welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : نهاية المرام في عـلم الكــلام/ ج 1*
نویسنده :نابغة عصره وفريد دهره العلامة الحلّي*

نهاية المرام في عـلم الكــلام/ ج 1

تحت اشراف آية الله جعفر السبحاني

نهاية المرام
فــي
عـلم الكــلام

تأليف

نابغة عصره وفريد دهره العلامة الحلّي

(648 ـ 726 هـ)

تحقيق

فاضل العرفان


(3)

(4)

(5)

تقديم: بقلم جعفر السبحاني

علم الكلام

وعوامل نشأته

إنّ علم الكلام كسائر العلوم الإنسانية، ظاهرة علمية نشأت بين المسلمين في ظلّ أسباب سيوافيك بيانها، ولايقتصر هذا العلم على المسلمين فحسب بل كانت للأُمم السابقة مذاهب كلامية ومدارس دينية يُبحث فيها عن اللاهوت والناسوت، وقد ألّف غير واحد من علماء اليهود والنصارى كتباً كلامية يرجع تاريخها إلى القرنين الخامس والسادس. وأمّا عوامل نشأته بين المسلمين فتتلخّص في عامل داخلي وآخر خارجي، وإليك البيان:

1. القرآن هو المنطلق الأوّل لنشوء علم الكلام:

إنّ القرآن المجيد هو المنطلق الأوّل لنشوء علم الكلام ونضجه وارتقائه عند المسلمين، وإليه يرجع كل متكلّم إسلاميّ باحث عن المبدأ وأسمائه وصفاته وأفعاله، وقد تضمّن القرآن إشارات فلسفية وعقلية قامت على أُسس منطقية مذكورة في نفس الآيات أو معلومة من القرائن. فمن سبر القرآن الكريم فيما يرجع إلى التوحيد بأنواعه يجد الحجج الملزمة، والبيّنات المسلّمة التي لا تدع لباحث


(6)

الشك فيها. كما أنّه أرفق الدعوة إلى المعاد والحياة الأُخروية بالبراهين المشرقة، والدلائل الواضحة التي لا تقبل الخدش.

إنّ القصص الواردة في القرآن الكريم تتضمّن احتجاجات الأنبياء وصراعهم الفكري مع الوثنيين والمعاندين من أهل اللجاج، فهي ممّا يستند إليها المتكلّم في آرائه الكلامية. كما تتضمن بحوثاً في الإنسان وأفعاله ومسيره ومصيره،وغير ذلك ممّا جعل القرآن الكريم المنطلق الأوّل لنشأة علم الكلام في الإسلام.

2. السنّة هي المنطلق الثاني:

إنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ناظر المشركين وأهل الكتاب بمرأىً ومسمع من المسلمين، وهذه احتجاجاته مع نصارى نجران في العام العاشر من الهجرة، حتى أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعدما أفحمهم دعاهم إلى المباهلة، وقد حفل التاريخ وكتب السير والتفسير بما دار بين الرسول وبطارقة نجران وقساوستهم، وقد استدلّوا على أُلوهيّة المسيح بقولهم: هل رأيت ولداً من غير ذكر؟ فأفحمهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بإيحاء من اللّه: إنّ مثل عيسى في عالم الخلقة كمثل آدم، وقد خُلِق من غير أب ولا أُمّ، فليس هو أبدع ولا أعجب منه(1).

إنّ النهي عن كتابة الحديث نجم عنه خسارة فادحة أدت إلى ضياع الكثير من احتجاجات النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومناظراته مع المشركين وأهل الكتاب، فقد ذهبت كذهاب سائر خطبه، ولكن الشيعة اقتداءً بالعترة احتفظت بكثير من هذه المناظرات في كتبهم الحديثية، فمن سبرها يرى فيها بحوثاً ومناظرات تصلح لأن


1 . لاحظ تفسير قوله سبحانه: (إنّ مثل عيسى عند اللّه كمثل آدم خلقه من تراب ثمّ قال له كن فيكون) (آل عمران/59).


(7)

تكون هي المنطلق في الصدر الأوّل لأهل الكلام من الشيعة وغيرهم(1).

3. خطب الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ هي المنطلق الثالث:

إنّ خطب الإمام ورسائله وكلمه القصار، التي حفظها التاريخ عن العصف والضياع لأوضح دليل على أنّ الإمام كان هو المؤسس للأُصول الكلامية خصوصاً فيما يرجع إلى التوحيد والعدل، وبين يديك نهج البلاغة الذي جمعه الشريف الرضي ممّا وصل إليه من خطبه، تجد فيه من الأُصول الكلامية ما لا تجده في غيره، وإلى ذلك يشير السيد المرتضى في أماليه فيقول: «اعلم أنّ أُصول التوحيد والعدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين ـ صلوات اللّه عليه ـ وخطبه، فإنّها تتضمّن من ذلك ما لا زيادة عليه ولا غاية وراءه. ومن تأمّل المأثور من كلامه، علم أنّ جميع ما أسهب المتكلّمون من بعده في تصنيفه وجمعه إنّما هو تفصيل لتلك الجمل وشرح لتلك الأُصول، وروي عن الأئمّة من أبنائه في ذلك ما لا يكاد يحاط به كثرة، ومن أحبّ الوقوف عليه فطلبه من مظانّه أصاب منه الكثير الغزير الذي في بعضه شفاء للصدور السقيمة ولقاح للعقول العقيمة»(2).

وقال ابن أبي الحديد: «إنّ أشرف العلوم هو العلم الإلهي، لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف، ومن كلامه ـ عليه السَّلام ـ اقتبس، وعنه نقل، ومنه ابتدئ وإليه انتهي، فإنّ المعتزلة ـ الذين هم أصل التوحيد والعدل وأرباب النظر ومنهم من تعلّم الناس هذا الفن ـ تلامذته وأصحابه، لأنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد اللّه بن محمّد بن


1 . لاحظ احتجاجات النبي في كتاب الاحتجاج للشيخ أحمد بن علي بن أبي طالب المعروف بالطبرسي المتوفّـى حدود عام (550 هـ).
2 . الشريف المرتضى: غرر الفوائد: 1/148.


(8)

الحنفية وأبو هاشم تلميذ أبيه وأبوه تلميذه، وأمّا الأشعرية فإنّهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري وهو تلميذ أبي علي الجبائي، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة فالأشعرية ينتهون بالآخرة(1) إلى أُستاذ المعتزلة ومعلّمهم، وهو علي بن أبي طالب»(2).

4. العترة الطاهرة ودورهم في نشوء هذا العلم:

إنّ العترة الطاهرة وإن أُقصيت عن القيادة الإسلامية، إلاّ أنّه أُتيحت لهم الفرصة في آخر عهد الأمويين وأوائل حكومة العباسيين، في شرح المعارف وتوضيح الحقائق وتربية رواد الفكر، وارشاد الحكيم إلى دلائل وبراهين لا يقف عليها إلاّ الأوحدي من الناس والتلميح إلى نكات عرفانية، لا يدركها إلاّ العارف المتألّه. ففي أدعية الإمام زين العابدين إشارات كلامية وتلميحات عرفانية، كما أنّ في الأحاديث المرويّة عن الصادقين والكاظمين كميّة هائلة من البحوث الكلامية، والمناظرات العلمية التي أدّت إلى نضوج علم الكلام الإسلامي بوجه واضح، وها نحن نذكر احتجاجين قصيرين للإمامين الصادق والرضا ـ عليهما السَّلام ـ ليكونا نموذجين لما لم نذكره:

مناظرة الإمام الصادق مع أحد القدرية:

روى العياشي: أنّه طلب عبد الملك بن مروان من عامله بالمدينة أن يوجه إليه محمّد بن علي بن الحسين (الباقر) ـ عليه السَّلام ـ حتى يناظر رجلاً من القدرية وقد أعيا


1 . والصحيح أن يقول: أخيراً، وقد تسرّب هذا اللحن إلى الكتب العربية حتى استعمله سعد الدين التفتازاني في مطوّله.
2 . شرح ابن أبي الحديد: 1/17.


(9)

الجميع، فبعث أبو جعفر ولده مكانه، فقدم الشام وتسامع الناس بقدومه لمخاصمة القدرية، فقال عبد الملك لأبي عبد اللّه: إنّه قد أعيانا أمر هذا القدري، فقال الإمام: «إنّ اللّه يكفيناه» فلما اجتمعوا، قال القدري لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : سل عمّـا شئت؟ فقال له: «اقرأ سورة الحمد». قال: فقرأها، فلمّـا بلغ قول اللّه تبارك وتعالى: (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين) فقال جعفر: «قف! من تستعين؟ وما حاجتك إلى المؤونة أنّ الأمر إليك»، فبهت الرجل(1).

إنّ القدرية هم أسلاف المعتزلة، وقد تبنّت فكرة استغناء الممكن في فعله (لا في ذاته) في عصر خلافة عبد الملك (65 ـ 86 هـ) وكان لها دويّ في عصره، وقد أخذتها المعتزلة عنهم وصقلتها وجعلتها من توابع القول بالعدل وغفلت عن أنّ القول بالحرية إلى حدّ الاستغناء عن الواجب ينسجم مع التنزيه لكنه يهدم التوحيد الذاتي، فيكون الممكن مثل الواجب في الاستغناء عن غيره في مقام الإيجاد، ولأجل ذلك تضافرت عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ :

«لا جبر ولا تفويض ولكن أمرٌ بين أمرين»(2).

احتجاج الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ مع أبي قرّة:

قال أبو قرّة للإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ : إنّا روينا أنّ اللّه عزّ وجلّ قسّم الرؤية والكلام بين اثنين، فقسّم لموسى ـ عليه السَّلام ـ الكلام، ولمحمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الرؤية. فقال أبو الحسن ـ عليه السَّلام ـ : «فمن المبلّغ عن اللّه عزّ وجلّ إلى الثقلين: الجن والإنس (لا تُدْرِكُهُ الأبصارُ وهو يُدرِكُ الأبصار)(3) و (ولا يُحيطونَ بهِ علماً)(4) و (ليسَ كمثلهِ شيء)(5)


1 . المجلسي: البحار: 5/55 ـ 56.
2 . الصدوق: التوحيد: 362.
3 . الأنعام: 103.
4 . طه: 110.
5 . الشورى: 11.


(10)

أليس محمّداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟ !»قال: بلى. قال: «فكيف يجي رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّه، وأنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه ويقول: (لا تدركهُ الأبصارُ وهو يدركُ الأبصار) و (ولا يحيطونَ بهِ علماً) و (ليسَ كمثلهِ شيء)ثم يقول: أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً، وهو على صورة البشر ! أمّا تستحيون، ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا: أن يكون يأتي عن اللّه بشيء، ثم يأتي بخلافه من وجه (1)آخر».

ومن وقف على كتب أهل الحديث والأشاعرة، يقف على أنّ لهم في إثبات الرؤية، صخباً وهياجاً وإصراراً منقطع النظير، وترى أنّ الإمام كيف قطع الطريق على أبي قرّة الذي اغترّ بأحاديث مدسوسة اختلقتها اليهود وأنصارهم وبثّوها بين المسلمين، ولولا ضيق المجال لنقلت قسماً وافراً من خطبهم ومناظراتهم ـ عليهم السَّلام ـ في مجال العقائد حتى تقف على أنّ حديثهم هو المنطلق الرابع لنشوء علم الكلام ونضوجه وتكامله.

فمن المؤسف جداً أن يتّهم شيعة العترة الطاهرة بما في كلام المستشرق (آدم متز) فقد وصفهم بأنّه لم يكن للشيعة مذهب كلامي إلى القرن الرابع، مع أنّ فيهم أئمّة المسلمين وقادة الأُمّة الذين يصدق فيهم قول الشاعر:

من تلق منهم، تلق كهلاً أو فتىً * علم الهدى بحر الندى المورودا

إلى هنا، تبيّن أنّ أحد الأسباب لنشوء علم الكلام هو العامل الداخلي الذي لا يتجاوز عن إطار القرآن والسنّة النبوية وكلمات العترة الطاهرة، وهناك عامل خارجي صار سبباً لنموّ الأفكار الكلامية المأخوذة عن الأُصول الموجودة في الكتاب والسنّة وهو وجود الصراع الفكري بين المسلمين وغيرهم، وإليك بيانه:


1 . الصدوق: التوحيد: 110 ـ 111 ح9.


(11)

الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري:

إذا كان الكتاب والسنّة وحديث العترة الطاهرة هو المنطلق لنشوء علم الكلام وظهوره بين المسلمين، فقد كان للاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري دور خاص في ذلك المجال، وهو أنّه دفع عجلة علم الكلام إلى الأمام، وصار سبباً لنموه ونضوجه بين المسلمين بأقصر مدة، ولولا هذا الصراع الفكري لما نمت تلك البذور الطيبة الكامنة في الكتاب والسنّة، وما استوت على سوقه، وهذان العاملان (الداخلي والخارجي) وإن صارا سبباً لنشوء هذا العلم وتكامله إلاّ أنّ دور الأوّل، يخالف دور الثاني، فالأوّل يعد مصادر علم الكلام ومنابعه ومناشئه، وأمّا الثاني، فهو الذي أيقظ المفكرين من المسلمين حتّى ينمّوا ما تعلموه في مدرسة الدين من الأُصول والعقائد، وإليك بيان ذلك العامل الخارجي.

بُعِثَ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بدين عالمي، ونبوة خاتمة، وكتاب خاتم للكتب، والمهيمن عليها، وبثّ شريعته الغراء في ربوع الجزيرة العربية في بضع سنين، إلى أن مضى إلى جوار ربّه، وراية الإسلام خفّاقة عالية، تدين أهلها بالتوحيد، وتكافح الثنوية، وتُؤمن بالحياة الأُخروية وتعمل بسنن الإسلام وطقوسه.

وقد أحسّ المسلمون بواجبهم بعد رحلته، وهو نشر الإسلام وبسطه في العالم كلِّهِ ودعوة جميع البشر على مختلف قومياتهم إلى الانضواء تحت راية الإسلام، بالحكمة والموعظة الحسنة، ثم كسر الأصنام والأوثان بالجهاد المتواصل، وبذل النفس والنفيس في سبيله، حتى تُصْبِح الأجواء صافية، والظروف حرّة، وترتفع العوائق والموانع بغية دخول الناس في دين اللّه زرافات ووحداناً عن طوع ورغبة، بلا خوف ولا رهبة من طواغيت العصر .

قام المسلمون بواجبهم ففتحوا البلاد، ونشروا الثقافة الإسلامية بين الأُمم


(12)

المتحضرة والتي كانت تتمتّع ـ وراء الآداب والفنون والعلوم والصناعات ـ بمناهج فلسفية، وآراء كلامية لا يذعن بها الإسلام .

وقد كان في ذلك الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري تأثير بالغ عاد على الإسلام والمسلمين بالخير الكثير إلاّ أنّ هذا الاحتكاك لا يخلو عن مضاعفات، وهي انتقال تلك الآراء والأفكار إلى الأوساط الإسلامية وهم غير متدرّعين تجاه تلك الشبهات والمشاكل.

وأعان على ذلك أمر ثان وهو انتقال عدة من الأسرى إلى العواصم الإسلامية فانتقلوا إليها بآرائهم وأفكارهم وعقائدهم المضادّة للإسلام وأُسِسِه، وكان بين المسلمين من لم يتورّع في أخذ هاتيك العقائد الفاسدة، نظراء: عبد الكريم ابن أبي العوجاء، وحماد بن عجرد، ويحيى بن زياد، ومطيع بن اياس، وعبد اللّه بن المقفّع إلى غير ذلك بين غير متدرّع أو غير متورّع، فأوجد ذلك قلقاً ووحشة بين المسلمين.

أضف إلى ذلك أمراً ثالثاً كان له التأثير الحاسم في بسط الإلحاد والزندقة وهو نقل الكتب الرومانية واليونانية والفارسية إلى اللغة العربية من دون نظارة ورقابة وجعلها في متناول أيدي الناس، وقد ذكر ابن النديم تاريخ ترجمة تلك الكتب فقال:

«كان خالد بن يزيد بن معاوية محِبّاً للعلوم، فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممّن كان ينزل مدينة مصر، وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي، وهذا أوّل نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة، ثم نقل الديوان وكان باللغة الفارسية إلى العربية في أيام الحجاج، وكان أمر الترجمة يتقدم ببطء، إلى أن ظهر المأمون في ساحة الخلافة، فراسل ملك الروم يسأله الاذن في انفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة، المدّخرة في بلد الروم،


(13)

فأجاب إلى ذلك بعد امتناع، فبعث المأمون جماعة، منهم: الحجاج بن مطر، وابن بطريق، ومحمد بن أحمد و الحسين بنو شاكر المنجّم، فجاءوا بطرائف الكتب، وغرائب المصنّفات في الفلسفة والهندسة وغيرهما»، ثم ذكر ابن النديم أسماء النقلة من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية، وجاء بأسماء كميّة هائلة(1) فأخذوا يصبون ما وجدوه من غث وسمين في كتب الوثنيين والمسيحيين على رؤوس المسلمين، وهم غير متدرّعين وغير واقفين على جذور هذه الشبه، مع أنّها كانت تزعزع أركان الإسلام.

فقد أثار انتقال هذه الشبه والعقائد والآراء إلى أوساط المسلمين ضجّة كبرى بينهم، فافترقوا إلى فرقتين:

فرقة اقتصرت في الذب عن حياض الإسلام بتضليلهم وتكفيرهم وتوصيفهم بالزندقة وتحذير المسلمين من الالتقاء بهم وقراءة كتبهم والاستماع إلى كلامهم، إلى غير ذلك مما كان يعدّ مكافحة سلبية التي لها الأثر القليل في مقابل ذلك السيل الجارف.

وفرقة قد أحسّوا بخطورة الموقف وأنّ المكافحة السلبية لها أثرها المؤقت، وإنّ ذلك الداء لو لم يعالج بالدواء الناجع سوف يعمّ المجتمع كلّه أو أكثره، فقاموا بمكافحة إيجابية أي الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال الذي يستحسنه الإسلام، فأزالوا شبهاتهم، ونقدوا أفكارهم في ضوء العقل والبرهان، وقد نجحوا في ذلك نجاحاً باهراً، وهؤلاء المناضلون هم الشيعة خرّيجو مدرسة أهل البيت أوّلاً، والمعتزلة أتباع واصل بن عطاء ثانياً الذين أخذوا أُصول مذهبهم عن علي ـ عليه السَّلام ـ بواسطتين:


1 . ابن النديم: الفهرست: 352، 356.


(14)

1. أبي هاشم ابن محمد بن الحنفية.

2. محمّد بن الحنفية ابن علي بن أبي طالب.

ففي تلك الأجواء المشحونة بالبحث والجدل استفحل أمر الكلام، أي العلم الباحث عن المبدأ وأسمائه وصفاته وأفعاله لغاية الذب عن الإسلام، فكان علم الكلام وليد الحاجة، ورهن الصراع الفكري مع التيارات الإلحادية المتحديّة للإسلام والمسلمين، ففي هذه الظروف العصيبة قام أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ بتربية جموع غفيرة من أصحاب المواهب للذب عن الإسلام وأُصوله أوّلاً، وحريم الولاية ثانياً، في ضوء العقل والبرهان، فصاروا يناظرون كل فرقة ونحلة بأمتن البراهين وأسلمها، وكانت أئمّة أهل البيت كافلين بتدريبهم وتعليمهم كيفيّة مناظرتهم، وقد حفظ التاريخ أسماء لفيف من الرافلين في حلل الفضائل والمعارف، وسوف يوافيك أسماؤهم لاحقاً.


(15)

بدايات المسائل الكلامية في القرنين الأوّلين

قد عرفت أنّ القرآن والسنّة، وأحاديث العترة الطاهرة هي المنطلق الحقيقي لنشوء علم الكلام وأنّ المسلمين بطوائفهم المختلفة كانوا يصدرون عنها، نعم كان للّقاء الحضاري والاحتكاك الثقافي دور في تكامل علم الكلام وكثرة مسائله، فالكتاب والسنّة كانا مرجعين للاهتداء إلى موقف الإسلام فيها، واللّقاء الحضاري كان سبباً لطرح المسائل في الأوساط، وانتقال الأذهان إليها، وعلى كل حال أصبح الأمران سبباً لنشوء علم الكلام ونضوجه بين المسلمين على نزعاتهم المختلفة.

إنّ كتّاب الملل والنحل يصرّون على أنّ الاختلاف في الإمامة كان أوّل اختلاف ديني وأعظم خلاف بين الأُمّة.

يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: أوّل ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد وفاة نبيّهم اختلافهم في الإمامة(1).

ويقول الشهرستاني: إنّ الاختلاف في الإمامة أعظم خلاف بين الأُمّة، إذ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كل زمان(2).

يلاحظ عليه: أنّ الاختلاف في الإمامة بعد أيام الخلفاء وإن أصبح اختلافاً كلامياً، فذهبت الشيعة إلى أنّها تنصيصية والسنّة إلى غيرها، لكن الاختلاف يوم ارتحل الرسول لم يكن اختلافاً في قاعدة دينية، وجدالاً في مسألة كلامية بل كان جدالاً سياسياً محضاً، لم يكن مبنياً على قاعدة دينية، إذ كان علي ـ عليه السَّلام ـ وأهل بيت النبي ولفيف من شيعة الإمام بعيدين عن السقيفة وما جرى فيها، مشغولين


1 . مقالات الاسلاميين واختلاف المصلّين: 1/34، نشرة محيي الدين عبد الحميد.
2 . الملل والنحل: 1/24.


(16)

بتجهيز النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وأمّا الأنصار فكانوا يرون أنفسهم أولى بإدارة الأُمور لأنّهم آووا النبي ونصروه، وكان المهاجرون يرون أنفسهم أولى بها لأنّهم أصل النبي وعشيرته، من دون أن يبحث أحد من الفئتين عن القاعدة الدينية في مجال الإمامة، وأنّها هل هي التنصيص، أو الشورى أو غيرهما، وما هو الملاك فيها؟ بل كانت هذه الأُمور مغفولاً عنها يوم ذاك، وكان الهدف هو تسنّم منصّة الخلافة وتداول كرتها بين أبنائهم وعشيرتهم، حتى لو لم تكن حكومة الرسول حكومة دينية وكان الرسول قائداً بشرياً مات عنها، لقام المهاجرون والأنصار بنفس ذلك الجدال، وكلٌّ سعى إلى جرّ النار إلى قرصه.

فما في أكثر الكتب الكلامية من تصوير الاختلاف في مسألة الإمامة، اختلافاً كلامياً ناشئ عن النظر إليها فيما بعد السقيفة، وأمّا إذا نظرنا إليها من منظار المهاجرين والأنصار، فالاختلاف بينهم لم يكن نزاعاً كلامياً ودينياً بل سياسياً بحتاً، مبنياً على تناسي النص، وتصوير الخلافة الإسلامية كخلافة موروثة من القائد لأُمّته، وإلاّ فلو كان النزاع على أساس دينيّ، لما كان للاختلاف مجال، وكفتهم هتافات الرسول في بدء الدعوة، ويوم ترك المدينة لغزوة تبوك، ويوم الغدير وغيرها، هذا وللبحث صلة تطلب من محلّه.

وإليك نماذج من بدايات المسائل الكلامية في القرنين الأوّلين:

1. مسألة التحكيم:

إنّ أوّل خلاف ظهر بين المسلمين، وصيّـرهم فرقتين، هو مسألة التحكيم في وقعة صفين، والمسألة يوم ذاك وإن اصطبغت بصبغة سياسية لكن كان لها أساس دينيّ، وهو أنّ الخوارج خالفوا علياً وانعزلوا عن جنده بحجّة أنّ حكم اللّه في الباغي، هو مواصلة الحرب والجهاد حتى يفي إلى حكم اللّه لا التصالح وإيقاف الحرب، وحجّتهم وإن كانت مردودة لأجل أنّ التحكيم إنّما فُرِض على


(17)

الإمام، لا أنّه قبله عن اختيار وحرية، والخوارج هم الذين فرضوه عليه، ولم يكتفوا بذلك حتى فرضوا عليه صيغة التحكيم ووثيقته، وحتى المُحكِّم الذي يشارك فيه مع مندوب معاوية، إلاّ أنّ هذا الاعوجاج الفكري صار سبباً لتشكّل فرقتين متخاصمتين إلى عهود وقرون.

وبذلك يفترق اختلافهم مع اختلاف أمثال طلحة والزبير ومعاوية إذ لم يكن اختلافهم حول المبادئ وإنّما طمعوا أن يكونوا خلفاء و ... ولذلك لم يثيروا إلاّ مشاكل سياسية دموية، بخلاف اختلاف الخوارج فإنّ اختلافهم كان حول المبادئ وكانوا يردّدون كلمة «لا حكم إلاّ للّه» وكان علي وحواريّه الجليل ابن عباس يحتجّان عليهم بالقرآن والسنّة.

وبظهور الخوارج على الصعيد الإسلامي، ورفضهم التحكيم، طرحت مسائل أُخرى بين المسلمين شكّلت مسائل كلامية عبر القرون، وهي:

2. حكم مرتكب الكبيرة:

إنّ الخوارج كانوا يحبّون الشيخين ويبغضون الصهرين، بمعنى أنّهم كانوا يوافقون عثمان في سني خلافته إلى ستّ سنين، ولمّا ظهر منه التطرّف والجنوح إلى النزعة الأموية، واستئثار الأموال أبغضوه، وأمّا علي ـ عليه السَّلام ـ فقد كانوا مصدّقيه إلى قضية التحكيم، فلما فُرض عليه التحكيم وقبل هو ذلك المخطّط عن ضرورة واضطرار، خالفوه ووصفوه باقتراف الكبيرة، ـ فعند ذاك ـ نجمت مسألة كلامية وهي ما هو حكم مرتكب الكبيرة؟ وقد استفحل أمرها أيام محاربة الخوارج مع الأمويين الذين كانوا معروفين بالفسق والفجور، وسفك الدماء وغصب الأموال، فكان الخوارج يحاربونهم بحجّة أنّهم كفرة لا حرمة لدمائهم ولا أعراضهم ولا نفوسهم لاقترافهم الكبائر .


(18)

وعلى أي تقدير ففي المسألة أقوال:

ألف . مرتكب الكبيرة كافر.

ب . مرتكب الكبيرة فاسق منافق.

ج . مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق.

د. مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا فاسق بل منزلة بين المنزلتين.

فالأوّل خيرة الخوارج، والثاني مختار الحسن البصري، والثالث مختار الإمامية والأشاعرة، والرابع نظرية المعتزلة.

3. تحديد مفهوم الإيمان:

وقد انبثق من هذا النزاع، نزاع كلامي آخر وهو: تحديد مفهوم الإيمان، وإنّ العمل داخل في حقيقة الإيمان أو لا ؟ فعلى قول الخوارج والمعتزلة، فالعمل مقوّم للإيمان، بخلافه على القول الآخر، وقد صارت تلك المسألة ذات أهميّة في الأوساط الإسلامية وانتهت إلى مسألة أُخرى، وهي زيادة الإيمان ونقصه بصالح الأعمال وعدمها.

4. الإرجاء والمرجئة:

كان هناك رجال يعانون من سفك الدماء، والحروب الدامية فالتجأوا إلى فرضية كلامية وهي إرجاء حكم مرتكب الكبيرة إلى اللّه سبحانه تعالى، أو إرجاء حكم الصهرين إلى اللّه سبحانه، حتى لا ينبس فيهما المسلم ببنت شفة، وأخذت تلك الفكرة تنمو حتى تحوّلت إلى الإباحية التي تنزع التقوى من المسلم وتفتح في وجهه أبواب المعاصي، وهو تقديم الإيمان وتأخير العمل، وإنّ المهم هو الاعتقاد القلبي والعمل ليس شيئاً يعتدّ به، وإنّ التعذيب على الكفر، وإمّا التعذيب على


(19)

اقتراف المعاصي فغير معلوم، وقد اشتهر عنهم قولهم: لا تضرّ مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة.

5. مسألة القضاء والقدر:

إنّ مسألة القضاء والقدر وإن كان لها جذور قبل بزوغ نجم الإسلام وبعده، لكنها أخذت لنفسها أهميّة خاصة في عصر الأمويين حيث كانوا يبرّرون استئثارهم وأعمالهم الإجرامية بالقضاء والقدر، فصار ذلك سبباً، لوقوع المسألة مثاراً للبحث والنقاش بين أهل الفكر من المسلمين.

فالمسألة وإن كان لها جذور قبل الأمويين بين المسلمين لكنها كانت مطروحة بصورة فردية ولم تشكّل تيّاراً فكرياً ولا مذهباً كلاميّاً.

روى الواقدي في مغازيه عن أُمّ الحارث الأنصارية وهي تحدّث عن فرار المسلمين يوم حنين قالت: مرّ بي عمر بن الخطاب (منهزماً) فقلت: ما هذا؟ فقال عمر: أمر اللّه(1).

وقد كانت تلك الفكرة سائدة حتى بعد رحلة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ روى عبد اللّه بن عمر أنّه جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ قال: نعم. قال: اللّه قدّره عليّ ثم يعذّبني؟ قال: نعم يابن اللخناء أما واللّه لو كان عندي انسان أمرته أن يجأ أنفك(2).

استغلال الأمويين للقدر:

لقد اتخذ الأمويّون مسألة القدر أداة تبريرية لأعمالهم السيّئة وكانوا ينسبون


1 . الواقدي: المغازي: 3/904.
2 . السيوطي: تاريخ الخلفاء: 95.


(20)

وضعهم الراهن بما فيه من شتى ضروب العيث والفساد إلى القدر. قال أبو هلال العسكري: إنّ معاوية أوّل من زعم أنّ اللّه يريد أفعال العباد كلّها(1).

ولأجل ذلك لما سألت أُمّ المؤمنين عائشة، معاوية عن سبب تنصيب ولده يزيد للخلافة والإمامة أجابها: أنّ أمر يزيد قضاء من القضاء وليس للعباد الخيرة من أمرهم(2).

وبهذا أيضاً أجاب معاوية عبد اللّه بن عمر عندما استفسر معاوية عن تنصيبه يزيد فقال: إنّـي أُحذّرك أن تشقّ عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملئهم وأن تسفك دماءهم وأنّ أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة من أمرهم(3).

وقد كانت الحكومة الأموية الجائرة متحمّسة على تثبيت هذه الفكرة في المجتمع الإسلامي وكانت تواجه المخالف بالشتم والضرب والإبعاد.

قال الدكتور أحمد محمود صبحي في كتابه «نظرية الإمامة»: إنّ معاوية لم يكن يدعم ملكه بالقوّة فحسب، ولكن بايديولوجية تمسّ العقيدة في الصميم، فلقد كان يعلن في الناس أنّ الخلافة بينه وبين علي ـ عليه السَّلام ـ قد احتكما فيها إلى اللّه، وقضى اللّه له على علىّ، وكذلك حين أراد أن يطلب البيعة لابنه يزيد من أهل الحجاز أعلن أنّ اختيار يزيد للخلافة كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة في أمرهم، وهكذا كاد يستقرّ في أذهان المسلمين، أنّ كل ما يأمر به الخليفة حتى لو كانت طاعة اللّه في خلافه (فهو) قضاء من اللّه قد قدر على العباد(4).


1 . الأوائل: 22/125.
2 . الإمامة والسياسية لابن قتيبة: 1/167.
3 . الإمامة والسياسة لابن قتيبة: 1/171، طبعة مصر.
4 . نظرية الإمامة: 334.


(21)

وقد سرى هذا الاعتذار إلى غير الأمويين من الذين كانوا في خدمة خلفائهم وأُمرائهم فهذا عمر بن سعد بن أبي وقاص قاتل الإمام الشهيد الحسين ـ عليه السَّلام ـ لما اعترض عليه عبد اللّه بن مطيع العدوي بقوله: اخترت همدان والري على قتل ابن عمك، فقال عمر: كانت أُمور قضيت من السماء، وقد اعذرت إلى ابن عمّي قبل الوقعة فأبى إلاّ ما أبى(1).

ويظهر أيضاً ممّا رواه الخطيب عن أبي قتادة عندما ذكر قصة الخوارج في النهروان لعائشة فقالت عائشة: ما يمنعني ما بيني وبين علي أن أقول الحق سمعت النبي يقول: «تفترق أُمّتي على فرقتين تمرق بينهما فرقة محلّقون رؤوسهم، يحفّون شواربهم، أُزُرهم إلى أَنصاف سوقهم يقرأون القرآن لا يتجاوز تراقيهم، يقتلهم أحبّهم إليّ، وأحبّهم إلى اللّه». قال فقلت: يا أُمّ المؤمنين فأنت تعلمين هذا، فلم كان الذي منك؟! قالت: يا قتادة وكان أمر اللّه قدراً مقدوراً وللقدر أسباب(2).

وقد كان حماس الأمويين في هذه المسألة إلى حدّ قد كبح ألسن الخطباء عن الإصحار بالحقيقة، فهذا الحسن البصري الذي كان من مشاهير الخطباء ووجوه التابعين وكان يسكت أمام أعمالهم الاجرامية، ولكن كان يخالفهم في القول بالقدر بالمعنى الذي كانت تعتمد عليه السلطة آنذاك. فلما خوّفه بعض أصدقائه من السلطان، فوعد أن لايعود، روى ابن سعد في طبقاته عن أيوب قال: نازلت الحسن في القدر غير مرّة حتى خوّفته من السلطان، فقال: لا أعود بعد اليوم(3).

كيف وقد جُلد محمد بن إسحاق صاحب السيرة النبوية المعروفة في


1 . طبقات ابن سعد: 5/148، طبع بيروت.
2 . تاريخ بغداد: 1/160.
3 . طبقات ابن سعد: 7/167، طبع بيروت.


(22)

مخالفته في القدر قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: إنّ محمد بن إسحاق اُتّـهم بالقدر، وقال الزبير عن الدراوردي: وجلد ابن إسحاق يعني في القدر(1).

إذا كانت العوامل الداخلية سبباً لإثارة المسائل السابقة، فقد أثار العامل الخارجي أي الاحتكاك والصراع الفكري بين المسلمين وأهل الكتاب مسائل أُخرى نشير إلى أهمّها:

6. مسألة التشبيه والتنزيه:

تلتقي اليهودية مع الإسلام في التوحيد والنبوة، لكنها تفارقها في أوصاف الربّ، فالتوراة يصف الإله بصورة بشر وله صورة ويقول: خلق اللّه آدم على صورته(2)، وإذا عمل يتعب فيحتاج إلى الاستراحة يقول: وفرغ اللّه في اليوم السادس في عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع(3) وأنّه يمشي بين رياض الجنة وله نداء(4) إلى غير ذلك ممّا ورد في العهد القديم من التشبيه والتجسيم والتمثيل، وقد دسّت الأحبار كثيراً من البدع بين الأحاديث لاعتماد الرواة على أُناس نظراء: كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وتميم الداري وغيرهم.

فأصبحت مسألة التشبيه وحديث الصفات الخبرية الواردة ذات أهميّة كبرى فرّقت المسلمين إلى طوائف واستفحل أمرها بوجود روايات التشبيه والتجسيم في الصحاح والمسانيد التي عكف على روايتها المحدّثون السُذّج، غير العارفين بدسائس اليهود ومكرهم. فحسبوها حقائق راهنة، والخلاف في تفسير الصفات الخبرية بعدُ باق إلى يومنا هذا.


1 . تهذيب التهذيب: 9/38 ـ 46.
2 . العهد القديم، سفر التكوين، الاصحاح الأوّل.
3 . العهد القديم، سفر التكوين، الاصحاح الأوّل.
4 . العهد القديم، سفر التكوين، الاصحاح الأوّل.


(23)

7. النسخ في الشريعة:

إنّ مسألة إمكان النسخ في مجال التشريع اكتسبت لنفسها مكانة بين المسائل الكلامية، وبما أنّ اليهود كانت منكرة لنبوة المسيح والنبي الخاتم، عادت تنكر إمكان النسخ متمسّكة بما في التوراة: «إنّ هذه الشريعة مؤبدة عليكم ولازمة لكم ما دامت السموات لا نسخ لها ولا تبديل» ومستدلة بأنّ النسخ مستلزم للبداء أي الظهور بعد الخفاء.

فصارت تلك الفكرة سبباً لطرح تلك المسألة على الصعيد الإسلامي، فأخذ المتكلّمون بالبحث والنقد وأنّ النص في التوراة إمّا منحول أو مؤوّل، وإنّ النسخ لا يستلزم البداء المستحيل وإنّما هو إظهار بعد إخفاء وإنّه من قبيل الدفع لا الرفع.

8. عصمة الأنبياء:

إنّ أبرز ما يفترق فيه القرآن عن العهدين هو مسألة حياة رجال الوحي والهداية الذين وصفهم اللّه سبحانه بقوله: (وإنّهم عِندنا لَمِنَ المُصطفينَ الأخيار)(1) وقد ذكر من قصصهم الشيء الكثير فلا تجد فيه شيئاً يمسّ كرامتهم أو يحطّ من مقامهم وأمّا التوراة والإنجيل (المحرّفتان) فقد جاءا بإسطورات خيالية تمسّ بكرامة اللّه أوّلاً، وكرامة أنبيائه ثانياً، فالأنبياء فيها يشربون الخمر(2)يمكرون(3) ويقترفون الزنا(4) إلى غير ذلك ممّا يخجل القلم من ذكره.

فصار ذلك سبباً لطرح مسألة العصمة بين المسلمين، فهم بين مثبت وناف ومفصّل، وإن كان النافي بينهم أقل.


1 . ص: 47.
2 . العهد القديم، سفر التكوين، الاصحاح التاسع، الجملات 20ـ 25.
3 . العهد القديم، سفر التكوين، الاصحاح التاسع والعشرون 18 ـ 38.
4 . العهد القديم، صموئيل الثاني، الاصحاح الحادي عشر 497.


(24)

9. حدوث القرآن وقدمه:

كان أهل الحديث ملتزمين بعدم اتخاذ موقف خاص فيما لم يرد فيه نص عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو عهد من الصحابة إلاّ أنّـهم خالفوا منهجهم في هذه المسألة وقد كانت تلعب وراءها يد الأجانب، فقد طرحها يوحنّا الدمشقي في كتابه فعلّم أتباعه المسيحيّين أن يسألوا المسلمين عن السيد المسيح فإذا أجابوهم بنصّ قرآنهم: (إنّما المسيحُ عيسى ابنُ مريمَ رسولُ اللّهِ وكَلمتُهُ ألقاها إلى مريمَ وروحٌ مِنه)(1) فيقولوا هل كلمة اللّه وروحه مخلوقة أم غير مخلوقة؟ فإن قالوا مخلوقة، فإلزموهم بأنّ معناه أنّ اللّه كان ولم تكن له كلمة ولا روح وإن قالوا قديمة يثبت قدم المسيح، وكونه ابن اللّه وأحد الثلاثة.

وقد كان للتخطيط المسيحي أثره الخاص فأوجدت تلك المسألة ضجّة كبرى بين المسلمين، فالمحدثون على عدم كونه مخلوقاً والمتفكّرون كالشيعة والمعتزلة على الحدوث.

فهذه المسائل الأربع، دخلت أوساط المسلمين وتناولها المفكّرون بالبحث والنقاش، لدافع خارجي، كما عرفت.

هذه نماذج من المسائل الكلامية التي طرحت في القرن الأوّل والثاني، ولم تزل المسائل تطرح واحدة بعد الأُخرى حسب امتداد الصراع الفكري بين المسلمين وسائر الشعوب من مسيحية ويهودية ومجوسية وبوذية، فقد دفعت هذه الاتصالات الفكرية عجلة علم الكلام إلى الأمام، فأصبح المتكلّمون يبحثون عن مسائل أُخرى ربّما تقع ذريعة للردّ على الإسلام، إلى أن صار علم الكلام، علماً متكامل الأركان متشعّب الفنون ناضج الثمار داني القطوف.


1 . النساء: 171.


(25)

متكلّمو الشيعة عبر القرون

قد تعرفت على رؤوس المسائل الكلامية التي شغلت بال المفكّرين من المسلمين عبر القرنين: الأوّل والثاني، ومن حسن الحظّ أنّ أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، أخذوها بالبحث والتحليل في خطبهم ورسائلهم وقصار كلمهم، وإنّهم وإن أُقْصوا عن ساحة الحكم والخلافة لكن عكفت على بابهم الأُمّة فيما يتعلق بالعقيدة والشريعة، واعترفوا بكونهم المراجع العليا فيهما حتى المتقمّصين بالخلافة والمديرين لكرتها.

ولو أنّك سبرت ما أُثر عن أمير المؤمنين وولديه السبطين، وما ورد في أدعية السجاد ـ عليهم السَّلام ـ لوجدت في كلامهم تصاريح أو إشارات لتلك المسائل، نذكر عن كل واحد منهم نموذجاً ليكون مثالاً لما لم نذكره.

كان لمسألة القضاء والقدر دويٌّ في العقد الثالث والرابع من الهجرة وكان القدر بمعنى السالب عن الاختيار متفشّياً بين المسلمين، وقد سأل الإمام علياً ـ عليه السَّلام ـ أحد أصحابه عند منصرفه من صفين، وكان انطباعه عن التقدير أنّه لا دور للإنسان في محاسن أفعاله ومساويه، وإليك السؤال والجواب:

أخبرنا عن خروجنا إلى أهل الشام أبقضاء من اللّه وقدر؟ فقال له أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «أجل يا شيخ، فواللّه ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من اللّه وقدر». فقال الشيخ: عند اللّه أحتسب عنائي(1) يا أمير المؤمنين، فقال: «مهلاً يا شيخ: لعلّك تظنّ قضاءً حتماً وقدراً لازماً، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والأمر والنهي والزجر، ولسقط معنى الوعيد والوعد، ولم يكن على


1 . أي إن كان خروجنا وجهادنا بقضائه تعالى وقدره لم نستحق أجراً، فرجائي أن يكون عنائي عند اللّه محسوباً في عداد أعمال من يتفضّل عليهم بفضله يوم القيامة.


(26)

مسيئ لائمة ولا لمحسن مَحْمَدة، ولكان المحسن أولى باللائمة من المذنب، والمذنب أولى بالإحسان من المحسن ، تلك مقالة عبدة الأوثان، وخصماء الرحمن وقدرية هذه الأُمّة ومجوسها، يا شيخ إنّ اللّه عزّ وجلّ كلّف تخييراً، ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً (ذَلِكَ ظَنُّ الّذِينَ كَفَرُوا فَوَيلٌ لّلِذيَن َكَفُروا مِنَ النّار)(1)».

قال: فنهض الشيخ وهو يقول:

أنت الإمام الذي نرجو بطاعتــه * يوم النجاة من الرحمن غفرانا

أوضحت من ديننا ما كان ملتبساً * جزاك ربّك عنّا فيه إحسانا(2)

وفي كلام آخر له ينهى فيه البسطاء عن الخوض في القدر فقال ـ عليه السَّلام ـ : «طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسرّ اللّه فلا تتكلّفوه»(3).

إنّ خطب الإمام أو رسائله وقصار كلمه، مملوءة من الإلهيّات، والأجوبة على هذه المسائل وأشباهها، وقد عرفت كلام الشارح الحديدي أنّ المتكلّمين أخذوا أُصولهم عن خطبه.

استشهد الإمام بسيف الجور والظلم، وجاء دور السبط الأكبر، فقد قام بنفس الدور، وكان مرجعاً عالياً للمسائل والأحكام، نذكر نموذجاً ممّا أثر منه.


1 . سورة ص: 27.
2 . الصدوق: التوحيد: 380; الرضي: نهج البلاغة: قسم الحكم برقم 78، وقد حذف الرضي سؤال السائل ولخّص الجواب، ونقله غيره من المحدّثين على وجه التفصيل، ونقلناه عن تحف العقول للحرّاني: 166.
3 . الرضي: نهج البلاغة: قسم الحكم برقم 287.


(27)

رسالة الحسن البصري إلى السبط الأكبر:

كان الحسن البصري خطيب القوم ومتكلّمهم، وكان يشار إليه بالبنان خصوصاً في أواخر القرن الأوّل، وكان لمسألة الاستطاعة واختيار الإنسان دويٌّ، ووقع كثير من أهل الحديث في ورطة الجبر زاعمين أنّ القول بالقضاء والقدر، يسلب الحرية عن الإنسان، ويجعله مكتوف الأيدي في الحياة; هذا، ومن جانب آخر، تلك الفكرة تضادّ الفطرة الإنسانية وتجعل جهود الأنبياء والأولياء وعلماء التربية تذهب سدى.

فكتب الحسن البصري إلى السبط يسأله عن تلك المعضلة، وإليك السؤال والجواب:

أمّا بعد: فانّكم معشر بني هاشم، الفلك الجارية في اللّجج الغامرة، والأعلام النيّـرة الشاهرة، أو كسفينة نوح ـ عليه السَّلام ـ التي نزلها المؤمنون، ونجا فيها المسلمون، كتبت إليك يا ابن رسول اللّه عند اختلافنا في القدر وحيرتنا في الاستطاعة، فأخبرنا بالذي عليه رأيك ورأي آبائك ـ عليهم السَّلام ـ ، فإنّ من عِلْم اللّه علمكم، وأنتم شهداء على الناس واللّه الشاهد عليكم (ذريّةً بَعضُها مِن بعض واللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(1).

فأجابه الحسن ـ عليه السَّلام ـ : «بسم اللّه الرحمن الرحيم، وصل إليّ كتابك، ولولا ما ذكرته من حيرتك وحيرة من مضى قبلك إذاً ما أخبرتك، أما بعد: فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشرّه وإنّ اللّه يعلمه فقد كفر، ومن أحال المعاصي على اللّه فقد فجر، إنّ اللّه لم يُطَعْ مكرهاً، ولم يُعْصَ مغلوباً، ولم يهمل العباد سدى من المملكة، بل هو المالك لما ملّكهم والقادر على ما عليه أقدرهم، بل أمرهم تخييراً، ونهاههم تحذيراً،


1 . آل عمران: 34.


(28)

فإن ائتمروا بالطاعة لم يجدوا عنها صادّاً، وإن انتهوا إلى معصية فشاء أن يمنّ عليهم بأن يحول بينهم وبينها، فعل، وإن لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها جبراً، ولا أُلزموها كرهاً، بل منَّ عليهم بأن بصَّـرهم وعرّفهم وحذّرهم وأمرهم ونهاهم، لا جَبْلاً لهم على ما أمرهم به فيكونوا كالملائكة، ولا جبراً لهم على ما نهاهم عنه، وللّه الحجة البالغة، فلو شاء لهداكم أجمعين، والسلام على من اتّبع الهدى»(1).

مكافحة السبطين للتشبيه:

قد كان للأحبار والرهبان دور خاص في بثّ أحاديث التجسيم بين المسلمين، فكان القول به فاشياً بين أهل الحديث ولكن السبطين كافحاه بخطبهم وكلامهم.

وقد خطب الحسن بن علي ـ عليه السَّلام ـ وقال: «الحمد للّه الذي لم يكن فيه أوّل معلوم، ولا آخر متناه، ولا قبل مدرك، ولا بعد محدود، فلا تدرك العقول أوهامها، ولا الفكر وخطراتها، ولا الألباب وأذهانها صفته فتقول: متى ولا بدئ ممّا، ولا ظاهر على ما، ولا باطن فيما»(2).

سؤال نافع بن الأزرق عن الإله الذي يُعبد:

كان نافع بن الأزرق من رؤوس الخوارج وكان من المتطرّفين،فقد عكف على باب الإمام في التعرّف على معرفة ربّه، وكان يتعلّم من ابن عباس ما يجهله من مفاهيم القرآن، نقل عكرمة عن ابن عباس أنّه بينما كان يحدّث الناس إذ قام إليه


1 . ابن شعبة الحرّاني: تحف العقول: 232; المجلسي: بحار الأنوار: 5/40 ح 63; الكراجكي: كنز الفوائد: 117، ط 1.
2 . نور الثقلين: 5/236.


(29)

نافع بن الأزرق، فقال له: يا ابن عباس تفتي الناس في النملة والقمّلة، صف لي إلهك الذي تعبد؟! فأطرق ابن عباس إعظاماً لقوله، وكان الحسين بن علي جالساً ناحية فقال: «إليّ يا ابن الأزرق»، قال ابن الأزرق: لست إيّاك أسأل. قال ابن عباس: يا ابن الأزرق، إنّه من أهل بيت النبوة وهم ورثة العلم، فأقبل نافع نحو الحسين، فقال له الحسين: «يا نافع إنّ من وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في الالتباس، سائلاً ناكباً عن المنهاج، ظاعناً بالاعوجاج، ضالاً عن السبيل، قائلاً غير الجميل.

يا ابن الأزرق أصف إلهي بما وصف به نفسه، وأُعرِّفه بما عرّف به نفسه: لا يُدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، قريب غير ملتصق، وبعيد غير منقص، يوحّد ولا يتبعّض، معروف بالآيات، موصوف بالعلامات، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال».

فبكى ابن الأزرق، وقال: يا حسين ما أحسن كلامك! قال له الحسين: «بلغني أنك تشهد على أبي وعلى أخي بالكفر وعليّ؟» قال ابن الأزرق: أما واللّه يا حسين لئن كان ذلك لقد كنتم منار الإسلام ونجوم الأحكام، فقال له الحسين: «إني سائلك عن مسألة»، قال: اسأل، فسأله عن هذه الآية: (وأمّا الجِدارُ فكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَة ) (1).

يا ابن الأزرق من حفظ في الغلامين؟» قال ابن الأزرق: أبوهما. قال الحسين: «فأبوهما خيرٌ أم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟» قال ابن الأزرق: قد أنبأنا اللّه تعالى أنّكم قوم خصمون(2).


1 . الكهف: 82.
2 . ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق، قسم حياة الإمام الحسين: 158، تحقيق محمد باقر المحمودي; والمجلسي: بحار الأنوار: 4/297 (وذيل الحديث يحتاج إلى توضيح).


(30)

دور الإمام السجاد في الدفاع عن العقيدة:

قام الإمام السجاد بنفس الأمر الذي قام به جدّه وأبوه وعمّه، فقال لما سئل عن التوحيد: إنّ اللّه عزّ وجلّ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون فأنزل اللّه تعالى: (قل هو اللّه أحد) والآيات الست من أوّل سورة الحديد وهي:

بسم اللّه الرحمن الرحيم (سَبّحَ للّهِ ما في السمواتِ والأرضِ وهُوَ العزيزُ الحكيمُ * لَهُ مُلْكُ السمواتِ والأرضِ يُحيِي ويُمِيتُ وهُوَ على كلِّ شيء قديرٌ * هُوَ الأوّلُ والآخِرُ والظاهِرُ والباطِنُ وهُوَ بكلِّ شَـيْء عَلِيمٌ * هُوَ الذي خَلَقَ السَّمواتِ والأرضَ في سِتَّةِ أيّام ثُمَّ استوَى على العرشِ يَعْلمُ ما يَلِجُ فِي الأرضِ وما يخرجُ مِنها وما يَنزِلُ مِنَ السّماءِ ومَا يَعْرُجُ فِيها وهُوَ مَعَكُمْ أينَ ما كُنْتُمْ واللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * لَهُ ملكُ السمواتِ والأرضِ وإلى اللّهِ تُرجَعُ الأُمورُ * يُولِجُ الليلَ فِي النهارِ ويُولِجُ النّهارَ فِي الليلِ وهُوَ عَلِيمٌ بذاتِ الصُّدُور ) (1).

روى الشيخ المفيد أنّ عليّ بن الحسين كان في مسجد رسول اللّه ذات يوم إذ سمع قوماً يشبّهون اللّه بخلقه، ففزع لذلك وارتاع له، ونهض حتى أتى قبر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فوقف عنده، ورفع صوته يناجي ربّه، فقال في مناجاته له:

«إلهي بدت قدرتك، ولم تبدُ هيئة، فجهلوك، وقدّروك بالتقدير على غير ما أنت به، شبّهوك وأنا بريءٌ يا إلهي من الذين بالتشبيه طلبوك، ليس كمثلك شيء إلهي ولم يُدركوك، وظاهر ما بهم من نعمة دليلهم عليك لو عرفوك، وفي خلقك ياإلهي مندوحة عن أن يناولوك، بل سوّوك بخلقك، فمن ثَمّ لم يعرفوك واتخذوا بعض آياتك ربّاً، فبذلك وصفوك، فتعاليت يا إلهي عمّـا به المشبّهون نعتوك»(2).


1 . نور الثقلين: 5/231.
2 . المفيد: الإرشاد: 260، طبعة النجف.


(31)

وقد ضاق المجال على الإمام، وكانت السلطة لا تسمح له بالكلام والخطابة، فتفرّغ إلى العبادة ومناجاة ربّه، وخلّف أدعية ضمّت في طيّاتها، بحراً من المعرفة ودقايق العرفان.

هذا دور أئمّة الشيعة الأربعة في القرن الأوّل وقد تربّى في مدرستهم رجال ذبّوا عن حياض العقيدة، بكلّ ما يملكون من حول وقوة، وإليك أسماء بعضهم:

1. سلمان الفارسي:

وله مشاهد ومواقف عند انتزاع الخلافة من أهل بيت النبي الأكرم، وقد خطب بعد رحلة النبي خطبة مطوّلة قال فيها:

ألا إنّ لكم منايا تتبعها بلايا، فإنّ عند عليّ علم المنايا وعلم الوصايا وفصل الخطاب على منهاج هارون بن عمران، قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «أنت وصيّي وخليفتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى»، ولكنّكم أصبتم سنّة الأوّلين، وأخطأتم سبيلكم، والذي نفس سلمان بيده لتركبنّ طبقاً عن طبق سنّة بني إسرائيل، القذة بالقذة، أما واللّه لو ولّيتموهما عليّاً لأكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم فابشروا بالبلاء، واقنطوا من الرخاء، ونابذتكم على سواء وانقطعت العصمة فيما بيني وبينكم من الولاء ..(1).

2. أبو ذر الغفاري جندب بن جنادة:

جندب بن جنادة ذلك الصحابيّ الجليل الذي كانت له مواقف مشهودة بعد رحلة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأيّام خلافة عثمان، حتى لفظ نفسه في صحراء لا ماء فيها ولا كلاء لأجل تلك المواقف، وقد قال في حقّه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ما أضلّت الخضراء ولا


1 . المامقاني: تنقيح المقال: 2/47 رقم 5059.


(32)

أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر» ، وهو الذي أخذ بحلقة باب الكعبة ونادى بأعلى صوته: «أنا جندب بن جنادة لمن عرفني، وأبو ذر لمن لم يعرفني، إنّي سمعت رسول اللّه يقول: «إنّ مثل أهل بيتي في هذه الأُمّة مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق»، ألا هل بلّغت؟»(1).

وله مواقف حاسمة مع كعب الأحبار في مجلس الخليفة في تفسير آية الكنز وغيرها، وقد حفظها التاريخ والتفسير فليطلب من مظانّه.

3. عبد اللّه بن عباس:

حبر الأُمّة وعالم الشريعة، تلميذ الوصي المعروف بحجاجه ومناظراته مع الخوارج وغيرهم، وقد حفلت كتب التفسير بآرائه وأفكاره في العقائد والتفسير، وقد ذكر السيوطي في إتقانه مناظرة الخوارج معه في لغات قرآنية(2).

4. حجر بن عديّ الكندي:

من أصحاب عليّ ـ عليه السَّلام ـ ويصفه الإمام أبو عبد اللّه الحسين بن علي بقوله مندّداً بعمل معاوية حيث قتله بشهادة مزوّرة حاكها زياد بن أبيه، «ألست القاتل حجراً أخا كندة، والمصلّين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع، ولا يخافون في اللّه لومة لائم، قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلّظة والمواثيق المؤكّدة»(3) وقد استشهد في مرج عذراء عام 51 هـ.


1 . المامقاني: تنقيح المقال: 1/235 رقم 1900.
2 . السيوطي: الاتقان: 1/383 ـ 416، تحقيق الدكتور مصطفى ديب البُغا، ولو صحّ النقل يدل على سعة اطّلاع ابن عباس على ديوان العرب.
3 . ابن قتيبة: الإمامة والسياسة: 1/164 ـ 165، ط مصر.


(33)

قال ابن الأثير في أُسد الغابة بعد عدّه من الصحابة: هو المعروف بحجر الخير، شهد القادسية وكان من فضلاء الصحابة، وكان على كندة بصفين، وعلى الميسرة يوم النهروان، وشهد الجمل أيضاً مع عليّ وكان من أعيان صحابته(1).

5. كُميل بن زياد النخعي:

الذي يعرّفه ابن حجر وغيره بقوله: كميل بن زياد بن نهيك بن الهيثم النخعي، حدّث عن عليّ وغيره، شهد صفين مع عليّ، وكان شريفاً مطاعاً، ثقة عابداً على تشيّعه، قليل الحديث قتله الحجاج ووثّقه ابن سعد وابن معن(2).

أقول: كان كميل من خيار الشيعة وخاصّة أمير المؤمنين، طلبه الحجاج فهرب منه، فحرم قومه عطاءهم، فلمّـا رأى كميل ذلك قال: أنا شيخ كبير وقد نفذ عمري، ولا ينبغي أن أكون سبباً في حرمان قومي، فاستسلم للحجاج، فلما رآه قال له: كنت أحبّ أن أجد عليك سبيلاً، فقال له كميل: لا تبرق ولا ترعد! ، فواللّه ما بقي من عمري إلاّ مثل الغبار، فاقض فإنّ الموعد اللّه عزّ وجلّ، وبعد القتل الحساب، ولقد أخبرني أمير المؤمنين أنّك قاتلي، فقال الحجاج: الحجّة عليك إذاً!، فقال: ذلك إن كان القضاء لك، قال: اضربوا عنقه(3).

كفى في وعيه ومعرفته وعرفانه أنّ الإمام علّمه دعاءه المعروف باسمه، وفيه من النكات البديعة والإشارات اللطيفة التي لا يتحمّلها إلاّ الأوحديّ.

6. الأصبغ بن نباتة:

التميميّ الحنظّلي المجاشعيّ الكوفيّ من خاصّة أمير المؤمنين وعمّر بعده.


1 . ابن الأثير: أُسد الغابة : 1/ 385.
2 . الذهبي: ميزان الاعتدال: 3/415; ابن حجر: تهذيب التهذيب: 8/447 برقم 811.
3 . الخوئي: معجم رجال الحديث: 14/128 برقم 9753.


(34)

روى عنه ـ عليه السَّلام ـ عهد الأشتر ووصيّته إلى ابنه، قال المفيد: كان رحمه اللّه من خواصّ أصحابه ـ عليه السَّلام ـ ، وكثير الحبّ له، وكان رجلاً فاضلاً، كثير الرواية، متّفقاً في حديثه من كبار التابعين، وكان أكثر رواياته عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ وله روايات كثيرة في فنون العلم، وأبواب الفقه والتفسير والحكم وغيرها(1).

7. زيد بن صوحان العبدي:

عدّه الشيخ الطوسي من أصحاب أمير المؤمنين قائلاً: كان من الأبدال، قتل يوم الجمل، وقيل استرجعت عائشة حين سمعت أنّه قتل(2) ولما صرع يوم الجمل جلس عليّ عند رأسه فقال: «رحمك اللّه يا زيد، لقد كنت خفيف المؤنة، عظيم المعونة»، فرفع زيد رأسه ثم قال: وأنت فجزاك اللّه خيراً يا أمير المؤمنين ... واللّه ما قاتلت معك على جهالة، ولكن سمعت أُمّ سلمة زوج رسول اللّه تقول: سمعت رسول اللّه يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله»، فكرهت أن أخذلك فيخذلني اللّه.

وكتبت عائشة من البصرة إلى زيد بن صوحان: من عائشة زوج النبي إلى ابنها زيد بن صوحان أما بعد: فإذا أتاك كتابي هذا فاجلس في بيتك وخذِّل الناس عن علي بن أبي طالب، حتى يأتيك أمري، فلما قرأ كتابها قال: أُمرْتِ بأمر وأُمرْنا بغيره، فركبتِ ما أُمرْنا به، وأمرتِنا أنْ نركب ما أُمرْتِ به، أُمرْتِ أن تقرِّ في بيتكِ وأمرْنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة(3).


1 . النجاشي: الرجال: 1/60 برقم 5، وابن سعد في الطبقات الكبرى: 6/255، والمفيد في الاختصاص: 65، والكشي في الرجال برقم 42.
2 . الطوسي: الرجال: 64 برقم 566، أصحاب أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ .
3 . الكشي: الرجال: 63 ـ 64.


(35)

8. صعصعة بن صوحان:

صعصعة بن صوحان العبدي روى عهد مالك بن الحارث الأشتر(1). وقال ابن عبد البرّ: أسلم في عهد رسول اللّه ولم يره(2).

وقال ابن الأثير: إنّ صعصعة كان من سادات قومه «عبد القيس» وكان فصيحاً خطيباً ديّناً فاضلاً يعدّ في أصحاب عليّ وشهد معه حروبه، وهو القائل لعمر بن الخطاب حتى قسّم المال الذي بعث إليه أبو موسى وكان ألف ألف درهم وفضلت فضلة فاختلفوا أين يضعها، فخطب عمر الناس وقال: أيّها الناس قد بقيت لكم فضلة بعد حقوق الناس، فقام صعصعة وهو غلام شاب وقال: إنّما نشاور الناس فيما لم ينزل فيه قرآن، فأما ما نزل به القرآن فضعه في مواضعه التي وضعها اللّه عزّ وجلّ فيها، فقال: صدقتَ أنت منيّ وأنا منك، فقسّمه بين المسلمين، وهو من سيّـره عثمان إلى الشام وتوفى أيّام معاوية وكان ثقة، جليل الحديث، أخرجه الثلاثة(3).

9. سعيد بن جبير:

التابعيّ المعروف بالعفّة والزهد والعبادة، وكان يصلّـي خلف الإمام زين العابدين. وذكر أنّه لمّا دخل على الحجاج قال له: أنت شقيّ بن كسير، فقال: أُمّي أعرف باسمي منك، ثم بعد ردّ وبدل أمر الحجاج بقتله، فقال سعيد: (وَجّهْتُ وَجهي لِلّذي فَطَرَ السمواتِ والأرضَ حَنِيفاً ومَا أنا مِنَ المُشْرِكين)(4)، فقال


1 . النجاشي: 1/448 برقم 540.
2 . الاستيعاب: 2/185.
3 . ابن الأثير: أُسد الغابة: 3/20.
4 . الأنعام: 79.


(36)

الحجاج: شدّوه إلى غير القبلة، فقال: (فأين ما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجهُ اللّهِ)(1) فقال: كبّوه على وجهه، قال: (مِنْها خَلَقناكُمْ وفِيها نُعِيدُكْم ومِنها نُخْرِجُكْم تارةً أُخْرى)(2)، ثم ضربت عنقه(3).

10. قنبر مولى أمير المؤمنين:

صاحب سرّه ومستودع علمه. قال الحجاج لبعض جلاوزته: أحبّ أن أُصيب رجلاً من أصحاب أبي تراب، فقال: ما نعلم أحداً كان أطول صحبة له من مولاه قنبر، فبعث في طلبه فقال: أنت قنبر؟ قال: نعم. قال له: إبرأ من دين عليّ. فقال له: هل تدلّني على دين أفضل من دينه؟ قال: إنّي قاتلك فاختر أيّ قتلة أحبّ إليك؟ قال: أخبرني أمير المؤمنين: أنّ ميتتي تكون ذبحاً بغير حق، فأُمر به فذبح كما تذبح الشاة.(4)

11. ميثم التمّـار:

هو صاحب أمير المؤمنين وأمره في الجلالة، ورفعة المنزلة وعلوّ الشأن مستغن عن البيان، كان عبداً لامرأة فاشتراه عليّ فأعتقه، قال: «ما اسمك؟» قال: له سالم. قال: «حدّثني رسول اللّه أنّ اسمك الذي سمّـاك أبوك في العجم: ميثم؟» قال: صدق اللّه ورسوله فرجع إلى ميثم واكتنّ بأبي سالم، وقد أخبره عليّ بأنّه يصلب على باب عمرو بن حريث عاشر عشرة هو أقصرهم خشبة، وأراه النخلة التي يصلب على جذعها، وكان ميثم يأتي ويصلّـي عندها.


1 . البقرة: 115.
2 . طه: 55.
3 . الكشي: الرجال: 110، برقم 55; ابن حجر، تهذيب التهذيب: 4/12.
4 . الكشي: الرجال: 67 ـ 70 برقم 21.


(37)

وقال لابن عباس: سلني عمّـا شئت من تفسير القرآن فإنّـي قرأت تنزيله عند أمير المؤمنين وعلّمني تأويله، فقال: يا جارية هات الدواة والقلم، فأقبل يكتب(1).

12. مالك بن الحارث الأشتر النخعي:

عدّه الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام أمير المؤمنين وقائد قوّاته في حرب الجمل وصفين، أمره في الجلالة والوثاقة والشجاعة والمناظرة أظهر من أن يبيّـن، ولمّا بلغ عليّ موته قال: «رحم اللّه مالكاً، لو كان صخراً لكان صلداً، ولو كان جبلاً لكان فنداً».

لم يزل يكافح النزعات الأموية، من عصر الخليفة عثمان إلى أن استشهد في مصر بيد أحد عملاء معاوية(2).

ومن نماذج كلامه ما ذكره عند تجهيز أبي ذر، حيث خرج مع رهط إلى الحج فإذا امرأة على قارعة الطريق تقول: يا عباد اللّه، هذا أبو ذر صاحب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد هلك غريباً ليس لي أحد يعينني عليه، فنزل ونزل الرهط، فلما جهّزوه، وصلّـى عليه الأشتر قام على قبره وقال: اللّهم هذا أبو ذر صاحب رسول اللّه عبدك في العابدين، وجاهد فيك المشركين، لم يغيّـر ولم يبدّل، لكنه رأى منكراً فغيّـره بلسانه وقلبه، حتى جُفِيَ ونُفِيَ وجُرّم واحتُقِر ثم مات وحيداً، اللهم فاقصم من حرّمه ونفاه من حرم رسولك. فقال الناس: آمين(3).

* * *


1 . الكشي: الرجال: 47، برقم 24.
2 . المامقاني: تنقيح المقال: 3/262 برقم 12344.
3 . الكشي: الرجال: 61 ـ 62 برقم 17.


(38)

هؤلاء اثنا عشر رجلاً من رجال الدعوة والإصلاح والذبّ والدفاع عن حريم العقيدة، المعروفون بنفسيّاتهم الكريمة، وملكاتهم الفاضلة، وسعيهم وراء الدعوة إلى الحق، ومع ذلك نراهم بين مصلوب على جذوع النخل، إلى مذبوح كما تذبح الشاة، إلى صريع في ميدان الجهاد، إلى منفيّ إلى صحراء لا ماء فيه ولا عشب، فهلك والتراب فراشه، والسماء شعاره، إلى غير ذلك من ألوان العذاب التي عمّت هؤلاء الذابّين عن حريم العقيدة.

وما نقموا منهم، سوى الاصحار بالحقيقة، والإجهار بالولاية، والسعي وراء مصالح الأُمّة وراء العقيدة الحقّة.

فبعض هؤلاء إن لم يكونوا متكلّمين بالمعنى المصطلح، لكن كانوا ذابّين عن حريم العقيدة بالكتاب والسنّة، والبعض الآخر كان من أكبر متكلّمي عصرهم لا يشقّ غبارهم ولا يدرك شأوهم.

متكلّمو الشيعة في القرن الثاني:

1. زرارة بن أعين بن سنسن:

مولى (بني عبد اللّه بن عمرو السمين بن أسعد بن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان)، أبو الحسن، شيخ أصحابنا في زمانه، ومتقدّمهم، وكان قارئاً فقيهاً متكلّماً شاعراً، أديباً، قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين، صادقاً في ما يرويه.

قال أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه: رأيت له كتاباً في الاستطاعة والجبر(1). وقال ابن النديم: وزرارة أكبر رجال الشيعة فقهاً وحديثاً


1 . النجاشي: الرجال 1/397 برقم 481، الطوسي: الفهرست: برقم 314، الكشي: الرجال: برقم 62، الذهبي: ميزان الاعتدال: 2/ برقم 2853.


(39)

ومعرفةً بالكلام والتشيع.(1) وهو من الشخصيّات البارزة للشيعة التي اجتمعت العصابة على تصديقهم، هو غنيّ عن التعريف والتوصيف.

2. محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي:

يُعرِّفه النجاشي بقوله: مولى، الأحول «أبو جعفر» كوفيّ، صيرفيّ، يلقب مؤمن الطاق و «صاحب الطاق» ويلقبه المخالفون «شيطان الطاق» ... وكان دكّانه في طاق المحامل بالكوفة، فيرجع إليه في النقد فيردّ ردّاً فيخرج كما يقول فيقال «شيطان الطاق»، فأمّا منزلته في العلم وحسن الخاطر، فأشهر وقد نسب إليه أشياء لم تثبت عندنا وله كتاب «افعل لا تفعل» رأيته عند أحمد بن الحسين بن عبيد اللّه رحمه اللّه، كتاب حسن كبير وقد أدخل فيه بعض المتأخرين أحاديث تدلّ على فساد، ويذكر تباين أقاويل الصحابة وله كتاب «الاحتجاج في إمامة أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ »، وكتاب كلامه على الخوارج، وكتاب مجالسه مع أبي حنيفة والمرجئة...(2)، وقد توفي الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ عام 148، وأبو حنيفة عام 150، فالرجل من متكلّمي القرن الثاني.

وقال ابن النديم: وكان متكلّماً حاذقاً، وله من الكتب كتاب الإمامة، كتاب المعرفة، كتاب الردّ على المعتزلة في إمامة المفضول، كتاب في أمر طلحة والزبير وعائشة(3).

3. هشام بن الحكم:

قال ابن النديم: هو من متكلّمي الشيعة الإمامية وبطانتهم، وممّن دعا له


1 . ابن النديم: الفهرست: 323.
2 . النجاشي: الرجال: 2/203 برقم 878، الطوسي: الرجال: أصحاب الكاظم برقم 18، الفهرست للطوسي: برقم 594، الكشي: الرجال: برقم 77.
3 . ابن النديم: الفهرست: 264، وأيضاً ص 258.


(40)

الصادق، فقال: «أقول لك ما قال رسول اللّه لحسّان: لا تزال مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك»، وهو الذي فتق الكلام في الإمامة، وهذّب المذهب، وسهّل طريق الحجاج فيه، وكان حاذقاً بصناعة الكلام، حاضر الجواب(1).

يقول الشهرستاني: وهذا هشام بن الحكم، صاحب غور في الأُصول لا ينبغي أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة، فإنّ الرجل وراء ما يلزم به على الخصم، ودون ما يظهره من التشبيه وذلك أنّه ألزم العلاّف ...(2).

