welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : نهاية المرام في عـلم الكــلام/ ج 1*
نویسنده :نابغة عصره وفريد دهره العلامة الحلّي*

نهاية المرام في عـلم الكــلام/ ج 1

(89)

الفصل الثاني:

في مباحث الوجوب

البحث الأوّل: في تفصيله (1)

الوجوب قد يكون بالذات وقد يكون بالغير، فالأوّل: ما يقتضي ذات الموصوف به وجوب وجودها لماهيّتها، لا باعتبار أمر آخر وهو واجب الوجود لذاته. والثاني: ما لا يقتضي ماهيّته الوجود، وإنّما يستفيد الوجود من غيره حال فرض وجود السبب، كالممكنات حال وجود عللها وأسبابها.

فللواجب الأوّل أمران: أحدهما: كونه مستحقّاً للوجود من ذاته. والثاني: عدم توقّفه في وجوده على الغير. وهذا الاعتبار الثاني كالمعلول للأوّل; فإنّ الواجب لمّا استحقّ الوجود لذاته استغنى عن غيره، فإنّ الحاجة إلى الغير إنّما هي بسبب الإمكان.


1 . أُُنظر المباحث المشرقية 1: 207.


(90)

البحث الثاني: أنّ الوجوب ثبوتي أولا؟

قد بيّنا أنّ للواجب اعتبارين: أحدهما: عدم توقّفه على الغير. والثاني: استحقاقه للوجود من ذاته. فإن جعلنا الوجوب هو الأوّل كان عدمياً قطعاً، ويكون وصفاً اعتبارياً ذهنيّاً لا تحقّق له في الخارج. وإن جعلناه عبارة عن الثاني فهل هو ثبوتي أم لا؟

اضطرب قول أفضل المتأخّرين فيه فتارة جعله ثبوتياً وتارة جعله عدمّياً،(1) وهو الحق (2). لنا وجوه (3):

الوجه الأوّل: لو كان الوجوب ثبوتيّاً في الخارج لزم التسلسل، والتالي باطل، فالمقدّم مثله.

بيان الشرطيّة: أنّ كلّ موجود في الخارج، فإنّه مساو لسائر الموجودات في الوجود وممتاز عنها بخصوصيته (4)، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فيكون


1 . أُنظر المباحث المشرقية 1: 208ـ211، وقال في آخر البحث: «هذه كلمات مشكلة نسأل اللّه تعالى التوفيق لتحقيق الحق فيها» ثم انظر شرحه على الإشارات، النمط الرابع في الوجود وعلله، في ذكر الدلالة على التوحيد، حيث أطنب الكلام في الاحتجاج على كونه سلبياً مطلقاً. وذهب إليه أيضاً في معالم أُصول الدين:31.
2 . وهو مختار المحقّق نصير الدين الطوسي أيضاً، راجع تجريد الاعتقاد مع شرح المصنف عليه : 49 ولكن ليس مراده العدم المطلق، بل عدم وجوده في الأعيان، وأنّه موجود باعتبار العقل، كما صرّح بذلك في شرحه على الإشارات بقوله: «والحق أنّ الوجوب والإمكان والامتناع أوصاف اعتبارية عقلية حكمها في الثبوت والانتفاء واحد» شرحي الإشارات 1: 206ـ 207 «النمط الرابع في الوجود». وانظر نقد المحصل: 94; المواقف: 68ـ 69.
3 . انظر مناقشة الوجوه في حكمة العين: 137 وما بعدها، وقد اختار أنّ الوجوب ثبوتي واستدل بوجوه.
4 . ق: «بخصوصية» والأصح ما في المتن من نسخة م، ومراده ماهية الوجود.


(91)

وجوده زائداً على ماهيته، فاتّصاف ماهيّته بذلك الوجود إمّا أن يكون واجباً، أو ممكناً، فإن كان الأوّل نقلنا الكلام إلى ذلك الواجب ولزم التسلسل، وإن كان الثاني لزم خروج الواجب عن كونه واجباً، فيكون ممكناً، هذا خلف.

لا يقال: لا يلزم من إمكان الوجوب إمكان الواجب.

لأنّا نقول: إمكان الوجوب يستلزم إمكان عدمه عن الواجب، وإذا انتفى الوجوب عن الواجب تعالى بقي إمّا ممكناً أو ممتنعاً وهما محالان.

الوجه الثاني: الوجوب متقدّم على الوجود، لأنّه عبارة عن استحقاق الوجود، واستحقاق الوجود متقدّم على نفس الوجود، فلو كان الوجوب وصفاً ثبوتياً، لزم أن يكون ثبوت الصفة للماهيّة سابقاً على ثبوت نفس الماهيّة وهو محال.

الوجه الثالث: لو كان الوجوب ثبوتياً لكان إمّا نفس الماهية، أو جزءها، أو خارجاً عنها والكلّ باطل، أمّا الأوّل والثاني، فلأنّ الوجوب عبارة عن استحقاق الماهية للوجود ومفهوم هذا المعنى «نسبة الماهية إلى الوجود»، والنسبة بين الشيئين متأخرة عنهما، فيكون هذا المعنى متأخّراً بالاعتبار عن الماهية، فلا يكون نفسها ولا جزءاً منها. والثالث باطل، لأنّ الخارج عن الماهيّة إذا كان صفة لها كان محتاجاً إليها، فيكون الوجوب بالذات، ممكناً بالذات، واجباً بوجوب سببه (1)، فللماهيّة وجوب آخر قبل هذا الوجوب و يلزم التسلسل. ولأنّ اقتضاء الماهية للوجود، لو كان وصفاً ثبوتياً، لكان اقتضاء الماهية لذلك الوصف أيضاً زائداً عليه ولزم التسلسل.

الوجه الرابع: الوجوب نسبة بين الماهية والوجود. وسيأتي بيان أنّ النسب عدمية.


1 . ج:«لوجوب سبقه».


(92)

احتج المخالف بوجوه:

الأوّل: استحقاق الوجود، نقيض لا استحقاق الوجود، ولا استحقاق الوجود أمر عدمي فيكون استحقاق الوجود ثبوتياً. والمقدمة الأُولى ظاهرة. وأمّا الثانية; فلأنّ لا استحقاق الوجود يصدق على الممتنع وهو واجب العدم، وعلى الممكن وهو جائز العدم; فإذن لا استحقاق الوجود صادق على المعدوم، والصادق على المعدوم يمتنع أن يكون ثبوتياً، لاستحالة اتّصاف المعدوم بالوصف الثبوتي، فإذن لا استحقاق الوجود وصف عدمي، فيكون الاستحقاق وصفاً ثبوتياً، ضرورة اختلاف النقيضين بالسلب والإيجاب.

الثاني: استحقاق الوجود عبارة عن نسبة خاصة للماهية إلى الوجود، وتلك النسبة ليس (1) تحققها بحسب فرض العقل، فإنّ الشيء في نفسه واجب سواء اعتبره العقل أو لا; ولو جاز أن لا يكون (2)اقتضاء الوجود وصفاً ثبوتياً ـ مع أنّه في نفسه نسبة محققة محصّلة ـ لجاز أن يقال: نسبة الجسم إلى الجهة والحيّز بالحصول فيه، ليست أمراً ثبوتياً، بل أمراً عدمياً.

الثالث: الشيء ما لم يجب لم يوجد، فالوجوب سابق على الوجود، فإنّه لابدّ من تقدّم جهة الاستحقاق على حصول المستحق، وجهة الاستحقاق في الواجب هو كونه مستحقاً للوجود من ذاته، ووجود الشيء سابق على أوصافه السلبية، فإنّ الصفات السلبية لا تعيّـن ولا تخصص (3) لها في أنفسها، بل تعيّنها وتخصّصها (4) تبع لتخصص محالها (5) الموجودة الموصوفة بها; فحينئذ وجود الشيء سابق على


1 . م: «تلك الماهية» و «ليس» محذوف والصواب ما في المتن، كما في نسخة ق والمباحث المشرقية.
2 . ق: «لا يكون» م: «أن يكون» وما في المتن مطابق لعبارة الرازي في المباحث المشرقية.
3 . م: «تحصص» ، «تحصصها»، «لتحصص ملكاتها» ،وفي ق :«لتخصيص مكانها».
4 . م: «تحصص» ، «تحصصها»، «لتحصص ملكاتها» ،وفي ق :«لتخصيص مكانها».
5 . م: «تحصص» ، «تحصصها»، «لتحصص ملكاتها» ،وفي ق :«لتخصيص مكانها».


(93)

سلب غيره عنه، وإذا كانت السلوب بأسرها متأخرة عن وجود الشيء، وكان الوجوب متقدماً عليه لم يكن سلبياً، وإلاّ لكان متقدّماً متأخراً، هذا خلف.

