welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : نهاية المرام في عـلم الكــلام/ ج 1*
نویسنده :نابغة عصره وفريد دهره العلامة الحلّي*

نهاية المرام في عـلم الكــلام/ ج 1

(146)

البحث السابع:

في أنّه هل يعقل أن يكون أحد طرفي الممكن أولى به لذاته وإن لم ينته إلى حدّ التعيّـن؟ (1)

ذهب بعض الناس (2) إلى أنّه يمكن أن يكون شيء يصحّ عليه الوجود والعدم، يكون أحد طرفيه أولى به من الآخر لذاته.

والمحقّقون على خلاف ذلك، لوجوه:

الأوّل: أنّ ذلك الرجحان إن عُقل زواله عند وجود شيء آخر، اعتبر في تحققه عدم ذلك الآخر، فماهيّة الممكن إذا اعتبرت مع قطع النظر عن ذلك العدم لم تكن مقتضية لذلك الرجحان، وإن امتنع زواله بشيء أصلاً، كان حاصلاً أبداً، ممتنع الزوال، فيكون منتهياً إلى حدّ التعيين.

وفيه نظر، لمنع الملازمة الأخيرة.

الثاني: الممكن مع ذلك الرجحان، إمّا أن يمكن طريان الطرف المرجوح عليه أو لا ، فإن أمكن، فإمّا أن يكون طريانه لسبب، أو لا لسبب. فإن كان لسبب، لم يكن الرجحان كافياً في بقاء الطرف الراجح، بل لابدّ معه من عدم سبب الطرف المرجوح. وإن كان لا لسبب، فقد وقع الممكن المرجوح لا لعلّة، وهو محال; لأنّ المتساوي (3) أقوى من المرجوح، فلمّا امتنع الوقوع حال التساوي


1 . أي إلى حد الوجوب أو الامتناع، راجع في هذا البحث المباحث المشرقية 1:222; نقد المحصل: 119; الأسفار 1: 199 ـ 215، و 221 ـ 230; شوارق الإلهام، المسألة الثالثة والعشرون.
2 . من المتكلّمين.
3 . م: «التساوي»و هو خطأ.


(147)

فأن يمتنع حال المرجوحية كان أولى. وإن لم يمكن طريان المرجوح، كان الراجح واجباً والمرجوح ممتنعاً (1).

اعترضه أفضل المحققين: بأنّ هذا الدليل يقتضي نفي الأولويّة مطلقاً. ولقائل أن يقول: طرف الأولى يكون أكثر وقوعاً، أو أشدّ عند الوقوع، أو أقلّ شرطاً للوقوع، والمستدلّ ما أبطله.

وقد قيل في رجحان العدم في الموجودات (2) الغير القارة، كالصوت والحركة: إنّ العدم لو لم يكن أولى بها لجاز عليها البقاء.

وأُجيب عنه: بأنّ كلامنا في الممكن لذاته، لا في الممتنع لغيره، وبقاء الغير القارة يمتنع لغيره(3).

وفيه نظر; لأنّ الدليل يقتضي نفي أولوية كافية في الإيجاد لا مطلقاً.

وقوله (4) في أصل الدليل: «إن كان طريان المرجوح لسبب، لم يكن الرجحان كافياً في بقاء الراجح» ممنوع.فإنّا نقول: إنّه كاف، ما لم يطرأ سبب المرجوح، ويترجّح على الراجح.

الثالث: الماهية لو كانت أولى بالوجود، لم يتخلف عنها الوجود إلاّ لوجود ما ينافي ذلك الوجود.وإنّما تتحقق المنافاة من الجانبين. فهذه الأشياء المتعارضة إن كان بعضها أقوى من بعض، فتلك القوة أمر لازم للماهية لنفسها لا لغيرها، والضعف كذلك، فيستحيل (5) انقلاب القوي ضعيفاً والضعيف قوياً، فحينئذ


1 . نقد المحصل: 119.
2 . م: «الوجودات».
3 . نقد المحصل: 119.
4 . أي قول الرازي وفي ق و ج: «و في قوله»، و الصحيح ما في المتن من م.
5 . ق و ج: «يستحيل».


(148)

يبقى القوي موجوداً ممتنع الزوال، لأنّه لو عدم لكان عدمه لأجل وجود معارضه، ومعارضه أضعف منه، فلا يوجود مع وجوده، إذ لو وجد مع وجوده لكان أقوى منه، فإذن القوي يكون (1) دائم الوجود ممتنع الزوال. والضعيف يكون دائم العدم ممتنع الحصول. والأوّل هو الواجب، والثاني هو الممتنع، فيخرجان عن حدّ الإمكان.وإن لم يكن بعضها أقوى، لم يكن اندفاع أحدهما بالآخر أولى من اندفاع الآخر به، فلا يحصل الترجيح إلاّ لأمر من خارج، وحينئذ يحصل التساوي المطلوب (2).

احتج الآخرون بوجوه:

الأوّل: الماهيات أُمور متعيّنة، كل واحد منها متميّز عن الآخر بخصوصية، فإمّا أن يكون في الماهية اقتضاء الوجود والعدم، أو ليس فيها اقتضاء شيء منهما، وهذا الأخير يوجب صحة خلوها عنهما. والأوّل إمّا أن تكون الماهية تقتضيهما جميعاً، وهو محال، أو تقتضي أحدهما لا بعينه، وهو باطل، لأنّ الماهية متعيّنة في نفسها، فلابدّ وأن تقتضي شيئاً بعينه، لامتناع أن يكون للمبهم حصول، فإنّه لا يعقل في الوجود شيء هو في نفسه غير معيّـن، وإذا استحال حصول المبهم في الخارج، استحال اقتضاء الماهيّة له، أويقتضي واحداً بعينه، مع أنّه يصحّ عليها طريان الطرف الآخر، وإلاّ لم تكن ممكنة، وهو المطلوب (3).

الثاني: الموجودات السيّالة، كالزمان والحركة والصوت، العدم أولى بها، وإلاّ لصحّ بقاؤها، والوجود يصحّ عليها وإلاّ لم توجد البتة، وإذا كان بعض الممكنات


1 . م: «يكون» ساقطة.
2 . المباحث المشرقية 1: 223.
3 . المصدر نفسه 1: 222ـ223.


(149)

يصحّ عليه الوجود والعدم ويكون العدم به أولى، جاز ذلك في جانب الوجود (1).