وقال النجاشي: هشام بن الحكم، أبو محمد مولى كندة، وكان ينزل بني شيبان بالكوفة، انتقل إلى بغداد سنة 199، ويقال أنّ في هذه السنة مات، له كتاب يرويه جماعة. ثم ذكر أسماء كتبه على النحو التالي:

1. علل التحريم 2. الإمامة 3. الدلالة على حدوث الأجسام 4. الردّ على الزنادقة 5. الردّ على أصحاب الاثنين 6. الردّ على هشام الجواليقي 7. الردّ على أصحاب الطبائع 8. الشيخ والغلام في التوحيد 9. التدبير في الإمامة 10. الميزان 11. إمامة المفضول 12. الوصيّة والردّ على منكريها 13. الميدان 14. اختلاف الناس في الإمامة 15. الجبر والقدر 16. الحكمين 17. الردّ على المعتزلة وطلحة والزبير 18. القدر 19. الألفاظ 20. الاستطاعة 21. المعرفة 22. الثمانية أبواب 23. الأخبار 24. الردّ على المعتزلة 25. الردّ على ارسطاطاليس في التوحيد 26.المجالس في التوحيد 27. المجالس في الإمامة(3).

يقول أحمد أمين: أكبر شخصية شيعية في الكلام، وكان جداً قويّ الحجّة، ناظر المعتزلة وناظروه، ونقلت له في كتب الأدب مناظرات كثيرة متفرّقة تدلّ على


1 . ابن النديم: الفهرست: 257.
2 . الشهرستاني: الملل والنحل: 1/185.
3 . النجاشي: الرجال: 2/397 برقم 1165.


(41)

حضور بديهية وقوّة حججه.

إنّ الرجل كان في بداية أمره من تلاميذ أبي شاكر الديصاني، صاحب النزعة الإلحادية في الإسلام، ثم تبع الجهم بن صفوان، الجبري المتطرّف المقتول بترمذ، عام 128 هـ، ثمّ لحق بالإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ودان بمذهب الإمامية، وما تنقل منه من الآراء التي لا توافق أُصول الإمامية، فإنّما هي راجعة إلى العصرين اللّذين كان فيهما على النزعة الإلحادية أو الجهمية، وأمّا بعدما لحق بالإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، فقد انطبعت عقليّته بمعارف أهل البيت إلى حدّ كبير، حتى صار أحد المناضلين عن عقائد الشيعة الإمامية(1).

4. قيس بن الماصر:

أحد أعلام المتكلّمين، تعلّم الكلام من عليّ بن الحسين ـ عليه السَّلام ـ ، روى الكليني أنّه أتى شامي إلى أبي عبد اللّه الصادق ليناظر أصحابه، فقال ـ عليه السَّلام ـ ليونس بن يعقوب: انظر من ترى بالباب من المتكلّمين ... إلى أن قال يونس: فأدخلت زرارة بن أعين وكان يحسن الكلام، وأدخلت الأحول وكان يحسن الكلام، وأدخلت هشام بن الحكم وهو يحسن الكلام، وأدخلت قيس بن الماصر، وكان عندي أحسنهم كلاماً وقد تعلّم الكلام من عليّ بن الحسين ـ عليهما السَّلام ـ (2).

5. عيسى بن روضة حاجب المنصور:

كان متكلّماً، جيّد الكلام، وله كتاب في الإمامة وقد وصفه أحمد بن أبي طاهر


1 . إنّ للعلامة الحجة الشيخ عبد اللّه نعمة كتاباً في حياة هشام بن الحكم، فقد أغرق نزعاً في التحقيق وأغنانا عن كل بحث وتنقيب.
2 . الكليني: الكافي: 1/171.


(42)

في كتاب بغداد، وذكر أنّه رأى الكتاب وقال بعض أصحابنا رحمهم اللّه:إنّه رأى هذا الكتاب، وقرأت في بعض الكتب: أنّ المنصور لما كان بالحيرة، تسمّع على عيسى بن روضة، وكان مولاه وهو يتكلّم في الإمامة، فأعجب به واستجاد كلامه(1) وبما أنّ المنصور توفي عام 158، فالرجل من متكلّمـي القرن الثاني.

6. الضحّاك، أبو مالك الحضرمي:

كوفيّ، عربيّ، أدرك أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، وقال قوم من أصحابنا: روى عنه، وقال آخرون: لم يرو عنه، روى عن أبي الحسن، وكان متكلّماً، ثقة ثقة في الحديث، وله كتاب في التوحيد رواه عنه علي بن الحسين الطاطري(2)، فالرجل من متكلّمي القرن الثاني، وقال ابن النديم: من متكلّمي الشيعة، وله مع أبي عليّ الجبائي مجلس في الإمامة وتثبيتها بحضرة أبي محمّد القاسم بن محمّد الكرخي، وله من الكتب: كتاب الإمامة، نقض الإمامة على أبي عليّ ولم يتمّه(3).

7. علي بن الحسن بن محمّد الطائي:

المعروف بـ «الطاطري» كان فقيهاً، ثقة في حديثه، له كتب، منها: التوحيد، الإمامة، الفطرة، المعرفة، الولاية(4) وغيرها. وعدّه ابن النديم من متكلّمي الإمامية وقال: «ومن القدماء: الطاطري وكان شيعيّاً واسمه ... وتنقّل في التشيّع وله من الكتب كتاب الإمامة حسن(5) وبما أنّه من أصحاب الإمام الكاظم فهو من متكلّمي القرن الثاني.


1 . النجاشي: الرجال: 2/145 برقم 794.
2 . النجاشي: الرجال: 1/451 برقم 544.
3 . ابن النديم: الفهرست: 266.
4 . النجاشي: الرجال: 2/77 برقم 665.
5 . ابن النديم: الفهرست: 266.


(43)

8. الحسن بن عليّ بن يقطين بن موسى:

مولى بني هاشم، وقيل مولى بني أسد، كان فقيهاً متكلّماً روى عن أبي الحسن والرضا ـ عليهما السَّلام ـ ، وله كتاب مسائل أبي الحسن موسى ـ عليه السَّلام ـ (1) وبما أنّ أبا الحسن الأوّل توفي عام 183، والثاني توفي عام 203، فالرجل من متكلّمي القرن الثاني وأوائل القرن الثالث; وذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الرضا(2) وهو الذي سأل الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ بأنّه لا يقدر على لقائه في كل وقت فعمّن يأخذ معالم دينه؟ فأجاب الإمام ـ عليه السَّلام ـ : «خذ عن يونس بن عبد الرحمن»(3).

9. حديد بن حكيم:

أبو علي الأزدي المدائني، ثقة، وجه، متكلّم، روى عن أبي عبد اللّه، وأبي الحسن ـ عليهما السَّلام ـ ، له كتاب يرويه محمد بن خالد(4).

وبما أنّه من تلاميذ الصادق والكاظم ـ عليهما السَّلام ـ فالرجل من متكلّمي الشيعة في القرن الثاني.

10. فضال بن الحسن بن فضال:

وهو من متكلّمي عصر الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، وذكر الطبرسي في احتجاجه مناظرته مع أبي حنيفة، فلاحظ(5).


1 . النجاشي: الرجال: 1/148 برقم 9.
2 . الشيخ الطوسي: الرجال: برقم 7.
3 . النجاشي: 2/421 برقم 1209.
4 . النجاشي: الرجال: 1/377 برقم 383، وذكره الخطيب في تاريخه: ج8 برقم 4377.
5 . التستري: قاموس الرجال: 4/313.


(44)

وما ذكرناه نماذج من مشاهير المتكلّمين في عصر الصادقين والكاظم ـ عليهم السَّلام ـ ، وهناك من لم نذكرهم ولهم مناظرات واحتجاجات احتفلت بها الكتب التاريخية والكلامية، كحمران بن أعين الشيباني، وهشام بن سالم الجواليقي، والسيّد الحميري، والكميت الأسدي(1).

متكلّمو الشيعة في القرن الثالث:

1. الفضل بن شاذان بن الخليل أبو محمد الأزدي النيشابوري:

كان أبوه من أصحاب يونس، وروى عن أبي جعفر الثاني وقيل الرضا ـ عليهما السَّلام ـ ، وكان ثقة، أحد أصحابنا الفقهاء، والمتكلّمين، وله جلالة في هذه الطائفة، وهو في قدره أشهر من أن نصفه، وذكر الكنجي أنّه صنّف مائة وثمانين كتاباً.

وذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الإمام الهادي والعسكري ـ عليهما السَّلام ـ ، وقد توفي عام 260 هـ ، فهو من متكلّمي القرن الثالث، وقد ذكر النجاشي فهرس كتبه نقتبس منه ما يلي:

النقض على الاسكافي في تقوية الجسم، الوعيد، الردّ على أهل التعطيل، الاستطاعة، مسائل في العلم، الاعراض والجواهر، العلل، الإيمان، الردّ على الثنوية، إثبات الرجعة، الردّ على الغالية المحمدية، تبيان أصل الضلالة، الردّ على محمد بن كرام، التوحيد في كتاب اللّه، الردّ على أحمد بن الحسين، الردّ على الأصم، كتاب في الوعد والوعيد آخر، الردّ على بيان ايمان ابن رباب (الخارجي)، الردّ على الفلاسفة، محنة الإسلام، أربع مسائل في الإمامة، الردّ على المنّانية، الردّ على المرجئة، الردّ على القرامطة، الردّ على البائسة، اللطيف، القائم ـ عليه السَّلام ـ ، كتاب الإمامة


1 . لاحظ أعيان الشيعة: 1/134 ـ 135.


(45)

الكبير، كتاب حذوا النعل بالنعل، فضل أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، معرفة الهدى والضلالة، التعرّي والحاصل، الخصال في الإمامة، المعيار والموازنة، الردّ على الحشوية، الردّ على الحسن البصري في التفضيل، النسبة بين الجبرية والبترية.(1)

2. حكم بن هشام بن الحكم:

أبو محمّد، مولى كندة، سكن البصرة، وكان مشهوراً بالكلام، كلّم الناس، وحكي عنه مجالس كثيرة، ذكر بعض أصحابنا أنّه رأى له كتاباً في الإمامة(2)، وقد توفّـي والده 200 أو 199، فهو من متكلّمي أواخر القرن الثاني، وأوائل القرن الثالث.

3. داود بن أسد بن أعفر:

أبو الأحوص البصري (رحمه اللّه) شيخ جليل، فقيه متكلّم، من أصحاب الحديث، ثقة ثقة، وأبوه من شيوخ أصحاب الحديث الثقات، له كتب منها كتاب في الإمامة على سائر من خالفه من الأُمم، والآخر مجرّد الدلائل والبراهين، وذكره الشيخ الطوسي في الفهرست في باب الكنى وقال: إنّه من جملة متكلّمي الإمامية، لقيه الحسن بن موسى النوبختي، وأخذ عنه، واجتمع معه في الحائر على ساكنه السلام، وكان ورد للزيارة فبما أنّه من مشايخ الحسن بن موسى النوبختي المعاصر للجبائي (ت 303) فهو من متكلّمي القرن الثالث(3).


1 . النجاشي: الرجال: 2/168 برقم 838، والطوسي: الرجال: برقم 1 و 2 في أصحاب الهادي والعسكري، والكشي: الرجال: برقم 416.
2 . النجاشي: الرجال: 2/328 برقم 349.
3 . النجاشي: الرجال: 1/364، وفهرست الشيخ: 221.


(46)

4. محمّد بن عبد اللّه بن مملك الاصبهاني:

أصله من جرجان، وسكن اصبهان، جليل في أصحابنا، عظيم القدر والمنزلة كان معتزلياً ورجع على يد عبد الرحمن بن أحمد بن جبرويه (رحمه اللّه)، له كتب منها: كتاب الجامع في سائر أبواب الكلام كبير، وكتاب المسائل والجوابات في الإمامة، كتاب مواليد الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ ، كتاب مجالسه مع أبي علي الجبائي (235 ـ 303 هـ )(1).

5. ثبيت بن محمّد، أبو محمّد العسكري:

صاحب أبي عيسى الوراق (محمّد بن هارون) متكلّم حاذق، من أصحابنا العسكريين، وكان أيضاً له اطّلاع بالحديث والرواية، والفقه، له كتب:

1. كتاب توليدات بني أُميّة في الحديث، وذكر الأحاديث الموضوعة.

2. الكتاب الذي يعزى إلى أبي عيسى الوراق في نقض العثمانية له.

3. كتاب الأسفار.

4. دلائل الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ (2).

وبما أنّه من أصحاب أبي عيسى الوراق، وقد توفّـي هو في 247، فالرجل من متكلّمي القرن الثالث.

6. إسماعيل بن محمّد بن إسماعيل بن هلال المخزومي:

أبو محمّد، أحد أصحابنا، ثقة فيما يرويه، قدم العراق، وسمع أصحابنا منه،


1 . النجاشي: الرجال: 2/297 برقم 1034.
2 . النجاشي: الرجال: 1/293 برقم 298، وثبيت على وزان زبير.


(47)

مثل أيوب بن نوح، والحسن بن معاوية، ومحمّد بن الحسين، وعلي بن حسن بن فضال، له كتاب التوحيد، كتاب المعرفة، كتاب الإمامة.

وبما أنّ الراوي عنه كعليّ بن حسن بن فضال من أصحاب الهادي والعسكري ـ عليهما السَّلام ـ ، وقد توفي الإمام العسكري عام 260، فهو في رتبة حسن بن علي بن فضال، الذي هو من أصحاب الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ فيكون من متكلّمي القرن الثالث(1).

7. محمّد بن هارون:

أبو عيسى الورّاق: له كتاب الإمامة، وكتاب السقيفة، وكتاب الحكم على سورة لم يكن، وكتاب اختلاف الشيعة والمقالات. وقال ابن حجر: له تصانيف على مذهب المعتزلة. وقال المسعودي: له مصنّفات حسان في الإمامة وغيرها وكانت وفاته سنة 247(2).

8. إبراهيم بن سليمان بن أبي داحة المزني، مولى آل طلحة بن عبيد اللّه:

أبو إسحاق، وكان وجه أصحابنا البصريّين في الفقه والكلام والأدب والشعر، والجاحظ يحكي عنه، وقال الجاحظ (في البيان والتبيين): حدّثني إبراهيم ابن داحة عن محمد بن أبي عمير(3).


1 . النجاشي: الرجال: 1/120 برقم 66.
2 . النجاشي: الرجال: 2/280 برقم 1017، ابن حجر: لسان الميزان: ج5 برقم 1360، المحقق الداماد: الرواشح السماوية: 55 ومرّ ذكره في ترجمة ثبيت، وما في كلام ابن حجر من عدّه من المعتزلة، ناش عن الخلط بين المعتزلة والإمامية.
3 . النجاشي: الرجال: 1/87، برقم 13; و2/205 برقم 888; البيان والتبيين: 1/61.


(48)

وبما أنّ استاذه ابن أبي عمير توفي عام 217، والجاحظ، الراوي عنه توفّـي عام 255، فهو من متكلّمي القرن الثالث.

9. الشّكّال:

قال ابن النديم: صاحب هشام بن الحكم وخالفه في أشياء إلاّ في أصل الإمامة، وله من الكتب: كتاب المعرفة، كتاب في الاستطاعة، كتاب الإمامة، كتاب على من أبى وجوبَ الإمامة بالنص(1)، وبما أنّ هشاماً توفّـي عام 199، فالرجل من متكلّمي أوائل القرن الثالث.

10. الحسين بن اشكيب:

شيخ لنا، خراساني ثقة مقدّم، ذكره أبو عمرو في كتاب الرجال في أصحاب أبي الحسن، صاحب العسكر ـ عليه السَّلام ـ ، وصفه بأنّه عالم متكلّم مؤلف للكتب، المقيم بسمرقند وكش، وله من الكتب: كتاب الردّ على من زعم أنّ النبي كان على دين قومه، والردّ على الزيدية، وبما أنّه من أصحاب أبي الحسن المتوفّـى عام 260، فهو من متكلّمي القرن الثالث(2).

وعدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الهادي ـ عليه السَّلام ـ (3).

11. عبد الرحمن بن أحمد بن جبرويه، أبو محمّد العسكري:

متكلّم من أصحابنا، حسن التصنيف، جيّد الكلام، وعلى يده رجع محمد


1 . ابن النديم: الفهرست: 264.
2 . النجاشي: الرجال: 1/146 برقم 87.
3 . الشيخ الطوسي: الرجال: برقم 18.


(49)

ابن عبد اللّه بن مملك الاصبهاني عن مذهب المعتزلة، وقد كلّم عباد بن سليمان ومن كان في طبقته، وقع إلينا من كتبه: كتاب الكامل في الإمامة، كتاب حسن(1).

وبما أنّ محمد بن عبد اللّه معاصر للجبائي (235 ـ 303 هـ) وله مجالس معه(2)، فالرجل من متكلّمي القرن الثالث، ولعله أدرك أوائل القرن الرابع.

12. علي بن منصور:

أبو الحسن، كوفّـي سكن بغداد، متكلّم من أصحاب هشام، له كتب، منها: كتاب التدبير في التوحيد والإمامة(3)، وقال النجاشي في ترجمة هشام بن الحكم، كتاب التدبير في الإمامة، وهو جمع علي بن منصور من كلامه(4)، وبما أنّ هشام توفّـي عام 199، فالرجل من متكلّمي القرن الثاني، وأوائل القرن الثالث.

13. علي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم بن يحيى التمّـار:

أبو الحسن، مولى بني أسد، كوفّـي، سكن البصرة، وكان من وجوه المتكلّمين من أصحابنا، كلّم أبا الهذيل (135 ـ 235 هـ) والنظام (160 ـ 231هـ) له مجالس وكتب منها: كتاب الإمامة، كتاب مجالس هشام بن الحكم، وكتاب المتعة.(5) وعدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا برقم 52، فهو من متكلّمي القرن الثالث.

وقال ابن النديم: أوّل من تكلّم في مذهب الإمامة علي بن إسماعيل بن ميثم


1 . النجاشي: الرجال: 2/47 برقم 623.
2 . النجاشي: الرجال: 2/297 برقم 1034.
3 . النجاشي: الرجال: 2/71 برقم 656.
4 . النجاشي: الرجال: 2/397 برقم 1165.
5 . النجاشي: الرجال: 2/72 برقم 659.


(50)

التمّـار، وميثم (جدّه) من جلّة أصحاب علي رضي اللّه عنه، ولعليّ من الكتب: كتاب الإمامة، كتاب الاستحقاق(1).

متكلّمو الشيعة في القرن الرابع:

1. الحسن بن عليّ بن أبي عقيل:

أبو محمد العماني، الحذاء، فقيه متكلّم ثقة، له كتب في الفقه والكلام منها: كتاب «المتمسّك بحبل آل الرسول»، قال النجاشي: وقرأت كتابه المسمّى: الكرّ والفرّ، على شيخنا أبي عبد اللّه المفيد (رحمه اللّه)، وهو كتاب في الإمامة، مليح الوضع.

وذكره الشيخ في الفهرست والرجال(2)، وبما أنّه من مشايخ أبي القاسم جعفر بن محمد المتوفّـى عام 368هـ، فالرجل من أعيان القرن الرابع، المعاصر للكليني، المتوفّـى عام 329هـ.

2. إسماعيل بن علي بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت:

كان شيخ المتكلّمين من أصحابنا وغيرهم، له جلالة في الدنيا والدين، يجري مجرى الوزراء في جلالة الكتاب، صنّف كتباً كثيرة، منها: كتاب الاستيفاء في الإمامة، التنبيه في الإمامة ـ قال النجاشي: قرأته على شيخنا أبي عبد اللّه المفيد (رحمه اللّه) ـ كتاب الجمل في الإمامة، كتاب الردّ على محمد بن الأزهر في الإمامة،


1 . الفهرست لابن النديم: 263.
2 . النجاشي: الرجال: 1/153 برقم 99، ولاحظ فهرست الشيخ: رقم 204، ورجاله في باب من لم يرو عنهم ـ عليهم السَّلام ـ برقم 53.


(51)

كتاب الردّ على اليهود، كتاب في الصفات للردّ على أبي العتاهية (130 ـ 211هـ) في التوحيد في شعره، كتاب الخصوص والعموم والأسماء والأحكام، كتاب الإنسان والردّ على ابن الراوندي، كتاب التوحيد، كتاب الارجاء، كتاب النفي والإثبات، مجالسه مع أبي علي الجبائي (235 ـ 303هـ) بالأهواز، كتاب في استحالة رؤية القديم، كتاب الردّ على المجبرة في المخلوق، مجالس ثابت بن أبي قرّة (221 ـ 288هـ)، كتاب النقض على عيسى بن أبان في الاجتهاد، نقض مسألة أبي عيسى الوراق في قدم الأجسام، كتاب الاحتجاج لنبوة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، كتاب حدوث العالم(1).

وقال ابن النديم: أبو سهل إسماعيل بن علي بن نوبخت من كبار الشيعة وكان أبو الحسن الناشئ يقول: إنّه أُستاذه وكان فاضلاً، عالماً، متكلّماً، وله مجالس بحضرة جماعة من المتكلّمين ... وذكر فهرس كتبه(2).

3. الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه:

أخو الصدوق القمي أبو عبد اللّه، ثقة روى عن أبيه إجازة، وله كتب، منها: كتاب التوحيد ونفي التشبيه، وكتاب عمله للصاحب أبي القاسم بن عبّاد (326 ـ 385هـ) وقد توفّـي أخوه عام 381 هـ ، فهو من أعيان القرن الرابع، وهو وأخوه ولدا بدعوة صاحب الأمر، ترجمه ابن حجر في لسان الميزان(3).

4. محمّد بن بشر الحمدوني «أبو الحسن السوسنجردي»:

متكلّم جيّد الكلام، صحيح الاعتقاد، كان يقول بالوعيد، له كتب منها:


1 . النجاشي: الرجال: 1/121 برقم 67 (وهو خال الحسن بن موسى مؤلف فرق الشيعة).
2 . ابن النديم: الفهرست: 265.
3 . النجاشي: الرجال: 1/189 برقم 161، ابن حجر: لسان الميزان: 2/306 برقم 1260.


(52)

كتاب المقنع في الإمامة، كتاب المنقذ في الإمامة(1).

وقال ابن النديم: السوسنجردي من غلمان أبي سهل النوبختي، يكنّى أبا الحسن، ويعرف بالحمدوني منسوباً إلى آل حمدون، وله من الكتب: كتاب الإنقاذ في الإمامة(2).

وقال ابن حجر: كان زاهداً ورعاً متكلّماً، على مذهب الإمامية، وله مصنّفات في نصرة مذهبه(3).

5. يحيى أبو محمّد العلويّ من بني زيارة:

علويّ، سيّد، متكلّم، فقيه، من أهل نيشابور، قال الشيخ الطوسي: جليل القدر، عظيم الرياسة، متكلّم، حاذق، زاهد، ورع، لقيت جماعة ممّن لقوه وقرأوا عليه، له كتاب إبطال القياس، وكتاب في التوحيد(4)، وعلى هذا فالرجل في درجة شيخ مشايخ الطوسي، فهو من متكلّمي القرن الرابع.

6. محمّد بن القاسم، أبو بكر:

بغداديّ، متكلّم، عاصر ابن همام، له كتاب في الغيبة، كلام(5) وابن همام هو محمّد بن أبي بكر بن سهيل الكاتب الاسكافي الذي ترجم له النجاشي في


1 . النجاشي: الرجال: 2/297 برقم 1037.
2 . ابن النديم: الفهرست: 266.
3 . ابن حجر: لسان الميزان: 5/93 برقم 304.
4 . النجاشي: الرجال: 2/413 برقم 1192، وقد جاءت ترجمته أيضاً برقم 1195; الشيخ الطوسي: الفهرست: برقم 803.
5 . النجاشي: الرجال: 2/298 برقم 1036.


(53)

رجاله برقم 1033 .

وذكره الخطيب في تاريخه (3/365)، وقال: أحد شيوخ الشيعة، ولد عام 258 هـ، وتوفّـي عام 338. وعلى هذا فالمترجم من متكلّمي أوائل القرن الرابع.

7. محمّد بن عبد الملك بن محمّد التبّان:

يكنّى أبا عبد اللّه، كان معتزلياً، ثم أظهر الانتقال، ولم يكن ساكناً له كتاب في تكليف من علم اللّه أنّه يكفر، وله كتاب في المعدوم، ومات لثلاث بقين من ذي القعدة سنة 419 هـ(1). وعلى هذا فهو من متكلّمي القرن الرابع وأوائل الخامس.

8. محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي أبو جعفر:

متكلّم، عظم القدرة، حسن العقيدة، قويّ في الكلام، كان قديماً من المعتزلة، وتبصّـر وانتقل، له كتب في الكلام، وقد سمع الحديث، وأخذ عنه ابن بطّة وذكره في فهرسته الذي يذكر فيه من سمع منه فقال: وسمعت من محمّد بن عبد الرحمن بن قبة.

له كتاب الانصاف في الإمامة، وكتاب المستثبت نقض كتاب أبي القاسم البلخي (ت 319هـ)، وكتاب الرد على الزيدية، وكتاب الردّ على أبي علي الجبائي، المسألة المفردة في الإمامة.

قال النجاشي: سمعت أبا الحسين السوسنجردي (رحمه اللّه) وكان من عيون أصحابنا وصالحيهم المتكلّمين، وله كتاب في الإمامة معروف به، وقد كان حجّ على قدميه خمسين حجّة، يقول: مضيت إلى أبي القاسم البلخي إلى بلخ بعد زيارتي الرضا ـ عليه السَّلام ـ بطوس فسلّمت عليه وكان عارفاً بي ومعي كتاب أبي جعفر بن


1 . النجاشي: الرجال: 2/333 برقم 1070.


(54)

قبة في الإمامة المعروف بالانصاف، فوقف ونقضه بالمسترشد في الإمامة فعدت إلى الريّ، فدفعت الكتاب إلى ابن قبة فنقضه بالمستثبت في الإمامة، فحملته إلى أبي القاسم فنقضه بنقض المستثبت، فعدت إلى الريّ فوجدت أبا جعفر قد مات رحمه اللّه(1).

وقال ابن النديم: أبو جعفر بن محمد بن قبة من متكلّمي الشيعة وحذاقهم، وله من الكتب: كتاب الانصاف في الإمامة، كتاب الإمامة(2).

وقال العلامة: وكان حاذقاً شيخ الإمامية في عصره(3).

9. عليّ بن وصيف، أبو الحسن الناشئ (271 ـ 365هـ):

الشاعر المتكلّم، ذكر شيخنا (رضي اللّه عنه) أنّ له كتاباً في الإمامة(4).

قال الطوسي: وكان شاعراً مجوّداً في أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، ومتكلّماً بارعاً، وله من الكتب ...(5).

قال ابن خلّكان: من الشعراء المحبّين، وله في أهل البيت قصائد كثيرة، وكان متكلّماً بارعاً، أخذ علم الكلام عن أبي سهل إسماعيل بن عليّ بن نوبخت المتكلّم، وكان من كبار الشيعة، وله تصانيف كثيرة، وقال ابن كثير: إنّه كان متكلّماً، بارعاً، من كبار الشيعة، فهو من متكلّمي القرن الرابع(6).


1 . النجاشي: الرجال: 2/288 برقم 1024.
2 . ابن النديم: الفهرست: 262.
3 . العلامة: الخلاصة: 163، القسم الأوّل.
4 . النجاشي: الرجال: 2/105 برقم 707.
5 . الطوسي: الفهرست: 233، طبع ليدن.
6 . المامقاني: تنقيح المقال: 2/313 برقم 8549.


(55)

10. الحسن بن موسى، أبو محمد النوبختي:

شيخنا المبرّز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة وبعدها، له على الأوائل كتب كثيرة، منها: 1.كتاب الآراء والديانات، يقول النجاشي: كتاب كبير حسن يحتوي على علوم كثيرة قرأت هذا الكتاب على شيخنا أبي عبد اللّه المفيد ـرحمه اللّه ـ 2.كتاب فرق الشيعة 3. كتاب الردّ على فرق الشيعة ما خلا الإمامية 4.كتاب الجامع في الإمامة 5.كتاب الموضح في حروب أمير المؤمنين 6.كتاب التوحيد الكبير 7.كتاب التوحيد الصغير 8.كتاب الخصوص والعموم 9.كتاب الأرزاق والآجال والأسعار 10.كتاب كبير في الجبر 11.مختصر الكلام في الجبر 12.كتاب الردّ على المنجمين 13.كتاب الردّ على أبي علي الجبائي في ردّه على المنجّمين 14.كتاب النكت على ابن الراوندي 15.كتاب الردّ على من أكثر المنازلة 16.كتاب الردّ على أبي الهذيل العلاّف في أنّ نعيم أهل الجنّة منقطع 17.كتاب الانسان غير هذه الجملة 18.كتاب الردّ على الواقفة 19.كتاب الردّ على أهل المنطق 20.كتاب الردّ على ثابت بن قرّة 21.الردّ على يحيى بن أصفح في الإمامة 22.جواباته لأبي جعفر بن قبة 23.جوابات أُخر لأبي جعفر 24.شرح مجالسه مع أبي عبد اللّه بن مملك 25.حجج طبيعية مستخرجة من كتب ارسطاطاليس في الردّ على من زعم أنّ الفلك حيّ ناطق 26.كتاب في المرايا وجهة الرؤية فيها 27.كتاب في خبر الواحد والعمل به 28.كتاب في الاستطاعة على مذهب هشام وكان يقول به 29.كتاب في الردّ على من قال بالرؤية للباري عزّ وجلّ 30.كتاب الاعتبار والتمييز والانتصار 31.كتاب النقض على أبي الهذيل في المعرفة 32.كتاب الردّ على أهل التعجيز، وهو نقض كتاب أبي عيسى الوراق 33.كتاب الحجج في الإمامة 34.كتاب النقض على جعفر بن حرب (177ـ 236هـ) في الإمامة 35.مجالسه مع أبي القاسم البلخي (المتوفّـى 319هـ) 36.كتاب التنزيه


(56)

وذكر متشابه القرآن 37.الردّ على أصحاب المنزلة بين المنزلتين في الوعيد 38.الردّ على أصحاب التناسخ 39.الردّ على المجسّمة 40.الردّ على الغلاة 41.مسائله للجبائي في مسائل شتّى(1).

والرجل من أكابر متكلّمي الشيعة، عاصر الجبائي (ت 303)، والبلخي (ت 319)، وأبا جعفر بن قبة المتوفّـى قبل البلخي فهو من أعيان متكلّمي الشيعة في أواخر القرن الثالث، وأوائل القرن الرابع.

وقال ابن النديم: أبو محمد الحسن بن موسى بن أُخت بن سهل بن نوبخت، متكلّم، فيلسوف كان يجتمع إليه جماعة من النقلة لكتب الفلسفة، مثل: أبي عثمان الدمشقي، وإسحاق، وثابت وغيرهم وكانت المعتزلة تدعيه، والشيعة تدعيه، ولكنه إلى حيّز الشيعة ما هو (كذا) لأنّ آل نوبخت معروفون بولاية عليّ وولده ـ عليهم السَّلام ـ في الظاهر، فلذلك ذكرناه في هذا الموضع ... وله مصنّفات وتأليفات في الكلام والفلسفة وغيرها، ثم ذكر فهرس كتبه ولم يذكر إلاّ القليل من الكثير(2).

إنّ بيت «نوبخت» من أرفع البيوتات الشيعية خرج منه فلاسفة كبار، ومتكلّمون عظام، وقد أشرنا بالاختصار، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتب المؤلفة حول هذا البيت.

متكلّمو الشيعة في القرن الخامس:

بلغ علم الكلام في أوائل القرن الخامس إلى ذروة الكمال، و ظهر في الأوساط الشيعية روّاد كبار، نشير إلى ثلة منهم:


1 . النجاشي: الرجال: 1/179 برقم 146، ترجمه ابن حجر في لسان الميزان: 2/258 برقم 1075، وترجمه هبة الدين الشهرستاني في مقدمة فرق الشيعة.
2 . ابن النديم: الفهرست: 265 ـ 266: الفن الثاني من المقالة الخامسة.


(57)

1. الشيخ المفيد (336ـ 413هـ)

وهو محمد بن محمد بن النعمان الذي أذعن بفضله و علمه كلّ موافق و مخالف، و أثنوا عليه ثناءً بالغاً منقطع النظير، وها نحن نأتي ببعض إطراءاتهم في ذلك المقام.

1. هذا هو ابن النديم (المتوفّـى 388هـ) معاصره يعرفه في الفهرست بقوله: «ابن المعلّم، أبو عبد اللّه، في عصرنا انتهت رئاسة متكلّمي الشيعة إليه، مقدّم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه، دقيق الفطنة، ماضي الخاطرة شاهدته، فرأيته بارعاً ...»(1).

والمعروف أنّه ألّف الفهرست عام 377 هـ، وتوفي حوالي 388هـ، وعلى ضوء هذا فالمفيد انتهت إليه رئاسة متكلّمي الشيعة وله من العمر ما لا يجاوز الخمسين.

2. وقال الحافظ أحمد بن علي الخطيب البغدادي (المتوفّـى 463هـ):

«أبو عبد اللّه المعروف بابن المعلّم، شيخ الرافضة، والمتعلّم على مذهبهم، صنّف كتباً كثيرة»(2).

3. وقال عبد الرحمن ابن الجوزي (المتوفّـى 597هـ):

«شيخ الإمامية وعالمها، صنّف على مذهبه، ومن أصحابه المرتضى، كان لابن المعلّم مجلس نظر بداره، بدرب رياح، يحضره كافة العلماء له منزلة عند أُمراء الأطراف، لميلهم إلى مذهبهم»(3).


1 . ابن النديم: الفهرست: 266، في فصل أخبار متكلمي الشيعة.
2 . الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد: 3/331 برقم 1799.
3 . ابن الجوزي: المنتظم: 15/157.


(58)

4. وقال أبو السعادات عبد اللّه بن أسعد اليافعي (المتوفّـى 768 هـ):

«وفي سنة ثلاث عشرة وأربعمائة توفي عالم الشيعة، وإمام الرافضة صاحب التصانيف الكثيرة، شيخهم المعروف بالمفيد، وابن المعلّم أيضاً، البارع في الكلام، والجدل والفقه، وكان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية، قال ابن أبي طيّ: وكان كثير الصدقات، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، خشن اللباس، وقال غيره: كان عضد الدولة ربّما زار الشيخ المفيد، وكان شيخاً ربعة نحيفاً أسمر، عاش ستاً وسبعين سنة وله أكثر من مائتي مصنّف وكانت جنازته مشهودة وشيّعه ثمانون ألفاً من الرافضة والشيعة»(1).

5. ووصفه أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي (المتوفّـى 774هـ) بقوله:

«شيخ الإمامية الروافض، والمصنّف لهم، والمحامي عن حوزتهم، وكان يحضر مجلسه خلق كثير من العلماء وسائر الطوائف»(2).

6. وقال الذهبي (المتوفّـى 748 هـ):

«محمد بن محمد بن النعمان، الشيخ المفيد، عالم الرافضة، أبو عبد اللّه ابن المعلّم، صاحب التصانيف، وهي مائتا مصنّف»(3). ويعرّفه في كتاب آخر بقوله:

عالم الشيعة، وإمام الرافضة وصاحب التصانيف الكثيرة، قال ابن أبي طيّ في تاريخه (تاريخ الإمامية): هو شيخ مشايخ الطائفة، ولسان الإمامية، ورئيس الكلام والفقه والجدل، وكان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية(4).

7. وقال ابن حجر (المتوفّـى 852هـ) ـ بعد نقل ما ذكره الذهبي:

«كان كثير التعقيب والتخشّع والاكباب على العلم، تخرّج به جماعة، وبرع


1 . اليافعي: مرآة الجنان: 3/28، طبع الهند.
2 . ابن كثير: البداية والنهاية: 11/15.
3 . الذهبي: ميزان الاعتدال: 4/30 برقم 8143.
4 . الذهبي: العبر: 2/225.


(59)

في المقالة الإمامية حتى يقال: له على كل إمام منّة، وكان أبوه معلّماً بواسط، وما كان المفيد ينام من الليل إلاّ هجعة، ثم يقوم يصلّـي أو يطالع أو يدرس أو يتلو القرآن»(1).

8. وقال ابن العماد الحنبلي (المتوفّـى 1089هـ) في حوادث سنة413هـ:

«وفيها (توفّـي) المفيد، ابن المعلّم، عالم الشيعة، إمام الرافضة، وصاحب التصانيف الكثيرة، قال ابن أبي طيّ في تاريخ الإمامية: هو شيخ مشايخ الطائفة ولسان الإمامية، رئيس في الكلام، والفقه والجدل، وكان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية»(2).

هذا ما قاله علماء السنّة، وأمّا الشيعة فنقتصر على كلام تلميذيه: الطوسي والنجاشي، ونترك الباقي لمترجمي حياته:

1. يقول الشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ ) في الفهرست:

«المفيد يكنّى أبا عبد اللّه، المعروف بابن المعلّم، من أجلّة متكلّمي الإمامية، انتهت إليه رئاسة الإمامية في وقته في العلم، وكان مقدّماً في صناعة الكلام، وكان فقيهاً متقدماً فيه، حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب، وله قريب من مائتي مصنّف كبار وصغار، وفهرست كتبه معروف ولد سنة 338، وتوفي لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة 413، وكان يوم وفاته يوماً لم ير أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه وكثرة البكاء من المخالف والموالف»(3).

2. ويقول تلميذه الآخر النجاشي (372 ـ 450 هـ):

«شيخنا واستاذنا (رضي اللّه عنه) فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية والوثاقة والعلم» ثم ذكر تصانيفه(4).


1 . ابن حجر: لسان الميزان: 5/368 برقم 1196.
2 . عماد الدين الحنبلي: شذرات الذهب: 3/199، وفي مكان الطائفة الصوفية وهو لحن. وقد نقل ما ذكره في كتابه مما ذكره الذهبي حرفياً.
3 . الشيخ الطوسي: الفهرست: برقم 710.
4 . النجاشي: الرجال: 2/327 برقم 1068.


(60)

وهذه الكلم تعرّفنا موقفه من الكلام، وأنّه لم يكن يومذاك للشيعة متكلّم أكبر منه، وكفى في ذلك أنّه تخرج على يديه لفيف من متكلّمي الشيعة نظير السيد المرتضى (355 ـ 436 هـ)، والشيخ الطوسي، وهما كوكبان في سماء الكلام، وحاميان عظيمان عن حياض التشيّع، بالبيان والبنان.

2. علي بن الحسين الشريف المرتضى (355ـ 436هـ)

تلميذ الشيخ المفيد، عرّفه تلميذه النجاشي بقوله: حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه ، وسمع من الحديث فأكثر، وكان متكلماً شاعراً، أديباً، عظيم المنزلة في العلم و الدين و الدنيا، و من كتبه الكلامية: «الشافي» في نقض المغني للقاضي عبد الجبار في قسم الإمامة، وكتاب «تنزيه الأنبياء والأئمّة» و«الذخيرة» في علم الكلام، وغيرها من الرسائل(1) و شرح جمل العلم و العمل.

3. أبو الصلاح التقي بن الحلبي (374ـ 447هـ)

مؤلف «تقريب المعارف» في الكلام مطبوع.

4. وأخيرهم لا آخرهم محمد بن الحسن الطوسي (385ـ 460هـ)

يعرفه زميله النجاشي بقوله: جليل من أصحابنا، ثقة، عين، من تلاميذ شيخنا أبي عبد اللّه.

ويعرفه العلاّمة بقوله: شيخ الإمامية ورئيس الطائفة، جليل القدر، عظيم المنزلة، ثقة، عين، صدوق، عارف بالأخبار والرجال و الفقه و الأُصول، و الكلام والأدب، وجميع الفضائل تنتسب إليه، وله في الكلام كتب كثيرة منها:

الجمل والعقود، تلخيص الشافي في الإمامة، ومقدمة في المدخل إلى علم الكلام(2)، والاقتصاد، والرسائل العشر.


1 . النجاشي: الرجال، برقم 706.
2 . النجاشي: الرجال، برقم 1069، و الخلاصة:148.


(30)

البحث الثالث: في أنّ الوجود مشترك (1)

اختلف الناس في ذلك، فالذي ذهب إلى أنّ الوجود نفس الماهية أحال كونه مشتركاً ، والذي قال بالزيادة ذهب إلى أنّه مشترك وهو الحق، لنا وجوه:

الأوّل: الوجود بديهي التصوّر على ما سبق، ولو لم يكن مشتركاً لم يكن كذلك، لأنّه حينئذ يكون نفس الحقيقة أو أمراً مغايراً للكون في الأعيان وكلاهما مكتسب.

الثاني: الوجود والعدم متقابلان على سبيل منع الجمع والخلوّ بينهما، وأعرف القضايا عند العقل أنّه لا واسطة بين هذين المتقابلين، ولمّا كان النفي مفهوماً واحداً لا تعدّد فيه ولا امتياز من حيث إنّه نفي، وجب أن يكون المقابل له كذلك، إذ لو كان المقابل له أُموراً متعدّدة لم يكن التقسيم منحصراً بين الطرفين.

الثالث: إذا عرفنا وجود ممكن جزمنا حينئذ بوجود سببه، وإذا تردّدنا في كون ذلك السبب واجباً أو ممكناً، وعلى تقدير كونه ممكناً هل هو جوهر أو عرض؟ وعلى تقدير كونه جوهراً هل هو مجرّد أو مقارن؟ لم يكن ذلك موجباً للتردّد في الجزم بوجود السبب، وإذا لم يكن التردّد في الخصوصيات موجباً للتردّد في الوجود المطلق، بل كان ثابتاً حال زوال اعتقاد كل خصوصية وثبوت غيرها، وجب كونه مشتركاً بين الجميع، أمّا لو اعتقدنا كونه ممكناً ثمّ تجدد لنا اعتقاد كونه واجباً لزم زوال اعتقاد الإمكان.

الرابع: أنّه يمكننا أن نقسّم الوجود إلى الواجب والممكن، ويقبل العقل هذه القسمة، ومورد التقسيم لابدّ وأن يكون مشتركاً بين الأقسام، ولا يجوز أن


1 . أي اشتراكاً معنوياً، انظر المباحث المشرقية 1:106; تلخيص المحصل:74; مناهج اليقين:9; شرح المواقف 2: 113; الشواهد الربوبية:7.


(31)

يكون مورد القسمة اللفظ، وإنّا لو فرضنا بطلان الوضع لم تبطل قسمة العقل، ولا خصوصيّة كل واحد من الأقسام، وإلاّ لزم انقسام الشيء إلى نفسه ومقابله، وهو باطل قطعاً. (1)

الخامس: لو لم يكن الوجود مشتركاً جاز أن يكون الشيء الواحد واجباً ممكناً، فلا يتميّز الواجب عن الممكن بالتقسيم بالوجوب والإمكان والتالي باطل فالمقدّم مثله.

بيان الشرطية: أنّ مفهوم الوجود إذا كان مختلفاً، جاز أن يكون الوجود للشيء الواحد بأحد مفهوميه واجباً وبالآخر ممكناً، فلا يكون التقسيم موجباً للامتياز، أمّا مع اتّحاد المفهوم، فإنّه يستحيل توارد الوجوب والإمكان عليه بالنسبة إلى الشيء الواحد.

السادس: من قال: إنّ الوجود غير مشترك فقد حكم باشتراكه من حيث لا يشعر، فإنّ حكمه بأنّه غير مشترك ليس مقصوراً على وجود خاص، بل على كلّ وجود، فإن كان مفهوم الوجود مختلفاً وجب أن يُبرهن على كلّ واحد من وجودات الماهيّات بأنّه غير مشترك، و (2) يعتقد أنّ استدلاله على: أنّ الوجود غير مشترك، يتناول كلّ وجود.

والاعتراض على الأوّل: المنع من الصغرى وقد تقدّم (3).

وعلى الثاني: أن نفي كلّ حقيقة يقابله (4) تحقّق تلك الحقيقة، وليس بين ثبوت كل حقيقة ونفيها واسطة، وليس ثبوتها أمراً زائداً عليها، أو ان (5) كان، لكن


1 . استدل الرازي بهذا الوجه في أُصول الدين:29.
2 . م: «أو».
3 . في المقام الأوّل من البحث الأوّل من الفصل الأوّل من المقصد الأوّل من القاعدة الأُولى.
4 . ق:«مقابله».
5 . م: «أو كان».


(32)

لا يكون مشتركاً بينها وبين غيرها، وإلاّ (1) يلزم على هذا التقدير عدم انحصار القسمة، لأنّه لا واسطة بين تحقّق كلّ حقيقة ولا تحقّقها، فإن ادّعيتم ثبوتاً عاماً مشتركاً بين الموجودات في مقابله نفي عام، فهو نفس النزاع، ولأنّا نعارض بنفس الوجود، فإنّا إذا قلنا: الشيء إمّا أن يكون ثابتاً أو لا، فالوجود إن لم يدخل في القسم الثابت دخل في قسم اللاثابت، فلا يكون الوجود زائداً وإن دخل (2) فلا(3) شكّ في أنّه مغاير للماهية الثابتة (4)، فيكون الوجود مشاركاً للماهية الموجودة في أصل الثبوت وممتازاً عنها حينئذ بخصوصيّته، فيكون للوجود وجود آخر ويتسلسل.

وعلى الثالث:أنّا نعتقد ثبوت شيء يقال عليه لفظة الموجود (5)، وإن لم نتصوّره، ولا يلزم كونه مشتركاً.

وعلى الرابع: أنّ مورد التقسيم هو الماهيّة، فإذا قلنا :الموجود إمّا واجب أو ممكن، فكأنّا قلنا السواد إمّا تكون سواديته واجبة أو لا، ولأنّه آت في الوجود(6)، لأنّه يمكننا أن نقسم الثابت إلى الوجود والماهيّة الموجودة، فتكون الثابتيّة مشتركة بين الوجود وغيره وهو محال.

وعلى الخامس: أنّه مصادرة على المطلوب الأوّل، فإنّ من زعم أنّ الوجود ليس بمشترك زعم أنّ وجود كلّ شيء حقيقته المخصوصة. وإذا استحال أن تكون الحقيقة الواحدة حقيقتين، استحال أن يكون للشيء وجودان، فهذه الحجّة إنّما


1 . ق وج: «ولا».
2 . أي دخل في القسم الثابت.
3 . كذا في المباحث المشرقية، وفي نسخة ق و م وج: «ولا».
4 . كذا في النسخ، والصواب بقرينة السياق «اللا ثابتة».
5 . ق وج: «الوجود».
6 . كذا في جميع النسخ و لعلّ الصحيح: «الثبوت».


(33)

تتمّ (1) لو ثبت كون الوجود زائداً على الماهية، وهو نفس النزاع(2).

وعلى السادس: أنّ الحكم على أنّ الوجود غير مشترك، ليس حكماً على الوجود من حيث هو، بل على كلّ ما يطلق عليه لفظة الوجود، كما في قولنا: العين غير مشترك.

والجواب عن الأوّل: ما تقدّم.

وعن الثاني: أنّ مفهوم السلب واحد، فإنّ سلب السواد وسلب البياض لا يتمايزان إلاّ بالإضافة إلى ملكاتهما، وإذا كان مفهوم السلب واحداً، فالمقابل له إن كان خصوصيات الماهيّات لم يكن المقابل للسلب أمراً واحداً، بل أُموراً كثيرة ويبطل الحصر، وإن لم يكن المقابل له نفس الخصوصيّات، بل أمراً واحداً هو الوجود، ثبت المطلوب.

وأيضاً إنّما نستعمل هذه الحقيقة (3) لنتوصّل إلى معرفة الحقّ من أحد طرفيها، ونصحّحه بالبرهان، ونبطل الباطل منه بالبرهان، ولو كان قولنا: الإنسان إمّا أن يكون موجوداً أو معدوماً، وأنّه لا يخلو عن النفي والإثبات، معناه أنّ الإنسان لا يخلو عن أن يكون إنساناً، أو لا يكون، لكانت حقيّة الحق وباطلية الباطل من الطرفين معلومة بالضرورة، فإنّا نعلم قطعاً أنّ الإنسان إنسان، وأنّه يستحيل أن لا يكون إنساناً، ولمّا كان ذلك باطلاً، بطل ما قالوه.

والمعارضة بالوجود باطلة; فإنّ الوجود وإن شارك (4) الماهيّات الموجودة في أصل الثبوت، لكن يمتاز عنها بقيد سلبي وهو أنّه لا مفهوم له سوى الوجود


1 . ق:«تستمر».
2 . وفي نقل الرازي «المطلوب».
3 . أي قضية أنّ الشيء لا يخلو من النفي والإثبات.
4 . م: «ساوى».


(34)

وإنّما تحصل الكثرة لو كان الاشتراك بأمر ثبوتي والامتياز بأمر ثبوتي.

والتحقيق: أنّ الوجود ليس له وجود آخر وإلاّ لزم التسلسل، وكذا الماهيّات ليس لها ثبوت في أنفسها مغاير لمطلق الوجود الثابت لها، ولا يلزم أن تكون عدميّة، لأنّها من حيث هي هي لا ثابتة ولا معدومة على أن يكونا داخلين في مفهومها وإن لم ينفك عنها، فالماهية المجردة عن الثبوت ليس لها ثبوت آخر، فإنّ الماهيّة من حيث إنّها ماهيّة ليست إلاّ تلك الماهية، ولا توصف بوصفي الوجود والعدم، لأنّهما مفهومان زائدان على مفهوم كونها تلك الماهية.

وعن الثالث: أنّا نعتقد ثبوت معنى حقيقي، لا مجرّد لفظ وتسمية، وذلك المعنى متصوّر لنا بالضرورة على ما سبق.

وعن الرابع: أنّ الوجوب والإمكان أمران اعتباريان عقليان من قبيل النسب والإضافات، لا تعقل إلاّ بين شيئين، فلا يمكن أن يكون مورد القسمة هو الماهية لا غير، لأنّه حينئذ يبقى التقدير: الماهية إمّا تكون واجبة أو ماهية، أو لا تكون، و(1) هذه قسمة باطلة، فإنّ الماهية يجب أن تكون تلك الماهية، ويمتنع أن لا (2) تكون تلك الماهية.

وعن الخامس: أنّ هذه الحجّة تتوقّف على كون الوجود زائداً على الماهية، لكن يمكن أن يسلّم الخصم ذلك ويمنع اشتراكه .

وعن السادس: أنّ الحكم على الشيء يستدعي تصوّر المحكوم عليه، ولو كان الحكم على ما يطلق عليه لفظ الوجود، فإن كان على وجود خاص وجب تصوّره، وليس أولى من غيره، وإن كان على وجود مطلق ثبت المطلوب.

واحتج المانعون: بأنّ الوجود نفس الماهية، فلا يكون مشتركاً، والصغرى


1 . العبارة في م وج:« إمّا أن تكون الماهية واجبة أو تكون ماهية أو لا تكون».
2 . ق:«لا» ساقطة.


(35)

يأتي بيانها، والكبرى ضرورية.

والجواب: المنع من الصغرى، وسيأتي.

واعلم أنّ الحكم باشتراك الوجود أمر بيّـن عند العقل، فإنّه إذا نسب موجوداً إلى مثله حكم بينهما بمشاركة ليست هي نسبة موجود إلى معدوم، وذلك المشترك هو الوجود، ولا يمكن أن يكون ذلك المشترك راجعاً إلى اللفظ، فإنّ الواضع لو وضع لطائفة من الموجودات والمعدومات لفظاً واحداً، ولم يضع لجميع الموجودات اسماً واحداً، لم تكن المقاربة بين تلك الموجودات والمعدومات المتّحدة في الاسم أكثر من التي بين الموجودات المتغايرة في الاسم.

البحث الرابع: في كيفية اشتراكه

اعلم أنّ كلّ معنى كلّـي صادق على جزئيات مندرجة تحته، فإمّا أن تتساوى تلك الجزئيات المندرجة تحته في مقوليته عليها، ويسمّى المتواطئ، كالحيوان بالنسبة إلى جزئياته، وإمّا أن لا تتساوى، بل تختلف بأحد أُمور ثلاثة:

الشدّة: بأن يكون ذلك المعنى أشدّ في بعض تلك الجزئيات من غيره، كالبياض الذي هو أشدّ في الثلج منه في العاج.

والأوّليّة:بأن يكون ذلك المعنى في بعض جزئياته أقدم منه في الآخر، كالوجود الذي هو في العلّة أقدم منه في المعلول.

والأولويّة: بأن يكون ذلك المعنى في بعض جزئياته أولى منه في الآخر، كالوجود فإنّه في الجوهر أولى منه في العرض.

إذا ثبت هذا فنقول: الوجود مقول بالتشكيك على ما تحته من الموجودات، فإنّه في واجب الوجود أشدّ وأولى وأقدم منه في غيره، وكذا ثبوته في الجواهر


(36)

والأعراض، بل وفي نفس الجواهر، وكذا الأعراض. فإنّ الأعراض الباقية أولى بالوجود من غيرها. وهذا المقول بالتشكيك يقع على الجزئيات المندرجة تحته لا بالاشتراك اللفظي البحت، بل بمعنى واحد في جميع تلك الجزئيات، ولكن لا على السواء، بل إمّا بالتقديم والتأخير، كوقوع المتّصل على المقدار وعلى الجسم ذي المقدار، أو بالأولويّة وعدمها كوقوع الواحد على ما لا ينقسم أصلاً، وعلى مالاينقسم باعتبار دون اعتبار، أو بالشدّة والضعف، كالبياض على الثلج والعاج.

والمعنى الواحد المشكّك يمتنع أن يكون ماهية، أو جزء ماهية لتلك الأشياء، فإنّ الماهيّة لا تختلف ولا جزئها، بل إنّما يكون عارضاً خارجاً لازماً أو مفارقاً، فالبياض لازم لبياض الثلج وبياض العاج، وكذا الوجود في وقوعه على وجود الواجب، ووجودات الممكنات المختلفة بالهويّة التي لا أسماء لها بالتفصيل، ويقع على جملتها اسم واحد. هكذا قاله أفضل المحققين.

وعندي فيه نظر، فإنّ اسم البياض إن كان للمعنى الأزيد أو الأنقص أو الأوسط لم يكن دالاّ ً على الباقيين إلاّ بنوع من المجاز، وإن كان للمعنى المشترك بينها كان متواطئاً، وليس اختلاف هذه الجزئيات أشدّ من اختلاف الأنواع المندرجة تحت جنس واحد.

لا يقال: الحرارة اسم للكيفية التي تصدر عنها الآثار المحسوسة، فإذا كانت تلك الكيفيّة في بعض الجزئيات أكثر تأثيراً من غيرها، كانت أولى باسم الحرارة، وكذا البياض وشبهه، وهذا هو معنى المشكّك.

لأنّا نقول: الجوهر أيضاً كذلك.

وبالجملة: فعندي في المشكّك إشكال، وليس هذا موضع تحقيقه.

فالموجودات على ما ذكره معان مجهولة الأسماء، شرح أسمائها أنّه موجود


(37)

كذا أو (1) الموجود الذي لا (2) سبب له، ثم يلزم الجميع في الذهن الوجود العام، كما أنّا لو لم نعرف الكميّة والكيفيّة وغيرهما من الأعراض بأسمائها ورسومها لكنّا نقول في الكم: هو عرضمّا أو موجودمّا في موضوع. ونسبة الوجود إلى أقسامه كنسبة الشيء إلى ما تحته، لكنّ أقسام الشيء معلومة الأسماء والخواص، ولا كذا أقسام الوجود، وهذا كما أنّ أنواع الأعداد معان مجهولة الأسامي فيعبّـر عنها ببعض لوازمها، فيقال: عشرة، أي العدد الذي من خواصّه ولوازمه الانقسام إلى عشرة آحاد.

البحث الخامس: في أنّ الوجود زائد على الماهيّة (3)

اختلف الناس في ذلك، فذهب «أبو الحسن الأشعري» (4) و «أبو الحسين البصري» (5) إلى أنّ وجود كل شيء نفس ماهيته.


1 . ق: «و» بدل «أو».
2 . م: «لا» ساقطة.
3 . لاحظ الكتب التالية في هذا البحث: المباحث المشرقية 1: 112;أُصول الدين للرازي: 30; مناهج اليقين:10; كشف المراد: 24; المواقف: 48.
4 . هو علي بن إسماعيل بن أبي بشر ـ واسمه إسحاقـ بن سالم بن إسماعيل بن عبد اللّه بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى، أبو الحسن الأشعري المتكلّم صاحب الكتب والتصانيف في الرد على الملحدة وغيرهم. وهو بصري سكن بغداد إلى أن توفّي بها. ولد أبو الحسن الأشعري في سنة ستين ومائتين، ومات سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة، وذكر لي أبو القاسم عبد الواحد بن علي الأسدي أنّ الأشعري مات ببغداد بعد سنة عشرين، وقبل سنة ثلاثين وثلاثمائة، ودفن في مشرعة الروايا في تربة إلى جانبها مسجد. تاريخ بغداد 11: 346.
5 . هو محمد بن علي بن الطيب، أبو الحسين المتكلّم، صاحب التصانيف على مذاهب المعتزلة، بصري سكن بغداد ودرس بها الكلام إلى حين وفاته، ومات ببغداد في يوم الثلاثاء الخامس من شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وأربعمائة، ودفن في مقبرة الشونيزي. تاريخ بغداد 3: 10، ووفيات الأعيان 4: 271.


(38)

وقال أصحاب «أبي هاشم» (1): أنّه زائد على الماهيّة مطلقاً.

وأمّا الأوائل، فإنّهم فصّلوا وقالوا: وجود اللّه تعالى نفس حقيقته، وأمّا وجودات الممكنات، فإنّها زائدة على ذواتها.

وسيأتي البحث في وجود واجب الوجود تعالى، وأمّا وجود الممكنات، فالحقّ أنّه زائد (2) عليها لوجوه:

الأوّل: إنّ الوجود مشترك بين الموجودات على ما سبق، فيكون مغايراً لها، وإلاّ لزم اشتراك الماهيّات في خصوصياتها، واللازم باطل بالضرورة.

الثاني: لو كان الوجود نفس الماهيّة لكان قول القائل: الجوهر موجود يتنزّل منزلة قولنا: الجوهر جوهر، أو الموجود موجود، والتالي باطل قطعاً، فإنّا ندرك تفرقة بين حمل الوجود على الجوهر وبين حمل الجوهر على نفسه، ونعقل من الأوّل قضية حملية مفيدة دون الثاني، فيكون المقدّم باطلاً.

لا يقال: إذا قلنا: السواد موجود، أردنا به أنّ المتصوّر في العقل موجود محصّل في الخارج، وذلك لا يقتضي أنّ كونه محصّلاً في الخارج زائد عليه، بل يقتضي امتياز كونه محصّلاً في الخارج عن كونه متصوّراً في الذهن.ولأنّا نقول: الليث أسد فيفيد، ولو قلنا: الليث ليث لم يفد.

ونقول: واجب الوجود موجود مع أنّ وجوده نفس حقيقته.

لأنّا نقول: نحن لا ندّعي أنّ الوجود زائد على كونه محصّلاً في الخارج، بل


1 . هو أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي محمّد الجُبّائي، كان هو وأبوه من كبار المعتزلة. ولد أبو هاشم سنة 247 من الهجرة، وتوفي سنة 321 ببغداد، والجُبّائي ـ بضمّ الجيم وتشديد الباء الموحّدةـ وهي نسبة إلى قرية من قرى البصرة. وفيات الأعيان 3 : 183.
2 . وهو رأي الحكماء بمعنى أنّه زائد عليها بتحليل العقل لا في الخارج، خلافاً للأشعري حيث يقول بعينية مفهومهما أيضاً.


(39)

كونه محصّلاً في الخارج زائد على سواديته، وما ذكرتموه تسليم لنا في ذلك، فقولنا: الليث أسد، نشير به إلى أنّه سمّي (1) باسم الأسد، فالحمل في اللفظ بعد الوضع، ولو انتفى الوضع انتفى الحمل بخلاف حمل الوجود على السواد، فإنّه يصحّ وإن لم يكن وضع، وحمل الوجود على واجب الوجود حمل على المغاير، فإنّ المفهوم منواجب الوجود ليس نفس حقيقته، بل وصف سلبي معناه المستغني عن غيره.

الثالث: الوجود بديهي التصوّر، والماهية ليست كذلك، فالوجود مغاير للماهية.

الرابـع: الوجود مقابل للعدم، وقابل للقسمة بالوجوب والإمكان، وخصوصيات الماهيّات غير قابلة لهذه الأحكام.

الخامس: لو لم يكن الوجود زائداً على الماهية لزم نفي الإمكان، والتالي باطل بالضرورة فالمقدّم مثله.

بيان الشرطيّة: أنّ الماهية بشرط الوجود يستحيل عليها العدم، وبشرط العدم يستحيل عليها الوجود، فلا تكون ممكنة مع هذين الاعتبارين، وإنّما تكون ممكنة من حيث هي هي، فلو كان الوجود نفس الماهية استحال الحكم عليها بإمكان العدم والوجود، لاستحالة قبول الشيء لما ينافيه وتزايد الوجود.

السادس: لو لم يكن الوجود زائداً على الماهية، لكان إمّا نفس الماهية أو جزئها، والقسمان باطلان.

أمّا الأوّل: فلما تقدّم. ولأنّه يلزم امتناع إقامة برهان مّا على وجود شيء واستحالة التشكيك في وجود كلّ شيء.


1 . م وج: «مسمّى».


(40)

لا يقال (1): سلّمنا، أنّ الشك يدلّ على المغايرة، لكنّه إنّما يثبت بالنسبة إلى الموجود الخارجي، أمّا الذهني فلا.

لأنّا نقول: قد نعقل الماهية ونشك في وجودها الذهني، ولهذا أنكره جماعة، فالوجود الذهني وإن كان لازماً للشعور بالشيء لكنّه غير لازم في الشعور به(2). ولأنّ الماهية الموجودة في الأعيان، وهي غير معقولة لعاقل، تكون حقيقتها حاصلة، ووجودها الذهني غير حاصل، ويلزم منه المطلوب.

لا يقال: نعارض بالوجود، فإنّا نتصوّره ونشك في حصوله في الأعيان، فيلزم أن يكون للوجود وجود ويتسلسل.

لأنّا نقول: الشك في الشيء قد يكون في ثبوته لشيء، وقد يكون في ثبوت آخر له. والشك في الوجود إنّما هو بالمعنى الأوّل، لا بمعنى ثبوت وجود آخر له، لامتناع وصف الوجود بالوجود والعدم، فإنّه (3) لو اتصف بالوجود لزم التسلسل، ولو اتّصف بالعدم، لكان الشيء موصوفاً بنقيضه، وإذا كان معنى الشك في الوجود هو أنّه هل هو ثابت لغيره أو لا؟ ثبت المطلوب. أمّا الشك في الماهية فليس معناه هذا، بل هل ثبت (4) لها وجود أم لا؟وفيه نظر.

ولأنّ الوجود مستند إلى الفاعل وحاصل بجعل جاعل، بخلاف الماهية.

ولأنّ الفصل علّة لوجود الحصّة لا لماهياتها.

ولأنّ العلّة متقدمة على المعلول في الوجود لا في الماهية.


1 . لا يقال الأوّل والثاني مع الجواب عنهما موجود في المباحث المشرقية 1: 115.
2 . أي بالوجود الذهني.
3 . م: «لأنّه».
4 . ق و ج:«يثبت».


(41)

وأمّا الثاني (1) فلوجوه:

الوجه الأوّل: لو كان الوجود جزءاً لكان جنساً إذ هو أعمّ الذاتيات، فيكون فصله موجوداً لأنّه علّة للموجود فيكون الجنس داخلاً في طبيعة الفصل.

وفيه نظر(2) ; لاحتمال صدق الجنس عليه صدق العارض.

الوجه الثاني: لو كان جنساً لكان فصله علّة لوجوده، فيكون للوجود وجود آخر ويتسلسل.

الوجه الثالث: لو كان جنساً لافتقر واجب الوجود في وجوده إلى فصل.

وفيه نظر; لأنّ البحث ليس إلاّ في الوجود الممكن.

الوجه الرابع: الوجود مقول بالتشكيك، فإنّه في الواجب أولى وأقدم وأشد، فلا يكون جزءاً.

لا يقال: جاز أن يكون جنساً في الممكنات.

لأنّا نقول: لا يجوز (3) أن يكون الجنس في أنواعه أضعف منه في معروضه ولأنّ في الممكنات جوهراً وعرضاً وعلّة ومعلولاً.


1 . وهو أن يكون الوجود جزء الماهية، كما قال: لكان إمّا نفس الماهية أو جزءها، والقسمان باطلان، هذا و العنوان في عبارات الرازي في هذا الموضع هكذا: «فأمّا الأدلة الدالة على أنّ الوجود بعد أن ثبت أنّه مشترك بين الماهيات لا يجوز أن يكون جنساً لها فهي ستة أُمور». المباحث المشرقية 1:117ـ 118; راجع أيضاً ابن سينا، المباحثات:248(الرقم:728).
2 . الاستدلال من الرازي، والمصنّـف يجيب عليه، وهو نظير جواب الاشكال على بساطة الفصول: بأن ليست فصول الجواهر جواهر، بمعنى كونها مندرجة تحت معنى الجوهر اندراج الأنواع تحت جنسها، بل كاندراج الملزومات تحت لازمها الذي لا يدخل في ماهيتها، وإنّ جنس الجوهر صادق عليها صدق العرض العام على الخاصة.
3 . م: «يجوز».


(42)

الوجه الخامس: لو كان جزءاً لامتنع افتقار إثباته إلى برهان.

وفيه نظر; لوروده في جوهرية النفس وهيولى الجسم.

الوجه السادس: لو كان جنساً، فإن كان في نفسه غنياً عن الموضوع كان جوهراً وهو جزء من العرض، فكان العرض جوهراً، هذا خلف. وإن لم يكن غنياً عنه وهو جزء من الجوهر كان الجوهر عرضاً، هذا خلف. واعترض بمنع استلزام جوهرية الجزء جوهرية الكلّ.

وفيه نظر; لأنّه حينئذ محمول بالمواطاة على أنّه داخل، لكن يشكل بمنع جوهريته على تقدير استغنائه، إذ لا ماهية له زائدة على وجوده; لاستحالة أن يكون للوجود وجود.

واحتجّ المانعون من الزيادة (1) بوجوه (2):

الأوّل: ما ذكره «أبو الحسين» (3) وهو أنّه لو كان وجود الجوهر صفة زائدة على كونه متحيّزاً، لصحّ أن نعلمه متحيّزاً من دون أن نعلمه موجوداً، أو نعلمه على صفة الوجود من دون أن نعلمه متحيّزاً، إذ لا تعلّق بينهما يمنع من ذلك، فلمّـا لم نعلمه موجوداً إلاّ وقد عُلم متحيّزاً، ولا يُعلم متحيّزاً إلاّ (4) وقد عُلم موجوداً، عَلِمنا أنّ وجوده وتحيّزه واحد. وإنّما قلنا أنّه لا تعلّق بينهما، لأنّه لو كان أحدهما متعلّقاً بالآخر، بأن يكون أحدهما أصلاً للآخرـ إذ يمتنع كون كلّ منهما


1 . وهم أبو الحسن الأشعري وأبو الحسين البصري وأتباعهما.
2 . ونقل الرازي بعض هذه الوجوه وأجاب عليها. المباحث المشرقية 1: 128، وذكر الطوسي الاستدلال الرابع من الخصم مع الجواب عليه بقوله: «وقيامه بالماهية من حيث هي هي».راجع كشف المراد:27. وذكر الايجي ثلاثة من الوجوه وأجاب عليها. المواقف: 48.
3 . هو أبو الحسين البصري المذكور آنفاً.
4 . ق: «إلاّ» ساقطة.


(43)

أصلاً للآخر، وإلاّ دار ـ لصحّ العلم بذلك الأصل دون فرعه، وهذا غير ثابت في المتحيّز والوجود، كما تقدّم.

الثاني: لو كان الوجود زائداً على الماهية لصحّ أن نعلم الماهية حاصلة متحقّقة مع الذهول عن وجودها، أو نعقل وجودها مع الذهول عنها، والتالي باطل، فكذا المقدّم. وهي كالأوّلي.(1)

الثالث: لو كان الوجود زائداً، لكان إمّا ثابتاً فيتسلسل، أو غير ثابت، فلا يكون زائداً.

الرابع: لو كان الوجود زائداً، لكانت الذات قابلة له، لكن قبول الذات له يستدعي تعيّـن تلك الذات وتحصّلها حتّى يصحّ لها القبول، و ذلك التحصّل هو الوجود، فتكون الذات موجودة قبل اتّصافها بالوجود، هذا خلف.

الخامس: لو كان الوجود زائداً على الماهية لكان قيام الوجود بالماهية إن توقّف على كون الماهية موجودة لزم إمّا كون الشيء شرطاً في نفسه أو التسلسل، وإن لم يتوقف لزم قيام الصفة الثبوتية بالمحلّ المعدوم وهو محال.

والجواب عن الأوّل: أنّه في غاية الاختلال، فإنّه لا يلزم من المغايرة الانفكاك في التصوّر ولا شكّ أنّ الغلط هنا من باب إيهام (2) العكس، فإنّ الأُمور التي تنفك بعضها عن بعض في التصوّر متغايرة.

سلّمنا وجوب الانفكاك لكن لِـمَ قلتم باستحالته؟ فإنّا قد نتصوّر جوهراً متحيّزاً غير موجود.


1 . أي هذه الحجّة كالحجّة الأُولى في كيفيتها.
2 . اصطلاح منطقي في باب المغالطة من المغالطات المعنوية يوضع أحد جزئي القضية مكان الآخر بتوهّم أنّه إذا صدق كل«ب» «ج» صدق كل «ج» «ب» أيضاً. انظر: أساس الاقتباس، المقالة السابعة، الفصل الثاني .


(44)

وعن الثاني: بذلك أيضاً، ولأنّه مغالطة فإنّ الوجود هو كون الماهية محصّلة في الخارج، فإذا عقلنا الماهية محصّلة في الخارج فقد عقلناها موجودة فيستحيل حينئذ الغفلة عن كونها موجودة.

وعن الثالث: الثابت ينقسم إلى ما لا مفهوم له وإلى ما له مفهوم آخر وراء كونه ثابتاً، فإن كان له مفهوم وراء كونه ثابتاً كان الثبوت زائداً عليه. وإن لم يكن له مفهوم وراء الثبوت لم يكن الثبوت زائداً عليه.وبالجملة فالقسمة المذكورة باطلة كما في قولنا: الإنسان إمّا أن يكون إنساناً أو لا.

وعن الرابع: التعيّـن لا يستدعي الوجود الخارجي.

وعن الخامس: أنّ الوجود قائم بالماهية من حيث هي هي، لا من حيث إنّها موجودة ولا من حيث إنّها معدومة، ولا يلزم من عدم إدخال الوجود في الاعتبار إدخال العدم فيه.

تنبيه (1): لا نعني بكون الوجود زائداً على الماهية ما نعنيه (2) بقولنا: السواد زائد على ماهية الجسم، فإنّ الجسم يوجد في الخارج منفكّاً عن السواد فيحكم حينئذ بزيادته عليه في الخارج وليس الوجود بالنسبة إلى الماهية كذلك، فإنّه من المستحيل أن يوجد الجسم في الخارج منفكاً عن الوجود، ثمّ يحلّ فيه الوجود حلول السواد في الجسم، فإنّ كون الجسم في الخارج هو وجوده، والماهية لا تتجرّد عن الوجود إلاّ في العقل، لا بأن يكون في العقل منفكّة عن الوجود، فإنّ الكون في العقل وجود عقلي كما أنّ الكون في الخارج وجود خارجي، بل نعني أنّ للعقل أن يلاحظ الماهية وحدها من غير ملاحظة الوجود، فاتّصاف الماهية بالوجود أمر


1 . التنبيه مستفاد من الطوسي حيث قال: «فزيادته في التصوّر».
2 . وفي هامش نسخة ق «نريد» بدلاً عن« نعنيه».