الرابع: الوجوب تأكد الوجود، والشيء لا يتأكّد بنقيضه، فيكون الوجوب ثبوتياً.

الخامس: الوجوب نقيض الامتناع، والامتناع عدمي ـ وإلاّ لكان الموصوف به ثابتاً ـ فيكون الوجوب ثبوتياً (1).

والجواب عن الأوّل: أنّ استحقاق الوجود أمر اعتباري حكمه في الثبوت والانتفاء واحد، وإذا كان أمراً اعتبارياً لم يكن وجوديّاً ولا يلزم أن يكون نقيضه ثبوتياً، كما أنّ الامتناع أمر اعتباري، ونقيضه قد يصدق على المعدوم.

ولأنّ قولكم اللااستحقاق محمول على الممتنع والممكن، وهما معدومان مغالطة; لأنّ الممتنع إن كان له في نفسه تخصص (2) أمكن وصفه بالامتناعوالوصف الثبوتي، وإن لم يكن له في نفسه تخصص (3) بحيث يستعدَّ للموضوعية(4)، ولا الامتناع أمراً معقولاً بحيث يستعدّ للمحمولية، لم يكن الحكم بالامتناع على الممتنع، إلاّ من حيث إنّ الذهن يستحضر ماهية ثم يحكم عليها بامتناع حصول الوجود الخارجي لها، فالمحكوم عليه بهذا الحكم هو تلك الماهية المحصّلة في الذهن، والحكم هو امتناع حصول الوجود الخارجي لها، وحينئذ يكون المحكوم عليه بالامتناع أمراً ثبوتياً في الذهن(5).


1 . أُنظر الوجوه في «المباحث المشرقية» 1:208;لمواقف: 69 ـ 70.
2 . ق:«تخصيص».
3 . ق:«تخصيص».
4 . ق: «الموضوعية»، وفي عبارات الرازي «للموضوعية» وهو الصواب.
5 . راجع المباحث المشرقية 1: 208.


(94)

قال أفضل المحقّقين (1): «إذا كان الوجوب سلبيّاً لم يلزم منه أن يكون نقيضاً للوجود، لأنّ السلبي هو «سلب شيء عن شيء» وسلب شيء عن الوجود لايكون (2) حمل العدم عليه. وأيضاً إن كان الوجوب واللاوجوب نقيضين يعني يقتسمان (3) جميع الاحتمالات، والوجود والعدم كذلك، وكان المعدوم (4) محمولاً على اللاوجوب، فلا يلزم أن يكون الوجود محمولاً على الوجوب حملاً كليّاً، لأنّه من الجائز أن يكون بعض ما هو وجوب عدمياً، فإنّ الممكن العام والممتنع نقيضان بالوجه المذكور، والممتنع عدميّ، فلا يجب أن يكون كلّ ما هو ممكن بالإمكان العام وجودياً، بل بعضه وجودي وبعضه عدمي» (5).

وفيه نظر; فإنّ الوجود والعدم متناقضان وإذا صدق أحدهما على شيء استحال صدق الآخر عليه، فيصدق على نقيضه. والنقض بالممكن العام والممتنع، فيه مغالطة، فإنّ المدّعى «أنّ الوصف إذا كان ثبوتياً كان نقيضه عدمياً» لا ما صدق عليه الوصف من الماهيات الموضوعة لذلك الوصف.

وعن الثاني: أنّ الصفات اللازمة للماهية، والأحكام الثابتة لها، لا تتوقف على وجود تلك الماهية في الذهن أو في الخارج، بل هي مستندة إليها سواء فرضها فارض أو لا، فإنّ الممتنع ممتنع في نفسه، بمعنى أنّه متى عقل الذهن ماهية الممتنع بجميع لوازمها، عقل لها الوصف بالامتناع، لا بمعنى كون الامتناع ثابتاً في الخارج، ولا بمعنى كونه ثابتاً في الذهن غير مطابق للخارج بحيث يكون جهلاً، بل بمعنى أنّه وصف لازم لها. وكما لا يلزم من اقتضاء ماهية الممتنع


1 . م: «وقال» وهو المحقّق الطوسي، كما ذكرنا في المقدمة.
2 . كذا في النسخ المخطوطة.
3 . ج:«يقسمان»
4 . وفي المصدر : العدم.
5 . نقد المحصل: 95.


(95)

وصف الامتناع، كون الامتناع أو الممتنع ثبوتياً في الخارج، كذا البحث في الوجوب.

وعن الثالث: أنّ الوجوب من حيث إنّه سابق على الأوصاف الثبوتية، لا يكون ثابتاً.

وعن الرابع: أنّ الوجوب تأكّد النسبة، سواء كانت النسبة للوجود أو العدم، فإنّه يدلّ على وثاقة الربط بأيّ محمول كان، وكما يؤكّد الوجود كذا يؤكّد العدم.

وعن الخامس: ما تقدّم، والنقض بالإمكان (1).

البحث الثالث: في تقسيم الواجب (2)

الواجب إمّا أن يكون واجباً لذاته، وهو اللّه تعالى لا غير. وإمّا أن يكون واجباً لغيره، وهو كلّ ممكن اتّصف (3) بالوجود.

وأمّا الواجب لذاته، فوجوبه قد بيّنا أنّه أمر اعتباري (4).

ومن ذهب إلى ثبوته في الخارج، منع من كونه خارجاً عن الذات، لأنّه إن استقل بذاته امتنع أن يكون وصفاً لغيره، لعدم استقلال الوصف بذاته، فإنّه لا يعقل إلاّ تابعاً للموصوف. وإن لم يستقل كان ممكناً لأنّه لو فرض ارتفاع الموصوف


1 . أُنظر الأسفار الأربعة لصدر المتألّهين 1:139ـ 140.

2 . أُنظر البحث في المقالة الثانية من إلهيات النجاة:225; المباحث المشرقية 1: 214.
3 . ق: بإضافة«له» قبل «اتصف».
4 . كما ذهب إليه الطوسي في شرح الإشارات وتجريد الاعتقاد. وقد مرّ : أنّه أمر موجود في الأعيان بوجود موضوعه.


(96)

ارتفع. وكّل ما كان قوامه متوقّفاً على غيره، فإنّه لما هو هو مع قطع النظر عن غيره يكون ممكناً، وكلّ ممكن يصحّ عدمه، فلو امتنع عدمه، لم يكن ذلك الامتناع لنفس مفهومه، بل لامتناع سببه الذي هو الذات، فهو متردّد بين صحّة العدم وامتناعه، لكنّ صحّة عدمه يستلزم صحّة عدم الواجب، هذا خلف. وامتناع عدمه يستلزم وجوب الذات، فإنّ وجوب المعلول تابع لوجوب العلّة، فيكون للماهية وجوب مثل (1) هذا الوجوب ويتسلسل. ولو جاز لقلنا: الذات إن اقتضت لماهي هي وجوباً، لم يكن بين الذات وبين ذلك الوجوب وجوب آخر، وإن لم تقتض لزم نفي الوجوب عن الذات بالكلّية، فيثبت انّ الوجوب بالذات يمتنع أن يكون خارجاً عن الماهيّة. ولا يمكن أن يكون جزءاً من الماهية، وإلاّ لزم تركيب الواجب لذاته هذا خلف. فوجب أن يكون نفس الماهية.

والتحقيق يقتضي نفي النزاع هنا. فإنّ من جعل الوجوب أمراً اعتبارياً، سلّم أنّه ليس أمراً خارجاً عن الذات ولا جزءاً منها. ومن جعله نفس الذات، إنقصد أنّ مفهوم النسبة، وهي «كيفية الرابطة بين الوجود والماهية» نفس الذاتلم يصب. وإن قصد أنّه ليس شيئاً زائداً على الذات في الخارج، فهو مسلّم.

أمّا الوجوب بالغير، فإنّه معلول لذلك الغير، فصحّ (2) أن يكون خارجاً عن الماهية.

لا يقال: وجوب الوجود وصف للوجود (3)، والوصف منفصل عن الموصوف، فلا يمكن جعله نفسه، ولأنّ الواجب لذاته يساوي سائر الموجودات


1 . م: «قبل» وهو الصواب.
2 . ق: «يصحّ» وما أثبتناه في م وج.
3 . ق: «للموجود».


(97)

في الوجود ويخالفها في الوجوب، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فالوجود غير الوجوب.

ولأنّا ندرك تفرقة بين قولنا: موجود واجب وبين قولنا: موجود موجود، ولو كان الوجود هو الوجوب لم يبق بينهما فرق، فيثبت (1) أنّ الوجود مغاير للوجوب. فإن لم يكن بينهما تلازم أمكن انفكاك أحدهما عن الآخر، فيجوز تحقّق الوجوب من دون الوجود، فيخرج الواجب عن كونه واجباً، هذا خلف. ويجوز تحقّق الوجوب من دون الوجود، فتوجد الصفة من دون الموصوف، هذا خلف.

