welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : نهاية المرام في عـلم الكــلام/ ج 1*
نویسنده :نابغة عصره وفريد دهره العلامة الحلّي*

نهاية المرام في عـلم الكــلام/ ج 1

(66)

البحث الثالث: في تفصيل قول المعتزلة في هذا الباب (1)

ذهب جماعة من معتزلة البصرة «كأبي يعقوب الشحّام» و «أبي علي الجبّائي» وابنه «أبي هاشم» و«أبي الحسين الخيّاط» و «البلخي» و «أبي عبد اللّه البصري» و«أبي إسحاق بن عيّاش» و «قاضي القضاة عبد الجبار» و تلامذته، إلى أنّ المعدومات الممكنة قبل وجودها ذوات وأعيان وحقائق ثابتة في أنفسها، جواهر وسواد وبياض وغير ذلك، وأنّه لا تأثير للّه تعالى في جعل الذوات ذواتاً والجوهر جوهراً وغير ذلك، بل إنّما يؤثر في جعل تلك الذوات موجودة. واتفقوا على أنّ تلك الذوات متباينة بأشخاصها، وأنّ الثابت من كلّ نوع من تلك الذوات المعدومة عدد غير متناه، فللجوهر أشخاص هي جواهر متساوية غير متناهية، وكذا السواد له جزئيات متماثلة غير متناهية، وكذا البياض وغيرها من الأنواع. واتفقوا كافة على أنّ تلك الذوات المعدومة متساوية في كونها ذوات، وأنّ الاختلاف بينها إنّما هو بصفات.

ثمّ اختلفوا، فذهب أكثرهم إلى أنّ تلك الذوات المعدومة موصوفة بصفات الأجناس كالجوهرية في الجوهر، والسوادية في السواد، والبياضيّة في البياض، وزعم «ابن عيّاش» أنّها عارية عن جميع الصفات في العدم وإنّما تحصل الصفات في زمان الوجود.

أمّا القائلون بالصفات، فزعموا أنّ صفات الجوهر، إمّا أن تعود إلى الجملة، كالحيّية وما يكون مشروطاً بها (2)، أو إلى الأفراد وهي أربع:


1 . انظر مقالات الإسلاميين: 158 وما بعدها ; أوائل المقالات: 98; المحصّل، وذيله: 83 ـ 85; المواقف: 56 ـ 57.
2 . والصفات المشروطة بالحياة هي الاعتقادات والظنون والأنظار والقُدَر والشهوات والنفارات والآلام والإرادات والكراهات، وهي مع الحياة عشرة والموت عند أبي علي أيضاً منها. نقد المحصل: 84.


(67)

الأُولى:الجوهرية: وهي حاصلة حالتي الوجود والعدم وهي الصفة النفسيّة.

الثانية: التميّز(1) : وهي الصفة التابعة للحدوث الصادرة عن صفة الجوهرية بشرط الوجود، ولأجلها يحتاج إلى حيّز، وهي في الحقيقة الصورة الجسمية عند الأوائل، وهي مغايرة للكائنية المعلَّلة بالحصول في الحيّز ، مثل كون الجوهر متحرّكاً أو ساكناً أو مجتمعاً أو متفرّقاً، وهي معلّلة بالأكوان التي هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق بشرط الوجود.

الثالثة: الوجود: وهي الصفة الحاصلة بالفاعل.

الرابعة: الحصول في الحيّز، ويسمّى الكائنية: وهي الصفة المعلّلة بالمعنى القائم بالجوهر، وذلك المعنى هو الكون وليس للجوهر الفرد صفة زائدة على هذه الأربع، فليس له لكونه أسود أو أبيض، أو حلواً أو حامضاً، أو حارّاً، صفة معلّلة بمعنى، بل لا معنى لكونه أسود، إلاّ حلول السواد فيه.

وكذا القول في كلّ عرض غير مشروط بالحياة، وأمّا ما هو مشروط بالحياة أو الحياة نفسها، فإنّها توجب أحوالاً، فإنّ الحياة توجب لمن قامت به الحيّية، وهي حالة لا موجودة ولا معدومة معلّلة بالحياة، وكذا العالمية صفة للجوهر العالم لا موجودة ولا معدومة معلّلة بالعلم. أمّا السواد إذا قام بالمحل فإنّه لا يوجب حالة هي صفة لمن قامت به، بل معنى كونه أسود قيام السواد به، لا أنّه حصل له صفة السوادية معلّلة بقيام السواد به، إلاّ الكائنية فإنّها حالة معلّلة بالكون. وأمّا الأعراض، فلا صفة قائمة بها عائدة إلى الجملة، فإنّها لا تتركب عنها بِنية تقوم بها الحياة.

وأثبتوا ثلاث صفات عائدة إلى الآحاد:

الأُولى: الصفة الذاتية الحاصلة حالتي الوجود والعدم، وهي صفات


1 . ج و م:«التحيّز».


(68)

الأجناس كالسوادية والبياضية، وهي الصفة النفسية.

الثانية: الصفة الصادرة عن (1) صفات الأجناس، وهي الحلول في المحلّ بشرط الوجود.

الثالثة: صفة الوجود الحاصلة بالفاعل، فإنّ الفاعل لا يعطي حقيقة السواد، بل وجوده.

ولا يعقل صفات المعاني في الأعراض لاستحالة قيام المعنى بالمعنى. وقد نازع بعضهم في هذا التفصيل في أربعة مواضع.

الأوّل: ذهب «أبو يعقوب الشحّام» و «أبو عبد اللّه البصري» و «أبو إسحاق بن عيّاش» إلى أنّ الجوهرية هي التحيّز. ثمَّ اختلفوا فقال «الشحّام» و«البصري»: إنّ ذات الجوهر كما أنّها موصوفة بالجوهرية حالة العدم، فهي موصوفة بالتحيّز.

ومنع «أبو إسحاق بن عيّاش» من ذلك، وقال: إنّ الجوهر حال العدم كما يمتنع اتّصافه بالتحيّز، كذا يمتنع اتّصافه بالجوهرية، فلهذا أثبت الذوات خالية عن جميع الصفات.

واختلف «الشحّام» و «البصري»، فزعم «الشحّام» أنّ الجوهر حال عدمه حاصل في الحيّـز، موصوف بالمعاني حال عدمه، فأُلزم بإثبات رجل (2) معدوم على فرس معدوم يقاوم (3) العالَم، فالتزم به. قال «الجويني»: هذا قول بقدم العالم إلاّ أنّه لم يصرّح به، وقد كفّره المعتزلة بهذا القول، حتّى أنّ الجبّائيين كفّراه بذلك.

