welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : نهاية المرام في عـلم الكــلام/ ج 1*
نویسنده :نابغة عصره وفريد دهره العلامة الحلّي*

نهاية المرام في عـلم الكــلام/ ج 1

(201)

البحث التاسع: في ترتّب الأجناس في الحمل (1)

لمّا كان الجنس هو المقول على كثيرين، وجب أن يكون محمولاً عليها. فإنّ المقوليّة هي الحمل، فإذا فرض للنوع جنسان مترتّبان أحدهما أعمّ من الأخر، كان حمل الجنس القريب الأخص (2) على النوع علّة لحمل البعيد عليه، فإنّ حمل الحيوان علّة لحمل الجسم على الإنسان، (إذ يستحيل أن يكون الجسم محمولاً على الإنسان) (3)، إلاّ بعد صيرورته حيواناً، لأنّا قد بيّنا أنّ الجنس أمر مبهم عند العقل وفي نفس الأمر، وإنّما يتحصّل بالفصول، وإذا توقّف تحصّله في الذهن والخارج على فصوله، فحمله أولى بالتوقّف.

ولمّا كان الجسم الذي ليس بحيوان مسلوباً عن الإنسان ـ لا أنّه (4) موجب عليهـ وجب أن يكون المحمول عليه (5) هو الجسم الذي هو الحيوان. فلمّـا كانت الحيوانيّة شرطاً في حمل الجسميّة على الإنسان كان حمل الحيوانيّة على الإنسان أقدم من حمل الجسميّة عليه.

لا يقال: الجنس البعيد جزء من الجنس القريب، والجزء مقدّم على الكلّ، فكان أقدم منه في الحمل.

لأنّا نقول: ليس تقدّم الجزء في الوجود مقتضياً لتقدّمه في الوجود للنوع، فإنّه لا استبعاد في أن يكون الشيء متقدّماً على آخر في نفس الأمر والوجود، ويكون


1 . راجع: المباحث المشرقية 1:162.
2 . م: «الأخص» ساقطة.
3 . م:ما بين الهلالين ساقطة.
4 . ق: «لأنّه».
5 . في المخطوطات «علته» والصواب ما أثبتناه ليتسق الكلام.


(202)

ذلك الآخر المتأخّر علّة في ثبوت المتقدّم لشيء ثالث، فيكون المتقدّم في وجوده المطلق، متأخّراً في (1) وجوده لذلك الثالث.

وكذا حمل الجنس القريب على النوع علّة لحمل الفصل القريب عليه، لأنّ تأثير الناطق أوّلاً في وجود الحيوان، ثمّ إذا وجد الحيوان، صار مجموع الحيوان الناطق إنساناً، فالناطق يؤثّر أوّلاً في الحيوان وبواسطته في الإنسان.


1 . ق:«وفي» ولعل الزيادة من الناسخ.


(203)

الفصل الثالث:

في الخارج عن الماهيّة

الوصف الخارج عن الماهيّة قد يكون لازماً كسواد القار. وقد يكون مفارقاً، إمّا سريع المفارقة كحمرة الخَجِل، أو بطيء المفارقة كسواد اللحية. وأيضاً إمّا سهل الزوال أو عسيره.(1) واللازم قد يكون لازماً للماهيّة كزوجيّة الإثنين، وقد يكون لازماً للوجود كحدوث الجسم.

ولازم الماهيّة قد يكون بوسط وهو ما يقترن بقولنا: «لانّه» حين يقال (2) لأنّه كذا، كإمكان العالم اللازم بواسطة كثرته. وقد يكون بغير وسط، بل بمقتضى طبعه كالإنقسام للعدد. واللازم بغير وسط يجب أن يكون بيّناً، لأنّ الماهيّة لمّا اقتضت ذلك اللازم، اقتضته مطلقاً، سواء كانت ذهنية أو خارجيّة، لأنّ الماهيّة حال كونها ذهنية هي الماهيّة حال كونها خارجيّة، وإنّما يزيد الخارج عليها بالوجود، وهو عارض خارجي، ولو كانت إنّما تقتضيه في الخارج لكان الوجود وسطاً في اللزوم، وقد فرضناه بغير وسط. وإذا كانت لما هي هي مقتضية لذلك اللازم، وهي من


1 . ج:«عسره».
2 . ق: «بقولنا: حتى يقال».


(204)

حيث هي هي ثابتة في الذهن، فاقتضت ثبوت لازمها لها ذهناً (1)، ولا نعني بالبيّـن سوى ذلك.

لا يقال: لو كان كذلك لزم من تصوّر الشيء تصوّر أُمور غير متناهية، لأنّ لكلّ ماهيّة لازماً وأقلّه أنّها ليست غيرها.

لأنّا نقول: لو سلّم أنّ لكلّ ماهيّة لازماً، لكن لا يجب أن يكون بيّناً، فإنّ اللوازم قد يمكن أن يستمر الاندفاع فيها ما لم يطرأ على الذهن ما يوجب إعراضه عن تلك المتلازمات (2) والتفاته إلى غيرها، لكن مثل هذه اللوازم قليلة في الوجود.

أمّا اللوازم التي لا تنحصر، فإنّها تحصل عند تصوّر الأُمور التي إليها يقاس الموضوع كمساواة زوايا المثلّث لقائمتين. وتصوّر تلك الأُمور التي هي شرط في حصولها، ليس بواجب الحصول على الترتيب المؤدّي إلى وجود تلك اللوازم المترتبة. وكون الماهيّة ليست غيرها، ليس لازماً بيّناً يلحق الماهيّة لذاتها، بل بالقياس إلى ذلك الغير. ولو لم يلحظه الذهن لم يحكم بالسلب، لكن تصوّر ذلك الغير ليس بواجب من تصوّر الماهيّة، واللازم بوسط (3) إنّما يجب تصوّره مع تصوّر ذلك الوسط.

وللبيّـن تفسيران: أحدهما الذي يلزم من تصوّر ملزومه تصوّره. والثاني الذي يلزم من تصوّر الماهيّة وتصوّر ذلك اللازم تصوّر اللزوم.(4) والأوّل أخصّ.

وقد اعترض على اللزوم بأنّه لو ثبت، فإمّا أن يكون عدمّياً أو وجودياً، والقسمان باطلان، فتحقّق اللزوم باطل، والشرطية ظاهرة.


1 . م: «ذهناً» ساقطة.
2 . ق وج: «بل تلك المتلازمات».
3 . في هامش ج: «كذا في المنقول منه واصفاً قوله بخطه». و العبارة في النسخ مشوشة، و لعلّ الصحيح ما أثبتنا منها.
4 . في النسخ:«الملزوم»، و لعلّ الصحيح ما أثبتناه.


(205)

وبيان بطلان الأوّل: أنّه لا يبقى حينئذ فرق بين عدم اللزوم ولزوم عدمي، لاستحالة التمايز في العدمات، لأنّ التمايز من خواصّ الوجود.

وبيان بطلان الثاني: أنّه لو كان وجودياً، فإمّا أن يكون نفس الملزوم (1) أو اللازم وهو محال; لإمكان تعقّلهما من دون تعقّله وبالعكس، ولأنّه نسبة وإضافة بين المتلازمين فيتأخّر عنهما، فيتأخّر عن كلّ واحد منهما، فلو كان نفس أحدهما لزم تأخّر الشيء عن نفسه بمرتبتين، ولأنّه يستلزم كون كلّ واحد من كلّ متلازمين نفس هذه النسبة والإضافة، وهو محال. وإمّا أن يكون مغايراً لهما وهو محال، وإلاّ لزم التسلسل، أو عدم التلازم بين ما فرض ثبوته فيهما، والتالي بقسميه باطل، فالمقدم مثله.

