة.

وبالجملة الفقيه الحاكم بفضل الولاية الالهية يرفع جميع المشاكل الماثلة في حياتنا، فإنّ العناوين الثانوية التي تلوناها عليك أدوات بيد الفقيه يسد بها كل فراغ حاصل في المجتمع، وهي في الوقت نفسه تغيّر الصغريات ولا تمس كرامة الكبريات.

ولأجل توضيح المقام، نأتي بأمثلة نبين فيها مدخليّة المصالح الزمانية والمكانية في حكم الحاكم وراء دخالتهما في فتوى المفتي.

الأوّل: لا شكّ أنّ تقوية الإسلام والمسلمين من الوظائف الهامّة، وتضعيف وكسر شوكتهم من المحرّمات الموبقة، هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ بيع وشراء التنباك أمر محلّل في الشرع، والحكمان من الأحكام الأوّلية ولم يكن أيّ تزاحم بينهما إلاّ في فترة خاصة عندما أعطى الحاكم العرفيّ امتيازاً للشركة الأجنبية، فصار بيعه وشراؤه بيدها، ولمّا أحسّ الحاكم الشرعي آنذاك ـ السيد الميرزا الشيرازي قدَّس سرَّه ـ انّ استعماله يوجب انشباب أظفار الكفّار على هيكل المجتمع الإسلامي، حكم قدَّس سرَّه بأنّ استعماله بجميع أنواع الاستعمال كمحاربة وليّ العصر ـ عليه السَّلام ـ (1) فلم يكن حكمه نابعاً إلاّ من تقديم الأهمّ على المهمّ أو من نظائره، ولم يكن الهدف من الحكم إلاّ بيان أنّ المورد من صغريات حفظ مصالح الإسلام واستقلال البلاد، ولا يحصل إلاّ بترك استعمال التنباك بيعاً وشراءً وتدخيناً وغيرها، فاضطرت الشركة


1-عام 1891 م وحكمه كالتالي: بسم الله الرحمن الرحيم، «اليوم استعمال التنباك والتتن، بأي نحو كان، بمثابة محاربة إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف».


(91)

حينئذ إلى فسخ العقد.

الثاني: إنّ حفظ النفوس من الأُمور الواجبة، وتسلّط الناس على أموالهم وحرمة التصرّف في أموالهم أمر مسلّم في الإسلام أيضاً، إلاّ أنّه على سبيل المثال ربّما يتوقّف فتح الشوارع في داخل البلاد و خارجها على التصرّف في الأراضي والأملاك، فلو استعدّ مالكها بطيب نفس منه فهو وإلاّ فللحاكم ملاحظة الأهمّ بتقديمه على المهمّ، ويحكم بجواز التصرّف بلا إذن، غاية الأمر يضمن لصاحب الأراضي قيمتها السوقية.

الثالث:إنّ إشاعة القسط والعدل ممّا ندب إليه الإسلام وجعله غاية لبعث الرسل، قال سبحانه: (لَقَدْ أرْسَلْنَا رُسُلَنا بِالبَيّناتِ وأنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْط)(1)

ومن جانب إنّ الناس مسلّطون على أموالهم يتقلّبون فيها كيفما شاءوا، فإذا كان هناك تزاحم بين الحكمين الواقعيين، كما في احتكار المحتكر أيّام الغلاء أو إجحاف أصحاب الحرف والصنعة وغيرهم، فللحاكم الإسلامي ـ حسب الولاية الإلهيّـة ـ الإمعان والدقة والاستشارة والمشورة في حلّ الأزمة الاجتماعية حتى يتبيّن له أنّ المقام من صغريات أيّ حكم من الحكمين، فلو لم تحلّ العقد بالوعظ والنصيحة، فآخر الدواء الكيّ، أي: فتح المخازن وبيع ما احتكر بقيمة عادلة وتسعير الأجناس وغير ذلك.

الرابع: لا شكّ أنّ الناس أحرار في تجاراتهم مع الشركات الداخلية والخارجية، إلاّ أنّ إجراء ذلك، إن كان موجباً لخلل في النظام الاقتصاديّ أو ضعف في البنية الماليّة للمسلمين، فللحاكم تقديم أهمّ الحكمين على الآخر


1-الحديد: 25 .


(92)

حسب ما يرى من المصالح.

الخامس: لو رأى الحاكمُ أنّ بيع العنب إلى جماعة لا يستعملونه إلاّ لصنع الخمر وتوزيعه بالخفاء، أورث فساداً عند بعض أفراد المجتمع وانحلالاً في شخصيّتهم، فله أن يمنع من بيع العنب إلى هؤلاء.

إلى غير ذلك من المواضع الكثيرة التي لا يمكن للفقيه الحاكم غضّ النظر عن الظروف المحيطة به، حتى يتضح له أنّ المجال مناسب لتقديم أي الحكمين على الآخر وتشخيص الصغرى كما لا يخفى.

هذا كلّه حول مدخلية الزمان والمكان في الاجتهاد في مقام الإفتاء أوّلاً ومنصة الحكم ثانياً، وأمّا سائر ما يرجع إلى ولاية الفقيه فنتركه إلى محلّه.


(93)

الفصل الخامس:

دراسة في تأثير الزمان والمكان

في الفقه السنّي

طرحت هذه المسألة من قبل بعض فقهاء السنّة قديماً وحديثاً، وإليك التنويه بأسمائهم وببعض كلماتهم:

1. ابن القيم الحنبلي (المتوفّى 751 هـ) يقول في فصل «تغيّر الفتوى واختلافها بحسب تغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيّات والعوائد» :

هذا فصل عظيم النفع، وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقّة، وتكليف مالا سبيل إليه، ما يعلم انّ الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإنّ الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلّها، ورحمة كلّها، ومصالح كلّها، وحكمة كلّها، فكلّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة.(1)


1-اعلام الموقعين: 3 / 14 ط دار الفكر وقد استغرق بحثه 56 صفحة. فلاحظ.


(94)

2. السيد محمد أمين أفندي الشهير بـ«ابن عابدين»(1) مؤلّف كتاب «مجموعة رسائل»قال ما نصّه:

اعلم أنّ المسائل الفقهية إمّا أن تكون ثابتة بصريح النص، وإمّا أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد ورأي، وكثيراً منها ما يُبيّنه المجتهد على ما كان في عرف زمانه بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلاً، ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد انّه لابدّ فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيّر عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أوّلاً، للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعدَ الشريعة المبنيّة على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن أحكام، ولهذا ترى مشايخ المذهب خالفوا ما نصّ عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمِهم بأنّه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذاً في قواعد مذهبه.

ثمّ إنّ ابن عابدين ذكر أمثلة كثيرة لما ذكره من الكبرى تستغرق عدّة صحائف(2) ولنذكر بعض الأمثلة:

أ. افتاؤهم بجواز الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه لانقطاع عطايا المعلِّمين التي كانت في الصدر الأوّل، ولو اشتغل المعلِّمون بالتعليم بلا أُجرة يلزم ضياعهم وضياع عيالهم، ولو اشتغلوا بالاكتساب في حرفة وصناعة، يلزم ضياع القرآن والدين، فأفتوا بأخذ الأُجرة على التعليم وكذا على الإمامة والأذان كذلك، مع أنّ ذلك مخالف لما اتّفق عليه أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن


1-هو محمد أمين الدمشقي، فقيه الديار الشامية وإمام الحنفية في عصره، ولد عام 1198 هـ وتوفي عام 1292 هـ ، له من الآثار «مجموعة رسائل» مطبوعة.
2-انظر رسائل ابن عابدين: 2 / 123 ـ 145 .


(95)

الشيباني من عدم جواز الاستئجار وأخذ الأُجرة عليه كبقية الطاعات من الصوم والصلاة والحج وقراءة القرآن ونحو ذلك.

ب. قول الإمامين (1) بعدم الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة مع مخالفته لما نصّ عليه أبو حنيفة بناء على ما كان في زمنه من غلبة العدالة، لأنّه كان في الزمن الذي شهد له رسول اللّه بالخيريّة، وهما أدركا الزمن الذي فشا فيه الكذب، وقد نصّ العلماء على أنّ هذا الاختلاف اختلاف عصر وأوان، لا اختلاف حجّة وبرهان.

ج. تحقّق الإكراه من غير السلطان مع مخالفته لقول الإمام «أبي حنيفة» بناء على ما كان في زمنه من أنّ غير السلطان لا يمكنه الإكراه ثمّ كثر الفساد فصار يتحقّق الإكراه من غيره، فقال محمد (ابن الحسن الشيباني) باعتباره، وأفتى به المتأخّرون لذلك.

وقد ساق الأمثلة على هذا النمط إلى آخر الرسالة.

3.و قد طرق هذا البحث أيضاً الأُستاذ مصطفى أحمد الزرقاء في كتابه القيّم «المدخل الفقهي العام» وقال ما نصّه:

الحقيقة انّ الأحكام الشرعية التي تتبدّل بتبدّل الموضوعات مهما تغيرت باختلاف الزمن، فإنّ المبدأ الشرعي فيها واحد وليس تبدّل الأحكام إلاّ تبدّل


1-الظاهر انّه يريد تلميذي أبي حنيفة: أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني ولم يكن الفصل بين الإمام أبي حنيفة وبينهم طويلاً، فقد توفّي أبو حنيفة عام 150 هـ وتوفّي أبو يوسف عام 182 هـ وتوفّي الشيباني عام 189 هـ وإذا كان كذلك فلماذا يعدّون القرون الثلاثة الأُولى خير القرون، والحقّ انّ بين السلف والخلف رجالاً صالحين وأشخاصاً طالحين، ولم يكن السلف خيراً من الخلف، ولا الخلف أكثر شرّاً من السلف وإنّما هي دعايات فارغة فقد شهد القرن الأوّل وقعة الطفّ والحرّة في المدينة.


(96)

الوسائل والأساليب الموصلة إلى غاية الشارع، فإنّ تلك الوسائل والأساليب في الغالب لم تُحدَّد من الشريعة الإسلامية بل تركتها مطلقة لكي يُختار منها في كلّ زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجاً وأنجح في التقويم علاجاً.

ثمّ إنّ الأُستاذ جعل المنشأ لتغير الأحكام أحد أمرين:

أ. فساد الأخلاق، وفقدان الورع وضعف الوازع، وأسماه بفساد الزمان.

ب. حدوث أوضاع تنظيمية، ووسائل فرضية، وأساليب اقتصادية.

ثمّ إنّه مثّل لكل من النوعين بأمثلة مختلفة اقتبس بعضها من رسالة «نشر العرف» للشيخ ابن عابدين، ولكنّه صاغ الأمثلة في ثوب جديد، ولنذكر كلا الأمرين وأمثلتهما.

أ. تغيير الأحكام الاجتهادية لفساد الزمان

1. من المقرر في أصل المذهب الحنفي انّ المدين تنفذ تصرفاته في أمواله بالهبة والوقف وسائر وجوه التبرّع، ولو كانت ديونه مستغرقة أمواله كلّها، باعتبار انّ الديون تتعلّق بذمّته فتبقى أعيان أمواله حرة، فينفذ فيها تصرّفه، وهذا مقتضى القواعد القياسية.

ثمّ لما فسدت ذمم الناس وكثر الطمع وقلّ الورعُ وأصبح المدينون يعمدون إلى تهريب أموالهم من وجه الدائنين عن طريق وقفها، أو هبتها لمن يثقون به من قريب أو صديق، أفتى المتأخرون من فقهاء المذهبين الحنبلي والحنفي بعدم نفاذ هذه التصرفات من المدين إلاّ فيما يزيد عن وفاء الدين من أمواله» (1).


1-المدخل الفقهي العام: 2، برقم 543 .


(97)

هذا في الفقه السنّي، ولكن في الفقه الإمامي ليس هناك أي مشكلة حتى نتوسل بعنصر الزمان ونلتزم بتغيّر الأحكام في ظلّه، لأنّ للمحجور حالتين:

الأُولى: إذا حجر عليه الحاكم وحكم بإفلاسه فعند ذاك يتعلّق حقّ الغرماء بأمواله لا بذمَّته، نظير تعلّق حقّ المرتهن بالعين المرهونة فلا يجوز له التصرف فيها بعوض كالبيع والإجارة، وبغير عوض كالوقف والهبة إلاّ بإذنهم وإجازتهم.

الثانية: إذا لم يُحجر عليه فتصرفاته على قسمين: قسم لا يريد الفرار من أداء الديون ولا يلازم حرمان الديّان، فيجوز له التصرّف بأمواله كيفما شاء، والقسم الآخر يريد من الصلح أو الهبة الفرار من أداء الديون، فالحكم بصحة تصرفاتـه ـ فيما إذا لم يرج حصول مال آخر له باكتساب ونحوه ـ مشكل.(1)وجهه: انّ الحكم بلزوم تنفيذها حكم ضرري يلحق بـأصحاب الديون فلا يكون نافذاً، أضف إلى ذلك انصراف عمومات الصلح والهبة وسائر العقود عن مثل هذه العقود. وعلى ذلك فلا داعي لتبنّي تغير الحكم الشرعي بالعنصرين. بل الحكم الشرعي السائر مع الزمان موجود في أصل الشرع بلا حاجة إلى التوسل بعنصر «فساد الزمان».

2. في أصل المذهب الحنفي انّ الغاصب لا يضمن قيمة منافع المغصوب في مدة الغصب بل يضمن العين فقط إذا هلكت أو تعيَّبت، لأنّ المنافع عندهم ليست متقوّمة في ذاتها وإنّما تقوم بعقد الإجارة ولا عقد في الغصب.

ولكن المتأخرين من فقهاء المذهب الحنفي نظروا تجرّؤ الناس على الغصب وضعف الوازع الديني في نفوسهم، فأفتوا بتضمين الغاصب أُجرة المثل عن منافع المغصوب إذا كان المغصوب مال وقف أو مال يتيم أو معداً للاستغلال على خلاف الأصل القياسي في المذهب زجراً للناس عن العدوان لفساد الزمان.


1-لاحظ وسيلة النجاة: 133، كتاب الحجر، المسألة الأُولى ; وتحرير الوسيلة: 2 / 16 .


(98)

ثمّ أضاف إليها في التعليقة بأنّ الأئمّة الثلاثة ذهبوا إلى عكس ما ذهب إليه الاجتهاد الحنفي، فاعتبروا المنافع متقوّمة في ذاتها، كالأعيان، وأوجبوا تضمين الغاصب أُجرة المثل عن المال المغصوب مدة الغصب، سواء استعرض الغاصب منافعه أو عطّلها ثمّ قال: وهذا الاجتهاد أوجه وأصلح.(1)

أقول: إنّ القول بعدم ضمان الغاصب المنافع المستوفاة مستند إلى ما تفرّد بنقله عروة بن الزبير عن عائشة أنّ رسول اللّه قضى أنّ الخراج بالضمان.(2)

فزعمت الحنفية انّ ضمان قيمة المغصوب لا يجتمع مع ضمان المنافع، وذلك لأنّ ضمان العين في مقابل كون الخراج له، ولكن الاجتهاد غير صحيح جداً، لأنّ الحديث ناظر إلى البيوع الصحيحة، مثلاً: إذا اشترى عبداً أو غيره فيستغلّه زماناً ثمّ يعثر منه على عيب كان فيه عند البائع، فله ردّ العين المبيعة وأخذ الثمن، ويكون للمشتري ما استغله، لأنّ المبيع لو تلف في يده لكان في ضمانه ولم يكن له على البائع شيء، والباء في قوله بالضمان متعلّق بمحذوف تقديره: الخراج مستحق بالضمان، أي في مقابلة الضمان، أي منافع المبيع بعد القبض تبقى للمشتري في مقابلة الضمان اللازم عليه بطرف المبيع.

هذا هو معنى الحديث، وعليه شرّاح الحديث (3) ولا صلة للحديث بغصب الغاصب مال الغير واستغلال منافعه .

والذي يفسّر الحديث وراء فهم الشرّاح انّ عروة بن الزبير نقل عن عائشة أنّ رجلاً اشترى عبداً، فاستغلّه ثمّ وجد به عيباً فردّه، فقال: يا رسول اللّه إنّه قد


1-المدخل الفقهي العام: 2، برقم 544 .
2-مسند أحمد بن حنبل: 6 / 49 ; وسنن الترمذي: 3، كتاب البيوع برقم 1286 ; وسنن النسائي: 7 / 254، باب الخراج بالضمان.

3-لاحظ شرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية الإمام السندي على سنن النسائي وغيره .


(99)

استغلّ غلامي، فقال رسول اللّه: «الخراج بالضمان».(1)

وقد ورد من طرقنا أنّ الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ لمّا سمع فتوى أبي حنيفة بعدم ضمان الغاصب قيمة المنافع التي استوفاها، قال: «في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءَها وتمنع الأرضُ بركتها».(2)

ثمّ إنّه يدل على ضمان المنافع المستوفاة عموم قوله ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ :«لا يحل مال امرئ مسلم لأخيه إلاّ عن طيب نفسه»والمنافع مال، ولأجل ذلك يجعل ثمناً في البيع وصداقاً في النكاح، مضافاً إلى السيرة العقلائية في تضمين الغاصب المنافع المستوفاة،وعلى ذلك فليس هاهنامشكلة حتى تعالج بعنصر الزمان، ولم يكن الحكم المزعوم حكماً شرعيّاً حتى يتغير لأجل فساد أهل الزمان.

3. في أصل المذهب الحنفي انّ الزوجة إذا قبضت مؤجّل مهرها تُلْزم بمتابعة زوجها حيث شاء، ولكن المتأخّرين لحظوا انقلاب الأخلاق وغلبة الجور، وانّ كثيراًمن الرجال يسافرون بزوجاتهم إلى بلاد نائية ليس لهنّ فيها أهل ولا نصير، فيسيئون معاملتهنّ ويجورون عليهنّ، فأفتى المتأخرون بأنّ المرأة لو قبضت مؤجل مهرها لا تجبر على متابعة زوجها، إلى مكان إلاّ إذا كان وطناً لها وقد جرى فيه عقد الزواج بينهما، وذلك لفساد الزمان وأخلاق الناس، وعلى هذا استقرت الفتوى والقضاء في المذهب.(3)

أقول: إنّ لحلّ هذا النوع من المشاكل طريقاً شرعياً في باب النكاح، وهو اشتراط عدم إخراجها من وطنها أو أن يسكنها في بلد خاص، أو منزل مخصوص


1-سنن ابن ماجة: 2، برقم 2243 .
2-وسائل الشيعة: الجزء 13، الباب 17 من أبواب أحكام الإجارة، الحديث 1 والحديث طويل جدير بالمطالعة.
3-المدخل الفقهي العام: 2، برقم 546 .


(100)

في عقد النكاح، فيجب على الزوج الالتزام به. وليس مثل هذاالاشتراط مخالفاً للكتاب والسنّة.

ولو افترضنا غفلة أولياء العقد عن الاشتراط وأراد الزوج إخراجها إلى بلاد نائية يصعب عليها العيش فيها ويعد حرجيّاً لها، فللزوجة رفع الشكوى إلى الحاكم بغية عدم إخراجها من وطنها، فيحكم بعد تبيّن الحال بعدم الإخراج نتيجة طروء العناوين الثانوية كالحرج والضرر، فليس للزمان هناأي مدخلية في تغيير الحكم، بل يكمن الحكم الشرعي في نفس الشرع.

4. في أصل المذهب الحنفي وغيره انّ القاضي يقضي بعلمه الشخصي في الحوادث، أي أنّ علمه بالوقائع المتنازع فيها يصح مستنداً لقضائه، ويغني المدّعي عن إثبات مدّعاه بالبيّنة، فيكون علم القاضي بواقع الحال هو البيّنة، وفي ذلك أقضية مأثورة عن عمر وغيره، ولكن لوحظ فيما بعد انّ القضاة قد غلب عليهم الفساد والسوء وأخذ الرشا، ولم يعد يختار للقضاء الأوفر ثقة وعفة وكفاية بل الأكثر تزلّفاً إلى الولاة وسعياً في استرضائهم وإلحافاً في الطلب.

لذلك أفتى المتأخّرون بأنّه لا يصحّ أن يقضي القاضي بعلمه الشخصي في القضاء بل لابدّ أن يستند قضاؤه إلى البيّنات المثبتة في مجلس القضاء حتى لو شاهد القاضي بنفسه عقداً أو قرضاً أو واقعة ما بين اثنين خارج مجلس القضاء ثمّ ادّعى به أحدهما وجحدها الآخر، فليس للقاضي أن يقضي للمدّعي بلا بيّنة، إذ لو ساغ ذلك بعدما فسدت ذمم كثير من القضاة، لزعموا العلم بالوقائع زوراً، وميلاً إلى الأقوى وسيلة من الخصمين، فهذا المنع وإن أضاع بعض الحقوق لفقدان الإثبات لكنّه يدفع باطلاً كثيراً، وهكذا استقر عمل المتأخرين على عدم نفاذ قضاء القاضي بعلمه.

على أنّ للقاضي أن يعتمد على علمه في غير القضاء من أُمور الحسبة


(101)

والتدابير الإدارية الاحتياطية، كما لو علم ببينونة امرأة مع استمرار الخلطة بينها وبين زوجها، أو علم بغصب مال; فإنّ له أن يحول بين الرجل ومطلقته، وأن يضع المال المغصوب عند أمين إلى حين الإثبات.(1)

أقول: يشترط المذهب الإمامي في القاضي: العدالة والاجتهاد المطلق، فالقاضي الجائر لا يستحق القضاء ولا ينفذ حكمه.

وعلى ضوء ذلك فلا يترتب على عمل القاضي بعلمه أي فساد، لأنّ العدالة تصدّه عن ارتكاب الآثام.

ولوافترضنا إشغال منصة القضاء بالفرد الجائر فليس للقاضي العمل بعلمه في حقوق اللّه سبحانه، كما إذا علم أنّ زيداً زنى أو شرب الخمر أو غير ذلك، فلا يصحّ له إقامة الدعوى وإجراء الحدود لاستلزامه وحدة القاضي والمدعي من غير فرق بين كونه عادلاً أو غيره.

وأمّا العمل بعلمه في حقوق الناس فلا يعمل بعلم غير قابل للانتقال إلى الغير بل يقتصر في العمل بعلمه بنحو لو طولب بالدليل لعرضه وإلاّفلا يجوز، وقد حقّق ذلك في كتاب القضاء.

5. من المبادئ المقرّرة في أصل المذهب انّ العمل الواجب على شخص شرعاً لا يصحّ استئجاره فيه ولا يجوز له أخذ أُجرة عليه، ومن فروع هذا المذهب الفقهي انّ القيام بالعبادات والأعمال الدينية الواجبة كالإمامة وخطبة الجمعة وتعليم القرآن والعلم لا يجوز أخذ الأُجرة عليه في أصل المذهب بل على المقتدر أن يقوم بذلك مجاناً لأنّه واجب ديني.

غير انّ المتأخّرين من فقهاء المذهب لحظوا قعود الهمم عن هذه الواجبات،


1-المدخل الفقهي العام: 2، برقم 546 .


(102)

وانقطاع الجرايات من بيت المال عن العلماء ممّا اضطرهم إلى التماس الكسب، حتى أصبح القيام بهذه الواجبات غير مضمون إلاّ بالأجر، ولذلك أفتى المتأخّرون بجواز أخذ الأُجور عليها حرصاً على تعليم القرآن ونشر العلم وإقامة الشعائر الدينية بين الناس.

أمّا (1)الفقه الإمامي، فالمشكلة فيه مرتفعة بوجهين:

الأوّل: إذا كان هناك بيت مال معدّاً لهذه الأغراض لا تبذل الأُجرة في مقابل العمل، بل الحاكم يؤمّن له وسائل الحياة حتى يتفرّغ للواجب.

الثاني: امّا إذا لم يكن هناك بيت مال فإذا كان أخذ الأُجرة حراماً منصوصاً عليه وكان من صلب الشريعة فلا يمسّه عنصر الزمان ولكن يمكن الجمع بين الأمرين وتحليله عن طريق آخر، وهو أن يجتمع أولياء الصبيان أو غيرهم ممّن لهم حاجة إلى إقامة القضاء والأذان والإفتاء فيشاركون في سد حاجة المفتي والقاضي والمؤذن والمعلم حتى يتفرّغوا لأعمالهم العبادية بلا هوادة وتقاعس، على أنّ ما يبذلون لا يعد أُجرة لهم وإنّما هو لتحسين وضعهم المعاشي.

وبعبارة أُخرى: القاضي والمفتي والمؤذّن والمعلم يمارس كلّ أعماله للّه سبحانه، ولكن بما انّ الاشتغال بهذه المهمة يتوقّف على سد عيلتهم ورفع حاجتهم فالمعنيّّون من المؤمنين يسدّون عيلتهم حتى يقوموا بواجبهم وإلاّ فكما أنّ الإفتاء واجب، فكذلك تحصيل الضروريات لهم ولعيالهم أيضاً واجب. وعند التزاحم يقدّم الثاني على الأوّل إذ في خلافه، خوف هلاك النفوس وانحلال الأُسرة، ولكن يمكن الجمع بين الحكمين على الطريق الذي أشرنا إليه.

6. انّ الشهود الذين يقضى بشهادتهم في الحوادث يجب أن يكونوا عدولاً،


1-المدخل الفقهي العام: 2، برقم 547 .


(103)

أي ثقات، وهم المحافظون على الواجبات الدينية المعروفون بالسرّ والأمانة، وانّ عدالة الشهود شريطة اشترطها القرآن لقبول شهادتهم وأيّدتها السنّة وأجمع عليها فقهاء الإسلام.

غير أنّ المتأخّرين من فقهائنا لحظوا ندرة العدالة الكاملة التي فسّرت بها النصوص لفساد الزمن وضعف الذمم وفتور الحس الديني الوازع، فإذا تطلب القضاة دائماً نصاب العدالة الشرعية في الشهود ضاعت الحقوق لامتناع الإثبات، فلذا أفتوا بقبول شهادة الأمثل فالأمثل من القوم حيث تقلّ العدالة الكاملة.

ومعنى الأمثل فالأمثل: الأحسن فالأحسن حالاً بين الموجودين، ولو كان في ذاته غير كامل العدالة بحدها الشرعي، أي أنّهم تنازلوا عن اشتراط العدالة المطلقة إلى العدالة النسبية.(1)

أقول: إنّ القرآن ـ كما تفضّل به الكاتب ـ صريح في شريطة العدالة في تنفيذ شهادته، يقول سبحانه:(وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالعَدْلِ)(2) وقال سبحانه:(وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْل مِنْكُمْ)(3).

مضافاً إلى الروايات الواردة في ذلك المضمار، فتنفيذ شهادة غير العدل تنفيذ بلا دليل أو مخالف لصريح الكتاب، ولكن يمكن للقاضي تحصيل القرائن والشواهد التي منها شهادة الأمثل فالأمثل التي تثبت أحد الطرفين على وجه يفيد العلم للقاضي، ويكون علمه قابلاً للانتقال إلى الآخرين من دون حاجة إلى العمل بقول الأمثل فالأمثل.

ثمّ إنّ ترك العمل بشهادة غير العدول كما هو مظنّة إضاعة الحقوق،


1-المدخل الفقهي العام: 2 / 933 ـ 934 برقم 551 .
2-البقرة: 282.
3-الطلاق: 2.


(104)

فكذلك هو مظنّة الإضرار على المحكوم عليه لعدم وجود العدالة في الشاهد حتّى تصونه عن الكذب عليه، فالأمر يدور بين المحذورين .

لو فسّر القائل العدالة بالتحرّز عن الكذب وإن كان فاسقاً في سائر الجوارح لكان أحسن من تفسيره بالعدالة المطلقة ثمّ العدول عنها لأجل فساد الزمان.

7. أفتى المتأخّرون في إثبات الأهلّة لصيام رمضان وللعيدين بقبول رؤية شخصين، ولو لم يكن في السماء علّة تمنع الرؤية من غيم أو ضباب أو غبار بعد أن كان في أصل المذهب الحنفي، لا يثبت إهلال الهلال عند صفاء السماء إلاّ برؤية جمع عظيم، لأنّ معظم الناس يلتمسون الرؤية، فانفراد اثنين بادّعاء الرؤية مظنّة الغلط أو الشبهة.

وقد علّل المتأخّرون قبول رؤية الاثنين بقعود الناس عن التماس رؤية الهلال، فلم تبق رؤية اثنين منهم مظنّة الغلط إذا لم يكن في شهادتهما شبهة أو تهمة تدعو إلى الشك والريبة.(1)

وأمّا في الفقه الإمامي، فلا يعتبر قول العدلين عند الصحو وعدم العلّة في السماء إذا اجتمع الناس للرؤية وحصل الخلاف والتكاذب بينهم بحيث يقوى احتمال اشتباه العدلين.

وأمّا إذا لم يكن هناك اجتماع للرؤية ـ كما هو مورد نظر الكاتب ـ حيث قال: لقعود الناس عن التماس رؤية الهلال، فقبول قول العدلين ـ على وفاق القاعدة لا على خلافها، فليس للزمان هناك تأثير في الحكم الشرعي.

وبعبارة أُخرى: ليس في المقام دليل شرعي على وجه الإطلاق يدل على عدم


1-المدخل الفقهي العام: 2 / 934 برقم 549 .


(105)

قول العدلين في الصحو وعدم العلّة في السماء حتّى يؤخذ بإطلاقه في كلتا الصورتين: كان هناك اجتماع للرؤية أم لم يكن، بل حجّية دليل البيّنة منصرف عن بعض الصور، وهو ما إذا كان هناك اجتماع من الناس للرؤية وحصل الخلاف والتكاذب بحيث قوى احتمال الاشتباه في العدلين، وأمّا في غير هذه الصورة فإطلاق حجّية أدلّة البيّنة باق بحالها، ومنها ما إذا ادّعى العدلان و لم يكن اجتماع ولا تكاذب ولا مظنّة اشتباه.

هذه هي المسائل التي طرحها الأُستاذ مصطفى أحمد الزرقاء مثالاً لتغيّر الآراء الفقهية والفتاوى لأجل فساد الزمان، وقد عرفت أنّه لا حاجة لنا في العدول عن الحكم الشرعي، وذلك لأحد الأمرين:

أ. إمّا لعدم ثبوت الحكم الأوّلي كما في عدم ضمان الغاصب للمنافع المستوفاة.

ب. أو لعدم الحاجة إلى العدول عن الحكم الشرعي، بل يمكن حل المشكل عن طريق آخر مع صيانة الحكم الأوّلي، كما في الأمثلة الباقية.

***

ب . تغيير الأحكام الاجتهادية لتطوّر الوسائل والأوضاع

قد سبق من هذا الكاتب انّ عوامل التغيير على قسمين:

أحدهما: ما يكون ناشئاً من فساد الأخلاق، وفقدان الورع، وضعف الوازع، وأسماه بفساد الزمان،وقد مرّ عليك أمثلته كما مرّت مناقشاتنا.

والآخر: ما يكون ناشئاً عن أوضاع تنظيمية، ووسائل زمنية جديدة من أوامر قانونية مصلحية وترتيبات إدارية، وأساليب اقتصادية ونحو ذلك، وهذا النوع ـ


(106)

عند الكاتب ـ كالأوّل موجب لتغيير الأحكام الفقهية الاجتهادية المقرّرة قبله إذا أصبحت لا تتلاءم معه، لأنّها تصبح عندئذ عبثاً أو ضرراً، والشريعة منزّهة عن ذلك، وقد قال الإمام الشاطبي(المتوفّى790 هـ) في الموافقات :لا عبث في الشريعة.

ثمّ طرح لها أمثلة وإليك بيانها:

1. ثبت عن النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أنّه نهى عن كتابة أحاديثه، وقال لأصحابه:«من كتب عني غير القرآن فليمحه» واستمر الصحابة والتابعون يتناقلون السنّة النبوية حفظاً وشفاهاً لا يكتبونها حتى آخر القرن الهجري الأول عملاً بهذا النهي.

ثمّ انصرف العلماء في مطلع القرن الثاني بأمر من الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، إلى تدوين السنّة النبوية، لأنّهم خافوا ضياعها بموت حفظتها ورأوا أنّ سبب نهي النبي ـ عليه السَّلام ـ عن كتابتها إنّما هو خشية أن تختلط بالقرآن، إذ كان الصحابة يكتبون ما ينزل منه على رقاع، فلمّا عمَّ القرآن وشاع حفظاً وكتابة، ولم يبق هناك خشية من اختلاطه بالحديث النبوي، لم يبق موجب لعدم كتابة السنّة، بل أصبحت كتابتها واجبة لأنّها الطريقة الوحيدة لصيانتها من الضياع.(1)

أقول: إنّ ما ذكره من أنّ النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ نهى عن كتابة حديثه غير صحيح من وجوه:

أوّلاً: روى البخاري أنّ رجلاً من أهل اليمن طلب من النبي أن يكتب له خطبته فقال: اكتب لي يا رسول اللّه، فقال: اكتبوا لأبي فلان إلى أن قال: كتبت له هذه الخطبة.(2)


1-المدخل الفقهي العام: 2 / 933 ، وفي الطبعة العاشرة في ترقيم الصفحات في المقام تصحيف.
2-البخاري: الصحيح: 29، باب كتابة العلم.


(107)

أضف إلى ذلك أنّ النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أمر في غير واحد من الموارد كتابة حديثه، يجدها المتفحص في مصادرها.(1)

ومع هذه الموارد الكثيرة التي رخّص النبيّ فيها كتابة الحديث، والعمل به، لا يبقى أيُّ شك في موضوعية ما روي عنه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : «من كتب عنّي غير القرآن فليمحه».

ثانياً: هل يصحّ أن يأمر اللّه سبحانه بكتابة الدين حفظاً له، واحتياطاً عليه، وفي الوقت نفسه ينهى نبيّه عن كتابة الحديث الذي يعادل القرآن في الحجّية؟!

ثالثاً: العجب من الأُستاذ أنّه سلّم وجه المنع، وهو أن لا يختلط الحديث بالقرآن، وقد نحته الخطيب البغدادي(2) في كتاب «تقييد العلم»(3) مع انّه غير تام، لأنّ القرآن الكريم في أُسلوبه وبلاغته يغاير أُسلوب الحديث وبلاغته، فلا يخاف على القرآن الاختلاط بغيره مهما بلغ من الفصاحة والبلاغة، فقبول هذا التبرير يلازم إبطال إعجاز القرآن الكريم، وهدم أُصوله.

والكلمة الفصل أنّ المنع عن كتابة الحديث كان منعاً سياسيّاً صدر عن الخلفاء لغايات وأهداف خاصّة، والخسارة التي مُني الإسلام والمسلمون بها من جرّاء هذا المنع لا تجبر أبداً، وقد فصلنا الكلام في فصل خاص من كتابنا بحوث في الملل والنحل.(4)


1-سنن الترمذي: 5 / 39، باب كتابة العلم، الحديث 2666 ; سنن الدارمي: 1 / 125، باب من رخص في كتابة العلم; سنن أبي داود: 2 / 318، باب في كتابة العلم، ومسند أحمد: 2 / 215 وج: 3 / 162.
2-أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (392 ـ 463 هـ) مؤلّف تاريخ بغداد.
3-تقييد العلم: 57 .
4-لاحظ: الجزء الأوّل من الكتاب المذكور: 60 ـ 76 .


(108)

2. قبل انشاء السجلات العقارية الرسميّة التي تحدد العقارات، وتعطي كلاً منها رقماً خاصّاً، كان التعاقد على العقار الغائب عن مجلس العقد لابدّ لصحّته من ذكر حدود العقار، أي ما يلاصقه من الجهات الأربع ليُتميّز العقار المعقود عليه عن غيره، وفقاً لما تقضي به القواعد العامة من معلومية محل العقد.

ولكن بعد إنشاء السجلات العقارية في كثير من الممالك والبلدان أصبح يكتفى قانوناً في العقود بذكر رقم محضر العقار، دون ذكر حدوده، وهذا ما يوجبه فقه الشريعة، لأنّ الأوضاع والتنظيمات الزمنية أوجدت وسيلة جديدة أسهل وأتم تعييناً وتمييزاً للعقار من ذكر الحدود في العقود العقارية، فأصبح اشتراط ذكر الحدود عبثاً، وقد قدّمنا أنّه لا عبث في الشريعة.

أقول: إنّ الحكم الشرعي الأوّلي هو معلومية المبيع، وهذا هو لُبُّ الشريعة، وأمّا الباقي فهو ثوب يتغير بتغير الأزمان، فلا تحديد العقارات من الجهات الأربع حكم أصلي، ولا ذكر رقم محضر العقار، فالجميع طريق إلى الحكم الشرعي وهو معلومية المبيع وخروجه عن كونه مجهولاً، والشرط يحصل بكلا الوجهين وتغيير الثوب ليس له صلة بتغيير الحكم.

3. كذلك كان تسليم العقار المبيع إلى المشتري لا يتم إلاّ بتفريغ العقار وتسليمه فعلاً إلى المشتري، أو تمكينه منه بتسليم مفتاحه ونحو ذلك، فإذا لم يتمّ هذا التسليم يبقى العقار معتبراً في يد البائع، فيكون هلاكه على ضمانه هو ومسؤوليته، وفقاً للأحكام الفقهية العامّة في ضمان المبيع قبل التسليم.

ولكن بعد وجود الأحكام القانونية التي تخضع العقود العقارية للتسجيل في السجل العقاري. استقر الاجتهاد القضائي أخيراً لدينا على اعتبار التسليم حاصلاً بمجرد تسجيل العقد في السجلّ العقاري، ومن تاريخ التسجيل ينتقل ضمان هلاك المبيع من عهدة البائع إلى عهدة المشتري، لأنّ تسجيل المبيع فيه


(109)

تمكين للمشتري أكثر ممّا في التسليم الفعلي، إذ العبرة في الملكية العقارية قانوناً، لقيود السجلّ العقاري، لا للأيدي والتصرفات، وبتسجيل المبيع لم يبق البائع متمكناً أن يتصرف في العقار المبيع بعقد آخر استناداً إلى وجوده في يده، وجميع الحقوق والدعاوي المتفرعة عن الملكية، كطلب نزع اليد، وطلب الآخرة، وغير ذلك تنتقل إلى المشتري بمجرّد التسجيل.

فبناء على ذلك يصبح من الضروري في فقه الشريعة أن يعتبر لتسجيل العقد العقاري حكم التسليم الفعلي للعقار في ظل هذه الأوضاع القانونية التنظيمة الجديدة.(1)

أقول: اتّفق الفقهاء على أنّه إذا تلف المبيع الشخصي قبل قبضه بآفة سماوية فهو من مال بائعه، والدليل عليه من طرقنا هو قوله ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ :«كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه».(2)

وروى عقبة بن خالد عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ في رجل اشترى متاعاً من رجل وأوجبه غير أنّه ترك المتاع عنده ولم يقبضه، قال: آتيك غداً إن شاء اللّه فسرق المتاع، من مال من يكون؟ قال: «من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يُقبض المتاع ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقّه حتى يرد ماله إليه».(3)

وأمّا من طرق أهل السنّة، روى البيهقي عن محمد بن عبيد اللّه الثقفي أنّه اشترى من رجل سلعة فنقده بعض الثمن وبقي بعض، فقال: ادفعها إليّ فأبى البائع، فانطلق المشترى وتعجّل له بقية الثمن فدفعه إليه، فقال: ادخل واقبض


1-المدخل الفقهي العام: 2 / 931 .
2-مستدرك الوسائل: 13، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 1.
3-الوسائل: 12، الباب 10 من أبواب الخيار، الحديث 1.


(110)

سلعتك، فوجدها ميتة، فقال له: رد عليَّ مالي، فأبى، فاختصما إلى شريح، فقال شريح: رد على الرجل ماله وارجع إلى جيفتك فادفنها.(1)

وعلى هذا فالميزان في رفع الضمان على البائع هو تسليم المبيع وتسليم كلّ شيء بحسبه، والجامع هو رفع المانع من تسليط المشتري على المبيع وإن كان مشغولاً بأموال البائع أيضاً إذ لم يكن هنا أي مانع من الاستيلاء والاستغلال.

وعلى ضوء ذلك فتسليم البيت والحانوت مثلاً بإعطاء مفتاحهما، وأمّا جعل مجرّد تسجيل العقد في السجل العقاري رافعاً للضمان بحجة انّ تسجيل البيع فيه تمكين للمشتري أكثر ممّا للتسليم الفعلي اجتهاد في مقابل النص بلا ضرورة مالم يكن تسجيل العقد في السجل العقاري متزامناً مع رفع الموانع من تسلّط المشتري على المبيع، إذ في وسع المتبايعين تأخير التسجيل إلى رفع الموانع.

وبعبارة أُخرى: الميزان في رفع الضمان هو تحقّق التسليم بالمعنى العرفي، وهو قد يزامن التسجيل في السجل العقاري وقد لا يزامن، كمالو سجل العقد في السجل ولكن البائع أوجد موانع عاقت المشتري عنالتسلّط على المبيع، فمالم يكن هناك إمكان التسلّط فلا يصدق التسليم.

على أنّ المشتري بالتسجيل وإن كان يستطيع أن يبيع العقار ولكنّه يعجز عن الانتفاع بالمبيع الذي هو المهم له مالم يكن هناك تسليم فعلي.

4. أوجب الشرع الإسلامي على كلّ زوجة تطلّق من زوجها عدّة تعتدها، وهي أن تمكث مدة معيّنة يمنع فيها زواجها برجل آخر، وذلك لمقاصد شرعية تعتبر من النظام العام في الإسلام، أهمها، تحقّق فراغ رحمها من الحمل منعاً لاختلاط الأنساب.


1-البيهقي: السنن: 5 / 334، باب المبيع يتلف في يد البائع قبل القبض.


(111)

وكان في الحالات التي يقضي فيها القاضي بالتطليق أو بفسخ النكاح، تعتبر المرأة داخلة في العدّة، ويُبدأ حساب عدّتها من فور قضاء القاضي بالفرقة، لأنّ حكم القاضي في الماضي كان يصدر مبرماً واجبَ التنفيذ فوراً، لأنّ القضاء كان مؤسساً شرعاً على درجة واحدة، وليس فوق القاضي أحد له حق النظر في قضائه.

لكن اليوم قد أصبح النظام القضائي لدينا يجعل قضاء القاضي خاضعاً للطعن بطريق الاستئناف، أو بطريق النقض، أو بكليهما. وهذا التنظيم القضائي الجديد لا ينافي الشرع، لأنّه من الأُمور الاستصلاحية الخاضعة لقاعدة المصالح المرسلة، فإذا قضى القاضي اليوم بالفرقة بين الزوجين وجب أن لا تدخل المرأة في العدّة إلاّ بعد أن يصبح قضاؤه مبرماً غيرخاضع لطريق من طرق الطعن القضائي. وذلك إمّا بانقضاء المهل القانونية دون طعن من الخصم، أو بإبرام الحكم المطعون فيه لدى المحكمة المطعون لديها ورفضها للطعن حين ترى الحكم موافقاً للأُصول.

فمن هذا الوقت يجب اليوم أن تدخل المرأة في العدة ويبدأ حسابها لا من وقت صدور الحكم الابتدائي، لأنّها لو اعتدت منذ صدور الحكم الابتدائي لربما تنقضي عدتها وتتحرّر من آثار الزوجية قبل الفصل في الطعن المرفوع على حكم القاضي الأوّل بانحلال الزوجية ثمّ ينقض هذا الحكم لخلل تراه المحكمة العليا فيه، وهذا النقض يرفع الحكم السابق ويوجب عودة الزوجية.(1)

أقول: إنّ الحكم الأوّلي في الإسلام هو انّ الطلاق بيد من أخذ بالساق(2)، فللزوج أن يطلّق على الشروط المقرّرة قال سبحانه: (يا أَيُّهَا النَّبيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ


1-المدخل الفقهي العام: 2 / 932.
2-مجمع الزوائد: 4 / 334، باب لا طلاق قبل النكاح.


(112)

فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا العِدَّةَ وَاتَّقُوا اللّهَ رَبَّكُمْ) (1).

نعم لو اشترط الزوجان في سجل العقد أن يكون الطلاق بيد المحكمة بمعنى انّه إذا أدركت انّ الطلاق لصالح الزوجين فله أن يحكم بالفرقة والانفصال، والمراد من الحكم بالفرقة أمران:

أوّلاً: انّ الطلاق لصالح الزوجين.

ثانياً: توّلي إجراء صيغة الطلاق.

فلو كان قضاء القاضي بالفرقة على درجة واحدة، وليس فوقه أحد له حقّ النظر في قضائه فيقوم بكلا الأمرين: حق الانفصال وتنفيذه بإجراء صيغة الطلاق ويكون الحكم بالفرقة مبدأً للاعتداد.

ولو كان النظام القضائي يجعل قضاء القاضي خاضعاً للطعن بطريق الاستئناف، أو بطريق النقض أو بكليهما، فلأجل الاجتناب عن بعض المضاعفات التي أُشير إليها تقتصر المحكمة الأُولى على الأمر الأوّل ـ إنّ الطلاق لصالح الزوجين ـ ويؤخر الأمر الثاني إلى إبرامه، فعند ذلك تجرى صيغة الطلاق من قبل المحكمة الثانية وتدخل المرأة في العدة ويبدأ حسابها.

وبذلك يعلم أنّ ما ضربت من الأمثلة لتأثير الزمان والمكان بعيدة عمّا يروم إليه، سواء كان العامل للتأثير هو فساد الأخلاق وفقدان الورع وضعف الوازع، أو حدوث أوضاع تنظيمية ووسائل زمنية، فليس لنا في هذه الأمثلة أيُّ حافز من العدول عمّا عليه الشرع.

وحصلة الكلام: أنّ الأُستاذ قد صرّح بأنّ العاملين ـ الانحلال الأخلاقي والاختلاف في وسائل التنظيم ـ يجعلان من الأحكام التي أسّسها الاجتهاد في


1-الطلاق: 1 .


(113)

ظروف مختلفة خاضعة للتغيير، لأنّها صدرت في ظروف تختلف عن الظروف الجديدة.

ولكنّه في أثناء التطبيق تعدّى تارة إلى التصرّف في الأحكام الأساسية المؤبدة التي لا يصحّ للفقيه الاجتهاد فيها، ولا أن يحدث بها أيَّ خدشة، وأُخرى ضرب أمثلة لم يكن للزمان أيُّ تأثير في تغيير الحكم المستنبط.

هذا بعض الكلام في تأثير عنصري الزمان والمكان في الاستنباط.

تمّت الرسالة بيد مؤلّفها العبد الفقير جعفر السبحاني في صبيحة يوم الجمعة المصادف يوم العشرين من رجب المرجب من شهور عام 1418هـ

حامداً مصلّياً على النبي وآله

في مدينة قم المقدسة


(114)

4

ملامح الجهاد الإسلامي

في الكتاب والسنّة

انّ الجهاد أحد الأُصول المهمّة في الفقه الإسلامي، وقد وقع في قفص الاتهام من قبل المستشرقين الذين يُفسرون تعاليم الإسلام حسب معاييرهم، ويزعمون انّ الهدف من تشريع الجهاد هو فرض الدين بالقوة على الناس، ومثل هذا الدين يفقد قيمته عند العقل، فها نحن في هذا المقال نُبين موقف الجهاد في الإسلام من منظار القرآن الكريم الذي هو من أوثق المصادر الفقهية.

نظرة عامة إلى آيات الجهاد

إنّ البحث عن آيات الجهاد وإن كان بحاجة إلى تأليف رسالة مفصلة تبحث عن هذه الآيات، وتبين خصوصياتها ونكاتها، غير انّنا ، نقف عندها وقفة قصيرة سريعة حتى يتضح هدف الآيات، فنقول:

إنّ الآيات الواردة حول الجهاد وما يرتبط بها من قريب أو بعيد تنقسم إلى طوائف خمس، لابدّ لكلّ مفسّر أن يلاحظ مجموعَها قبل اتخاذ الموقف وتفسيرها وإظهار الرأي فيها.


(115)

وإليك هذه الطوائف:

الأُولى: الآيات المطلقة التي تدعو إلى مطلق النضال والقتال، دون أن تقيِّد ذلك بقيد، كقوله سبحانه:

(قاتِلُوا الَّذينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلا بِاليَومِ الآخِر وَلا يُحَرِّمونَ ما حَرّمَاللّهُ ورَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دينَ الحَقِّ مِنَ الَّذينَ أُوتُواالكِتاب)(1) .

و قوله:

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ وَالمُنافِقينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمَ وَ بِئْسَ الْمَصير).(2)

فالآية الأُولى تدعو إلى مطلق النضال مع أهل الكتاب، و الثانية تدعو إلى مطلق النضال مع الكفّار والمنافقين، دون أن تقيِّد مقاتلة هذه الطوائف والجماعات بقيد، بل توجب مقاتلتهم، سواء أقاتلوا المسلمين أم لا، وسواء أجحدوا الإسلام أم لا.

الثانية: الآيات المقيّدة التي توجب مقاتلة المشركين شريطة قتالهم للمسلمين والعدوان عليهم، كقوله سبحانه:

(وَقاتِلُوا فِي سَبيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّالمُعْتَدين) (3) .

فالقتال ـ حسب هذه الآية ـ يجب إذا تعرّض المسلمون لعدوان الكفّار والمشركين، ولا يجب قتالهم إذا لم يعتدوا، وربما قُيّد القتال بقيد آخر، وهو الخوف


1-التوبة: 29.
2-التوبة: 73.
3-البقرة: 190.


(116)

من نقض العدو لعهوده التي قطعها مع المسلمين، وهو بمعنى الاستعداد لقتال المسلمين والعدوان عليهم، فلأجل ذلك تجب على المسلمين مقاتلتهم ومحاربتهم. يقول سبحانه ـ بعد أمره بقتال المشركين في مطلع سورة التوبة ـ :

(كَيْفَ وَان يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرقبُُوا فِيكُمْ إلاًّ وَلاَ ذِمّةً)(1) .

ويقول:

(لا يرقبون في مُؤمن إلاًّ وَلاَ ذِمّةً وَأُولئكَ هُمُ الْمُعْتَدُون)(2) .

ويقول:

(وَإِنْ نَكَثُوا ايْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّة الكُفرِ إنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ) (3).

إلى غير ذلك من الآيات التي تحث على مقاتلة المشركين لنقضهم العهود المعقودة بينهم و بين المسلمين، لأنّ نقض العهد بمثابة إعلان الحرب، و إرادة العدوان.

إنّ ملاحظة هذه الآيات تفيد انّ القتال لم يُشرع على الإطلاق بل لأجل سبب، وهو إرادة قتال المسلمين والعدوان عليهم، إمّا بصورة مباشرة، وإمّا عن طريق نقض عهود السلم والصلح الذي لا يعني إلاّ إرادة القتال، فيكون القتال هنا من باب الدفاع عن النفس.

ومن هنا تكون هذه الآيات مقيّدة لإطلاق الطائفة الأُولى.

ومن المعلوم انّ المطلق يحمل على المقيد ويؤخذ بكليهما حسب ما هو المقرر في أُصول الفقه.


1-التوبة: 8.
2-التوبة: 10.
3-التوبة: 12.


(117)

الثالثة: الآيات التي تدعو إلى إنقاذ المستضعفين ونجدة المظلومين وإخراجهم من ظلم الجائرين، ودفع الضيم والحيف عنهم.

و هذا هو أيضاً نوع آخر من الدفاع، إذ هو دفاع عن الغير.

فالاعتداء لم يستهدف الإنسانَ نفسه أو الشعبَ الذي ينتمي إليه، بل استهدف شخصاً أو شعباً آخر هُضمَت حقوقه من قبل الجائرين، فعندئذ يجب ـ وفق معيار العقل ـ الدفاع عن حقوق الإنسان أو الشعب، ويُعد ّهذا الدفاع من أفضل درجات الجهاد، فانّ ذلك إيثار وبذل للدّم في سبيل حياة الآخرين، وأيّ عمل أقدس من هذا. ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يفرض على المسلمين إغاثة المضطهدين، ويقول:

(وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ في سَبيلِ اللّهِ وَالمُسْتَضْعَفينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أَهلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) (1).

الرابعة: الآيات التي تدلّ على عدم الإكراه في الدين، لأنّ الدين عقيدة، والعقيدة لا توجد بالإكراه، كقوله سبحانه:

(لا إكراهَ فِي الدِّين)(2) .

قيل انّها نزلت في رجل من الأنصار يدعى «أباالحصين» كان له ابنان فقدم تجار الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما أرادوا الرجوع من المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصّرا ومضيا إلى الشام، فأخبر أبو الحصين رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ، فأنزل اللّه تعالى: (لاإكراهَ في الدِّين) .


1-النساء: 75.
2-البقرة: 256.


(118)

فقال رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : «أبعدهما اللّه، هما أوّل من كفر»، فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ حيث لم يبعث في طلبهما، فأنزل اللّه: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَينهم)(1) .

وقيل كانت امرأة من الأنصار تكون مقلاتاً(2) فترضع أولاد اليهود، فجاء الإسلام وفيهم جماعة منهم، فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم أُناس من الأنصار، فقالوا: يا رسول اللّه: أبناؤنا و إخواننا، فنزلت: (لا إكراه في الدين) . فقال:

«خيّروا أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فأجلوهم».(3)

وكقوله سبحانه:

(ادْعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوعِظةِ الحَسَنَّةِ وجادِلْهُمْ بالّتي هِيَ أحْسَنُ)(4) .

وقوله:

(وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُر)(5) .

وقوله:

(وَلَو شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرضِ كُلُّهُمْ جَِميعاً أفأنتَ تُكْرِهُ النّاسَ حتّى يَكُونوا مُؤْمنين)(6)

وقوله:

(لعَلَّكَ باخعٌ نَفْسَك ألاّ يَكُونُوا مُؤْمِنين* إِنْ نَشأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِآيةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِين) (7) .


1-النساء: 65.
2- المقلاة: التي لا يعيش لها ولد.
3-مجمع البيان: 2/363 ـ 364.
4-النحل: 125.
5-الكهف: 29.
6-يونس: 99.
7-الشعراء: 3 ـ 4.


(119)

إلى غير ذلك من الآيات الكاشفة عن حرية الاعتقاد.

الخامسة: الآيات الداعية إلى الصلح و التعايش السلمي، كقوله سبحانه:

(والصُّلحُ خَيْر)(1) .

وقوله:

(وَإِنْ جَنَحُوا للسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها)(2) .

وقوله:

(فَإِنِ اعْتَزلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبيلاً)(3) .

ومن المعلوم انّ الصلح المذكور في الآية الأُولى هو التعايش السلمي، وليس المراد الاستسلامَ والتسليم للظلم والعدوان.

إنّ للملاحظ والمتتبع لهذه الآيات التي تدور حول الجهاد وا لقتال، أن يتساءل:

إذا كان الإسلام ينشد الصلح والتعايش السلمي مع الطوائف الأُخرى. كما تشهد على ذلك الطائفة الخامسة.

وإذا كان الإسلام يحترم العقيدة الأُخرى، ويمنع من إكراه أحد على تقبُّل الإسلام واعتناقه كما تشهد على ذلك الطائفة الرابعة ...فكيف يمكن تفسير الآيات الحاثّة على القتال والمحاربة؟!

إنّ ملاحظة مجموع الآيات من الطوائف الخمس تهدينا إلى الجواب الصحيح.

فإنّ القتال ـ بملاحظة الطائفة الثانية والثالثة ـ إنّما شرّع لأجل الدفاع،


1-النساء: 128.
2-الأنفال: 61.
3-النساء: 90.


(120)

وهذا الدفاع ينقسم مصداقاً إلى ثلاثة أقسام:

1. الدفاع عن النفس فرداً أو شعباً.

2. الدفاع عن الغير (أي المستضعفين والمضطهدين) فرداً أو شعباً أيضاً.

3. الدفاع عن القيم الإنسانية، من خلال الجهاد ضدّ الحاكم المستبد المانع من نفوذ الدعوة الإسلامية.

توضيحه: إذا كان الحاكم يقف حائلاً أمام نفوذ دعوة الأنبياء والأولياء، ونشر القيم الرفيعة التي جاءوا بها، بل يُساهم في بث العقائد الخرافية التي تعتبر سداً أمام السعادة الإنسانية، فعند ذلك يجب النضال ضد هذا الحاكم وطغمته لأمرين:

الأوّل: انّ الحاكم المستبِّد ظالم، ومعتد على حقوق الشعب حيث سلب عنهم الحقوق الطبيعية وهي الحرية في الدعوة والاستماع إليها، فعند ذلك يكون قتاله قتالاً ضد الظالم المعتدي.

الثاني: انّ الدفاع عن النفس والمال والشرف يعد حسناً و جميلاً عند كافة شعوب العالم.

غير انّ الملاك في كونه حسناً إنّما هو لأجل كونه دفاعاً عن الحقّوالحقيقة، والدفاع عن الحرية دفاع عن الحقّ، فالحاكم المستبد الذي صادر الحريات العامّة يضاد عملُه الحقَّ والحقيقة فيحسن قتاله لأجل تعزيز الحقّونصرته.

ومن هنا يكون الجهاد التحريري في حقيقته جهاداً دفاعياً. لأنّ ذلك الجهاد إنّما هو لأجل إنقاذ المستضعفين من براثن الظالمين، أو لأجل إنقاذ القيم والحقوق والمثل الإنسانية التي هدرت من قبل الظالم وطغمته، فأقاموا العراقيل في وجه الدعوة الإسلامية وسلبوا الناس حرّياتهم في اختيار العقيدة التي يريدون.


(121)

وبهذا تبيّن انّ الجهاد بأقسامه المختلفة جهاد دفاعي جوهراً، وإن كان ينقسم حسب الاصطلاح الفقهي إلى الدفاعي و الابتدائي.

وهاهنا نكتة نلفت إليها نظر القارئ الكريم، وهي انّ الآيات الأُولى التي نزلت في تشريع الجهاد تدلّ بوضوح على أنّ الدافع من وراء تشريع الجهاد هو الدفاع عن المسلمين وحقوقهم، ولم يشرع لأجل التجاوز والاعتداء على حقوق الآخرين، وإليك نصّ الآيات:

(إِنَّ اللّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّان كَفُور* أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدير*الَّذِينَ أُخرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ إِلاّ أنْ يَقُولُوا رَبُّنااللّهُ وَلَولا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيََعٌ وَصَلواتٌ وَمَساجِدُ يُذكَرُ فِيَها اسْمُ اللّهِ كَثِيراً وَليَنْصُرَنَّ اللّهُ مَنْ يَنْصُُرُه إِنَّ اللّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌالَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاَة و آتََوُا الزَّكاةَ وَأمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ و نَهَوا عَنِ المُنْكَرِ وَللّهِ عاقِبَةُ الأُمور)(1) .

وتنطوي هذه الآيات على دلالات عدة:

1. قوله سبحانه: (لا يُحِبُّ كُلّ خوان كَفُور) يدلّ بوضوح على أنّ الكافر المقاتل، خائن، وكلّ خائن معتد تجب محاربته.

2. قوله سبحانه: (أُذِنَ لِلَّذينَ يُقاتَلُون) يدلّ على أنّ المأذون في القتال مقاتَل (بالفتح) لا مقاتل (بالكسر)، فليس المسلم هو البادئ بالقتال، بل الكافر


1-الحجّ: 38 ـ 41.


(122)

هو البادئ، فعند ذلك يعد قتال المسلم دفاعاً.

3. قوله سبحانه: (بأنّهم ظُلموا) يدلّ بوضوح على أنّ القتال لأجل رفع الظلم.

4. قوله سبحانه: (وَأُخرجوا مِنْ دِيارِهِم) يدلّ على كونهم مشرّدين من ديارهم بغير سبب، وأيّ ظلم أعظم من إبعاد الإنسان عن موطنه.

5. قوله سبحانه: (لولا دفع اللّه الناس...) يدلّ على أنّ الكافر لو تُرِك بحاله لهدّم البيوت المقدسة وأماكن العبادة التي بنيت لعبادة اللّه سبحانه و تربية الناس وتزكيتهم، فيجب قتاله حتى لا يرتكب تلك الجريمة الأثيمة.

6. قوله سبحانه: (الّذِين إنْ مَكَّناهُم...) يشير إلى أنّ الغاية من تمكين المسلمين في الأرض هو إحياء المثل الإنسانية، وهي عبارة عن إقامة الصلاة التي هي رمز لصلة الإنسان باللّه سبحانه، وإيتاء الزكاة التي هي رمز للتعاون الإنساني، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما كناية عن إقامة دعائم النظام الصالح والنضال ضد كلّ نظام فاسد.

وقد تجلّت في ضوء هذه الأبحاث حقيقة ناصعة، وهي انّ تشريع الجهاد الابتدائي أو ما يعبر عنه بـ «التحريري» لم يكن لأجل الاعتداء على حقوق الآخرين ، بل كان لأجل الدفاع عن حقوق المستضعفين.

و مما ينبغي الإشارة إليه هو بيان فلسفه الجهاد الإسلامي بكلا شقيه : الدفاعي و الابتدائي، والدوافع من وراء تشريعه، وما يجب على المجاهد من رعاية أُصول وقيم في الجهاد.


(123)

الجهاد ضرورة حيويّة

يعتبر الجهاد في منطق الدين الإسلامي وسيلة فعّالة من وسائل ديمومة الدين وبقائه بل و بقاء الأُمّة الإسلامية، وصيانة كيانها من السقوط و الانهيار.

ولابدّ للوقوف على هذه الحقيقة من تقديم مقدمة ضرورية، فنقول:

عندما نطالع حياة الموجودات الحيّة، نجد أنّها تقوم بثلاثة نشاطات تكفل بقاءها، وحياتها.

أوّلاً: التنفس وجذب الغذاء المناسب.

ثانياً: التوالد و التكاثر، وهي صفة كلّ خليّة من خلايا الكائنات الحية.

ثالثاً: إزاحة الموانع، وطرد المواد الزائدة والمضرّة.

ولما كان الإسلام ظاهرة حيويّة ـ و إن لم يكن ظاهرة مادية بل ظاهرة إلهية ـ فانّه لا يخلو بدوره من هذه النشاطات الثلاثة ولا يستغني عنها في بقائه واستمراره ، لا سيما النشاط الثالث.

فإنّ الإسلام، لكونه رسالة إلهية منزلة لهداية البشرية، يسعى إلى تغيير العادات والتقاليد البالية، والأوضاع الفاسدة والنُّظُم الباطلة... ولذلك من الطبيعي أن يواجه معارضة شرسة ممن يخالف هذا التغيير مصالحهم، ويتعارض مع أهدافهم ومطامعهم... وعندئذ يجب على هذا الدين أن يقوم بإزاحة هذه الموانع و يكتسح تلكم الحواجز، ليمضي قدماً في أداء رسالته، وتحقيق أهدافه.


(124)

إنّ هناك فرقاً واضحاً بين (المذهب الفلسفي) و (الدين الإلهي).

فالفيلسوف، يكتفي ببحث الأُمور الفلسفية، لمجرد التوضيح، أو النقد وينشر أفكاره،وتحليلاته بين الناس ليقفوا عليها ويعرفوها دون أن يرى إلزامهم بشيء منها.

