welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : نهاية المرام في عـلم الكــلام/ ج 1*
نویسنده :نابغة عصره وفريد دهره العلامة الحلّي*

نهاية المرام في عـلم الكــلام/ ج 1

(122)

البحث الخامس: في كيفيّة عروض الإمكان (1)

الإمكان أمر عقلي واضافة ذهنية يحكم به العقل على الغير عند قياسه إلى وجوده أو إلى وجود شيء آخر له، لا مطلقاً; فإنّه لا يحكم به على الواجب لذاته، ولا على الممتنع لذاته، وإنّما يحكم به على ماهية لا يجب لها أحد الأمرين، أعني الوجود أو العدم، فإذا نسب العقل الوجود إلى هذه الماهيّة حكم لها بجوازه، ثمّ لو فرض العقل هذه الماهية مقترنة(2) مع وجودها، أو وجود سببها، أو مع عدمها، أو عدم سببها، لم يحكم بهذه الإضافة أيضاً، فإنّ الماهية مع الوجود تصير واجبة، وكذا مع وجود سببها. وإذا أُخذت مع العدم صارت ممتنعة، وكذا مع عدم سببها، وإن كان الوجوب والإمتناع هنا غير ذاتيين، إلاّ أنّهما ينافيان جواز الوجود والعدم، فالحكم بالإمكان على الماهية، إنّما يكون مع فرض الماهية خالية عن جميع الإعتبارات، لا بشرط الخلو أيضاً، بل من حيث هي هي بالنسبة إلى وجودها أو عدمها، فإنّ الماهية من حيث هي هي لا يلزم من فرض وجودها ولا من فرض عدمها محال أصلاً.

وقد اعترض بوجوه (3):

الأوّل: عروض الإمكان غير معقول، لأنّه أمر نسبي لا يعقل إلاّ بين شيئين، فالماهية من حيث هي هي لا يمكن وصفها به، إذ ليس هنا إلاّ شيء واحد. والوجود أيضاً أمر واحد، فيستحيل عروض الإمكان له. والنسبة الحاصلة بينهما


1 . راجع البحث في المباحث المشرقية 1: 216ـ217.
2 . ق: «متقومة».
3 . وهي أربعة، انظر الوجه الأوّل، في المباحث المشرقية، وفي المحصل جعلها ثلاثة بادغام الوجه الثاني في الأوّل. نقدالمحصل: 104.


(123)

أيضاً أمر واحد، فلا يعرض لها الإمكان. وإذا استحال وصف كلّ واحد من هذه الثلاثة بالإمكان، استحال وصف المجموع به.

وبالجملة المفردات لا يعرض لها الإمكان، لأنّه أمر نسبيّ لا يعرض لها. والمركب واجب الحصول عند وجود مفرداته، فلا يعرض له الإمكان، فإنّ المركّب(1) عبارة عن مجموع تلك المفردات.

الثاني: الوجود إن كان نفس الماهية استحال عروض الإمكان لها; لاستحالة الحكم بجواز كون الماهية ليست تلك الماهية، فإنّ معنى قولك «الماهية يمكن أن تكون موجودة، وأن تكون معدومة» أنّ الماهية يمكن أن تكون تلك الماهية وأن لا تكون. والموجود يصحّ أن يكون موجوداً، وأن يكون معدوماً، مع أنّ قولنا «الموجود يصحّ أن يكون موجوداً» إن جعلنا الموضوع والمحمول واحداً، كان الأمر النسبي الذي لا يعقل إلاّ بين اثنين، عارضاً للشيء الواحد، هذا خلف. وإن تغايرا لزم كون الموجود الواحد موجوداً مرتين. وقولنا «الموجود يصحّ أن يكون معدوماً» حكم على الموجود بالمعدوم. والمحكوم عليه لابدّ وأن يكون ثابتاً حال ثبوت المحكوم به، والموجودية لا يعقل تقرّرها حال ثبوت المعدوميّة.

وإن كان الوجود غيرها، فالموصوف بالإمكان إمّا المفردات أو المركّب، والقسمان باطلان على ما تقدم (2).

الثالث: المحكوم عليه بالإمكان إمّا أن يكون موجوداً أو معدوماً، والقسمان باطلان، فالحكم بالإمكان باطل.

أمّا بطلان كونه موجوداً، فلأنّه حال الوجود لا يقبل العدم، لاستحالة الجمع بين الوجود والعدم. وإذا لم يقبل العدم لم يقبل إمكان الوجود والعدم.


1 . م: «التركيب» والصواب ما في المتن من نسخة: ق.
2 . آنفاً في الوجه الأوّل.


(124)

وأمّا بطلان كونه معدوماً، فلأنّه حال العدم لا يقبل الوجود، فلا يقبل العدم والوجود، فلا يكون ممكناً.

وإذا لم تنفك ماهية الممكن عن هذين التقديرين، وكلّ واحد منهما مناف للإمكان، لم تنفك ماهيته(1) عن المنافي للإمكان، فلا تحقّق للإمكان لاستحالة الجمع بين المتنافيين. و لأنّ الممكن إمّا أن يحضر معه سبب وجوده أو لا. والأوّل واجب، والثاني ممتنع، فلا إمكان.

الرابع: لو كان الشيء ممكناً، لكان إمكانه إمّا أن يكون ثبوتياً أو عدميّاً، والقسمان باطلان، فالقول بالإمكان باطل، أمّا الأوّل فلأنّه لو كان ثبوتياً لزم التسلسل، أو وجوب الممكن. وأيضاً يلزم حلول الموجود في المعدوم، أو قيام الصفة بغير الموصوف، وأمّا الثاني، فلأنّه نقيض [ اللاإمكان] (2)المحمول على المعدوم، فيكون (3) معدوماً، فيكون الإمكان ثبوتياً.

والجواب عن الأوّل: المنع من استحالة وصف المجموع به، فإنّ الإضافات بأسرها يمتنع عروضها للآحاد وهي عارضة للمجموع.

وعن الثاني: بأنّ الإمكان يعرض للماهية من حيث هي هي، لا بمعنى أن نفرض الماهية متقرّرة، ثم يعرض لها إمكان التقرّر وعدمه. فإنّ (4) مع فرض التقرّر، تكون الماهية واجبة غير ممكنة، بل بمعنى أنّ الماهية إذا فرضت كانت تلك الماهية، وإن لم تفرض لم تكن ماهية.

ثمّ إنّ هذه الشبهة تُبطل الحملَ مطلقاً، فإنّا إذا قلنا: السواد موجود، فإن


1 . ق: «ماهية».
2 . في النسخ:«الامكان» و هو خطأ النساخ.
3 . أي «اللا إمكان».
4 . ق:«فيه مع».