بيان الشرطيّة: أنّ ذلك الزائد إمّا أن يكون لازماً أو لا، فإن كان لازماً كان لزومه زائداً عليه، والكلام في ذلك الزائد كالكلام في اللزوم الأوّل، وهكذا إلى ما لا يتناهى، وهو أحد قسمي التالي. وإن لم يكن لازماً جاز زواله، وحينئذ ينتفي اللزوم بين المتلازمين، لأنّهما إنّما تلازما باعتبار هذا اللزوم، فإذا زال انتفى التلازم بين ما فرض ثبوته فيهما، وهو القسم الثاني من قسمي التالي.

وأيضاً لو تحقّق اللزوم ثابتاً بين المتلازمين، لزم اتّصاف المعدوم بالموجود، والتالي باطل بالضرورة، فكذا المقدم.

بيان الشرطية: أنّ شيئاً ما من الأشياء لو كان لازماً لغيره لكان عدم الملزوم لازماً لعدم اللازم، فيكون اللزوم الثبوتي حاصلاً بين العدمين وصفة لهما، فيكون الوصف الثبوتي قائماً بموصوف معدوم، وهو باطل.

والجواب: أنّ اللزوم وصف اعتباري عقلي لا ثبوت له في الخارج، بل حكمه في الثبوت والانتفاء واحد.


1 . م: «اللزوم».


(206)

قوله: لو كان عدمياً لم يبق فرق بين عدم اللزوم وبين لزوم عدمي.

قلنا: ممنوع، فإنّ الأوّل نفي مطلق اللزوم، سواء كان ثبوتياً أو عدميّاً. والثاني ثبوت لزوم عدمي وبينهما فرق وإن اشتركا في كونهما عدميّين. وأعدام الملكات قد تتمايز باعتبار تمايز ملكاتها، ولو صحّ هذا الدليل لصحّ فيما علم بالضرروة بطلانه كالامتناع والعدم. والتمايز من خواص مطلق الوجود الشامل للذهني والخارجي، فكما يقع بين الأمور العينيّة كذا يقع بين الأُمور الذهنيّة، وإمكان الانفكاك في التعقل يدلّ على الزيادة فيه، لا على الزيادة في الخارج، كما في الأجناس والفصول، فإنّهما متغايران في التعقّل وإن اتّحدا في الوجود الخارجي. وبالجملة، فالتحقيق في الجواب ما تقدّم من أنّ اللزوم اعتباري.

تتمّة: كلّ وصف فإنّه بالضرورة يستدعي موصوفاً ينسب إليه ويكون محلاّ ً له. لكن من الأوصاف ما هو ثابت في الأعيان، فيجب ثبوت موصوفه في الأعيان لامتناع قيام الوصف بذاته، ومنها ما هو ثابت في الذهن وهو ينقسم إلى ما يجب ثبوت الموصوف به في الأعيان أيضاً، كالوجوب ومنها ما لا يجب، بل ولا يثبت.


(207)

الفصل الرابع:

في الكلي والجزئي (1)

كلّ مفهوم فإمّا أن يمنع نفس تصوّر معناه من وقوع الشركة فيه، ويسمّى الجزئي الحقيقي كزيد، أو لا يمنع، ويسمّى الكلّـي كالإنسان، فإن كان هذا الكلّـي مندرجاً تحت غيره، سُمّي أيضاً جزئياً إضافياً، بالنظر إلى ذلك الغير، وهو أعمّ (2) من الحقيقي مطلقاً، لاندراج كل حقيقي تحت ماهيته المعرّاة عن المشخصات وتحت الأُمور العامّة، وليس جنساً لانفكاكه عنه تصوّراً.

وإذا نسب الكلي إلى الوجود انقسم إلى ستة (3):

أ: ما يمتنع وجوده، كشريك الباري تعالى.

ب: ما يمكن وجوده ولا يوجد، كجبل من ياقوت (4).


1 . راجع الفصل الخامس من المقالة الأُولى (المدخل) من منطق الشفاء1:24; منطق النجاة:6; إلهيات النجاة:220; الفصل الأوّل من المقالة الخامسة من إلهيات الشفاء: 392; المعتبر 1: 16 ـ 22; كشف المراد:86ـ87; جوهر النضيد: 12 وما يليها.
2 . م: «أعم» ساقط.
3 . انظر الأقسام في شرح الإشارات 1:37ـ38; الفصل الثاني من المقالة الخامسة من إلهيات الشفاء; الجوهر النضيد:12.
4 . وكالعنقاء والغول.


(208)

ج: ما يكون الموجود منه واحداً مع امتناع تكثّره، كواجب الوجود تعالى.

د: ما يكون الموجود منه واحداً مع امكان تكثّره، كالشمس.

هـ : ما يتعدّد أفراده في الوجود مع تناهيها، كالكوكب.

و: وما تتعدد أفراده في الوجود مع عدم تناهيها (1).

والكلّـي والجزئي يقالان بالذات للمعنى، وبالعرض للفظ. والكليّة والجزئيّة من ثواني (2) المعقولات لا تأصّل لهما في الوجود، وهما مغايران لما يصدقان عليه من الماهيّة; فإنّ الحيوان لو كان نفس كونه كلّياً أو جزئياً لم يصدق على الآخر، فهما إذن متغايران. ولأنّ الكليّة إضافيّة، وليس الحيوان اضافياً.

فالكليّة العارضة للحيوان يقال له كلّـي منطقي، لأنّ بحث المنطقي عنه وهو أمر عقلي. ومعروضه وهو الحيوان يقال له كلّـي طبيعيّ، لأنّه نفس حقيقة الشيء وطبيعته، وهو موجود في الخارج، لأنّه جزء من هذا الموجود، لأنّ الجزء إمّا الحيوان من حيث هو، أو (3) حيوان ما، والحيوان جزء من حيوان ما وجزء الموجود موجود. والمجموع المركّب منهما عقلاً يسمّى الكلّـي العقلي، ولا وجود له إلاّ في العقل، لأنّ جزئه عقلي، ولأنّ الحيوان الكلّـي مشترك فيه، ولا شيء من المشترك فيه بموجود في الخارج من حيث هو مشترك فيه، لأنّ عمومه يستدعي وجوده في محالّ متعدّدة، ويمتنع وجود شيء واحد في أكثر من محلّ واحد (4).

والكلّـي والجزئي الإضافي يحاذيان العام والخاص. والعموم إمّا مطلق أو من وجه. فالعام المطلق وجوداً أخص عدماً، لأنّ العامّ والخاص لابدّ من تواردهما


1 . وقد مثل له في الجوهر النضيد بـ « النفوس الناطقة».
2 . م: «ثواني» ساقطة.
3 . ق: «أو» ساقطة.
4 . وقال السبزواري(في منطق شرح المنظومة:20)
ويوصف الكلّـي بمنطقي وبالطبيعـــي وبالعقلــــي


(209)

على محل واحد، وإلاّ لتباينا، ويتخلّى الخاص عن العام في موارد أُخرى، وإلاّ لتساويا، ففي تلك الموارد التي تخلّـى الخاص عنها يوجد فيها نقيضه مع وجود عين العام فيها. وكلّ صورة ينتفي العام عنها ينتفي عنها الخاص، وإلاّ لكان أعمّ، فإذا وجد نقيض الخاص في كلّ موضع يوجد فيه نقيض العام، من غير عكس، كان نقيض العام مطلقاً أخص من نقيض الخاص مطلقاً.

