welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : رسائل ومقالات / ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

رسائل ومقالات / ج 2

رسائل ومقالات
تبحث في

مواضيع فلسفيّة وكلاميّة وفقهيّة
وفيها دعوة إلى التقريب بين المذاهب

الجزء الثاني

تأليف

آية الله جعفر السبحاني

نشر مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)

(3)

(4)

(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الّذي لا يبلغ مدحته الحامدون، ولا يحصي نعماءه العادون، ولا يقدر على إدراكه المجتهدون، الباقي بعد فناء كلّ شيء، نشكره على توالي نعمه وسوابغ أفضاله.

ونصلّي ونسلّم على أشرف النفوس الزكية، وأفضل الذوات القدسيّة، سيد البرية محمد المصطفى، وعترته المرضية، صلاة دائمة مادامت السماوات ذات أبراج، والأرض ذات فجاج.

أمّا بعد: فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا «رسائل ومقالات» جادت به القريحة في مناسبات مختلفة، تناول موضوعات: فلسفية، كلامية، فقهية، حديثية، ورجالية، إلى غير ذلك.

والعنوان الجامع لأكثر هذه الرسائل والمقالات هو الذبُّ عن حياض الإسلام، والإفصاح عن عقائد الشيعة الّتي طالما حيكت حولها نسيج من الخيال والأوهام، والدعوة إلى التقريب بين المسلمين، وعقد مؤتمرات حول التوحيد والشرك، والإيمان والكفر، وتقييم بعض الكتب المنشورة.

وقد سلكنا في هذا الكتاب النهج الموضوعي الّذي يعتمد على الحوار بلغة


(6)

هادئة، وعلى هذا الأساس بعثنا برسائل إلى بعض قادة السلطة والفكر، تتضمن الدعوة إلى عقد مؤتمرات لحلِّ المشاكل العالقة بالمجتمع الإسلامي ; فإنّ فيه تقريبَ الخطى، وتلبية لما جاء به الكتاب والسنّة النبوية من الاعتصام بحبل الله المستحكم، ومسايرة لروح العصر الّذي هو عصر المنطق والحوار والمذاكرة، والانفتاح على أفكار الآخرين.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ صلّى الله على وآله وسلم ـ

29 رجب المرجب من شهور عام 1421 هـ


(7)

المقالات


(8)

(9)

1

الاجتهاد و تحديات العصر

تزامن القرن العشرون بقيام نهضة علميّة وصناعية كبيرة في الغرب، أعقبها ظهور العديد من المستجدّات التي كانت تطلب لنفسها حلولاً ولم يكن في الفقه الإسلامي أيُّ حل لها لحداثتها، فصار ذلك سبباً لسريان وهم في أذهان كثير ممّن أبهرتهم الحضارة الغربية، وهو عدم قدرة التشريع الإسلامي على مواكبة عصره وتخلفه عن ركب الحضارة، وقد كرس هذه الشبهة المستشرقون في البلاد الإسلامية بذريعة انّ النصوص الشرعية في الأحكام من القلة بمكان لا تفي بوضع حلول للمستجدات الطارئة على المجتمع.

وكان في الشرق آذان صاغية لسماع هذه الشبهة، فتجاوبوا مع هؤلاء المستشرقين متشبّثين بأنّ الحضارة الغربية أفرزت حقوقاً وعقوداً في مجالات مختلفة وموضوعات جديدة، لم يكن لها أي حلول في الفقه الإسلامي، كلّ ذلك صار سبباً لتوهم وجود النقص في التشريع الإسلامي و عجزه عن إدارة المجتمع بقوانينه وطقوسه، فلا محيص للمسلمين من التطفّل على موائد الغربيّين في هذه المجالات مثلاً:

1. التأمين بكافة أقسامه أمر جديد لا يوجد له أيّ حكم منصوص في التشريع الإسلامي.