الثالث: أنّ كثيراً من العلل يكون اقتضاؤها لمعلولاتها موقوفاً على شرط، أو زوال مانع، فإذا أُخذت تلك العلل مجرّدة عن وجود تلك الشرائط لها، أو عن (2) انتفاء الموانع، كان اقتضاء تلك العلل لمعلولاتها أولى من عدم الاقتضاء، وإلاّ لم تتميّز العلّة عن غيرها، فتلك العلّة صحّ عليها الإيجاب وعدمه، مع أنّ الإيجاب أولى من عدمه (3).

الرابع: المعلول إذا توقّف وجوده على وجود أشياء كثيرة، كان وجوده مع وجود أكثرها أولى من عدمه، ويحصل التفاوت في أولوية وجوده باعتبار كثرة الحاصل من علله وقلّته.

الخامس: قد تكون بعض العلل أكثريّ الاقتضاء لمعلولاته من غير دوام، كاقتضاء الصور النوعيّة، في (4) العناصر أعراضها، مع أنّها قد تنفك عنها (5) قسراً، كاقتضاء طبيعة الأرض النزول، مع أنّها قد تتصاعد قسراً، أو (6) اقتضاء الماء البرودة مع تسخّنه (7) قسراً. فهذه المعلولات أولى بالوجود، وإلاّ لم تكن أكثريّة(8).

والجواب عن الأوّل: أنّه لا يلزم من عدم اقتضاء الماهية لشيء من الوجود


1 . المباحث المشرقية 1: 222.
2 . م: «عن» حذف سهواً.
3 . المباحث المشرقية 1: 222.
4 . م: «في» متأخر عن «العناصر».
5 . ق: «عنها» ساقطة.
6 . م: «و».
7 . م: «تسخينه».
8 . المباحث المشرقية 1: 222.


(150)

والعدم، صحّة خلوها عنهما، فإنّ المعلول لا يقتضي وجود العلّة ولا عدمها، ولا يصحّ خلوّه عنهما.

سلّمنا، لكنّها تقتضي عدم الخلو عن الوجود والعدم، وذلك أمر عدمي (1)، ولا امتناع في اقتضاء الحقيقة أمراً عدمياً، كاقتضائها كثيراً من السلوب.

وعن الثاني: أنّا (2) نمنع أولوية العدم في الحركة، لأنّها إمّا الحصول الأوّل في الحيّز الثاني، وذلك ممكن البقاء وليس العدم به أولى، أو الاتصال الممتدّ من أوّل المسافة إلى آخرها أو التوسط، وهما باقيان، والأجزاء فيها بالقوة لا بالفعل، وليس العدم أولى بالحركة من أوّل المسافة إلى منتهاها، بل استمرارها ممكن، كما أنّ انقطاعها ممكن.

وعن الثالث: نمنع الأولوية في اقتضاء العلل المجرّدة عن الشرائط، بل إنّما تحصل الأولوية عند استجماع الشرائط، وهناك تكون الأولوية وجوباً. وهو الجواب عن الرابع والخامس (3).

البحث الثامن: في أنّ الممكن ما لم يجب لم يوجد (4)

إعلم أنّ كلّ ممكن، فإنّه محفوف بضرورتين، أحداهما سابقة عليه، والأُخرى لاحقة به. أمّا السابقة، فهي الوجوب المستفاد من وجود المؤثر، أو الامتناع المستند إلى عدمه، ويدلّ عليه أنّا نعلم بالضرورة أنّ الممكن لا ينفك عن أحد وصفي


1 . م: «أثر نقص» بدل«أمر عدمي».
2 . ق: «إنّما» و هو خطأ.
3 . المباحث المشرقية 1: 224.
4 . أُنظر في هذا البحث، النجـاة: 226 ; المباحـث المشرقيـة 1:224ـ225;وشــوارق الإلهـام: المسألة24.


(151)

الوجود والعدم، وقد بيّنا أنّهما بالنظر إلى ذاته متساويان لا يترجّح أحدهما على الآخر بالنظر إلى ذاته (1)، والضرورة قاضية بأنّ الترجيح لا بدّ له من سبب، وإذ ليس نفس الماهيّة، فهو خارج. ومعلوم أنّ الرجحان غير المانع من النقيض لا يكفي في حصول الراجح، لأنّ الممكن مع ذلك الرجحان، إمّا أن يمكن (2)طرو المرجوح عليه أولا. فإن لم يمكن، فذلك الرجحان، مانع من النقيض، وقد فرض أنّه غير مانع، هذا خلف. ولأنه المطلوب. وإن أمكن فليفرض واقعاً في وقت، فتخصّص أحد الوقتين بوجود الراجح والآخر بوجود المرجوح إمّا أن يكون لسبب(3) أو لا. والثاني باطل، لقضاء الضرورة بافتقار وقوع الممكن إلى سبب.والأوّل إمّا أن يكون الراجح معه واجباً أو (4) المرجوح أولاً، فإن لم يكن عاد البحث، وإن كان فالمطلوب.

وإذا تقرّر هذا فنقول: إذا فرض انضمام سببِ أحد الطرفين إلى ماهيّة الممكن، فإمّا (5) أن يبقى الممكن على حالة قبل الانضمام من الاستواء، وهو محال، لاقتضائه خروج السبب عن كونه سبباً، إذ لا فرق بين وجوده وعدمه، أو يخرج عن حدّ الاستواء إلى حيّز (6) الرجحان، فإمّا أن يكون لما يقتضيه السبب أو للآخر، والثاني غير معقول، وإلاّ لكان(7) سبباً للمرجوح لا للراجح. والأوّل يقتضي كون ذلك الطرف راجحاً، وقد تقرّر أنّ الرجحان المطلق غير كاف، بل لابدّ من


1 . ق: ما بعد «متساويان» إلى «والضرورة» ساقط.
2 . ق: «طرف».
3 . ق: «بسبب».
4 . ق: «و»و هو خطأ.
5 . ق: «إمّا»و هو خطأ.
6 . كلمة مطموسة نظن أنّ صوابها ما أثبتناه.
7 . م و ج: «كان».


(152)

الوجوب، فيلزم وجوب الطرف الراجح حتى يوجد، وهو المطلوب.