وأمّا العام من وجه، فليس بين نقيضه ونقيض الأخص عموم مطلقاً، ولا من وجه، بل مباينة جزئيّة، لثبوت هذا العموم، بين عين العام ونقيض الخاص مع التباين الكلّـي بين نقيض العام وعين الخاص. ولمّا وجد كلّ منهما في صورة واحدة وعُدِم كلٌّ منهما مع وجود الآخر في غير تلك الصورة لا جرم كانت المباينة جزئية.

وبين نقيضي المتساويين وهما اللذان يصدق كلّ منهما على كلّ (1) ما صدق عليه الآخر مساواة أيضاً، إذ لو وجد أحدهما بدون صاحبه كان الموجود أعمّ من صاحبه لصدقه في تلك الصورة مع كذب الآخر.

وبين نقيضي المتباينين وهما اللذان لايصدقان على شيء البتة تباين جزئي، لأنّ نقيضيهما إن اقتسما طرفي النقيض لم يصدقا على شيء البتة، كالموجود والمعدوم تباينا كلّياً. وإن لم يقتسماهما، بل صدق عدمهما على ما يغايرهما، كان بين نقيضيهما مباينة جزئية، لصدق نقيض كلّ منهما على ما يغايرهما وصدقه على عين الآخر وكذب نقيض الآخر على عينه.

ولمّا كان الكلّـي أعمّ من الجزئي، وكان وجود الخاص في موارد يوجد فيها العام، ويوجد العام في موارد لا يوجد فيها الخاص من صور، أمكن وقوف العقل


1 . م: «ضد» و هو خطأ.


(210)

على الصور التي تخلّـى عنها الخاص من صور العام، ولم يمكن وقوفه على صور الخاص إلاّ مع وقوفه على العام، لا جرم كان الكلّـي أعرف من الجزئي.

والكلّـي إمّا ذاتي أو عرضي (1).

والذاتي يقال على معان متعددة بالإشتراك، يراد منها هنا معنيان، أحدهما المقوّم لما يحمل عليه، بأن يكون جزءاً منه. والثاني نفس طبيعة ما يحمل عليه.

والأوّل لا اشكال فيه، لامكان النسبة فيه، بخلاف الثاني، فإنّ الشيء لا ينسب إلى نفسه، بل أُطلق على نفس الماهيّة لفظة الذاتي بنوع من الإشتراك، وإن كان بعضهم خصّ الذاتي بالأوّل (2).

ومنهم من أطلق الذاتي على كلّ ما هو بيّـن الثبوت للشيء، سواء كان جزءاً للماهية أو خارجاً. ومنهم من فسّـره بأعمّ، وهو الذي يمتنع زواله عن الشيء، سواء كان بيّن الثبوت له أو لا. والنزاع لفظي. لكن من فسّـر اللفظ بأمر وجب عليه رعاية ذلك التفسير وأن يحترز عن الغلط الواقع بسبب الاشتراك.

والذاتي إمّا جنس: وهو الكلّـي المقول على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو من حيث هو كذلك.

وأقسامه أربعة:

العالي: وهو الذي لا جنس فوقه، وتحته جنس، ويسمّى جنس الأجناس(3).

والسافل: وهو الذي فوقه جنس، وليس تحته جنس.


1 . راجع الإشارات 1: 38ـ 39; النجاة 6ـ7;جوهر النضيد: 16ـ17 والمراد هنا هو الذاتي في كتاب ايساغوجي. و انظر معاني الذاتي في منطق الشفاء1:33.
2 . هذا رأي الجمهور، وقد أنكره قطب الدين الرازي وأجاب على الاشكال بقوله: (فانّ الشيء لاينسب إلى نفسه). شرح الإشارات 1:39ـ 40.
3 . كالجوهر.


(211)

والمتوسّط: وهو الذي فوقه جنس وتحته جنس.

والمفـــرد: وهو الذي ليس فوقه جنس ولا تحته جنس.

لا يقال: المقول على كثيرين جنس للجنس، فهو جنس خاص من حيث إنّه جنس للجنس، فيكون أخصّ، لكنّه أعمّ من مطلق الجنس، فإنّ كلّ جنس أعمّ من نوعه، ولأنّه محمول، وإلاّ لم يكن مقولاً على كثيرين، فإنّ المقوليّة نفس الحمل، ولا شيء من الجزء بمحمول، فلا شيء من الجنس بجزء، فليس مقوّماً بل عارضاً. ولأنّه ليس في الخارج، وإلاّ لكان شخصاً غير مقول على كثيرين، ولا في الذهن لامتناع تقوّم الأنواع الخارجيّة بأُمور ذهنية.

لأنّا نقول: المقول على كثيرين أعمّ من الجنس باعتبار ذاته، وأخصّ باعتبار عروض الجنسيّة له. ولا استبعاد في صيرورة ما هو أعمّ، باعتبار عروض عارض أخصّ أو مساوياً، كالجنس والمضاف والحدّ وحده. والحيوان المحمول ليس هو الجزء وإن اتّحدا في الذات، لكنّهما متغايران بالإعتبار، وهو موجود في الخارج لا باعتبار أنّه جنس أو كلّـي، بل من حيث هو هو. فمعروض الجنسيّة موجود لا من حيث العروض، بل من حيث اعتبار الذات من حيث هي هي. وهو من حيث عروض الجنسيّة موجود في الذهن لا غير، وليس هو من تلك الحيثيّة بمقوّم.

وإمّا نوع (1): ويقال بالاشتراك على الحقيقي، وهو الكلّـي المقول على كثيرين متّفقين بالحقيقة في جواب ما هو من حيث هو كذلك. وعلى الإضافي، وهو أخصّ الكليّين المقولين في جواب ما هو. وهما متغايران، لامتناع الجنسيّة في الأوّل وامكانها في الثاني; والإكتفاء بالمحموليّة في الأوّل دون الثاني; وامكان بساطة الأوّل وامتناعها في الثـاني; واستغنـاء الأوّل أحياناً عن فصل أو جنس بخلاف الثاني. ولا يتلازمان، لوجود الأوّل في الحقائق البسيطة دون الثاني، وبالعكس في


1 . عطف على قوله: «والذاتي إمّا جنس»، راجع شرح الإشارات 1:79ـ82.


(212)

الأجناس المتوسّطة. والأوّل هو أحد الخمسة (1)، وإلاّ صارت القسمة مسدّسة، لوجود الحقيقي في البسيط (2).

ومراتب الإضافي أربع: العالي: وهو الذي تحته نوع، وليس فوقه نوع.

والسافل: وهو الذي ليس تحته نوع، بل فوقه، ويسمّى نوع الأنواع (3).

والمتوسّط: وهو الذي فوقه نوع، وتحته نوع.

والمفرد: وهو الذي ليس فوقه نوع، ولا تحته نوع.

وقد تتوارد بعض هذه المراتب وبعض مراتب الجنس على محلّ واحد، هو كلّ ماهيّة اختلفت أفرادها في الحقيقة واندرجت تحت مثلها.

ولا وجود للمفرد والسافل إلاّ في الحقيقي. ولا وجود للجنس العالي والمفرد إلاّ فيما باين (4) مراتب النوع. والطبيعة الجنسيّة إذا أُخذت معقولة مجردة عن فصولها كانت نوعاً حقيقياً، وإنّما يكون جنساً لو التفت إلى فصولها التي تتحصّل بها أنواعاً مختلفة في الأعيان.