(125)

كان الموجود عين كونه سواداً، كان جارياً مجرى قولنا: السواد سواد، وإن كان مغايراً سقنا ما قالوه هنا.

والأصل في ذلك، أنّ من يجعل الوجود عين الماهيّة يريد بقوله: «الماهية يصحّ أن تكون موجودة وأن تكون معدومة» أنّ من الممكن أن يحدث ما يسمّى بعد حدوثه تلك الماهية، ويصحّ أن تعدم تلك الماهية.ومن يذهب إلى المغايرة (1) لا يريد أنّ المعدوم يمكن أن يصير موصوفاً بالوجود، وهو معدوم، بل من حيث هوهويصحّ أن يكون مورداً للصفتين معاً.و(2) معناه أنّ الماهيّة الموصوفة بالعدم، يمكن أن تزول [عنها] (3) صفة المعدوميّة، وتحدث بعدها لها صفة الوجود.

فقولنا: «السواد يمكن أن يوجد» معناه: أنّ الماهيّة التي لا يعتبر معها وجود ولا عدم، يمكن أن ينضاف إليها صفة الوجود. وأيضاً هذا إنّما يرد على من يقول: «الشيء حال وجوده يمكن وجوده، أو حال عدمه يمكن عدمه» أمّا من يقول: «الشيء حال وجوده يمكن أن يصير معدوماً في الزمان الثاني منه»، لا يلزم ذلك.

اعترض (4) باستحالة الإمكان الاستقبالي (5); لأنّا إذا حكمنا على الموجود في الحال، بامكان عدمه في الاستقبال، فإمّا أن يقال: إمكان العدم الاستقبالي حاصل في الحال، أو يقال: إمكان العدم الاستقبالي لا يحصل إلاّ في الاستقبال، والأوّل محال; لأنّ العدم في الاستقبال من حيث إنّه في الاستقبال موقوف على حصول الاستقبال، وحصول الاستقبال محال في الحال، فحصول العدم في الاستقبال من حيث إنّه عدم استقبالي، موقوف على حصول شرط محال وهو


1 . أي مغايرة الوجود للماهية.
2 . م: «بل».
3 . م: «عند» ق: «عنه»، والصواب ما أثبتناه.
4 . والمعترض على الجواب الأخير هو الرازي . نقد المحصل:108.
5 . ق: «إلى الاستقبالي» ، والزيادة من تصحيف الناسخ.


(126)

حصول الاستقبال في الحال، والموقوف على المحال محال، فالعدم الاستقبالي ممتنع الحصول في الحال، وإذا استحال حصول «العدم في الاستقبال» في الحال لم يكن في الحال ممكن الحصول، بل كان حصوله حاصلاً في الاستقبال، لا في الحال.

لا يقال: إنّه بهذا الشرط، وإن كان ممتنع الحصول في الحال (1) لكنّه لا من هذه الحيثية (2) غير ممتنع في الاستقبال، ونحن إنّما أثبتنا هذا الإمكان بالنسبة إلى الاستقبال.

لأنّا نقول: الإمكان نسبة لا توجد إلاّ بعد وجود المنتسبين، والإمكان بالنسبة إلى الاستقبال لا يحصل إلاّ عند الاستقبال، فحصوله في الحال محال. وإذا استحال اجتماع هذين المنتسبين استحال تحقق هذه النسبة.

وإن كان إمكان العدم الاستقبالي، لا يحصل إلاّ عند حضور (3) الاستقبال، كان ذلك حكماً بالإمكان على الشيء بالنسبة إلى زمانه الحاضر; لأنّ الاستقبال عند حضوره يصير حالاً، ويعود الإشكال.

سلّمنا (4) الإمكان الاستقبالي، لكنّ الإشكال باق، فإنّ قولنا: «إنّه في الحال يمكن أن يصير معدوماً في الاستقبال» يقتضي إمكان صيرورة هويّته محكوماً عليه بالعدم، فإن كانت هويته عين الوجود، كان ذلك حكماً باتّصاف الوجود بالعدم، ويعود الاشكال (5).

أجاب أفضل المحققين: بأنّ تصوّر الاستقبال في الحال معقول. والماهية لا من حيث هي موجودة أو غير موجودة، مستندة إلى الوجود الخارجي في الاستقبال،


1 . بدل هذه العبارة في المصدر: «إنّه وإن كان هذا الشرط ممتنع الحصول في الحال».
2 . قوله:«لا من هذه الحيثية» ليس في المصدر.
3 . ق وج: «حصول».
4 . هذا هو الوجه الثاني من أصل الاعتراض.
5 . انتهى كلام الرازي، وفي نقل العبارات اختلافات يسيرة، فمن أراد الوقوف عليها فليراجع.


(127)

أو إلى عدمه، ليس بمتعذّر التعقّل. والإمكان الاستقبالي هو الذي يلحق ذلك المتصّور عند ذلك الإسناد، والنظر في أنّ إمكان العدم يحصل في الحال أو في الاستقبال ليس نظراً في الإمكان من حيث كونه إمكاناً، بل فيه من حيث إنّه صورة في العقل، وهو حاصل في وقت التعقّل من حيث هي (1) صورة عقليّة، ومتعلق بالاستقبال من حيث هو إمكان، ولا يلزم منه محال.

وأمّا «أنّ الإمكان نسبة إضافية لا تتحقق إلاّ عند تحقّق المنتسبين»، فقد ظهر أنّ منتسبيه حاصلان في التصوّر ، متعلّقان بالاستقبال.

وقوله: «إمكان العدم الاستقبالي لا يحصل إلاّ عند حضور الاستقبال» فباطل، لأنّه لا يتوقف على حضور الاستقبال، بل يتوقف على تصوّر الإستناد(2).

وعن الثالث: أنّ المحكوم عليه بالإمكان، الماهية من حيث هي هي، لا باعتبار كونها موجودة، ولا باعتبار كونها معدومة، فإن أخذ الماهية من حيث هي هي مغاير لأخذها من حيث إنّها موجودة أو معدومة، وإن كان الإمكان لا يعقل إلاّ بالنسبة إلى أحدهما، لكن إذا نسبنا أحدهما، فإنّما ننسبه إلى الماهيّة من حيث هي هي، لا من حيث أحدهما. وكون الماهية لا تخلو في نفس الأمر أو في الخارجعن(3) اعتبار الوجود والعدم (4)، لكنّها من حيث هي هي خالية عنهما، أي لا يجب أخذ أحدهما معها، وهناك يعرض لها الإمكان إذا نسبت إلى أحدهما.

والأصل في ذلك: أنّ القسمة في قوله: «المحكوم عليه بالإمكان إمّا أن يكون


1 . ق: «هو».
2 . كذا في المخطوطات، وفي المصدر: «الإستقبال». أُنظر نقد المحصل: 110.
3 . ق: «من».
4 . العبارة كذا.