ولأنّ الممكن لا ينفك عن الاتّصاف بما يقتضيه الراجح، أو نقيضه. ولا يمكن هنا اتّصافه بنقيضه، لخلوّه عن السبب، وهو في حال التساوي يمتنع اتّصافه به، ففي حال المرجوحية أولى بامتناع الاتّصاف به، وإذا امتنع اتّصافه به، وجب اتّصافه بالراجح، وإلاّ لزم خلوّه عن النقيضين، و هو محال، فقد ظهر أنّكلّ ممكن، فإنّه لا يوجد أو يعدم إلاّ إذا سبقت الضرورة المستندة إلى المؤثر عليه.

وأمّا الضرورة اللاحقة، فإنّ كلّ ما فرض موجوداً، فإنّه يستحيل عليه العدم في تلك الحالة التي فرض فيها موجوداً، وإلاّ اجتمع النقيضان. وهذا الوجوب لحق بعد فرض الشيء موجوداً، و إذا فرض معدوماً، امتنع وجوده في تلك الحال، لامتناع اجتماع النقيضين. وهذا الامتناع هو ضرورة العدم، لحقت بعد فرضه معدوماً. ولمّا كان الممكن لا ينفك عن الوجود أو عن العدم، فهو لا ينفك في كل واحدة من حالتيه عن الوجوبين، لوجوده أو عدمه، وهو لا يقتضي شيئاً منهما، كما لا يقتضي أحد الطرفين لذاته، فهذان الوجوبان خارجان عن ماهية الممكن لا داخلان في ماهيته.

لا يقال: الممكن متردّد بين الوجود والعدم، لا بين الوجوب والامتناع، فكيف جعل الوجوب سابقاً على الوجود.

لأنّا نقول: للممكن وجوبان لاحق وسابق لولاه (1) استحال وجوده، لكن لمّا كان الوجود والعدم غايتي هذا الوجوب والامتناع، صحّ أن يقال: الحقيقة متردّدة بين العدم والوجود، لا بين الوجوب والامتناع. على أنّه في الحقيقة الترديد بين


1 . أي لولا الوجوب السابق.


(153)

الوجود والعدم، هو بعينه ترديد بين الوجوب والامتناع، لأنّ الترديد في الحقيقة هكذا: الممكن إمّا أن يكون موجوداً عن سبب الوجود، أو معدوماً عن سبب العدم.

لا يقال: وجوب الممكن وصف له، فيستحيل سبقه عليه.

لأنّا نقول: الوجوب ليس ثبوتيّاً (1) حتى يستدعي محلاّ ً ثابتاً، بل هو أمر ذهني اعتباري، يكفي حلوله في الذهن ونسبته إلى ماهية ذهنيّة.

البحث التاسع: في علّة احتياج الأثر إلى مؤثّره (2)

اختلف الناس هنا، فذهب الأوائل والمتأخّرون من المتكلّمين إلى أنّ علّة الحاجة إنّما هي الإمكان. وذهب قدماء المتكلّمين إلى أنّها الحدوث، وقال آخرون: العلّة مجموع الأمرين، إمّا بأن يكون الحدوث شطر العلّة وجزءاً منها، أو بأن يكون شرطاً لها (3).

والحقّ الأوّل (4)، لوجهين:

الأوّل: أنّ الضرورة قاضية، بأنّ الشيء إذا كان يمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون، وكلاهما متساويان بالنسبة إليه، فإنّه يستحيل أن يترجح أحد طرفيه على الآخر إلاّ بسبب مغاير لذاته، وإن لم يعقل سوى الإمكان. ولو جرّده العقل عنه


1 . ق: «و هو بثابت» بدل «ثبوتياً».
2 . راجع في هذا البحث النجاة: 213ـ 214; الفصل الأوّل من المقالة السادسة من إلهيات الشفاء; نقد المحصل: 120 ـ 121.
3 . إنَّ مذهب المنكرين لعلّية الإمكان مختلف. انظر الأسفار 1: 206.
4 . وهو رأي الحكماء ، ولصدر المتألّهين رأي آخر. انظر الأسفار 3: 253.


(154)

ووصفه بأيّ وصف كان، من حدوث وغيره لم يحكم بالاحتياج. ولو جوّز العقل كون الحادث واجباً لذاته، لم يحكم عليه بالحاجة وإن كان حادثاً، باعتبار زوال الإمكان عنه.

فعلم من هذا، أنّ العلّة في احتياج الممكن إلى المؤثر، إنّما هي إمكانه لا حدوثه.

الثاني: أنّه لو كان الحدوث علّة الحاجة، لزم تأخّر الشيء عن نفسه بمراتب(1)، والتالي باطل، فالمقدّم مثله (2).

بيان الشرطية: أنّ الحدوث هو كون الوجود بعد العدم، فهو صفة للوجود، والصفة متأخّرة بالطبع عن موصوفها، فالحدوث متأخّر عن الوجود تأخّراً بالذات، والوجود متأخّر عن الإيجاد الذي هو تأثير (3)موجده فيه، تأخّر المعلول عن علّته، والإيجاد متأخّر عن احتياج (4) الأثر إلى مؤثره تأخراً بالطبع، فإنّه لولا(5) الحاجة امتنع تأثيره فيه، والاحتياج متأخّر عن علّته تأخّر المعلول عن العلّة، فلو كانت علّة الحاجة هي الحدوث، لزم تقدّم الشيء وهو الحدوث على نفسه بهذه المراتب الأربعة، وتقدّم الشيء على نفسه محال بالضرورة، فامتنع كون الحدوث علّة الحاجة، فلم يبق إلاّ الإمكان، فهو علّة الحاجة (6).


1 . م: «بمراتب» ساقطة.
2 . راجع كشف المراد:54; المباحث المشرقية 1:230.
3 . ق: «تأثّر» وهو خطأ.
4 . م: هنا سقط طويل بدايته «الأثر» ونهايته في البحث الأوّل من الفصل الأوّل من المقصد الثالث «من وحدة أو تعدّد».
5 . ق وم:«لو» ساقطة، وماأثبتناه من نسخة ج.
6 . وقد أجاب الايجي على هذا الاشكال بغير ما ذكره العلاّمة، المواقف: 73، وانظر الجواب عليه في الأسفار 1: 207، في دفع من يعارض الوجه بمثله على نفي علّية الإمكان.