وقال «البصري»: إنّ الشرط في كون المتحيّز حاصلاً في الحيّز هو الوجود، فالجوهر قبل الوجود موصوف بالتحيّز، لكنّه غير حاصل في الحيّز.


1 . ق: «السايرة على».
2 . كذا في نسخة: م و ج وهي مطموسة في نسخة : ق.
3 . كذا في النسخ.


(69)

قال «الشحّام»: وصف الجوهر بكونه متحيّزاً مع أنّه غير حاصل في الحيز محال، ولو جاز ذلك لجاز وصف الذات بكونها عالمة وإن لم يحصل لها العلم.

قال «ابن عياش»: لو كان الجوهر موصوفاً بالجوهرية التي هي التحيّز لكان حاصلاً في الحيّز والتالي باطل فكذا المقدّم، فلهذا أثبت الذات خالية عن الجوهرية (1).

ونقل عن «الكعبي»(2) : أنّ المعدوم شيء، ولكنّه ليس بجوهر ولا عرض حالة العدم. وهذا راجع إلى مذهب «ابن عيّاش» لأنّه إن أثبت الذوات في العدم خالية عن الصفات، فهو قول «ابن عيّاش»، وإن لم يثبتها كان نزاعاً في اللفظ حيث سمّى المعدوم شيئاً.

الثاني: اتفق الكل إلاّ «أبا عبد اللّه البصري» على أنّه ليس للمعدوم بكونه معدوماً صفة. وقال «البصري»: إنّ له صفة بكونه معدوماً وهو خطأ; لأنّ علّتها إن كان الذات دام عدمها، هذا خلف، وإن كان غيرها، فإمّا مختار فتكون المعدومية متجدّدة، هذا خلف، أو موجب فتدوم المعدوميّة، وهو محال.

الثالث: اتفقوا على أنّ الجواهر المعدومة لاتوصف بأنّها أجسام حال العدم، إلاّ «أبا الحسين الخيّاط»، فإنّه قال به وكذا «الشحّام».

الرابع: اتفقوا على أنّ بعد العلم بأنّ للعالم صانعاً عالماً قادراً حيّاً حكيماً مرسلاً للرسل، يمكننا الشك في أنّه هل هو موجود أم لا؟ إلى أن نعرف بالدليل، لأنّهم جوّزوا اتّصاف المعدوم بالصفات، فلابدّ من دلالة منفصلة على وجوده تعالى بعد العلم بكونه موصوفاً بصفة العالمية والقادرية.

واتفق باقي العقلاء على إنكار ذلك، وأنّه جهالة، وإلاّ لزم الشك في وجود الأجسام، فإنّا لا نعلم إلاّ صفاتها كالحركة والسكون (3).


1 . وهي في المحصل للرازي «عن الصفات».
2 . في هامش ج:«و هو البلخي» ، و قد مرّت ترجمته آنفاً.
3 . أُنظر المحصل: 84 ـ 85.


(70)

واعلم أنّ ضرورة العقل قاضية ببطلان هذه المذاهب، وفسادها ظاهر غنيّ عن البرهان، ومع ذلك فلنذكر ما يبطل أقوالهم الفاسدة على نهج طرقهم.

فنقول: لو كان الجوهر جوهراً في العدم لكان متحيّزاً في العدم (1) ، والتالي باطل فالمقدم مثله.

بيان الشرطية: أنّه لو كان جوهراً حال العدم ولم يكن متحيّزاً، كان التحيّز صفةً مغايرةً له زائدةً عليه تثبت له بعد أن لم يكن ثابتة، والتالي باطل، فإنّ صفة التحيّز يستحيل ثبوتها إلاّ مختصّة بالجهة، وذات الجوهر بدون صفة التحيّز يستحيل اختصاصه بالجهة، وحصول ما يجب اختصاصه بالجهة لما يستحيل اختصاصه بالجهة محال بالضرورة، وإلاّ لجاز مثله في القديم وغيره، فيكون العالم حالاّ ً في ذاته، أو يكون ذات القديم مختصّة بصفة التحيّز، وكذا كلّ عرض من الأعراض يقتضي لذاتها صفة التحيّز، واقتضاء ذلك مشروط بشرط يتعلّق باختيار القادر، فيجوز أن يوجد في بعض الأوقات، فيصير ذات القديم أو ذات العرض متحيّزاً، ولمّا كان العلم باستحالة ذلك ضرورياً لا نظرياً، لما بيّنا من أنّ حصول ما يختص بالجهة لما لا يختص بالجهة محال، وذلك حاصل هنا، فيجب أن يستحيل ذلك.

وأيضاً الضد إذا طرأ على الضد كالسواد على البياض حتى نافاه، فإمّا أن تكون المنافاة بالحقائق التي يقع بها التضاد (2) أو بما هو زائد عليها وهو الوجود الذي ذهب الخصم إليه، لا جائز أن يكون بالوجود، لأنّه لا منافاة بين الوجودات، ولهذا يصحّ اجتماع كثير من الأعراض في محلّ (3) واحد، وإذا بطل أن تكون المنافاة التي بها يثبت التضاد بالوجود، والذي يثبت به التضاد هو الحقائق،


1 . ق و ج:«في العدم» ساقطة.
2 . ق: «الضد».
3 . م: «محل» ساقطة.


(71)

فإذا طرأ السواد على البياض فقد نافاه ولم يكن حينئذ حقيقة، فكان إفناؤه إفناء الحقيقة.

وأيضاً نفرض الكلام في نوع واحد من الأنواع، كالجوهر مثلاً فنقول: لا يجوز أن يكون في العدم جواهر متماثلة، سواء كانت متناهية أو غير متناهية، لأنّ ذلك إثبات للتعدّد في الذوات من غير فصل مميّز، فيكون محالاً .

أمّا الأوّل: فلأنّا فرضنا الكلام في نوع واحد لا تميّز لاحدى الذاتين عن الأُخرى، كالجوهرين والسوادين.