وإمّا فصل (5): وهو الكلّـي المقول على الشيء في جواب أيّما هو في جوهره. فمنه قريب وبعيد، وهو بالنسبة إلى الجنس خاصّة، كما أنّ الجنس بالنسبة إليه


1 . أي أحد الكلّيات الخمسة.
2 . والمصنف جعل النسبة بينهما عموماً من وجه حيث قال: وقد يتّفقان في التوارد على حقيقة واحدة كالنوع السافل فبينهما عموم من وجه، الجوهر النضيد 21، وانظر مورد الاشتراك وتباينهما في شرح قطب الدين الرازي على شرح الإشارات 1:79ـ80.
3 . كالإنسان.راجع الفصل الحادي عشر من المقالة الأُولى(المدخل) من منطق الشفاء.
4 . كذا في ق وفي م: بزيادة «من» بعدها. و لم أهتد للقراءة الصحيحة
5 . عطف على قوله: «والذاتي إمّا جنس» و «إمّا نوع»، راجع الفصل الثالث عشر من المقالة الأُولى (المدخل) من منطق الشفاء ;الجوهر النضيد: 21.


(213)

عرض عام. ومقوّم العالي مقوّم للسّافل من غير عكس.(1) ومقسّم السافل مقسّم العالي من غير عكس. وللعالي فصل مقسّم لا يتقوّم(2) ، والسّافل بالعكس، والمتوسّطات لها فصول مقوّمة و مقسّمة.

وأمّا العرضي (3)، فإمّا خاصّة: وهي الكلّـي المقول على أفراد حقيقة واحدة من حيث هو كذلك فقط قولاً عرضياً، سواء كانت تلك الحقيقة جنساً عالياً أو سافلاً أو متوسطاً أو نوعاً حقيقياً.

والخاصّة إمّا مطلقة لا توجد في غير أفراد ما قيل له إنّه خاصّة له، أو إضافية توجد في بعض ما غايره دون بعض. وهي إمّا شاملة لجميع أفراد الحقيقة، أو قاصرة، بسيطة أو مركّبة من أُمور كلّ واحد منها أعمّ ويجتمع من المجموع مساو كقولنا في الخفاش:إنّه الطائر الولود. والمفيد في التعريفات الخاصّة اللازمة الشاملة البيّنة.

وإمّا عرض عام (4)، وهو الكلّـي المقول على أفراد حقيقة واحدة وعلى غيرها قولاً عرضياً من حيث هو كذلك. وهو مغاير للعرض القسيم للجوهر.

وقد ذكرنا أنّ الجنس والنوع يقالان في جواب ما هو، لكنّ الجنس إنّما يقال في جواب ما هو حال الشركة، لأنّ الجنس جزء الماهيّة، والسائل بما هو إنّما سأل عن كمال الحقيقة، فلا يجوز الجواب إلاّ بذكر جميع المقوّمات. وإذا سئل عن جماعة من الأنواع صلح الجنس للجواب; لأنّ السائل إنّما سأل عن كمال المشترك، والحدّ يقال في جواب ما هو حال الخصوصيّة. والنوع يقال في جواب ما هو


1 . راجع الفصل الأوّل من المقالة الثانية من الفن الثاني من منطق الشفاء.
2 . كذا في جميع النسخ، و لعلّ الصحيح:«لا مقوّم».
3 . راجـع الفصل الرابع عشر من المقالة الأُولى (المدخل) من منطق الشفاء; الفصل الأوّل من مقولات الجوهر النضيد22.
4 . عطف على قوله : «وأمّا العرضي فإمّا خاصّة».


(214)

بحسب الشركة والخصوصيّة معاً، لأنّه يقال في جواب السؤال عن فرد واحد، وعن جميع الأفراد (1).

وفرق بين المقول في جواب ما هو الذي هو نفس الماهيّة وبين الداخل في جواب ما هو الذي هو جزء الماهيّة، والواقع في طريق ما هو الذي هو الجزء الأعمّ(2).

واعلم: أنّ الكلّ مغاير للكلّـي والجزء مغاير للجزئي، لأنّ الكلّ من حيث هو كلّ موجود في الخارج، والكلّـي من حيث هو كلّـي لا يوجد إلاّ في الذهن. ولأنّ الكلّ يُعدّ بأجزائه، والكلـي لا يُعدّ بجزئياته. ولأنّ الكلّـي مقوّم للجزئي، والكلّ متقوّم بالجزء، ولأنّ الكلّ لا يكون كلاّ ً لكلّ جزء وحده، والكلّـي يكون كلياً لكلّ جزئي وحده. ولأنّ الكلّ أجزاؤه متناهية، وجزئيات الكلّـي غير متناهية. ولأنّ الكلّ محتاج إلى حضور أجزائه جميعاً، والكلّـي لا يحتاج إلى حضور جزئيّاته جميعاً. ولأنّ طبيعة الكلّ لا تصير هي الجزء، أمّا طبيعة الكلّـي فإنّها بعينها جزئية(3) كالإنسان (4).


1 . راجع شرح الإشارات 1:69، وما يليها.
2 . قال الطوسي: ... القوم لم يفرّقوا بين نفس الجواب الذي هو الماهية وبين الداخل فيه، والواقع في طريقه الّذي هو جزء الماهية يعني الذاتيّ. شرح الإشارات1:67ـ 68.
3 . الكلمة غير منقوطة في النسخ، و الصحيح ما أثبتناه، و يمكن قراءتها : «جزئيه».
4 . إذا صار هذا الإنسان مشاراً إليه ، وهذه سبعة فروق راجعها في المباحث المشرقية: 1:575.


(215)

القاعدة الثانية

في تقسيم الموجودات

وفيه نوعان:


(216)

(217)

النوع الأوّل

في التقسيم على رأي المتكلّمين (1)

إعلم: أنّ الموجود إمّا أن يكون قديماً لا أوّل لوجوده، وهو اللّه تعالى، أو محدثاً لوجوده أوّل، وهو ما عداه. فهنا فصول.

الفصل الأوّل:

في القدم والحدوث

وفيه مباحث:

البحث الأوّل: في تحقيقهما

القديم: هو الموجود الذي لم يسبقه العدم، أو الموجود المساوق(2) لأزمنة


1 . راجع أنوار الملكوت في شرح الياقوت: 51; المعتبر 3:41; كشف الفوائد:67; نقد المحصل: 122 وما بعدها; شوارق الإلهام، المسألة السادسة والعشرون من الفصل الأوّل. وانظر أنواع الحدوث وتقاسيم الوجود بحسبها في القبس الأوّل من القبسات.
2 . م: «المساوي».


(218)

مقدّرة لا نهاية لها. وأمّا المحدث فله تفسيران: أحدهما: أنّه المسبوق بالعدم، والثاني: أنّه المسبوق بالغير. وعلى كلا التفسيرين فالسبق هنا عند المتكلّمين إنّما هو بتقدير أزمنة لا نهاية لها.

قال الأوائل(1): مفهوم قولنا : «كان اللّه تعالى موجوداً في الأزل» إن كان عدمّياً كان نقيضه وهو «ما كان اللّه تعالى في الأزل» ثبوتياً، لكن قولنا «ما كان» عدمي، ولأنّه إذا كان قولنا: «ما كان اللّه تعالى موجوداً في الأزل» ثبوتياً كان المعدوم في الأزل موصوفاً بوصف ثبوتي، وهو محال.