(155)

لا يقال: هذا الدليل قائم بعينه في الإمكان.لأنّا نقول (1): الإمكان صفة للممكن، فيتأخّر عنه بالذات، و الممكن متأخّر عن(تأثير المؤثّر فيه الذي هو الايجاد والايجاد متأخّر عن)(2) الاحتياج المتأخّر عن علّته، فلو كانت العلّة هي الإمكان، لزم تقدّم الشيء ـ وهو الإمكان ـ على نفسه(3) بمراتب، فيلزم خروج الإمكان عن العلّية بعين ما خرج به الحدوث.

لأنّا نقول: لا نسلّم قيام الدليل في الإمكان، لأنّ قوله: «الممكن متأخّر عن تأثير المؤثر فيه» غلط، بل إنّما يتأخّر في وجوده أو عدمه عنه المتأخّرين عن ذاته، و بسببهما احتاج الممكن إلى المؤثر، ثم إلى علّة الاحتياج (4) .

احتجّوا بوجوه.

الأوّل: لو كان الإمكان علّة الحاجة إلى المؤثر، لكان الممكن المعدوم محتاجاً، والتالي باطل، لأنّ العدم نفي محض، فلا يتحقّق فيه التأثير، لأنّ العدم ليس بأثر فلا تأثير، والشرطية ظاهرة.

الثاني: لو كان الإمكان علّة الحاجة لكان الممكن الباقي محتاجاً، والتالي باطل بما يأتي، فالمقدّم مثله، والشرطية ظاهرة.

الثالث: الضرورة قاضية، بأنّ كلّ حادث، فلابدّ له من محدث.

والجواب عن الأوّل: ما تقدّم من «احتياج الممكن في عدمه إلى سبب هو عدم مؤثره»، فبالحقيقة علّة الوجود هي علّة العدم، لكن إن حضرت أثرت الوجود، وإن عدمت أثرت العدم، وكونه نفياً محضاً، لا ينافي تميّـزه باعتبار نسبته


1 . تتمة لقوله: لا يقال، و ليس جواباً له.
2 . ق:مابين الهلالين ساقط.
3 . في النسخ:«على نفسه و هو الامكان»، و الأفضل ما أثبتناه طبقاً للسياق.
4 . انظر المعارضة وجوابها في نقد المحصل : 120.


(156)

إلى ملكته، ونمنع كون العدم ليس بأثر، نعم إنّه ليس بأثر وجودي، بل هو أثر عدمي.

وعن الثاني: بالمنع من بطلان التالي وسيأتي (1).

وعن الثالث: بأنّ الضرورة إنّما قضت بذلك، لاتّصاف الحادث بالإمكان، لأنّه لما حدث بعد أن لم يكن، فقد اتّصفت ماهيته بالعدم السابق والوجود اللاحق، فكانت ماهيته من حيث هي هي قابلة للأمرين، فاتّصافها بأحدهما لابدّ له من سبب، لأنّ التساوي يمنع من الترجيح، فلابدّ من وجوب سابق مستند إلى المؤثر، فلو جوّز العقل وجوبه لم تقض الضرورة بالحاجة فيه.

واعلم، أنّ الوجه الثاني من الوجهين الدالّين على أنّ الحدوث لا يصلح للعلّية يدلّ بعينه على أنّه لا يجوز أن يكون جزءاً منها، ولا شرطاً لها، لأنّا أبطلنا كونه(2) علّة، لكونه متأخّراً والعلّة متقدمة، وجزء العلّة وشرطها أقدم من العلّة بمرتبة، (3) فكانا أولى بالامتناع لزيادة مراتب التقدّم حينئذ.

واعلم، أنّا لو جعلنا العلّة المحوجة إلى المؤثر هي الإمكان، بشرط كون الممكن ممّا سيحدث، على أن يكون هذا الوصف جزء العلّة، أو شرطها، أو جعلناه كلّ العلّة، اندفع الدور وتقدّم الشيء على نفسه، وكأنّ مقصود كلام المتقدّمين من المتكلّمين ذلك.


1 . في البحث العاشر الآتي.
2 . ق:«كونها».
3 . كلمة مطموسة في المخطوطات، ولعلّ ما أثبتناه هو الصواب.


(157)

البحث العاشر:

في أنّ الممكن الموجود، هل يحتاج في بقائه إلى السبب أم لا؟(1)

اختلف الناس في ذلك، فذهب الأوائل والمتأخّرون من المتكلّمين إلى أنّ الممكن حال بقائه محتاج إلى السبب، و نفاه قدماء المتكلّمين (2)والمعتمد الأوّل .

لنا: أنّ العلّة المحوجة إلى المؤثر هو الإمكان، وهو لازم للماهيّة، ثابت لها حالة البقاء، كما ثبت حالة الحدوث، فيلزم ثبوت الاحتياج في الحالتين، لوجود العلّة فيهما.

وأيضاً: لو استغنى الممكن في وجوده في الزمن الثاني عن المؤثر، لكان واجباً، إذ ليس معنى الواجب سوى المستغني في وجوده عن السبب، فإن كان لذاته فهو محال، لاستحالة تعدّد الواجب لذاته، وتجدّد الوجوب الذاتي للشيء، وإن كان لغيره، فهو المطلوب.

احتجّوا بوجهين:

الأوّل: لو افتقر الممكن حال بقائه إلى السبب، لكان ذلك السبب إمّا أن يكون له أثر، أو لا . فإن لم يكن له أثر البتة، كان الباقي في ذلك الوجود غنياً عن ذلك المؤثر. وإن كان له أثر، فإمّا أن يكون هو الوجود (3) الأوّل، أو غيره. فإن كان


1 . راجع التحصيل: 524وما بعدها; إلهيات الشفاء، الفصل الأوّل و الثاني من المقالة السادسة; كشف المراد : 81.
2 . و قد حكى عنهم أنّه «لو جاز على الباري العدم لَما ضرَّ عدمُه وجودَ العالم» انظر شرح الإشارات 3: 68; الأسفار 1:220.
3 . ق:«الموجود» و هو خطأ.


(158)

الأوّل، كان ذلك تحصيلاً للحاصل وإن كان الثاني، كان الشيء موجوداً مرتين، وهو محال. ولأنّه يلزم أن يكون المحتاج إنّما هو الوجود(1) المتجدّد لا الباقي، وهو المطلوب(2).

الثاني: أنّا نشاهد البناء باقياً بعد الباني، ولو كان محتاجاً إليه عدم لعدمه، والحجر المرمي تبقى حركته بعد مفارقة الرامي(3) .