وإن تلازما، فإمّا من الطرفين وهو دور، أو يكون (2) الوجود ملزوماً، فكلّ موجود واجب، هذا خلف. ويلزم أيضاً افتقار الوجوب لصيرورته معلولاً، فيلزم افتقار الواجب والتسلسل، لأنّ المعلول واجب لعلّته، فقبل هذا الوجوب وجوب آخر. أو يكون الوجود لازماً وهو محال وإلاّ جاء الدور; لأنّ الوجوب نعت للوجود، فلو كان الوجود تابعاً لزم كون الوجود تابعاً متبوعاً. أو يكونا معلولي علّة واحدة، لأنّ تلك العلّة إن كانت موصوفة بهما، كان ما ليس بموجود ولا واجب علّة للوجوب والوجود، فالمعدوم الممكن علّة للموجود الواجب، هذا خلف.ويلزم (3) كون الوجوب معلولاً. وإن كانت صفة لهما عاد الإشكال في كيفية ذلك اللزوم. أو لا موصوفة ولا صفة، فيكون الموجود الواجب لذاته مفتقراً إلى علّة منفصلة، هذا خلف.

لأنّا نقول: الشيء إذا أُخذ بشرط وجوده صار ممتنع العدم، وما كان مانعاً للعدم كان مانعاً لإمكان العدم والوجود، فإذن الوجود من حيث هو وجود يمنع


1 . ج:«فثبت».
2 . ج: «لكون».
3 . م: «فيلزم».


(98)

الإمكان، وما كان مانعاً من الإمكان لزمه الاستغناء عن المقتضي، فالوجود بشرط التجرّد عن الماهية أولى بالمنع من الإمكان، لأنّ الشيء الذي له اعتبار الإمكان إذا أُخذ مع الوجود دخل في الوجوب، فالذي لا اعتبار له إلاّ الوجود هو أولى بالوجوب.

والتغاير بين الوجود والوجوب اعتباريّ، لما بيّنا من كون الوجوب والإمكان والامتناع أُموراً معقولة، تحصل في العقل من اسناد المتصوّرات إلى الوجود الخارجي، وهي في أنفسها معلولات للعقل بشرط الإسناد المذكور، وليست أُموراً متحقّقة في الخارج بحيث يرد عليها التقسيم بأنّها إمّا علل للأُمور التي يستند إليها أو معلولات لها، كما أنّ تصوّر زيد وإن كان معلولاً لمن يتصوّره ، لا يكون علّة لزيد ولا معلولاً له. وكون الشيء واجباً في الخارج، هو كونه بحيث إذا عقله عاقل مسنداً إلى الوجود الخارجي لزم في عقله معقول هو الوجوب. ولما كان الوجود مقولاً بالتشكيك لم يجب تساوي مقتضياته، فانّ المعاني المشتركة على سبيل التشكيك لا يقتضي استلزام بعضها لشيء استلزام غير ذلك البعض لذلك الشيء، فإنّ نور الشمس يستلزم زوال العشي وسائر الأنوار لا تقتضيه، لكون النور مشتركاً بين نورها وسائر الأنوار بالتشكيك.

وفيه نظر; فإنّ المشكك يوجد فيه اشتراك معنويّ، وإذا اقتضى لذاته شيئاً وجب وجود ذلك الاقتضاء في جميع موارده. أمّا إذا اقتضى لا لذاته، بل لأجل انضمام ما حَصَلَ فيه من الاختلاف، لم يجب عموم الاقتضاء، وزوال العشي لا يستند إلى النور المطلق، بل إلى النور المستند إلى الشمس خاصّة إمّا لشدّته أو لمعنى مختص به، حصل باعتباره مخالفته لسائر الأنوار (1).

والتحقيق في ذلك كلّه، ما قلناه أوّلاً من كون الوجوب اعتبارياً.


1 . أُنظر المباحث المشرقية 1:214ـ 216; نقد المحصل: 93 وما بعدها.


(99)

البحث الرابع: في خواص الواجب لذاته وهي عشرة (1)

الأُولى: لا يمكن أن يكون الشيء الواحد واجباً لذاته ولغيره معاً، لأنّ كلّ ما بالغير فإنّه يرتفع بارتفاع ذلك الغير، وما بالذات لا يرتفع بارتفاع الغير، فلو كان الواحد واجباً لذاته ولغيره معاً، لزم ارتفاعه عند ارتفاع ذلك الغير (2) بالنظر إلى كونه واجباً بغيره، وعدم ارتفاعه عند ارتفاع ذلك الغير بالنظر إلى كونه واجباً لذاته، فيجتمع فيه النقيضان.

ولأنّ الواجب بذاته مستغن عن الغير، إذ معنى الوجوب «استحقاق الوجود لذاته، أو عدم توقّفه على الغير» (3)، والواجب بغيره مفتقر إلى ذلك الغير، لاستحالة وجود المعلول بدون علّته، والجمع بين الحاجة في الوجود والاستغناء فيه محال، وهذا حكم غني عن البرهان (4).

الثانية: الواجب لذاته بسيط، لا يتركّب عن غيره، وإلاّ لكان ممكناً، والتالي باطل، فالمقدّم مثله.

بيان الشرطية: أنّ كلّ مركب مفتقر إلى أجزائه، والأجزاء مغايرة له، فيكون مفتقراً إلى غيره، و كلّ مفتقر ممكن، وأمّا بطلان التالي، فلامتناع اجتماع النقيضين.


1 . راجع الفصل السادس من المقالة الأُولى من إلهيات الشفاء وشرحي الاشارات، النمط الرابع في الوجود: 209; المحصل ونقده للطوسي: 96; تجريد الاعتقاد مع شرح المصنف «رحمه اللّه» عليه: 61ـ62; المواقف: 70. وهذا البحث قسم من مباحث الإلهيات بالمعنى الأخص.
2 . عبارة «وما بالذات» إلى «ذلك الغير» ساقطة سهواً في نسخة: ق.
3 . الترديد بـ «أو» إشـارة إلى اختلاف الاعتبار في معنى الواجـب، كما مرّ في البحث الأوّل من هذا الفصل.
4 . راجع: النجاة، قسم الإلهيات: 225.


(100)

لا يقال: يجوز أن يكون كل (1) جزء من الواجب واجباً، فيستغني في أجزائه عن الغير، وعند وجود الأجزاء يجب حصول المركّب، فلا يكون مفتقراً إلى الغير لا في ماهيته ولا في أجزائه (2).

لأنّا نقول: التركيب يستدعي الإمكان، فإنّ كلّ مركب ممكن بالضرورة، لافتقاره إلى أجزائه المغايرة له، فلا يكون المركب واجباً وقد فرضناه واجباً، هذا خلف.

الثالثة: الواجب لذاته لا يتركّب عنه غيره، لأنّ التركيب إمّا معنوي أو خارجيّ، والقسمان باطلان.

أمّا الأوّل، فلأنّه إنّما يحصل من الجنس والفصل، وواجب الوجود يستحيل أن يكون جنساً، وإلاّ لافتقر إلى الفصول. ويستحيل أن يكون فصلاً، لأنّه صورة للجنس، والصورة مفتقرة إلى المادة نوعاً ما من الافتقار، وواجب الوجود لا يفتقر إلى الغير.

وأمّا الثاني، فلأنّه (3) لابدّ فيه من انفعال ما، كما في الممتزجات (4)، وهو ممتنع في حق واجب الوجود.

الرابعة: الواجب لذاته لا يكون وجوده زائداً عليه، وإلاّ لزم أن يكون ممكناً، لافتقار وجوده إلى ماهيته. وسيأتي البحث في ذلك إن شاء اللّه تعالى .

الخامسة: الواجب لذاته لا يكون وجوبه زائداً عليه، وقد تقدّم (5).


1 . ق: «كل» حذف سهواً.
2 . راجع شرح الإشارات ، النمط الرابع في الوجود: 55، ثم كشف المراد:61، في خواص الواجب.
3 . م: «فانه».
4 . م: «ممزجات».
5 . في البحث الثاني (أن الوجود ثبوتي أو لا ) ص94.