وإن كان قولنا: «كان اللّه تعالى في الأزل» ثبوتياً، فإمّا أن يكون نفس ذات اللّه تعالى، أو مغايراً لها. والأوّل باطل; لأنّ كونه في الأزل نسبة وإضافة لا تقوم بذاته، بل إنّما يعقل وصفاً لغيره، فلا تأصّل له في الوجود، بل هو من ثواني المعقولات، واللّه تعالى قائم (2) بذاته. ولأنّ كونه في الأزل نسبة له إلى الأزل، والنسبة بين الشيئين متأخّرة عنهما، والمتأخّر عن الشيء لا يمكن أن يكون نفس ذلك الشيء. ولأنّ كونه في الأزل ليس بحاصل الآن، وإلاّ لكان كلّ حادث الآن، بل في كلّ آن سابق أو (3) لاحق، فلا تقدّم ولا تأخّر لبعض الموجودات على البعض، وهو محال، واللّه تعالى موجود الآن، فتغايرا.

وبالجملة، فالحكم بالتغاير ضروري أظهر من هذه البراهين، فذلك المتغاير إن كان موجوداً في الأزل، فقد كان مع اللّه تعالى في الأزل غيره، وهو محال عندكم. ولأنّ ذلك الغير هو الذي يلحقه معنى «كان» و«يكون» لذاته، وهو الزمان، فالزمان أزلي.


1 . وهم الفلاسفة.
2 . م: «موجود» بدل «قائم».
3 . م : «و» بدل «أو».


(219)

أجاب المتكلّمون: بأنّ معنى كون اللّه تعالى قديماً، أنّا لو قدّرنا أزمنة لا نهاية لها لكان اللّه تعالى موجوداً معها بأسرها، ولا يحتاج هذا المعنى إلى تحقّق الزمان ووجوده، بل تقدير وجوده، لأنّه لو اعتبر الزمان في ماهيّة القدم والحدوث لكان ذلك الزمان إمّا قديماً أو حادثاً، فإن كان قديماً، فإن احتاج قدمه إلى زمان يصحبه، وجب أن يكون له زمان آخر، فللزمان زمان وهكذا إلى مالا نهاية له. وإن لم يحتج قدم الزمان إلى اعتبار آخرَ (1)، لم يجب اعتبار الزمان في معنى القديم، فيكون القِدم معقولاً من غير اعتبار الزمان، وإذا عُقل ذلك في موضع، فليُعقل في جميع المواضع.وإن كان ذلك الزمان حادثاً، فإن اعتبر في حدوثه الزمان تسلسل، وهو محال. وإذا لم يعتبر الزمان في الحدوث في نفس الزمان، فليُعقل مثله في جميع المواضع. ولأنّ القديم يمتنع اعتبار الزمان الحادث في تحقّقه.

قال أفضل المحقّقين: «لا يجب أن يكون نقيض العدميّ ثبوتياً، بل منقسماً إلى الثبوتي والعدميّ. وأيضاً قولنا: «كان اللّه تعالى موجوداً في الأزل» نقيض «ما كان موجوداً في الأزل» وهي قضية، ولا يكون شيء من المعدومات موصوفاً بهذه القضيّة. وان جعل بازائه «ما كان معدوماً ما موجوداً في الأزل» حتى يصير ذلك المعدوم موصوفاً بأنّه لم يكن في الأزل، لم تكن هذه القضيّة نقيضاً للأُولى، لتخالف موضوعيهما. وإن أراد بذلك أنّ الكون واللاكون متناقضان، والكون محمول على اللّه، واللاكون محمول على المعدوم(2)، فيكون الكون وجودياً، كان إيراد قضيّتين بدل مفردين حشواً. وما نقله (3) عن المتكلّمين غير مرضي عند الكلّ منهم(4)، فإنّ كون الشيء مع الشيء لا يتحقّق إلاّ فيما كان في زمان أو تقدير زمان.


1 . أي إلى اعتبار زمان آخر.
2 . في المصدر «العدم».
3 . أي الرازي.
4 . «منهم» ساقطة في المصدر.


(220)

والمحقّقون منهم يقولون: معناه أنّه غير مسبوق بغيره.

لا يقال: إنّ السبق أيضاً لا يتحقّق إلاّ بتقدير زمان، لأنّهم يقولون: «سلب السبق عنه (1) لا يقتضي كونه زمانياً» (2).

وفيه نظر، لأنّه ليس المقصود ما صدق عليه النقيض حتى يكون منقسماً إلى ثبوتي وعدميّ، بل نفس مفهوم النقيض، وذلك غير منقسم.

والتحقيق: أنّ من المعقولات ما يوجد في الخارج فلا ينفك الخارج عنه وعن نقيضه بالضرورة، لامتناع الخلو عن النقيضين. ومنها ما لا وجود له إلاّ في الذهن، ومثله حكم النقيضين فيه بالنسبة إلى الخارج سواء، لأنّ أحدهما إذا أخذناه على أنّه ثبوتي لم يرد به الثبوت العيني، بل الذهني. وهنا يكون أحدهما موجباً والآخر سالباً، ولا يجب أن يكون أحدهما موجوداً في الخارج، والآخر معدوماً، بل موضوعاته.

وقولنا: «كان اللّه تعالى موجوداً في الأزل» وإن كان قضيّة، فليس المراد إلاّ: الكون في الأزل هل هو ثبوتي أم لا؟ وكذا نقيضه الذي هو اللاكون.

والمتكلّمون لا يسلّمون افتقار المعيّة إلى الزمان، كما لا يسلّمون أنّ التقدّم إنّما يكون بالزمان. والسبق أيضاً عندهم لا يفتقر إلى الزمان.

البحث الثاني: في التفسير على رأي الحكماء الأوائل (3)

فسّـروا الحدوث بأمرين:


1 . في المصدر «منه».
2 . نقد المحصل: 123.

3 . لاحظ المباحث المشرقية 1:227; شرح المواقف 4:2 وما بعدها.


(221)

أحدهما: حصول الشيء بعد أن لم يكن له وجود في زمان سابق (1) وعلى هذا التفسير لا يكون الزمان حادثاً، وإلاّ لكان عدمه سابقاً على وجوده بزمان سابق، فيكون للزمان زمان وهكذا.

والثاني: أن يكون حصوله بعد عدمه بعديّة بالذات، وهو الحدوث الذاتي، فإنّ (2) كلّ ممكن، فإنّه لا يستحقّ الوجود من ذاته وإنّما يستحق الوجود من غيره، وما بالذات أسبق ممّا بالغير (3)، فيكون لا استحقاقية الوجود التي هي مقارنة للعدم، سابقاً على استحقاقية الوجود، فيكون العدم سابقاً على الوجود المستند إلى الغير، وسواء كان ذلك الإستناد مخصوصاً بزمان أو مستمراً في كلّ الزمان.

وللقدم معنيان مقابلان لمعنيي الحدوث: أحدهما الذي لا أوّل لزمان وجوده. والزمان بهذا المعنى ليس بقديم، وإلاّ لكان للزمان زمان آخر، وهو محال.

والثاني الذي لا مبدأ ولا علّة لوجوده، وهو القِدم الذاتي.

البحث الثالث: في أنّ الحدوث والقدم هل هما ثبوتيّان أم لا؟

اختلف الناس هنا، فالمحققون على أنّهما وصفان اعتباريان لا تحقّق لهما في الخارج.