(128)

موجوداً أو معدوماً» غير حاصرة، فإنّ المفهوم منه أنّ المحكوم عليه بالإمكان إمّا أن يكون مع الوجود أو مع العدم، ويبقى قسم آخر وهو أن لا يكون مع أحدهما.

وقوله: «الممكن إمّا يحضر معه سبب وجوده أو لا، والثاني ممتنع».

قلنا: ممنوع، فإنّ قولنا: «لم يحضر» يحتمل أن يحضر معه: لم يحضر سبب وجوده، أو لم يحضر لا سبب وجوده ولا لم يحضر سبب وجوده الذي هو سبب عدمه، فالقسمة غير مستوفاة (1).

وعن الرابع: أنّ الإمكان اعتبار عقلي يعتبره الذهن عند مقايسة الماهية إلى الوجود. وحكمه في الثبوت والانتفاء واحد. وليس له تحقق في الخارج، فإنّه لا ماهية متأصّلة في الخارج يقال لها «إمكان» و «لكون (2) نقيضها محمولاً على المعدوم» لا يقتضي كونها ثبوتية، فإنّه بعينه آت في الامتناع، وإذا حمل الإمكان (3) على المعدوم، لا يكون ذلك الحمل كلياً، فإنّ بعض المعدومات غير ممكن، وبعضها ممكن. ولا يلزم من «كون اللا إمكان عدمياً، كون الإمكان وجودياً»، فإنّ الإنسان وجودي وبعض اللا إنسان أيضاً وجودي، وكذا اللا ممكن عدمي وبعض الممكنات عدمي.

تذنيب (4): الإمكان للممكن واجب، وإلاّ لأمكن زواله، فينقلب الممكن واجباً أو ممتنعاً، هذا خلف. ولأنّ الإمكان لو كان ممكناً للممكن لافتقر ثبوته له إلى سبب، لكن تأثير المؤثّر فيه مسبوق بالإمكان، فيكون هو مسبوقاً بنفسه، هذا خلف.


1 . نقد المحصل: 106.
2 . كذا في جميع النسخ، و لعلّ الصحيح:«كون».
3 . كذا في جميع النسخ، ولعلّ الصحيح :«اللا إمكان».
4 . راجع المباحث المشرقية 1: 225.


(129)

وفيه نظر; فإنّ السابق هو إمكان الإمكان، والمسبوق هو إمكان الممكن، وهما متغايران.

ولأنّ الإمكان لو كان ممكناً للممكن، لكان إمكان الإمكان زائداً عليه ويتسلسل. ولا نعني بالوجوب هنا الوجوب الذاتي، بل نعني به أنّ الإمكان وصف لازم للممكن، لا يعقل انفكاكه عنه.

تنبيه: مِنَ الإمكان ما هو لازم للماهيّات وهو الذاتي. ومنه عارض وهو الإستعداد، وهو قابل للشدّة والضعف. وجعله الأوائل نوعاً من الكيف، ثبوتياً في الأعيان. والأدلّة السابقة تبطله.

البحث السادس: في أنّ الممكن محتاج إلى المؤثّر (1)

هذا الحكم قطعي قد اتفق عليه العقلاء، لكن اختلفوا، فالمحققون على أنّه بديهيّ (2)، وقال آخرون ـ قَصُـرت أفكارهم عن إدراك اليقين ـ: إنّه كسبي.

والحقّ: الأوّل، فإنّ العقل قاض بأنّ الشيء إذا كانت نسبة الوجود والعدم إليه على السوية، امتنع رجحان أحدهما على الآخر إلاّ لمرجّح، ولهذا فإنّ كلّ عاقل إذا أحسّ بحدوث شيء في وقت معيّـن، طلب لحدوثه علّة وسبباً.

أمّا القائلون بأنّه استدلالي; فقد استدلّوا عليه بوجهين (3):

أ: ماهية الممكن لمّا كانت مقتضية للاستواء، فلو حصل الرجحان أيضاً، لاجتمع النقيضان وهو محال.


1 . اُنظر نقد المحصل: 111 وما بعدها; المباحث المشرقية 1: 218ـ222; المواقف: 71 وما بعدها.
2 . لاحظ الفصل السادس من المقالة الأُولى من إلهيّات الشفاء; الأسفار 2: 207; تجريد الاعتقاد، مع شرح العلامة، المسألة الثالثة والأربعون.
3 . المواقف: 71ـ 72.


(130)

ب: الممكن هو الذي يكون الوجود والعدم بالنسبة إليه على السواء، والشيء الذي يكون كذلك، يمتنع أن يوجد إلاّ بعد أن يصير وجوده راجحاً على عدمه، فذلك الرجحان سابق على وجوده، فيمتنع أن يكون محلّ ذلك الرجحان هو وجوده، فإنّه لو كان الوجود محلَّه، لكان متأخراً عن وجوده، لكنّا بيّنا أنّه متقدم على وجوده، فيدور.فإذن ذلك الرجحان يجب أن يكون صفة لشيء آخر يلزم من وجودِه وجودُه، وذلك هو المؤثر. فإذن كلّ ممكن مفتقر إلى المؤثر. وهما ضعيفان.

أمّا الأوّل، فلأنّ اجتماع النقيضين، إنّما يلزم لو اقتضت الماهية الاستواء والرجحان معاً.

أمّا إذا اقتضت الاستواء وحصل الرجحان لا لمؤثر هو الذات ولا غيرها لم يلزم التناقض.

وأمّا الثاني، فلأنّا نمنع كون المتساوي يمتنع أن يوجد إلاّ بعد أن يصير وجوده راجحاً على عدمه، فإنّه نفس النزاع.

سلّمنا، لكنّا نمنع كون محلّ الرجحان هو الفاعل، فإنّ الرجحان صفة للوجود، ولا يعقل قيامها بغيره، وكما أنّ الممكن لا يوجد إلاّ إذا وجب، كذا المؤثّر لا يؤثّر إلاّ إذا وجب تأثيره فيه، فرجحان التأثير غير رجحان الأثر، والرجحان ليس أمراً خارجياً، بل هو اعتبار ذهني، كما أنّ التساوي (1) أعني الإمكان كذلك.

وقد اعترض بوجوه (2):

الوجه الأوّل:

الحكم بافتقار الممكن إلى المرجّح، إمّا أن يكون ضروريّاً أو نظريّاً، والقسمان


1 . م: «المتساوي».
2 . أي اعترض على أصل حاجة الممكن إلى المؤثر والمرجّح.


(131)

باطلان. فالحكم بالافتقار باطل.