(45)

عقلي بخلاف اتّصاف الجسم بالسواد، فإنّ الماهية ليس لها وجود منفرد ولعارضه المسمّى بالوجود وجود آخر، ويجتمعان كاجتماع المقبول والقابل، بل الماهية إذاكانت فكونها هو وجودها، فالماهية إنّما تكون قابلة للوجود عند كونها في العقل.

البحث السادس: في الوجود الذهني (1)

اختلف الناس في ثبوته، ونفاه قوم، وأثبته آخرون، وهو الحقّ.

لنا (2) أنّا نتصوّر أُموراً لا ثبوت لها في الخارج، ونحكم عليها بأحكام ثبوتية والمحكوم عليه بالحكم الثبوتي يجب أن يكون ثابتاً، وإذ ليس بثابت في الخارج، فهو ثابت في الذهن. فهنا مقدمات:

الأُولى: تصوّر أُمور لا ثبوت لها في الخارج وهي ظاهرة، فإنّا نتصوّر بحراً من زئبق، وجبلاً من ياقوت و غير ذلك من المركّبات التي لا تحقّق لها في الخارج.

الثانية: أنّا نحكم عليها بأحكام ثبوتية وذلك، لأنّا نحكم بامتياز إحدى


1 . لقد استُحدث هذا البحث في القرن السابع والثامن، حيث لم يكن له من أثر قبل ذلك، حتى في كتب الشيخين «الفارابي» و «ابن سينا». نعم تعرّض له الشيخ الرئيس مستطرداً في ردّ القائلين بالثابت والحال، ولم يعنون له فصلاً مستقلاً. أُنظر الفصل الرابع من المقالة الأُولى من إلهيات الشفاء. والظاهر أن أوّل من طرح البحث مستقلاً هو الرازي «المتوفى 606 هـ» في المباحث المشرقية 1:130، ثم المحقّق الطوسي «المتوفى 672 هـ» في التجريد، ثم الإيجي «المتوفى 756 هـ» في المواقف: 52، وراجع الأسفار 1: 226 ـ 363. وسبب طرح هذه المسألة هو الردّ على شبهات القائلين بثبوت المعدوم، والحال.
2 . راجع المباحث المشرقية 1: 41. تجد فيه نفس الدليل وما قيل في الاعتراض عليه والجواب عنه. ثمَّ راجع التجريد، يذكر دليلاً آخر بقوله «وإلاّ بطلت الحقيقية». وقد جعله «الايجي» ثالث الأدلّة المنقولة من الحكماء، المواقف: 52.


(46)

الصورتين عن الأُخرى وبمخالفتها لها، وأنّ لها تعيّناً وتخصّصاً ليس لما عداها، وأنّ الجبل والبحر المذكورين أجسام. وهذه أحكام ثبوتية.

الثالثة: المحكوم عليه بالحكم الثبوتي يجب أن يكون ثابتاً، وذلك لأنّ ثبوت شيء لغيره فرع على ثبوت ذلك الغير في نفسه، وهو ضروري.

لا يقال: الوجود صفة ثبوتية، ولا يستدعي حصولها للماهية كون الماهية ثابتة وإلاّ لزم التسلسل.

ولأنّا (1) نحكم على السلب بمقابلته للإيجاب، وليس في السلب ثبوت في نفسه ولا في الذهن، لأنّه (2) من حيث هو ثابت في الذهن لا يقابل الثبوت المطلق، بل هو قسم منه، فهو من حيث إنّه مقابل لمطلق الثبوت لا يكون ثابتاً، ولأنّا نحكم على الممتنع بالامتناع (3)، ولأنّا نحكم على العدم بامتناع الحكم عليه وذلك مناقضة.

لأنّا نقول: الضرورة قاضية بالفرق بين اتّصاف الشيء بالثبوت واتصاف الشيء بثبوت آخر له، فإنّ العقل قاض بعدم اشتراط الأوّل بالثبوت وإلاّ لزم التسلسل، وباشتراط الثاني بالثبوت، وإلاّ لجاز قيام الصفات الثبوتية بالمحل المعدوم، وذلك يفضي إلى السفسطة، فإنّا إنّما نشاهد من الأجسام أعراضها من الكم والكيف وغير ذلك، فلو سوّغنا قيام الموجود بالمعدوم جاز قيام هذه الصفات بأجسام معدومة وذلك باطل بالضرورة.

والتحقيق: ما تقدّم من أنّه ليس في الخارج ماهية ووجود قائم بها قيام السواد بالجسم، بل الذهن يفصّل الشيء الموجود والمعقول إلى ماهيّة ووجود،


1 . من هنا يبدأ القائل بذكر ثلاثة موارد من النقض.
2 . وهذا دفع دخل مقدّر، وهو أن للسلب ثبوتاً في العقل، بما له من الصورة العقلية.
3 . مع أنّه لاثبوت له.


(47)

ويميّز بينهما، ويحكم بزيادة الوجود وحلوله في الماهية ذهناً وتعقّلاً لا خارجاً. والوجود الذهني وإن كان عبارة عن كون الماهية في الذهن فهو كالخارجي أيضاً; لأنّ الذهن قد يعقل الماهية خالية عن الوجود الذهني ويفرض لها وجوداً آخريكون شرطاً لهذا الوجود، وهكذا إلى أن ينقطع بانقطاع الاعتبار. والوجود المطلق (1) مشروط بالوجود الخاص الذهني أو الخارجي، ولا استبعاد في كون الخاص علّة وسبباً لوجود العام في غيره.

وإذا (2) استحضر الذهن صورة غير مستندة إلى الخارج وحكم عليها بأنّه لا مطابق لها في الخارج كان ذلك هو تصوّر السلب، ثم إذا استحضر صورة أُخرى وحكم عليها بأنّ لها في الخارج مطابقاً كان ذلك هو تصوّر الإيجاب، ثم يحكم على إحداهما بأنّها مقابلة للأُخرى، لا من حيث إنّهما حاضرتان في العقل، بل من حيث استناد إحداهما إلى الخارج دون الأُخرى، فالمحكوم عليه بالتقابل صورتان عقليّتان موجودتان في الذهن، وهذا معنى قولهم (3) «تقابل السلب والإيجاب: إنّما يتحقّق في القول والضمير (4) لا في الخارج».

ويمكن اعتبار ذلك أيضاً في الصورة الذهنية فإنّ للذهن أن يعتبررفع (5) جميع الأشياء حتّى رفع نفسه فإذا تصوّر شيئاً لا وجود له في الخارج بصورة حلّت فيه، أمكنه تصوّر عدمها وحكم بالتقابل بينهما من حيث إنّ الصورة أُخذت ثابتة في الذهن تارة ومسلوبة عنه أُخرى، وإن كان لابدَّ في السلب من ثبوت ذهني، لكن باعتبار آخر، فالحكم هنا بالتقابل على صورتين ثابتتين في الذهن لا باعتبار


1 . ق: «المطلق» ساقطة.
2 . هذا جواب عمّـا قاله المستشكل في تصوّر السلب.
3 . أي الحكماء.
4 . أي في العقل، وكذا في اللفظ والقول بنوع من المجاز.
5 . م:«رفع» ساقطة.


(48)

ثبوتهما في الذهن، بل من حيث إنّ احداهما أُخذت موجودة بالوجود الذهني (1) والأُخرى أُخذت مسلوباً عنها الوجود الذهني (2).

وإذا استحضر الذهن صورة وحكم عليها بالامتناع، كان حكماً على صورة ذهنية بامتناع وجودها في الخارج، لا بامتناع وجودها في الذهن، والمحكوم عليه بهذا الامتناع ليس تلك الصورة من حيث إنّها ذهنية، فإنّ ذلك غير مختصّ بالممتنع، بل كلّ صورة ذهنية يمتنع وجودها في الخارج، بل المحكوم عليه حقيقة تلك الصورة الموجودة في الذهن.

ولا (3) تناقض في الحكم على العدم بامتناع الحكم عليه، لتغاير الجهة، فإنّه من حيث هو في الذهن مقيّد بقيد العدم الخارجي يحكم عليه بامتناع الحكم، فالحكم عليه من حيث ثبوته في الذهن، وامتناع الحكم عليه، باعتبار كونه عدماً مطلقاً (4).

احتج النافون بوجوه (5):

الأوّل: لو ثبت الوجود الذهني لزم أن يكون الذهن حاراً بارداً، مستديراً مستقيماً ، وهو باطل بالضرورة. و لعدم اجتماع الضدين.

الثاني: الصورة الذهنية إن لم تطابق الخارج كانت جهلاً، وإن طابقت بطل أصل الدليل.


1 . ق: «بالوجود الخارجي».
2 . ومن هنا يبدأ جوابه على إشكال الحكم على الممتنع.
3 . هذا دفع إشكال الحكم على العدم.
4 . فمن جهة المفهوم والحمل الأوّلي يخبر عنه بأنّه لا يخبر عنه، وأمّا من جهة المصداق والحمل الشائع لا يخبر عنه، ففيه تغاير الجهة والحمل.
5 . راجع كشف المراد:28; المواقف:53; الأسفار 1: 308.


(49)

الثالث: يجوز أن تكون الصور الخياليّة قائمة بأنفسها، كما يقوله افلاطون.

الرابع: الوجود الذهني إن ثبت فإنّما يثبت في ما لا وجود له خارجاً، أمّا في ما له وجود في الخارج فلا.

والجواب عن الأوّل: (1) أنّ الموجود في الذهن ليس نفس الحرارة والبرودة، بل صورتهما ومثالهما، وهما لا يوجبان التسخين والتبريد، ولا يلزم حرارة الذهن، ولا اجتماع الضدّين، ولأنّ الذهن غير قابل للكيفيّات المحسوسة، فلا يلزم أن يكون متسخّناً.

وفيه نظر; لأنّ الصورة والمثال إن كانت عين الحرارة لزم الإشكال، وإلاّ كان قولاً بعدم ثبوت الحرارة في الذهن وهو المطلوب، ولا نعني بالانفعال عن الحرارة إلاّ وجود هذه الكيفية في المحل، وإذا لم يكن الذهن قابلاً لهذه الكيفية، لم يكن محلاً لها.

وعن الثاني: أنّ الجهل إنّما هو في الحكم بالمطابقة مع عدمها، أمّا في نفس وجود الصورة الذهنية فلا.

وعن الثالث: أنّ الضرورة قاضية بنفي الممتنعات.

وعن الرابع: أنّ الوجود الخارجي غير كاف في الحكم على الشيء، فإنّ الضرورة قاضية بأنّ الحاكم على الشيء يجب أن يحضره المقضي عليه.

واعلم أنّا لا نعني بالوجود الذهني ثبوت الشيء نفسه في الذهن فإنّ ذلك معلوم البطلان بالضرورة، بل نعني به وجود مثال له وصورة مساوية لا من كلّ وجه. وسيأتي تحقيق ذلك في باب العلم إن شاء اللّه تعالى.


1 . حاصل الجواب: أنّ الموجود في الذهن من البرودة والحرارة وغيرهما هو كذلك بالحمل الأوّلي لا الشائع.


(50)

البحث السابع: في أنّ الوجود هل يقبل الشدة والضعف أملا؟(1)

وقبل الخوض فيه لابدّ من تقديم معنى الشدّة والضعف أوّلاً.

فنقول: فسّـر أفضل المحقّقين (2) الاشتداد بأنّه اعتبار المحل الواحد (3) الثابت إلى حالّ فيه غير قارّ تتبدّل نوعيّته، إذا قيس ما يوجد منها في آن [ما] (4) إلى ما يوجد في آن آخر، بحيث يكون ما يوجد في كلّ آن متوسطاً بين ما يوجد في آنين يحيطان بذلك الآن، ويتجدّد جميعها على ذلك المحلّ المتقوّم دونها من حيث هو متوجه بتلك المتجدّدات إلى غاية ما. ومعنى الضعف هو ذلك المعنى بعينه، إلاّ أنّه يؤخذ من حيث هو منصرف بها عن تلك الغاية، فالآخذ في الشدة والضعف هو المحل، لا الحالّ المتصرم المتجدّد (5).

إذا عرفت هذا فنقول: اختلف الناس في أنّ الوجود هل يقبل الشدة والضعف أم لا؟ فأثبته قوم ونفاه آخرون.

احتج المثبتون: بأنّ معنى الاشتداد ثابت في الوجود، فإنّه كما أنّ السواد يشتد باعتبار كونه كيفية يفرض العقل لها طرفين، ووسائط تقرب بعضها من أحد الطرفين وبعضها من الآخر، فأحد الطرفين هو السواد البالغ في السوادية، الذي لا يوجد فوقه مرتبة زائدة عليه في السوادية، والطرف الآخر البياض، وأقرب


1 . راجع: كشف المراد:29; الأسفار 1: 423، فصل 4 «في أنّ الوجود هل يجوز أن يشتد أو يتضعّف أم لا» ؟
2 . وهو الخواجة نصير الدين محمّد بن محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة(672هـ).
3 . وليس «الواحد» في كلمات الخواجة.
4 . ق وج و م: «في آن إلى» والأصح ما أثبتناه.
5 . وقد شرح المصنف معنى الاشتداد في الجوهر النضيد: 27(الفصل الثاني من المقولات).


(51)

المراتب إلى الطرف الأوّل شديد وأبعدها عنه ضعيف، وتؤخذ مراتب غير متناهية بين الطرفين. وكذا الوجود له طرفان: الوجوب والعدم، ووسائط هي وجودات الممكنات، فكلّ ما كان أقرب إلى الوجوب كان أشدّ من الآخر، فيكون قابلاً للشدة والضعف.

واحتج المانعون: بأنّ الوجود معنى معقول بسيط لا يعقل فيه مراتب باعتبار كونه وجوداً. ولأنّه بعد الاشتداد إن لم يحدث شيء لم يكن اشتداداً، بل هو باق كما كان، وإن حدث لم يكن اشتداداً أيضاً للموجود الواحد، بل يكون حاصله أنّه حدث شيء آخر معه. وهذه الحجة تبطل الاشتداد في جميع الأعراض.


(52)

الفصل الثاني:

في مباحث العدم

البحث الأوّل: في أنّ تصوّره بديهي

البحث هنا كما قلنا في الوجود، فإنّا كما نعلم بالضرورة وجود ذواتنا، كذا نعلم بالضرورة ارتفاع ذلك الوجود و عدمه. ولأنّ التصديق الضروري، بأنّه لا يخلو الشيء عن الوجود والعدم، مسبوق بتصوّر الوجود والعدم، والسابق على البديهي أولى أن يكون بديهياً.

واعلم: أنّ العدم إمّا مطلق أو مضاف، والأوّل لا يُعلم ولا يخبر عنه، إذ لا تعيّـن له ولا تخصّص ولا امتياز، والعلم يستدعي ذلك كلّه، وما لا هويّة له كيف يشير العقل إليه بأنّه هو. أمّا المضاف فإنّه يعلم بواسطة ملكته.

لا يقال: العدم المطلق جزء من المضاف، والشيء ما لم يعلم جزؤه لا يُعلم، ولأنّ قولنا: العدم لا يخبر عنه إخبار عنه.

لأنّا نقول: العدم لا يعقل جزءاً من غيره، وإنّما ذلك اعتبار عقلي. والإخبار


(53)

عن العدم بعدم الإخبار عنه غير متناقض للتغاير في الموضوعات، فإنّ ما ليس بثابت في الذهن له ثبوت ذهني، لأنّ هذا السلب متصوّر والمنسوب إليه هذا السلب ليس له ثبوت أصلاً. فهنا اعتباران: سلب الثبوت ذهناً، والمنسوب إليه هذا السلب، فبالاعتبار الأوّل أمكن الحكم عليه دون الاعتبار الثاني من غير تناقض، لعدم اتّحاد الموضوع فيهما، وإنّما حصل لنا تصوّر سلب الثبوت المطلق، لأنّ للذهن أن يتصوّر جميع الأشياء حتّى عدم نفسه، فإذا تصوّر الوجود المطلق وتصوّر عدمه فقد تصوّر سلب الثبوت المطلق(1).

البحث الثاني: في أنّ المعدوم ليس بشيء (2)

هذه مسألة عظيمة وقع الخلاف فيها بين النفاة والمثبتين مع أنّها ظاهرة.

وتقرير الكلام في ذلك أن نقول: المعدوم إمّا أن يكون ممتنع الثبوت، ولا


1 . راجع تجريد الاعتقاد، المسألة السابعة والثلاثون من الفصل الأوّل، والأسفار 1: 238 و 344 ـ 350.
2 . أُنظر مقالات الإسلاميين:158; المحصل: 78; المباحث المشرقية 1:134; معالم أُصول الدين: 30;تجريد الاعتقاد، المسألة الحادية عشرة من الفصل الأوّل ; المواقف: 53; الأسفار 1:75; شوارق الإلهام: 57; الفصل الرابع من المقالة الأُولى من إلهيات الشفاء، وتعليقة صدر المتألهين عليه ص 26.
أقول: هذه المسألة تختلف مع مسألة الحال، لأنّ المعتزلة كانوا يعبّـرون عن الصفات والأسماء الثابتة للموجودات بالأحوال، وفي ما نحن فيه يثبتون الشيئية نحواً من الثبوت للمعدومات الممكنة، فالموضوع في مسألة الحال صفات الموجود مثل السوادية والبياضية والقادرية وغير ذلك، ممّا لا يوصف بالوجود و لا العدم، وسمّوها الحال، وهي واسطة بين الوجود والعدم.
وأمّا الموضوع ههنا فهو المعدوم الممكن المقابل للمعدوم الممتنع. هذا، وقد جعل الشهرستاني بين المسألتين نحواً من الاتحاد، وابتناء احداهما على الأُخرى، ثم حكم بالتناقض بين قولهم بشيئية المعدوم والقول بالحال، نهاية الاقدام في علم الكلام: 158ـ159 ولكن الحقّ اختلاف المسألتين لاختلاف موضوعهما، كما عرفت.


(54)

نزاع في أنّه نفي محض.

وإمّا أن يكون ممكن الثبوت، فعندنا أنّه كذلك (1)، وهو مذهب الأوائل وجماعة من المتكلّمين «كأبي الهذيل»(2) و«هشام الفوطي» (3) و«هشام البردعي»(4) و«أبي الحسين البصري» و «الخوارزمي» و «القاضي أبي بكر الباقلاني»(5) وغيرهم.

وذهب آخرون إلى أنّه شيء، بناءً على أنّ الوجود زائد على الماهية، وأنّه يجوز خلو تلك الماهية عن الوجودين وتبقى ثابتة في الأعيان، فجعلوا الوجود غير الثبوت، وهو مذهب «أبي يعقوب الشحّام»(6)و«أبي علي الجبائي» (7) و «أبي


1 . هذا مذهب الإماميّة كافة من أوّلهم إلى عصرنا الراهن. راجع أوائل المقالات: 98.
2 . محمد بن الهذيل بن عبد اللّه بن مكحول العبدي، مولى عبد القيس، أبو الهذيل العلاّف: من أئمة المعتزلة. ولد في البصرة واشتهر بعلم الكلام. كفّ بصره في آخر عمره، وتوفي بسامراء. وفيات الأعيان 1: 480 وفيه أقوال في وفاته سنة 235 و 226 و 227; لسان الميزان 5: 413; مروج الذهب 2: 298 ; تاريخ بغداد 3: 366.
3 . هو هشام بن عمرو الفوطي الشيباني من أهل البصرة وقد تفرّد بمسائل. وقال ابن النديم في الفهرست: وهو هشام بن عمرو الفوطي مسكن الواو كذا يجب في العربية، وقال السمعاني في الأنساب: الفوطي بضم الفاء وفتح الواو، وفي آخرها الطاء المهملة هذه النسبة إلى الفوطة وهي نوع من الثياب، طبقات المعتزلة :61 ; الأنساب 4: 408.
4 . ق وج: «الودعي».
5 . أبو بكر محمد بن الطيب المعروف بالباقلاني البصري المتكلّم المشهور ، كان على مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وناصراً طريقته، توفي ببغداد سنة 403 هـ. وفيات الأعيان 4: 269، يقول: «المعدوم لا هو مثبت ولا هو شيء» التمهيد:40، مراجعة الخضيري.
6 . يوسف بن عبد اللّه، أبو يعقوب الشحّـام: مفسّـر معتزلي، من أهل البصرة. انتهت إليه رئاسة المعتزلة في أيامه. أخذ عن أبي الهذيل وولّـي الخراج في أيام الواثق. عاش 80 سنة، وله كتاب في تفسير القرآن، وتوفّي في عام 280 هـ . لسان الميزان 6: 325; طبقات المعتزلة: 71 ـ 72. وهو أول من قال بإمكان تسمية المعدوم شيئاً. راجع: الشهرستاني: نهاية الإقدام، في علم الكلام: 151، حيث قال: «والشحّام من المعتزلة أحدث القول بأنّ المعدوم شيء وذات وعين».
7 . هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي أحد أئمّة المعتزلة (235 ـ 303 هـ). وفيات الأعيان 4:267.


(55)

هاشم» و «أبي الحسين الخيّاط» (1) و «أبي القاسم البلخي» (2) و «أبي عبد اللّه البصري» (3) و «أبي اسحاق بن عياش» (4) و «قاضي القضاة» (5) و «أبي رشيد»(6) [و](7) «ابن متوية» وغيرهم.

لنا وجوه: أوّلاً: لو كانت الماهيات متحقّقة في الخارج حال عدمها، لكانت متشاركة في ذلك التحقّق ومتباينة بخصوصيّاتها، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فيلزم أن يكون تحقّق كلّ ماهية زائداً عليها ولا نعني بكونها موجودة


1 . هو عبد الرحيم بن محمد بن عثمان، أبو الحسين ابن الخياط : شيخ المعتزلة ببغداد. تنسب إليه فرقة منهم تدعى «الخياطيّة». ذكره الذهبي في الطبقة السابعة عشرة، توفي سنة 300 هـ، وراجع نظره في هذه المسألة، الانتصار والرد على ابن الراوندي: 122 وما بعدها.
2 . هو عبد اللّه بن أحمد بن محمود الكعبي، من بني كعب، البلخي الخراساني، أبو القاسم: أحد أئمة المعتزلة كان رأس طائفة منهم تسمّى «الكعبية» وله آراء ومقالات في الكلام انفرد بها هو من أهل بلخ، أقام ببغداد مدة طويلة وتوفي ببلخ (273 ـ319هـ). تاريخ بغداد: ج9: 384 ;وفيات الأعيان: ج1: 252.
3 . الحسين بن علي بن إبراهيم، أبو عبد اللّه، الملقب بالجُعَل: فقيه، من شيوخ المعتزلة. كان رفيع القدر، مولده في البصرة ووفاته ببغداد (288 ـ 369 هـ). الزركلي: الأعلام2: 244.
4 . هو إبراهيم بن محمد بن عياش البصري تلميذ أبي هاشم. قال القاضي: هو الذي درسنا عليه أوّلاً. وله كتاب في إمامة الحسن والحسينعليمها السَّلام وفضلهما. طبقات المعتزلة ص 107.
5 . عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني الأسدآبادي، أبو الحسين: قاضي، أُصولي. كان شيخ المعتزلة في عصره. وهم يلقبونه قاضي القضاة، ولي القضاء بالريّ ومات فيها. (عام 415 هـ). الزركلي: الأعلام3: 273.
6 . هو سعيد بن محمد أبو رشيد النيسابوري، وكان بغدادي المذهب فاختلف إلى القاضي ودرس عليه وصار من أصحابه، وإليه انتهت الرئاسة بعد قاضي القضاة، انتقل إلى الري وتوفّي فيها (سنة 440 هـ). طبقات المعتزلة : 116.
7 . أضفنا «و» بينهما، لأنّ أبي رشيد غير ابن متوية وهي ساقطة في نسخة ق و م. وابن متوية هو أبو محمد حسن بن أحمد بن متوية، الذي لخّص بعض كتب القاضي وله كتاب التذكرة. طبقات المعتزلة : 119.


(56)

سوى ذلك، فيلزم أن تكون موجودة حال فرضها معدومة، وذلك باطل بالضرورة(1).

وفيه نظر; لأنّهم سلّموا مغايرة الثبوت للوجود، وأنّ الثبوت أمر مشترك زائد على الماهيّات، ولا يلزم أن تكون الماهيات موجودة حال كونها معدومة، بل أن تكون ثابتة حال كونها معدومة، وهو محلّ النزاع.

والتحقيق: أن نقول: النزاع هنا ليس إلاّ في إثبات معنى غير الثبوت وعدمه، والحق عدمه، لأنّ الثبوت هو الكون في الأعيان، ونحن لا نعقل سوى الماهية والكون في الأعيان، والوجود هو الكون في الأعيان.

ثانياً: لو كانت الذوات ثابتة في العدم،لكانت إمّا متناهية أو غير متناهية، والقسمان باطلان، فالقول بكونها ثابتة في العدم باطل.

أمّا الأوّل: فبالاتفاق، وإلاّ لزم انحصار مقدور اللّه تعالى في عدد متناه.

وأمّا الثاني: فلأنّها بعد إخراج شيء منها إلى الوجود إمّا أن تبقى كما كانت وهو باطل بالضرورة، وإلاّ لزم أن يكون الشيء مع غيره كهو لا مع غيره، وإمّا أن تنقص، فيلزم تناهيها، والذي خرج منها إلى الوجود متناه، فيكون الكلّ متناهياً وقد فرض غير متناه، هذا خلف (2).

وفيه نظر، فإنّه لا يلزم من القلّة التناهي، فإنّ معلومات اللّه تعالى أكثر من مقدوراته، وتضعيف الألف مراراً غير متناهية أقلّ من تضعيف الألفين كذلك والكلّ غير متناه، بل كلّ عدد غير متناه إذا أُخذ أي عدد متناه كان منه، فإنّ الباقي يكون غير متناه وأقلّ من الأوّل.


1 . استدل به الرازي في المحصل: 78، وذكره الايجي في المواقف: 54.
2 . راجع شرح المصنـف على تجريد الاعتقاد، ذيل قوله: «وانحصار الموجود» ص 33، ثم راجع المواقف: 54.


(57)

ثالثاً: هذه الماهيات من حيث إنّها هي ممكنةٌ لذواتها، وكل ممكن محدث، فهذه الماهيات من حيث هي هي محدثة، فتكون مسبوقة بالنفي الصرف.

أمّا المقدمة الأُولى، فلأنّها لو كانت واجبة التقرّر في الخارج لذواتها، لكانت واجبة الوجود، وسيأتي بيان أنّه واحد.

وأمّا الثانية، فسيأتي بيان أنّ كلّ ممكن محدث، وأنّ كل محدث مسبوق بالعدم (1).

وفيه نظر، فإنّهم يسلّمون أنّها ممكنة ومحدثة، ولكن ليس معنى المحدث هو المسبوق بالنفي، بل بالعدم. ولا يلزم من كونها واجبة التقرّر في الخارج كونها واجبة الوجود، لأنّ التقرّر في الخارج هو الثبوت، وليس واجب الوجود هو واجب التقرّر أو الثبوت، بل واجب الوجود، والوجود أخصّ من الثبوت على ما مرّ.

رابعاً: الذوات أزليّة، فلا تكون مقدورة، والوجود حال، فلا يكون مقدوراً، فتكون الذوات الموجودة غير مقدورة، فتنتفي قدرة اللّه تعالى وهو محال (2).

وفيه نظر; فإنّهم يذهبون إلى أنّ القادر تأثيره في جعل الذوات موجودة، ولا يندرج ذلك تحت ما ذكره من الأقسام.

خامساً: السواد المعدوم إمّا أن يكون واحداً أو كثيراً، و القسمان باطلان، فالقول بثبوته باطل. أمّا الأوّل، فلأنّ وحدته إن كانت لازمة لماهيته امتنع تكثّره في الخارج، وإن لم تكن لازمة أمكن عدمها، فيحصل التعدّد، لكنّه محال لتوقّفه على التباين بالهوية، ثمّ ما به التباين إن كان لازماً للماهية لزم اختلاف كل شيئين بالماهية، فلا يوجد شخصان من نوع واحد، هذا خلف. وإن لم يكن لازماً كان


1 . انظر المواقف: 54.
2 . استدل به الرازي في المحصل: 79، واعتمد عليه الايجي في المواقف: 55.


(58)

المعدوم مورداً للصفات الزائلة (1) وهو محال، وإلاّ لجاز أن يكون محلّ الحركات والسكنات المتعاقبة معدوماً، وهو باطل بالضرورة (2).

وهو ضعيف; لأنّ السواد المعدوم لا يوصف بكثرة ولا وحدة.

سلّمنا، لكن التباين إذا لم يكن من اللوازم لم يجب زواله، وإن أمكن، لكن كونه مورداً للصفات الزائلة (3) لازم للزوال لا لإمكانه.

سادساً: المعدوم إن ساوى المنفي أو كان أخصّ، فكلّ معدوم منفي وكلّ منفي فليس بثابت فالمعدوم ليس بثابت. وإن كان أعم وجب أن لا يكون نفياً محضاً، وإلاّ لم يبق فرق بين العام والخاص، وإذا لم يكن نفياً كان ثابتاً، وهو مقول على المنفي (4) فإنّ العام صادق على الخاص، فيكون الثابت صادقاً على المنفي، هذا خلف (5).

وفيه نظر; لجواز المباينة، فإنّهم يذهبون إلى أنّ المنفي هو الممتنع، والمعدوم هو الممكن الثابت.

سابعاً: المعدوم الثابت إمّا أن يكون وجوده ثابتاً أو منفياً، والقسمان باطلان، فالقول بثبوت المعدوم باطل.

أمّا الأوّل، فلأنّه إن لم يكن ثابتاً له لزم ثبوت الصفة لغير الموصوف، وهو غير معقول. وإن كان ثابتاً له لزم أن يكون موجوداً حال ما فرضناه معدوماً، هذا خلف.


1 . «المتزايلة» في المحصل للرازي: 79.
2 . هذا ما استدل به الرازي في المباحث المشرقية:135ـ 136; المحصل: 79، وانظر المواقف: 54.
3 . م: «المتزايلة».
4 . م: «النفي» والصحيح ما أثبتناه في المتن من نسخة ق.
5 . أُنظر الاستدلال بشكل قياسي واضح في المباحث المشرقية: 46، واعتمد عليه الايجي في المواقف: 55.


(59)

وأمّا الثاني، فلأنّ المنفي ممتنع الثبوت عندهم فلا تكون الذوات المعدومة ممكنة الوجود، هذا خلف.

ثامناً: المعدوم الممكن إمّا أن يكون موجوداً أو ليس بموجود، ولا ثالث لهما، فإنّ أحدهما نفي والآخر إثبات.

والأوّل باطل، وإلاّ لزم أن يكون المعدوم موصوفاً بالوجود، وهو باطل بالضرورة.

والثاني يلزم منه أن يكون نفياً، فيكون ممتنعاً.

وفيه نظر; فإنّه لا يلزم من كونه ليس بموجود أن يكون نفياً، لأنّ ما ليس بموجود قد يكون ثابتاً.

واعلم أنّ الضرورة قاضية بفساد هذا المذهب، فإنّه لا يعقل شيء سوى الماهية والوجود، ومن أثبت أمراً وراء الوجود أعمّ منه وسمّـاه الثبوت، فقد كابر مقتضى عقله.

احتج المخالف بوجوه:

الأوّل: المعدومات متميّزة في أنفسها وكلّ متميّـز ثابت.

أمّا الصغرى، فلأنّا نعلم طلوع الشمس غداً وهو معدوم الآن، ونعلم الحركة التي يمكنني أن أفعلها والتي لا يمكنني فعلها، ولهذا نحكم على إحداهما بإمكان الوقوع دون الأُخرى. ولأنّا نقدر على الحركة يمنةً ويسرةً، ولا نقدر على خلق السماء والأرض، وهذا الامتياز حاصل قبل وجود هذه الأشياء. ولأنّا نريد اللذات ونكره الآلام وهي معدومة، ولولا امتياز بعضها عن البعض لاستحال


(60)

تخصيص بعضها بالإرادة وبعضها بالكراهة، فقد ثبت بهذه الوجوه أنّ المعدومات متميّزة.

وأمّا الكبرى، فلأنّ معنى الثابت هو المتميّز عن غيره، المتخصّص بتعيّنه عمّـا سواه، فإنّ ذلك إنّما يعقل بعد تحقّق تلك الحقائق، فتكون الماهيّات متحقّقة وثابتة حال العدم.

الثاني: المعدوم الممكن موصوف بالامتياز عن الممتنع، والامتناع ليس وصفاً ثبوتياً، وإلاّ لكان محلّه ثابتاً، هذا خلف، وإذا لم يكن الامتناع ثبوتياً، كان الإمكان الذي هو مناف للامتناع ثبوتياً، ضرورة كون أحد المتنافيين ثبوتياً، فيكون المعدوم الممكن ثابتاً.

الثالث: المقدور لا يوجد إلاّ بإيجاد القادر إيّاه، وإيجاد القادر إيّاه متوقّف على تعلّق القادر به، و تعلّق القادر به دون غيره يتوقّف على تميّزه عن غيره، فإذن وجوده يتوقّف على تميّزه بمراتب. أو نقول: المقدور محتاج إلى الموجد، فلابدّ من أمر متصف بالحاجة وليس المتّصف بالحاجة هو الموجود; لأنّ الحاجة إلى القادر لأجل أن يجعل الشيء موجوداً فالموجود يستحيل إيجاده، فكيف يمكن أن يحتاج إلى الفاعل ليجعله موجوداً .ولأنّه لو احتاج الشيء حال وجوده إلى المؤثّر لاحتاج حال بقائه إليه، لأنّ وجوده في الحالين واحد، ومقتضى الشيء الواحد من حيث هو حاصل في جميع أزمان حصوله لا يختلف، فيثبت أنّ المتّصف بالحاجة إلى الفاعل هو المعدوم، وكل ما اتّصف بصفة ليست حاصلة لغيره، فإنّه لابدّ وأن يكون متميّزاً في نفسه وثابتاً، فيكون المعدوم ثابتاً.

الرابع: لا نزاع بين العقلاء في وجود الممكنات، والممكن هو الذي يصحّ عليه الوجود والعدم. والمعنى بقولنا:إنّه يصحّ عليه العدم، أنّه يصحّ أن يقال: إنّه معدوم، وهذا يقتضي تحقّق تلك الحقيقة عند كونها معدومة، لأنّ الموصوف لابدّ


(61)

وأن يكون متقرّراً مع الصفة، وهذا يقتضي أن تكون هذه الحقائق متقررة ثابتة مع كونها معدومة، وهو المطلوب.

الخامس: علّة الحاجة إلى المؤثّر إنّما هي الإمكان لا الحدوث على ما يأتي، والإمكان حالة إضافية لا تتحقّق إلاّ بين الأمرين، ويستحيل عروض الإضافة للأمر الواحد، فإذن الحقائق المفردة يستحيل عروض الإمكان لها، فيستحيل أن تكون مجعولة، فهي إذن ثابتة لأنفسها وذواتها، وإنّما توجد بالفاعل، فهي إذن ثابتة في العدم.

السادس: قال تعالى: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيم)(1) وصف الزلزلة بالشيئية وهي معدومة.

وكذا قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ) (2) وقوله تعالى:(وَلا تَقُولَنّ لشْيء إِنّي فاعِلُ ذلِكَ غَدا) (3).

السابع: الماهيات غير مجعولة، وإلاّ لزم من فرض عدم الفاعل خروج الماهيّة عن كونها ماهية، لأنّ كلّ ما تحقّقه بسبب غيره، فإنّه يلزم من فرض عدم الغير عدم ذلك الأثر، فلو كان الجوهر جوهراً بالفاعل أو السواد سواداً بالفاعل لزم عند فرض عدم ذلك السبب أن يخرج الجوهر عن كونه جوهراً، والسواد عن كونه سواداً وذلك محال، لأنّ قولنا: السواد خرج عن كونه سواداً، قضية يجب صدق محمولها على موضوعها، فيكون موضوعها ثابتاً حال صدق محمولها عليها، فيكون السواد ثابتاً حال صدق خروجه عن السوادية وذلك محال، فيثبت امتناع


1 . الحج/ 1.
2 . الحجر/21.
3 . الكهف/23.


(62)

استناد تقرّر الماهيّات وتحقّقها إلى الفاعل.

الثامن: لو لم يكن المعدوم شيئاً وذاتاً لصحّ أن يقال: إنّ اللّه تعالى علم الأشياء ولا معلوم، لأنّ المعدوم إذا لم يكن شيئاً لم يكن معلوماً.

التاسع: القادر يريد إيجاد الجوهر وإيجاد السواد، فلابدّ وأن يكونا ذاتين حتى يصحّ منه القصد إلى إيجادهما، ويدعوه الداعي إلى ذلك.

والجواب عن الأوّل: أنّ العلم لا يستدعي الثبوت في الخارج، بل في الذهن، فإنّا نتصوّر شريك الباري ولهذا نحكم عليه بالامتناع، والحكم على الشيء يستدعي تصوّره وكذا نتصوّر بحراً من زئبق وجبلاً من ياقوت، ونحكم بامتياز بعض هذه التصوّرات عن بعض، وماهيّات الجواهر والأعراض وإن كانت ثابتة، إلاّ أنّ الجواهر الموصوفة بالأعراض غير ثابتة.

ولأنّا نتصوّر وجودات هذه الأشياء ونميّز بعضها عن بعض، فإنّا كما نميّز بين ماهية الحركة يمنةً ويسرةً، كذا نميّز بين وجود إحداهما (1) ووجود الأُخرى، مع أنّ الوجود ليس ثابتاً في العدم اتفاقاً، ولأنّه مناف له.

ولأنّا نعقل ماهية التركيب والتأليف قبل دخولهما في الوجود، مع أنّه لا تقرّر لهذه الماهية في العدم، فإنّ التأليف عبارة عن اجتماع الأجزاء وتماسّها على وجه مخصوص وذلك غير ثابت في العدم اتّفاقاً. وكذا نعقل المتحركية والساكنية قبل حصولهما، مع أنّهما من قبيل الأحوال، فقد ظهر أنّ التميّـز في التصوّر لا يستدعي ثبوتاً في الخارج.

قولهم: المعدوم مقدور فيكون ثابتاً.


1 . أي إحدى الحركتين.


(63)

قلنا: متعلّق القدرة إمّا أن يكون ثابتاً أو لا، فإن كان الأوّل لزم تحصيل الحاصل وهو محال، أو أن لا يكون للقدرة فيه أثر، فلا يكون ما فرضناه متعلّق القدرة متعلّق القدرة، هذا خلف. وإن كان الثاني بطل أصل الدليل.

وكذا قولهم: المعدوم مراد وكل مراد ثابت، فإنّ متعلّق الإرادة إن كان ثابتاً لزم تحصيل الحاصل. وإن لم يكن ثابتاً بطل الاستدلال.

لا يقال: متعلّق القدرة والإرادة هو الذات الثابتة على معنى إيجاد تلك الذات.

لأنّا نقول: متعلّق القدرة والإرادة إن كان هو الإيجاد عاد التقسيم فيه، وإن كان هو الماهية بمعنى أنّ القدرة والإرادة تعلّقا بإيجادها، لم يكن متعلّق الإرادة والقدرة سوى الإيجاد (1).

وعن الثاني: إنّ الموصوف بالإمكان يستحيل أن يكون ثابتاً في العدم، لأنّ الذوات المعدومة يستحيل عليها التغيّـر والخروج عن الذاتية، فلا يمكن جعل الإمكان صفة لها، وإن لم يكن ثابتاً في العدم، لم يمكن الاستدلال بالإمكان على كون الموصوف به (2) ثابتاً في العدم (3). ثم نقول: الإمكان ليس وصفاً ثبوتياً وإلاّ لزم التسلسل، فلا يكون الموصوف به واجب التحقّق.

وعن الثالث: ما تقدم من أنّ متعلّق القدرة لا يجوز أن يكون ثابتاً، وتميّـزه يعطي ثبوته في الذهن لا في الخارج، والموصوف بالاحتياج ثابت في الذهن، لأنّه


1 . لاحظ تلخيص المحصل:76 وما يليها، والمباحث المشرقية 1: 47، ثم لاحظ كشف المراد: 15; المواقف: 55.
2 . م: «به» ساقطة .
3 . لاحظ تلخيص المحصل:82، والطوسي قد لخص الجواب باعتبارية الإمكان، وشرحه المصنف في كشف المراد: 16.


(64)

لو كان ثابتاً في الخارج لم يكن محتاجاً.

وعن الرابع: أنّ المراد بصحّة العدم ليس أن تكون الماهية ثابتة متقرّرة في الخارج، وتكون حينئذ موصوفة بالعدم، بل معناه إمكان (1) أن لا تتحقّق تلك الماهية ولا تكون ماهية. والأصل فيه أنّ الماهية إن كانت متقررة حالتي الوجود والعدم استحال جعل الإمكان صفة لها، بل للوجود، وهو غير ثابت بالاتفاق، فقد ظهر الاتفاق على أنّ الموصوف بالإمكان ليس ثبوتياً في العدم.

وعن الخامس: أنّ معروض الإضافة ثابت في الذهن لا في الخارج على ما تقدّم، ولو استحال استناد الذات إلى الفاعل لاستحال استناد الوجود إليه، وإلاّ لخرج الوجود عن كونه وجوداً، كما قلتم في الماهية، واستحال استناد موصوفية الماهية بالوجود إلى الفاعل كذلك أيضاً، ولأنّ الموصوفية ليست صفة زائدة على ذات الموصوف والصفة، وإلاّ لزم التسلسل.

وعن السادس: أنّ هذه المعدومات تسمّى شيئاً لغةً على معنى أنّه يصحّ تعقلها والإخبار عنها، لا بمعنى أنّها ذوات ثابتة في الخارج.

وعن السابع: ما تقدم من أنّ الماهيات لو لم تكن مجعولة، لزم نفي المجعولية أصلاً ورأساً، بل الفاعل كما يجعل الماهية موجودة، يجعل الماهية ماهية لا بأن تكون الماهية ثابتة وتوجد لها وصف كونها ماهية، بل بأنّه تحقّق تلك الماهية. مع أنّ هذا الدليل آت في الوجود، فإنّه لو كان بالفاعل، لزم عند عدم ذلك الفاعل أن يخرج الوجود عن كونه وجوداً.

لا يقال: الوجود لا يقع بالفاعل، بل موصوفية الذات بالوجود.

لأنّا نقول: الإيراد آت في الموصوفية، فيلزم أن لا يكون للفاعل أثر البتّة.


1 . ق: «إمكان» ساقطة.


(65)

وعن الثامن: أنّا نلتزم ذلك، فإنّه تعالى عَلِمَ الأشياء قبل وجودها، ولا معلوم له ثابت في الخارج، إلاّ أنّا لا نطلق ذلك، لأنّه يوهم أنّه ما علم شيئاً، ولا يلزم من كون المعدوم ليس بشيء كونه ليس بمعلوم. ثمّ إنّه يبطل بقولهم: إنّه تعالى علم أنّه لا مثل له.

وعن التاسع: بالمنع من توقّف القصد على ثبوت الذاتية، بل يكفي في صحّة القصد إلى إيجاد الحجم أن يعلم القادر حقيقة الحجم ماهي، ثمّ يدعوه الداعي إلى إيجاد ما يطابق ما علمه(1) من حقيقة الحجم، فيجعل حجماً لكونه قادراً، كما يعلم مثله في القادر منّا، فإنّا نعلم حقيقة ما نفعله(2) قبل إيجاده، ثمّ يقصد إلى فعل ما يطابق علمه بحقيقته، من دون أن يشعر أنّ في العدم شيئاً وذاتاً. وأيضاً، فإنّ مذهبكم أنّ القادر يقصد إلى إيجاد الذات وتحصيلها على صفة الوجود، ومع ذلك فإنّه لا يجب أن تكون على صفة الوجود حتى يصحّ منه القصد إلى ذلك.

لا يقال: الذات عندنا معلومة للقادر، فصحّ منه القصد إليها ليوجدها.

لأنّا نقول: القصد عندكم لا يتعلّق بالذات، لأنّ الذات يستمرّ كونها ذاتاً عندكم، فهي في حكم الباقي، والقصد إلى الباقي وإلى الأعيان عندكم لا يصحّ، وإنّما يتعلّق القصد عندكم بالحدوث أو بحدوث الشيء على وجه، وإذا لم يتعلّق القصد بالذات من حيث هي ذات، بل بصفة الوجود ليجعل الذات عليها، ولا يجب أن تكون صفة وجودها قبل حصولها، فليجز مثل ذلك في قصد القادر إلى جعل الذات.


1 . م:«علم».
2 . كذا في النسخ، و لعلّ الصحيح:«فانّه يعلم حقيقة ما يفعله».


(66)

البحث الثالث: في تفصيل قول المعتزلة في هذا الباب (1)

ذهب جماعة من معتزلة البصرة «كأبي يعقوب الشحّام» و «أبي علي الجبّائي» وابنه «أبي هاشم» و«أبي الحسين الخيّاط» و «البلخي» و «أبي عبد اللّه البصري» و«أبي إسحاق بن عيّاش» و «قاضي القضاة عبد الجبار» و تلامذته، إلى أنّ المعدومات الممكنة قبل وجودها ذوات وأعيان وحقائق ثابتة في أنفسها، جواهر وسواد وبياض وغير ذلك، وأنّه لا تأثير للّه تعالى في جعل الذوات ذواتاً والجوهر جوهراً وغير ذلك، بل إنّما يؤثر في جعل تلك الذوات موجودة. واتفقوا على أنّ تلك الذوات متباينة بأشخاصها، وأنّ الثابت من كلّ نوع من تلك الذوات المعدومة عدد غير متناه، فللجوهر أشخاص هي جواهر متساوية غير متناهية، وكذا السواد له جزئيات متماثلة غير متناهية، وكذا البياض وغيرها من الأنواع. واتفقوا كافة على أنّ تلك الذوات المعدومة متساوية في كونها ذوات، وأنّ الاختلاف بينها إنّما هو بصفات.

ثمّ اختلفوا، فذهب أكثرهم إلى أنّ تلك الذوات المعدومة موصوفة بصفات الأجناس كالجوهرية في الجوهر، والسوادية في السواد، والبياضيّة في البياض، وزعم «ابن عيّاش» أنّها عارية عن جميع الصفات في العدم وإنّما تحصل الصفات في زمان الوجود.

أمّا القائلون بالصفات، فزعموا أنّ صفات الجوهر، إمّا أن تعود إلى الجملة، كالحيّية وما يكون مشروطاً بها (2)، أو إلى الأفراد وهي أربع:


1 . انظر مقالات الإسلاميين: 158 وما بعدها ; أوائل المقالات: 98; المحصّل، وذيله: 83 ـ 85; المواقف: 56 ـ 57.
2 . والصفات المشروطة بالحياة هي الاعتقادات والظنون والأنظار والقُدَر والشهوات والنفارات والآلام والإرادات والكراهات، وهي مع الحياة عشرة والموت عند أبي علي أيضاً منها. نقد المحصل: 84.


(67)

الأُولى:الجوهرية: وهي حاصلة حالتي الوجود والعدم وهي الصفة النفسيّة.

الثانية: التميّز(1) : وهي الصفة التابعة للحدوث الصادرة عن صفة الجوهرية بشرط الوجود، ولأجلها يحتاج إلى حيّز، وهي في الحقيقة الصورة الجسمية عند الأوائل، وهي مغايرة للكائنية المعلَّلة بالحصول في الحيّز ، مثل كون الجوهر متحرّكاً أو ساكناً أو مجتمعاً أو متفرّقاً، وهي معلّلة بالأكوان التي هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق بشرط الوجود.

الثالثة: الوجود: وهي الصفة الحاصلة بالفاعل.

الرابعة: الحصول في الحيّز، ويسمّى الكائنية: وهي الصفة المعلّلة بالمعنى القائم بالجوهر، وذلك المعنى هو الكون وليس للجوهر الفرد صفة زائدة على هذه الأربع، فليس له لكونه أسود أو أبيض، أو حلواً أو حامضاً، أو حارّاً، صفة معلّلة بمعنى، بل لا معنى لكونه أسود، إلاّ حلول السواد فيه.

وكذا القول في كلّ عرض غير مشروط بالحياة، وأمّا ما هو مشروط بالحياة أو الحياة نفسها، فإنّها توجب أحوالاً، فإنّ الحياة توجب لمن قامت به الحيّية، وهي حالة لا موجودة ولا معدومة معلّلة بالحياة، وكذا العالمية صفة للجوهر العالم لا موجودة ولا معدومة معلّلة بالعلم. أمّا السواد إذا قام بالمحل فإنّه لا يوجب حالة هي صفة لمن قامت به، بل معنى كونه أسود قيام السواد به، لا أنّه حصل له صفة السوادية معلّلة بقيام السواد به، إلاّ الكائنية فإنّها حالة معلّلة بالكون. وأمّا الأعراض، فلا صفة قائمة بها عائدة إلى الجملة، فإنّها لا تتركب عنها بِنية تقوم بها الحياة.

وأثبتوا ثلاث صفات عائدة إلى الآحاد:

الأُولى: الصفة الذاتية الحاصلة حالتي الوجود والعدم، وهي صفات


1 . ج و م:«التحيّز».


(68)

الأجناس كالسوادية والبياضية، وهي الصفة النفسية.

الثانية: الصفة الصادرة عن (1) صفات الأجناس، وهي الحلول في المحلّ بشرط الوجود.

الثالثة: صفة الوجود الحاصلة بالفاعل، فإنّ الفاعل لا يعطي حقيقة السواد، بل وجوده.

ولا يعقل صفات المعاني في الأعراض لاستحالة قيام المعنى بالمعنى. وقد نازع بعضهم في هذا التفصيل في أربعة مواضع.

الأوّل: ذهب «أبو يعقوب الشحّام» و «أبو عبد اللّه البصري» و «أبو إسحاق بن عيّاش» إلى أنّ الجوهرية هي التحيّز. ثمَّ اختلفوا فقال «الشحّام» و«البصري»: إنّ ذات الجوهر كما أنّها موصوفة بالجوهرية حالة العدم، فهي موصوفة بالتحيّز.

ومنع «أبو إسحاق بن عيّاش» من ذلك، وقال: إنّ الجوهر حال العدم كما يمتنع اتّصافه بالتحيّز، كذا يمتنع اتّصافه بالجوهرية، فلهذا أثبت الذوات خالية عن جميع الصفات.

واختلف «الشحّام» و «البصري»، فزعم «الشحّام» أنّ الجوهر حال عدمه حاصل في الحيّـز، موصوف بالمعاني حال عدمه، فأُلزم بإثبات رجل (2) معدوم على فرس معدوم يقاوم (3) العالَم، فالتزم به. قال «الجويني»: هذا قول بقدم العالم إلاّ أنّه لم يصرّح به، وقد كفّره المعتزلة بهذا القول، حتّى أنّ الجبّائيين كفّراه بذلك.

وقال «البصري»: إنّ الشرط في كون المتحيّز حاصلاً في الحيّز هو الوجود، فالجوهر قبل الوجود موصوف بالتحيّز، لكنّه غير حاصل في الحيّز.


1 . ق: «السايرة على».
2 . كذا في نسخة: م و ج وهي مطموسة في نسخة : ق.
3 . كذا في النسخ.


(69)

قال «الشحّام»: وصف الجوهر بكونه متحيّزاً مع أنّه غير حاصل في الحيز محال، ولو جاز ذلك لجاز وصف الذات بكونها عالمة وإن لم يحصل لها العلم.

قال «ابن عياش»: لو كان الجوهر موصوفاً بالجوهرية التي هي التحيّز لكان حاصلاً في الحيّز والتالي باطل فكذا المقدّم، فلهذا أثبت الذات خالية عن الجوهرية (1).

ونقل عن «الكعبي»(2) : أنّ المعدوم شيء، ولكنّه ليس بجوهر ولا عرض حالة العدم. وهذا راجع إلى مذهب «ابن عيّاش» لأنّه إن أثبت الذوات في العدم خالية عن الصفات، فهو قول «ابن عيّاش»، وإن لم يثبتها كان نزاعاً في اللفظ حيث سمّى المعدوم شيئاً.

الثاني: اتفق الكل إلاّ «أبا عبد اللّه البصري» على أنّه ليس للمعدوم بكونه معدوماً صفة. وقال «البصري»: إنّ له صفة بكونه معدوماً وهو خطأ; لأنّ علّتها إن كان الذات دام عدمها، هذا خلف، وإن كان غيرها، فإمّا مختار فتكون المعدومية متجدّدة، هذا خلف، أو موجب فتدوم المعدوميّة، وهو محال.

الثالث: اتفقوا على أنّ الجواهر المعدومة لاتوصف بأنّها أجسام حال العدم، إلاّ «أبا الحسين الخيّاط»، فإنّه قال به وكذا «الشحّام».

الرابع: اتفقوا على أنّ بعد العلم بأنّ للعالم صانعاً عالماً قادراً حيّاً حكيماً مرسلاً للرسل، يمكننا الشك في أنّه هل هو موجود أم لا؟ إلى أن نعرف بالدليل، لأنّهم جوّزوا اتّصاف المعدوم بالصفات، فلابدّ من دلالة منفصلة على وجوده تعالى بعد العلم بكونه موصوفاً بصفة العالمية والقادرية.

واتفق باقي العقلاء على إنكار ذلك، وأنّه جهالة، وإلاّ لزم الشك في وجود الأجسام، فإنّا لا نعلم إلاّ صفاتها كالحركة والسكون (3).


1 . وهي في المحصل للرازي «عن الصفات».
2 . في هامش ج:«و هو البلخي» ، و قد مرّت ترجمته آنفاً.
3 . أُنظر المحصل: 84 ـ 85.


(70)

واعلم أنّ ضرورة العقل قاضية ببطلان هذه المذاهب، وفسادها ظاهر غنيّ عن البرهان، ومع ذلك فلنذكر ما يبطل أقوالهم الفاسدة على نهج طرقهم.

فنقول: لو كان الجوهر جوهراً في العدم لكان متحيّزاً في العدم (1) ، والتالي باطل فالمقدم مثله.

بيان الشرطية: أنّه لو كان جوهراً حال العدم ولم يكن متحيّزاً، كان التحيّز صفةً مغايرةً له زائدةً عليه تثبت له بعد أن لم يكن ثابتة، والتالي باطل، فإنّ صفة التحيّز يستحيل ثبوتها إلاّ مختصّة بالجهة، وذات الجوهر بدون صفة التحيّز يستحيل اختصاصه بالجهة، وحصول ما يجب اختصاصه بالجهة لما يستحيل اختصاصه بالجهة محال بالضرورة، وإلاّ لجاز مثله في القديم وغيره، فيكون العالم حالاّ ً في ذاته، أو يكون ذات القديم مختصّة بصفة التحيّز، وكذا كلّ عرض من الأعراض يقتضي لذاتها صفة التحيّز، واقتضاء ذلك مشروط بشرط يتعلّق باختيار القادر، فيجوز أن يوجد في بعض الأوقات، فيصير ذات القديم أو ذات العرض متحيّزاً، ولمّا كان العلم باستحالة ذلك ضرورياً لا نظرياً، لما بيّنا من أنّ حصول ما يختص بالجهة لما لا يختص بالجهة محال، وذلك حاصل هنا، فيجب أن يستحيل ذلك.

وأيضاً الضد إذا طرأ على الضد كالسواد على البياض حتى نافاه، فإمّا أن تكون المنافاة بالحقائق التي يقع بها التضاد (2) أو بما هو زائد عليها وهو الوجود الذي ذهب الخصم إليه، لا جائز أن يكون بالوجود، لأنّه لا منافاة بين الوجودات، ولهذا يصحّ اجتماع كثير من الأعراض في محلّ (3) واحد، وإذا بطل أن تكون المنافاة التي بها يثبت التضاد بالوجود، والذي يثبت به التضاد هو الحقائق،


1 . ق و ج:«في العدم» ساقطة.
2 . ق: «الضد».
3 . م: «محل» ساقطة.


(71)

فإذا طرأ السواد على البياض فقد نافاه ولم يكن حينئذ حقيقة، فكان إفناؤه إفناء الحقيقة.

وأيضاً نفرض الكلام في نوع واحد من الأنواع، كالجوهر مثلاً فنقول: لا يجوز أن يكون في العدم جواهر متماثلة، سواء كانت متناهية أو غير متناهية، لأنّ ذلك إثبات للتعدّد في الذوات من غير فصل مميّز، فيكون محالاً .

أمّا الأوّل: فلأنّا فرضنا الكلام في نوع واحد لا تميّز لاحدى الذاتين عن الأُخرى، كالجوهرين والسوادين.

وأمّا الثاني: فالضرورة قاضية به، فإنّا نعلم في كل شخص بالضرورة أنّه واحد، ولو جاز إثبات شيئين لا يتميّز أحدهما عن الآخر لجوّزنا أن يكون له ثان، لكنّه لا يفصل عنه بفصل. ولأنّا إذا علمنا حقيقة الجوهر مطلقاً، ثم علمنا جوهراً معيّناً، فلا شكّ أنّه دخل في العلم الثاني معلوم العلم الأوّل، وإلاّ لم يكن علماً بحقيقة جوهر، فإن لم يدخل في الثاني أمر زائد على الأوّل مع أنّ الأوّل لم يكن علماً بجوهر معين، كان الثاني كذلك، وقد فرضناه علماً بحقيقة جوهر معيّـن، فيثبت أنّه دخل فيه أمر زائد لم يدخل في العلم الأوّل، وهكذا في كلّ فرد معيّـن من أفراد ذلك النوع، فوجب في الاثنينية أمر زائد لولا ذلك لم يتصوّر الاثنينية.

احتجّوا بوجوه:

أ: القادر يقدر على إيجاد الجوهر وغيره، فلابدّ له من تعلّق بالمقدور حتّى يصحّ منه إيجاده، فيجب أن يكون الجوهر ذاتاً في حال عدمه حتّى يكون متعلّقاً.

ب: التحيّز صفة تقتضيها صفة الذات في العدم، فلابدّ من إثبات الذات الموصوفة بالصفة الذاتية في العدم.وإنّما قلنا ذلك، لأنّ تحيّز الجوهر أمر متجدّد، فإمّا أن يتجدّد ذلك لأمر (1) أو لا لأمر، والثاني باطل، فصحّ أنّه لأمر، فذلك الأمر


1 . ق: «الأمر» والصواب ما أثبتناه في المتن من نسخة م و ج.


(72)

إمّا أن يكون مجرّد ذات الجوهر، أو صفة وجوده، أو حدوثه، أو وجود معنى فيه، أو عدم معنى عنه، أو فاعل، أو صفة ذاتية له، والكلّ باطل، إلاّ قولنا: المقتضي له هو الذات على صفة الجوهرية بشرط الوجود.

أمّا امتناع أن يكون ذلك الأمر ذاته أو وجوده أو حدوثه، فلأنّه لو كان كذلك للزم أن يكون كلّ ذات وموجود وحادث متحيزاً.

وأمّا امتناع أن يكون لمعنى، فلأنّه لابدّ من اختصاص ذلك المعنى، واختصاصه فرع على تحيّزه، لأنّه لا معنى للحلول إلاّ الحصول في الحيّز تبعاً لحصول محلّه فيه، فلا يجوز أن يكون تحيّزه فرعاً على المعنى، لاستحالة الدور.

وأمّا امتناع أن يكون لعدم معنى، فلأنّ المعدوم لا اختصاص له.

وأمّا امتناع الفاعل، فلأنّه لو كان بالفاعل لأمكنه أن يجعل الذات على صفات أجناس غير متناهية، بأن يجعل الذات الواحدة حركة سواداً متحيّزة، إلى غير ذلك من صفات الأجناس.

ثمّ لو طرأ بياض ليس بسكون ولا فناء لزم أن لا ننفيه من حيث هو حركة، وننفيه من حيث هو سواد، فيكون معدوماً موجوداً وهو محال.

وإذا بطلت الأقسام كلّها، سوى أن يكون المقتضي للتحيّز هو الذات على الصفة للذات، ولابدّ من أن يكون كذلك قبل الوجود، حتى يقتضي التحيّز حال الوجود، صحّ أنّه ذات وأنّه على صفة، وهو معدوم.

ج: لو كان الجوهر جوهراً بالفاعل وغيره من الأجناس، لما جاز أن يختص بعضها بصحّة البقاء عليها دون البعض، كالجوهر وكثير من الأعراض يصحّ عليها البقاء، والصوت لا يصحّ عليه البقاء، وكذا الإرادة والكراهة، فلولا أنّها مختلفة، وإلاّ لم يجب ذلك.


(73)

والجواب عن أ: القادر لا يقدر على إثبات ما هو ثابت في نفسه وهو الذات، وإلاّ لزم تحصيل الحاصل. وإنّما يقدر على إثبات ما ليس بثابت، وحينئذ يبطل أصل الدليل.

لا يقال: القادر لا يقدر على الذات، لاستحالة إثبات الثابت، ولا على أمر وراء الذات، لأنّ ما وراء الذات هي صفة الوجود، والصفة غير مقدورة ولا معلومة أصلاً ولا تبعاً، بل المقدور هو الذات على صفة الوجود.

لأنّا نقول: المقدور ليس هو الذات الثابتة في العدم ولا غيرها، لأنّه إن لم يكن ثابتاً صحّ مطلوبنا، من أنّ المقدور ليس بثابت، وإن كان ثابتاً لزم تحصيل الحاصل. ولا المجموع; لأنّه قول بإثبات الثابت مع التزام أنّه فعل مع ذلك غيره، وهو تسليم للقول بأنّ ما فعله لم يكن ثابتاً في العدم، وليس هناك قسم رابع يفهم من قولهم الذات على الوجود.

سلّمنا تعقله، لكنّا نقول: إذا كان متعلّق القادر هو الذات على الوجود، وتعلّق المقدور يقتضي ثبوته، لزم أن تكون الذات على صفة الوجود أمراً ثابتاً، حتّى يتعلّق بالقادر. وبالجملة فالتقسيم آت فيه، فإنّ متعلّق القادر إمّا أن يكون ثابتاً في العدم فيلزم تحصيل الحاصل، أو غير ثابت فيبطل الدليل، أو المجموع فيبطل الدليل (1) أيضاً، ويلزم المحال الأوّل.

وعن ب: أنّه وإن كان عندهم هو النهاية القصوى في التحقيق مبنيّ على أُصول فاسدة، وهو أنّ تحيّز الجوهر غير كونه جوهراً و موجوداً، وأنّ للذات صفات أجناس، وأنّ التنافي بها دون حقائق الذوات، وأنّه إذا تنافت الصفتان (2) تزول عن الذات صفة أُخرى هي الوجود، كما أنّ الوجود شرط اقتضاء المقتضي


1 . ق: «أو المجموع فيبطل الدليل» محذوفة سهواً.
2 . م: «الصفات».


(74)

للصفة المقتضاة (1)، والصفتان اللّتان بهما التضاد لا تتنافيان إلاّ باعتبار إزالة الوجود الذي هو الشرط مع عدم منافاة الصفة الذاتية لصفة الوجود، وأدلّتهم على هذه الأُصول في غاية الضعف.

قالوا: لمّا كان المعدوم ذاتاً حال عدمه ولم تكن له صفة الوجود والتحيّز، كانا زائدين على الذات.

قلنا: معرفة زيادة هاتين الصفتين على الذات، إذا توقّف على ثبوت كون المعدوم ذاتاً، وتوقّف كون المعدوم ذاتاً على كونهما زائدتين دار.

سلّمنا الزيادة، لكن لِمَ قلتم: إنّ التحيّز إذا تجدد افتقر إلى أمر؟ فإنَّ مذهبكم أنَّ الأعراض تتجدّد لها صفة الحلول في جميع المحالّ، وأنّ ذلك يثبت لها لا لأمر. وكذا غير القارّ من الأعراض لها صفة صحّة الوجود في أوقاتها لا لأمر، فليجز مثله في التحيّز.

سلّمنا أنّ ثبوت الصفة يستدعي سبباً، لكن لا مطلقاً، بل مع جواز ثبوتها لا مع وجوبه، فإنّ مذهبكم أنّ صفة الجوهر يختص بذاته، وهي مساوية لذات العرض والقديم تعالى.

ثمَّ هذه الذوات مع تساويها في الذاتية، اختصت بصفات أجناسها واختلفت لا لأمر، فجاز أن يختص ذات الجوهر عند شرط الوجود بصفة التحيّز لا لأمر.

سلّمنا، لكنّ القسمة غير حاصرة ونفي الدليل على ثبوت زائد لا يقتضي نفيه (2).


1 . ق: «اقتضى المقتضى للصفة المقتضاة».
2 . من كلمة «سلمنا» إلى «نفيه» ساقطة في نسخة : م.


(75)

سلّمنا، لكن لِمَ لا يجوز أن يكون السبب هو الذات، أو الوجود، (1) أو الحدوث؟

قوله: يشترك في ذلك الذوات والموجودات والحوادث.

قلنا: هذا بناءً على تساوي الذوات في الذاتية أو الوجود أو الحدوث وهو ممنوع، والاشتراك اللفظي لا يفيد.

سلّمنا أنّها لا تختلف، فلِمَ قُلتم: إنّها تتماثل؟ لأنّ الاختلاف كما هو مبنيّ على الصفات كذا التماثل، وإذا فقد ثبوت الصفة فقد الاختلاف والتماثل.

سلّمنا، لكن لِمَ لا يجوز أن يكون لمعنى؟

قوله: لابدّ من حلوله فيه، ولابدّ في حلوله من تحيّزه؟

قلنا: لم لا يجوز ذلك إذا تقارن في الوجود؟ فإنّ الكون عندكم يوجب كون الجسم في الجهة، مع أنّ من شرط إيجابه حلوله فيه وهو في الجهة التي توجب كونه فيها.

سلّمنا، لكن لِـمَ لا يجوز [أن]يكون لعدم معنى؟

قوله: لا اختصاص له به.

قلنا: لا نسلّم بأنّه غير حال فيه. ولا نسلّم بأنّ اختصاص الجهات منحصرة في الحلول. ولِـمَ لا يجوز أن يكون هاهنا وجه اختصاص آخر؟ فإنّ هذا المعنى عند الوجود يختص بالحلول في هذا الجسم دون غيره من الأجسام لا لأمر، فلِمَ لا يجوز أن يختصّ به وهو معدوم؟ أو نقول: لـِمَ لا يجوز أن يكون في العدم معان مختلفة كلّ واحد منها يختص بعدم لا يختص به الآخر، ويكون ذلك معلّلاً بذاتها وحقيقتها التي لا يشاركها فيها غيرها؟


1 . ق: «الوجوب» والصواب ما أثبتناه من نسخة:م .


(76)

سلّمنا، لكن لِـمَ لا يجوز أن يكون بالفاعل؟

قوله: يلزم إمكان أن نجعل الذات على صفات أجناس.

قلنا: هذا بناءً على ثبوت صفات الأجناس ونحن نمنعه، فإنّ الذات تخالف غيرها لذاتها.

سلّمنا، لكن لِمَ لا تجعل الذات على صفات متعدّدة؟

قوله: إذا جعل ذاتاً سواداً متحيّزاً وطرأ عليه بياض نفاه من وجه دون آخر.

قلنا: إن عنيتم به أنّه ينفي كونه سواداً ولا ينفي كونه حركة، فلِمَ لا يجوز ذلك؟وإن عنيتم شيئاً آخر فبيّنوه !

قالوا: نعني بذلك أنّ الذات تخرج عن صفة الوجود التي هي زائدة على الذات ولا تخرج عنها، لأنّ صفة الذات تقتضي هيئة السواد والتحيّز بشرط الوجود، فإذا لم ينتف الوجود لم ينتف التحيّز، وإذا انتفى التحيّز انتفى الوجود.

قلنا: نمنع كون التحيّز وهيئة السواد مقتضى عن صفة الذات، فإنّ ذلك إنّما يتم لو امتنع كونه بالفاعل. فإذا احتيج في بيان امتناع كونه بالفاعل إلى كونه مقتضى عن صفة الذات، دار.

سلّمنا أنّ الوجود مقتضى عن صفة الذات، وأنّ الوجود شرط اقتضائه، فلِمَ لا يجوز زواله؟ فإنّه لا يلزم من قيام المقتضي وحصول الشرط ثبوت المقتضى، لإمكان أن يعارضه ما ينافيه.

سلّمنا، لكن نمنع إمكان جعل الذات على صفات متعدّدة، لجواز تنافيها.

والجواب عن ج: بالمنع من الملازمة. أمّا أوّلاً، فلابتنائه على تساوي الذوات. وأمّا ثانياً، فلأنّا نقول: القادر إذا خصص بعض الذوات بكونها جوهراً لزم البقاء، وإذا خصص بعضها بكونها إرادة أو صوتاً امتنع البقاء.


(77)

البحث الرابع: في كيفية العلم بالمعدومات (1)

اختلف الناس هنا، فمنع منه قوم، وجوّزه آخرون، وهو الحق.

لنا، أنّا نعلم حركاتنا الماضية وهي معدومة، وكذا المستقبلة، ونفرّق بين ما نقدر عليها، وبين ما لا نقدر وهو أمر ضروري.

احتجّ المانعون: بأنّ كل معلوم متميّز، وكلّ متميّز ثابت، وقد سبق بطلان ذلك، إذا ثبت هذا، فالمعدوم إمّا أن يكون بسيطاً أو مركباً.

أمّا الأوّل، فكعدم ضد اللّه تعالى، وذلك إنّما يعقل لأجل تشبيه بأمر موجود مثل أن يقال: ليس للّه تعالى شيء نسبته إليه نسبة السواد إلى البياض، فلولا معرفة المضادة الحاصلة بين أُمور وجودية، لاستحال (2) أن يعرف ضد اللّه تعالى. وإن كان مركباً كالعلم بعدم اجتماع السواد والبياض، فالعلم به إنّما يتم بسبب العلم بأجزائه الوجودية بأن يعقل السواد والبياض والاجتماع حيث يعقل، ثمَّ يقال: إنّ الاجتماع الذي هو أمر وجودي معقول غير حاصل للسواد والبياض. فقد ظهر أنّ عدم البسائط إنّما يعرف بالمقايسة إلى الأُمور الوجودية، وعدم المركّبات إنّما يعرف بمعرفة بسائطها (3).

أمّا المعتزلة، فقد اختلفوا، فذهب البصريون إلى أنّ المعدوم يعلم على صفة هو عليها في حال عدمه يتعلّق العلم بتلك الصفة، وبها يماثل ما يماثل ويخالف ما يخالف.


1 . راجع المباحث المشرقية 1: 500; نقد المحصل: 149 ـ 150.
2 . في النسخ «وإلاّ لاستحال» وما أثبتناه يوافق عبارات الرازي.
3 . أُنظر المباحث المشرقية 1:500.


(78)

وقال آخرون: إنّه إنّما يعلم بأُمور مترقبّة متجدّدة فيما بعد.

احتجّ الأوّلون: بأنّا إذا علمنا المعدومات متميّزة حال عدمها، وجب أن يكون المعلوم من حال الجوهر غير المعلوم من حال العرض، والمعلوم من حال السواد غير المعلوم من حال البياض، وكذا باقي الأجناس. وإذا ثبت هذا فلابدّ له من صفة يتميّز بها عن غيره، ويخالف ما يخالف ويضاد ما يضاد، لاشتراكها أجمع في المعلوميّة، فلا يقع الامتياز بذلك، فلابد من أمر آخر هو الذي نسمّيه صفةً أو حالاً، وذلك المائز لا يجوز أن يكون مترقّب الحصول نحو كونه متحيّزاً، أو هيئة مخصوصة، أو له تعلّق مخصوص، لأنّ التمايز والتماثل والاختلاف أُمور حاصلة في الحال، وكما أنّ التماثل والاختلاف لا يقف على أمر متجدّد، فكذا التمايز، فكما لا يجوز أن يتميّز بأمر متعلّق (1) بالفاعل لأنّه متجدد، فكذا كونه متحيزاً أو هيئة مخصوصة أمر متجدّد، لا يجوز أن يقف الخلاف والمماثلة عليه.