فهو لا يهمّه سوى طرح أفكاره والدفاع عنها بقاطع البرهان، وواضح الدليل.

وأمّا (الدين الإلهي) فليس مذهباً فلسفياً ليكتفي بمجرد البيان والتوضيح ويُحصِرَ همَّتَه في النقد والإشكال، إنّما هو ثورة إصلاحية، وعملية تغييرية تهدف إلى إقامة نظام صالح عادل فوق ركام الأنظمة الفاسدة، والأوضاع المنحطة.

وبديهي انّه لا يتحقّق ذلك دون مواجهة الموانع، وقيام الصراعات والحروب، مع الجهات والقوى المعارضة لهذا التغيير.

فهل في العالم حركة تغييرية استطاعت تحقيق أهدافها دون خوض الصراعات الحامية، ودون نشوب الحروب و سقوط الضحايا، أو إراقة محجمة دم؟!

فهل استطاعت (الثورة الفرنسية) أن تتجنب إراقة الدماء؟!

وهل نجحت (الثورة الروسية) إلاّ بعد سقوط الملايين من القتلى؟!

وهل حقّقت (الثورة الهندية) أهدافها إلاّ عبر المئات من القرابين البشرية؟!

نعم إنّ ما يفارق به (الجهاد الإسلامي) عن الحروب التي تفرضها الحركات التغييرية الأُخرى، هو: تجنب الإسلام للحروب، وإراقة الدماء قدر الإمكان، والقيام بكلّ ذلك من باب الضرورة وفي حدود الإنسانية والرحمة.

هذا مضافاً إلى بقية الفوارق التي تتجسد في أحكام (الجهاد الإسلامي) كما


(125)

سيأتي تفصيلها.

و صفوة القول: إنّ أية ثورة إصلاحية وحركة تغييرية تتطلب ـ بحكم الضرورة ـ هذه المواجهات الساخنة، دفعاً للموانع والحواجز، وإلاّ لأُخمدت هذه الثورة في المهد، كما تموت الخليّة الحيّة إذا تركت كذلك.

ولهذا وصفه القرآن بأنّه وسيلة للحياة والبقاءو الاستمرار، إذ قال:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا استَجيبُوا للّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّه إِليهِ تُحْشَرُونَ)(1) .

وبعبارة واضحة، انّ الإسلام نظام اجتماعي ثوري، لم ير العالم نظيره قط، فهو بما انّه رسالة إلهية، تضمن سعادة البشر، يرى لنفسه حقّ التوسعة والتعميم.

ولأجل ذلك يسعى لرفع الموانع والحواجز عن طريقه بأسهل الطرق وأعدلها.

فيبتدئ بالتبليغ والتعليم والبحث والمجادلة والتوجيه والإرشاد، فإذا رأى أنّ المانع لا يرتفع إلاّبقوة قاهرة يسعى لرفع الموانع بتلك القوة، وإليه يشير قوله سبحانه:

(وَقاتِلُوا فِي سَبيلِ اللّه الَّذِينَ يُقاتِلُونكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللّهَ لايُحِبُّالْمُعْتَدين)(2) .

ولم يكن هذا ليختص بالدين الإسلامي، بل كان هذا هو نهج الأنبياء في الدعوة إلى الحقّ.

وفي ذلك يقول سبحانه:

(لَقَدْأَرْسَلْنا رُسلنا بِالبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتاب وَالمِيزان


1-الأنفال: 24.
2-البقرة: 190.


(126)

لَيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ وَأَنْزَلْنا الحَديدَ فِيهِ بَأْسٌ شَديدٌ وَمنافِعُ لِلنّاسِ)(1) .

والكتاب والميزان إشارة إلى أنّهم كانوا يتوصلون في بدء الأمر بأسهل الطرق، وهو تنوير الأفكار وإقناعهم بمنطق العقل.

وأمّا إذا رأوا انّ ذلك المنطق لا يجدي في دفع الموانع يتوصّلون بمنطق القوة، فالحديد في الآية كناية عن ذلك المنطق، وسيرة الأنبياء وتاريخهم خير شاهد على ذلك.

وهاهنا نقطة أُخرى ينبغي الإشارة إليها، وهي: انّ الإسلام سعى و منذ البداية إلى نشر العدالة الاجتماعية في جميع مناحي الحياة.

ومن الطبيعي انّ كلّ ثورة ـ من هذا القبيل ـ لا تكفل منافع جميع الطبقات بل ربما تهدِّد مصالح الطغاة والمستثمرين والمترفين، ولأجل ذلك وقف المترفون بوجه كافَّة الحركات الإصلاحية التي دعت إلى الحقّ، كما قال القرآن:

(وَما أَرْسَلْنا في قَرْيَة مِنْ نَذير إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما أُرسِلْتُمْ بِهِ كافِرُون)(2).

فكان اللازم على صاحب الرسالة التوسل بمنطق القوة ـ حين لا تُجدي قوة المنطق ـ في رفع الحواجز والموانع، والتخلص ممن يقف حجر عثرة أمام الحقّ والعدالة.

هذه هي خلاصة فلسفة الجهاد الإسلامي وتشريعه.

ثمّ إنّ الجهاد الذي دعا إليه الإسلام وحثّ عليه المسلمين ينقسم إلى


1-الحديد: 25.
2-سبأ: 34.


(127)

نوعين:

1. الجهاد الدفاعي.

2. الجهاد الابتدائي.

وإليك لمحة سريعة عن حقيقة هذين النوعين من الجهاد وخصائصهما وأحكامهما على نحو الإيجاز والإجمال.

الجهاد الدفاعي

والمراد من هذا الجهاد هو مقاتلة الأعداء المعتدين، دفاعاً عن النفس والمال، وذبّاً عن الوطن والحرية، وذوداً عن الشرف والاستقلال.

إنّ الدفاع المذكور على قسمين:

أوّلاً: الدفاع عن حوزة الإسلام.

ثانياً: الدفاع عن النفس و المال وما شابه ذلك.

وأمّا البحث عن القسم الثاني فموكول إلى الكتب الفقهية المعدّة لتفصيل ذلك. راجع شرائع الإسلام الباب السادس في حدود المحارب من كتاب الحدود والتعزيرات، تجد فيه فروع وتفاصيل هذا المبحث.

وأمّا القسم الأوّل فمنه ما إذا غشي بلاد المسلمين أو ثغورها عدوٌّ يُخشى منه على بيضة الإسلام، فيجب عليهم الدفاع بأية وسيلة ممكنة من بذل الأموال والنفوس.

ولو خيف من الاستيلاء على بلاد المسلمين، وجب الدفاع بأية وسيلة ممكنة، كما لو خيف على حوزة الإسلام من الاستيلاء السياسي، والاقتصادي المؤدي إلى التبعية السياسية والاقتصادية، ووهن الإسلام والمسلمين حينها يجب


(128)

الدفاع بالوسائل المشابهة والمقاومة السلبية، كمقاطعة أمتعتهم وبضائعهم، وترك استعمالها وترك المعاملة والمراودة معهم مطلقاً إلى غير ذلك من أنواع المقاومة التي تختلف مع اختلاف ألوان الاستيلاء، واختلاف الظروف والمقتضيات .

هذا وقد وردت حول الدفاع عن النفس روايات وأحاديث منها:

قال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «من قتل دون عقاله (أو عياله) فهو شهيد».

وقال صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «من قتل دون ماله فهو شهيد».

وقال صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «يبغض اللّه تعالى رجلاً يدخل عليه في بيته فلا يقاتل».

وقال صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «من قتل دون مظلمته فهو شهيد».(1)

وقد وردت روايات مماثلة في المفاد أو النص عن أهل البيت عليهم السَّلام في المقام تركناها اختصاراً، فراجع وسائل الشيعة .

وعلى كلّ تقدير فالجهاد الدفاعي جهاد شرّعه الإسلام عندما تَتعرض الأُمّة الإسلامية لمهاجمة الأعداء، وعدوانهم وتصبح غرضاً لأطماعهم ومؤامراتهم.

وهذا ممّا تقتضيه طبيعة الحياة، و تحكم به الفطرة، و يحكم بحسنه وضرورته العقل السليم، كما تؤيده كافة المدارس والمذاهب الحقوقية والسياسية والاجتماعية.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الجهة الموجبة للجهاد والقتال، بقوله:

(وَقاتِلُوا في سَبيلِ اللّهِ الَّذينَ يُقاتِلُونكُمْ)(2) .

وقوله سبحانه:

(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدير*


1-الوسائل الجزء11، الباب 45 من أبواب جهاد العدو.
2-البقرة: 190.


(129)

الَّذينَ أُخرِجُوا من دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ إِلاّ أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللّهُ وَلَولا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضهُمْ بِبَعْض لَهُدِّمَتْ صوامِعُ وَبيَعٌ وَصَلواتٌ وَمساجِدُ يُذكَرُ فِيهَا اسمُ اللّه ِكَثِيراً وليَنْصُرنَّ اللّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللّهَ لَقَويٌّ عَزِيز)(1).

وعلى هذا الأساس كانت أغلب الحروب والغزوات التي قام بها النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، ونشبت في حياته مثل «بدر» و «أُحد» و «الخندق» كانت حروباً دفاعية قام بها المسلمون بقيادة النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وأمره دفاعاً عن حوزة الدين.

كما أنّ (السرايا) التي بعثها النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كانت لأجل إطفاء نيران الفتن وإحباط المؤامرات التي كان يحيكها أعداء الإسلام في أنحاء الجزيرة العربية للقضاء على الدين الجديد، واستئصال جذوره وهدم بنيانه.

***

خصائص الجهاد الدفاعي

إنّ للجهاد الدفاعي في الإسلام حدوداً وأحكاماً تميّزه عن الحروب التي يقوم بها الآخرون في عالمنا المعاصر.

ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الخصائص ـ في آية واحدة ـ إذ قال سبحانه:

(وَقاتلُوا في سَبيلِ اللّهِ الَّذينَ يُقاتِلُونكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدين)(2) .


1-الحجّ: 39 ـ 40.
2-البقرة: 190.


(130)

والخصائص التي ذكرتها هذه الآية هي باختصار:

أ. الجهاد في سبيل اللّه (الهدف)

إنّ الجهاد والقتال يجب أن يكون للّه تعالى، و لكسب رضاه سبحانه، لا لنشر النفوذ، وضمِّ بلد إلى بلد.

وهذه هي أهمّ خصيصة في الجهاد الإسلامي.

و نظراً لأهميتها القصوى أكّد عليها القرآن الكريم في آيات متعددة، واعتبرها الفرق الجوهري بين الحروب الإسلامية والحروب غير الإسلامية، و بين الجهاد الذي يقوم به المسلمون، و القتال الذي تمارسه دول العالم، والجماعات غير المسلمة، إذ يقول:

(الّذينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبيلِ الطّاغُوت)(1).

ولأجل ذلك يذم اللّه سبحانه كلّ قتال أو قيام يراد به التسلط على حطام الدنيا ومتاعها، ويقول سبحانه:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ في سَبيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلقى إِلَيْكُمُ السَّلام لَستَ مُؤْمناً تبتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَاللّهِ مَغانِمُ كَثيرةٌ) (2).

ويقول سبحانه:

(ما كانَ لِنَبيّ أنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثخِنَ فِي الأَرضِ تُريدُونَ


1-النساء: 76.
2-النساء: 94.


(131)

عَرَضَ الدُّنيا وَاللّهُ يُريدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزيزٌ حَكيم)(1) .

ويقول سبحانه:

(لَوْ كانَ عَرَضاً قَريباً وَسَفراً قاصداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِن بَعُدَت عَلَيْهِمُ الشُّقّةُ و سَيَحْلِفُونَ بِاللّه لَوِ استَطَعْنا لَخَرَجنا مَعَكُمْ يُهلِكُون أَنفسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُون) (2).

ب. القتال ضد المعتدي

وهي: انّ القتال لا يجوز إلاّمع الذين يقاتلون المسلمين، ويبدأونهم بالعدوان، وهو شرط في هذا النوع من الجهاد دون الجهاد الابتدائي، الذي سيوافيك تفصيله.

فالقتال أساساً شُرع لصد العدوان وردّ المعتدي، وإيقاف المتجاوز عند حدوده، ولهذا يأمر الإسلام أتباعه أن يكفّوا عن القتال إذا كفّ العدو عنه.

قال سبحانه:

(...فَإِن اعْتَزلُوكُمْ فَلَم يقاتِلُوكُمْ و ألقَوْا إِليكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَاللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبيلاً)(3) .

ويقول في آية لاحقة:

(...فَإِنْ لَمْ يَعْتَزلُوكُمْ وَيُلقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيدِيَهُم فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) (4).


1-الأنفال: 67.
2-التوبة: 42.
3-النساء: 90.
4-النساء: 91.


(132)

على أنّ الجهاد الدفاعي ربما يُشرع أيضاً عندما يقوم العدو بنكث المواثيق، ونقض المعاهدات، وتعريض السلام المتفق عليه للخطر، أو يقوم بطرد الشخصيات الإسلامية من مواطنهم، وتشريدهم ظلماً، وعدواناً.

فعن الأوّل، يقول سبحانه:

(وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُون)(1).

وفي آية لاحقة يشير سبحانه إلى الأمر الثاني ويقول:

(أَلا تُقاتِلُونَ قَوماً نَكَثُوا ايْمانهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّة أتخشونَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشوهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنين)(2).

كما ويندرج تحت هذا مكافحة الاستعمار بكلّ أشكاله وألوانه...

ج . حدّالجهاد

إنّ القتال يجب أن يكون في إطار الحقّوالعدل ولا يتجاوز حدودهما. وهو شرط مشترك بين الدفاعي و الابتدائي.

ولما كان الإسلام دين الحقّ و العدل فانّه أكّد على هذا الشرط أشدّ وأبلغ تأكيد، وصرح ـ مثلاً ـ بأنّ القتال والعدوان يجب أن يماثل العدوان الواقع على المسلمين ولا يتجاوز مقداره، وإلاّ عاد انتقاماً و خروجاً عن سنة العدل، فقال ـ في نفس الآية ـ :

(فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ


1-التوبة: 12.
2-التوبة: 13.


(133)

وَاتَّقُوا اللّه وَاعْلَمُوا أنَّ اللّهَ مَع الْمُتَّقين)(1).

ويجدر بالذكر انّ إرداف الأمر بالجهاد بالحث على التقوى يوحي إلى ضرورة وجود صفة التقوى، و تقارنه مع الجهاد منعاً من تجاوز الحقّ والعدل، فانّ المقاتل غالباً ما تدفعه سورة الغضب إلى ارتكاب الجرائم والتعدي عن الحقّ إلاّإذا خاف اللّه تعالى.

وقد أشار القرآن إلى ضرورة رعاية الحقّ في جميع الأحوال فقال سبحانه:

(يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ للّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَ آنُ قَوم عَلى ألاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّاللّهَ خَبيرٌ بِما تَعْمَلُون)(2).

هذا و قد دلّت ـ على تشريع هذا الجهاد ـ مضافاً إلى ما ذكر من الآيات، أحاديث وروايات متضافرة نأتي ببعضها:

قال الإمام علي عليه السَّلام :

«الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه اللّه لخاصّة أوليائه... هو لباس التقوى، ودرع اللّه الحصينة، وجُنته الوثيقة ».(3)

وقال الإمام أبو جعفر الباقر عليه السَّلام في رسالته إلى بعض خلفاء بني أُميّة:

«الجهاد الذي فضّله اللّه على الأعمال وفضّل عامله على العمال تفضيلاً في الدرجات والمغفرة ، لأنّه ظهر به الدين، و به يُدفع عن الدين».(4)


1-البقرة: 194.
2-المائدة: 8.
3-نهج البلاغة: الخطبة 27.
4-الوسائل: الجزء 11، الباب 1من أبواب جهاد العدو، الحديث 8. في هذا الحديث إشارة إلى كلا النوعين من الجهاد (الدفاعي والابتدائي) فقوله عليه السَّلام :« لأنّه ظهر به الدين» إشارة إلى الثاني، وقولهعليه السَّلام :« وبه يدفع عن الدين» إشارة إلى الأوّل.


(134)

إلى غير ذلك من الأحاديث المذكورة في المصادر المعتبرة.

ثمّ إنّ من يجب جهادهم الدفاعي ثلاث طوائف:

1. البغاة على الإمام من المسلمين، كالخوارج الذين خرجوا على الإمام علي عليه السَّلام .

2. أهل الذمّة ، وهم اليهود و النصارى و المجوس إذا أخلوا بشرائط الذمة.

3. من ليس لهم كتاب إذا ت آمروا على المسلمين.

هذه هي لمحة خاطفة عن حقيقة الجهاد الدفاعي ودوافعه وخصائصه، وأمّا معرفة مسائله وفروعه وأحكامه التفصيلية فمتروكة إلى الكتب الفقهية المفصلة.

***

الجهاد التحريري(الابتدائي)

لقد شرّع الإسلام ـ إلى جانب الجهاد الدفاعي ـ نوعاً آخر من الجهاد، هو الجهاد الابتدائي الذي يجدر أن يسمّى بالجهاد التحريري.

وتتلخص دوافع هذا النوع من الجهاد في أُمور عديدة نشير إلى ثلاثة منها، تاركين للقارئ الكريم مراجعة الكتب الفقهية المفصلة لمعرفة بقية هذه الدوافع والأسباب:

1. تحرير البشرية من الشرك

إنّ من أهمّ دوافع الجهاد التحريري هو مقارعة الوثنية والشرك، وتحرير البشرية من اتخاذ أيّ معبود سوى اللّه، فالإسلام يأمر بعبادة اللّه وحده، وينهى عن اتخاذ أيّ معبود سواه.


(135)

يقول اللّه سبحانه:

(وَلا تَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ لاإِلهَ إِلاّ هُو)(1).

وهذه حقيقة تدركها الفطرة البشرية السليمة، ولكن هذه الفطرة قد تنحرف و تحيد عن مسيرها الصحيح بفعل المؤثّرات و الدعايات وتضليل المضلّلين.

وهنا يفرض الدين على أتباعه أن يجاهدوا لتحرير العقول من قيودها، وتخليص الفطرة الإنسانية المنحرفة من براثن الوثنية بكلّ وسيلة ممكنة.

وليس هذا ممّا يخالف حرية الإنسان في اتخاذ المعتقد الذي يريد، لأنّ الحرية ليست مطلوبة على إطلاقها.

ثمّ إنّ تخليص البشرية من براثن الوثنية إنّما هو خدمة وإكرام لها من الخضوع للموجودات الوضيعة.

وهذا أمر ضروري حتى إذا لم يدرك البشر أهميته، أو امتنع من قبوله تمشياً مع هواه.

فلو انّ وزارة الصحة ـ مثلاً ـ أرادت تلقيح الناس باللّقاح الصحي ضدّ مرض داهم، أو وباء قادم، لزم على الجميع القبول بهذا الأمر، ولم يكن لأحد الامتناع عن ذلك بحجة انّه حرّ لا يجوز إكراهه على شيء.

فلا تسمع منه هذه الحجّة، ولا يُقبل منه هذا الرفض، حفاظاً على الصحة العامة وصيانة للمجتمع من العَدْوى.

ويعتبر هذا الإكراه والإلزام بهذا الأمر العقلائي رحمة له، ولطفاً به لا ظلماً وعدواناً.

إنّ عبادة الوثن تجعل عابد الوثن أذلّ من الصنم الذي نحته بيديه...وإلى ذلك يشير سبحانه ـ مستنكراً ـ (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُون) (2)؟!!.


1-القصص: 88.
2-الصافات: 95.


(136)

ثمّ إنّ الخضوع للوثن يوجب انحطاط الفكر الإنساني،ووقوعه في الخرافات التي هي بمثابة القيود التي تكبِّل الفكر البشري،وتمنعه عن الانطلاق في مدارج الرقي والتكامل، و تحجز النفس الإنسانية من نيل الفضائل والسجايا الخلقية الكريمة.

هذا مضافاً إلى أنّ عبادة الأوثان والأصنام توجد اختلافاً وتحزباً بين البشر، وتُفرّق وحدته، وتمزّق صفَّه، إذ كلّ جماعة تتخذ وثناً خاصاً تعبده وتتمسك به، وتنفي سواه، وفي ذلك ضرر عظيم على حياة البشرية لا يقل عن خطر الطاعون والوباء. يقول سبحانه حاكياً عن لسان يوسف:

(يا صاحِبَي السِّجْن ءَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيرٌ أَمِ اللّهُ الواحِدُالقَهّار) (1).

ولهذا يرى الإسلام محاربة هذا الوباء الفكري، واقتلاعه من الجذور.

ومن هنا أقدم الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عند فتحه (مكة) على كسر الأصنام الموضوعة على البيت الحرام، وأمر كلّ صاحب وثن أن يحطِّم وثنه، وكان صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يفعل ذلك كلّما فتح منطقة من مناطق الجزيرة.(2)

نعم صحيح انّ للتبليغ والدعوة أثراً لا ينكر في إيقاظ الأفكار، وفكّها من أسارها، بيد انّه أثر محدود لا يعرفه إلاّالزمرة الواعية، المثقَّفة، القادرة على استيعاب التوجيهات و المواعظ.

ولأجل ذلك يجب على إمام المسلمين قبل نشوب الحرب أن يدعو الكفّار و الأعداء إلى الإسلام، بالحكمة والموعظة الحسنة، ويبالغ في إيقاظهم وتوعيتهم ودعوتهم، وإتمام الحجّة عليهم.


1-يوسف: 39.
2-سيرة ابن هشام:2/143.


(137)

قال صاحب شرائع الإسلام:

«ولا يُبدأون إلاّ بعد الدعاء إلى محاسن الإسلام ويكون الداعي الإمام أو من نصبه».(1)

وقد دلّت على ذلك من السنّة روايات متضافرة، منها ما عن السكوني عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السَّلام : قال :قال أمير المؤمنين عليه السَّلام :

«بعثني رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إلى اليمن فقال: يا علي ألا لا تقاتلن أحداً حتى تدعوه إلى الإسلام، وأيم اللّه لئن يهدي اللّه عزّوجلّ على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت ولك ولاؤه يا علي».(2)

و قد سئل الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليمها السَّلام عن كيفية الدعوة إلى الدين، فقال: «تقول: (بسم اللّه الرحمن الرحيم أدعوك إلى اللّه عزّوجلّ وإلى دينه و جُماعه أمران:

أحدهما: معرفة اللّه عزّوجلّ.

و الآخر: العمل برضوانه، وانّ معرفة اللّه عزّوجلّ أن يُعرف بالوحدانية والرأفة والرحمة والعزة، والعلم والقدرة والعلو على كلّ شيء، وانّه النافع الضار القاهر لكلّ شيء الذي لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وانّ محمّداً عبده و رسوله، وانّ ما جاء به هو الحقّ من عند اللّه عزّوجلّ وما سواه هو الباطل).

فإذا أجابوا إلى ذلك فلهم ما للمسلمين ، و عليهم ما على المسلمين».(3)


1-شرائع الإسلام، كتاب الجهاد ، الركن الثاني.
2-وسائل الشيعة:الجزء11، الباب 10 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1.
3-وسائل الشيعة:الجزء11، الباب 11 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1.


(138)

بل ولو أنّ أحداً من المشركين استأمن و أراد أن يسمع كلامالحاكمالإسلامي أُعطي له الأمان ثمّ أُعيد إلى مأمنه، سواء كان قبل نشوب الحرب أو في أثنائه.

قال اللّه سبحانه:

(وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكينَ استجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتى يَسْمَعَ كَلامَ اللّهِ ثُمَّ أ بْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَومٌ لا يَعْلَمُون)(1).

غير انّ الدعوة والتبليغ ربما تؤثر في بعض الأشخاص ولا تؤثر في آخرين، خصوصاً إذا كان الدين يهدد مصالحهم ومطامعهم، ولذلك وجب محاربتهم...،إذ لا يكون الخير والإصلاح حينئذإلاّبالسيف و منطق القوة.

وإلى هذا أشار النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، بقوله:

«الخير كلّه في السيف، و تحت ظلّ السيف، ولا يقيم الناس إلاّ السيف».(2)

فرض العقيدة ممنوع

قد يتوهم الجاهل بمعالم الدين الإسلامي وأحكامه انّ الهدف من الجهاد التحريري إنّما هو فرض العقيدة الإسلامية على الناس فرضاً.

ولكن هذا ظن واضح البطلان، معلوم الضعف لمن له أدنى معرفة بطبيعة الدعوة الإسلامية.

فانّ الإسلام الذي يشجب ويستنكر على بعض الناس اتّباعهم لعقائد آبائهم وأجدادهم الباطلة، وتقليدهم تقليداً أعمى دون أن يسمحوا لهم بأن


1-التوبة: 6.
2-وسائل الشيعة: الجزء11، الباب 1 من أبواب جهاد العدو، الحديث1.


(139)

يفكِّروا، ويحقّقوا، ويفتشوا عن المعتقد الحقّ، ليعتنقوه بالبرهان، والدليل؟

إنّ اعتناق عقيدة ما يجب أن يكون قائماً على أساس البحث والفحص والتحقيق، ومرتكزاً على البرهان والدليل، و لذلك فهو يقبّح اتّباع السلف دون مراجعة لعقائدهم، وتحقيق في صحتها أو بطلانها، إذ قال:

(وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ في قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاّقالَ مُتْرَفُوها إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمّة [أي طريقة ]وإنّا على آثارِهِمْ مُقْتَدُون* قُلْ أَوَ لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءكُمْ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُون* فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُر كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبين)(1).

و قال سبحانه:

(وَإِذا قيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءنا أَوَلَوْكانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيئاً وَلا يَهْتَدُون)(2).

وبتعبير آخر: انّ الإسلام ذمّ التقليد في الأَصول والعقائد والجري على سنن الآباء والأجداد بلا تأمل ولا تدبّر، وطالب بالتفكّر، والتعقّل، فكيف يأمر أتباعه بأن يفرضوا العقيدة الإسلامية على الآخرين بقوة النار و الحديد؟!

كيف؟! و قد صرح بحرية الاعتقاد، بقوله سبحانه:

(لا إِكْراهَ فِي الدِّين قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيّ)(3).

إنّ القرآن الكريم يصرح بأنّ الاختلاف الفكري، والتنافس الآيديولوجي أمر غريزي طبيعي، ولذلك فهو باق إلى يوم القيامة ولا يمكن إزالته من رأس، ولا يصحّ إلغاؤه بالمرة.


1-الزخرف: 23 ـ 25.
2-البقرة: 170.
3-البقرة: 256.


(140)

قال سبحانه:

(وَلَوْ شاءَرَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمّة ًواحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفين) (1).

إنّ القرآن الكريم ينهى الرسول الأكرمصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عن فرض العقيدة الإسلامية على الناس، لأنّ اللّه شاء لهم أن يكونوا أحراراً في ذلك، وهو في الوقت نفسه يعطينا درساً في مجال التبليغ والدعوة يجب أن نسير على ضوئه، فيقول:

(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ في الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَِميعاً أَفَأَنْتَ تكرهُالنّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنين)(2).

إذن فلم يشرع الجهاد الابتدائي لفرض العقيدة على الناس أو حملهم على الخضوع لمنهج الدين دون اختيار منهم أو إرادة حرة.

2. كسر الأطواق المفروضة على الشعوب

إنّ هناك داعياً آخر لتشريع الجهاد الابتدائي وهو كسر الأطواق المفروضة على الشعوب، و إسقاط الحكومات التي تمنع من وصول الإسلام إلى الناس وتسلب حرياتهم، وتكرههم على اتخاذ عقيدة خاصة، والمشي على حسب منهج خاص وإن كانوا لا يرتضونه.

وبهذا يكون الجهاد الابتدائي لرفع الموانع والحواجز التي تحيل دون وصول العقيدة الحقّة إلى الناس، وتحريرهم من تلك القيود التي تكبّلهم.

3. تخليص المستضعفين من براثن الظالمين

إنّ الهدف الثالث من أهداف الجهاد التحريري أو الابتدائي هو إنقاذ


1-هود: 118.
2-يونس: 99.


(141)

الشعوب المستضعفة من اضطهاد الحكام الجائرين، واستبدادهم وظلمهم، وحيث إنّ هذا الهدف لا يتحقّق إلاّ باستخدام القوّة وحمل السلاح، اتخذ القرآن طريق الجهاد، وقال:

(وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ في سَبيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساء ِوَالوِلدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَل لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) (1).

وقد وردت الإشارة إلى هذا الهدف في تصريحات مبعوث عسكر المسلمين الذي أرسل إلى قائد جحافل الشرك حينما سأله: ما حملك على هذا، فقال: «اللّه جاء بنا، وهو بعثنا لنخرج من يشاء من عباده من ضيق الدنيا إلى سعتها، و من جور الأديان إلى عدل الإسلام».

وورد في نص آخر: «وفي إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة اللّه».(2)

إذن لم يكن تشريع هذا الجهاد لغرض الاستيلاء على الأراضي، أو بهدف السيطرة على منابع الثروة، أو استعمار الشعوب، كما هو هدف الحروب غيرالإسلامية في الماضي والحاضر.

كما أنّ الإسلام ينهى عن العدوان لبعض الأسباب التي تعود إلى المسائل الشخصية، والقضايا الفردية، التي لا تنطوى على مصلحة الإسلام والمسلمين الكلية...وفي هذا الصدد يقول القرآن الكريم:

(وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَ آنُ قَوم أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ المَسجِدِ الحَرامِ أَن


1-النساء: 75.
2-الكامل في التاريخ:2/462ـ 463 من حوادث سنة 14.


(142)

تَعْتَدوا) (1).

وبما انّ الجهاد التحريري ينطوي على أحكام دقيقة، وظريفة، لا يعرفها إلاّ الإمام العادل العارف بالدين، والعالم بالظروف، لم يجز أن يقوم المسلمون بهذا الجهاد إلاّبقيادة (إمام معصوم) أو من ينوب منابه في السلطة الدينية والزمنية.

نعم في مشروعية الجهاد التحريري في غياب الإمام المعصوم بحث مفصل في الكتب الفقهية.

وإلى هذا أشار الإمام الصادق عليه السَّلام بقوله:

«والجهاد واجب مع إمام عادل».(2)

نعم هناك كلمة أخيرة على هامش البحث، وهي:

إنّه يجب على الدولة الإسلامية ـ قبل نشوب أي حرب ـ إعداد المسلمين وتجهيزهم بكلّ ما تستطيع من قوة في كلّ زمان بحسبه، على أن يكون القصد الأوّل من ذلك هو إرهاب العدو، وإخافته من عاقبة التعدّي على بلاد المسلمين كي ينعم المواطنون بالطمأنينة والاستقرار في بلادهم، إذ يقول القرآن الكريم:

(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِباطِ الخَيْل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُُمْ)(3).

ويبقى أن نقول إنّ القتال والنضال بما هوهو ليس أمراً قبيحاً، و إنّما يصطبغ بالحسن أو القبح نتيجة الغايات المترتبة على القتال.


1-المائدة: 2.
2-وسائل الشيعة:الجزء11، الباب 12 من أبواب جهاد العدو، الحديث 9و10.
3-الأنفال: 60.


(143)

فلو كان القتال بهدف الاعتداء والتجاوز على النفوس والأعراض والأموال والحرمات فيكون القتال أمراً منكراً، ويعدّ وحشية همجية ، ويكون المباشر له حيواناً ضارياً تلبس بالإنسانية.

وإذا كان القتال لحفظ الشرف والإنسانية ومنع المعتدين عن الاعتداء، وغير ذلك من الأهداف المشروعة المذكورة سلفاً فلا يكون قبيحاً بل يعتبر وظيفة إنسانية.

هذه دراسة عابرة للجهاد التحريري حقيقة وهدفاً وفلسفة، والتفصيل موكول إلى محلّه في الكتب الفقهية المطوّلة.

رعاية الأخلاق في الحرب

إنّ وقائع الحروب تشهد بأنّ الجبابرة و الطواغيت ينسون ـ عند نشوب الحروب ـ كلّ القيم الإنسانية والأُصول الأخلاقية، فيرتكبون كلّ جريمة، ويقترفون كلّ جناية دون أن يردعهم عن ذلك رادع، أو يتقيدوا في القتال بقانون.

وليس هذا أمراً يتصل بالماضي، فساحات المعارك اليوم، وما تشهده من فظائع خير دليل على ما ذكرناه.

صحيح انّ هناك أعرافاً دولية، وقوانين عالمية للحروب، ولكن رعاية هذه القوانين والأعراف ضئيلة، أو كادت أن تكون مفقودة أصلاً.

هذا مضافاً إلى أنّ هذه القوانين والأعراف لا تكون ـ في الأغلب ـ شاملة، أو كافية.

غير انّ الإسلام سنَّ للحرب والقتال حدوداً دقيقة من شأنها أن تجعل الحرب في إطار الأخلاق والقواعد الإنسانية.ولم يكتف بمجرد تشريعها ووضعها،


(144)

بل عمل بها في كافة حروبه ووقائعه.

من هنا يجب علينا أن نقف على هذه الحدود، لنتعرف على مدى رحمة الإسلام وإنسانيته و عدالته حتى في الحروب، حيث يفقد المتقاتلون توازنهم عادة، فلا يتورّعون عن ارتكاب كلّ كبيرة وصغيرة، وتشهد على ذلك الحرب العالمية الأُولى والثانية، وكذا الحروب التي شنها الغرب على الشرق في مختلف المناطق في القرن الحاضر، ونخص بالذكر المعارك الدامية بين الاستعمار الفرنسي والشعب الجزائري البطل، و الاستعمار الإمريكي والشعب الفيتنامي، والاستعمار الإسرائيلي والشعب الفلسطيني، وما جرى في هذه الحروب من الممارسات الوحشية المروعة على يد هذه القوى الاستعمارية.

1. الآمنون في الحرب

لمّا كانت العدالة الاجتماعية هي المطلب الأقصى للإسلام، ولم تكن للحرب أصالة في منطقه، ولم تكن بنفسها هدفاً بل شرعت لدفع المعتدين وإزالتهم عن طريق الدعوة الحقّة، اقتضى ذلك كلّه أن لا يحمل إلاّ على الظالمين، ولذا قال القرآن الكريم:

(فَلا عُدوانَ إِلاّ عَلى الظّالِمين)(1).

ولأجل ذلك نهى الإسلام عن قتل طائفة من الناس إذا لم يساندوا الأعداء الظالمين ولم يمارسوا القتال معهم، وهؤلاء هم:

1. النساء.

2. الولدان.


1-البقرة: 193.


(145)

3. المجانين.

4. الأعمى.

5. الشيخ الفاني.

6. المقعد.

وقد دلّت على ذلك أحاديث متضافرة، منها ما عن الإمام الصادق عليه السَّلام انّه قال:

«نهى رسول اللّه عن قتل المقعد والأعمى والشيخ الفاني والمرأة والولدان في دار الحرب».(1)

2. السيطرة على النفس

لا ريب انّ الحرب سبب قوي لغليان المشاعر وارتفاع سورة الغضب إلى أقصاها، ولهذا ربما يؤدي إلى ارتكاب أقسى ألوان الجريمة في حقّ الخصم.

ومن هنا يجب أن يعطى زمام الحرب للعقل لا للمشاعر الملتهبة، والأحاسيس المشتعلة.

ولقد أعطى النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم تعاليماً عامة في الحرب، وكان يوصي بها كلّ جيش يبعثه، وكلّ سرية يرسلها.

وإليك فيما يأتي نموذجاً من الآداب التي أدّب فيها النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أو الإمام علي عليه السَّلام المجاهدين و المقاتلين والتي تكفل إنسانية الحروب وعدالتها.

عن الإمام أبي عبد اللّه الصادق عليه السَّلام انّه قال:

«كان رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إذا أراد أن يبعث سرية، دعاهم فأجلسهم بين يديه، ثمّ


1-الكافي:5/28 ح6، كتاب الجهاد.


(146)

يقول:

سيروا بسم اللّه وباللّه وفي سبيل اللّه و على ملّة رسول اللّه، لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبياً، ولا امرأة، ولا تقطعوا شجراً إلاّ أن تضطروا إليها.

وأيما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى أحد من المشركين فهو جار حتى يسمع كلام اللّه، فان تبعكم فأخوكم في الدين، وإن أبى فأبلغوه مأمنه، و استعينوا باللّه».

وعنه عليه(1) السَّلام أيضاً انّه قال:

«إنّ النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان إذا بعث أميراً له على سرية أمره بتقوى اللّه عزّوجلّ في خاصة نفسه، ثمّ في أصحابه عامة، ثمّ يقول:

اغز باسم اللّه، وفي سبيل اللّه.

قاتلوا من كفر باللّه، لا تغدروا ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً، ولا متبتلاً في شاهق ولا تحرقوا النخل ولا تغرقوه بالماء ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تحرقوا زرعاً، لأنّكم لا تدرون لعلّكم تحتاجون إليه.

ولا تعقروا من البهائم ما يؤكل لحمه إلاّما لابدّلكم من أكله، وإذا لقيتم عدواً للمسلمين فادعوهم ... ».(2)

بل ونصّ بعض الفقهاء على أنّ المرأة لا تُقتل حتى لو كانت تعاون الأعداء، لأنّ النساء مستضعفات غالباً، وهنّ يُرغمنَ على القيام بمثل هذا التعاون إرغاماً.


1-الوسائل:الجزء11، الباب 15 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2.
2-الوسائل:الجزء11، الباب 15 من أبواب جهاد العدو، الحديث 3.


(147)

قال المحقّق الحلي في المختصر النافع:

«ولا يُقتل نساؤهم ولو عاونّ إلاّ مع الاضطرار».(1)

وهذا يجسد منتهى الرحمة والإنسانية التي يتحلى بها الدين الإسلامي.

وقد جاء في بدر انّ عمر بن الخطاب، قال لرسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم:

يا رسول اللّه دعني انزع[اقلع] ثنيتي سهيل بن عمرو، ويدلع لسانه [وكان سهيل خطيباً يهرّج ضد النبي] فلا يقوم عليك خطيباً في موطن أبداً.

فقال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم:

«لا أُمثّل به فيمثّل اللّه بي و إن كنت نبياً».(2)

إنّ مقارنة بين هذه التعاليم وا لمواقف الإسلامية والجنايات والجرائم الوحشية التي ارتكبتها الدول الكبرى في مستعمراتها كالجزائر وفيتنام وغيرهما توقفنا على إنسانية الدين الإسلامي ورحمته في الحروب.

3. منع ممارسة الأساليب الوحشية

إنّ الإسلام يحرّم إهلاك العدو بالطرق غير الإنسانية مثل إلقاء السمّ في الماء، أو قطعه عنهم، أو إرساله على مخيمهم لغرقهم، أو حرقهم بالنار.

وفي ذلك يقول المحقّق الحلي في المختصر النافع:

«ويجوز المحاربة بكلّ ما يرجى به الفتح...».

ثمّ قال:

«ويكره بإلقاء النار و يحرم بإلقاء السم».(3)


1-المختصر النافع:112، كتاب الجهاد، طبعة القاهرة .
2-سيرة ابن هشام:2/642.
3-المختصر النافع: 112، كتاب الجهاد .


(148)

و قال العلاّمة الحلّي في تبصرة المتعلمين:

«ويجوز المحاربة بسائر أنواع الحرب، إلاّالقاء السمّ في بلادهم».(1)

ثمّ ها هو الإمام علي عليه السَّلام في صفين بعد الاستيلاء على المشرعة لا يمنع جيش معاوية عن الماء وإن كان معاوية قد فعل ذلك قبل ذلك.(2)

إلى هذه الدرجة الرفيعة من الرحمة والشفقة تبلغ رحمة الإسلام، بينما لا تتورع الدول الكبرى عن قصف الشعوب المقهورة، بقنابل النابالم، وغيرها من أسلحة الدمار الشامل.

ومن الذي يمكن أن ينسى ما فعلته الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية حينما قصفت «هيروشيما»، و«ناكازاكي» بالقنابل الذرية، فأبادت ما يقارب نصف مليون نسمة وحذف ذينك البلدين من الخارطة الجغرافية، بذريعة التعجيل في إنهاء الحرب، كما قال «ترومن» رئيس الجمهورية الإمريكي الأسبق عام 1945م.

4. إعطاء الأمان للكفّار

إنّ الإسلام ـ بحكم كونه رسالة إلهية ودعوة سماوية لهداية الإنسانـ يـحرص على الانضواء تحت لوائه عن رغبة وإرادة.

و لتحقيق هذا الهدف الأسمى نجد انّ الإسلام يسمح بإعطاء الأمان لكلّ من يطلب ذلك من الكفّار لكي يسمع منطق الإسلام، ويقف على تعاليمه، سواء كان ذلك عند نشوب الحرب، أو في غير الحرب.


1-تبصرة المتعلمين: 81، كتاب الجهاد.
2-راجع وقعة صفين لابن مزاحم: 166ـ 167، طبعة مصر.


(149)

بل انّ الإسلام يعطي الحقّ لكلّ مسلم أن يمنح الأمان لمن شاء، ولو كان لغير الهدف المذكور.

قال المحقّق الحلي في الشرائع:

«ويجوز أن يذم الواحد من المسلمين لآحاد من أهل الحرب».(1)

وقال في المختصر النافع:

«ويذم الواحد من المسلمين للواحد ويمضي ذمامه على الجماعة ولو كان أدونهم».(2)

ثمّ إنّ ما يدلّ على مدى عناية الإسلام و حرصه على الدماء انّه يجير حتى من دخل في حوزة المسلمين بشبهة الأمان وظنه، فهو مأمون حتى يرد إلى مأمنه دون أن يصيبه أذى.

قال المحقّق في الشرائع:

«وكذا كلّ حربي دخل في دار الإسلام بشبهة الأمان، كأن يسمع لفظاً فيعتقده أماناً، أو يصحب رفقة فيتوهمها أماناً».(3)

وقال في المختصر النافع:

«ومن دخل بشبهة الأمان فهو آمن حتى يردّ إلى مأمنه».(4)

وتدل على هذا، أحاديث منها:

ما عن الإمام الصادق عليه السَّلام انّه قال:

«لو انّ قوماً حاصروا مدينة فسألوهم الأمان، فقالوا: لا، فظنوا انّهم قالوا:


1-شرائع الإسلام:1/313، كتا ب الجهاد، في الذمام، طبعة البقال; وراجع الجواهر:21/96.
2-المختصر النافع:112، كتاب الجهاد .
3-الشرائع:1/313ـ 314، كتاب الجهاد.
4-المختصر النافع:112، كتاب الجهاد .


(150)

نعم، فنزلوا إليهم كانوا آمنين».(1)

و من مظاهر العدل والمساواة انّ الإسلام يجيز أمان العبد المسلم، كما يجيز أمان الحرّ المسلم سواء بسواء.

وتدلّ على هذا الحكم الإسلامي العظيم، روايات عديدة، منها:

ما عن الإمام الصادق عليه السَّلام لمّا سأله السكوني عن معنى قول النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يسعى بذمتهم أدناهم، قال عليه السَّلام :

«لو انّ جيشاً من المسلمين حاصروا قوماً من المشركين فأشرف رجل، فقال: أعطوني الأمان حتى ألقى صاحبكم وأناظره، فأعطاه أدناهم الأمان، وجب على أفضلهم الوفاء به».(2)

وعن الصادق عليه السَّلام أيضاً انّه قال:

إنّ علياً عليه السَّلام أجاز أمان عبد مملوك لأهل حصن من الحصون، وقال: هو من المؤمنين».(3)

ولقد روى ابن الأثير في تاريخه الكامل: انّ المسلمين نزلوا بجنديسابور فأقاموا عليها يقاتلونهم، فرمى إلى من بها من عسكر المسلمين بالأمان. فلم يفجأ المسلمين إلاّوقد فتحت أبوابها، وأخرجوا أسواقهم وخرج أهلها، فسألهم المسلمون، فقالوا: رميتم بالأمان، فقبلناه، وأقررنا بالجزية على أن تمنعونا.

فقال المسلمون: ما فعلنا... .

وسأل المسلمون فيمابينهم، فإذا عبد يدعى كثيفاً كان أصله منهم، فعل


1-الوسائل:الجزء11، الباب 20 من أبواب جهاد العدو، الحديث 4.
2-الوسائل: الجزء 11، الباب 20 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1، 2.
3-الوسائل: الجزء 11، الباب 20 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1، 2.


(151)

هذا.

فقالوا: هذا عبد.

فقال أهلها: لا نعرف العبد من الحرّ، وقد قبلنا الجزية، و... فإن شئتم فاغدروا. فكتبوا لعمر فأجاز أمانهم، فآمنوهم، وانصرفوا عنهم».(1)

و هذا هو نموذج واحد من سلوك المسلمين في هذا المجال ويجد نظائره كلّ من راجع التاريخ الإسلامي.

هذه إلمامة عابرة بملامح الجهاد في القرآن الكريم وفلسفته وغايته.


1-الكامل في التاريخ: 2/553.


(152)

5

شخصية النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ و سيرته

في القرآن الكريم

تمر علينا هذه الأيّام، ذكرى عطرة هي ذكرى مولد النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ، هذه الولادة التي دخلتْ التاريخَ من أوسع بابه واستطاعت أن تُنقذ البشرية من براثن الإلحاد والشرك إلى التوحيد والعدل. فإقامة الاحتفال في هذه المناسبة العظيمة،وإلقاء الخطب والقصائد في مدحه، وذكر جهوده في إنقاذ الأُمّة كلُّها من مظاهر حبّ النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ الذي هو أصل من أُصول الإسلام، ومن دعا إلى الاحتفال بمولد النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ عبر القرون فقد انطلق من هذا المبدأ، وجسّد حبّ النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ الذي أمر به القرآن والسنة وعلى ذلك جرى علماؤنا السابقون.

يقول الديار بكري في هذا الصدد: لا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويُظهرون السرور، ويزيدون في المبرات، ويعنون بقراءة مولده الشريف، و يظهر عليهم من كراماته كلّ فضل عظيم.(1)

وقال ابن حجر القسطلاني: ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده ـ عليه السَّلام ـ


1-تاريخ الخميس:1/323.


(153)

يعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كلّ فضل عميم... فرحم اللّه امرئ اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً، ليكون أشدّ علة على من في قلبه مرض و أعياه داء.(1)

إنّ حبّ النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أصل من أُصول الإسلام وتكفي في ذلك الآيتان التاليتان:

قال سبحانه:

(قُلْ إِنْ كانَ آباؤكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشيرتُكُم وَأَمْوالٌ اقْتَرفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَونَ كَسادها وَمَساكِنُ تَرْضَونَها أَحَبُّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِه وَجهاد في سَبيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لا يَهْدي القَومَ الفاسِقين)(2).

وقال سبحانه: (وَمَنْ يَتَولَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذينَ آمنُوا فَإنَّ حِزبَ اللّهِ هُمُ الْغالِبُون)(3).

وقال رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ماله وأهله والناس أجمعين».(4)

فالاحتفاء بميلاد النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ إذا كان مجرداً عن كلّ ما يخالف الإسلام فإنّما هو تجسيد للحب الذي فرض علينا، ولا أقول إنّه المظهر المنحصر لا غير وإنّما أقول إنّ الاحتفال من أحد مظاهر الحبّ.


1-المواهب اللدنية: 1/27.
2-التوبة:24.
3-المائدة: 56.
4-جامع الأُصول: 1/238.


(154)

و هذا هو كعب بن زهير ينشد قصيدة طويلة في مدح رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ منطلقاً من حبه له ورسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ يستمع إليه، قال:

بانت سعادُ فقلبي اليوم مَتْبُول * مُتَيَّم إثرَها لم يُفْدَ مكبول

نبَّئت انّ رسول اللّه أوعدني * والعفو عند رسول اللّه مأمول

إنّ الرسول لنور يستضاء به * مهنَّد من سيوف اللّه مسلول(1)

إلى آخر ما ذكره.

وما ربما يتوهم انّ الاحتفال بدعة لم يرد في القرآن والسنّة، فإنّما هو غفلة عن حقيقة البدعة وتحديدها، فهي عبارة عمّا لم يرد في السنة بخصوصه وعمومه، وأمّا إذا ورد بصورة عامة وتركت التفاصيل والجزئيات إلى الأجيال فهذا ليس بدعة، فقد أُمر الناس بحبّ النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ وتركت مظاهره إلى مقتضيات العصر.

هذا إلى جانب انّه سبحانه يصف النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ بقوله:(وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ)(2) وهذا يدلّ على أنّ رفع ذكر النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أمر مطلوب قام به سبحانه بإعطائه النبوة، وتكريمه بالرسالة، فنحن أيضاً نقتفي أثره ونرفع ذكراه بإقامة المجالس والاحتفالات ليكون رفعاً لذكره وذكر أهل بيته.

فلماذا لا نقتدي بالقرآن؟

أليس القرآن قدوة وأُسوة لنا؟

هذا... وليس لأحد أن يقول: إنّ رفع ذكره ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ خاص باللّه سبحانه ولا يشمل غيره، لأنّ ذلك يشبه أن يقول: إنّ نصر النبي خاص باللّه سبحانه، ولا يجوز لأحد من المسلمين أن ينصره، وقد قال تعالى: (وَيَنْصُركَ اللّهُ نَصْراً عَزيزاً)(3) .


1-السيرة النبوية:2/503.
2-الانشراح:4.
3-الفتح : 3.


(155)

فعلى ذلك نحتفل بذكر النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ببيان سيرته وشخصيته في القرآن الكريم، فنقول:

لقد استأثرت حياة النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ باهتمام عدد كبير من المفكّرين الإسلاميين وغيرهم على مرّ العصور، فكتبوا حول هذه الشخصية العظيمة، موسوعات و كتباً ورسائل كل يتناول جانباً من جوانب حياة هذه الشخصية بنحو قلما تجد له مثيلاً في التاريخ البشري، ولوجمعت هذه الدراسات بمختلف اللغات لشكّلت مكتبة عامرة وضخمة يجد فيها الإنسان بغيته في التاريخ النبوي وما يمت إليه بصلة.

إنّ أوثق المصادر في دراسة سيرته هو القرآن، فقد وردت آيات مختلفة، تشير إلى شخصيته وسيرته، وإلى أخذ الميثاق من النبيّين على الإيمان به، وإلى ثقافة قومه وحضارة بيئته، وإلى العراقيل والموانع الموجودة حيال دعوته ومعراجه وإسرائه، وهجرته إلى يثرب واشتباكه المسلح مع اليهود، وغزواته وبراءته من المشركين وجهاده في الإسلام وتبليغ رسالته إلى ملوك عصره، إلى غير ذلك ممّا يجده الباحث في غضون آيات القرآن.

فإذا كان القرآن هو كلام اللّه سبحانه الموحى إلى عبده الذي لا يتطرق إليه الخطأ والسهو ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالقرآن هو أفضل محك لمعرفة صحيح سيرة النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ، عن سقيمها فعلى ضوء ذلك يجب أن يطبق ما ورد في كتب السير والتاريخ حول حياته، على القرآن الكريم كي يرد ما خالفه و يقبل ما لم يخالفه.

فالقرآن الكريم يتتبع سيرة حياته في فصول ثلاثة:

أ: من ولادته إلى بعثته.

ب: من بعثته إلى هجرته.


(156)

ج: من هجرته إلى رحلته.

وبما انّ دراسة هذه الفصول الثلاثة في ظل الكتاب العزيز ونقد ما خالفه من الروايات يحوجنا إلى تأليف مفرد أو محاضرات عدة، فنكتفي بالفصل الأوّل من فصول حياته الثلاثة ونحيل الباقي إلى كتابنا «سيد المرسلين».

أ: من ولادته إلى بعثته

نجد في القرآن الكريم إشارات عدّة إلى حياته في هذا المقطع الزماني.

1. عاش يتيماً فآواه.

2. كان ضالاً فهداه.

3. كان عائلاً فأغناه.

4. كان أُمّياً لا يجيد القراءة والكتابة.

إليك دراسة هذه الجوانب في أوّليات حياته أي من الولادة إلى البعثة .

الأوّل: الإيواء بعد اليتم

قال سبحانه: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَ آوى* وَوَجَدَكَ ضالاًّ فَهَدى* وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى)(1) .

فما هو السر في أنّه عاش يتيماً،؟!

ويمكن أن يكون وجهه هو انّ هذا الطفل سيلقى عليه في مستقبل حياته قول ثقيل، كما قال سبحانه: (إِنّا سَنُلْقي عَلَيْكَ قَولاً ثَقيلاً) (2).


1-الضُّحى: 6 ـ 8.
2-المزّمّل: 5.


(157)

وأي قول أثقل من هداية الأُمّة الأُمية إلى معالم السعادة، والّتي لا يقوم بهذا العبء الثقيل إلاّ الأمثل فالأمثل من الشخصيات التي ملأ روحها الصمود والثبات، ولا تحصل تلك الحالة إلاّ بعد تذوق مرارة الدهور وم آسي الأيام حتى يقع في بوتقة الأحداث ويخرج مؤهلاً لحمل عبأ الرسالة وهداية الناس وقد صار كزبر الحديد، عركته المحن وحنّكته التجارب.

كما يمكن أن يكون وجهه انّه ولد يتيماً ونشأ يتيماً حتى يقف على الوضع المأساوي السائد على الأيتام في عامة الأجيال، ولذلك يقول: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَ آوى) ثمّ يرتب عليه (فَأَمّا اليَّتيم فَلا تَقْهَر) .

وروي عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ وجه ثالث لتولده يتيماً وعيشه كذلك، فقال: «إنّ اللّه عزّوجلّ أيتم نبيّه لكي لا يكون لأحد عليه طاعة».(1)

ومن غرائب التفسير، تفسير اليتيم في الآية بالوحيد، كما يقال «الدرّة اليتيمة»، ولكنّه تفسير بالرأي لا يناسب قوله (فآوى) كما لا يناسب مع ما رتب عليه من النهي عن قهر اليتيم.

الثاني: الهداية بعد الضلالة

ويشير إلى هذه الحقبة من حياته، قوله سبحانه: (وَوَجَدَكَ ضالاًّ فَهَدى) فالمهم تفسير هذه الضلالة التي أعقبتها الهداية، فانّ الضلالة تطلق على معنيين يجمعها فقد الهداية.

الأوّل: هيئة نفسانية تحيط بالقلب فيكفر باللّه سبحانه وآياته وحججه الباهرة وأنبيائه ورسله، فالضلالة بهذا المعنى هي الهيئة الراسخة في قلوب الكفّار


1-علل الشرائع:1/31.


(158)

والمنافقين فهم منحرفون في التصورات والعقائد، كما أنّهم منحرفون في الخلق والسير.

الثاني: الضلالة بمعنى فقد الهداية في مورد يقبلها، كما هو الحال في الاطفال والاحداث فهم يفقدون الهداية التفصيليّة لا الفطرية، فتشملهم هداية العقل والشرع.

فاللّه سبحانه يصف النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ بكونه ضالاً، ثمّ شملته الهداية، فيريد من الضلالة فقد الهداية الذاتية لا الهيئة النفسية الوجودية، وهذا شأن كلّ موجود امكاني لا يملك الكمال من صميم ذاته و إنّما يُفاض إليه من جانب علته، فقد كان النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ فاقداً لتلك الهداية الذاتية، ثمّ أُفيضت إليه من لدن ان كان فطيماً.

كما يقول الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «ولقد قرن اللّه من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليلاً ونهاراً».(1)

وعلى ذلك فوزان قوله (فوجدك ضالاً ّ فهدى) وزان قوله سبحانه:

(أَعْطى كُلّ شَيء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى)(2) .

وقوله سبحانه: (إِنّ الإِنْسان لَفي خُسْر *إِلاّالّذينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصّالِحات)(3).

فالخسران في الآية لا يشير إلى ولادة الإنسان كافراً باللّه سبحانه، بل يهدف إلى عدم حيازته لهداية ذاتية.

نعم لو عاش واكتمل رشده ورفض دعوة الرسل وأنكر آيات اللّه لتبدّل الخسران الذاتي إلى هيئة ظلمانية تحدق بالقلب والروح، فالضلالة بالمعنى الأوّل


1-نهج البلاغة: الخطبة 193.
2-طه: 50.
3-العصر: 2 ـ 3.


(159)

ذاتية ،وبالمعنى الثاني: مكتسبة.

وبما ذكرنا يتضح معنى الآية الأُخرى التي اتخذ منها المخطئة ذريعة لنفي عصمته قبل أن يُبعث، أعني قوله سبحانه: (وَكَذلِكَ أَوحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْت تَدري مَا الكِتابُ ولاَ الإِيمانُ وَلكِن جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وإنَّكَ لتَهدي إِلى صِراط مُسْتَقيم) (1).

فقد وقعت الآية ذريعة لنفي العصمة عن النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ وتمسكوا في ذلك بأمرين:

1. ما تدري ما الكتاب.

2. و(ما كنت تدري) الإيمان.

لكن الاستدلال مخدوش من جهتين:

الأُولى: انّ حياته المشرقة بالتوحيد والإيمان ـ قبل البعثة ـتدلّ على أنّه كان مؤمناً باللّه، متعبّداً إياه، لم يسجد لصنم، ولم يقترف سيئة، فهل يمكن أن يكون مثله مجانباً عن الإيمان بوجوده سبحانه أو توحيده، و قد كان ـ صلوات اللّه عليه ـ يعتكف قبل البعثة في غار حراء شهر رمضان، ولو أردنا أن نذكر جلّ ما ورد في التاريخ حول تلك الحقبة من حياته لطال بنا الكلام، ولخرجنا عمّا هو المقصود.

الثانية : ليست في الآية المباركة أية إشارة إلى ادّعاء المخطّئة فضلاً عن الدلالة، لأنّه سبحانه بدأ كلامه في هذه الآية بقوله: (كذلك) أي كما قد أوحينا إلى من تقدم من الأنبياء، كذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا، والمراد من الروح، هو القرآن الموحى إليه، و سمّي روحاً لأنّه قوام الحياة الأُخروية كما أنّ الروح قوام الحياة الدنيوية.


1-الشورى: 52.


(160)

ثمّ يقول: (ما كنت تَدري مَا الكتاب ولا الإِيمان) أي لولا الوحي ما كان من شأنك الوقوف على تفاصيل ما في الكتاب، ولا على تفاصيل ما يجب الإيمان به،فالعلم التفصيلي بمضامين الكتاب وما فيه من الأُصول والتعاليم والقصص ثمّ الإذعان والإيمان بتلك التفاصيل حصل عند نزول الوحي، ولولاه لما كان هناك علم ولا إيمان.

وبما انّ القرآن يفسر بعضه بعضاً، فهناك آيتان تفسّران كلاً من الأمرين .

أمّا قوله: (ما كُنْت تَدري مَا الكتاب ) ، فيفسره قوله (تِلكَ مِن أنباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إليكَ ما كُنتَ تَعْلَمُها أنتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فَاصْبِر إنَّ العاقبةَ للمُتّقين)(1) فالآية صريحة في أنّ النبي لم يكن عالماً بتفاصيل الأنباء وإنّما وقف عليها عن طريق الوحي، فعبر عن عدم وقوفه عليها في هذه الآية، بقوله: (ما كنت تعلمها أنت ولا قومك) .

وأمّا قوله: (وَلاَ الإِيمان) فيفسره قوله: (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وََ مَلائِكتِهِ وَ كُتِبه وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ المَصير)(2) فقوله :(آمَنَ الرَّسُول بِما أُنْزِل إِليه) صريح في أنّ متعلّق الإيمان الحاصل بعد الوحي، الإيمان بما أُنزل إليه من تفاصيل الكتاب، لا الإيمان باللّه وتوحيده.

و جميع هذه الآيات تشير إلى تكريمه سبحانه نبيّه وإنعامه عليه الذي جاء في الآية التالية: (و َأنزَلَ عَليكَ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظيماً) (3).


1-هود: 49.
2-البقرة: 285.
3-النساء: 113.


(161)

3. الإغناء بعد العيلولة

يذكر سبحانه من مننه الكبرى على النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ انّه كان فقيراً فأغناه اللّه بالكسب، وهذا أمر واضح لمن طالع سيرته حتى انّ عمّه أباطالب حينما خطب خديجة لابن أخيه، فوصفه بالقول التالي:

هذا محمد بن عبد اللّه لا يوازى برجل من قريش إلاّ رجح عليه، ولا يقاس بأحد منهم إلاّعظم عنه، وإن كان في المال مُقلاًّ، فانّ المال ورق حائل، وظلّ زائل.(1)

وحصيلة البحث: انّ هذه الآيات الثلاث، أعني: قوله سبحانه:(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَ آوىوَوَجَدَكَ ضالاًّ فَهَدى* وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى) تعرب عن الود والحبّ والرحمة والإيناس التي عمَّ النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ بها في أوان حياته.

الرابع: أُمّية النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ

القرآن الكريم يصف النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ بكونه أُمّياً في آيتين، ويقول: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوراةِوَالإِنْجِيلِ يَأْمُرهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِوَيحلُّ لَهُمُ الطَّيِّبات وَيُحَرِّمُ عَلَيْهُمُ الخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُُمْ وَالأَغْلالَ الَّتي كانَتْ عَلَيْهِمْ)(2).

فهذه الآية تصف النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ بصفات عشر:

1. رسول، 2. نبي، 3. أُمّي، 4. مكتوب اسمه في التوراة والإنجيل، 5. منعوت فيهما بأنّه يأمر بالمعروف، 6. وينهى عن المنكر، 7. ويحلّ لهم الطيّبات، 8.


1-بحار الأنوار: 16/6 نقلاً عن مناقب ابن شهر آشوب:1/26.
2-الأعراف: 157.


(162)

ويحرّم عليهم الخبائث، 9. ويضع عنهم إصرهم، 10. ويضع عنهم الأغلال التي كانت عليهم.

كما أنّه سبحانه يصرح بكونه أُمّياً في آية ثانية، ويقول:

(فَآمنوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبيِّ الأُمّيِّ الّذِي يُؤمِنُ بِاللّهِ وَكَلماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون)(1) .

إنّما الكلام فيما هو المراد من الأُمّي.

والأُمّي هو المنسوب إلى الأُمّ، ويراد منه بقاء الإنسان على ما ولدته أُمّه، وبما انّ الإنسان الذي لا يجيد القراءة والكتابة فهو باق على ما ولدته أُمّه يطلق عليه الأُمّي، وعلى ذلك فتفسير الأُمّي بمن لا يقرأ ولا يكتب تفسير باللازم.