(101)

السادسة (1): الواجب لذاته لا يكون مشتركاً بين اثنين، وإلاّ لزم تركّب كل واحد منهما، لاشتراكهما في الوجوب الذاتي، فيجب امتياز كلّ منهما عن صاحبه بأمر مغاير لما وقع به الاشتراك، فيكون كلّ واحد منهما مشتملاً على ما به الاشتراك وما به الامتياز، فيكون مركّباً، فيكون ممكناً، ولأنّ الجزئين (2) إن لم يكن بينهما تلازم، أمكن انفكاك كلّ واحد منهما عن صاحبه، فيكون اجتماعهما معلول علّة منفصلة، هذا خلف. وإن كان بينهما ملازمة، فإن استلزمت الهوية الوجوب، كان الوجوب معلولاً، هذا خلف، وإن كان بالعكس (3) لزم المطلوب، إذ يكون كلّ واجب (4) هو هو ، فما (5) ليس هو لم يكن واجباً.

اعترض (6): بأنّ الوجوب ليس وصفاً ثبوتياً وإلاّ لزم التسلسل، وكذا التعين(7).

ولأنّ الواجب يشارك الممكن في الوجود، ويخالفه في الوجوب ويعود التقسيم (8).

ولأنّ الاشتراك هنا لفظي لا معنوي.


1 . هذا البحث في تقرير البرهان على توحيد واجب الوجود، راجع كتب ابن سينا، منها النجاة، قسم الإلهيات: 230ـ234.
2 . ق: «الجزئي» وهو خطأ.
3 . أي كان الوجوب مستلزماً لتلك الهوية.
4 . ق: «واحد» والصواب ما في المتن من نسخة: م.
5 . م: «فبما» والصواب ما في المتن من نسخة: ق.
6 . الاعتراض من الرازي، انظر المحصل: 97.
7 . ق: «التعلّق» والصواب ما أثبتناه في المتن من نسخة: م. وقد مرّ البحث في «الوجوب» في البحث الثاني، ص 94.
8 . هذا اعتراض بإيراد النقض، والجواب الحَلّـي عنه جعل الاشتراك لفظياً.


(102)

ولأنّ الوجوب وصف لا جزء، ولا يلزم من الاشتراك في الأوصاف التركيب.

ولأنّ الامتياز بعارض، فلا يكون مركباً.

والجواب: البحث في مفهوم واجب الوجود، ولا يمكن أن يكون وصفاً اعتبارياً.

والاشتراك في الوجود إن كان، فهو في (1) وصف عارض، فلا يجب به التركيب.

والاشتراك هنا معنوي، لأنّ المفهوم واحد فيما يفرض اشتراكه فيه.

والوجوب إذا جعلناه وصفاً لم يلزم كون الواجب وصفاً، والبحث في الواجب. على أنّا أخذنا مفهوم الواجب، وجعلناه منظوراً فيه لا معروضه.

والامتياز إذا كان بعارض (2)، أمكن زواله، فخرج هذا الواجب عن كونه واجباً، هذا خلف.

قال أفضل المحقّقين: «كون استلزام الهوية الوجوب خلفاً، فيه نظر; لأنّ الخلف يكون لو كان الواجب معلول الغير، لا الوجوب. أمّا إن كانت هويته مستلزمة لوجوبه، وكان وجوبه محتاجاً إلى هويته، لم يلزم منه كون الهوية معلول الغير (3)، بل يلزم منه كون الهوية غير واجبة بانفرادها، إنّما تكون واجبة بصفة (4) تقتضيها ذاتها» (5).

وفيه نظر، لأنّ إمكان الوجوب يستلزم إمكان الواجب، فإنّ الواجب إنّما


1 . م: «في» محذوفة.
2 . م: «عارض».
3 . وفي المصدر «معلولاً للغير».
4 . في المصدر «لصفة».
5 . نقد المحصل: 100.


(103)

هو واجب بذلك الوجوب، فإذا أمكن زواله، أمكن خروج الواجب عن كونه واجباً، فلا يكون واجباً لذاته. وكون الهوية واجبة (1) بصفة (2) تقتضيها ذاتها، يستلزم الدور ،لأنّ وجوب الصفة تابع لوجوب الموصوف، فلا(3) يمكن أن يكون متبوعاً.

ثمّ أجاب عن المعارضة بكون الواجب مساوياً للممكن في الوجود، بأنّ اشتراكهما في الوجود ليس بالتواطؤ.

وفيه نظر; فإنّ قصد المشكك وجود أمرين في واجب الوجود، فيلزم التركيب.

وإنّما الجواب الحق، ما بيّناه، من أنّ الاشتراك في الصفات لا يلزم منه التركيب.

ثمّ قال (4): «والواجب أن نقول (5): «الواجب لذاته يستحيل أن يكون محمولاً على اثنين، لأنّه(6) إمّا أن يكون ذاتياً لهما، أو عرضيّاً لهما، أو ذاتياً لأحدهما عرضيّاً للآخر. فإن كان ذاتياً لهما، فالخصوصيّة التي بها يمتاز كلّ واحد من الآخر لا يمكن أن يكون داخلاً في المشترك، (7) وإلاّ فلا امتياز، فهو خارج، فيضاف (8) إلى المعنى المشترك، فإن كان في كلّ واحد منهما، كان كلّ واحد منهما ممكناً من


1 . م: «غير واجبة».
2 . ق: «بصفتها».
3 . ق: «ولا».
4 . المحقّق الطوسي.
5 . في المصدر: «أن يقول كما قال غيره من الحكماء» .
6 . هذه العبارة إلى الخاصية السابعة قوله :«لذاته فيكون ممكناً» ساقطة في نسخة: م.
7 . في المصدر: «في المعنى المشترك».
8 . في نسخة من المصدر «فينضاف» وفي نسخة أُخرى «منضاف».


(104)

حيث هو موجود ممتاز (1) عن الآخر، وإن كان في أحدهما فهو ممكن. وإن كان عرضيّاً لهما أو لأحدهما، فمعروضة في ذاته لا يكون واجباً».

لا يقال: الواجب لذاته هو المعنى المشترك فقط.

لأنّا نقول: المعنى المشترك لا يوجد في الخارج من حيث هو مشترك من غير مخصّص (2) يزيل اشتراكه.

لا يقال: المخصّص سلبي، وكل واحد منهما مختصّ بأنّه ليس الآخر.

لأنّا نقول: سلب الغير لا يحصل (3) إلاّ بعد حصول الغير، وحينئذ يكون كلّ واحد منهما (4) بعد حصول الغير، فيكون ممكناً» (5).

السابعة: وقوع لفظ الواجب على الواجب لذاته والواجب لغيره بالاشتراك اللفظي، وإلاّ لزم تركيب الواجب لذاته، فيكون ممكناً، ولأنّ القدر المشترك إن كان غنياً عن الغير، لم يكن تمام ماهية الوجوب بالغير عارضاً للغير، هذا خلف. وإن كان مفتقراً، لم يكن تمام ماهيّة الوجوب بالذات غنيّاً عن الغير.

اعترض بإمكان التقسيم إليهما (6)، ومورد التقسيم مشترك.

قال أفضل المحقّقين: لا يلزم من كون الوجوب مشتركاً بين الوجوب بالذات والوجوب بالغير، كون الوجوب بالذات مركباً، لأنّ تعقل الوجوب بالذات لا يفتقر إلى تعقل غير الذات. أمّا الوجوب بالغير فيفتقر تعقّله إلى انضياف تعقّل


1 . ق: «و ممتاز».
2 . في المصدر «تخصيص».
3 . في المصدر «لا يتحصّل».
4 . في نسخة من المصدر «هو» وفي الأُخرى «هو هو» بدلاً عن «منهما».
5 . نقد المحصل:100 ـ101.
6 . أي تقسيم الوجوب إلى الواجب لذاته والواجب لغيره.


(105)

الغير إلى تعقّل الوجوب.

ثمّ لو كان الوجوب الذي هو «أمر حاصل في العقل عند اسناد متصوّر إلى الوجود (1) الخارجي» مركّباً لم يلزم منه تركيب المسند إليه، كما لا يلزم من كونه محتاجاً إلى موصوف به، كون الموصوف به محتاجاً إلى غيره.

وأيضاً الامتناع مشترك بين الامتناع بالذات والامتناع بالغير، ولا يلزم من تركّبه تركّب في الممتنع لذاته (2) الذي يكون نفياً (3) محضاً.

وقوله (4): «القدر المشترك إن كان غنياً عن الغير لم يكن تمام ماهية الوجوب بالغير عارضاً للغير، هذا خلف».

فيه نظر; لأنّه لا يلزم منه الخلف، فإنّ من استغناء الجزء لا يلزم استغناء المركّب، بل إنّما يلزم من افتقار الجزء افتقار المركّب» (5).