(10)

2. حقّ التأليف، وحق ثبت الاختراع، وحق الطبع، وحق الانتشار، هذه الحقوق لم يكن لها حكم في التشريع الإسلامي.

3. التلقيح الصناعي و زرع الأعضاء وبيعها والاستنساخ البشري والتشريح وتغيير الجنسية وغيرها من الموضوعات الجديدة في عالم الطب.

4. الشركات التجارية كشركة التضامن وشركة التوصية وشركة المحاصةوشركة المساهمة وغيرها من الشركات.

5. البنوك التي لا محيص عنها في المجتمع المدني اليوم.

إلى غير ذلك من الموضوعات التي واجهت علماء الإسلام منذ مطلع القرن العشرين و كانت سبباً لإثارة شبهة النقص في التشريع الإسلامي.

وهذه الشبهة بالتقرير الذي عرفت تخالف مبادئ الإسلام من زاويتين:

الأُولى: مخالفتها لكمال الدين الذي جاء صريحاً في قوله سبحانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً)(1). فكيف أكمل دينه مع أنّ التشريع لا يفي بإدارة مجتمع متحضّر ومتطوّر.

الثانية: مخالفتها لخاتمية الشريعة الإسلامية، فالنبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم خاتم الأنبياء، وكتابه خاتمة الكتب، وشريعته خاتمة الشرائع، فكيف يمكن أن تكون شريعة خاتمة والمسلمون بعد متطفّلون على موائد الغربيّين لا سيما في حقل الحقوق و العقود والأحكام؟

هذه هي الشبهة التي احتلّت مساحة شاسعة من اهتمام العلماء والمثقفين، والإجابة عليها رهن بيان أُمور:


1-المائدة: 3 .


(11)

الأوّل: دراسة ما روي عن النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم دون تحيّز

إنّ الحديث النبوي عدل القرآن في الحجّية فيجب التعبد به وتطبيق العمل عليه من دون تحيّز لأحاديث طائفة دون أُخرى، فانّ في اقتصار كلّ طائفة بما لديهم مع غض النظر عن الطائفة الأُخرى من الأحاديث المروية عن الصادع بالحق، يورث رسوخ هذه الشبهة ، إذ لا شكّ انّ إخواننا أهل السنة كرّسوا جهودهم في جمع الأحاديث النبوية في صحاحهم وسننهم فيما يرجع إلى التشريع، كما أنّ شيعة أهل البيت بذلوا قصارى جهودهم في جمع ما روي عن النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عن طريق أئمّة أهل البيت، فجمعوا كمية هائلة ممّا أثر عنه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في تلك المجالات، فلو كان هناك مساهمة فقهية جامعة ووقف كلّ طائفة على ما عند الطائفة الأُخرى من الأحاديث المتضمنة للتشريع لتضاءلت الشبهة بشكل واضح.

مثلاً قد جمع ابن حجر العسقلاني(المتوفّى 852هـ) ما روي عنهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في مجال التشريع في كتاب أسماه «بلوغ المرام في شريعة خير الأنام» فبلغ ما بلغ، كما أنّ محدّثي الشيعة جمعوا ما روي عن النبي عن طريق أئمّة أهل البيت في جوامع مختلفة كـ«الوافي» للفيض الكاشاني (المتوفّى 1091هـ) و«وسائل الشيعة» للحرّ العاملي (المتوفّى 1104هـ)، فلو تضافرت الجهود في جمع كلّ ما روي عنه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لظهر انّ للشريعة الإسلامية مادة حيوية قادرة على الإجابة على كافة المستجدات بأوضح الوجوه وأحسن الطرق.