كما أنّ تفسير الأُمّة العربيّة يوم نزول القرآن بالأُميّة بهذا المعنى أي الباقون على ما ولدتهم أُمّهاتهم، قال الرازي: إنّه تعالى وصف محمداً ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ في هذه الآية بصفات تسع(2)، إلى أن قال: الصفة الثالثة كونه أُمّياً، قال الزجاج: معنى الأُمّي الذي هو على صفة أُمّة العرب، قال عليه الصلاة والسلام: إنّا أُمّة أُمّية لا نكتب ولا نحسب، فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرأون، والنبي كان كذلك، فلهذا السبب وصفه بكونه أُمّياً.(3)

هذا هو المعنى المعروف للأُمّي بين المفسرين، غير انّ ثمة رأياً آخر يخالف ما عليه مشاهير المفسرين وهو:

الأُمّي منسوب إلى أُمّ القرى

وهذا القول يفسر الأُمّي بالمنسوب إلى أُمّ القرى التي هي من أعلام مكة ،


1-الأعراف: 158.
2-لا بل عشر كما عرفت.
3-مفاتيح الغيب:4/309.


(163)

يقول سبحانه:

(وَكَذلِكَ أَوحَيْنا إِلَيْكَ قُرآناً عَرَبيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى وَمَنْ حَولَها)(1)

وعلى ذلك فالآيتان تهدفان إلى بيان موطن النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ومولده وانّه مكّي، و على ذلك فلا دلالة في هذا الوصف على أنّه لم يكن يقرأ ويكتب.

لكن هذا القول يخالف الصواب، لوجهين:

الأوّل: انّ أُمّ القرى ليست من أعلام مكة وإن كان يطلق عليها، لكنّه من قبيل إطلاق الكلي على مصداقه، ولذلك يقول ابن فارس: «كلّ مدينة هي أُمّ ما حولها من القرى»، ويدل على ذلك قوله سبحانه: (وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمّها رسولاً) (2)، والضمير يرجع إلى القرى، فهي صريحة في أنّ أُمّ القرى ليست علماً لموضع خاص، وذلك لأنّ مشيئته سبحانه في إهلاك الأُمّم وإبادتهم بعد إنذارهم ببعث الرسل، تعمُّ الأُمم جميعاً ولا تختص بمكان خاص دون مكان.

الثاني: لو افترضنا انّها من أعلام مكة، فالصحيح عند النسبة إليها هو القروي لا الأُمّي، يقول ابن مالك في ألفيّته:

وانسِب لصدر جملة وصدر ما * ركِّب مزجا وبثان تتما

إضافة مبدوة بابن وأب * أو ما له التعريف بالثاني وجب

فيما سوى هذا انسبن للأوّل * ما لم يخف لَبْس كعبد الأشهل

وحاصل كلام ابن مالك هو انّ الاسم المركب إن كان مركباً تركيبَ جملة أو تركيبَ مزج حذف عجزه وأُلحق صدره ياء النسبة، فتقول في تأبط شراً، تأبطي،


1-الشورى: 7.
2-القصص: 59.


(164)

وفي بعلبك بعلي.

وإن كان مركب إضافة فإن كان صدره ابناً أو أباً أو كان معروفاً بعجزه حذف صدره والحق عجزه ياءُ النسبة فتقول في ابن الزبير، زبيري، وفي أبي بكر، بكري وفي غلام زيد زيدي.(1)

وأُمّ القرى من قبيل الثاني أي المركب إضافة مصدراً بأُمّ، ففي مثله يقال قروي لا أُمّي فتلحق ياء النسبة بعجزها ويقال: قروي لا بصدرها حتى يقال: أُمّي.

على أنّوصف النبيّ ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ في الآية المباركة بكونه أُمّياً بمعنى منسوباً إلى مكة لا يتناسب مع سائر الصفات، أعني كونه رسولاً نبيّاً آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، محلاً لهم الطيبات، ومحرّماً عليهم الخبائث، وواضعاً عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، بخلاف ما إذا فسرناه بمن لا يقرأ و لا يكتب، إذ يكون عندئذ مشيراً إلى برهان رسالته فهو مع أنّه لا يقرأ ولا يكتب، أتى بشريعة كافلة لسعادة الناس.

الرأي الآخر في تفسير الأُمّي

وهناك رأي آخر في تفسير الأُمّي لا يقل في الضعف عن الرأي الماضي، وهو خيرة الدكتور عبد اللطيف الهندي في مقال كتبه حول أُمّية النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ باللغة الانكليزية، وقال: الأُمّي من لم يعرف المتون العتيقة السامية ولم ينتحل ملة أو كتاباً من الكتب السماوية، والشاهد عليه انّ اللّه جعل الأُمّي في الكتاب العزيز مقابل أهل الكتاب ويستظهر منه بحكم المقابلة انّ المراد منه هي الأُمّة العربية الجاهلية


1-شرح ابن عقيل: 2/391.


(165)

بما في زبر الأوّلين من التوراة والإنجيل لا من لا يقدر على التلاوة والكتابة.

أقول: المتبادر من الأُمّي حسب تصريح علماء اللغة من لا يعرف القراءة والكتابة على الإطلاق حيث بقي على ما ولدته أُمّه لا من يجيد قراءة لغته وكتابتها وفي الوقت نفسه لا يجيد سائر اللغات وإلاّ يلزم وصف قاطبة الناس بالأُميّة، لأنّ السائد عليهم هو اتقانهم لغتهم أو لغتين أو ثلاث مع الجهل بسائر اللغات.

وبعبارة أُخرى: ليست الأُمّية أمراً نسبياً حتى يكون الواقف على لغة العرب أُمّياً بالنسبة إلى سائر اللغات، فتفسير الأُمّي بخصوص الجاهل بالمتون السامية تفسير بالرأي.

وأمّا ما استدلّ به من أنّه سبحانه جعل الأُمّي في مقابل أهل الكتاب، فهو ناظر إلى قوله سبحانه: (وقُلْ لِلّذينَ أُوتُوا الكتابَ وَالأُمّيينَ أ أسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتََدوا وَإِنْ تَولَّوا فَإِنّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللّهُ بَصيرٌ بِالعِباد)(1) .

ولكن الآية لا تدلّ على مقصود المستدل، فإنّ الأُمّيين في الآية هم العاجزون عن القراءة والكتابة على الإطلاق، و ذلك لأنّ القاطنين بيثرب وما حولها كانوا يقسمون إلى طائفتين:

أهل الكتاب وكان السائد عليهم معرفة القراءة والكتابة.

طوائف عربية وكان السائد عليها الجهل بالقراءة والكتابة.

وهذا هو التاريخ يوقفنا على عدد الذين يعرفون مجرد القراءة والكتابة في الجزيرة العربية في عصر الرسالة، وقد أتى الإمام البلاذري في فتوح بلدانه بأسماء العارفين بالقراءة والكتابة في العهد الجاهلي فما تجاوز عدتهم عن17 رجلاً في مكة و 11 رجلاً في يثرب.(2)


1-آل عمران: 20.
2-فتوح البلدان:257.


(166)

وعلى هذا فالمراد من الأُمّيين المقابل لأهل الكتاب من لا يجيدون القراءة والكتابة بشهادة سريان الأُمية إلى قاطبة العرب في عصر الرسالة لا من يجيد القراءة والكتابة ولكنّه لا يعرف العبري ولا السرياني.

من وراء الكواليس

قد أكرم اللّه نبيّه وأعظمه وأنعم عليه ما لم ينعم على غيره، ولكنّه سلب عنه موهبة القراءة والكتابة، وما ذلك إلاّلهدف سام وهو نفي ريب المبطلين وشك المشككين، إذ لو كان الرسول في برهة من عمره تالياً للكتب وممارساً لها لصار للبسطاء من أُمّته والمعاندين أن يرتابوا في رسالته وقرآنه، ويتوهموا انّ ما جاء به من السور والآيات فإنّما تلقاها من الصحف الدينية وصاغها وسبكها في قوالب فصيحة تهتز منها النفوس وترتاح إليها القلوب.

فلإزاحة هذه التهمة وسدّ باب هذا الوهم سلب عنه سبحانه هذه الموهبة، ولذلك كان النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ يحتج على أنّ كتابه، رسالة سماوية وليس من صنيع نفسه وفكره بما أمره اللّه إليه أن يقول:

(قُلْ لَوْ شاءَ اللّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُون)(1) .

كما أنّه سبحانه يذكر ما ذكرناه من حكمة السلب بقوله :(وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتاب وَلا تَخُطُّهُ بِيَمينِكَ إِذاً لارتابَ المُبْطِلُون)(2) .

ومن المعلوم انّ النكرة في سياق النفي تفيد العموم، حيث يقول: (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتاب) .


1-يونس: 16.
2-العنكبوت: 48.


(167)

و مع أنّ النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ لم يقرأ و لم يكتب قبل بعثته ولو مرّة واحدة، ومع ذلك كان المعاندون يتهمونه بوضع الكتاب ونسبته إلى اللّه، كما يحكيه سبحانه عنهم: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانهُ عَليهِ قَومٌ آخَرونَ فَقَدْ جاءوا ظُلْماً وَزُوراًوَقالُوا أَساطِيرُ الأوّلينَ اكْتَتَبَها فَهيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصيلاً)(1) .

فهو على رغم انّه لم يقرأ ولم يكتب، اتّهموه ـ ظلماً ـ بوضع الكتاب ودسّه ونسبته إلى اللّه، فكيف إذا كان ممارساً للقراءة والكتابة أمام الناس منذ طفولته إلى شبابه ثمّ كهولته؟!

إنّ سلب نعمة الكتابة والقراءة عن النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ كسلب نضد الشعر عنه، يقول سبحانه: (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعرَ وَما يَنْبَغي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرآنٌ مُبِين)(2) .

وينبغي الإشارة إلى أنّ سلب القراءة والكتابة لا يعني عدم علمه بإسرار الكون و رموزه وما يسود عليه من نظام و قوانين، بل انّ اللّه سبحانه قد أوقفه على حقائق الموجودات من طريق آخر غير الكتابة والقراءة، وبذلك انتفت الحاجة إليهما، و قد عرفت ما في كلام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في حقّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ لما قال: «ولقد قرن اللّه من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله و نهاره».(3)

وكفى في علم النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ انّه سبحانه وصف علمه بالعظمة، وقال:

(وَأَنْزَل اللّهُ عَلَيْكَ الكِتاب وَالحِكْمَة وَعلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَم فَكانَ فَضْل اللّه عَليك عَظيماً)(4).


1-الفرقان: 4 ـ 5.
2-يس : 69.
3-نهج البلاغة، الخطبة 192.
4-النساء: 113.


(168)

فالمراد من الفضل في الآية هو علمه، وكفى في عظمة علمه انّه عاين آيات اللّه بأُمّ عينيه حينما عرج إلى السماء، وقال سبحانه: (سُبْحانَ الّذي أَسرى بِعَبْدِهِ لَيلاً مِنَ الْمَسْجدِالحَرام إِلى المَسْجِد الأقصا الذي بارَكْنا حَولَهُ لِنُريَهُ مِنْ آياتِنا إنّهُ هُوَ السَّميعُ البَصير)(1).

وقال سبحانه: (عَلَّمَهُ شَديدُالقُوى* ذُو مِرَّة فَاسْتَوى ـ إلى أن قال ـ لَقَدْ رَأى مِنْ آيات رَبِّهِ الكُبرى)(2).

إنّ القراءة والكتابة أداة من ليس له سبيل إلى معرفة ما في الكون من الأسرار إلاّالتعلّم والإمساك بالقلم والدواة للكتابة، أمّا من كان له سبيل إلى معرفة حقائق الكون أوسع من ذلك فلا يضره عدم التمكن من القراءة والكتابة.

كلّ ما ذكرنا من حديث الأُمّية ، ليرجع إلى قبل البعثة، وأمّا بعدها فهو خارج عن موضوع بحثنا فلنطو الكلام عنه.

وفي الختام نأتي بكلمة قصيرة وهي انّ سورة «الضحى» كانت هي المصدر الوحيد للتعرف على أوصاف النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ قبل البعثة، ولأجل ذلك نشير إلى ما في تلك السورة من النكتة، وهي انّه سبحانه حلف بالضحى والليل ، وذلك لغاية ما جاء في جواب القسم، أعني: قوله:(ما وَدَّعَكَ رَبّكَ وَما قَلى* و لَلآخِرَةُ خَيرٌ لَكَ مِنَ الأُولى *وَلَسَوفَ يُعْطيكَ رَبّكَ فَتَرضى) فيقع السؤال ما هي الصلة بين المقسم به أعني الضحى والليل إذا انتشر وبين الجواب، فانّ من الأُمور الدقيقة في أقسام القرآن، هو كشف الصلة بين المقسم به والمقسم عليه وقد ترك أكثر المفسرين بيان النكتة من أقسام القرآن.


1-الإسراء: 1.
2-النجم: 5 ـ 18.


(169)

ويمكن أن يقال انّ الوجه هو:

1. انّ نزول الوحي يناسب الضحى كما أنّ انقطاعه يناسب الليل.

2. انّ عماد الحياة هو مجيء الليل عقب النهار، لا استدامة النهار ولا استدامة الليل، فهكذا الحال في عماد الحياة النبوية الذي هو نزول الوحي نجوماً تثبيتاً لقلب النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ .

3. انّ الضحى والليل نعمة من نعم اللّه سبحانه منّ بها على عباده لما لهما من تأثير مباشر في استقرار الحياة، وهكذا الحال في نزول الوحي نجوماً.

جعفر السبحاني


(170)

6

عليٌّ ـ عليه السَّلام ـ

في الكتاب والسنّة(1)

اللّهمّ لك الحمد والثناء، ولك المجد والبهاء، والصلاة على سيّد رسلك، وعلى الأصفياء من عترة نبيك، محمّد وآله الطاهرين: الذين أذهبت عنهم الرجس وطهّرتهم تطهيراً.

أمّا بعد، لقد كانت دعوة الرسول الأعظم، دعوة عالميّة، ورسالته خاتمة الرسالات التي اختصه بها من بين سائر الرسل، فهو خاتم الأنبياء، وكتابه خاتم الكتب، وشريعته خاتمة الشرائع.

كانت دعوة الرسول ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ في بدء البعثة، خاصة بأهله وعشيرته غالباً ممتثلاً لأمره سبحانه: (وَأَنْذِرْ عَشيرتكَ الأَقْرَبين) .(2)

ولمّا نزل قوله : (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكين) (3) جهر بدعوته بين الناس وناداهم باتّباع شريعته ، وبدأت الدعوة تخطو خطوات حثيثة، تجذب قلوب الشبّان و تستهوي أفئدتهم، غير أنّ المناوئين لرسالات اللّه عامّة، ورسالة الرسول الأعظم خاصّة، عقدوا العزم على الإطاحة بدعوته بمختلف


1-طبع هذا المقال كمقدمة لكتابالمناقب للخوارزمي.
2-الشعراء:214.
3-الحجر:94.


(171)

الأساليب والسبل، من اتهام صاحب الرسالة بالسحر والجنون، إلى تعذيب المعتنقين والمؤمنين بها، إلى ضرب الحصار الاقتصادي عليهم، للحيلولة دون وصول الوافدين إلى مكّة لسماع دعوته، إلى أن أجمعوا أمرهم على إنهاء حياته وإطفاء نوره بقتله في داره غيلة، لكنّ اللّه سبحانه حال بينهم وبين أُمنيّتهم الخبيثة، وردّ كيدهم إلى نحورهم، فخيّب رجاءهم بإخبار الرسول بالمؤامرة والمكيدة، فلم ير النبي الأعظم بدّاً من مغادرة مكّة متوجّهاً إلى يثرب، ولمّا نزل دار مهجره، اجتمع حوله رجال من الأوس والخزرج فبايعوه ووعدوه بالنصر والمؤازرة، تأكيداً للبيعة التي أجراها نقباؤهم مع النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ في «منى» أيّام إقامته في مكّة فصار النصر حليفه، والتقدم في مسير الدعوة أليفه.

ولكنّ خصماءه الألدّاء ما تركوه حتى بعد مغادرة موطنه، فأخذوا يشنّون عليه الغارة المرة بعد الأُخرى، ويحزبون الأحزاب عليه، ويستعينون باليهود وبمشركي الجزيرة عامّة ليطفئوا نور اللّه، واللّه متم نوره ولو كره الكافرون، فهم أرادوا شيئاً، واللّه سبحانه أراد شيئاً آخر، فإذا قضى أمراً إنّما يقول له كن فيكون.

وعندئذ أخذت الدعوة الإلهية بالتقدم و الانتشار في أكثر الأصقاع والربوع من الجزيرة العربية، بعونه و مشيئته سبحانه، وبهمّة أصحابه وأتباعه وتضحياتهم فبدت بوادر اليأس على الأعداء وأذعنوا إلى حدّ ما بأنّهم ليسوا قادرين على إيقاف ركب الدعوة وعرقلة مسيرها إلاّ أنّه بقيت لهم نافذة رجاء هي أنّ صاحب الدعوة ـ على حدّ زعمهم ـ ليس له عقب يخلفه، فهو يموت وتموت معه دعوته، ويعود الأمر على ما كان عليه، وتصبح الأرض خالصة للوثن والوثنيين فكانوا ينتظرون ذلك اليوم، وإليه يشير سبحانه: (أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَربَّصُ به رَيْب المَنُون* قُل تربَّصُوا فَإِنّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَربّصِين* أَمْ تَأْمُرهُمْ أَحلامُهُم بِهذا أَمْ هُمْ قَومٌ


(172)

طاغُون) .(1)

كان المشركون يحلمون بتحقق هذه الأُمنية الشيطانية، ويتربّصون به ريب المنون لايشكّون في أنّ دعوته ستموت بموته، لأنّه في نظرهم ملك في صورة نبي، وسلطته سلطة في صورة دعوة إلهية، فلئن مات أو قتل انقطع أثره وخمد ذكره، كما هو المشهود من حال الملوك والجبابرة مهما تعالى أمرهم، وبلغوا في التكبّر والتجبّر وركوب رقاب الناس، مبلغاً عظيماً وكانوا على هذه الحالة حتى جاء أمين الوحي فأدهشهم وطارت عقولهم، إذ أمر النبي بتنصيب علي ـ عليه السَّلام ـ لمقام الولاية الإلهية، واستخلافه في أمر المسلمين بعده، مخاطباً إياه بقوله: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاس).(2)

فقام النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ في محتشد عظيم من الناس التفّ حوله وجوه المهاجرين والأنصار وأخذ بيد عليّ ـ عليه السَّلام ـ ورفعها، وقال: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: اللهم بلى. فقال: من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه. اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.(3)

فصار عمل النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ وقيامه بواجبه في تنصيب عليّ ـ عليه السَّلام ـ مقام القيادة بعد وفاته، سبباً ليأس المشركين قاطبة فأذعنوا أنّ النبيّ نور لا يُطفأ، وسراج لا يخبو، وأنّ كتابه فرقان لا يخمد برهانه، وتبيان لا تهدم أركانه، وعزّ لا تهزم أنصاره، وحقّ لا تخذل أعوانه. و قد نزل أمين الوحي يبشِّر النبي الأكرم ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ عن قنوط المشركين


1-الطور: 30ـ 32.
2-المائدة:67.وتسمّى الآية آية البلاغ لاشتمالها على لفظة بلّغ. راجع للوقوف على مصادر نزولها في حقّ الإمام عليّ ـ عليه السَّلام ـ كتب الحديث والتفسير، وكفانا في ذلك ما حقّقه الشيخ الأكبر الأميني في كتابه «الغدير»ج1، ص 214ـ 229.
3-لاحظ مصادر حديث الغدير في موسوعة «الغدير» ج1، ص 14ـ 151.


(173)

ويأسهم. إذ قال سبحانه: (اَلْيَومَ يَئِسَ الّذينَ كَفَرُوا مِنْ دِينكُمْ فَلا تََخْشَوْهُمْ واخْشَوْن اليََوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ ديناً) .(1)

وحيث إنّ هذه الواقعة التاريخية الكبرى وقعت ـ عند منصرف النبي من حجّة الوداع ـ في مكان يسمّى بغدير خمّ، سمّيت بواقعة الغدير واشتهرت بين الأجيال بهذا الاسم، وجاء ذكرها في أغلب القصائد والأشعار .

لم يكن يوم الغدير أوّل يوم نوّه فيه رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ بمقام عليّ ـ عليه السَّلام ـ وفضله ومنقبته، ولا آخره، بل كانت النبوّة والإمامة منذ فجر الدعوة الإلهية صنوين. فقد أصحر النبي بإمامة وصيه ووزارة وزيره يوم جهر بدعوته بين قومه وأُسرته في السنة الثالثة من بعثته، يوم أمره سبحانه بإنذار الأقربين من عشيرته. فدعا الأقربين إلى داره فخاطبهم بقوله: «واللّه الذي لا إله إلاّ هو إنّي رسول اللّه إليكم خاصّة و إلى الناس عامّة... فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت وإنّي لأحدثهم سنّاً، و أرمصهم عيناً...أنا يا نبي اللّه... فأخذ برقبتي، ثمّ قال: إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم».(2)

كان النبي الأعظم واقفاً على خطورة الموقف وعظم مقام القيادة فكان يهيّئ زعيم الأُمّة والقائم بعده بأعباء الخلافة حيناً بعد حين، بأساليب مختلفة، فتارة يشبّهه بهارون(3)، و أُخرى بأنّه وأولاده أحد الثقلين(4) ، و ثالثة بأنّهم كسفينة نوح(5)


1-المائدة:3.
2-تاريخ الطبري:2/63، مسند الإمام أحمد:1/159.
3-مستدرك الحاكم:3/109، و صحّحه الذهبي في تلخيصه على شرط مسلم.
4-مسند الإمام أحمد: 5/182و 189. من حديث زيد بن ثابت بطريقين صحيحين.
5-مستدرك الحاكم: 3/151، من حديث أبي ذر.


(174)

إلى غير ذلك من نصوصه المباركة حول إمام المتقين وأولاده المعصومين.

كلّ ذلك يعرب عن أنّ النبي لم يترك مسألة الوصاية سدى، ولم يفوضها إلى شورى الأمّة ومفاوضاتها أو منافساتها، أو إلى بيعة رجل أو رجلين أو بيعة عدّة من المهاجرين والأنصار، بل عالج مسألة الخلافة في حياته بأحسن الوجوه والأساليب وعرّف الأُمّة زعيمها وقائدها من بعده في أُخريات أيّامه الشريفة في محتشد عظيم لم يكن له نظير في تاريخ الرسالة حتى ينقله الحاضرون ـ عند وصولهم إلى أوطانهم ـ إلى الغائبين وينتشر خبر الولاية بين الأُمّة جمعاء حتى لا يبقى لمريب ريب.

الأُمّة الإسلامية والخطر الثلاثي

هذا ما قادتنا إليه دراسة النصوص النبوية التي رواها الحفّاظ من الأُمّة، ولك أن تستشف الحقيقة من طريق آخر، وهو تحليل الأوضاع السائدة على الأُمّة قُبيل وفاة النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ فانّها تقضي بأنّ المصلحة العامّة كانت في تنصيب القائد لا في تفويض أمر الزعامة إلى الأُمّة أو تركه سدى وعدم النبس فيه بكلمة.

إنّ الدولة الإسلامية الفتيّة يوم ذاك كانت محاصرة من جهتي الشمال والغرب بأكبر امبراطوريتين عرفهما التاريخ ـ آنذاك ـ و كانتا على جانب كبير من القوّة و العدة وهما الامبراطوريتان الرومية والساسانية.

هذا من الخارج، و أمّا من الداخل فكان الإسلام والمسلمون مهدّدين من جانب المنافقين الذين يشكّلون العدوّ الداخلي المبطن، بنحو ما يسمّى الآن بالطابور الخامس، وخطر العدوّ الداخلي لم يكن بأقلّ من خطر العدوّ الخارجي من الروم والفرس، وهذا الخطر الثلاثي الرهيب، كان يفرض على النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أن


(175)

يقف موقف قائد يحبط بتدبيره الرصين، كلّ مؤامرة محتملة ضد الدعوة الناشئة وأُمّته الفتيّة، إذ كان من المحتمل جدّاً أن يتّفق العدوّ الخارجي مع الداخلي ويتحد هذا الثلاثي الناقم على الإسلام على محو الدين وهدم كلّ ما بناه الرسول الأكرم طيلة ثلاثة وعشرين عاماً ويُضيع كلّ ما قدمه المسلمون من تضحيات غالية في سبيل إقامة صرح الدين.

أفيصحّ عند ذاك ترك أمر الزعامة إلى الأُمّة الفتية التي لم تمرّ عليها إلاّعدّة أعوام قليلة ولم تكتسب فيها تجارب كافية ولم تتدرع أمام الأخطار المحدقة؟ وهو يعلم أنّه لو توفّر للأُمّة قائد محنّك متفق عليه لقامت في وجه الأعداء قيام رجل واحد، وصدّت جميع محاولاتهم العدوانية بنجاح، وبالتالي ستنجو الأُمّة من التفرّق والتشرذم والسقوط والفشل بعد غياب رسول اللّه.

النزعة القبلية ومشكلة القيادة

لقد برزت في حياة المسلمين مشكلة أُخرى كانت تصدّ النبي عن تفويض القيادة إلى رأي الأُمّة، وهي مشكلة النزعة القبلية التي كانت سائدة على المجتمع الإسلامي يومذاك والتي تتميز بالخضوع المطلق لسيد القبيلة وزعيمها ورفض سلطة الآخرين.

فهل يسوغ للنبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أن يترك مصير الخلافة لأُمّة هذه حالها، خصوصاً بعد ما كان النبي واقفاً على ما بين الأوس والخزرج من نزاع و ما بين المهاجرين والأنصار من خلاف، وقد شهد خلافهم بأُمّ عينيه في غزوة بني المصطلق،(1) كما شاهد نزاع الحيّين(الأوس والخزرج) في قصة الإفك(2) إلى غير ذلك من المشاجرات


1-السيرة النبوية: 2/91.
2-صحيح البخاري: 5/101.


(176)

المعاصرة لحياة النبي وبعده ممّا سجلها التاريخ.

ولا أظن أنّ قائداً يقيم لدعوته وزناً، ويضحّي في سبيلها بالنفس والنفيس يقف على تلك المشاكل ويرحل إلى ربّه من دون أن يفكّر في قيادة أُمّته بعد رحيله.

فضائل الإمام ومناقبه في كتب الحديث

هذا ممّا دعا النبي الأكرم ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ إلى تنصيب القائد المحنّك لمسند الخلافة، كما دفعه إلى التعريف بفضائله ومناقبه في مواطن شتّى ليقطع بذلك عذر المتعلّلين ويتم الحجّة على الجميع وللّه الحجّة البالغة.

ومع هذه الجهود الجبّارة التي بذلها النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ في سبيل التعريف بخليفته والإشادة بفضائله، عمدت السلطات الجائرة من أُمويّة وعباسيّة في مختلف القرون إلى إخفاء فضائله ومناقبه، ولم يكتفوا بذلك بل عمدوا إلى جعل الحديث، ونسبة تلك الفضائل والمناقب إلى الآخرين، كلّ ذلك بالترغيب والترهيب وبذل الأموال الطائلة للمرتزقة من وعّاظ السلاطين و تجّار الحديث.

ومن قرأ تاريخ الدولتين وما بذل أصحاب السلطة فيهما من الأموال في تشويه سمعة أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ والحطّ من مكانته وتبجيل خصومه عرف أنّ ما ذكرناه بعض الحقيقة لا كلّها، وأذعن أنّ انتشار فضائله ومناقبه بهذا الحجم، معجزة من معاجز اللّه، حيث أراد أن يبطل كيد الأعداء ويخيّب آمالهم حتى انتشرت فضائله في عاصمة الأُمويّين وبين أعدائه الغاشمين واللّه غالب على أمره.

قيّض سبحانه ثلّة من المحدّثين الحفّاظ في كلّ عصر ممّن يطلبون الحقّ والحقيقة ولا يعتنون برضا الناس و سخطهم، فألّفوا كتباً ورسائل في مناقب الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ و فضائله حتى زخرت المكتبة العربية بهذه الكتب، بل


(177)

المكتبة الإسلامية عامّة على اختلاف لغاتها وألسنتها، فانتشرت مناقبه بطرق صحيحة لم يكن خصومه يحلمون بها، حتّى قال الإمام الحافظ أحمد بن حنبل والشيخ النسائي وأضرابهما بأنّه ما جاء لأحد من أصحاب رسول اللّه من الفضائل بطرق صحيحة ما جاء لعلي بن أبي طالب.(1)

وقد أحس بعض المحدّثين بمسؤوليته الدينية أمام اللّه سبحانه و أمام أُمّته، فقام بنشر فضائله وإن بلغ الأمر ما بلغ وإن انجرّ إلى استشهاده وقتله في سبيل نشر فضائل المرتضى.

هذا والتاريخ يوقفنا على لفيف من المحدثين الذين استشهدوا في هذا السبيل نذكر ما يلي:

1. أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب المعروف بالحافظ النسائي (المتوفّى عام 303هـ) أحد أصحاب الصحاح والسنن غادر مصر في أُخريات عمره نازلاً مدينة دمشق، فوجد الكثير من أهلها منحرفين عن الإمام فأخذ ينشر مناقبه وفضائله، فألقى محاضرات متواصلة في فضائل الوصي، وبعد أن فرغ من تأليف كتابه ونشره، سئل عن معاوية وما روي من فضائله فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأساً برأس حتى يفضل؟!

وفي رواية أُخرى: لا أعرف له فضيلة إلاّ، لا أشبع اللّه بطنه. فهجموا عليه. يضربونه بأرجلهم في خصييه حتى أخرجوه من المسجد فقال: احملوني إلى مكّة، فحمل إليها وتوفّي بها .(2)

2. الحافظ فخر الدين أبو عبد اللّه محمّد بن يوسف بن محمّد الكنجي


1-الاستيعاب:2/466، الصواعق المحرقة: 118 و غيرهما من المصادر.
2-خصائص النسائي: ص 24ـ 25 طبع النجف، وقد طبع أيضاً بمصر عام 1348هـ. ق بمطبعة التقدم; صحيح النسائي، المقدمة، صفحة هـ بشرح جلال الدين السيوطي.


(178)

الشافعي. فقد قتل عام 658هـ في سبيل نشر فضائل أمير المؤمنين. فألّف كتاباً باسم «كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب»، و كتاباً آخر باسم «البيان في أخبار صاحب الزمان» فنشرهما في دمشق الشام، فقتل في جامعه بلا مبرّر ولا مسوّغ، سوى أنّه قام بواجبه في نشر فضائل علي ـ عليه السَّلام ـ .

قال في أوّل كتابه: «لمّا جلست يوم الخميس لستّ بقين من جمادى الآخرة سنة 647هـ بالمشهد الشريف بالحصباء من مدينة الموصل ودار الحديث المهاجرية، حضر المجلس صدور البلد من النقباء والمدرسين والفقهاء وأرباب الحديث، فذكرت بعد الدرس أحاديث وختمت المجلس بفصل في مناقب أهل البيت، فطعن بعض الحاضرين لعدم معرفته بعلم النقل في حديث زيد بن أرقم في غدير خمّ و في حديث عمّار في قوله ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : «طوبى لمن أحبّك وصدق فيك»، فدعتني الحميّة لمحبتهم على إملاء كتاب يشتمل على بعض ما رويناه من مشايخنا في البلدان من أحاديث صحيحة من كتب الأئمّة والحفّاظ في مناقب أمير المؤمنين علي كرم اللّه وجهه.(1)

***

سيرة مؤلّف الكتاب

وممّن قام بالتأليف في هذا المجال الحافظ الموفّق بن أحمد بن أبي سعيد إسحاق بن المؤيد المكّي الحنفي المعروف بأخطب خوارزم، فقد سجل له كتابه هذا ذكراً خالداً فترجمه أصحاب المعاجم، وإن لم يستوفوا حقّه، ولكن فيما نذكره من أقوالهم في حقّ الرجل تسليط لبعض الضوء على شخصيته العلمية والأدبية


1-كفاية الطالب:12، طبع النجف، تحقيق محمّد هادي الأميني.


(179)

والحديثية ومشايخه وتلامذته، ونذكر نصوصهم حسب الترتيب التاريخي:

1. قال ابن عساكر(المتوفّى 571هـ) في ترجمة الحسن بن سعيد بن عبد اللّه بن بندار أبي علي الديار بكري:

فمما أنشدني لنفسه ممّا كتب به إلى خطيب خوارزم أحمد بن مكي وكان مشهوراً بالفضل، جواباً له عن أبيات كتبها إليه ثمّ ذكر جواب الحسن أوّلاً وأبيات الخطيب ثانياً ، وإليك أبيات الخطيب:

هدى علم الدين المفخّم شأنه * له في عظامي والعروق دبيب

تشوّقني الذكرى إليه فأنثني * وأيسر ما بين الضلوع لهيب

أحنّ إليه حِنّة كلّما دعت * شئابيب دمع العين فهي تجيب

بعيد إذا قلبت طرفي نازح * وإن لحظته فكرتي فقريب

يشيم لكشف الغامضات مهنداً * يطبّق في أوصالها ويطيب

ويظهر ممّا أجاب به الحسن بن سعيد(1)، كون المجيب مقراً لفضله ومقامه، فقد عرّفه بقوله:

إمام له في الفضل أشرف رتبة * إذا رامها خلق سواه يخيب

إذا ما على صدر الأئمّة منبرا * فقسّ عليه بالبيان خطيب(2)

2. قال جمالالدين القفطي (المتوفّى 646هـ):

«الموفّق بن أحمد بن محمّد المكّي الأصل، أبو المؤيّد خطيب خوارزم، أديب


1-وللشاعر (الحسن بن سعيد) ترجمة في «مجمع الآداب في معجم الألقاب» الجزء الرابع، القسم الأوّل لابن الفوطي، ص 575.
2-التاريخ الكبير: 4/177ـ 178، طبع الشام، عام 1332 .


(180)

فاضل، له معرفة تامّة بالأدب والفقه، يخطب بجامع خوارزم سنين كثيرة وينشئ الخطب به. أقرأ الناس علم العربية وغيره، وتخرج به عالم في الآداب. منهم أبو الفتح ناصر بن أبي المكارم المطرّزي الخوارزمي، و توفّي الموفق بخوارزم في حادي عشر صفر سنة ثمان وستين وخمسمائة».(1)

3. و نقل «ابن الفوطي كمالالدين أبوالفضل عبدالرّزّاق الشيباني الحنبلي (642 ـ 723هـ)» نثراً للمؤلّف في وصف أُستاذه الزمخشري:

«قال صدر الأئمّة الموفق بن أحمد المكّي في وصفه: خوارزم كانت قبل فخرها بأبي بكرها، صادقة في زهوها به سنّ بكرها، تعدّه لغرائبه من رغائبها وتعدّه لرغائبه عن غرائبها».(2)

4. وقال عبد القادر بن أبي الوفاء القرشي (696 ـ 775هـ):

«الموفّق بن أحمد بن محمّد المكّي خطيب خوارزم أُستاذ ناصر بن عبد السيّد صاحب المغرب أو المؤيّد المطرّزي مولده في حدود سنة أربع وثمانين وأربعمائة ذكره القفطي في «أخبار النحاة». ثمّ ذكر عبارة القفطي التي نقلناها آنفاً.(3)

5. روى الذهبي عن هذا الكتاب في «ميزان الاعتدال» في ترجمة «الحسن بن غفير المصري العطّار» كما روى عنه في لسان الميزان في ترجمة الحسن أيضاً.(4)

6. «و قال تقي الدين محمد بن أحمد الحسيني الفاسي المكي الموفق بن أحمد


1-إنباه الرواة على أنباه النحاة:3/232، رقم الترجمة 779، طبع القاهرة عام 1377هـ.
2-تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب: تحقيق الدكتور مصطفى جواد، و في التعليقة ترجمة للخطيب على نحو الإجمال.
3-الجواهر المضية في طبقات الحنفيّة: 2/ 188، طبع الهند، عام 1335هـ.
4-ميزان الاعتدال:1/ 517، طبع الحلبي، مصر; لسان الميزان:2/ 243، طبع الهند.


(181)

ابن محمّد المكّي أبو المؤيّد العلاّمة خطيب خوارزم كان أديباً فصيحاً مفوّهاً، خطب بخوارزم دهراً وأنشأ الخطب وأقرأ الناس، وتوفّي بخوارزم في صفر سنة ثمان وستين وخمسمائة، وذكره هكذا الذهبي في تاريخ الإسلام(1) و ذكره الشيخ محيي الدين عبد القادر الحنفي في «طبقات الحنفية»، ثمّ نقل، ما ذكره القفطي في «أخبار النحاة» و أضاف في آخره: من مؤلفاته «مناقب الإمام أبي حنيفة».(2)

7. وقال الحافظ جلال الدين السيوطي (المتوفّى 911هـ) في بغية الوُعاة:

«الموفق بن أحمد بن أبي سعيد إسحاق أبو المؤيّد المعروف بأخطب خوارزم. قال الصفدي: كان متمكناً في العربية، غزير العلم، فقيهاً، فاضلاً، أديباً، شاعراً، قرأ على الزمخشري وله خطب وشعر.

قال القفطي: وقرأ عليه ناصر المطرّزي. ولد في حدود سنة أربع وثمانين وأربعمائة، ومات سنة ثمان وستين وخمسمائة».(3)

8. وقال محمّد بن عبد الحي اللكنوي الهندي في فوائدهالبهيّة:

«أحمد بن محمّد موفّق الدين خطيب خوارزم مولده في حدود سنة أربع وثمانين و أربعمائة، وكان أديباً فاضلاً، له معرفة تامّة بالفقه، أخذ عن نجم الدين عمر النسفي، وأخذ علم العربية عن جار اللّه محمود الزمخشري، وأخذ عنه ناصر الدين صاحب المغرب. مات سنة ثمان و تسعين و خمسمائة، (قال الجامع) ذكره السيوطي في «بغية الوعاة» في طبقاتالنُّحاة في من اسمه الموفّق وقال: «ثمّ ذكر


1-قال محقّق الكتاب: هذه السنة من السنوات الساقطة من نسخة تاريخ الإسلام للذهبي المخطوطة بدار الكتب المصريّة.
2-العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين:7/ 310 تحقيق فؤاد سيد ـ القاهرة ـ طبع 1387.
3-بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة:2/ 308، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، طبع مصر.


(182)

نص السيوطي الذي عرفت.(1)

9. وقال«الخوانساري» في روضاتالجنّات:

وأمّا الأخطب فهو لقب الشيخ المحدّث المتقن المتبحّر صدر الأئمّة عند العامة أخطب خوارزم، والخوارزمي أو ابن خوارزم موفّق بن أحمد المكّي وغيره.(2)

10. وقال العلاّمة «الأميني»:

«الحافظ أبو المؤيد وأبو محمّد موفّق بن أحمد بن أبي سعيد إسحاق بن المؤيد المكّي الحنفي المعروف بأخطب خوارزم، كان فقيهاً غزير العلم، حافظاً طائل الشهرة محدّثاً كثير الطرق، خطيباً طائر الصيت متمكّناً في العربية خبيراً على السيرة والتاريخ، أديباً شاعراً له خطب وشعر مدوّن.(3)

11. وقال السيد محمّد رضا الموسوي الخرسان في مقدمته على المناقب للخوارزمي:

«الإمام الأجل الصدر ضياء الدين شمس الإسلام، ناصح الخلفاء مفتي الأُمّة مقتدى الفريقين، صدر الأئمّة، وفّاء بالوعد، أخطب الخطباء الحافظ الموفق ابن أحمد بن محمّد البكري المكي الحنفي فروعاً والأشعري أُصولاً المعروف بأخطب، إلى أن قال: تخرّج به عالم في الآداب من الأفاضل الأكابر فقهاً وأدباً والأماثل الأكارم حسباً ونسباً».(4)


1-«الفوائد البهية في تراجم الحنفية: 41، ألّفه عام 1219هـ.
2-روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات:1/64، في التعليقة و289ـ 290 في المتن، نشر مكتبة إسماعيليان، قم ـ إيران.
3-الغدير: 1/398، الطبعة الثالثة ـ بيروت.
4-المناقب للخوارزمي: 16، المقدمة ، طبعالنجف.


(183)

هذا بعض ما وقفت عليه من النصوص حول المترجم له، وقد خصّه غير هؤلاء من أصحاب المعاجم بالثناء والإطراء، ولا أرى حاجة لنقل كلماتهم و من أراد التوسع فليرجع إلى المصادرالمذكورة في الهامش.(1)

تسليط الأضواء على جوانب من حياة المؤلّف

ولأجل تسليط الضوء على بعض خصوصيات المؤلّف ومشايخه في الرواية والرواة عنه، نأتي بما يلي:

أ: الاختلاف في اسمه

يلاحظ الاختلاف في اسمه بين أصحاب المعاجم، فعرّفه «ابن عساكر» ومحمّد بن عبدالحي اللكنوي الهندي ـ كما عرفت ـ بـ«أحمد بن مكي»، لكن غيرهم عرّفوه بـ«موفق بن أحمد»، والظاهر المتضافر هو الثاني وأكثر المعاجم عليه، وذكر العلاّمة الأميني في تعليقته أنّ الشاعر اسمه في شعره موفّقاً، ولكن لم يذكر شعره الذي جاء فيه اسمه.(2)

ب: الاختلاف في اسم جدّه

ويلاحظ الاختلاف أيضاً في اسم جدّه، فهل هو «محمّد» كما عليه القفطي،


1-هدية العارفين: 2/482; ريحانة الأدب: 1/47; دائرة المعارف للأعلمي:3/311، معجم المطبوعات: 2/1817; العبقات:6/578.نقلاً عن العماد الاصفهاني والمجلّد الثاني من مجموعة رسائل رشيد الدين الوطواط ففيها قصيدتان في مدح المؤلف كل ذلك يعرب عن مكانة المؤلّف العلمية وسمو مقامه وشهرته الطائلة التي دفع أصحاب المعاجم إلى التنويه باسمه وكتبه ومشايخه وتلامذته وإن لم يستوفوا حقّه، وسيوافيك أسماء مشايخه والرواة عنه.
2-الغدير: 4/398.


(184)

والقرشي والفاسي، أو أنّ اسمه أبو سعيد إسحاق، كما عليه جلال الدين السيوطي، والعلاّمة الأميني؟ والظاهر هو الأوّل.

ج: عام وفاته

تضافرت نصوص أصحاب المعاجم على أنّ وفاته كان عام 568، ولكن صاحب «الفوائد البهية» أرّخه بـ «598»، والظاهر أنّه تصحيف وقد نقل هو نفسه عن السيوطي عام وفاته كما ذكرناه.

د: ما هو لقبه؟ خطيب خوارزم أو أخطب خوارزم؟

عرفه «القرشي» و «الفاسي» كما عرفت بخطيب خوارزم، والسيوطي بأخطب خوارزم، والمرمى واحد ومن عبّر عنه بصيغة التفضيل يريد تبجيله ويعرب عن تضلّعه في إنشاء الخطب.

هـ: مشايخه في الرواية

قام الشيخ الأميني ـ قدّس اللّه سرّه ـ باستخراج مشايخه من كتبه فأنهاهم إلى خمسة وثلاثين شيخاً ، كما قام بعده السيّد محمّد رضا الخرسان باستدراك ما فات من شيخنا الأميني فأنهاهم إلى خمسة وستين شيخاً، وفيما تحمّلوه من الجهود في استخراج مشايخه كفاية في التعرّف على مكانة المؤلّف وموقفه من الحديث والرواية، وأنّ ما أسبغ عليه من نعوت وألقاب، لم يكن على وجه التبرّع بل كان الرجل حقيقاً بها.

وإليك فهرس مشايخه حسب ما ذكره الباحثان الكبيران واستخرجاه من


(185)

خلال السبر في المعاجم، وكتب المؤلف، وغيرهما:

1.إبراهيم بن علي الرازي نزيل همدان.

2. أبو الحسن بن بشران العدل، لقيه ببغداد وأخذ عنه الحديث.

3. أبو علي الحدّاد.

4. أبو الفضل بن عبد الرحمان الحفر بندي إجازة.

5. أبو القمر حمزة بن أبي طاهر مكاتبة من همدان.

6. أبو المعالي المصري.

7. أبوه أحمد بن محمّد بن المؤيد المكّي الحنفي.

8. أحمد بن أبي مسعود محمّد الحافظ الاصفهاني مكاتبة من إصفهان.

9. أحمد بن إسماعيل سماعاً منه بجرجان.

10. أحمد بن محمّد بن بندار.(1)

11. أحمد بن محمّد بن أحمد القمّي المدني سمع منه في طريق الحجّ.

12. بكر بن محمّد بن علي الزرنجري مكاتبة من بخارى.

13. جار اللّه محمود بن عمر الزمخشري، سمع منه و قرأ عليه بخوارزم.

14. الحسن بن علي بن الحسن العماري، إجازة.

15. حماد بن إبراهيم بن إسماعيل الصفار الوائلي البخاري، مكاتبة من بخارى.


1-هكذا ذكره السيد الخرسان في قائمة مشايخه، ولكن المؤلّف نفسه عبّر عنه في الفصل التاسع عشر بـ «كمال الدين أبو ذر أحمد بن محمد بن أحمد بن علي بن بندار».


(186)

16. الحسن بن علي بن عبد العزيز المرغيناني، مكاتبة من بخارى.

17. الحسن بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن محمّد العطّار الهمداني المقري، إجازة.

18. سعيد بن عبد اللّه بن الحسن المروزي الثقفي الشافعي الهمداني مكاتبة من همدان.

19. سعيد بن محمّد بن أبي بكر الفقيمي، إجازة.

20. شهردار بن شيرويه الديلمي، إجازة و مكاتبة من همدان.

21. العباس بن محمّد بن أبي منصور الغضاري الطوسي، مكاتبة من نيسابور.

22. عبد الحميد بن ميكائيل بن أحمد البراتقيني، قراءة عليه بخوارزم.

23. عبد الرحمان بن أميرويه الكرماني، قراءة عليه بخوارزم.

24. عبد الرحيم بن محمّد بن أحمد الاصفهاني، مكاتبة من مرو.

25. عبد الكريم بن محمّد السمعاني مكاتبة من مرو.

26. عبد الملك بن أبي القاسم بن أبي سهل الكروخي الهروي، فقد لقيه وسمع منه بداره على شط دجلة ببغداد عند منصرفه من مكّة المكرّمة.

27. عبد الملك بن علي بن محمّد الهمداني نزيل بغداد، إجازة.

28. عبد الواحد بن الحسن الباقرجي.

29. عثمان بن أحمد الاسفرايني، مكاتبة.

30. عثمان بن أحمد الصرام الخوارزمي، سماعاً منه بخوارزم.

31. علي بن أحمد بن حمويه الجويني البزدي.


(187)

32. علي بن أحمد الكرباسي الخوارزمي، إملاء عليه بخوارزم.

33. علي بن الحسن الغزنوي الملقب بالبرهان، فقد لقيه و سمع منه بداره ببغداد في رباط الميمون بمشرعة باب الأزج سلخ ربيع الأوّل سنة 544 هـ راجعاً من الحجّ.

34. علي بن أحمد العاصمي.

35. علي بن عمر بن إبراهيم العلوي الزيدي، فقد لقيه بالكوفة، كان يقرأ عليه وهو يسمع.

36. عمر بن أبي بكر الزرنجري، مكاتبة من بخارى.

37. عمر بن بكر بن علي ابن الفضل الزرنجري، مكاتبة من بخارى.

38. عمر بن محمّد بن أحمد النسفي، مكاتبة من سمرقند.

39. الفضل بن سهل بن بشر الحلبي الاسفرايني، إجازة ببغداد.

40. فضل بن محمّد الاستر آبادي.

41. الفضل بن محمّد الزيادي، إجازة.

42. المبارك بن محمّد السقطي، قراءة عليه بدير العاقول.

43. محمّد بن إبراهيم الوبري الخوارزمي.

44. أخوه محمّد بن أحمد الملكي، قراءة عليه وإملاء.

45. محمّد بن إسحاق السراجي الخوارزمي، قراءة عليه بخوارزم.

46. محمّد بن الحسن البخاري، مكاتبة من بخارى.

47. محمّد بن الحافظ أبي مسعود الاصبهاني مكاتبة من اصبهان.

48. محمّد بن الحسن بن أبي جعفر بن أبي سهل الزورقي ـ الزورني خ ل ـ ،


(188)

مكاتبة من مرو.

49. محمّد بن أبي الربيع المازني المقري، قرأ عليه بخوارزم كتاب «العالم والمتعلم» لأبي حنيفة.

50. محمّد بن الحسن الختني البخاري، مكاتبة من بخارى.

51. محمّد بن الحسين الاستر آبادي، سماعاً منه بمدينة الري.

52. محمّد بن الحسين بن محمّد البغدادي، مكاتبة من همدان.

53. محمّد بن أبي جعفر الطائي مكاتبة من همدان.

54. محمّد بن جامع بن أبي نصر الصيرفي مكاتبة من نيسابور.

55. محمّد بن سمان بن يوسف الهمداني مكاتبة.

56. محمّد بن عبد الملك بن الشعار.

57. محمّد بن عبيد اللّه بن نصر الزاغوني، لقيه ببغداد وسمع منه عند منصرفه من حجّ بيت اللّه الحرام.

58. محمّد بن علي بن محمّد بن المطهر بن المرتضى الحسيني مكاتبة من الري.

59. محمّد بن عمر بن أبي علي الجمحي مكاتبة.

60. محمّد بن محمّد الشيخي الخطيب بمرو، مكاتبة من مرو.

61. محمّد بن ناصر بن محمّد بن علي السلامي لقيه ببغداد وسمع منه هناك.

62. محمّد بن منصور بن علي المقري المعروف بالديواني لقيه بالري وسمع منه بداره في محلّة نصر آباد.


(189)

63. محمود بن سليمان بن محمّد الخيام الهمداني، مكاتبة من همدان.

64. مسعود بن أحمد الدهستاني مكاتبة من دهستان.

65. منصور بن نوح الشهرستاني لقيه بشهرستان وسمع منه منصرفه من الحجّ غرّة جمادى الآخرة سنة 544هـ.

وهذا العدد الغفير من مشايخ الرواية يعرب عن انكباب الرجل على علم الحديث وصرف شطر كبير من عمره فيه، ولا يقاس بمن سمع حديثاً أو كتاباً أو نقل أحاديث ارتجالاً دون أن يمت إلى علم الحديث بصلة.

و: تلامذته والرواة عنه

أطبقت النصوص الماضية على أنّ «برهان الدين بن أبي المكارم المطرّزي الخوارزمي» صاحب كتاب «المغرّب في ترتيب المعرب» (المتوفّى عام 610هـ) من تلامذته، ولكنّهم قصّروا القول في المقام، و قد نهض شيخنا العلاّمة الأميني وبعده السيد الخرسان باستخراج أسماء من قرأ عليه أو أخذ عنه من غضون الكتب لا سيما «المناقب» للشيخ «ابن شهر اشوب» و بعض الإجازات، وإليك أسماؤهم:

1. برهان الدين أبو المكارم ناصر بن عبد السيد المطرّزي الخوارزمي ،المولود سنة 538 والمتوفّى في 21 جمادى الأُولى سنة 610 أو 611، كما عرفت النص عليه عن غير واحد.

2. مسلم بن علي بن الأُخت فقد روى عنه كتاب «المناقب»كما في إجازة (1) أحد تلامذة الشيخ «نجيب الدين يحيى بن سعيد الحلي» (المتوفّى سنة 689هـ)


1-الإجازة للسيد محمّد بن الحسن بن محمّد بن أبي الرضاء العلوي، على ما ذكره العلاّمة المجلسي في كتاب إجازات البحار، ص 30.


(190)

للشيخ «شمس الدين محمّد بن جمال الدين أحمد» أُستاذ الشهيد الأوّل.

3. طاهر بن أبي المكارم عبد السيد بن علي الخوارزمي، فانّه يروي عنه كتابه «المناقب» كما في إجازة تلميذ الحلّي آنف الذكر.

4. عبد اللّه بن جعفر بن محمّد الحسني. فقد روى عنه كتابه «المناقب» كما في الإجازة آنفة الذكر.

5. محمّد بن علي بن شهر اشوب المازندراني (488ـ 588هـ) و كانت بينه و بين المؤلف مكاتبات، فقد كاتبه «الموفق» بأربعينه كما في صريح ابن شهر اشوب في مناقبه، ج1، ص 12.

6. جمال الدين بن معين، فإنّه روى عنه مقتله كما في «فرائد السمطين».

7. ناصر بن أحمد بن بكر النحوي (المتوفّى سنة 607هـ) فقد قرأ على المترجم له كما في «بغية الوعاة»، ص 2ـ4.

8. أبو القاسم بن أبي الفضل بن عبد الكريم، فقد روى عنه إجازة، وعن أبي القاسم هذا و عن المطرّزي يروي الجويني بواسطة أو واسطتين أو أزيد وبهذا يكون «الموفّق» من مشايخ الإجازة، ذكر ذلك «البهاري» في مقدّمة الطبعة الأُولى من كتاب المناقب، ص 3.

9. ولده أحمد المؤيّد ذكره السماوي في مقدمة مقتل الخوارزمي ص 2 من الجزء الأوّل.

هذا ما تيسّر لنا الاطلاع عليه من أسماء تلامذة الموفّق والرواة عنه(1) وسيوافيك أسماء خصوص من رووا عنه كتاب الفضائل.


1-لاحظ الغدير: 4/401، ومقدمة الطبعة الثانية، ص 21، 22.


(191)

ز: تآليفه

إنّ للموفّق ت آليف في الفضائل والتاريخ وردت أسماؤها في المعاجم والكتب، وقد قضى الدهر على أكثرها:

1. مناقب الإمام أبي حنيفة طبع في حيدر آباد سنة 1321هـ.

2. ردّالشمس لأمير المؤمنين : نقل عنه ابن شهر اشوب في المناقب ج1ص 484.

3. الأربعون في مناقب النبي الأمين ووصيّه أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : يروي عنه ابن شهر اشوب وينقل عنه في مقتله.

4. كتاب قضايا أمير المؤمنين: ينقل عنه ابن شهر اشوب في مناقبه، ج1ـ2، ص 484.

5. مقتل أمير المؤمنين: ينقل عنه الميرزا عبد اللّه الأفندي في «رياضه» و «الجواهر» في دائرة المعارف على ما في مقدّمة الطبعة الثانية.

6. مقتل الإمام السبط الشهيد: المطبوع في النجف الأشرف سنة 1367 في جزءين.

7. المسانيد على البخاري: ذكره السماوي في مقدّمة مقتل الحسين، وتوجد منه نسخة في مكتبة جامعة طهران.

8. ديوان شعره: ذكره الچلبي في كشف الظنون ج1، ص 524. قال: ديوانه جيّد، و كان في الشعر في طبقة معاصريه.

9. «الكفاية» في علم الإعراب: على نهج «المفصل» للزمخشري في الأسماء والأفعال والحروف، ذكره في «كشف الظنون» ج2/1498، منه نسخة في جامعة طهران برقم 6967 يستظهر أنّها من نسخ القرن التاسع والعاشر، ومنها أيضاً


(192)

نسخة في مكتبة مدرسة الفيضية بقم.

10. فضائل الإمام أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ : المعروف بـ«المناقب» طبع مرّة على الحجر في «تبريز» سنة 1313، و على الحروف في النجف الأشرف مع تقديم «محمد رضا الموسوي الخرسان».

وينبغي إبداء بعض التوضيحات حول هذا الكتاب:

1. إنّ كتاب «الفضائل» اكتسب شهرة عظيمة بين المحدّثين، فرواه لفيف من الأعلام عن المؤلف بلا واسطة، كما نقله عنه لفيف آخر مع الواسطة.

أمّا الّذين رووه عن المؤلّف بلا واسطة، فمنهم:

1. الشيخ مسلم بن علي بن الأخت.

2. الشيخ أبو الرضا طاهر بن أبي المكارم عبد السيد الخوارزمي.

3. السيد أبو محمّد عبد اللّه بن جعفر الحسيني.

4. الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد الحلّي (المتوفّى 989هـ). قال: قرأت كتاب «المناقب» للخوارزمي على الشيخ أبي محمّد عبد اللّه بن جعفر بن محمّد الحسيني في سنة 593.(1)

5. برهان الدين أبو المكارم ناصر بن أبي المكارم المطرّزي.

6. محمّد بن علي بن شهر اشوب المازندراني (المتوفّى 588هـ).

وأمّا الذين نقلوا عن الكتاب أو رووه عن المؤلف مع الواسطة فحدّث عنهم ولا حرج، وقد عرفت نصّ الذهبي في «ميزان الاعتدال» في ما سبق، وذكره «الچلبي» في «كشف الظنون»، وينقل عنه مفتي الحرمين صاحب «كفاية


1-الظاهر أنّه تصحيف لأنّ الحلي ولد عام 600 أو 601.


(193)

الطالب» في غير واحد من فصول كتابه، كما ينقل عنه رضي الدين ابن طاووس (المتوفّى 664هـ) في كتابه «علي أمير المؤمنين» إلى غير ذلك من الشخصيات البارزة في الحديث والتاريخ، و قد ذكر أسماء شطر منهم شيخنا الأميني في غديره، ج4، ص 405.

2. وربما يحتمل أنّ كتاب الفضائل الذي نحن بصدد نشره هو نفس الكتاب الثالث أي الأربعون في مناقب النبي الأمين ووصيه أمير المؤمنين، والذي نقل عنه كثيراً أبو جعفر ابن شهر اشوب في كتابه «مناقب آل أبي طالب».

غير أنّ العلاّمة الأميني ذهب إلى خلاف ذلك، وقال: نحن راجعنا في الأحاديث المنقولة عنه في فضائل أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ كتاب مناقبه الدائر السائر فما وجدناها فيها، فاحتمال اتحاد الكتابين في غير محلّه.

أقول: إنّ اتحاد كتاب المناقب مع الأربعين من الوهن بمكان، لأنّ عدد روايات المناقب تزيد على الأربعين، ولكن هناك احتمال آخر وهو أنّ كتاب «المناقب» المطبوع كان أوسع ممّا بأيدينا، وكان الكتاب موسوعة كبيرة تشمل فضائل النبي، و وصيّه وآله، وإنّما بقي في أيدينا هذا المقدار الموجود، ويؤيّد ذلك أمران:

الأوّل: إنّ المؤلّف يقول في الفصل الثاني من كتابه عند سرد نسب علي بن أبي طالب: «وقد ذكرنا نسب عبد المطلب في باب فضائل النبي» مع أنّه لم يذكر قبل هذا الفصل شيئاً من نسب عبد المطلب كما لم يذكر فيه فضائل النبي فكيف يحيل إليه؟

الثاني: إنّ النسخة المخطوطة في مكتبة وزيري في مدينة يزد، تشتمل على قسم من فضائل النبي.


(194)

وهذان الأمران يعربان عن أنّ الكتاب كان أوسع من الموجود بين أيدينا، وعلى هذا فإماطة اللثام عن وجه الحقيقة بحاجة ماسة إلى التتبع في المكتبات العامّة في العالم وجمع كلّ ما يرجع إلى المؤلّف في باب الفضائل حتى يتبيّن الحقّ، ولعلّ اللّه يقيض بعض أصحاب الهمم العالية للقيام بهذه المهمّة ويسدي إلى الأُمّة خدمة جليلة في سبيل إشاعة فضائل النبي وآله الطاهرين .

3. قد طبع الكتاب على الحجر لأوّل مرّة بصورة غير مرغوبة، وكان المترقب من الطبعة الثانية، التي قوبلت مع نسخ صحيحة مخطوطة والتي طبعت على الحروف، أن تكون مصحّحة غير مغلوطة، ولكن يا للأسف لم تكن الطبعة الثانية بأصحّ من الطبعة الأُولى لو لم نقل أنّ الأمر كان على العكس،والمزيّة التي نالتها الطبعة الثانية هي اشتمالها على مقدمة مبسوطة حول كتب المناقب في الإسلام، وترجمة مفصّلة عن المؤلف، وأمّا الاهتمام بالمتن وتطبيق نصوصه على النسخ والمراجعة إلى المصادر الحديثية فلم يظهر لنا منه شيء. ولعلّ الملابسات والظروف الحرجة يوم ذاك في النجف الأشرف لم تسمح للسيد الخرسان بذلك، و لأجل ذلك أصبحت الطبعة الثانية كالطبعة الأُولى مشتملة على سقطات كثيرة.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة سيد الشهداء ـ عليه السَّلام ـ

يوم العشرين من صفر المظفر سنة 1410هـ.ق


(195)

7

نظرة عامة في حديث

لا تجتمع أُمّتي على الضلالة

دليل حجّية الإجماع عند أهل السنّة

استدلّ الأُصوليون من أهل السنّة على حجّية الإجماع بما هو هو، بأُمور نذكر منها أمرين:

الأمرالأوّل: قوله سبحانه:(وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبعْ غَيْرَ سَبيلِ المُؤْمِنينَ نُولِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّم وَ ساءَتْ مَصِيراً)(1) حيث إنّ الآية توجب اتباع سبيل المؤمنين، فإذا أجمع المؤمنون على حكم، فهو سبيلهم، فيجب اتّباعه.

يلاحظ عليه بوجهين:

أوّلاً: أنّ الآية بمنطوقها و مفهومها تقسِّم الأُمّة إلى قسمين:

أ. من يشاقق الرسول و يخالفه و يعاديه من بعد ما تبيّن له الهدى و ظهر له


1-النساء:115.


(196)

الحقّ و الإسلام و قامت له الحجّة على نبوته و رسالته، و يتبع طريقاً غير سبيل المؤمنين (سبيلهم هو الإيمان به و نصرته و مؤازرته) فجزاءه انّه سبحانه يكله إلى من تولّى له و اتّكل عليه من الأوثان و الأصنام و يلزمه بدخول جهنم عقوبة له.

ب. من يطيع الرسول ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ولا يعاديه من بعد ما تبيّن له اعلام الحق و يتّبع سبيل المؤمنين في الإيمان بالنبي و مؤازرته في المواقف، فمصيره إلى الجنّة، و أين هذا من حجّية اتّفاق فقهاء الأُمّة على حكم شرعي؟!

والمستدلّ أخذ جزءاً من الآية و هو قوله:(ويتّبع غير سَبيِلِ المُؤْمِنين) وقطع النظر عن أنّه عطف على قوله:(وَمَنْ يُشاقِقِ ) و الآية تندّد بالمعاند و التابع لغير سبيل المؤمنين، و تمدح مقابله وليس المراد من سبيل المؤمنين في هذه الآية شيء سوى الإيمان بالنبي ومناصرته ومؤازرته.وأين هو من حجّية اتفاق العلماء على حكم شرعي لعامة الناس؟!

ثانياً: أنّ الآية لا تشير إلى حجّية إجماع الأُمّة بعد عصر الرسول و إنّما توجب تبعية سبيل المؤمنين في عصره، لأجل انّ سبيلهم في ذلك العصر هو سبيل نفس الرسول، فكان الرسول و المؤمنون في جانب و المنافقون و المشركون في جانب آخر، و من المعلوم انّ تبعية غير ذلك السبيل ضلال و وبال و تبعية مقابله هداية و سعادة، وأين ذلك من كون نفس سبيل المؤمنين مجرّداًعن الرسول حجّة، و الآية ناظرة إلى عصره و هي بحكم القضية الخارجية بقرينة قوله:(وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُول) لا الحقيقية.