وفيه نظر; فإنّ كلّ معنى معقول كلّـي إذا أُخذ مخصّصاً، استدعى تركيباً عقلياً ممّا وقع به الاشتراك وما وقع به التخصص (6) سواء كان ذلك الكلّـي جنساً أو نوعاً، فإنّ أفراد النوع مشتركة في معنى كلّـي إذا أُخذ مع مشخّصات خاصة، كان المجموع مركّباً من ذلك المعنى الكلّـي ومن قيد التشخّص، والوجوب هنا أُخذ مشتركاً، فيكون الوجوب بالذات مركّباً منه ومن قيد الخصوصيّة.

وقوله: «الوجوب بالذات لا يفتقر إلى تعقّل غير الذات»، لا يضرّ في


1 . م: «الوجوب» والصواب ما في المتن من نسخة ق والمصدر.
2 . ق: «بذاته» وما في المتن من نسخة: م مطابقاً للمصدر.
3 . وفي المصدر «منفياً».
4 . الرازي في المحصل.
5 . أُنظر نقد المحصل: 101 ـ 102.
6 . ق و م:«التخصيص».


(106)

الدليل، فإنّ الذات مغايرة للوجوب، والتركيب لم يلزم من الافتقار إلى تعقّل غير الذات،بل من وجوب وجود مخصّص زائد على القدر المشترك.

ثمّ قوله: «إنّه غير مفتقر إلى تعقّل غير الذات» ممنوع، بل يفتقر إلى تعقّل نسبته (1) إلى الذات، وهو أمر مغاير لذلك المعنى الكلّـي، كما أنّ الوجوب بالغير يفتقر إلى انضياف تعقّل الغير إلى تعقّل الوجوب.

قوله: «تركيب (2) الوجوب لا يلزم منه تركيب المسند إليه».

قلنا: نسلّم (3)، بل يلزم منه إمكانه على ما تقدّم (4).

قوله: «كما لا يلزم من كونه محتاجاً إلى موصوف به، كون الموصوف به محتاجاً إلى غيره».

قلنا: مسلّم أنّه لا يلزم من افتقار الصفة افتقار الموصوف، لكن هنا يلزم ذلك، فإنّ الموصوف إنّما هو واجب بهذه الصفة، فإذا كانت ممكنة، كان الموصوف ممكناً. والتركيب العقلي كما هو ثابت في الواجب، كذا في الممتنع، وكونه نفياً محضاً لا ينافي التركيب العقلي.

وقوله: «لا يلزم من استغناء الجزء استغناء المركّب».

قلنا: حق، لكنّا نحن ادعينا أنّ المشترك إذا كان غنيّاً، لم يكن تمام ماهية الوجوب بالغير عارضاً للغير، (5) وهو صحيح، فإنّ العارض حينئذ لا يكون تمام الماهية، بل جزئها.


1 . ق: «نسبة».
2 . ق: «تركّب».
3 . ق: «مسلّم».
4 . في الخاصة السادسة، ص 105.
5 . ق: «عارضا للغير» ساقطة.


(107)

وأيضاً، فإنّ الوجوب المشترك حينئذ يكون جنساً فإذا افتقر الفصل إلى الغير، كان الجنس الذي هو معلوله أولى بالافتقار.

وأيضاً الواجب لغيره هو الذي يجب وجوده عند حصول ذلك الغير، فإذا كان الوجوب المشترك بين هذا الممكن وبين الواجب لذاته مستغنياً عن الغير، كان ذلك الممكن مستغنياً عن الغير، هذا خلف.

الثامنة: الواجب لذاته واجب في جميع صفاته الحقيقية، لامتناع افتقاره إلى الغير على ما يأتي بيانه (1):

أمّا الصفات الإضافيّة (2) فإنّها أُمور اعتباريّة متوقّفة على المضافين، وليست حاصلة في الخارج، بل في الذهن، فجاز توقّفها على الغير، ولا يثلم ذلك غناه(3).

التاسعة: الواجب لذاته لا يمكن عدمه، وإلاّ لم يكن واجباً لذاته، إذ معناه هو الذي لا يمكن عدمه. وقيل (4): «لو صحّ عليه العدم، لكان وجوده متوقّفاً على عدم سبب عدمه، والمتوقّف على الغير ممكن بالذات».

قال:أفضل المحقّقين (5): «عدم واجب الوجود ممتنع لذاته لا لغيره (6)،


1 . راجع النجاة: 228; نقد المحصل: 102; الأسفار 1:122.
2 . هذا دفع إشكال مقدّر وهو النقض على الخاصة بالنسب والإضافات اللاحقة من قِبَل أفعاله المتعلقة بالممكنات كالخلق والرزق. وقد جوّز الشيخ اتصاف الواجب بالذات اتصافه بالإمكان بهذه النسب والإضافات اللاحقة. انظر إلهيات الشفاء، الفصل السابع من المقالة الثامنة. واعترض عليه صدر المتألهين في الأسفار:1:126ـ 128.
3 . كذا في ج، وفي ق و م بالعين المهملة.
4 . والقائل هو الرازي نقد المحصل: 103.
5 . نقد المحصل: 103.
6 . ق: «بغيره».


(108)

فالتعليل «بعدم توقف وجوده على عدم سبب عدمه» تعليل ما ثبت للشيء (1) لذاته بعلّة غير ذاته».

العاشرة: قال أفضل المتأخّرين (2): الواجب لذاته يجوز أن تعرض له صفات تستلزمها ذاته، فيكون الوجوب الذاتي حصة لتلك الهويّة فقط، وسائر النعوت واجبة لوجوب (3) تلك الهوية، وتكون الوحدة حصة لتلك الهوية من حيث هي هي، وإن كانت إذا أُخذت مع الوحدة لم تبق واحدة».

قال أفضل المحقّقين: «هذا ممتنع عند الحكماء، لأنّهم يقولون «الواحد من حيث هو واحد لا يكون مصدراً لأكثر من واحد».

وقوله: «وسائر النعوت واجبة لوجوب تلك الهوية» معناه أنّ صفاته المتكثّرة ممكنة لذواتها، فالواحد لا يكون إلاّ الذات، مع أنَّها مع الوحدة لا تكون أيضاً واحدة، ومع الصفات تكون كثيرة وهذا ليس ممّا ذهب إليه الحكماء ولا المتكلّمون، إلاّ الأشاعرة، كما سيجي شرحه.

وقوله: «الوحدة حصّة لتلك الهويّة وإذا أُخذت مع الوحدة لم تبق واحدة» يجري مجرى قول من يقول: «إذا علم الإنسان الواحد، كان ذلك الواحد مع علمه به اثنين، فإنّ الوحدة هي تعقّل العقل لعدم (4) انقسام تلك الهويّة» (5).


1 . وفي بعض نسخ المصدر «ماهية الشيء» بدل «ما ثبت للشيء».
2 . نقد المحصل: 103.
3 . ق: «بوجوب».
4 . ق: «بعدم».
5 . نقد المحصل: 103.


(109)

الفصل الثالث:

في مباحث الإمكان (1)

البحث الأوّل:

الممكن له أمران: أحدهما: أنّه ليس له في ذاته اقتضاء الوجود ولا اقتضاء العدم، وهو اعتبار مغاير لاقتضاء العدم، فإنّ اقتضاء العدم يُدخله في الممتنع، بخلاف عدم اقتضاء الوجود والعدم.

والثاني: احتياجه في وجوده وعدمه إلى الغير، وهذا الاعتبار الثاني معلول للأوّل.

وبينهما فرق، فإنّا إذا حكمنا على شيء بالحاجة إلى الغير طلب العقل لذلك علّة، فإن علّل بعدم اقتضاء الوجود والعدم قنع بذلك. وإنّما يصحّ التعليل لو


1 . انظر البحث في المحصل ونقده :104 وما بعدها ; المباحث المشرقية 1:207;والمواقف: 71 ـ 74; كشف المراد: 76ـ77.


(110)

تغاير الاعتباران، ولأنّ عدم اقتضاء ذاته للوجود والعدم اعتبار حاله (1) من حيث هو مع قطع النظر عن وجود غيره وعدمه، وأمّا تعلّقه بالغير وتوقّفه عليه فذلك اعتبار حاله بالنسبة إلى الغير (2).

البحث الثاني: في أقسامه (3)

الإمكان بالنسبة إلى الضرورة، كالعدم بالنسبة إلى الحقيقة. ولما كانت أقسام العدمات تابعة لأقسام الملكات، كان الإمكان تابعاً للضرورة في التقسيم. ولما كانت الضرورة إمّا ذاتية أو غير ذاتية. والذاتية إمّا بالنظر إلى الوجود أو بالنظر إلى العدم، كان سلبها كذلك.