والجواب عن الأوّل: أنّ قولكم: «السبب حال البقاء، إمّا أن يكون له أثر أو لا » غلط، فإنّ المؤثر في البقاء، لا يكون له أثر البقاء حال البقاء، وتحصيل الحاصل إنّما لزم منه، بل المؤثر يفيد البقاء بعد الإحداث، وتأثيره بعد الإحداث في أمر جديد هو البقاء، فإنّه غير الإحداث، فهو مؤثر في أمر جديد صار الباقي به باقياً، لا في الذي كان باقياً، ولولا ذلك الجديد، لم يكن الأثر باقياً.

وأيضاً إن عنيتم بقولكم: «المؤثر هل له فيه تأثير أم لا؟» أنّ المؤثر هل له فيه تأثير جديد، فليس الأمر كذلك، وإن عنيتم به أنّ المؤثر له فيه تأثير، بمعنى أنّ الأثر الذي وجد عنه استمر لأجل استمراره، فالأمر كذلك.

واعترضه أفضل المحقّقين: بأنّ البقاء المستفاد من المؤثر أمر جديد، لولاه لم يكن الأثر باقياً (4).

وفيه نظر; فإنّ تحصيل الحاصل، نشأ من أنّ المؤثر أثّر في الباقي البقاءَ حال


1 . ق: «يكون».
2 . راجع نقد المحصل: 121.
3 . راجع شرح الإشارات 3:68، وفيه إشكال آخر هو: لو كان يفتقر إلى الباري تعالى من حيث هو موجود لكان كلّ موجود مفتقراً إلى موجد آخر، والباري أيضاً.
وأجاب قطب الدين الرازي عن الإشكالات في المحاكمات(ذيل شرح الاشارات) فراجع.
4 . نقد المحصل: 121.


(159)

فرض البقاء موجوداً، لكن المستدل لم يطلب ذلك، بل قصد أنّ أثر السبب في الباقي في زمان البقاء، إن كان هو الذي أوجده حال الحدوث ، لزم تحصيل الحاصل، وإن كان مغايراً له، كان التأثير في أمر جديد. وأيضاً هذا الجواب يقتضي كون البقاء موجوداً، ويلزم منه التسلسل.

وعن الثاني: أنّ البناء، ليس المحتاج فيه إلى الباني استقرار أجزائه في مواضعها، بل حركة الباني علّة لحركة تلك الأجزاء من موضع إلى آخر، واستقرارها في مواضعها مستند إلى خلق أكوان فيها من اللّه تعالى، كما ينقل الجسم من حيّز إلى آخر. والرامي يفيد المرمي قوة تستمر باستمرار الحركة.

خاتمة: الامتناع وصف عدميّ، وإلاّ لكان الموصوف به ثابتاً، وهو باطل بالضرورة. وهو قد يكون ذاتياً، كامتناع شريك الباري لذاته، لا بمعنى أنّ له ذاتاً تقتضي امتناع وجوده، بل أنّ تصوّره مقتض لامتناع وجوده. وقد يكون عرضيّاً، كوجود المعلول مع عدم علّته، فإنّه يكون ممتنعاً لا لذاته، بل باعتبار عدم علّته، والامتناع الذاتي(1) في مقابله الوجوب الذاتي، والعرضي في مقابله العرضي.


1 . أضاف في ق: «في مقابله الوجود الذاتي»، وهو من اقحام الناسخ.


(160)

(161)

المقصد الثالث
في التقسيم بالنسبة إلى الماهية والجزء
والخارج والكلّـي والجزئي

إعلم: أنّ كلّ معقول فإمّا أن يكون نفس الماهيّة أو جزءها أو خارجاً عنها. وأيضاً، فإمّا أن يكون كلياً أو جزئياً، فهنا فصول:

الفصل الأوّل:

في مباحث الماهيّة

البحث الأوّل: في تحقيق الماهية (1)

لكلّ شيء حقيقة هو بها ما هو، وتلك الحقيقة هي الماهيّة بالذات ومغايرة


1 . راجع: الفارابي، فصوص الحكم:47; المباحث المشرقية 1:139ـ 142;كشف المراد:85.و عرفها الجرجاني وقال: «الأمر المتعقل، من حيث إنّه مقول في جواب ما هو يسمى: ماهية، و من حيث ثبوته في الخارج يسمى: حقيقة، و من حيث امتيازه عن الأغيار: هوية، و من حيث حمل اللوازم له: ذاتاً، و من حيث يستنبط من اللفظ: مدلولاً، و من حيث إنّه محلّ الحوادث: جوهراً... ماهية الشيء: ما به الشيء هو هو، و من حيث هي هي لا موجودة ولا معدومة، ولا كلي ولا جزئي، ولا خاص و لا عام»(التعريفات:251).


(162)

لها بالاعتبار، فإنّ الماهيّة إذا أُخذت ثابتة في الأعيان، سمّيت حقيقة، وإن أُخذت معقولة، سمّيت ماهيّة، وهي مشتقّة عمّـا هو، وهي ما به يجاب عن السؤال بما هو. وتلك الماهية إذا أُُخذت من حيث هي هي، ولم يضم إليها في الاعتبار شيء من صفاتها (1)، من وحدة أو تعدّد أو غيرهما من الصفات اللازمة أو المفارقة، كانت نفس الماهية مغايرة لجميع الصفات، فالفرسيّة إذا أُخذت من حيث هي فرسية لم تكن شيئاً غير الفرسيّة، وهي مغايرة للوحدة والكثرة والوجود والعدم. فإذا ضممت قيداً زائداً إليها، كالوحدة، صارت فرسية وشيئاً آخر هو الوحدة، فصارت باعتبار الوحدة فرسية واحدة وتغاير الاعتباران.

وإذا أُخذت الفرسيّة من حيث تطابق بحدها أُموراً كثيرة (2)، صارت عامّة، وهي في نفسها ليست إلاّ الفرسيّة، ومفهوم الوحدة والكثرة مغايران لمفهومها، وإلاّ لو كانت مفهوم أحدهما، لم تصدق على مقابله.

فإن سألنا عن الفرسيّة بطرفي النقيض، لم يكن الجواب إلاّ السلب،على أن يكون قبل «من حيث» لا على أنّه (3) بعد «من حيث» (4).

ولو سألنا عنها بموجبتين في قوة النقيضين، بحيث لا تخلو عنهما، كالواحد والكثير، لم يلزم الجواب.