وهذه الحجّة فاسدة لابتنائها على تساوي الذوات، والحق الاختلاف وإنّ تلك المعلومات مختلفة لذواتها وهي ثابتة ذهناً لا عيناً.

قال الآخرون: إنّا نعلم تمايز الأجسام بعضها عن بعض قبل وجودها، ونحكم بمخالفة صورة الإنسان وشكله لصورة الفرس، وليس ذلك لأجل صفات هي عليها في حال العدم.

ثم ألزموا الأوائل التسلسل; لأنّه إذا كان المعلوم من حال الجوهر أنّه يقتضي صفته الذاتية دون غيره أن يكون ذلك لأمر آخر اقتضى ذلك، لزم المحال.

والحق: أنّ القولين متساويان في الاستحالة. والسبب فيه عدم التفطن بالوجود الذهني.


1 . ق وج: «يتعلق».


(79)

البحث الخامس: في حصر قسمة المعلوم إلى الموجود والمعدوم(1)

أطبق أكثر العقلاء على ذلك وذهب قوم ممّن عَمشت (2) بصائرهم من إدراك الحق وقصرت أفكارهم عن التعمّق في المباحث العقلية: إلى إثبات واسطة بين الموجود والمعدوم، سمّوها الحال (3).

وتقرير قولهم أن نقول: إذا علمنا أمراً من الأُمور، فإمّا أن يكون راجعاً إلى الإثبات أو إلى النفي. والأوّل لا يخلو، إمّا أن يضاف إلى غيره أو لا. والثاني هو الذات، ويحدّ بأنّه الثابت الذي يعلم غير مضاف إلى غيره، فخرج المعدوم وإن كان معلوماً، لأنّه ليس بثابت، والصفة(4) لأنّها تعلم مضافة إلى غيرها.

والمضاف إمّا أن يكون مقصوراً على ما يضاف إليه نظير كون المحلّ، أو يكون منفصلاً عنه نظير الفعل بالنسبة إلى الفاعل.

فالأوّل الحال، ويحدّ بأنّه الذي يثبت للذات مقصوراً عليه. فخرج النفي بقولنا: ثبت، والذات بقولنـا: للذات ـ فإنّها لا تثبت لغيره ـ والأشياء المنفصلة التي تضاف إلى غيرها كالأفعال، والآثار الصادرة عن العلل في غير محالّها، فإنّها لا تكون أحوالاً للعلل، بقولنا مقصوراً عليه.

واعلم: أنّ الحال أخصّ من الصفة، فإنّ الصفة كلّ أمر مضاف إلى غيره،


1 . راجع ما كتبه أبو رشيد سعيد بن محمد النيسابوري (م 440 هـ) وهو من رؤساء المعتزلة، في كتابه المسمى بالتوحيد: 585. وانظر الفصل الرابع من المقالة الأُولى من إلهيات الشفاء، وتعليقة صدر المتألهين عليه : 26; المحصل، وذيله للطوسي : 85 وما بعدها; المباحث المشرقية :45ـ 47; المواقف: 57ـ 58.
2 . عمشت عينه تعمش: ضعف بصرها مع سيلان دمعها في أكثر الأوقات(قطر المحيط2: 1442).
3 . وهي غير مشدّدة، كما زعم بعض أهل المعاجم.
4 . أي و خرجت الصفة.


(80)

سواء كان إثباتاً أو نفياً، مقصوراً عليه أو غير مقصور عليه. وأمّا الحكم، فهو ما كان صادراً عن غيره، سواء كان ذاتاً أو صفة.فالحال صفة لموجود لا يوصف بالوجود ولا بالعدم.

وأوّل من قال بالأحوال: «أبو هاشم الجبّائي» وأتباعه من المعتزلة (1). وجوّز أن تكون الحال ثابتةً للمعدوم كالجوهرية. وفصّل الأحوال فقال: الأعراض التي لا تكون مشروطة بالحياة، فإنّها لا توجب أحوالاً، ولا صفة لمن قامت به، كاللون والرائحة وغيرها، إلاّ الكون فإنّه يوجب حالة راجعة إلى المحل هي الكائنية، وأمّا الأعراض المشروطة بالحياة، فإنّها توجب أحوالاً عائدة إلى الجملة، فالعلم يقتضي لجملة البدن حالة هي العالمية، وكذا القدرة وغيرهما من الأعراض.وأثبت «القاضي أبو بكر» و «الجويني» من الأشاعرة، الأحوال أيضاً في كلّ صفة قائمة بالذات، سواء اشترطت بالحياة أو لا، فالأسودية حالة معلّلة بالسواد، وكذا باقي الأعراض.

لنا: أنّ الضرورة قاضية بأنّ كلّ معقول، فإمّا أن يكون له تحقّق أو لا. والأوّل: هو الموجود، والثاني هو المعدوم، وأنّ من أثبت واسطة بينهما، فقد كابر مقتضى عقله (2).

واحتجّوا بوجهين:

الأوّل: الوجود وصف مشترك بين الموجودات على ما تقدّم، وهي متخالفة بحقائقها، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فيكون الوجود مغايراً للماهية فذلك الوجود إمّا أن يكون موجوداً أو معدوماً، أو لا موجوداً ولا معدوماً.


1 . وأمّا المعروف عن أبي الهذيل العلاف (من أئمّة المعتزلة) انّه كان يقول:الصفات «وجوه » للذات. ولايقول بالأحوال.
2 . راجع نقد المحصل: 85.


(81)

والأوّل: باطل وإلاّ لزم التسلسل، فإنّ الوجود لو كان موجوداً لكان مساوياً للموجودات في الوجود ومخالفاً لها بخصوصيته، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فالوجود المشترك بين الوجود وبين سائر الماهيات الموجودة مغاير لخصوص ماهية الوجود التي بها الامتياز، فيكون للوجود وجود آخر ويتسلسل.

والثاني: باطل أيضاً، لامتناع اتّصاف الشيء بنقيضه (1)، فتعيّـن الثالث، وهو: أن لا يكون الوجود موجوداً ولا معدوماً، وذلك هو الواسطة.

الثاني: الماهيات النوعية مشتركة في الأجناس ، فتثبت الحال.

أمّا الأوّل: فظاهر ، فإنّا نعلم أنّ بين السواد والبياض اشتراكاً في اللونية لا في مجرد الإسم، فإنّا لو سمّينا السواد والحركة باسم واحد، ولم نضع للسواد والبياض اسماً، لكنّا نعلم بالضرورة أنّ بين السواد والبياض اشتراكاً معنوياً دون السواد والحركة. ولأنّ (2) العلوم المتعلّقة بالمعلومات المختلفة متغايرة مختلفة، مع أنّا نحدّ العلم بحدّ واحد بحيث يندرج فيه العلم القديم والحادث، والعلم بالجوهر والعرض، فيكون العلم وصفاً مشتركاً. ولأنّ (3) الأعراض مشتركة في العرضية ولهذا انحصر التقسيم في قولنا: الممكن إمّا جوهر أو عرض، ولولا اشتراكه لما انحصر، كما لاينحصر إذا قلنا: الممكن إمّا جوهر أو سواد.

وأمّا الثاني: فلأنّ الاشتراك يقتضي تعدّد الجهة في الماهيّات المشتركة بحيث يكون فيها جهة اشتراك وجهة امتياز (4) ،فهاتان الجهتان إن كانتا موجودتين لزم قيام العرض بمثله. وإن كانتا معدومتين لزم الحكم بكون هذه الماهيات معدومة، وهو باطل بالضرورة، فتعيّـن أن لا تكون موجودة ولا معدومة.


1 . وهذه الحجة لايرضى بها صاحبها وفي اسنادها إلى المعتزلة تأمل،أُنظر نقد المحصل: 86.
2 . هذا هو الوجه الثاني لبيان الأوّل.
3 . وهذا هو الوجه الثالث لبيان الأوّل.
4 . ق: «امتياز فيها».


(82)

والجواب عن الأوّل: أنّ القسمة للوجود إلى الوجود والعدم باطلة، كما أنّ قولنا: الإنسان إمّا إنسان أو فرس أو غيرهما، باطل.

سلّمنا، لكنّ الوجود موجود بذاته، ثمّ التسلسل إنّما يلزم لو كان الاشتراك في وصف ثبوتي، والاختلاف في أمر ثبوتي، وهنا ليس كذلك، فإنّ الوجود يشارك الماهية الموجودة في الموجوديّة(1)، ويخالفها بقيد عدمي، وهو أنّ الوجود وحده وإن كان موجوداً، لكن ليس معه شيء آخر، والماهية الموجودة وإن كانت موجودة لكن لها مع مسمّى الموجودية أمر آخر هو الماهية، وحينئذ لا يلزم أن يكون الوجود موجوداً بوجود آخر، بل موجوديته عين ماهيته، فينقطع التسلسل.

قال النفاة: حاصل أدلّة المثبتين يرجع إلى أنّ الحقائق مختلفة بخصوصيّاتها ومشتركة في عموماتها، وما به الاشتراك غير ما به الاختلاف، وذلك ليس بموجود ولا معدوم، فتثبت الواسطة، ويلزم منه التسلسل: فإنّ الأحوال قد اشتركت في عموم الحالية واختلفت بخصوصياتها، فيلزم أن تكون للحال حال أُخرى إلى غير النهاية.

وأجاب المثبتون: بأنّ الحال لا يوصف بالتماثل والاختلاف، لأنّ التماثل والاختلاف من لواحق الوجود، والحال ليست موجودة، وبالتزام التسلسل كما اختاره «الأصم» (2) لأنّها طبيعة عدمية ليست موجودة، والتسلسل في الأُمور العدمية ليس بمحال.

أجاب النفاة عن الأوّل: بأنّ كلّ أمرين يشير العقل إليهما، فإمّا أن يكون المتصوّر من أحدهما هو المتصوّر من الآخر أو لا. والأوّل: المثلان. والثاني: المختلفان، ولا واسطة بينهما.


1 . في النسخ: «الوجودية» والصحيح ما أثبتناه طبقاً للسياق.
2 . أبو بكر عبد الرحمان بن كيسان الأصم، فقيه معتزلي مفسّـر. طبقات المعتزلة: 56; لسان الميزان 3: 427.


(83)

وعن الثاني (1): بأنّ تجويز ذلك يسدّ باب إثبات الصانع تعالى.

أجاب أفضل المتأخّرين: بأنّ السواد والبياض لمّا اشتركا في الموجودية واختلفا في السوادية والبياضية، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز لا جرم أثبتنا شيئين، ولمّا لم يكن ما به الاشتراك والامتياز(2) سلبيّين أثبتناهما وجوديّين (3)، أمّا الوجود والسوادية، فهما مختلفان بحقيقتهما ومشتركان في الحالية، لكن الحالية ليست صفة ثبوتية، لأنّه لا معنى للحال إلاّ ما لا يكون موجوداً ولا معدوماً. وإذا كان الاشتراك واقعاً في وصف سلبي، لم يلزم أن تكون الحالية صفة قائمة بالموجود، فلم يلزم أن تكون للحال حال آخر (4).

اعترضه أفضل المحقّقين (5) بأنّ الحال ليس سلباً محضاً، فإنّ المستحيل عندهم ليس بموجود ولا معدوم وليس حالاً، (6)وإنّما الحال وصف ثبوتي يلزمه أن لا يكون موجوداً ولا معدوماً فهو يشتمل على معنى غير سلب الوجود والعدم عنه يختص بتلك الأُمور التي يسمّونها حالاً و تشترك الأحوال فيه (7) ولكونها غير مدركة بانفرادها لا يحكمون عليها بالتماثل والاختلاف، فإنّهم يقولون: المثلان ذاتان يُفهم منهما معنى واحد، والمختلفان ذاتان لا يفهم منهما معنى واحد، والحال ليس بذات ولا ذات ذات، فلا توصف بالتماثل والاختلاف. فإنّ الذات هي ما تدرك بالانفراد، والحال لا يدرك بالانفراد، فكيف يكون المدرَك (8) من كلّ


1 . وهو التزام التسلسل.
2 . ق:«والامتياز به».
3 . م: «وجودين».
4 . أُنظر المحصل: 89.
5 . هو المحقّق الطوسي.
6 . كما ادّعاه الرازي ونسبه إليهم.
7 . م: «فيه» محذوف.
8 . ق: «فكيف ما يدرك».


(84)

حال هو المدرك من حال آخر؟ فإنّ كلّ حال مدرك مع شيء آخر، والمشترك ليس بمدرك بالانفراد، حتى يحكم عليه بأنّ المدرك من أحدهما هو المدرك من الآخر أو ليس، وأنتم قلتم كلّ أمرين يشير العقل إليهما، فإمّا أن يكون المتصوّر منهما واحداً أو لا يكون، والحال ليس بأمر يشير العقل إليه إشارة لا تكون إلى غيره معه(1).

والجواب عن الثاني: أنّ جهتي الاشتراك والامتياز وجوديتان (2)، ولا يلزم قيام العرض بالعرض، فإنّ الصفات المشتركة إن كانت ثبوتية وكانت داخلة في مفهومات ما يشترك في تلك الصفات، كاللون المشترك بين السواد والبياض، وهو جزء من مفهوم السوادية والبياضية، لم يكن عرضاً قائماً بعرض قائم بالمركب، فانّ الجزء ليس بعرض قائم بالمركب منه ومن غيره، فلا يلزم من اتّصاف المختلفات به قيام العرض بالعرض. وإن لم تكن داخلة، كالعرض الذي يوصف به السواد والحركة، وهو عارض لهما غير داخل في مفهومهما و عروض الشيء للشيء لا يكون قيام عرض بعرض، ولا يلزم من كون صفة مشتركة عارضة لمختلفين قيامها بهما إلاّ بدليل منفصل.

وإن كانت سلبيّة (3) فهي غير ثابتة ولا يلزم من الاتصاف بها قيام عرض بعرض.

سلّمنا، لكن قيام العرض بمثله جائز، فإنّ السرعة والبطء كيفيّتان قائمتان بالحركة، والتزامه أقرب من التزام هذا المحال.

وللأوائل (4) طريق آخر، وهو أنّ الأجناس والفصول التي بها تتقوّم الأنواع


1 . انتهى كلامه، زيد في علو مقامه، نقد المحصل: 89ـ 90.
2 . من هنا تنفرد نسخة ق وج إلى صفحة94 قوله (والحق لنا وجوه) ، فهذه الصفحات غير موجودة في نسخة: م.
3 . أي وإن كانت الصفات المشتركة سلبيّة، وهي عِدل قول المصنف: «فإنّ الصفات المشتركة إن كانت ثبوتية».
4 . مراد المصنف من «الأوائل» في هذا الكتاب هو الحكماء والفلاسفة، فليكن في ذكرك.


(85)

البسيطة في الخارج موجودات في الذهن لا في العين.

اعترضه أفضل المتأخّرين فقال: الذهني إن طابق الخارج عاد كلام مثبتي الحال، وإلاّ كان جهلاً.

أجاب أفضل المحقّقين: بأنّ الأجناس والفصول ليست بتصديقات، بل هي تصوّرات مفردة، ولا يجب فيما لا يشتمل على الحكم بمطابقة الخارج أن يكون مطابقاً له وإلاّ كان جهلاً مركّباً، فإنّ الجهل المركّب حكم على الخارج بخلاف الواقع. وفي التصوّر المفرد لا تعتبر المطابقة ولا عدمها، بل [تعتبر] فيما له أجناس وفصول أن تكون فيها حيثيات يمكن للعقول تعقل الأجناس والفصول منها، ولذلك يسلبان عن واجب الوجود، لامتناع أن تكون فيه حيثيتان. وليس معنى الاشتراك إلاّ أنّ المعقول من أحد المشتركين هو المعقول من الآخر فيما يشتركان فيه، لا أن يكون شيء واحد في الخارج موجوداً في شيئين معاً، أو نصف منه في أحدهما ونصفه في الآخر، أو خارجاً عنهما وهما متّصفان به(1).

وفيه نظر، فإنّ أفضل المتأخّرين، لم يقل إنّ الأجناس والفصول تصديقات، بل الحكم بأنّ لهذه الماهيَّة جنساً وفصلاً تصديق، فإن كان مطابقاً لزم وجود الجنس والفصل في الخارج، وإلاّ كان جهلاً بمعنى أنّ الذهن حكم على ماهية بأنّ لها في نفس الأمر جنساً وفصلاً ولم يكن في الخارج شيء منهما. واعترافه بأنّ لتلك الماهية حيثيتين هو المقصود من المطابقة في الخارج. وتحقيق هذا البحث ليس هذا موضعه.

تذنيب: قال مثبتوا الحال: ثبوت الحال للشيء قد يكون معلّلاً بموجود قائم بالشيء، كالعالميّة المعلّلة بالعلم وهو الحال المعلّل، و كالمتحركيّة فإنّها حالة معلّلة بالحركة. وقد لا يكون كسوادية السواد وهو الحال غير المعلّل. واتّفقوا على


1 . انظر كلامهما في نقد المحصل: 90ـ 91.


(86)

أنّ الذوات بأسرها متساوية، ومختلفة بهذه الأحوال. واختلفوا في أمر الوجود، فالقائلون بالأحوال من الأشاعرة ذهبوا إلى أنّه نفس الذات. وقالت المعتزلة: إنّه زائد عليها. والقول بتساوي الذوات باطل سواء قلنا الوجود نفس الذات أو زائد عليها لأنّ الأشياء المتساوية تشترك في اللوازم، فيصح انقلاب القديم محدثاً والجوهر عرضاً، وبالعكس، وهو باطل بالضرورة. ولأنَّ اختصاص الذات المعينة بالصفة المخصوصة إن لم يكن لأمر، يُرجَّح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح(1)، وإن كان لأمر نقلنا الكلام إليه ولزم التسلسل. أمّا إذا جعلنا ما به الاشتراك صفة وما به الامتياز ذاتاً، اندفعت هذه المحاذير، لجواز اشتراك الأشياء المختلفة في لازم واحد، ولا يجوز اختلاف المتساويات في اللوازم.

اعترض أفضل المحقّقين:

أوّلاً: بأنّ الحيوانية المشتركة بين الإنسان والفرس، يرد عليها ما قلت من صحّة انقلاب الإنسان فرساً وبالعكس.

وثانياً: بأنّه لازم على الأجناس والفصول، بل في الأشخاص التي تحت نوع واحد، فإنّك إن جعلت الفصول والمشخّصات ذواتاً والحيوان والإنسان لوازم، لم تكن الحيوانية والإنسانية جزءاً للماهيّة ولا نفسها، فإنّ اللوازم إنّما تلزم بعد تقوّم الملزومات (2).

وفيه نظر; فإن الحيوانية لازمة والفصول ملزومة، فلا يلزم إمكان الانقلاب. ولهذا قالوا: «إنّ الفصول علل الطبيعة الجنسيّة» والحيوان إذا جعلناه لازماً للناطق لم يناف كونه جزءاً من الإنسان، وأشخاص النوع الواحد تختلف بعوارض مستندة إلى أسبابها.


1 . و هو محال.
2 . نقد المحصل: 91ـ 92.


(87)

المقصد الثاني
في التقسيم
بالنسبة إلى الوجوب والإمكان والامتناع (1)

إعلم: أنّ الضرورة قاضية بأنّ كلّ معلوم فإمّا أن يكون واجب الوجود لذاته، أو ممكن الوجود لذاته، أو ممتنع الوجود لذاته. فهنا فصول:

الفصل الأوّل:

في أنّ تصوّر هذه الأشياء ضروري (2)

ذهب من لا تحقيق له إلى أنّ هذه الأشياء قد تعرّف.

ونحن نقول: لا يمكننا تعريف كلّ واحد من هذه الأُمور الثلاثة، إلاّ بما


1 . وهذه الثلاثة تسمى في مباحث المنطق بـ«مواد القضايا»، وهي كيفيات للنسب الحُكمية وثبوت الشيء للشيء، والمهم في المباحث الفلسفية هو الوجوب والامكان، لأنّها تبحث عن أحوال الوجود وأمّا الكلام في الامتناع والمتصف به فهو استطرادي.
2 . راجع في هذا الفصل ،الفصل الخامس من المقالة الأُولى من إلهيات الشفاء; التحصيل: 291; المباحث المشرقية 1: 113; المواقف: 68; الأسفار 1: 83; كشف المراد للمصنف: 25ـ26.


(88)

يشتمل على الدور، فإنّا إنّما نعرّف كلّ واحد من هذه بسلب الآخرين عنه. فنقول: «الممكن: هو الذي لا يجب وجوده ولا يمتنع»، أو «الذي ليس بضروري في طرفي وجوده وعدمه» ثمّ نقول: «الواجب: هو الذي لا يمكن عدمه»، أو «الذي يستحيل عدمه»، و «الضروري: هو الذي لا يمكن عدمه (1)، أو لا يمكن وجوده»(2). و«الممتنع: هو الذي لا يمكن وجوده».

فقد ظهر لك لزوم الدور في هذه التعريفات. فان قُبلت هذه التعريفات على سبيل التعريف اللفظي أمكن، ولكن لا يكون تعريفاً حقيقياً.

واعلم أنّ هذه الأُمور الثلاثة متفاوتة عند العقل، فإنّ كلّ ما هو أقرب إلى طبيعة الوجود كان أعرف عند العقل، وما كان أقرب إلى طبيعة العدم كان أبعد، ولمّا كان الوجوب هو تأكّد الوجود، كان أقرب إليه، وكان أعرف عند العقل. ولمّا كان الامتناع أبعد، كان الإمكان متوسطاً بينهما.

فإذا أُريد التعريف اللفظي فليؤخذ الوجوب بيّنا (3)، ثمّ يُعرّف الإمكان بسلب الضرورة عن الطرفين، والامتناع بإثبات الضرورة على السلب.


1 . إذا كان ضروري الوجود.
2 . إذا كان ضروري العدم.
3 . حاصله أن يعرّف الإمكان والامتناع بالوجوب، لأنّه أعرف عند العقل، ولأنّه أقرب إلى الوجود، دون أن يعرّف الوجوب بهما.


(89)

الفصل الثاني:

في مباحث الوجوب

البحث الأوّل: في تفصيله (1)

الوجوب قد يكون بالذات وقد يكون بالغير، فالأوّل: ما يقتضي ذات الموصوف به وجوب وجودها لماهيّتها، لا باعتبار أمر آخر وهو واجب الوجود لذاته. والثاني: ما لا يقتضي ماهيّته الوجود، وإنّما يستفيد الوجود من غيره حال فرض وجود السبب، كالممكنات حال وجود عللها وأسبابها.

فللواجب الأوّل أمران: أحدهما: كونه مستحقّاً للوجود من ذاته. والثاني: عدم توقّفه في وجوده على الغير. وهذا الاعتبار الثاني كالمعلول للأوّل; فإنّ الواجب لمّا استحقّ الوجود لذاته استغنى عن غيره، فإنّ الحاجة إلى الغير إنّما هي بسبب الإمكان.


1 . أُُنظر المباحث المشرقية 1: 207.


(90)

البحث الثاني: أنّ الوجوب ثبوتي أولا؟

قد بيّنا أنّ للواجب اعتبارين: أحدهما: عدم توقّفه على الغير. والثاني: استحقاقه للوجود من ذاته. فإن جعلنا الوجوب هو الأوّل كان عدمياً قطعاً، ويكون وصفاً اعتبارياً ذهنيّاً لا تحقّق له في الخارج. وإن جعلناه عبارة عن الثاني فهل هو ثبوتي أم لا؟

اضطرب قول أفضل المتأخّرين فيه فتارة جعله ثبوتياً وتارة جعله عدمّياً،(1) وهو الحق (2). لنا وجوه (3):

الوجه الأوّل: لو كان الوجوب ثبوتيّاً في الخارج لزم التسلسل، والتالي باطل، فالمقدّم مثله.

بيان الشرطيّة: أنّ كلّ موجود في الخارج، فإنّه مساو لسائر الموجودات في الوجود وممتاز عنها بخصوصيته (4)، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فيكون


1 . أُنظر المباحث المشرقية 1: 208ـ211، وقال في آخر البحث: «هذه كلمات مشكلة نسأل اللّه تعالى التوفيق لتحقيق الحق فيها» ثم انظر شرحه على الإشارات، النمط الرابع في الوجود وعلله، في ذكر الدلالة على التوحيد، حيث أطنب الكلام في الاحتجاج على كونه سلبياً مطلقاً. وذهب إليه أيضاً في معالم أُصول الدين:31.
2 . وهو مختار المحقّق نصير الدين الطوسي أيضاً، راجع تجريد الاعتقاد مع شرح المصنف عليه : 49 ولكن ليس مراده العدم المطلق، بل عدم وجوده في الأعيان، وأنّه موجود باعتبار العقل، كما صرّح بذلك في شرحه على الإشارات بقوله: «والحق أنّ الوجوب والإمكان والامتناع أوصاف اعتبارية عقلية حكمها في الثبوت والانتفاء واحد» شرحي الإشارات 1: 206ـ 207 «النمط الرابع في الوجود». وانظر نقد المحصل: 94; المواقف: 68ـ 69.
3 . انظر مناقشة الوجوه في حكمة العين: 137 وما بعدها، وقد اختار أنّ الوجوب ثبوتي واستدل بوجوه.
4 . ق: «بخصوصية» والأصح ما في المتن من نسخة م، ومراده ماهية الوجود.


(91)

وجوده زائداً على ماهيته، فاتّصاف ماهيّته بذلك الوجود إمّا أن يكون واجباً، أو ممكناً، فإن كان الأوّل نقلنا الكلام إلى ذلك الواجب ولزم التسلسل، وإن كان الثاني لزم خروج الواجب عن كونه واجباً، فيكون ممكناً، هذا خلف.

لا يقال: لا يلزم من إمكان الوجوب إمكان الواجب.

لأنّا نقول: إمكان الوجوب يستلزم إمكان عدمه عن الواجب، وإذا انتفى الوجوب عن الواجب تعالى بقي إمّا ممكناً أو ممتنعاً وهما محالان.

الوجه الثاني: الوجوب متقدّم على الوجود، لأنّه عبارة عن استحقاق الوجود، واستحقاق الوجود متقدّم على نفس الوجود، فلو كان الوجوب وصفاً ثبوتياً، لزم أن يكون ثبوت الصفة للماهيّة سابقاً على ثبوت نفس الماهيّة وهو محال.

الوجه الثالث: لو كان الوجوب ثبوتياً لكان إمّا نفس الماهية، أو جزءها، أو خارجاً عنها والكلّ باطل، أمّا الأوّل والثاني، فلأنّ الوجوب عبارة عن استحقاق الماهية للوجود ومفهوم هذا المعنى «نسبة الماهية إلى الوجود»، والنسبة بين الشيئين متأخرة عنهما، فيكون هذا المعنى متأخّراً بالاعتبار عن الماهية، فلا يكون نفسها ولا جزءاً منها. والثالث باطل، لأنّ الخارج عن الماهيّة إذا كان صفة لها كان محتاجاً إليها، فيكون الوجوب بالذات، ممكناً بالذات، واجباً بوجوب سببه (1)، فللماهيّة وجوب آخر قبل هذا الوجوب و يلزم التسلسل. ولأنّ اقتضاء الماهية للوجود، لو كان وصفاً ثبوتياً، لكان اقتضاء الماهية لذلك الوصف أيضاً زائداً عليه ولزم التسلسل.

الوجه الرابع: الوجوب نسبة بين الماهية والوجود. وسيأتي بيان أنّ النسب عدمية.


1 . ج:«لوجوب سبقه».


(92)

احتج المخالف بوجوه:

الأوّل: استحقاق الوجود، نقيض لا استحقاق الوجود، ولا استحقاق الوجود أمر عدمي فيكون استحقاق الوجود ثبوتياً. والمقدمة الأُولى ظاهرة. وأمّا الثانية; فلأنّ لا استحقاق الوجود يصدق على الممتنع وهو واجب العدم، وعلى الممكن وهو جائز العدم; فإذن لا استحقاق الوجود صادق على المعدوم، والصادق على المعدوم يمتنع أن يكون ثبوتياً، لاستحالة اتّصاف المعدوم بالوصف الثبوتي، فإذن لا استحقاق الوجود وصف عدمي، فيكون الاستحقاق وصفاً ثبوتياً، ضرورة اختلاف النقيضين بالسلب والإيجاب.

الثاني: استحقاق الوجود عبارة عن نسبة خاصة للماهية إلى الوجود، وتلك النسبة ليس (1) تحققها بحسب فرض العقل، فإنّ الشيء في نفسه واجب سواء اعتبره العقل أو لا; ولو جاز أن لا يكون (2)اقتضاء الوجود وصفاً ثبوتياً ـ مع أنّه في نفسه نسبة محققة محصّلة ـ لجاز أن يقال: نسبة الجسم إلى الجهة والحيّز بالحصول فيه، ليست أمراً ثبوتياً، بل أمراً عدمياً.

الثالث: الشيء ما لم يجب لم يوجد، فالوجوب سابق على الوجود، فإنّه لابدّ من تقدّم جهة الاستحقاق على حصول المستحق، وجهة الاستحقاق في الواجب هو كونه مستحقاً للوجود من ذاته، ووجود الشيء سابق على أوصافه السلبية، فإنّ الصفات السلبية لا تعيّـن ولا تخصص (3) لها في أنفسها، بل تعيّنها وتخصّصها (4) تبع لتخصص محالها (5) الموجودة الموصوفة بها; فحينئذ وجود الشيء سابق على


1 . م: «تلك الماهية» و «ليس» محذوف والصواب ما في المتن، كما في نسخة ق والمباحث المشرقية.
2 . ق: «لا يكون» م: «أن يكون» وما في المتن مطابق لعبارة الرازي في المباحث المشرقية.
3 . م: «تحصص» ، «تحصصها»، «لتحصص ملكاتها» ،وفي ق :«لتخصيص مكانها».
4 . م: «تحصص» ، «تحصصها»، «لتحصص ملكاتها» ،وفي ق :«لتخصيص مكانها».
5 . م: «تحصص» ، «تحصصها»، «لتحصص ملكاتها» ،وفي ق :«لتخصيص مكانها».


(93)

سلب غيره عنه، وإذا كانت السلوب بأسرها متأخرة عن وجود الشيء، وكان الوجوب متقدماً عليه لم يكن سلبياً، وإلاّ لكان متقدّماً متأخراً، هذا خلف.

الرابع: الوجوب تأكد الوجود، والشيء لا يتأكّد بنقيضه، فيكون الوجوب ثبوتياً.

الخامس: الوجوب نقيض الامتناع، والامتناع عدمي ـ وإلاّ لكان الموصوف به ثابتاً ـ فيكون الوجوب ثبوتياً (1).

والجواب عن الأوّل: أنّ استحقاق الوجود أمر اعتباري حكمه في الثبوت والانتفاء واحد، وإذا كان أمراً اعتبارياً لم يكن وجوديّاً ولا يلزم أن يكون نقيضه ثبوتياً، كما أنّ الامتناع أمر اعتباري، ونقيضه قد يصدق على المعدوم.

ولأنّ قولكم اللااستحقاق محمول على الممتنع والممكن، وهما معدومان مغالطة; لأنّ الممتنع إن كان له في نفسه تخصص (2) أمكن وصفه بالامتناعوالوصف الثبوتي، وإن لم يكن له في نفسه تخصص (3) بحيث يستعدَّ للموضوعية(4)، ولا الامتناع أمراً معقولاً بحيث يستعدّ للمحمولية، لم يكن الحكم بالامتناع على الممتنع، إلاّ من حيث إنّ الذهن يستحضر ماهية ثم يحكم عليها بامتناع حصول الوجود الخارجي لها، فالمحكوم عليه بهذا الحكم هو تلك الماهية المحصّلة في الذهن، والحكم هو امتناع حصول الوجود الخارجي لها، وحينئذ يكون المحكوم عليه بالامتناع أمراً ثبوتياً في الذهن(5).


1 . أُنظر الوجوه في «المباحث المشرقية» 1:208;لمواقف: 69 ـ 70.
2 . ق:«تخصيص».
3 . ق:«تخصيص».
4 . ق: «الموضوعية»، وفي عبارات الرازي «للموضوعية» وهو الصواب.
5 . راجع المباحث المشرقية 1: 208.


(94)

قال أفضل المحقّقين (1): «إذا كان الوجوب سلبيّاً لم يلزم منه أن يكون نقيضاً للوجود، لأنّ السلبي هو «سلب شيء عن شيء» وسلب شيء عن الوجود لايكون (2) حمل العدم عليه. وأيضاً إن كان الوجوب واللاوجوب نقيضين يعني يقتسمان (3) جميع الاحتمالات، والوجود والعدم كذلك، وكان المعدوم (4) محمولاً على اللاوجوب، فلا يلزم أن يكون الوجود محمولاً على الوجوب حملاً كليّاً، لأنّه من الجائز أن يكون بعض ما هو وجوب عدمياً، فإنّ الممكن العام والممتنع نقيضان بالوجه المذكور، والممتنع عدميّ، فلا يجب أن يكون كلّ ما هو ممكن بالإمكان العام وجودياً، بل بعضه وجودي وبعضه عدمي» (5).

وفيه نظر; فإنّ الوجود والعدم متناقضان وإذا صدق أحدهما على شيء استحال صدق الآخر عليه، فيصدق على نقيضه. والنقض بالممكن العام والممتنع، فيه مغالطة، فإنّ المدّعى «أنّ الوصف إذا كان ثبوتياً كان نقيضه عدمياً» لا ما صدق عليه الوصف من الماهيات الموضوعة لذلك الوصف.

وعن الثاني: أنّ الصفات اللازمة للماهية، والأحكام الثابتة لها، لا تتوقف على وجود تلك الماهية في الذهن أو في الخارج، بل هي مستندة إليها سواء فرضها فارض أو لا، فإنّ الممتنع ممتنع في نفسه، بمعنى أنّه متى عقل الذهن ماهية الممتنع بجميع لوازمها، عقل لها الوصف بالامتناع، لا بمعنى كون الامتناع ثابتاً في الخارج، ولا بمعنى كونه ثابتاً في الذهن غير مطابق للخارج بحيث يكون جهلاً، بل بمعنى أنّه وصف لازم لها. وكما لا يلزم من اقتضاء ماهية الممتنع


1 . م: «وقال» وهو المحقّق الطوسي، كما ذكرنا في المقدمة.
2 . كذا في النسخ المخطوطة.
3 . ج:«يقسمان»
4 . وفي المصدر : العدم.
5 . نقد المحصل: 95.


(95)

وصف الامتناع، كون الامتناع أو الممتنع ثبوتياً في الخارج، كذا البحث في الوجوب.

وعن الثالث: أنّ الوجوب من حيث إنّه سابق على الأوصاف الثبوتية، لا يكون ثابتاً.

وعن الرابع: أنّ الوجوب تأكّد النسبة، سواء كانت النسبة للوجود أو العدم، فإنّه يدلّ على وثاقة الربط بأيّ محمول كان، وكما يؤكّد الوجود كذا يؤكّد العدم.

وعن الخامس: ما تقدّم، والنقض بالإمكان (1).

البحث الثالث: في تقسيم الواجب (2)

الواجب إمّا أن يكون واجباً لذاته، وهو اللّه تعالى لا غير. وإمّا أن يكون واجباً لغيره، وهو كلّ ممكن اتّصف (3) بالوجود.

وأمّا الواجب لذاته، فوجوبه قد بيّنا أنّه أمر اعتباري (4).

ومن ذهب إلى ثبوته في الخارج، منع من كونه خارجاً عن الذات، لأنّه إن استقل بذاته امتنع أن يكون وصفاً لغيره، لعدم استقلال الوصف بذاته، فإنّه لا يعقل إلاّ تابعاً للموصوف. وإن لم يستقل كان ممكناً لأنّه لو فرض ارتفاع الموصوف


1 . أُنظر الأسفار الأربعة لصدر المتألّهين 1:139ـ 140.

2 . أُنظر البحث في المقالة الثانية من إلهيات النجاة:225; المباحث المشرقية 1: 214.
3 . ق: بإضافة«له» قبل «اتصف».
4 . كما ذهب إليه الطوسي في شرح الإشارات وتجريد الاعتقاد. وقد مرّ : أنّه أمر موجود في الأعيان بوجود موضوعه.


(96)

ارتفع. وكّل ما كان قوامه متوقّفاً على غيره، فإنّه لما هو هو مع قطع النظر عن غيره يكون ممكناً، وكلّ ممكن يصحّ عدمه، فلو امتنع عدمه، لم يكن ذلك الامتناع لنفس مفهومه، بل لامتناع سببه الذي هو الذات، فهو متردّد بين صحّة العدم وامتناعه، لكنّ صحّة عدمه يستلزم صحّة عدم الواجب، هذا خلف. وامتناع عدمه يستلزم وجوب الذات، فإنّ وجوب المعلول تابع لوجوب العلّة، فيكون للماهية وجوب مثل (1) هذا الوجوب ويتسلسل. ولو جاز لقلنا: الذات إن اقتضت لماهي هي وجوباً، لم يكن بين الذات وبين ذلك الوجوب وجوب آخر، وإن لم تقتض لزم نفي الوجوب عن الذات بالكلّية، فيثبت انّ الوجوب بالذات يمتنع أن يكون خارجاً عن الماهيّة. ولا يمكن أن يكون جزءاً من الماهية، وإلاّ لزم تركيب الواجب لذاته هذا خلف. فوجب أن يكون نفس الماهية.

والتحقيق يقتضي نفي النزاع هنا. فإنّ من جعل الوجوب أمراً اعتبارياً، سلّم أنّه ليس أمراً خارجاً عن الذات ولا جزءاً منها. ومن جعله نفس الذات، إنقصد أنّ مفهوم النسبة، وهي «كيفية الرابطة بين الوجود والماهية» نفس الذاتلم يصب. وإن قصد أنّه ليس شيئاً زائداً على الذات في الخارج، فهو مسلّم.

أمّا الوجوب بالغير، فإنّه معلول لذلك الغير، فصحّ (2) أن يكون خارجاً عن الماهية.

لا يقال: وجوب الوجود وصف للوجود (3)، والوصف منفصل عن الموصوف، فلا يمكن جعله نفسه، ولأنّ الواجب لذاته يساوي سائر الموجودات


1 . م: «قبل» وهو الصواب.
2 . ق: «يصحّ» وما أثبتناه في م وج.
3 . ق: «للموجود».


(97)

في الوجود ويخالفها في الوجوب، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فالوجود غير الوجوب.

ولأنّا ندرك تفرقة بين قولنا: موجود واجب وبين قولنا: موجود موجود، ولو كان الوجود هو الوجوب لم يبق بينهما فرق، فيثبت (1) أنّ الوجود مغاير للوجوب. فإن لم يكن بينهما تلازم أمكن انفكاك أحدهما عن الآخر، فيجوز تحقّق الوجوب من دون الوجود، فيخرج الواجب عن كونه واجباً، هذا خلف. ويجوز تحقّق الوجوب من دون الوجود، فتوجد الصفة من دون الموصوف، هذا خلف.

وإن تلازما، فإمّا من الطرفين وهو دور، أو يكون (2) الوجود ملزوماً، فكلّ موجود واجب، هذا خلف. ويلزم أيضاً افتقار الوجوب لصيرورته معلولاً، فيلزم افتقار الواجب والتسلسل، لأنّ المعلول واجب لعلّته، فقبل هذا الوجوب وجوب آخر. أو يكون الوجود لازماً وهو محال وإلاّ جاء الدور; لأنّ الوجوب نعت للوجود، فلو كان الوجود تابعاً لزم كون الوجود تابعاً متبوعاً. أو يكونا معلولي علّة واحدة، لأنّ تلك العلّة إن كانت موصوفة بهما، كان ما ليس بموجود ولا واجب علّة للوجوب والوجود، فالمعدوم الممكن علّة للموجود الواجب، هذا خلف.ويلزم (3) كون الوجوب معلولاً. وإن كانت صفة لهما عاد الإشكال في كيفية ذلك اللزوم. أو لا موصوفة ولا صفة، فيكون الموجود الواجب لذاته مفتقراً إلى علّة منفصلة، هذا خلف.

لأنّا نقول: الشيء إذا أُخذ بشرط وجوده صار ممتنع العدم، وما كان مانعاً للعدم كان مانعاً لإمكان العدم والوجود، فإذن الوجود من حيث هو وجود يمنع


1 . ج:«فثبت».
2 . ج: «لكون».
3 . م: «فيلزم».


(98)

الإمكان، وما كان مانعاً من الإمكان لزمه الاستغناء عن المقتضي، فالوجود بشرط التجرّد عن الماهية أولى بالمنع من الإمكان، لأنّ الشيء الذي له اعتبار الإمكان إذا أُخذ مع الوجود دخل في الوجوب، فالذي لا اعتبار له إلاّ الوجود هو أولى بالوجوب.

والتغاير بين الوجود والوجوب اعتباريّ، لما بيّنا من كون الوجوب والإمكان والامتناع أُموراً معقولة، تحصل في العقل من اسناد المتصوّرات إلى الوجود الخارجي، وهي في أنفسها معلولات للعقل بشرط الإسناد المذكور، وليست أُموراً متحقّقة في الخارج بحيث يرد عليها التقسيم بأنّها إمّا علل للأُمور التي يستند إليها أو معلولات لها، كما أنّ تصوّر زيد وإن كان معلولاً لمن يتصوّره ، لا يكون علّة لزيد ولا معلولاً له. وكون الشيء واجباً في الخارج، هو كونه بحيث إذا عقله عاقل مسنداً إلى الوجود الخارجي لزم في عقله معقول هو الوجوب. ولما كان الوجود مقولاً بالتشكيك لم يجب تساوي مقتضياته، فانّ المعاني المشتركة على سبيل التشكيك لا يقتضي استلزام بعضها لشيء استلزام غير ذلك البعض لذلك الشيء، فإنّ نور الشمس يستلزم زوال العشي وسائر الأنوار لا تقتضيه، لكون النور مشتركاً بين نورها وسائر الأنوار بالتشكيك.

وفيه نظر; فإنّ المشكك يوجد فيه اشتراك معنويّ، وإذا اقتضى لذاته شيئاً وجب وجود ذلك الاقتضاء في جميع موارده. أمّا إذا اقتضى لا لذاته، بل لأجل انضمام ما حَصَلَ فيه من الاختلاف، لم يجب عموم الاقتضاء، وزوال العشي لا يستند إلى النور المطلق، بل إلى النور المستند إلى الشمس خاصّة إمّا لشدّته أو لمعنى مختص به، حصل باعتباره مخالفته لسائر الأنوار (1).

والتحقيق في ذلك كلّه، ما قلناه أوّلاً من كون الوجوب اعتبارياً.


1 . أُنظر المباحث المشرقية 1:214ـ 216; نقد المحصل: 93 وما بعدها.


(99)

البحث الرابع: في خواص الواجب لذاته وهي عشرة (1)

الأُولى: لا يمكن أن يكون الشيء الواحد واجباً لذاته ولغيره معاً، لأنّ كلّ ما بالغير فإنّه يرتفع بارتفاع ذلك الغير، وما بالذات لا يرتفع بارتفاع الغير، فلو كان الواحد واجباً لذاته ولغيره معاً، لزم ارتفاعه عند ارتفاع ذلك الغير (2) بالنظر إلى كونه واجباً بغيره، وعدم ارتفاعه عند ارتفاع ذلك الغير بالنظر إلى كونه واجباً لذاته، فيجتمع فيه النقيضان.

ولأنّ الواجب بذاته مستغن عن الغير، إذ معنى الوجوب «استحقاق الوجود لذاته، أو عدم توقّفه على الغير» (3)، والواجب بغيره مفتقر إلى ذلك الغير، لاستحالة وجود المعلول بدون علّته، والجمع بين الحاجة في الوجود والاستغناء فيه محال، وهذا حكم غني عن البرهان (4).

الثانية: الواجب لذاته بسيط، لا يتركّب عن غيره، وإلاّ لكان ممكناً، والتالي باطل، فالمقدّم مثله.

بيان الشرطية: أنّ كلّ مركب مفتقر إلى أجزائه، والأجزاء مغايرة له، فيكون مفتقراً إلى غيره، و كلّ مفتقر ممكن، وأمّا بطلان التالي، فلامتناع اجتماع النقيضين.


1 . راجع الفصل السادس من المقالة الأُولى من إلهيات الشفاء وشرحي الاشارات، النمط الرابع في الوجود: 209; المحصل ونقده للطوسي: 96; تجريد الاعتقاد مع شرح المصنف «رحمه اللّه» عليه: 61ـ62; المواقف: 70. وهذا البحث قسم من مباحث الإلهيات بالمعنى الأخص.
2 . عبارة «وما بالذات» إلى «ذلك الغير» ساقطة سهواً في نسخة: ق.
3 . الترديد بـ «أو» إشـارة إلى اختلاف الاعتبار في معنى الواجـب، كما مرّ في البحث الأوّل من هذا الفصل.
4 . راجع: النجاة، قسم الإلهيات: 225.


(100)

لا يقال: يجوز أن يكون كل (1) جزء من الواجب واجباً، فيستغني في أجزائه عن الغير، وعند وجود الأجزاء يجب حصول المركّب، فلا يكون مفتقراً إلى الغير لا في ماهيته ولا في أجزائه (2).

لأنّا نقول: التركيب يستدعي الإمكان، فإنّ كلّ مركب ممكن بالضرورة، لافتقاره إلى أجزائه المغايرة له، فلا يكون المركب واجباً وقد فرضناه واجباً، هذا خلف.

الثالثة: الواجب لذاته لا يتركّب عنه غيره، لأنّ التركيب إمّا معنوي أو خارجيّ، والقسمان باطلان.

أمّا الأوّل، فلأنّه إنّما يحصل من الجنس والفصل، وواجب الوجود يستحيل أن يكون جنساً، وإلاّ لافتقر إلى الفصول. ويستحيل أن يكون فصلاً، لأنّه صورة للجنس، والصورة مفتقرة إلى المادة نوعاً ما من الافتقار، وواجب الوجود لا يفتقر إلى الغير.

وأمّا الثاني، فلأنّه (3) لابدّ فيه من انفعال ما، كما في الممتزجات (4)، وهو ممتنع في حق واجب الوجود.

الرابعة: الواجب لذاته لا يكون وجوده زائداً عليه، وإلاّ لزم أن يكون ممكناً، لافتقار وجوده إلى ماهيته. وسيأتي البحث في ذلك إن شاء اللّه تعالى .

الخامسة: الواجب لذاته لا يكون وجوبه زائداً عليه، وقد تقدّم (5).


1 . ق: «كل» حذف سهواً.
2 . راجع شرح الإشارات ، النمط الرابع في الوجود: 55، ثم كشف المراد:61، في خواص الواجب.
3 . م: «فانه».
4 . م: «ممزجات».
5 . في البحث الثاني (أن الوجود ثبوتي أو لا ) ص94.


(101)

السادسة (1): الواجب لذاته لا يكون مشتركاً بين اثنين، وإلاّ لزم تركّب كل واحد منهما، لاشتراكهما في الوجوب الذاتي، فيجب امتياز كلّ منهما عن صاحبه بأمر مغاير لما وقع به الاشتراك، فيكون كلّ واحد منهما مشتملاً على ما به الاشتراك وما به الامتياز، فيكون مركّباً، فيكون ممكناً، ولأنّ الجزئين (2) إن لم يكن بينهما تلازم، أمكن انفكاك كلّ واحد منهما عن صاحبه، فيكون اجتماعهما معلول علّة منفصلة، هذا خلف. وإن كان بينهما ملازمة، فإن استلزمت الهوية الوجوب، كان الوجوب معلولاً، هذا خلف، وإن كان بالعكس (3) لزم المطلوب، إذ يكون كلّ واجب (4) هو هو ، فما (5) ليس هو لم يكن واجباً.

اعترض (6): بأنّ الوجوب ليس وصفاً ثبوتياً وإلاّ لزم التسلسل، وكذا التعين(7).

ولأنّ الواجب يشارك الممكن في الوجود، ويخالفه في الوجوب ويعود التقسيم (8).

ولأنّ الاشتراك هنا لفظي لا معنوي.


1 . هذا البحث في تقرير البرهان على توحيد واجب الوجود، راجع كتب ابن سينا، منها النجاة، قسم الإلهيات: 230ـ234.
2 . ق: «الجزئي» وهو خطأ.
3 . أي كان الوجوب مستلزماً لتلك الهوية.
4 . ق: «واحد» والصواب ما في المتن من نسخة: م.
5 . م: «فبما» والصواب ما في المتن من نسخة: ق.
6 . الاعتراض من الرازي، انظر المحصل: 97.
7 . ق: «التعلّق» والصواب ما أثبتناه في المتن من نسخة: م. وقد مرّ البحث في «الوجوب» في البحث الثاني، ص 94.
8 . هذا اعتراض بإيراد النقض، والجواب الحَلّـي عنه جعل الاشتراك لفظياً.


(102)

ولأنّ الوجوب وصف لا جزء، ولا يلزم من الاشتراك في الأوصاف التركيب.

ولأنّ الامتياز بعارض، فلا يكون مركباً.

والجواب: البحث في مفهوم واجب الوجود، ولا يمكن أن يكون وصفاً اعتبارياً.

والاشتراك في الوجود إن كان، فهو في (1) وصف عارض، فلا يجب به التركيب.

والاشتراك هنا معنوي، لأنّ المفهوم واحد فيما يفرض اشتراكه فيه.

والوجوب إذا جعلناه وصفاً لم يلزم كون الواجب وصفاً، والبحث في الواجب. على أنّا أخذنا مفهوم الواجب، وجعلناه منظوراً فيه لا معروضه.

والامتياز إذا كان بعارض (2)، أمكن زواله، فخرج هذا الواجب عن كونه واجباً، هذا خلف.

قال أفضل المحقّقين: «كون استلزام الهوية الوجوب خلفاً، فيه نظر; لأنّ الخلف يكون لو كان الواجب معلول الغير، لا الوجوب. أمّا إن كانت هويته مستلزمة لوجوبه، وكان وجوبه محتاجاً إلى هويته، لم يلزم منه كون الهوية معلول الغير (3)، بل يلزم منه كون الهوية غير واجبة بانفرادها، إنّما تكون واجبة بصفة (4) تقتضيها ذاتها» (5).

وفيه نظر، لأنّ إمكان الوجوب يستلزم إمكان الواجب، فإنّ الواجب إنّما


1 . م: «في» محذوفة.
2 . م: «عارض».
3 . وفي المصدر «معلولاً للغير».
4 . في المصدر «لصفة».
5 . نقد المحصل: 100.


(103)

هو واجب بذلك الوجوب، فإذا أمكن زواله، أمكن خروج الواجب عن كونه واجباً، فلا يكون واجباً لذاته. وكون الهوية واجبة (1) بصفة (2) تقتضيها ذاتها، يستلزم الدور ،لأنّ وجوب الصفة تابع لوجوب الموصوف، فلا(3) يمكن أن يكون متبوعاً.

ثمّ أجاب عن المعارضة بكون الواجب مساوياً للممكن في الوجود، بأنّ اشتراكهما في الوجود ليس بالتواطؤ.

وفيه نظر; فإنّ قصد المشكك وجود أمرين في واجب الوجود، فيلزم التركيب.

وإنّما الجواب الحق، ما بيّناه، من أنّ الاشتراك في الصفات لا يلزم منه التركيب.

ثمّ قال (4): «والواجب أن نقول (5): «الواجب لذاته يستحيل أن يكون محمولاً على اثنين، لأنّه(6) إمّا أن يكون ذاتياً لهما، أو عرضيّاً لهما، أو ذاتياً لأحدهما عرضيّاً للآخر. فإن كان ذاتياً لهما، فالخصوصيّة التي بها يمتاز كلّ واحد من الآخر لا يمكن أن يكون داخلاً في المشترك، (7) وإلاّ فلا امتياز، فهو خارج، فيضاف (8) إلى المعنى المشترك، فإن كان في كلّ واحد منهما، كان كلّ واحد منهما ممكناً من


1 . م: «غير واجبة».
2 . ق: «بصفتها».
3 . ق: «ولا».
4 . المحقّق الطوسي.
5 . في المصدر: «أن يقول كما قال غيره من الحكماء» .
6 . هذه العبارة إلى الخاصية السابعة قوله :«لذاته فيكون ممكناً» ساقطة في نسخة: م.
7 . في المصدر: «في المعنى المشترك».
8 . في نسخة من المصدر «فينضاف» وفي نسخة أُخرى «منضاف».


(104)

حيث هو موجود ممتاز (1) عن الآخر، وإن كان في أحدهما فهو ممكن. وإن كان عرضيّاً لهما أو لأحدهما، فمعروضة في ذاته لا يكون واجباً».

لا يقال: الواجب لذاته هو المعنى المشترك فقط.

لأنّا نقول: المعنى المشترك لا يوجد في الخارج من حيث هو مشترك من غير مخصّص (2) يزيل اشتراكه.

لا يقال: المخصّص سلبي، وكل واحد منهما مختصّ بأنّه ليس الآخر.

لأنّا نقول: سلب الغير لا يحصل (3) إلاّ بعد حصول الغير، وحينئذ يكون كلّ واحد منهما (4) بعد حصول الغير، فيكون ممكناً» (5).

السابعة: وقوع لفظ الواجب على الواجب لذاته والواجب لغيره بالاشتراك اللفظي، وإلاّ لزم تركيب الواجب لذاته، فيكون ممكناً، ولأنّ القدر المشترك إن كان غنياً عن الغير، لم يكن تمام ماهية الوجوب بالغير عارضاً للغير، هذا خلف. وإن كان مفتقراً، لم يكن تمام ماهيّة الوجوب بالذات غنيّاً عن الغير.

اعترض بإمكان التقسيم إليهما (6)، ومورد التقسيم مشترك.

قال أفضل المحقّقين: لا يلزم من كون الوجوب مشتركاً بين الوجوب بالذات والوجوب بالغير، كون الوجوب بالذات مركباً، لأنّ تعقل الوجوب بالذات لا يفتقر إلى تعقل غير الذات. أمّا الوجوب بالغير فيفتقر تعقّله إلى انضياف تعقّل


1 . ق: «و ممتاز».
2 . في المصدر «تخصيص».
3 . في المصدر «لا يتحصّل».
4 . في نسخة من المصدر «هو» وفي الأُخرى «هو هو» بدلاً عن «منهما».
5 . نقد المحصل:100 ـ101.
6 . أي تقسيم الوجوب إلى الواجب لذاته والواجب لغيره.


(105)

الغير إلى تعقّل الوجوب.

ثمّ لو كان الوجوب الذي هو «أمر حاصل في العقل عند اسناد متصوّر إلى الوجود (1) الخارجي» مركّباً لم يلزم منه تركيب المسند إليه، كما لا يلزم من كونه محتاجاً إلى موصوف به، كون الموصوف به محتاجاً إلى غيره.

وأيضاً الامتناع مشترك بين الامتناع بالذات والامتناع بالغير، ولا يلزم من تركّبه تركّب في الممتنع لذاته (2) الذي يكون نفياً (3) محضاً.

وقوله (4): «القدر المشترك إن كان غنياً عن الغير لم يكن تمام ماهية الوجوب بالغير عارضاً للغير، هذا خلف».

فيه نظر; لأنّه لا يلزم منه الخلف، فإنّ من استغناء الجزء لا يلزم استغناء المركّب، بل إنّما يلزم من افتقار الجزء افتقار المركّب» (5).

وفيه نظر; فإنّ كلّ معنى معقول كلّـي إذا أُخذ مخصّصاً، استدعى تركيباً عقلياً ممّا وقع به الاشتراك وما وقع به التخصص (6) سواء كان ذلك الكلّـي جنساً أو نوعاً، فإنّ أفراد النوع مشتركة في معنى كلّـي إذا أُخذ مع مشخّصات خاصة، كان المجموع مركّباً من ذلك المعنى الكلّـي ومن قيد التشخّص، والوجوب هنا أُخذ مشتركاً، فيكون الوجوب بالذات مركّباً منه ومن قيد الخصوصيّة.

وقوله: «الوجوب بالذات لا يفتقر إلى تعقّل غير الذات»، لا يضرّ في


1 . م: «الوجوب» والصواب ما في المتن من نسخة ق والمصدر.
2 . ق: «بذاته» وما في المتن من نسخة: م مطابقاً للمصدر.
3 . وفي المصدر «منفياً».
4 . الرازي في المحصل.
5 . أُنظر نقد المحصل: 101 ـ 102.
6 . ق و م:«التخصيص».


(106)

الدليل، فإنّ الذات مغايرة للوجوب، والتركيب لم يلزم من الافتقار إلى تعقّل غير الذات،بل من وجوب وجود مخصّص زائد على القدر المشترك.

ثمّ قوله: «إنّه غير مفتقر إلى تعقّل غير الذات» ممنوع، بل يفتقر إلى تعقّل نسبته (1) إلى الذات، وهو أمر مغاير لذلك المعنى الكلّـي، كما أنّ الوجوب بالغير يفتقر إلى انضياف تعقّل الغير إلى تعقّل الوجوب.

قوله: «تركيب (2) الوجوب لا يلزم منه تركيب المسند إليه».

قلنا: نسلّم (3)، بل يلزم منه إمكانه على ما تقدّم (4).

قوله: «كما لا يلزم من كونه محتاجاً إلى موصوف به، كون الموصوف به محتاجاً إلى غيره».

قلنا: مسلّم أنّه لا يلزم من افتقار الصفة افتقار الموصوف، لكن هنا يلزم ذلك، فإنّ الموصوف إنّما هو واجب بهذه الصفة، فإذا كانت ممكنة، كان الموصوف ممكناً. والتركيب العقلي كما هو ثابت في الواجب، كذا في الممتنع، وكونه نفياً محضاً لا ينافي التركيب العقلي.

وقوله: «لا يلزم من استغناء الجزء استغناء المركّب».

قلنا: حق، لكنّا نحن ادعينا أنّ المشترك إذا كان غنيّاً، لم يكن تمام ماهية الوجوب بالغير عارضاً للغير، (5) وهو صحيح، فإنّ العارض حينئذ لا يكون تمام الماهية، بل جزئها.


1 . ق: «نسبة».
2 . ق: «تركّب».
3 . ق: «مسلّم».
4 . في الخاصة السادسة، ص 105.
5 . ق: «عارضا للغير» ساقطة.


(107)

وأيضاً، فإنّ الوجوب المشترك حينئذ يكون جنساً فإذا افتقر الفصل إلى الغير، كان الجنس الذي هو معلوله أولى بالافتقار.

وأيضاً الواجب لغيره هو الذي يجب وجوده عند حصول ذلك الغير، فإذا كان الوجوب المشترك بين هذا الممكن وبين الواجب لذاته مستغنياً عن الغير، كان ذلك الممكن مستغنياً عن الغير، هذا خلف.

الثامنة: الواجب لذاته واجب في جميع صفاته الحقيقية، لامتناع افتقاره إلى الغير على ما يأتي بيانه (1):

أمّا الصفات الإضافيّة (2) فإنّها أُمور اعتباريّة متوقّفة على المضافين، وليست حاصلة في الخارج، بل في الذهن، فجاز توقّفها على الغير، ولا يثلم ذلك غناه(3).

التاسعة: الواجب لذاته لا يمكن عدمه، وإلاّ لم يكن واجباً لذاته، إذ معناه هو الذي لا يمكن عدمه. وقيل (4): «لو صحّ عليه العدم، لكان وجوده متوقّفاً على عدم سبب عدمه، والمتوقّف على الغير ممكن بالذات».

قال:أفضل المحقّقين (5): «عدم واجب الوجود ممتنع لذاته لا لغيره (6)،


1 . راجع النجاة: 228; نقد المحصل: 102; الأسفار 1:122.
2 . هذا دفع إشكال مقدّر وهو النقض على الخاصة بالنسب والإضافات اللاحقة من قِبَل أفعاله المتعلقة بالممكنات كالخلق والرزق. وقد جوّز الشيخ اتصاف الواجب بالذات اتصافه بالإمكان بهذه النسب والإضافات اللاحقة. انظر إلهيات الشفاء، الفصل السابع من المقالة الثامنة. واعترض عليه صدر المتألهين في الأسفار:1:126ـ 128.
3 . كذا في ج، وفي ق و م بالعين المهملة.
4 . والقائل هو الرازي نقد المحصل: 103.
5 . نقد المحصل: 103.
6 . ق: «بغيره».


(108)

فالتعليل «بعدم توقف وجوده على عدم سبب عدمه» تعليل ما ثبت للشيء (1) لذاته بعلّة غير ذاته».

العاشرة: قال أفضل المتأخّرين (2): الواجب لذاته يجوز أن تعرض له صفات تستلزمها ذاته، فيكون الوجوب الذاتي حصة لتلك الهويّة فقط، وسائر النعوت واجبة لوجوب (3) تلك الهوية، وتكون الوحدة حصة لتلك الهوية من حيث هي هي، وإن كانت إذا أُخذت مع الوحدة لم تبق واحدة».

قال أفضل المحقّقين: «هذا ممتنع عند الحكماء، لأنّهم يقولون «الواحد من حيث هو واحد لا يكون مصدراً لأكثر من واحد».

وقوله: «وسائر النعوت واجبة لوجوب تلك الهوية» معناه أنّ صفاته المتكثّرة ممكنة لذواتها، فالواحد لا يكون إلاّ الذات، مع أنَّها مع الوحدة لا تكون أيضاً واحدة، ومع الصفات تكون كثيرة وهذا ليس ممّا ذهب إليه الحكماء ولا المتكلّمون، إلاّ الأشاعرة، كما سيجي شرحه.

وقوله: «الوحدة حصّة لتلك الهويّة وإذا أُخذت مع الوحدة لم تبق واحدة» يجري مجرى قول من يقول: «إذا علم الإنسان الواحد، كان ذلك الواحد مع علمه به اثنين، فإنّ الوحدة هي تعقّل العقل لعدم (4) انقسام تلك الهويّة» (5).


1 . وفي بعض نسخ المصدر «ماهية الشيء» بدل «ما ثبت للشيء».
2 . نقد المحصل: 103.
3 . ق: «بوجوب».
4 . ق: «بعدم».
5 . نقد المحصل: 103.


(109)

الفصل الثالث:

في مباحث الإمكان (1)

البحث الأوّل:

الممكن له أمران: أحدهما: أنّه ليس له في ذاته اقتضاء الوجود ولا اقتضاء العدم، وهو اعتبار مغاير لاقتضاء العدم، فإنّ اقتضاء العدم يُدخله في الممتنع، بخلاف عدم اقتضاء الوجود والعدم.

والثاني: احتياجه في وجوده وعدمه إلى الغير، وهذا الاعتبار الثاني معلول للأوّل.

وبينهما فرق، فإنّا إذا حكمنا على شيء بالحاجة إلى الغير طلب العقل لذلك علّة، فإن علّل بعدم اقتضاء الوجود والعدم قنع بذلك. وإنّما يصحّ التعليل لو


1 . انظر البحث في المحصل ونقده :104 وما بعدها ; المباحث المشرقية 1:207;والمواقف: 71 ـ 74; كشف المراد: 76ـ77.


(110)

تغاير الاعتباران، ولأنّ عدم اقتضاء ذاته للوجود والعدم اعتبار حاله (1) من حيث هو مع قطع النظر عن وجود غيره وعدمه، وأمّا تعلّقه بالغير وتوقّفه عليه فذلك اعتبار حاله بالنسبة إلى الغير (2).

البحث الثاني: في أقسامه (3)

الإمكان بالنسبة إلى الضرورة، كالعدم بالنسبة إلى الحقيقة. ولما كانت أقسام العدمات تابعة لأقسام الملكات، كان الإمكان تابعاً للضرورة في التقسيم. ولما كانت الضرورة إمّا ذاتية أو غير ذاتية. والذاتية إمّا بالنظر إلى الوجود أو بالنظر إلى العدم، كان سلبها كذلك.

فالإمكان وضِعَ في اللغة بازاء سلب الضرورة، فإن سلب ضرورة الوجود، كان إمكاناً عاماً سلبياً، وإن سلب ضرورة العدم، كان إمكاناً عاماً إيجابياً، وإن سلب الضرورتين معاً، كان إمكاناً خاصاً. وإن سلب الضرورة الذاتية والمشروطة، كان إمكاناً أخصّ. وإن أُخِذَ ذلك باعتبار المستقبل كان إمكاناً استقبالياً.

فالإمكان العام، إن أُخِذَ بالنظر إلى الوجود، كان ممكن الوجود هو «الذي لا يمتنع وجوده» وهو يشمل أمرين: وجوب الوجود، وإمكان الوجود والعدم.

وإن أُخِذَ بالنظر إلى العدم، كان ممكن العدم هو «الذي لا يجب وجوده» وهو يشمل أمرين: وجوب العدم أعني الممتنع، وإمكان الوجود والعدم.


1 . ق : «حالة» والصواب ما أثبتناه في المتن من نسخة: م.
2 . فظهر الفرق بين اعتبار الشيء من حيث هوهو واعتباره من حيث تعلّقه بالغير، ففي الأوّل اعتبار الشيء وحده وفي الثاني اعتباره مع غيره. راجع المباحث المشرقية1:207.
3 . لاحظ تفصيل الكلام في شرح الإشارات 1: 151 وما بعدها ; الأسفار 1/149ـ 154، الفصل السابع «في استقراء المعاني التي يستعمل فيها لفظ الإمكان» .


(111)

والأشياء بحسب هذا الاعتبار قسمان: ممكن، وضروري مقابل له.

وأمّا الإمكان الخاص، فإنّه يقابل الضرورتين معاً.

والأشياء بحسبه ثلاثة: واجب، وممتنع، وممكن خاص. ويصدق عليه الإمكان باعتبارين أحدهما: دخوله تحت الأوّل. والثاني: الوضع بازائه.

واعلم: أنّ الإمكان عند الأوائل يقال بالاشتراك اللفظي على معنيين.

أحدهما: ما يقابل الامتناع، وهو الإمكان الراجع إلى الماهية، وهو عندهم صفة عقليّة يوصف بها كلّ ما عدا الواجب والممتنع من المتصوّرات (1).

والثاني: الاستعداد وهو عندهم صفة موجودة من جملة أنواع مقولة الكيف، عرضي غير باق بعد وجود المستعد إلى (2) الفعل.

البحث الثالث: في أنّ الإمكان العام سلبي (3)

الحقّ: أنّه اعتبار عقليّ، لا تحقّق له في الأعيان وإلاّ لزم التسلسل، واللازم باطل، فالملزوم مثله.

بيان الشرطية: أنّ كل ثابت، فإمّا واجب أو ممكن، فلو كان الإمكان ثابتاً، لكان أحدهما، فيكون له إمكان(4) آخر، إذ نسبة وجوده إليه لا يخلو عن هاتين الكيفيتين.

ولأنّ صحّة وجود الماهية سابقة على حصوله، فتلك الصحّة لو كانت صفة ثبوتية، لكان ثبوت الصفة الثابتة للشيء سابقاً على ثبوت الشيء في نفسه.


1 . ويسمّى بـ«الامكان الذاتي».
2 . كذا.
3 . أُنظر البحث في المباحث المشرقية 1: 211.
4 . ق: «موجود».


(112)

ولأنّه محمول على الممكن الخاص الذي يجوز أن يكون معدوماً، وما يجوز حمله على العدم كان عدمياً، فالإمكان العام عدميّ.

ولأنّ المفهوم منه سلب الضرورة، وسلب الضرورة داخل تحت مطلق السلب.

ولأنّ إمكان الوجود هو بعينه إمكان العدم، إذ مفهومه واحد فيهما (1)، وإمكان العدم عدمي، لاتّصاف العدم به، فيكون إمكان الوجود كذلك.

احتجّ المخالف: بأنّه نقيض الامتناع العدمي، فيكون ثبوتيّاً.

والجواب، كما أنّه نقيض الامتناع باعتبار، فكذا هو نقيض الوجوب (2) باعتبار، فيكون عدميّاً.

والحق: أنّه اعتبار عقلي وحكم ذهني يتعلّق بنسبة المحمول إلى الموضوع.

واعلم: أنّه كما أنّ الإمكان العام ليس بثبوتي، فكذا ليس بجنس وهو ظاهر، فإنّ العدمي لا يقوّم غيره. وقد بيّنا أنّه أمر اعتباري.

ولأنّه لو كان جنساً لكان امتياز الواجب عن الممكن بفصل، فيكون الواجب مركّباً.

البحث الرابع: في أنّ الإمكان الخاص (3) سلبي

أكثر الأوائل على أنّ الإمكان الخاص ثبوتي، واحتجّ «ابن سينا» عليه: بأنّه لو كان عدميّاً لما بقي فرق بين قولنا: لا إمكان له،و بين قولنا: إمكانه عدميّ، لعدم الامتياز في العدميّات، ولمّا كان الفرق ثابتاً وجب أن يكون الإمكان ثبوتيّاً .


1 . ق:«منها».
2 . ق: «الوجود».
3 . قد حمله بعض على الامكان الذاتي، وآخرون على الامكان الإستعدادي، ولذا وقع في الأدلة والمباحث خلط بين الامكانين، فراجع شرح الاشارات، نمط«الصنع والإبداع».


(113)

وهذه الحجّة عظيمة الاختلال، فإنّ الملازمة كاذبة، لأنّ الفرق واقع في العدميّات، كالوجوديّات، ومنقوضة بالامتناع، فإنّ الحجّة التي ذكرها في الإمكان، آتية في الامتناع، إذ لقائل أن يقول: لو لم يكن الامتناع ثبوتياً لم يبق فرق بين قولنا: لا امتناع له، وبين قولنا: امتناعه عدميّ، ولمّا لم يدلّ ذلك على ثبوت الامتناع، فكذا الإمكان (1).

ثمّ الذي يدلّ على كونه عدميّاً وجوه:

الوجه الأوّل: لو كان الإمكان ثبوتياً لزم التسلسل، أو وجوب الممكن لذاته، والتالي باطل بقسميه، فكذا المقدّم (2).

بيان الشرطية: أنّه لو كان ثابتاً، لكان قد شارك غيره من الموجودات في الوجود، وامتاز عنها بخصوصيّة، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فيكون وجوده زائداً على ماهيته، فاتّصاف ماهيّته بوجوده إمّا أن يكون واجباً أو ممكناً.

فإن كان واجباً لزم كون الممكن الموصوف بالإمكان أولى بالوجوب، لأنّ شرط الواجب لذاته واجب. ولأنّ وجوب الإمكان غير معقول.أمّا أوّلاً: فلأنّه صفة والصفة لا تعقل قائمة بذاتها، بل قائمة بغيرها، فلا يعقل وجوبها.وأمّا ثانياً: فلأنّه أمر نسبي لا يعقل إلاّ بعد ثبوت منتسبيه.

وإن كان ممكناً كان له إمكان زائد على ماهيته، لأنّه نسبة بين ماهيته ووجوده (3) والنسبة مغايرة للمنتسبين وهو ثبوتي، فيكون له إمكان آخر ويتسلسل. وأمّا بطلان التالي فظاهر.