فالإمكان وضِعَ في اللغة بازاء سلب الضرورة، فإن سلب ضرورة الوجود، كان إمكاناً عاماً سلبياً، وإن سلب ضرورة العدم، كان إمكاناً عاماً إيجابياً، وإن سلب الضرورتين معاً، كان إمكاناً خاصاً. وإن سلب الضرورة الذاتية والمشروطة، كان إمكاناً أخصّ. وإن أُخِذَ ذلك باعتبار المستقبل كان إمكاناً استقبالياً.

فالإمكان العام، إن أُخِذَ بالنظر إلى الوجود، كان ممكن الوجود هو «الذي لا يمتنع وجوده» وهو يشمل أمرين: وجوب الوجود، وإمكان الوجود والعدم.

وإن أُخِذَ بالنظر إلى العدم، كان ممكن العدم هو «الذي لا يجب وجوده» وهو يشمل أمرين: وجوب العدم أعني الممتنع، وإمكان الوجود والعدم.


1 . ق : «حالة» والصواب ما أثبتناه في المتن من نسخة: م.
2 . فظهر الفرق بين اعتبار الشيء من حيث هوهو واعتباره من حيث تعلّقه بالغير، ففي الأوّل اعتبار الشيء وحده وفي الثاني اعتباره مع غيره. راجع المباحث المشرقية1:207.
3 . لاحظ تفصيل الكلام في شرح الإشارات 1: 151 وما بعدها ; الأسفار 1/149ـ 154، الفصل السابع «في استقراء المعاني التي يستعمل فيها لفظ الإمكان» .


(111)

والأشياء بحسب هذا الاعتبار قسمان: ممكن، وضروري مقابل له.

وأمّا الإمكان الخاص، فإنّه يقابل الضرورتين معاً.

والأشياء بحسبه ثلاثة: واجب، وممتنع، وممكن خاص. ويصدق عليه الإمكان باعتبارين أحدهما: دخوله تحت الأوّل. والثاني: الوضع بازائه.

واعلم: أنّ الإمكان عند الأوائل يقال بالاشتراك اللفظي على معنيين.

أحدهما: ما يقابل الامتناع، وهو الإمكان الراجع إلى الماهية، وهو عندهم صفة عقليّة يوصف بها كلّ ما عدا الواجب والممتنع من المتصوّرات (1).

والثاني: الاستعداد وهو عندهم صفة موجودة من جملة أنواع مقولة الكيف، عرضي غير باق بعد وجود المستعد إلى (2) الفعل.

البحث الثالث: في أنّ الإمكان العام سلبي (3)

الحقّ: أنّه اعتبار عقليّ، لا تحقّق له في الأعيان وإلاّ لزم التسلسل، واللازم باطل، فالملزوم مثله.

بيان الشرطية: أنّ كل ثابت، فإمّا واجب أو ممكن، فلو كان الإمكان ثابتاً، لكان أحدهما، فيكون له إمكان(4) آخر، إذ نسبة وجوده إليه لا يخلو عن هاتين الكيفيتين.

ولأنّ صحّة وجود الماهية سابقة على حصوله، فتلك الصحّة لو كانت صفة ثبوتية، لكان ثبوت الصفة الثابتة للشيء سابقاً على ثبوت الشيء في نفسه.


1 . ويسمّى بـ«الامكان الذاتي».
2 . كذا.
3 . أُنظر البحث في المباحث المشرقية 1: 211.
4 . ق: «موجود».


(112)

ولأنّه محمول على الممكن الخاص الذي يجوز أن يكون معدوماً، وما يجوز حمله على العدم كان عدمياً، فالإمكان العام عدميّ.

ولأنّ المفهوم منه سلب الضرورة، وسلب الضرورة داخل تحت مطلق السلب.

ولأنّ إمكان الوجود هو بعينه إمكان العدم، إذ مفهومه واحد فيهما (1)، وإمكان العدم عدمي، لاتّصاف العدم به، فيكون إمكان الوجود كذلك.

احتجّ المخالف: بأنّه نقيض الامتناع العدمي، فيكون ثبوتيّاً.

والجواب، كما أنّه نقيض الامتناع باعتبار، فكذا هو نقيض الوجوب (2) باعتبار، فيكون عدميّاً.

والحق: أنّه اعتبار عقلي وحكم ذهني يتعلّق بنسبة المحمول إلى الموضوع.

واعلم: أنّه كما أنّ الإمكان العام ليس بثبوتي، فكذا ليس بجنس وهو ظاهر، فإنّ العدمي لا يقوّم غيره. وقد بيّنا أنّه أمر اعتباري.

ولأنّه لو كان جنساً لكان امتياز الواجب عن الممكن بفصل، فيكون الواجب مركّباً.

البحث الرابع: في أنّ الإمكان الخاص (3) سلبي

أكثر الأوائل على أنّ الإمكان الخاص ثبوتي، واحتجّ «ابن سينا» عليه: بأنّه لو كان عدميّاً لما بقي فرق بين قولنا: لا إمكان له،و بين قولنا: إمكانه عدميّ، لعدم الامتياز في العدميّات، ولمّا كان الفرق ثابتاً وجب أن يكون الإمكان ثبوتيّاً .


1 . ق:«منها».
2 . ق: «الوجود».
3 . قد حمله بعض على الامكان الذاتي، وآخرون على الامكان الإستعدادي، ولذا وقع في الأدلة والمباحث خلط بين الامكانين، فراجع شرح الاشارات، نمط«الصنع والإبداع».


(113)

وهذه الحجّة عظيمة الاختلال، فإنّ الملازمة كاذبة، لأنّ الفرق واقع في العدميّات، كالوجوديّات، ومنقوضة بالامتناع، فإنّ الحجّة التي ذكرها في الإمكان، آتية في الامتناع، إذ لقائل أن يقول: لو لم يكن الامتناع ثبوتياً لم يبق فرق بين قولنا: لا امتناع له، وبين قولنا: امتناعه عدميّ، ولمّا لم يدلّ ذلك على ثبوت الامتناع، فكذا الإمكان (1).

ثمّ الذي يدلّ على كونه عدميّاً وجوه:

الوجه الأوّل: لو كان الإمكان ثبوتياً لزم التسلسل، أو وجوب الممكن لذاته، والتالي باطل بقسميه، فكذا المقدّم (2).

بيان الشرطية: أنّه لو كان ثابتاً، لكان قد شارك غيره من الموجودات في الوجود، وامتاز عنها بخصوصيّة، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فيكون وجوده زائداً على ماهيته، فاتّصاف ماهيّته بوجوده إمّا أن يكون واجباً أو ممكناً.

فإن كان واجباً لزم كون الممكن الموصوف بالإمكان أولى بالوجوب، لأنّ شرط الواجب لذاته واجب. ولأنّ وجوب الإمكان غير معقول.أمّا أوّلاً: فلأنّه صفة والصفة لا تعقل قائمة بذاتها، بل قائمة بغيرها، فلا يعقل وجوبها.وأمّا ثانياً: فلأنّه أمر نسبي لا يعقل إلاّ بعد ثبوت منتسبيه.

وإن كان ممكناً كان له إمكان زائد على ماهيته، لأنّه نسبة بين ماهيته ووجوده (3) والنسبة مغايرة للمنتسبين وهو ثبوتي، فيكون له إمكان آخر ويتسلسل. وأمّا بطلان التالي فظاهر.


1 . أُنظر الجواب والوجوه التالية في المباحث المشرقية 1: 212ـ214. ثم أُنظر المناقشة في بعضهما في حكمة العين 146 وما بعدها.
2 . أُنظر الوجه والجواب عليه في شرح الإشارات 3: 104 ـ 105.
3 . ق: «ووجوده» ساقطة.


(114)

اعترضه أفضل المحقّقين:« بأنّ الإمكان أمر عقلي، فمهما اعتبر العقل للإمكان ماهية ووجوداً، حَصَلَ فيه إمكان امكان وانقطع عند انقطاع الاعتبار. فإنّ كون الشيء معقولاً ينظر فيه العقل ويعتبر وجوده ولا وجوده، غير كونه آلة للعاقل، ولا ينظر فيه من حيث ينظر فيما هو آلة لتعقّله، بل إنّما ينظر به، مثلاً العاقل يعقل السماء بصورة في عقله، ويكون معقوله السماء، [و] (1) لا ينظر حينئذ في الصورة التي بها يعقل السماء، ولا يحكم عليها بحكم، بل يعقل أنّ المعقول بتلك الصورة هو السماء وهو جوهر.ثمّ إذا نظر في تلك الصورة، أي يجعلها معقولاً (2)منظوراً إليها، لا آلة في النظر إلى غيرها، وجدها عرضاً موجوداً في محلّ هو عقله ممكن الوجود (3). وهكذا «الإمكان» هو كآلة للعاقل بها يعرف حال الممكن في أنّ وجوده كيف يعرض لماهيته، ولا ينظر في كون الإمكان موجوداً أو غير موجود، أو جوهراً أو عرضاً أو واجباً أو ممكناً.ثمّ إن نظر في وجوده أو إمكانه أو وجوبه أو جوهريّته أو عرضيّته، لم يكن بذلك الاعتبار إمكاناً لشيء، بل كان عرضاً في محلّ هو العقل، وممكناً في ذاته، ووجوده غير ماهيته. وإذا تقرّر هذا، فالإمكان من حيث هو إمكان لا يوصف بكونه موجوداً أو غير موجود أو ممكناً أو غير ممكن. وإذا وُصِفَ بشيء من ذلك لا يكون حينئذ إمكاناً، بل يكون له إمكان آخر»(4) .