الأمر الثاني: ما روي عن النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : «انّ أُمّتي لا تجتمع على ضلالة» رواه أصحاب السنن ولكن في طرق الجميع ضعف صرح به المحقّقون.

قال الشيخ العراقي(1) في تخريج أحاديث البيضاوي: جاء الحديث بطرق في كلها نظر.


1-لاحظ تعليقة محققي سنن ابن ماجة:2/1303.


(197)

و بما انّ الرواية تعد مصدراً في باب الإمامة لخلافة الخلفاء كما عد مصدراً بعد الإجماع من مصادر التشريع، نبحث عنها من كلتا الجهتين سنداً ودلالة وإن طال بنا المقام.

أسانيد الحديث

قد روي هذا الحديث في السنن والمسانيد، وغيرهما من كتب الحديث، والأُصول، والاستدلال فرع ثبوت الحديث سنداً، ودلالة، فلنتطرق إلى الحديث من كلا الجانبين.

1. سنن ابن ماجة

روى الحديث الحافظ أبو عبد اللّه محمد بن يزيد القزويني(207ـ275هـ) في «سننه»، قال: حدثنا العباس بن عثمان الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا مُعان بن رفاعة السلامي، حدثني أبو خلف الأعمى، قال: سمعت أنس ابن مالك، يقول: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ يقول:«إنّ أُمّتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم».

وينقل محقّق الكتاب عن كتاب «مجمع الزوائد» للهيثمي: في إسناده أبو خلف الأعمى، واسمه حازم بن عطا، وهو ضعيف. وقد جاء الحديث بطرق في كلّها نظر. قاله شيخنا العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي.(1)

أقول: أبو خلف الأعمى، قال عنه الذهبي: يروي عن أنس بن مالك، كذّبه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم: منكر الحديث.(2)


1-ابن ماجه: السنن: 2/1303، الحديث 3950.
2-ميزان الاعتدال:4/521، برقم 10156.


(198)

وأمّا السواد الأعظم في متن الرواية هو الجماعة الكثيرة، وإنّما أمر بالتمسّك بهم باعتبار أنّ اتّفاقهم أقرب إلى الإجماع.

قال السيوطي في تفسير السواد الأعظم: أي جماعة الناس ومعظمهم.

وقد استعمل الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ هذا المعنى في بعض خطبه، وقال:

«ألزموا السواد الأعظم، فإنّ يد اللّه مع الجماعة، وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشاذ من الناس للشيطان، كما أنّ الشاذ من الغنم للذئب، ألا مَن دعا إلى هذا الشعار فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه».(1)

2. سنن الترمذي

روى الترمذي(209ـ297هـ) في «سننه»، قال: حدثنا أبو بكر بن نافع البصري، حدثني المعتمر بن سليمان، حدثنا سليمان المدني، عن عبد اللّه بن دينار، عن ابن عمر، عن رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ، قال: «إنّ اللّه لا يجمع أُمتي، أو قال: أُمّة محمّد ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ على ضلالة، ويد اللّه مع الجماعة، و من شذَّ شذَّ إلى النار».

قال أبو عيسى(الترمذي): هذا حديث غريب من هذا الوجه، وسليمان المدني هو عندي سليمان بن سفيان، وقد روى عنه أبو داود الطيالسي، وأبو عامر العقدي، وغير واحد من أهل العلم.

ثمّ أضاف وقال: وتفسير الجماعة عند أهل العلم، هم أهل الفقه والعلم و الحديث، قال: وسمعت الجارود بن معاذ، يقول: سمعت علي بن الحسن، يقول: سألت عبد اللّه بن المبارك، مَن الجماعة؟ قال: أبو بكر وعمر، قيل له: قد مات أبو بكر وعمر؟ قال: فلان وفلان، قيل له: قد مات فلان وفلان؟ فقال عبد اللّه بن


1-نهج البلاغة، ط عبدة، الخطبة برقم 123; وفي طبعة صبحي الصالح برقم 127.


(199)

المبارك: أبو حمزة السّكري جماعة.

ثمّ أضاف: أبو حمزة، هو محمّد بن ميمون، وكان شيخاً صالحاً، وإنّما قال هذا في حياته عندنا.(1)

أقول: فيما ذكره تأمل واضح.

أوّلاً: إنّ سليمان بن سفيان المدني قد عرّفه الذهبي قائلاً: قال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرّة: ليس بثقة، وكذا قال النسائي.

وقال أبو حاتم، والدار قطني: ضعيف، وليس له في السنن والمسانيد غير حديثين.(2)

ثانياً: كيف يفسر الأُمّة بأهل الفقه والعلم والحديث، مع أنّ الأُمّة تشمل جميع من آمن برسالة الرسول ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ؟!

وأعجب منه تفسير عبد اللّه بن المبارك بالخليفتين أبي بكر وعمر، ثمّ تفسيره بفلان وفلان، ولم يعلم أنّه ماذا أراد منهما؟ وأشدّ عجباً تطبيقه على أبي حمزة السكري، وهل هذا إلاّ الغلو؟!

وقد صار الحديث ذريعة لتصويب خلافة الخلفاء.

3. سنن أبي داود

روى أبو داود(202ـ275هـ) قال: حدثنا محمد بن عوف الطائي، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، قال ابن عوف: وقرأت في أصل إسماعيل، قال حدثني ضمضم عن شريح، عن أبي مالك ـ يعني الأشعري ـ قال: قال


1-الترمذي:السنن:4/466 برقم2167، كتاب الفتن.
2-ميزان الاعتدال:2/209، الحديث 3469.


(200)

رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : «إنّ اللّه أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعوا عليكم نبيكم فتهلكوا جميعاً، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحقّ، وأن لا تجتمعوا على ضلالة».(1)

وفي السند محمد بن عوف الطائي، ذكره الذهبي، قال: محمد بن عوف، عن سليمان بن عثمان، مجهول الحال.(2)

وأيضاً فيه ضمضم، ذكره الذهبي، وقال: ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد. وثّقه يحيى بن معين، وضعّفه أبو حاتم، روى عنه جماعة.(3)

وقد اتّفقت السنن الثلاث على لفظ «ضلالة» دون لفظ خطأ.

4. مسند أحمد بن حنبل

روى أحمد بن حنبل (164ـ241هـ) في مسنده، قال: حدثنا أبو اليمان، حدثنا ابن عياش، عن البختري بن عبيد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي ذر، عن النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ، أنّه قال: «اثنان خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة، فإنّ اللّه عزّ وجلّ لن يجمع أُمّتي إلاّ على هدى».(4)

وفي السند ابن عياش الحميري، قال عنه الذهبي: مجهول.(5)

وفي السند أيضاً البختري، وهو البختري بن عبيد، ذكره الذهبي، وقال: ضعّفه أبو حاتم، وغيره تركه، فأمّا أبو حاتم فأنصف فيه، وأمّا أبو نعيم الحافظ


1-سنن أبي داود:4/98 برقم 4253.
2-ميزان الاعتدال:3/676 برقم 8030.
3-ميزان الاعتدال: 2/331 برقم 3960.
4-مسند أحمد بن حنبل:5/145.
5-ميزان الاعتدال:4/594 برقم 10821.


(201)

فقال: روى عن أبيه موضوعات.

وقال ابن عدي: روى عن أبيه قدر عشرين حديثاً عامّتها مناكير، منها: اشربوا أعينكم الماء، ومنها: الأُذنان من الرأس، ثمّ قال: وله عند ابن ماجة حديث عن أبيه عن أبي هريرة: صلوا على أولادكم.(1)

ولعلّ الرواية منقولة بالمعنى، وقد عرفت اتّفاق السنن الثلاث على لفظ «الضلالة» وعبّر عنها بـ: لن يجمع أُمّتي إلاّ على هدىً.

5. مستدرك الحاكم

روى الحاكم النيسابوري(321ـ405هـ)، في مستدركه على الصحيحين هذا الحديث، بمسانيد تشترك في المعتمر بن سليمان قال:

فيما احتجّ به العلماء على أنّ الإجماع حجّة، حديث مختلفٌ فيه على المعتمر ابن سليمان قال: حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم الأصم ببغداد، حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر، حدثنا خالد بن يزيد القرني، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن عبد اللّه بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ :«لا يجمع اللّه هذه الأُمّة على الضلالة أبداً، وقال: يد اللّه على الجماعة، فاتّبعوا السواد الأعظم، فانّه مَن شذّ شذَّ في النار».(2)

قال الحاكم ـ بعد نقله للحديث بأسانيده السبعةـ : فقد استقر الخلاف في إسناد هذا الحديث على المعتمر بن سليمان، وهو أحد أركان الحديث من سبعة أوجه، لا يسعنا أن نحكم انّ كلّها محمولة على الخطأ بحكم الصواب، لقول من


1-ميزان الاعتدال: 1/299 برقم 1133.
2-المستدرك:1/115.


(202)

قال عن المعتمر عن سليمان بن سفيان المدني، عن عبد اللّه بن دينار، ونحن إذا قلنا هذا القول، نسبنا الراوي إلى الجهالة فوهن به الحديث، ولكنّا نقول: إنّ المعتمر بن سليمان، أحد أئمّة الحديث، وقد روي عنه هذا الحديث بأسانيد يصحّ بمثلها الحديث، فلابدّ من أن يكون له أصل بأحد هذه الأسانيد، ثمّ وجدنا للحديث شواهد من غير حديث المعتمر لا ادّعي صحتها ولا أحكم بتوهينها، بل يلزمني ذكرها لإجماع أهل السنّة على هذه القاعدة من قواعد الإسلام.

فمن روي عنه هذا الحديث من الصحابة: عبد اللّه بن عباس، ثمّ ذكر حديث ابن عباس.

وأمّا معتمر الذي وقع في سند الحديث، ذكره الذهبي، وقال: معتمر بن سليمان التيمي البصري أحد الثقات الأعلام.

قال ابن خراش: صدوق يخطئ من حفظه، وإذا حدّث من كتابه فهو ثقة.

قلت: هو ثقة مطلقاً.ونقل ابن دحية، عن ابن معين: ليس بحجّة.(1)

هذا ما لدى أهل السنّة إذا اقتصرنا من الحديث على صورة المسند منه، وأمّا نقله مرسلاً فقد تضافر نقله في كتبهم وأرسلوه إرسالاً مسلماً.

1. رواه الغزالي (450ـ 505هـ) في ا«لمستصفى»، قال: تضافرت الرواية عن رسول اللّه بألفاظ مختلفة مع اتّفاق المعنى في عصمة هذه الأُمّة من الخطأ.(2)

2. وقال في« المنخول»: وممّا تمسّك به الأُصوليون، قوله ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ :«لا تجتمع أُمّتي على ضلالة» وروي «على خطأ» ولا طريق إلى ردّه بكونه من أخبار الآحاد، فانّ القواعد القطعية يجوز إثباتها بها، وإن كانت مظنونة.


1-ميزان الاعتدال:4/143 برقم 8648.
2-المستصفى:1/111.


(203)

فإن قيل: فما المختار عندكم في إثبات الإجماع؟

قلنا: لا مطمع في مسلك عقلي إذ ليس فيه ما يدل عليه، ولم يشهد له من جهة السمع خبر متواتر ولا نص كتاب، وإثبات الإجماع بالإجماع تهافت، والقياس المظنون لا مجال له في القطعيات.(1)

يلاحظ على ما ذكره:

أوّلاً: أنّ الوارد في السنن والمسانيد هو لفظ «ضلالة» و لم نقف على لفظ «على خطأ» وعلى ذلك فالرواية ترجع إلى الأُصول والعقائد التي تدور عليها الهداية والضلالة، لا المسائل الفقهية التي لا يعدّ المخالف للحكم الواقعي ضالاً، فالتمسك به في إثبات حجّية الإجماع كما ترى.

وثانياً: وجود التناقض في كلامه حيث قال: «إنّ القواعد القطعية يجوز إثباتها بأخبار الآحاد وإن كانت مظنونة» وهذا ينافي ما قاله أخيراً:«القياس المظنون لا مجال له في القطعيات».

وجه التناقض أنّ الخبر الواحد والقياس من حيث إفادة الظن سيّان، فكيف تثبت القواعد القطعية بالظن مستنداً إلى خبر الواحد، ولا يثبت بالقياس؟!

وأعجب منه ثبوت القواعد القطعية بالظن، مع أنّ النتيجة تابعة لأخس المقدمتين.

3. وقال تاج الدين السبكي عبد الوهاب بن علي (المتوفّى771هـ) في كتابه«رفع الحاجب عن ابن الحاجب»، فانّه بعد ذكر طرق الحديث ورواته قال:


1-المنخول: 305ـ 306، طبع دار الفكر.


(204)

أمّا الحديث فلا أشك انّه اليوم غير متواتر، بل لا يصحّ، أعني لم يصح منه طريق على السبيل الذي يرتضيه جهابذة الحفاظ، ولكني اعتقد صحّة القدر المشترك من كلّ طرقه، والأغلب على الظن أنّه «عدم اجتماعها على الخطأ».وأقول: مع ذلك جاز أن يكون متواتراً في سالف الزمان ثمّ انقلب آحاداً.(1)

***

الحديث في كتب الشيعة

أمّا الشيعة فلم تنقله مسنداً، إلاّ الصدوق في خصاله، ومنه أخذ صاحب الاحتجاج ونقله فيه.

وروي أيضاً في رسالة الإمام الهادي ـ عليه السَّلام ـ التي كتبها في الرد على أهل الجبر والتفويض، نقلها ابن شعبة الحراني في «تحف العقول»، مرسلاً لا مسنداً; ونقله أيضاً الأُصوليون من الشيعة عند البحث في الإجماع، وإليك ما وقفنا على نصوصهم بصدد هذا الحديث:

خصال الصدوق

روى الصدوق(306ـ381هـ) في «الخصال» قال: حدثنا أحمد بن الحسن القطان قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد الحسني، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن حفص الخثعمي، قال: حدثنا الحسن بن عبد الواحد، قال حدثني أحمد بن التغلبي (2)، قال: حدثني أحمد بن عبد الحميد، قال: حدثني حفص بن منصور العطار، قال: حدثنا أبو سعيد الورّاق، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه،


1-رفع الحاجب عن ابن الحاجب، ورقة 176 ب المخطوط في الأزهر.
2-هو أحمد بن عبد اللّه بن ميمون التغلبي، قال ابن حجر: ثقة زاهد.


(205)

عن جدّه، قال: «لمّا كان من أمر أبي بكر و بيعة الناس له، وفعلهم بعليّ بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ لم يزل أبو بكر يظهر له الانبساط، ويرى منه انقباضاً، فكبر ذلك على أبي بكر، فأحب لقاءَه واستخراج ما عنده و المعذرة إليه لما اجتمع الناس عليه وتقليدهم إياه أمر الأُمّة ، وقلة رغبته وزهده فيه.

أتاه في وقت غفلة، وطلب منه الخلوة ـ ثمّ نقل بعض ما دار بينهما من الكلام ـ إلى أن قال: فقال له علي ـ عليه السَّلام ـ :«فما حملك عليه إذا لم ترغب فيه، ولا حرصت عليه، ولا وثقت بنفسك في القيام به، وبما يحتاج منك فيه؟».

فقال أبو بكر: حديث سمعته من رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : «إنّ اللّه لا يجمع أُمتي على ضلال» و لما رأيت اجتماعهم اتبعت حديث النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ وأحلت أن يكون اجتماعهم على خلاف الهدى وأعطيتهم قود الإجابة، ولو علمت أنّ أحداً يتخلّف لامتنعت.

فقال علي ـ عليه السَّلام ـ : «أمّا ما ذكرت من حديث النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ :«إنّ اللّه لا يجمع أُمّتي على ضلال» أفكنت من الأُمّة أو لم أكن؟» قال: بلى، قال:«وكذلك العصابة الممتنعة عليك من سلمان وعمار وأبي ذر و المقداد وابن عبادة ومن معه من الأنصار؟» قال: كلّ من الأُمّة.

فقال علي ـ عليه السَّلام ـ : «فكيف تحتج بحديث النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ وأمثال هؤلاء قد تخلّفوا عنك، وليس للأُمّة فيهم طعن، ولا في صحبة الرسول ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ونصيحته منهم تقصير؟!».(1)

يلاحظ عليه: أنّ السند مشتمل على رجال مجهولين، أو مهملين، فلا يمكن الاحتجاج بهذا الحديث على صحّة ما ورد فيه.

أضف إلى ذلك أنّه من المحتمل أن يكون قبول الإمام للحديث من باب


1-الخصال: 2/548ـ549، أبواب الأربعين، الحديث 30.


(206)

الجدل والرد على الخليفة من الطريق الذي سلكه.

2.تحف العقول لابن شعبة الحراني

إنّ الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني من أعلام الشيعة في القرن الرابع الهجري، يروي عن أبي علي محمد بن همام، (المتوفى سنة 336هـ) المعاصر للصدوق (المتوفّى381هـ)، أُستاذ الشيخ المفيد (336ـ 413هـ) قد روى في كتابه القيّم «تحف العقول» رسالة الإمام الهادي إلى الأهوازيين في الردّ على أهل الجبر والتفويض، وجاء فيه ما نصّه:وقد اجتمعت الأُمّة قاطبة لا اختلاف بينهم أنّ القرآن حقّ لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق، وفي حال اجتماعهم مقرون بتصديق الكتاب وتحقيقه، مصيبون، مهتدون، وذلك بقول رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ :«لا تجتمع أُمّتي على ضلالة» فأخبر أنّ جميع ما اجتمعت عليه الأُمّة كلّها حق، هذا إذا لم يخالف بعضها بعضاً.(1)

والرسالة مرسلة لم نجد لها سنداً، ونقلها الشيخ الطبرسي في «الاحتجاج»(2) بلا اسناد أيضاً، كما رواها المجلسي في «البحار» مرسلاً.(3)

هذا ما يرجع إلى تلك الرواية في كتب الشيعة الحديثية، وقد عرفت أنّ السند في «الخصال» مشتمل على مجاهيل ومهملين، والمرسل منها لا ينفع مالم يحرز ثبوت الرسالة إلى الإمام.

وأمّا غير الكتب الحديثية فقد نقلها غير واحد منهم في كتبه، منهم:

أ. الشيخ الطوسي (385ـ460هـ) فقد نقل الحديث عند البحث عن حجّية الإجماع في نظر أهل السنّة، فقال: واستدلوا أيضاً على صحّة الإجماع بما


1-تحف العقول: 458، باب ما روي عن الإمام الهادي ـ عليه السَّلام ـ .
2-الاحتجاج:2/478 برقم 328.
3-البحار:4/15.


(207)

روي عن النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أنّه قال: «لا تجتمع أُمّتي على خطأ» وبلفظ آخر: «لم يكن اللّه ليجمع أُمّتي على الخطأ» و بقوله:«كونوا مع الجماعة» وبقوله: «يد اللّه على الجماعة» وما أشبه ذلك من الألفاظ.

ثمّ أجاب عن الاستدلال بهذه الأحاديث وقال:

وهذه الأخبار لا يصحّ التعلّق بها لأنّها كلّها أخبار آحاد لا توجب علماً، وهذه مسألة طريقها العلم.

وليس لهم أن يقولوا إنّ الأُمّة قد تلقّتها بالقبول وعملت بها.

لأنّا أوّلاً: لا نسلّم أنّ الأُمّة كلّها تلقّتها بالقبول.

ولو سلمنا ذلك لم يكن أيضاً فيها حجّة، لأنّ كلامنا في صحّة الإجماع الذي لا يثبت إلاّ بعد ثبوت الخبر، والخبر لا يصحّ حتى يثبت أنّهم لا يجمعون على خطأ.

إلى أن قال: ولو سلم من جميع ذلك، لجاز أن يحمل على طائفة من الأُمّة، وهم الأئمة من آل محمد ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ، لأنّ لفظ الأُمّة لا يفيد الاستغراق على ما مضى القول فيه، وذلك أولى من حيث دلّت الدلالة على عصمتهم من القبائح.

وإن قالوا: يجب حمله على جميع الأُمّة لفقد الدلالة على أنّ المراد بعض الأُمّة.

كان لغيرهم أن يقولوا: أنا أحمل الخبر على جميع الأُمّة من لدن النبي إلى أن تقوم الساعة، حيث إنّ لفظ الأُمّة يشملهم ويتناولهم، فأين هو من أنّ إجماع كلّ عصر حجّة؟

وأمّا الخبر الثاني من قوله:«لم يكن اللّه ليجمع أُمّتي على خطأ» فصحيح ولا يجيء من ذلك أنّه لا يجمعون على خطأ.

وليس لهم أن يقولوا: إنّ هذا لا اختصاص فيه لأُمّتنا بذلك دون سائر


(208)

الأُمم، لأنّ اللّه تعالى لا يجمع سائر الأُمم على الخطأ.

وذلك أنّه وإن كان الأمر على ما قالوه، فلا يمتنع أن يخص هؤلاء بالذكر ومن عداهم يعلم أنّ حالهم كحالهم بدليل آخر، ولذلك نظائر كثيرة في القرآن والأخبار.

على أنّ هذا هو القول بدليل الخطاب الذي لا يعتمده أكثر من خالفنا.(1)

وقد عدّ العلاّمة في فصل خصائص النبي من كتاب النكاح، أنّ من خصائصه أنّ أُمّته لا تجتمع على الضلالة.(2)

وقد نقل المحقّق التستري أنّ العلاّمة نقل الحديث في كتابيه «الألفين» و«المنتهى».

أقول: أمّا كتاب الألفين فقد ذكر أنّ من فوائد الإمام عصمة الأُمة، قال ما نصه: امتناع الخطأ والإمامة(3)مع تمكن الإمام من المكلف... إلى آخر ما ذكره.(4)

فهو يعدّ الأُمّة معصومة لأجل وجود الإمام من دون إشارة إلى الحديث.

وأمّا «المنتهى» فلم نعثر فيه على الحديث.

وقال المحقّق التستري: وأقوى ما ينبغي أن يُعتمد عليه من النقل حديث: «لا تجتمع أُمّتي على الخطأ» وما في معناه لاشتهاره وقوّة دلالته. وتعويل معظمهم ولا سيما أوائلهم عليه، وتلقّيهم له بالقبول لفظاً ومعنى وادعاء جماعة منهم تواتره معنى...، إلى أن قال: حكى بعض المحدّثين من التحف مرسلاً عنه ـ عليه السَّلام ـ انّه قال أيضاً: «إنّ اللّه قد احتج على العباد بأُمور ثلاثة: الكتاب، والسنّة، وما أجمع عليه


1-الطوسي: العدّة:2/625ـ626، نقلناه بتلخيص، طبع عام 1417هـ.
2-التذكرة:2/568، رقم الخصيصة هـ/17.
3-كذا في النسخة المطبوعة في مؤسسة دار الهجرة، ولعلّ الصحيح: (على الأُمّة).
4-الألفين: 211.


(209)

المسلمون»، وقد روي في هذا الباب أخبار أُخر من طرقنا تقتضي حجّية الإجماع الواقع على الحكم بنفسه، ووجوب العمل بخبر أجمع على العمل به أو على روايته مع قبوله كما تقتضي إمكان وقوع الإجماع والعلم به وهي أخبار شتى، إلى أن قال: مؤيدة بما ورد في المنع من فراق الجماعة وغيره، ولتطلب جميعاً من كتاب المناهج، وفّق اللّه سبحانه لإتمامه.(1)

هذا ما وقفنا عليه في كتب أصحابنا إلى أواخر القرن الثالث عشر.

نعم جاء ذكر هذا الحديث في الكتب الأُصولية الاستدلالية لكلا الفريقين، ولا داعي للإطالة بالنقل عنها.

حصيلة البحث:

إنّ للقارئ أن يستنتج من هذا البحث الضافي حول الرواية الأُمور التالية:

الأوّل: أنّ الرواية من أخبار الآحاد، لم تنقل بسند صحيح في كتب الفريقين، وقدعرفت وجه الضعف عند نقلها عن كتب الصحاح والمسانيد.

الثاني: أنّ المنقول مسنداً هو لفظ «الضلالة» لا لفظ «الخطأ»، أو «على غير هدى» كما في مسند الإمام أحمد، وإنّما جاء الخطأ في غير الكتب الحديثية.

الثالث: أنّ الحديث على فرض ثبوته يرجع إلى المسائل العقائدية التي عليها مدار الهداية والضلالة، أو ما يرجع إلى صلاح الأُمّة من وحدة الكلمة والاجتناب عن التشتّت فيما يمسّ وحدة المسلمين.

وأمّا المسائل الفقهية فلا يوصف المصيب والمخطئ فيها بالهداية والضلالة، كما لا يكون مصير الشاذ فيها مصير النار، أو نصيب الشيطان.


1-كشف القناع:6ـ 7، طبع عام 1316هـ.


(210)

وعلى ذلك فالاستدلال به على حجية الإجماع في المسائل الفقهية غير تام.

الرابع: لو سلّمنا سعة دلالة الحديث فالمصون من الضلالة هو الأُمّة بما هي أُمة، لا الفقهاء فقط، ولا أهل العلم، ولا أهل الحل والعقد، وعلى ذلك ينحصر مفاد الحديث بما اتفقت عليه جميع الأُمّة في العقائد والأُصول.

الخامس: أنّ مصونية الأُمّة كما يمكن أن يكون لكمال عقلها، يمكن أن يكون لوجود معصوم فيهم، والرواية ساكتة عنه فلا يمكن أن يستدل بالرواية على أنّ الأُمّة مع قطع النظر عن المعصوم مصونة عن الخطأ، بل لما ثبت في محلّه أنّ الزمان لا يخلو عن إمام معصوم تكون عصمة الأُمّة بعصمة الإمام.

قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ :«اللّهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً لئلاّ تبطل حجج اللّه وبيّناته».(1)

روى الكشّي باسناده إلى إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «قال رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين، وتحريف الغالين، وانتحال الجاهلين، كما ينفي الكير(2) خبث الحديد.(3)

تمّت الرسالة بيد الفقير إلى رحمة اللّه جعفر السبحاني ابن الفقيه

محمد حسين الخياباني التبريزي، غفر اللّه له ولوالديه

حرّرت في 13 رجب المرجب ميلاد وليد الكعبة

علي عليه الصلاة والسلام

من شهور عام 1418هـ


1-نهج البلاغة: قسم الحكم برقم 147.
2-الكير: جلد غليظ ذو حافات ينفخ فيه الحداد.
3-الكشي: الرجال:10 برقم 5، فصل فضل الرواية والحديث.


(211)

8

أبو بصير

شخصيّته و ثقافته

السُّنّة الشريفة هي الحجّة الثانية التي استأثرت باهتمام المسلمين بعد الكتاب العزيز، وهي وحي بمعناها لا بلفظها، خلافاً للقرآن فهو وحي بلفظه ومعناه، وقد أمر سبحانه الأخذ بكلّ ما أمر الرسول ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أو نهى عنه، وقال: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) .(1)

السنَّة هي الحدّ المائز بين الحقّ والباطل، والمصباح المنير لرواد الحقّوالحقيقة لا يعادلها شيء بعد القرآن الكريم.

السنَّةُ هي المرجع لبيان مجملات الكتاب والموضحة لعموماته ومطلقاته، فلو تُركت السُّنّةُ وأُهملت على الإطلاق أو اقتصرت على السُّنَّة المتواترة لاندثرت الشريعة ومُحيت أحكامها.

السنّة هي فصل الخطاب والحجّة القاطعة في مقام التشريع والقضاء، وتبيين شروط العبادات وموانعها، فلا غنى لمسلم عن السُّنّة، كما لا غنى له عن الكتاب.

وهناك كلمات مأثورة عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ تكشف بوضوح عن المقام


1-الحشر:7.


(212)

السامي الذي حازته السُّنّة نقتطف منها ما يلي:

1. قال الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ : «كلّ من تعدّى السُّنّة رد إلى السُّنّة».

2. وقال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «ما من شيء إلاّ فيه كتاب أو سنّة».

3. وقال ـ عليه السَّلام ـ أيضاً في شأن السُّنّة: «فيها كل ما يحتاج الناس إليه، وليس من قضية إلاّفيها حتى أرش الخدش».

فقد دوّن حديث رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ بإملاء منه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ وقد سمعها من فِلق فمه. وهي المسمّاة بـ«الجامعة».

ارتحل رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ولبَّى دعوة ربّه و خلّف بين الأُمّة كنزين ثمينين، وقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتي» فالعترة هم حفّاظ السُّنّة ومبيِّنيها عبر القرون والأجيال، وقد تلقّاها منهم الأمثل فالأمثل من تلاميذهم وخريجي مدرستهم ما لا يحصيه إلاّ اللّه سبحانه، وقد ذكر الحسن بن الوشّاء انّه أدرك في مسجد الكوفة تسعمائة شيخ، كلّ يقول: حدّثني جعفر بن محمد.(1)

وممّن تخرّج على يدي الإمامين الهمامين الباقر والصادق عليمها السَّلام هو الراوية المعروف بـ«أبي بصير» وقد وقع في أسناد كثير من الروايات تناهز 2275 مورداً أو أكثر، وهو يروي عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ وأبي عبد اللّه الصادق ـ عليه السَّلام ـ و أبي الحسن موسى الكاظم ـ عليه السَّلام ـ .

فإذا كانت هذه مكانة الرجل ومنزلته، فيجب أن نقف على أحواله من خلال كلمات الرجاليين والروايات المأثورة عنه.

فنقول: ادُّعي أنّ أبا بصير كنية مشتركة بين رجال خمسة:

1. يحيى بن أبي القاسم الأسدي.


1-رجال النجاشي: 1/139 برقم 79.


(213)

2. ليث بن البختري المرادي الكوفي.

3. يوسف بن الحارث.

4. عبد اللّه بن محمد الأسدي.

5. حمّاد بن عبد اللّه بن أسيد الهروي.

فلو صحّ اشتراك لفظ «أبي بصير» بين هؤلاء لصار مشتركاً بين الثقة وغيره، وعندئذ تسقط أكثر الروايات المرويّة عنه بلفظة «أبي بصير» من دون أن يقترن بلقب يميّزه عن غيره. فإنّ الأوّلين ثقتان بلا كلام دون الثلاثة الأخيرة، فلم تحرز وثاقتهم غير انّ بعض المحقّقين ذهب إلى انصراف لفظة «أبي بصير» عند إطلاقه إلى الأوّلين فحسب، وعلى هذا كلّما أُطلق أبو بصير، فإن تبيّن المراد فهو، وإلاّفالأمر يتردّد بين يحيى بن أبي القاسم الثقة، وليث بن البختري المرادي الثقة، فلا أثر للتردّد.(1)

ولأجل تحقيق هذا الكلام، نستعرض كلمات الرجاليّين في هذا الصدد.

1.أبو بصير يوسف بن الحارث

لقد عدّ الشيخ الطوسي يوسف بن الحارث من أصحاب الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ وكنّاه بأبي بصير، وقال: يوسف بن الحارث، بتري يكنّى أبا بصير.(2)

وقد تبعه العلاّمة في «الخلاصة»(3)، وابن داود في رجاله(4)، والميرزا الاسترابادي في «منهج المقال».(5)


1-معجم رجال الحديث: 21/47 برقم 13959.
2-رجال الشيخ:150، أصحاب الباقر ـ عليه السَّلام ـ ، باب الياء برقم 17.
3-الخلاصة: 265 برقم 1.
4- رجال ابن داود:285 برقم 557.
5-منهج المقال: 384، قسم الكنى.


(214)

والظاهر انّ مصدر الشيخ هو رجال الكشي، فانّه ذكره في عداد البتريّين، وقال: و قيس بن الربيع بتري، كانت له محبة، فامّا مسعدة بن صدقة بتري ـ إلى أن قال: و أبو نصر بن يوسف بن الحارث بتري.

وعلى هذا فقد تطرق التحريف إلى كلام الشيخ من وجهين:

أ: تصحيف «أبي نصر» بـ«أبي بصير».

ب: اسقاط لفظة «ابن» على وجه صار «أبو بصير» كنية يوسف، مع أنّه في كلام الكشي كنية ابن يوسف.

وأوّل من تنّبه إلى ذلك هو المحقّق القهبائي، و اعتذر عن وقوع التحريف في كلام الشيخ بأنّ عجلته الدينيّة صارت سبباً لهذا التحريف، ثمّ قال: و على هذا التحريف اشتهر عند الطائفة ضعف حديث أبي بصير، لاعتقادهم أنّ أبا بصير مشترك بين أربعة، منهم هذاالبتري، فاشترك الحديث بينه و بين غيره.(1)

وقال أيضاً في ترجمة محمد بن إسحاق بن يسار المدني الذي جاء في ترجمته ذكر أبو نصر بن يوسف بن الحارث البتري: « هكذا في نسخ هذا الكتاب (رجال الكشي) وهي متعددة عندنا، واشتبه على الشيخ قدَّس سرَّه في أصحاب الباقر ـ عليه السَّلام ـ وتبعه غيره، مثل العلاّمة في الخلاصة، وابن داود في رجاله، وغيرهما، فقرأوا هكذا: أبو بصير يوسف بن الحارث بتري، فصار حينئذ أبو بصير في مرتبة من يروي عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، وهذا خلاف الواقع».(2)

واحتمال تطرّق الاشتباه إلى نسخة الكشي بعيد جداً،وقد قام بتصحيحه المحقّق الشيخ حسن المصطفوي بعرضهاعلى سبع نسخ مصححة وغير مصححة


1-مجمع الرجال: 6/279، قسم التعليقة.
2-مجمع الرجال:5/149، قسم التعليقة بتصرّف يسير.


(215)

والتي يرجع تاريخ كتابة بعضها إلى سنة 577هـ.(1)

وبذلك تبيّن انّ ما يظهر من الشيخ وغيره من كون يوسف بن الحارث من المكنِّين بأبي بصير، ممّا لاوجه له.

2. أبو بصير عبد اللّه بن محمد الأسدي

وممّن كُنّي بأبي بصير من الرواة هو عبد اللّه بن محمد الأسدي، وهذا ما نراه في عنوان رجال الكشي، بهذه الصورة: في أبي بصير عبد اللّه بن محمد الأسدي.

طاهر بن عيسى، قال: حدثني جعفر بن أحمد الشجاعي،عن محمد بن الحسين،عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن عبد اللّه بن وضاح، عن أبي بصير، سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن مسألة في القرآن...(2)

هذا و لكنّ في صحته نظراً.

أوّلاً: أنّ من المحتمل كون العنوان راجعاً إلى النُّسّاخ لا إلى المؤلف أي الكشّي.

ثانياً: لو كان العنوان من المؤلف نفسه، فقد اشتبه الأمر على الكشّي، لأنّ المراد من أبي بصير في السند هو يحيى بن أبي القاسم، لا عبد اللّه بن محمد الأسدي، و ذلك لأنّ عبد اللّه بن وضاح ممّن يروي عن يحيى بن أبي القاسم كثيراً، بشهادة قول النجاشي: عبد اللّه بن وضاح، أبو محمد، كوفي، ثقة، من الموالي صاحَبَ أبا بصير يحيى بن القاسم كثيراً و عرف به، له كتب يعرف منها: كتاب الصلاة، أكثره عن أبي بصير.(3)


1-رجال الكشي: ص 20، قسم التعليقة.
2-رجال الكشي: 174 برقم 299.
3-رجال النجاشي: 2/10 برقم 558.


(216)

فالعنوان لا ينطبق على السند الذي نقل بعده.

ويؤيد ذلك ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره في آخر سورة الكهف عن جماعة، منهم: الحسين بن أبي العلاء، و عبد اللّه بن وضاح، وشعيب العقرقوفي، جميعاًعن أبي بصير، عن مولانا أبي عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ .(1)

فإنّ شعيباً العقرقوفي ابن أُخت أبي بصير يحيى بن أبي القاسم، كما ذكره النجاشي.(2)

و يؤيده أيضاً كون الحسين بن أبي العلاء في تلك الجماعة، فإنّ الشيخ يروي مناسك الحجّ لأبي بصير عن طريقه.

قال في الفهرست: يحيى بن القاسم يكنّى أبا بصير، له مناسك الحجّ، رواه علي بن أبي حمزة، والحسين بن أبي العلاء.(3)

وعلى هذا فلم نجد دليلاً على إطلاق أبي بصير على عبد اللّه بن محمد الأسدي غير وجود لفظ «أبي بصير» في العنوان فقط.

نعم كنّاه الشيخ الطوسي بأبي بصير، وقال: «عبد اللّه بن محمد الأسدي» كوفي، يكنّى أبا بصير.(4)

ولعلّ الشيخ تبع ما وجده من العنوان في رجال الكشي، فكنّاه به.

ثمّ إنّ عبد اللّه بن محمد الأسدي غير عبد اللّه بن محمد الحجّال الذي يصفه النجاشي، بقوله: عبد اللّه بن محمد الأسدي، مولاهم، كوفي، الحجّال، المزخرف «أبو محمد»، و قيل: إنّه من موالي بني تيم، ثقة ثقة، ثبت، له كتاب يرويه عدّة من


1-تفسير القمي: 2/47.
2-رجال النجاشي: 1/435 برقم 518.
3-الفهرست:178 برقم 776.
4-رجال الشيخ129 ، أصحاب الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ برقم 26.


(217)

أصحابنا.(1)

وعدّه البرقي من أصحاب الرضا ـ عليه السَّلام ـ ، قائلاً: عبد اللّه بن محمد الحجّال أخو عبد اللّه، ومن ولده أحمد بن عبد اللّه الكرخي.(2)

كما عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ ، وقال: عبد اللّه بن محمد الحجّال، مولى «بني تيم اللّه» ثقة.(3)

فأين الحجّال من الأسديّ الذي هو من أصحاب الباقرين عليمها السَّلام .

وبذلك ظهر أمران:

الأوّل: عدم صحّة تكنية عبد اللّه بن محمد الأسدي بأبي بصير.

الثاني: عدم ثبوت وثاقة عبد اللّه بن محمد الأسدي، وأمّا الموثّق في كلام النجاشي و الشيخ، فهو الحجّال من أصحاب الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ .

3. أبو بصير حماد بن عبيد اللّه(4) بن أسيد الهروي

و الأصل في وصفه بـ «أبي بصير» ما نقله الكشي في ترجمة يونس بن عبد الرحمن، قال: روى عن أبي بصير حماد بن عبيد اللّه بن أسيد الهروي، عن داود بن القاسم، أنّ أبا جعفر الجعفري، قال: أدخلت كتاب يوم و ليلة الذي ألّفه يونس ابن عبد الرحمن على أبي الحسن العسكري ـ عليه السَّلام ـ فنظر فيه وتصفّحه كلّه ثمّ قال: «هذا ديني ودين آبائي وهو الحقّ كلّه».(5)


1- رجال النجاشي: 2/30 برقم 593.
2-رجال البرقي:55.
3-رجال الشيخ: باب أصحاب الرضا، باب العين، برقم 18. وقد جاءت لفظة : «مولى بني تيم اللّه»في رجال البرقي في موارد لاحظ ص 54.
4- من النسخة المصحّحة المحقّقة في النسخة القديمة «عبد اللّه».
5-رجال الكشي: 484 برقم 915.


(218)

والظاهر تطرّق التصحيف إلى العبارة، فانّ هذه الفقرة من متمّمات الجمل السابقة، و إليك نصها:

«سمعت الفضل يقول: ما نشأ في الإسلام رجل من سائر الناس كان أفقه من سلمان الفارسي ولا نشأ رجل بعده أفقه من يونس بن عبد الرحمن ـ رحمه اللّه ـ [روى عن أبي بصير]. و أمّا ما بعده، أعني: حماد بن عبيد اللّه بن أسيد الهروي، عن داود بن القاسم إلى أبي جعفر الجعفري، قال: أدخلت كتاب يوم و ليلة... » فهو جملة مستقلة لا صلة لها بما سبق، وإنّما تطرق الخطأ من قبل النسّاخ حيث جعلوا قوله: «روى أبو بصير» مقطوعاً عمّا قبله وراجعاً إلى ما بعده.

مضافاً إلى أنّ في بعض النسخ« أبو نصر» مكان أبو بصير، و على فرض الصحة فهو من مشايخ الكشي، الذي كان من علماء النصف الأوّل من القرن الرابع، ولا صلة له بمن يروي عن الإمامين مباشرة وبلا واسطة.

إلى هنا تبيّن انّه لم يثبت كون أبي بصير كنية أحد من الرواة غير: يحيى بن أبي القاسم، و ليث البختري، و بما انّ الرجاليين اتفقوا على توثيقهما، فإذا صح السند إليه يحكم عليه بالصحّة سواء علمنا انّ المراد من هو أم لم نعلم.

***

إنّ الكتاب الماثل بين يديك هو مسند أبي بصير المشترك بين شخصين ثقتين، فيلزم علينا تسليط المزيد من الأضواء على ترجمتهما و بيان شيء من أقوال الرجاليين في حقّهما، والإشارة إلى من تخرّج عليهما في الحديث.

1.أبو بصير: يحيى بن أبي القاسم الأسدي

عرّفه الرجاليون بالوثاقة تماماً، قال النجاشي: يحيى بن القاسم أبو بصير


(219)

الأسدي، وقيل: أبو محمد، ثقة، وجيه، روى عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليمها السَّلام ، وقيل: يحيى بن أبي القاسم، و اسم أبي القاسم إسحاق، وروى عن أبي الحسن موسى ـ عليه السَّلام ـ ، له كتاب يوم وليلة، أخبرنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن محمد ابن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن شيبان، قال: حدثنا الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير بكتابه، ومات أبو بصير سنة خمسين ومائة.(1)

وعدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ قائلاً: يحيى بن القاسم أبو محمد، يعرف بأبي بصير الأسدي مولاهم، كوفي، تابعي، مات سنة خمسين ومائة بعد أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .(2)

وقال في الفهرست: يحيى بن القاسم، يُكنّى أبا بصير، له كتاب مناسك الحجّ، رواه علي بن أبي حمزة، والحسين بن أبي العلاء، عنه.(3)

وقال العقيقي: يحيى بن القاسم الأسدي، مولاهم، ولد مكفوفاً رأى الدنيا مرتين، مسح أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ على عينيه، وقال أُنظر ما ترى، قال: أرى كوّة في البيت وقد أرانيها أبوك من قبلك.(4)

وعدّه الكشي من أصحاب الإجماع، و قال: اجتمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأوّلين من أصحاب أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ وأصحاب أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، و انقادوا لهم بالفقه، فقالوا: أفقه الأوّلين ستة: زرارة، ومعروف بن خرّبوذ، وبريد، وأبو بصير الأسدي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي، قالوا: أفقه الستة زرارة، وقال بعضهم: مكان أبي بصير الأسدي: أبو بصير المرادي، وهو ليث بن


1-رجال النجاشي: 2/411، برقم 1188.
2- رجال الطوسي: 333، أصحاب الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، باب الياء، برقم 9.
3-الفهرست:362 برقم 787.
4-الخلاصة:264، القسم الثاني برقم 1687.


(220)

البختري.(1)

فقد تبيّن من ذلك منزلة الرجل ومكانته وهو ممّن اتفقت العصابة على تصديقه.

غير انّ هناك إبهامات تحوم حول شخصيته، وهي:

الأوّل: هل اسم والده : القاسم أو أبو القاسم؟

قد وقفت على أنّ الشيخ في الرجال والفهرست وهكذا العقيقي، عبّروا عنه بالقاسم، وهكذا النجاشي، غير انّه نقل قولاً بأنّ كنية أبيه أبو القاسم واسمه إسحاق. والظاهر هو صحة الثاني، لوجوه:

1. انّ الشيخ سمّاه بأبي القاسم عند ذكره في أصحاب الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ قال: يحيى بن أبي القاسم، يكنّى أبا بصير، مكفوف، واسم أبي القاسم: إسحاق.

2. وعدّه الشيخ المفيد من أصحاب أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قائلاً: وأبو بصير يحيى ابن أبي القاسم، مكفوف، مولى لبني أسد، واسم أبي القاسم إسحاق، وأبوبصير كان يكنّى بأبي محمد.(2)

3. وقال الكشي في ترجمة ليث بن البختري: محمد بن مسعود(العياشي) قال: سألت علي بن الحسن بن فضال عن أبي بصير، قال: كان اسمه يحيى بن أبي القاسم فقال: أبو بصير، كان يكنّى أبا محمد، وكان مولى لبني أسد.(3)

4. وقد ورد في اسناد الفقيه يحيى بن أبي القاسم، روى الصدوق بسنده


1-رجال الكشي:206.
2-الإختصاص: 83.
3-رجال الكشي: 173 برقم 296.


(221)

الصحيح، عن أبان الأحمري، عن أبي بصير يحيى بن أبي القاسم الأسدي، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ .(1)

5 . و روى بسنده الصحيح عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن يحيى بن أبي القاسم، عن جعفر بن محمد ـ عليه السَّلام ـ .(2)

وهذه الوجوه تثبت انّ اسم أبيه إسحاق، وكنيته أبو القاسم، فهو يحيى بن أبي القاسم لا يحيى بن القاسم.

6. وقد عبر عنه البرقي في رجاله، بقوله: أبو بصير يحيى بن أبي القاسم الأسدي.(3)

الثاني: هل يحيى بن أبي القاسم هو يحيى الحذّاء أو غيره؟

قد وقفت على منزلة أبي بصير عند الأصحاب وأئمّة الحديث، وربما يحكم على حديثه بالضعف بتصور أنّه هو يحيى بن أبي القاسم الحذّاء الذي عدّه الشيخ من أصحاب الكاظم، وقال: يحيى بن القاسم الحذاء واقفي.(4)

وقال الكشي: حمدويه ذكر عن بعض أشياخه يحيى بن القاسم الحذاء الأزدي، واقفي.

ولأجل ذلك نرى أنّ الشهيد الثاني يذكر بأنّ أبا بصير الذي روى عن


1-الفقيه: 4، باب ما يجب من إحياء القصاص، الحديث 221.
2-الفقيه: 4، باب الوصية من لدن آدم، الحديث 457.
3-رجال البرقي: 11. نعم ورد بعد الجملة التي أشرنا إليها قوله: واسم أبي القاسم: يحيى بن القاسم، ولعلّه من تصحيف النساخ، ولعلّ الصحيح اسم أبي القاسم إسحاق ثمّ ابتدأ بترجمة شخص آخر، وهو يحيى بن القاسم، ولا صلة له بأبي بصير المتقدم عليه.
4-رجال الشيخ:346، أصحاب الكاظم ـ عليه السَّلام ـ ، باب الياء، برقم 16.


(222)

الصادق ـ عليه السَّلام ـ مشترك بين اثنين: ليث بن البختري المرادي، وهو المشهور بالثقة، و ليث بن القاسم الأسدي وهو واقفي، ضعيف، مخلط.(1)

ولكن الحقّ تعدّدهما، وذلك للوجوه التالية:

الأوّل: ما يظهر من عبارة الكشي انّهما متعدّدان حيث قال في عنوان بحثه.

(في يحيى بن أبي القاسم أبي بصير و يحيى بن القاسم الحذّاء) ثمّ ذكر الأحاديث.(2)

فإنّ مقتضى سياق الكلام تعدّد المعنون، لظهور العطف في المغايرة أوّلاً، وتكنية الأوّل بأبي بصير دون الآخر ثانياً، وتخصيص الرواية التي نقلها عن حمدويه بالحذاء، حيث قال: حمدويه ذكره عن بعض أشياخه: يحيى بن القاسم الحذاء الأزدي، واقفي ثالثاً، وتقييد الثاني بالحذاء دون الأوّل رابعاً.

كلّ ذلك يشعر بتعدّد المعنونين.

الثاني: كلام الشيخ في رجاله، فقد جاء فيه:

يحيى بن القاسم الحذاء، واقفي.

يوسف بن يعقوب، واقفي.

يحيى بن أبي القاسم، يكنّى أبا بصير.(3)

فانّ الفصل بينهما بأجنبي، أي يوسف بن يعقوب دليل التعدّد، مضافاً إلى تكنية الثاني بأبي بصير دون الأوّل.

الثالث: انّ أبا بصير مات سنة خمسين ومائة، والوقف إنّما حصل بعد زمان


1-المسالك:2/413.
2-رجال الكشي:474، برقم 901.
3-رجال الشيخ:346 أصحاب الكاظم ـ عليه السَّلام ـ ، برقم 16، 17، 18.


(223)

وفاة الإمام موسى الكاظم ـ عليه السَّلام ـ وقد استشهد ـ عليه السَّلام ـ سنة 183هـ، فعلى ذلك فلا يمكن أن يوصف من مات على رأس خمسين بعد المائة بالوقف.

كلّ ذلك يدعم بأنّ أبا بصير الأسدي غير يحيى بن القاسم الحذّاء.

الرابع: قد عرفت أنّ النجاشي عنون أبا بصير الأسدي ووصفه بأنّه ثقة وجيه، ولكن الشيخ وصف يحيى بن القاسم الحذّاء بالوقف، ومن طبيعة الحال انّ النجاشي كان واقفاً على حكم الشيخ بالوقف على الحذّاء، فلو كان المعنونان متحدين كان على النجاشي أن يشير إلى نظر الشيخ، مع أنّه سكت عن ذلك.

هذه الوجوه وغيرها ممّا ذكرها المحقّق الكلباسي (المتوفّى 1356هـ) في كتابه يثبت تعدد المعنونين وانّ هذا لا يوجب الشك في صحة رواية أبي بصير الأسدي.

وهناك وجه آخر وهو انّ أبا بصير أدرك عصر أبي جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ الذي توفّي عام 114هـ وأدرك عصر الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ وبعده بسنتين، وتوفّي سنة 150هـ.ق.

فلو كان يحيى بن القاسم الحذّاء هو نفسَ أبي بصير الأسدي كان على الشيخ أن يذكره في عداد أصحاب الإمام أبي جعفر الباقر والصادق ـ عليه السَّلام ـ ، ولا يخصّه بأصحاب الإمام الكاظم ـ عليه السَّلام ـ .

نعم ذكر في أصحاب الإمام الباقر يحيى بن القاسم الحذّاء، ولكنّه لم يصفه بالوقف، وهو يعرب انّ الحذّاء المطلق غير الحذّاء الموصوف بالوقف.

وقد حقّق الموضوع غاية التحقيق الشيخ الكلباسي (المتوفّى عام 1356هـ) في كتابه حيث ا(1)ثبت تعدّد المعنونين و انّ هذا لا يوجب الشك في صحة رواية أبي بصير الأسدي. وقد صدرنا في هذا البحث عن تحقيقاته الشافية «قدّس اللّه سرّه»


1-سماء المقال: 1/317ـ 330.


(224)

، مع المراجعة إلى المصادر والمدارك.

***

2. أبو بصير ليث بن البختري

ليث بن البختري المرادي، أحد الثقات المخبتين.

قال الكشي بعد عنوانه بالنحو التالي:

في أبي بصير ليث بن البختري المرادي.(1)

ثمّ نقل عن جميل بن دراج، قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «بشّر المخبتين بالجنة: بريد بن معاوية العجلي، و أبا بصير ليث بن البختري، ومحمد بن مسلم، و زرارة; أربعة نجباء، أُمناء اللّه على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست».(2)

وقال النجاشي: ليث بن البختري المرادي(أبو محمد) و قيل أبو بصير الأصغر، يروي عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليمها السَّلام . له كتاب، يرويه جماعة منهم: أبو جميلة المفضل بن صالح.(3)

وقال الشيخ في الفهرست : ليث المرادي، يكنّى أبا بصير، روى عن أبي عبد اللّه وأبي الحسن موسى عليمها السَّلام له كتاب.(4)

وقال في أصحاب الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ : ليث بن البختري المرادي، يكنّى أبا


1-انّ العنوان وإن كان خاصاً بليث بن البختري ولكن الروايات التي أوردها تحت ذلك العنوان تعمّه و أبا بصير الأسدي، و هذا يدلّ على سقوط الأسدي من العنوان .
2-رجال الكشي: 169 ، برقم 285ـ 286.
3- رجال النجاشي: 2/193 برقم 874.
4-الفهرست: 130 برقم 574.


(225)

بصير، كوفي .

وقال في أصحاب الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : ليث بن البختري المرادي، أبو يحيى، ويكنّى أبا بصير، أسند عنه.

وذكر في أصحاب الإمام الكاظم ـ عليه السَّلام ـ : ليث، يكنّى أبا بصير.

وقد ذكر الكشي روايات في مدحه منها ما عرفت، ومنها ما سنذكر.

قال: روى عن سليمان بن خالد الأقطع، قال سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: ما أحد أحيا ذكرنا وأحاديث أبي ـ عليه السَّلام ـ ، إلاّزرارة، و أبوبصير ليث المرادي، و محمد بن مسلم، و بريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفاظ الدين وأُمناء أبي ـ عليه السَّلام ـ على حلال اللّه وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في الآخرة.(1)

مميزات المحدِّثَيْن: الأسدي و المرادي

قد عرفت أنّ أبا بصير المذكور في الأسانيد كنية مشتركة بين يحيى الأسدي و ليث المرادي ولا يتجاوز عنهما، وانّ كلاً منهما ثقة بلا كلام، ولذلك لا فائدة مهمة تنطوي على تميز أحدهما عن الآخر. ولكن ثمة قرائن يُستشفّ منها تعيين المراد منه فيما إذا أطلق لفظة أبي بصير.

فيما يميز به الأسدي عن المرادي

إنّ الطريق الواضح لتعيين المراد من أبي بصير عند الإطلاق هو التعرف


1-رجال الكشي: 136 برقم 219.


(226)

على الذي ينقل عنه الرواية، فانّ طائفة من الرواة تخرّجوا على يدي يحيى الأسدي، وأُخرى على يدي ليث المرادي. وها نحن نذكر أسماء من تخرّج على الأسدي:

1. علي بن حمزة البطائني

إنّ علي بن حمزة البطائني كان قائد أبي بصير، وقد أكثر الرواية عنه مصرّحاً باسمه.

يقول النجاشي: علي بن أبي حمزة «واسم أبي حمزة سالم البطائني» كوفي، وكان قائدَ أبي بصير يحيى بن القاسم، وله أخ يسمّى جعفر بن أبي حمزة.(1)

وقد روى الصدوق في «كمال الدين» روايات أبي حمزة عن يحيى بن أبي القاسم(2)، كما صرح باسمه فيما رواه الصدوق عن ابن أبي حمزة في الخصال.(3)

2. شعيب العقرقوفي

إنّ شعيباً العقرقوفي ابن أُخت أبي بصير يحيى بن أبي القاسم، قال النجاشي: شعيب العقرقوفي، أبو يعقوب ابن أُخت أبي بصير يحيى بن القاسم، روى عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ وأبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ ، ثقة، عين.(4)

3. الحسين بن أبي العلاء

ذكر الشيخ في ترجمة يحيى بن القاسم، قال: يكنّى أبا بصير، له كتاب


1-رجال النجاشي: 2/69، برقم 654.
2-لاحظ كمال الدين: 1/259، الحديث 4; وج 2/340، الحديث 20.
3-الخصال: 2/443، الحديث 36.
4-رجال النجاشي: 1/435، برقم 518.


(227)

مناسك الحجّ، رواه علي بن أبي حمزة والحسين بن أبي العلاء عنه.(1)

4. الحسن بن علي بن أبي حمزة

ذكر النجاشي انّه يروي عن أبي بصير عن طريق الحسن بن علي بن أبي حمزة، قال في بيان طريقه إلى يحيى بن القاسم الأسدي: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن شيبان، قال: حدثنا الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير بكتابه.(2)

5. المعلّى بن عثمان

روى الكليني في الكافي في باب «الثوب يصيبه الدم» بسند ينتهي إلى المعلّى ابن عثمان عن أبي بصير، قال: دخلت على أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ و هو يصلّي، فقال قائدي: إنّ في ثوبه دماً، فلمّا انصرف، قلت له: إنّ قائدي أخبرني أنّ بثوبك دماً، فقال لي: إنّ لي دماميل ولست أغسل ثوبي حتى تبرأ. فإنّ الظاهر أنّه الأسدي، لأنّه المحتاج إلى القائد فتأمّل.(3)

فيما يميّز به المرادي عن الأسدي

ليس هناك قرينة خاصة يميّز بها المرادي عن الأسدي سوى ذكر الراوي اسم أبي بصير بعد كنيته، وها نحن نذكر كلّ من روى عن أبي بصير المرادي


1-الفهرست: 207 برقم 797.
2-رجال النجاشي: 2/411 برقم 1188.
3- سماء المقال:1/384.


(228)

مصرحاً باسمه وإليك قائمة بأسمائهم:

الأوّل: عبد اللّه بن مسكان

روى عبد اللّه بن مسكان عن أبي بصير 21 حديثاً مصرحاً باسمه وهي مبثوثة في أبواب كثيرة :

1. عن عبد اللّه بن مسكان عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الكافي: 2/60، باب الرضا بالقضاء من كتاب الإيمان، الحديث 2.

2. عن ابن مسكان عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

بحار الأنوار:72/333، باب ذم الشكاية من اللّه تعالى من أبواب الإيمان والكفر، ح19.

3. عن عبد اللّه بن مسكان عن أبي بصير يعني ليث بن البختري المرادي، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الوسائل: 1/26، الباب 2 من أبواب مقدمات العبادات، ح20 نقله عن المحاسن.

4. عن عبد اللّه بن مسكان عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الوسائل: 2/899، الباب 75 من أبواب الدفن، ح3، نقله عن الكافي.

5. عن ابن مسكان عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

التهذيب: 1/209، باب صفة التيمم، ح11.

6. عن عبد اللّه بن مسكان عن ليث المرادي ، قال : قلت لأبي عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ .


(229)

التهذيب:1/258، باب تطهير الثياب، ح37.

7. عن عبد اللّه بن مسكان عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

التهذيب:1/209، باب التيمم، ح11.

8. عن ابن مسكان، عن ليث عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الوسائل:3/138، باب 18 من أبواب المواقيت، ح9، نقله عن علل الشرائع.

9. عن عبد اللّه بن مسكان عن ليث المرادي قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الوسائل: 3/181، الباب 44 من أبواب المواقيت، ح1.

10. عن ابن مسكان عن ليث، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

التهذيب:2/168، باب تفسير ما تقدم ذكره في الصلاة من المفروض والمسنون، ح125.

11. عن عبد اللّه بن مسكان عن ليث المرادي، قال: قلت لأبي عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الكافي:6/468، باب الخواتيم من كتاب الزي والتجمل، ح6.

12. عن ابن مسكان عن ليث المرادي، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الوسائل: 4/909، الباب 7 من أبواب السجود، ح6 نقله عن علل الشرائع.

13. عن عبد اللّه بن مسكان عن أبي بصير المرادي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الوسائل: 5/119، الباب 18 من أبواب صلاة العيد، ح1، نقله عن كتاب الإقبال.


(230)

14. عن ابن مسكان عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الكافي: 4/110، باب الصائم يسعط ويصيب في أُذنه الدخن أو يحتقن، ح4.

15. عن عبد اللّه بن مسكان عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الكافي: 4/128، باب من صام في السفر بجهالة، ح3.

16. عن ابن مسكان عن أبي بصير يعني المرادي، قال: قلت لأبي عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الفقيه:2/300، باب الحلق والتقصير، ح1.

17. عن ابن مسكان عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

التهذيب: 5/490، باب الزيادات في فقه الحج، ح401.

18. عن ابن مسكان عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

التهذيب:7/47، باب البيع بالنقد والنسيئة، ح9.

19. عن ابن مسكان عن أبي بصير يعني المرادي، قال: قلت لأبي عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الفقيه: 4/207، باب ميراث الأجداد والجدات، ح20.

20. عن ابن مسكان عن ليث المرادي، و عبد الأعلى بن أعين عن أبي عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ .

التهذيب: 10/187، باب القود بين الرجال والنساء من كتاب الديات، ح1.

21. عن عبد اللّه بن مسكان عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .


(231)

الكافي: 2/60، باب الرضا بالقضاء، ح2.

الثاني: المفضل بن صالح(أبو جميلة)

روى أبو جميلة المفضل بن صالح عن أبي بصير المرادي 16 حديثاً مصرحاً باسمه وهي مبثوثة في أبواب مختلفة:

1. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

التهذيب: 1/349، باب الأحداث الموجبة للطهارة، ح22.

2. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الوسائل: 1/251، الباب 35 من أبواب أحكام الخلوة، ح1.

3. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الوسائل: 2/611، الباب 2 من أبواب النفاس، ح1.

4. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الوسائل: 4/976، الباب 20 من أبواب السجود، ح3.

5. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الكافي: 3/460، باب صلاة العيدين والخطبة، ح4.

6. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الكافي: 4/342، باب ما يلبس المحرم من الثياب و ما يكره له لباسه من كتاب الحج، ح16.

7. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

التهذيب: 5/339، باب الكفارة من خطأ المحرم من كتاب الحج، ح88.


(232)

8. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الكافي: 6/208، باب صيد البزاة والصقور من كتاب الصيد، ح10.

9. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

التهذيب: 10/252، باب ديات الأعضاء والجوارح والقصاص فيها من كتاب الديات، ح31.

10. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الكافي:6/168، كتاب الطلاق، باب العبد إذا تزوج بإذن مولاه، ح2.

11. عن المفضل بن صالح عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الوسائل: 19/189، باب 16 من أبواب موجبات الضمان، ح2.

12. عن أبي جميلة عن ليث المرادي، قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

البحار:22/129، تاريخ نبينا ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ، باب ما جرى بينه و بين أهل الكتاب، ح105 نقله عن الكافي.

13.عن أبي جميلة عن ليث المرادي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

البحار: 72، باب الكبر من كتاب الإيمان والكفر، ح5، نقله عن الكافي.

14.عن أبي جميلة عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

التهذيب:1/165، باب حكم الحيض والاستحاضة والنفاس والطهارة، ح45.

15. عن أبي جميلة عن ليث المرادي، قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .


(233)

الكافي: 6/403، باب لبس الحرير والديباج من كتاب الزي والتجمّل، ح2.

16. عن أبي جميلة عن ليث المرادي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الكافي: 2/309، باب الكبر من كتاب الإيمان والكفر، ح5.

الثالث: عاصم بن حميد

روى عاصم بن حميد روايات مختلفة عن أبي بصير المرادي مصرحاً باسمه:

1. عن عاصم بن حميد عن أبي بصير يعني المرادي عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ .

الوسائل: 15/569، الباب 15 من أبواب الكفارات، ح4، نقله عن فقهالرضا ـ عليه السَّلام ـ .

2. عن عاصم بن حميد عن أبي بصير يعني المرادي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الوسائل: 18/41، الباب 7 من أبواب صفات القاضي، ح10.

3. عن عاصم بن حميد عن أبي بصير يعني المرادي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

البحار: 64/311، باب الذباب والبق والزنبور من كتاب السماء والعالم، ح3 نقله عن التهذيب.

4. عن عاصم بن حميد عن أبي بصير ليث المرادي ، قال: سألت أبا عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ .

التهذيب: 4/185، باب علاقة وقت فرض الصيام وأيّام الشهر، ح3.

5.عن عاصم بن حميد عن أبي بصير يعني ليث المرادي عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ .

الوسائل: 6/55، الباب 1من أبواب من تجب عليه الزكاة و من لا تجب


(234)

عليه، ح6.

6. عن عاصم بن حميد عن أبي بصير يعني المرادي ، قال: سألت أبا عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الوسائل: 9/129، الباب 47 من أبواب تروك الإحرام، ح6، نقله عن علل الشرائع.

7. عن عاصم بن حميد عن أبي بصير يعني المرادي ، قال: سألت أبا عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الوسائل: 13/185، الباب 2 من أحكام المضاربة، ح1، نقله عن الفقيه.

هؤلاء هم الذين أكثروا النقل عن أبي بصير المرادي مصرحين باسمه، وهناك من نقل رواية أو روايتين مصرحين باسمه.

الرابع: حميد بن المثنى العجلي المعروف بأبي المعزا

1. عن أبي المعزا حميد بن المثنى عن أبي بصير يعني المرادي قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الوسائل:3/14، الباب 5 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، ح2، نقله عن معاني الأخبار.

2. عن أبي المعزا عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الوسائل: 8/173، الباب 3 من أبواب أقسام الحجّ، ح7.

الخامس: أبان بن عثمان

عن أبان عن ليث المرادي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .


(235)

الوسائل:1/669، الباب 40 من أبواب الاحتضار، ح4.

السادس: رفاعة بن موسى الأسدي النخاس

عن رفاعة بن موسى عن ليث المرادي عن أبي بصير(1)، قال سمعته يقول: قال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

المحاسن: 37، ثواب ما جاء في التسبيح، ح40.

السابع: أبو أيّوب الخزاز و عبد اللّه بن بكير

أبو أيّوب الخزاز وعبد اللّه بن بكير عن ليث المرادي قال: سألت أبا عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ .

الكافي: 7/310، باب المسلم يقتل الذمي أويجرحه والذمي يقتل المسلم أو يجرحه من كتاب الديات، ح11.

التهذيب: 10/186، باب القود بين الرجال والنساء من كتاب الديات، ح27.

ونستخلص ممّا سبق أمرين:

الأوّل: هؤلاء هم الذين رووا عن أبي بصير مصرّحين باسمه في بعض الأحيان، وليكن هذا قرينة على أنّ المراد هو ليث البختري عند الإطلاق فيما إذا انتهت سلسلة السند إليهم.

الثاني: انّ السبر في المسانيد المنتهية إلى أبي بصير يكشف عن حقيقة، وهي


1-هكذا في النسخة و لعلّ لفظة «عن» زائدة أو مصحف يعني.


(236)

أنّهم يطلقون أبا بصير ولا يصرحون باسمه إلاّإذا كان المراد منه هو ليث المرادي.

ولعلّ هذا قرينة على أنّ المطلق ينصرف إلى الأسدي، وكأنّه غني عن التصريح بالاسم لشهرته بين الرواة، دون المرادي فهو بحاجة إلى ذكر الاسم، ويؤيد ذلك تسمية الأسدي بأبي بصير الكبير والمرادي بأبي بصير الصغير، ولعلّ ملاكهما هو كبر السن وصغره أو كثرة نقل الروايات أو قلّتها. واللّه العالم.

***

ولما كان أبو بصير ممن أكثر الرواية عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ و يعد راوية كبيرة وقد أُثيرت حوله إبهامات قام غير واحد من المحقّقين بتأليف رسائل أو تدوين بحوث نفيسة حوله، وإليك بعض أسماء تلك الرسائل والبحوث:

1. عديمة النظير في ترجمة أبي بصير: للعلاّمة السيد مهدي الخوانساري (المتوفّى عام 1246هـ) ألّفه عام 1230 هـ.(1) طبعت في آخر الجوامع الفقهية.

2. رسالة في المكنّيين بأبي بصير :تأليف المحقّق الخبير الشيخ محمد تقي التستري(1320ـ1416هـ).

3. سماء المقال في علم الرجال: تأليف المحقّق أبو الهدى الكلباسي (المتوفّى سنة 1356هـ)، و قد أفاض بالبحث في الجزء الأوّل من كتابه.(2)

4. معجم رجال الحديث: تأليف المرجع الأعلى السيد أبو القاسم الخوئي (1317ـ 1413هـ) فقد عالج في موسوعته الروايات الواردة في حقّ أبي بصير المشعرة بالذم والمدح.(3)


1-الذريعة:4/148.
2-لاحظ سماء المقال:1/298ـ 392.
3-لاحظ معجم رجال الحديث:14/140ـ 151.


(237)

كما أكمل بحوثه في أجزاء أُخر.(1)

ولأجل ذلك لم نستعرض حال الأحاديث التي وردت في حقّ أبي بصير التي نقلها الكشي في ترجمته.

ويشبه أن تكون هذه الروايات مثل ما ورد في حقّ زرارة من الذم صوناً لنفسه ونفيسه، أو من وضع الوضّاعين الحاقدين على شيعة أهل البيت.

وفي الختام نتقدم بالشكر إلى الفاضل الجليل ولدنا الخبير بالحديث الشيخ بشير المحمدي المازندراني الذي شمَّر عن ساعد الجد بإحياء المسانيد المأثورة عن أصحاب الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ شكر اللّه سعيه و أجزل أجره. وهو حفظه اللّه دؤوب في عمله، مقبل على شأنه، وقد أتحف المكتبة الإسلامية بمسند يضم في طياته قرابة (3000) حديث من أحاديث أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ .

وهذا العدد الهائل من الروايات الذي هو ضعف ما روي عن زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم، فإنّما هو لأجل أنّ المسند جمع أحاديث محدّثَين كبيرَين، هما: يحيى بن أبي القاسم الأسدي، وليث بن البختري المرادي رضوان اللّه عليهما.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

في ظهيرة 27 من شعبان المعظم عام 1420هـ


1-معجم رجال الحديث: 21/44ـ 64.


(238)

9

ترجمة العلاّمة المجلسي رحمه اللّه

مجدّد المذهب في القرن الحادي عشر

الحمد للّه والصلاة والسلام على خير رسله، وأفضل بريّته، محمّد وآله الذين هم حفظة سننه، وعيبة علمه، صلاة دائمة مادامت السماوات والأرض.

أمّا بعد،

فهذه كلمة موجزة في ترجمة الإمام العلاّمة شيخ الإسلام المولى محمد باقر المجلسي رحمه اللّه (1037ـ 1110هـ).

ولا تعني الكلمة بترجمة سيرته وآثاره العلمية التي تركها، فانّ ذلك يحوجنا إلى تأليف مفرد، بل تعني بتسليط الأضواء على جانب خاص من جوانب حياته كما يتّضح فيما بعد.

وقد قام غير واحد من أعلام الطائفة بتأليف كتاب أو مقال أو ترجمة مفصّلة حول حياته.

فقد ألّف شيخنا العلاّمة النوري (1254ـ 1320هـ) كتاباً باسم «الفيض القدسي في ترجمة العلاّمة المجلسي» ألّفه عام 1302هـ، ذكر فيها ترجمته وتصانيفه، كما ذكر ترجمة مشايخه وتلاميذه وجملة من أقربائه، وقد طبع في الجزء


(239)

الأوّل من أجزاء البحار ذي الطبعة القديمة.

كما قام زميلنا الشيخ عبد الرحيم الرّبّاني الشيرازي بترجمته ترجمة وافية، وطبع مع الجزء الأوّل من البحار ذي الطبعة الحديثة.

وقد كفانا هذان التأليفان،مضافاً إلى ما ذكره أصحاب المعاجم والتراجم في حقّه.

ولذلك فقد كرّسنا البحث على جانب خاص بقي مغمور الذكر عند معظم أصحاب التراجم وإن أشاروا إليه على وجه الإجمال في ثنايا كلامهم. ألا و هو الجانب الإبداعي والابتكاري من شخصية العلاّمة المجلسي قدّس اللّه نفسه الزكيّة.

وقبل استعراض هذا الجانب، لابدّ من الإشارة إلى نكتة وهي: انّ العبقري هو من تمتّع بذكاء مفرط وحدّة في الذهن جعله متفوّقاً على الآخرين بكماله وحذقه وبراعته،ويعلم ذلك من خلال منجزاته العلمية.

فلو كان هذا هو الملاك لوصف المرء بالعبقرية، فشيخنا المجلسي يعدُّ في طليعتهم، فقد نال إعجاب العلماء بموسوعته الكبيرة المسمّاة بـ«بحار الأنوار» وفاق الآخرين بآثاره التي قلّما يوجد لها نظير.

وناهيك عن ذلك فانّ الإبداعات والابتكارات العلمية التي قام بها والتي خلّدته في التاريخ جعلته من النوادر الذين يُشار إليهم بالبنان ، ها ونحن نشير إلى أهمّها:

1. ابتكار دائرة معارف شيعيّة

إنّ كتاب البحار دائرة معارف إسلامية بصبغة شيعية جمع فيها و لأوّل مرّة


(240)

ما يرجع إلى الكتاب والسنّة من فنون الفقه والتفسير والحديث والرجال و أُصول العقائد و الكلام وأُصول الفقه والتاريخ إلى غير ذلك من فنون رائجة بين المسلمين إلى عصره.

لقد ظهر هذا النمط من تدوين العلوم وضمّها في دوائر المعارف عند اليونانيين، ثمّ أعقبهم المسلمون حيث قاموا بتأليف دوائر معارف مختلفة ضمّوا فيها جميع العلوم الرائجة، ونذكر منها ما يلي:

1. رسائل إخوان الصفا :وهي مجموعة تشتمل على إحدى وخمسين رسالة في علوم مختلفة ألّفتها جمعيّة إخوان الصفا أواسط القرن الرابع.

2. إحصاء العلوم للمعلم الثاني أبو نصر محمد بن طارخان الفارابي (المتوفّى عام 339هـ).

3. «شمس العلوم» لنشوان بن سعيد بن نشوان الحميري (المتوفّى 573هـ) في 18 مجلداً.

4. «نفائس الفنون في عرائس العيون» لمحمد بن محمود الآملي (المتوفّى 753هـ).

5. «لسان الخواص» لآقا رضي القزويني محمد بن الحسن(المتوفى 1096هـ) في عدّة أجزاء.(1)

إلى غير ذلك من موسوعات كبيرة بين ما يختص بقسم من العلوم كالفلسفة والآداب وبين ما يعم أغلب العلوم.

غير انّ جميع دوائر المعارف تلك تتمحور حول العلوم والأفكار البشرية التي لها قيمتها الخاصة، إلاّانّ شيخنا المجلسي اتخذ طريقاً آخر، وهو جمع ما ورد


1-لاحظ الذريعة:8/3ـ15 حيث ذكر فيها لمحة تاريخية عن دوائر المعارف.


(241)

في دائرة الوحي من الآيات والروايات، والتحقيق حولها وبسط الكلام في مضامينها ومعضلاتها .

وعلى كلّ تقدير فالموسوعة صورة ناطقة عن عبقريّة مؤلِّفها وطول باعه وقوة تفكيره وعلوّ همته،وقد استسهل في سبيل تأليفها كل المشاقّ والمصاعب.

فها هو شيخنا المؤلف يصف جهوده المبذولة في ترصيف هذا الأثر يقول: فطفقت أسأل عنها ـ عن الكتب ـ في شرق البلاد و غربها حيناً، وألحّ في الطلب لدى كلّ من أظن عنده شيئاً من ذلك، وإن كان به ضنينا، وقد ساعدني على ذلك جماعة من الإخوان، ضربوا في البلاد لتحصيلها، وطلبوها في الأصقاع والأقطار طلباً حثيثاً حتى اجتمع عندي بفضل ربّي كثير من الأُصول المعتبرة التي كان عليها معوّل العلماء في الأعصار الماضية، وإليها رجوع الأفاضل في القرون الخالية، فألفيتها مشتملة على فوائد جمة خلت عنها الكتب المشهورة المتداولة، واطّلعت فيها على مدارك كثير من الأحكام، اعترف الأكثرون بخلو كلّ منها عما يصلح أن يكون مأخذاً له، فبذلت غاية جهدي في ترويجها وتصحيحها وتنسيقها وتنقيحها.(1)

2. ابتكاره للتفسير الموضوعي

كان التفسير الرائج بين المفسرين هو تفسير القرآن الكريم حسبَ ترتيب السور، فيبادر المفسر إلى تفسير سورة الحمد ثمّ سورة البقرة وهكذا. فمنهم من يحالفه النجاح و ينهي تفسيره إلى نهاية القرآن الكريم، ومنهم من يَخفق في إتمام هذه المهمة.


1-بحار الأنوار: 1/4.


(242)

وعلى كلّ حال فقد كان هذا هو التفسير المتداول بين معظم المفسرين إلى عصر المجلسي. إلاّ أنّ المجلسي ابتكر أُسلوباً جديداً في التفسير، وهو تفسير القرآن حسب الموضوعات التي يطرحها من خلال جمع آيات كلّ موضوع في محل واحد، ثمّ تفسيرها دفعة واحدة، وحلّ إبهام الآيات بعضها ببعض.

وهذا النمط من التفسير له مزيّته الخاصة كما أنّ للتفسير الترتيبي مزية، غير انّ الوقوف على الهدف المنشود من الآيات التي تحوم حول موضوع واحد إنّما يتبيّن من خلال التفسير الموضوعي، حيث يقف المفسِّر على ما هو المقصود دفعة واحدة، بعرض الآيات بعضها على بعض والخروج بحصيلة معينة.

هذا هو الذي قام به شيخناالمجلسي على وجه موجز حيث صنف الآيات القرآنية حسب الموضوعات وبثّها في أبواب بحار الأنوار، وفسرها على وجه الإيجاز حسب ما سمح به الوقت، وقد اعتمد في ذلك على تفسير «مجمع البيان» للطبرسي (المتوفّى 548هـ) وتفسير «أنوار التنزيل وأسرار التأويل» للبيضاوي (المتوفّى 685هـ) وغيرهما من التفاسير.

نعم التفسير الموضوعي في إطار ضيّق قد سبقه إليه الفقهاء في تفسير خصوص آيات الأحكام، فقد ألّف جمال الدين المقداد بن عبد اللّه السيوري الحلي (المتوفّى 826هـ) كتاب «كنز العرفان في فقه القرآن» فهو يتعرض لآيات الأحكام فقط، ولا يفسر الآيات سورة فسورة على حسب ترتيب المصحف ذاكراً ما لكلّ سورة من آيات الأحكام، كما فعل الجصاص وابن العربي، بل طريقته في تفسيره انّه يعقد أبواباً كأبواب الفقه، ويدرج في كلّ باب منها الآيات التي تدخل تحت موضوع واحد، فمثلاً يقول: باب الطهارة ثمّ يذكر ما ورد في الطهارة من الآيات القرآنية، شارحاً كلّ آية منها على حدة، مبيّناً ما فيها من الأحكام، على


(243)

حسب ما تذهب إليه الإمامية الاثنا عشرية في فروعهم مع تعرضه للمذاهب الأُخرى، وردّه على من يخالف ما يذهب إليه الإمامية الاثنا عشرية.(1)

وجاء بعده المحقّق الأردبيلي فألّف «زبدة البيان في أحكام القرآن» على غرار «كنز العرفان».

وعلى كلّ حال فهذا النمط من التفسير الموضوعي كان في إطار خاص، كما قام بعض علماء الأخلاق بهذا النوع في التفسير الموضوعي، لكن في إطار الموضوعات الأخلاقية، كما فعله الغزالي (المتوفّى 505هـ) في «إحياء العلوم».

وأمّا المنهج الذي سلكه الشيخ المجلسي فقد استوعب جميع الموضوعات الواردة في القرآن الكريم، حسب نظره وحسب ما ورد فيه الروايات، فصدر كلّ باب بآياته وتفسيره ثمّ نقل رواياتهم، فهذا النوع ابتكار منه في هذا المضمار، ولو قام باحث بإخراج ما في بحار الأنوار من التفسير الموضوعي لجاء بموسوعة كبيرة وإن كان تفسيره على وجه الإيجاز.

3. ابتكار العمل الجَماعيّ في التأليف

إنّ الرائج بين العلماء في التأليف و التصنيف هو العمل الفردي، فيتصدّى كلّ واحد منهم بهمة قعساء لتأليف موسوعة كبيرة وربما ينجح فيها بعض النجاح،ولكن العمل الفردي مهما كابد فيه المؤلف لا يخلو من نقص.

وأمّا إذا أشرف على هذا العمل فريق من المحقّقين ذوي اختصاصات مختلفة فربما يكون أقلّ نقصاً وأكثر فائدة، وقد تقدم انّ جماعة إخوان الصفا شاركوا في تأليف موسوعة فلسفية كبيرة، و تسربت تلك الفكرة إلى الغرب وراجت بينهم


1-التفسير والمفسرون: 2/465.


(244)

المشاركة في تأليف الموسوعات كما في دوائر المعارف، وقد جسّد شيخنا المجلسي تلك الفكرة في موسوعته «بحار الأنوار»، فاستعان بلفيف من تلامذته الذين ناهز عددهم المائتين بين مجتهد، ومحدث، ومفسر، ولغوي، ومؤرخ، وناسخ، ومصحح، إلى غير ذلك، وانفرد هو بتفسير معضلات الأحاديث ومشكلاتها،ولذلك نرى في النسخ الأصلية انّ الحديث كتب بخط، وشرحه بخط آخر هو خطّ المجلسي نفسه، و هذا يعرب عن وجود برنامج منسَّق للتأليف يبين فيه مسؤولية كلّ واحد في ترصيف هذه الموسوعة الإسلامية الكبيرة.

4. إبداع التأليف باللغة الفارسية

لا شكّ انّ اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم والحديث النبوي وحديث الأئمّة الطاهرين ـ عليهم السَّلام ـ ، وهي أحدى الأواصر التي تجمع المسلمين،ولذلك انبرى علماء الإسلام على اختلاف ألسنتهم على التأليف بلغة الضاد، وهيمنت اللغةُ العربية على معظم مصنّفاتهم وت آليفهم.

وهناك من لم يقتصر على التأليف باللغة العربية فحسب، بل صنف بلغة أبناء جلدته غير العرب، لماّ أحسَّ من أنّ كثيراً من المسلمين لا يجيدون اللغة العربية وهم بحاجة ماسّة إلى فهم مقاصد الشريعة وتعاليمها، ولذلك عادوا يؤلّفون كتباً كثيرة بلغة قومهم خدمة لهم.

وشيخنا المجلسي أحد من شارك في هذا المضمار، فقد ألف كتباً باللغة الفارسية يناهز عددها 53 بين كتاب ورسالة منها «عين الحياة» و«حقّ اليقين» و«حلية المتقين» و«حياة القلوب» و«جلاء العيون» إلى غير ذلك من الكتب والرسائل التي ذكرت في ترجمته.(1)

5. الاهتمام بشرح الأحاديث

إنّ مقاصد الشريعة تتجلّى في القرآن الكريم والحديث الشريف، وقد قام المسلمون بتفسير القرآن الكريم، وجمع الحديث، ولكن لم يكن اهتمامهم بتفسير الحديث كاهتمامهم بتفسير القرآن الكريم .

نعم قام غير واحد من أهل السنة بتبيين غوامض أحاديث البخاري، منهم أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (773ـ 852هـ) حيث قام بشرح صحيح البخاري أسماه «فتح الباري»، وقد طبع في عشرة أجزاء.

كما قام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي الشافعي(631 ـ 676هـ) بشرح صحيح مسلم.

إلى غير ذلك من الشروح على الصحاح والسنن التي يطول ذكرها.

وأمّا الشيعة الإمامية فقد كان الرائج في أوساطهم هو تدوين الحديث دون شرحه، وقد راج تفسير الحديث وشرحه بصورة موسوعات كبيرة في القرن العاشر الذي نشطت فيه الحركة الاخبارية، فقد قام والد الشيخ المجلسي محمد تقي بن مقصود علي المجلسي (1003ـ 1070هـ) بشرح «من لا يحضره الفقيه» وأسماه «روضة المتّقين في شرح من لا يحضره الفقيه» في 12 جزءاً.

كما قام نجله محمد باقر المجلسي بشرح أُصول الكافي أسماه «مرآة العقول» في 26جزءاً، كما شرح «تهذيب الأحكام» للشيخ الطوسي واسماه «ملاذ الأخيار في شرح تهذيب الأخبار» وقد طبع في عشرة أجزاء.


1-مقدمة بحار الأنوار: 1/13ـ 14.


(245)

كما وسار على نفس المنهج أيضاً في موسوعته «بحار الأنوار» وبذلك أسدى للشيعة خدمة كبيرة في حلّ معضلات الأخبار ومشاكلها، وتمييز صحيحها عن سقيمها خصوصاً في كتاب «مرآة العقول».


(246)

فمن راجع ذلك الكتاب الذي طبع في 26 جزءاً يرى أنّه تحمل عبئاً ثقيلاً في تفسير لغات الأحاديث وتبيين غوامضها إلى غير ذلك من المباحث الهامة التي يزخر بها الكتاب الذي يعد من أنفس ما تركه المجلسي في حقل الحديث.

نعم، كتابه الآخر، أعني: «ملاذ الأخيار في شرح تهذيب الأخبار» دون هذا الكتاب في الشرح والبسط، والتوضيح والتحقيق وإن كان له قيمته الخاصة.

وقد سبق العلاّمة المجلسي والده كما أشرنا إليه، والمحدث الفيض الكاشاني(1007ـ 1091هـ) في كتابه «الوافي» حيث جمع أحاديث الكتب الأربعة، فكان لا يمرّ بحديث إذا كان فيه إعضال إلاّوقد أحلّه، ولا إبهام إلاّرفعه.

وهذا النهج الذي سلكه هؤلاء الأعلام الثلاثة لو اختطّه من أعقبهم من المحدثين واستمروا على ضوئه ،لاتّضح كثير من المعضلات والمشاكل التي تواجه الأحاديث،ولزاد التراث الحديثي غنى.

6. إحياء التراث الحديثي

كان مطلع القرن الحادي عشر مسرحاً للتيارات الفكرية المختلفة، فمن مكب على العلوم الطبيعية كالنجوم والرياضيات والطب، إلى آخر متوغّل في الحكمة والعرفان والمعارف العقلية التي لا تدرك إلاّ بقسطاس العقل، إلى ثالث مقبل على علم الشريعة من خلال نافذة العقل مع يسير من النقل.

هذا وذاك صار سبباً إلى ظهور الحركة الاخبارية التي كانت تعارض هذه العلوم ومبادءها، وبالرغم من ذلك كان لها دور مهم في تفعيل النشاط الحديثي، وقد ربّت تلك الحركة محدّثين كبار، أمثال: الفيض الكاشاني ، الشيخ محمد تقي


(247)

المجلسي، الشيخ الحرّ العاملي، السيد هاشم البحراني. وفي مطلع الأكمة شيخنا المجلسي قدَّس سرَّه ، فقد أحيا التراث الديني بمنجزاته الحديثيةوراج سوق الحديث ومدارسته وكتابته، حتى ألّف بعض تلاميذه، أعني: الشيخ عبد اللّه بن نور الدين البحراني موسوعة «عوالم العلوم» الّتي تبلغ مائة مجلد،وقد سلك منهج أُستاذه في البحار، إلاّ أنّ هذه الموسوعة لم تر النور إلاّبعض أجزائها عسى أن يقيض اللّه سبحانه ذوي الهمم العالية بإخراجها بحلة قشيبة.

لم يقتصر العلاّمة المجلسي على التأليف والتصنيف فحسب بل أكبَّ على التدريس وتربية جيل من رواد العلم، والإجازات الموجودة تكشف عن أنّه كان مدرساً معروفاً سنة (1070هـ) أي قبل أربعين سنة من وفاته، وبقي مكبّاً على الدرس والتدريس حتى أيّامه الأخيرة على الرغم من كثرة مسؤولياته بسبب زعامته الدينية التي غطت دنيا الشيعة في ذلك العصر، فلم تمنعه الشواغل الاجتماعية عن تربية جيل ممتاز من العلماء والمحدّثين ناهز عددهم حسب ما ذكره المحدّث النوري في كتابه المعروف «الفيض القدسي»29 تلميذاً وسرد أسماءهم وترجم لهم.

وأعقبه شيخنا المجيز الطهراني في كتابه «طبقات أعلام الشيعة» فذكر ما كتبه النوري، وأضاف عليه ما وجده من المعلومات في المصادر المتوفرة لديه.

وكان السيد مصلح الدين الاصبهاني أكثر استيعاباً في كتابه الفارسي «زندگينامه علاّمه مجلسى» فانّه ترجم لمائة وواحد وثمانين تلميذاً بالإضافة إلى عدد ممن احتمل أنّهم من تلامذته.

كما قام السيد أحمد الحسيني الأشكوري بترجمة مائتين و أحد عشر تلميذاً في كتابه «تلامذة العلاّمة المجلسي والمجازون منه».

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على أنّه بذل جهوداً جبّارة في تنشيط الحركة


(248)

العلمية الحديثية فتركت بصمات واضحة على التراث الشيعي برّمته.

كلمة ختامية

وقبل أن نختم البحث نود الإشارة إلى أمرين:

الأوّل: ربما يثار سؤال حول كتاب بحار الأنوار وسائر كتبه وهو انّ كتاب البحار يضمّ في طيّاته أخباراً ضعافاً مخالفة لأكثر الموازين العلمية، فلِمَ نقلها الشيخ المجلسي في كتابه؟

والإجابة عن هذا السؤال واضح، وهي انّ المؤلف قبل كلّ شيء كان بصدد الجمع والنظم وصيانة التراث الشيعي من الضياع، ولم يكن بصدد النقد، وقد جمع مكتبات كثيرة في موسوعة كبيرة،وترك التحقيق للأجيال التي تعقبه.

مضافاً إلى أنّه لم يترك التعرض إلى ضعف الخبر أو نقده كلّما سمح له الوقت، ولذلك ترى أنّ منهج بحثه في «البحار» غير منهجه في «مرآة العقول»، فقد صار في الكتاب الأخير بصدد التحقيق والنقد فلا يمرَ بحديث إلاّويوضح سنده ومتنه ومدى اعتباره ومقدار دلالته وموافقته أو مخالفته للموازين العلمية.

فعلى القارئ الكريم أن ينشد الغرض المتوخّى من تأليف الكتاب، فالغرض من تأليف البحار غالباً هو النضد والجمع، ولكن الهدف من تأليف مرآة العقول هو النقد والتحقيق.

الثاني: انّ بعض المستشرقين كـ«ادوارد برون» مؤلف تاريخ «أدبيات إيران» والكتّاب الجُددَ الذين لا يروق لهم نشر م آثر أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ استهدفوا المجلسي بسهام النقد، ولم يكن في كنانتهم إلاّرميه بسباب مقذع، بعيداً عن روح النقد الموضوعي، وما هذا إلاّ لأنّهم لم يجدوا ثغرة ينفذون من خلالها إلى شخصية


(249)

المجلسي، فعادوا يقرعونه بالترهات والسفاسف دون جدوى، و كلّ ذلك لا يحطّ من منزلة شيخ الإسلام المجلسي فقد قيل: «من ألّف فقد استهدف».

ولو كان شيخنا المؤلف بصدد جلب رضا هؤلاء لكان عليه أن يعزف عن كلّ جهوده،ولكن لم يكن رائده في هذا السبيل إلاّ رضا اللّه سبحانه ورسوله ورضا الأئمّة المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ ، ولسان حاله:

إذا رضيت عني كرام عشيرتي * فلا زال غضبـاناً عليّ لئامها

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

28 شهر رمضان المبارك

من شهور عام 1420هـ


(250)

10

زيارة النساء للقبور

في الشريعة الإسلامية

لقد أسعفني الحظ هذا العام (1421هـ) بزيارة بيت اللّه الحرام لأداء العمرة المفردة، والتشرّف بزيارة النبيّ ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ وأئمّة البقيع ـ عليهم السَّلام ـ وبقية المشاهد المباركة، وقد استرعى انتباهي عند زيارتي البقيع منع النساء من دخولها من قبل السلطات السعودية، و ذلك بفتوى بعض فقهاء الحنابلة مع أنّ الأدلة الشرعية على خلافها، وهي تدلّ على كون الرجال والنساء في ذلك سواسية، ومن حسن الحظ فقد التقيت بأحد الآمرين بالمعروف في البقيع ودار حوار بيني وبينه حول زيارة النساء للقبور، وقد تبادلنا فيه بعض الرسائل، ولذلك عزمت على كتابة رسالة مفصلة في هذا الموضوع استعرض فيها أدلّة الموافق والمخالف على وجه لا يبقى لمشكّك شك، ولا لمرتاب ريب.

هذه هي الرسالة التي أُقدّمها لطلاّب الفقه في الجامعة الإسلامية في المدينة المنوّرة عسى أن تنال رضاهم.

المؤلف


(251)

زيارة القبور في الشريعة الإسلامية

اتّفق المسلمون على استحباب زيارة القبور تأسّياً بالنّبي الأكرم ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ في قوله وفعله.

«قال النووي تبعاً للعبدري والحازمي وغيرهما: اتّفقوا على أنّ زيارة القبور للرجال جائزة.

نعم حكي عن ابن أبي شيبة وابن سيرين وإبراهيم النخعي والشَّعبي،الكراهة، حتّى قال الشعبي: لولا نهي النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ لزرت قبر ابنتي... وكأنّ هؤلاء لم يبلغهم الناسخ».(1)

وسيوافيك تضافر الأدلّة على استحبابها لما فيها من الأمر والبعث والأثر البنّاء، أعني تذكّر الآخرة، والزهد في الدنيا. وما أبعد هذا القول عما حكي عن ابن حزم أنّ زيارة القبور واجبة ولو مرّة واحدة، لورود الأمر بها، وبما أنّ استحبابها للرجال أمر متّفق عليه إلاّ من شذّ من الذين لم يبلغهم قول النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ وفعله، فلا نطيل الكلام فيها.

إنّما الكلام في استحبابها أو جوازها للنساء، فأكثر أهل السنّة على الاستحباب.

قال ابن حجر: واختلف في النساء، فقيل دُخلن في عموم الإذن، وهو قول


1-ابن حجر، فتح الباري: 3/148.


(252)

الأكثر، وقيل الإذن خاص بالرجال، ولا يجوز للنساء زيارة القبور، وبه قال الشيخ أبو إسحاق في المهذب.(1)

وقال السندي في شرحه على سنن النسائي عند شرح قوله ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». فيه جمع بين الناسخ والمنسوخ، والإذن بقوله «فزوروها»، قيل: يعمّ الرجال والنساء، وقيل: مخصوص بالرجال، كما هو ظاهر الخطاب، لكن عموم علّة التذكير الواردة في الأحاديث قد يؤيد عموم الحكم، إلاّ أن يمنع شمول قوله «وتذكر الآخرة» للنساء لكثرة غفلتهن.(2)

ونقل النووي في شرحه على «صحيح مسلم» أقوالاً ثلاثة:

أ. الحرمة ، ب. الكراهة،ج. الجواز.(3)

هذه الكلمات تعرب عن اختلاف الآراء وإن كان الأكثر على الجواز، وهو الحقّ المتعيّن للأدلة التالية:

1. حديث عائشة

أخرج النسائي في سننه عن عائشة، انّها قالت: ألا أُحدِّثكم عنّي و عن النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ؟ قلنا: بلى، قالت: لما كانت ليلتي التي هو عندي ـ تعني النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ـ انقلب فوضع نعليه عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، فلم يلبث إلاّ ريثما ظن قد رقدتُ، ثمّ انتعل رويداً، وأخذ رداءه رويداً، ثمّ فتح الباب رويداً، وخرج رويداً، وجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري، وانطلقت في أثره،


1- ابن حجر، فتح الباري: 3/148.
2-النسائي، السنن، بشرح السيوطي والسندي:4/89.
3-النووي، شرح صحيح مسلم:7/49.


(253)

حتّى جاء البقيع، فرفع يديه ثلاث مرات فأطال، ثمّ انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرولَ فهرولتُ، فأحضرَ فأحضرتُ، وسبقته فدخلتُ فليس إلاّ أن اضطجعتُ، فدخل فقال :ما لك يا عائشة حشيا رابية؟.

قالت: لا، قال: لِتُخْبِرَنِّي أو لِيُخْبِرَنِّي اللطيف الخبير، قلت يا رسول اللّه: بأبي أنت وأُمّي فأخبرته الخبر، قال: فأنتِ السواد الذي رأيت إمامي، قالت: نعم. فلهزني في صدري لهزة أوجعتني، ثمّ قال: أظننت أن يحيف اللّه عليك ورسوله، قلت: مهما يكتم الناس فقد علمه اللّه.

قال : فانّ جبرئيل أتاني حين رأيت ولم يدخل عليَّ، وقد وضعت ثيابك فناداني فأخفى منك، فأجبته فأخفيته منك، فظننت ان قد رقدتِ وكرهتُ أن أُوقظك وخشيتُ أن تستوحشي، فأمرني أن آتي البقيع فأستغفر لهم، قلت: كيف أقول يا رسول اللّه؟

قال: قولي: السّلام على أهل الدّيار من المؤمنين والمسلمين، يرحم اللّه المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون.(1)

وجه الدلالة: انّ تعليم الزيارة آية جوازالعمل بها.

مضافاً إلى أنّ قوله: «وكرهت أن أُوقظك» مشيراً إلى أنّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ كره إيقاظها لتشاركه في زيارة البقيع.

نعم ليس في الرواية ما يدلّ على دخولها البقيع، وإنّما خرجت من بيتها للاطلاع على حال الرسول، وانّه إلى أين ذهب، لكن الاستدلال ليس منصبّاً على دخولها البقيع وزيارتها مع النبي، بل هو منصبّ على أنّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ علّمها الزيارة،


1-سنن النسائي: 4/91، الأمر بالاستغفار للمؤمنين; صحيح مسلم: 3/64، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها. واللفظ في المتن للنسائي، وبين النقلين اختلاف طفيف. قوله «حَشْيا»: مرتفعة النفس.


(254)

وعندئذ لا يخلو الحال من صورتين:

الصورة الأُولى: علّمها وكانت الزيارة للنساء مستحبة أو جائزة.

الصورة الثانية: علّمها وكانت الزيارة لهنّ محرمة.

فعلى الأُولى يثبت المطلوب، وعلى الثانية يلزم اللغوية كما هو واضح، لأنّهـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ كيف يعلمها الزيارة المحرمة، وهذا أشبه بتعليم الحرام؟!

وربما يتصور: انّما تعلّمت لتزور البقيع من بعيد، ولكن هذا التصوّر من السخافة بمكان، لأنّ الزيارة عبارة عن حضور الزائر لدى المزور، فما معنى الزيارة من بعيد؟! ولو كانت الغاية من التعليم هو ذاك النوع من الزيارة كان عليه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أن ينبهها ويأمرها بذلك.

على أنّ معنى قولها: «كيف أقول؟» أي: كيف أقول عند زيارتي البقيع كزيارتك إيّاه؟ فعلّمها الرسول نفس ما كان يقوله عند زيارته.

2. حديث بريدة

أخرج مسلم في صحيحه، عن بريدة، قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : نهيتُكم عن زيارة القبور فزوروها.(1)

وأخرجه النسائي في سننه عنه مثل ذلك، وزاد : فمن أراد فليزر ولا تقولوا هجراً.(2)

3. حديث أبي هريرة

وأخرج ابن ماجة في سننه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : «زوروا


1-صحيح مسلم:3/65، باب استئذان النبي ربّه في زيارة قبر أُمّه.
2-سنن النسائي: 4/89، باب زيارة القبور.


(255)

القبور فانّها تذكّركُم الآخرة».

وفي نقل آخر: فزوروا القبور فإنّها تذكّركم الموت.(1)

4. حديث ابن مسعود

أخرج ابن ماجة في سننه، عن ابن مسعود، انّ رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فانّها تُزهّد في الدّنيا وتذكّر الآخرة».(2)

قال ابن حجر: وقد أخرج مسلم حديث بريدة، وفيه نسخ النهي عن ذلك، ولفظة :«كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» وزاد أبو داود والنسائي في حديث أنس: «فانّها تذكر الآخرة»، وللحاكم من حديث فيه: «وترقُّ القلب وتدمع العين، فلا تقولوا هجراً» أي كلاماً فاحشاً.

وله من حديث ابن مسعود: «فانّها تزهد في الدّنيا»، ولمسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «زوروا القبور فانّها تذكّر الموت».(3)

وجه الاستدلال هو عموم الخطاب للرجال والنساء ولا يضرّ تذكير الضمير، لما ثبت في محلّه من أنّ خطابات القرآن والسنّة تعمّ الصنفين إلاّما خرج بالدليل، وقوله سبحانه: (وَ أَقيمُوا الصَّلاة وآتُوا الزَّكاة)(4) ; (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ أَولياء)(5); (أَنْ لا تشركُوا بِهِ شَيئاً)(6)إلى عشرات الأمثال، يعم الصنفين بلا ريب ومنه هذا الحديث.


1-سنن ابن ماجة: 1/501، حديث 1572.
2-سنن ابن ماجة: 1/501، حديث 1571.
3-فتح الباري: 3/148.
4-البقرة: 110.
5-الممتحنة: 1.
6-الأنعام: 151.


(256)

أضف إلى ذلك انّ التعليل في الحديث آية الشمول، لأنّ قوله: «فإنّها تذكّركم الآخرة » لا يقبل التخصيص، وقد قرر في علم الأُصول انّ العلّة تعمم وتخصّص، وهل يصحّ في منطق العقل الصريح، اختصاص ما يذكّر الآخرة بالرجال وحرمان النساء منه؟!

5. حديث أنس بن مالك

أخرج البخاري في صحيحه، عن أنس بن مالك، قال: امرَّ النبي بامرأة تبكي عند قبر، فقال: اتقي اللّه واصبري، قالت: إليك عنّي فانّك لم تُصب بمصيبتي ولم تعرفه.

فقيل لها: إنّه النبيّ ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ، فأتت باب النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: إنّما الصبر عند الصدمة الأُولى.

قال ابن (1)حجر في تفسيره: قوله :الصدمة الأُولى:«وفي رواية الأحكام عند أوّل صدمة» ونحوه لمسلم، والمعنى إذا وقع الثبات أوّل شيء يهجم على القلب من مقتضيات الجزع، فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر، وأصل الصدم ضرب الشيء الصلب بمثله، فاستعير للمصيبة الواردة على القلب.(2)

وجه الدلالة: انّ النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أوصاها بالتقوى والصبر، وكأنّها قالت في كلامها شيئاً يخالف التقوى.

قال القرطبي: الظاهر انّه كان في بكائها قدر زائد من نوح أو غيره، ولهذا


1-صحيح البخاري: 2/79، باب زيارة القبور
2-فتح الباري: 3/149، باب زيارة القبور.


(257)

أمرها بالتقوى.

قال ابن حجر: ويؤيده انّ في مرسل يحيى بن كثير: «سمع منها ما يكره فوقف عليها» فلو كان وقوفها على القبر وزيارتها له أمراً محرماً كان عليه أن يردعها عنه، مع أنّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أمرها في كلا اللقاءين بالصبر.

6. زيارة عائشة قبر أخيها

أخرج الترمذي في سننه، عن عبد اللّه بن أبي مليكة، قال: توفّي عبد الرحمن بن أبي بكر بـ«حبشى»، قال: فحمل إلى مكة فدفن فيها ، فلمّا قدمتْ عائشة، أتت قبر عبدالرحمن بن أبي بكر، فقالت:

وكنـّا كندمــاني جذيمـة حِقْبـةً * من الدهر حتى قيل : لن يتصدعا

فلمـا تفـرقنـــا كـأنـي و مالكـا * لطول ا جتماع لم نَبِتْ ليلـة معـا

ثمّ قالت:واللّه لوحضرتك ما دفنت إلاّ حيث متَ، ولو شهدتك ما زرتك.(1)

والمتبادر من العبارة انّها لما قدمت مكة ذهبت إلى زيارة قبر أخيها لا انّها مرّت عليه عفواً في طريقها إلى مكة.

وأمّا قولها: «ولو شهدتك لما زرتك» فهو بمعنى انّي بما ان لم أؤدّي حقّك في حال حياتك، فلذلك أزورك بعد مماتك ولو كنت مؤدية لحقّك لما تحملت عبء زيارتك.


1-سنن الترمذي: 3/371، باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور، حديث 1055.


(258)

7. زيارة السيدة فاطمة ـ  عليها السَّلام ـ قبر حمزة

أخرج الحاكم في مستدركه، عن علي بن الحسين، عن أبيه: انّ فاطمة ـ  عليها السَّلام ـ بنت النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ كانت تزور قبر عمّها حمزة كلّ جمعة وتبكي عنده.

قال الحاكم بعد نقل هذا الحديث: «رواته عن آخرهم ثقات».(1)

هذه الروايات العديدة الصحيحة تدل بوضوح على جواز الزيارة للنساء، ومن أمعن النظر فيها يقف على أنّ المسألة من الوضوح بمكان غير انّه إكمالاً للبحث نذكر دليل المخالف، وهي ليست إلاّ شبهاً طارئة.

دليل من لم يجوّز زيارة القبور للنساء

احتجّ المخالف بوجوه:

الأوّل: بما أخرجه الترمذي، عن أبي هريرة انّ رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ لعن زوّارات القبور.(2)

وأخرجه ابن ماجة عن حسّان بن ثابت،وعن ابن عباس واللفظ في الجميع واحد.

قال الترمذي صاحب السنن: وقد رأى بعض أهل العلم انّ هذا كان قبل أن يرخّص النبي في زيارة القبور، فلمّا رخّص دخل في رخصته الرجال والنساء.

وقال بعضهم: إنّما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهنّ وكثرة جزعهنّ.(3)


1-الحاكم: المستدرك:1/377، كتاب الجنائز.
2-سنن الترمذي: 3/371، باب ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء من كتاب الجنائز، حديث 1056.
3-المصدر نفسه.


(259)

وقال القرطبي: لم يلعن النبي كلّ امرأة تزور القبور بل لعن المرأة التي تزور القبور دوماً، والدليل على ذلك قوله ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : زوّارات القبور، وكلمة «زوار» هي صيغة المبالغة وتدلّ على الكثرة والتكرار.(1)

أقول: إنّ أمر هذا الحديث دائر بين كونه منسوخاً أو مخصصاً، فلو ورد قبل الترخيص كان عموم الترخيص «فزوروا» ناسخاً والحديث منسوخاً وإن ورد بعد الترخيص يكون مخصصاً، فإذا دار أمره بين كونه متروكاً أو معمولاً به فلا يحتج به.

الثاني: ما أخرجه ابن ماجة عن أبي الحنفية بن علي، قال: خرج رسول اللّهـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ فإذا نسوة جلوس، فقال: ما يجلسكنَّ؟ قلنَ: ننتظر الجنازة.

قال: هل تغسلن؟ قلن: لا، قال: هل تحملن؟ قلن: لا.

قال: هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن: لا.

قال: فأرجعنَ مأزورات غير مأجورات.(2)

انّ الحديث قاصر سنداً ودلالة.

أمّا السند ففيه دينار بن عمر (أبوعمر).

قال أبو حاتم في حقّه : إنّه ليس بالمشهور، وقال الأزدي: متروك، وقال الخليل في الإرشاد: كذّاب، وقال ابن حبان: يخطئ.

فهل يمكن أن يستدل بحديث كهذا.

وأمّا الدلالة ففيها أوّلاً: أنّ النبيّ ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ يذم النسوة اللواتي لم يكن لهنّ أيّة مسؤولية في تجهيز الميّت، وإنّما جلسنَ للنظر والمشاهدة، وإلاّ فلو كان لهنّ مهمة


1-القرطبي.
2-سنن ابن ماجة: 1/502، باب ما جاء في اتباع النساء الجنائز، الحديث 1578.


(260)

معينة فتنعكس القضية، ويكنّ مأجورات لا مأزورات، ولذلك سألهن النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ عن وجه جلوسهن فلمّاعلم حالهنّ ندد بهنّ.

وثانياً: أنّ غاية ما يمكن حمل الرواية عليها هو النهي عن اتّباع النساء الجنائز، وقد نقله الترمذي أيضاً تحت هذا العنوان وهو أمر مكروه بالاتّفاق، ويدلّ عليه حديث أُمّ عطية حيث قالت: «نهينا عن اتّباع الجنائز، ولم يعزم علينا».(1)

قوله: «ولم يُعزم علينا» أي ولم يوجب علينا، والمراد انّه لم يقطع علينا بالنهي ليكون حراماً فهو مكروه تنزيهاً.(2)

وأين هذا ممّا نحن فيه من زيارة القبور للنساء حيناً بعد حين؟!

وختاماً نلفت نظر القارئ إلى نكتة، وهي: انّ الإسلام دين الفطرة، والشريعة السهلة السمحة.

قال ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : «إنّ هذا الدين لمتين فأوغلوا فيه برفق».

فمنع المرأة المؤمنة الصالحة التي دفنت فلذة كبدها تحت ركام من التراب عن زيارة قبر ولدها على طرف النقيض من الشريعة السهلة السمحة، التي لا تجبر أحداً على كبت أحاسيسه وعواطفه في قلبه دون إظهارها.

الآن حصحص الحقّ وبان بأجلى مظاهره وتبين انّ القول بالجواز هو القول الحقّ المتعيّن.

أرجو من اللّه سبحانه أن يحقّ الحقّ ويبطل الباطل ويجمع شمل المسلمين، ويرزقهم توحيد الكلمة كما رزقهم كلمة التوحيد، والمسلمون ـ مع تفرّقهم في الفروع والأحكام ـ تجمعهم مشتركات عديدة.


1-سنن ابن ماجة: 1/502، باب ما جاء في اتباع النساء الجنائز، الحديث 1578.
2-سنن ابن ماجة: 1/502، باب ما جاء في اتباع النساء الجنائز، الحديث 1578.


(261)

ولنعم ما قال شاعر الأهرام:

إنّا لتجمعنـا العقيـدة أُمّـة * ويضمّنا دين الهدى اتباعا

ويؤلّف الإسلام بين قلوبنا * مهما ذهبنا في الهوى أشياعا

وفي الختام نعكس رأي الإمامية في مسألة زيارة القبور للنساء ونكتفي بكلمة العلاّمة الحلي في كتاب «منتهى المطلب» الذي ألّفه في الفقه المقارن، قال:

الرابع: يجوز للنساء زيارة القبور، وعن أحمد روايتان: إحداهما: الكراهة.

لنا: ما رواه الجمهور عن النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها» وهو بعمومه يتناول النساء.

وعن ابن أبي مليكة انّه قال لعائشة: يا أُمّ المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن، فقلت لها: قد نهى رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، قد نهى ثمّ أمر بزيارتها.(1)

ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ عن يونس، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: إنّ فاطمة ـ  عليها السَّلام ـ كانت تأتي قبور الشهداء في كلّ غداة سبت، فتأتي قبر حمزة و تترحم عليه وتستغفر له(2).(3)


1-المستدرك: للحاكم: 1/376; سنن البيهقي: 4/78.
2-مرّ مصدر الرواية ولاحظ التهذيب للشيخ الطوسي: 1/465 برقم 1523.
3-منتهى المطلب: 7/430.


(262)

11

معجم المصطلحات

لكلّ علم مصطلحاتٌ خاصّة يستعين بها الأُستاذ والمدرّس عندما يريد أداء المعنى الكثير باللفظ القليل ... وهذا هو في الحقيقة دور «الإصطلاح والمصطَلَح» في جميع المعارف والعلوم، ولأجل ذلك لا ترى علماً إلاّ وفيه مصطلحات خاصة لمفاهيم معيّنة قام بوضعها البارعون في ذلك العلم بهدف التسهيل والتيسير في مقام الإفادة والتعليم.

ومن هنا ينبغي أن يقوم المعلّم والمدّرس بتبيين المصطلحات المهمة قبل تدريس المادّة العلمية، ليكون ذلك وسيلةً فعّالةً وناجعةً لفهم ما سيمرّ على المتعلّم في أثناء الدرس بسهولة ويسر.

من هذا المنطلق نَهضَ ثلّةٌ من العلماء بجمع ونضد المصطلحات الموضوعة في العلوم خدمة لهذا الهدف العظيم.

غير أنّ بين المؤلّفين من جمع مصطلحات العلوم الدارجة في كتاب واحد، وهناك من اقتصر على تبيين مصطلحات علم أو علمين بينهما صلة.

وممّا أُلِّف في المجال الأوّل:

1ـ «كشّاف اصطلاحات الفنون» تأليف: محمد أعلى بن علي التهانوي، من


(263)

منشورات الخيام، وقد طبع بالأُوفست على طبعة كلكتا عام 1862 م.

2ـ «مصباح السعادة ومفتاح السيادة» تأليف: طاش كبرى زاده (المتوفّى962م).

3ـ «جامع العلوم والحِكم» المعروف بـ «دستور العلماء» تأليف: أحمد نگريبك.

4ـ «التعريفات» تأليف: السيد شريف الجرجاني (المتوفّى 816هـ).

وممّا أُلِّف في المجال الثاني:

1ـ «رسالة الحدود والحقائق» تأليف: الشريف المرتضى، وهي مطبوعة ضمن رسائل الشريف نفسه.

2ـ «المقدمة للألفاظ المتداولة بين المتكلّمين» تأليف الشيخ الطوسي ـ رحمه اللّه ـ (المتوفّى460 هـ).

3ـ «الحدود والحقائق في شرح الألفاظ المصطلحة بين متكلّمي الإمامية» تأليف القاضي أشرف الدين صاعد البريدي الآبي، ذكره الشيخ منتجب الدين في الفهرست، وقال عنه: «فاضل متبحّر، له تصانيف» (1).

وقد طبع بتحقيق الدكتور حسين علي محفوظ ببغداد مطبعة المعارف عام 1970م.

4ـ «الحدود» تأليف الشيخ معين الدين، أُستاذ الشيخ رشيد الدين عبد الجليل الرازي الذي هو من مشايخ الشيخ منتجب الدين الذي كان حيّاً في سنة 585هـ، وتوفّي بعد ذلك بقليل فيكون المؤلّف من مشايخ أُواخر القرن الخامس(2).


1-منتجب الدين: الفهرست، ص 100 برقم 202.
2-المصدر نفسه: ص 15 برقم 15.


(264)

5 ـ «الحدود» تأليف: الشيخ زين الدين أبي الحسن علي بن عبد الجليل البيّاضي، المتكلّم، نزيل دار الرقابة في الريّ، ذكره الشيخ منتجب الدين في فهرسته(1).

6 ـ «الحدود» تأليف النقيب أبي طالب الاسترأبادي ترجمه ابن شهر آشوب في «معالم العلماء» وذكر من تصانيفه: المقدمة، والحدود، والأبواب، والفصول لذوي الألباب والعقول(2).

7 ـ «اصطلاحات الصوفيّة» تأليف: الشيخ كمال الدين أبي الغنائم عبد الرزاق بن جمال الدين الكاشي (المتوفّى سنة 730 هـ) (3).

8 ـ «الحدود» تأليف: الشيخ الإمام قطب الدين المقري النيسابوري من مشايخ السيد ضياء الدين أبي الرضا فضل اللّه الراوندي (المتوفّى حدود 547 هـ) ذكره الشيخ منتجب الدين في فهرسته (4).

وهذا هو الكتاب الذي يزفّه الطبع الآن إلى القرّاء الكرام.

وقد كاد هذا الكتاب أن تعصف به عواصف الزمان وتؤدي به طوارق الحدثان لولا أنّ شيخنا المحقّق الدكتور محمود «يزدي فاضل» دام علاه، شمّر عن ساعد الجد، فقام ـ بعد العثور على نسخة فريدة في بابها منه ـ بتحقيقه والتعليق عليه وتصحيحه بعناية فائقة، جديرة بالتقدير، وسيقف القارئ بنفسه على خصوصيّة تلك النسخة وميزاتها في مقدمته كما يقف على ترجمة المصنّف فيها على


1-المصدر نفسه: ص 114 برقم 236.
2-معالم العلماء: 136 برقم 932.
3-الچلبي: كشف الظنون 1/11.
4- الفهرست: 157 برقم 363.


(265)

حد ما وقف عليه المحقّق في المعاجم.

وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ هذه الكتب وأمثالها المؤلفة في مختلف المجالات كانت النواة الأُولى لتأليف دائرة المعارف الرائجة في هذه العصور.

فإنّ مؤلّفي دائرة المعارف استمدّوا ويستمدّون من تلك الكتب والمصنّفات في تبيين مصطلحات العلوم من دون عناء وبذل جهد كبير.

وفي الختام نتقدم بالشكر للأُستاذ الفاضل المحقّق إذ سدّ فراغاً موجوداً في المكتبة الكلامية بتحقيق ونشر هذا الكتاب، فإنّ بعض ما أُلّف في هذا المجال قد عفا عليه الدهر، ولم يبق منه إلاّ الاسم في معاجم الكتب والمؤلّفين، بل إنّ قسماً منها لم يدخل حتى في هذه المعاجم، فللّهِ درّ المؤلف، حيث قد أوضح في كتابه القيّم هذا (444) مصطلحاً كلاميّاً مبثوثاً في كتب المنطق والكلام والفلسفة.

فسلام اللّه على المؤلّف، والمحقق ولهما منّا جميعاً الشكر الجزيل والتقدير الصادق الخالص.

جعفر السبحاني

28 / محرم الحرام / 1414 هـ

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـعليهالسلامـ


(266)

12

العلاّمة الحلّي

و

موسوعاتهالفقهيّة

الحمد للّه ربّ العالمين،والصلاة والسلام على خير خلقه محمد و آله الطاهرين ، الغرّ الميامين

أمّا بعد، فانّه سبحانه ـ بمقتضى حكمته ـ لم يخلق الإنسان سدى، و هو القائل: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً)(1) و (ما خَلَقْتُ الجنّ وَالإِنْس إِلاّ لِيَعْبُدُون).(2)

ثمّ إنّه سبحانه عزّز تحقيق تلك الغاية السامية ببعث أنبيائه ورسله، وإنزال الكتب معهم ليُري معالم الحق ومزالق الباطل عبر القرون والأجيال، إلى أن بعث اللّه سبحانه محمداً ـ نذيراً و بشيراً بالحق ـ لإنجاز عدته و إتمام نبوته، مأخوذاً على النبيين ميثاقه، مشهورة سماته، كريماً ميلاده، وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة، وأهواء منتشرة، وطرائق متشتتة، بين مشبّه للّه بخلقه، أو ملحد في أسمائه، أو مشير إلى غيره، فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكانه من الجلالة.

بعثه سبحانه بدلائل ساطعة، ومعاجز باهرة، يحتج بها على الناس، و من معاجزه الخالدة شريعته المتبلورة في الواجبات والمندوبات والمكروهات


1-المؤمنون: 115 .
2-الذاريات: 56 .


(267)

والمحرمات على مختلف الأصعدة.

إنّ شريعة كشريعة الإسلام والتي تلبِّي كافة متطلبات الإنسان في ماضيه وحاضره ومستقبله لا يمكن أن تصدر عن إنسان مهما بلغ من الفكر والتعقّل مالم تدعمه السماء، و يتجلّى ذلك بوضوح في شموليتها للأحكام الفردية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها من جوانب حياة الإنسان.

لا شكّ انّ القرآن هو معجزة النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ الخالدة بيد انّ هناك معاجز أُخرى غير القرآن ومن أبرزها تشريعات الإسلام وأحكامه الواردة في الكتاب والسنّة لا سيما المروية عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، فإنّ تلك الثمار اليانعة التي تتجاوب مع فطرة الإنسان ولا تختلف عنها قيد شعرة، لدليل واضح على أنّها ليست ثمرة تؤتي أُكلها في حين دون حين، بل هي ثمرة شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.

ثمّ إنّ الفقهاء على مرّ العصور تداولوا أمر هذه الشريعة بالبحث والدراسة والتحليل حتى خرجوا بنتائج باهرة في مجال الفقه والأحكام فكتبوا موسوعات وكتباً ورسائل لغايات شتى.

فالموسوعة لمن رام خوض غمار الفقه واقتحام لُجَّته، والكتب الفقهية للمتوسطين في هذا الفن، وأمّا الرسائل والمتون الفقهية فقد وضعوها للمبتدئين.

ومن حسن الحظ انّ مؤلفنا الكبير ـ الذي نحن بصدد تسليط الأضواء على جانب من سيرته ـ أعني: الإمام جمال الدين أبا منصور الحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلاّمة الحلّي (648ـ 726هـ) قد برع في هذا الفن براعة لا يدانيه أحد، فألف موسوعات فقهية ذات مجلدات ضخمة كـ«تذكرة الفقهاء»، و«منتهى المطلب» وغيرها.

كما ألف كتباً متوسطة في الفقه بين الاختصار والاستيعاب كـ«قواعد


(268)

الأحكام في معرفة الحلال»، و «تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية»، و «نهاية الأحكام في معرفة الاحكام».

كما قام بتأليف متون مختصرة للمبتدئين كـ«إرشاد الأذهان إلى أحكام الإسلام» و «تبصرة المتعلمين».

وهذا الكتاب الأخير الذي نحن بصدد التقديم لشرح من شروحه قد استأثر باهتمام واسع حيث أكبّ عليه العلماء بالدراسة والتعليقة والشرح حتى تجاوزت الشروح والتعاليق عليه 30 شرحاً، أورد أسماء طائفة كبيرة منها الشيخ الطهراني في ذريعته (1)، كما تجد أسماء 31 شرحاً في مقدمة محقق كتاب شرح التبصرة للشيخ ضياء الدين العراقي.(2)

كما ذكر قسماً منها زميلنا المغفور له السيد عبد العزيز الطباطبائي(3).

وهذا الإقبال الواسع من قبل العلماء والفقهاء دليل على أنّ الكتاب قد حاز شهرة واسعة في الأوساط العلمية.

هذا ويعرفه مؤلّفه العلاّمة الحلي بقوله: هذا الكتاب الموسوم بتبصرة المتعلمين في أحكام الدين وضعناه لإرشاد المبتدئين وإفادة الطالبين مستمدين من اللّه المعونة والتوفيق فانّه أكرم المعطين.(4)

تزامن الجمود والازدهار في عصر واحد

انتاب الفقه في البيئات الشيعية في القرن السادس والسابع موجة من


1-الذريعة: 3 / 321 ـ 322.
2-شرح التبصرة: للشيخ ضياء الدين العراقي: 1 / 11، قسم المقدمة.
3-مكتبة العلامة الحلي: 76 .
4-تبصرة المتعلمين: خطبة الكتاب.


(269)

الازدهار والنضوج على يد فقهاء كبار.

كالشيخ نجيب الدين محمد بن جعفر بن هبة اللّه بن نما المشتهر بابن نما (المتوفّى عام 645هـ).

وجعفر بن حسن بن عيسى المشتهر بالمحقّق الحلي(602ـ 676هـ) صاحب كتاب الشرائع وهو غني عن الإطراء والتعريف.

و نجيب الدين يحيى بن سعيد الهذليّ(601ـ 690هـ).

إلى غير ذلك من مشايخ الفقه والاجتهاد.

وقد تربى العلامة على يد الأخيرين من مشايخه في الحلة التي بلغ عدد الفقهاء فيها يومذاك ما يربو على 440 فقيهاً.(1) فكان عصره عصر الازدهار الفقهي حيث تم فيه تخريج حجم هائل من الفروع على وجه لا نجد له مثيلاً من بين سائر العصور.

وهذا كتابه «تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية» مشحون بتخريج الفروع واستنباط الأحكام من الأُصول .

في حين انّ الفقه السنّي في ذينك القرنين دخل مرحلة الخمود والجمود و ضمور الإبداع، يقول مصطفى أحمد الزرقاء في معرض حديثه عن القرن السابع: وفي هذا الدور أخذ الفقه بالانحطاط، فقد بدأ في أوائله بالركود وانتهى في أواخره إلى الجمود، وقد ساد في هذا العصر الفكر التقليدي المغلق، وانصرفت الأفكار عن تلمس العلل والمقاصد الشرعية في فقه الأحكام إلى الحفظ الجاف، والاكتفاء بتقبل كلّ ما في الكتب المذهبية دون مناقشة، وطفق يتضاءل ويغيب ذلك النشاط الذي كان لحركة التخريج والترجيح والتنظيم في فقه المذاهب، وأصبح مريد الفقه


1-رياض العلماء: 1 / 361 .


(270)

يدرس كتاب فقيه معين من رجال مذهبه فلا ينظر إلى الشريعة وفقهها إلاّ من خلال سطوره، بعد أن كان مريد الفقه قبلاً يدرس القرآن والسنة، وأُصول الشرع ومقاصده.

وقد أصبحت المؤلفات الفقهية ـ إلاّ القليل ـ أواخر هذا العصر اختصاراً لما وجد من المؤلفات السابقة أو شرحاً له، فانحصر العمل الفقهي في ترديد ما سبق، ودراسة الألفاظ وحفظها، وفي أواخر هذاالدور حلّ الفكر العامي محل الفكر العلمي لدى كثير من متأخري رجال المذاهب الفقهية.(1)

المصنف في سطور

إنّ العلاّمة الحلّي غني عن الإطراء والتعريف، فقد ذكره غير واحد من كبار علماء الفريقين.

فهذا هو الصفدي يعرفه بقوله: الإمام العلاّمة ذو الفنون،عالم الشيعة وفقيههم، صاحب التصانيف التي اشتهرت في حياته، إلى أن قال: و كان إماماً في الكلام والمعقولات.(2)

وعرّفه ابن حجر في لسان الميزان بقوله:عالم الشيعة وإمامهم، ومصنفهم، وكان آية في الذكاء، وكان مشتهر الذكر، حسن الأخلاق.(3)

لقد كان العلاّمة الحلي ملماً بشتى العلوم الإسلامية المعروفة آنذاك دراسة وتدريساً وتأليفاً وكان أثره واضحاً على جميع من تلمذ عنده، أمثال:

1. فخر المحقّقين(682ـ 771هـ)، وكفى في جلالة قدره وطول باعه ما


1-المدخل الفقهي العام: 1 / 186 ـ 187، ط دار الفكر.
2-الوافي بالوفيات: 13 / 85، برقم 79 .
3-لسان الميزان: 2 / 317 .


(271)

ذكره الفيروز آبادى (729ـ 817هـ) صاحب «القاموس المحيط » في حقه، حيث قال: ...عن شيخي و مولاي،علاّمة الدنيا، بحر العلوم،وطود العلى، فخر الدين، أبي طالب، محمد بن الشيخ الإمام الأعظم، برهان علماء الأُمم، جمال الدين أبي منصور، الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي.(1)

2. مجد الدين أبو الفوارس محمد بن علي بن الأعرج الحسيني، يعرفه ابن الفوطي بقوله:اجتمعت به عند النقيب علي بن موسى بن طاووس، و قال: رأيته جميل السمة، وقوراً، ديّناً، عالماً بالفقه.(2)

ورثاه صفي الدين الحلي بقصيدة مطلعها:

صروف الليالي لا يدوم لها عهد * وأيد المنـايا لا يطـاق لهـا ردّ(3)

3. ولد أبي الفوارس عميد الدين بن عبد المطلب(681ـ 754هـ).