1 . أُنظر الجواب والوجوه التالية في المباحث المشرقية 1: 212ـ214. ثم أُنظر المناقشة في بعضهما في حكمة العين 146 وما بعدها.
2 . أُنظر الوجه والجواب عليه في شرح الإشارات 3: 104 ـ 105.
3 . ق: «ووجوده» ساقطة.


(114)

اعترضه أفضل المحقّقين:« بأنّ الإمكان أمر عقلي، فمهما اعتبر العقل للإمكان ماهية ووجوداً، حَصَلَ فيه إمكان امكان وانقطع عند انقطاع الاعتبار. فإنّ كون الشيء معقولاً ينظر فيه العقل ويعتبر وجوده ولا وجوده، غير كونه آلة للعاقل، ولا ينظر فيه من حيث ينظر فيما هو آلة لتعقّله، بل إنّما ينظر به، مثلاً العاقل يعقل السماء بصورة في عقله، ويكون معقوله السماء، [و] (1) لا ينظر حينئذ في الصورة التي بها يعقل السماء، ولا يحكم عليها بحكم، بل يعقل أنّ المعقول بتلك الصورة هو السماء وهو جوهر.ثمّ إذا نظر في تلك الصورة، أي يجعلها معقولاً (2)منظوراً إليها، لا آلة في النظر إلى غيرها، وجدها عرضاً موجوداً في محلّ هو عقله ممكن الوجود (3). وهكذا «الإمكان» هو كآلة للعاقل بها يعرف حال الممكن في أنّ وجوده كيف يعرض لماهيته، ولا ينظر في كون الإمكان موجوداً أو غير موجود، أو جوهراً أو عرضاً أو واجباً أو ممكناً.ثمّ إن نظر في وجوده أو إمكانه أو وجوبه أو جوهريّته أو عرضيّته، لم يكن بذلك الاعتبار إمكاناً لشيء، بل كان عرضاً في محلّ هو العقل، وممكناً في ذاته، ووجوده غير ماهيته. وإذا تقرّر هذا، فالإمكان من حيث هو إمكان لا يوصف بكونه موجوداً أو غير موجود أو ممكناً أو غير ممكن. وإذا وُصِفَ بشيء من ذلك لا يكون حينئذ إمكاناً، بل يكون له إمكان آخر»(4) .

وهذا الكلام على طوله لا يفيد مطلوبه، بل هو تسليم لما قلناه، فإنّه إذا كان أمراً عقلياً كان عدمياً في الخارج لا تحقّق له فيه، وهو المراد.


1 . ما بين المعقوفتين من المصدر .
2 . كذا.
3 . وهكذا ورد في تفسير حقيقة الدنيــا وذمّها «من أبصر بها بصّـرته ومن أبصر إليها أعمته» خذ واغتنم، نهج البلاغة خطبة 82.
4 . نقد المحصل: 107 ـ 108;شرح الاشارات 3: 104ـ 105.


(115)

ثمّ قوله: «إذا اعتبر العقل للإمكان ماهيةً ووجوداً حصل فيه إمكان امكان»، إن قصد بذلك ثبوت وجود خارجي لزم التسلسل، ولم يكن اعتباراً عقليّاً، وهو ضد ما قاله أوّلاً. وإن قصد بذلك ثبوت وجود ذهني، فهو مسلّم، ونحن لا نتنازع في الثبوت الذهني. وإن قصد أنّه موجود في الخارج باعتبار كونه ثابتاً في الذهن ويعرض له حينئذ إمكان آخر ذهني، فهو تسلّم (1) لما قلناه أيضاً.

الوجه الثاني: لو كان الإمكان ثبوتياً لزم أحد محالات أربعة: إمّا كون الإمكان جوهراً، أو قيام الموجود بالمعدوم، أو قيام الصفة بغير الموصوف، أو سبق الوجود على الإمكان، والكلّ باطل، فالمقدم كذلك.

بيان الشرطية: أنّ الإمكان الثابت للحادث إمّا أن يثبت قبل وجوده أو لا. فإن كان الثاني، لزم سبق الوجود على الإمكان. وإن كان الأوّل، فإمّا أن يكون قائماً بذاته فيكون جوهراً، إذ لا معنى للجوهر إلاّ المستغنى في وجوده عن محلّ يقومبه.(2) وأمّا أن يكون قائماً بغيره، فذلك الغير إمّا الموصوف، فيلزم قيام الموجود بالمحلّ المعدوم، أو غيره (3)، فيلزم قيام الصفة بغير موصوفها. وأمّا بطلان الأقسام فظاهر، فإنّ الإمكان أمر نسبي يتوقّف على ثبوت المنتسبين، فلا تعقل جوهريّته وقيامه بذاته واستقلاله بالوجود عن محلّه. والضرورة قاضية بسبق الإمكان على الوجود، فإنّ الشيء يمكن أن يوجد، ثمّ يوجد بفاعله. ولا يصحّ أن يقال: يوجد، ثمّ يمكن وجوده. ولو جوّزنا قيام الموجود بالمعدوم، لجوّزنا كون الأجسام عدمية، لأنّ المشاهد منها ليس إلاّ الأعراض، وذلك عين السفسطة. ولو جوّزنا قيام الصفة بغير الموصوف، لجوّزنا أن يكون زيد عالماً قادراً ذا لون مخصوص وكم


1 . م: «مسلّم».
2 . ق و ج:« يقوّمه».
3 . في جميع النسخ: «بغيره»، و أصلحناه طبقاً للمعنى و السياق.


(116)

مخصوص بعلم وقدرة ولون ،وكم قائمة بالغير، وذلك ظاهر البطلان.

اعترضه أفضل المحقّقين (1) بأنّ «إمكان الشيء قبل وجوده حالّ في موضوعه»، فإن معناه كون ذلك الشيء في موضوعه بالقوّة، وهو صفة للموضوع من حيث هو فيه، وصفة للشيء (2) من حيث هو بالقياس إليه. فبالاعتبار الأوّل يكون كعرض في موضوع، وبالاعتبار الثاني يكون كإضافة لمضاف إليه (3)، ولمّا لم يكن وجود مثل هذا الشيء إلاّ في غيره لم يمتنع أن يقوم إمكانه أيضاً بذلك الغير»(4). ولأنّ الإمكان صفة للمتصوّر المستند إلى الوجود الخارجي، والشيء حال عدمه يكون متصوّراً، فيكون موصوفاً بالإمكان.

والجواب: أنّ موضوع الشيء مغاير له، فلا يعقل قيام صفة الشيء به.

اللّهم إلاّ أن يقول: إنّ الموضوع لمّا كان محلاّ ً للشيء كان محلاّ ً لصفاته، فنقول حينئذ يستحيل قيام تلك الصفات بذلك الموضوع بالاستقلال، وإنّما تقوم به (5) تبعاً لقيام موصوفها به، لكن قيام موصوفها به يستدعي وجوده، فيلزم أن يكون قبل وجوده لا صفة له في موضوعه.

ثمّ قوله: «إنّه صفة للموضوع من حيث هو فيه، وصفة للشيء (6) من حيث هو بالقياس إليه» ضعيف; فإنّ الشيء الواحد لا يمكن أن يكون وصفاً لأمرين


1 . لا يغفل عن محط النظر في كلمات الطوسي وهو الإمكان الاستعدادي، وقد تبتني عليه أكثر أجوبته في هذا البحث.
2 . ق وج: «الشيء».
3 . ق وم:«المضاف إليه». وما أثبتناه في ج والمصدر.
4 . ولابدّ من التوجّه إلى أنّ هذا الغير ليس أجنبيّاً، شرح الإشارات 3: 106، وقوله: «ولأنّ الإمكان الخ» غير موجود فيه.
5 . ق: «له».
6 . ق: «الشيء».


(117)

متغايرين، بل إنّما هو صفة للمنسوب إليه، فلا يعقل قيامه بالاستقلال في موضوعه.

وقوله: «ولمّا لم يكن وجود مثل هذا الشيء إلاّ في غيره، لم يمتنع أن يقوم إمكانه أيضاً بذلك الغير» ضعيف; لأنّ إمكانه إنّما يقوم بذلك الغير تبعاً لقيامه بذلك الغير كما بيّنا. ثمّ تخصيص الإمكان بالقائم بالغير ممنوع، فإنّ كل حادث على الإطلاق يسبقه إمكان حدوثه.

لا يقال: الحوادث منحصرة في الصور والأعراض والمركّبات.

لأنّا نقول: سيأتي بطلان ذلك في باب الحدوث إن شاء اللّه تعالى.

وقوله: «الإمكان صفة للمتصوّر المستند إلى[الوجود] الخارجي، والشيء حال عدمه يكون متصوّراً، فيكون موصوفاً بالإمكان» تسليم (1) للمنازع، فإنّا ما سعينا إلاّ لإثبات كون الإمكان أمراً اعتبارياً لا تحقّق له في الخارج.

الوجه الثالث: لو كان الإمكان ثبوتياً لزم تأخّر الشيء عن المتأخّر عنه، والتالي باطل بالضرورة، فالمقدم مثله.

بيان الشرطية: أنّ الإمكان أمر إضافي، متوقّف وجوده على وجود مضافيه، فيكون متأخراً عن ثبوت الماهية والوجود، فيكون الوجود المتأخّر عن الإمكان متقدّماً عليه، هذا خلف (2).

اعترضه أفضل المحققين: بأنّ الإمكان من حيث كونه صفة إضافية إنّما يتحقّق عند ثبوت المضافين (3)، ولكن يكفيه ثبوتهما في العقل، ولا يجب من ذلك تقدمهما عليه في الخارج، لكنّه من حيث تعلّق معروضيه الثابتين في العقل بأمر


1 . م: «مسلّم»، و هو خطأ.
2 . المباحث المشرقية 1:214; شرح الإشارات 3: 106ـ 107.
3 . وفي المصدر: «المتضائفين».


(118)

وجوديّ في الخارج يستدعي لا محالة موضوعاً موجوداً في الخارج (1).

وليس بجيّد، فإنّ الإضافات تابعة لوجود المضافات، فإذا كانت الإضافة ثابتة في الخارج، وجب ثبوت مضافها فيه.وإذا ثبت المضافان في العقل استحال ثبوت الإضافة في الخارج، فلا يكون للإمكان ثبوت في الخارج، بل في العقل، وهو المطلوب.

قوله: «لكن من حيث تعلّق معروضيه الثابتين في العقل بأمر وجودي في الخارج، يستدعي لا محالة موضوعاً موجوداً في الخارج» ضعيف، فإنّ معروضيه هما الماهية والوجود، وهما عقليان على ما فرضهما، فكيف يتعلقان بأمر خارجي قبل وجودهما فيه.

الوجه الرابع: لو كان الإمكان ثبوتياً لزم تسلسل المواد وثبوت المادة للمجرّدات، والتاليان باطلان، فالمقدم كذلك (2).

بيان الشرطية: أنّ الصور والأعراض كما أنّها ممكنة، كذلك المواد والنفوس والعقول ممكنة أيضاً، فإن استدعى الإمكان الأوّل موضوعاً، استدعى الثاني.

اعترضه أفضل المحقّقين: بأنّ كلّ إمكان فهو بالقياس إلى وجود. والوجود إمّا بالعرض كوجود الجسم أبيض (3) ، أو بالذات كوجود البياض. أمّا الإمكان بالقياس إلى وجود بالعرض (4)، فهو يكون للشيء بالقياس إلى وجود شيء آخر له، أو بالقياس إلى صيرورته موجوداً آخر، كما يقال: الجسم يمكن أن يكون أبيض،


1 . شرح الإشارات 3: 107.
2 . المصدر نفسه، وقد نشأ الإشكال من الخلط بين الإمكانين الذاتي والاستعدادي.
3 . في المصدر: «الأبيض» وهو من خطأ الناسخ. فيقال: إمكان وجود الجسم أبيض، بقياس الإمكان إلى وجود بالعرض.
4 . م:«العرض».


(119)

أو يوجد له البياض، أو يقال: الماء يمكن أن يصير هواء، والمادة يمكن أن تصير موجودة بالفعل (1). وظاهر: أنّ جميع هذه الإمكانات محتاجة إلى موضوع موجود معها، وهو محلّها (2) .وأمّا الإمكان بالقياس إلى وجود بالذات، فيكون للشيء بالقياس إلى وجوده. ولا يخلو إمّا أن يكون ذلك الشيء ممّا يوجد في موضوع، أو مادّة، (3) أو مع مادّة (4)، كما يقال: البياض يمكن أن يوجد أو يكون، وكذلك الصورة والنفس. وحكم هذا الإمكان في الاحتياج إلى موضوع حكم القسم الأوّل(5)، ويكون موضوعه حامل وجود ذلك الشيء. وأمّا ما لا يكون كذلك، بل يكون ذلك الشيء قائماً بنفسه، لا علاقة له بشيء من الموضوع والمادة، فإنّه لا يكون محدثاً، وإلاّ لسبقه إمكانه. ولا يمكن أن يتعلّق بموضوع دون موضوع، إذ لا علاقة له بشيء. فإمكانات الحوادث تكون قبل وجودها، ويعبّـر عنها بالقوّة، فيقال: هذه الموجودات في موادّها بالقوّة، وهي تختلف بالبُعد والقُرب، ويزول عنها مع خروج الوجودات (6)من القوّة إلى الفعل. وإنّما يقع اسم الإمكان عليها بالتشكيك. وأمّا إمكان (7)الموجودات الممكنة في أنفسها، فهي أُمور لازمة لماهيّاتها عند تجرّدها عن الوجود والعدم بالقياس إلى وجوداتها، وكذلك الوجوب والامتناع.

فقد ظهر الفرق بين الإمكانين عند تعلّقهما بما في الخارج، وأنّ إمكان مثل


1 . والمادة قبل انطباع الصورة فيها تكون بالقوّة بالنسبة إليها.
2 . عبّـر بـ «المحلّ» لأنّه إسم مشترك بين الموضوع للعرض، والمادة للصورة.
3 . في المصدر: «أو في مادة».
4 . وهي النفس التي ليست منطبعة في المادة كالصورة، ولذا قال:«مع مادّة».
5 . أي الإمكان بالقياس إلى وجود بالعرض.
6 . في المصدر: «الموجودات».
7 . هذا هو الإمكان الذاتي، وما مرّ في عباراته السابقة هو الإمكان الاستعدادي.


(120)

هذه الأشياء المجرّدة صفة لماهيّاتها المجرّدة عن الوجود والعدم في العقل، وهي من حيث ثبوتها في العقل موضوع. والإمكان بهذا الإعتبار، كعرض في موضوع، وهو أيضاً صفة لوجوداتها، ويكون بهذا الإعتبار كاضافة لمضاف إليه(1).

والجواب: قد بيّنا ضعف حلول إمكان الشيء في موضوعه، للتغاير بينالموضوع والحال، إلاّ على سبيل التبعيّة، وحينئذ يلزم المحذور الذي فرّ منه(2).

وقوله (3): «ما لا يكون كذلك لا يكون محدثاً وإلاّ لسبقه إمكانه».

قلنا: الإمكان سابق إمّا بالزمان أو بالذات قطعاً، لكن لا في الخارج، لما بيّنا من كون الإمكان أمراً اعتبارياً، وجعل الإمكان واقعاً بالتشكيك لا يفيده شيئاً (4) على تقدير ثبوته. وباقي كلامه سبق جوابه.

الوجه الخامس: لو كانت الإمكانات ثبوتية لزم وجود ما لا يتناهى دفعة مع ترتيب عقلي، والتالي باطل ـ لما سيأتي في بطلان التسلسل ـ فالمقدم مثله.

بيان الشرطية: أنّ الحوادث غير متناهية في المستقبل، فتكون لها إمكانات لا تتناهى، ولمّا كانت الحوادث مترتبة ترتّبت (5) إمكاناتها، وهو محال. ثمّ نقول هذه الإمكانات لا يمكن اجتماعهـا، فإنّ الإمكـان ـ من حيث طبيعـة الإمكـانـ لا تختلف أفراده، و من حيث المادة الحاملة لها لم تختلف، فليس اختلاف الإمكانات الغير المتناهية إلاّ لاختلاف ما هي امكاناته، وهي الحوادث المعدومة، ويستحيل


1 . م: «بمضــاف إليه». انتهى كلام الطوســي، شــرح الإشــارات 3: 99ـ 108، مع تلخيص العبارات.
2 . م: «فرضه».
3 . أي قول الطوسي الذي مرّ آنفاً.
4 . ق: «يفيد شيئاً».
5 . ق:«ترتيب» و هو من خطأ الناسخ.


(121)

امتياز الإمكانات بالإضافة إلى أشياء معدومة، ولا يمكن امتيازها باعتبار الذهن، فإنّ الأشياء المتحصلة في الأعيان يجب امتيازها بأُمور عينية لا ذهنية.

ونقول أيضاً: هذه الإمكانات التي لا تتناهى إذا كانت حالّة في مادّة، وقسمناها بنصفين، فإن بقى في كلّ واحد إمكانات غير متناهية هي بعينها الإمكانات الأُولى لزم قيام الشيء الواحد بمحلّين، وهو غير معقول. وإن حدث في كلّ واحد منهما إمكانات أُخر غير متناهية، احتاجت عندكم إلى إمكانات أُخر غير متناهية. وإن بقي في كلّ واحد منهما إمكانات متناهية، كان المجموع متناهياً. ولو كانت الإمكانات ثبوتية، لكانت إمّا غنية عن المؤثّر أو محتاجة إليه، والقسمان باطلان، فالمقدم باطل.

بيان استحالة الأوّل: أنّ كلّ موجود لا يكون واجب الوجود فهو محتاج إلى السبب.

وبيان استحالة الثاني: أنّ المؤثّر إمّا تلك الماهية أو شيء آخر، والثاني محال، لأنّ الأمر الخارجي لا يعطي صفة للشيء إلاّ بعد أن يكون ذلك الشيء قابلاً لها، فإذن هذه الإمكانات إنّما تفيض عن واهبها بعد أن تكون الماهية قابلة لها، وذلك القبول هو الإمكان، فقبل الإمكان إمكان آخر، ويتسلسل إلى أن ينتهي إلى إمكان لا يحصل من الفاعل الخارجي، والأوّل محال، أمّا أوّلاً: فلاستحالة كون الشيء قابلاً وفاعلاً معاً عندهم. وأمّا ثانياً: فلأنّ العلّة متقدمة على المعلول في الوجود، فلو كانت الماهية علّة لوجود الإمكان لكانت الماهية موجودة قبل وجود إمكانها، وهو باطل. وأمّا ثالثاً، فلأنّ الإمكان سابق على الوجود، فيلزم وجود الوصف قبل وجود الموصوف، وهو باطل.


(122)

البحث الخامس: في كيفيّة عروض الإمكان (1)

الإمكان أمر عقلي واضافة ذهنية يحكم به العقل على الغير عند قياسه إلى وجوده أو إلى وجود شيء آخر له، لا مطلقاً; فإنّه لا يحكم به على الواجب لذاته، ولا على الممتنع لذاته، وإنّما يحكم به على ماهية لا يجب لها أحد الأمرين، أعني الوجود أو العدم، فإذا نسب العقل الوجود إلى هذه الماهيّة حكم لها بجوازه، ثمّ لو فرض العقل هذه الماهية مقترنة(2) مع وجودها، أو وجود سببها، أو مع عدمها، أو عدم سببها، لم يحكم بهذه الإضافة أيضاً، فإنّ الماهية مع الوجود تصير واجبة، وكذا مع وجود سببها. وإذا أُخذت مع العدم صارت ممتنعة، وكذا مع عدم سببها، وإن كان الوجوب والإمتناع هنا غير ذاتيين، إلاّ أنّهما ينافيان جواز الوجود والعدم، فالحكم بالإمكان على الماهية، إنّما يكون مع فرض الماهية خالية عن جميع الإعتبارات، لا بشرط الخلو أيضاً، بل من حيث هي هي بالنسبة إلى وجودها أو عدمها، فإنّ الماهية من حيث هي هي لا يلزم من فرض وجودها ولا من فرض عدمها محال أصلاً.

وقد اعترض بوجوه (3):

الأوّل: عروض الإمكان غير معقول، لأنّه أمر نسبي لا يعقل إلاّ بين شيئين، فالماهية من حيث هي هي لا يمكن وصفها به، إذ ليس هنا إلاّ شيء واحد. والوجود أيضاً أمر واحد، فيستحيل عروض الإمكان له. والنسبة الحاصلة بينهما


1 . راجع البحث في المباحث المشرقية 1: 216ـ217.
2 . ق: «متقومة».
3 . وهي أربعة، انظر الوجه الأوّل، في المباحث المشرقية، وفي المحصل جعلها ثلاثة بادغام الوجه الثاني في الأوّل. نقدالمحصل: 104.


(123)

أيضاً أمر واحد، فلا يعرض لها الإمكان. وإذا استحال وصف كلّ واحد من هذه الثلاثة بالإمكان، استحال وصف المجموع به.

وبالجملة المفردات لا يعرض لها الإمكان، لأنّه أمر نسبيّ لا يعرض لها. والمركب واجب الحصول عند وجود مفرداته، فلا يعرض له الإمكان، فإنّ المركّب(1) عبارة عن مجموع تلك المفردات.

الثاني: الوجود إن كان نفس الماهية استحال عروض الإمكان لها; لاستحالة الحكم بجواز كون الماهية ليست تلك الماهية، فإنّ معنى قولك «الماهية يمكن أن تكون موجودة، وأن تكون معدومة» أنّ الماهية يمكن أن تكون تلك الماهية وأن لا تكون. والموجود يصحّ أن يكون موجوداً، وأن يكون معدوماً، مع أنّ قولنا «الموجود يصحّ أن يكون موجوداً» إن جعلنا الموضوع والمحمول واحداً، كان الأمر النسبي الذي لا يعقل إلاّ بين اثنين، عارضاً للشيء الواحد، هذا خلف. وإن تغايرا لزم كون الموجود الواحد موجوداً مرتين. وقولنا «الموجود يصحّ أن يكون معدوماً» حكم على الموجود بالمعدوم. والمحكوم عليه لابدّ وأن يكون ثابتاً حال ثبوت المحكوم به، والموجودية لا يعقل تقرّرها حال ثبوت المعدوميّة.

وإن كان الوجود غيرها، فالموصوف بالإمكان إمّا المفردات أو المركّب، والقسمان باطلان على ما تقدم (2).

الثالث: المحكوم عليه بالإمكان إمّا أن يكون موجوداً أو معدوماً، والقسمان باطلان، فالحكم بالإمكان باطل.

أمّا بطلان كونه موجوداً، فلأنّه حال الوجود لا يقبل العدم، لاستحالة الجمع بين الوجود والعدم. وإذا لم يقبل العدم لم يقبل إمكان الوجود والعدم.


1 . م: «التركيب» والصواب ما في المتن من نسخة: ق.
2 . آنفاً في الوجه الأوّل.


(124)

وأمّا بطلان كونه معدوماً، فلأنّه حال العدم لا يقبل الوجود، فلا يقبل العدم والوجود، فلا يكون ممكناً.

وإذا لم تنفك ماهية الممكن عن هذين التقديرين، وكلّ واحد منهما مناف للإمكان، لم تنفك ماهيته(1) عن المنافي للإمكان، فلا تحقّق للإمكان لاستحالة الجمع بين المتنافيين. و لأنّ الممكن إمّا أن يحضر معه سبب وجوده أو لا. والأوّل واجب، والثاني ممتنع، فلا إمكان.

الرابع: لو كان الشيء ممكناً، لكان إمكانه إمّا أن يكون ثبوتياً أو عدميّاً، والقسمان باطلان، فالقول بالإمكان باطل، أمّا الأوّل فلأنّه لو كان ثبوتياً لزم التسلسل، أو وجوب الممكن. وأيضاً يلزم حلول الموجود في المعدوم، أو قيام الصفة بغير الموصوف، وأمّا الثاني، فلأنّه نقيض [ اللاإمكان] (2)المحمول على المعدوم، فيكون (3) معدوماً، فيكون الإمكان ثبوتياً.

والجواب عن الأوّل: المنع من استحالة وصف المجموع به، فإنّ الإضافات بأسرها يمتنع عروضها للآحاد وهي عارضة للمجموع.

وعن الثاني: بأنّ الإمكان يعرض للماهية من حيث هي هي، لا بمعنى أن نفرض الماهية متقرّرة، ثم يعرض لها إمكان التقرّر وعدمه. فإنّ (4) مع فرض التقرّر، تكون الماهية واجبة غير ممكنة، بل بمعنى أنّ الماهية إذا فرضت كانت تلك الماهية، وإن لم تفرض لم تكن ماهية.

ثمّ إنّ هذه الشبهة تُبطل الحملَ مطلقاً، فإنّا إذا قلنا: السواد موجود، فإن


1 . ق: «ماهية».
2 . في النسخ:«الامكان» و هو خطأ النساخ.
3 . أي «اللا إمكان».
4 . ق:«فيه مع».


(125)

كان الموجود عين كونه سواداً، كان جارياً مجرى قولنا: السواد سواد، وإن كان مغايراً سقنا ما قالوه هنا.

والأصل في ذلك، أنّ من يجعل الوجود عين الماهيّة يريد بقوله: «الماهية يصحّ أن تكون موجودة وأن تكون معدومة» أنّ من الممكن أن يحدث ما يسمّى بعد حدوثه تلك الماهية، ويصحّ أن تعدم تلك الماهية.ومن يذهب إلى المغايرة (1) لا يريد أنّ المعدوم يمكن أن يصير موصوفاً بالوجود، وهو معدوم، بل من حيث هوهويصحّ أن يكون مورداً للصفتين معاً.و(2) معناه أنّ الماهيّة الموصوفة بالعدم، يمكن أن تزول [عنها] (3) صفة المعدوميّة، وتحدث بعدها لها صفة الوجود.

فقولنا: «السواد يمكن أن يوجد» معناه: أنّ الماهيّة التي لا يعتبر معها وجود ولا عدم، يمكن أن ينضاف إليها صفة الوجود. وأيضاً هذا إنّما يرد على من يقول: «الشيء حال وجوده يمكن وجوده، أو حال عدمه يمكن عدمه» أمّا من يقول: «الشيء حال وجوده يمكن أن يصير معدوماً في الزمان الثاني منه»، لا يلزم ذلك.

اعترض (4) باستحالة الإمكان الاستقبالي (5); لأنّا إذا حكمنا على الموجود في الحال، بامكان عدمه في الاستقبال، فإمّا أن يقال: إمكان العدم الاستقبالي حاصل في الحال، أو يقال: إمكان العدم الاستقبالي لا يحصل إلاّ في الاستقبال، والأوّل محال; لأنّ العدم في الاستقبال من حيث إنّه في الاستقبال موقوف على حصول الاستقبال، وحصول الاستقبال محال في الحال، فحصول العدم في الاستقبال من حيث إنّه عدم استقبالي، موقوف على حصول شرط محال وهو


1 . أي مغايرة الوجود للماهية.
2 . م: «بل».
3 . م: «عند» ق: «عنه»، والصواب ما أثبتناه.
4 . والمعترض على الجواب الأخير هو الرازي . نقد المحصل:108.
5 . ق: «إلى الاستقبالي» ، والزيادة من تصحيف الناسخ.


(126)

حصول الاستقبال في الحال، والموقوف على المحال محال، فالعدم الاستقبالي ممتنع الحصول في الحال، وإذا استحال حصول «العدم في الاستقبال» في الحال لم يكن في الحال ممكن الحصول، بل كان حصوله حاصلاً في الاستقبال، لا في الحال.

لا يقال: إنّه بهذا الشرط، وإن كان ممتنع الحصول في الحال (1) لكنّه لا من هذه الحيثية (2) غير ممتنع في الاستقبال، ونحن إنّما أثبتنا هذا الإمكان بالنسبة إلى الاستقبال.

لأنّا نقول: الإمكان نسبة لا توجد إلاّ بعد وجود المنتسبين، والإمكان بالنسبة إلى الاستقبال لا يحصل إلاّ عند الاستقبال، فحصوله في الحال محال. وإذا استحال اجتماع هذين المنتسبين استحال تحقق هذه النسبة.

وإن كان إمكان العدم الاستقبالي، لا يحصل إلاّ عند حضور (3) الاستقبال، كان ذلك حكماً بالإمكان على الشيء بالنسبة إلى زمانه الحاضر; لأنّ الاستقبال عند حضوره يصير حالاً، ويعود الإشكال.

سلّمنا (4) الإمكان الاستقبالي، لكنّ الإشكال باق، فإنّ قولنا: «إنّه في الحال يمكن أن يصير معدوماً في الاستقبال» يقتضي إمكان صيرورة هويّته محكوماً عليه بالعدم، فإن كانت هويته عين الوجود، كان ذلك حكماً باتّصاف الوجود بالعدم، ويعود الاشكال (5).

أجاب أفضل المحققين: بأنّ تصوّر الاستقبال في الحال معقول. والماهية لا من حيث هي موجودة أو غير موجودة، مستندة إلى الوجود الخارجي في الاستقبال،


1 . بدل هذه العبارة في المصدر: «إنّه وإن كان هذا الشرط ممتنع الحصول في الحال».
2 . قوله:«لا من هذه الحيثية» ليس في المصدر.
3 . ق وج: «حصول».
4 . هذا هو الوجه الثاني من أصل الاعتراض.
5 . انتهى كلام الرازي، وفي نقل العبارات اختلافات يسيرة، فمن أراد الوقوف عليها فليراجع.


(127)

أو إلى عدمه، ليس بمتعذّر التعقّل. والإمكان الاستقبالي هو الذي يلحق ذلك المتصّور عند ذلك الإسناد، والنظر في أنّ إمكان العدم يحصل في الحال أو في الاستقبال ليس نظراً في الإمكان من حيث كونه إمكاناً، بل فيه من حيث إنّه صورة في العقل، وهو حاصل في وقت التعقّل من حيث هي (1) صورة عقليّة، ومتعلق بالاستقبال من حيث هو إمكان، ولا يلزم منه محال.

وأمّا «أنّ الإمكان نسبة إضافية لا تتحقق إلاّ عند تحقّق المنتسبين»، فقد ظهر أنّ منتسبيه حاصلان في التصوّر ، متعلّقان بالاستقبال.

وقوله: «إمكان العدم الاستقبالي لا يحصل إلاّ عند حضور الاستقبال» فباطل، لأنّه لا يتوقف على حضور الاستقبال، بل يتوقف على تصوّر الإستناد(2).

وعن الثالث: أنّ المحكوم عليه بالإمكان، الماهية من حيث هي هي، لا باعتبار كونها موجودة، ولا باعتبار كونها معدومة، فإن أخذ الماهية من حيث هي هي مغاير لأخذها من حيث إنّها موجودة أو معدومة، وإن كان الإمكان لا يعقل إلاّ بالنسبة إلى أحدهما، لكن إذا نسبنا أحدهما، فإنّما ننسبه إلى الماهيّة من حيث هي هي، لا من حيث أحدهما. وكون الماهية لا تخلو في نفس الأمر أو في الخارجعن(3) اعتبار الوجود والعدم (4)، لكنّها من حيث هي هي خالية عنهما، أي لا يجب أخذ أحدهما معها، وهناك يعرض لها الإمكان إذا نسبت إلى أحدهما.

والأصل في ذلك: أنّ القسمة في قوله: «المحكوم عليه بالإمكان إمّا أن يكون


1 . ق: «هو».
2 . كذا في المخطوطات، وفي المصدر: «الإستقبال». أُنظر نقد المحصل: 110.
3 . ق: «من».
4 . العبارة كذا.


(128)

موجوداً أو معدوماً» غير حاصرة، فإنّ المفهوم منه أنّ المحكوم عليه بالإمكان إمّا أن يكون مع الوجود أو مع العدم، ويبقى قسم آخر وهو أن لا يكون مع أحدهما.

وقوله: «الممكن إمّا يحضر معه سبب وجوده أو لا، والثاني ممتنع».

قلنا: ممنوع، فإنّ قولنا: «لم يحضر» يحتمل أن يحضر معه: لم يحضر سبب وجوده، أو لم يحضر لا سبب وجوده ولا لم يحضر سبب وجوده الذي هو سبب عدمه، فالقسمة غير مستوفاة (1).

وعن الرابع: أنّ الإمكان اعتبار عقلي يعتبره الذهن عند مقايسة الماهية إلى الوجود. وحكمه في الثبوت والانتفاء واحد. وليس له تحقق في الخارج، فإنّه لا ماهية متأصّلة في الخارج يقال لها «إمكان» و «لكون (2) نقيضها محمولاً على المعدوم» لا يقتضي كونها ثبوتية، فإنّه بعينه آت في الامتناع، وإذا حمل الإمكان (3) على المعدوم، لا يكون ذلك الحمل كلياً، فإنّ بعض المعدومات غير ممكن، وبعضها ممكن. ولا يلزم من «كون اللا إمكان عدمياً، كون الإمكان وجودياً»، فإنّ الإنسان وجودي وبعض اللا إنسان أيضاً وجودي، وكذا اللا ممكن عدمي وبعض الممكنات عدمي.

تذنيب (4): الإمكان للممكن واجب، وإلاّ لأمكن زواله، فينقلب الممكن واجباً أو ممتنعاً، هذا خلف. ولأنّ الإمكان لو كان ممكناً للممكن لافتقر ثبوته له إلى سبب، لكن تأثير المؤثّر فيه مسبوق بالإمكان، فيكون هو مسبوقاً بنفسه، هذا خلف.


1 . نقد المحصل: 106.
2 . كذا في جميع النسخ، و لعلّ الصحيح:«كون».
3 . كذا في جميع النسخ، ولعلّ الصحيح :«اللا إمكان».
4 . راجع المباحث المشرقية 1: 225.


(129)

وفيه نظر; فإنّ السابق هو إمكان الإمكان، والمسبوق هو إمكان الممكن، وهما متغايران.

ولأنّ الإمكان لو كان ممكناً للممكن، لكان إمكان الإمكان زائداً عليه ويتسلسل. ولا نعني بالوجوب هنا الوجوب الذاتي، بل نعني به أنّ الإمكان وصف لازم للممكن، لا يعقل انفكاكه عنه.

تنبيه: مِنَ الإمكان ما هو لازم للماهيّات وهو الذاتي. ومنه عارض وهو الإستعداد، وهو قابل للشدّة والضعف. وجعله الأوائل نوعاً من الكيف، ثبوتياً في الأعيان. والأدلّة السابقة تبطله.

البحث السادس: في أنّ الممكن محتاج إلى المؤثّر (1)

هذا الحكم قطعي قد اتفق عليه العقلاء، لكن اختلفوا، فالمحققون على أنّه بديهيّ (2)، وقال آخرون ـ قَصُـرت أفكارهم عن إدراك اليقين ـ: إنّه كسبي.

والحقّ: الأوّل، فإنّ العقل قاض بأنّ الشيء إذا كانت نسبة الوجود والعدم إليه على السوية، امتنع رجحان أحدهما على الآخر إلاّ لمرجّح، ولهذا فإنّ كلّ عاقل إذا أحسّ بحدوث شيء في وقت معيّـن، طلب لحدوثه علّة وسبباً.

أمّا القائلون بأنّه استدلالي; فقد استدلّوا عليه بوجهين (3):

أ: ماهية الممكن لمّا كانت مقتضية للاستواء، فلو حصل الرجحان أيضاً، لاجتمع النقيضان وهو محال.


1 . اُنظر نقد المحصل: 111 وما بعدها; المباحث المشرقية 1: 218ـ222; المواقف: 71 وما بعدها.
2 . لاحظ الفصل السادس من المقالة الأُولى من إلهيّات الشفاء; الأسفار 2: 207; تجريد الاعتقاد، مع شرح العلامة، المسألة الثالثة والأربعون.
3 . المواقف: 71ـ 72.


(130)

ب: الممكن هو الذي يكون الوجود والعدم بالنسبة إليه على السواء، والشيء الذي يكون كذلك، يمتنع أن يوجد إلاّ بعد أن يصير وجوده راجحاً على عدمه، فذلك الرجحان سابق على وجوده، فيمتنع أن يكون محلّ ذلك الرجحان هو وجوده، فإنّه لو كان الوجود محلَّه، لكان متأخراً عن وجوده، لكنّا بيّنا أنّه متقدم على وجوده، فيدور.فإذن ذلك الرجحان يجب أن يكون صفة لشيء آخر يلزم من وجودِه وجودُه، وذلك هو المؤثر. فإذن كلّ ممكن مفتقر إلى المؤثر. وهما ضعيفان.

أمّا الأوّل، فلأنّ اجتماع النقيضين، إنّما يلزم لو اقتضت الماهية الاستواء والرجحان معاً.

أمّا إذا اقتضت الاستواء وحصل الرجحان لا لمؤثر هو الذات ولا غيرها لم يلزم التناقض.

وأمّا الثاني، فلأنّا نمنع كون المتساوي يمتنع أن يوجد إلاّ بعد أن يصير وجوده راجحاً على عدمه، فإنّه نفس النزاع.

سلّمنا، لكنّا نمنع كون محلّ الرجحان هو الفاعل، فإنّ الرجحان صفة للوجود، ولا يعقل قيامها بغيره، وكما أنّ الممكن لا يوجد إلاّ إذا وجب، كذا المؤثّر لا يؤثّر إلاّ إذا وجب تأثيره فيه، فرجحان التأثير غير رجحان الأثر، والرجحان ليس أمراً خارجياً، بل هو اعتبار ذهني، كما أنّ التساوي (1) أعني الإمكان كذلك.

وقد اعترض بوجوه (2):

الوجه الأوّل:

الحكم بافتقار الممكن إلى المرجّح، إمّا أن يكون ضروريّاً أو نظريّاً، والقسمان


1 . م: «المتساوي».
2 . أي اعترض على أصل حاجة الممكن إلى المؤثر والمرجّح.


(131)

باطلان. فالحكم بالافتقار باطل.

أمّا بطلان الأوّل، فلأنّه لو كان ضروريّاً لاشترك العقلاء فيه، لاشتراك العقلاء في الضروريات. ولمّـا اختلف فيه العقلاء، فذهب بعضهم إلى نفيه، وبعضهم إلى أنّه استدلالي، وبعضهم إلى أنّه ضروري: امتنع كونه ضروريّاً.

ولأنّا إذا عرضنا على عقولنا هذه القضية، و أنّ الواحد نصف الإثنين، وجدنا بينهما تفاوتاً، وأنّ الثانية أظهر، والتفاوت إنّما يكون لو تطرّق الاحتمال إلى المرجوح، وإذا تطرّق احتمال النقيض على الحكم، لم يكن ضرورياً، بل ولا يقينياً.

وأمّا الثاني، فلأنّه لا برهان قطعي على ذلك.

الوجه الثاني:

لو افتقر الممكن إلى المؤثر، لكان تأثير المؤثر في ذلك الأثر (1) إمّا أن يكون وصفاً ثبوتياً أو لا، والقسمان باطلان، فالقول بالمؤثرية باطل.

أمّا بطلان الأوّل، فلأنّ ثبوته إن كان في الذهن دون الخارج، كان جهلاً، كمن يعتقد «أنّ العالم قديم» وليس كذلك في نفسه، فلو كان حكم الذهن بالمؤثرية غير مطابق للخارج، كان جهلاً، فلا يكون الشيء مؤثراً في نفسه. ولأنّ كون الشيء مؤثراً في غيره، صفة لذلك الشيء، فلا يعقل قيامها بالذهن المغاير له، وتكون حاصلة قبل الأذهان.

وإن كان ثابتاً في الخارج، فإن كان نفس المؤثر أو الأثر لزم الدور، لأنّ التأثير أمر نسبي، لا يعقل إلاّ بين ذات المؤثر وذات الأثر، والأُمور النسبية متأخرة عن المنتسبين، والمتأخر مغاير. ولأنّا قد نعقل ذات المؤثر وذات الأثر، مع الشك في كون المؤثر مؤثراً في الأثر، كما إذا علمنا قدرة اللّه تعالى وعلمنا العالم قبل العلم


1 . ق: «الأمر».


(132)

بتأثير القدرة في العالم. ولأنّا نَصِف المؤثر بأنّه مؤثر في ذلك الأثر، والوصف مغاير للموصوف. ولأنّا نعلّل الأثر بكون المؤثر أثّر فيه، لا بذات الأثر، فنقول: إنّما وجد الأثر، لأنّ اللّه تعالى أوجده، ولا نقول: إنّما وجد الأثر، لأنّ اللّه تعالى موجود، فاذن المؤثرية مغايرة للمؤثر والأثر معاً.

وإن كان مغايراً لهما (1)، فإمّا أن يكون قائماً بنفسه، أو عارضاً لغيره، والقسمان باطلان.

أمّا الأوّل، فلأنّ المفهوم من التأثير «نسبة بين المؤثر والأثر» والنسبة بين الشيئين لا يعقل قيامها بذاتها وجوهريتها. ولأنّه إمّا واجب لذاته، أو ممكن لذاته، وكلاهما محال. أمّا الأوّل فلاستحالة تعدد واجب الوجود. وأمّا الثاني، فلأنّه يلزم منه التسلسل. ولأنّ هذا الجوهر، إمّا أن يكون بينه وبين الأثر نسبة أو لا. والأوّل باطل، لأنّ الكلام (2) في تلك النسبة، كما في الأوّل ويتسلسل. والثاني باطل، وإلاّ لم تكن بينه وبين الأثر نسبة وإضافة، فيكون أجنبياً عن الأثر بالكلّية.

وأمّا الثاني، فلأنّ العارض ممكن، فله مؤثر فتأثير المؤثر فيه زائد عليه، ويلزم التسلسل المحال. وبتقدير صحّته، فالمحال لازم من جهة أُخرى، فإنّ التسلسل إنّما يعقل لو فرضنا أُموراً متتاليةً إلى غير النهاية، ويكون كلّ واحد متلوّاً بصاحبه، وإنّما يكون متلواً بصاحبه لو لم يكن بينه وبين صاحبه ثالث، لكنّ ذلك محال،لأنّ تأثير المتلو في التالي متوسط بينهما، وقد كان لا يتوسط، هذا خلف.

وأمّا امتناع كون المؤثّرية وصفاً عدمياً، فلأنّ المؤثّرية نقيض اللامؤثرية، وهذا النقيض عدمي، لأنّه يحمل على العدم، والمحمول على العدم عدم، ونقيض


1 . هذا هو الشقّ الثاني من قوله: «إن كان ثابتاً في الخارج» والشقّ الأوّل قوله: «فإن كان نفس المؤثّر أو الأثر».
2 . م: «اللازم».


(133)

العدم ثبوت، فالمؤثرية أمر ثبوتي. ولأنّ الشيء لم يكن مؤثراً، ثم يصير مؤثراً، فيحصل له وصف المؤثرية، بعد أن لم يكن، فهي صفة ثبوتية، وإلاّ لجاز فيما إذا لم تكن الذات عالمة ثمّ تصير عالمة أن لا يكون العلم أمراً وجودياً، وهو باطل قطعاً. وإذا بطل كون المؤثرية صفة ثبوتية، وكونها صفة عدميّة امتنع تحققها.

الوجه الثالث:

المؤثر إمّا أن يؤثر حال وجود الأثر، أو حال عدمه، والقسمان باطلان، فالقول بالتأثير باطل.

أمّا الحصر، فظاهر، إذ لا حال ثالثة للأثر.

وأمّا بطلان الأوّل، فلاستلزامه تحصيل الحاصل.

وأمّا بطلان الثاني، فلأنّ حالة العدم لا أثر، فلا (1) تأثير، لأنّ التأثير إن كان هو حصول الأثر عن المؤثر، فحيث لا أثر فلا (2) تأثير، فإنّ المؤثر ما يكون له أثر، والعدم نفي محض، وإن كان مغايراً(3) لزم التسلسل. ولأنّ الأثر حال عدمه، يكون مستغنياً عن المؤثر، فإنّها حالة البقاء على العدم الأصلي، و العدم الأصلي (4) يمتنع استناده إلى مؤثر الوجود والإيجاد.

الوجه الرابع:

لو تحققت المؤثرية، لكان المؤثر إمّا أن يؤثر في ماهية الأثر (5)، أو في وجوده، أو في اتّصاف ماهيته بوجوده، والكلّ باطل، فالقول بالتأثير باطل.


1 . ق و ج:«به»،و الصحيح ما في المتن من م.
2 . م وج: «لا»
3 . أي لم يكن التأثير عين حصول الأثر عن المؤثّر.
4 . «و العدم الأصلي» حذفتا في ق و ج سهواً.
5 . ق: «الأمر» .


(134)

أمّا الحصر، فلأنّ الماهية والوجود واتّصاف الماهيّة بالوجود، إذا كانت غنيَّة عن المؤثر انتفى التأثير، لأنّه إنّما يعقل (1) في أحد هذه الأُمور الثلاثة، فإذا استغنت عن المؤثر، فلا أثر ولا تأثير.

وأمّا بطلان الأوّل، فلأنّ السواد لو كان سواداً بالفاعل، لكان عند عدم ذلك الفاعل وجب أن يخرج السواد عن كونه سواداً، لأنّ ما بالغير يرتفع عند ارتفاع ذلك الغير، لكنّ خروج السواد عن كونه سواداً محال، لأنّ السواد يستحيل أن يصير غير السواد.

لا يقال: نحن لا نقول: السواد مع كونه سواداً يصير موصوفاً بأنّه ليس بسواد، فإنّ ذلك جمع بين النقيضين. بل نقول: معناه: السواد يفنى ولا يبقى.

لأنّا نقول: إذا قلنا: السواد يفنى، كان قضية يجب تحقق موضوعها حال الحكم بحصول (2) المحمول له، أو سلبه عنه، والموضوع هو السواد، فيجب أن يكون متقرراً متحققاً حال الحكم عليه بالعدم (3)، لكنّ ذلك جمع بين النقيضين(4)، فتكون هذه القضيّة كاذبة.

وأمّا بطلان الثاني (5)، فكذلك أيضاً، لاستلزامه عدم كون الوجود وجوداً عند عدم الفاعل.

وأمّا بطلان الثالث (6)، فكذلك أيضاً، فإنّ الموصوفية لو كانت موصوفية


1 . ق وج: «يفعل».
2 . ق: «لحصول» ، والصحيح ما أثبتناه من م و ج.
3 . أي حال الحكم على السواد بالفناء.
4 . وهما فناء السواد وتحقّقه.
5 . بأن يؤثّر المؤثّر في وجود الأثر.
6 . وهو أن يؤثر المؤثر في صيرورة الماهية موجودة.


(135)

بالفاعل، لزم عند عدم الفاعل أن لا تبقى الموصوفية موصوفية. وأيضاً فإنّ الموصوفية ليست ثبوتيّة، وإلاّ لم تكن جوهراً لاستحالة قيامها بنفسها واستقلالها بالمعقوليّة، فتكون عرضاً (1) فتكون موصوفيّة الذات (2) ، بها أمراً زائداً، ويلزم التسلسل.

ولأنّها لو كانت ثبوتيّة، استحال استنادها إلى المؤثر، لأنّ تأثير المؤثر إمّا في ماهيتها، أو في وجودها، أو في اتّصاف ماهيتها بوجودها، ويعود المحال. وإذا استحال أن تكون ثبوتية، استحال إستنادها (3) إلى المؤثر. وإذا ثبت امتناع استناد الماهية والوجود واتّصاف الماهية بالوجود إلى المؤثر، استحال افتقار الأثر إلى المؤثر.

الوجه الخامس:

لو افتقر الممكن في وجوده إلى المؤثر ، لافتقر في عدمه إلى المؤثر، والتالي باطل فالمقدم مثله.

بيان الشرطية: أنّ علّة افتقار الموجود (4) إنّما هو الجواز، وهو متعلق بالطرفين أعني الوجود والعدم، فلو كان جواز الوجود يقتضي احتياج الوجود إلى المؤثر، لكان جواز (5) العدم يقتضي احتياج العدم إلى المؤثر.

وأمّا بطلان التالي، فلأنّ العدم نفي محض وعدم صرف، ولا يعقل كونه أثراً


1 . م: «عرضاً» ساقطة.
2 . ق: قبل «الذات» كلمة مطموسة نظن أنّها «فيها»، ولعلّها من زيادة الناسخ، ويؤيّد ما نقول عدم اثباتها في نسخة: م. وج
3 . ق: «اسنادها».
4 . م: «الوجود».
5 . م: «جواز» ساقطة.


(136)

وصادراً عن الغير.

وأيضاً، فالعدم مستمر من الأزل إلى الأبد، والباقي لا يستند إلى المؤثر حال بقائه، لما يأتي.

لا يقال: علّة العدم عدم العلّة.

لأنّا نقول: العلّية مناقضة لللاعلّية التي هي عدم، فالعلّية ثبوتية، فالموصوف بها ثابت، وإلاّ فالمعدوم موصوف بالوجود، وهو محال. ولأنّ العدم نفي محض وعدم صرف لا تميّز فيه ولا تعدد ولا هويّة، فيستحيل جعل البعض علّة والبعض معلولاً.

الوجه السادس:

لو كان الممكن محتاجاً إلى المؤثر، لكانت الحاجة إمّا أن تكون أمراً ثبوتياً في نفسها أو لا تكون(1).

والأوّل باطل، لأنّ الحاجة لو كانت ثبوتية لساوت في الثبوت غيرها من الماهيّات الثابتة، وامتازت عنها بخصوصيتها، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فيكون وجودها مغايراً لماهيّتها، فاتّصاف ماهيتها بوجودها، إن كان واجباً لذاته كان الوصف المفتقر إلى الممكن واجباً، وهو باطل بالضرورة. وإن كان ممكناً، كان محتاجاً فله حاجة زائدة على ماهيته، ويتسلسل. ولأنّ الحاجة لو كانت ثبوتيّة، وهي معلولة للإمكان ـ وقد ثبت أنّ الإمكان عدمي ـ لزم كون المعدوم علّة في الموجود (2)، وهو محال. ولأنّ حاجة الممكن إلى المؤثر سابقة على وجوده، فلو كانت أمراً ثبوتياً، لزم أن يكون ثبوت الوصف للشيء سابقاً على ثبوت الشيء في


1 . اُنظر هذا الوجه في المباحث المشرقية 1: 220.
2 . أي يكون الإمكان ـ وهو عدميـ علّة للحاجة ـ وهي وجودية ـ.


(137)

نفسه، وهو محال، فبطل كون الحاجة ثبوتية.

والثاني: ـ وهو أن تكون عدمية ـ محال أيضاً، لأنّها نقيض لا حاجة، وهو عدمي، فتكون الحاجة ثبوتية. ولأنّها لو كانت عدميّة، لم يبق فرق بينها وبين نفي الحاجة، لامتناع التمايز في العدمات، لكن لا حاجة نفي للحاجة.

والجواب عن الأوّل (1): أنّ الحكم بالافتقار ضروري، وإنّما يجب اشتراك العقلاء في التصديق الضروريّ، لو اشتركوا في تصوّر مفرداته. وأمّا إذا حصل قصور لبعض الأذهان عن تصوّر أحد طرفيه، إمّا لنقص في الغريزة أو لغفلة أو لتدنيس(2)، تعذّر الحكم الضروري به، واحتاج إل تمثيل وشبهه، حتى يحصل له كمال التصوّر، ولهذا تمثل للشاك في هذا الحكم بكفتي الميزان، فإنّ نسبة طرفي الوجود والعدم إلى الممكن م(3)تساوية ، كنسبة كفتي الميزان إلى الميزان، فكما يحكم العقل بامتناع رجحان إحدى الكفّتين على الأُخرى بدون المرجح، كذا يحكم بامتناع ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجّح. فهذا هو السبب في عدم اشتراك العقلاء في الضروريات.

والأصل فيه ما تقدّم: من أنّ التصديقات الضرورية، قد تتوقف على أسباب وشرائط لا تحصل بدونها، ولا يثلم فقدانها عن فاقد الأسباب والشرائط كونها ضرورية، فإنّ البصير يدرك التفرقة الضرورية بين السواد والبياض، ويحكم على كلّ واحد منهما بأحكام ضروريّة، لا يحكم بها الأعمى لفقد الأسباب والشرائط، وهي الإحساس. ولهذا قال متقدم الحكماء: «من فقد حساً فقد فقد علماً يؤدّي إليه ذلك الحس». والتفاوت في الضروريّات لا يخرجها عن كونها ضروريّة، فإنّ فقدها


1 . راجع كشف المراد: 78.
2 . كذا في النسخ، و لعلّ الصحيح: «لتدليس».
3 . ق وج: «مساوية».


(138)

عن البعض، لمّا لم يخرجها عن كونها ضرورية في أنفسها، فالتفاوت فيها أولى، وليس سبب التفاوت منحصراً في تطرق الاحتمال إلى المرجوح، فإنّ سبب التفاوت في الضروريّات، قد بيّنا أنه للتفاوت(1) في تصوّر المحكوم عليه أو المحكوم به، لا في نفس الحكم.

وأجاب أفضل المتأخرين أيضاً: بأنّه استدلال (2)، بأنّ الممكن ما لم يجب لم يوجد، وحصول الوجوب بعد أن لم يكن يدلّ على كونه وصفاً وجودياً لا عدميّاً، وثبوت الوصف يستدعي ثبوت الموصوف، لاستحالة قيام الوصف بذاته، وهذا الموصوف بالوجوب ليس هو الممكن، لأنّه قبل وجوده معدوم، والمعدوم يستحيل أن يكون محلاً للأمر الثبوتي، فلابدّ من شيء آخر يكون محلاً لذلك الوجوب، يعرض (3) له بالنسبة إلى هذا الممكن، وذلك هو المؤثر (4).

اعترضه أفضل المحققين: بأنّ وجوب الممكن المقتضي لوجود الموصوف به، لا يمكن أن يكون قائماً بمؤثره، لأنّ ذلك الوجوب وصف للممكن، ووصف الشي يستحيل أن يقوم بغيره، والقائم بالمؤثر إن كان ولابدّ منه، فهو الإيجاب لا الوجوب.

والحق: أنّ ذلك الوجوب أمر عقلي، كسائر الصفات، ويكون قائماً بالمتصوّر من الممكن عند (5)الحكم بحدوثه، وهذا البرهان مبني على حكم هو «أنّ الممكن ما لم يجب لم يوجد» وهذه القضية لا يصحّ الحكم فيها إلاّ إذا عُلِمَ أنّ كلّ مسبّب فله سبب. وفي قولنا: «ترجّح أحد المتساويين يحتاج إلى مرجح» هذا


1 . كذا في النسخ و لعلّ الصحيح: «التفاوت».
2 . م وج: «استدلالي».
3 . في نسخة من المصدر: «يفرض».
4 . نقد المحصل: 114.مع تصرفات من العلاّمة.
5 . م: «الممكن عند» حذفا سهواً.


(139)

المعنى بعينه موجود، لكن بعبارة أُخرى، فإذن هذا البرهان مبني على [ما] (1) يتضمنه الحكم البديهي المذكور الذي عدَلَ عنه إلى ذلك البرهان، فهذا البرهان(2) فضلة لا يحتاج إليه (3).

وأقول: الحكم «باحتياج الممكن إلى المؤثر»، أظهر عند العقل من الحكم «بأنّ الممكن ما لم يجب لم يوجد»، ولهذا توقف في الحكم الثاني جماعة جزموا بالحكم الأوّل، واكتفوا بمطلق الرجحان الشامل للمانع من النقيض وغير المانع. ولأنّ الرجحان أعمّ من الوجوب، والأعم أظهر.

وعن الثاني: أنّ التأثير وصف اعتباري عقلي إضافي، يثبت في العقل عند تعقّل صدور الأثر عن المؤثر، فإنّ تعقّل ذلك يقتضي ثبوت أمر في العقل هو المؤثرية، كما في سائر الإضافات، والفرق بين الصدور والتأثير ظاهر، فإنّ الأوّل إضافة الأثر إلى مؤثره، والثاني إضافة المؤثر إلى أثره. وعدم مطابقته للخارج، لا يقتضي كونه جهلاً، وإنّما يكون جهلاً لو حكم بثبوته في الخارج ولم يثبت، أو بالعكس. واعتقاد قدم العالم مع أنّه ليس كذلك، يدلّ على ما ذكرنا في تفسير الجهل، لا على ما ذكره السائل. وعدم مطابقته لا يقتضي أن لا يكون شيء مؤثراً أصلاً، بل إذا حكم بثبوته في العقل فقط، فمطابقته ثبوته في العقل دون الخارج.

قوله: «كون الشيء مؤثراً في غيره صفة للشيء قبل الأذهان، فلا يعقل قيامها بالذهن المغاير للموصوف المتأخر (4) عنها».

قلنا: كون الشيء بحيث لو عقله عاقل حصل في عقله إضافة لذلك الشيء


1 . ما بين المعقوفتين من المصدر.
2 . ق: حذفت العبارة من«مبنى» إلى «فضلة».
3 . نقد المحصل: 115ـ 116.
4 . ق: «والمتأخّر».


(140)

إلى غيره، هو الحاصل قبل الأذهان، لا الذي يحصل في العقل، فإنّ ذلك يستحيل أن يحصل قبل وجود العقل (1).

وفيه نظر; فإنّ هذه الحيثية، لو كانت ثابتة، فإمّا في الذهن وهو محال لثبوتها قبله، أو في الخارج، فلم يكن نفس ذات المؤثر، لانفكاكهما تعقلاً، ولأنّـها صفة لا يعقل قيامها بذاتها، فتكون مغايرة، ويلزم وجود ما لا يتناهى من الصفات، لعدم تناهي المضاف إليه بالمتأثرية (2).

قوله: «اللامؤثرية عدمية، فنقيضها وجودي» غلط، لأنّ اللازم من قولنا: «اللامؤثرية عدمية» الوجوديّة مؤثريّة بطريق عكس النقيض. وهذا الغلط نشأ من باب إيهام العكس (3).

وفيه نظر; فإنّ المعترض لم يستدل بعكس النقض، بل بأنّ المؤثرية واللامؤثرية، أمران متناقضان لا يمكن اجتماعهما وجوداً وعدماً، فإذا كان أحدهما ثبوتياً وجب أن يكون الآخر عدميّاً وبالعكس; ولمّا كانت اللامؤثرية عدمية وجب أن تكون المؤثريّة وجودية.

والتحقيق في الجواب: أنّ المؤثرية واللامؤثرية وصفان اعتباريان، حكمهما في الثبوت والعدم واحد، ولا تحقق لهما في الخارج. ولا يجب أن يكون أحد النقيضين وجودياً و الآخر عدمياً، بل يجب أن يكون أحدهما موجباً والآخر سالباً، وذلك عائد إلى القول والعقد، لا إلى الحصول في الخارج، كالامتناع ونقيضه،


1 . هذا الجواب من أُستاذه المحقق الطوسي في نقد المحصل: 116، وللعلاّمة الحلّـي فيه نظر، كما ترى في المتن.
2 . م: «التأثيرية».
3 . اصطلاح منطقي قد مرّ توضيحه في الصفحة 45، والقول: «بأن المؤثّرية وجودية» من هذا الباب، لأنّه وَضَـعَ أحد جزئي القضية مكان الآخر، فالصحيح، كما في العبارة أن نقول: «الوجودية مؤثرية».


(141)

والإمكان ونقيضه، والوجوب ونقيضه إلى غير ذلك من الاعتبارات العقليّة. وتجدّد المؤثرية لا يقتضي كونها ثبوتية في الخارج، بل في العقل، كما في سائر الإضافات (1).

وفيه نظر ; فإنّا قبل ثبوت الأُبوة لزيد نتصوّرها له، ولا نحكم له بها، ولو حكمنا بها له (2)، كان جهلاً لعدم المطابقة، فإذا ثبتت له بالفعل، حكمنا له بها، وكان الحكم مطابقاً. فلا بدّ من اعتبار أمر آخر غير الذهن ينسب الثبوت إليه، بحيث تثبت المطابقة بالنسبة إليه وعدمها.

وأجاب أفضل المتأخرين عن أصل المعارضة: بأنّ هذا التقسيم، قد يتوجه على ما يحكم بوجوده (3)ضرورة، كما إذا قيل: لو كنت موجوداً الآن، لكان كوني الآن إمّا أن يكون عدميّاً أو وجوديّاً، والقسمان باطلان.

أمّا الأوّل، فلأنّه نقيض اللاكون في الآن، وهو عدميّ، ونقيض العدمي ثبوتي.

والثاني باطل، لأنّه إمّا أن يكون عين الذات، فلا تبقى الذات عند ما لا يبقى حصولها في ذلك الآن، أو يكون مغايراً لها زائداً عليها، فيكون حاصلاً في ذلك الآن، ويلزم التسلسل. ولمّا كان الحصول في ذلك الآن يفضي إلى هذه الأقسام الباطلة كان باطلاً، فلا يكون للذات حصول في شيء من الآنات(4)، وهو يستلزم البطلان بالضرورة. وإذا كان هذا التقسيم مبطلاً للضروريّات، قضت الضرورة ببطلانه (5).

واعترضه أفضل المحققين: بأنّ الأمر ليس كما قاله، لأنّ الكون في الزمان أمر


1 . قوله: «وتجدد المؤثّرية» آخر استدلال ذكره المعترض في المحصل، انظر الجواب في نقد المحصل 117، والعلاّمة الحلّـي أشكل عليه، كما في المتن.
2 . م: «حكم له بها».
3 . في المصدر: «فيما نعلم وجوده بالضرورة».
4 . م: «الأوقات».
5 . نقد المحصل: 114ـ115.


(142)

عقليّ يعرض للمتكوّن، مشروط بوجود الزمان المتعلّق به، ويقتضي (1) كون المتكوّن بحيث يصلح أن يعرض له ذلك عند فناء الزمان، ولا يتسلسل، ولا يلزم منه ما يبطل البديهيّات (2).

وفيه نظر; فإنّ كون الكون في الزمان أمراً عقليّاً، لا يبطل التقسيم، بل فيه اختيار أحد الأقسام، وهو أن يكون عدمياً، ثمّ عروضه للمتكوّن، إمّا أن يكون في العقل لا غير، فيبطل بإمكان أن يعتبره العقل قبل الزمان وبعده، أو يستند إلى أمر خارج الذهن ويعود المحذور بعينه .

وعن الثالث: أنّ المؤثر يؤثر في الأثر حال وجوده، أي في زمان وجوده، وهذا ليس بمحال، فإنّ العلّة مع معلولها بهذه الصفة، لا بمعنى أنّه تجدّد لها وجود آخر غير الوجود الواقع في ذلك الزمان، بل بمعنى أنّ هذا الوجود الواقع في ذلك الزمان صدر منه في ذلك الزمان، ولا يلزم من ذلك ثبوت المقارنة الذاتية بين المؤثر وأثره، بل المقارنة الزمانية، ولا استحالة فيه، وإنّما يؤثر فيه لا من حيث هو موجود، ولا من حيث هو معدوم، بل من حيث ماهية الأثر وإن كانت موجودة في ذلك الزمان.

وبعض المتكلمين يقول: المؤثر يؤثر حال حدوث الأثر، فإنّها ليست بحالة الوجود ولا بحالة العدم.

وأجاب أفضل المتأخرين عن أصل المعارضة: بأنّ هذا التقسيم عائد فيما علم بالضرورة ثبوته، فإنّ الإحداث وإن كان في محل البحث، لكن لا نزاع في الحدوث، والتقسيم الذي ذكروه يدفعه، لأنّه يقال: لو حدث هذا الصوت مثلاً،


1 . م: «يقتضي» ساقطة، وفي نسخة من المصدر «يفني» ، وفي أُخرى «نعني».
2 . نقد المحصل: 117.


(143)

فإمّا أن يكون حدوثه حال وجوده أو حال عدمه، فإن حدث حال وجوده فقد وُجدَ الموجود، وإن حدث حال عدمه فقد وجِدَ عند عدمه. فظهر أنّ هذا التقسيم مبطل للضروريات (1).

واعترضه أفضل المحققين: بأنّ هذا الكلام (2) باطل، ودال على تحيّره في أمثال هذه المواضع. وقد يمكن أن يقال فيه ما يقول المتأخرون من المتكلّمين الذين لا يقولون بمقارنة العلّة والمعلول في الزمان، فإنّهم يقولون: الثبوت الذي يوجد في الآن الثاني يصدر من موجده في الآن الذي قبله، فيكون التأثير سابقاً على الآثر بآن، ويقع بالقياس إلى ما يحصل بعده، سواء كان الأثر موجوداً في ذلك الآن بتأثير آخر أو معدوماً، ويكون الأثر في آن التأثير غير موجود، وفي الآن الذي يصير موجوداً لا يكون مقارناً للمعدوم (3).

وعن الرابع: أنّ المؤثر يؤثر في الماهية.

قوله: «إنّه محال، لأنّ كون السواد سواداً بالغير، يوجب أن لا يكون السواد سواداً عند عدم الغير».

قلنا: إذا فرض السواد، وجبت سواديّته بسبب الفرض، وجوباً لاحقاً مترتباً على الفرض، ومع ذلك الوجوب يمتنع تأثير المؤثر فيه، فإنّه (4) يكون إيجاداً لما (5) فرض موجوداً. أمّا قبل فرضه سواداً، فيمكن أن يوجد المؤثّر السواد على سبيل الوجوب، ويكون ذلك الوجوب سابقاً على وجوده، والفرق بين


1 . نقدالمحصل: 115.
2 . وهو قوله: «هذا التقسيم مبطل للضروريات».
3 . في المصدر: «للعدم»، نقد المحصل: 117.
4 . م: «لأنّه».
5 . ق: «بما».


(144)

الوجوبين(1) ظاهر (2). وهذه المغالطة نشأت من قبل اشتراك اللفظ بين الوجوب السابق واللاحق، لأنّ الوجوب يدلّ على المعنيين بالشركة اللفظية (3).

وأيضاً إذا قلنا: «فنى السواد» معناه: أنّ السواد الحاصل في زمان ليس بحاصل في زمان بعده، ويكون حمل غير الحاصل على المتصوّر منه، لا على الموجود الخارجي، فإنّ الوضع والحمل يكونان في العقل (4) لا في الخارج أصلاً، وهكذا القول في حصول الوجود من موجده. وإن قيل: تأثير المؤثر في جعل الماهية موصوفة بالوجود، كما ذهب إليه القائلون بشيئية المعدوم (5)، لم يتعلق ذلك بموصوفية الماهية بالوجود، لأنّ ذلك أمر إضافي يحصل بعد اتّصافها به، و المراد من تأثير المؤثر هو ضمّ الماهيّة إلى الوجود، ولا يلزم ما ذُكر من (6)المحال .

وفي قوله (7): «أمّا قبل فرضه سواداً، فيمكن أن يُوجِدَ المؤثر السواد على سبيلِ الوجوب» يقتضي أن يكون تأثير الفاعل ليس إلاّ في الوجود، وليس هو الذي اختاره، بل الوجه أن يقول: أمّا قبل فرضه سواداً فيمكن أن يؤثر المؤثر في كونه سواداً.


1 . ق وج: «الوجودين»، هكذا في نسخة من نقد المحصل، والصواب ما أثبتناه في المتن من نسخـة:م.
2 . مذكور في الكتب الحكميّة.
3 . فكل ممكن محفوف بوجوبين: أحدهما سابق على وجوده، وهذا في قولهم «الشيء ما لم يجب لم يوجد». والثاني الوجوب اللاحق، وهو الضرورة بشرط المحمول أي وجوب وجوده ما دام موجوداً ، وهذان الوجوبان بالغير، وكذلك الماهية المعدومة محفوفة بامتناعين، السابق واللاحق. وسيأتي البحث عنه في ص154 .
4 . وهما من ثواني المعقولات، كما قال في كشف المراد: 80.
5 . وهم من المعتزلة وقد مرّ بحثه في أوائل الكتاب.
6 . نقد المحصل: 118.
7 . أي قول الطوسي المحكي في جواب الإشكال الرابع.و لعلّ«في» زيادة من الناسخ.


(145)

وعن الخامس: أنّ عدم الممكن المتساوي الطرفين ليس نفياً محضاً. وتساوي طرفي وجوده وعدمه لا يكون إلاّ في العقل، ومرجّح طرف الوجود يكون موجوداً، وأمّا في العدم، فالمرجّح لا يكون إلاّ عقليّاً. وعدم العلّة ليس بنفي محض، وهو يكفي في الترجيح العقلي. ولكونه ممتازاً عن عدم المعلول في العقل، يجوز أن يعلل هذا العدم بذلك العدم في العقل (1).

وفيه نظر; فإنّه إن عنى بأنّ (2) عدم الممكن ليس نفياً محضاً أنّ له نوعاً من الثبوت وحظاً من الوجود ـ كما اختاره الرئيس ـ فهو ممنوع، فإنّا لا نعقل من عدم السواد إلاّ عدماً مطلقاً مضافاً إلى السواد، ولا نفرق بينه وبين العدم المطلق إلاّ بالإضافة إلى الملكة، وذلك لا يعطيه حظاً من الوجود، كعدم شريك الباري تعالى. وإن عنى به، أنّه ليس عدماً مطلقاً غير مضاف إلى ملكة، فهو حق، لكنّ ذلك لا يقتضي خروجه عن النفي المحض.

والتحقيق: أنّ الأعدام قد تتمايز بحسب الإضافة إلى ملكاتها، فعدم العلّة ممتاز عن عدم غيرها. وهذا الامتياز كاف في جواز إسناد البعض (3) إلى البعض.

وعن السادس: أنّ الحاجة وصف اعتباري لا تحقق له في الخارج حكمه في الثبوت والانتفاء واحد. ولا يلزم من كونها عدميّة أن لا يكون الشيء في نفسه محتاجاً، كالعدم والامتناع، فإنّهما ليسا بثبوتيّين، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون الشيء معدوماً وممتنعاً.

وبالجملة: فالضرورة قاضية باحتياج الممكن في اتّصافه بوجوده أو عدمه إلى سبب خارج عن ذاته، فالمعارضات في مقابلها تشكيك في الضروريّات، فلا يكون مسموعاً، كَشُبَه السوفسطائية.


1 . نقد المحصل: 118.
2 . م: «بأنّ» ساقطة.
3 . ق: »التعلّق».ج:«التعين» و الصحيح ما في المتن من م.


(146)

البحث السابع:

في أنّه هل يعقل أن يكون أحد طرفي الممكن أولى به لذاته وإن لم ينته إلى حدّ التعيّـن؟ (1)

ذهب بعض الناس (2) إلى أنّه يمكن أن يكون شيء يصحّ عليه الوجود والعدم، يكون أحد طرفيه أولى به من الآخر لذاته.

والمحقّقون على خلاف ذلك، لوجوه:

الأوّل: أنّ ذلك الرجحان إن عُقل زواله عند وجود شيء آخر، اعتبر في تحققه عدم ذلك الآخر، فماهيّة الممكن إذا اعتبرت مع قطع النظر عن ذلك العدم لم تكن مقتضية لذلك الرجحان، وإن امتنع زواله بشيء أصلاً، كان حاصلاً أبداً، ممتنع الزوال، فيكون منتهياً إلى حدّ التعيين.

وفيه نظر، لمنع الملازمة الأخيرة.

الثاني: الممكن مع ذلك الرجحان، إمّا أن يمكن طريان الطرف المرجوح عليه أو لا ، فإن أمكن، فإمّا أن يكون طريانه لسبب، أو لا لسبب. فإن كان لسبب، لم يكن الرجحان كافياً في بقاء الطرف الراجح، بل لابدّ معه من عدم سبب الطرف المرجوح. وإن كان لا لسبب، فقد وقع الممكن المرجوح لا لعلّة، وهو محال; لأنّ المتساوي (3) أقوى من المرجوح، فلمّا امتنع الوقوع حال التساوي


1 . أي إلى حد الوجوب أو الامتناع، راجع في هذا البحث المباحث المشرقية 1:222; نقد المحصل: 119; الأسفار 1: 199 ـ 215، و 221 ـ 230; شوارق الإلهام، المسألة الثالثة والعشرون.
2 . من المتكلّمين.
3 . م: «التساوي»و هو خطأ.