أمّا بطلان الأوّل، فلأنّه لو كان ضروريّاً لاشترك العقلاء فيه، لاشتراك العقلاء في الضروريات. ولمّـا اختلف فيه العقلاء، فذهب بعضهم إلى نفيه، وبعضهم إلى أنّه استدلالي، وبعضهم إلى أنّه ضروري: امتنع كونه ضروريّاً.

ولأنّا إذا عرضنا على عقولنا هذه القضية، و أنّ الواحد نصف الإثنين، وجدنا بينهما تفاوتاً، وأنّ الثانية أظهر، والتفاوت إنّما يكون لو تطرّق الاحتمال إلى المرجوح، وإذا تطرّق احتمال النقيض على الحكم، لم يكن ضرورياً، بل ولا يقينياً.

وأمّا الثاني، فلأنّه لا برهان قطعي على ذلك.

الوجه الثاني:

لو افتقر الممكن إلى المؤثر، لكان تأثير المؤثر في ذلك الأثر (1) إمّا أن يكون وصفاً ثبوتياً أو لا، والقسمان باطلان، فالقول بالمؤثرية باطل.

أمّا بطلان الأوّل، فلأنّ ثبوته إن كان في الذهن دون الخارج، كان جهلاً، كمن يعتقد «أنّ العالم قديم» وليس كذلك في نفسه، فلو كان حكم الذهن بالمؤثرية غير مطابق للخارج، كان جهلاً، فلا يكون الشيء مؤثراً في نفسه. ولأنّ كون الشيء مؤثراً في غيره، صفة لذلك الشيء، فلا يعقل قيامها بالذهن المغاير له، وتكون حاصلة قبل الأذهان.

وإن كان ثابتاً في الخارج، فإن كان نفس المؤثر أو الأثر لزم الدور، لأنّ التأثير أمر نسبي، لا يعقل إلاّ بين ذات المؤثر وذات الأثر، والأُمور النسبية متأخرة عن المنتسبين، والمتأخر مغاير. ولأنّا قد نعقل ذات المؤثر وذات الأثر، مع الشك في كون المؤثر مؤثراً في الأثر، كما إذا علمنا قدرة اللّه تعالى وعلمنا العالم قبل العلم


1 . ق: «الأمر».


(132)

بتأثير القدرة في العالم. ولأنّا نَصِف المؤثر بأنّه مؤثر في ذلك الأثر، والوصف مغاير للموصوف. ولأنّا نعلّل الأثر بكون المؤثر أثّر فيه، لا بذات الأثر، فنقول: إنّما وجد الأثر، لأنّ اللّه تعالى أوجده، ولا نقول: إنّما وجد الأثر، لأنّ اللّه تعالى موجود، فاذن المؤثرية مغايرة للمؤثر والأثر معاً.

وإن كان مغايراً لهما (1)، فإمّا أن يكون قائماً بنفسه، أو عارضاً لغيره، والقسمان باطلان.

أمّا الأوّل، فلأنّ المفهوم من التأثير «نسبة بين المؤثر والأثر» والنسبة بين الشيئين لا يعقل قيامها بذاتها وجوهريتها. ولأنّه إمّا واجب لذاته، أو ممكن لذاته، وكلاهما محال. أمّا الأوّل فلاستحالة تعدد واجب الوجود. وأمّا الثاني، فلأنّه يلزم منه التسلسل. ولأنّ هذا الجوهر، إمّا أن يكون بينه وبين الأثر نسبة أو لا. والأوّل باطل، لأنّ الكلام (2) في تلك النسبة، كما في الأوّل ويتسلسل. والثاني باطل، وإلاّ لم تكن بينه وبين الأثر نسبة وإضافة، فيكون أجنبياً عن الأثر بالكلّية.

وأمّا الثاني، فلأنّ العارض ممكن، فله مؤثر فتأثير المؤثر فيه زائد عليه، ويلزم التسلسل المحال. وبتقدير صحّته، فالمحال لازم من جهة أُخرى، فإنّ التسلسل إنّما يعقل لو فرضنا أُموراً متتاليةً إلى غير النهاية، ويكون كلّ واحد متلوّاً بصاحبه، وإنّما يكون متلواً بصاحبه لو لم يكن بينه وبين صاحبه ثالث، لكنّ ذلك محال،لأنّ تأثير المتلو في التالي متوسط بينهما، وقد كان لا يتوسط، هذا خلف.

وأمّا امتناع كون المؤثّرية وصفاً عدمياً، فلأنّ المؤثّرية نقيض اللامؤثرية، وهذا النقيض عدمي، لأنّه يحمل على العدم، والمحمول على العدم عدم، ونقيض


1 . هذا هو الشقّ الثاني من قوله: «إن كان ثابتاً في الخارج» والشقّ الأوّل قوله: «فإن كان نفس المؤثّر أو الأثر».
2 . م: «اللازم».


(133)

العدم ثبوت، فالمؤثرية أمر ثبوتي. ولأنّ الشيء لم يكن مؤثراً، ثم يصير مؤثراً، فيحصل له وصف المؤثرية، بعد أن لم يكن، فهي صفة ثبوتية، وإلاّ لجاز فيما إذا لم تكن الذات عالمة ثمّ تصير عالمة أن لا يكون العلم أمراً وجودياً، وهو باطل قطعاً. وإذا بطل كون المؤثرية صفة ثبوتية، وكونها صفة عدميّة امتنع تحققها.

الوجه الثالث:

المؤثر إمّا أن يؤثر حال وجود الأثر، أو حال عدمه، والقسمان باطلان، فالقول بالتأثير باطل.

أمّا الحصر، فظاهر، إذ لا حال ثالثة للأثر.

وأمّا بطلان الأوّل، فلاستلزامه تحصيل الحاصل.

وأمّا بطلان الثاني، فلأنّ حالة العدم لا أثر، فلا (1) تأثير، لأنّ التأثير إن كان هو حصول الأثر عن المؤثر، فحيث لا أثر فلا (2) تأثير، فإنّ المؤثر ما يكون له أثر، والعدم نفي محض، وإن كان مغايراً(3) لزم التسلسل. ولأنّ الأثر حال عدمه، يكون مستغنياً عن المؤثر، فإنّها حالة البقاء على العدم الأصلي، و العدم الأصلي (4) يمتنع استناده إلى مؤثر الوجود والإيجاد.

الوجه الرابع:

لو تحققت المؤثرية، لكان المؤثر إمّا أن يؤثر في ماهية الأثر (5)، أو في وجوده، أو في اتّصاف ماهيته بوجوده، والكلّ باطل، فالقول بالتأثير باطل.