1 . انتهى السقط حيث كان بدايته «الأثر» في ص 154.
2 . م: «كثيرة» ساقطة، والعبارة في المباحث المشرقية كذا «من حيث إنّها تطابق أُموراً كثيرة، تجدها عامّة».
3 . م: «أنّه» حذفت سهواً.
4 . أي يكون السلب قبل الحيثية، حتى يفيد سلب المقيّد ـ أي وجود المقيد بمرتبة الذات ـ دون السلب المقيّد. ويذكر السبزواري وجه التقديم بقوله:

وقَدِّ من سلباً على الحيثية * حتى يَعمَّ عارض الماهية

شرح المنظومة :94.


(163)

والفرق ظاهر (1)، لأنّ الكثير هنا (2) وقع موقع السلب بعد «من حيث»; فإنّا إذا قلنا: الفرسيّة من حيث هي فرسيّة واحد أم ليس؟ كان الجواب: ليس الفرسية من حيث هي فرسيّة واحداً، وهو جواب صحيح.

ولو قلنا: الفرسيّة من حيث هي فرسيّة واحد، أو كثير، فقلنا: واحد، أو كثير، لم يكن جواباً صحيحاً. وكان الحق: ليست الفرسيّة من حيث هي فرسيّة، واحداً ولا كثيراً لأنّ قولنا: ليست الفرسيّة من حيث هي فرسية واحداً يصدق مع كونه واحداً بخلاف قولنا: الفرسيّة من حيث هي فرسيّة كثير . فالفرسيّة من حيث هي فرسيّة، لا يدخل في مفهومها الواحديّة والكثيريّة، وإن وجب اتّصافها بأحدهما، لكن لا من حيث مفهوم الفرسيّة، بل باعتبار ما ينضمّ إليها.

وإذا قيل: الإنسانيّة التي في زيد من حيث هي إنسانيّة، لا تغاير التي في عمرو، كان حقّاً. ولا يلزم منه أن يقال: فهما واحد بالعدد، لأنّا عنينا بهذا السلب «أنّ تلك الإنسانية من حيث هي إنسانيّة، إنسانيّةٌ فقط; وكونها غير التي في عمرو شيء من خارج».

وإذا قيل: الإنسانيّة التي في زيد من حيث هي إنسانيّة، هل هي التي في عمرو؟ فالجواب «ليس» قبل «من حيث» لأنّ قولنا: من حيث هي إنسانيّة أسقط اعتبار كونها في زيد (3)، لأنّه قيد خارج عن الإنسانيّة من حيث هي إنسانيّة.

فإن قيل: الإنسان من حيث هو إنسان، إذا كان موجوداً في زيد، فإمّا أن


1 . بين أن نسأل بطرفي النقيض، وبين أن نسأل عنها بموجبتين في قوة النقيضين. راجع الفصل الأوّل من المقالة الخامسة من إلهيّات الشفاء، ومن أراد التفصيل فليراجع التعليقة على الشفاء، لصدر المتألّهين: 181ـ 182، وأوائل الأسفار: ج2.
2 . ق: «هنا» ساقطة والمراد منها السؤال الثاني.
3 . م: «اسقط كون اعتبارها في زيد»، وهي في المباحث المشرقية: «اسقط عنها اعتبار كونها في زيد».


(164)

يكون خاصّاً به، فلا يكون غيره إنساناً، ولم يكن الإنسان بما هو إنسان موجوداً فيه، بل إنسانٌ ما. وإن لم يكن خاصّاً به، كان شيء واحد بالعدد موجوداً في محالّ (1) متعددة وهو محال; فإذن يمتنع أن يكون الإنسان من حيث هو موجوداً في الأشخاص، فيكون مفارقاً.

فالجواب : الإنسان من حيث هو موجود في الشخص، فيكون إنساناً ما. وإذا كان المعيّـن(2) موجوداً، فالإنسان من حيث هو، موجود، لأنّ المعيّـن(3) إنسان وشيء، ووجود المركب يستلزم وجود أجزائه. وإذا كان إنسان ما موجوداً، فالإنسان الذي هو جزء من إنسان ما موجود، فاعتبار الإنسان بذاته جائز، وإن كان مع غيره، لأنّ ذاته مع غيره (4) ذاته، وذاته له بذاته، وكونه مع غيره عارض له، وهذا الاعتبار مقدم في الوجود على الإنسان الشخصي والكلّـي العقلي تقدم البسيط على المركب، وهو بهذا الاعتبار لا جنس ولا نوع، ولا واحد ولا كثير، بل انسان فقط، لكن يلزمه إحدى هذه الأوصاف من خارج ذاته، وليس من هذه الجهة فرساً(5) ما وإن كان يلزمه أن يكون فرساً ما (6) .

وأيضاً (7) لا يصحّ قوله: «الإنسان الموجود في الأشخاص إمّا خاص أو عامّ»; لأنّ الإنسان من حيث هو لا عامّ ولا خاصّ.

واعلم: أنّ الكلّـي قد يوجد باعتبارات ثلاثة:

الأوّل: الماهيّة من حيث هي هي، وتسمّى الطبائع، أي طبائع أعيان الموجودات ونفس حقائقها. وتسمّى الأمر الإلهي، كما يؤخذ الحيوان لا بشرط شيء(8).


1 . ق وج: «حال».
2 . م:«المعنى». ق و ج: «العين» و لعلّ الصواب ما أثبتناه وفقاً للسياق.
3 . م:«المعنى». ق و ج: «العين» و لعلّ الصواب ما أثبتناه وفقاً للسياق.
4 . ق:«غير».
5 . كذا ، والصواب«انساناً ما».
6 . كذا ، والصواب«انساناً ما».
7 . هذا جواب عن الإشكال الثالث.
8 . من هنا إلى قوله: «وجوده ذهناً» مشوشة في النسختين: م و ق، فأثبتنا الصحيح منهما.


(165)

الثاني: الماهيّة بشرط التجرّد عمّـا سواها، كأخذ الحيوان بشرط لا شيء، بل مجرّداً عن غيره. والأوّل موجود في الخارج، بخلاف الثاني، فإنّ وجوده ذهني، على أنّ ذلك خارج عنه أيضاً، فإنّ شرط تجرّده ينافي اعتبار وجوده ذهناً (1)، لا وجوده ذهناً (2).