(147)

فأن يمتنع حال المرجوحية كان أولى. وإن لم يمكن طريان المرجوح، كان الراجح واجباً والمرجوح ممتنعاً (1).

اعترضه أفضل المحققين: بأنّ هذا الدليل يقتضي نفي الأولويّة مطلقاً. ولقائل أن يقول: طرف الأولى يكون أكثر وقوعاً، أو أشدّ عند الوقوع، أو أقلّ شرطاً للوقوع، والمستدلّ ما أبطله.

وقد قيل في رجحان العدم في الموجودات (2) الغير القارة، كالصوت والحركة: إنّ العدم لو لم يكن أولى بها لجاز عليها البقاء.

وأُجيب عنه: بأنّ كلامنا في الممكن لذاته، لا في الممتنع لغيره، وبقاء الغير القارة يمتنع لغيره(3).

وفيه نظر; لأنّ الدليل يقتضي نفي أولوية كافية في الإيجاد لا مطلقاً.

وقوله (4) في أصل الدليل: «إن كان طريان المرجوح لسبب، لم يكن الرجحان كافياً في بقاء الراجح» ممنوع.فإنّا نقول: إنّه كاف، ما لم يطرأ سبب المرجوح، ويترجّح على الراجح.

الثالث: الماهية لو كانت أولى بالوجود، لم يتخلف عنها الوجود إلاّ لوجود ما ينافي ذلك الوجود.وإنّما تتحقق المنافاة من الجانبين. فهذه الأشياء المتعارضة إن كان بعضها أقوى من بعض، فتلك القوة أمر لازم للماهية لنفسها لا لغيرها، والضعف كذلك، فيستحيل (5) انقلاب القوي ضعيفاً والضعيف قوياً، فحينئذ


1 . نقد المحصل: 119.
2 . م: «الوجودات».
3 . نقد المحصل: 119.
4 . أي قول الرازي وفي ق و ج: «و في قوله»، و الصحيح ما في المتن من م.
5 . ق و ج: «يستحيل».


(148)

يبقى القوي موجوداً ممتنع الزوال، لأنّه لو عدم لكان عدمه لأجل وجود معارضه، ومعارضه أضعف منه، فلا يوجود مع وجوده، إذ لو وجد مع وجوده لكان أقوى منه، فإذن القوي يكون (1) دائم الوجود ممتنع الزوال. والضعيف يكون دائم العدم ممتنع الحصول. والأوّل هو الواجب، والثاني هو الممتنع، فيخرجان عن حدّ الإمكان.وإن لم يكن بعضها أقوى، لم يكن اندفاع أحدهما بالآخر أولى من اندفاع الآخر به، فلا يحصل الترجيح إلاّ لأمر من خارج، وحينئذ يحصل التساوي المطلوب (2).

احتج الآخرون بوجوه:

الأوّل: الماهيات أُمور متعيّنة، كل واحد منها متميّز عن الآخر بخصوصية، فإمّا أن يكون في الماهية اقتضاء الوجود والعدم، أو ليس فيها اقتضاء شيء منهما، وهذا الأخير يوجب صحة خلوها عنهما. والأوّل إمّا أن تكون الماهية تقتضيهما جميعاً، وهو محال، أو تقتضي أحدهما لا بعينه، وهو باطل، لأنّ الماهية متعيّنة في نفسها، فلابدّ وأن تقتضي شيئاً بعينه، لامتناع أن يكون للمبهم حصول، فإنّه لا يعقل في الوجود شيء هو في نفسه غير معيّـن، وإذا استحال حصول المبهم في الخارج، استحال اقتضاء الماهيّة له، أويقتضي واحداً بعينه، مع أنّه يصحّ عليها طريان الطرف الآخر، وإلاّ لم تكن ممكنة، وهو المطلوب (3).

الثاني: الموجودات السيّالة، كالزمان والحركة والصوت، العدم أولى بها، وإلاّ لصحّ بقاؤها، والوجود يصحّ عليها وإلاّ لم توجد البتة، وإذا كان بعض الممكنات


1 . م: «يكون» ساقطة.
2 . المباحث المشرقية 1: 223.
3 . المصدر نفسه 1: 222ـ223.


(149)

يصحّ عليه الوجود والعدم ويكون العدم به أولى، جاز ذلك في جانب الوجود (1).

الثالث: أنّ كثيراً من العلل يكون اقتضاؤها لمعلولاتها موقوفاً على شرط، أو زوال مانع، فإذا أُخذت تلك العلل مجرّدة عن وجود تلك الشرائط لها، أو عن (2) انتفاء الموانع، كان اقتضاء تلك العلل لمعلولاتها أولى من عدم الاقتضاء، وإلاّ لم تتميّز العلّة عن غيرها، فتلك العلّة صحّ عليها الإيجاب وعدمه، مع أنّ الإيجاب أولى من عدمه (3).

الرابع: المعلول إذا توقّف وجوده على وجود أشياء كثيرة، كان وجوده مع وجود أكثرها أولى من عدمه، ويحصل التفاوت في أولوية وجوده باعتبار كثرة الحاصل من علله وقلّته.

الخامس: قد تكون بعض العلل أكثريّ الاقتضاء لمعلولاته من غير دوام، كاقتضاء الصور النوعيّة، في (4) العناصر أعراضها، مع أنّها قد تنفك عنها (5) قسراً، كاقتضاء طبيعة الأرض النزول، مع أنّها قد تتصاعد قسراً، أو (6) اقتضاء الماء البرودة مع تسخّنه (7) قسراً. فهذه المعلولات أولى بالوجود، وإلاّ لم تكن أكثريّة(8).

والجواب عن الأوّل: أنّه لا يلزم من عدم اقتضاء الماهية لشيء من الوجود


1 . المباحث المشرقية 1: 222.
2 . م: «عن» حذف سهواً.
3 . المباحث المشرقية 1: 222.
4 . م: «في» متأخر عن «العناصر».
5 . ق: «عنها» ساقطة.
6 . م: «و».
7 . م: «تسخينه».
8 . المباحث المشرقية 1: 222.


(150)

والعدم، صحّة خلوها عنهما، فإنّ المعلول لا يقتضي وجود العلّة ولا عدمها، ولا يصحّ خلوّه عنهما.

سلّمنا، لكنّها تقتضي عدم الخلو عن الوجود والعدم، وذلك أمر عدمي (1)، ولا امتناع في اقتضاء الحقيقة أمراً عدمياً، كاقتضائها كثيراً من السلوب.

وعن الثاني: أنّا (2) نمنع أولوية العدم في الحركة، لأنّها إمّا الحصول الأوّل في الحيّز الثاني، وذلك ممكن البقاء وليس العدم به أولى، أو الاتصال الممتدّ من أوّل المسافة إلى آخرها أو التوسط، وهما باقيان، والأجزاء فيها بالقوة لا بالفعل، وليس العدم أولى بالحركة من أوّل المسافة إلى منتهاها، بل استمرارها ممكن، كما أنّ انقطاعها ممكن.

وعن الثالث: نمنع الأولوية في اقتضاء العلل المجرّدة عن الشرائط، بل إنّما تحصل الأولوية عند استجماع الشرائط، وهناك تكون الأولوية وجوباً. وهو الجواب عن الرابع والخامس (3).

البحث الثامن: في أنّ الممكن ما لم يجب لم يوجد (4)

إعلم أنّ كلّ ممكن، فإنّه محفوف بضرورتين، أحداهما سابقة عليه، والأُخرى لاحقة به. أمّا السابقة، فهي الوجوب المستفاد من وجود المؤثر، أو الامتناع المستند إلى عدمه، ويدلّ عليه أنّا نعلم بالضرورة أنّ الممكن لا ينفك عن أحد وصفي


1 . م: «أثر نقص» بدل«أمر عدمي».
2 . ق: «إنّما» و هو خطأ.
3 . المباحث المشرقية 1: 224.
4 . أُنظر في هذا البحث، النجـاة: 226 ; المباحـث المشرقيـة 1:224ـ225;وشــوارق الإلهـام: المسألة24.


(151)

الوجود والعدم، وقد بيّنا أنّهما بالنظر إلى ذاته متساويان لا يترجّح أحدهما على الآخر بالنظر إلى ذاته (1)، والضرورة قاضية بأنّ الترجيح لا بدّ له من سبب، وإذ ليس نفس الماهيّة، فهو خارج. ومعلوم أنّ الرجحان غير المانع من النقيض لا يكفي في حصول الراجح، لأنّ الممكن مع ذلك الرجحان، إمّا أن يمكن (2)طرو المرجوح عليه أولا. فإن لم يمكن، فذلك الرجحان، مانع من النقيض، وقد فرض أنّه غير مانع، هذا خلف. ولأنه المطلوب. وإن أمكن فليفرض واقعاً في وقت، فتخصّص أحد الوقتين بوجود الراجح والآخر بوجود المرجوح إمّا أن يكون لسبب(3) أو لا. والثاني باطل، لقضاء الضرورة بافتقار وقوع الممكن إلى سبب.والأوّل إمّا أن يكون الراجح معه واجباً أو (4) المرجوح أولاً، فإن لم يكن عاد البحث، وإن كان فالمطلوب.

وإذا تقرّر هذا فنقول: إذا فرض انضمام سببِ أحد الطرفين إلى ماهيّة الممكن، فإمّا (5) أن يبقى الممكن على حالة قبل الانضمام من الاستواء، وهو محال، لاقتضائه خروج السبب عن كونه سبباً، إذ لا فرق بين وجوده وعدمه، أو يخرج عن حدّ الاستواء إلى حيّز (6) الرجحان، فإمّا أن يكون لما يقتضيه السبب أو للآخر، والثاني غير معقول، وإلاّ لكان(7) سبباً للمرجوح لا للراجح. والأوّل يقتضي كون ذلك الطرف راجحاً، وقد تقرّر أنّ الرجحان المطلق غير كاف، بل لابدّ من


1 . ق: ما بعد «متساويان» إلى «والضرورة» ساقط.
2 . ق: «طرف».
3 . ق: «بسبب».
4 . ق: «و»و هو خطأ.
5 . ق: «إمّا»و هو خطأ.
6 . كلمة مطموسة نظن أنّ صوابها ما أثبتناه.
7 . م و ج: «كان».


(152)

الوجوب، فيلزم وجوب الطرف الراجح حتى يوجد، وهو المطلوب.

ولأنّ الممكن لا ينفك عن الاتّصاف بما يقتضيه الراجح، أو نقيضه. ولا يمكن هنا اتّصافه بنقيضه، لخلوّه عن السبب، وهو في حال التساوي يمتنع اتّصافه به، ففي حال المرجوحية أولى بامتناع الاتّصاف به، وإذا امتنع اتّصافه به، وجب اتّصافه بالراجح، وإلاّ لزم خلوّه عن النقيضين، و هو محال، فقد ظهر أنّكلّ ممكن، فإنّه لا يوجد أو يعدم إلاّ إذا سبقت الضرورة المستندة إلى المؤثر عليه.

وأمّا الضرورة اللاحقة، فإنّ كلّ ما فرض موجوداً، فإنّه يستحيل عليه العدم في تلك الحالة التي فرض فيها موجوداً، وإلاّ اجتمع النقيضان. وهذا الوجوب لحق بعد فرض الشيء موجوداً، و إذا فرض معدوماً، امتنع وجوده في تلك الحال، لامتناع اجتماع النقيضين. وهذا الامتناع هو ضرورة العدم، لحقت بعد فرضه معدوماً. ولمّا كان الممكن لا ينفك عن الوجود أو عن العدم، فهو لا ينفك في كل واحدة من حالتيه عن الوجوبين، لوجوده أو عدمه، وهو لا يقتضي شيئاً منهما، كما لا يقتضي أحد الطرفين لذاته، فهذان الوجوبان خارجان عن ماهية الممكن لا داخلان في ماهيته.

لا يقال: الممكن متردّد بين الوجود والعدم، لا بين الوجوب والامتناع، فكيف جعل الوجوب سابقاً على الوجود.

لأنّا نقول: للممكن وجوبان لاحق وسابق لولاه (1) استحال وجوده، لكن لمّا كان الوجود والعدم غايتي هذا الوجوب والامتناع، صحّ أن يقال: الحقيقة متردّدة بين العدم والوجود، لا بين الوجوب والامتناع. على أنّه في الحقيقة الترديد بين


1 . أي لولا الوجوب السابق.


(153)

الوجود والعدم، هو بعينه ترديد بين الوجوب والامتناع، لأنّ الترديد في الحقيقة هكذا: الممكن إمّا أن يكون موجوداً عن سبب الوجود، أو معدوماً عن سبب العدم.

لا يقال: وجوب الممكن وصف له، فيستحيل سبقه عليه.

لأنّا نقول: الوجوب ليس ثبوتيّاً (1) حتى يستدعي محلاّ ً ثابتاً، بل هو أمر ذهني اعتباري، يكفي حلوله في الذهن ونسبته إلى ماهية ذهنيّة.

البحث التاسع: في علّة احتياج الأثر إلى مؤثّره (2)

اختلف الناس هنا، فذهب الأوائل والمتأخّرون من المتكلّمين إلى أنّ علّة الحاجة إنّما هي الإمكان. وذهب قدماء المتكلّمين إلى أنّها الحدوث، وقال آخرون: العلّة مجموع الأمرين، إمّا بأن يكون الحدوث شطر العلّة وجزءاً منها، أو بأن يكون شرطاً لها (3).

والحقّ الأوّل (4)، لوجهين:

الأوّل: أنّ الضرورة قاضية، بأنّ الشيء إذا كان يمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون، وكلاهما متساويان بالنسبة إليه، فإنّه يستحيل أن يترجح أحد طرفيه على الآخر إلاّ بسبب مغاير لذاته، وإن لم يعقل سوى الإمكان. ولو جرّده العقل عنه


1 . ق: «و هو بثابت» بدل «ثبوتياً».
2 . راجع في هذا البحث النجاة: 213ـ 214; الفصل الأوّل من المقالة السادسة من إلهيات الشفاء; نقد المحصل: 120 ـ 121.
3 . إنَّ مذهب المنكرين لعلّية الإمكان مختلف. انظر الأسفار 1: 206.
4 . وهو رأي الحكماء ، ولصدر المتألّهين رأي آخر. انظر الأسفار 3: 253.


(154)

ووصفه بأيّ وصف كان، من حدوث وغيره لم يحكم بالاحتياج. ولو جوّز العقل كون الحادث واجباً لذاته، لم يحكم عليه بالحاجة وإن كان حادثاً، باعتبار زوال الإمكان عنه.

فعلم من هذا، أنّ العلّة في احتياج الممكن إلى المؤثر، إنّما هي إمكانه لا حدوثه.

الثاني: أنّه لو كان الحدوث علّة الحاجة، لزم تأخّر الشيء عن نفسه بمراتب(1)، والتالي باطل، فالمقدّم مثله (2).

بيان الشرطية: أنّ الحدوث هو كون الوجود بعد العدم، فهو صفة للوجود، والصفة متأخّرة بالطبع عن موصوفها، فالحدوث متأخّر عن الوجود تأخّراً بالذات، والوجود متأخّر عن الإيجاد الذي هو تأثير (3)موجده فيه، تأخّر المعلول عن علّته، والإيجاد متأخّر عن احتياج (4) الأثر إلى مؤثره تأخراً بالطبع، فإنّه لولا(5) الحاجة امتنع تأثيره فيه، والاحتياج متأخّر عن علّته تأخّر المعلول عن العلّة، فلو كانت علّة الحاجة هي الحدوث، لزم تقدّم الشيء وهو الحدوث على نفسه بهذه المراتب الأربعة، وتقدّم الشيء على نفسه محال بالضرورة، فامتنع كون الحدوث علّة الحاجة، فلم يبق إلاّ الإمكان، فهو علّة الحاجة (6).


1 . م: «بمراتب» ساقطة.
2 . راجع كشف المراد:54; المباحث المشرقية 1:230.
3 . ق: «تأثّر» وهو خطأ.
4 . م: هنا سقط طويل بدايته «الأثر» ونهايته في البحث الأوّل من الفصل الأوّل من المقصد الثالث «من وحدة أو تعدّد».
5 . ق وم:«لو» ساقطة، وماأثبتناه من نسخة ج.
6 . وقد أجاب الايجي على هذا الاشكال بغير ما ذكره العلاّمة، المواقف: 73، وانظر الجواب عليه في الأسفار 1: 207، في دفع من يعارض الوجه بمثله على نفي علّية الإمكان.


(155)

لا يقال: هذا الدليل قائم بعينه في الإمكان.لأنّا نقول (1): الإمكان صفة للممكن، فيتأخّر عنه بالذات، و الممكن متأخّر عن(تأثير المؤثّر فيه الذي هو الايجاد والايجاد متأخّر عن)(2) الاحتياج المتأخّر عن علّته، فلو كانت العلّة هي الإمكان، لزم تقدّم الشيء ـ وهو الإمكان ـ على نفسه(3) بمراتب، فيلزم خروج الإمكان عن العلّية بعين ما خرج به الحدوث.

لأنّا نقول: لا نسلّم قيام الدليل في الإمكان، لأنّ قوله: «الممكن متأخّر عن تأثير المؤثر فيه» غلط، بل إنّما يتأخّر في وجوده أو عدمه عنه المتأخّرين عن ذاته، و بسببهما احتاج الممكن إلى المؤثر، ثم إلى علّة الاحتياج (4) .

احتجّوا بوجوه.

الأوّل: لو كان الإمكان علّة الحاجة إلى المؤثر، لكان الممكن المعدوم محتاجاً، والتالي باطل، لأنّ العدم نفي محض، فلا يتحقّق فيه التأثير، لأنّ العدم ليس بأثر فلا تأثير، والشرطية ظاهرة.

الثاني: لو كان الإمكان علّة الحاجة لكان الممكن الباقي محتاجاً، والتالي باطل بما يأتي، فالمقدّم مثله، والشرطية ظاهرة.

الثالث: الضرورة قاضية، بأنّ كلّ حادث، فلابدّ له من محدث.

والجواب عن الأوّل: ما تقدّم من «احتياج الممكن في عدمه إلى سبب هو عدم مؤثره»، فبالحقيقة علّة الوجود هي علّة العدم، لكن إن حضرت أثرت الوجود، وإن عدمت أثرت العدم، وكونه نفياً محضاً، لا ينافي تميّـزه باعتبار نسبته


1 . تتمة لقوله: لا يقال، و ليس جواباً له.
2 . ق:مابين الهلالين ساقط.
3 . في النسخ:«على نفسه و هو الامكان»، و الأفضل ما أثبتناه طبقاً للسياق.
4 . انظر المعارضة وجوابها في نقد المحصل : 120.


(156)

إلى ملكته، ونمنع كون العدم ليس بأثر، نعم إنّه ليس بأثر وجودي، بل هو أثر عدمي.

وعن الثاني: بالمنع من بطلان التالي وسيأتي (1).

وعن الثالث: بأنّ الضرورة إنّما قضت بذلك، لاتّصاف الحادث بالإمكان، لأنّه لما حدث بعد أن لم يكن، فقد اتّصفت ماهيته بالعدم السابق والوجود اللاحق، فكانت ماهيته من حيث هي هي قابلة للأمرين، فاتّصافها بأحدهما لابدّ له من سبب، لأنّ التساوي يمنع من الترجيح، فلابدّ من وجوب سابق مستند إلى المؤثر، فلو جوّز العقل وجوبه لم تقض الضرورة بالحاجة فيه.

واعلم، أنّ الوجه الثاني من الوجهين الدالّين على أنّ الحدوث لا يصلح للعلّية يدلّ بعينه على أنّه لا يجوز أن يكون جزءاً منها، ولا شرطاً لها، لأنّا أبطلنا كونه(2) علّة، لكونه متأخّراً والعلّة متقدمة، وجزء العلّة وشرطها أقدم من العلّة بمرتبة، (3) فكانا أولى بالامتناع لزيادة مراتب التقدّم حينئذ.

واعلم، أنّا لو جعلنا العلّة المحوجة إلى المؤثر هي الإمكان، بشرط كون الممكن ممّا سيحدث، على أن يكون هذا الوصف جزء العلّة، أو شرطها، أو جعلناه كلّ العلّة، اندفع الدور وتقدّم الشيء على نفسه، وكأنّ مقصود كلام المتقدّمين من المتكلّمين ذلك.


1 . في البحث العاشر الآتي.
2 . ق:«كونها».
3 . كلمة مطموسة في المخطوطات، ولعلّ ما أثبتناه هو الصواب.


(157)

البحث العاشر:

في أنّ الممكن الموجود، هل يحتاج في بقائه إلى السبب أم لا؟(1)

اختلف الناس في ذلك، فذهب الأوائل والمتأخّرون من المتكلّمين إلى أنّ الممكن حال بقائه محتاج إلى السبب، و نفاه قدماء المتكلّمين (2)والمعتمد الأوّل .

لنا: أنّ العلّة المحوجة إلى المؤثر هو الإمكان، وهو لازم للماهيّة، ثابت لها حالة البقاء، كما ثبت حالة الحدوث، فيلزم ثبوت الاحتياج في الحالتين، لوجود العلّة فيهما.

وأيضاً: لو استغنى الممكن في وجوده في الزمن الثاني عن المؤثر، لكان واجباً، إذ ليس معنى الواجب سوى المستغني في وجوده عن السبب، فإن كان لذاته فهو محال، لاستحالة تعدّد الواجب لذاته، وتجدّد الوجوب الذاتي للشيء، وإن كان لغيره، فهو المطلوب.

احتجّوا بوجهين:

الأوّل: لو افتقر الممكن حال بقائه إلى السبب، لكان ذلك السبب إمّا أن يكون له أثر، أو لا . فإن لم يكن له أثر البتة، كان الباقي في ذلك الوجود غنياً عن ذلك المؤثر. وإن كان له أثر، فإمّا أن يكون هو الوجود (3) الأوّل، أو غيره. فإن كان


1 . راجع التحصيل: 524وما بعدها; إلهيات الشفاء، الفصل الأوّل و الثاني من المقالة السادسة; كشف المراد : 81.
2 . و قد حكى عنهم أنّه «لو جاز على الباري العدم لَما ضرَّ عدمُه وجودَ العالم» انظر شرح الإشارات 3: 68; الأسفار 1:220.
3 . ق:«الموجود» و هو خطأ.


(158)

الأوّل، كان ذلك تحصيلاً للحاصل وإن كان الثاني، كان الشيء موجوداً مرتين، وهو محال. ولأنّه يلزم أن يكون المحتاج إنّما هو الوجود(1) المتجدّد لا الباقي، وهو المطلوب(2).

الثاني: أنّا نشاهد البناء باقياً بعد الباني، ولو كان محتاجاً إليه عدم لعدمه، والحجر المرمي تبقى حركته بعد مفارقة الرامي(3) .

والجواب عن الأوّل: أنّ قولكم: «السبب حال البقاء، إمّا أن يكون له أثر أو لا » غلط، فإنّ المؤثر في البقاء، لا يكون له أثر البقاء حال البقاء، وتحصيل الحاصل إنّما لزم منه، بل المؤثر يفيد البقاء بعد الإحداث، وتأثيره بعد الإحداث في أمر جديد هو البقاء، فإنّه غير الإحداث، فهو مؤثر في أمر جديد صار الباقي به باقياً، لا في الذي كان باقياً، ولولا ذلك الجديد، لم يكن الأثر باقياً.

وأيضاً إن عنيتم بقولكم: «المؤثر هل له فيه تأثير أم لا؟» أنّ المؤثر هل له فيه تأثير جديد، فليس الأمر كذلك، وإن عنيتم به أنّ المؤثر له فيه تأثير، بمعنى أنّ الأثر الذي وجد عنه استمر لأجل استمراره، فالأمر كذلك.

واعترضه أفضل المحقّقين: بأنّ البقاء المستفاد من المؤثر أمر جديد، لولاه لم يكن الأثر باقياً (4).

وفيه نظر; فإنّ تحصيل الحاصل، نشأ من أنّ المؤثر أثّر في الباقي البقاءَ حال


1 . ق: «يكون».
2 . راجع نقد المحصل: 121.
3 . راجع شرح الإشارات 3:68، وفيه إشكال آخر هو: لو كان يفتقر إلى الباري تعالى من حيث هو موجود لكان كلّ موجود مفتقراً إلى موجد آخر، والباري أيضاً.
وأجاب قطب الدين الرازي عن الإشكالات في المحاكمات(ذيل شرح الاشارات) فراجع.
4 . نقد المحصل: 121.


(159)

فرض البقاء موجوداً، لكن المستدل لم يطلب ذلك، بل قصد أنّ أثر السبب في الباقي في زمان البقاء، إن كان هو الذي أوجده حال الحدوث ، لزم تحصيل الحاصل، وإن كان مغايراً له، كان التأثير في أمر جديد. وأيضاً هذا الجواب يقتضي كون البقاء موجوداً، ويلزم منه التسلسل.

وعن الثاني: أنّ البناء، ليس المحتاج فيه إلى الباني استقرار أجزائه في مواضعها، بل حركة الباني علّة لحركة تلك الأجزاء من موضع إلى آخر، واستقرارها في مواضعها مستند إلى خلق أكوان فيها من اللّه تعالى، كما ينقل الجسم من حيّز إلى آخر. والرامي يفيد المرمي قوة تستمر باستمرار الحركة.

خاتمة: الامتناع وصف عدميّ، وإلاّ لكان الموصوف به ثابتاً، وهو باطل بالضرورة. وهو قد يكون ذاتياً، كامتناع شريك الباري لذاته، لا بمعنى أنّ له ذاتاً تقتضي امتناع وجوده، بل أنّ تصوّره مقتض لامتناع وجوده. وقد يكون عرضيّاً، كوجود المعلول مع عدم علّته، فإنّه يكون ممتنعاً لا لذاته، بل باعتبار عدم علّته، والامتناع الذاتي(1) في مقابله الوجوب الذاتي، والعرضي في مقابله العرضي.


1 . أضاف في ق: «في مقابله الوجود الذاتي»، وهو من اقحام الناسخ.


(160)

(161)

المقصد الثالث
في التقسيم بالنسبة إلى الماهية والجزء
والخارج والكلّـي والجزئي

إعلم: أنّ كلّ معقول فإمّا أن يكون نفس الماهيّة أو جزءها أو خارجاً عنها. وأيضاً، فإمّا أن يكون كلياً أو جزئياً، فهنا فصول:

الفصل الأوّل:

في مباحث الماهيّة

البحث الأوّل: في تحقيق الماهية (1)

لكلّ شيء حقيقة هو بها ما هو، وتلك الحقيقة هي الماهيّة بالذات ومغايرة


1 . راجع: الفارابي، فصوص الحكم:47; المباحث المشرقية 1:139ـ 142;كشف المراد:85.و عرفها الجرجاني وقال: «الأمر المتعقل، من حيث إنّه مقول في جواب ما هو يسمى: ماهية، و من حيث ثبوته في الخارج يسمى: حقيقة، و من حيث امتيازه عن الأغيار: هوية، و من حيث حمل اللوازم له: ذاتاً، و من حيث يستنبط من اللفظ: مدلولاً، و من حيث إنّه محلّ الحوادث: جوهراً... ماهية الشيء: ما به الشيء هو هو، و من حيث هي هي لا موجودة ولا معدومة، ولا كلي ولا جزئي، ولا خاص و لا عام»(التعريفات:251).


(162)

لها بالاعتبار، فإنّ الماهيّة إذا أُخذت ثابتة في الأعيان، سمّيت حقيقة، وإن أُخذت معقولة، سمّيت ماهيّة، وهي مشتقّة عمّـا هو، وهي ما به يجاب عن السؤال بما هو. وتلك الماهية إذا أُُخذت من حيث هي هي، ولم يضم إليها في الاعتبار شيء من صفاتها (1)، من وحدة أو تعدّد أو غيرهما من الصفات اللازمة أو المفارقة، كانت نفس الماهية مغايرة لجميع الصفات، فالفرسيّة إذا أُخذت من حيث هي فرسية لم تكن شيئاً غير الفرسيّة، وهي مغايرة للوحدة والكثرة والوجود والعدم. فإذا ضممت قيداً زائداً إليها، كالوحدة، صارت فرسية وشيئاً آخر هو الوحدة، فصارت باعتبار الوحدة فرسية واحدة وتغاير الاعتباران.

وإذا أُخذت الفرسيّة من حيث تطابق بحدها أُموراً كثيرة (2)، صارت عامّة، وهي في نفسها ليست إلاّ الفرسيّة، ومفهوم الوحدة والكثرة مغايران لمفهومها، وإلاّ لو كانت مفهوم أحدهما، لم تصدق على مقابله.

فإن سألنا عن الفرسيّة بطرفي النقيض، لم يكن الجواب إلاّ السلب،على أن يكون قبل «من حيث» لا على أنّه (3) بعد «من حيث» (4).

ولو سألنا عنها بموجبتين في قوة النقيضين، بحيث لا تخلو عنهما، كالواحد والكثير، لم يلزم الجواب.


1 . انتهى السقط حيث كان بدايته «الأثر» في ص 154.
2 . م: «كثيرة» ساقطة، والعبارة في المباحث المشرقية كذا «من حيث إنّها تطابق أُموراً كثيرة، تجدها عامّة».
3 . م: «أنّه» حذفت سهواً.
4 . أي يكون السلب قبل الحيثية، حتى يفيد سلب المقيّد ـ أي وجود المقيد بمرتبة الذات ـ دون السلب المقيّد. ويذكر السبزواري وجه التقديم بقوله:

وقَدِّ من سلباً على الحيثية * حتى يَعمَّ عارض الماهية

شرح المنظومة :94.


(163)

والفرق ظاهر (1)، لأنّ الكثير هنا (2) وقع موقع السلب بعد «من حيث»; فإنّا إذا قلنا: الفرسيّة من حيث هي فرسيّة واحد أم ليس؟ كان الجواب: ليس الفرسية من حيث هي فرسيّة واحداً، وهو جواب صحيح.

ولو قلنا: الفرسيّة من حيث هي فرسيّة واحد، أو كثير، فقلنا: واحد، أو كثير، لم يكن جواباً صحيحاً. وكان الحق: ليست الفرسيّة من حيث هي فرسيّة، واحداً ولا كثيراً لأنّ قولنا: ليست الفرسيّة من حيث هي فرسية واحداً يصدق مع كونه واحداً بخلاف قولنا: الفرسيّة من حيث هي فرسيّة كثير . فالفرسيّة من حيث هي فرسيّة، لا يدخل في مفهومها الواحديّة والكثيريّة، وإن وجب اتّصافها بأحدهما، لكن لا من حيث مفهوم الفرسيّة، بل باعتبار ما ينضمّ إليها.

وإذا قيل: الإنسانيّة التي في زيد من حيث هي إنسانيّة، لا تغاير التي في عمرو، كان حقّاً. ولا يلزم منه أن يقال: فهما واحد بالعدد، لأنّا عنينا بهذا السلب «أنّ تلك الإنسانية من حيث هي إنسانيّة، إنسانيّةٌ فقط; وكونها غير التي في عمرو شيء من خارج».

وإذا قيل: الإنسانيّة التي في زيد من حيث هي إنسانيّة، هل هي التي في عمرو؟ فالجواب «ليس» قبل «من حيث» لأنّ قولنا: من حيث هي إنسانيّة أسقط اعتبار كونها في زيد (3)، لأنّه قيد خارج عن الإنسانيّة من حيث هي إنسانيّة.

فإن قيل: الإنسان من حيث هو إنسان، إذا كان موجوداً في زيد، فإمّا أن


1 . بين أن نسأل بطرفي النقيض، وبين أن نسأل عنها بموجبتين في قوة النقيضين. راجع الفصل الأوّل من المقالة الخامسة من إلهيّات الشفاء، ومن أراد التفصيل فليراجع التعليقة على الشفاء، لصدر المتألّهين: 181ـ 182، وأوائل الأسفار: ج2.
2 . ق: «هنا» ساقطة والمراد منها السؤال الثاني.
3 . م: «اسقط كون اعتبارها في زيد»، وهي في المباحث المشرقية: «اسقط عنها اعتبار كونها في زيد».


(164)

يكون خاصّاً به، فلا يكون غيره إنساناً، ولم يكن الإنسان بما هو إنسان موجوداً فيه، بل إنسانٌ ما. وإن لم يكن خاصّاً به، كان شيء واحد بالعدد موجوداً في محالّ (1) متعددة وهو محال; فإذن يمتنع أن يكون الإنسان من حيث هو موجوداً في الأشخاص، فيكون مفارقاً.

فالجواب : الإنسان من حيث هو موجود في الشخص، فيكون إنساناً ما. وإذا كان المعيّـن(2) موجوداً، فالإنسان من حيث هو، موجود، لأنّ المعيّـن(3) إنسان وشيء، ووجود المركب يستلزم وجود أجزائه. وإذا كان إنسان ما موجوداً، فالإنسان الذي هو جزء من إنسان ما موجود، فاعتبار الإنسان بذاته جائز، وإن كان مع غيره، لأنّ ذاته مع غيره (4) ذاته، وذاته له بذاته، وكونه مع غيره عارض له، وهذا الاعتبار مقدم في الوجود على الإنسان الشخصي والكلّـي العقلي تقدم البسيط على المركب، وهو بهذا الاعتبار لا جنس ولا نوع، ولا واحد ولا كثير، بل انسان فقط، لكن يلزمه إحدى هذه الأوصاف من خارج ذاته، وليس من هذه الجهة فرساً(5) ما وإن كان يلزمه أن يكون فرساً ما (6) .

وأيضاً (7) لا يصحّ قوله: «الإنسان الموجود في الأشخاص إمّا خاص أو عامّ»; لأنّ الإنسان من حيث هو لا عامّ ولا خاصّ.

واعلم: أنّ الكلّـي قد يوجد باعتبارات ثلاثة:

الأوّل: الماهيّة من حيث هي هي، وتسمّى الطبائع، أي طبائع أعيان الموجودات ونفس حقائقها. وتسمّى الأمر الإلهي، كما يؤخذ الحيوان لا بشرط شيء(8).


1 . ق وج: «حال».
2 . م:«المعنى». ق و ج: «العين» و لعلّ الصواب ما أثبتناه وفقاً للسياق.
3 . م:«المعنى». ق و ج: «العين» و لعلّ الصواب ما أثبتناه وفقاً للسياق.
4 . ق:«غير».
5 . كذا ، والصواب«انساناً ما».
6 . كذا ، والصواب«انساناً ما».
7 . هذا جواب عن الإشكال الثالث.
8 . من هنا إلى قوله: «وجوده ذهناً» مشوشة في النسختين: م و ق، فأثبتنا الصحيح منهما.


(165)

الثاني: الماهيّة بشرط التجرّد عمّـا سواها، كأخذ الحيوان بشرط لا شيء، بل مجرّداً عن غيره. والأوّل موجود في الخارج، بخلاف الثاني، فإنّ وجوده ذهني، على أنّ ذلك خارج عنه أيضاً، فإنّ شرط تجرّده ينافي اعتبار وجوده ذهناً (1)، لا وجوده ذهناً (2).

الثالث: الماهيّة بشرط عروض اللواحق الخارجيّة (3) عنها بها، من الفصول، فتكون أنواعاً، ومن العوارض، فتكون أصنافاً وأشخاصاً. وهي بهذا الاعتبار موجودة في الخارج، بل هي المقصودة بالذات بالوجود; فإنّ الغرض والغاية الحقيقيّة يتعلّقان بوجود الأنواع (4).

والفرق بين أخذ الشيء بشرط لا، وبين أخذه لا بشرط، إنّما يظهر في الخارج عن الماهيّة، لا في الماهيّة ولا في مقوّماتها، بل الماهيّة ومقوّماتها دائماً توجد بشرط لا، إذ لو أدخلت في الحقيقة قيداً أو أخرجت عنها قيداً، لم تكن تلك الحقيقة، بل صارت حقيقة أُخرى. أمّا لوازم الحقيقة، فتارة تؤخذ بشرط لا، وتارة تؤخذ لا بشرط. فإذا أُخذت الحقيقة بالنسبة إلى تلك اللوازم بشرط لا ، فقد أُخذت الحقيقة مجردة عن تلك العوارض، وهو ممكن، بخلاف المقوّمات. وإذا أُخذت الحقيقة بالنسبة إلى تلك اللوازم لا بشرط، فقد أُخذت الحقيقة صالحة لعروض أمر زائد عليها ولعدمه.


1 . م: «ذهنياً».
2 . م: «لا وجوده ذهناً» ساقطة.
3 . وتسمى الأُولى المطلقة، والثانية المجردة، والثالثة المخلوطة. انظر البحث في الأسفار 2/16 وما بعده، وشرح الإشارات، قسم المنطق: 43 وما بعده.
4 . م: «العرض والأنواع».


(166)

واعلم: أنّ الجنس قد يمكن أن يؤخذ باعتبارين معاً، فإنّ الحيوان يمكن أخذه بشرط لا شيء، فإنّ شرط الشيء هنا يراد به ما من شأنه أن يدخل في مفهوم الحيوان عند صيرورته محصّلاً، فإنّ المعاني الجنسيّة إنّما تتحصل بالفصول.

البحث الثاني: في تقسيم الماهية (1)

الماهيّة إمّا أن تكون بسيطة، وإمّا أن تكون مركّبة. وللبسيط تفسيران:

أحدهما: الذي لا تلتئم حقيقته من أُمور.

والثاني: الذي تتساوى أجزاؤه في الاسم والحدّ.

والمراد هنا الأوّل.

والمركّب هو الذي تلتئم حقيقته من عدة أُمور. والحسّ دلّ على وجوده.

ولابدّ من وجود البسيط، وإلاّ لزم تركّب كلّ ماهيّة من أُمور غير متناهية كلّ واحد من تلك الأُمور مركّب من أُمور غير متناهية. وهكذا إلى ما لا يتناهى، وهو غير معقول، لاستلزامه وجود الكثرة من دون الوحدات.

والضرورة قاضية، بأنّ كلّ كثرة سواء كانت متناهية أو غير متناهية، فإنّ الواحد فيها (2) موجود، لأنّه جزء، ولا وجود للكلّ بدون جزئه، ثمّ ذلك الواحد إن كان مركّباً لم يكن واحداً، هذا خلف، وإلاّ فالمطلوب.

قال أفضل المتأخّرين: مجموع أجزاء الماهيّة نفسها، وإلاّ لكان إمّا داخلاً فيها، وهو محال (3)، وإلاّ لكان هناك جزء آخر، فلم يكن ما فرضناه مجموع


1 . راجع المباحث المشرقية: 1:142; لمواقف: 61.
2 . ق و ج:«منها».
3 . ق: «إمّا داخلاً فيها وهو محال» ساقطة.


(167)

الأجزاء، هذا خلف، أو خارجاً عنها، فتكون الأجزاء عوارض، وهو محال.

وليس بجيد، لأنّ هنا قسماً آخر وهو أن يكون مجموع الداخل، لأنّ كلامه يُشعر بأنّه أراد بالداخل بعض الأجزاء.

وقيل: لو كان مجموع الأجزاء نفس الماهيّة، لم تكن للمركّب علّة تامة، لأنّها ليست مجموع الأجزاء، لأنّ التقدير أنّها نفسه (1)، ولا بعضها، لافتقاره إلى الآخر (2) ولا الخارج، لافتقاره إلى الأجزاء. ولا إلى (3) جميع الأجزاء والخارج، وإلاّ لكان نفس الماهيّة جزء علّتها. ولا بعض الأجزاء والخارج، لافتقاره إلى البعض الآخر، وهذا الإيراد من فوائد «المولى الأعظم الوزير خواجه رشيد الملّة والدين» وهو لازم لا جواب عنه إلاّ المعارضة.

وهذه الآحاد إنّما تتركّب منها الماهيّة لو كان بعضها محتاجاً إلى البعض الآخر، إذ لو كان كلّ واحد منها (4) غنيّاً عن صاحبه لم تتركّب منها حقيقة واحدة، وكان بمنزلة جلوس الإنسان على الحجر، فإنّه لمّا انتفت الحاجة بينهما، امتنع تركّب حقيقة منهما. والمعجون وإن استغنى كلّ واحد من أجزائه عن البواقي، لكنّ الصورة الحاصلة من تركيب تلك الأجزاء الماديّة محتاجة إليها، وتلك الصورة المعجونية جزء من المعجون، وكذا الص(5)ورة العددية، كالعشرية المحتاجة إلى آحادها، والصناعية كذلك، كالحائط المستغني كلّ واحد من أجزائه المادّية عن الآخر، واحتياج صورته إليها، ولا يمكن احتياج كلّ واحد منها إلى الآخر من الجهة الواحدة، وإلاّ لزم الدور، بل إن احتاج كلّ منهما إلى الآخر فمن جهتين


1 . ق: بزيادة جملة «لأنّ التقدير أنّها ليست مجموع الأجزاء» قبل «لأن التقدير أنّها نفسه».
2 . كذا في المخطوطة.
3 . م: «إلى» ساقطة.
4 . ق: «منها» ساقطة.
5 . م: «الصور».


(168)

متغايرتين، كالمادة والصورة.

قيل: إنّه لا يكفي احتياج بعض الأجزاء إلى ما يحتاج إليه الآخر وإن استغنى عن الآخر، وإلاّ لتمت الحقيقة بالمحتاج والمحتاج إليه، دون الآخر، فلا يكون الآخر جزءاً، بل ما احتاج إليه الآخر، مثلاً الحيوان غير متقوّم بالضاحك، وإن احتاج إلى ما يحتاج إليه الضاحك وهو الناطق. و الملازمة ممنوعة.

البحث الثالث: في أنّ البسائط هل هي مجعولة أم لا؟ (1)

اختلف الناس في ذلك، بعد اتفاقهم على أنّ وجود الممكن البسيط إنّما يحصل بالفاعل، فليس النزاع في أنّ وجود البسيط هل يحصل بالفاعل أم لا، بل في ماهيته، مثلاً: هل السواد سواد بالفاعل أم لا؟.

فذهب أكثر الأوائل وقدماء المعتزلة إلى أنّها غير مجعولة.

وذهب آخرون، خصوصاً من جعل الوجود نفس الماهية، إلى أنّها مجعولة (2).

احتجّ الأوّلون بوجوه:

الأوّل: علّة الحاجة إلى المؤثر إنّما هي الإمكان، وهو أمر إضافي لا يعقل تحقّقه بالنسبة إلى شيء واحد، لاحتياج الإضافة إلى مضافين، إذ من خاصّيتها (3) التعاكس. وإذا لم يعقل عروض الإمكان للواحد إلاّ باعتبار حصول شيء آخر له كوجود أو عدم، استحالت الحاجة عليه لانتفاء علّتها (4).


1 . راجع المباحث المشرقية 1:143ـ144; لمواقف: 62ـ63 وقد قال فيه: «إنّ هذه المسألة من المداحض».
2 . راجع كشف المراد : 89.
3 . م: «خاصتها».
4 . م: «علّته».


(169)

الثاني: تأثير الشيء في غيره إنّما يكون بعد احتياجه إلى ذلك الشيء، واحتياجه إلى ذلك (1) الشيء نعت من نعوته، والنعت متأخّر عن المنعوت، فإذن حقيقته مقدّمة على تأثير الشيء فيه، فيستحيل أن يكون للشيء فيه تأثير.

الثالث: لو تعلّقت سوادية السواد بغيره، لم يكن السواد سواداً عند فرض عدم ذلك الغير، وهو محال; لأنّ السواد سواد لذاته سواء تحقّق غيره أو لا.

وفي الأوّل نظر; لأنّ الماهيّة وجعل الفاعل لها أمران متغايران، فصحّ عروض الإمكان بالنسبة إليهما.

وفي الثاني: لأنّ الاحتياج وصف اعتباري، وإن كان منسوباً إلى الماهيّة، لكنّ ذلك لا يقتضي كونه وجودياً، لأنّه منسوب إليها حال كونها ذهنيّة بالحاجة(2) عند كونها خارجية.

وفي الثالث: لأنّه المتنازع، فإنّ من يجعل السواد سواداً بالفاعل، يعترف برفع حقيقة السواد عند ارتفاع الفاعل، لا بأن يثبت السواد ويرتفع عنه كونه سواداً، بل بأن لا تبقى له حقيقة البتّة.

احتجّ الآخرون: بأنّه لو انتفت مجعولية البسيط انتفت المجعولية مطلقاً، لأنّ الماهية إذا لم تكن مجعولة، لم يكن الوجود أيضاً مجعولاً، بعين ما تقدّم من الأدلّة، فلا تكون الماهيّة الموجودة مجعولة، فلا يستند الممكن الموجود إلى المؤثر، فلا يكون ممكناً بل واجباً، هذا خلف.

لا يقال: المستند إلى الفاعل هو موصوفية الماهيّة بالوجود، وهو أمر مغاير للماهيّة والوجود.

لأنّا نقول: أوّلاً: الموصوفيّة ليست ثبوتيّة وإلاّ لزم التسلسل، لاستحالة


1 . ج: «ذلك» ساقطة.
2 . كذا في النسخ، و يبدو أنّ الصحيح:«بلا حاجة» أو «فلا حاجة».


(170)

قيامها بذاتها، فإنّه لا يعقل لها تأصّل في الوجود واستغناء(1) عن القيام بالغير، وإذا كانت صفة للغير كان اتّصاف الغير بها أمراً زائداً عليهما فكان(2) للموصوفيّة موصوفية أُخرى ويتسلسل. وإذا لم تكن ثبوتية استحال اسنادها إلى المؤثر.

وثانياً: أنّ البحث في الموصوفية كالبحث في الماهيّة، بأن نقول: لو كانت الموصوفية بالفاعل لزم ارتفاعها بارتفاع الفاعل، لكن خروج الموصوفيّة عن كونها موصوفيّة محال، كاستحالة خروج السواد عن كونه سواداً.

وثالثاً: أنّ موصوفية الماهيّة بالوجود إن كانت نفس الوجود عاد الإشكال، وإن كانت مغايرة له، فإن لم تكن ثبوتيّة استحال اسنادها إلى الفاعل، وإن كانت ثبوتيّة، فإن كانت بسيطة عاد الإشكال، وإن كانت مركّبة، كان الكلام في بسائطها وتركّبها، كالكلام في الماهيّة والوجود وانتساب أحدهما [إلى](3)الآخر.

واعترض أفضل المحقّقين (4): بأنّ تأثير المؤثر، في جعل الماهية موصوفة بالوجود، كما هو رأي القائلين بشيئية المعدوم، ولا يتعلق ذلك بموصوفيّة الماهيّة بالوجود، لأنّ ذلك أمر إضافي يحصل بعد اتّصافها به. والمراد من تأثير المؤثّر هو ضم الماهيّة إلى الوجود، ولا يلزم من ذلك محال (5).

وفيه نظر، لعود البحث في الضم وجعل الماهيّة موصوفة بالوجود، وغير ذلك من العبارات، فإنّ المستند إلى الفاعل كيفما كان إمّا بسيط أو مركّب (6).


1 . م: «استغناها». ق:«استغنائها».
2 . م:«و كان».
3 . م وج: «بالآخر»، ق: «في الآخر».
4 . وهو المحقّق الطوسي «رحمه اللّه».
5 . نقد المحصل: 118.
6 . وقد استوفى القوشجي البحث في هذا الموضوع، فراجع شرحه على تجريد الاعتقاد: 99ـ 102.


(171)

البحث الرابع: في الفرق بين الجزء وغيره (1)

للجزء خواص ثلاثة: إضافيتان و حقيقية هي: (2) تقدّمه (3) في الوجودين والعدمين، لأنّ الماهية معلولة للأجزاء، والعلّة متقدّمة على المعلول، وعدم العلّة متقدّم أيضاً على عدم المعلول، لكونه علّة له. فالعشرة إنّما توجد إذا وجدت آحادها بأجمعها، وعدم أيّ واحد كان منها علّة في عدمها (4) فكلّ واحد من الأجزاء علّة ناقصة في تحقّق العشرية، وعدم كلّ واحد علّة تامّة في عدمها.

والفرق، أنّ الوجود لمّا توقّف على تحقّق جميع الأجزاء توقّفَ المعلول على علّته، وكان عدم العلّة الناقصة، علّة تامة في عدم المعلول، لزم توقّف الوجود على الجميع والعدم على عدم أيّ واحد كان. ولمّا وجب التطابق بين الصورة العقليّة والخارجية ـ وإلاّ لم تكن الصورة المعقولة (5) صورة للخارجية ـ وكانت الأجزاء لذاتها متقدّمة في الوجود الخارجي على الماهيّة، وجب أن يكون في العقل أيضاً كذلك، فإنّه يستحيل تعقّل الماهيّة مفصّلة، إلاّ بعد تعقّل جميع أجزائها، إذ لو عقلت الحقيقة مفصّلة بدون جزئها لم يكن ذلك جزءاً (6) لها، بل وصفاً خارجياً عنها.

والحاصل: أنّ الماهيّة ليست إلاّ مجموع تلك الأجزاء، وحصول المجموع


1 . راجع المباحث المشرقية1:144ـ146; كشف المراد:90.
2 . أي الخاصة الحقيقية.
3 . ق: «متقدمة»، والصواب ما أثبتناه من: م.
4 . م: «عدم كل واحد منها علّة في عدمها».
5 . ق: «المعلومة».
6 . م: «الجزء».


(172)

متأخّر عن حصول الأجزاء، ولمّا كان التقدّم من لوازم الجزء لذاته، وتعقّل الملزوم يستلزم تعقّل اللازم القريب، وجب أن يتصوّر الذهن تقدم الجزء، فتصوّره متقدّم، وتقدمه متصوّر. (1) أمّا لو عقلنا الماهيّة غير مفصّلة، بل بحسب عوارضها، لم يجب تصوّر الجزء معها ولا تقدّم تصوّره، لأنّ ذلك في الحقيقة ليس تصوّراً لتلك الماهيّة بل لعارضها. فالأجزاء لكونها متقدمة في الوجود الذهني، يلزمها كونها بيّنة الثبوت للماهيّة، أي لا تفتقر إلى وسط بينها وبين الماهيّة، ولكونها متقدّمة في الخارج تستغني عن السبب الجديد، لأنّ تحقق الماهيّة إذا تأخر عن تلك المفردات، فمتى تحققت الحقيقة فقد كانت تلك المفردات متحققة أوّلاً، وحينئذ لا يجوز استنادها إلى سبب آخر جديد، لاستحالة تحصيل الحاصل. وكذا في الذهن، لما تأخر حصول الحقيقة فيه عن تصوّر المفردات، استغنى عن السبب الجديد أيضاً، وهذا الاستغناء الثاني (2) هو المراد بالتبيّـن. وخاصيّة (3) التقدّم أخص من الخاصية التي هي الاستغناء عن السبب، لأنّ الأُولى هو الحصول المتقدّم، والثانية هي مطلق الحصول. فلهذا قالوا: «لا يلزم من كون الوصف بيّـن الثبوت للشيء وكونه غنياً عن السبب كونه ذاتياً».

لا يقال: لو اقتضى عدم الجزء عدم الكلّ، لزم اجتماع العلل الكثيرة على المعلول الشخصي، أو الترجيح من غير مرجح، والتالي باطل بما يأتي، فالمقدم مثله.

بيان الشرطية: أنّه لو عدمت الأجزاء دفعة، فإمّا أن يستند عدم الماهيّة إلى


1 . والعبارة مشوشة في المخطوطات، فرتّبناها بأخذ الصواب من النسختين، والمراد، أنّه كما يجب تصوّر تقدّمه يجب تقدّم تصوّره أيضاً.
2 . أي الاستغناء في الذهن عن المحصّل الجديد هو المراد بكونها بيّنة الثبوت.
3 . ق: «خاصته».


(173)

عدم كلّ جزء ويلزم الأوّل، أو إلى أحدها وهو ترجيح من غير مرجح.

وأيضاً، لو كان كذلك لزم إمّا تحصيل الحاصل، أو تخلف المعلول عن علّته التامة، والتالي بقسميه باطل، فالمقدم مثله.

بيان الشرطية: أنّه لو عدم جزء، ثم عدم بعده آخر، فالعدم الثاني إن اقتضى عدم الماهيّة، وقد كان حاصلاً بالعدم (1) الأوّل لزم الأوّل، وإن لم يقتضِ، مع أنّه علّة تامة لزم الثاني.

لأنّا نجيب عن «أ» من وجوه:

الأوّل: عدم الماهيّة يستند إلى أسبق (2) الأجزاء عدماً (3)، ولا يلزم تعدد العلل.

الثاني: عدم الماهيّة يستند إلى عدم أي جزء اتفق، أي عدم أحد الأجزاء لا بعينه، فإذن عدم المعيّن اقتضى عدم المركب لا من حيث إنّه معيّن، بل من حيث اشتماله على أحد الأجزاء مطلقاً (4).

الثالث: لانسلّم أنّ المعلول هنا شخصي، حتى يستحيل تعدد علله.

وبيانه: أنّ العدم غير متشخص في نفسه، ولا متميز عن غيره،و إنّما يتمايز أفراده باعتبار ملكاته تمايزاً غير حقيقي، بل باعتبار إضافته إلى ملكته. ثمّ عدم الماهيّة بعدم جزء من أجزائها، مغاير لعدمها بعدم جزء آخر مغاير له، أو بعدم جزئين، أو بعدم جميع الأجزاء.

وعن ب: بأنّا نختار القسم الثاني، ونمنع كون الثاني علّة تامّة لعدم الماهيّة، لأنّه إنّما تكون علّة تامة لو كان جزءاً للكلّ ونمنع كونه جزءاً للكلّ بعد عدم


1 . ق: «في العدم».
2 . ق: «سبق».
3 . م: «عدمها».
4 . هكذا العبارة في المخطوطات.


(174)

الأوّل، إذ بعدم الأوّل يعدم الكلّ، والجزء مضاف إلى الكلّ وإذا عدم أحد المضافين عدمت الإضافة، فيلزم عدم الجزئية عن الثاني، فتنتفي الخاصّية عنه.

أو نقول:لِـمَ لا يجوز أن يكون علّة لا مطلقاً؟ بل بشرط وجود الأوّل، فإذا انتفى الأوّل انتفى شرط عليّة(1) العدم الثاني.

أو نقول: لِمَ لا يجوز أن يكون عدم الأوّل مانعاً للثاني عن تأثير عدمه في عدم الماهيّة؟ فهذا تحقيق الخاصّة المطلقة للجزء.

وأمّا الإضافيّتان: فإحداهما: أنّه لا يعلّل بعلّة مغايرة لعلّة الكلّ، فإنّ السواد هو لون لذاته لا لشيء آخر يجعله لوناً، فإنّ ما جعله سواداً جعله لوناً.

والثانية: أنّ الجزء يمتنع رفعه عمّـا هو ذاتي له وجوداً وتوهّماً.

وإنّما كانتا إضافيّتين لمشاركة بعض اللوازم العرضيّة فيهما، فإنّ الإثنين لا يحتاج في اتّصافه بالزوجيّة إلى علّة غير ذاته. ولا يمكن رفع الزوجيّة عنه وجوداً وتوهماً، إلاّ أنّ الجزء يلحق المركَّب قبل ذاته، فإنّه من علل ماهيّته، والعرضي اللازم يلحقه بعد ذاته، فإنّه من معلولاته. وأمّا غير الجزء، فإنّه لا يوجد له صفة التقدم في الوجودين والعدمين سواء كان لازماً أو لا.

البحث الخامس: في الفرق بين التركيب الذهني والخارجي (2)

أجزاء الماهيّة إمّا أن تكون محمولة عليها حمل المواطاة أو لا.

والأوّل، إنّما تكون أجزاء في الذهن لا غير، كتركّب السواد من جنسه الذي


1 . م وق:«علّة» و الصحيح ما أثبتناه من ج.
2 . راجع المباحث المشرقية 1:56ـ 58; كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 91، وقد تعمّق اللاهيجي في هذه المباحث وذكرها مفصلاً في شوارق الإلهام: 159ـ 164، وشرحه على «أحكام أجزاء الماهية».


(175)

هو اللون ومن فصله الذي هو قابضيّة البصر، فإنّ السواد لمّا شارك البياض في اللونيّة وامتاز عنها بالقابضيّة، جزم العقل بالفرق بينهما، لقضاء الضرورة بأنّ جهة الاشتراك مغايرة لجهة الامتياز. وإنّما كان هذا التركيب ذهنياً(1) لامتناع وجود لونية مطلقة في الخارج، وقابضيّة تنضم إليها تحصل منهما هيئة السواد، لأنّهما إمّا محسوستان أو لا.

فإن كانتا محسوستين، فإن ماثلا السواد امتنع تقوّمه (2) بهما. وإن خالفاه كان لوناً مخصوصاً مخالفاً للسواد في خصوصيته، فيكون نوعاً آخر من اللون المطلق، ولا يكون هو اللونيّة المطلقة، لأنّ اللونيّة المطلقة إذا كانت محسوسة فإذا انضافت القابضيّة (3) إليها، فإمّا أن تحدث هيئة أُخرى مخصوصة أو لا. فإن لم تحدث كان المحسوس هو اللونية المطلقة و(وطبيعة الجنس هي) (4)طبيعة النوع، وإن حدثت هناك هيئة أُخرى، لم يكن إحساسنا بالسواد إحساساً بهيئة واحدة، بل بهيئتين، وهو محال.

وإن لم تكونا محسوستين فعند اجتماعهما إمّا أن تحدث هيئة محسوسة أو لا. فإن لم تحدث لم يكن السواد محسوساً. وإن حدثت هيئة محسوسة، فتلك الهيئة المحسوسة معلولة لاجتماع اللونية والقابضيّة وهي خارجة عنهما مغايرة لهما. ولا نعني بالسواد إلاّ نفس تلك الماهيّة المحسوسة، فتكون اللونيّة والقابضيّة خارجتين لا مقومتين، فثبت امتناع تميّز أحد جزئي السواد عن صاحبه، بل ذلك التميّز إنّما يكون في الذهن وفي نفس الأمر، إذ لولا تميّز الجنس عن الفصل في نفس الأمر


1 . قال القوشجي في شرحه على تجريد الاعتقاد للطوسي ص 105: « قد تحيّـرت أفهام العلماء في كيفية تركّب الماهية من الأجزاء المحمولة» .
2 . ق وج: «ثبوته».
3 . في النسخ:«القابلية». أصلحناها طبقاً للسياق.
4 . ق وم: ما بين الهلالين ساقط.


(176)

وتغايرهما، لكان الذهن قد حكم بالتركيب فيما لا تركيب فيه، وهو جهل.

فاللونيّة والقابضيّة متغايران في الحقيقة والوجود الذهني لا في الوجود الخارجي، فكلّ واحد منهما لا يتميّز عن الآخر في الخارج، بخلاف التركيب الخارجي، فإنّ كلّ واحد من أجزائه موجود متميّز بنفسه عن صاحبه لا يبطل ببطلانه.

لا يقال: الفصل علّة الجنس، فله تقدم واستقلال حين يفيد الوجود لغيره.

لأنّا نقول: هذا أمر يعتبره العقل لا في الخارج.

لا يقال: ما به الاشتراك غير ما به الامتياز، لأنّ الذي به الاشتراك هو اللونية، والذي به الامتياز هو القابضيّة، ومفهوم أحدهما غير مفهوم الآخر، فلا يتقدّم أحدهما على الآخر في الوجود (1)، لأنّه إمّا أن لا(2) يكون كلّ واحدة من الماهيتين غنيّة عن الأُخرى فيدور. أو يكون أحدهما محتاجاً، فيكون المشترك متقدماً حتّى يلحقه التميّز، فيستدعي وجوداً متقدّماً ووجوداً لاحقاً.

لأنّا نقول: التقدّم ليس بالوجود، فإنّ أجزاء الماهيّة متقدمة على الماهيّة لا بالوجود.

لا يقال: إذا حملنا الحيوان على الإنسان، فإن أردنا اتّحادهما في المفهوم، لزم الكذب، وانتفت فائدة الحمل، ورجع إلى صدق الألفاظ المترادفة بعضها على بعض. وإن أردنا اتّصاف ماهيّة الإنسان بالحيوان، لزم الكذب; لأنّ الحيوان لمّا كان مقوّماً امتنع أن يكون صفة، لتقدّم الجزء وتأخّر الصفة.

لأنّا نقول: معنى «الإنسان هو الحيوان» أنّ الحيوان والإنسان وإن تغايرا في


1 . في المباحث المشرقية: «فوجب أن يكون لأحدهما تقدم على الآخر في الوجود».
2 . ق:«لا» ساقطة.


(177)

الماهيّة، لكنّهما متّحدان في الوجود، أمّا التغاير فظاهر، وأمّا الاتّحاد فلأنّه لا وجود لحيوان مطلق ما لم يتقيّد بقيد سلبيّ أو وجودي، كالناطق واللاناطق، وإذا استحال عروض الوجود إلاّ للمركّب ثبت الاتّحاد في الخارج.

قيل: لا يجوز عروض الوجود الواحد لماهيّتين وإلاّ لجاز قيام العرض الواحد بمحلّين وحصول الجسم في مكانين ، مع أنّ القيد السلبي لا يجوز أن يكون جزءاً من ماهية القابل للوصف الوجودي، فيستحيل أن يقبل الحيوان اللاناطق الوجود.

والتحقيق: أنّ معنى الحمل: الصدق، والامتناع في صدق الجزء على الكلّ لا من حيث إنّه جزء، بل معروض الجزئية.

البحث السادس: في التشخّص (1)

كلّ ماهيّة معقولة، فإنّ نفس تصوّرها لا يمنع من حملها على كثيرين. ومن ادّعى حملها على كثيرين موجودين طولب بالبرهان من غير تناقض. ومن ادّعى حصرها في شخص واحد لم تكن دعواه ضروريّة، بل يطالب بالبرهان.

وأمّا الشخص المعيّـن، فإنّ نفس تصوّره يمنع من وقوع الشركة فيه. ولا يحتاج في العلم بفساد من ادّعى صدقه على كثيرين، ولا في العلم بصحّة من ادّعى حصره، إلى برهان. فبالضرورة قد انضم إلى الحقيقة من حيث هي هي أمراً زائداً (2) عليها، فماهية الشخص هي ماهيّة النوع منضمّاً إليها شيء آخر.

بقي هنا بيان أنّ ذلك المنضم الذي حصل به التعيّـن والتشخّص


1 . راجع المباحث المشرقية:1:164 وما بعدها. ثمّ انظر البحث والأدلّة من الطرفين في شرح القوشجي على تجريد الاعتقاد للطوسي: 119 وما بعدها; شوارق الإلهام:181( في تشخص الماهية).
2 . كذا منصوبان.


(178)

أمر ثبوتي(1)، فنقول: اختلف الناس في ذلك، فذهب الأوائل إليه، وأنكره المتكلّمون.

احتج الأوائل بوجهين (2):

أ: تعيّـن الشيء وخصوصيته نفس هويّته، والشخص من حيث هو هو ثابت، والهويّة جزء منه وجزء الثابت ثابت فالتعيّـن ثابت.

ب: لو كان التعيّـن عدميّاً، فإمّا أن يكون عبارة عن اللا لاتعيّـن (3) مطلقاً أو عن لاتعيّـن غيره، والأوّل محال، لأنّ اللا تعيّـن مطلقاً عدميّ، فعدمه عدم العدم فيكون ثبوتياً. والثاني، إن كان تعيّـن غيره عدمياً كان هو ثبوتياً، لكنّ تعيّنه كتعيّـن غيره، فتعيّـن غيره أيضاً ثابت، وإن كان تعيّـن غيره ثبوتياً كان هو ثابتاً لأنّه كهو.

احتج المنكرون بوجوه:

الأوّل: لو كان التعيّـن ثبوتياً زائداً على الماهية، لكان له ماهيّة نوعيّة مقولة على أشخاص التعيّنات، لاشتراك جميع التعيّنات في الماهيّة المسمّـاة بالتعيّـن، وحينئذ يمتاز كلّ واحد منها عن صاحبه بخصوصيّة، فتكون شخصيّة كلّ نوع زائدة على ماهيته، فيلزم التسلسل، وبهذا سقط قول من قال: التعيّـن يتعيّـن لذاته.

الثاني: اختصاص ذلك الزائد بذلك المتعيّـن (4) دون غيره، إنّما يكون بعد


1 . قال في الأسفار: «إنّ تعيّـن الشيء غير تشخصه، إذ الأوّل أمر نسبيّ دون الثاني الخ».
2 . راجع تعليقة صدر المتألهين على الشفاء : 204.
3 . وفي المباحث المشرقية، وتعليقة صدر المتألهين على الشفاء: «عن عدم اللاتعين».
4 . ق: «التعيّن».


(179)

امتياز ذلك المتعيّـن عن غيره وإلاّ لم يكن اختصاصه به أولى من اختصاصه بغيره، أو اختصاص غيره به، فيجب أن يكون اختصاص ذلك التعيّن (1) بذلك المتعيّـن بعد تعيّنه، فهو متعيّـن قبل أن يكون متعيناً، هذا خلف.

الثالث: تشخّص الشخص الذي له ما يشاركه في نوعه إن كان أمراً زائداً، فله علّة غير الماهية، وإلاّ انحصر نوعها في شخصها.وليست العلّة الفاعليّة، لأنّ الفاعل ليس له إلاّ الإيجاد، وإيجاده له لا يقتضي أن يكون الحاصل هو ذلك بعينه، ولا الصوريّة لتأخّر وجودها عن محلّها، فلا تكون علّة لهويّته ولإيجاد الصورة في جميع أفراد النوع، ولا الغائية لتأخّر وجودها عن وجود الشيء، ولا القابليّة، لأنّ الكلام في تعيّـن ذلك القابل كالكلام في تعيّـن ذلك الشيء، فإن كان لتعيّنه دار، وإن كان لتعيـّن قابل آخر تسلسل. وإن كان لذاته، فنوع كلّ قابل منحصر في شخصه، وهو محال، لاشتراك الأجسام في الجسميّة، فإمّا أن لا يكون لها ما يقبلها، فيلزم وجود أُمور متّحدة في الحقيقة تشخّصت لا بسبب القابل، وإن كان (2) فتلك القوابل إن اشتركت في الماهيّة عاد الإلزام. وإن اختلفت كانت قوابل الأجزاء المفروضة في الجسميّة متمايزة بالفعل، لكنّها غير متناهية، فالقوابل المتمايزة بالفعل غير متناهية، فالجسميّة الحالّة في كلّ واحد، مغايرة للتي في غيره، فالجسم مركّب من أجزاء غير متناهية (3). ولا يمكن أن تكون ماهية كلّ من القابل والمقبول علّة لتعيّـن الأُخرى، وإلاّ لاستحال أن تحلّ في القابل الواحد إلاّ حال واحد وهو محال (4).

الرابع: لو كان التعيّـن ثبوتياً لكان الموجود الواحد موجودين لا واحداً،


1 . ق وج:«الغير».
2 . أي كان لها ما يقبلها.
3 . وهذا خلف.
4 . وقد ذكر الإيجي وصدر المتألهين بعض الوجوه، راجع المواقف: 66ـ67; والتعليقة على الشفاء: 204ـ205.


(180)

هذا خلف، لأنّ الماهيّة التي انضاف إليها التعيّـن إن كانت موجودة لزم كون الواحد اثنين. ولو سلّم إمكانه، لكنّ الكلام في كلّ واحد منهما كالكلام في الآخر، ويكون كلّ واحد منهما موجوداً، فكلّ شيء أشياء غير متناهية وهو محال. وبتقدير تسليمه فلابدّ من الواحد، لأنّ الكثرة إنّما تتحقق مع الواحد. وإن لم تكن الماهيّة موجودة، كان التعيّـن الموجود منضماً إلى الماهيّة المعدومة وحالاّ ً فيها، وهو محال.

الخامس: لو كان التعيّـن ثبوتياً استحال انضمامه إلى الماهيّة إلاّ بعد وجودها، لكن الماهيّة لا توجد إلاّ بعد التعيّـن، فإن كان بهذا التعيّـن لزم أن يكون الشيء (1) شرطاً في نفسه وهو محال. وإن كان بغيره لزم تعدّد التعيّنات، فكان الشيء الواحد متعيناً مرّتين، وهو محال.

والجواب عن الأوّل:

أنّ التعيّـن إن كان له مفهوم زائد وراء المفهوم من المتعينية (2)، اقتضى أن يكون مفهوم المتعينيّة مقارناً لمفهوم آخر. وإلاّ فيكون التعيّـن متعيّناً لذاته، ويكون تعيّنه نفس تعيّـن (3) ذاته لا زائداً ،ولا يلزم التسلسل.

وفيه نظر، فإنّ النزاع وقع في أنّ التعيّـن هل هو زائد على الماهية أم لا؟ لا في أنّه زائد على المتعينية(4)أم لا؟ والتسلسل لازم أيضاً على التقدير الأوّل.

والتحقيق أن نقول: إمّا أن يكون النزاع في التعيّـن أو فيما به التعيَّـن. والأوّل أمر اعتباري« هو كون الماهيّة بحيث يمنع نفس تصوّرها من وقوع الشركة». وأمّا الثاني، فلا يلزم من زيادته اشتراكه مع غيره، إلاّ في وصف اعتباري، وهو صدور


1 . م: «الشيء» ساقطة.
2 . م:«التعينية».
3 . في المباحث المشرقية «تعيّـن» ساقطة.
4 . م:«التعينية».


(181)

التعيّـن عنه، ولا ينافي زيادته واختلافه في الحقيقة اشتراك ما انضم إليه في الماهيّة.

وأجاب أفضل المحقّقين في شرح الإشارات: بأنّ تعيّنات الأشخاص من حيث تعلّقها بالمتعيّنات (1)لا تشترك (2) في شيء، ومن حيث تشترك في شيء، فليست بتعيّنات. (3)

والتحقيق ما بيّناه.

وعن الثاني: بأنّ كلّ ما لا يكون تعيّنه معلول ماهيّته (4)، حتّى يكون نوعه في شخصه، فلابدّ له من مادة، ومادته لابدّ وأن تكون متخصّصة بأعراض شخصيّة، ويكون تشخّص المادّة بتلك الأعراض علّة لتشخّص ذلك الحادث ; ومن الممتنع أن يقترن بتلك المادة في ذلك الوقت فرد آخر من ذلك النوع حتّى يلزم الإشكال. ولا نقول أيضاً: بأنّ ذلك الشيء يوجد ويوجد التعيّن، وبعد حصولهما يتقارنان، بل حصول الشيء في تلك المادّة المخصوصة هو تعيّنه (5).

وفيه نظر; لأنّا نمنع المادة على ما يأتي. سلّمنا لكنّ تلك الأعراض إذا كانت متشخصة كان البحث فيها كالبحث في الماهيّات، وكان توسط المادة عبثاً وجاز تشخص الماهيّات بذاتها.

وأجاب أفضل المحقّقين: بأنّ الطبائع تتعيّـن بالفصول كالأنواع المركّبة من الأجناس والفصول، أو بأنفسها كالأنواع البسيطة. ثمّ هي من حيث كونها طبيعة تصلح لأن تكون عامّة عقلية(6)، ولأن تكون خاصّة شخصية، فكما بانضياف


1 . م: «بالتعيّنات» والصواب ما أثبتناه من نسخة: ق والمصدر.
2 . ق: «لا يشرك».
3 . شرح الإشارات 3:49.
4 . ق: «ماهية».
5 . والجواب كسابقه للرازي، المباحث المشرقية1:166.
6 . أي الكلّي في الذهن.