و قد صرح أئمّة أهل البيت كأبي جعفر الباقر _ عليه السلام _ بذلك و قال: «انّ اللّه تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأُمّة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله وجعل شيء حدّاً، وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ


(12)

حداً».(1)

وعنه أيضاً انّه قال: «ما من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة».(2)

وعن سماعة، عن الإمام أبي الحسن موسى _ عليه السلام _ قال: قلت له: أكل شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه، أو تقولون فيه؟ قال: «بل كلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه».(3)

إنّ الأُمّة وإن اختلفت في أمر الخلافة، وانّها هل هي تنصيصية أو انتخابية، لكنّها ـ من حسن الحظ ـ لم تختلف في مرجعية أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ في العلم والفقاهة أخذاً بالحديث المتواتر عن النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم:«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي، فما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا أبداً».

ولأجل ذلك يجب الأخذ بما روي عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ من مجالات كثيرة من الأحكام والحقوق حتى يستطيع المستنبط الإجابة على المستجدات وغيرها.

الثاني: الاجتهاد ومواكبة التشريع للزمان

إنّ الاجتهاد الذي هو عبارة عن استنباط الحكم الشرعي الفرعي عن أدلّته، موهبة إلهية لهذه الأُمّة وسبب لخلود التشريع الإسلامي واقتداره للإجابة على كافة المسائل.

فهو يساير سنن الحياة وتطورها، ويجعل النصوص الشرعية حيّة متحركة نامية متطورة، تتمشى مع نواميس الزمان والمكان، فلا يُحمد الجمود الذي يباعد بين الدين والدنيا، أو بين العقيدة والحياة الذي نشاهده في إقفال الاجتهاد.


1-راجع الكافي: 1 / 59 ـ 62، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة، الحديث 2 و 4 و 10 .
2-راجع الكافي: 1 / 59 ـ 62، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة، الحديث 2 و 4 و 10 .
3-راجع الكافي: 1 / 59 ـ 62، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة، الحديث 2 و 4 و 10 .


(13)

إنّ تجويز الاجتهاد في ظل الأُصول العامة الواردة في الشريعة، أغنى صاحبها عن ذكر التفاصيل والجزئيات، ولو قام بذكرها لأعرض الناس عن هذه الدعوة لتعقّدها و لأنّها تضمنت أحكاماً عن جزئيات ومخترعات لا تقع تحت حسّهم ويصعب عليهم تصورها لأنّها لم تعرف في زمانهم، وكان اللازم عليه حينئذ بيان قوانين وقواعد عامة يقتدر معها المستنبط على استنباط الأحكام.

الثالث: جوامع التشريع في السنّة

اشتملت السنّة النبوية على جوامع التشريع فصارت مبدأ فياضاً لكثير من الأحكام، ومادةً حيويةً للإجابة على المستجدات الطارئة، وإليك نزراً يسيراً من هذه الجوامع.

1. كلّ قرض جرّ منفعة فهو ربا.

2. على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي.

3. ليس لعرق ظالم حقّ.

4. من أحيا أرضاً ميتة فهي له.

5. لا ضرر ولا ضرار.

6. انّ اللّه وضع عن أُمّتي الخطأ والنسيان ومااستكرهوا عليه.

7. رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل.

8. المؤمنون عند شروطهم إلاّ شرطاً حرّم حلالاً، أو أحلّ حراماً.

9. البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر.


(14)

10. الصلح جائز بين المسلمين إلاّ ما حرّم حلالاً، أو حلّل حراماًً.

فإذا أُضيفت إلى هذه الأُمور الثلاثة ما ورد في الكتاب العزيز من الأحكام والحقوق يستطيع المستنبط الإجابة على كلّ ما أُلقي إليه من الأسئلة في مختلف الأزمنة.