1 . ق و ج:«به»،و الصحيح ما في المتن من م.
2 . م وج: «لا»
3 . أي لم يكن التأثير عين حصول الأثر عن المؤثّر.
4 . «و العدم الأصلي» حذفتا في ق و ج سهواً.
5 . ق: «الأمر» .


(134)

أمّا الحصر، فلأنّ الماهية والوجود واتّصاف الماهيّة بالوجود، إذا كانت غنيَّة عن المؤثر انتفى التأثير، لأنّه إنّما يعقل (1) في أحد هذه الأُمور الثلاثة، فإذا استغنت عن المؤثر، فلا أثر ولا تأثير.

وأمّا بطلان الأوّل، فلأنّ السواد لو كان سواداً بالفاعل، لكان عند عدم ذلك الفاعل وجب أن يخرج السواد عن كونه سواداً، لأنّ ما بالغير يرتفع عند ارتفاع ذلك الغير، لكنّ خروج السواد عن كونه سواداً محال، لأنّ السواد يستحيل أن يصير غير السواد.

لا يقال: نحن لا نقول: السواد مع كونه سواداً يصير موصوفاً بأنّه ليس بسواد، فإنّ ذلك جمع بين النقيضين. بل نقول: معناه: السواد يفنى ولا يبقى.

لأنّا نقول: إذا قلنا: السواد يفنى، كان قضية يجب تحقق موضوعها حال الحكم بحصول (2) المحمول له، أو سلبه عنه، والموضوع هو السواد، فيجب أن يكون متقرراً متحققاً حال الحكم عليه بالعدم (3)، لكنّ ذلك جمع بين النقيضين(4)، فتكون هذه القضيّة كاذبة.

وأمّا بطلان الثاني (5)، فكذلك أيضاً، لاستلزامه عدم كون الوجود وجوداً عند عدم الفاعل.

وأمّا بطلان الثالث (6)، فكذلك أيضاً، فإنّ الموصوفية لو كانت موصوفية


1 . ق وج: «يفعل».
2 . ق: «لحصول» ، والصحيح ما أثبتناه من م و ج.
3 . أي حال الحكم على السواد بالفناء.
4 . وهما فناء السواد وتحقّقه.
5 . بأن يؤثّر المؤثّر في وجود الأثر.
6 . وهو أن يؤثر المؤثر في صيرورة الماهية موجودة.


(135)

بالفاعل، لزم عند عدم الفاعل أن لا تبقى الموصوفية موصوفية. وأيضاً فإنّ الموصوفية ليست ثبوتيّة، وإلاّ لم تكن جوهراً لاستحالة قيامها بنفسها واستقلالها بالمعقوليّة، فتكون عرضاً (1) فتكون موصوفيّة الذات (2) ، بها أمراً زائداً، ويلزم التسلسل.

ولأنّها لو كانت ثبوتيّة، استحال استنادها إلى المؤثر، لأنّ تأثير المؤثر إمّا في ماهيتها، أو في وجودها، أو في اتّصاف ماهيتها بوجودها، ويعود المحال. وإذا استحال أن تكون ثبوتية، استحال إستنادها (3) إلى المؤثر. وإذا ثبت امتناع استناد الماهية والوجود واتّصاف الماهية بالوجود إلى المؤثر، استحال افتقار الأثر إلى المؤثر.

الوجه الخامس:

لو افتقر الممكن في وجوده إلى المؤثر ، لافتقر في عدمه إلى المؤثر، والتالي باطل فالمقدم مثله.

بيان الشرطية: أنّ علّة افتقار الموجود (4) إنّما هو الجواز، وهو متعلق بالطرفين أعني الوجود والعدم، فلو كان جواز الوجود يقتضي احتياج الوجود إلى المؤثر، لكان جواز (5) العدم يقتضي احتياج العدم إلى المؤثر.

وأمّا بطلان التالي، فلأنّ العدم نفي محض وعدم صرف، ولا يعقل كونه أثراً


1 . م: «عرضاً» ساقطة.
2 . ق: قبل «الذات» كلمة مطموسة نظن أنّها «فيها»، ولعلّها من زيادة الناسخ، ويؤيّد ما نقول عدم اثباتها في نسخة: م. وج
3 . ق: «اسنادها».
4 . م: «الوجود».
5 . م: «جواز» ساقطة.


(136)

وصادراً عن الغير.

وأيضاً، فالعدم مستمر من الأزل إلى الأبد، والباقي لا يستند إلى المؤثر حال بقائه، لما يأتي.

لا يقال: علّة العدم عدم العلّة.

لأنّا نقول: العلّية مناقضة لللاعلّية التي هي عدم، فالعلّية ثبوتية، فالموصوف بها ثابت، وإلاّ فالمعدوم موصوف بالوجود، وهو محال. ولأنّ العدم نفي محض وعدم صرف لا تميّز فيه ولا تعدد ولا هويّة، فيستحيل جعل البعض علّة والبعض معلولاً.

الوجه السادس:

لو كان الممكن محتاجاً إلى المؤثر، لكانت الحاجة إمّا أن تكون أمراً ثبوتياً في نفسها أو لا تكون(1).

والأوّل باطل، لأنّ الحاجة لو كانت ثبوتية لساوت في الثبوت غيرها من الماهيّات الثابتة، وامتازت عنها بخصوصيتها، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فيكون وجودها مغايراً لماهيّتها، فاتّصاف ماهيتها بوجودها، إن كان واجباً لذاته كان الوصف المفتقر إلى الممكن واجباً، وهو باطل بالضرورة. وإن كان ممكناً، كان محتاجاً فله حاجة زائدة على ماهيته، ويتسلسل. ولأنّ الحاجة لو كانت ثبوتيّة، وهي معلولة للإمكان ـ وقد ثبت أنّ الإمكان عدمي ـ لزم كون المعدوم علّة في الموجود (2)، وهو محال. ولأنّ حاجة الممكن إلى المؤثر سابقة على وجوده، فلو كانت أمراً ثبوتياً، لزم أن يكون ثبوت الوصف للشيء سابقاً على ثبوت الشيء في


1 . اُنظر هذا الوجه في المباحث المشرقية 1: 220.
2 . أي يكون الإمكان ـ وهو عدميـ علّة للحاجة ـ وهي وجودية ـ.


(137)

نفسه، وهو محال، فبطل كون الحاجة ثبوتية.

والثاني: ـ وهو أن تكون عدمية ـ محال أيضاً، لأنّها نقيض لا حاجة، وهو عدمي، فتكون الحاجة ثبوتية. ولأنّها لو كانت عدميّة، لم يبق فرق بينها وبين نفي الحاجة، لامتناع التمايز في العدمات، لكن لا حاجة نفي للحاجة.