(182)

معنى العموم إليها تصير عامّة، كذلك بانضياف التعيّنات إليها تصير أشخاصاً، ولا تحتاج إلى تعيّـن آخر. ولو كان التعيّـن بالفرض أمراً سلبياً، لما كان عدم الشيء مطلقاً (1)، بل كان شيئاً عدمياً، وأمثال هذه الأعدام تصلح لأن تصير فصولاً، فضلاً عن أن تكون عوارض (2).

وعن الثالث: بأنّ تشخص الماهيّة باعتبار أعراض متشخصة بذاتها مستندة إلى الفاعل.

وعن الرابع: أنّ الماهيّة، إنّما تُوصف بالوجود بعد اتّصافها بالتعيّـن، وكما أنّ الماهيّة المغايرة للوجود لا توصف بالوجود من حيث هي مغايرة للوجود، كذلك التعيّـن لا يوصف بالوجود من حيث هو تعيّـن (3) .والماهيّة المتعيّنة موجود واحد.

وفيه نظر; فإنّا نسلّم أنّ الماهيّة، إنّما توصف بالوجود بعد اتّصافها بالتعيّـن، لكنّ ذلك لا يدفع الكثرة، فإنّ المعترض قال: إذا كان التعيّـن مغايراً للماهية، فالوجود القائم بأحدهما ليس هو الوجود القائم بالآخر، لاستحالة قيام الصفة بمحلّين، فلا يكون الواحد واحداً بل اثنين وهكذا.

بل الوجه في الجواب أن نقول: لا نعني بالوجود الواحد إلاّ الماهيّة المتّصفة في الوجود بالوحدة وذلك و إن أوجب كثرة باعتبار الماهيّة والوحدة، لكنّها واحدة لا بهذا الاعتبار (4) الموجب لكثرتها.

قوله: «لو تكثر لزم التسلسل». قلنا: ممنوع، وإنّما يلزم التسلسل لو احتاجت الماهيّة إلى تعيّـن


1 . وفي المصدر بإضافة «كما ظنه هذا الفاضل» بعد «مطلقاً»، والفاضل هو: الرازي.
2 . شرح الإشارات 3:49ـ50.
3 . ق: «نفي».
4 . ق «باعتبار».


(183)

آخر غير ما فرض ثبوته له، واحتاج التعيّـن إلى تعيّـن آخر وهو ممنوع، فإنّ الماهيّة تعيّنت بذلك التعيّـن(1) والتعيّـن متعيّـن بذاته، فانقطع التسلسل.

وعن الخامس: بالمنع من أنّ الماهيّة لا ينضم إليها التعيّـن إلاّ إذا كانت موجودة، بل الحقّ العكس، وهو أنّ الماهيّة لا توجد إلاّ بعد انضمام التعيّـن إليها، فتوجد متعيّـنة بتعيّـن سابق على وجودها، ولا يلزم الدور، ولا تعدّد التعيّـن.

واعلم: أنّه فرق بين المشخّص (2) والمميّـز، فإنّ الفصول مميزات للأنواع من الأجناس، وكذلك العوارض مميّزات أصناف الأنواع (3)، وليست مشخصة (4) لعدم خروجها بالتميّز عن الكلّية، واحتياجها بعده إلى ما هو أشدّ تخصّصاً حتّى ينتهي إلى التشخّص.

البحث السابع: في كيفيّة تشخّص الماهيّة (5)

إن تشخّصت لذاتها كان نوعها منحصراً في شخصها، وامتنع تكثّرها حينئذ، إذ لو وجد اثنان منها لزم تخلّف المعلول عن علّته واختلاف لوازم الملزومات المتّفقة(6). وإن لم تقتضِ التشخّص لذاتها لم تقتضِ الكثرة، وإلاّّ لم يوجد الواحد منها، فلم توجد الكثرة، بل لا تقتضي شيئاً منهما. وإنّما تتّصف


1 . ق: «التعيّـن» ساقطة.
2 . ق وج: «المتشخّص».
3 . ق وج: «فإنّ الفصول مميّزات تخصّص الأجناس، وكذلك العوارض المقتضية لتصنّف الأنواع».
4 . ج و ق:«متشخصة»
5 . والعنوان في سائر الكتب «في علّة التشخّص»، والعنوان الذي اختاره المصنف أفضل لاشتماله على المتشخّص لذاته. راجع المباحث المشرقية 1:166;كشف المراد: 97.
6 . م: «المتّفقة» ساقطة.


(184)

بأحدهما باعتبار ما يعرض لها (1)، وتشخّص مثل هذه الماهيّة إنّما يكون (2) إمّا بحلولها (3) في مادة شخصيّة ـ تشخّصت إمّا بماهيّة هذا الحالّ، أو لشيء آخرـ وإمّا باعتبار حلول أعراض متشخّصة لذاتها فيها، أو لإضافات فقط من غير أن يكون معنى في الذات كتشخص البسائط والأعراض، فإن تشخّصها يكون لحصولها في موادّها ومحالّها.

ولمّاكان المتشخِّص علّة في التشخّص، وكان عدم العلّة علّة في عدم المعلول لزم من عدم المشخِّص عدم ذلك التشخّص وارتفاعه. وأمّا كلّ عارض للشخص من حيث هو ذلك الشخص(4)، وكلّ خاصة له لا يلزم من عدمه عدم ذلك الشخص، فإنّه يكون عارضاً بعد التشخّص، لا من جملة (5) مقوّمات التشخّص، بل من المتقوّمات به.

واعلم: أنّ تقييد الكلّـي بالكلّـي لا يقتضي التشخّص، فإنّك إذا عبّـرت عن زيد بأنّه «الإنسان العالم» لم يحصل التشخّص المانع من الشركة، بل بقى احتمال التعدّد كما كان، فإن زدت وقلت: إنّه «الطويل الزاهد الأبيض ابن فلان الذي تكلّم يوم كذا في موضع كذا»، لم يحصل التشخّص أيضاً، لإمكان حمل (6) من حصل فيه هذه الصفات على كثيرين.

وبالجملة فلابدّ في تشخّص ما يتكثّـر أفراده من مشاركة الوضع.


1 . م: «لها» ساقطة.
2 . ق: «إنّما يكون» ساقطة.
3 . م:«لحلولها».
4 . م: «المشخّص»، وهوغلط.
5 . م: «لأنّه ليس من جملة الخ».
6 . ق: «جملة»، وهو غلط.


(185)

الفصل الثاني:

في مباحث الجزء

البحث الأوّل: في أقسامه (1)

قد عرفت (2) خواص الجزء، والفرق بينه وبين العارض. وعرفت أيضاً (3) أنّ التركيب قد يقع في الأُمور الخارجية، وقد يقع في الأُمور الذهنية. وكلّ مركّب في الخارج فإنّه مركّب في الذهن دون العكس. ولابدّ في كلّ مركّب من أجزاء ماديّة وجزء صوري، سواء كان التركيب في الخارج أو في الذهن. وهذه الأجزاء قد توجد بحيث لا يمكن أن تكون محمولة على المركّب منها، ويسمّى حينئذ مواد و أجزاء، وقد يمكن أخذها بحيث يصحّ حملها، لكن لا (4) باعتبار كونها أجزاءً فإنّ جزء الشيء يمتنع حمله على الكلّ، فالحيوان إن أُخذ منضماً إلى الناطق كان هو الإنسان


1 . راجع كشف المراد: 91.
2 . في البحث الرابع من الفصل الأوّل من المقصد الثالث.
3 . في البحث الخامس من الفصل الأوّل من المقصد الثالث.
4 . م: «لا» ساقطة.


(186)

بعينه، ولم يكن محمولاً وإن أُخذ بشرط التجرّد و الخلو عن الناطق كان مادة للإنسان و (1) جزءاً منه ولم يكن أيضاً محمولاً، وإن أُخذ من حيث هو هو لا بشرط شيء كان محمولاً. وكلّ جزء محمول فهو إمّا جنس أو فصل، لأنّ ذلك الجزء إن اختص بتلك الماهيّة ولم يكن مشتركاً بينها وبين غيرها فهو الفصل، لاقتضائه تمييز تلك الماهيّة عمّـا يشاركها في جنس أو وجود، وإن كان مشتركاً، فإن كان تمام المشترك بينها وبين نوع ما كان جنساً، وفيه منع. وإن لم يكن تمام المشترك، بل جزءاً منه، فإمّا أن يكون أعمّ منه، أو مساوياً ـلامتناع كونه أخص، فإنّ جزء الماهيّة لا يمكن أن يكون أخصّ منها، وإلاّ لوجد المركّب بدون أجزائه، فلايكون الجزء متقدّماً، هذا خلف ـ فإن كان مساوياً كان فصلاً لتمام المشترك، فكان فصلاً مفيداً للماهية (2)، وإن كان أعمّ، فإن كان تمام المشترك بين تمام المشترك وبين ما غايره كان جنساً، وقد فرض أنّه ليس كذلك، هذا خلف. وإن لم يكن تمام المشترك تسلسل، وهو محال.

البحث الثاني: في تقسيم الجزء باعتبار آخر

قيل (3): أجزاء الماهيّة إمّا أن يكون بعضها أعمّ من البعض فتسمّى متداخلة، أو لا يكون فتسمّى متباينة. والمتداخلة إمّا أن يكون بعضها أعمّ من الآخر مطلقاً، أو من وجه، فإن كان مطلقاً، فإمّا أن يكون العام متقوّماً بالخاص،


1 . م: «و» ساقطة.
2 . في النسخ:«فكان فصلاً» بعد «للماهية»، و لعلها زيادة من النساخ.
3 . راجع المباحث المشرقية 1:149، وما بعدها; كشف المراد: 92.


(187)

أو بالعكس، والأوّل إمّا أن يكون العام موصوفاً والخاص صفة، فالعام هو الجنس والخاص هو الفصل، أو يكون الخاص موصوفاً بالعام كالموجود الصادق على المقولات العشر. وأمّا الذي يكون الخاص متقوّماً بالعام، فهو كالنوع الأخير المقوّم لخواصّه التي لا توجد في غيره.

والفرق بين انقسام الجنس بالفصول وانقسام النوع بالخواص ـ بعد اشتراكهما في أنّ العام منهما موصوف بالخاص ـ أنّ في (1) الجنس، العام متقوّم بالخاص، وفي النوع بالعكس.

وأمّا الذي يكون العموم فيه من وجه، فهو كالحيوان والأبيض، إذا ركّب منهما حقيقة.

وأمّا المتباينة (2)، فهو كتركيب الشيء باحدى علله أو معلولاته، أو بما لا يكون علّة ولا معلولاً، فالتركيب مع العلّة الفاعليّة كالعطاء، فإنّه اسم لفائدة مقرونة بالفاعل. ومع الماديّة، كالأفطس(3) إذا جعل اسماً للتقعير الذي في الأنف، ومع الصوريّة، كالأفطس إذا جعل اسماً للأنف الذي فيه تقعير، ومع الغائية، كالخاتم، فإنّه اسم لحلقة مقرونة بغاية التجمّل في الإصبع. والتركيب مع المعلول كالخالق والرازق وغيرهما.

والتركيب مع ما لا يكون علّة ولا معلولاً، فإمّا أن يكون عن أُمور بعضها عدميّ وبعضها وجوديّ «كالأوّل» (4)، فإنّه اسم لمجموع أمرين: ثبوتي هو كونه


1 . م: «في» ساقطة.
2 . أي الذي لا يكون بين الجزئين عموم وخصوص.
3 . فَطِس الرجل يفطس فَطَساً: تطامنت قصبة أنفه وانتشرت، أو «انفرش أنفه في وجهه» فهو أفطس. قطر المحيط2:1608.
4 . أي لفظ «الأوّل».


(188)

مبدأً عدميّ هو أنّه لا مبدأ له، أو كلّها ثبوتيّة، فإمّا أن تكون كلّها حقيقة متشابهة كتركّب العدد من الوحدات، أو مختلفة معقولة كتركّب الجسم من الهيولى والصورة، والعدالة من العفّة والحكمة، والشجاعة من الإقدام والعقل. أو محسوسة كتركيب الخلقة من اللون والشكل، والبُلقة(1) من السواد والبياض.

وأمّا أن تكون كلّها إضافية كالأقرب والأبعد، فإنّهما دالاّن على إضافات عارضة لاضافات. أو بعضها حقيقية وبعضها إضافية، كالسرير الذي يعتبر في تحقّق ماهيّته الأجزاء الخشبية، وهي موجودات حقيقيّة هي الأجزاء الماديّة، والترتيب الذي هو الجزء الصوري وهو أمر نسبي، لا أنّه ماهيّة متأصّلة بنفسها.

واعلم: أنّ أكثر هذه الأقسام لا باعتبار الأمر (2) نفسه، بل باعتبار عمل الذهن، وأخذ العارض للشيء جزءاً مع ذلك الشيء.

البحث الثالث:

في ما وجد من الأقسام المذكورة في الجواهر والأعراض(3)

إعلم: أنّ الجوهر الذي هو احدى المقولات العشر بسيط غير مركّب البتة، وإلاّ لم يكن جنساً عالياً. ثمّ إنّ أنواعه يجب تركّبها، وإلاّ لم يكن جنساً.

وإذا وجب تركّبها، فقد يتركّب بعض أنواعه من جنس وفصل عقليين، كتركّب المفارقات كالعقول والنفوس من أجناسها وفصولها، فإنّ الجنس فيها لا يتميّز عن الفصل في الوجود الخارجي. وقد يتركّب من جنس وفصل خارجيين،


1 . بلق الشيء: كان فيه سواد وبياض. قطر المحيط1:138. والبُلقة بالضم مصدر.
2 . ق: «الأمر» ساقطة.
3 . راجع المباحث المشرقية 1:152.


(189)

كالإنسان المركّب من الحيوان (1) و الناطق.و[قد يتركب](2) من أجزاء متباينة لا يكون بعضها جنساً للبعض، بل ولا يكون محمولاً عليه، إمّا في العقل، كتركّب الجسم من الهيولى والصورة. أو في الحس كتركّب البدن من الأعضاء، والبيت من السقف والجدار.

وكذلك العرض قد يتركّب من أجزاء عقليّة، كما بيّنا في السواد من تركّبه من اللون والقابضيّة اللذين لا يتميّزان إلاّ في العقل. وقد يتركّب من أجزاء خارجيّة كتركّب المثلث، فإنّه سطح تحيط به ثلاثة أضلع، فالسطح جنس والأضلع الثلاثة أو احاطتها بالسطح فصله. ولكلّ واحد من هذا الجنس والفصل وجود يتميّز به في الخارج عن الآخر. وقد يتألف من أجزاء متباينة كتألّف العدد من الوحدات، والخلقة من اللون والشكل.

البحث الرابع:

في طريق معرفة تركّب الماهيّة من الجنس والفصل (3)

قد عرفت في ما تقدّم خاصّة الجزء المطلقة، وهي السبق في الوجودين والعدمين، فإذا فرض حقيقتان اشتركتا من وجه، واختلفتا من آخر، ووجدت تلك الخاصة في المشترك والمميّز حكمنا بأنّهما جزءان، لكلّ واحدة من الحقيقتين وقضى العقل بأنّ جهة الاشتراك مغايرة لجهة الامتياز، فكمال الجزء المشترك هو الجنس، وكمال الجزء المميّز هو الفصل.

واعلم: أنّه ليس مجرد اشتراك الحقيقتين في وصف، واختلافهما في آخر


1 . ق: «و» ساقطة.
2 . أضفناها طبقاً للسياق.
3 . راجع المباحث المشرقية 1:154.


(190)

موجباً لتركّبهما من المشترك والمميّز، فإنّ البسائط قد تشترك في أوصاف سلبيّة وثبوتيّة، وتختلف بصفات أُخر سلبيّة وثبوتيّة، فإنّ كلّ بسيطين فرضا يشتركان في سلب ما عداهما عنهما، ويمتاز كلّ واحد عن صاحبه بنفس حقيقته، ولا يقتضي ذلك التركيب، وإلاّ لخرج عن كونه بسيطاً، وكلّ بسيط يفرض، فإنّه يشارك جميع البسائط في الوجود والشيئيّة والمعلوميّة وغيرها من الأوصاف العامّة، وهي متمايزة بالضرورة، ولا يلزم تركّبها من الوصف الثبوتي المشترك والمميّز، وإلاّ لم تكن بسائط. وكلّ مركّب، فإنّ البسيط منه يشاركه في صدقه عليه، ويمتاز عنه البسيط بسلب الآخر عنه، ولا يقتضي ذلك التركيب، فإنّ الإنسان يشارك الحيوان في صدق الحيوانية عليهما، وثبوت الطبيعة الحيوانيّة لهما، لكنّ الحيوان لا يمتاز عن الإنسان إلاّ بقيد سلبي، وهو: أنّ الحيوان ليس له إلاّ الحيوانيّة، وللإنسان أمر آخر وراء الحيوانيّة. فإذن الاشتراك والامتياز في الأوصاف الثبوتيّة أو السلبيّة لا توجب التركيب.

نعم إذا وجدنا ماهيتين اشتركتا في بعض مقوّماتهما،. واختلفتا في مقوّمات أُخر، علمنا قطعاً تركّب الحقيقة من الجنس الذي هو تمام المشترك، ومن الفصل الذي هو تمام المميّز. ولا يكفي في ذلك مطلق الاشتراك والامتياز.

فإذا قيل: لمّا ثبت كون الوجود زائداً على الماهيّة باعتبار أنّ الماهيّات قد اشتركت فيه، وامتازت بأُمور أُخر، وقضت الضرورة بأنّ ما به الاشتراك مغاير لما به الامتياز، أمكن أن يقال: الثبوت مشارك للماهيّات الثابتة في أصل الثبوت، وممتاز عنها في الحقيقة، فيلزم أن يكون


(191)

للوجود وجود آخر.

قلنا: الاشتراك وإن كان في وصف ثبوتي، وهو مطلق الثبوت، إلاّ أنّ الامتياز بقيد سلبي، لأنّ الثبوت يتميّز عن الماهيّات الثابتة بأنّ الثبوت ليس له إلاّ مفهوم الثابتيّة، والماهيّات الثابتة لها أُمور أُخر وراءَ ذلك المفهوم، فلا يلزم أن يكون للثبوت ثبوت آخر.

ولو قيل: البسائط مشتركة في الوجود وممتازة في حقائقها، فيلزم التركيب .

قلنا: الاشتراك وقع في وصف خارجي ثبوتي لا في وصف مقوّم.

ولو قيل: أفراد النوع متمايز بعضها عن بعض مع كونها مشتركة في الماهيّة، فيلزم الكثرة.

قلنا: الامتياز وقع في أوصاف خارجيّة.

البحث الخامس:

في الفرق بين الطبيعة الجنسيّة(1) والطبيعيّة النوعيّة

إذا أُخذ الجسم لا بشرط شيء، وهو الجسم المأخوذ بمعنى الجنس، كان كالمجهول، فلا ندري على أيّ صورة هو (2)، وكم صورة يشتمل. فتكون النفس طالبة لحصول ذلك، إذ (3) لم يقدَّر بعدُ عند (4)النفس شيء هو جسم محصّل.

وكذا إذا أخطرنا اللون بالبال ولم نضمّ إليه قيداً آخر. فإنّ النفس لا تقنع بتحصيل شيء غير متصوّر بالفعل، بل تطلب في معنى اللون زيادة حتّى يتقرّر بالفعل لوناً. وكذا المقدار المطلق لا تتصوّر النفس منه معنى تامّاً حتّى يتخصّص بكونه خطاً أو سطحاً أو جسماً، فإذا تصوّرت كونه خطاً فقد يكمل عندها معنى المقدار، وإن لم تتصوّره مستقيماً أو منحيناً. فالطبيعة الجنسية تطلب النفس فيها (5)


1 . م:«الجسميّة»،و الصحيح ما أثبتناه. أُنظر البحث في المباحث المشرقية 1:163.
2 . م: «هو» ساقطة.
3 . م: «إذا» .
4 . م: «عند» ساقطة.
5 . م:«منها».


(192)

تحصيل معناها بانضمام بعض الفصول إليها.

وأمّا طبيعية النوع فليس تطلب فيها (1) تحصيل معناها، بل تحصيل الإشارة إليها. وإذا طلبت النفس تحصيل الإشارة في طبيعة الجنس، كانت قد فعلت الواجب، فإنّ ذلك الجنس لابدّ وأن يشار إليه آخر الأمر، ولكنّها مع ذلك تكون طالبة لتحصيل ماهيتها قبل طلبها للإشارة، فإنّ النفس لا يمكنها أن تجعل اللون مشاراً إليه إلاّ بعد أن تضيف إليه أُموراً أُخر تنوّع لونيّته وتحصّل ماهيّة تلك الأنواع. وكذلك القول في المقدار، وفي الكيفيّة.

وأمّا النوع، فإنّ(2) العقل لا يطلب تكميل معناه بضمّ شيء آخر إليه، بل يطلب الإشارة إليه، وذلك هو طلب الشخصيّة (3).

البحث السادس: في التناسب بين الحدّ والمحدود (4)

الحدّ: «قول دالّ على تفصيل ما دلّ عليه الاسم بالإجمال» فإذا قلنا: إنسان، فقد أشرنا بهذا الاسم إلى حقيقة الإنسان وماهيّته، من غير التعرّض لذكر شيء من أجزائها، فإذا حدّدناه بأنّه «الحيوان الناطق»، فقد فصّلنا معنى الإنسان بذكر هذين الجزئين.

واعلم: أنّا إذا قلنا: للإنسان أنّه «حيوان ناطق» فإنّه في الظاهر يفهم منه تركّبه منهما، وذلك شيء يقال على سبيل التفهيم والتعليم، وفي الحقيقة ليس كذلك، فإنّه ليس الإنسان مجموع الحيوان والناطق، وليس في الخارج شيء هو


1 . م : «فيها» ساقطة.
2 . ج:«فلان».
3 . وقد نسب الرازي عبارات هذا البحث إلى أبي علي سينا.
4 . انظر البحث في شرح الإشارات 1:95، وما بعدها.


(193)

الحيوان المطلق والناطق وانضمّ أحدهما إلى الآخر حتّى تحصّلت حقيقة الإنسان، بل المراد من أنّه «حيوان ناطق» أنّه الحيوان الذي ذلك الحيوان ناطق; فإنّ الناطق داخل في الحيوان ومضمر فيه، فإنّ الحيوان لا بشرط شيء، إنّما يحصل ويتمّ لو شرط فيه ثبوت أحد فصوله، إمّا الناطق أو عدمه، فإذا قيّد بالناطق يحصل بعد ذلك، وتحقق له ماهيّة مستقلة تامّة في التعقّل، ولا يمكن سبق وجود الحيوان قبل انضمام الناطق أو غيره من الفصول إليه، ثمّ ينضمّ إليه أحدها، وإلاّ لكان عارضاً له لا مقوماً.

وكذا المقدار، فإنّه في نفسه يمكن أن يكون خطاً أو (1) سطحاً أوجسماً، وإنّما يتحصّل مفهوميته بأحدها لا مطلقاً، ولا على أن ينضمّ إليه أحدها، بل الخط هو نفس المقدار الذي لا عرض له ولا عمق، لأنّ معنى المقدار هو شيء يحتمل المساواة من حيث هو هو لا بشرط شيء آخر، والمقدار بهذا المعنى يمكن أن يكوننفسه خطاً، ويمكن أن يكون سطحاً، فإذا فرضناه خطاً لم يكن هناك موجودان متغايران انضمّ أحدهما إلى الآخر حتّى حصل الخط، بل هو موجود واحد.

وفرق بين هذا، وبين أخذ المقدار بشرط أن لا يؤخذ معه غيره، فإنّه بهذا الاعتبار يكون فصل الخط خارجاً عنه عارضاً له، ويحتاج العقل في كون ذلك المقدار خطاً إلى ضمّ الفصل إليه، فلهذا كان المقدار بهذا الاعتبار مادّة، وكانفصل الخط صورة، وكانا معاً جزئين من الخط لا يتضمّن أحدهما الآخر، ويمتنع حملهما على الخط بخلاف الاعتبار الأوّل. فهكذا ينبغي أن يفهم هذا الموضع.


1 . ج:«و» بدلاً عن «أو» في الموضعين.


(194)

البحث السابع: في النسبة بين الجنس والفصل (1)

إعلم: أنّ كلّ واحد منهما يناسب صاحبه في كونهما جزئي النوع على المعنى الذي قرّرناه في البحث السابق.

والفصل مقسّم للجنس (2) على معنى: أنّ الطبيعة الجسميّة باعتبار ضمّ الفصل إليها تصير خاصّة مباينة في التحصيل للحصّة الأُخرى المنضمّة إلى الفصل الآخر. وبهذا الاعتبار يمتنع أن يكون الفصل لازماً للطبيعة الجنسيّة، وإلاّ لوجد في جميع صور وجودها فلا يكون مقسّماً لها ولا أخص ولا يحدث بسبب انضمامه إلى الطبيعة تخصيص لبعض أفرادها عن البعض.

وقد زعم بعض من لا مزيد تحقيق له: أنّ الجنس لا يجب أن يكون لازماً للفصل. وتمسّك بأنّ النطق الذي هو مبدأ فصل الإنسان مشترك بين الإنسان والملك، مع أنّ الملك ليس بحيوان، لأنّ النطق هو «القوّة على إدراك المعلومات» وهو معنى مشترك بين الإنسان والملك، والحيوان مشترك بين الإنسان والفرس، فإذا اعتبرنا حال الإنسان مع الفرس، كان الحيوان جنساً والناطق فصلاً. وإذا اعتبرنا حال الإنسان مع الملك، كان الناطق جنساً والحيوان فصلاً، فجوّزَ انقلاب كل من الجنس والفصل إلى الآخر.

والجواب: ليس فصل الإنسان عبارة عن النطق الذي هو «القوّة على إدراك


1 . راجع المباحث المشرقية 1:157.
2 . نسبة الفصل إلى الجنس تسمّى بالتقسيم، وإلى النوع بالتقويم، أي تقويم ماهية النوع، وإلى الحصّة والفرد تسمى بالتقويم أيضاً، لكن بمعنى تقويم الوجود. راجع شرح الإشارات 1:89. ومن هذا الكتاب ص 200.


(195)

المعلومات» (1)، بل ذلك لازم للفصل الذي هو الجوهر القوي على هذه الأحوال، وهو عبارة عن «النفس الناطقة» في الإنسان، وعن النفس الملكيّة في الملائكة. والنفوس البشريّة مخالفة بالحقيقة للنفوس السماويّة.

واعلم: أنّ الجنس لا يجوز أن يكون داخلاً في طبيعة الفصل، لأنّ الجنس عبارة عن كمال الذاتي المشترك، والفصل عن كمال الجزء المميّز، وصريح العقل حاكم بالتغاير بينهما.

قيل (2): إنّما يتمّ ذلك لو جعلنا الجوهريّة مقولة على ما تحتها قول اللوازم والعوارض، لا قول الأجناس والمقوّمات، لأنّه لو كان الجوهر جنساً لوجب أن تتمايز أفراده بفصول مقوّمة له، لكن مقوّم الجوهر يجب أن يكون جوهراً، فتكون الفصول جواهر(3)، فيدخل الجنس في طبيعة الفصل. فظهر أنّه إنّما يتمّ هذا لو جعلنا الجوهر لازماً لا مقوّماً.

وفيه نظر، فإنّه لا يلزم من جوهرية الفصل أن يكون الجوهر جزءاً منه وجنساً له، لجواز صدق الجوهر عليه صدق اللازم على ملزومه، ولا يلزم من جنسيّة الجوهر كونه جنساً لجميع ما يقال عليه، بل ذلك ممتنع، فإنّ الأجناس تصدق على فصولها ويمتنع أن تكون أجناساً لها.

قيل (4): الفصل علّة للحصّة من الجنس، لأنّ أجزاء الماهيّة لابدّ وأن يكون بعضها علّة لوجود البعض، لامتناع الاستغناء مطلقاً، ولا يجوز أن تكون العلّة الجنس، وإلاّ لوجد الفصل أينما وجد الجنس، هذا خلف. فوجب أن تكون العلّة الفصل.


1 . ق: «المعقولات».
2 . والقائل هو الرازي في المباحث المشرقية1:156ـ157.
3 . والقائل هو الرازي في المباحث المشرقية1:156ـ157.
4 . ق«فيكون الفصل جوهراً».


(196)

وهذا الدليل ليس بشيء، لأنّ المطلوب إن كان هو أنّ الفصل علّة تامّة، لم يلزم من نفيها الاستغناء، لجواز كونه جزء العلّة، وذلك كاف في الحاجة المشترطة في التركيب. وإن كان هو كون الفصل علّة بوجه ما، جاز أن تكون العلّة هو الجنس، ولا يلزم وجود الفصل في جميع موارده كغيره من العلل الناقصة، بل الوجه في العلّية: أنّا قد بيّنا أنّ الجنس أمر مبهم في نفسه، غير متحصّل في ذاته، وإنّما يتعيّـن ويتحصّل ماهيّته بالفصل، كما قلنا في المقدار، فإنّه لا يمكن تحصّل مقدار مطلق، بل إنّما يتحصّل لو كان خطاً أو سطحاً أو جسماً.

فالوجود ينال الأنواع أوّلاً حيث تضمّنت الأجناس[و](1) الفصول، ثم يعرض الأجناس متحقّقة بعدها. وإذا امتنع تحصّله إلاّ منضمّـاً إلى الفصل كان وجوده متوقّفاً عليه، فلهذا كان(2) علّة، إذ ليس معنى العلّية(3) إلاّ توقف الوجود على الوجود. فثبت أنّ للفصل بالنسبة إلى الجنس خاصّتين. إحداهما: تقسيم الطبيعة الجنسيّة. والثانية: تقويم الحصّة التي للنوع منها، أي تكون علّة لوجودها(4). وله ثالثة بالنسبة إلى النوع وهي التقويم بمعنى كونه علّة لحقيقته. وتقسيمه للجنس قبل تقويمه للنوع، لأنّ تحصيل الجزء سابق على تحصيل الكلّ.

لا يقال: الناطق إن كان علّة لمطلق الجنس لم يكن مقسّماً (5) له، وإن كان علّة للحصّة المخصوصة بنوعه، فلابدّ وأن يفرض تخصيص ذلك الجنس أوّلاً حتّى يكون الفصل علّة له، لكن ذلك الجنس متى تخصّص فقد دخل في الوجود، فلا يكون الناطق علّة.


1 . أضفناها طبقاً للسياق.
2 . م: «كانت».
3 . في النسخ العلّة، و ما أثبتناه أوفق للمعنى.
4 . اُنظر شرح الإشارات 1: 89.
5 . م: «منقسماً»، والصواب ما أثبتناه من نسخة: ق.


(197)

لأنّا نقول: الحيوان من حيث هو هو يحتاج إلى علّة ما تقوّم وجوده وتخصّصه وتعيّنه وتخصص العلّة بالناطق مثلاً إنّما جاء من قبل الناطق، فإنّ الحيوان مثلاً لا يحتاج باعتبار حيوانيّته المطلقة إلى الناطق، بل لأنّ الناطقيّة لذاتها علّة لذلك الحيوان، فالحاجة المطلقة جاءت من قِبَل الجنس، وتعيّـن العلّة جاء من قِبَل العلّة.

البحث الثامن: في الفصل (1)

قد عرفت (2) أنّ الفصل كمال الجزء(3) المميّز، وأنّه مقسّم، وقسمته لازمة لا عارضة ككون الجسم متحرّكاً تارة وغير متحرك أُخرى. ويجب أن لا يكون عروضه بسبب شيء أعمّ منه كلحوق الأبيض والأسود للحيوان لا باعتبار أنّه حيوان، بل باعتبار أنّه جسم قائم بالفعل موضوع لهذه العوارض. وكذا الذكورة والأُنوثة عرضت للإنسان باعتبار أنّه حيوان، ولا بسبب شيء أخصّ منه، فإنّه حينئذ يكون لازماً للفصل، أو فصلاً بعيداً لا قريباً، كما نقول: الجوهر إمّا أن يكون قابلاً للحركة أو لا يكون، فإنّ قابلية الحركة عرضت بسبب الجسميّة لا بسبب الجوهريّة. وهذا القبول لازم للفصل لا أنّه فصل.

وإذا قلنا: الجسم إمّا ناطق أو غير ناطق، لم يكن الجسم بما هو جسم مستعداً لأن يكون ناطقاً، بل يحتاج أن يكون أوّلاً ذا نفس حتّى يصير ناطقاً (4).

واعلم: أنّ القسمة اللازمة اللاحقة لا بواسطة أعمّ أو أخص، لا يجب أن


1 . اُنظر المباحث المشرقية 1:159، وما يليها، (في أحكام الفصل وهي عشرة).
2 . في البحث الرابع ص194، وفي مواضع أُخرى.
3 . ق و ج: «الجزء» ساقطة.
4 . وهذا مثال للفصل البعيد.


(198)

تكون بالفصول، فإنّ من اللوازم ما هو كذلك كالذكورة والأُنوثة، وليسا فصلين لأنّه يمكننا أن نتوهّم الحيوان موجوداً لا ذكراً ولا أُنثى، ولا يمكننا أن نتصوّر الحيوان موجوداً لا (1) ناطقاً ولا غير ناطق. ولأنّ الحيوان إنّما صار ذكراً لحرارة عرضت لمزاجه في ابتداء تكوّنه وفي رحم أُمّه، ولو عرضت له برودة لكان ذلك الشخص بعينه أُنثى، وليس شأن الفصول كذلك، فليس الحيوان الذي صار إنساناً يمكن زوال الناطقيّة عنه ويصير فرساً.

واعلم: أنّ بعض الماهيّات اعتبارية، ومثلها جاز أن تكون فصولها عدميّة. وأمّا الماهيّات المحصّلة في الأعيان، فإنّه يمتنع أن تكون فصولها عدميّة، لما تقرّر من أنّ الفصل علّة للجنس، وعلل الأُمور الوجوديّة، يمتنع أن تكون عدميّة.

قال أفضل المحقّقين: لا استبعاد في جعل الأُمور العدميّة عدم الملكة فصولاً للماهيّات المحصّلة، لأنّ الفصل ليس بمقوّم للماهيّة الموجودة في الأعيان من حيث وجودها في الأعيان، إنّما هو مقوّم لها من حيث وجودها في العقل مطابقاً لما في الأعيان، لأنّ الجنس أمر مبهم في العقل غير محصّل في الوجود، إنّما يتحصّل بالفصل معقولاً مطابقاً للذي في الأعيان وهو النوع، وذلك كالمعنى الجنسي من الكم المتّصل الذي هو الطول مثلاً، فإنّه يقع على المقدار الذي يكون له مع الطول عرض وهو السطح، وعلى المقدار الذي لا يكون له ذلك وهو الخط. ثمّ إنّه يتحصل خطاً بتقيّده بعدم العرض له، ويتحصّل سطحاً بوجوده له. وكذلك الكمّ الذي هو جنس عال، فإنّه يتحصّل بالمتّصل والمنفصل نوعين هما المقدار والعدد. والفصل فصل(2) مبدؤه عدم الاشتراك في حدّ مخصوص. وبالحقيقة يكون الشيء الذي يفيد الامتياز وجوديّاً ومبدأ الامتياز فيه عدميّاً. ويكون الفصل هو


1 . م: «لا» حذفت سهواً.
2 . أي أنَّ الانفصال فصل للمنفصل، و مبدأ ذلك عدم الاشتراك في حدّ مخصوص، وهو أمر عدمي.


(199)

الشيء الذي من شأنه ذلك العدم، وعلى هذا الوجه لا يكون ممتنعاً وذلك هو المراد من الفصول العدميّة.

وفيه نظر، فإنّ أحداً لم يمنع كون بعض الوجوديّات من شأنها عدم خاص سواء كان فصلاً أو غيره. والنزاع ليس في ذلك، بل في كون الفصل نفسه عدميّاً.

واعلم: أنّه لا يمكن أن يكون لشيء واحد فصلان ثابتان في مرتبة واحدة، لأنّ التمييز إن حصل بأحدهما لم يكن الآخر مميّزاً، لاستحالة استناد المعلول الواحد بالشخص إلى العلل المتعدّدة، وإن لم يحصل لم يكن فصلاً.نعم يجوز أن يتركّب الفصل من أمرين، ويكون كلّ واحد منهما فصلاً ناقصاً، والفصل التام واحد هو مجموعهما، وذلك ممّا لا نزاع فيه (1).

واعلم: أنّ الفصول الحقيقية قلّ (2) أن يدركها الإنسان، إلاّ(3) بواسطة أعراضها الصادرة عنها. فإذا اتّفق أن يكون لبعض الفصول أعراض متعدّدة أُخذ أظهرها عند العقل وجعل فصلاً، وليس في نفس الأمر فصلاً، بل الفصل هو مبدأ ذلك العرض، كما أنّ النفس الإنسانيّة التي هي فصل الإنسان بالحقيقة مجهولة الماهيّة عند العقل، وإنّما تتصوّر بعوارضها. ولما صدر عنها النطق والضحك وغيرهما، وكان النطق أظهرها، جعل الناطق فصلاً دون الضاحك، للعلم بتقدم الناطق على الضاحك.

فإن اتّفق أن يحصل عَرضَان يشتبه تقدّم أحدهما على الآخر وكلاهما واضحان عند العقل، أمكن الاستدلال بهما معاً على الفصل، كما في الحسّاس والمتحرّك بالإرادة، فإنّ قوّة الحسّ والحركة أمران صدرا عن النفس الحيوانيّة، ولم


1 . وذلك كفصل الحيوان فإنّه «الحسّاس» و «المتحرّك بالإرادة».
2 . الكلمة مشوّشة في النسخ، وما أثبتناه هو المحتمل.
3 . في النسخ:«لا» و الصحيح ما أثبتناه طبقاً للسياق.


(200)

يحصل عندنا شعور بتقدّم أحدهما على الآخر، فأخذنا هما معاً في التعريف، وليس واحد منهما بفصل، فإنّ الحيوان ليس مركّباً من الجسم وقوّة الحس، ولا قوّة التحريك، لأنّ هذين أمران يعرضان للنفس الحيوانيّة بعد تحصّلها(1)، وصيرورة بعض الأجسام باعتبارها حيواناً لكن (2) لعدم شعورنا بالفصول في نفس الأمر ـ لا التي هي فصول في أذهاننا ـ وعدم الأسماء لها ـ لا لعارضهـا ـ يضطر إلى العدول عن الفصول الحقيقيّة إلى لوازمها للضرورة.

وليس كلامنا في الفصول بحسب تعقّلنا وتصرّفنا، بل من جهة كيفية الوجود في نفسه. ولهذا الاشتباه توهّم بعض الناس جواز تعدّد الفصول في مرتبة واحدة، وتمثّل في ذلك بالحسّاس والمتحرّك بالإرادة. والتحقيق فيه: ما قلناه. نعم يجوز أن تتعدّد فصول الشيء الواحد في مراتب متعددة كالناطق الذي هو فصل قريب، والحساس الذي هو فصل بعيد، والنمو الذي هو فصل أبعد.

واعلم: أنّ الفصول لما كانت عِللاً للأجناس وجب تناهيها، لما يأتي من وجوب تناهي العلل، ولأنّها أجزاء الماهيّات، ويمتنع أن تكون للماهيّة أجزاء غير متناهية، لامتناع تصوّرها حينئذ، فإنّ الذهن لا يمكنه استحضار ما لا نهاية له على التفصيل. فلهذا وجب تناهي الأجناس في التصاعد والتنازل، وإلاّ لما تحصّلت الأنواع ولا الأشخاص (3).

واعلم: أنّ الفصل الأخير هو العلّة الأُولى، فإنّ الناطقيّة علّة لوجود النفس الحيوانيّة، وهي علّة القوّة النباتيّة، التي هي علّة الجسميّة، التي هي علّة الجوهريّة.


1 . م:«تحصيلها».
2 . م: حذفت عبارات بدايتها من «لكنّ» ونهايتها إلى «في نفسه».
3 . راجع: شرح الإشارات 1:82.


(201)

البحث التاسع: في ترتّب الأجناس في الحمل (1)

لمّا كان الجنس هو المقول على كثيرين، وجب أن يكون محمولاً عليها. فإنّ المقوليّة هي الحمل، فإذا فرض للنوع جنسان مترتّبان أحدهما أعمّ من الأخر، كان حمل الجنس القريب الأخص (2) على النوع علّة لحمل البعيد عليه، فإنّ حمل الحيوان علّة لحمل الجسم على الإنسان، (إذ يستحيل أن يكون الجسم محمولاً على الإنسان) (3)، إلاّ بعد صيرورته حيواناً، لأنّا قد بيّنا أنّ الجنس أمر مبهم عند العقل وفي نفس الأمر، وإنّما يتحصّل بالفصول، وإذا توقّف تحصّله في الذهن والخارج على فصوله، فحمله أولى بالتوقّف.

ولمّا كان الجسم الذي ليس بحيوان مسلوباً عن الإنسان ـ لا أنّه (4) موجب عليهـ وجب أن يكون المحمول عليه (5) هو الجسم الذي هو الحيوان. فلمّـا كانت الحيوانيّة شرطاً في حمل الجسميّة على الإنسان كان حمل الحيوانيّة على الإنسان أقدم من حمل الجسميّة عليه.

لا يقال: الجنس البعيد جزء من الجنس القريب، والجزء مقدّم على الكلّ، فكان أقدم منه في الحمل.

لأنّا نقول: ليس تقدّم الجزء في الوجود مقتضياً لتقدّمه في الوجود للنوع، فإنّه لا استبعاد في أن يكون الشيء متقدّماً على آخر في نفس الأمر والوجود، ويكون


1 . راجع: المباحث المشرقية 1:162.
2 . م: «الأخص» ساقطة.
3 . م:ما بين الهلالين ساقطة.
4 . ق: «لأنّه».
5 . في المخطوطات «علته» والصواب ما أثبتناه ليتسق الكلام.


(202)

ذلك الآخر المتأخّر علّة في ثبوت المتقدّم لشيء ثالث، فيكون المتقدّم في وجوده المطلق، متأخّراً في (1) وجوده لذلك الثالث.

وكذا حمل الجنس القريب على النوع علّة لحمل الفصل القريب عليه، لأنّ تأثير الناطق أوّلاً في وجود الحيوان، ثمّ إذا وجد الحيوان، صار مجموع الحيوان الناطق إنساناً، فالناطق يؤثّر أوّلاً في الحيوان وبواسطته في الإنسان.


1 . ق:«وفي» ولعل الزيادة من الناسخ.


(203)

الفصل الثالث:

في الخارج عن الماهيّة

الوصف الخارج عن الماهيّة قد يكون لازماً كسواد القار. وقد يكون مفارقاً، إمّا سريع المفارقة كحمرة الخَجِل، أو بطيء المفارقة كسواد اللحية. وأيضاً إمّا سهل الزوال أو عسيره.(1) واللازم قد يكون لازماً للماهيّة كزوجيّة الإثنين، وقد يكون لازماً للوجود كحدوث الجسم.

ولازم الماهيّة قد يكون بوسط وهو ما يقترن بقولنا: «لانّه» حين يقال (2) لأنّه كذا، كإمكان العالم اللازم بواسطة كثرته. وقد يكون بغير وسط، بل بمقتضى طبعه كالإنقسام للعدد. واللازم بغير وسط يجب أن يكون بيّناً، لأنّ الماهيّة لمّا اقتضت ذلك اللازم، اقتضته مطلقاً، سواء كانت ذهنية أو خارجيّة، لأنّ الماهيّة حال كونها ذهنية هي الماهيّة حال كونها خارجيّة، وإنّما يزيد الخارج عليها بالوجود، وهو عارض خارجي، ولو كانت إنّما تقتضيه في الخارج لكان الوجود وسطاً في اللزوم، وقد فرضناه بغير وسط. وإذا كانت لما هي هي مقتضية لذلك اللازم، وهي من


1 . ج:«عسره».
2 . ق: «بقولنا: حتى يقال».


(204)

حيث هي هي ثابتة في الذهن، فاقتضت ثبوت لازمها لها ذهناً (1)، ولا نعني بالبيّـن سوى ذلك.

لا يقال: لو كان كذلك لزم من تصوّر الشيء تصوّر أُمور غير متناهية، لأنّ لكلّ ماهيّة لازماً وأقلّه أنّها ليست غيرها.

لأنّا نقول: لو سلّم أنّ لكلّ ماهيّة لازماً، لكن لا يجب أن يكون بيّناً، فإنّ اللوازم قد يمكن أن يستمر الاندفاع فيها ما لم يطرأ على الذهن ما يوجب إعراضه عن تلك المتلازمات (2) والتفاته إلى غيرها، لكن مثل هذه اللوازم قليلة في الوجود.

أمّا اللوازم التي لا تنحصر، فإنّها تحصل عند تصوّر الأُمور التي إليها يقاس الموضوع كمساواة زوايا المثلّث لقائمتين. وتصوّر تلك الأُمور التي هي شرط في حصولها، ليس بواجب الحصول على الترتيب المؤدّي إلى وجود تلك اللوازم المترتبة. وكون الماهيّة ليست غيرها، ليس لازماً بيّناً يلحق الماهيّة لذاتها، بل بالقياس إلى ذلك الغير. ولو لم يلحظه الذهن لم يحكم بالسلب، لكن تصوّر ذلك الغير ليس بواجب من تصوّر الماهيّة، واللازم بوسط (3) إنّما يجب تصوّره مع تصوّر ذلك الوسط.

وللبيّـن تفسيران: أحدهما الذي يلزم من تصوّر ملزومه تصوّره. والثاني الذي يلزم من تصوّر الماهيّة وتصوّر ذلك اللازم تصوّر اللزوم.(4) والأوّل أخصّ.

وقد اعترض على اللزوم بأنّه لو ثبت، فإمّا أن يكون عدمّياً أو وجودياً، والقسمان باطلان، فتحقّق اللزوم باطل، والشرطية ظاهرة.


1 . م: «ذهناً» ساقطة.
2 . ق وج: «بل تلك المتلازمات».
3 . في هامش ج: «كذا في المنقول منه واصفاً قوله بخطه». و العبارة في النسخ مشوشة، و لعلّ الصحيح ما أثبتنا منها.
4 . في النسخ:«الملزوم»، و لعلّ الصحيح ما أثبتناه.


(205)

وبيان بطلان الأوّل: أنّه لا يبقى حينئذ فرق بين عدم اللزوم ولزوم عدمي، لاستحالة التمايز في العدمات، لأنّ التمايز من خواصّ الوجود.

وبيان بطلان الثاني: أنّه لو كان وجودياً، فإمّا أن يكون نفس الملزوم (1) أو اللازم وهو محال; لإمكان تعقّلهما من دون تعقّله وبالعكس، ولأنّه نسبة وإضافة بين المتلازمين فيتأخّر عنهما، فيتأخّر عن كلّ واحد منهما، فلو كان نفس أحدهما لزم تأخّر الشيء عن نفسه بمرتبتين، ولأنّه يستلزم كون كلّ واحد من كلّ متلازمين نفس هذه النسبة والإضافة، وهو محال. وإمّا أن يكون مغايراً لهما وهو محال، وإلاّ لزم التسلسل، أو عدم التلازم بين ما فرض ثبوته فيهما، والتالي بقسميه باطل، فالمقدم مثله.

بيان الشرطيّة: أنّ ذلك الزائد إمّا أن يكون لازماً أو لا، فإن كان لازماً كان لزومه زائداً عليه، والكلام في ذلك الزائد كالكلام في اللزوم الأوّل، وهكذا إلى ما لا يتناهى، وهو أحد قسمي التالي. وإن لم يكن لازماً جاز زواله، وحينئذ ينتفي اللزوم بين المتلازمين، لأنّهما إنّما تلازما باعتبار هذا اللزوم، فإذا زال انتفى التلازم بين ما فرض ثبوته فيهما، وهو القسم الثاني من قسمي التالي.

وأيضاً لو تحقّق اللزوم ثابتاً بين المتلازمين، لزم اتّصاف المعدوم بالموجود، والتالي باطل بالضرورة، فكذا المقدم.

بيان الشرطية: أنّ شيئاً ما من الأشياء لو كان لازماً لغيره لكان عدم الملزوم لازماً لعدم اللازم، فيكون اللزوم الثبوتي حاصلاً بين العدمين وصفة لهما، فيكون الوصف الثبوتي قائماً بموصوف معدوم، وهو باطل.

والجواب: أنّ اللزوم وصف اعتباري عقلي لا ثبوت له في الخارج، بل حكمه في الثبوت والانتفاء واحد.


1 . م: «اللزوم».


(206)

قوله: لو كان عدمياً لم يبق فرق بين عدم اللزوم وبين لزوم عدمي.

قلنا: ممنوع، فإنّ الأوّل نفي مطلق اللزوم، سواء كان ثبوتياً أو عدميّاً. والثاني ثبوت لزوم عدمي وبينهما فرق وإن اشتركا في كونهما عدميّين. وأعدام الملكات قد تتمايز باعتبار تمايز ملكاتها، ولو صحّ هذا الدليل لصحّ فيما علم بالضرروة بطلانه كالامتناع والعدم. والتمايز من خواص مطلق الوجود الشامل للذهني والخارجي، فكما يقع بين الأمور العينيّة كذا يقع بين الأُمور الذهنيّة، وإمكان الانفكاك في التعقل يدلّ على الزيادة فيه، لا على الزيادة في الخارج، كما في الأجناس والفصول، فإنّهما متغايران في التعقّل وإن اتّحدا في الوجود الخارجي. وبالجملة، فالتحقيق في الجواب ما تقدّم من أنّ اللزوم اعتباري.

تتمّة: كلّ وصف فإنّه بالضرورة يستدعي موصوفاً ينسب إليه ويكون محلاّ ً له. لكن من الأوصاف ما هو ثابت في الأعيان، فيجب ثبوت موصوفه في الأعيان لامتناع قيام الوصف بذاته، ومنها ما هو ثابت في الذهن وهو ينقسم إلى ما يجب ثبوت الموصوف به في الأعيان أيضاً، كالوجوب ومنها ما لا يجب، بل ولا يثبت.


(207)

الفصل الرابع:

في الكلي والجزئي (1)

كلّ مفهوم فإمّا أن يمنع نفس تصوّر معناه من وقوع الشركة فيه، ويسمّى الجزئي الحقيقي كزيد، أو لا يمنع، ويسمّى الكلّـي كالإنسان، فإن كان هذا الكلّـي مندرجاً تحت غيره، سُمّي أيضاً جزئياً إضافياً، بالنظر إلى ذلك الغير، وهو أعمّ (2) من الحقيقي مطلقاً، لاندراج كل حقيقي تحت ماهيته المعرّاة عن المشخصات وتحت الأُمور العامّة، وليس جنساً لانفكاكه عنه تصوّراً.

وإذا نسب الكلي إلى الوجود انقسم إلى ستة (3):

أ: ما يمتنع وجوده، كشريك الباري تعالى.

ب: ما يمكن وجوده ولا يوجد، كجبل من ياقوت (4).


1 . راجع الفصل الخامس من المقالة الأُولى (المدخل) من منطق الشفاء1:24; منطق النجاة:6; إلهيات النجاة:220; الفصل الأوّل من المقالة الخامسة من إلهيات الشفاء: 392; المعتبر 1: 16 ـ 22; كشف المراد:86ـ87; جوهر النضيد: 12 وما يليها.
2 . م: «أعم» ساقط.
3 . انظر الأقسام في شرح الإشارات 1:37ـ38; الفصل الثاني من المقالة الخامسة من إلهيات الشفاء; الجوهر النضيد:12.
4 . وكالعنقاء والغول.


(208)

ج: ما يكون الموجود منه واحداً مع امتناع تكثّره، كواجب الوجود تعالى.

د: ما يكون الموجود منه واحداً مع امكان تكثّره، كالشمس.

هـ : ما يتعدّد أفراده في الوجود مع تناهيها، كالكوكب.

و: وما تتعدد أفراده في الوجود مع عدم تناهيها (1).

والكلّـي والجزئي يقالان بالذات للمعنى، وبالعرض للفظ. والكليّة والجزئيّة من ثواني (2) المعقولات لا تأصّل لهما في الوجود، وهما مغايران لما يصدقان عليه من الماهيّة; فإنّ الحيوان لو كان نفس كونه كلّياً أو جزئياً لم يصدق على الآخر، فهما إذن متغايران. ولأنّ الكليّة إضافيّة، وليس الحيوان اضافياً.

فالكليّة العارضة للحيوان يقال له كلّـي منطقي، لأنّ بحث المنطقي عنه وهو أمر عقلي. ومعروضه وهو الحيوان يقال له كلّـي طبيعيّ، لأنّه نفس حقيقة الشيء وطبيعته، وهو موجود في الخارج، لأنّه جزء من هذا الموجود، لأنّ الجزء إمّا الحيوان من حيث هو، أو (3) حيوان ما، والحيوان جزء من حيوان ما وجزء الموجود موجود. والمجموع المركّب منهما عقلاً يسمّى الكلّـي العقلي، ولا وجود له إلاّ في العقل، لأنّ جزئه عقلي، ولأنّ الحيوان الكلّـي مشترك فيه، ولا شيء من المشترك فيه بموجود في الخارج من حيث هو مشترك فيه، لأنّ عمومه يستدعي وجوده في محالّ متعدّدة، ويمتنع وجود شيء واحد في أكثر من محلّ واحد (4).

والكلّـي والجزئي الإضافي يحاذيان العام والخاص. والعموم إمّا مطلق أو من وجه. فالعام المطلق وجوداً أخص عدماً، لأنّ العامّ والخاص لابدّ من تواردهما


1 . وقد مثل له في الجوهر النضيد بـ « النفوس الناطقة».
2 . م: «ثواني» ساقطة.
3 . ق: «أو» ساقطة.
4 . وقال السبزواري(في منطق شرح المنظومة:20)
ويوصف الكلّـي بمنطقي وبالطبيعـــي وبالعقلــــي


(209)

على محل واحد، وإلاّ لتباينا، ويتخلّى الخاص عن العام في موارد أُخرى، وإلاّ لتساويا، ففي تلك الموارد التي تخلّـى الخاص عنها يوجد فيها نقيضه مع وجود عين العام فيها. وكلّ صورة ينتفي العام عنها ينتفي عنها الخاص، وإلاّ لكان أعمّ، فإذا وجد نقيض الخاص في كلّ موضع يوجد فيه نقيض العام، من غير عكس، كان نقيض العام مطلقاً أخص من نقيض الخاص مطلقاً.

وأمّا العام من وجه، فليس بين نقيضه ونقيض الأخص عموم مطلقاً، ولا من وجه، بل مباينة جزئيّة، لثبوت هذا العموم، بين عين العام ونقيض الخاص مع التباين الكلّـي بين نقيض العام وعين الخاص. ولمّا وجد كلّ منهما في صورة واحدة وعُدِم كلٌّ منهما مع وجود الآخر في غير تلك الصورة لا جرم كانت المباينة جزئية.

وبين نقيضي المتساويين وهما اللذان يصدق كلّ منهما على كلّ (1) ما صدق عليه الآخر مساواة أيضاً، إذ لو وجد أحدهما بدون صاحبه كان الموجود أعمّ من صاحبه لصدقه في تلك الصورة مع كذب الآخر.

وبين نقيضي المتباينين وهما اللذان لايصدقان على شيء البتة تباين جزئي، لأنّ نقيضيهما إن اقتسما طرفي النقيض لم يصدقا على شيء البتة، كالموجود والمعدوم تباينا كلّياً. وإن لم يقتسماهما، بل صدق عدمهما على ما يغايرهما، كان بين نقيضيهما مباينة جزئية، لصدق نقيض كلّ منهما على ما يغايرهما وصدقه على عين الآخر وكذب نقيض الآخر على عينه.

ولمّا كان الكلّـي أعمّ من الجزئي، وكان وجود الخاص في موارد يوجد فيها العام، ويوجد العام في موارد لا يوجد فيها الخاص من صور، أمكن وقوف العقل


1 . م: «ضد» و هو خطأ.


(210)

على الصور التي تخلّـى عنها الخاص من صور العام، ولم يمكن وقوفه على صور الخاص إلاّ مع وقوفه على العام، لا جرم كان الكلّـي أعرف من الجزئي.

والكلّـي إمّا ذاتي أو عرضي (1).

والذاتي يقال على معان متعددة بالإشتراك، يراد منها هنا معنيان، أحدهما المقوّم لما يحمل عليه، بأن يكون جزءاً منه. والثاني نفس طبيعة ما يحمل عليه.

والأوّل لا اشكال فيه، لامكان النسبة فيه، بخلاف الثاني، فإنّ الشيء لا ينسب إلى نفسه، بل أُطلق على نفس الماهيّة لفظة الذاتي بنوع من الإشتراك، وإن كان بعضهم خصّ الذاتي بالأوّل (2).

ومنهم من أطلق الذاتي على كلّ ما هو بيّـن الثبوت للشيء، سواء كان جزءاً للماهية أو خارجاً. ومنهم من فسّـره بأعمّ، وهو الذي يمتنع زواله عن الشيء، سواء كان بيّن الثبوت له أو لا. والنزاع لفظي. لكن من فسّـر اللفظ بأمر وجب عليه رعاية ذلك التفسير وأن يحترز عن الغلط الواقع بسبب الاشتراك.

والذاتي إمّا جنس: وهو الكلّـي المقول على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو من حيث هو كذلك.

وأقسامه أربعة:

العالي: وهو الذي لا جنس فوقه، وتحته جنس، ويسمّى جنس الأجناس(3).

والسافل: وهو الذي فوقه جنس، وليس تحته جنس.


1 . راجع الإشارات 1: 38ـ 39; النجاة 6ـ7;جوهر النضيد: 16ـ17 والمراد هنا هو الذاتي في كتاب ايساغوجي. و انظر معاني الذاتي في منطق الشفاء1:33.
2 . هذا رأي الجمهور، وقد أنكره قطب الدين الرازي وأجاب على الاشكال بقوله: (فانّ الشيء لاينسب إلى نفسه). شرح الإشارات 1:39ـ 40.
3 . كالجوهر.


(211)

والمتوسّط: وهو الذي فوقه جنس وتحته جنس.

والمفـــرد: وهو الذي ليس فوقه جنس ولا تحته جنس.

لا يقال: المقول على كثيرين جنس للجنس، فهو جنس خاص من حيث إنّه جنس للجنس، فيكون أخصّ، لكنّه أعمّ من مطلق الجنس، فإنّ كلّ جنس أعمّ من نوعه، ولأنّه محمول، وإلاّ لم يكن مقولاً على كثيرين، فإنّ المقوليّة نفس الحمل، ولا شيء من الجزء بمحمول، فلا شيء من الجنس بجزء، فليس مقوّماً بل عارضاً. ولأنّه ليس في الخارج، وإلاّ لكان شخصاً غير مقول على كثيرين، ولا في الذهن لامتناع تقوّم الأنواع الخارجيّة بأُمور ذهنية.

لأنّا نقول: المقول على كثيرين أعمّ من الجنس باعتبار ذاته، وأخصّ باعتبار عروض الجنسيّة له. ولا استبعاد في صيرورة ما هو أعمّ، باعتبار عروض عارض أخصّ أو مساوياً، كالجنس والمضاف والحدّ وحده. والحيوان المحمول ليس هو الجزء وإن اتّحدا في الذات، لكنّهما متغايران بالإعتبار، وهو موجود في الخارج لا باعتبار أنّه جنس أو كلّـي، بل من حيث هو هو. فمعروض الجنسيّة موجود لا من حيث العروض، بل من حيث اعتبار الذات من حيث هي هي. وهو من حيث عروض الجنسيّة موجود في الذهن لا غير، وليس هو من تلك الحيثيّة بمقوّم.

وإمّا نوع (1): ويقال بالاشتراك على الحقيقي، وهو الكلّـي المقول على كثيرين متّفقين بالحقيقة في جواب ما هو من حيث هو كذلك. وعلى الإضافي، وهو أخصّ الكليّين المقولين في جواب ما هو. وهما متغايران، لامتناع الجنسيّة في الأوّل وامكانها في الثاني; والإكتفاء بالمحموليّة في الأوّل دون الثاني; وامكان بساطة الأوّل وامتناعها في الثـاني; واستغنـاء الأوّل أحياناً عن فصل أو جنس بخلاف الثاني. ولا يتلازمان، لوجود الأوّل في الحقائق البسيطة دون الثاني، وبالعكس في


1 . عطف على قوله: «والذاتي إمّا جنس»، راجع شرح الإشارات 1:79ـ82.


(212)

الأجناس المتوسّطة. والأوّل هو أحد الخمسة (1)، وإلاّ صارت القسمة مسدّسة، لوجود الحقيقي في البسيط (2).

ومراتب الإضافي أربع: العالي: وهو الذي تحته نوع، وليس فوقه نوع.

والسافل: وهو الذي ليس تحته نوع، بل فوقه، ويسمّى نوع الأنواع (3).

والمتوسّط: وهو الذي فوقه نوع، وتحته نوع.

والمفرد: وهو الذي ليس فوقه نوع، ولا تحته نوع.

وقد تتوارد بعض هذه المراتب وبعض مراتب الجنس على محلّ واحد، هو كلّ ماهيّة اختلفت أفرادها في الحقيقة واندرجت تحت مثلها.

ولا وجود للمفرد والسافل إلاّ في الحقيقي. ولا وجود للجنس العالي والمفرد إلاّ فيما باين (4) مراتب النوع. والطبيعة الجنسيّة إذا أُخذت معقولة مجردة عن فصولها كانت نوعاً حقيقياً، وإنّما يكون جنساً لو التفت إلى فصولها التي تتحصّل بها أنواعاً مختلفة في الأعيان.

وإمّا فصل (5): وهو الكلّـي المقول على الشيء في جواب أيّما هو في جوهره. فمنه قريب وبعيد، وهو بالنسبة إلى الجنس خاصّة، كما أنّ الجنس بالنسبة إليه


1 . أي أحد الكلّيات الخمسة.
2 . والمصنف جعل النسبة بينهما عموماً من وجه حيث قال: وقد يتّفقان في التوارد على حقيقة واحدة كالنوع السافل فبينهما عموم من وجه، الجوهر النضيد 21، وانظر مورد الاشتراك وتباينهما في شرح قطب الدين الرازي على شرح الإشارات 1:79ـ80.
3 . كالإنسان.راجع الفصل الحادي عشر من المقالة الأُولى(المدخل) من منطق الشفاء.
4 . كذا في ق وفي م: بزيادة «من» بعدها. و لم أهتد للقراءة الصحيحة
5 . عطف على قوله: «والذاتي إمّا جنس» و «إمّا نوع»، راجع الفصل الثالث عشر من المقالة الأُولى (المدخل) من منطق الشفاء ;الجوهر النضيد: 21.


(213)

عرض عام. ومقوّم العالي مقوّم للسّافل من غير عكس.(1) ومقسّم السافل مقسّم العالي من غير عكس. وللعالي فصل مقسّم لا يتقوّم(2) ، والسّافل بالعكس، والمتوسّطات لها فصول مقوّمة و مقسّمة.

وأمّا العرضي (3)، فإمّا خاصّة: وهي الكلّـي المقول على أفراد حقيقة واحدة من حيث هو كذلك فقط قولاً عرضياً، سواء كانت تلك الحقيقة جنساً عالياً أو سافلاً أو متوسطاً أو نوعاً حقيقياً.

والخاصّة إمّا مطلقة لا توجد في غير أفراد ما قيل له إنّه خاصّة له، أو إضافية توجد في بعض ما غايره دون بعض. وهي إمّا شاملة لجميع أفراد الحقيقة، أو قاصرة، بسيطة أو مركّبة من أُمور كلّ واحد منها أعمّ ويجتمع من المجموع مساو كقولنا في الخفاش:إنّه الطائر الولود. والمفيد في التعريفات الخاصّة اللازمة الشاملة البيّنة.

وإمّا عرض عام (4)، وهو الكلّـي المقول على أفراد حقيقة واحدة وعلى غيرها قولاً عرضياً من حيث هو كذلك. وهو مغاير للعرض القسيم للجوهر.

وقد ذكرنا أنّ الجنس والنوع يقالان في جواب ما هو، لكنّ الجنس إنّما يقال في جواب ما هو حال الشركة، لأنّ الجنس جزء الماهيّة، والسائل بما هو إنّما سأل عن كمال الحقيقة، فلا يجوز الجواب إلاّ بذكر جميع المقوّمات. وإذا سئل عن جماعة من الأنواع صلح الجنس للجواب; لأنّ السائل إنّما سأل عن كمال المشترك، والحدّ يقال في جواب ما هو حال الخصوصيّة. والنوع يقال في جواب ما هو


1 . راجع الفصل الأوّل من المقالة الثانية من الفن الثاني من منطق الشفاء.
2 . كذا في جميع النسخ، و لعلّ الصحيح:«لا مقوّم».
3 . راجـع الفصل الرابع عشر من المقالة الأُولى (المدخل) من منطق الشفاء; الفصل الأوّل من مقولات الجوهر النضيد22.
4 . عطف على قوله : «وأمّا العرضي فإمّا خاصّة».


(214)

بحسب الشركة والخصوصيّة معاً، لأنّه يقال في جواب السؤال عن فرد واحد، وعن جميع الأفراد (1).

وفرق بين المقول في جواب ما هو الذي هو نفس الماهيّة وبين الداخل في جواب ما هو الذي هو جزء الماهيّة، والواقع في طريق ما هو الذي هو الجزء الأعمّ(2).

واعلم: أنّ الكلّ مغاير للكلّـي والجزء مغاير للجزئي، لأنّ الكلّ من حيث هو كلّ موجود في الخارج، والكلّـي من حيث هو كلّـي لا يوجد إلاّ في الذهن. ولأنّ الكلّ يُعدّ بأجزائه، والكلـي لا يُعدّ بجزئياته. ولأنّ الكلّـي مقوّم للجزئي، والكلّ متقوّم بالجزء، ولأنّ الكلّ لا يكون كلاّ ً لكلّ جزء وحده، والكلّـي يكون كلياً لكلّ جزئي وحده. ولأنّ الكلّ أجزاؤه متناهية، وجزئيات الكلّـي غير متناهية. ولأنّ الكلّ محتاج إلى حضور أجزائه جميعاً، والكلّـي لا يحتاج إلى حضور جزئيّاته جميعاً. ولأنّ طبيعة الكلّ لا تصير هي الجزء، أمّا طبيعة الكلّـي فإنّها بعينها جزئية(3) كالإنسان (4).


1 . راجع شرح الإشارات 1:69، وما يليها.
2 . قال الطوسي: ... القوم لم يفرّقوا بين نفس الجواب الذي هو الماهية وبين الداخل فيه، والواقع في طريقه الّذي هو جزء الماهية يعني الذاتيّ. شرح الإشارات1:67ـ 68.
3 . الكلمة غير منقوطة في النسخ، و الصحيح ما أثبتناه، و يمكن قراءتها : «جزئيه».
4 . إذا صار هذا الإنسان مشاراً إليه ، وهذه سبعة فروق راجعها في المباحث المشرقية: 1:575.


(215)

القاعدة الثانية

في تقسيم الموجودات

وفيه نوعان:


(216)

(217)

النوع الأوّل

في التقسيم على رأي المتكلّمين (1)

إعلم: أنّ الموجود إمّا أن يكون قديماً لا أوّل لوجوده، وهو اللّه تعالى، أو محدثاً لوجوده أوّل، وهو ما عداه. فهنا فصول.

الفصل الأوّل:

في القدم والحدوث

وفيه مباحث:

البحث الأوّل: في تحقيقهما

القديم: هو الموجود الذي لم يسبقه العدم، أو الموجود المساوق(2) لأزمنة


1 . راجع أنوار الملكوت في شرح الياقوت: 51; المعتبر 3:41; كشف الفوائد:67; نقد المحصل: 122 وما بعدها; شوارق الإلهام، المسألة السادسة والعشرون من الفصل الأوّل. وانظر أنواع الحدوث وتقاسيم الوجود بحسبها في القبس الأوّل من القبسات.
2 . م: «المساوي».


(218)

مقدّرة لا نهاية لها. وأمّا المحدث فله تفسيران: أحدهما: أنّه المسبوق بالعدم، والثاني: أنّه المسبوق بالغير. وعلى كلا التفسيرين فالسبق هنا عند المتكلّمين إنّما هو بتقدير أزمنة لا نهاية لها.

قال الأوائل(1): مفهوم قولنا : «كان اللّه تعالى موجوداً في الأزل» إن كان عدمّياً كان نقيضه وهو «ما كان اللّه تعالى في الأزل» ثبوتياً، لكن قولنا «ما كان» عدمي، ولأنّه إذا كان قولنا: «ما كان اللّه تعالى موجوداً في الأزل» ثبوتياً كان المعدوم في الأزل موصوفاً بوصف ثبوتي، وهو محال.

وإن كان قولنا: «كان اللّه تعالى في الأزل» ثبوتياً، فإمّا أن يكون نفس ذات اللّه تعالى، أو مغايراً لها. والأوّل باطل; لأنّ كونه في الأزل نسبة وإضافة لا تقوم بذاته، بل إنّما يعقل وصفاً لغيره، فلا تأصّل له في الوجود، بل هو من ثواني المعقولات، واللّه تعالى قائم (2) بذاته. ولأنّ كونه في الأزل نسبة له إلى الأزل، والنسبة بين الشيئين متأخّرة عنهما، والمتأخّر عن الشيء لا يمكن أن يكون نفس ذلك الشيء. ولأنّ كونه في الأزل ليس بحاصل الآن، وإلاّ لكان كلّ حادث الآن، بل في كلّ آن سابق أو (3) لاحق، فلا تقدّم ولا تأخّر لبعض الموجودات على البعض، وهو محال، واللّه تعالى موجود الآن، فتغايرا.

وبالجملة، فالحكم بالتغاير ضروري أظهر من هذه البراهين، فذلك المتغاير إن كان موجوداً في الأزل، فقد كان مع اللّه تعالى في الأزل غيره، وهو محال عندكم. ولأنّ ذلك الغير هو الذي يلحقه معنى «كان» و«يكون» لذاته، وهو الزمان، فالزمان أزلي.


1 . وهم الفلاسفة.
2 . م: «موجود» بدل «قائم».
3 . م : «و» بدل «أو».


(219)

أجاب المتكلّمون: بأنّ معنى كون اللّه تعالى قديماً، أنّا لو قدّرنا أزمنة لا نهاية لها لكان اللّه تعالى موجوداً معها بأسرها، ولا يحتاج هذا المعنى إلى تحقّق الزمان ووجوده، بل تقدير وجوده، لأنّه لو اعتبر الزمان في ماهيّة القدم والحدوث لكان ذلك الزمان إمّا قديماً أو حادثاً، فإن كان قديماً، فإن احتاج قدمه إلى زمان يصحبه، وجب أن يكون له زمان آخر، فللزمان زمان وهكذا إلى مالا نهاية له. وإن لم يحتج قدم الزمان إلى اعتبار آخرَ (1)، لم يجب اعتبار الزمان في معنى القديم، فيكون القِدم معقولاً من غير اعتبار الزمان، وإذا عُقل ذلك في موضع، فليُعقل في جميع المواضع.وإن كان ذلك الزمان حادثاً، فإن اعتبر في حدوثه الزمان تسلسل، وهو محال. وإذا لم يعتبر الزمان في الحدوث في نفس الزمان، فليُعقل مثله في جميع المواضع. ولأنّ القديم يمتنع اعتبار الزمان الحادث في تحقّقه.