وهذا الكلام على طوله لا يفيد مطلوبه، بل هو تسليم لما قلناه، فإنّه إذا كان أمراً عقلياً كان عدمياً في الخارج لا تحقّق له فيه، وهو المراد.


1 . ما بين المعقوفتين من المصدر .
2 . كذا.
3 . وهكذا ورد في تفسير حقيقة الدنيــا وذمّها «من أبصر بها بصّـرته ومن أبصر إليها أعمته» خذ واغتنم، نهج البلاغة خطبة 82.
4 . نقد المحصل: 107 ـ 108;شرح الاشارات 3: 104ـ 105.


(115)

ثمّ قوله: «إذا اعتبر العقل للإمكان ماهيةً ووجوداً حصل فيه إمكان امكان»، إن قصد بذلك ثبوت وجود خارجي لزم التسلسل، ولم يكن اعتباراً عقليّاً، وهو ضد ما قاله أوّلاً. وإن قصد بذلك ثبوت وجود ذهني، فهو مسلّم، ونحن لا نتنازع في الثبوت الذهني. وإن قصد أنّه موجود في الخارج باعتبار كونه ثابتاً في الذهن ويعرض له حينئذ إمكان آخر ذهني، فهو تسلّم (1) لما قلناه أيضاً.

الوجه الثاني: لو كان الإمكان ثبوتياً لزم أحد محالات أربعة: إمّا كون الإمكان جوهراً، أو قيام الموجود بالمعدوم، أو قيام الصفة بغير الموصوف، أو سبق الوجود على الإمكان، والكلّ باطل، فالمقدم كذلك.

بيان الشرطية: أنّ الإمكان الثابت للحادث إمّا أن يثبت قبل وجوده أو لا. فإن كان الثاني، لزم سبق الوجود على الإمكان. وإن كان الأوّل، فإمّا أن يكون قائماً بذاته فيكون جوهراً، إذ لا معنى للجوهر إلاّ المستغنى في وجوده عن محلّ يقومبه.(2) وأمّا أن يكون قائماً بغيره، فذلك الغير إمّا الموصوف، فيلزم قيام الموجود بالمحلّ المعدوم، أو غيره (3)، فيلزم قيام الصفة بغير موصوفها. وأمّا بطلان الأقسام فظاهر، فإنّ الإمكان أمر نسبي يتوقّف على ثبوت المنتسبين، فلا تعقل جوهريّته وقيامه بذاته واستقلاله بالوجود عن محلّه. والضرورة قاضية بسبق الإمكان على الوجود، فإنّ الشيء يمكن أن يوجد، ثمّ يوجد بفاعله. ولا يصحّ أن يقال: يوجد، ثمّ يمكن وجوده. ولو جوّزنا قيام الموجود بالمعدوم، لجوّزنا كون الأجسام عدمية، لأنّ المشاهد منها ليس إلاّ الأعراض، وذلك عين السفسطة. ولو جوّزنا قيام الصفة بغير الموصوف، لجوّزنا أن يكون زيد عالماً قادراً ذا لون مخصوص وكم


1 . م: «مسلّم».
2 . ق و ج:« يقوّمه».
3 . في جميع النسخ: «بغيره»، و أصلحناه طبقاً للمعنى و السياق.


(116)

مخصوص بعلم وقدرة ولون ،وكم قائمة بالغير، وذلك ظاهر البطلان.

اعترضه أفضل المحقّقين (1) بأنّ «إمكان الشيء قبل وجوده حالّ في موضوعه»، فإن معناه كون ذلك الشيء في موضوعه بالقوّة، وهو صفة للموضوع من حيث هو فيه، وصفة للشيء (2) من حيث هو بالقياس إليه. فبالاعتبار الأوّل يكون كعرض في موضوع، وبالاعتبار الثاني يكون كإضافة لمضاف إليه (3)، ولمّا لم يكن وجود مثل هذا الشيء إلاّ في غيره لم يمتنع أن يقوم إمكانه أيضاً بذلك الغير»(4). ولأنّ الإمكان صفة للمتصوّر المستند إلى الوجود الخارجي، والشيء حال عدمه يكون متصوّراً، فيكون موصوفاً بالإمكان.

والجواب: أنّ موضوع الشيء مغاير له، فلا يعقل قيام صفة الشيء به.

اللّهم إلاّ أن يقول: إنّ الموضوع لمّا كان محلاّ ً للشيء كان محلاّ ً لصفاته، فنقول حينئذ يستحيل قيام تلك الصفات بذلك الموضوع بالاستقلال، وإنّما تقوم به (5) تبعاً لقيام موصوفها به، لكن قيام موصوفها به يستدعي وجوده، فيلزم أن يكون قبل وجوده لا صفة له في موضوعه.

ثمّ قوله: «إنّه صفة للموضوع من حيث هو فيه، وصفة للشيء (6) من حيث هو بالقياس إليه» ضعيف; فإنّ الشيء الواحد لا يمكن أن يكون وصفاً لأمرين


1 . لا يغفل عن محط النظر في كلمات الطوسي وهو الإمكان الاستعدادي، وقد تبتني عليه أكثر أجوبته في هذا البحث.
2 . ق وج: «الشيء».
3 . ق وم:«المضاف إليه». وما أثبتناه في ج والمصدر.
4 . ولابدّ من التوجّه إلى أنّ هذا الغير ليس أجنبيّاً، شرح الإشارات 3: 106، وقوله: «ولأنّ الإمكان الخ» غير موجود فيه.
5 . ق: «له».
6 . ق: «الشيء».


(117)

متغايرين، بل إنّما هو صفة للمنسوب إليه، فلا يعقل قيامه بالاستقلال في موضوعه.

وقوله: «ولمّا لم يكن وجود مثل هذا الشيء إلاّ في غيره، لم يمتنع أن يقوم إمكانه أيضاً بذلك الغير» ضعيف; لأنّ إمكانه إنّما يقوم بذلك الغير تبعاً لقيامه بذلك الغير كما بيّنا. ثمّ تخصيص الإمكان بالقائم بالغير ممنوع، فإنّ كل حادث على الإطلاق يسبقه إمكان حدوثه.

لا يقال: الحوادث منحصرة في الصور والأعراض والمركّبات.

لأنّا نقول: سيأتي بطلان ذلك في باب الحدوث إن شاء اللّه تعالى.

وقوله: «الإمكان صفة للمتصوّر المستند إلى[الوجود] الخارجي، والشيء حال عدمه يكون متصوّراً، فيكون موصوفاً بالإمكان» تسليم (1) للمنازع، فإنّا ما سعينا إلاّ لإثبات كون الإمكان أمراً اعتبارياً لا تحقّق له في الخارج.

الوجه الثالث: لو كان الإمكان ثبوتياً لزم تأخّر الشيء عن المتأخّر عنه، والتالي باطل بالضرورة، فالمقدم مثله.

بيان الشرطية: أنّ الإمكان أمر إضافي، متوقّف وجوده على وجود مضافيه، فيكون متأخراً عن ثبوت الماهية والوجود، فيكون الوجود المتأخّر عن الإمكان متقدّماً عليه، هذا خلف (2).

اعترضه أفضل المحققين: بأنّ الإمكان من حيث كونه صفة إضافية إنّما يتحقّق عند ثبوت المضافين (3)، ولكن يكفيه ثبوتهما في العقل، ولا يجب من ذلك تقدمهما عليه في الخارج، لكنّه من حيث تعلّق معروضيه الثابتين في العقل بأمر


1 . م: «مسلّم»، و هو خطأ.
2 . المباحث المشرقية 1:214; شرح الإشارات 3: 106ـ 107.
3 . وفي المصدر: «المتضائفين».


(118)

وجوديّ في الخارج يستدعي لا محالة موضوعاً موجوداً في الخارج (1).

وليس بجيّد، فإنّ الإضافات تابعة لوجود المضافات، فإذا كانت الإضافة ثابتة في الخارج، وجب ثبوت مضافها فيه.وإذا ثبت المضافان في العقل استحال ثبوت الإضافة في الخارج، فلا يكون للإمكان ثبوت في الخارج، بل في العقل، وهو المطلوب.