والجواب عن الأوّل (1): أنّ الحكم بالافتقار ضروري، وإنّما يجب اشتراك العقلاء في التصديق الضروريّ، لو اشتركوا في تصوّر مفرداته. وأمّا إذا حصل قصور لبعض الأذهان عن تصوّر أحد طرفيه، إمّا لنقص في الغريزة أو لغفلة أو لتدنيس(2)، تعذّر الحكم الضروري به، واحتاج إل تمثيل وشبهه، حتى يحصل له كمال التصوّر، ولهذا تمثل للشاك في هذا الحكم بكفتي الميزان، فإنّ نسبة طرفي الوجود والعدم إلى الممكن م(3)تساوية ، كنسبة كفتي الميزان إلى الميزان، فكما يحكم العقل بامتناع رجحان إحدى الكفّتين على الأُخرى بدون المرجح، كذا يحكم بامتناع ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجّح. فهذا هو السبب في عدم اشتراك العقلاء في الضروريات.

والأصل فيه ما تقدّم: من أنّ التصديقات الضرورية، قد تتوقف على أسباب وشرائط لا تحصل بدونها، ولا يثلم فقدانها عن فاقد الأسباب والشرائط كونها ضرورية، فإنّ البصير يدرك التفرقة الضرورية بين السواد والبياض، ويحكم على كلّ واحد منهما بأحكام ضروريّة، لا يحكم بها الأعمى لفقد الأسباب والشرائط، وهي الإحساس. ولهذا قال متقدم الحكماء: «من فقد حساً فقد فقد علماً يؤدّي إليه ذلك الحس». والتفاوت في الضروريّات لا يخرجها عن كونها ضروريّة، فإنّ فقدها


1 . راجع كشف المراد: 78.
2 . كذا في النسخ، و لعلّ الصحيح: «لتدليس».
3 . ق وج: «مساوية».


(138)

عن البعض، لمّا لم يخرجها عن كونها ضرورية في أنفسها، فالتفاوت فيها أولى، وليس سبب التفاوت منحصراً في تطرق الاحتمال إلى المرجوح، فإنّ سبب التفاوت في الضروريّات، قد بيّنا أنه للتفاوت(1) في تصوّر المحكوم عليه أو المحكوم به، لا في نفس الحكم.

وأجاب أفضل المتأخرين أيضاً: بأنّه استدلال (2)، بأنّ الممكن ما لم يجب لم يوجد، وحصول الوجوب بعد أن لم يكن يدلّ على كونه وصفاً وجودياً لا عدميّاً، وثبوت الوصف يستدعي ثبوت الموصوف، لاستحالة قيام الوصف بذاته، وهذا الموصوف بالوجوب ليس هو الممكن، لأنّه قبل وجوده معدوم، والمعدوم يستحيل أن يكون محلاً للأمر الثبوتي، فلابدّ من شيء آخر يكون محلاً لذلك الوجوب، يعرض (3) له بالنسبة إلى هذا الممكن، وذلك هو المؤثر (4).

اعترضه أفضل المحققين: بأنّ وجوب الممكن المقتضي لوجود الموصوف به، لا يمكن أن يكون قائماً بمؤثره، لأنّ ذلك الوجوب وصف للممكن، ووصف الشي يستحيل أن يقوم بغيره، والقائم بالمؤثر إن كان ولابدّ منه، فهو الإيجاب لا الوجوب.

والحق: أنّ ذلك الوجوب أمر عقلي، كسائر الصفات، ويكون قائماً بالمتصوّر من الممكن عند (5)الحكم بحدوثه، وهذا البرهان مبني على حكم هو «أنّ الممكن ما لم يجب لم يوجد» وهذه القضية لا يصحّ الحكم فيها إلاّ إذا عُلِمَ أنّ كلّ مسبّب فله سبب. وفي قولنا: «ترجّح أحد المتساويين يحتاج إلى مرجح» هذا


1 . كذا في النسخ و لعلّ الصحيح: «التفاوت».
2 . م وج: «استدلالي».
3 . في نسخة من المصدر: «يفرض».
4 . نقد المحصل: 114.مع تصرفات من العلاّمة.
5 . م: «الممكن عند» حذفا سهواً.


(139)

المعنى بعينه موجود، لكن بعبارة أُخرى، فإذن هذا البرهان مبني على [ما] (1) يتضمنه الحكم البديهي المذكور الذي عدَلَ عنه إلى ذلك البرهان، فهذا البرهان(2) فضلة لا يحتاج إليه (3).

وأقول: الحكم «باحتياج الممكن إلى المؤثر»، أظهر عند العقل من الحكم «بأنّ الممكن ما لم يجب لم يوجد»، ولهذا توقف في الحكم الثاني جماعة جزموا بالحكم الأوّل، واكتفوا بمطلق الرجحان الشامل للمانع من النقيض وغير المانع. ولأنّ الرجحان أعمّ من الوجوب، والأعم أظهر.

وعن الثاني: أنّ التأثير وصف اعتباري عقلي إضافي، يثبت في العقل عند تعقّل صدور الأثر عن المؤثر، فإنّ تعقّل ذلك يقتضي ثبوت أمر في العقل هو المؤثرية، كما في سائر الإضافات، والفرق بين الصدور والتأثير ظاهر، فإنّ الأوّل إضافة الأثر إلى مؤثره، والثاني إضافة المؤثر إلى أثره. وعدم مطابقته للخارج، لا يقتضي كونه جهلاً، وإنّما يكون جهلاً لو حكم بثبوته في الخارج ولم يثبت، أو بالعكس. واعتقاد قدم العالم مع أنّه ليس كذلك، يدلّ على ما ذكرنا في تفسير الجهل، لا على ما ذكره السائل. وعدم مطابقته لا يقتضي أن لا يكون شيء مؤثراً أصلاً، بل إذا حكم بثبوته في العقل فقط، فمطابقته ثبوته في العقل دون الخارج.

قوله: «كون الشيء مؤثراً في غيره صفة للشيء قبل الأذهان، فلا يعقل قيامها بالذهن المغاير للموصوف المتأخر (4) عنها».

قلنا: كون الشيء بحيث لو عقله عاقل حصل في عقله إضافة لذلك الشيء


1 . ما بين المعقوفتين من المصدر.
2 . ق: حذفت العبارة من«مبنى» إلى «فضلة».
3 . نقد المحصل: 115ـ 116.
4 . ق: «والمتأخّر».


(140)

إلى غيره، هو الحاصل قبل الأذهان، لا الذي يحصل في العقل، فإنّ ذلك يستحيل أن يحصل قبل وجود العقل (1).