وأمّا الثاني: فالضرورة قاضية به، فإنّا نعلم في كل شخص بالضرورة أنّه واحد، ولو جاز إثبات شيئين لا يتميّز أحدهما عن الآخر لجوّزنا أن يكون له ثان، لكنّه لا يفصل عنه بفصل. ولأنّا إذا علمنا حقيقة الجوهر مطلقاً، ثم علمنا جوهراً معيّناً، فلا شكّ أنّه دخل في العلم الثاني معلوم العلم الأوّل، وإلاّ لم يكن علماً بحقيقة جوهر، فإن لم يدخل في الثاني أمر زائد على الأوّل مع أنّ الأوّل لم يكن علماً بجوهر معين، كان الثاني كذلك، وقد فرضناه علماً بحقيقة جوهر معيّـن، فيثبت أنّه دخل فيه أمر زائد لم يدخل في العلم الأوّل، وهكذا في كلّ فرد معيّـن من أفراد ذلك النوع، فوجب في الاثنينية أمر زائد لولا ذلك لم يتصوّر الاثنينية.

احتجّوا بوجوه:

أ: القادر يقدر على إيجاد الجوهر وغيره، فلابدّ له من تعلّق بالمقدور حتّى يصحّ منه إيجاده، فيجب أن يكون الجوهر ذاتاً في حال عدمه حتّى يكون متعلّقاً.

ب: التحيّز صفة تقتضيها صفة الذات في العدم، فلابدّ من إثبات الذات الموصوفة بالصفة الذاتية في العدم.وإنّما قلنا ذلك، لأنّ تحيّز الجوهر أمر متجدّد، فإمّا أن يتجدّد ذلك لأمر (1) أو لا لأمر، والثاني باطل، فصحّ أنّه لأمر، فذلك الأمر


1 . ق: «الأمر» والصواب ما أثبتناه في المتن من نسخة م و ج.


(72)

إمّا أن يكون مجرّد ذات الجوهر، أو صفة وجوده، أو حدوثه، أو وجود معنى فيه، أو عدم معنى عنه، أو فاعل، أو صفة ذاتية له، والكلّ باطل، إلاّ قولنا: المقتضي له هو الذات على صفة الجوهرية بشرط الوجود.

أمّا امتناع أن يكون ذلك الأمر ذاته أو وجوده أو حدوثه، فلأنّه لو كان كذلك للزم أن يكون كلّ ذات وموجود وحادث متحيزاً.

وأمّا امتناع أن يكون لمعنى، فلأنّه لابدّ من اختصاص ذلك المعنى، واختصاصه فرع على تحيّزه، لأنّه لا معنى للحلول إلاّ الحصول في الحيّز تبعاً لحصول محلّه فيه، فلا يجوز أن يكون تحيّزه فرعاً على المعنى، لاستحالة الدور.

وأمّا امتناع أن يكون لعدم معنى، فلأنّ المعدوم لا اختصاص له.

وأمّا امتناع الفاعل، فلأنّه لو كان بالفاعل لأمكنه أن يجعل الذات على صفات أجناس غير متناهية، بأن يجعل الذات الواحدة حركة سواداً متحيّزة، إلى غير ذلك من صفات الأجناس.

ثمّ لو طرأ بياض ليس بسكون ولا فناء لزم أن لا ننفيه من حيث هو حركة، وننفيه من حيث هو سواد، فيكون معدوماً موجوداً وهو محال.

وإذا بطلت الأقسام كلّها، سوى أن يكون المقتضي للتحيّز هو الذات على الصفة للذات، ولابدّ من أن يكون كذلك قبل الوجود، حتى يقتضي التحيّز حال الوجود، صحّ أنّه ذات وأنّه على صفة، وهو معدوم.

ج: لو كان الجوهر جوهراً بالفاعل وغيره من الأجناس، لما جاز أن يختص بعضها بصحّة البقاء عليها دون البعض، كالجوهر وكثير من الأعراض يصحّ عليها البقاء، والصوت لا يصحّ عليه البقاء، وكذا الإرادة والكراهة، فلولا أنّها مختلفة، وإلاّ لم يجب ذلك.


(73)

والجواب عن أ: القادر لا يقدر على إثبات ما هو ثابت في نفسه وهو الذات، وإلاّ لزم تحصيل الحاصل. وإنّما يقدر على إثبات ما ليس بثابت، وحينئذ يبطل أصل الدليل.

لا يقال: القادر لا يقدر على الذات، لاستحالة إثبات الثابت، ولا على أمر وراء الذات، لأنّ ما وراء الذات هي صفة الوجود، والصفة غير مقدورة ولا معلومة أصلاً ولا تبعاً، بل المقدور هو الذات على صفة الوجود.

لأنّا نقول: المقدور ليس هو الذات الثابتة في العدم ولا غيرها، لأنّه إن لم يكن ثابتاً صحّ مطلوبنا، من أنّ المقدور ليس بثابت، وإن كان ثابتاً لزم تحصيل الحاصل. ولا المجموع; لأنّه قول بإثبات الثابت مع التزام أنّه فعل مع ذلك غيره، وهو تسليم للقول بأنّ ما فعله لم يكن ثابتاً في العدم، وليس هناك قسم رابع يفهم من قولهم الذات على الوجود.

سلّمنا تعقله، لكنّا نقول: إذا كان متعلّق القادر هو الذات على الوجود، وتعلّق المقدور يقتضي ثبوته، لزم أن تكون الذات على صفة الوجود أمراً ثابتاً، حتّى يتعلّق بالقادر. وبالجملة فالتقسيم آت فيه، فإنّ متعلّق القادر إمّا أن يكون ثابتاً في العدم فيلزم تحصيل الحاصل، أو غير ثابت فيبطل الدليل، أو المجموع فيبطل الدليل (1) أيضاً، ويلزم المحال الأوّل.

وعن ب: أنّه وإن كان عندهم هو النهاية القصوى في التحقيق مبنيّ على أُصول فاسدة، وهو أنّ تحيّز الجوهر غير كونه جوهراً و موجوداً، وأنّ للذات صفات أجناس، وأنّ التنافي بها دون حقائق الذوات، وأنّه إذا تنافت الصفتان (2) تزول عن الذات صفة أُخرى هي الوجود، كما أنّ الوجود شرط اقتضاء المقتضي


1 . ق: «أو المجموع فيبطل الدليل» محذوفة سهواً.
2 . م: «الصفات».


(74)

للصفة المقتضاة (1)، والصفتان اللّتان بهما التضاد لا تتنافيان إلاّ باعتبار إزالة الوجود الذي هو الشرط مع عدم منافاة الصفة الذاتية لصفة الوجود، وأدلّتهم على هذه الأُصول في غاية الضعف.