الثالث: الماهيّة بشرط عروض اللواحق الخارجيّة (3) عنها بها، من الفصول، فتكون أنواعاً، ومن العوارض، فتكون أصنافاً وأشخاصاً. وهي بهذا الاعتبار موجودة في الخارج، بل هي المقصودة بالذات بالوجود; فإنّ الغرض والغاية الحقيقيّة يتعلّقان بوجود الأنواع (4).

والفرق بين أخذ الشيء بشرط لا، وبين أخذه لا بشرط، إنّما يظهر في الخارج عن الماهيّة، لا في الماهيّة ولا في مقوّماتها، بل الماهيّة ومقوّماتها دائماً توجد بشرط لا، إذ لو أدخلت في الحقيقة قيداً أو أخرجت عنها قيداً، لم تكن تلك الحقيقة، بل صارت حقيقة أُخرى. أمّا لوازم الحقيقة، فتارة تؤخذ بشرط لا، وتارة تؤخذ لا بشرط. فإذا أُخذت الحقيقة بالنسبة إلى تلك اللوازم بشرط لا ، فقد أُخذت الحقيقة مجردة عن تلك العوارض، وهو ممكن، بخلاف المقوّمات. وإذا أُخذت الحقيقة بالنسبة إلى تلك اللوازم لا بشرط، فقد أُخذت الحقيقة صالحة لعروض أمر زائد عليها ولعدمه.


1 . م: «ذهنياً».
2 . م: «لا وجوده ذهناً» ساقطة.
3 . وتسمى الأُولى المطلقة، والثانية المجردة، والثالثة المخلوطة. انظر البحث في الأسفار 2/16 وما بعده، وشرح الإشارات، قسم المنطق: 43 وما بعده.
4 . م: «العرض والأنواع».


(166)

واعلم: أنّ الجنس قد يمكن أن يؤخذ باعتبارين معاً، فإنّ الحيوان يمكن أخذه بشرط لا شيء، فإنّ شرط الشيء هنا يراد به ما من شأنه أن يدخل في مفهوم الحيوان عند صيرورته محصّلاً، فإنّ المعاني الجنسيّة إنّما تتحصل بالفصول.

البحث الثاني: في تقسيم الماهية (1)

الماهيّة إمّا أن تكون بسيطة، وإمّا أن تكون مركّبة. وللبسيط تفسيران:

أحدهما: الذي لا تلتئم حقيقته من أُمور.

والثاني: الذي تتساوى أجزاؤه في الاسم والحدّ.

والمراد هنا الأوّل.

والمركّب هو الذي تلتئم حقيقته من عدة أُمور. والحسّ دلّ على وجوده.

ولابدّ من وجود البسيط، وإلاّ لزم تركّب كلّ ماهيّة من أُمور غير متناهية كلّ واحد من تلك الأُمور مركّب من أُمور غير متناهية. وهكذا إلى ما لا يتناهى، وهو غير معقول، لاستلزامه وجود الكثرة من دون الوحدات.

والضرورة قاضية، بأنّ كلّ كثرة سواء كانت متناهية أو غير متناهية، فإنّ الواحد فيها (2) موجود، لأنّه جزء، ولا وجود للكلّ بدون جزئه، ثمّ ذلك الواحد إن كان مركّباً لم يكن واحداً، هذا خلف، وإلاّ فالمطلوب.

قال أفضل المتأخّرين: مجموع أجزاء الماهيّة نفسها، وإلاّ لكان إمّا داخلاً فيها، وهو محال (3)، وإلاّ لكان هناك جزء آخر، فلم يكن ما فرضناه مجموع


1 . راجع المباحث المشرقية: 1:142; لمواقف: 61.
2 . ق و ج:«منها».
3 . ق: «إمّا داخلاً فيها وهو محال» ساقطة.


(167)

الأجزاء، هذا خلف، أو خارجاً عنها، فتكون الأجزاء عوارض، وهو محال.

وليس بجيد، لأنّ هنا قسماً آخر وهو أن يكون مجموع الداخل، لأنّ كلامه يُشعر بأنّه أراد بالداخل بعض الأجزاء.

وقيل: لو كان مجموع الأجزاء نفس الماهيّة، لم تكن للمركّب علّة تامة، لأنّها ليست مجموع الأجزاء، لأنّ التقدير أنّها نفسه (1)، ولا بعضها، لافتقاره إلى الآخر (2) ولا الخارج، لافتقاره إلى الأجزاء. ولا إلى (3) جميع الأجزاء والخارج، وإلاّ لكان نفس الماهيّة جزء علّتها. ولا بعض الأجزاء والخارج، لافتقاره إلى البعض الآخر، وهذا الإيراد من فوائد «المولى الأعظم الوزير خواجه رشيد الملّة والدين» وهو لازم لا جواب عنه إلاّ المعارضة.

وهذه الآحاد إنّما تتركّب منها الماهيّة لو كان بعضها محتاجاً إلى البعض الآخر، إذ لو كان كلّ واحد منها (4) غنيّاً عن صاحبه لم تتركّب منها حقيقة واحدة، وكان بمنزلة جلوس الإنسان على الحجر، فإنّه لمّا انتفت الحاجة بينهما، امتنع تركّب حقيقة منهما. والمعجون وإن استغنى كلّ واحد من أجزائه عن البواقي، لكنّ الصورة الحاصلة من تركيب تلك الأجزاء الماديّة محتاجة إليها، وتلك الصورة المعجونية جزء من المعجون، وكذا الص(5)ورة العددية، كالعشرية المحتاجة إلى آحادها، والصناعية كذلك، كالحائط المستغني كلّ واحد من أجزائه المادّية عن الآخر، واحتياج صورته إليها، ولا يمكن احتياج كلّ واحد منها إلى الآخر من الجهة الواحدة، وإلاّ لزم الدور، بل إن احتاج كلّ منهما إلى الآخر فمن جهتين


1 . ق: بزيادة جملة «لأنّ التقدير أنّها ليست مجموع الأجزاء» قبل «لأن التقدير أنّها نفسه».
2 . كذا في المخطوطة.
3 . م: «إلى» ساقطة.
4 . ق: «منها» ساقطة.
5 . م: «الصور».


(168)

متغايرتين، كالمادة والصورة.