قوله: «لكن من حيث تعلّق معروضيه الثابتين في العقل بأمر وجودي في الخارج، يستدعي لا محالة موضوعاً موجوداً في الخارج» ضعيف، فإنّ معروضيه هما الماهية والوجود، وهما عقليان على ما فرضهما، فكيف يتعلقان بأمر خارجي قبل وجودهما فيه.

الوجه الرابع: لو كان الإمكان ثبوتياً لزم تسلسل المواد وثبوت المادة للمجرّدات، والتاليان باطلان، فالمقدم كذلك (2).

بيان الشرطية: أنّ الصور والأعراض كما أنّها ممكنة، كذلك المواد والنفوس والعقول ممكنة أيضاً، فإن استدعى الإمكان الأوّل موضوعاً، استدعى الثاني.

اعترضه أفضل المحقّقين: بأنّ كلّ إمكان فهو بالقياس إلى وجود. والوجود إمّا بالعرض كوجود الجسم أبيض (3) ، أو بالذات كوجود البياض. أمّا الإمكان بالقياس إلى وجود بالعرض (4)، فهو يكون للشيء بالقياس إلى وجود شيء آخر له، أو بالقياس إلى صيرورته موجوداً آخر، كما يقال: الجسم يمكن أن يكون أبيض،


1 . شرح الإشارات 3: 107.
2 . المصدر نفسه، وقد نشأ الإشكال من الخلط بين الإمكانين الذاتي والاستعدادي.
3 . في المصدر: «الأبيض» وهو من خطأ الناسخ. فيقال: إمكان وجود الجسم أبيض، بقياس الإمكان إلى وجود بالعرض.
4 . م:«العرض».


(119)

أو يوجد له البياض، أو يقال: الماء يمكن أن يصير هواء، والمادة يمكن أن تصير موجودة بالفعل (1). وظاهر: أنّ جميع هذه الإمكانات محتاجة إلى موضوع موجود معها، وهو محلّها (2) .وأمّا الإمكان بالقياس إلى وجود بالذات، فيكون للشيء بالقياس إلى وجوده. ولا يخلو إمّا أن يكون ذلك الشيء ممّا يوجد في موضوع، أو مادّة، (3) أو مع مادّة (4)، كما يقال: البياض يمكن أن يوجد أو يكون، وكذلك الصورة والنفس. وحكم هذا الإمكان في الاحتياج إلى موضوع حكم القسم الأوّل(5)، ويكون موضوعه حامل وجود ذلك الشيء. وأمّا ما لا يكون كذلك، بل يكون ذلك الشيء قائماً بنفسه، لا علاقة له بشيء من الموضوع والمادة، فإنّه لا يكون محدثاً، وإلاّ لسبقه إمكانه. ولا يمكن أن يتعلّق بموضوع دون موضوع، إذ لا علاقة له بشيء. فإمكانات الحوادث تكون قبل وجودها، ويعبّـر عنها بالقوّة، فيقال: هذه الموجودات في موادّها بالقوّة، وهي تختلف بالبُعد والقُرب، ويزول عنها مع خروج الوجودات (6)من القوّة إلى الفعل. وإنّما يقع اسم الإمكان عليها بالتشكيك. وأمّا إمكان (7)الموجودات الممكنة في أنفسها، فهي أُمور لازمة لماهيّاتها عند تجرّدها عن الوجود والعدم بالقياس إلى وجوداتها، وكذلك الوجوب والامتناع.

فقد ظهر الفرق بين الإمكانين عند تعلّقهما بما في الخارج، وأنّ إمكان مثل


1 . والمادة قبل انطباع الصورة فيها تكون بالقوّة بالنسبة إليها.
2 . عبّـر بـ «المحلّ» لأنّه إسم مشترك بين الموضوع للعرض، والمادة للصورة.
3 . في المصدر: «أو في مادة».
4 . وهي النفس التي ليست منطبعة في المادة كالصورة، ولذا قال:«مع مادّة».
5 . أي الإمكان بالقياس إلى وجود بالعرض.
6 . في المصدر: «الموجودات».
7 . هذا هو الإمكان الذاتي، وما مرّ في عباراته السابقة هو الإمكان الاستعدادي.


(120)

هذه الأشياء المجرّدة صفة لماهيّاتها المجرّدة عن الوجود والعدم في العقل، وهي من حيث ثبوتها في العقل موضوع. والإمكان بهذا الإعتبار، كعرض في موضوع، وهو أيضاً صفة لوجوداتها، ويكون بهذا الإعتبار كاضافة لمضاف إليه(1).

والجواب: قد بيّنا ضعف حلول إمكان الشيء في موضوعه، للتغاير بينالموضوع والحال، إلاّ على سبيل التبعيّة، وحينئذ يلزم المحذور الذي فرّ منه(2).

وقوله (3): «ما لا يكون كذلك لا يكون محدثاً وإلاّ لسبقه إمكانه».

قلنا: الإمكان سابق إمّا بالزمان أو بالذات قطعاً، لكن لا في الخارج، لما بيّنا من كون الإمكان أمراً اعتبارياً، وجعل الإمكان واقعاً بالتشكيك لا يفيده شيئاً (4) على تقدير ثبوته. وباقي كلامه سبق جوابه.

الوجه الخامس: لو كانت الإمكانات ثبوتية لزم وجود ما لا يتناهى دفعة مع ترتيب عقلي، والتالي باطل ـ لما سيأتي في بطلان التسلسل ـ فالمقدم مثله.

بيان الشرطية: أنّ الحوادث غير متناهية في المستقبل، فتكون لها إمكانات لا تتناهى، ولمّا كانت الحوادث مترتبة ترتّبت (5) إمكاناتها، وهو محال. ثمّ نقول هذه الإمكانات لا يمكن اجتماعهـا، فإنّ الإمكـان ـ من حيث طبيعـة الإمكـانـ لا تختلف أفراده، و من حيث المادة الحاملة لها لم تختلف، فليس اختلاف الإمكانات الغير المتناهية إلاّ لاختلاف ما هي امكاناته، وهي الحوادث المعدومة، ويستحيل


1 . م: «بمضــاف إليه». انتهى كلام الطوســي، شــرح الإشــارات 3: 99ـ 108، مع تلخيص العبارات.
2 . م: «فرضه».
3 . أي قول الطوسي الذي مرّ آنفاً.
4 . ق: «يفيد شيئاً».
5 . ق:«ترتيب» و هو من خطأ الناسخ.


(121)

امتياز الإمكانات بالإضافة إلى أشياء معدومة، ولا يمكن امتيازها باعتبار الذهن، فإنّ الأشياء المتحصلة في الأعيان يجب امتيازها بأُمور عينية لا ذهنية.

ونقول أيضاً: هذه الإمكانات التي لا تتناهى إذا كانت حالّة في مادّة، وقسمناها بنصفين، فإن بقى في كلّ واحد إمكانات غير متناهية هي بعينها الإمكانات الأُولى لزم قيام الشيء الواحد بمحلّين، وهو غير معقول. وإن حدث في كلّ واحد منهما إمكانات أُخر غير متناهية، احتاجت عندكم إلى إمكانات أُخر غير متناهية. وإن بقي في كلّ واحد منهما إمكانات متناهية، كان المجموع متناهياً. ولو كانت الإمكانات ثبوتية، لكانت إمّا غنية عن المؤثّر أو محتاجة إليه، والقسمان باطلان، فالمقدم باطل.

بيان استحالة الأوّل: أنّ كلّ موجود لا يكون واجب الوجود فهو محتاج إلى السبب.

وبيان استحالة الثاني: أنّ المؤثّر إمّا تلك الماهية أو شيء آخر، والثاني محال، لأنّ الأمر الخارجي لا يعطي صفة للشيء إلاّ بعد أن يكون ذلك الشيء قابلاً لها، فإذن هذه الإمكانات إنّما تفيض عن واهبها بعد أن تكون الماهية قابلة لها، وذلك القبول هو الإمكان، فقبل الإمكان إمكان آخر، ويتسلسل إلى أن ينتهي إلى إمكان لا يحصل من الفاعل الخارجي، والأوّل محال، أمّا أوّلاً: فلاستحالة كون الشيء قابلاً وفاعلاً معاً عندهم. وأمّا ثانياً: فلأنّ العلّة متقدمة على المعلول في الوجود، فلو كانت الماهية علّة لوجود الإمكان لكانت الماهية موجودة قبل وجود إمكانها، وهو باطل. وأمّا ثالثاً، فلأنّ الإمكان سابق على الوجود، فيلزم وجود الوصف قبل وجود الموصوف، وهو باطل.

Website Security Test