قالوا: لمّا كان المعدوم ذاتاً حال عدمه ولم تكن له صفة الوجود والتحيّز، كانا زائدين على الذات.

قلنا: معرفة زيادة هاتين الصفتين على الذات، إذا توقّف على ثبوت كون المعدوم ذاتاً، وتوقّف كون المعدوم ذاتاً على كونهما زائدتين دار.

سلّمنا الزيادة، لكن لِمَ قلتم: إنّ التحيّز إذا تجدد افتقر إلى أمر؟ فإنَّ مذهبكم أنَّ الأعراض تتجدّد لها صفة الحلول في جميع المحالّ، وأنّ ذلك يثبت لها لا لأمر. وكذا غير القارّ من الأعراض لها صفة صحّة الوجود في أوقاتها لا لأمر، فليجز مثله في التحيّز.

سلّمنا أنّ ثبوت الصفة يستدعي سبباً، لكن لا مطلقاً، بل مع جواز ثبوتها لا مع وجوبه، فإنّ مذهبكم أنّ صفة الجوهر يختص بذاته، وهي مساوية لذات العرض والقديم تعالى.

ثمَّ هذه الذوات مع تساويها في الذاتية، اختصت بصفات أجناسها واختلفت لا لأمر، فجاز أن يختص ذات الجوهر عند شرط الوجود بصفة التحيّز لا لأمر.

سلّمنا، لكنّ القسمة غير حاصرة ونفي الدليل على ثبوت زائد لا يقتضي نفيه (2).


1 . ق: «اقتضى المقتضى للصفة المقتضاة».
2 . من كلمة «سلمنا» إلى «نفيه» ساقطة في نسخة : م.


(75)

سلّمنا، لكن لِمَ لا يجوز أن يكون السبب هو الذات، أو الوجود، (1) أو الحدوث؟

قوله: يشترك في ذلك الذوات والموجودات والحوادث.

قلنا: هذا بناءً على تساوي الذوات في الذاتية أو الوجود أو الحدوث وهو ممنوع، والاشتراك اللفظي لا يفيد.

سلّمنا أنّها لا تختلف، فلِمَ قُلتم: إنّها تتماثل؟ لأنّ الاختلاف كما هو مبنيّ على الصفات كذا التماثل، وإذا فقد ثبوت الصفة فقد الاختلاف والتماثل.

سلّمنا، لكن لِمَ لا يجوز أن يكون لمعنى؟

قوله: لابدّ من حلوله فيه، ولابدّ في حلوله من تحيّزه؟

قلنا: لم لا يجوز ذلك إذا تقارن في الوجود؟ فإنّ الكون عندكم يوجب كون الجسم في الجهة، مع أنّ من شرط إيجابه حلوله فيه وهو في الجهة التي توجب كونه فيها.

سلّمنا، لكن لِـمَ لا يجوز [أن]يكون لعدم معنى؟

قوله: لا اختصاص له به.

قلنا: لا نسلّم بأنّه غير حال فيه. ولا نسلّم بأنّ اختصاص الجهات منحصرة في الحلول. ولِـمَ لا يجوز أن يكون هاهنا وجه اختصاص آخر؟ فإنّ هذا المعنى عند الوجود يختص بالحلول في هذا الجسم دون غيره من الأجسام لا لأمر، فلِمَ لا يجوز أن يختصّ به وهو معدوم؟ أو نقول: لـِمَ لا يجوز أن يكون في العدم معان مختلفة كلّ واحد منها يختص بعدم لا يختص به الآخر، ويكون ذلك معلّلاً بذاتها وحقيقتها التي لا يشاركها فيها غيرها؟


1 . ق: «الوجوب» والصواب ما أثبتناه من نسخة:م .


(76)

سلّمنا، لكن لِـمَ لا يجوز أن يكون بالفاعل؟

قوله: يلزم إمكان أن نجعل الذات على صفات أجناس.

قلنا: هذا بناءً على ثبوت صفات الأجناس ونحن نمنعه، فإنّ الذات تخالف غيرها لذاتها.

سلّمنا، لكن لِمَ لا تجعل الذات على صفات متعدّدة؟

قوله: إذا جعل ذاتاً سواداً متحيّزاً وطرأ عليه بياض نفاه من وجه دون آخر.

قلنا: إن عنيتم به أنّه ينفي كونه سواداً ولا ينفي كونه حركة، فلِمَ لا يجوز ذلك؟وإن عنيتم شيئاً آخر فبيّنوه !

قالوا: نعني بذلك أنّ الذات تخرج عن صفة الوجود التي هي زائدة على الذات ولا تخرج عنها، لأنّ صفة الذات تقتضي هيئة السواد والتحيّز بشرط الوجود، فإذا لم ينتف الوجود لم ينتف التحيّز، وإذا انتفى التحيّز انتفى الوجود.

قلنا: نمنع كون التحيّز وهيئة السواد مقتضى عن صفة الذات، فإنّ ذلك إنّما يتم لو امتنع كونه بالفاعل. فإذا احتيج في بيان امتناع كونه بالفاعل إلى كونه مقتضى عن صفة الذات، دار.

سلّمنا أنّ الوجود مقتضى عن صفة الذات، وأنّ الوجود شرط اقتضائه، فلِمَ لا يجوز زواله؟ فإنّه لا يلزم من قيام المقتضي وحصول الشرط ثبوت المقتضى، لإمكان أن يعارضه ما ينافيه.

سلّمنا، لكن نمنع إمكان جعل الذات على صفات متعدّدة، لجواز تنافيها.

والجواب عن ج: بالمنع من الملازمة. أمّا أوّلاً، فلابتنائه على تساوي الذوات. وأمّا ثانياً، فلأنّا نقول: القادر إذا خصص بعض الذوات بكونها جوهراً لزم البقاء، وإذا خصص بعضها بكونها إرادة أو صوتاً امتنع البقاء.


(77)

البحث الرابع: في كيفية العلم بالمعدومات (1)

اختلف الناس هنا، فمنع منه قوم، وجوّزه آخرون، وهو الحق.

لنا، أنّا نعلم حركاتنا الماضية وهي معدومة، وكذا المستقبلة، ونفرّق بين ما نقدر عليها، وبين ما لا نقدر وهو أمر ضروري.