وذهبت الكرّاميّة (4) إلى أنّ الحدوث صفة زائدة على الذات.


1 . وهذا هو الحدوث الزمانيّ، والبعدية فيه لاتجامع القبلية، بخلاف الحدوث الذاتي الذي يجامع الوجود فيه العدم الذاتي ،وهو عدمه في مرتبة ذاته.
2 . فهذا برهان لإثبات الحدوث الذاتي، راجع الإشارات 3:113 وما بعدها، والمباحث المشرقية1:229، وللرازي إشكال ضعيف على الحجة نشأ من المغالطة، ذكره في شرحه على الإشارات والمباحث المشرقية.
3 . أي عدم استحقاق الوجود ـ الذي هو مقارن لعدم الوجود ـ اسبق من استحقاق الوجود.
4 . أصحاب أبي عبد اللّه محمد بن كرّام وكان من سجستان، وهم طوائف بلغ عددهم اثنتي عشرة فرقة، وهم من الصفاتية المجسمة. الملل والنحل للشهرستاني 1:108.


(222)

وذهب «عبد اللّه بن سعيد» (1) من الأشاعرة إلى أنّ القدم وصف ثبوتي.

والكلّ باطل. أمّا الأوّل: فلأنّ الحدوث لو كان ثبوتياً، لكان عرضاً قائماً بالغير، فذلك الغير إمّا أن يكون قديماً أو حادثاً، والقسمان باطلان. أمّا الأوّل: فلاستحالة اتّصاف القديم بالحدوث. وأمّا الثاني فلاستلزامه التسلسل.

لا يقال: لِمَ لا يقوم الحدوث بالماهيّة من حيث هي هي، فلا يلزم التسلسل؟

لأنّا نقول: الماهيّة من حيث هي هي لا توجد إلاّ في العقل، فيستحيل قيام الحدوث الثبوتي في الأعيان بماهيّة ذهنية، بل إنّما تحلّ في ماهيّة موجودة، ولمّا كان هذا الوجود مسبوقاً بالعدم وجب أن يكون الشرط هو هذا الوجود المسبوق بالعدم. وأيضاً لو كان الحدوث صفة وجودية لكان إمّا قديماً أو حادثاً، والقسمان باطلان. أمّا الأوّل فلاستلزامه قِدم موصوفه الذي هو الحادث، فيكون الحادث أزليّاً، هذا خلف، ولأنّ الحدوث عبارة عن مسبوقية الوجود بالعدم، فيستحيل عليه القدم الذي هو عدم مسبوقية الوجود بالعدم. وأمّا الثاني فلاستلزامه التسلسل، فإنّ الحدوث لو اتّصف بالحدوث، لكان الكلام في الحدوث الذي هو الوصف كالكلام في الحدوث الذي هو الموصوف، وهكذا إلى ما لا نهاية له.

وأمّا الثاني: وهو مذهب «ابن سعيد» ، فإنّه باطل أيضاً، لأنّ القِدم لو كان وصفاً ثبوتياً، فإمّا أن يكون قديماً أو حادثاً، والأوّل يستلزم التسلسل. والثاني يستلزم اجتماع النقيضين. ولأنّه لو كان ثبوتياً لم يكن قائماً بذاته، بل بغيره. فذلك الغير إمّا أن يكون قديماً أو حادثاً، والقسمان باطلان، كما تقرّر أوّلاً في الحدوث.


1 . عبد اللّه بن سعيد بن كُلاب، أبو محمد القطان، متكلم من العلماء، له كتب، منها «الصفات» و «الرد على المعتزلة» توفي سنة 245 هـ ( أعلام الزركلي 4: 90).


(223)

قال أفضل المحقّقين: كلّ ما ليس القدم (1) داخلاً في مفهومه، فإذا وصف بالقدم احتيج إلى صفة زائدة عليه هي القدم، وأمّا القِدم فلا يحتاج إليه (2) لكونه قديماً لذاته.

وأمّا الحدوث فإنّه صفة والصفات لا توصف بالقِدم ولا الحدوث، لأنّ الإتّصاف بهما من شأن الذوات (3).

وفيه نظر، لأنّهم لمّا سلموا كون القِدم ثبوتياً في الخارج وجب أن يكون مشاركاً لغيره في الثبوت، وممتازاً عنها بخصوصيّة (4)، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فاتّصاف ماهيته بوجوده إمّا أن يكون مسبوقاً بالعدم، فيكون حادثاً وهو محال. وإمّا أن لا يكون، فيكون قديماً، وقدمه راجع إلى نسبة وجوده إلى ماهيته وتلك النسبة مغايرة لما عداها من النسب. ولأنّه إذا جاز في القِدم أن يكون قديماً لذاته، فليجز في كل قديم ذلك.

والحدوث إذا كان صفة ثبوتيّة وجب أن يكون موصوفاً بالثبوت، فلا يصحّ قولهم: «الصفة لا توصف» ولأنّ الضرورة قاضية بأنّ كلّ ثبوتي فإنّه موصوف بالثبوت، فإمّا أن تكون موصوفيّته به مسبوقة بالعدم أو لا.

احتجّوا: بأنّ الشيء لا يكون حادثاً ثمّ يصير حادثاً، فتجدّد الصفة بعد عدمها يدلّ على كونها ثبوتيّة، أو (5) كون عدمها ثبوتياً، والثاني محال، فالحدوث ثبوتي. ولأنّه نقيض «لا حدوث» العدمي. وكذا القِدم نقيض «لا قدم» العدمي،


1 . م: «العدم» والصواب ما قرّرناه في المتن من : ق ، والمصدر.
2 . «إليه» ليست في المصدر.
3 . نقد المحصل: 127. والعبارة الأُولى«كلّ ما ليس القدم» من الطوسي دفاع عمّـا قاله ابن سعيد والثاني «وأمّا الحدوث» دفاع عن مذهب الكرّامية.
4 . م: «بخصوصيّته».
5 . ق: «و».


(224)

فيكون كلّ منهما ثبوتيّاً.

والجواب: التبدّل لا يدلّ على الثبوت، فإنّ الشيء الممكن إذا أُخذ من حيث هو هو لم يكن واجباً ولا ممتنعاً بالغير، ثمّ إذا فُرض انضمامه إلى المؤثر أو عدمه صار واجباً أو ممتنعاً مع كونهما عدميين. وقد عرفت أنّ الإستدلال بصورة السلب على العدم (1) باطل.

قيل (2): حدوث الحادث ليس وجوده الحاصل في الحال، وإلاّ لكان كلّ موجود حادثاً، ولا العدم السابق من حيث هو عدم، وإلاّ لكان كلّ عدم حدوثاً، بل الحدوث هو مسبوقية الشيء بالعدم، ومسبوقيّة الشيء بالعدم كيفيّة زائدة على الوجود والعدم.

قلنا: إن أردتم الزيادة في التعقّل والذهن فمسلّم، ولكن ذلك لا يقتضي كون الحدوث ثبوتياً في الأعيان، وإن أردتم الزيادة في الخارج، فدليلُكم لا يعطي أكثر من مطلق الزيادة في المفهوم.


1 . ج:«القدم» و هو خطأ.
2 . والقائل هو الرازي في المباحث المشرقية 1:231، وهو نظير كلام الشيخ ابن سينا في تفسير القبلية للحادث وإن تخالفا في النتيجة، الإشارات 3:82ـ83.