التاريخ المرير أو إقفال باب الاجتهاد

لا شكّ انّ إقفال باب الاجتهاد كان خسارة كبيرة وسبباً لركود الحركة الفقهية وجمود العلماء و إضعاف روح الاستقلال الفكري، وطغيان فكرة التقليد حتى ساد في أذهان الناس انّ بلوغ درجة الاجتهاد أصبح متعذراً ومستحيلاً، وأنّ أقدارهم ومواهبهم لا تصل إلى ما وصل إليه أئمّة المذاهب الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، والتزم كلّ إنسان مذهباً معيناً، إمّا بدافع امتناعي ذاتي، أو لظروف معيشية أو مراعاة لأوضاع سياسية معينة.(1)

ويعزو الاستاذ أحمد أمين اقفال باب الاجتهاد إلى حالة نفسية سادت الأُمّة إبّان غزو المغول، و يقول: لم يكن مجردَ إغلاق باب الاجتهاد باجتماع بعض العلماء وإصدار قرار منهم، وإنّما كانت حالة نفسية واجتماعية، وذلك انّهم رأوا غزو التتار لبغداد وعسفهم بالمسلمين فخافوا على الإسلام ورأوا انّ أقصى ما يصبون إليه هو أن يصلوا إلى الاحتفاظ بتراث الأئمّة ممّا وضعوه و استنبطوه.(2)

إنّ التبرير المذكور لا يمكن أن يصمد أمام النقد، و ذلك لأنّ الاحتفاظ بتراث الأئمّة لا ينافي دراسة هذا التراث من خلال عرض أفكار الأئمّة وآرائهم


1-وهبة الزحيلي، أُصول الفقه الإسلامي: 2 / 1033 .
2-أحمد أمين، رسالة الإسلام، العدد الثاني من السنة الثالثة.


(15)

ونقدها وتحليلها على ضوء الاجتهاد.

وهناك من برّر إقفال باب الاجتهاد بأنّ الفقهاء لأجل أن يوصدوا الباب أمام من ليس أهلاً للاجتهاد والنظر و يقطعوا الطريق على الفرق والمذاهب التي كثرت، ويحموا الأُمّة من الانقسام الديني، فأقفلوا باب الاجتهاد وقسموا المجتهدين إلى طبقات:

طبقة الاجتهاد المطلق، وطبقة مجتهدي المذاهب، وطبقة مجتهدي المسائل، ثمّ يأتي بعدهم المقلّدون.(1)

فسواء أصحّ التبرير المذكور أم لم يصحّ، فقد كان لإقفال الاجتهاد مضاعفات سلبية أهمها ركود الحركة الفقهية على وجه لم يكن للعلماء شأن سوى التصفّح في كتب أئمّة المذاهب وقد لمس الأُستاذ مصطفى أحمد الزرقا ، خطورة الموقف، فأخذ يصف القرن السابع بأنّه قرن الانحطاط والجمود ويقول: في هذا الدور أخذ الفقه بالانحطاط، فقد بدأ في أوائله بالركود وانتهى في أواخره إلى الجمود، وقد ساد في هذا العصر الفكر التقليدي المغلق وانصرفت الأفكار عن تلمس العلل والمقاصد الشرعية في فقه الأحكام إلى الحفظ الجاف والاكتفاء بتقبل كلّ ما في الكتب المذهبية دون مناقشة، وطفق يتضاءل ويغيب ذلك النشاط الذي كان لحركة التخريج والترجيح والتنظيم في فقه المذاهب وأصبح مريد الفقه يدرس كتاب فقيه معين من رجال مذهبه فلا ينظر إلى الشريعة وفقهها إلاّ من خلال سطوره بعد ان كان مريد الفقه قبلاً يدرس القرآن والسنّة وأُصول الشرع ومقاصده.

وقد أصبحت المؤلفات الفقهية إلاّالقليل أواخر هذا العصر اقتصاراً لما


1-أُصول الفقه الإسلامي: 2 / 1033 .


(16)

وجد من المؤلفات السابقة أو شرحاً له، فانحصر العمل الفقهي في ترديد ما سبق ودراسة الألفاظ وحفظها وفي أواخر هذا الدور حل الفكر العامي محل الفكر العلمي لدى كثير من متأخري رجال المذاهب الفقهية.(1)

وعلى كلّ حال فقد كان الإقفال بخساً لحق الأُمّة وعرقلة لتقدّمها.