احتجّ المانعون: بأنّ كل معلوم متميّز، وكلّ متميّز ثابت، وقد سبق بطلان ذلك، إذا ثبت هذا، فالمعدوم إمّا أن يكون بسيطاً أو مركباً.

أمّا الأوّل، فكعدم ضد اللّه تعالى، وذلك إنّما يعقل لأجل تشبيه بأمر موجود مثل أن يقال: ليس للّه تعالى شيء نسبته إليه نسبة السواد إلى البياض، فلولا معرفة المضادة الحاصلة بين أُمور وجودية، لاستحال (2) أن يعرف ضد اللّه تعالى. وإن كان مركباً كالعلم بعدم اجتماع السواد والبياض، فالعلم به إنّما يتم بسبب العلم بأجزائه الوجودية بأن يعقل السواد والبياض والاجتماع حيث يعقل، ثمَّ يقال: إنّ الاجتماع الذي هو أمر وجودي معقول غير حاصل للسواد والبياض. فقد ظهر أنّ عدم البسائط إنّما يعرف بالمقايسة إلى الأُمور الوجودية، وعدم المركّبات إنّما يعرف بمعرفة بسائطها (3).

أمّا المعتزلة، فقد اختلفوا، فذهب البصريون إلى أنّ المعدوم يعلم على صفة هو عليها في حال عدمه يتعلّق العلم بتلك الصفة، وبها يماثل ما يماثل ويخالف ما يخالف.


1 . راجع المباحث المشرقية 1: 500; نقد المحصل: 149 ـ 150.
2 . في النسخ «وإلاّ لاستحال» وما أثبتناه يوافق عبارات الرازي.
3 . أُنظر المباحث المشرقية 1:500.


(78)

وقال آخرون: إنّه إنّما يعلم بأُمور مترقبّة متجدّدة فيما بعد.

احتجّ الأوّلون: بأنّا إذا علمنا المعدومات متميّزة حال عدمها، وجب أن يكون المعلوم من حال الجوهر غير المعلوم من حال العرض، والمعلوم من حال السواد غير المعلوم من حال البياض، وكذا باقي الأجناس. وإذا ثبت هذا فلابدّ له من صفة يتميّز بها عن غيره، ويخالف ما يخالف ويضاد ما يضاد، لاشتراكها أجمع في المعلوميّة، فلا يقع الامتياز بذلك، فلابد من أمر آخر هو الذي نسمّيه صفةً أو حالاً، وذلك المائز لا يجوز أن يكون مترقّب الحصول نحو كونه متحيّزاً، أو هيئة مخصوصة، أو له تعلّق مخصوص، لأنّ التمايز والتماثل والاختلاف أُمور حاصلة في الحال، وكما أنّ التماثل والاختلاف لا يقف على أمر متجدّد، فكذا التمايز، فكما لا يجوز أن يتميّز بأمر متعلّق (1) بالفاعل لأنّه متجدد، فكذا كونه متحيزاً أو هيئة مخصوصة أمر متجدّد، لا يجوز أن يقف الخلاف والمماثلة عليه.

وهذه الحجّة فاسدة لابتنائها على تساوي الذوات، والحق الاختلاف وإنّ تلك المعلومات مختلفة لذواتها وهي ثابتة ذهناً لا عيناً.

قال الآخرون: إنّا نعلم تمايز الأجسام بعضها عن بعض قبل وجودها، ونحكم بمخالفة صورة الإنسان وشكله لصورة الفرس، وليس ذلك لأجل صفات هي عليها في حال العدم.

ثم ألزموا الأوائل التسلسل; لأنّه إذا كان المعلوم من حال الجوهر أنّه يقتضي صفته الذاتية دون غيره أن يكون ذلك لأمر آخر اقتضى ذلك، لزم المحال.

والحق: أنّ القولين متساويان في الاستحالة. والسبب فيه عدم التفطن بالوجود الذهني.


1 . ق وج: «يتعلق».


(79)

البحث الخامس: في حصر قسمة المعلوم إلى الموجود والمعدوم(1)

أطبق أكثر العقلاء على ذلك وذهب قوم ممّن عَمشت (2) بصائرهم من إدراك الحق وقصرت أفكارهم عن التعمّق في المباحث العقلية: إلى إثبات واسطة بين الموجود والمعدوم، سمّوها الحال (3).

وتقرير قولهم أن نقول: إذا علمنا أمراً من الأُمور، فإمّا أن يكون راجعاً إلى الإثبات أو إلى النفي. والأوّل لا يخلو، إمّا أن يضاف إلى غيره أو لا. والثاني هو الذات، ويحدّ بأنّه الثابت الذي يعلم غير مضاف إلى غيره، فخرج المعدوم وإن كان معلوماً، لأنّه ليس بثابت، والصفة(4) لأنّها تعلم مضافة إلى غيرها.

والمضاف إمّا أن يكون مقصوراً على ما يضاف إليه نظير كون المحلّ، أو يكون منفصلاً عنه نظير الفعل بالنسبة إلى الفاعل.

فالأوّل الحال، ويحدّ بأنّه الذي يثبت للذات مقصوراً عليه. فخرج النفي بقولنا: ثبت، والذات بقولنـا: للذات ـ فإنّها لا تثبت لغيره ـ والأشياء المنفصلة التي تضاف إلى غيرها كالأفعال، والآثار الصادرة عن العلل في غير محالّها، فإنّها لا تكون أحوالاً للعلل، بقولنا مقصوراً عليه.

واعلم: أنّ الحال أخصّ من الصفة، فإنّ الصفة كلّ أمر مضاف إلى غيره،


1 . راجع ما كتبه أبو رشيد سعيد بن محمد النيسابوري (م 440 هـ) وهو من رؤساء المعتزلة، في كتابه المسمى بالتوحيد: 585. وانظر الفصل الرابع من المقالة الأُولى من إلهيات الشفاء، وتعليقة صدر المتألهين عليه : 26; المحصل، وذيله للطوسي : 85 وما بعدها; المباحث المشرقية :45ـ 47; المواقف: 57ـ 58.
2 . عمشت عينه تعمش: ضعف بصرها مع سيلان دمعها في أكثر الأوقات(قطر المحيط2: 1442).
3 . وهي غير مشدّدة، كما زعم بعض أهل المعاجم.
4 . أي و خرجت الصفة.