(225)

الفصل الثاني:

في خواص القديم

وفيه مباحث:

البحث الأوّل: في أنّ القديم هل يصحّ اسناده (1) إلى الفاعل أم لا؟ (2)

المشهور بين الناس أنّ هذه مسألة خلاف بين الحكماء والمتكلّمين، فإنّ الحكماء جوّزوا اسناد القديم إلى المؤثّر، لأنّ علّة الحاجة إلى المؤثر عندهم هي الإمكان، وهذه العلّة ثابتة في القديم الممكن، فيثبت حكمها وهو الاحتياج. والمتكلّمون منعوا في الظاهر اسناده إلى الفاعل، لأنّ علّة الحاجة إلى الفاعل إنّما هي الحدوث.

وفي التحقيق: لا نزاع بين الخصمين، لأنّ الحكماء اتّفقوا على امتناع اسناد القديم إلى المؤثّر المختار، لأنّ المختار إنّما يفعل بتوسّط القصد و الداعي، والداعي إنّمايتوجّه إلى إيجاد المعدوم لا الموجود، لاستحالة القصد إلى تحصيل


1 . م:«استناده»، و لا فرق بينهما.

2 . لاحظ نقد المحصل: 124.


(226)

الحاصل. فواجب في أثر المختار سبق العدم عليه، فلهذا استحال اسناد القديم إليه .

والمتكلّمون أيضاً منعوا من ذلك، ونفوا (1) القول بالعلّة والمعلول، لا بهذا الدليل، بل بما دلّ على وجوب كون المؤثّر في وجود العالم قادراً. وجوّز الفريقان اسناد القديم إلى العلّة الموجبة، بل صرّحوا بوقوع ذلك (2) .واستدلوا على ثبوته: بأنّ مثبتي الحال من الأشاعرة، ذهبوا إلى أنّ عالميّة اللّه تعالى وعلمه قديمان، والعالمية معلّلة بالعلم، وكذا القدرة والقادريّة وغيرها من الصفات. وزعم «أبو هاشم» من المعتزلة وأتباعه: أنّ العالمية والقادريّة والحييّة والموجوديّة معلّلة بحالة خامسة، مع أنّ الكلّ قديم. وقال «أبو الحسين البصري» :إنّ العالمية حالة معلّلة بالذات. وهؤلاء وإن منعوا من إطلاق لفظ القديم على هذه الأحوال، إلاّ أنّهم يعطون المعنى في الحقيقة (3).

قال أفضل المحقّقين: هذا صلح من غير تراضي الخصمين، لأنّ المتكلّمين بأسرهم صدّروا كتبهم بالاستدلال على وجوب كون العالم محدثاً، من غير تعرّض لفاعله فضلاً عن أن يكون فاعله مختاراً أو غير مختار. ثمّ ذكروا بعد إثبات حدوثه أنّه محتاج إلى محدث وأنّ محدثه يجب أن يكون مختاراً، لأنّه لو كان موجباً لكان العالم قديماً، وهو باطل بما ذكروه أوّلاً. فظهر أنّهم ما بَنوا حدوث العالم على القول بالاختيار، بل بنوا الاختيار على الحدوث. وأمّا القول بنفي العلّة والمعلول فليس بمتّفق عليه عندهم; لأنّ مثبتي الأحوال من المعتزلة قائلون بذلك صريحاً. والأشاعرة يثبتون مع المبدأ الأوّل قدماء ثمانية يسمّونها صفات المبدأ الأوّل. فهم


1 . ق: «هو» بدل «نفوا» والصواب ما أثبتناه من : م.
2 . راجع أنوار الملكوت في شرح الياقوت: 51.
3 . راجع نقد المحصل: 124; شرح الإشارات 3:80 ـ 81.


(227)

بين أن يجعلوا الواجب لذاته تسعة، وبين أن يجعلُوها معلولات لذات واجبة هي علّتها. وهذا شيء إن احترزوا عن التصريح به لفظاً، فلا محيص لهم عن ذلك معنىً ، (1)فظهر أنّهم غير متّفقين على القول بنفي العلّة والمعلول، مع اتّفاقهم على القول بالحدوث (2).

وأيضاً المتكلّمون إنّما منعوا من إسناد القديم إلى الفاعل، ليس لقولهم: «علّة الحاجة هي الحدوث»، فإنّ هذا القول مختصّ ببعضهم، ولم يتفقوا عليه، لكن لقولهم بأنّ «ما سوى اللّه تعالى وصفاته محدث» والأحوال التي ذكرها (3) عند مثبتيها ليست بموجودة ولا معدومة، فلا توصف بالقدم على ما ذكره (4) في تفسير القديم وهو: أنّ القديم ما لا أوّل لوجوده، إلاّ أن يغيّـر التفسير ويقول: القديم ما لا أوّل لثبوته، على أنّ الوجود والثبوت مترادفان (5)، لكنّه يقول هنا ما قاله المتكلّمون وليس عند بعضهم معناهما واحداً. و «أبو الحسين» لا يقول بالحال، لكنّه يلزمه أن يقول: العلم صفة قديمة معلّلة بالذات (6).

وأمّا الأشاعرة فيقولون بصفات قديمة، لكنّهم يقولون: لا هي الذات ولا غيرها، فلذلك لا يطلقون المعلوليّة عليها.

والحقّ: أنّ جميعهم أعطوا معنى القديم في الحقيقة على هذه الصفات(7)،


1 . في المصدر «ذلك المعنى».
2 . شرح الإشارات 3:81 ـ 82.
3 . م: «ذكروها» والصواب ما في المتن، أي ذكرها الرازي.
4 . م: «ذكروها».
5 . في المصدر: «عنده مترادفان».
6 . ق وج: «بالذات» ساقطة، وأثبتناها من: م، والمصدر.
7 . في النســخ:«معه» بعد «الصفات»، و في المصدر: «معنى»، و الظاهــر عدم الحاجة إليهما في العبارة.


(228)

وأنَّ إِباءهم عن إطلاق لفظ القديم عليها ليس بحقيقي (1).

وأمّا الفلاسفة فلم يذهبوا إلى: أنّ الأزليّ يستحيل أن يكون فعلاً لفاعل مختار، بل ذهبوا إلى: أنّ الفعل الأزليّ يستحيل أن يصدر إلاّ عن فاعل أزليّ تامّ في الفاعليّة، وأنَّ الفاعل الأزليّ التام في الفاعليّة يستحيل أن يكون فعله غير أزليّ، ولمّا كان العالم عندهم فعلاً (2) أزليّاً أسندوه إلى فاعل أزليّ تامّ في الفاعليّة، وذلك في علومهم الطبيعية (3). وأيضاً لما كان المبدأ الأوّل عندهم أزليّاً تامّاً في الفاعليّة، حكموا بكون العالم الذي هو فعله أزليّاً، وذلك في علومهم الإلهيّة، ولم يذهبوا أيضاً إلى أنّه ليس بقادر مختار، بل ذهبوا إلى أنّ قدرته واختياره لا يوجبان كثرة في ذاته(4)، وأنّ فاعليته ليست كفاعليّة المختارين من الحيوانات (5)، ولا كفاعليّة المجبورين من ذوي الطبائع الجسمانية (6).

وفرق بين الاختيار الذي يثبته الحكماء والذي يثبته المتكلّمون، لأنّ الحكماء يقولون: إنّه مختار بمعنى وجوب صدور الفعل عنه دائماً، والمتكلّمون ينفون دوام الصدور عنه، ويقول بعضهم بوجوب الصدور نظراً إلى قدرته وإرادته، وبعضهم ينفي وجوب الصدور عنه (7) أصلاً، ويقولون: إنّه يختار أحَدَ الطرفين المتساويين على الآخر لا لمرجّح (8).