4. نجله الآخر ضياء الدين بن عبد المطلب (كان حياً 740هـ).

5. مهنّا بن سنان بن عبد الوهاب الحسيني المدني (المتوفّى عام 754هـ).

وقد ألّف كتاباً أجاب فيه على عدّة مسائل، أسماه «المسائل المهنائية».

إلى غير ذلك من الشخصيات اللامعة في سماء الفقه والأُصول والكلام.

لا شكّ انّ العلاّمة الحلّي قد خلّف تراثاً علمياً ضخماً أغنى المكتبة الشيعية، تمثل في مؤلفاته وتصانيفه فقد خاض في أكثر العلوم الإسلامية من فقه وكلام وأُصول ورجال وتفسير وفلسفة ومنطق إلى غير ذلك.

وكفى انّه ألّف في حقل المعقول والكلام ما يربو على 20 كتاباً ورسالة، كما


1-الجاسوس على القاموس، تأليف أحمد فارسي أفندي: 130 .
2-مجمع الآداب في معجم الألقاب: 4 / 519 .
3-ديوان صفي الدين الحلي: 371 .


(272)

أنّه ألّف في حقّل الفقه عدة دورات بين موسوعة وكتاب ومختصر.

فآثاره المتنوعة تنم عن نبوغه ونظره الثاقب واستيعابه كافة العلوم.

وقد سردنا أسماء مصنفاته في المعقول عند تقديمنا لكتاب «نهاية المرام في علم الكلام» كما ذكرنا أسماء مصنفاته في الفقه في كتابنا «تذكرة الأعيان».(1)

و من آثاره الفقهية المختصرة كتاب «تبصرة المتعلمين في أحكام الدين». والكتاب بوجازته وسلاسة ألفاظه صار موضع اهتمام الفقهاء منذ عصر مؤلفه إلى يومنا هذا فتولوه بالشرح والتعليق، والذي منها شرح أُستاذنا الكبير، العلاّمة المحقّق الشيخ محمد علي بن محمد طاهر الخياباني التبريزي المشهور بالمدرس(1296ـ 1373هـ).

وبما انّ الشارح أحد أساتذتي الكبار و كان قدوة لي، و إرشاده معيناً لي على شقّ طريقي الحافل بالأشواك، فيسرني أن أكتب شيئاً عن سيرته وترجمته وما عاناه من الظروف الحالكة التي مرّت به، و زادت عليه انّه بقي مغمور الذكر، مجهول القدر رغم تضلّعه وبراعته في أغلب العلوم الإسلامية.

ترجمة الشارح وسيرته الذاتية

ولد قدَّس سرَّه في مدينة تبريز عام 1296هـ ،فقرأ الأدب الفارسي والعربي في مسقط رأسه على مشايخ عصره، فبلغ في الأدب العربي مقاماً شامخاً حيث درس المعلّقات السبع والمقامات الحريرية وغيرها من كتب الأدب، و من فرط شغفه بها انّه راح يحفظ عن ظهر قلب كلّ ما وقع عليه بصره، من المتون ، كتهذيب المنطق،


1-تذكرة الأعيان: 251 ـ 262 .


(273)

وألفية بن مالك وغيرهما.

وفي ظل اختماره بالأدب العربي ألف كتاب «غاية المنى في تحقيق الكنى» فقد جمع في ذلك الكنى الرائجة في لغة العرب المستعملة في غير الإنسان.

كما قام بجمع ما آثر من الأشعار عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وجمعها في 12 باباً على عدد الأئمة الاثني عشر، فشرح لغاتها المشكلة.

والحق انّه كان أُستاذاً بارعاً في الأدب العربي بالمعنى الرائج في ذلك الزمان، ولم يكتف بذلك بل انّه راح يتردد على إندية دروس الفقه والأُصول لمراجع عصره وفطاحل دهره، أمثال:

1. المرجع الديني الفقيه السيد أبو الحسن المعروف بالأنگجي(1282ـ 1357هـ).

2. المرجع الديني المحقّق الآغا ميرزا صادق التبريزي(1274ـ 1351هـ).

فقد طوى عليهما من عمره الشريف أعواماً لا يستهان بها فألف في مجال الفقه طيلة تتلمذه على العلمين الجليلين كتاب «حياض الزلائل في رياض المسائل» تعليقة على الشرح الكبير المعروف بـ«رياض المسائل»، ألفه عام 1324 وقد ناهز من العمر 28 عاماً .

إنّ شيخنا الأُستاذ مع أنّه كان فقيهاً أُصولياً ولكن شغفه بتعلّم ما راج من العلوم دفع به إلى الحضور في دروس المعقول والكلام على يد الشيخ ميرزا علي اللنكراني الذي كان من تلاميذ الفيلسوف الكبير المعروف بـ«جلوة»، كما برع في الرياضيات والهيئة على يد الأُستاذ ميرزا علي المعروف بـ«المنجم» وقد بلغ ولعه بالعلوم الإسلامية بمكان انّه قام بمفرده بكتابة دائرة معارف أسماها «قاموس


(274)

المعارف» و سيوافيك شرحها.

كلمات العلماء في حقّه

1. يعرّفه معاصره المؤرّخ الحاج ميرزا علي الواعظالخياباني بقوله:

عالم، محقق، نحرير، وفاضل مضطلع خبير، حبر أديب أعلم، وبحر زاخر عيلم، جامع فنون الفضائل والكمالات، حائز قصب السبق في مضامير السعادات، عالم، بارع، جامع، ما من علم من العلوم إلاّقد حلّ في أعماقه، وما من فن من الفنون إلاّوقد شرب من عذبه وزعافه، كانت له في اقتناء العلم والأدب همة تزاحم الأفلاك وتزاعم بعلوّقدرها الأملاك.(1)

2. ويعرّفه أيضاً سيدنا الجليل السيد محمد الحجة في إجازته له بقوله: لقد استجاز منّي في الرواية ونقل أحاديث أهل بيت العصمة العالم العامل، والفاضل الكامل أبو الفواضل والفضائل، قرة عين الفضل والكمال، وقرة جبين العلم والإفضال، صاحب المقامات العلمية والعملية وحاوي المكارم الصورية والمعنوية.(2)

3. كما يعرّفه العلاّمة الحجة السيد هبة الدين الشهرستاني بقوله: شيخنا الأجل الأفضل انموزج عصابتنا البحّاثة في العصر الأوّل، حضرة العالم الفاضل والمحدث المحقّق الكامل، صفوة المؤلفين الأماثل، وليّنا الصفي الروحاني، المولى محمد علي التبريزي الخياباني(حياه اللّه وحباه بنيل الرغائب والأماني).(3)


1-العلماء المعاصرون: 405 .
2-ريحانة الأدب: مقدمة الجزء الثامن.
3-المصدر نفسه .


(275)

مشايخ روايته

لقد استجازقدَّس سرَّه من مشايخ عصره فأجازوا له الرواية بأسانيدهم المذكورة في إجازاتهم، منهم:

1. العلاّمة الحجّة السيد محمد الحجّة الكوهكمري (1301ـ 1372هـ) فقد أجازه وصرّح بكونه ممّن ارتقى من حضيرة التقليد إلى أوج الاجتهاد.

2. السيد السند آية اللّه السيد صدر الدين الموسوي العاملي(1299ـ1373هـ)، فقد أجازه أن يروي عنه كما صرح في اجتهاده.

3. المرجع الديني السيد محسن الحكيم (1306ـ 1389هـ) فقد أجاز له أن يروى عنه كلّما صحت روايته عنه.

4. الشيخ والمصلح الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (1294ـ 1373هـ) فقد أجازه أن يروي عنه.

5. العلاّمة الحجّة الشيخ عبد الحسين الرشتي.

إلى غير ذلك من مشايخ إجازته الذين أجازوا للمؤلف وأطروه و قدروا جهوده و ثمّنوا كتبه.

وقد طبعت صور الإجازات في مقدمة الجزء الثامن من كتابه ريحانة الأدب.

آثاره العلمية

لقد كان شيخنا الفقيد يضنُّ بوقته الثمين منذ أوان شبابه إلى أن وافته المنيّة. فلم يكن يهتم إلاّ بالتدريس والمطالعة والكتابة، وقلما تجده يغادر داره إلاّ لحاجات ضرورية، وبلغ به الأمر انّه كان يعقد أندية دروسه في داره، ولأجل ذلك


(276)

خلَّف آثاراً جليلة في مختلف العلوم، وكان بعض ت آليفه بمفرده يستوعب عمر كاتب، وإليك الإشارة إلى تلك الآثار وفقاً لتسلسلها الزمني:

1. «حياض الزلائل في رياض المسائل» تعليقة على قسم الطهارة من رياض المسائل، الذي كان كتاباً دراسياً في أكثر الجامعات الإسلامية نظراً لعمقه ودقته. وهو مشحون بالأمر بالتأمّل في أكثر مسائله، وقد فرغ شيخنا الأُستاذ من تعليقته عام 1324 هـ، و يقع في 428 صفحة من القطع الوزيري، و هو بعدُ لم ير النور.

2. «غاية المنى في تحقيق الكنى» والكتاب لبيان الكنى العربية المستعملة في غير الإنسان، فرغ منه عام 1331هـ.

3. «قاموس المعارف» وهو بيت القصيد في ت آليفه، ويعد دائرة معارف باللغة الفارسية يحتوي على 45000 عنوان دارجاً في اللغة الفارسية سواء أكان أصيلاً أم دخيلاً ، فقد قام بشرح ما يرجع إلى الكلام والفلسفة، والملل والنحل،والنجوم، والرياضيات،والعروض، والتاريخ، والأدب وغير ذلك، و فرغ منه عام 1345هـ.

وقد سمعت منه قدَّس سرَّه انّه استغرق تأليفه 17 عاماًو اشتملت مقدمتُه على قواعد اللغة الفارسية، وهي جديرة بطبعها على حدة، والكتاب يقع في ستة مجلدات ضخام، يبلغ عدد صفحاتها 4007 صفحات. والكتاب لم ير النور عسى أن يقيِّض اللّه له الهمم العالية لنشره وتحقيقه.

وهو قدَّس سرَّه يصف الظروف الصعبة التي قام بتأليف هذا الكتاب فيها بقوله:

«وشرعت بعد الاستمداد من العناية الإلهية في تأليف كتاب «قاموسالمعارف» الذي يحكي لفظه عن معناه واسمه عن مسمّاه حتى انتهت


(277)

أيّام حياتي إلى سنة ست وثلاثين من هجرة سيد البشر(1336هـ) التي وقائعها انموذج من وقائع المحشر، فابتليت بحوادث جمَّة وفجائع عمة، واختلت الأحوال بحيث صار الفؤاد في غشاء من نبال، وذلك لتلاطم أمواج الفتن، وتراكم سحائب المحن في كافة بلاد إيران ولا سيما اذربايجان و خصوصاً، والاخوان، فلقد جرّد الدهر عليهم سيف العدوان، فطرحت الأوراق في زوايا الهجران متلهفاً على فراق الأحبة، ومتأسفاً على مفارقة الأعزّة.

مضافاً إلى القحط الشديد والغلاء الأكيد مع شيوع مرض الحصبة فهلك جمع كثير وجم غفير بين الوباء والجوع، فبقيت على تلك الحال غريقاً في لجج الملال، بحيث لا أعرف اليمين من اليسار، ولا الليل من النهار.

ثمّ يذكر انّه عاد إليه شغفه وشوقه بالدراسة والكتابة، فرجع إلى ما جمع وأكمل الكتاب بفضل من اللّه سبحانه.(1)

ويشير شيخنا الأُستاذ إلى الظروف الصعبة التي مرّ بها، وتتلخص في النقاط التالية:

1. نشوب الحرب العالمية الأُولى وتطاير شررها من الغرب إلى الشرق حتى وصلت إيران، فأصبحت ميداناً تجول فيه القوات الغازية كالقوات العثمانية والتزارية والانكليزية في ظروف مختلفة.

2. تفشّي الوباء والجوع في المنطقة.

3. نشوب الفتن والحروب الداخلية بين مؤيدي ثورة الدستور ومخالفيهم، وكان لاذربايجان السهم الأوفر من هذه الفتن والمحن حيث دارت الحروب الأهلية في مدينة تبريز شهوراً بل أعواماً على قدم وساق.


1-ترجمة المؤلف في آخر التحفة المهدوية بقلمه: 114 .


(278)

ففي خضمِّ هذه الأوضاع الصعبة للغاية قام المؤلف بتأليف «قاموسالمعارف» بعد نكسة ألّمت به إبّان تأليفه، مما ينم عن شغفه بالعلم، وتفانيه في التأليف.

4.«فرهنگ نوبهار» معجم باللغة الفارسية يحتوي على 19 ألف كلمة، طبع عام 1348هـ في تبريز في جزءين.

5. «فرهنگ بهارستان» جمع فيه الكلمات المترادفة في اللغة الفارسية على غرار «سرّ الأدب» للثعالبي في اللغة العربية، فرغ منه عام 1348هـ.

6. «الدر الثمين أو ديوان المعصومين» جمع فيه الأشعار المنسوبة إلى أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وبيّـن لغاتها وأوضح معانيها، والكتاب بديع في بابه وهو ينمّ عن تضلّعه بالأدب العربي، و قد طبع الجزء الثاني منه تحت عنوان «التحفة المهدوية» عام 1354هـ دون الجزء الأوّل.

7. «نثر اللآلي في شرح نظم اللآلي» والمتن للسيد أبي القاسم المقرئ المعروف في عهد شاه عباس الثاني، فرغ من تأليفه 1363هـ و قد طبع على الحجر بخط الكاتب طاهر خوشنويس، و قد قرأت المتن على يد شيخنا الأُستاذ و كان يبيّض في ذلك الحين شرحه.

8. «فرهنگ نگارستان» معجم كبير باللغة الفارسية في 5 مجلدات كبار من القطع الوزيري يحتوي على 55 ألف لغة بين مفرد و مركب، و قد بلغ عدد صفحاته 3315 صفحة، فرغ منه عام 1359هـ، والكتاب نفيس في بابه لم ير النور.

9.« الأمثال والحكم» الدارجة في اللغة التركية الآذرية، يقع في 307 صفحات أورد فيه الأمثال والحكم الشائعة بين الآذريين جمعها من الكتب وأفواه


(279)

الرجال.

10. «ريحانة الأدب في تراجم المعروفين بالكنية أو اللقب»، و الكتاب يحتوي على تراجم العلماء والفقهاء والفلاسفة والحكماء، والعرفاء والأطباء والشعراء والأُدباء والمحدثين وأصحاب أئمّة أهل البيت الذين اشتهروا بالكنية أو اللقب، والكتاب باللغة الفارسية فريد في بابه، طبع عدة مرات .

وهو من أهم المصادر في التراجم اعتمد عليه ـ منذ نشر ـ العديد من المحقّقين والكتاّب، يقع في ثمانية أجزاء من القطع الوزيري، فرغ من تأليفه عام 1364هـ، و مع ذلك فكان يملأ ما تخلله من نقص بإضافات هامة.

والناظر في الكتاب يقف على مدى ما كابد و عانى في سبيل تأليف هذا الكتاب وجمع شوارده، وقد ضمَّ إلى ترجمته ما وقف على صور المترجمين وخطوطهم وقدكان هذا النوع من التأليف جديداً في بابه يوم ذاك، و كان يتمثل في التعريف بهذا الكتاب بقول القائل:

وقد اهديت ريحاناً ظريفاً * به حاجيت مستمعي مقالي

وريحان النبات يعيش يوماً * وليس يموت ريحان المقال

11. «كفاية المحصلين في تبصرة أحكام الدين» وهو شرح مزجي لتبصرة العلاّمة الحلّي في جزءين فرغ من تأليفه عام 1349هـ.

وهو قدَّس سرَّه يبيّن ملامح شرحه لهذا الكتاب، ويقول:

إنّي رأيت كتاب «تبصرة المتعلمين في أحكام الدين» للعالم البارع، والنور الساطع، حافظ ناموس الهداية، و كاسر ناقوس الغواية، مكسّر شوكة المخالفين جمال الملة والدين آية اللّه في العالمين، العلاّمة على الإطلاق المشتهر في الآفاق


(280)

أبي منصور حسن بن الشيخ صدر الدين يوسف بن علي بن مطهر الحلي قدَّس سرَّه مع إيجازه محتوياً على رؤوس الأحكام الدينية وأُمّهاتها، مع اختصاره مشتملاً على جلّ الفروعات الفقهيّة ومهمّاتها،ولم يكن له شرح يكشف الحجاب عن معضلاته،ويرفع النقاب عن مشكلاته، فحداني ذلك إلى كتابة وجيزة فاتحة لمغلقه، ومقيّدة لمطلقه. فاستعنت اللّه وتوكلت عليه، و أضفت هذه الفوائد إليه، مراعياً فيه شريطة الاختصار، ومتجافياً عن وصمة الإطالة والإكثار، فإنّ الإيجاز قد يُخلّ، والإطناب قد يُملّ، ولم أعتمد في الأغلب إلاّعلى تنقيح مقاصده ومبانيه، وتوضيح ألفاظه ومعانيه، فانّ التفسير غيرالرد،والتقرير غير النقد.(1)

وقد طبع الجزء الأوّل منه عام 1354هـ بالطبعة الحجرية، ومنذ ذاك الحين تداولته الأيدي بالمطالعة والدراسة، وبقي الجزء الثاني مغموراً، محفوظاً في مكتبته قدَّس سرَّه كسائر آثاره التي لم تر النور.

ولما كان لهذا الكتاب عناية خاصة بتبيين مقاصد الماتن على وجه يزيل كلّ إبهام و غموض، وذلك بجعل الشرح ممزوجاً في المتن كانّهما صدرا من كاتب واحد، طلب غير واحد من أساتذة الجامعات الإسلامية من نجله الفاضل الأُستاذ علي أصغر مدرس طبع الجزءين بصورة تتلاءم مع روح العصر. وقد أوكل ـ حفظه اللّه ـ هذه المهمة إليّ فبعث بالكتاب مع الجزء المخطوط، وبقي عندي إلى أن اقترحت على زميلنا العزيز الدكتور مهدي محقق أُستاذ جامعة طهران، و رئيس قسم صيانة الآثار الوطنية، أن يقوم بنشر هذا الكتاب لما للمؤلف من حقوق على العلم وأهله عامة، وعليه خاصة. وقد استجاب لطلبي مشكوراً على أن يطبع الكتاب تحت إشرافي بحلة قشيبة.


1-مقدمة كفاية المحصلين في تبصرة أحكام الدين.


(281)

فقامت لجنة التحقيق في مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ بتحقيق الكتاب وتشكيل ما أُبهم من الكلم، و فصل المتون عن الشرح بأقواس خاصة مع تخريج مصادره، وجعل عناوين في الكتاب للمسائل الهامة إلى غير ذلك من المهام الرائجة في تحقيق الآثار الخطية.

ومؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ تقدم باقة الزهور هذه لروّاد الفقه في الجامعة الإسلامية على أمل أن تعطِّر مشامّهم برياحينها شاكرة للأُستاذ الدكتور مهدي محقق مساهمته في سبيل نشر الكتاب على وجه لولاه لبقي الكتاب رهين الرفوف كسائر آثار المؤلف المخطوطة.

ملامح من سيرته

كان لشيخنا الفقيد ملامح خاصة في حياته، تعد من أبرز سمات خُلقه وسلوكه، ونحن نشير إلى ما لمسناه منه طيلة مصاحبتنا وتتلمذنا عليه.

1. كان قدَّس سرَّه مولعاً بالعلم، مشغوفاً بالمطالعة والكتابة، وكان يثمِّن وقته ولا يضيعه ولا يصرفه إلاّ فيما هو ضروري، وقد لازمته عدة سنين فما رأيته إلاّ بين مطالع وكاتب وحافظ للمتون والأسفار، أو محاضر يلقي محاضراته على تلامذته، ويكفي في شغفه بالعلم انّه إذا وقف على نكتة علمية أو كشف مجهولاً يلتذُّ به أكثر مما يلتذّ به الملوك عند فتح البلدان والاستحواذ على كنوزها، وكان لسان حاله في تلك اللحظات السعيدة، قول القائل: أين الملوك وأبناء الملوك.

2. شارك قدَّس سرَّه في أكثر العلوم الرائجة المتداولة في ذلك الزمان فكان متضلِّعاً في بعضها ومشاركاً في البعض الآخر، فهو في الأدب العربيّ أديب ماهر، و في الفقه فقيه بارع، وفي الرياضيات والنجوم أُستاذ محنَّك، وفي التاريخ أُستاذ بلا منازع ،


(282)

وفي الأدب الفارسي ذا باع طويل قلّما يدانيه أحد.

إلى غير ذلك من العلوم والفنون التي حازها وحفظ نكاتها واستجلى غوامضها، فكنت أتعجب من إحاطته بشوارد العلوم وغوامضها.

ومن الجميل أن نتمثل في حقه بقول شاعر المعرّة حينما زار بغداد و عاد إلى موطنه وسُئل عن الشريف المرتضى بعد عودته فقال:

يا سائلي عنه فيمـا جئت تسألـه * ألا هو الرجـل العاري مـنالعـار

لو جئته لرأيت النـاس في رجـل * والدهر في ساعة والأرض في دار

3. غادر المترجَم قدَّس سرَّه موطنه عام 1364هـ ونزل العاصمة «طهران» وسكن في إحدى المدارس القديمة بغية طبع كتابه «ريحانة الأدب» ، وقد قارب عمره السبعين فكان لا يعرف الغربة ولا العزلة ولا الحرمان من الطعام والشراب ولامفارقة الأهل والعيال، وقد تحمل العناء المُضني في سبيل نشر كتابه وقام بمفرده بتقديم ملازم الكتاب إلى المطبعة وتصحيح أخطائه مرة بعد أُخرى، وتنظيمه وترتيبه إلى أن خرج آخر جزء منه من المطبعة، وقد استغرق من عمره سنين.

وفي الوقت نفسه كان يلقي محاضرات لطلاب المدرسة كي يستحلّ بذلك السكن فيها.

وقلّما نجد إنساناً طاعناً في السن يترك الأهل والعيال ويغادر موطنه ويعيش غريباً وحيداً في زاوية من زوايا المدرسة لغاية علميّة إلاّ الأمثل فالأمثل من الرجال الذين لهم همم عالية تسمو على هذه العلائق والرغبات،وتُقدم الأُمنية على الراحة، وكان شيخنا الأُستاذ من أبرز هؤلاء.

4.كان ـ رحمه اللّه ـ مثالاً بارزاً لإباء النفس، وإظهار الغنى ، و كان ذلك سبباً


(283)

لقضاء معظم حياته بالفقر من دون أن يطّلع عليه أحد من جيرانه ولا أقربائه.

وكان يتموّل بما يرجع إليه الناس في تحرير ما يحتاجون إليه في مجال الزواج والنكاح والأقارير والوصايا إلى غير ذلك ممّا كان دارجاً في عصره، وكان المرجع في ذلك عالم البلد من دون أن يكون هناك مؤسسة خاصة تتبنّى هذه الأعمال.

ولم يكن يستفد من ذلك إلاّ الشيء القليل الذي يسدُّ به رمقه وحياته، لأنّه كان يرى ذلك سبباً لتضييع الوقت.

5. انّه تمتَّع بذهنية منفتحة، وكان يرحِّب بالوسائل والأساليب الجديدة في عالم التعليم والتربية أو سائر مظاهر الحياة، إذا لم يكن مخالفاً للدين، ويرى الرغبة عنها جهلاً بالمصالح، وقد لاقى في ذلك قدَّس سرَّه من المحن والكوارث ما لا يروقني ذكرها.

6. كان قدَّس سرَّه يتمتع بذاكرة وقّادة لا ينسى ما حفظ ، ولأجل ذلك يقرأ عن ظهر قلب كلّ ما حفظه أوان شبابه وكهولته وشيخوخته من دون أن ينسى كلمة أو يقرأ آية أو شعراً خطأ، و بذلك كنّا نسمع منه غرائب الأمثال وعجائب الحكايات و بدائع الأشعار في جميع الأبواب.

7. بما انّ شخصيته كانت ذائبة في العلم والعرفان والكتابة والتدريس فكانت سائر الأُمور عنده أمراً هامشياً، لذلك كان زاهداً في لباسه ومسكنه ومأكله فلا يظهر الرغبة في شيء من زخارف الدنيا إلاّإذا كان سبباً لنيل بغيته.

ومن عجيب الأمر انّ المترجم عاش في بيئة زخرت بالعلم والعلماء ومراجع التقليد، وعلى الرغم من ذلك فقد شاءت الأقدار أن يغمر ذكر العديد منهم و يجهل قدرهم دون أن يعلم بهم الناس، أمثال:

أ: العلاّمة الأوحد الشيخ موسى بن جعفر بن أحمد التبريزي من تلاميذ


(284)

شيخنا الأنصاري والمرجع الكبير السيد حسين الكوهكمري مؤلف «أوثق الوسائل في شرح الرسائل» فقد كان بحراً عيلماً في الفقه والأُصول، ومع ذلك كان مغمور الذكر إلاّ شيئاً لا يذكر .

ب: السيد الجليل ميرزا محمود بن شيخ الإسلام ميرزا علي أصغر الطباطبائي (المتوفّى 1310هـ) أحد الأوحديين في الأدب والتفسير والفقه، المعروف بشيخ الإسلام، وقد رأيت له كتاباً في اللغة على غرار «النهاية» لابن الأثير في جزءين كبيرين قدّمه أحد أحفاده إلى السيد الجليل السيد حسين البروجردي قدَّس سرَّه ليقوم بطبعه، ولكن حالت الأقدار بينه و بين ما يرمي إليه، وكان ـ رحمه اللّه ـ كثيراً ما يتمثل بهذه الأبيات:

تبريز دار لأهل الجهل مُكْرِمة * ولذي الفضائل دار الضنك والضيق

قد عشت فيها كئيباً خائباً خسراً * كأنّني مصحف في بيت زنديق(1)

ج: الشيخ العلاّمة علي بن عبد اللّه العلياري(1236ـ 1327هـ) أحد تلاميذ شيخنا الأنصاري كان فقيهاً، أُصولياً، متكلماً، رياضياً، طبيباً، ماهراً جامعاً للمعقول والمنقول مؤلف «إيضاح الغوامض في تقسيم الفرائض»الذي طبع عام 1318هـ.

وكتابه الكبير في الرجال، أعني: «بهجة الآمال في شرح زبدة المقال» يعرب عن تضلّعه في علم الرجال إلى غير ذلك من الآثار التي خلّفها.والمذكورة في مقدمة كتابه «بهجة الآمال».


1-ريحانة الأدب: 3 / 297 .


(285)

وهو قدَّس سرَّه يصف موطنه وما لاقى فيه من المصائب والمتاعب، بقوله:

فسكنت في أقصاه حتى لا أرى * أحداً ولا أحد لذا يلقاني

ضاقت عليّ الأرض بعد رحبها * فغدت كسَمّ الابرة أوطاني

والمصرع الأخير يعرب عن أنّ البلد مع سعته قد ضاق عليه كسَمِّ الابرة.

د: الفقيه البارع الشيخ محمد إسماعيل المعروف بـ«الفقيه» صاحب الآثار الجليلة في الفقه والهيئة والنجوم(1294ـ 1360هـ) كان أحد أقطاب العلم في تبريز و على الرغم من ذلك فقد جُهل قدره كسائر أقرانه.

والعجب انّه أيضاً كتب شرحاً للتبصرة أسماه «التكملة في شرح التبصرة» وقال في مقدمته: «ولم يكن له شرح يكشف حجابه» (1) و قد ذكر تلك الجملة شيخنا المدرس في مقدمة شرحه مما يعرب عن عدم اطّلاعه على ما كتبه الآخر من الشرح بالرغم من معاصرته له و إقامتهما في نفس البلدة، و قد طبع الجزء الأوّل من شرح الفقيه عام 1338هـ.

إلى غير ذلك من علماء فطاحل أهملهم الناس، ولكنّهم على مضض الزمان كانوا بين التأليف والتدريس والتحقيق ولم يكن بخس الناس حقّهم مانعاً عن أداء الواجب ودفعهم عجلة العلم نحو الأمام.

هذا نزر يسير من أسماء هذه الطبقة الذين جاد بهم الزمان وأنكرت العامة فضلهم وحقوقهم، فعاشوا في زوايا الخمول دون أن يقدّر جهودهم ولعلّها سيرة سائدة في أكثر البلاد، ولذلك نرى أنّ أكثر العلماء يشتكون في كتبهم من مواطنهم


1-التكملة الصفحة الأُولى .


(286)

و مواطينهم، ونعم ما قال الشاعر:

لو كان للمرء من عزّومكرمة * في داره لم يهاجر سيد الرسـل

أُسرته

لقد أعقب شيخنا المدرس ولدين بارّين كالكوكبين في سماء العلم والأخلاق، أحدهما صديقنا الأُستاذ علي أصغر (1331ـ ...) أحد خريجي جامعة طهران قسم الحقوق والعلوم السياسية وله آثار، منها:

1. الأحوال الاجتماعية للعرب قبل الإسلام.

2. تاريخ القضاء في إيران من العهد القديم إلى عهد الدولة القاجارية.

3. تاريخ اليابان.

4. التعاليم الإسلامية.

5. الحق والقانون.

وهو بعدُ كاتب قدير ومحاضر يجذب القلوب، وله في الأدب العربي يد غير قصيرة، وقد سألته مرّة عند ما زار قم المشرفة في الحرم الشريف عن شعر الزمخشري، فقلت: ماذا يعني صاحب الكشاف من هذا البيت.

ومذ أفلح الجهال أيقنت انّني * أنا الميم والأيام أفلح أعلم(1)

فقال ما هذا مثاله:

إنّ الزمخشري يشتكي زمانه، و يقول: فمن زمن بعيد تصدّر الجهّال منصَّة الأُمور، أيقنت انّ مثلي والأيام كمثل الميم والأفلح والأعلم.


1-الكشاف: 3 / 376 .


(287)

والأفلح من شُقَّت شفته العليا، والأعلم من شُقَّت شفته السفلى، فمن كان كذلك فلا يتمكن من التفوّه بالميم لأنّها من الحروف الشفوية، فبينهما مضادة، فهكذا الحال بيني و بين الأيام.

والأُستاذ بعد حي يُرزق مدّاللّه في عمره.

والنجل الآخر الحاج محمد الشاعر البارع باللغتين الفارسية والتركية.

ومن نماذج شعره ما رثى به والده قدَّس سرَّه .

سحرگاه تيرى پريد از كمانى * تنى زو تبه شد، رها گشت جانى

تنى تا نگردد تبه، طاير جان * كجا مى تواند شدن آسمانى

به فصل بهاران كه ديده است يا رب؟ * وزد در چمن زار، باد خزانى

اگر چند او رفت و از درد وارست * رها شد ز شور و شر دار فانى

ولكن ز بار غم هجر رويش * دو تا شد خدنگ قدم چون كمانى

گلى بود بشكفت و روزى بيفسرد * و يا بين اين جمع بُد ميهمانى

بهر حال هر آنچه بُد، رفت وليكن * بدل ماند اين حسرتم جاودانى

كه در طىّ دوران عمرش نكردم * بدان سان كه باشد ره ميزبانى

از ين حسرت افسرده بودم كه ناگه * به گوشم چنين گفت هاتف نهانى


(288)

«مدرس نمرده است هرگز» نميرد * «كه ماندست آثار وى جاودانى»(1)

هكذا كانت أيّام شيخنا المدرس و هكذا مضت وهكذا طُويت أوراق عمره فقد عاش سعيداً ومات سعيداً، وقد اختطفته المنية عام 1373هـ، و دفن في أحد مقابر تبريز ثمّ نُقل إلى قم المشرفة فدفن في مقبرة «شيخان» و قد حك على صخرة قبره، هاتان البيتان:

إنّ الذي صنع الجميل مخلّد * لا سيما في العلم والعرفان

وإذا انقضت أيّام مدّة عمره * فجميل صنع المرء عمر ثان

فسلام اللّه عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حياً.

وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

15 ربيع الثاني من شهور عام 1421هـ


1-ريحانة الأدب: 8 / 14 ـ 15 .


(289)

13

التعدّدية الدينية

نقد وتحليل(1)

التعدّدية الدينية Religious Pluralismمن المسائل الكلامية حديثة الظهور، وقد جرت مؤخراً على الألسن، وصدرت حولها كتب ومقالات مختلفة في بيانها أو نقدها. يتكون عنوان (البيلوراليزم الديني) من كلمتين، هما: «بيلوراليزم» و «ديني» والمفهوم الثاني واضح نوعاً ما، إلاّ انّ المفهوم الأوّل يحتاج إلى بيان.

تستخدم كلمة PLURALاسماً أو صفة، وكذلك تأتي بمعنى «الجمع أو الكثرة».(2) والحقيقة انّ الكلمة المذكورة تشير إلى «الكثرة» و«التعدد». وتكملتها ismتعني تياراً، من هنا استخدمت في مجالات مختلفة أعمّ من الدين، الفلسفة، الأخلاق، الحقوق والسياسة. فمثلاً: (البيلوراليزم السياسي) نوع من التعددية السياسية. كما تشير إلى تعدّد الأحزاب والتشكيلات. والمقصود من «التعدّدية الدينية» ما يقابل الوحدانية والتفرد، أو ما يصطلح عليه«الانحصارية في الدين» في مقابل «الشمولية».

من الضروري قبل تناول المصطلح الإشارة إلى جملة قضايا تعتبر مقدمات


1-كان هذا المقال باللّغة الفارسيّة ونقلته إلى العربيّة مجلة «التوحيد» ونشر في العدد 105، السنة التاسعة عشرة، خريف 1421 هـ / 2000 م .
2-لغتنامه.


(290)

للموضوع:

1. ولادة التعددية ومراحلها التاريخية.

2. تفسير مصطلحي الدين والشريعة.

3. الهدف من إثارة الموضوع.

4. استعراض الموضوع في ضوء خطابات الأنبياء.

المسار التاريخي للتعدّدية

علينا أوّلاً أن نحدّد مكان ولادة التعدّدية، وهل المتكلّمون الغربيون هم أوّل من أثاروا الموضوع ثمّ دخل دائرة علم الكلام، أو أنّ للمسألة جذوراً في الفلسفة أو الكلام الإسلامي أيضاً، أو كلاهما أثار المسألة دون أن يقتبس أحدهما من الآخر، ومن غير «توارد خواطر»؟

هناك قراءات وتفاسير متعددة «للبيلوراليزم الديني»، فلا يمكن أن يكون جميعها ذا جذر في الكلام أو الفلسفة الإسلاميّين. و قد نُقشت البيلوراليزم تحت عناوين أُخرى وبنفس المواصفات. وهناك من يتصوّر انّ المسألة قد تناولتها الأوساط العلمية في الشرق، وقد ذكر أسماء من نُسب إليهم الموضوع كما يلي:

1. كان يوحنا الدمشقي مبتكر هذه المسألة، وقد كتب رسالة فيها. ويوحنا الدمشقي ـ كما تجدر الإشارة ـ كان من المسيحيين المقربين للخلفاء العباسيين، مثل المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، وقد استرعى اهتمام الخلفاء به معلوماته الباهرة في الطب، وهو الذي أثار فتنة «قدم القرآن» و«عدم حدوث كلام اللّه»، لكي يثبت بـ«قِدم كلام اللّه» قِدم المسيح «كلمة اللّه»، وقد توفّي الرجل في سامراء


(291)

عام 248هـ.(1)

ولما كانت رسالته مفقودة فلا يمكننا محاكمتها، ومع فرض صحّة نسبتها له. فربما كان يهدف منها الدعوة إلى حياة مسالمة، ليعيش المسيحيون الساكنون في البلاد الإسلامية في ظلها بعزة وكرامة.ومن الممكن أن يكون هدفه مشابهاً لهدفه في مسألة «خلق القرآن» إذ أراد من خلال قوله :(إنّ اتباع جميع الأديان موجب للسعادة) أراد أن يخفّف من حدة تعصّب المسلمين، وأن يجعل أتباع الأديان الأُخرى في مستوى المسلمين.

هكذا قيل، وكلّه مجرد حدس، ولا يعلم الواقع إلاّ اللّه تعالى.

2. تعرض إخوان الصفا في رسائلهم إلى مسألة التعددية الدينية، إذ قالوا: الحقّ موجود في كلّ دين، والحقّ يجري على كلّ لسان، ومن الممكن أن تعرض الشبهة على كلّ إنسان.

أخي: انّ بيان الحقّ لصاحب الدين والمذهب، أو من هو متعلّق به وإزالة الشبهة العارضة على ذهنه، مشروط بأن تكون قادراً على هذا العمل، وإلاّ فتخلّ عنه، ولا تدّعي القدرة عليه، وإذا احتملت وجود دين أفضل ممّا أنت عليه عليه فلا تقتنع، والأفضل لك أن تبحث، فمتى وجدته فلا تصرّ على الدين المفضول وعليك أن تدين بالدين الأفضل وتحبه، ولا تنشغل بعيوب الناس، بل انظر إلى دينك بعيداً عن العيوب.

انّ العبارة الأساسية التي تفيد وجود نوع من الحقّ لجميع الأديان هي قولهم: ليس الحقّ منحصراً بدين واحد من بين جميع الأديان، وليست الأديان الأُخرى لا


1-الأعلام:8/211; ابن زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية: 2/394; لغتنامه دهخدا:141/21112.


(292)

تمتلك نصيباً من الحقّ، وإنّما هناك قدر مشترك بين جميع الأديان السماوية. وهذا الكلام ليس جديداً وإنّما نادى به الإسلام. إذ دعا القرآن أهل الكتاب إلى القدر المشترك،وهو «التوحيد في العبادة».

ثمّ إنّ كلامهم اللاحق يفرض على كلّ إنسان اتّباع القانون الأفضل، والسعي للتعرف عليه، وهذا الكلام يؤكد انّ هؤلاء من دعاة الانحصارية في الدين وليس التعدّدية الدينية.

3. ذكر الغزالي في بعض كتبه انّ جميع الفرق الإسلامية ناجية ماعدا واحدة.واعتبر القراءتين اللّتين وردتا في ذيل حديث (ثلاث وسبعين فرقة) صحيحتين. قال في ذيل حديث: «ستفترق أُمّتي إلى ثلاث وسبعين فرقة»: وهنا عبارتان كلاهما صحيح:

أ. الناجية منها واحدة.

ب. الهالكة منها واحدة.

والجملة الأُولى تحصر الحقّ في فرقة واحدة، بينما الثانية تعتبر الجميع على حقّ، والهالكة واحدة.(1)

يتضح انّ الغزالي يؤمن بنوع معين من «التعدّدية المذهبية» بخصوص (72) فرقة إسلامية. لكن في كلامه ما يدلّ على أنّه يعتبر إحدى الفرق على الحقّ، وهي الفرقة التي ستدخل الجنة من غير حاجة إلى شفاعة أو عذاب مؤقت في النار. وأمّا الفرق الأُخرى فانّها ستطرد لقصور في عقيدتها، ولا تدخل الجنّة إلاّفي ظل شفاعة الشفعاء، أو بعد أن تعذب في النار بشكل مؤقت وتتطهر من الرجس.(2)

هذا الكلام ليس جديداً وليس له علاقة بالتعدّدية الدينية، لأنّه لا يُخلّد


1-فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة: 106.
2-المصدر نفسه: 107.


(293)

في النار، من وجهة نظر الكلام الإسلامي، إلاّ الكافر، وغير الكافر ـ على اختلافه ـ سيخرج من النار ويدخل الجنة.

يقول الغزالي في كتاب: «المنقذ من الضلال»: انّ اختلاف الناس على الأرض في الدين، أو اختلاف الأُمّة الإسلامية في المذهب، مع كثرتها تشبه بحراً عميقاً يغرق فيه أكثر الناس، ولا ينجو منه إلاّالقليل، وكلّ فرقة تتصوّر انّها الناجية منه، وكلّ حزب فرح بما عنده.(1)

وهذا الكلام ينافي التعدّدية الدينية، لأنّ أكثر الناس، في رأي الغزالي، سيغرقون في بحر الضلالة، ولا تنجو إلاّ مجاميع صغيرة جدّاً.

ولم نشاهد قبل عام 1950م أي إشارة لهذه القضية في صحف بلادنا، ممّا يؤكّد انّ البيلوراليزم فكرة غربية بشكل كامل، ثمّ تسللت إلى الفكر الشرقي. كما أنّ تعدد التفاسير وكثرة القراءات أبعد القضية عن الأصالة الإسلامية، وإلاّلو كانت ذات جذر إسلامي لتناولها المسلمون خلال 14 قرناً ولكانت أكثر وضوحاً.

إنّ أوّل من أثار التعددية الدينية في إيران هو الدكتور ميمندي نجاد في النصف الثاني من القرن العشرين. واستدل بالآية الآتية على نجاة جميع أتباع الديانات السماوية، وكانت الآية أهمّ دليل لديه:

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصّابِئينَ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَاليَوم الآخر وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون) .(2)

والاستدلال بالآية ليس من ابتكاراته، بل أشار إليه المفسرون المسلمون خلال تفسيرهم للآية، التي جاء مضمونها أيضاً في سور أُخرى(3)، كما أشاروا


1-المنقذ من الضلال: 17ـ 18، مكتبة طه.
2-البقرة:62.
3-المائدة:169; الحج:17.


(294)

تصريحاً أو تلميحاً انّ هذا الفهم هو فهم خاطئ للآية، حتى وصفه أبو الأعلى المودودي بأنّه أكبر افتراء على القرآن.(1) كما أنّ كاتب هذه السطور قد تحدّث في كتابه «مفاهيم القرآن»(2) عن العالم وخاتمية الشريعة المحمدية، وجاء بالآية كدليل للمخالفين، ثمّ حللها وناقشها.

لقد افتتح في طهران في عام 1966(مركز التوحيد العالمي)، الذي أداره شخص كان صاحب امتياز لإحدى المجلات الدينية ثمّ انقلب على عقبه. وكانت المؤسسة ذات طابع سياسي، وهدفها تضعيف عقائد الشباب الثوريين، الذين كانوا في حرب مع النظام. أمّا اليوم فهناك كتابان سادا وسطنا الفكري هما:

1. فلسفة الدين لـ(جون هيك) وهو مسيحي من مواليد عام 1922، وقد طرح المسألة في كتابه كفهم جديد للكتب السماوية الموحاة، ثمّ سعى إلى إثبات كلامه بقوة.

2. صراطهاى مستقيم «السرط المستقيمة جمع صراط». تأليف الدكتور عبد الكريم سروش، الذي تبنى رأي جون هيك و أعاد صياغة أفكاره على شكل حكايات وتمثيلات.

وهذا الكتاب لو تجاوزنا محتواه فانّ عنوانه يتعارض مع القرآن الكريم الذي حصر النجاة والسعادة بطريق واحد. يقول تعالى: (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .(3)

وكان من الأفضل للمؤلّف المحترم أن لا يسمّي كتابه بهذا الاسم كي لا يقع في تعارض صريح مع القرآن الكريم.


1-الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة: 190ـ 206.
2-مفاهيم القرآن:3/200ـ 214.
3-الأنعام:153.


(295)

هذان الكتابان إضافة إلى الكتب الكلامية المترجمة وصيرورة الثقافة ثقافة عالمية، كلّ ذلك كان وراء انتشار هذه القضية، وكان السبب أيضاً وراء كتابة رسائل ومقالات مختلفة حول الموضوع نفسه.

الدين والشريعة

من المصطلحات التي ينبغي تحديد معانيها أوّلاً: (الدين) و (الشريعة) وما لم يتضح مفهومهما الواقعي لا نستطيع أن نقرر شيئاً بشأن «وحدانية الدين» أو تعدّده. فمن تحدث عن «التعدّدية الدينية» لم يفرّق بين الدين والشريعة، ولم يوضح بأيّهما يختص الحديث حول الوحدة والكثرة.

لقد اعتبر القرآن الكريم، وهو أوثق وثيقة لتفسير هذين المصطلحين، اعتبر الدين واحداً والشريعة متعددة، وأكد( أي القرآن) انّ جوهر الدين واحد في جميع العصور، وقد أمر جميع الأنبياء بتبليغه، ولم يحدث مجيء الأنبياء ـ واحداً بعد الآخر ـ أي تغيير أو اختلاف فيه، وظل شامخاً وثابتاً ومحكماً على مدى العصور ولا يطاله النسخ، لهذا لم يرد لفظ الدين في القرآن إلاّ بصيغة المفرد،ولم يرد قط بصيغة الجمع. فالدين واحد ولا يقبل الكثرة وحقيقته: «التسليم للّه تعالى» صاحب السلطة والحاكمية والخلق والربوبية، وكلّ أُمّة قد دعيت لهذه الحقيقة، كلّ حسب قدرتها واستعدادها. ويمكننا التأكد من ذلك من خلال الإمعان بالآيات الكريمة، ونحن سنشير لها فيما بعد بإيجاز.

التوحيد: الدين القيم

وصفت بعض الآيات التوحيد بالدين القيم، أي الدين الذي لا يتزلزل ولا


(296)

يتخلخل. فمثلاً يقول يوسف ـ عليه السَّلام ـ إلى رفيقيه في السجن: (إِنِ الحُكْمُ إِلاّ للّهِ أَمَر أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاه) ثمّ يقول: (ذلِكَ الدِّينُ القَيِّم) .(1)

فإذا كان التسليم للحقّ تعالى ونفي التسليم لغيره هو الدين القيم، إذاً فيجب أن يبقى بالقوّة نفسها في جميع العصور.

ويعتبر القرآن التوحيد في آية أُخرى أمراً فطرياً فطره خالق البشر وأودعه فيهم (فِطْرة اللّه الَّتي فَطَرَ النّاس عَلَيها) ثمّ أردفها بقوله: (ذلِكَ الدِّينُ القَيِّم) .(2) ويتلخّص الدين القيّم الثابت بالتوحيد في العبادة.

الدِّين دين الإسلام فقط

حصرت بعض الآيات الدين بالإسلام (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإِسْلام). (3) والآية ليست ناظرة إلى عصر الرسول الخاتم ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ فقط، بل هي حقيقة مستمرة في جميع العصور، وإذا كان الدين واحداً والشرائع والمذاهب السماوية، متعددة فسيكون معنى الدين ـ إذاً ـ هو العقائد التوحيدية أو المعارف الإلهية التي دعي جميع الأنبياء، إلى تبليغها، وسيكون محورها التسليم للّه تعالى، وعدم عبادة أو إطاعة غيره.

وجاء في آية أُخرى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) (4)، وهذا الحكم لا يقتصر على عصر الرسول ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ وإنّما يسري إلى جميع العصور، لذا أكد القرآن انّ إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ كان شخصاً مسلماً ولم يكن يهودياً أو نصرانياً ولا مشركاً.(5)


1-يوسف:40.
2-الروم:30.
3-آل عمران:19.
4-آل عمران:85.
5-آل عمران:67.


(297)

فإذا كان الدين واحداً، والشرائع متعددة فسيكون معنى الدين هو الاعتقاد بالتوحيد والتسليم للّه تعالى، على أن تشكّل طاعته وعبادته البنية التحتية لجميع الشرائع. وجميع الأنبياء مكلّفون بالدعوة لذلك: (وَلَقَدْبَعَثْنا في كُلِّ أُمّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّه وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوت) .(1)

الدين الحقّ هو دين التوحيد

فسّرت بعض الآيات الدين الحقّ بالتوحيد، وذكرت انّ هدف إرسال النبي الخاتم ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ هو تغليب دين التوحيد على الشرك، وأكدت الآيات انّ هذا الأمر جزمي وإن كره المشركون.(2)

وربما نزل هذا النوع من الآيات لبيان معنى الدين، ولتأكيد انّ الدين نمط من التعاليم العقيدية يقع التوحيد في مقدّمتها. وبما انّ النصوص العقائدية والمعرفية تعكس واقعيتها، فلا يمكن أن تكون مختلفة، وإنّما هي ثابتة وواحدة.

ما هي الشريعة؟

«الشريعة» و«الشرعة» يقال للطريق الموصل إلى الماء. والقرآن الكريم بعدما يؤكد وحدة الدين يشير إلى تعدّد الشرائع ووجود الشرعات والمناهج، والمراد بها: التعاليم العملية والأخلاقية التي تنظم علاقات الإنسان الفردية والاجتماعية وتحدد مسؤوليته أمام اللّه والناس. والسبب في اختلاف الشرائع هو الاختلاف في الاستعدادات والقدرات والظروف المختلفة الحاكمة فيهم، لهذا نجد الشيء حراماً في هذه الشريعة وحلالاً في الشريعة الأُخرى. وعلى هذا الأساس تنسخ الشرائع،


1-النحل:36.
2-النور:11.


(298)

لكن النسخ لا يطال جميع التعاليم العملية والأخلاقية للشريعة، وإنّما ينسخ القسم الملازم لتطور الزمان و الإمكانيات واختلاف الظروف.

وقد صرح ا لقرآن الكريم باختلاف الشرائع : ( لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً)(1) ، (ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَريعة مِنَ الأَمْرِ فاتَّبعها).(2)

ممّا تقدم نخلص إلى أنّ الدين المتعلّق بعقيدة الإنسان حول اللّه وصفاته وأفعاله واحد، لا يقبل الاختلاف، وقد أرسل جميع الأنبياء لتبليغه.

بينما الشريعة، التي هي تعاليم عملية، مختلفة رغم وجود المشتركات بين جميعها. ولا يطال النسخ جميع أحكامها وإنّما ينسخ القسم الملازم لمقتضيات الزمان وتفاوت القدرات الفكرية والعقلية للأُمم.

أهداف إثارة موضوع التعدّدية

ليس الهدف من إثارة مسألة التعدّدية الدينية، مع تعدّد تفسيراتها، واحداً بل يحتمل أن يكون لكلّ قراءة أو تفسير هدف خاص، وهنا سنشير إلى بعضها:

1. هدف علم الاجتماع

كلّما فُسّرت التعدّدية الدينية تفسيراً سلوكياً(أي أن يعيش أتباع الديانات المختلفة بعضهم مع بعض حياة مسالمة، ويتحمل بعضهم الآخر) فسيكون هدفها من زاوية علم الاجتماع، هو تحجيم التعصب الديني لدى اتباع الديانات المختلفة.


1-المائدة: 48.
2-الجاثية:18.


(299)

والشاهد على ذلك تحركات البابا من أجل استئصال التعصّب الديني، إذ سعى البابا إلى تبرئة ساحة اليهود من قتل عيسى ـ عليه السَّلام ـ ، وقد جاء في بيان شورى الفاتيكان الثاني الصادر سنة 1963م بشأن التعايش السلمي بين المسيحيين والمسلمين:

«تطلب هذه الشورى المقدسة من كلا الطرفين نسيان الماضي، وعلى المسيحيين والمسلمين أن يسعوا من الآن إلى إقرار صيغ للتفاهم، والتعاون على تحمّل مسؤولية المحافظة على مصالح جميع الأفراد في طريق العدالة الاجتماعية والأخلاق، والصلح والحرية».(1)

بعد ان اتسعت العلاقات بين المجتمعات ـ ولا سيما بعد الحروب الدينية القاسية، أعمّ من الحروب الصليبية بين المسلمين والمسيحيين،والحروب التي وقعت بين المذاهب المسيحية وما زالت مشتعلة بين الكاثوليك والبروتستانت بالأخص في الآونة الأخيرة في ايرلندة، وما خلّفته تلك الحروب ـ تبلورت فكرة مفادها الاعتراف بالأديان الأُخرى والتصالح معها، لأنّ من صالح المجتمع أن تعيش جميع الأديان والمذاهب بعضها مع بعض. فكانت الحروب هي السبب وراء قبول التصالح بين الأديان من أجل تحجيم الأرضية المؤجّجة لها.(2)

2. توجيه ما جاء في الكتاب المقدس

انّ إحدى أزمات المتكلّمين المسيحيين هي تعاليم الكتاب المقدس


1-برخورد آراى مسلمانان و مسيحيان: 251. وقد نقل «جون هيك» هذا البيان بصيغة أُخرى. انظر: فلسفة الدين: 242ـ 243.
2-كتاب نقد(4) المقالة الأُولى.


(300)

المخالفة للعقل، فهي تعاليم تستعصي على التوجيه بأي معيار، بالأخص ما يتعلّق بصفات وأفعال اللّه تعالى، وقد استخدم معارضو الكنيسة من العلمانيين وغيرهم هذا السلاح ضد الدين الكنسي، واعتبروا الكتاب المقدس مجموعة من الأساطير والخرافات.

وعندما أثارت التعدّدية الدينية مسألة جوهر الدين وصدف الدين، لم تعتبر الاختلافات شيئاً مهماً، لأنّ المسؤول عن التحول في شخصية الإنسان هو جوهر الدين وتبقى النصوص الدينية أحكاماً لإثبات صدقيته من أجل الحفاظ على جوهره،لأنّ أهمية الدين في جوهره، لا في صدفه. لذا ينبغي الكفّ عن مراجعة ونقد التعاليم الدينية، وعدم اعتبارها نظريات علمية، وقطع التحدّث عن صدقها وكذبها، ويجب أن تحظى هذه التعاليم بالاحترام مادامت تؤثر فينا.

يقول مؤلّف كتاب (العقل والاعتقاد الديني) حول بيان التعدّدية من وجهة نظر هيك: «يعتقد هيك انّ التعاليم لا تمثل جوهر الدين، المسؤول عن إيجاد التحوّل في شخصية الإنسان، ويؤكد انّنا لا نتجاوز الحدود عند مراجعة التعاليم الدينية مثل (التجسيد)، لأنّها ليست كالنظريات العلمية إمّا أن تكون صادقة أو كاذبة. ومادام للإنسان أسئلة حول الحياة والأوامر الإلهية، فعلى العقيدة الدينية الإجابة عن هذه الأسئلة. ومادامت هذه العقائد والتعاليم تؤثر في رؤيتنا للحياة فهي صادقة.

وبعبارة أُخرى، اعتقد انّ هيك قد ارتكز إلى الأبعاد الوجودية والتحوّل الذاتي للدين قبل الاعتماد على الحقائق الكلامية (المبينة على شكل قضايا). وتكمن أهميته انّه استبدل الحياة التي محورها الإنسان بحياة محورها اللّه.

وعلى هذا فليس المهم عقائد الإنسان فقط، لأنّ عقيدة كلّ فرد هي خلاصة تجاربه وثقافته ومقولاته المصاغة بشكل أُسطوري والمكتسبة من الواقع، وعلى هذا


(301)

فالدعوة إلى دين واحد والتزام الناس بدين واحد لا معنى له، وما هو مهم أن يتأثّر واقعنا لكي يتغيّر.(1)

فالخلاصة انّ المهم هو جوهر الدين وتحول شخصية الإنسان إلى شخصية محورها اللّه، وأمّا تعاليم ونصوص الكتاب المقدّسة في مجال العقيدة والأحكام العملية والأخلاقية فجميعها هدف للدين، وإنّما هي مهمة بالنسبة لنا لأنّها تحافظ على جوهر الدين، وأمّا كونها صادقة أو كاذبة، ضدّ أو نقيض، فليست مهمة بالنسبة لنا.

3. مبرِّرات التعدّدية الدينية

ليس هدف هذه المسألة هو إثبات ما هو الحقّ أو الباطل أو بيان ضلال ونجاة الإنسان، وإنّما هدف المسألة هو إيجاد طريق لتصحيح تعدّد الأديان أو الشرائع، لأنّ مصدر الدين واحد، وشهوده «أمر مطلق» ويتعالى على التعبير عنه بـ«التجربة الدينية»، لكن فهم هذا الشهود متعدد ومختلف، وسببه انّه كلما كانت التجربة الدينية قادرة على التعبير عن نفسها بصيغة معبرة فهي لابدّ أن تتأثّر بالظروف التاريخية واللغوية والاجتماعية والجسمانية، لهذا تختلف النصوص الدينية، فبعضها يدعو إلى التوحيد وبعضها يدعو إلى التثليث.

وهذه الفكرة قد اعتمدت على مبدأ «كانت» المعروف(انّ الشيء في نفسه يغاير ما هو موجود لدينا). والأشياء التي ترد الذهن عن طريق الحس تتأثر بالقوالب الذهنية السابقة، وسيكون هناك اختلاف بين الواقع وما ندركه منه.

يقول جون هيك في إحدى مقالاته: انّ التعددية، من زاوية علم الظواهر،


1-عقل واعتقاد ديني:408ـ 409.


(302)

هي الواقع الذي يعبر عنه تاريخ الأديان بتعدّد المذاهب وكثرة ما يترشّح عن كلّواحد منها. وهذا المصطلح ناظر، من زاوية فلسفية، إلى قسم خاص من العلاقة بين المذاهب وما تدّعيه ونقائضها.

وهذا المصطلح يعكس النظرية التي تقول إنّ للأديان العالمية تفسيرات مختلفة حول الحقائق الإلهية الخافية.(1)

ويقول: الأديان المختلفة عبارة عن تيارات مختلفة للتجربة الدينية، وكلّ واحد منها قد بدأ في إحدى مراحل التاريخ البشري، وتفتّح وعيه العقلي داخل فضائه الثقافي.(2)

لكن هيك لم يستطع في نقده إلاّ أن يفسّر اختلاف الأديان في قضايا العقيدة فقط، دون التعاليم العملية والأخلاقية، لأنّ الاختلاف في الأحكام لا يمكن أن يكون معلولاً للعوامل الأربعة التي تؤثر في التعبير عن شهود الأمر المطلق.

التعاليم الدينية وأقوال الأنبياء

حاولت التعددية الدينية أن تناقش قضية الرسل ورسالاتهم في مجال العقيدة والعمل واعتبرت (شهود الحقيقة المطلقة) مصدر الدين، واعتبرت رسالات الأنبياء انعكاساً للفهم المختلف من الحقيقة الغائية، الإلهية الخافية. كلّ ذلك من دون الرجوع إلى الرسل ومحاورتهم والاستماع إلى أحاديثهم وأقوالهم.

التعددية ليست مسألة فلسفية خالصة يمكن دراستها ونقدها في غرف


1-دين پژوهى، ترجمة بهاء الدين خرمشاهي: 301.
2-جون هيك: فلسفة الدين: 238.


(303)

مغلقة دون الرجوع إلى أقوال الرسل وحفّاظها، وإنّما ينبغي الاستماع إلى أقوالهم بدقة، ومن ثمّ نجلس للقضاء.

إنّ ما يقوله التعدّديون في تحليلاتهم لا يعدو كونه قضايا حدسية، لا تدعمها أي وثائق تاريخية.

واليوم قد استبدلوا البرهان والدليل بالحدس والظن وفسّروا حركة الأنبياء وكتبهم وتعاليمهم بالتجربة الدينية (شهود الموجود المطلق)، واعتبروا تعاليمهم انعكاساً لما يفهمونه من الحقيقة، وليس لها علاقة بذات الموجود المطلق، بينما يقول الأنبياء: انّ ما نقوله ليس له علاقة بنا، ومهمتنا فقط نقل الأوامر والخطابات، وشعارنا: (إِن أَتّبِعُ إِلاّما يُوحَى إلَىَّ) (1) و (اتَّبِع ما أُوحِىَِ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لاإِلهَ إِلاّ هُو) .(2) وعندما طلب إلى الرسول ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أن يبدل أوامر اللّه أجاب : (ما يَكُونُ لِي أَن أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي) .(3)

إلى هنا انتهينا من بيان المقدسات ونبدأ بمعالجة موضوع التعدّدية والقراءات المتعدّدة لها:

القراءة الأُولى للتعدّدية الدينية

ذكرنا سابقاً انّ نظرية التعدّدية الدينية «البيلوراليزم» تحمل تفسيرات وقراءات متعددة، وما لم نتناولها واحدة واحدة لا يمكننا أن نحكم لها أو ضدّها.

انّ أوّل تفسير لها هو التعددية السلوكية، وتعني انّ جميع أتباع الأديان (حسب تعبير المنظّرين) أو الشرائع(في ضوء تعبيرنا)، قادرون على العيش


1-يونس:15.
2-الأنعام:106.
3-يونس:15.


(304)

بعضهم إلى البعض الآخر على أساس ما لديهم من مشتركات، وأن يتحمل أحدهم الآخر، أو باصطلاح السياسيين إيجاد حياة مسالمة، وقد يندفعون أكثر فيعتبرون العلمانيين نوعاً من أصحاب الديانات المتوهمة، ولهم أن يعيشوا مع الآخرين عيشة مسالمة.

ونحن لا ننكر وجود المشتركات بين الشرائع، وبتعبير الآخرين بين الأديان، وكما قال «وليم ألنسون» هناك تقارب واضح بين الأديان، إلاّ أنّه يكون أكثر وضوحاً بين الأديان التوحيدية الكبرى، أي اليهودية والمسيحية والإسلام، كما هناك اختلافات بينها، ولا سيما في نظرتها إلى فعل اللّه في التاريخ. لكن الاختلاف لا يقتضي التضاد بشكل كامل أو انّ أحدها ينفي الآخر. بل هناك اشتراك أيضاً بين أديان الشرق الأقصى التي تختلف فيما بينها، و بينها و بين الأديان التوحيدية. فالتأكيد أكثر من القدر اللازم على الفوارق بين الأديان سيفضي إلى تجاهل المشتركات التي يمكن للأديان الاتّفاق عليها.وجميع هؤلاء يرفضون الفكر الطبيعي الذي يقول: «لا توجد حقيقة ممتدة في أبعاد الزمان والمكان».(1)

إنّ التعددية بهذه القراءة يقبلها العقل والدين والشريعة، وقد دعا القرآن أهل الكتاب إلى حياة مسالمة تحت خيمة التوحيد، لأنّه أصل مشترك بين جميع الشرائع السماوية، يقول: (قُلْ يا أَهْلَ الكِتاب تَعَالَوْا إِلى كَلِمَة سَواء بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَ وَلا نُشِْركَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُون) .(2)

وقد اعترف الفقه الإسلامي، الذي يرتكز إلى الكتاب والحديث، بأهل


1-مجلة كيان، العدد: 50، ص 7.
2-آل عمران:64.


(305)

الكتاب ودعا إلى احترام حقوقهم، بما لا مزيد عليه، ففي كتب الفقه فصل خاص عن أهل الذمة وشروطهم، يعكس مدى تعاطف الإسلام مع هذه الشرائح الاجتماعية.

عندما كان الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ يتجول في شوارع المدينة رأى رجلاً أعمى يستعطي الناس، فسأل: ما هذا؟ فقيل: رجل نصراني، فأجاب الإمام : «عجباً، استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه!اصرفوا عليه من بيت اللّه لتصونوا وجهه».

انّ ال(1)حياة المسالمة لا تختص بأهل الكتاب بل جوّز القرآن ذلك للمشركين أيضاً، شريطة عدم اشتراكهم في حرب ضدّالمسلمين، وعدم خروجهم من بيوتهم، وحينها يجب معاملتهم بالحسنى والعدل والقسط، لأنّ اللّه يحبّ المقسطين.(2)

وهذا السلوك لا ينطوي على شيء من النفاق، وإنّما هو من صميم الدين الإسلامي، بل كان هذا أحد الأسباب المشجعة على اعتناق الإسلام. وليس أجمل من كلام الإمام علي وهو يخاطب واليه على مصر، إذ يقول: «واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكون عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فانّهم صنفان:

أ. إمّا أخ لك في الدين.