(80)

سواء كان إثباتاً أو نفياً، مقصوراً عليه أو غير مقصور عليه. وأمّا الحكم، فهو ما كان صادراً عن غيره، سواء كان ذاتاً أو صفة.فالحال صفة لموجود لا يوصف بالوجود ولا بالعدم.

وأوّل من قال بالأحوال: «أبو هاشم الجبّائي» وأتباعه من المعتزلة (1). وجوّز أن تكون الحال ثابتةً للمعدوم كالجوهرية. وفصّل الأحوال فقال: الأعراض التي لا تكون مشروطة بالحياة، فإنّها لا توجب أحوالاً، ولا صفة لمن قامت به، كاللون والرائحة وغيرها، إلاّ الكون فإنّه يوجب حالة راجعة إلى المحل هي الكائنية، وأمّا الأعراض المشروطة بالحياة، فإنّها توجب أحوالاً عائدة إلى الجملة، فالعلم يقتضي لجملة البدن حالة هي العالمية، وكذا القدرة وغيرهما من الأعراض.وأثبت «القاضي أبو بكر» و «الجويني» من الأشاعرة، الأحوال أيضاً في كلّ صفة قائمة بالذات، سواء اشترطت بالحياة أو لا، فالأسودية حالة معلّلة بالسواد، وكذا باقي الأعراض.

لنا: أنّ الضرورة قاضية بأنّ كلّ معقول، فإمّا أن يكون له تحقّق أو لا. والأوّل: هو الموجود، والثاني هو المعدوم، وأنّ من أثبت واسطة بينهما، فقد كابر مقتضى عقله (2).

واحتجّوا بوجهين:

الأوّل: الوجود وصف مشترك بين الموجودات على ما تقدّم، وهي متخالفة بحقائقها، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فيكون الوجود مغايراً للماهية فذلك الوجود إمّا أن يكون موجوداً أو معدوماً، أو لا موجوداً ولا معدوماً.


1 . وأمّا المعروف عن أبي الهذيل العلاف (من أئمّة المعتزلة) انّه كان يقول:الصفات «وجوه » للذات. ولايقول بالأحوال.
2 . راجع نقد المحصل: 85.


(81)

والأوّل: باطل وإلاّ لزم التسلسل، فإنّ الوجود لو كان موجوداً لكان مساوياً للموجودات في الوجود ومخالفاً لها بخصوصيته، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فالوجود المشترك بين الوجود وبين سائر الماهيات الموجودة مغاير لخصوص ماهية الوجود التي بها الامتياز، فيكون للوجود وجود آخر ويتسلسل.

والثاني: باطل أيضاً، لامتناع اتّصاف الشيء بنقيضه (1)، فتعيّـن الثالث، وهو: أن لا يكون الوجود موجوداً ولا معدوماً، وذلك هو الواسطة.

الثاني: الماهيات النوعية مشتركة في الأجناس ، فتثبت الحال.

أمّا الأوّل: فظاهر ، فإنّا نعلم أنّ بين السواد والبياض اشتراكاً في اللونية لا في مجرد الإسم، فإنّا لو سمّينا السواد والحركة باسم واحد، ولم نضع للسواد والبياض اسماً، لكنّا نعلم بالضرورة أنّ بين السواد والبياض اشتراكاً معنوياً دون السواد والحركة. ولأنّ (2) العلوم المتعلّقة بالمعلومات المختلفة متغايرة مختلفة، مع أنّا نحدّ العلم بحدّ واحد بحيث يندرج فيه العلم القديم والحادث، والعلم بالجوهر والعرض، فيكون العلم وصفاً مشتركاً. ولأنّ (3) الأعراض مشتركة في العرضية ولهذا انحصر التقسيم في قولنا: الممكن إمّا جوهر أو عرض، ولولا اشتراكه لما انحصر، كما لاينحصر إذا قلنا: الممكن إمّا جوهر أو سواد.

وأمّا الثاني: فلأنّ الاشتراك يقتضي تعدّد الجهة في الماهيّات المشتركة بحيث يكون فيها جهة اشتراك وجهة امتياز (4) ،فهاتان الجهتان إن كانتا موجودتين لزم قيام العرض بمثله. وإن كانتا معدومتين لزم الحكم بكون هذه الماهيات معدومة، وهو باطل بالضرورة، فتعيّـن أن لا تكون موجودة ولا معدومة.


1 . وهذه الحجة لايرضى بها صاحبها وفي اسنادها إلى المعتزلة تأمل،أُنظر نقد المحصل: 86.
2 . هذا هو الوجه الثاني لبيان الأوّل.
3 . وهذا هو الوجه الثالث لبيان الأوّل.
4 . ق: «امتياز فيها».


(82)

والجواب عن الأوّل: أنّ القسمة للوجود إلى الوجود والعدم باطلة، كما أنّ قولنا: الإنسان إمّا إنسان أو فرس أو غيرهما، باطل.

سلّمنا، لكنّ الوجود موجود بذاته، ثمّ التسلسل إنّما يلزم لو كان الاشتراك في وصف ثبوتي، والاختلاف في أمر ثبوتي، وهنا ليس كذلك، فإنّ الوجود يشارك الماهية الموجودة في الموجوديّة(1)، ويخالفها بقيد عدمي، وهو أنّ الوجود وحده وإن كان موجوداً، لكن ليس معه شيء آخر، والماهية الموجودة وإن كانت موجودة لكن لها مع مسمّى الموجودية أمر آخر هو الماهية، وحينئذ لا يلزم أن يكون الوجود موجوداً بوجود آخر، بل موجوديته عين ماهيته، فينقطع التسلسل.

قال النفاة: حاصل أدلّة المثبتين يرجع إلى أنّ الحقائق مختلفة بخصوصيّاتها ومشتركة في عموماتها، وما به الاشتراك غير ما به الاختلاف، وذلك ليس بموجود ولا معدوم، فتثبت الواسطة، ويلزم منه التسلسل: فإنّ الأحوال قد اشتركت في عموم الحالية واختلفت بخصوصياتها، فيلزم أن تكون للحال حال أُخرى إلى غير النهاية.

وأجاب المثبتون: بأنّ الحال لا يوصف بالتماثل والاختلاف، لأنّ التماثل والاختلاف من لواحق الوجود، والحال ليست موجودة، وبالتزام التسلسل كما اختاره «الأصم» (2) لأنّها طبيعة عدمية ليست موجودة، والتسلسل في الأُمور العدمية ليس بمحال.