نحن لا نتكلم فيما سبق ـ عفا اللّه عمّا سلف ـ وإنّما نتكلم في العصر الحاضر، و نقول لا محيص عن فتح باب الاجتهاد وانّه أمر ضروري لا سترة منه، لأنّ للفقيه في المسائل المستجدة انتهاج أحد الطرق التالية:

1. بذل الوسع في استنباط أحكامها على ضوء الكتاب والسنّة وسائر الأُصول الشرعية.

2. اتّباع المبادئ الغربية من دون نظر إلى مقاصد الشريعة.

3. الوقوف دون إعطاء حكم لها.

ومن الواضح بمكان انّ الأوّل هو الذي يناسب المجتمع الإسلامي.

ومن حسن الحظ انّ لفيفاً من المفكّرين من القدامى والجدد قد دعوا إلى فتح باب الاجتهاد فمن القدامى العلاّمة الشوكاني حيث قال:

و من حصر فضل اللّه على بعض خلقه، وقصر فهم هذه الشريعة على ما تقدم عصره فقد تجرأ على اللّه عزّوجلّ، ثمّ على شريعته الموضوعة لكلّ عباده، ثمّ على عباده الذين تعبدهم اللّه بالكتاب والسنّة.(2)

وأمّا من المتأخرين فقد دعا العديد منهم إلى ضرورة فتح باب الاجتهاد منهم:


1-المدخل الفقهي العام: 1 / 186 ـ 187 .
2-إرشاد الفحول: 224 .


(17)

1. أحمد أمين الكاتب المصري نشر مقالة في مجلة رسالة الإسلام العدد الثالث.

2. الأُستاذ علي منصور المصري مستشار مجلس الدولة السابق لمحكمة القضاء الإداري، فقد نشر مقالاً حول فتح باب الاجتهاد نشرته مجلة رسالة الإسلام في عددها الأوّل من السنة الخامسة.

3. الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه «أُصول الفقه»، يقول: فمن الذي أقفل باب الاجتهاد؟ وما هي أدلّته؟ وهل يستطيع أحد أن يزعم انّ مواهب اللّه ومنحُه قاصرة على جيل دون جيل، أو إنسان دون إنسان؟ لهذا فانّ دعوى إقفال باب الاجتهاد غير مسموعة، لأنّ من مستلزمات ختم الشرائع السماوية بشريعة الإسلام فتح باب الاجتهاد على مصراعيه إلى ما شاء اللّه، وقد أحسن الشيعة والحركات السلفية الحديثة إذ قرروا بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً.(1)

وفي الختام نقول تبعاً لما أفاده الدكتور ـ حفظه اللّه ـ : إذا كان الاجتهاد بذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها التفصيلية، فلقد كان مفتوحاً منذ عصر النبي وأئمتهم عند الشيعة إلى يومنا هذا، ولم يزل الأئمّة يحرضون شيعتهم على الاجتهاد والتفريع والتخريج من الأُصول التي ألقوها على تلامذتهم.

قال الإمام الصادق _ عليه السلام _ : «إنّما علينا أن نلقي إليكم الأُصول وعليكم التفريع».(2)

وقال الإمام الرضا _ عليه السلام _ : «علينا إلقاء الأُصول وعليكم التفريع».(3)

وقد كان أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ يعلمون كيفية استنباط الحكم الشرعي من


1-أُصول الفقه الإسلامي: 2 / 1034 .
2-وسائل الشيعة: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 51 و 52 .
3-وسائل الشيعة: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 51 و 52 .


(18)

الآية، وكان موقفهم موقف المعلم بالنسبة إلى المتعلّم، فها نحن نكتفي بنقل رواية واحدة من روايات كثيرة في هذا المضمار.