1 . نقد المحصل: 124.
2 . في النسخ:«فعلياً» و الصحيح ما أثبتناه طبقاً للسياق.
3 . فابتدؤا من أزلية العالم واثباتها، ثمّ استفادوا منها أزلية الباري تعالى.
4 . أي إنّهما كسائر الصفات، عين ذاته تعالى.
5 . بأن يكون الاختيار زائداً على الذات.
6 . كفاعلية النار، شرح الإشارات 3:82.
7 . في النسخ: «عنهم» وأصلحناها من المصدر.
8 . نقد المحصل: 125.


(229)

وفيه نظر، فإنّ المتكلّمين لم يقصدوا إثبات الحدوُث بالذات، بل قصدهم بالذات إثبات الصانع، ولمّا كان الطريق هو الحدوث، لا جرم قدّموا البحث عنه على البحث عن إثبات الصانع، ولم يكتفوا بالإمكان، لأنّهم وجدوا العالم لا يخلو عن الحوادث، وحكموا بأنّ ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، فلزمهم القول بحدوث العالم، ولمّا استحال إسناد الحادث إلى القديم الموجَب التام في الفاعليّة، وكان التسلسل محالاً، لا جرم أسندوه إلى الفاعل المختار، فحكموا بأنّ مؤثر العالم قادر.

وأفضل المتأخّرين لم يقصد بقوله: «إنّ المتكلّمين نفوا العلّة والمعلول» الإطلاق، لأنّهم يعترفون بثبوت التعليل في كثير من الأحكام والصفات والذوات أيضاً، بل قصد أنّهم ينفون العلّة والمعلول عن اللّه تعالى والعالم (1).

وأيضاً المتكلّمون لمّا نفوا المجرّدات الممكنة، وحكموا بأنّ كلَّ متحيّز بالذات أو بالعرض محدث، لبراهينهم التي استدلّوا بها، لزمهم أن يكون ما سوى اللّه تعالى وصفاته محدثاً، فلهذا لم يسندوا العالم إلى مؤثّر موجَب، بل إلى قديم مختار. و «أبو الحسين البصري» لم يقصد بالحال في العلم ما قصده «أبو هاشم»، بل الوصف الثبوتي.

وأمّا الفلاسفة، فإنّهم اتّفقوا على امتناع إسناد القديم إلى فاعل مختار يفعل بواسطة القصد والداعي، لأنّه ليس إذا شاء أن يفعل فعل، وإذا شاء أن يترك ترك، مع إمكان توارد المشيئتين عليه، ولم يثبتوا قدرة واختياراً بهذا المعنى، بل بمعنى مقارنة فعله للعلم، مع عدم منافاته لذاته، ولا فارق بين فعله وفعل الطبائع الجسمانية عندهم إلاّ باعتبار مقارنة العلم وعدمه. فقد تقرّر من هذا، أنّ


1 . كذا في م، وفي ق: «و» محذوف.


(230)

القديم يمكن إسناده إلى المؤثّر الموجب دون المختار.

وقد اعترض بعضهم، بأنّ القادر لا يجب أن يكون فعله حادثاً، لأنّ الحادث هو الموجود المسبوق بالعدم فلنحلّل هذا المعنى، وننظر في القدر المحتاج منه إلى المؤثّر فنقول: لا يجوز أن يكون المحتاج إلى المؤثّر هو العدم (1)، لأنّ العدم حاصل أبداً، ولأنّ الكلام مفروض في الحادث، ولو كان العدم هو المحتاج لم يستند الموجود إلى المؤثّر، فيكون الحادث غنيّاً في وجوده عن المؤثّر، هذا خلف، ولأنّ العدم نفي محض، فلا حاجة به إلى المؤثّر، ولا الوجود من حيث هو وجود، وإلاّ لكان كلّ موجود محتاجاً إلى المؤثّر، فواجب الوجود محتاج، هذا خلف. ولا مسبوقية الوجود بالعدم، لأنّها ليست ثبوتية، وإلاّ لزم التسلسل، ولأنّها صفة للموجود متأخّر عنه، فالمحتاج إلى الفاعل متأخّر عن الوجود، ويكون الوجود السابق مستغنياً عن المؤثّر، فالممكن واجب، هذا خلف. ولأنّ المسبوقية هنا واجبة لذات هذا الحادث، فلا يستند إلى الغير، لأنّ الواجب غير معلّل.

وإذا امتنع كون الحدوث علّة الحاجة إلى المؤثّر، وجب أن يكون هو الإمكان، لأنّه إذا انتفى الحدوث والإمكان بقي الشيء قديماً واجباً، والقديم الواجب مستغن عن المؤثر، فلم يبق المحتاج إلاّ (2)الممكن المحتاج إلى القادر لا يجب أن يكون حادثاً.

وأيضاً العدم السابق ينافي وجود الفعل وفاعلية الفاعل، وما كان منافياً للشيء لا يكون شرطاً له، فالعدم السابق لا يكون شرطاً لكون الفعل فعلاً، ولا لكون الفاعل فاعلاً، فالفعلية والفاعلية يتحقّقان عند عدم العدم السابق، فلا


1 . راجع الإشارات 3:73ـ74 ; المباحث المشرقية 1:134ـ135 و 489.
2 . ق و م :«إلى» و الصحيح ما أثبتناه من ج.


(231)

يجب أن يكون فعل المختار حادثاً.

وأيضاً الإمكان علّة الحاجة إلى المؤثّر، فالباقي محتاج، فليس الحدوث شرطاً في الحاجة.

لا يقال: الباقي يصير أولى، وتلك الأولوية تغني عن المؤثّر.

لأنّا نقول: الأولوية إن حصلت لذاته، كانت حاصلة حال الحدوث، فيجب الاستغناء عن المؤثر حال الحدوث، وإن كانت حاصلة لأمر، كان الباقي محتاجاً في بقائه إلى علّة الأوّلوية بواسطة حاجته إلى الأوّلوية، وذلك قول: بحاجة الباقي إلى المؤثّر.

والجواب: نحن نسلّم: أنّ علّة الحاجة إلى مطلق المؤثّر هي الإمكان، لكن[علّة] (1) الحاجة إلى القادر ليس الإمكان وحده، بل الإمكان للممكن الذي سيحدث ويتجدّد له وجود، ونمنع أيضاً كون الإمكان علّة، بل هذا الإمكان الخاص. ولا يلزم من كون الحدوث ليس علّة الحاجة أن يكون مطلق الإمكان هو العلّة، بل العلّة هذا الإمكان الخاص.

وكون العدم ينافي الوجود مسلّم، لكن ذلك لا يخرجه عن الشرطية، لأنّه يجوز أن يكون المنافي للشيء شرطاً في وجود منافيه (2) المتأخّر عنه، لأنّ المنافاة إنّما هي مع التقارن. ولهذا كانت الحركة شرطاً في وجود السكون المتعقّب لها، مع المنافاة بينهما، وكلّ جزء متقدّم من أجزاء الحركة شرط في الباقي منها، مع المنافاة بينهما، فجاز أن يكون العدم السابق في الحادث شرطاً في وجود الحادث.

وقد بيّنا أنّ الإمكان علّة في مطلق الحاجة لا في الحاجة إلى المختار، بل العلّة فيها هي الحدوث.


1 . أضفناها وفقاً للمعنى و السياق.
2 . م: «وجوده منافي».

Website Security Test