أجاب النفاة عن الأوّل: بأنّ كلّ أمرين يشير العقل إليهما، فإمّا أن يكون المتصوّر من أحدهما هو المتصوّر من الآخر أو لا. والأوّل: المثلان. والثاني: المختلفان، ولا واسطة بينهما.


1 . في النسخ: «الوجودية» والصحيح ما أثبتناه طبقاً للسياق.
2 . أبو بكر عبد الرحمان بن كيسان الأصم، فقيه معتزلي مفسّـر. طبقات المعتزلة: 56; لسان الميزان 3: 427.


(83)

وعن الثاني (1): بأنّ تجويز ذلك يسدّ باب إثبات الصانع تعالى.

أجاب أفضل المتأخّرين: بأنّ السواد والبياض لمّا اشتركا في الموجودية واختلفا في السوادية والبياضية، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز لا جرم أثبتنا شيئين، ولمّا لم يكن ما به الاشتراك والامتياز(2) سلبيّين أثبتناهما وجوديّين (3)، أمّا الوجود والسوادية، فهما مختلفان بحقيقتهما ومشتركان في الحالية، لكن الحالية ليست صفة ثبوتية، لأنّه لا معنى للحال إلاّ ما لا يكون موجوداً ولا معدوماً. وإذا كان الاشتراك واقعاً في وصف سلبي، لم يلزم أن تكون الحالية صفة قائمة بالموجود، فلم يلزم أن تكون للحال حال آخر (4).

اعترضه أفضل المحقّقين (5) بأنّ الحال ليس سلباً محضاً، فإنّ المستحيل عندهم ليس بموجود ولا معدوم وليس حالاً، (6)وإنّما الحال وصف ثبوتي يلزمه أن لا يكون موجوداً ولا معدوماً فهو يشتمل على معنى غير سلب الوجود والعدم عنه يختص بتلك الأُمور التي يسمّونها حالاً و تشترك الأحوال فيه (7) ولكونها غير مدركة بانفرادها لا يحكمون عليها بالتماثل والاختلاف، فإنّهم يقولون: المثلان ذاتان يُفهم منهما معنى واحد، والمختلفان ذاتان لا يفهم منهما معنى واحد، والحال ليس بذات ولا ذات ذات، فلا توصف بالتماثل والاختلاف. فإنّ الذات هي ما تدرك بالانفراد، والحال لا يدرك بالانفراد، فكيف يكون المدرَك (8) من كلّ


1 . وهو التزام التسلسل.
2 . ق:«والامتياز به».
3 . م: «وجودين».
4 . أُنظر المحصل: 89.
5 . هو المحقّق الطوسي.
6 . كما ادّعاه الرازي ونسبه إليهم.
7 . م: «فيه» محذوف.
8 . ق: «فكيف ما يدرك».


(84)

حال هو المدرك من حال آخر؟ فإنّ كلّ حال مدرك مع شيء آخر، والمشترك ليس بمدرك بالانفراد، حتى يحكم عليه بأنّ المدرك من أحدهما هو المدرك من الآخر أو ليس، وأنتم قلتم كلّ أمرين يشير العقل إليهما، فإمّا أن يكون المتصوّر منهما واحداً أو لا يكون، والحال ليس بأمر يشير العقل إليه إشارة لا تكون إلى غيره معه(1).

والجواب عن الثاني: أنّ جهتي الاشتراك والامتياز وجوديتان (2)، ولا يلزم قيام العرض بالعرض، فإنّ الصفات المشتركة إن كانت ثبوتية وكانت داخلة في مفهومات ما يشترك في تلك الصفات، كاللون المشترك بين السواد والبياض، وهو جزء من مفهوم السوادية والبياضية، لم يكن عرضاً قائماً بعرض قائم بالمركب، فانّ الجزء ليس بعرض قائم بالمركب منه ومن غيره، فلا يلزم من اتّصاف المختلفات به قيام العرض بالعرض. وإن لم تكن داخلة، كالعرض الذي يوصف به السواد والحركة، وهو عارض لهما غير داخل في مفهومهما و عروض الشيء للشيء لا يكون قيام عرض بعرض، ولا يلزم من كون صفة مشتركة عارضة لمختلفين قيامها بهما إلاّ بدليل منفصل.

وإن كانت سلبيّة (3) فهي غير ثابتة ولا يلزم من الاتصاف بها قيام عرض بعرض.

سلّمنا، لكن قيام العرض بمثله جائز، فإنّ السرعة والبطء كيفيّتان قائمتان بالحركة، والتزامه أقرب من التزام هذا المحال.

وللأوائل (4) طريق آخر، وهو أنّ الأجناس والفصول التي بها تتقوّم الأنواع


1 . انتهى كلامه، زيد في علو مقامه، نقد المحصل: 89ـ 90.
2 . من هنا تنفرد نسخة ق وج إلى صفحة94 قوله (والحق لنا وجوه) ، فهذه الصفحات غير موجودة في نسخة: م.
3 . أي وإن كانت الصفات المشتركة سلبيّة، وهي عِدل قول المصنف: «فإنّ الصفات المشتركة إن كانت ثبوتية».
4 . مراد المصنف من «الأوائل» في هذا الكتاب هو الحكماء والفلاسفة، فليكن في ذكرك.


(85)

البسيطة في الخارج موجودات في الذهن لا في العين.

اعترضه أفضل المتأخّرين فقال: الذهني إن طابق الخارج عاد كلام مثبتي الحال، وإلاّ كان جهلاً.

أجاب أفضل المحقّقين: بأنّ الأجناس والفصول ليست بتصديقات، بل هي تصوّرات مفردة، ولا يجب فيما لا يشتمل على الحكم بمطابقة الخارج أن يكون مطابقاً له وإلاّ كان جهلاً مركّباً، فإنّ الجهل المركّب حكم على الخارج بخلاف الواقع. وفي التصوّر المفرد لا تعتبر المطابقة ولا عدمها، بل [تعتبر] فيما له أجناس وفصول أن تكون فيها حيثيات يمكن للعقول تعقل الأجناس والفصول منها، ولذلك يسلبان عن واجب الوجود، لامتناع أن تكون فيه حيثيتان. وليس معنى الاشتراك إلاّ أنّ المعقول من أحد المشتركين هو المعقول من الآخر فيما يشتركان فيه، لا أن يكون شيء واحد في الخارج موجوداً في شيئين معاً، أو نصف منه في أحدهما ونصفه في الآخر، أو خارجاً عنهما وهما متّصفان به(1).