قيل: إنّه لا يكفي احتياج بعض الأجزاء إلى ما يحتاج إليه الآخر وإن استغنى عن الآخر، وإلاّ لتمت الحقيقة بالمحتاج والمحتاج إليه، دون الآخر، فلا يكون الآخر جزءاً، بل ما احتاج إليه الآخر، مثلاً الحيوان غير متقوّم بالضاحك، وإن احتاج إلى ما يحتاج إليه الضاحك وهو الناطق. و الملازمة ممنوعة.

البحث الثالث: في أنّ البسائط هل هي مجعولة أم لا؟ (1)

اختلف الناس في ذلك، بعد اتفاقهم على أنّ وجود الممكن البسيط إنّما يحصل بالفاعل، فليس النزاع في أنّ وجود البسيط هل يحصل بالفاعل أم لا، بل في ماهيته، مثلاً: هل السواد سواد بالفاعل أم لا؟.

فذهب أكثر الأوائل وقدماء المعتزلة إلى أنّها غير مجعولة.

وذهب آخرون، خصوصاً من جعل الوجود نفس الماهية، إلى أنّها مجعولة (2).

احتجّ الأوّلون بوجوه:

الأوّل: علّة الحاجة إلى المؤثر إنّما هي الإمكان، وهو أمر إضافي لا يعقل تحقّقه بالنسبة إلى شيء واحد، لاحتياج الإضافة إلى مضافين، إذ من خاصّيتها (3) التعاكس. وإذا لم يعقل عروض الإمكان للواحد إلاّ باعتبار حصول شيء آخر له كوجود أو عدم، استحالت الحاجة عليه لانتفاء علّتها (4).


1 . راجع المباحث المشرقية 1:143ـ144; لمواقف: 62ـ63 وقد قال فيه: «إنّ هذه المسألة من المداحض».
2 . راجع كشف المراد : 89.
3 . م: «خاصتها».
4 . م: «علّته».


(169)

الثاني: تأثير الشيء في غيره إنّما يكون بعد احتياجه إلى ذلك الشيء، واحتياجه إلى ذلك (1) الشيء نعت من نعوته، والنعت متأخّر عن المنعوت، فإذن حقيقته مقدّمة على تأثير الشيء فيه، فيستحيل أن يكون للشيء فيه تأثير.

الثالث: لو تعلّقت سوادية السواد بغيره، لم يكن السواد سواداً عند فرض عدم ذلك الغير، وهو محال; لأنّ السواد سواد لذاته سواء تحقّق غيره أو لا.

وفي الأوّل نظر; لأنّ الماهيّة وجعل الفاعل لها أمران متغايران، فصحّ عروض الإمكان بالنسبة إليهما.

وفي الثاني: لأنّ الاحتياج وصف اعتباري، وإن كان منسوباً إلى الماهيّة، لكنّ ذلك لا يقتضي كونه وجودياً، لأنّه منسوب إليها حال كونها ذهنيّة بالحاجة(2) عند كونها خارجية.

وفي الثالث: لأنّه المتنازع، فإنّ من يجعل السواد سواداً بالفاعل، يعترف برفع حقيقة السواد عند ارتفاع الفاعل، لا بأن يثبت السواد ويرتفع عنه كونه سواداً، بل بأن لا تبقى له حقيقة البتّة.

احتجّ الآخرون: بأنّه لو انتفت مجعولية البسيط انتفت المجعولية مطلقاً، لأنّ الماهية إذا لم تكن مجعولة، لم يكن الوجود أيضاً مجعولاً، بعين ما تقدّم من الأدلّة، فلا تكون الماهيّة الموجودة مجعولة، فلا يستند الممكن الموجود إلى المؤثر، فلا يكون ممكناً بل واجباً، هذا خلف.

لا يقال: المستند إلى الفاعل هو موصوفية الماهيّة بالوجود، وهو أمر مغاير للماهيّة والوجود.

لأنّا نقول: أوّلاً: الموصوفيّة ليست ثبوتيّة وإلاّ لزم التسلسل، لاستحالة


1 . ج: «ذلك» ساقطة.
2 . كذا في النسخ، و يبدو أنّ الصحيح:«بلا حاجة» أو «فلا حاجة».


(170)

قيامها بذاتها، فإنّه لا يعقل لها تأصّل في الوجود واستغناء(1) عن القيام بالغير، وإذا كانت صفة للغير كان اتّصاف الغير بها أمراً زائداً عليهما فكان(2) للموصوفيّة موصوفية أُخرى ويتسلسل. وإذا لم تكن ثبوتية استحال اسنادها إلى المؤثر.

وثانياً: أنّ البحث في الموصوفية كالبحث في الماهيّة، بأن نقول: لو كانت الموصوفية بالفاعل لزم ارتفاعها بارتفاع الفاعل، لكن خروج الموصوفيّة عن كونها موصوفيّة محال، كاستحالة خروج السواد عن كونه سواداً.

وثالثاً: أنّ موصوفية الماهيّة بالوجود إن كانت نفس الوجود عاد الإشكال، وإن كانت مغايرة له، فإن لم تكن ثبوتيّة استحال اسنادها إلى الفاعل، وإن كانت ثبوتيّة، فإن كانت بسيطة عاد الإشكال، وإن كانت مركّبة، كان الكلام في بسائطها وتركّبها، كالكلام في الماهيّة والوجود وانتساب أحدهما [إلى](3)الآخر.

واعترض أفضل المحقّقين (4): بأنّ تأثير المؤثر، في جعل الماهية موصوفة بالوجود، كما هو رأي القائلين بشيئية المعدوم، ولا يتعلق ذلك بموصوفيّة الماهيّة بالوجود، لأنّ ذلك أمر إضافي يحصل بعد اتّصافها به. والمراد من تأثير المؤثّر هو ضم الماهيّة إلى الوجود، ولا يلزم من ذلك محال (5).

وفيه نظر، لعود البحث في الضم وجعل الماهيّة موصوفة بالوجود، وغير ذلك من العبارات، فإنّ المستند إلى الفاعل كيفما كان إمّا بسيط أو مركّب (6).


1 . م: «استغناها». ق:«استغنائها».
2 . م:«و كان».
3 . م وج: «بالآخر»، ق: «في الآخر».
4 . وهو المحقّق الطوسي «رحمه اللّه».
5 . نقد المحصل: 118.
6 . وقد استوفى القوشجي البحث في هذا الموضوع، فراجع شرحه على تجريد الاعتقاد: 99ـ 102.

Website Security Test