وفيه نظر; فإنّ هذه الحيثية، لو كانت ثابتة، فإمّا في الذهن وهو محال لثبوتها قبله، أو في الخارج، فلم يكن نفس ذات المؤثر، لانفكاكهما تعقلاً، ولأنّـها صفة لا يعقل قيامها بذاتها، فتكون مغايرة، ويلزم وجود ما لا يتناهى من الصفات، لعدم تناهي المضاف إليه بالمتأثرية (2).

قوله: «اللامؤثرية عدمية، فنقيضها وجودي» غلط، لأنّ اللازم من قولنا: «اللامؤثرية عدمية» الوجوديّة مؤثريّة بطريق عكس النقيض. وهذا الغلط نشأ من باب إيهام العكس (3).

وفيه نظر; فإنّ المعترض لم يستدل بعكس النقض، بل بأنّ المؤثرية واللامؤثرية، أمران متناقضان لا يمكن اجتماعهما وجوداً وعدماً، فإذا كان أحدهما ثبوتياً وجب أن يكون الآخر عدميّاً وبالعكس; ولمّا كانت اللامؤثرية عدمية وجب أن تكون المؤثريّة وجودية.

والتحقيق في الجواب: أنّ المؤثرية واللامؤثرية وصفان اعتباريان، حكمهما في الثبوت والعدم واحد، ولا تحقق لهما في الخارج. ولا يجب أن يكون أحد النقيضين وجودياً و الآخر عدمياً، بل يجب أن يكون أحدهما موجباً والآخر سالباً، وذلك عائد إلى القول والعقد، لا إلى الحصول في الخارج، كالامتناع ونقيضه،


1 . هذا الجواب من أُستاذه المحقق الطوسي في نقد المحصل: 116، وللعلاّمة الحلّـي فيه نظر، كما ترى في المتن.
2 . م: «التأثيرية».
3 . اصطلاح منطقي قد مرّ توضيحه في الصفحة 45، والقول: «بأن المؤثّرية وجودية» من هذا الباب، لأنّه وَضَـعَ أحد جزئي القضية مكان الآخر، فالصحيح، كما في العبارة أن نقول: «الوجودية مؤثرية».


(141)

والإمكان ونقيضه، والوجوب ونقيضه إلى غير ذلك من الاعتبارات العقليّة. وتجدّد المؤثرية لا يقتضي كونها ثبوتية في الخارج، بل في العقل، كما في سائر الإضافات (1).

وفيه نظر ; فإنّا قبل ثبوت الأُبوة لزيد نتصوّرها له، ولا نحكم له بها، ولو حكمنا بها له (2)، كان جهلاً لعدم المطابقة، فإذا ثبتت له بالفعل، حكمنا له بها، وكان الحكم مطابقاً. فلا بدّ من اعتبار أمر آخر غير الذهن ينسب الثبوت إليه، بحيث تثبت المطابقة بالنسبة إليه وعدمها.

وأجاب أفضل المتأخرين عن أصل المعارضة: بأنّ هذا التقسيم، قد يتوجه على ما يحكم بوجوده (3)ضرورة، كما إذا قيل: لو كنت موجوداً الآن، لكان كوني الآن إمّا أن يكون عدميّاً أو وجوديّاً، والقسمان باطلان.

أمّا الأوّل، فلأنّه نقيض اللاكون في الآن، وهو عدميّ، ونقيض العدمي ثبوتي.

والثاني باطل، لأنّه إمّا أن يكون عين الذات، فلا تبقى الذات عند ما لا يبقى حصولها في ذلك الآن، أو يكون مغايراً لها زائداً عليها، فيكون حاصلاً في ذلك الآن، ويلزم التسلسل. ولمّا كان الحصول في ذلك الآن يفضي إلى هذه الأقسام الباطلة كان باطلاً، فلا يكون للذات حصول في شيء من الآنات(4)، وهو يستلزم البطلان بالضرورة. وإذا كان هذا التقسيم مبطلاً للضروريّات، قضت الضرورة ببطلانه (5).

واعترضه أفضل المحققين: بأنّ الأمر ليس كما قاله، لأنّ الكون في الزمان أمر


1 . قوله: «وتجدد المؤثّرية» آخر استدلال ذكره المعترض في المحصل، انظر الجواب في نقد المحصل 117، والعلاّمة الحلّـي أشكل عليه، كما في المتن.
2 . م: «حكم له بها».
3 . في المصدر: «فيما نعلم وجوده بالضرورة».
4 . م: «الأوقات».
5 . نقد المحصل: 114ـ115.


(142)

عقليّ يعرض للمتكوّن، مشروط بوجود الزمان المتعلّق به، ويقتضي (1) كون المتكوّن بحيث يصلح أن يعرض له ذلك عند فناء الزمان، ولا يتسلسل، ولا يلزم منه ما يبطل البديهيّات (2).

وفيه نظر; فإنّ كون الكون في الزمان أمراً عقليّاً، لا يبطل التقسيم، بل فيه اختيار أحد الأقسام، وهو أن يكون عدمياً، ثمّ عروضه للمتكوّن، إمّا أن يكون في العقل لا غير، فيبطل بإمكان أن يعتبره العقل قبل الزمان وبعده، أو يستند إلى أمر خارج الذهن ويعود المحذور بعينه .

وعن الثالث: أنّ المؤثر يؤثر في الأثر حال وجوده، أي في زمان وجوده، وهذا ليس بمحال، فإنّ العلّة مع معلولها بهذه الصفة، لا بمعنى أنّه تجدّد لها وجود آخر غير الوجود الواقع في ذلك الزمان، بل بمعنى أنّ هذا الوجود الواقع في ذلك الزمان صدر منه في ذلك الزمان، ولا يلزم من ذلك ثبوت المقارنة الذاتية بين المؤثر وأثره، بل المقارنة الزمانية، ولا استحالة فيه، وإنّما يؤثر فيه لا من حيث هو موجود، ولا من حيث هو معدوم، بل من حيث ماهية الأثر وإن كانت موجودة في ذلك الزمان.

وبعض المتكلمين يقول: المؤثر يؤثر حال حدوث الأثر، فإنّها ليست بحالة الوجود ولا بحالة العدم.

وأجاب أفضل المتأخرين عن أصل المعارضة: بأنّ هذا التقسيم عائد فيما علم بالضرورة ثبوته، فإنّ الإحداث وإن كان في محل البحث، لكن لا نزاع في الحدوث، والتقسيم الذي ذكروه يدفعه، لأنّه يقال: لو حدث هذا الصوت مثلاً،


1 . م: «يقتضي» ساقطة، وفي نسخة من المصدر «يفني» ، وفي أُخرى «نعني».
2 . نقد المحصل: 117.


(143)

فإمّا أن يكون حدوثه حال وجوده أو حال عدمه، فإن حدث حال وجوده فقد وُجدَ الموجود، وإن حدث حال عدمه فقد وجِدَ عند عدمه. فظهر أنّ هذا التقسيم مبطل للضروريات (1).