روى عبد الأعلى مولى آل سام، قال: قلت لأبي عبد اللّه _ عليه السلام _ : عثرت فانقطع ظفري، فجعلت على أصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: «يعرف هذا وأشباهه من كتاب اللّه عزّوجلّ، قال اللّه تعالى: (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) (1)، امسح على المرارة».(2)

على أنّ للقرآن آفاقاً خفية لا يحيط بها إلاّالراسخون في العلم، وقد أرشد أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ إلى هذا النوع من الاستفادة و نقتصر على سرد هذه الحادثة التاريخية ليكون نموذجاً لما نروم إليه.

قُدِّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحدّ فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الإيمان يمحو ما قبله، و قال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، فكتب المتوكل إلى الإمام أبي الحسن الهادي _ عليه السلام _ يسأله، فلمّا قرأ الكتاب ، كتب:

يضرب حتى يموت، فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة، فكتب:بِسمِ اللّه الرِّحمن الرحيم

( فَلَمّا رَأَوا بَأَسَنا قالُوا آمَنّا بِاللّه وَحْدَهُ وَكَفَرنا بِما كُنّا بهِ مُشْرِكين* فَلَمْ يَكُ يَنْفَعهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوا بَأْسنا سنَّت اللّهِ الّتي قَدْخَلَتْ في عِباده وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُون)(3) فأمر به المتوكل فضرب حتى مات.(4)


1-الحج: 78 .
2-وسائل الشيعة: 1، الباب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 5 .
3-غافر: 84 ـ 85 .
4-ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب: 4 / 403 ـ 405 .


(19)

وأمّا تاريخ إقفال باب الاجتهاد وكيفيته فقد ذكره المقريزي في خططه وقال:

إنّه تولّى القاضي أبو يوسف القضاء من قبل هارون الرشيد بعد سنة 170 إلى أن صار قاضي القضاة فكان لا يولّي إلاّ من أراده، ولمّا كان هو من أخصّ تلاميذ أبي حنيفة فكان لم ينصب للقضاء ببلاد خراسان والشام والعراق وغيرها إلاّ من كان مقلّداً لأبي حنيفة، فهو الذي تسبب في نشر مذهب الحنفية في البلاد.

وفي أوان انتشار مذهب الحنفية في المشرق نُشر مذهب مالك في إفريقية المغرب، بسبب زياد بن عبد الرحمان، فإنّه أوّل من حمل مذهب مالك إليها، وأوّل من حمل مذهب مالك إلى مصر سنة 160هـ ، هو عبد الرحمان بن القاسم.

قال: و نشر مذهب محمد بن إدريس الشافعي في مصر بعد قدومه إليها سنة 198هـ، وكان المذهب في مصر لمالك والشافعي إلى أن أتى القائد «جوهر» بجيوش مولاه «المعز لدين اللّه أبي تميم معد» الخليفة الفاطمي، إلى مصر سنة 358هـ، فشاع بها مذهب الشيعة حتى لم يبق بها مذهب سواه(أي سوى مذهب الشيعة).

ثمّ إنّ المقريزي بيّن بدء انحصار المذاهب في أربعة فقال:

فاستمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 665هـ، حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة وعُودي من تمذهب بغيرها، وأنكر عليه، ولم يول قاض ولا قبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلداً لأحد هذه المذاهب وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتّباع هذه المذاهب وتحريم ماعداها، والعمل على هذا إلى اليوم.(1)


1-راجع الخطط المقريزية: 2 / 333، 334 و 344 .


(20)

و هذه الكلمة الأخيرة: «وتحريم ما عداها» تكشف عن أعظم المصائب على الإسلام حيث إنّه قد مضى على الإسلام ما يقرب من سبعة قرون و مات فيها على دين الإسلام ما لا يحصي عددهم إلاّربّهم ولم يسمع أحد من أهل القرنين الأوّلين اسم المذاهب أبداً ، ثمّ فيما بعد القرنين كان المسلمون بالنسبة إلى الأحكام الفرعية في غاية من السعة والحرية، كان يقلد عاميّهم من اعتمد عليه من المجتهدين، وكان المجتهدون يستنبطون الأحكام عن الكتاب والسنّة على موازينهم المقررة عندهم في العمل بالسنّة النبوية، فأي شيء أوجب في هذا التاريخ على عامة المسلمين: «العامي المقلّد والفقيه المجتهد» أن لا يخرج أحد في الأحكام الشرعية عن حد تقليد الأئمّة الأربعة، وبأي دليل شرعي صار اتّباع أحد المذاهب الأربعة واجباً مخيراً، والرجوع إلى ما ورائها حراماً معيّناً.