ب. أو نظير لك في الخلق».(3)


1-وسائل الشيعة، ج11، باب 19، من أبواب الجهاد، ص 49، الحديث1.
2-الممتحنة:8.
3-نهج البلاغة، تنظيم صبحي الصالح، قم، دار الأُسوة، الكتاب 53، ص 590.


(306)

لكن بعض دعاة البيلوراليزم يرفضون هذه القراءة،ويعتبرونها خارجة عن الموضوع، ويقولون: ليست المسألة أن نجد حلاً يساعد على وجود الأديان المختلفة جنباً إلى جنب. وإذا أردنا أن نصل إلى حلّ عملي من أجل حياة مشتركة مسالمة، فعلينا أن نرتكز إلى مبدأ التسامح ) Tolerance)، وهو مغاير للبيلوراليزم. ففي التسامح يحترم الإنسان والحرية وحقوق الآخرين، ورغم انّ الجميع يعتقد انّ الحقيقة معه.(1) ولكن لا يمكن للواقعين فرض تفسير آخر للتعدّدية ولا سيما بالنسبة إلى المؤمنين بمبادئهم الدينية إيماناً كاملاً، سواء سُمّي المفهوم بالتساهل أو التعددية.

والمهم انّ التساهل أو الحياة المسالمة، أو الاعتراف بحقوق أهل الكتاب لا يعني الجزم بفوزهم ونجاتهم، لأنّ مسألة التساهل والتغاضي ومواجهة الخلافات قضية مرتبطة بالحياة الدنيا من أجل الحفاظ على كرامة الإنسانية، أما كيف يكون مستقبل الإنسانية فليس له علاقة بهذه المسألة.

وهنا أُضيف شيئاً إلى هذا التفسير: على الرغم من حرص زعماء الشرائع السماوية وعلماء الدين على توفير حياة مسالمة إلاّ أنّهم تناولوا الأُصول المختلف عليها، ارتكازاً إلى المبادئ المسلمة والمنطق الصحيح، وفصلوا بعيداً عن التعصب بين ما هو صحيح وما هو غير صحيح. وجاء في القرآن الكريم بعد أن دعانا إلى التعددية: (فَبَشِّر عِباد* الِّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه)(2). وهذا هو فقط منطق حوار الحضارات والأديان والشرائع.


1-مجلة كيان، العدد2، ص 11ـ12.
2-الزمر:17ـ18.


(307)

القراءة الثانية للتعدّدية الدينية

التفسير الثاني للتعددية «البيلوراليزم»، هي التعددية المخلّصة، وفيها أُثيرت مسألة الخلاص والسعادة التي توفرها جميع الشرائع في جميع العصور، فيقولون يكفي في سعادة الإنسان أن يؤمن باللّه، وأن يلتزم في حياته بإحدى تعاليم الشرائع ـ أو كما يعبرون الأديان ـ والظاهر انّ الشهيد مطهري يفهم التعدّدية ـ كما جاء في بعض خطبه ـ بهذا الشكل.

يقول بعض المثقفين: إنّ جميع الأديان السماوية واحدة في جميع الأوقاف من حيث اعتبارها، ومفاد ذلك هناك عدد من الأديان الحقّة في كلّ زمان، و يستطيع الإنسان في أيّ زمان أن يدين بأيّ دين يريد.

و يقولون في كلام آخر: يكفي للإنسان أن يعبد اللّه، وأن ينتسب لأحد الأديان السماوية النازلة منه تعالى، وأن يعمل بأوامرها، أمّا شكل هذه الأوامر فلا أهمية لها، ويتبنّى هذه الفكرة كل من جورج جرداق صاحب كتاب الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ ، وجبران خليل جبران الكاتب اللبناني المسيحي المعروف، وآخرون.

وهذا الادّعاء الكبير، لا انّه عار فقط من الدليل، بل هناك شواهد كثيرة على ضعفه، نشير لها:

أوّلاً: هل انّ أصحاب الشرائع يعترفون بوجود حدود معينة لشرائعهم، أم يقولون انّها شرائع عالمية وتوفّر السعادة للإنسان في جميع العصور؟

إنّ جوابهم سيضع حداً للنزاع. لكن الغريب انّ التعدديين يقررون أشياء لشرائع الأنبياء وينسبون لهم أُخرى دون الرجوع إليهم!

ثانياً: هناك خمسة محاور يذكرها تاريخ الشرائع، يقع على رأس كلّ واحد منها رسول صاحب شريعة، يرافقه حتى ظهور المحور الثاني عدد كبير من


(308)

الأنبياء، تنحصر مهمتهم بالتبليغ، وليس لهم أحكام جديدة. والمحاور الخمسة هم: نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، محمد ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ . وكلّ واحد منهم صاحب شريعة. وبدأ نزول الكتب والشرائع منذ نوح، وختمت ببعثة نبي الإسلام، وقد تعرض القرآن لهذه القضية بشكل واضح، يقول: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبراهيمَ وَمُوسى وعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّين وَلا تَتَفرَّقُوا فِيهِ...).(1)

فالآية ذكرت محاور تاريخ النبوّات الخمس،ولم تذكر أسماء الأنبياء الآخرين، لأنّهم ليسوا أصحاب شرائع ولا محاور أساسية، و تنحصر وظيفتهم بالتبليغ.

إنّ اختلاف الاستعدادات والقابليات هو السبب وراء تعدّد الشرائع. ولم يبعث اللّه الكامل المطلق في يوم ما شريعة ناقصة، بل كلّ دين هو في غاية الكمال بالنسبة إلى أتباعه، حتى ينتهي الفيض المعنوي بالحلقة الأخيرة، لكي تتمكن الشريعة المرسلة أن تدير المجتمع الإنساني إلى يوم البعث، وأن تجيب على جميع الحاجات المادية والمعنوية، ومن هنا اختتم باب النبوة وانقطع الوحي.

في ضوء هذا التفسير، ومن خلال المسار التاريخي للنبوات، نستطيع أن نشير إلى أخطاء هذه النظرية.(أي نظرية التعددية بالتفسير الثاني).

1. انّ القول بخلود واستمرار كلّ شريعة يفضي إلى إلغاء فائدة تشريع الشرائع المتعدّدة وإرسال الرسل المحوريين،وسوف لا نجني من ذلك شيئاً سوى التشويش وبث الفرقة.

2. إذا قلنا يكفي في تحقيق السعادة اتّباع أية شريعة، فلماذا تحدد مسؤولية


1-الشورى:13.


(309)

كلّ نبي بمجيء النبي الآخر بل والتبشير به.

3. إذا كانت كل الشرائع خالدة فلا موجب لنسخ الأحكام، ولو بشكل إجمالي، ولما قال المسيح :(ولأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُم) .(1)

4. إذا كانت شريعة عيسى صالحة ومعترفاً بها رسمياً حين نزول الشريعة اللاحقة فلا وجه لدعوة اليهود والنصارى لاتّباع دين محمّد ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ، مع أنّ القرآن يصرّح بكفر أهل الكتاب ما لم يؤمنوا بالدين الجديد: (فَإِنْ آمنوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا) .(2)

5. عندما نراجع نصوص الكتاب المقدّس والقرآن الكريم وأقوال ورسائل النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ نجد انّ هذه النظرية من الهشاشة إلى درجة لا يصدقها إلاّ من يطلق الأحكام جزافاً ثمّ يبحث عن الدليل ويتشبّث من أجل نجاته بكلّ غث فيؤمن بهذه النظرية.

6. تتوقّف حياة الإنسان في الآخرة على عقيدة صحيحة وعمل صالح، وتحقّقهما موجب للثواب. وهنا نسأل: كيف يمكن للتضاد في العقيدة أو العمل بحكمين متضادين أن يضمن الحياة المعنوية للإنسان؟ وكيف يُسعد الإنسان في الدارين بتبني التوحيد على جميع الأصعدة مع الإيمان بالتثليث وبتثليث الرب، أو تجنّب الشراب والربا مع الإدمان وأكل الربا؟

7. لو أعرضنا عن هذا، فانّ واقعية السعادة التي ستوفرها هذه الأديان ستكون مشروطة بعدم تحريفها، فهل هذا الشرط صادق في الأديان السابقة؟ مع أنّ الإنجيل سجل لتاريخ حياة المسيح وليس الإنجيل الحالي كتابه أو خطاباته، وقد


1-آل عمران:50.
2-البقرة:137.


(310)

كتبه بعض تلامذته، فكلّ واحد من الأناجيل الأربعة ضبط حياة المسيح بشكل خاص،وذكر صلبه ودفنه وعروجه إلى السماء.

فهل يمكن للإنجيل الذي خطّته يد البشر أن يسعد جميع الإنسانية على وجه الأرض؟ والتوراة أيضاً حامت حول مستقبل الإنجيل، فالتوراة الحالية قُرئت وكتبت على يد أحد حفّاظ التوراة في زمان نبوخذ نصر بعد اختفاء النسخة الأصلية، وهذه النسخة تعرضت بعد مرور سبعين سنة للتحريف، واشتملت على أحكام ونصوص تخالف العقل، وقد انتقدها القرآن باعتبارها عاجزة عن توفير السعادة والهداية.

8. ولو أعرضنا عن كلّ ما تقدم نقول: «إنّ الأديان التاريخية الكبيرة هي بمنزلة مجموعة معرفية تتشكل من منظومة عقيدية واحدة» إلاّ أنّنا متى شخصنا الأكمل من بينها فعلينا بحكم العقل اتّباعها، وهذه الحقيقة صرّح بها بعض أنصار البيلوراليزم. يقول «ويليم الستون»: أنا لا اعتقد انّ جميع الأديان التي امتدت على طول التاريخ ستستمر حتى اليوم، وهي متساوية بذلك من منظار معرفي.

ويقول: ومن الممكن أن نرجّح ملاحظات الآخرين على قسم من هذه المنظومة على البعض الآخر.(1)

سؤال وجواب

إنّ البعض ينبهر بالواقعية ويحاول أن يجد دليلاً مؤيداً لما يدّعيه، فيطرح قضايا، بمعزل عن أدلّة الآخرين، ليؤثر في الناس البسطاء، ومن هذا المنطلق


1- كيان، العدد: 50، ص 7.


(311)

يتشبث دعاة السعادة الشمولية ببعض الآيات ليتأثر بها الآخرون، منها:

1. يتساوى المؤمنون واليهود والنصارى أمام اللّه تعالى:

اعتبر القرآن (المؤمن واليهودي والنصراني والصابئي) متساوين أمام اللّه تعالى، وجعل نجاة الجميع متوقفة على الإيمان باللّه والعمل الصالح:(إِنَّ الَّذينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى والصّابئينَ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِر وَ عَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَرَبِّهِمْ وَلا خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون) .(1)

إذاً يكفي شيئان في تحقّق السعادة: الإيمان باللّه والعمل الصالح، وكلا الأمرين ثابت في جميع الشرائع. لكن ينبغي الانتباه، انّ الآية المذكورة تهدف إلى شيء لا علاقة له بالتعدّدية، وعندما نراجع الآيات الواردة في النصارى واليهود نضع أيدينا على هدف هذه الآية:

أوّلاً: ادّعى اليهود والنصارى انّهم أبناء وأحباء اللّه: (وَقَالَتِ اليَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللّهِ وَأَحِبّاؤه).(2)

ثانياً: ادّعوا انّ النار لا تمسّ المجرمين منهم إلاّ أيّاماً قلائل:

(وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَة) .(3)

ثالثاً: حصروا الهداية بالنصارى واليهود، وقالوا يكفي فيها الانتساب إلى إحدى الفرقتين، كما نسبوا إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ إلى إحداهما: (وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا) .(4)

وهنا يؤكد الباري عزّ وجلّ أمام هذه الدعاوي الأنانية، انّ السعادة ليست


1-البقرة: 62.
2-المائدة:18.
3-البقرة:80.
4-البقرة:135.


(312)

منحصرة بهما، وليس اليهود ولا النصارى أبناء اللّه وأحباءه، والهداية لا تحوم حول اليهودية والنصرانية، وإنّما تتوقف على الإيمان باللّه والعمل الصالح، لا على شروطهم وتمنّياتهم: (تِلْكَ أَمانِيّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرهانكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقين* بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجهَهُ للّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون) .(1)

فهدف الآية ليس الاعتراف ببعض هذه الأديان، بل هدفها تأكيد شرطي السعادة في جميع الشرائع، بالإيمان والعمل الصالح، وليس الانتساب إلى اليهودية والنصرانية أو أي فصيل آخر، لأنّ الإيمان لا يجدي نفعاً ما لم يكن مصحوباً بالعمل الصالح.

بل انّ اليهود المتكبّرين يعتقدون انّهم الشعب المختار وأحباء اللّه، وعليهم أن يستعبدوا الآخرين. وتصوّر النصارى، في ضوء عقيدتهم ـ بأنّ المسيح فدى نفسه لتفادي الذنوب، وقضية العشاء الرباني وصكوك الغفران التي يمنحها القساوسة ـ انّهم مصانون. والنتيجة انّ كلا الفريقين قد جانب التعاليم الإلهية من الناحية العملية، لذا حذّر القرآن من هذا النمط من الفكر الذي يعيق التغيير في الروح الإنسانية، وأكّد انّ ما تقدّم ليس ملاكاً في النجاة وإنّما النجاة مشروطة بالإيمان والعمل الصالح.

فليس للآية الكريمة أدنى ارتباط بالاعتراف بهذه الشرائع على مدى الازمان، بل تريد الآية أن تؤكد أصلاً واحداً معتبراً في جميع الشرائع، وهو انّ الأسماء والألقاب والأنساب ليست دواعي للنجاة، بل على الجميع أن يتسلّحوا بالإيمان والعمل الصالح، والآية ليست بصدد بيان خصائص الشريعة التي يجب أن نتبعها في حياتنا ولا خصوصيات العمل الصالح، وما هو مصدره من بين الشرائع.


1-البقرة:111ـ 112.


(313)

2. التوراة والإنجيل هدىً ونور:

إنّ أحد أوهام هذا الفريق قوله إنّ القرآن قد اعتبر التوراة والإنجيل هدىً ونوراً، يقول تعالى: (إِنّا أَنْزلنا التَّوراةَ فِيها هُدىً ونُور) .(1) (آتَيْناهُ الإِنْجيل فيهِ هدىً وَنُور).(2) فكلا الآيتين تشير إلى أنّ كلا الكتابين لم يتجرّدا، في عصر الرسول، من النور والهداية، ومازالا إلى يومنا هذا. وهذا نمط استدلال في مقابل استدلال اليهود والنصارى الذين رفعوا في حياتهم شعار: نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض» وقالوا«نؤمن بموسى و نكفر بعيسى و محمد».(3) وهذا الفريق (دعاة التعدّدية) لم يعتنوا بالآيات الواردة في هذا الموضوع وتعلّقوا باشعار ضعيف فيها، سيزول سريعاً لو راجعنا سياق الآيات وأسباب النزول.

هناك مجموعة من الآيات في القرآن الكريم تبدأ من الآية (41) من سورة المائدة وتنتهي في الآية (50)، وكلّها تنتقد سلوك اليهود الذين غيّروا الأحكام الإلهية وأخفوها. فمثلاً بدّلوا حكم الزانية المحصنة، التي حكمت التوراة برجمها، بدّلوه بتسويد الوجه، وكانت الدية عندهم على شكلين، فإذا قتل شخص من (بني النضير) أخذوا دية كاملة، وإذا قتل شخص من (بني قريظة) أخذوا نصف دية، لأنّ القبيلة الأُولى قوية والثانية ضعيفة، بينما دية الإنسان في التوراة واحدة للجميع. ففي عصر الرسول وقع رجل في زنى امرأة محصنة منهم، فجاءوا إلى الرسول ليحاكمهما في ضوء التوراة، فسألهم الرسول ما حكم التوراة في هذا الموضوع؟ قالوا: «تسويد الوجه» فقال: كذبتم، بل حكمكم الرجم. فقال أتوني بالتوراة، فجاءوا بها فقرأها رجل اسمه (ابن صوريا)، فلما وصل إلى حكم الزنا


1-المائدة:44.
2-المائدة:46.
3-تفسير المنار:6/8.


(314)

وضع يده عليه، وبعد الإصرار رفع يده فأقر الجميع انّ حكم الزنا في التوراة هو الرجم، لكنّهم أخفوه،وقد أمر اللّه تعالى نبيّه أن ينفذ حكم اللّه بينهم.

بهذا الشكل يكون القرآن والتوراة والإنجيل سبباً للهداية. يقول تعالى: (إِنّا أَنْزَلْنا التَّوراة هُدىً وَنُور يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذينَ أَسْلَمُوا للَّذِينَ هادُوا) . فهذه الآية ونظائرها ناظرة إلى الآيات التي لم تحرّف في هذين الكتابين، وقد اعترف بها شريعة الإسلام، وليس كلّ ما هو موجود في ذلك اليوم أو هذا اليوم. والملاحظ انّ القرآن يفرّق بين هذين الكتابين باعتبارهما محرّفين، و بين القرآن، فيقول في خصوص التوراة والإنجيل: «فيها هدىً ونور» أو «فيه هدى ونور» وليس جميعه هدىً و نوراً. بينما يعبر عن نفسه(وَأَنْزَلْنا إِليكُمْ نُوراً) .(1)

وهنا نخلص إلى أنّ التوراة والإنجيل ينطويان على حقائق نورانية رغم تحريفهما، وقد انتقل قسم منهما إلى الشريعة الإسلامية، وتسمّى بالمشتركات وهي تشكل جزءاً يسيراً من أحكام الكتابين، لكن هذا لا يعني الاعتراف بالشرائع السابقة أو انّها غير محرفة.

وهناك سؤال آخري يقول: إذا كانت الهداية منحصرة بالشريعة الأخيرة فيلزم أن يعاقب ويعذب أغلب الناس يوم القيامة، وسيحرمون من رحمة اللّه، بينما رحمته أوسع من أن يلقي جميع الناس في العذاب.

والجواب: إذا كانت الرسالة الخاتمة تعترف للشرائع السابقة بالهداية، وتلبس الأديان السابقة لباس الحقّ، فكيف يقول: تؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟

لكن القرآن يصرّح بوضوح: (وَما أَكْثَرُ النّاسِ ولو حَرَصْتَ بِمُؤْمِنين) (2)،


1-النساء:174.
2-يوسف:103.


(315)

وبيّن جزاء الكافر والمؤمن المعاند، فلم يبق إلاّ أن نجرد الشريعة من الحقّ، أو نسلم لهؤلاء.

وقد أجاب القرآن عن هذا السؤال بوضوح، لأنّ العذاب للكافر المقصر، الذي يعرف الحقيقة لكنه يستسلم للهوى ولا يأتمر بأوامر اللّه.وأمّا الإنسان القاصر، الذي لا يحتمل وجود حق آخر، أو ليس لديه ما يساعده للوصول إليه، فلا شكّ انّه مستثنى من عذاب اللّه.

وقد أشار القرآن والأحاديث إلى «المستضعفين»، ودرس الباحثون المسلمون هذا الموضوع بالتفصيل، فهؤلاء الذين يشكل الكافرون أغلبيتهم مستثنون. وطالما استثناهم القرآن خلال تأكيده دخول الكافرين النار، فيقول: (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالوِلْدانِ لا يَسْتَطيعُونَ حِيلَة وَلا يَهْتَدُونَ سَبيلاً)(1)، وفي آية أُخرى انّهم مرجون لرحمة اللّه:(وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللّهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوب عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَليمٌ حَكِيم) .(2)

فالمستضعفون إذاً على أقسام:

1. لا يوجد في الأرض التي بصر بها العالم ما يؤهّله للتعرّف على الدين الصحيح.

2. لا يمكن أن يقوم بوظيفته لعدم وجود فقيه عالم في بلاده يهديه.

3. يعتقد بسبب أجوائه التربوية انّ شريعته محكمة إلى درجة لا يتسرب إليها الشكّ، كما في بعض مناطق شرق آسيا، حيث لا يحتملون انّ الشريعة الحقّة خارجة عن دائرتهم.


1-النساء:98.
2-التوبة:106.


(316)

4. وكذلك من المستضعفين من لا تسعفه قواه العقلية على التفكير.(1)

القراءة الثالثة للتعدّدية

القراءة الثالثة للتعددية في المجال المعرفي، والتي سيكون الدين، في ضوئها،واحداً واقعاً. ويعود السبب في تعدّده إلى الفهم المختلف للأنبياء الإلهيّين.

وهذا التفسير هو آخر قراءة للتعدّدية «البيلوراليزم»، والظاهر انّه المقصود من قبل مؤسسي هذه النظرية، التي ارتكزت إلى مبدأ الفيلسوف الألماني كانت (1724ـ 1804هـ) الذي يقول: «إنّ الشيء في نفسه غير الشيء عندنا»، لذا لا يمكن أن نصل إلى الحقائق التي لم تقع بأيدينا وإنّما نعي ما ندركه وفق قوالب ذهنية سابقة، لهذا لا يمكن للإنسان أن يصيب الحقيقة.

وهذا الحكم يسري إلى الأنبياء، لأنّهم سيتأثرون خلال بيانهم لما يتلقونه من شهود الوجود المطلق، سيتأثر بعوامل أربعة، وبالتالي سيكون فهم أحدهما يغاير فهم الآخر. من هنا تتعدد الأديان، ولا يمكن إلباس أحدهم لباس الحقّ أو الباطل، لأنّ كلّ واحد يطرح ما يفهمه وفق تجربته الدينية.

يقول «جون هيك» هنا: لقد استطاع كانت (وإن لم يقصد ذلك) أن يطور الفلسفة، لأنّها اتّسعت وتكاملت في ضوء هذه الفرضية، وهو يفرّق بين العالم الموجود في نفسه (ويسمّيه العالم المعقول) وبين العالم الذي يتجلّى لوعي وشعور الإنسان (ويسمّيه العالم الظاهر).(2)

وقبل أن نبدأ بنقد هذه النظرية سنتناول أوّلاً الأساس الذي ترتكز إليه هذه


1-للمزيد راجع: بحار الأنوار:69، الباب 162 من أبواب المستضعفين.
2- جون هيك: فلسفة الدين: 245.


(317)

القراءة ثمّ نعود لأصل القراءة.

إنّ نظرية «كانت» التي تعدّ إحدى مفاخر هذا الفيلسوف الألماني لا تعدو كونها جزءاً من التشكيك. ورغم انّ «كانت» شخص واقعي إلاّ انّه وضع مبدأ لا ينتج إلاّ الشكّ، لأنّه يقول: «الشيء في الخارج غير الشيء في إدراكنا». فإذا كان هذا المبدأ صحيحاً فكيف ندعي انّ الحقائق في العالم الخارجي موجودة، ثمّ نقول إنّ معرفتنا بها نسبية؟ وإذا كنّا نعي جميع إدراكاتنا بواسطة قوالب ذهنية، مسبقة فكيف نقول: ما هو عندنا ـ ولو بشكل نسبي ـ هو نفسه الذي في الخارج؟

لقد أحيا «كانت» بنظريته شك «بيرهون»، فعلى الرغم من أنّه لم ينفِ الوجود الخارجي إلاّ أنّه يقول من الممكن أن تكون الأشياء في الخارج شيئاً و ما ندركه شيئاً آخر. وبيرهون كان متردداً في طرحه، بينما طرح «كانت» نظريته بشكل نهائي وجزمي.

لا شكّ انّ فلسفة «كانت» عجزت عن إثبات الشيء في نفسه، فانسحبت إلى المثالية، وقد أشكل عليه من جاء بعده من المثاليين، كـ«نيتشه» و«هيجل»، وقالوا: إنّ فلسفة «كانت» فلسفة مثالية وليست واقعية. و«كانت» كان يعتقد بالشيء في نفسه، ويحكم بوجوده، لكنّه يقول: إنّه غير قابل للمعرفة، وهذه قضية متناقضة لأنّ الحكم بوجود الشيء في نفسه نوع من معرفة الشيء في نفسه.

كانت و كوبرنيك

يشبّه «كانت»، منهجه بمنهج« كوبرنيك»، ويقول: إنّ كلانا استطاع بقلب الفرضيات السابقة أن ينجح في إزالة مشاكل كثيرة. لكن ينبغي أن يعلم أنّ «كوبرنيك» استطاع بنظريته الجديدة أن يقصي ما سببه علماء الفلك السابقين من


(318)

إشكالات، بينما واجه «كانت» بنظريته سيلاً من الإشكالات، التي كان ينزعج منها لكنّه وجّهها بشكل منطقي.

من المؤسف انّ فلسفة الغرب اليوم، التي تشكل البحوث المعرفية أغلب موضوعاتها ـ و قد انتقلت إلى الشرق كهدية فكرية ـ لا تفضي إلاّ إلى الشكّ والتزوير. ولو أُتيح للغربيين أن يطّلعوا على بحوث الفلاسفة المسلمين في موضوع الوجود الذهني، لحصلت ثورة كوبرنيكية أُخرى في فلسفتهم.(1)

وأمّا حول نقد نظرية «كانت» فنقول: هناك نوع من المعارف الإنسانية، لم تؤخذ من الخارج، ولو فرض انّها أخذت من الخارج، فلم تتأثر بأيّ قالب فكري سابق، مثل:

1. امتناع اجتماع النقيضين.

2. امتناع اجتماع الضدّين.

3. بطلان الدور والتسلسل.

4. احتياج كلّ ممكن إلى علّة.

فهذا النوع من المعارف في الحكمة النظرية لم يُصَغْ وفق قوالب ذهنية، لذا هي قضايا مطلقة وصادقة في كلّ زمان.

وهنا نسأل «كانت»: قيل هناك اختلاف بين (نومن) و (فنومن)، ولا يمكن للأشياء الخارجية أن ترد إحساسنا دون أن تتغير، فهل القانون يشمل هذه النظرية أم لا؟ لأنّه يؤكد في نظريته الواقع الخارجي، الذي لا شكّ انّه يرد الحسّ عن طريق الجهاز الفكري، فيكون حينئذ محكوماً لقانون (نومن) و (فنومن)، وفي هذه الصورة سوف لا يكون هذا الفكر واقعياً، فإذا كان نسبياً، فلا يمكن أن نقول إنّ


1-المعرفة في الفلسفة الإسلامية: 105ـ 111.


(319)

باقي إدراكات الإنسان نسبية، إذ لو كان هذا الفكر مطلقاً لاستطعنا أن نحكم بنسبية الكل، لكنّه ليس فكراً مطلقاً بل نسبيّ فحينئذ لا يتضرّر إطلاق النظريات الأُخرى.(1)

أمّا بالنسبة إلى القراءة الثالثة لهذه النظرية، فخلاصتها انّ هناك حقيقة اسمها الإشراق والاتصال بالوجود المطلق، وشهود وإدراك اللّه بدون واسطة. ويعبرون عن هذه العملية بالتجربة الدينية، غير انّ التعدّدية الدينية لها علاقة بفهم الأنبياء، وهناك أربعة عوامل لوجود الاختلاف في الفهم بينهم.

وبعبارة أُخرى: «انّ اتصال الأنبياء بهذا الموجود المجهول، أو الشعور بالارتكاز مطلقاً إلى موجود متعال حقيقة واحدة ولا تستبطن الكثرة، لكن يحصل الاختلاف عندما يراد التعبير عن هذه الحقيقة وصبها في قالب لغوي». يقول جون هيك (وهو أكثر المهتمين بهذا الموضوع):

1. التعدّدية الدينية، من زاوية معرفية، هي هذه الحقيقة، وهي انّ تاريخ الأديان هو استعراض لتعدّد المذاهب وكثرة ما بها من تشعّبات، وهذا الإصلاح ناظر، من زاوية فلسفية، إلى نظرية خاصة في العلاقة بين المذاهب وما تدّعيه ونقائضها. وهو يعادل النظرية التي تدّعي انّ مقوّم الأديان العالمية الكبيرة هو الفهم المختلف للحقيقة الغائية، الإلهية المجهولة.(2)

2. الأديان المختلفة تيارات متباينة للتجربة الدينية، وقد بدأ كلّ واحد منها في مرحلة معينة من التاريخ البشرى، والوعي العقلي لها يتفتح داخل فضائها الثقافي.(3)


1-نقدنا هذه النظرية بشكل واضح في كتاب المعرفة، فيمكن مراجعته.
2-تعدد الأديان عند جون هيك: 301.
3-فلسفة الدين: 338.


(320)

3. وهذا يعني انّنا واقعاً لانستطيع أن نتحدث عن صحّة أو خطأ أحد الأديان، فكيف نتحدث عن صحّة وخطأ إحدى الحضارات، لأنّ الأديان، كتيارات دينية ثقافية متمايزة في تاريخ البشرية، تعكس تنوع البشرية وطبائع الأفكار، وهذا الاختلاف الذي يتجلّى بين الذهنية الشرقية والغربية في الصور العقلية و اللغوية والاجتماعية والسياسية والفنية المختلفة، يحتمل أن يكون نابعاً من الاختلاف بين الدين الشرقي والغربي.(1)

4. هناك تفاوت بين المذاهب الدينية الكبرى، ولا سيما بين التيارات العرفانية، حول فهم الحقيقة المحضة أو الغاية المطلقة أو هيكل الربوبية، تلك الحقيقة التي جرّبها أفراد البشر.

والاحتمال القوي انّ الحقيقة الغائية لا متناهية ومن هنا فهي أسمى من إدراك وتفكير ولغة البشر.

ولو فرضنا انّ الحقيقة المطلقة واحدة، إلاّ أنّ إدراكنا وتصوّرنا لهذه الحقيقة متعدّد ومختلف، فهذا يقوّي الفرضية التي تقول إنّ التيارات المختلفة للتجربة الدينية تؤكد انّ الاختلاف في إدراكنا للحقيقة المتعالية اللا محدودة هو انعكاس لما يدركه الإنسان منها في ضوء التاريخ الثقافي المختلف، الذي يتأثر به ويؤثر فيه.(2)

نقد وتحليل للقراءة الثالثة

1. إذا لم يتمكّن أحد من الوصول إلى الحقيقة، وكلّ شخص ينظر إليها بمنظار خاص، فيجب أن نقول: إنّ جميع الشرائع أو الأديان ستكون (طرقاً) غير


1-المصدر نفسه: 234.
2- المصدر نفسه: 243ـ 245.


(321)

مستقيمة ومعارف غير ثابتة وتفاسير قلقة من شهود الحقيقة المطلقة، ولم يعثر الإنسان على الحقيقة منذ ولادته، وهو يتخبط دائماً في بحر الجهل، وسيبقى في ضلاله إلى يوم يبعثون.

وإذا كانت جميع الشرائع أو الأديان في صف واحد، وجميع الرسالات مختلفة بسبب العوامل، فينبغي أن نقول: لا فرق حينئذ بين اليهودية والمسيحية والإسلام والأديان الأُخرى مثل البوذية والهندوسية، بل حتى المذاهب الإلحادية مثل المادية والواقعية الحديثة، لأنّ الجميع يشتركون في رسم صورة خطأ للوجود، وعليه سيكون الإنسان مخيراً في اختيار تثليث المسيحية وتوحيد الإسلام وإلوهية براهما وبوذا. وهذا التفسير يعكس وجود أزمة فكرية لدى صاحب هذه النظرية.

2. لو فرضنا صحّة هذه النظرية، فانّ التعدّدية ستختص في التعاليم العقيدية كالتوحيد والتثليث، والجبر والاختيار، والتنزيه والتجسيم، ولا تشمل الأحكام العملية والأخلاقية، لأنّ من الممكن أن يستوحي الإشراق والارتباط بالوجود المطلق، إيحاءات مختلفة من العلاقة بهذا الوجود المطلق. أي من الممكن أن يكون إدراك كلّ واحد من هؤلاء المرسلين (كما يعبر هيك) لذات وصفات وأفعال الحقيقة المتعالية اللا محدودة يختلف بشكل كامل، لكنّهم لم يختلفوا في فهم الأحكام العملية المتعلّقة بشؤون المجتمع وإصلاح أخلاق الإنسان.

وبتعبير آخر انّ النصوص العقائدية تشتمل على جنبة خبرية، وتقول: اللّه واحد، أو اللّه ثلاثة، وهكذا القضايا الأُخرى في العقيدة، إلاّ أنّ النصوص في التعاليم العملية والأخلاقية إنشائية، وبلا فاصلة يقول الأنبياء: افعل أو لا تفعل. مثلاً: صلّ، صم، اعط الزكاة، لا تظلم، لا تراء، لا تغتب. فكيف يمكن لهذه النصوص المختلفة أن ترتبط بالتجربة الدينية، ويكون ارتباط الأنبياء بالوجود المطلق؟ وهل يمكن للّغة أو الثقافة أن تؤثرا في هذه التعاليم؟ وإذ كنا لا نفهم


(322)

شيئاً من هذه النصوص (حتى يصبح انّ الشيء في نفسه غير الشيء عندنا) فكيف يطالب المجتمع بأشياء؟

3. لو افترضنا انّ القضايا العقائدية انعكاس لما يفهمه الأنبياء من التجربة الدينية، فكيف يكون للإشراق والعلاقة بالوجود المطلق نتائج متناقضة، أحد الأنبياء يدعو إلى التوحيد والآخر إلى التثليث؟

إنّ أحد دعاة التعدّدية ينسب التضاد إلى اللّه ويقول: «إنّ أوّل من بذر بذور التعدّدية في العالم هو اللّه، واللّه هو الذي أرسل أنبياء مختلفين، فتجلى لكلّ واحد بشكل، وأرسل كلّ واحد إلى مجتمع، وجعل على كلّ لسان وذهن تفسيراً خاصاً، وبهذا الشكل أجّج بودقة التعدّدية».(1)

ولازم هذا الكلام انّ اللّه أوحى إلى أحدهم التوحيد وأوحى إلى الآخر الشرك، بينما نجد جميع الأنبياء قد عبّأوا أنفسهم لدعوة التوحيد، فهل يمكن أن ننسب هذا الكلام إلى فاعل هادف؟

إنّ إحدى مشكلات البيلوراليزم هي وجود التناقض في دعوات الأنبياء (لانّهم يعتقدون أنّ المسيح دعا إلى التثليث)، وطالماً أخفقوا في حل هذه الأزمة.

يقول «ويليم الستون» في حوار أجرته معه مجلة كيان الإيرانية رداً على سؤال أثاره مراسل المجلة عن وجود التناقض بين الدعوة إلى التوحيد في الإسلام، ودعوة التثليث في المسيحية، يقول: إذا كان هناك نصان متناقضان فيما بينهما فلا يمكن أن يكون كلاهما صادقاً بشكل كامل، وهذا الحد الأدنى الذي نفهمه من مفهوم الصدق، أمّا المثال الذي ذكرته فانّه مهم، إذ طالعت أخيراً كتاباً يتكون من خمسة أجزاء لأحد الباحثين البريطانيين، وهو كتاب ذو أجزاء كبيرة، فالجزء الثاني من


1-د. عبدالكريم سروش: صراطهاي مستقيم:18، طهران، مؤسسة فرهنگ صراط.


(323)

الكتاب جاء تحت عنوان (المسيح المقدّس والفتح الإلهي)، حيث استدلّ المؤلف بقوة، وهو باحث انجليزي، انّ المسيح قد عرّف نفسه لمعاصريه باعتباره رسول اللّه ومن سلسلة أنبياء بني إسرائيل. وقد عرض رسالة بديعة ومختلفة بالقياس إلى أسلافه، ولما قدّم نفسه رسولاً من قبل اللّه تعامل معه مخاطبوه في ذلك الزمان على هذا الأساس. وهذا الكلام كان قبل الصلب وما تعلّق به من قضايا.

بناء على هذا ليس خطأ أن نعبر بـ(المسيح النبي). وأنا لا أقول إنّ هذه النظرية مقبولة من قبل جميع المسيحيّين، لكن لو قلنا ذلك من زاوية تاريخية فلا يعد بدعة، وليس خطأ أن نقول عنه رسول اللّه. فالنظرة التاريخية، طبقاً لعقائد المسيحيّين في الوقت الحاضر، لا تحكي تمام الحقيقة حول المسيح. وإذا ادّعى أحد انّ الرسالة قد انتهت فانّه سيعارض بذلك تعاليم المسيحية.(1)

والهدف من نقل هذا الكلام هو التأكيد انّ دعاة التعدّدية قلقون أيضاً من قضية التضاد والتناقض.

وأمّا قولهم: «إنّ الرؤية التاريخية لا تعكس تمام الحقيقة حول المسيح...» فهي محاولة فاشلة لإثبات انّ المسيح، بنظر الإنسان ومن زاوية أُخرى، هو نفس اللّه. بينما المسيح لا يعدو كونه حقيقة تاريخية، ولا يمكن للشيء الموجود في ظرف الزمان والمكان أن ينسلخ عن حقيقته وينتقل إلى مقام الألوهية.

4. تقول البيلوراليزم: «الحقيقة الدينية واحدة في مقام الشهود والشعور بالارتكاز المطلق إلى الموجود المتعال، لكنّها تتأثر بالثقافة السائدة أثناء التعبير عنها» بينما نحن نلاحظ خلاف ذلك بالنسبة لاثنين من الأنبياء:

أ. رسول الإسلام ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : إذ بعث الرسول في قوم كان دينهم وثنية وشركاً، لكنّه


1-مجلة كيان، العدد: 50، ص 7.


(324)

دعاهم إلى التوحيد على خلاف الثقافة السائدة في المجتمع.

ب. المسيح ـ عليه السَّلام ـ : الذي عاش وسط بني إسرائيل الموحدين، لكنّه (حسب عقيدة البيلوراليزم) دعاهم إلى تثليث اللّه. فكلا النبيين، أحدهم بنظر الجميع والآخر بنظر هؤلاء، دعا قومه إلى خلاف الثقافة السائدة.

5. إذا اعتبرنا فهم كلا النبيّين في مقام الإشراق واحداً، لكن العوامل الأربعة: (الثقافة، اللغة، التاريخ، الوضع الجسمي) هي التي تسبب الاختلاف حينما تؤثر خلال التعبير عن الموجود، إذا اعتبرنا ذلك فيجب أن تكون مذاهب الأنبياء السابقين في خصوص العقائد مختلفة، بينما نجد جميع الأنبياء، ماعدا المسيح (كما يدّعي بعض أتباعه) قد حاربوا عبادة الأصنام، وكان هدفهم التوحيد، ولم يكن للعوامل الأربعة أي مدخلية في دعواهم.

6.لازم هذا الكلام أن لا يوجد أي أصل قطعي وجزمي في أي دين، وهذا ناتج عن العوامل الأربعة، بينما ينطوي الدين الإسلامي على سلسلة من القضايا الجزمية التي لا يمكن أن تكون قلقة أو متأثرة بالعوامل الأربعة، وهي:

وجود اللّه، صفاته الجمالية والجلالية، إرسال الأنبياء، الدعوة إلى التوحيد، الدعوة إلى حياة أُخرى بعد الموت، محاربة الظلم، الدعوة إلى مكارم الأخلاق والنهي عن المنكرات، الواجبات الفردية والاجتماعية، النواهي الفردية والاجتماعية، خاتمية الشريعة الإسلامية، وعشرات التعاليم الأُخرى.

فهل صحيح أن نقول: إنّ هذه الأحكام والتعاليم هي انعكاسات لتنوّع الإنسان والطبائع والصور الفكرية المختلفة؟ أو نقول: وعي مختلف للحقيقة اللا محدودة والمتعالية، فتدركها أذهان البشر بأشكال متفاوتة، وتتأثر بالتواريخ المختلفة والثقافات المختلفة ثمّ تردنا على هيئة نصوص؟


(325)

إنّ جون هيك اعتبر الأديان واحدة لبعده عن تعاليم الإسلام وقطعياته ومتواتراته، فكلامه يمكن أن يصدق على الكنيسة أو أحد الأديان الشائعة في الشرق، مثل البراهماتية والبوذية والهندوسية، لكنّه لا يمكن أن يصدق على الإسلام الذي هو مجموعة تعاليم مقسّمة إلى قطعيات وظنيات، والتاريخ لا يؤثر على القطعيات أبداً.

7. من الغريب انّ هذا الباحث المسيحي، الذي ابتعد عن المسيحية أيضاً، قد جلس في غرفة مغلقة وأخذ يتحدّث عن الأديان السماوية دون أن يعرض نظريته على كلامهم، أو يقرأها لهم ليتأكد من موافقتهم على آرائه.

انّ الأنبياء ينسبون تعاليمهم في جميع المجالات إلى الوحي، وليس للعوامل، بما فيها إرادة النبي، أي تأثير. فعندما ذهب رسول الإسلام إلى دكان أحد الحدادين الروم وجلس هناك قليلاً، اتّهمه مشركو قريش بأخذ الوحي منه، فنزل الوحي ودفع الشبهة وقال: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ انّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِليهِ أَعْجَميٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِين) .(1)

فكيف يمكن مع هذه الأدلة الجازمة أن نحكم على كتب الأنبياء ونقول إنّها مخلوقة للعوامل السائدة في حياتهم؟

دراسة تمثيلين

استعان دعاة البيلوراليزم بتمثيلين هما:

1. التمثيل الذي ورد في الـ«مثنوي» ونقله «جون هيك» بتصرف يقول: جيئ بفيل إلى مجموعة من المكفوفين لم يرو الفيل قط فأحدهم لمس رجل الفيل


1-النحل:103.


(326)

وقال: الفيل عمود كبير وحي.

والآخر لمس خرطوم الحيوان، فقال: الفيل أفعى عظيمة الجسم. والثالث لمس عاج الفيل، فقال: الفيل يشبه شفرة المحراث، وإلى آخره.وبالطبع انّ جميع هؤلاء على حقّ، لكن كلّ واحد أشار إلى جزء الحقيقة، وأراد أن يعبّر عنها بتشبيه ناقص.(1) لكن الواقع ليس مع أحد منهم.

وهنا قد افترض «جون هيك» هؤلاء الأفراد مكفوفين وافترض الغرفة مضيئة، لكن الـ«مثنوي» افترضهم مبصرين وافترض الغرفة مظلمة.(2)

ويضيف «هيك»، بعد نقله القصة، نحن لا نستطيع أن نقول أي الآراء صحيحة، لعدم وجود رأي نهائي يمكننا أن نستنتجه من الرجال المكفوفين والفيل. والحقيقة انّنا جميعاً مكفوفون وواقعون تحت سلطة مجموعة مفاهيم شخصية وثقافية.(3)

إذاً فواقع جميع الأنبياء وأتباعهم هو واقع لمس هؤلاء الرجال للفيل، فكلّ زاوية من زواياه لا تمثل الواقع.

نقول يمكننا، إذا كنا أشخاصاً واقعيين أن نخلص إلى نتيجة أُخرى من هذا التمثيل وهي: انّ كلّ شيء يدرك بأداة حس خاصة به، فلا يمكننا مثلاً أن نميزالرائحة الطيبة عن الكريهة أو نميز الشيء الجميل عن الشيء القبيح بالحس، لأنّ الحاسة الحقيقية لهما هي حاسة الشم والبصر، وإلاّ سوف لا نضع أيدينا على الحقيقة إلى يوم يبعثون.


1-عقل واعتقاد: 407.
2-مثنوي:3:32.
3-مجلة كيان، مصدر سابق، العدد:28، ص 28.


(327)

فإدراك الفيل لا يتحقّق إلاّ باستخدام البصر وفي فضاء منير، بينما هؤلاء كانوا إمّا يفتقرون لحاسة البصر أو عدم تحقّق شرط الانارة، لأنّهم إمّا مكفوفون أو كان الفضاء مظلماً.

كما أنّ هناك حاسة خاصة لإدراك المعارف الإلهية وصفات اللّه الجلالية والجمالية، وبشكل عام إدراك القضايا الماورائية وهي العقل والبرهان، ولا يمكن الابتعاد عن العقل والاعتماد على الحس في إدراكها. فالنتيجة التي خلصنا لها من هذا المثال هي النتيجة نفسها التي أكدها الشاعر مولوي، إذ قال: إنّ جهل هؤلاء بحقيقة الفيل يعود إلى فقدان شرط الإدراك الحسي وهو الشمعة والنور، وإلاّ فمع تحقّق الشرط المذكور سنكشف الواقع لهم، وباستخدام العقل والمنطق سيتمكن المتدينون أيضاً من تمييز الحقّ عن الباطل والصحيح من الفاسد.

يقول العلاّمة محمد تقي جعفري في بيان مراد جلال الدين: الرؤيا هي الحاسة الطبيعية للحكم على الأشياء المتجسمة التي لا تعرف حقيقتها إلاّ باللمس، ولا تستطيع العين أن تثبت وجود حقيقة شيء آخر. فالعين التي تبصر البحر تختلف عن العين التي تبصر رغوة الماء. فأنت الذي خطوت خطوة للتعرف على الحقيقة اترك الثانية واستخدم الأُولى، فما تراه من رغو على سطح بحر الحقيقة يستمد حركته من البحر.(1)

إذاً فما يقولونه: «لا نعلم أي الرؤى صحيحة، لعدم وجود رؤية نهائية، يستطيع من خلالها الرجل المكفوف أن يتعرف على الفيل» صحيح، لأنّهم استخدموا القوة اللامسة، وهي أداة للأشياء الناعمة والملموسة وليست للتعرف على الحقيقة.


1-تفسير و نقد و تحليل مولوي:2/141.


(328)

فهؤلاء يريدون أيضاً أن يدركوا ما وراء الطبيعة بالحس والتجربة، مع أنّ الأداة الخاصة لمعرفة اللّه وصفاته الجمالية والجلالية هي العقل والبرهان والدليل، وبها فقط نستطيع أن نرفع الغطاء عن وجه الحقيقة. فتشبيه الإنسان المجهز بالمنطق والدليل، بالإنسان الذي يفتقر إلى الأدوات العلمية، قياس مع الفارق.

وهناك من يطرح تشبيهاً آخر مستفاداً أيضاً من بيت شعر لمولوي، يقول:

مــن المنظـار يـــا عقــل الوجــود * اختلاف المؤمن والمجوس واليهود(1)

يقول مولوي ـ كما قيل ـ إنّ الاختلاف بين الثلاثة: (المؤمن، المجوسي، واليهودي) ليس اختلافاً بين الحقّ والباطل، وإنّما الاختلاف في الرؤية، وهي ليست رؤية اتباع الأديان وإنّما رؤية أنبيائهم إلى الحقيقة، فثلاثة أنبياء نظروا إليها من ثلاث زوايا، أو انّها تجلّت للأنبياء الثلاثة من ثلاث زوايا، لهذا عرضوا ثلاثة أديان، فاختلاف الأديان ـ إذاً ـ ليس نابعاً فقط من اختلاف الظروف الاجتماعية أو تحريف الدين أو مجيء دين آخر يحل محله، وإنّما اختلاف منظار اللّه تعالى للعالم، فكما جعل الطبيعة متنوعة فكذلك جعل الشريعة متنوعة».(2)

انّ تشبيه عمل الأنبياء بشيء ينظر إليه من ثلاثة زوايا، سيكون صحيحاً عندما تشكل كلّ نظرة جزءاً من الحقيقة، بحيث لو جمعنا جميع تلك النظرات في نقطة دائرية لتوفرنا على معرفة كاملة بالشيء، فمثلاً عندما ينظر إنسان إلى آخر من منظار فكري ويعرّفه بأنّه إنسان مفكّر، يقول إنّما حكمت عليه من منظار فكري. وإذا كان من علماء الأخلاق ونظر إليه من منظار غريزي ويعرّفه بأنّه إنسان


1-مثنوي، الدفتر الثالث، البيت: 1258.
2-صراطهاى مستقيم:14.


(329)

غريزي ومرهف الحس، سيقول إنّما حكمت عليه من منظار غريزي. فعندما تجتمع هذه الصفات في دائرة واحدة ستكمّل إحداهما الأُخرى.

بينما هذا الشرط غير موجود في نظرة الأنبياء، كما ذكر شارح البيت الشعري، فواحد يقول انّ اللّه واحد أحد، والآخر يقول واحد بسيط، وثالث يقول متعدّد ومركب. فلا شكّ انّ أحد هذه الآراء باطل وغير قابل للجمع. وهذا الكلام جار في التعاليم العملية، فواحد يقول هذا العمل حرام في شريعته، والآخر يقول حلال، فلا يمكن أن نوعز هذا الاختلاف إلى تباين الرؤية، لأنّ اختلاف الرؤى يكمل أحدهما الآخر، لا أن تتباين.

ثمّ إنّ هذا التفسير لشعر مولوي لا ينسجم مع الأبيات السابقة واللاحقة للبيت. ففي الأبيات الأُولى يقول مولوي إنّ هناك من ينظر إلى زجاجة المصباح والآخر ينظر إلى النور نفسه، فمن ينظر إلى الزجاجة يتصوّر انّ النور ينبعث منها، فيكون ضالاً، أمّا من ينظر إلى النور نفسه فسيسلك طريق الحقيقة ويدرك عين النور. فالاختلاف في الرؤية يعني عدم الاستفادة من الأداة الصحيحة، كالعقل الذي يهدي إلى الحقيقة، ولا يعني تصويب كلّ الرؤى التي بمجموعها يكمل بعضها الآخر.

يقول العلاّمة محمد تقي جعفري في شرح هذا البيت: ما نشاهده من خزف وفتائل مختلفة موجب للتعدّد والكثرة، ولكن النور الموجود في الخزف والفتائل كإشعاعات لأبدان الإنسان هو من ماوراء الطبيعة، وهو حقيقة، فلا تنظر إلى الزجاجات الحجرية الملونة التي هي منشأ التعدد والتنوّع، لأنّك سوف تضل.(1)


1-تفسير و نقد وتحليل مولوي:2/118.


(330)

من هنا انّا ندعو إلى التأنّي في ولوج هذا اللغز المحيّر، لأنّ التفسير الثالث للبيلوراليزم يقضي إلى إنكار الوحي الذي يشكل مثلث الشرائع السماوية: العقائد، الأحكام، والأخلاق، فهم يقولون: إنّ رسالات الأنبياء هي نتاج جهازهم الإدراكي، وهم يتأثّرون بالعوامل التاريخية واللغوية والاجتماعية والجسمانية، ولا علاقة لهم بمقام الربوبية. وإذا أنكرنا الوحي سينتفي الدين والشريعة.

المباني الفلسفية للبيلوراليزم

هناك عدة قضايا تشكل أساس هذه النظرية، التي جرى الحديث عنها في موضوع فلسفة الدين، والتي يشكّل الكلام المسيحي أُسس بعضها وهي:

1. «انّ الجهاز المعرفي لا يستطيع إيصال الحقيقة إلى أيّ شخص كما هي بحيث تكون مطابقة للواقع، وحتى الأنبياء لا يستطيعون الوصول إلى الحقيقة المطلقة، لأنّهم مشمولون بهذا القانون، فإذا سلّمنا بذلك ستتهيّأ الأرضية اللازمة للبيلوراليزم،وسوف لا يبقى فرق بين الكليم والمسيح ومحمد ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ في أي عصر من العصور، لأنّ ما يمنع تحقّق البيلوراليزم هو الاعتقاد بأنّ المعرفة مطلقة».(1)

2. اللغة الدينية لغة رمزية، والنصوص الدينية لا تنظر إلى الواقع ولا تعكس الخارج، ولا يمكننا أبداً أن نتعامل معها وكأنّها إخبارات، لذا ليس هناك فرق بين الأديان، والاعتراف بهذا الأمر سيهيّئ المقدّمات اللازمة لقبول البيلوراليزم بشكل تلقائي.

إنّ قضية اللغة الدينية من القضايا الحساسة جدّاً، وإذا لم تفسر بشكل


1-مؤسس هذه النظرية هو الفيلسوف الالماني «كانت».


(331)

صحيح سوف لا تكون المعرفة الدينية جزمية، وستفقد المقولات الدينية معانيها، وتغمرها الحالة الشاعرية. وكان لنا حديث سابقاً عن هذا الموضوع.

3. «الوحي تجربة دينية، وتستخلص حقيقتها من شهود وإدراك اللّه مباشرة وتجلّيه لأنبيائه، وليس ضرورياً أن يصاحب ذلك تلقي رسالة أو أوامر. وتعاليم الأنبياء، أعمّ من التعاليم الخبرية كالعقائد، أو الإنشائية كالأحكام، هي انعكاس لما يفهمونه منها، وحتى لو فرضنا انّ محتوى الرسالات نازل من اللّه لكن ألفاظها ليست منه، وعليه الأنبياء ما يتلقّونه في قوالب لفظية طبقاً لذهنياتهم، وحينئذ سيكون من السهل أن يتأثروا في مقام التعبير بظروفهم الخاصة، وسوف لا يكون هناك ما يضمن صحّة فهمهم، إذاً فهؤلاء بشر، ويتأثرون كغيرهم بالظروف السائدة.

إنّ اقتصار الوحي على شهود وإدراك اللّه من غير واسطة إنكار للوحي الذي هو أساس الشرائع السماوية، وكلّما اقتصر الوحي في الشهود فيكون حقيقة قائمة في شخص الرسول، فلا يمكنه أن يكون أُسوة وقدوة، وإنّما نصل إلى الفوز والسعادة من خلال النصوص التي تتجلى للأنبياء على هيئة تعاليم دينية. وكلّما اشتملت هذه التعاليم على أبعاد بشرية، بما فيها نتاج الرسول، فستأخذ صيغة بشرية وستنخفض قيمتها، ولا يبقى ما يوجب الالتزام بها. وهذا النمط من التفسير للوحي مخالف للكتاب، يقول تعالى: (وَالّذي أَوحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ)(1). وهذه الآية تأكّد بوضوح انّ القرآن ـ المحتوى واللفظ ـ وحي إلهي وليس نتاجاً لذهنية الرسول.


1-فاطر:31.


(332)

ويقول في سورة الإسراء بعد بيان مجموعة من المعارف والأحكام ابتداء من الآية 21 إلى آخر الآيات: (ذلِكَ مِمّا أَوحى إِلَيْكَ رَبُّك مِنَ الحِكْمَة) .(1) وعندما ذهب موسى ـ عليه السَّلام ـ إلى طور ليتلقى رسالة ربّه أقام هناك أربعين يوماً تمكن بعدها من الحصول على الرسائل التي كتبت على الألواح، يقول: (وَكَتَبْنا لَهُ فِي الأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَـيْء مَوعِظَة) .(2) وهذه الآية تنسب بوضوح تلك الرسائل إلى اللّه وليس إلى ذهنية موسى ـ عليه السَّلام ـ .

ويقول في آية أُخرى: إنّ جميع رسالات الأنبياء صحيحة، وإذا نسب الرسول شيئاً إلى اللّه كذباً فسنؤاخذه:(وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأَقاوِيلِ* لأَخَذْنا مِنْه بِاليَمين* ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الوَتين) .(3)

عندما ندقّق في الكتب السماوية والقرآن الكريم سيتضح انّ للوحي معنى واسعاً، وهو ما يتلقّاه الأنبياء من رسائل مسموعة أو مكتوبة في ظروف خاصة، فتصرّف أذهان الأنبياء إذاً يتنافى مع عصمتهم، بل ربما يستأصل جذر العصمة عندهم. والعصمة في تلقي الوحي وحفظه وتبليغه من الأُمور المتّفق عليها بين المسلمين، وقد أكدّها القرآن الكريم : (عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظهِرُ عَلى غَيبِهِ أَحداً* إِلاّمَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُول فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً).(4)

والآية تؤكد انّ اللّه قد سخّر ملائكته لصيانة الوحي من كلّ تغيير، ابتداء من مرحلة التلقي إلى مرحلة الإبلاغ، وذلك من أجل الحيلولة دون أي تصرّف في


1-الإسراء:39.
2-الأعراف:145.
3-الحاقة:44ـ46.
4-الجن:26ـ 27.


(333)

الوحي.

4. من مباني البيلوراليزم فصل الدين عن الشريعة، فالدين بنظر البيلوراليزم أمر إيحائي، بينما الشريعة (تعاليم الأنبياء) في مثلث العقيدة، الأخلاق، والأحكام العملية فهي نتاج ذهن الأنبياء، وحينما تطبق البيلوراليزم سيكون المحور هو الإيمان وليس الشريعة، وإذا كان الإيمان أساس العمل فسيصان من كلّ اختلاف، أمّا إذا كان الأساس هو الشريعة، فلا شكّ سنواجه تعاليم متضادة ستكون نواة للتشدّد والصراع والتنافس.

الإيمان يعني ارتباط النظام العالمي، مهما كانت قيمته عالية بعالم آخر هذا من جهة، ومن جهة أُخرى فإنّ الإنسان لا يلتزم بتعاليم الأنبياء ما لم تؤثر به. والكمال المعنوي يتحقّق عن طريق العقيدة والعمل، فمن يقول: «محورية الإيمان نواة للوحدة والتوحد ، ومحورية الشريعة سبب للتفرقة والانقسام» كمن يعيّن المدّعى مسبقاً في كلامه، ثمّ يسعى لإثباته. فتجريد الدين من الشريعة إنهاء للدين وإنهاء للحياة الدينية، وما لم يترافق الإيمان باللّه والعمل الصالح فلا يؤثر الإيمان شيئاً في تحقيق سعادة الإنسان.

إلى هنا استعرضنا المباني الفلسفية للبيلوراليزم، لكن بعض دعاة هذه الفكرة في بلادنا يحاولون التشبّث ببعض الأفكار القرآنية لدعم التعدّدية الدينية، فلابدّ أن نشير إلى بعضها:

أ. «يعتقد المسلمون انّ اللّه تعالى هو الهادي، فإذا كانت هذه الدعوى صادقة فهو يهدي جميع أو أغلب البشرية، وإذا كان القسم الأعظم من البشرية ضالين فهذا يتنافي مع كونه هادياً، و ربما يعني هذا غلبة الشيطان على الرحمن وخذلان أنبياء اللّه، فكون اللّه هادياً لا يصدق إلاّ أن تكون أكثرية بني آدم على


(334)

الحقّ وصواب الفكر».

لقد اختار المستدلّ التفسير الثاني للبيلوراليزم (فوز أتباع جميع الشرائع)، لكنّه لم يفرّق بين الهداية التكوينية والهداية التشريعية، واعتبر الاثنين واحدة رغم انّ اللّه هادي الاثنين معاً.

الهداية التكوينية الجبرية التي تشمل العالم تعني انّ اللّه يهدي كلّ موجود يخلقه ويهبه الحياة، فتناول الطفل لحليب الأُمّ يحتاج إلى هداية وهكذا، يقول: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) .(1) و هذه الهداية التكوينية خارجة عن إرادة المخلوقات، وسواء أراد المخلوق أم لا فهو يتمتع بهذه الهداية، ولا فرق فيها بين المسلم والكافر والمسلم والمسيحي.

وفي مقابل هذه الهداية هناك الهداية التشريعية التي لا تتحقّق إلاّ بإرسال الأنبياء والأئمّة وأمثالهم، ويكون الإنسان في هذه الهداية مختاراً ومريداً، بل يفتخر انّه قد اهتدى بهذه الهداية بمحض حريته. لكن كون اللّه تعالى هادياً لا يلزم منه أن يستثمر الإنسان هذه الهداية جزماً ويكون مهتدياً، وإنّما يكفي أن يعرض اللّه هدايته ويضعها بين يديه، سواء استفاد منها الإنسان أم لا. ونحن لم نر ولم نسمع باستثمار البشرية للهداية التشريعية بشكل كامل بل يقول تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنينَ) .(2)

ب: «يعتقد المسلمون انّ التوحيد فطري، لكن هذا الادّعاء لم يثبت لا بالدليل العقلي ولا بالدليل التجريبي رغم انّ المتدينين يعتقدون به، وعلى أساس


1-طه:50.
2-يوسف:103.


(335)

اعتقادهم يجب أن نلتزم انّ أكثرية أو جميع البشرية، في أي دين أو عقيدة، على الحقّ مادامت لهم فطرة».

وللجواب عن هذا الاستدلال نقول:

أوّلاً: عندما نقول الدين أمر فطري فالمقصود هو الجذور الأساسية للدين، وليس جميع تعاليم الأنبياء، وهداية الجميع في العمل إلى جميع التعاليم أو قسم منها. ولو فرضنا انّ جميع من على الأرض يعتقدون باللّه، ويمارسون ما هو محبب من الأعمال الفطرية ويتركون ما ترفضه الفطرة، فهذا الاتجاه لا يحقّق سوى نصف السعادة، لكنّها لا تقتصر على الاعتقاد باللّه أو على مجموعة من المبادئ الأخلاقية، لأنّ الإسلام بحر عظيم من الحقوق والفقه والعقائد لابدّ أن نتعلمها من نبي الإسلام، ولا يمكننا الاكتفاء بالفطرة.

ثانياً: الفطرة اتجاه باطني يحث الإنسان على عمل الخير، لكنّها سرعان ما تتحطم في ظل ظروف خاصة. فكثير ما يرجّح الناس الظلم على العدل رغم انّ الفطرة تحكم بقبح الظلم، وعليه فليس جميع أو أغلب أفراد المجتمع على المسار الصحيح.

ج: المقوم الأساسي للخاتمية انّ البشرية قد وصلت إلى مرحلة التكامل التي يكون الدين فيها محفوظاً بشكل طبيعي. أي انّ البشرية سوف لن تخالف دين اللّه ولا تريد هدمه حتى تحتاج إلى رقيب إلهي أعلى. المسلمون وغيرهم هم بأنفسهم دعاة حقّ، والجميع متساوون في هذا الشيء المعادل للفردية.

لكن الفهم المتقدم للخاتمية ليس صحيحاً، لأنّ الخاتمية ـ خلافاً لهم ـ تعني انّ البشرية مادامت حية فهي تحتاج إلى الشريعة وما ورد فيها.


(336)

والشريعة الإلهية الأخيرة، الجامعة المانعة إنّما أرسلت نوراً. وأمّا كون البشرية على طريق الصلاح والفلاح فلا علاقة له بالخاتمية. والشيء الوحيد الذي له علاقة بها هو أن تصل البشرية إلى مرحلة، من حيث الاستعداد والإدراك، تستوجب نزول الشريعة الخاتمة، ولا تدلّ الخاتمية على أنّ جميع البشرية متأثرون بهذا الشعور.


(337)

14

بسم الله الرحمن الرحيم

مع الإمام البخاري في صحيحه

صحيح البخاري أحد الصحاح الذي حاز على منزلة كبيرة لدى أهل السنّة، وقد نقلوا عن البخاري انّه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلاّ صحيحاً وما تركت من الصحيح أكثر.(1)

وقال ابن حجر الهيتمي بأنّ صحيح البخاري وصحيح مسلم هما أصحّ الكتب بعد كتاب اللّه وإجماع من يعتد به.(2)

إلى غير ذلك من كلمات الإطراء المبثوثة في المعاجم وكتب التراجم، ولسنا الآن في مقام البحث والنقاش في مدى صحّة هذه الكلمات، وكفانا في ذلك الكتاب الماثل بين يديك الذي يوقفك على حقيقة الأمر، غير انّ ثمة أُموراً نقف عندها قليلاً:

الأوّل: يوجد في صحيح البخاري روايات التجسيم والتشبيه بوفرة وإن حاول شُرّاح الصحيح تأويلها غير انّها فشلت جميعاً، لأنّ ظهورها بمكان يحد


1-ابن حجر العسقلاني:هدى الساري: ص 7; مقدمة صحيح البخاري: 1/10.
2-الصواعق المحرقة:18.