واعترضه أفضل المحققين: بأنّ هذا الكلام (2) باطل، ودال على تحيّره في أمثال هذه المواضع. وقد يمكن أن يقال فيه ما يقول المتأخرون من المتكلّمين الذين لا يقولون بمقارنة العلّة والمعلول في الزمان، فإنّهم يقولون: الثبوت الذي يوجد في الآن الثاني يصدر من موجده في الآن الذي قبله، فيكون التأثير سابقاً على الآثر بآن، ويقع بالقياس إلى ما يحصل بعده، سواء كان الأثر موجوداً في ذلك الآن بتأثير آخر أو معدوماً، ويكون الأثر في آن التأثير غير موجود، وفي الآن الذي يصير موجوداً لا يكون مقارناً للمعدوم (3).

وعن الرابع: أنّ المؤثر يؤثر في الماهية.

قوله: «إنّه محال، لأنّ كون السواد سواداً بالغير، يوجب أن لا يكون السواد سواداً عند عدم الغير».

قلنا: إذا فرض السواد، وجبت سواديّته بسبب الفرض، وجوباً لاحقاً مترتباً على الفرض، ومع ذلك الوجوب يمتنع تأثير المؤثر فيه، فإنّه (4) يكون إيجاداً لما (5) فرض موجوداً. أمّا قبل فرضه سواداً، فيمكن أن يوجد المؤثّر السواد على سبيل الوجوب، ويكون ذلك الوجوب سابقاً على وجوده، والفرق بين


1 . نقدالمحصل: 115.
2 . وهو قوله: «هذا التقسيم مبطل للضروريات».
3 . في المصدر: «للعدم»، نقد المحصل: 117.
4 . م: «لأنّه».
5 . ق: «بما».


(144)

الوجوبين(1) ظاهر (2). وهذه المغالطة نشأت من قبل اشتراك اللفظ بين الوجوب السابق واللاحق، لأنّ الوجوب يدلّ على المعنيين بالشركة اللفظية (3).

وأيضاً إذا قلنا: «فنى السواد» معناه: أنّ السواد الحاصل في زمان ليس بحاصل في زمان بعده، ويكون حمل غير الحاصل على المتصوّر منه، لا على الموجود الخارجي، فإنّ الوضع والحمل يكونان في العقل (4) لا في الخارج أصلاً، وهكذا القول في حصول الوجود من موجده. وإن قيل: تأثير المؤثر في جعل الماهية موصوفة بالوجود، كما ذهب إليه القائلون بشيئية المعدوم (5)، لم يتعلق ذلك بموصوفية الماهية بالوجود، لأنّ ذلك أمر إضافي يحصل بعد اتّصافها به، و المراد من تأثير المؤثر هو ضمّ الماهيّة إلى الوجود، ولا يلزم ما ذُكر من (6)المحال .

وفي قوله (7): «أمّا قبل فرضه سواداً، فيمكن أن يُوجِدَ المؤثر السواد على سبيلِ الوجوب» يقتضي أن يكون تأثير الفاعل ليس إلاّ في الوجود، وليس هو الذي اختاره، بل الوجه أن يقول: أمّا قبل فرضه سواداً فيمكن أن يؤثر المؤثر في كونه سواداً.


1 . ق وج: «الوجودين»، هكذا في نسخة من نقد المحصل، والصواب ما أثبتناه في المتن من نسخـة:م.
2 . مذكور في الكتب الحكميّة.
3 . فكل ممكن محفوف بوجوبين: أحدهما سابق على وجوده، وهذا في قولهم «الشيء ما لم يجب لم يوجد». والثاني الوجوب اللاحق، وهو الضرورة بشرط المحمول أي وجوب وجوده ما دام موجوداً ، وهذان الوجوبان بالغير، وكذلك الماهية المعدومة محفوفة بامتناعين، السابق واللاحق. وسيأتي البحث عنه في ص154 .
4 . وهما من ثواني المعقولات، كما قال في كشف المراد: 80.
5 . وهم من المعتزلة وقد مرّ بحثه في أوائل الكتاب.
6 . نقد المحصل: 118.
7 . أي قول الطوسي المحكي في جواب الإشكال الرابع.و لعلّ«في» زيادة من الناسخ.


(145)

وعن الخامس: أنّ عدم الممكن المتساوي الطرفين ليس نفياً محضاً. وتساوي طرفي وجوده وعدمه لا يكون إلاّ في العقل، ومرجّح طرف الوجود يكون موجوداً، وأمّا في العدم، فالمرجّح لا يكون إلاّ عقليّاً. وعدم العلّة ليس بنفي محض، وهو يكفي في الترجيح العقلي. ولكونه ممتازاً عن عدم المعلول في العقل، يجوز أن يعلل هذا العدم بذلك العدم في العقل (1).

وفيه نظر; فإنّه إن عنى بأنّ (2) عدم الممكن ليس نفياً محضاً أنّ له نوعاً من الثبوت وحظاً من الوجود ـ كما اختاره الرئيس ـ فهو ممنوع، فإنّا لا نعقل من عدم السواد إلاّ عدماً مطلقاً مضافاً إلى السواد، ولا نفرق بينه وبين العدم المطلق إلاّ بالإضافة إلى الملكة، وذلك لا يعطيه حظاً من الوجود، كعدم شريك الباري تعالى. وإن عنى به، أنّه ليس عدماً مطلقاً غير مضاف إلى ملكة، فهو حق، لكنّ ذلك لا يقتضي خروجه عن النفي المحض.

والتحقيق: أنّ الأعدام قد تتمايز بحسب الإضافة إلى ملكاتها، فعدم العلّة ممتاز عن عدم غيرها. وهذا الامتياز كاف في جواز إسناد البعض (3) إلى البعض.

وعن السادس: أنّ الحاجة وصف اعتباري لا تحقق له في الخارج حكمه في الثبوت والانتفاء واحد. ولا يلزم من كونها عدميّة أن لا يكون الشيء في نفسه محتاجاً، كالعدم والامتناع، فإنّهما ليسا بثبوتيّين، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون الشيء معدوماً وممتنعاً.

وبالجملة: فالضرورة قاضية باحتياج الممكن في اتّصافه بوجوده أو عدمه إلى سبب خارج عن ذاته، فالمعارضات في مقابلها تشكيك في الضروريّات، فلا يكون مسموعاً، كَشُبَه السوفسطائية.


1 . نقد المحصل: 118.
2 . م: «بأنّ» ساقطة.
3 . ق: »التعلّق».ج:«التعين» و الصحيح ما في المتن من م.

Website Security Test