والعجب انّ الشيخ محمد زاهد الكوثري (1296ـ 1371هـ) مممّن يهاجم فتح باب الاجتهاد وكسر حصر المذاهب الأربعة ويصفه بأنّ «اللا مذهبية قنطرة اللا دينية» و أنا أتعجب من هذا المحقّق كيف وصف هذه الموهبة الإلهية بما ذكره مع أنّ الالتزام بمذهب خاص وعدم التجاوز عنه كان أمراً مسلماً قبل الأئمّة الأربعة، فهل يمكن أن نقول إنّ: «اللامذهبية قنطرة اللا دينية»؟!

وحقيقة الأمر انّ الإسلام لم يفرض على مكلف تقليد أحد الأئمة الأربعة، فلو قلنا بأنّه يجوز تقليد مجتهد، حياً كان أو ميتاً يجوز تقليد كلّ من أراد من المجتهدين الماضين إذا كان مذهبه الفقهي واصلاً إلى المكلف عن طريق معتبر، وإن قلنا بشرطية الحياة في المجتهد فعلى كلّ مكلف أن يقلّد أي مجتهد حي.

وأمّا على أُصول الإمامية فبما انّ تقليد الميت باطل من رأس، كما أنّ تقليد الأعلم فرض و معه لا يجوز تقليد غيره، فيجب على كلّ مكلّف تقليد المجتهد


(21)

الحي الأعلم حتى تجتمع كلمة المسلمين على مجتهد واحد .

و في الختام نقول: إنّ من أراد أن يحيط بتاريخ الاجتهاد في الإسلام وتطوره وعلل إيصاد بابه لدى المسلمين، فليرجع إلى المصادر التالية:

1. المواعظ والاعتبار في الخطط والآثار: تأليف الشيخ تقي الدين أبي العباس أحمد بن علي المعروف بالمقريزي المولود في بعلبك عام 766هـ، والمتوفّى بالقاهرة عام 845هـ.

2. تاريخ اليعقوبي في المائة السابعة لكمال الدين عبد الرزاق بن المروزي الفوطي البغدادي المتوفّى سنة 723.

4. الانصاف في بيان سبب الاختلاف.

5. عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد: ألّفهما ولي اللّه الدهلوي، المولود سنة 1114 والمتوفّى 1180.

6. الإقليد لأدلّة الاجتهاد والتقليد.

7. الطريقة المثلى في الإشارة إلى ترك التقليد: ألّفهما صديق حسن خان القنوجي البخاري، المتوفّى سنة 1307، وطبع بالاستانة عام 1295.

8. حصول المأمول من علم الأُصول: له أيضاً طبع في الجوائب سنة 1296.

9. مقالة صاحب السعادة أحمد تيمور باشا ابن إسماعيل بن محمد، المولود في القاهرة سنة 1288هـ ، وهي تحت عنوان «نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الأربعة» طبعت مستقلة في القاهرة سنة 1344هـ.

10. ما كتبه محمد فريد وجدي في دائرة معارفه في مادتي «جهد وذهب»وما كتبه يعد أبسط ما كتب في الموضوع.


(22)

11. أعلام الموقعين عن ربّ العالمين: للحافظ ابن القيم.

12. تاريخ حصر الاجتهاد: لشيخنا العلاّمة الطهراني ، المتوفّى يوم الجمعة

13 ذي الحجّة عام 1389هـ.

إلى غير ذلك من المؤلفات.

جعفرالسبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _

4 ربيع الأوّل 1421هـ

Website Security Test