(338)

من تأويلها والتلاعب بها، والسبب وراء هذه الكثرة من روايات التجسيم يعود إلى أنّ البخاري عاش في عصر المتوكل العباسي الذي استخدم طبقة من المحدّثين ومنحهم الجوائز في نقل الأحاديث التي تؤيد موقف المحدّثين أمام أهل التنزيه من العدلية والمعتزلة.

يقول الذهبي: إنّ المتوكّل أشخص الفقهاء والمحدّثين; وكان فيهم: مصعب الزبيري، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وإبراهيم بن عبد اللّه الهروي، وعبد اللّه وعثمان ابني محمد بن أبي شيبة; فقسّمت بينهم الجوائز، وأُجريت عليهم الأرزاق،وأمرهم المتوكل أن يجلسوا للناس ويُحدِّثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية، وأن يحدّثوا بالأحاديث في الرؤية.

فجلس عثمان بن محمد بن أبي شيبة في مدينة أبي جعفر المنصور، ووُضِع له منبر واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألف من الناس; وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في مسجد الرصافة، وكان أشدّ تقدّماً من أخيه عثمان، واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألف.(1)

ولذلك فلا تعجب من كثرة روايات التجسيم والتشبيه في الصحيح، لأنّ بعض هؤلاء من رجال صحيح البخاري.

الثاني: انّ البخاري و إن ذكر شيئاً من فضائل علي وأهل بيته إلاّ أنّ قلمه يرتعش عندما يصل إلى فضائلهم فيعبث بالحديث مهما أمكن، وإليك نموذجاً:

إنّ حديث الولاية يعني قول النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ في حقّ علي ـ عليه السَّلام ـ : «علي منّي وأنا من علي، وهو وليّكم من بعدي» من الأحاديث المتضافرة الذي أخرجه غير واحد من


1- تاريخ الإسلام ، وفيات عام 230ـ 240;تاريخ بغداد:10/66.


(339)

أئمّة الصحاح والسنن وحفّاظ الحديث، وقد نقله جمّ غفير من كبار أئمّة الحديث في كتبهم، ربما يبلغ عددهم حسب ما استخرجه المحقّق المتتبع السيد حامد حسين اللكهنوي(المتوفّى1306هـ) في كتابه «عبقات الأنوار» إلى 65، وعلى رأسهم:

1. سليمان بن داود الطيالسي(المتوفّـى204هـ).

2. أبوبكر عبد اللّه بن محمد بن أبي شيبة(المتوفّـى239هـ).

3. أحمد بن حنبل(المتوفّـى241هـ).

4. محمد بن عيسى الترمذي(المتوفّـى279هـ).

5. أحمد بن شعيب النسائي (المتوفّـى303هـ)

إلى غير ذلك من أئمّة الحفّاظ والمحدّثين(1)، وإليك نصّ الحديث:

1. أخرج النسائي في سننه قائلاً: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، عن ابن فضيل، عن الأعرج، عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، قال: بعثنا رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ إلى اليمن مع خالد بن الوليد وبعث علياً على آخر، وقال: إن التقيتما فعليٌّ على الناس، وإن تفرّقتما فكلّ واحدمنكما على جنده، فلقينا بني زبيد من أهل اليمن، وظفر المسلمون على المشركين، فقاتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، فاصطفى علي جاريةً لنفسه من السبي، فكتب بذلك خالد بن الوليد إلى النبيّ ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ وأمرني أن أنال منه. قال: فدفعت الكتاب إليه ونلت من عليّ، فتغيّر وجه رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ فقلت: هذا مكان العائذ، بعثتني مع رجل وألزمتني بطاعته فبلّغت ما أُرسلت به. فقال رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ لي: «لا تقعنَّ يا بريدة في عليّ، فإنّ عليّاً منّي وأنا منه وهو وليّكم


1-لاحظ نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار:15/51ـ54.


(340)

بعدي».(1)

2. وأخرج أحمد في مسنده عن ابن عباس، عن بريدة، قال: غزوت مع عليّ اليمن فرأيت منه جفوة، فلمّا قدمتُ على رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ذكرت عليّاً فتنقصته فرأيت وجه رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ يتغيّر، فقال : «يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم»، قلت: بلى يا رسول اللّه، قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه».(2)

وما جاء في الحديث الذي أخرجه النسائي من قوله ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : «عليّ منّي وأنا من علي وهو وليكم بعدي» لا ينافي المنقول في مسند أحمد ولعلّ الرسول جمع بين الكلمتين، أو انّ الراوي نقل بالمعنى فقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه.

وعلى كلّ حال فالحديث كان مذيّلاً بما يدلّ على ولايته بعد رحيل الرسول ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ .

ويؤيد ذلك انّ الإمام أحمد أخرج الحديث عن عمران بن حصين بالشكل التالي:

3.قال: بعث رسول اللّه سرية وأمرّ عليهم علي بن أبي طالب (رض) فتعاقد أربعة من أصحاب محمد أن يذكروا أمره لرسول اللّه، قال عمران: وكنّا إذا أقدمنا من سفرنا بدأنا برسول اللّه، فسلّمنا عليه، قال: فدخلوا عليه، فقام رجل منهم، فقال يا رسول اللّه: إنّ عليّاً فعل كذا وكذا فأعرض عنه.

ثمّ نقل قيام الثلاثة الباقين وتكرارهم ذلك القول وإعراض الرسول عنهم، حتى انتهى إلى قوله: فأقبل رسول اللّه على الرابع وقد تغيّر وجهه، فقال: «دعوا عليّاً، إنّ عليّاً مني وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي».(3)


1-خصائص علي بن أبي طالب:75.
2-مسند أحمد بن حنبل: 5/347.
3-مسند أحمد:4/438.


(341)

4. وأخرج الترمذي عن عمران بن حصين ونقل الحديث مثل ما نقل أحمد ابن حنبل إلى أن قال: فقام الرابع، فقال مثل ما قالوا، فأقبل إليه رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ـ و الغضب يُعرف في وجهه ـ فقال: «ما تريدون من عليّ! ما تريدون من عليّ! ما تريدون من عليّ! إنّ عليّاً مني وأنا منه وهو ولي كلّ مؤمن بعدي».(1)

ترى أنّالرواية تنص على الولاية الدالّة على أنّه الإمام بعد رحيل الرسول لكن البخاري كعادته أخرج الحديث عن بريدة، فذكر شيئاً من الحديث وحذف بيت القصيد منه، فأخرج الحديث عن عبد اللّه بن بريدة عن أبيه بالنحو التالي:

قال:بعث النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ عليّاً إلى خالد ليقبض الخمس وكنت أبغض علياً، وقد اغتسل، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا، فلما قدمنا على النبيّ ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ذكرت ذلك له.

فقال: يا بريدة أتبغض عليّاً، فقلت: نعم، قال: «لا تبغضه فإنّ له في الخمس أكثر من ذلك».(2)

ترى أنّه حذف الفقرة الأخيرة من الحديث التي هي بمنزلة بيت القصيد منه وهي: «انّ علياً منّي وأنا منه، وهو وليّكم بعدي».

هذان الأمران اللّذين نوّهنا إليهما يعربان عن موقف البخاري حيال روايات التجسيم والتشبيه، كما يعربان عن مدى بخسه لأحاديث أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وفضائلهم. كيف لا وهو لم يرو حديث الغدير بتاتاً، كما لم يرو عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ حديثاً واحداً مع أنّه نقل عن الخوارج والمجبّرة والمشبّهة؟!!

فهذا الكتاب الذي يعد أصح الكتب عند أهل السنّة بعد كتاب اللّه


1-سنن الترمذي:5/632.
2-صحيح البخاري:5/163، باب بعث علي بن أبي طالب و خالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع.


(342)

بحاجة إلى تنقيب وبحث ودراسة رجاله ودراسة مضمون الأحاديث الواردة فيه. وقد قام بهذا الأمر المهم غير واحد من أعلام الفريقين.

فمن أهل السنّة الحافظ ابن الجوزي (510ـ597هـ) حيث ألّف كتاب باسم «مشكل الحديثين أو مشكل الصحاح» ولم يزل مخطوطاً في أربعة أجزاء .

وأمّا من الشيعة، فقد قام فقيه الطائفة والمتتبع المتضلّع الشيخ فتح اللّه النمازي الاصفهاني المشهور بـ«شيخ الشريعة»(1266ـ 1339هـ) بدراسة صحيح البخاري في كتاب هو ماثل بين يديك وقد ألفه قدَّس سرَّه ولم يسمّه باسم، غير انّ تلميذه المتتبّع الشيخ آقا بزرك الطهراني(1293ـ 1389هـ) استكتبه لنفسه وأسماه بـ«القول الصراح في نقد الصحاح»، وقد كانت النسخة منحصرة بما استكتب، فاستدعيت من صديقنا العزيز المجاهد في سبيل اللّه آية اللّه الشهيد ميرزا علي الغروي قدَّس سرَّه مؤلف الموسوعة الفقهية باسم «التنقيح في شرح العروة الوثقى» أن يرسل لي صورة من نسخة الشيخ آقا بزرك الطهراني المتوفرة في مكتبته، وقد لبّى قدَّس سرَّه طلبي هذا.

وقد قام بتحقيق الكتاب والتعليق عليه وإخراج مصادره الباحث المحقّق الشيخ حسين غيب غلامي السهرساوي، فعلق عليه تعاليق ثمينة، شكر اللّه مساعيه الجميلة ، وهو ممّن قد خاض في عبارات هذه المباحث في غير واحد من ت آليفه.

ولعلّ هناك من يعيب على هذا النوع من التأليف بأنّه يثير حفيظة البعض، لأنّ كثيراً من أهل السنّة تلقّوا صحيح البخاري كتاباً صحيحاً برمّته يسمو عن البحث والنقد، ولكن الحقّ انّ كلّ كتاب غير كتاب اللّه خاضع للبحث والنقاش.


(343)

إنّ السنّة النبوية تراث خالد للأُمّة الإسلامية تعد المصدر الثاني للشريعة الإسلامية بعد القرآن الكريم في مجالي العقيدة والشريعة.

فالسنّة المحكية أي قول النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ وفعله وتقريره من الحجج القطعية التي لا تخضع للتمحيص، كيف لا وهو كلام النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ .

وإنّما الخاضع للتحقيق والتنقيب هو السنّة الحاكية عن رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ، فلا عتب على باحث أن يقوم بدراسة الحديث دراسة موضوعية قائمة على أُسس علمية وبلغة هادئة.

فهذا النمط من البحث لجدير بالاهتمام والعناية من قبل الباحثين والمحقّقين لما فيه من تقرير للسنّة النبوية، وتمحيصها عمّا ليس منها.

وهانحن بحمد اللّه لم نختلف فيما جاء به النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ،ولو كان هناك اختلاف فإنّما هو في ما روي عنه، وهذا هو الذي أرشدنا إليه الإمام أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ ، عندما قال له بعض اليهود:

ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم فيه!!

فقال ـ عليه السَّلام ـ له: إنّما اختلفنا عنه، لا فيه، ولكنّكم ما جفّت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيّكم: «اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، فقال: إنّكم قوم تجهلون».(1)

جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

22 رجب المرجب 1421 هـ


1-نهج البلاغة، قصار الكلمات، برقم 317.


(344)

(345)

الرسائل


(346)

(347)

1

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد الدكتور محمد الكايد

رئيس تحرير صحيفة الرأي المحترم

السلام عليكم و رحمة اللّه وبركاته

أمّا بعد، فقد طالعنا على صفحات الرأي مقالاً يحمل عنوان «إشكالية الاعتقاد و التاريخ لدى الشيعة» بقلم ذياب شقيرات بتاريخ 20/2/2000م، وهو يحاول في مقاله هذا أن يعطي انطباعاً بأنّ عقائد الشيعة ليست متأصلة بل مستحدثة صنعها التاريخ ولم تكن موجودة من ذي قبل. وقد ساق شواهد على مدّعاه هذا، و هي كالتالي:

1. معتقد التقية 2. معتقد عصمة الأئمّة

3. معتقد الإمامة 4. معتقد الرجعة

وقام بتحليلها حتى خرج بحصيلة انّ هذه المعتقدات لم تكن من عقائد الشيعة الإمامية، وإنّما دفعتهم الظروف الحرجة إلى الاعتقاد بها عبر التاريخ، و بما انّ القرّاء الكرام لصحيفة الرأي قد طالعوا هذه المقالة، فنحن نرى أنفسنا في غنى عن إعادة ما ذكره بنصه، ونكتفي بتحليل هذه المعتقدات الأربعة كي يتضح انّها من صميم عقائد الشيعة الإمامية من دون أن يستحدثها التاريخ.


(348)

وقبل أن ندخل في صلب الموضوع نودّ أن نشير إلى أمرين:

1. انّ صحيفة الرأي صحيفة سياسية والطابع العام الذي يسودها هو الطابع السياسي، فما هو الحافز لطرح هذه البحوث الكلامية أو التاريخية في هذه الصحيفة ...يا ترى؟

2. انّ الكاتب يرمي من مقاله تحليل عقائد طائفة كبيرة أطلَّت على العالم بتاريخها وحضارتها وعلمائها ومشاهيرها، وخدمت الحضارة الإنسانية خدمة جليلة، وهو لم يذكر في مجموع ما كتب أيّ مصدر لما ينقل عنه أو يرميهم به، وهذا يحطّ بطبيعة الحال من القيمة العلمية للمقال المذكور.

إنّ المذهب الإمامي كسائر المذاهب أُقيمت دعائمه على أمرين:

الأوّل: العقائد والمعارف الإلهية وهي ثوابت لا تمسّ كرامتها الأحداث والمستجدّات، لأنّها نتاج الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه، والسنة النبوية والبراهين العقلية وبذلك لا يمكن أن يتطرق إلى معتقد قد صيغ على هذه الأسس الثلاثة أيُّ تغيّر و تبدّل.

الثاني: الأحكام الشرعية العملية وهي بين ثوابت لا تتغير عبر التاريخ، ومقررات موضوعة حسب الحاجات، والأحكام الثابتة هي رمز خلود الإسلام و خاتمية الشريعة المحمدية والمقررات المتغيرة هي رمز تفاعلها مع مستجدات الأحداث ومتطوراتها، و قد فصّلنا الكلام في ذلك في موسوعتنا القرآنية المنتشرة باسم «مفاهيم القرآن» فليرجع إلى الجزء الرابع.

هذه هي عقيدة الشيعة الإمامية في الثوابت والمتغيّرات ، فلو كان هنا معتقد فإنّما هو نتاج الدليل القطعي لا نتاج التاريخ والأحداث المريرة التي مرّت بها هذه الطائفة، و من أراد أن يقف على عقائد الشيعة الإمامية في القرنين الأوّلين


(349)

فليرجع إلى كتبهم.

وبعد ان فرغنا من هذه المقدمة الموجزة، فلنتناول الشواهد التي سردها الكاتب تأييداً لمدّعاه، وهي أربعة:

1. معتقد التقية

شرِّعت التقية بنص القرآن الكريم حيث وردت في جملة من الآيات، أعني: قوله سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْره وَقَلبُهُ مُطْمَئنٌّ بالإِيمان)(1) ، وقوله سبحانه: (لا يَتَّخِذ المُؤْمِنُونَ الكافِرينَ أَولياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شيء إلاّ أن تتَّقوا منهم ُتقاة)(2). وقوله سبحانه: (وَ قالَ رَجلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَون يَكْتُمُ إِيمانَه)(3) .

وهذا ممّا لا خلاف فيه بين المسلمين ولكن الكاتب رأى أنّ الشيعة تمارس هذا الأصل في مقابل أهل السنّة، مع أنّ مورد الآيات هم الكفّار، ويقول: «لم يستخدم الشيعة هذا المعتقد ويمارسوه إلاّ مع أهل السنّة والجماعة».

وممّا يؤخذ عليه انّ مورد الآيات وإن كان هم الكفّار، ولكن المورد ليس بمخصص، وقد قال بالتعميم لفيف من محقّقي أهل السنّة، و هذا هو الرازي يقول:

ظاهر الآية: (إِلاّ أن تتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاة) على أنّ التقية إنّما تحلّ مع الكفّار إلاّ انّ مذهب الشافعي «رضي اللّه عنه» انّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين


1-النحل: 106 .
2-آل عمران: 28 .
3-غافر: 45 .


(350)

المسلمين والكافرين حلّت التقية محاماة عن النفس(1).

وبما انّ التقية سلاح الضعيف أمام القوي فلا فرق بين قوي كافر وبين مسلم ظالم متسلط.

الشيعة لم تمارس هذا الأصل مع إخوانهم أهل السنّة، بل مارسته مع الخلفاء الجائرين من الأمويين والعباسيين الذين قتلوا الشيعة تحت كل حجر ومدر، ويكفيك شاهداً على ما نقول ذلك البيان الذي أصدره معاوية بن أبي سفيان في حقّ شيعة علي:

انظروا من قامت عليه البينة انّه يحب عليّاً وأهل بيته، فأمحوه من الديوان، واسقطوا عطاءه و رزقه ثمّ شفع ذلك البيان ببيان آخر وهو من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكِّلوا به وأهدموا داره...(2)

ثمّ إنّ الكاتب أضاف قائلاً: فإخواننا الشيعة يبررون قبول علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ بخلافة الثلاثة الذين سبقوه بأنّها على سبيل التقية. وفي هذا طعن مزدوج بعلي نفسه و بالخلفاء الثلاثة...

لكن فات الكاتب انّ عليّاً لم يبايع الخلفاء طيلة عمره لما كان يرى نفسه أحقّ بهذا الأمر من غيره بتنصيص من الرسول في غير موقف من المواقف سواء أكان في بدء الدعوة، عند نزول قوله سبحانه: (وَأَنْذِرْ عَشيرتَكَ الأَقْرَبين)(3) أم في غزوة تبوك عندما خاطبه، بقوله: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لانبيّ بعدي»(4)


1-الرازي: مفاتيح الغيب: 2 / 13 في تفسير الآية ; وعلى ذلك جرى جمال الدين القاسمي في محاسن التأويل: 4 / 108، والمراغي في تفسيره: 3 / 136 .
2-شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 11 / 400 ـ 446 .
3-الشعراء: 214 .
4-صحيح مسلم: 7 / 120، باب من فضائل علي بن أبي طالب (عليه السلام).


(351)

أم في محتشد عظيم عند منصرف النبي الأعظم ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ من حجّة الوداع حيث أدلى بخطابه إلى عامة المسلمين، وقال: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه»(حديث متواتر رواه من الصحابة ما يربو على 120 صحابيّاً) إلى غير ذلك من المواقف، ولكنّه لما رأى أنّ الأمر قد تم للآخرين و رأى أنّ الشر قد أحاط بالإسلام والمسلمين، من جانب أهل الردة وغيرهم رأى أنّ المصلحة تكمن في معاضدة القوم، وها هو يصرح بذلك في كتابه إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لما ولاّه إمارتها، حيث قال: «فواللّه ما كان يُلْقى في روعي، ولا يخطر ببالي انّ العرب تُزعِج هذا الأمر من بعده ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ عن أهل بيته، ولا أنّهم مُنَحُّوهُ عني من بعده، فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد ،فخشيت ان لم أنصر الإسلام وأهله ان أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاعُ أيام قلائل» إلى أن يقول: فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأنّ الدِّين و تنهنه».(1)

وهذا هو موقف علي من البيعة لا ما نسبه الكاتب إلى عليّ ـ عليه السَّلام ـ و إن كان في شكّ ممّا نقلناه فليقرأ ما رواه ابن قُتيبة في تاريخ الخلفاء ، حيث يقول:

إنّ علياً كرم اللّه وجهه أُتي به إلى أبي بكر، وهو يقول: أنا عبد اللّه أخو رسول اللّه، فقيل له: بايع، فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايع وأنتم أولى بالبيعة لي...إلى أن يقول: فقال له عمر: أنت لست متروكاً حتى تبايع، فقال له علي: احلب حلباً لك شطره، وشُدّ له اليوم يرده عليك غداً، ثمّ قال: واللّه يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه، فقال له أبو بكر: فإن لم تبايع فلا أكرهك(2).


1-نهج البلاغة، قسم الرسائل: 62 .
2-تاريخ الخلفاء الراشدين، لابن قتيبة: 1 / 11 .


(352)

نعم اشتهر بين أهل السنّة انّ الإمام بايع الخلفاء بعد وفاة بضعة المصطفى فاطمة الزهراء ـ عليها السَّلام ـ . ولكن هذه الشهرة من الوهن بمكان وأقل ما يمكن أن يقال فيها انّ فيها طعناً مزدوجاً بعلي نفسه وبالخلفاء الثلاثة.

أمّا بعلي نفسه فلأنّه إذا تمت الخلافة لواحد من الصحابة وكانت خلافة شرعية، فلماذا تخلّف علي، وأمّا بالخلفاء فهو غني عن البيان.

ولعمري انّ الخوض في هذه المباحث يجرح العواطف ويشتّت الصفوف، فهي أحداث شرب عليها الدهر وأكل، ولولا أنّ الكاتب نبش هذه القضايا لم نكن نستعرض هذه الأحداث التاريخية المريرة.

ثمّ قال صاحب المقالة:«إنّ التقية مبدأ فرضه التاريخ على جملة المبادئ و الثوابت لتفسير وتبرير صحة تسلسل الأئمة وتعارض آرائهم في بعض القضايا المتشابهة».

وملخص كلامه انّ الشيعة اتخذت التقية ذريعة لأمرين:

1. صحّة تسلسل الأئمّة.

2. تعارض آرائهم في بعض القضايا المتشابهة.

أمّا الأمر الأوّل فقد أجمل فيه الكلام و لم يبيّن ماهي الصلة بين التقية وصحة تسلسل الأئمة، وكان عليه أن يوضح ذلك غير انّ تسلسل الأئمة إلى اثني عشر خليفة منصوص في صحاح السنة.

فقد أخبر النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ عن عددهم وتسلسلهم إلى اثني عشر خليفة فيما أخرجه مسلم عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ يقول: لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، ثمّ قال كلمة لم أفهمها، قال: قلت لأبي، ما قال؟ قال: كلّهم من قريش(1).


1-صحيح مسلم: 6 / 3، باب الناس تبع لقريش .


(353)

وقد أخرج مسلم هذه الرواية بأسانيد مختلفة، وللقارئ الكريم أن يتدبر في معنى الحديث حتى يظهر له المراد من هؤلاء الخلفاء الاثني عشر الذين أُنيطت بهم عزة الإسلام، وقد جاءوا واحداً تلو الآخر عبر الزمان، وهو لا ينطبق إلاّ على الأئمّة الاثني عشر، أوّلهم علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ و آخرهم القائم المهدي ـ عليه السَّلام ـ .

فهل يتصور الكاتب أنّ هؤلاء هم الأمويون أو العباسيون الذين ضرّجوا الأرض بدماء الأولياء والصلحاء، و هل يزيد بن معاوية أحد من انيط به عزّ الإسلام وهو الذي يشرب الخمر و يرفع عقيرته، ويقول:

ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل

قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل

لإِهلّوا واستهلّوا فرحاً * ثمّ قالوا: يا يزيد لا تشل

لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل

لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء و لا وحي نزل

وأمّا الأمر الثاني أي تعارض آراء الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ ، فنقول: نعم كان للتقية دور في الإفتاء وفق هوى الجهاز الحاكم صيانة لأنفسهم وأنفس شيعتهم، حيث إنّ الجهاز الحاكم قد مارس ضغوطاً على الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ وشيعتهم للحد من نشاطهم، وقد أعمل فيهم السيف بغية صهر هويتهم، و في مثل هذه الظروف العصيبة والقاسية يبيح العقل والنقل الإفتاء على وجه التقية، وقد كان الضغط على أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ بمكان يفرض عليهم بعض الأحيان الانصياع لحكم الحاكم في يوم الشكّ من شوال، فقد أفطر الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ وهو يعلم أنّه يوم من شهر رمضان، فسئل عن إفطاره، فقال: «إفطاري يوماً وقضاؤه، أيسر عليَّ من أن تضرب عنقي»(1).


1-الوسائل: 7 / 95 .


(354)

2. معتقد عصمة الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ

هذا هو الشاهد الثاني الذي زعم الكاتب انّ التاريخ فرضه على الشيعة ولم يكن من صلب عقائدهم.

إنّ الاعتقاد بعصمة الإمام وعدم عصمته، نابع من اختلاف التفكير في ماهية الإمامة والخلافة، فذهبت السنّة إلى أنّ الإمام كرئيس دولة ينتخبه الشعب أونواب الأُمّة أو يتسلّط على رقابهم بانقلاب عسكري، فالإمام وفق هذه النظرية لا يشترط فيه سوى الكفاءة الاجتماعية، ولذلك لا ينخلع بفسقه وظلمه وغصب الأموال وضرب الأبشار وتناول النفوس المحرمة وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود ولا يجب عليه الخروج.

فالإما(1)م عند أهل السنة كرئيس الدولة،والذي يصفه التفتازاني، بقوله: ولا ينعزل الإمام بالفسق أو بالخروج عن طاعة اللّه، والظلم على عباد اللّه، لأنّه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمة، والسلف كانوا ينقادون لهم ويقيمون الجمعة والأعياد بإذنه ولا يرون الخروج عليه(2).

وفي هذه النظرة لا يشترط في الإمام العصمة ولا العدالة ولا العلم ولا سائر المواصفات إلاّ الكفاءة على إدارة البلد وعمرانه و توزيع الأرزاق والذب عن الحدود.

وأمّا الإمامة عند الشيعة فهي استمرار لوظائف الرسالة (لا نفس الرسالة) التي كانت على عاتق النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ من تفسير القرآن الكريم، والإجابة على المستجدات، والدفاع عن حياض العقائد، مضافاً إلى الكفّاءة على إدارة البلد،


1-التمهيد للقاضي أبي بكر الباقلاني: 108 .
2-شرح العقائد النسفية: 185.


(355)

فالإمام في هذه النظرة بحكم انّه يقوم بوظائف النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ يجب أن يكون معصوماً كنفس النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ .

دلت الآيات على عصمة الإمام، كآية الابتلاء في قوله سبحانه: (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهيمَ ربُّهُ بِكَلمات فَأَتَمَهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتي قالَ لا ينالُ عَهدِي الظالِمين)(1).

و أمّا دلالتها على عصمة الإمام ، فإليك بيانها موجزاً .

إنّ الناس بالنسبة إلى الظلم على طوائف أربع:

1. من كان طيلة عمره ظالماً.

2. من كان طاهراً ونقياً طيلة عمره.

3. من كان ظالماً في بداية عمره وتائباً في آخره.

4. من كان طاهراً في بداية عمره وظالماً في آخره.

عند ذلك يجب أن نقف على أنّ إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ الذي سأل الإمامة لبعض ذريته، أي طائفة منها أراد.

حاشا إبراهيم أن يسأل الإمامة للطائفة الأُولى أو الرابعة من ذريته، لوضوح أنّ الغارق في الظلم من بداية عمره إلى آخره أو الموصوف به أيّام تصدّيه للإمامة لا يصلح لأن يؤتمن عليها.

فبقيت الطائفتان الثانية والثالثة، وقد نص سبحانه على أنّه لا ينال عهده الظالم، و الظالم في هذه العبارة لا ينطبق إلاّ على الطائفة الثالثة، أعني من كان ظالماً في بداية عمره وكان تائباً حين التصدي.


1-البقرة: 124 .


(356)

فإذا خرجت هذه الطائفة بقيت الطائفة الثانية وهي من كان نقي الصحيفة طيلة عمره لم ير منه لا قبل التصدي لمنصب الإمامة ولا بعده أي انحراف عن جادة الحقّومجاوزة للصراط السوي وهو يلازم العصمة.

إنّ الدليل على عصمة الإمام لا ينحصر بالآية، بل آية التطهير أوضح دليل على عصمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم من الدنس، قال سبحانه: (إِنَّما يُريدُ اللّهُ ليُذهبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيراً)(1).

والآية بحكم تذكير الضمائر لا صلة لها بنساء النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ، بل هي راجعة إلى الذين عيّنهم الرسول ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ في حديثه المتواتر بالكساء حيث ألقى الكساء على علي وفاطمة والحسن والحسين ـ عليهم السَّلام ـ وقال: اللّهمّ لكلّ نبي أهل بيت، وهؤلاء أهل بيتي(2)والمراد من الرجس، هو الذنب كما لا يخفى. وإذهاب الرجس كناية عن عصمتهم، و إرادته سبحانه في الآية تكوينية خاصة بأهل البيت لا تشريعية عامة لجميع الناس.

على أنّ حديث الثقلين المتواتر عن النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ جعل العترة أعدال القرآن وقرناءه، وقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي» كاف في إثبات عصمتهم.

لأنّه إذا كانت العترة عدل القرآن، والقرآن معصوم من الزلل، فالعترة مثله، وإلاّلم تكن جديرة بأن تصبح عدل القرآن وتكون هادية بعده إلى يوم القيامة.

ومنه يتضح انّ الذي فرض العصمة على الإمام هو القرآن أوّلاً والحديث


1-الأحزاب: 33 .
2-تفسير الطبري: 22 / 5 ـ 7، الدر المنثور: 5 / 198 ـ 199 .


(357)

النبوي ثانياً، لا التاريخ، كما زعم الكاتب .

والظاهر انّ الكاتب تأثر إلى حد بعيد بالأفكار التي بثّها بعض المستشرقين أمثال «دونالدسن» الذي احتمل أن تكون فكرة العصمة قد ظهرت في عصر الصادق ـ عليه السَّلام ـ (1) .

3. معتقد الإمامة

إنّ الإمامة عند الشيعة الإمامية ليست وراثية، سواء أُريد منها وراثة الابن عن الأب، أو الأخ الأصغر عن أخيه الأكبر، وإنّما هي بالتنصيص من اللّه سبحانه عن طريق نبيّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ فملاك الإمامة هو المؤهلات الذاتية؟

فإمامة الحسن ـ عليه السَّلام ـ ليست وراثة عن أبيه ،وإنّما هو بتنصيص النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ، كما أنّ إمامة الحسين ـ عليه السَّلام ـ ليست وراثة عن أخيه، وإنّما هو تنصيص لقوله ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : الحسن والحسين ابناي إمامان سواء قعدا أو قاما، وهكذا إمامة سائر الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ .

نعم تعلّقت إرادته سبحانه بتسلسل الإمامة في عترة النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ على النحو المألوف.

وعلى أيّة حال فقد بدت محاولة الكاتب عقيمة لما سرد الحالات في تسلسل الإمامة التي خرجت عن المألوف كي يخرج بحصيلة انّ الإمامة معتقد استحدثه التاريخ فقال:

«انتقاض التسلسل في إمامة الحسين بعد أخيه الحسن رغم انّ إمامة الحسن جاءت بعد إمامة أبيه و كان مقتضى الضابطة تسلسل الإمامة في أعقاب الحسن ـ عليه السَّلام ـ ولكنّها تحوّلت إلى أخيه الحسين ـ عليه السَّلام ـ ».

والإشكال نابع عن فكر مسبق وهو انّ الإمامة أمر وراثي كخلافة الأمويين


1-عقيدة الشيعة، دونادسن: 328 .


(358)

والعباسيين فكيف انتقلت الخلافة من الحسن إلى أخيه دون أعقاب الأوّل؟!

و منه يظهر خلل آخر في كلامه لما قال:

«إمامة الإمام موسى الكاظم ـ عليه السَّلام ـ بعد أبيه رغم انّ الإمامة كانت لأخيه عبد اللّه الأفطح، وقيل لأخيه إسماعيل ولكن وفاة عبد اللّه الأفطح في حياة أبيه خلقت إشكالية في سلسلة الأئمّة».

«فالإمام بعد الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ـ حسب وجهة نظر الكاتب ـ هو ابنه الأكبر عبد اللّه الأفطح أو ابنه إسماعيل و مع ذلك تولى الإمامة نجله الأصغر الإمام موسى الكاظم ـ عليه السَّلام ـ ».

والحقيقة انّ النص كان من الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ على شخص معين، و هو موسى الكاظم ـ عليه السَّلام ـ دون أيّ شخص آخر وكانت بطانته عارفة بذلك، وإنّما اشتبه الأمر على السُّذّّج من الناس واجتمعوا حول عبد اللّه الأفطح، إلاّ أنّه سرعان ما تبيّن الحق فرجع أكثر القائلين بإمامة الأفطح إلى إمامة موسى الكاظم ـ عليه السَّلام ـ .

ونود أن نشير إلى خطأ وقع فيه الكاتب، وهو قوله: «إنّ عبد اللّه الأفطح مات في حياة أبيه الصادق ـ عليه السَّلام ـ » مع أنّ الذي مات في حياة أبيه هو إسماعيل بن جعفر لا عبد اللّه الأفطح، فإنّه مات بعد أبيه بمضي 70 يوماً باتّفاق المؤرّخين وأصحاب المقالات.

ثمّ إنّ الكاتب رأى غيبة الإمام الثاني عشر عند الشيعة أمراً لا ينسجم مع الإمامة، و نحن نكشف الستر عن وجه الحقيقة بوجه موجز ونقول:

إنّ الإمام المهدي ـ عليه السَّلام ـ قضية إسلامية اتّفقت الشيعة والسنّة على خروجه في آخر الزمان، و ليس لأحد إنكارها بعد ورود روايات متواترة من الفريقين ، وإنّما الكلام في الأُمور التالية:


(359)

الأوّل: هل ولد الإمام المهدي ـ عليه السَّلام ـ و هو اليوم ممّن يرزق بأمر اللّه سبحانه كما عليه الشيعة الإمامية ولفيف من محقّقي السنّة أو هو لم يولد؟

وهذه قضية تاريخية لا يسع المجال لطرحها واستقصاء دلائل الولادة إلاّ انّنا نحيل الكاتب إلى الكتب التي أُلّفت في هذا المضمار.

وأقول باختصار: إنّ هناك 140 عالماً سنّياً نص على ولادته في بيت الإمام العسكري ـ عليه السَّلام ـ ، فلو حاول الكاتب أن يقف على نصوصهم وكلماتهم، فعليه الرجوع إلى كتاب «موسوعة الإمام المهدي»، فقد جاء مؤلفه بنفس النصوص معيناً اسم الكتاب والمؤلف و رقم الصفحة.

الثاني: زعم الكاتب انّ القول بحياة الإمام الثاني عشر يشكل إشكالية يستحيل تفسيرها، فهل أراد اللّه للعالم أن يمكث ردحاً من الزمان دون إمام ولماذا؟ وهل ينسجم هذا مع كون الإسلام خاتم الأديان والرسالة الخالدة إلى جميع البشر ولماذا؟

حاصل كلامه يرجع إلى أمرين:

الأوّل: انّ الغيبة لا تنسجم مع الإمامة

والجواب انّ للّه سبحانه أولياء فهم بين ظاهر في أوساط الناس يقومون بما خوّل إليهم من أمر الهداية، وغائب عن الأنظار بمعنى انّ الناس لا يعرفوه ولكنّه يقوم بما خول إليه حسب الإمكان.

و هذا كمصاحب موسى فقد كان ولياً من أوليائه سبحانه رُزق من العلم ما لم يرزقه موسى الكليم ـ عليه السَّلام ـ فأراد أن ينهل من نمير علم مصاحبه ، فقال: (هَلْ أَتَّبعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً) (1).


1-الكهف: 66 .


(360)

فصاحَبَه فترة فعرف انّه ولي مستور، ولكنّه يقوم بوظائفه بأحسن ما يرام. وقد ذكر القرآن الكريم من أعماله ما يحير العقول، والإمام الثاني عشر كهذا الولي المستور فهو إمام بين الأُمّة وقد فوّضت إليه وظائف يقوم بها في أوساط الناس دون أن يعلموا به.

والكاتب لبعده عن عقائد الشيعة وكتبهم، تصور انّ الإمام الغائب يعيش بعيداًعن الناس أو في عالم آخر غير عالمنا لا يمت إلينا بصلة، فقال: هل أراد اللّه للعالم أن يمكث ردحاً من الزمان دون إمام و لما ذا؟!

فنقول: ما أراد اللّه ذلك، بل أراد أن يكون للأُمة إمام يمكث معهم ويقوم بما فوض إليه من وظائف الإمامة من دون أن يعرفه الناس.

وليس الاختفاء عن الناس أمراً بديعاً في أوليائه سبحانه، فقد اختفى موسى عن أعين الأُمّة نازلاً في ميقاته أربعين ليلة فكان هو نبياً رسولاً ، قال سبحانه: (وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْر فَتَمَّ ميقاتُ رَبِّهِ أرْبعينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لأخيهِ هارُونَ اخْلُفني في قَومي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبيلَ المُفْسِدِين)(1).

الثاني: انّ القول بغيبة الإمام الثاني عشر لا ينسجم مع كون الإسلام خاتم الأديان والرسالة الخالدة إلى جميع البشر.

لا شكّ انّ الكلام المذكور يكتنفه كثير من الغموض، لأنّه لم يبين وجه الملازمة بين غيبة الإمام الثاني عشر وعدم كون الإسلام خاتم الأديان والرسالة الخالدة إلى جميع البشر، فأي صلة بين الأمرين، فلا شكّ انّ الإسلام خاتم الشرائع وانّ النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ خاتم الأنبياء، وانّ القرآن خاتم الكتب، فأيّ ملازمة بين القول بذلك و كون الإمام ظاهراً بين الناس وقائماً بينهم، فليس الإمام الثاني عشر رسولاً


1-الأعراف: 142.


(361)

ولا نبياً، وإنّما هو خليفة رسول اللّه بعد أحد عشر خليفة، ولم تكن البيئة آنذاك مستعدة لظهوره بين الناس وكان الجهاز العباسي الحاكم يتحين الفرص للانقضاض عليه وقتله، فاقتضت المصلحة الإلهية أن تخفيه عن الأنظار رغم وجوده بينهم.

وبذلك يعلم انّ الاعتقاد بإمامة الإمام الثاني عشر أمر موافق للقرآن الكريم والسنن الإلهية في الأُمم السابقة وليس هذا أمراً استحدثه التاريخ بل كانت أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ متنبئين بولادته ثمّ غيبته ثمّ ظهوره قبل أن يولد الإمام بسنين كثيرة وهذا مذكور في العديد من الكتب التي أُلّفت حول الإمام المهدي ـ عليه السَّلام ـ .

4. معتقد الرجعة

قام الكاتب بتفسير الرجعة بالنحو التالي: وهو الإيمان بعودة الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ في آخر الزمان ليتمكنوا من تولي السلطة والخلافة التي حرموا منها.

إنّ القول بالرجعة أي رجوع طائفة من الناس بعد موتهم إلى الدنيا قبل يوم القيامة ممّا نصّ به القرآن الكريم، يقول سبحانه: (وَيَومَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمّة فَوجاً مِمَّنْ يُكَذِّب بآياتنا فهُم يُززَعُون) (1) فهذا الحشر غير الحشر يوم القيامة، فانّ الحشر الثاني يعم الناس جميعاً: (ويومَ يحشُرهُمْ جمِيعاً)(2)

غير انّ الوارد في هذه الآية هو حشر خصوص المكذبين، والوارد في الروايات هوحشر قليل من المؤمنين، وفي طليعتهم بعض أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ كالحسين ـ عليه السَّلام ـ ، هذا هو واقع الرجعة عند الشيعة وليس أمراً بديعاً، فقد جرت


1-النمل: 83 .
2-الأنعام: 128 .


(362)

سنّته سبحانه على إعادة لفيف من الناس إلى الدنيا قبل يوم القيامة، يقول سبحانه: (أَوْ كَالَّذي مَرَّ على قَرية وَهِيَ خاويةٌ عَلى عُروشِها قالَ أَنّى يُحيِي هذهِاللّهُ بَعْدَ مَوتِها فَأَماتَهُ اللّهُ مِائةَ عام ثُمَّ بعثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يوماً أوْ بَعْضَ يَوم قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَة عام فَانْظُر إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّه وَانْظُر إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آية لِلنّاسِ وَانْظُر إِلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيء قَدير)(1)

وقال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ المَوتِ فَقالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحياهُمْ إِنَّ اللّه لَذُو فَضْل عَلى النّاسِوَلكنَّ أكْثَر النّاسِ لا يَشْكُرُون)(2)

والعجب انّ الكاتب يسخّف فكرة الرجعة مع أنّ الخليفة الثاني هو أوّل من طرح فكرة الرجعة بعد رحيل الرسول ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ .

روى ابن هشام و غيره لما توفّي رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ قام عمر بن الخطاب، فقال: إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون انّ رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ قد توفي، وإنّ رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ما مات، ولكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثمّ رجع إليهم بعد ان قيل قد مات، و واللّه ليرجعنّ رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ  كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا انّ رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ مات.

ولا (3)يسعني في هذا المختصر سرد أسماء المصادر التاريخية والكلامية التي تتناول تاريخ تلك المعتقدات بالتفصيل إلاّ أنّني على استعداد للدخول في مناظرة


1-البقرة: 259 .
2-البقرة: 243 .
3-السيرة النبويّة: 4 / 655 .


(363)

مع الكاتب في أي قاعة يرغب بها من قاعات الأُردن الكبيرة و أامام محتشد غفير من الناس لكي أنقل له ما ذكرناه في هذه المقالة بالتفصيل من مصادرها وقد ألقيت محاضرتين حول عقائد الشيعة في سالف الزمان في مؤسسة «عبدالحميد شومان».

ثمّ إنّ الكاتب قد نحا نفس المنحى في مقال آخر له تحت عنوان «الشيعة والتجديد» وخرج منه بنفس النتيجة التي خرج بها في هذا المقال، وانّ هناك معتقدات للشيعة استحدثها التاريخ تلبية للمستجدات والتطورات. تظهر الحال فيه ممّا ذكرناه في المقام. كلّ ذلك يعرب عن قصور باع الكاتب في الإحاطة بعقائد الشيعة من مصادرها، ودلائلها وعذره انّه لم يتعرّف على دخائل الشيعة ولم يجالس علماءهم ولم يستبطن ثقافتهم. وفي الختام، تقبلوا منّا خالص التحية والثناء.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

6 ذي الحجة الحرام 1420هـ


(364)

2

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرات السادة الأعزّاء المشاركين

في هذا المهرجان الأدبي

السلام عليكم و رحمة اللّه وبركاته

لقد وافتنا رسالة تدعونا للمشاركة في المهرجان الأدبي الذي يقام في اليومين الأوّل والثاني من شهر جمادى الأُولى 1409هـ في دمشق تحت عنوان «أهل البيت في الشعر العربي والعالمي».

ويتناول بشكل خاص صدور «ملحمة أهل البيت الكبرى» للشاعر الكبير الشيخ عبد المنعم الفرطوسي  ـ رحمه اللّه ـ .

وجاء في نصّ الرسالة انّ المركز يتولّى طبع جميع النتاجات التي تلقى في المهرجان أو التي تقدّم له على شكل بحوث ودراسات مستقلة.

ونحن نقدّر هذه الخطوة المباركة التي فيها إحياء لذكرى أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وذكرى محبّيهم في أقطار العالم. ويؤسفنا انّ الموسم الدراسي في جامعة قم حال بيننا و بين الحضور في المهرجان غير انّا نشارك الإخوة الكرام ببعث هذه الرسالة مرفقة بقصيدة في مدح النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ، من البحر الكامل من البحور العروضية. لأحد


(365)

الأفذاذ من علماء إيران ألا و هو الشيخ عبد الصمد التبريزي «الخامنئي» المتوفى عام 1311هـ. ق، وله ديوان فيه قصائد كثيرة في مدح أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وذكر مصائبهم و ما ألمّ بهم من كوارث و محن.

واقتبسنا من ذلك الديوان لاميته المعروفة بـ «لامية الترك»، لأنّ الشاعر تركي اللسان وُلد ونشأ في آذربيجان إحدى محافظات إيران الغربية. قرأ الأوليات من العلوم في مسقط رأسه وبعد ما وصل إلى مرتبة من العلم والفضل هاجر إلى النجف الأشرف وأخذ يتردد على أندية دروس أساتذتها العظام. وقد اتصل في تلك البلدة الزاخرة بالعلم والأدب بأدبائها وشعرائها المعروفين في القرن الثالث عشر، فانقدح بذلك كامن شعوره وتفجرت قريحته وطاقاته الأدبية، فأخذ ينظم قصائده الباهرة ويجاري أُدباءها وشعراءها. حتى أنّه ما نسي تلك المعاهد بعد ما هبط موطنه وعاد يتشوق لها ويقول مخاطباً صاحب البلدة.

يا سَيّداً فاقَ أربابَ النُّهى شَـرفاً * وسادَ أهلَ المعالي الغُرِّ والشُّـرَفا

لم أنسَ عَهدَك بالوادي المقدَّسِ يا * لَهفي على العَهدِ والوادي وما سَلفا

قَدْ فاضَ جَفناي حتى جفَّ دمعُهما * بعدَ النويعن صُحَيب أُسكنواالنَّجفا

يا راكبيْ ناقة وجناءَ ناشطة * عرجا بأرضِ غريّ ساعة وقِفا

عليكَ منّي سلامي ما حييتُ فها * وادي السلام يباهي مروةً وصفا


(366)

فها أنا ذا أبعث إليكم قصيدته اللامية في مدح النبي الأكرم ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ يجاري فيها اللاميتين المعروفتين بين الأُدباء والشعراء.

لامية العرب للشنفري ابن الآوس اليماني (المتوفّى عام 510 م) و مطلعها:

أقيموا بني أُمي صدور مطيكم * فإنّي إلى قـوم سـواكـم لأميـل

وقد شرحها الزمخشري و أسماه: اعجب العجب في شرح لامية العرب.(1)

وقد روي في المجامع الأدبية عن النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ انّه قال: علّموا أولادكم لامية العرب فإنّها تعلّمهم مكارم الأخلاق».

ولامية العجم لمؤيد الدين الاصفهاني المعروف بالطغرائي: يقول ابن خلّكان: كان غزير الفضل، لطيف الطبع، فاق أهل عصره بصنعة النظم والنثر. قتل عام 515هـ.ق، و من محاسن شعره قصيدته المعروفة بلامية العجم، وقد عملها ببغداد يشكو زمانه وهي التي أوّلها:

أصالة الرأي صانتني عن الخطل * وحلية الفضل زانتني لدى العطل

مجدي أخيراً ومجدي أولا شرع * والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل(2)

وجاء بعض الحكم في هذه القصيدة:

1. حب السلامة يثني هم صاحبه * عن المعالي ويغرى المرء بالكسل


1-كشف الظنون: 2 / 349 .
2-وفيات الأعيان: 3 / 185 رقم الترجمة 197 .


(367)

فإن جنحت إليه فاتخذ نفقاً * في الأرض أو سلماً في الجوّ واعتزل

ودع غمار العلا للمقدمين على * ركوبها واقتنع منهن بالبلل

2. لو انّ في شرف المأوى بلوغ مُنىً * لم تبرح الشمس يوماً دارة الحمل

3. وشأن صدقك عند الناس كذبهم * وهل يطابق معوج بمعتدل

4. ملك القناعة لا يخشى عليه ولا * يحتاج فيه إلى الأنصار والخول

5. ترجوا البقاء، بدار لا ثبات لها * فهل سمعت بظل غير منتقل(1)

***


1-وفيات الأعيان: 2 / 185 رقم الترجمة 197 .


(368)

وأمّا لامية شاعرنا المترجم، فإليك نقلها من ديوانه المخطوط المحفوظ بين أُسرة الشاعر. (1) نقدمها للمحتفلين الكرام حتى تكون انموذجاً واضحاً لازدهار الأدب العربي في تلك البلدة منذ أواخر القرن الثالث عشر وبداية الرابع عشر، والقصيدة من بحر الكامل:


1-طبع هذا الديوان ونشر من قبل مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _ سنة 1414 هـ ق تحت عنوان «مقتطفات من ديوان أديب العلماء الشيخ عبد الصمد الخامنئي ومختارات من أشعار معاصريه».


(369)

في مدح النبي الأعظم ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ

[بحر الكامل]

أمَروا بِسُلواني غَداةَ تَرحَّلوا * هَبْ أَنّهم أمَروا فَمنْ ذا يَفعلُ؟

لا القلبُ يَسلو عَنْ هَواهُ ولا الهوى * عَنْ ساحةِ القَلبِ المتيَّمِ يَرحل

ما هُنيتي بعدَ النَّوى (1) إلاّ العَنا * يا موتُ زُرْني إنّني لكَ أمْيَل

ما الصَبرُ بعدَ البُعدِ يحلو كاسمِهِ * كَلاّ وهلْ صَبرٌ حَلى أو حَنظَل

والعينُ تَهمي مِنْ م آقيها دَماً * أسفاً ونيرانُ الجوانِحِ تُشعلُ

سَلْ مَن أراقَ دمي بصارمِ جَفنِهِ * هَلاّ يَرقُّ وقدْ بَكتني العُذَّل

ظبيٌ يَصيدُ بدَلِّهِ أُسدَ الشرى (2) * بدرٌ بطَلعتهِ الكواكبُ تَخجل(3)

فالوجهُ منهُ رواهُ صبحٌ مُسفرٌ * والصدغُ(4) منهُ حكاهُ ليلٌ ألْيَل

إنْ رامَ قتلي في الغَرامِ فأنّ لي * بغرامِهِ قسماً يَطيبُ المقتلُ

يا مُخجِلاً بَدرَ التَّمامِ بحُسنِهِ * ما لي أراكَ مِنَ النَّواظِر تَخجَلُ


1-النوى: البعد.
2-الشرى: محل للأُسود في جانب الفرات، يضرب به المثل في قوة أُسوده.
3-وفي نسخة على الهامش بدل الشطر الأخير يقول: (يحيي القلوب بمقلتيه ويقتل).
4-الصدغ: ما بين العين وأصل الأُذن. والشعر المتدلي على هذا المحل يسمّى صدغاً.


(370)

ومِنَ العَجائبِ أنّني لكَ باذِلٌ * نفسي وأنتَ برَشفِ ثغرِكَ تَبخلُ

جُدْ لي بوصلِ هُنَيهة أفلا ترى * قَلبي لوصلِ هُنَيهة يَتغلغلُ

ويلٌ لمن شربَ المُدامَ محرماً * ومدامُ فيكَ لشاربيهِ مُحلّلُ

يا بابليَّ الطرفِ هل بكَ علّةٌ * أمْ طرفكَ الفتّانُ لي يتعلّلُ

كم علّلَتني فيكَ أحلامُ الكَرى * فإلى مَ بالأحلامِ فيكَ أُعلَّلُ

أحرِقْ بنارِ الشوقِ كلَّ جوارحي * إلاّ الفوآدَ فإنّهُ لكَ منزلُ

تسري كبدرِ التمِّ سبحانَ الّذي * أسرى ببدر في سناهُ يضللُ

صيَّـرتَ لي طيبَ الرقادِ مُحرماً * ودمي تُبيحُ لقاتلي وتحلِّلُ

يا أيُّها الحادي رويدكَ راجلاً * يَسعى وراءَ حبيبهِ ويُهرولُ

قد شابَ في شرخِ الهوى لمْ يدّخرْ * زاداً ليومِ غد عَلَيهِ يُعوَّلُ

إلاّ مديحَ محمد خيرِ الورى * نِعمَ المزادُ وخيرُ زاد يُحملُ

أنشأتُهُ مُستجدياً أرجو بهِ * في النشأتينِ جَوائزاً وأؤمِّل

إنْ كنتُ أعجمَ في اللسانِ فإنّما * لقريحتي قسٌّ يَدينُ وجرولُ (1)

فالطبعُ يُعربُ عن فصاحةِ كلمة * عربية لا في التحاورِ مقول

يا لابساً ثوبَ الحدادِ محرّماً * انزعْ فقدْ وافى الربيعُ الأوّل

شهرٌ تولّدَ فيه مَنْ كُسرَتْ به * إيوانُ كسرى والملوكُ تذلّلوا


1-جرول: اسم الحطيئة الشاعر المعروف.


(371)

وانكبَّ أصنامٌ وغاضَتْ ساوةٌ * وسماوةٌ فاضتْ وريعَ المُشْعِل

مَنْ كانَ محموداً حقيقتهُ وما * كانتْ حقائقُ ما سواهُ تُبجَّل

ليثٌ إذا ما احمرَّ أطرافُ القَنا * غيثٌ إذا ما اغبرَّ عامٌ مُمحل

اللّهُ كلَّلهُ بتشريف ولا * فلكٌ بإكليل هناكَ مُكلَّل

للّهِ سرٌّ في طويةِ كنهِهِ * بابٌ لهُ للشارحينَ مقفَّلُ

لولاهُ لم تُقبلْ لآدمَ توبةٌ * وبهِ ندامةُ كلِّ عاص تُقبل

هو كعبةُ الأملاكِ والملأُ الّذي * طوعاً بكعبتهِ يطوفُ ويرملُ(1)

بأبي نبيٌّ لا يفوقُ مقامَهُ * مَلَكٌ مقرّبُ أو نبيٌّ مرسل

لولاهُ ما خُلِقَ الثُّريا والثَّرى * حاشا ولا ماضي ولا مستقبل

يا مَن بيُمنِ قدومهِ وجهُ الثَرى * متكرّمٌ. مُتمجّدٌ. متهلّل

ظلّت بكَ الأبصارُ خاشعةً كما * كلَّ (2) النجاشي منطقاً أو هرقل

فالعرشُ حيثُ رأى الثَّرى لكَ موطأ * يا ليتَ شِعري كيفَ لا يتهبلُ(3)

فأمرْ بما شئتَ الزمانَ فإنّهُ * عبدٌ يطيعُ لما تَشاءُ ويفعل

أنتَ الذي جُبتَ السماواتِ العُلى * في ليلةِ الأسرا كبدر يكمل


1-رَمَل هنا من رَملَ رَمَلاً رَمَلاناً: هَرْوَلَ في مَشْيِهِ .
2-كلَّ عجز.
3-يتهبل: يفقد مشاعره من الإعجاب.


(372)

هذا الهلالُ مثالُ نَعلكَ في السما * في عالمِ الملكوتِ باتَ يُمثل

لولاكَ ما أحدٌ تدثَّرَ بالتُّتقى * يا أيُّها المدَّثّر المتزمّل

هلَّلتَ حيث لا خلاءُ ولا ملا * علَّمتَ سكانَ السماءِ فهلّلوا

تُؤتى غداً بلواءِ حمد لم تزلْ * رسلُ الإلهِ بظلّهِ تَتظلّل

أنتَ المدينةُ للعلومِ وبابها * المأتيُّ منهُ ... المرتضى والمدخل

هو شافعٌ يومَ الحسابِ مشفَّعٌ * هو موئلٌ للخاطئينَ مُعوَّلُ

يا مَخْزَنَ الأسرارِ والحِكمِ الّتي * معشارها بعقولنا لا يُعقلُ

قَدْ غالني صَـرفُ الزمانِ وليس لي * غوثٌ يُساعدني عليهِ ومَعقِلُ

ما لي إليكَ وسيلةٌ تُجدى بها * فإليكَ لا أدري بماذا أسألُ

والمزنُ دونَ نداكَ تؤتى نعمةً * والبحرُ عندَ نوالِ كفِّكَ جدولُ

ما مِدحَتي إلاّ كرِجلِ جَرادة * قدراً وحاشا أن تليقكَ أرجلُ

لكنّها منّي إليكَ هديّةٌ * وأراكَ مِنْ مثلي الهدايا تَقبلُ

صَلّـى عليكَ وآلِكَ الرحمنُ ما * لاحَ الثُّريا والسِّماكُ الأعزلُ


(373)

3

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى فضيلة الأُستاذ قيس ظبيان المحترم

مدير تحرير مجلّة الشريعة الغرّاء

السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

أمّا بعد، فلقد وصلني العدد 339 من مجلة الشريعة، فتصفّحت مواضيعها، واسترعى انتباهي ما أجاب به فضيلة الشيخ عبد اللّه بن منيع عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، حينما وجهت إليه مجموعة من الأسئلة، إلاّ أنّني لا أُشاطره الرأي في جواب السؤال التاسع والحادي عشر، وإليك نصّ كلامه:

السؤال التاسع: لماذا سمّيت حجّته بحجّة الوداع؟

فأجاب بأنّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ تُوفي بعد أربعة أشهر من هذا الحجّ فكانت وداعاً منه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ  لأُمّته.

أقول: الصحيح أن يقول ثلاثة أشهر لا أربعة أشهر، لأنّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ توفّي في الثاني عشر من ربيعالأوّل حسب رأي أهلالسنّة، والفترة بين الثاني عشر من ذي الحجّة الذي تنتهي فيه أعمال الحجّ، إلى الثاني عشر من ربيع الأوّل، لا تتجاوز عن ثلاثة أشهر.


(374)

السؤال الحادي عشر: هل زيارة المسجد النبوي الشريف من مكمِّلات الحجّ؟

فأجاب (حفظه اللّه): بأنّ من استكمل في حجّه أركان الحجّ وواجباته ولم يقم بزيارة المسجد النبوي، فحجّه صحيح وقد فاته فضل الزيارة.

ألفت نظر فضيلة الشيخ والقرّاء إلى أمرين:

الأمر الأوّل: انّ زيارة المسجد النبوي مستحبة في جميع أيّام السنة، وإقامة ركعة فيه تعادل ألف ركعة أو أزيد من غير فرق بين أيّام الحجّ وغيرها، وهذا ممّا لا خفاء فيه ولا تحوم حوله الشكوك.

الأمر الثاني: تضافرت الروايات على استحباب زيارة قبر النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ مطلقاً، بالأخص عند شدّ الرحال إلى الحجّ ويبلغ عدد الروايات ما يربو على العشرين،ونذكر منها ما يلي:

1. روى عبد اللّه بن عمر مرفوعاً إلى النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : من زار قبري وجبت له شفاعتي.

2. روى عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: من جاءني زائراً لا تحمله إلاّ زيارتي كان حقّاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة.

3. روى عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: من زار قبري بعد وفاتي كمن زارني في حياتي.

4. عن عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: من حجّ البيت ولم يزرني فقد جفاني.

5. عن عبد اللّه بن عمر: من حجّ حجّة الإسلام، وزار قبري، وغزا غزوة، وصلّى عليَّ في بيت المقدس لم يسأله اللّه عزّ وجلّ فيما افترض عليه.

إلى غير ذلك من الروايات الحاثّة على زيارة قبر النبيّ ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ مطلقاً أو عند حجّ بيت اللّه الحرام.


(375)

وقد أخرج هذه الروايات، الأثبات من أئمّة الحديث وحفاظه وصحّحوا أسنادها، وعلى رأسهم تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي(المتوفّى756هـ) وقد ذكر طرق هذه الأحاديث في «شفاء السقام» في أوائل الكتاب، كما تكلم فيها السيد نور الدين عبد اللّه الشافعي القاهري السمهودي (المتوفّى 911هـ) في كتاب «وفاء الوفا» إلى غير ذلك، كما ألّفت رسائل خاصّة في هذا المضمار.

ونحن لا نحوم حول هذه الأحاديث وأسانيدها ومصادرها، وإنّما نلفت نظر القارئ إلى نكتة مهمة وهي:

إنّ هذه الأحاديث والفتاوى المتضافرة على زيارة قبر النبيّ ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ خصوصاً ما روي عنه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : «من حجّ البيت ولم يزرني فقد جفاني» صار سبباً لإثارة هذا السؤال عند بعض الناس: وهو هل زيارة قبر النبي من مكمّلات الحجّ؟

فهذا السّؤال هو الذي يتبادر إلى الأذهان ـ من هذه الأحاديث ـ و تتناوله الألسن، لا انّ زيارة مسجد النبي من مكمِّلات الحجّ، إذ لا يتبادر منها انّ مجرّد زيارة المسجد من مكملات الحجّ حتى يجيب عليه فضيلة الشيخ، لأنّ لسان الروايات هو زيارة قبر النبي في أيّام الحجّ لا زيارة مسجده، فلو كان ثمة سؤال فإنّما يتعلّق بزيارة قبر النبي لا بمسجده، وسيوافيك تصريح بعض الأعلام أنّ زيارة قبره ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ من كمالات الحجّ.

والذي أظن انّ السؤال كان على النحو الذي طرحناه، ولكن لما كانت زيارة قبر النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ و شدّ الرحال إليه لا تنسجم مع وجهة نظر المجيب بدّل السؤال من «زيارة قبر النبي» بـ«زيارة مسجد النبي».

وعلى أيّة حال فإذا كان السؤال هو الدارج بين بعض الناس فالجواب عنه


(376)

كالتالي:

إنّ زيارة قبر النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ليست من مكمّلات الحجّ، ومن حجّ البيت واستكمل أركانه وواجباته ولم يقم بزيارة قبر النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ فحجّه صحيح، ولكن فاتته فضيلة كبيرة حثّت عليها السنّة النبويّة والسيرة العملية للمسلمين.

أمّا السنّة النبوية فقد وقفت على شيء قليل منها، وقد بلغ ما روي حول زيارة قبر النبي ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ ما يربو على عشرين حديثاً حتى أنّ الأئمّة الأربعة أفتوا باستحباب زيارته، حيث اتّفقت عليه كلمات أعلام فقهاء المذاهب الأربعة(1) وقالوا: إنّ زيارة قبر النبيّ ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ أفضل المندوبات، وقد ورد فيها أحاديث ثمّ ذكروا ستة منها، وجملة من أدب الزّائر وزيارة للنبيّ ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ وأُخرى للشيخين.(2)

وأمّا السيرة: فقد حكاها غير واحد من أئمّة الفقه والحديث نقتصر على النزر اليسير منها.

1. قال أبو الحسن الماوردي(المتوفّى 450هـ):

فإذا عاد وليّ الحاج، سار به على طريق المدينة لزيارة قبر رسول اللّه ليجمع لهم بين حجِّ بيت اللّه عزّوجلّ، وزيارة قبرِ رسول اللّه رعايةً لحرمته وقياماً بحقوق طاعته، وذلك وإن لم يكن من فروضِ الحجّ، فهو من مندوبات الشرع المستحبّة وعبادات الحجيج المستحبة.(3)


1-انظر كتاب الفقه على المذاهب الأربعة:1/590.
2-انظر كتاب الفقه على المذاهب الأربعة:1/590.
3-الأحكام السلطانية:105.


(377)

2. يقول الإمام النووي (631ـ 676هـ):

فصل في زيارة قبر رسول اللّه وأذكاره

اعلم أنّه ينبغي لكلّ من حجّ أن يتوجّه إلى زيارة رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