وفيه نظر، فإنّ أفضل المتأخّرين، لم يقل إنّ الأجناس والفصول تصديقات، بل الحكم بأنّ لهذه الماهيَّة جنساً وفصلاً تصديق، فإن كان مطابقاً لزم وجود الجنس والفصل في الخارج، وإلاّ كان جهلاً بمعنى أنّ الذهن حكم على ماهية بأنّ لها في نفس الأمر جنساً وفصلاً ولم يكن في الخارج شيء منهما. واعترافه بأنّ لتلك الماهية حيثيتين هو المقصود من المطابقة في الخارج. وتحقيق هذا البحث ليس هذا موضعه.

تذنيب: قال مثبتوا الحال: ثبوت الحال للشيء قد يكون معلّلاً بموجود قائم بالشيء، كالعالميّة المعلّلة بالعلم وهو الحال المعلّل، و كالمتحركيّة فإنّها حالة معلّلة بالحركة. وقد لا يكون كسوادية السواد وهو الحال غير المعلّل. واتّفقوا على


1 . انظر كلامهما في نقد المحصل: 90ـ 91.


(86)

أنّ الذوات بأسرها متساوية، ومختلفة بهذه الأحوال. واختلفوا في أمر الوجود، فالقائلون بالأحوال من الأشاعرة ذهبوا إلى أنّه نفس الذات. وقالت المعتزلة: إنّه زائد عليها. والقول بتساوي الذوات باطل سواء قلنا الوجود نفس الذات أو زائد عليها لأنّ الأشياء المتساوية تشترك في اللوازم، فيصح انقلاب القديم محدثاً والجوهر عرضاً، وبالعكس، وهو باطل بالضرورة. ولأنَّ اختصاص الذات المعينة بالصفة المخصوصة إن لم يكن لأمر، يُرجَّح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح(1)، وإن كان لأمر نقلنا الكلام إليه ولزم التسلسل. أمّا إذا جعلنا ما به الاشتراك صفة وما به الامتياز ذاتاً، اندفعت هذه المحاذير، لجواز اشتراك الأشياء المختلفة في لازم واحد، ولا يجوز اختلاف المتساويات في اللوازم.

اعترض أفضل المحقّقين:

أوّلاً: بأنّ الحيوانية المشتركة بين الإنسان والفرس، يرد عليها ما قلت من صحّة انقلاب الإنسان فرساً وبالعكس.

وثانياً: بأنّه لازم على الأجناس والفصول، بل في الأشخاص التي تحت نوع واحد، فإنّك إن جعلت الفصول والمشخّصات ذواتاً والحيوان والإنسان لوازم، لم تكن الحيوانية والإنسانية جزءاً للماهيّة ولا نفسها، فإنّ اللوازم إنّما تلزم بعد تقوّم الملزومات (2).

وفيه نظر; فإن الحيوانية لازمة والفصول ملزومة، فلا يلزم إمكان الانقلاب. ولهذا قالوا: «إنّ الفصول علل الطبيعة الجنسيّة» والحيوان إذا جعلناه لازماً للناطق لم يناف كونه جزءاً من الإنسان، وأشخاص النوع الواحد تختلف بعوارض مستندة إلى أسبابها.


1 . و هو محال.
2 . نقد المحصل: 91ـ 92.


(87)

المقصد الثاني
في التقسيم
بالنسبة إلى الوجوب والإمكان والامتناع (1)

إعلم: أنّ الضرورة قاضية بأنّ كلّ معلوم فإمّا أن يكون واجب الوجود لذاته، أو ممكن الوجود لذاته، أو ممتنع الوجود لذاته. فهنا فصول:

الفصل الأوّل:

في أنّ تصوّر هذه الأشياء ضروري (2)

ذهب من لا تحقيق له إلى أنّ هذه الأشياء قد تعرّف.

ونحن نقول: لا يمكننا تعريف كلّ واحد من هذه الأُمور الثلاثة، إلاّ بما


1 . وهذه الثلاثة تسمى في مباحث المنطق بـ«مواد القضايا»، وهي كيفيات للنسب الحُكمية وثبوت الشيء للشيء، والمهم في المباحث الفلسفية هو الوجوب والامكان، لأنّها تبحث عن أحوال الوجود وأمّا الكلام في الامتناع والمتصف به فهو استطرادي.
2 . راجع في هذا الفصل ،الفصل الخامس من المقالة الأُولى من إلهيات الشفاء; التحصيل: 291; المباحث المشرقية 1: 113; المواقف: 68; الأسفار 1: 83; كشف المراد للمصنف: 25ـ26.


(88)

يشتمل على الدور، فإنّا إنّما نعرّف كلّ واحد من هذه بسلب الآخرين عنه. فنقول: «الممكن: هو الذي لا يجب وجوده ولا يمتنع»، أو «الذي ليس بضروري في طرفي وجوده وعدمه» ثمّ نقول: «الواجب: هو الذي لا يمكن عدمه»، أو «الذي يستحيل عدمه»، و «الضروري: هو الذي لا يمكن عدمه (1)، أو لا يمكن وجوده»(2). و«الممتنع: هو الذي لا يمكن وجوده».

فقد ظهر لك لزوم الدور في هذه التعريفات. فان قُبلت هذه التعريفات على سبيل التعريف اللفظي أمكن، ولكن لا يكون تعريفاً حقيقياً.

واعلم أنّ هذه الأُمور الثلاثة متفاوتة عند العقل، فإنّ كلّ ما هو أقرب إلى طبيعة الوجود كان أعرف عند العقل، وما كان أقرب إلى طبيعة العدم كان أبعد، ولمّا كان الوجوب هو تأكّد الوجود، كان أقرب إليه، وكان أعرف عند العقل. ولمّا كان الامتناع أبعد، كان الإمكان متوسطاً بينهما.

فإذا أُريد التعريف اللفظي فليؤخذ الوجوب بيّنا (3)، ثمّ يُعرّف الإمكان بسلب الضرورة عن الطرفين، والامتناع بإثبات الضرورة على السلب.


1 . إذا كان ضروري الوجود.
2 . إذا كان ضروري العدم.
3 . حاصله أن يعرّف الإمكان والامتناع بالوجوب، لأنّه أعرف عند العقل، ولأنّه أقرب إلى الوجود، دون أن يعرّف الوجوب بهما.

Website Security Test