قال أفضل المحقّقين: «لا يجب أن يكون نقيض العدميّ ثبوتياً، بل منقسماً إلى الثبوتي والعدميّ. وأيضاً قولنا: «كان اللّه تعالى موجوداً في الأزل» نقيض «ما كان موجوداً في الأزل» وهي قضية، ولا يكون شيء من المعدومات موصوفاً بهذه القضيّة. وان جعل بازائه «ما كان معدوماً ما موجوداً في الأزل» حتى يصير ذلك المعدوم موصوفاً بأنّه لم يكن في الأزل، لم تكن هذه القضيّة نقيضاً للأُولى، لتخالف موضوعيهما. وإن أراد بذلك أنّ الكون واللاكون متناقضان، والكون محمول على اللّه، واللاكون محمول على المعدوم(2)، فيكون الكون وجودياً، كان إيراد قضيّتين بدل مفردين حشواً. وما نقله (3) عن المتكلّمين غير مرضي عند الكلّ منهم(4)، فإنّ كون الشيء مع الشيء لا يتحقّق إلاّ فيما كان في زمان أو تقدير زمان.


1 . أي إلى اعتبار زمان آخر.
2 . في المصدر «العدم».
3 . أي الرازي.
4 . «منهم» ساقطة في المصدر.


(220)

والمحقّقون منهم يقولون: معناه أنّه غير مسبوق بغيره.

لا يقال: إنّ السبق أيضاً لا يتحقّق إلاّ بتقدير زمان، لأنّهم يقولون: «سلب السبق عنه (1) لا يقتضي كونه زمانياً» (2).

وفيه نظر، لأنّه ليس المقصود ما صدق عليه النقيض حتى يكون منقسماً إلى ثبوتي وعدميّ، بل نفس مفهوم النقيض، وذلك غير منقسم.

والتحقيق: أنّ من المعقولات ما يوجد في الخارج فلا ينفك الخارج عنه وعن نقيضه بالضرورة، لامتناع الخلو عن النقيضين. ومنها ما لا وجود له إلاّ في الذهن، ومثله حكم النقيضين فيه بالنسبة إلى الخارج سواء، لأنّ أحدهما إذا أخذناه على أنّه ثبوتي لم يرد به الثبوت العيني، بل الذهني. وهنا يكون أحدهما موجباً والآخر سالباً، ولا يجب أن يكون أحدهما موجوداً في الخارج، والآخر معدوماً، بل موضوعاته.

وقولنا: «كان اللّه تعالى موجوداً في الأزل» وإن كان قضيّة، فليس المراد إلاّ: الكون في الأزل هل هو ثبوتي أم لا؟ وكذا نقيضه الذي هو اللاكون.

والمتكلّمون لا يسلّمون افتقار المعيّة إلى الزمان، كما لا يسلّمون أنّ التقدّم إنّما يكون بالزمان. والسبق أيضاً عندهم لا يفتقر إلى الزمان.

البحث الثاني: في التفسير على رأي الحكماء الأوائل (3)

فسّـروا الحدوث بأمرين:


1 . في المصدر «منه».
2 . نقد المحصل: 123.

3 . لاحظ المباحث المشرقية 1:227; شرح المواقف 4:2 وما بعدها.


(221)

أحدهما: حصول الشيء بعد أن لم يكن له وجود في زمان سابق (1) وعلى هذا التفسير لا يكون الزمان حادثاً، وإلاّ لكان عدمه سابقاً على وجوده بزمان سابق، فيكون للزمان زمان وهكذا.

والثاني: أن يكون حصوله بعد عدمه بعديّة بالذات، وهو الحدوث الذاتي، فإنّ (2) كلّ ممكن، فإنّه لا يستحقّ الوجود من ذاته وإنّما يستحق الوجود من غيره، وما بالذات أسبق ممّا بالغير (3)، فيكون لا استحقاقية الوجود التي هي مقارنة للعدم، سابقاً على استحقاقية الوجود، فيكون العدم سابقاً على الوجود المستند إلى الغير، وسواء كان ذلك الإستناد مخصوصاً بزمان أو مستمراً في كلّ الزمان.

وللقدم معنيان مقابلان لمعنيي الحدوث: أحدهما الذي لا أوّل لزمان وجوده. والزمان بهذا المعنى ليس بقديم، وإلاّ لكان للزمان زمان آخر، وهو محال.

والثاني الذي لا مبدأ ولا علّة لوجوده، وهو القِدم الذاتي.

البحث الثالث: في أنّ الحدوث والقدم هل هما ثبوتيّان أم لا؟

اختلف الناس هنا، فالمحققون على أنّهما وصفان اعتباريان لا تحقّق لهما في الخارج.

وذهبت الكرّاميّة (4) إلى أنّ الحدوث صفة زائدة على الذات.


1 . وهذا هو الحدوث الزمانيّ، والبعدية فيه لاتجامع القبلية، بخلاف الحدوث الذاتي الذي يجامع الوجود فيه العدم الذاتي ،وهو عدمه في مرتبة ذاته.
2 . فهذا برهان لإثبات الحدوث الذاتي، راجع الإشارات 3:113 وما بعدها، والمباحث المشرقية1:229، وللرازي إشكال ضعيف على الحجة نشأ من المغالطة، ذكره في شرحه على الإشارات والمباحث المشرقية.
3 . أي عدم استحقاق الوجود ـ الذي هو مقارن لعدم الوجود ـ اسبق من استحقاق الوجود.
4 . أصحاب أبي عبد اللّه محمد بن كرّام وكان من سجستان، وهم طوائف بلغ عددهم اثنتي عشرة فرقة، وهم من الصفاتية المجسمة. الملل والنحل للشهرستاني 1:108.


(222)

وذهب «عبد اللّه بن سعيد» (1) من الأشاعرة إلى أنّ القدم وصف ثبوتي.

والكلّ باطل. أمّا الأوّل: فلأنّ الحدوث لو كان ثبوتياً، لكان عرضاً قائماً بالغير، فذلك الغير إمّا أن يكون قديماً أو حادثاً، والقسمان باطلان. أمّا الأوّل: فلاستحالة اتّصاف القديم بالحدوث. وأمّا الثاني فلاستلزامه التسلسل.

لا يقال: لِمَ لا يقوم الحدوث بالماهيّة من حيث هي هي، فلا يلزم التسلسل؟

لأنّا نقول: الماهيّة من حيث هي هي لا توجد إلاّ في العقل، فيستحيل قيام الحدوث الثبوتي في الأعيان بماهيّة ذهنية، بل إنّما تحلّ في ماهيّة موجودة، ولمّا كان هذا الوجود مسبوقاً بالعدم وجب أن يكون الشرط هو هذا الوجود المسبوق بالعدم. وأيضاً لو كان الحدوث صفة وجودية لكان إمّا قديماً أو حادثاً، والقسمان باطلان. أمّا الأوّل فلاستلزامه قِدم موصوفه الذي هو الحادث، فيكون الحادث أزليّاً، هذا خلف، ولأنّ الحدوث عبارة عن مسبوقية الوجود بالعدم، فيستحيل عليه القدم الذي هو عدم مسبوقية الوجود بالعدم. وأمّا الثاني فلاستلزامه التسلسل، فإنّ الحدوث لو اتّصف بالحدوث، لكان الكلام في الحدوث الذي هو الوصف كالكلام في الحدوث الذي هو الموصوف، وهكذا إلى ما لا نهاية له.

وأمّا الثاني: وهو مذهب «ابن سعيد» ، فإنّه باطل أيضاً، لأنّ القِدم لو كان وصفاً ثبوتياً، فإمّا أن يكون قديماً أو حادثاً، والأوّل يستلزم التسلسل. والثاني يستلزم اجتماع النقيضين. ولأنّه لو كان ثبوتياً لم يكن قائماً بذاته، بل بغيره. فذلك الغير إمّا أن يكون قديماً أو حادثاً، والقسمان باطلان، كما تقرّر أوّلاً في الحدوث.


1 . عبد اللّه بن سعيد بن كُلاب، أبو محمد القطان، متكلم من العلماء، له كتب، منها «الصفات» و «الرد على المعتزلة» توفي سنة 245 هـ ( أعلام الزركلي 4: 90).


(223)

قال أفضل المحقّقين: كلّ ما ليس القدم (1) داخلاً في مفهومه، فإذا وصف بالقدم احتيج إلى صفة زائدة عليه هي القدم، وأمّا القِدم فلا يحتاج إليه (2) لكونه قديماً لذاته.

وأمّا الحدوث فإنّه صفة والصفات لا توصف بالقِدم ولا الحدوث، لأنّ الإتّصاف بهما من شأن الذوات (3).

وفيه نظر، لأنّهم لمّا سلموا كون القِدم ثبوتياً في الخارج وجب أن يكون مشاركاً لغيره في الثبوت، وممتازاً عنها بخصوصيّة (4)، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فاتّصاف ماهيته بوجوده إمّا أن يكون مسبوقاً بالعدم، فيكون حادثاً وهو محال. وإمّا أن لا يكون، فيكون قديماً، وقدمه راجع إلى نسبة وجوده إلى ماهيته وتلك النسبة مغايرة لما عداها من النسب. ولأنّه إذا جاز في القِدم أن يكون قديماً لذاته، فليجز في كل قديم ذلك.

والحدوث إذا كان صفة ثبوتيّة وجب أن يكون موصوفاً بالثبوت، فلا يصحّ قولهم: «الصفة لا توصف» ولأنّ الضرورة قاضية بأنّ كلّ ثبوتي فإنّه موصوف بالثبوت، فإمّا أن تكون موصوفيّته به مسبوقة بالعدم أو لا.

احتجّوا: بأنّ الشيء لا يكون حادثاً ثمّ يصير حادثاً، فتجدّد الصفة بعد عدمها يدلّ على كونها ثبوتيّة، أو (5) كون عدمها ثبوتياً، والثاني محال، فالحدوث ثبوتي. ولأنّه نقيض «لا حدوث» العدمي. وكذا القِدم نقيض «لا قدم» العدمي،


1 . م: «العدم» والصواب ما قرّرناه في المتن من : ق ، والمصدر.
2 . «إليه» ليست في المصدر.
3 . نقد المحصل: 127. والعبارة الأُولى«كلّ ما ليس القدم» من الطوسي دفاع عمّـا قاله ابن سعيد والثاني «وأمّا الحدوث» دفاع عن مذهب الكرّامية.
4 . م: «بخصوصيّته».
5 . ق: «و».


(224)

فيكون كلّ منهما ثبوتيّاً.

والجواب: التبدّل لا يدلّ على الثبوت، فإنّ الشيء الممكن إذا أُخذ من حيث هو هو لم يكن واجباً ولا ممتنعاً بالغير، ثمّ إذا فُرض انضمامه إلى المؤثر أو عدمه صار واجباً أو ممتنعاً مع كونهما عدميين. وقد عرفت أنّ الإستدلال بصورة السلب على العدم (1) باطل.

قيل (2): حدوث الحادث ليس وجوده الحاصل في الحال، وإلاّ لكان كلّ موجود حادثاً، ولا العدم السابق من حيث هو عدم، وإلاّ لكان كلّ عدم حدوثاً، بل الحدوث هو مسبوقية الشيء بالعدم، ومسبوقيّة الشيء بالعدم كيفيّة زائدة على الوجود والعدم.

قلنا: إن أردتم الزيادة في التعقّل والذهن فمسلّم، ولكن ذلك لا يقتضي كون الحدوث ثبوتياً في الأعيان، وإن أردتم الزيادة في الخارج، فدليلُكم لا يعطي أكثر من مطلق الزيادة في المفهوم.


1 . ج:«القدم» و هو خطأ.
2 . والقائل هو الرازي في المباحث المشرقية 1:231، وهو نظير كلام الشيخ ابن سينا في تفسير القبلية للحادث وإن تخالفا في النتيجة، الإشارات 3:82ـ83.


(225)

الفصل الثاني:

في خواص القديم

وفيه مباحث:

البحث الأوّل: في أنّ القديم هل يصحّ اسناده (1) إلى الفاعل أم لا؟ (2)

المشهور بين الناس أنّ هذه مسألة خلاف بين الحكماء والمتكلّمين، فإنّ الحكماء جوّزوا اسناد القديم إلى المؤثّر، لأنّ علّة الحاجة إلى المؤثر عندهم هي الإمكان، وهذه العلّة ثابتة في القديم الممكن، فيثبت حكمها وهو الاحتياج. والمتكلّمون منعوا في الظاهر اسناده إلى الفاعل، لأنّ علّة الحاجة إلى الفاعل إنّما هي الحدوث.

وفي التحقيق: لا نزاع بين الخصمين، لأنّ الحكماء اتّفقوا على امتناع اسناد القديم إلى المؤثّر المختار، لأنّ المختار إنّما يفعل بتوسّط القصد و الداعي، والداعي إنّمايتوجّه إلى إيجاد المعدوم لا الموجود، لاستحالة القصد إلى تحصيل


1 . م:«استناده»، و لا فرق بينهما.

2 . لاحظ نقد المحصل: 124.


(226)

الحاصل. فواجب في أثر المختار سبق العدم عليه، فلهذا استحال اسناد القديم إليه .

والمتكلّمون أيضاً منعوا من ذلك، ونفوا (1) القول بالعلّة والمعلول، لا بهذا الدليل، بل بما دلّ على وجوب كون المؤثّر في وجود العالم قادراً. وجوّز الفريقان اسناد القديم إلى العلّة الموجبة، بل صرّحوا بوقوع ذلك (2) .واستدلوا على ثبوته: بأنّ مثبتي الحال من الأشاعرة، ذهبوا إلى أنّ عالميّة اللّه تعالى وعلمه قديمان، والعالمية معلّلة بالعلم، وكذا القدرة والقادريّة وغيرها من الصفات. وزعم «أبو هاشم» من المعتزلة وأتباعه: أنّ العالمية والقادريّة والحييّة والموجوديّة معلّلة بحالة خامسة، مع أنّ الكلّ قديم. وقال «أبو الحسين البصري» :إنّ العالمية حالة معلّلة بالذات. وهؤلاء وإن منعوا من إطلاق لفظ القديم على هذه الأحوال، إلاّ أنّهم يعطون المعنى في الحقيقة (3).

قال أفضل المحقّقين: هذا صلح من غير تراضي الخصمين، لأنّ المتكلّمين بأسرهم صدّروا كتبهم بالاستدلال على وجوب كون العالم محدثاً، من غير تعرّض لفاعله فضلاً عن أن يكون فاعله مختاراً أو غير مختار. ثمّ ذكروا بعد إثبات حدوثه أنّه محتاج إلى محدث وأنّ محدثه يجب أن يكون مختاراً، لأنّه لو كان موجباً لكان العالم قديماً، وهو باطل بما ذكروه أوّلاً. فظهر أنّهم ما بَنوا حدوث العالم على القول بالاختيار، بل بنوا الاختيار على الحدوث. وأمّا القول بنفي العلّة والمعلول فليس بمتّفق عليه عندهم; لأنّ مثبتي الأحوال من المعتزلة قائلون بذلك صريحاً. والأشاعرة يثبتون مع المبدأ الأوّل قدماء ثمانية يسمّونها صفات المبدأ الأوّل. فهم


1 . ق: «هو» بدل «نفوا» والصواب ما أثبتناه من : م.
2 . راجع أنوار الملكوت في شرح الياقوت: 51.
3 . راجع نقد المحصل: 124; شرح الإشارات 3:80 ـ 81.


(227)

بين أن يجعلوا الواجب لذاته تسعة، وبين أن يجعلُوها معلولات لذات واجبة هي علّتها. وهذا شيء إن احترزوا عن التصريح به لفظاً، فلا محيص لهم عن ذلك معنىً ، (1)فظهر أنّهم غير متّفقين على القول بنفي العلّة والمعلول، مع اتّفاقهم على القول بالحدوث (2).

وأيضاً المتكلّمون إنّما منعوا من إسناد القديم إلى الفاعل، ليس لقولهم: «علّة الحاجة هي الحدوث»، فإنّ هذا القول مختصّ ببعضهم، ولم يتفقوا عليه، لكن لقولهم بأنّ «ما سوى اللّه تعالى وصفاته محدث» والأحوال التي ذكرها (3) عند مثبتيها ليست بموجودة ولا معدومة، فلا توصف بالقدم على ما ذكره (4) في تفسير القديم وهو: أنّ القديم ما لا أوّل لوجوده، إلاّ أن يغيّـر التفسير ويقول: القديم ما لا أوّل لثبوته، على أنّ الوجود والثبوت مترادفان (5)، لكنّه يقول هنا ما قاله المتكلّمون وليس عند بعضهم معناهما واحداً. و «أبو الحسين» لا يقول بالحال، لكنّه يلزمه أن يقول: العلم صفة قديمة معلّلة بالذات (6).

وأمّا الأشاعرة فيقولون بصفات قديمة، لكنّهم يقولون: لا هي الذات ولا غيرها، فلذلك لا يطلقون المعلوليّة عليها.

والحقّ: أنّ جميعهم أعطوا معنى القديم في الحقيقة على هذه الصفات(7)،


1 . في المصدر «ذلك المعنى».
2 . شرح الإشارات 3:81 ـ 82.
3 . م: «ذكروها» والصواب ما في المتن، أي ذكرها الرازي.
4 . م: «ذكروها».
5 . في المصدر: «عنده مترادفان».
6 . ق وج: «بالذات» ساقطة، وأثبتناها من: م، والمصدر.
7 . في النســخ:«معه» بعد «الصفات»، و في المصدر: «معنى»، و الظاهــر عدم الحاجة إليهما في العبارة.


(228)

وأنَّ إِباءهم عن إطلاق لفظ القديم عليها ليس بحقيقي (1).

وأمّا الفلاسفة فلم يذهبوا إلى: أنّ الأزليّ يستحيل أن يكون فعلاً لفاعل مختار، بل ذهبوا إلى: أنّ الفعل الأزليّ يستحيل أن يصدر إلاّ عن فاعل أزليّ تامّ في الفاعليّة، وأنَّ الفاعل الأزليّ التام في الفاعليّة يستحيل أن يكون فعله غير أزليّ، ولمّا كان العالم عندهم فعلاً (2) أزليّاً أسندوه إلى فاعل أزليّ تامّ في الفاعليّة، وذلك في علومهم الطبيعية (3). وأيضاً لما كان المبدأ الأوّل عندهم أزليّاً تامّاً في الفاعليّة، حكموا بكون العالم الذي هو فعله أزليّاً، وذلك في علومهم الإلهيّة، ولم يذهبوا أيضاً إلى أنّه ليس بقادر مختار، بل ذهبوا إلى أنّ قدرته واختياره لا يوجبان كثرة في ذاته(4)، وأنّ فاعليته ليست كفاعليّة المختارين من الحيوانات (5)، ولا كفاعليّة المجبورين من ذوي الطبائع الجسمانية (6).

وفرق بين الاختيار الذي يثبته الحكماء والذي يثبته المتكلّمون، لأنّ الحكماء يقولون: إنّه مختار بمعنى وجوب صدور الفعل عنه دائماً، والمتكلّمون ينفون دوام الصدور عنه، ويقول بعضهم بوجوب الصدور نظراً إلى قدرته وإرادته، وبعضهم ينفي وجوب الصدور عنه (7) أصلاً، ويقولون: إنّه يختار أحَدَ الطرفين المتساويين على الآخر لا لمرجّح (8).


1 . نقد المحصل: 124.
2 . في النسخ:«فعلياً» و الصحيح ما أثبتناه طبقاً للسياق.
3 . فابتدؤا من أزلية العالم واثباتها، ثمّ استفادوا منها أزلية الباري تعالى.
4 . أي إنّهما كسائر الصفات، عين ذاته تعالى.
5 . بأن يكون الاختيار زائداً على الذات.
6 . كفاعلية النار، شرح الإشارات 3:82.
7 . في النسخ: «عنهم» وأصلحناها من المصدر.
8 . نقد المحصل: 125.


(229)

وفيه نظر، فإنّ المتكلّمين لم يقصدوا إثبات الحدوُث بالذات، بل قصدهم بالذات إثبات الصانع، ولمّا كان الطريق هو الحدوث، لا جرم قدّموا البحث عنه على البحث عن إثبات الصانع، ولم يكتفوا بالإمكان، لأنّهم وجدوا العالم لا يخلو عن الحوادث، وحكموا بأنّ ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، فلزمهم القول بحدوث العالم، ولمّا استحال إسناد الحادث إلى القديم الموجَب التام في الفاعليّة، وكان التسلسل محالاً، لا جرم أسندوه إلى الفاعل المختار، فحكموا بأنّ مؤثر العالم قادر.

وأفضل المتأخّرين لم يقصد بقوله: «إنّ المتكلّمين نفوا العلّة والمعلول» الإطلاق، لأنّهم يعترفون بثبوت التعليل في كثير من الأحكام والصفات والذوات أيضاً، بل قصد أنّهم ينفون العلّة والمعلول عن اللّه تعالى والعالم (1).

وأيضاً المتكلّمون لمّا نفوا المجرّدات الممكنة، وحكموا بأنّ كلَّ متحيّز بالذات أو بالعرض محدث، لبراهينهم التي استدلّوا بها، لزمهم أن يكون ما سوى اللّه تعالى وصفاته محدثاً، فلهذا لم يسندوا العالم إلى مؤثّر موجَب، بل إلى قديم مختار. و «أبو الحسين البصري» لم يقصد بالحال في العلم ما قصده «أبو هاشم»، بل الوصف الثبوتي.

وأمّا الفلاسفة، فإنّهم اتّفقوا على امتناع إسناد القديم إلى فاعل مختار يفعل بواسطة القصد والداعي، لأنّه ليس إذا شاء أن يفعل فعل، وإذا شاء أن يترك ترك، مع إمكان توارد المشيئتين عليه، ولم يثبتوا قدرة واختياراً بهذا المعنى، بل بمعنى مقارنة فعله للعلم، مع عدم منافاته لذاته، ولا فارق بين فعله وفعل الطبائع الجسمانية عندهم إلاّ باعتبار مقارنة العلم وعدمه. فقد تقرّر من هذا، أنّ


1 . كذا في م، وفي ق: «و» محذوف.


(230)

القديم يمكن إسناده إلى المؤثّر الموجب دون المختار.

وقد اعترض بعضهم، بأنّ القادر لا يجب أن يكون فعله حادثاً، لأنّ الحادث هو الموجود المسبوق بالعدم فلنحلّل هذا المعنى، وننظر في القدر المحتاج منه إلى المؤثّر فنقول: لا يجوز أن يكون المحتاج إلى المؤثّر هو العدم (1)، لأنّ العدم حاصل أبداً، ولأنّ الكلام مفروض في الحادث، ولو كان العدم هو المحتاج لم يستند الموجود إلى المؤثّر، فيكون الحادث غنيّاً في وجوده عن المؤثّر، هذا خلف، ولأنّ العدم نفي محض، فلا حاجة به إلى المؤثّر، ولا الوجود من حيث هو وجود، وإلاّ لكان كلّ موجود محتاجاً إلى المؤثّر، فواجب الوجود محتاج، هذا خلف. ولا مسبوقية الوجود بالعدم، لأنّها ليست ثبوتية، وإلاّ لزم التسلسل، ولأنّها صفة للموجود متأخّر عنه، فالمحتاج إلى الفاعل متأخّر عن الوجود، ويكون الوجود السابق مستغنياً عن المؤثّر، فالممكن واجب، هذا خلف. ولأنّ المسبوقية هنا واجبة لذات هذا الحادث، فلا يستند إلى الغير، لأنّ الواجب غير معلّل.

وإذا امتنع كون الحدوث علّة الحاجة إلى المؤثّر، وجب أن يكون هو الإمكان، لأنّه إذا انتفى الحدوث والإمكان بقي الشيء قديماً واجباً، والقديم الواجب مستغن عن المؤثر، فلم يبق المحتاج إلاّ (2)الممكن المحتاج إلى القادر لا يجب أن يكون حادثاً.

وأيضاً العدم السابق ينافي وجود الفعل وفاعلية الفاعل، وما كان منافياً للشيء لا يكون شرطاً له، فالعدم السابق لا يكون شرطاً لكون الفعل فعلاً، ولا لكون الفاعل فاعلاً، فالفعلية والفاعلية يتحقّقان عند عدم العدم السابق، فلا


1 . راجع الإشارات 3:73ـ74 ; المباحث المشرقية 1:134ـ135 و 489.
2 . ق و م :«إلى» و الصحيح ما أثبتناه من ج.


(231)

يجب أن يكون فعل المختار حادثاً.

وأيضاً الإمكان علّة الحاجة إلى المؤثّر، فالباقي محتاج، فليس الحدوث شرطاً في الحاجة.

لا يقال: الباقي يصير أولى، وتلك الأولوية تغني عن المؤثّر.

لأنّا نقول: الأولوية إن حصلت لذاته، كانت حاصلة حال الحدوث، فيجب الاستغناء عن المؤثر حال الحدوث، وإن كانت حاصلة لأمر، كان الباقي محتاجاً في بقائه إلى علّة الأوّلوية بواسطة حاجته إلى الأوّلوية، وذلك قول: بحاجة الباقي إلى المؤثّر.

والجواب: نحن نسلّم: أنّ علّة الحاجة إلى مطلق المؤثّر هي الإمكان، لكن[علّة] (1) الحاجة إلى القادر ليس الإمكان وحده، بل الإمكان للممكن الذي سيحدث ويتجدّد له وجود، ونمنع أيضاً كون الإمكان علّة، بل هذا الإمكان الخاص. ولا يلزم من كون الحدوث ليس علّة الحاجة أن يكون مطلق الإمكان هو العلّة، بل العلّة هذا الإمكان الخاص.

وكون العدم ينافي الوجود مسلّم، لكن ذلك لا يخرجه عن الشرطية، لأنّه يجوز أن يكون المنافي للشيء شرطاً في وجود منافيه (2) المتأخّر عنه، لأنّ المنافاة إنّما هي مع التقارن. ولهذا كانت الحركة شرطاً في وجود السكون المتعقّب لها، مع المنافاة بينهما، وكلّ جزء متقدّم من أجزاء الحركة شرط في الباقي منها، مع المنافاة بينهما، فجاز أن يكون العدم السابق في الحادث شرطاً في وجود الحادث.

وقد بيّنا أنّ الإمكان علّة في مطلق الحاجة لا في الحاجة إلى المختار، بل العلّة فيها هي الحدوث.


1 . أضفناها وفقاً للمعنى و السياق.
2 . م: «وجوده منافي».


(232)

البحث الثاني: في أنّ القديم لا يجوز عليه العدم (1)

إعلم: أنّ القديم الوجودي لا يجوز عليه العدم، لأنّه لا يخلو إمّا أن يكون واجب الوجود لذاته (2)، أو ممكناً لذاته، فإن كان واجباً لذاته امتنع عليه العدم، لما تقدّم في خواص الواجب. وإن كان ممكناً لذاته، افتقر في وجوده إلى مؤثّر، وذلك المؤثّر يجب أن يكون قديماً لاستحالة تقدم المعلول على علّته. ويجب أن يكون موجباً، لامتناع استناد القديم إلى المختار.

ويجب أن يكون واجباً، إمّا لذاته أو لغيره، فإن كان واجباً لذاته، فإمّا أن يكون ايجابه للقديم موقوفاً على شرط أو لا ، فإن لم يكن موقوفاً على شرط، لزم من استمرار وجود الواجب لذاته، استمرار وجود معلوله المطلق، لامتناع انفكاك العلّة التامّة عن معلولها، لكنّ الواجب لذاته يستحيل عليه العدم، فيستحيل على معلوله المستند إليه خاصة، وإن كان موقوفاً على شرط فنقول:

ذلك الشرط لا يجوز أن يكون حادثاً، لاستحالة اشتراط القديم بالحادث، وإلاّ لكان الشيء متقدّماً على شرطه، فلا يكون مشروطاً به، بل يجب أن يكون قديماً، فإمّا أن يكون واجباً لذاته، وهو محال; لاستحالة تعدّد الواجب لذاته، ولو سلّم فالمطلوب، لأنّ العلّة يستحيل عدمها لوجوبها، والشرط أيضاً يستحيل عدمه لوجوبه، فاستحال عدم المعلول حينئذ.

وإن كان الشرط ممكن الوجود، فلابدّ له من علّة قديمة، وإلاّ لكان حادثاً


1 . لاحظ شرح الأُصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: 107 وما بعدها; شرح القوشجي على تجريد الاعتقاد في آخر الفصل الأوّل، ثم راجع كتاب: «في التوحيد» لأبي رشيد النيسابوري: 225ـ 230، ثم راجع المحيط بالتكليف للقاضي عبد الجبار: 60ـ 61.
2 . ق: «بالذات».


(233)

فلا يكون شرطاً للقديم، وتكون واجبة لذاتها أومستندة إليه، وعلى كل تقدير يمتنع عدمها فيمتنع عدم القديم.

فإن قيل: لا نسلّم امتناع عدم القديم، لأنّ الممكن المستند إلى علّته القديمة لا يخرج عن إمكانه، وكل ممكن فإنّه يجوز عدمه، فكيف يصحّ الحكم عليه بامتناع العدم.

لا يقال: إنّه من حيث ذاته يمكن عدمه، لكنّه باعتبار علّته يمتنع عدمه، وليس مطلوبنا إلاّ ذلك.

لأنّا نقول: هذا يلزم منه التناقض، لأنّ الممكن لو كان وجوده لازماً لوجود الواجب لذاته، ومعلوم أنّ عدم اللازم مستلزم لعدم الملزوم، وأنّ إمكان الملزوم ملزوم لإمكان اللازم، فيكون عدم الممكن المعلول للواجب ملزوماً لعدم الواجب، فإمكان عدم الممكن ملزوم لإمكان عدم الواجب، وإمكان عدم الممكن واقع فيقع ملزومه، وعدم الواجب محال.

سلّمنا، لكن لِـمَ لا يجوز أن يكون القديم الوجوديّ المعلول للواجب مشروطاً بشرط عدمي أزليّ؟ والعدمّي الأزليّ يجوز زواله، وإلاّ لم يوجد العالم (1)، وإذا زال شرط القديم الوجودي لزم زوال القديم.

سلّمنا، لكنه (2) معارض بوجوه:

الأوّل: حدوث العالم في الأزل، ومحدثية (3) الباري تعالى لو كانا ممتنعين فتلك الإستحالة، إن كانت هي بعينها، مع أنّها قد زالت، فَلِمَ لا يجوز زوال الواجب لذاته؟ وإن كانت بسبب، رجعنا إليه بالتقسيم الذي ذكرتموه، مع أنّها قد زالت.


1 . م «العالم» ساقطة.
2 . في النسخ: «لكن»، أصلحناها طبقاً للسياق.
3 . ق: «محدثه».


(234)

الثاني: إمكان العالم فيما لا يزال، إن كان لذاته، فإن كان ثابتاً في الأزل (بطل القول بوجوب حدوث العالم، وإن لم يكن ثابتاً في الأزل (1) مع أنّه قد تجدّد جاز حينئذ أن تحدث الأُمور اللازمة لحقائق (2)الأشياء فجاز أيضاً أن تزول بعد ثبوتها، إذ لا فرق في العقل بين الطرفين، وإن كان بسبب، كان ذلك الإمكان ممكناً في نفسه فيفضى إلى ثبوت إمكانات غير متناهية، وهو محال.

ثمَّ إنّها بأسرها تستدعي سبباً، وكلّ ما كان كذلك فهو لذاته ممكن، فإذن إن لم يكن هناك استغناء عن الجعل امتنع جعل تلك الإمكانات، وإن كان هناك إمكان استغنى (3) عن الجعل فهو حاصل لذاته، ويعود الكلام الأوّل.

الثالث: صحّة مؤثّرية اللّه تعالى في العالم، إن كانت لذاته يلزم دوامها لدوام ذاته، أو لأمر آخر فيعود التقسيم ولا ينقطع إلاّ عند الإنتهاء إلى واجب الوجود، ومع ذلك فلا يجب دوام صحّة تلك المؤثريّة.

الرابع: الحادث يصحّ أن يكون مقدوراً لذاته، وحال البقاء يمتنع عليه أن يكون مقدوراً، فقد تبدّلت صحّة تلك (4) المقدورية بامتناعها، وقد تبدّل الواجب الذاتي.

الخامس: الحادث قد كان مقدوراً للباري تعالى في الأزل إلى أن أوجده، ثمّ زالت صحّة قدرته (5)تعالى على احداثه ابتداءً، لاستحالة إيجاد الموجود، وإذا زالت تلك الصحّة مع أنّها قديمة، لزم عدم القديم.


1 . م: من «بطل» إلى «الأزل» ساقطة.
2 . ق و ج: «بحقائق».
3 . م: «استغناء».
4 . ق و ج: «تلك» ساقطة.
5 . في جميع النسخ: «مقدوريته»، أصلحناها طبقاً للمعنى والسياق.


(235)

لا يقال: لا نسلّم زوال تلك الصحّة، لأنّه تعالى بعد إيجاده للعالم قادر على إيجاده مرّة أُخرى، بأن يعدمه ثمّ يوجده.

لأنّا نقول: كلامنا في الإيجاد المبتدأ (1) لا في تجدد إيجاد بعد إعدام، ولا شك في امتناع ابتداء الإيجاد.

السادس: أنّه تعالى في الأزل عالم، بأنّ العالَم سيحدث فيما لا يزال، فإذا وجد العالم استحال بقاء علمه بأنّه سيحدث، لأنّه جهلٌ، تعالى اللّه عنه. فذلك التعلّق إن كان حادثاً فقبله تعلّق آخر لا إلى أوّل، فهناك حوادث لا أوّل لها، والقول بتجويزه اعتراف بفساد المقدّمة الثانية من أصل دليلكم على حدوث العالم، وإن كان قديماً فذلك التعلّق الأزلي قد عدم.

لا يقال: قد تقدّم أنّ القديم الأزلي إذا كان مشروطاً بشرط عدمي أزلي جاز زواله لزوال شرطه العدمي الأزلي، وههنا اقتضاء ذاته تعالى لتلك العالمية مشروط بعدم العالم أزلاً ، إذ لو كان موجوداً لاستحال علمه بأنّه سيوجد، فجاز زوال التعلّق الأزلي لزوال شرطه.

لأنّا نقول: هذه مساعدة لنا على مطلوبنا، وهو جواز عدم القديم لزوال شرطه العدمي، وإذا جاز في قديم جاز في كل قديم.

والجواب (2): أنّ الممكن لذاته بالنظر إلى ذاته ليس بقديم ولا حادث، ولا واجب لغيره ولا ممتنع، وإنّما يعرض له شيء من ذلك بالنظر إلى غيره، ولا نسلّم بقاءه على إمكانه بالنظر إلى وجود علّته أو عدمها، بل يخرج إلى حيّـز الواجب لغيره أو الممتنع، وهما ينافيان الإمكان بالنظر إلى الغير، وإن لم ينافياه بالنظر إلى


1 . ق و م: «بقدم المبتدأ».
2 . أي الجواب عمّا حكاه بقوله:«فإن قيل»، ص233.


(236)

الذات، وإنّما يجوز عدمه بالنظر إلى ذاته، فصحّ الحكم عليه بامتناع العدم بالنظر إلى علّته، ولا تناقض، لاختلاف الموضوع، لأنّه في أحدهما الممكن لذاته، وفي الآخر الممكن المأخوذ مع علّته، والتناقض ممنوع. ولا نسلّم وقوع إمكان عدم (1) الممكن، وإنّما يكون واقعاً لو لم يعتبر وجود علّته أو عدمها. ولا نسلّم أنّه يمكن إشتراط القديم الأزلي بشرط عدمي، لأنّ العدم لا يجوز أن يكون علّة ولا جزء علّة للوجودي، والشرط في الحقيقة جزء من العلّة التامة.

وفيه نظر; فإنّا نعلم بالضرورة أنّ المؤثّر مع وجود المانع لا يوجد أثره، فعدم المانع شرط في وجود الأثر.

بل الحق في الجواب وجهان:

الأوّل: أن نقول: ذلك الشرط العدمي إن استغنى عن المؤثّر بذاته كان واجباً، إذ هو معناه، وإن احتاج فليس (2) إلاّ عدم مؤثّره على ما يأتي ـ من أنّ علّة العدم عدم العلّة لا غيرـ ثمّ ننقل الكلام إلى عدم العلّة وهكذا إلى ما لا يتناهى، فيلزم أن لا توجد ملكة هذا الشرط إلاّ إذا وجد ما لا يتناهى دفعة، وهو محال، وإذا لم توجد ملكة هذا الشرط امتنع زوال القديم.

الثاني: أنّ بين القديم وملكة شرطه منافاة ذاتية، فلا يمكن إسناد الملكة إلى ذلك القديم، ولا إلى معلولاته; لامتناع اقتضاء الشيء منافي ذاته أو علّة ذاته، ولا إلى علله; لامتناع صدورها عنها بالاختيار، وإلاّ لزم صدور القديم بالاختيار وبالإيجاب، لامتناع اقتضاء الشي الواحد المتنافيين، ولأنّ وجود الملكة يستلزم عدم القديم، لكن عدم القديم إنّما هو لعدم علّته، فتكون علّة القديم موجودة بالنظر إلى وجود معلولها الذي هو الملكة، ومعدومة بالنظر إلى عدم معلولها الذي هو


1 . ق: «العدم».
2 . ق: «فليس» ساقطة.


(237)

القديم. ولا إلى غيرهما لوحدة واجب الوجود، وتناهي الحوادث على ما يأتي.

وعن المعارضة الأولى: أنّ الامتناع والصحّة أمران اعتباريان لا وجود لهما في الخارج، والقديم العدمي يجوز زواله، لأنّ الامتناع هنا مستند إلى المانع، وهو الأزل (1) المنافي(2) ،لصحّة حدوث العالم ومحدثية اللّه تعالى فيه.

وعن الثاني: أنّ الإمكان عدميّ اعتباري أيضاً، لا تحقّق له في الخارج، وهو لازم عقلاً للماهية، فإذا فرضت الماهية في أي وقت فرض لزم الإمكان لها، وهذا الإمكان الراجع إلى الماهية لا ينافي الإستحالة باعتبار الأزلية للحادث.

وعن الثالث: أنّ المؤثّرية أمر اعتباري أيضاً، لا تحقّق لها في الخارج، وإلاّ لافتقرت إلى مؤثّرية أُخرى، ويتسلسل.

وكذلك الجواب عن الرابع: فإنّ صحّة المقدوريّة ذهنية، وإلاّ تسلسل.

وعن الخامس: أنّ القدرة باقية، والزائل هو التعلّق وهو أمر اعتباري. وابتداء الوجود ثابتاً، بوصف كونه وجوداً ثابتاً ومبتدءاً جمع بين المتناقضين، وهو محال لذاته فلا يكون مقدوراً، لأنّ المقدور إنّما هو الممكن لا غير.

وعن السادس: أنّ الناس اختلفوا فذهب «أبو هاشم» وجماعة [إلى] أنّ العلم بأنّ الشيء سيحدث، هو بعينه العلم بحدوثه وقت حدوثه، فيزول الإشكال عنه. ومنهم من قال: إنّ التعلّق الأوّل باق وتجدّدَ تعلّق آخر (3)، ويزول عنه الإشكال أيضاً (4)، وهو مذهب «أبي الحسين» وبعضهم قال: إنّ التعلّق الأوّل قد زال ويتوجّه عليه الإشكال.


1 . في جميع النسخ«الأول» ، أصلحناها طبقاً للمعنى.
2 . ق وج: «الباقي».
3 . ق:«الثاني».
4 . ق: «أيضاً» ساقطة.


(238)

وفيه نظر; فإنّ التعلّق الثابت بين العلم والمعلوم أمر اعتباري لا تحقّق له في الخارج، فلا بُعد في زوال التعلّق الأوّل وتجدّد تعلّق آخر بعده، كما في جميع الصفات الإضافية المحضة. والقدرة والعلم باقيان أزلاً وأبداً، والزائل هو التعلّق بينهما وبين المقدور والمعلوم، كما أنّ الواحد منّا يقدر على تحريك جسم صغير، فإذا عدم ذلك الجسم، لم تعدم قدرتنا على تحريك مثله، بل عُدِم تعلّق قدرتنا بذلك الجسم المعدوم لا غير، لأنّ التعلّق إضافة بين قدرتنا وبين ذلك المعدوم، وإذا عدم أحد المضافين عدمت الإضافة.

البحث الثالث: في أنّ القديم واحد (1)

اختلف الناس هنا فذهبت الإمامية إلى أنّ القديم هو اللّه تعالى لا غير، وأنّ ما عداه محدث، للبراهين الآتية الدالّة على أنّ العالم ـ وهو كلّ ما سوى اللّه تعالى ـ محدث، ولأنّه ممكن وكل ممكن محدث.

وذهبت الأشاعرة إلى إثبات قدماء ثمانية مع ذات اللّه تعالى، هي المعروفة عندهم بالمعاني، وسيأتي البحث فيها إن شاء اللّه تعالى.

قيل (2):إنّهم لا يطلقون اسم القدماء على المعاني التي يثبتونها للّه تعالى في الأزل، لأنّ القدماء عندهم عبارة عن أشياء متغايرة، والتغاير إنّما يثبت عندهم بين الذوات لا بين الصفات أنفسها، ولا بين الصفات والذوات.

وفيه نظر، لأنّهم صرّحوا بثبوتها في الأزل، ولا يجب في القديم أن يكون ذاتاً، بل كلّ ثابت في الأزل فإنّه قديم. ثمّ إنّ النزاع في ذلك لفظي، لأنّهم يعطون معنى القديم.


1 . راجع نقد المحصل :125ـ 126، وشرح المواقف 3: 196ـ 199; كشف المراد: 82.
2 . والقائل هو المحقق الطوسي في نقد المحصل: 125.


(239)

وذهبت المعتزلة إلى إنكار القدماء وبالغوا فيه، لكنّ «أبا هاشم» أثبت في الأزل الأحوال الخمسة، وهي:القادريّة والعالميّة والحييّة والموجوديّة، وعلّلها بحالة خامسة وهي الإلهيّة (1).

قيل (2): إنّ هذه الأحوال وإن قال بثبوتها في الأزل، لكنّه لا يقول بقدمها، لأنّ القديم هو الموجود أزلاً، والحال لا توصف بالوجود والعدم، فلا تكون قديمة.

وهو (3) أيضاً راجع إلى نزاع لفظي، لأنّا لا نعني بالقديم إلاّ الثابت في الأزل، ولا (4) فرق بين الثبوت والوجود.

وقد اتفق المسلمون كافّة على نفي كل (5) قديم غير اللّه تعالى وغير صفاته، لدلالة السمع عليه، لأنّ الدليل العقلي ـ وهو التمانع ـ إنّما دلّ على نفي الهين، فأمّا على نفي قديم غير قادر ولا حيّ، فلا يدلّ العقل عليه.

وهو خطأ، لأنّ ما عدا اللّه تعالى ممكن وكلّ ممكن محدث.

وذهب الحرنانيّون (6) إلى إثبات قدماء خمسة، اثنان حيّان فاعلان وهما: الباري تعالى والنفس، وعَنوا بالنفس ما يعمّ الأرواح البشرية والسماوية، وهي مبدأ الحياة. وواحدٌ منفعل غير فاعل ولا حيَّ وهي الهيولى، واثنان لا حيان ولا فاعلان ولا منفعلان، وهما الزمان والخلاء.

أمّا الباري تعالى، فلأنّه لو كان حادثاً لافتقر إلى موجد ويتسلسل، أو يدور، أو ينتهي إلى قديم هو المبدأ له، فيكون هو الباري تعالى، لا ما فرضناه، وهذا خلف.


1 . وأبو هاشم قد زاد هذه الخامسة.
2 . وهو أيضاً المحقق الطوسي في نقد المحصل :124.
3 . وهذا كلام المصنّف.
4 . م:«فلا».
5 . ق وج: «كل» ساقطة.
6 . م: «الجبائيّون» وهو خطأ. والحِرْنانيّة: جماعة من الصابئة. الملل والنحل للشهرستاني2:54.


(240)

وأمّا النفس والهيولى، فلأنّهما لو كانا حادثين لكان لهما هيولى; لأنّ كلّ محدث فله هيولى، لكن ليس للهيولى ولا للنفس هيولى، لاستحالة أن تكون تلك الهيولى حادثة، وإلاّ لزم التسلسل، أو إثبات هيولى قديمة وهو المطلوب (1) وهذا غير تام، إذ لا يلزم مِن قدم هيولى النفس قدمها.

وأمّا الزمان، فلأنّه لو كان حادثاً لكان عدمه قبل وجوده قبلية زمانية (2) فيكون للزمان زمان آخر ويتسلسل، أو ينتهي إلى زمان قديم وهو المطلوب (3).

وأمّا الخلاء، فلأنّه واجب لذاته، إذ معنى الواجب لذاته، هو الذي لا يتصوّر عدمه، ولا رفعه عن الوجود، والخلاء لا يمكن رفعه، ولا يتصوّر الذهن عدمه; لأنّه لو ارتفع الفضاء لم تبق الجهات متمايزة ولا مشاراً إليها، وهو غير معقول.

ومال «ابن زكريا» (4) إلى هذا المذهب (5)، ونحن نمنع احتياج الحادث إلى المادة والمدّة وسيأتي.

وامتناع رفع الفضاء مستند إلى الوهم لا العقل.

وذهبت الفلاسفة إلى قِدَم المادّة والزمان، لأنّ كلّ حادث عندهم فإنّه مسبوق بمادة ومدة (6) لِما يأتي.


1 . الحجة قد ذكرها الرازي في المحصل، وهي لا تثبت قدم النفس كما قاله المصنف.
2 . بأن لا تجامع القبلية البعدية.
3 . وقد نقل عن المعلم الأوّل: «أنّ من قال بحدوث الزمان فقد قال بقدمه من حيث لا يشعر».
4 . محمد بن زكريا الرازي أبو بكر، فيلسوف من الأئمّة في صناعة الطب، من أهل الري، (251ـ 313هـ) الأعلام، الزرگلي 6: 130.
5 . وألف فيه كتاباً موسوماً بـ «القول في القدماء الخمسة».
6 . ذهب الفلاسفة إلى مسبوقية الحادث الزماني بالمادة والمدة لا مطلق الحادث الشامل للحادث الذاتي الذي يشمل الحادث الزماني والقديم الممكن.


(241)

الفصل الثالث:

في خواص المحدث

وفيه مباحث:

البحث الأوّل: في أنّه لا يجب في المحدث سبق المادة عليه (1)

ذهبت الفلاسفة إلى أنّ كلّ محدث فإنّه مسبوق بمادة يكون حالاّ ًفيها كالصور والأعراض، أو موجوداً عنها كالمركّب، أو معها كالنفوس، وحصروا المحدثات في هذه الأصناف الثلاثة لا غير. وكلّ بسيط غير هذه فإنّه يستحيل أن يكون محدثاً عندهم.

واستدلّوا على سبق المادة، بأنّ كلّ محدث فإنّ عدمه سابق على وجوده، ووجوده حال عدمه ممكن، وإلاّ امتنع حدوثه، فذلك الإمكان سابق على وجوده. وليس راجعاً إلى صحّة اقتدار القادر عليه; لأنّ هذا الإمكان مأخوذ بالقياس إلى ذات الممكن من غير التفات إلى مؤثّره، وصحّة اقتدار القادر عليه مأخوذة


1 . راجع الإشارات 3:97ـ101; المباحث المشرقية 1:231; نقد المحصل: 127ـ 128; شرح القوشجي، المسألة الخامسة والأربعون من الفصل الأوّل.


(242)

بالقياس إلى المؤثّر، فتغايرا (1). ولأنّه يعلّل الثاني بالأوّل، فنقول: إنّما صحّ اقتدار القادر عليه لأنّه ممكن; لأنّ الإمكان علّة في صحّة تعلّق المقدورية به، ولا يصحّ أن يقال: إنّما صحّ اقتدار القادر عليه لأنّه صحّ اقتدار القادر عليه، فتغايرا. وليس الإمكان عدميّاً للفرق بين نفي الإمكان والإمكان العدمي، ولاجوهراً قائماً بذاته، ولا بالممكن، لعدمه. فلابدّ له من محلّ مغاير هو الهيولى(2).

والجواب: قد بيّنا أنّ الإمكان عدميّ، وأنّ الفرق لا يستدعي ثبوته كالعدم والامتناع وغيرهما من الصفات العدميّة.

قيل: الإمكان عندهم يقع بالإشتراك اللفظي على أمرين:

أحدهما: ما يقابل الامتناع وهو عندهم صفة عقلية يوصف بها كلّ ما عدا الواجب والممتنع من المتصوّرات، ولا يلزم من اتّصاف الماهية بها كونها ماديّة.

والثاني: الإستعداد، وهو موجود عندهم معدود في نوع من أنواعِ جنس الكيف، وإذا كان موجوداً وعرضاً وغير باق بعد الخروج إلى الفعل، فيحتاج لا محالة قبل الخروج إلى محلّ، وهو المادة. فهذا البحث معهم يجب أن يكون في إثبات ذلك العرض ونفيه (3).

وفيه نظر ، فإنّ البحث في الإستعداد كالبحث في الإمكان، والوجوه الدالّة على نفيه دالّة على نفي الإستعداد (4).


1 . أي الإمكان والقدرة، فليس الإمكان نفس القدرة.
2 . النجاة قسم الإلهيّات: 219ـ220; الإشارات 3:97ـ 99.
3 . نقد المحصل: 127ـ 128.
4 . راجع البحث الرابع: في أنّ الإمكان الخاص سلبي ص 112.


(243)

البحث الثاني: في أنّه لا يجب في المحدث سبق المدّة عليه (1)

اختلف الناس هنا، فذهب المسلمون كافة إلى ذلك، وذهبت الفلاسفة إلى أنّ كل محدث فإنّه مسبوق بزمان هو موجود غير قارّ الذات متصل إتصال المقادير(2)، لأنّ الحادث بعد ما لم يكن (3) تكون بعديته هذه مضافة إلى قبليّة قد زالت، فله قبل لا يوجد مع البعد، وليست تلك القبليَّة كقبليّة الواحد على الاثنين التي قد يكون بها ما هو قبل وما هو بعد معاً في حصول الوجود (4)، بل يجب أن تكون قبلية قبل لا تثبت مع البعد، بل تزول قبليته عند تجدّد البعدية.

وهذه القبلية مغايرة للعدم، لأنّ العدم كما كان قبل، فقد يصحّ أن يكون بعد، وليس القبل بعد، ولا الفاعل، لأنّه قد يكون الفاعل قبل الحادث (5) ومعه وبعده، وليس القبل كذلك. فهو شيء آخر يتجدّد ويتصرّم، وهو غير قارّ الذات، وهو متّصل في ذاته، لإمكان فرض متحرّك يقطع مسافة يوافق حدوث هذا الحادث انقطاعها، فيكون إبتداء حركته قبل هذا الحادث، ويكون بين إبتداء الحركة وانتهائها، كما بين إبتداء الحركة وحدوث الحادث، فكما كان هناك قبليات وبعديات متصرّمة متجدّدة مطابقة لأجزاء المسافة والحركة، كذا يجب أن يكون بين إبتداء الحركة وإبتداء هذا الحدوث.


1 . راجع الإشارات 3:82 وما بعدها; نقد المحصل: 128; المباحث المشرقية 1:755وما يليها.
2 . أي الخط و السطح و الحجم
3 . وهذا هو تعريف الحادث.
4 . م: «الموجود» وهو خطأ.
5 . م: «الحدوث».


(244)

وسيظهر في بطلان الجزء (1)، أنّ مثل هذا المتّصل لا يتألّف من أجزاء لا تتجزّأ. فيثبت أنّ كل حادث مسبوق بموجود غير قارّ الذات متّصل إتصال المقادير، وهو الزمان (2).

والاعتراض: لا نسلّم ثبوت هذه القبليّة في الخارج، ودليلكم إنّما ينهض بثبوتها مطلقاً، وهو أعمّ من الثبوت الذهني والخارجي، ولا يدلّ ثبوتها في الذهن على ثبوت موصوفها في الخارج، فإنّه كما يصحّ وصف الموجود بها، كذا يصحّ وصف المعدوم بها، فإنّه دليلكم على ثبوت الزمان، بل يمتنع ثبوت القبليّة والبعديّة في الخارج لوجوه (3):

أ: لو كانت القبليّة موجودة لزم التسلسل; لأنّ القبليّة الواحدة سابقة على كل ما يتأخّر عنها، فيفتقر إلى قبليّة أُخرى، ويلزم التسلسل لا دفعة واحدة، بل دفعات لا تتناهى، وهو غير معقول.

واعترضه أفضل المحقّقين: بأنّ القبليّة والبعديّة اللاحقتين بالزمان إضافيتان عقليتان، والموجود في الخارج هو الزمان، وهو الذي تلحقه القبليّة لذاته وتلحق ما سواه ممّا يقع فيه بسببه في العقل، أمّا نفس القبلية فليس من الموجودات المختصّة بزمان دون زمان، لأنّها أمر اعتباري (4) يصحّ تعقّله في جميع الأزمنة، وإن أُخذ من حيث يقع في زمان معيّـن، كان حكمه حكم سائر الموجودات في لحوق قبليّة أُخرى يعتبرها العقل به، ولا يتسلسل ذلك، بل ينقطع بانقطاع الإعتبار الذهني (5).


1 . في الفصل الأوّل من النوع الأوّل من القاعدة الثالثة من المجلد الثاني.
2 . الإشارات 3:82ـ 86.
3 . اُنظر الوجوه في شرح الرازي على الإشارات، وأكثرها ناش من جعله القبلية والبعدية خارجيّتين.
4 . لأنّ الذهن يتصوّر الامتداد المتصل الموجود في الخارج ويتعقّله، ثمّ يعتبر القبليّة والبعديّة لقطعة منه.
5 . شرح الإشارات 3: 88 ـ 89.


(245)

وفيه نظر; لأنّ فيه إعترافاً بأنّ القبليّة ليست في الخارج، وقد بيّنا أنّ للذهن الحاقها بالوجودي والعدمي، ولا يمكن الحاق القبليّة بالزمان لذاته، وإلاّ لوجب اختلاف أجزائه بالذات، فيلزم وجود أجزاء لاتتجزّأ فيه، وهو عندهم محال.

لا يقال: كل واحد من العدم والوجود ليس قبلاً ولا (1) بعداً لذاته، وإلاّ لامتنع انقلاب كلّ منهما إلى صفة الآخر، وهو محال، فوجب ثبوت شيء يلحقانه غيرهما، وهو المراد بالزمان.

لأنّا نقول: قد بيّنا أنّ معروضهما قد يكون وجوديّاً وقد يكون عدمياً، فلا يجوز الإستدلال بعروضهما لشيء على كون ذلك الشيء ثبوتياً.

ب: القبليّة والبعديّة إضافتان، فإن كانتا ذهنيّتين لم يجب ثبوت معروضهما في الخارج، وإن كانتا خارجيّتين وجب أن توجدا معاً، وقيل إنّهما لا توجدان معاً، هذا خلف.

اعترضه أفضل المحقّقين بأنّهما إضافتان عقليتان لا توجدان إلاّ في العقول، لأنّ الجزئين (2) من الزمان اللذين تلحقهما القبليّة والبعديّة لا يوجدان معاً، فكيف توجد الإضافة اللاحقة لهما (3)، لكنّ ثبوتهما في العقل لشيء يدل على وجود معروضهما الذي هو الزمان مع ذلك الشيء ويجب أن يكون(4)وجود معروضهما معاً في العقل، ولا يجب أن يوجدا في الخارج معاً (5).


1 . م: «أو».
2 . كاليوم والأمس.
3 . في المصدر: «بهما».
4 . م وج: «أن يكون» ساقط.
5 . شرح الإشارات 3: 88 ـ 89.


(246)

وفيه نظر، فإنّ فيه اعترافاً بأنـّهما ليس لهما ثبوت في الأعيان، فلا يلزم وجود معروضهما فيه، وهو المطلوب.

لا يقال: القبليّة والبعديّة إذا كانا معاً في الذهن، فلا بدّ وأن يوجد معروضهما معاً في الذهن، حتى يصحّ الحكم على أحدهما بالقبليّة وعلى الآخر بالبعديّة، فحينئذ الحكم بالقبليّة: إمّا أن يكون باعتبار وجود معروضهما في الخارج، وهو محال، لعدم اقتضاء الوجود القبليّة والبعديّة. أو باعتبار ذاته وهو محال أيضاً، لأنّ الذاتين من حيث هما ذاتان لا تعرض لاحداهما القبليّة وللأُخرى البعديّة. فلابدّ من أمر مغاير لمعروض (1) القبلية، يوجد المعروض فيه، وباعتباره يكون قبلاً وكذا البعديّة (2).

لأنّا نقول: فنرجع بالبحث على ذلك الشيء، لِمَ صار أحدهما متقدماً والآخر متأخّراً؟فإن أسندتموه إلى ذاتهما فليسند إلى الذاتين. وأيضاً يلزم اختلافهما بالماهيّة، لكنّ أجزاء الزمان متساوية. وأيضاً يلزم وجودهما بالفعل، وأجزاء الزمان عندكم إنّما توجد بالفرض.

ج: لو كانت القبليّة وجوديّة لم يصحّ وصف العدم بها (3)، لاستحالة اتّصاف المعدوم بالموجود(4).

واعترض عليه أفضل المحقّقين: بأنّ العدم المقيّد بشيء ما، يكون معقولاً بسبب ذلك الشيء، ويصحّ لحوق الاعتبارات العقلية به من حيث هو معقول (5).


1 . ق: «بمعروض»، و هو خطأ.
2 . م: «البعد».
3 . مع أنّهم وصفوه بالقبلية في قولهم: «عدم كل حادث قبل وجوده».
4 . م: «الموجود بالمعدوم» وهو من اشتباه الناسخ.
5 . شرح الإشارات3:90.


(247)

وفيه نظر; لأنّ البحث إنّما هو: هل القبليّة وجوديّة أم لا؟ وإذا اعترف بأنّها عقلية بطل النزاع.

د: أجزاء الزمان يعرض لبعضها بالنسبة إلى البعض الآخر هذا التقدّم والتأخّر بعينه (1)، فيلزم أن يكون للزمان زمان آخر.

لا يقال: الفرق بين الزمان وغيره ظاهر، لأنّ الزمان متقضّ لذاته فلهذا استغنت القبليّة والبعديّة العارضتان له عن زمان آخر، ولم تستغن القبليّة والبعديّة العارضتان لغيره عنه. ولأنّ القول بالقبليّة والبعديّة يمكن مع القول بكون كل جزء من الزمان مسبوقاً بجزء آخر، ولا يمكن مع القول بحادث هو أوّل الحوادث، لأنّه ينافي الإشارة إلى ما هو قبل أوّل الحوادث.

لأنّا نقول على الأوّل: أجزاء الزمان إن كانت متساوية في الماهية، استحال تخصّص بعضها بالتقدّم دون البعض الآخر، وإن لم تكن، كان انفصال كلّ جزء عن الآخر بماهيته(2)، فيكون الزمان غير متّصل، بل مركّباً من آنات. وأيضاً تجويز وجود قبلية وبعدية لا توجدان معاً في جزئين من الزمان من غير زمان يغايرهما، يقتضي تجويز كون العدم قبل وجود الحادث من غير زمان يغايرهما.

وعلى الثاني: بأنّ معنى قولنا: اليوم متأخّر عن أمس، ليس هو «أنّه لم يوجد معه»; لأنّ اليوم لم يوجد أيضاً مع الغد. وإن سلّمنا، أنّ معناه «أنّه لم يوجد معه»، كانت هذه المعيّة اضافة عارضة لهما مغايرة لذاتيهما، فكان المعقول منه: أنّ اليوم ما حصل في الزمان الذي حصل فيه الأمس، وحينئذ يعود التسلسل. وإن لم يكن معناه أنّه لم يوجد معه، بل كان معناه: أنّ اليوم لم (3) يوجد حين كان أمس، فلفظة


1 . أي المذكور في عدم الحادث ووجوده بعينه.
2 . م: «بماهية»
3 . ق وج: «لا».


(248)

«كان» مشعرة بمضيّ زمان، وذلك يقتضي أن يكون للزمان زمان آخر.

اعترضه أفضل المحقّقين: بأنّ الزمان ليس له ماهية غير اتّصال الانقضاء والتجدّد، وذلك الاتصال لا يتجزّأ إلاّ في الوهم، فليس له أجزاء بالفعل، وليس فيه تقدّم ولا تأخّر قبل التجزئة. ثمّ إذا فرض له أجزاء فالتقدّم والتأخّر ليسا بعارضين يعرضان للأجزاء وتصير الأجزاء بسببهما متقدّماً ومتأخّراً، بل تصوّر عدم الاستقرار الذي هو حقيقة الزمان، يستلزم تصوّر تقدم وتأخّر للأجزاء المفروضة لعدم الاستقرار لا لشيء آخر، وهذا معنى لحوق التقدّم والتأخّرالذاتيّين به. وأمّا ما له حقيقة غير عدم الاستقرار يقارنها عدم الاستقرار، كالحركة وغيرها فإنّما يصير متقدّماً ومتأخّراً بتصوّر عروضهما له. وهذا هو الفرق بين ما يلحقه التقدّم والتأخّر لذاته، وبين ما يلحقه بسبب غيره، فإنّا إذا قلنا: اليوم [و] (1) أمس، لم نحتج إلى أن نقول: اليوم متأخّر عن أمس، لأنّ نفس مفهومهما يشتمل على معنى هذا التأخّر. أمّا إذا قلنا: العدم والوجود، احتجنا إلى اقتران معنى التقدّم بأحدهما حتى يصير متقدّماً. (2)

وفيه نظر، فإنّ تفسير الزمان باتّصال الانقضاء والتجدّد، يقتضي اتصال المعدوم بالموجود، أو أحد المعدومين بالآخر، وهو محال، ولا يقتضي وجوده، ولأنّ الاتّصال أمر ذهني فكيف يدّعى وجود الزمان بهذا المعنى، خصوصاً وقد فرض عارضاً لأمر عدمي.

وقوله: «وليس فيه تقدّم ولا تأخّر قبل التجزئة.[ثم] إذا فرض له أجزاء فالتقدم والتأخّر، ليسا بعارضين يعرضان للأجزاء، وتصير الأجزاء بسببهما متقدّماً ومتأخّراً، بل تصوّر عدم الاستقرار الذي هو حقيقة الزمان، يستلزم تصوّر تقدّم


1 . أثبتناها من المصدر.
2 . شرح الإشارات3:92ـ94.


(249)

وتأخّر للأجزاء المفروضة، لعدم الاستقرار لا لشيء آخر»، ينافي دليلهم (1): إنّ التقدّم والتأخّر يعرضان لشيء غير الذاتين اللتين عرضا لهما وهو الزمان لذاته. ثمّ «فرض التجزئة» لا يوجب وجود التجزئة، فلا يوجب عروض التقدّم والتأخّر للزمان ولا للذوات بسببه.

و «كون التقدّم والتأخّر لا يعرضان لأجزاء الزمان» ينافي عدم استقراره وكونه معروضاً للتقدّم والتأخّر، إذ لا يعرضان له بالنسبة إلى ذاته، لامتناع عروض هاتين الإضافتين لشيء واحد مطلقاً، بل لابدّ من أمرين تعرضان لهما الإضافتان، ولا بالنظر إليه مع غيره فإن لم يعرضا لأجزائه لم يعرضا لشيء البتّة.

وجعل الزمان «عدم الاستقرار» يقتضي كون الزمان عدمياً.

والفرق بين اليوم وأمس، وبين الذوات ليس بجيّد، لأنّ مفهوم أمس ـ هو الزمان السابق على زمان اليومـ ولو لم يوضع لهما هذان اللفظان، بل قيل زمانان لم يعلم السابق منها من الآخر، نعم يعلم أنّ أحدهما على الإجمال سابق على الآخر بعرض أنّه موجود غير قارّ كالحركة، ولا فرق بين علم تقدّم بعض أجزاء الزمان على بعض وعلم تقدّم بعض أجزاء الحركة على بعض، فإن جعل التقدّم والتأخّر للحركة (2)بسبب غيرها، منع ذلك كما يمنع في الزمان.

هـ: لو كان الزمان موجوداً مع الحركة، لزم أن يكون للزمان زمان آخر، بحيث توجد الحركة والزمان معاً فيه حتى تصح المعيّة، إذ ليس المراد بها هنا إلاّ المعيّة الزمانية، فيكون الزمان واقعاً في الزمان بعين (3) ما ذكرتموه.


1 . م: «دليلكم».
2 . م: «على الحركة».
3 . كذا في نسخة: م، وفي ق: «يعني».


(250)

اعترضه أفضل المحقّقين: بأنّ معيّة ما هو (1) في الزمان للزمان غير المعيّة بالزمان، أعني: معيّة شيئين يقعان في زمان واحد، لأنّ الأُولى تقتضي نسبة واحدة لشيء غير الزمان إلى الزمان [و] (2) هي متى (3)ذلك الشيء، والأُخرى تقتضي نسبتين لشيئين يشتركان في منسوب إليه واحد بالعدد،[ و] (4)هو زمانٌ ما، ولذلك لا يحتاج في الأُولى (5) إلى زمان يغاير الموصوفين (6) بالمعيّة، ويحتاج في الثانية إليه(7).

وفيه نظر; فإنّ الفرق بين معيّة ما هو في الزمان للزمان، ومعيّة الشيئين بالزمان غير مفيدة للغرض.لأنّا نقول: المعيّة بين الشيئين مطلقاً إن اقتضت ثالثاً تحصل به المعيّة وجب ثبوت ذلك في الزمان نفسه، وإلاّ لم يجب ثبوت الزمان مطلقاً، وإن حصل في بعض الأشياء دون بعض كان تحكّماً محضاً.

البحث الثالث: في أنّ كلّ محدث فإنّه ممكن

هذا المطلوب ظاهر، فإنّ المحدث لابدّ وأن يكون مسبوقاً بالعدم، أو مسبوقاً بالغير على اختلاف التفسير، وإذا كان مسبوقاً بالعدم كانت ماهيته (8)


1 . كالحركة.
2 . ما بين المعقوفين من المصدر.
3 . ق وج: «من»، وفي م:«مطموسة و الصواب ما أثبتناه. من المصدر
4 . ما بين المعقوفتين من المصدر.
5 . أي في المعية الأُولى وهي معيّة الزمان للحركة.
6 . لأنّ الزمان أحد الموصوفين والآخر هي الحركة.
7 . شرح الإشارات 3:92ـ 94.
8 . ق: «ماهية».


(251)

موصوفة بالعدم والوجود، ولا نعني بالممكن، إلاّ ما يجوز عليه العدم والوجود، والوقوع يستلزم الجواز.

لا يقال: لِـمَ لا يجوز أن يكون موصوفاً بالوجود على سبيل الوجوب في وقت، وموصوفاً بالعدم في وقت آخر على سبيل الوجوب، فحينئذ تحقّق الحدوث دون الإمكان.

لأنّا نقول: إتّصاف الذات بالوجود، إن (1) كان واجباً لنفس تلك الذات وجب دوامه بدوام الذات (2)، وإن كان لغيرها كانت الماهية في نفسها غير مقتضية للوجود ولا للعدم، بل كلاهما جائز عليه بالنسبة إلى الذات، وهو معنى الممكن. وكذا البحث في طرف العدم. وإذا كان مسبوقاً بالغير كان معناه: أنّ وجوده مُستند إلى ذلك الغير، وكل مستند إلى غيره فإنّه مفتقر إلى ذلك الغير، وكل مفتقر إلى الغير ممكن بالضرورة.


1 . ق: «وإن».
2 . ق: «الذاتي».


(252)

(253)

الفصل الرابع:

في المتقدِّم والمتأخِّر (1) والمعَ

وفيه مباحث:

البحث الأوّل: في أقسام هذه الأنواع (2)

ذهب الأوائل إلى أنّ التقدّم يقال على خمسة أنحاء بالتشكيك وزاد المتكلّمون قسماً سادساً (3).

الأوّل: التقدّم بالعلّية

وهو أن يكون شيئان وجود أحدهما صادر عن الآخر ومستند إليه، ووجود


1 . ج: « التقدّم والتأخّر».
2 . انظر الأقسام وما يلحق بها في منطق أرسطو1:70ـ73; الفصل الرابع من المقالة السادسة من قاطيغورياس(مقولات) الشفاء; شرح الإشارات 3:109 وما يليها; الفصل الأوّل من المقالة الرابعة من إلهيات الشفاء; المباحث المشرقية 1:570ـ571.
3 . وقال الفيلسوف الكبير العلاّمة الطباطبائي: وقد تنبّهوا بذلك إلى أنّ في الوجود أقساماً أُخر من التقدم والتأخر الحقيقييّـن فاستقرأوها فأنهوها إلى تسعة أقسام: الأوّل والثاني والثالث ما بالرتبة وما بالشرف وما بالزمان،الرابع بالطبع، الخامس بالعلّية، السادس بالتجوهر، السابع بالدهر وقد زاد هذا القسم السيد المحقق الداماد، الثامن بالحقيقة والمجاز، والتاسع بالحق وقد زاد صدر المتألهين القسمين الأخيرين. نهاية الحكمة: 225، 226.


(254)

الآخر ليس صادراً عن الأوّل، فما يستحق أحدهما ـ الذي هو المعلولـ الوجود إلاّ وقد حصل للآخر ـالذي هو العلّةـ الوجود ووصل إليه، وأمّا الآخر (1) فليس يتوسّط أحدهما (2) بينه وبين ذلك الآخر في الوجود (3)، بل يصل إليه الوجود لا عنه، وليس يصل إلى ذلك (4) إلاّ مارّاً على الآخر، كتقدّم حركة اليد على حركة الخاتم، فإنّه يصحّ أن يقال: لولا حركة اليد لما تحرّك الخاتم، ولا يصحّ أن يقال: لولا حركة الخاتم لما تحرّكت اليد، ويصحّ أن يقال: تحرّكت يدي فتحرّك الخاتم، ولا يصح أن يقال: تحرّك الخاتم فتحرّكت يدي.

فهذا النوع من الترتب (5) معلوم لكل عاقل، وهو المراد بالتقدّم.

قيل عليه: تقدّم العلّة على المعلول إمّا أن يكون لماهيتها، أو لنفس العلّية والمعلولية، أو لمجموع الأمرين، أعني: الماهية مع اعتبار العلّية والمعلولية، والأقسام الثلاثة باطلة، فالتقدم المذكور باطل.

أمّا بطلان الأوّل، فلأنّا إذا فرضنا حركة اليد من حيث هي هي، وحركة الخاتم من حيث هي هي، لم يكن لإحداهما تقدّم على الأُخرى ولا تأخّر ولا معيّة، لأنّا قد بيّنا أنّ كلّ ماهيّة إذا اعتبرت من حيث هي هي فهي لا متقدّمة ولا متأخّرة ولا مقارنة، ولا واحدة ولا كثيرة، لأنّ كلّ ذلك لواحق تلحق الماهية خارجة عنها.

وأمّا بطلان الثاني، فلأنّ العلّية والمعلولية وصفان اضافيان، فيكونان معاً في الوجود، فيستحيل أن يكون لأحدهما تقدّم على الآخر، وإذا كانت الماهية من حيث هي غير متقدّمة، ولا من حيث هي علّة متقدّمة أيضاً، امتنع أن يكون


1 . وهي العلّة.
2 . أي المعلول.
3 . وفي تفسير «المتوسط» اختلاف بين الطوسي والرازي راجع شرح الإشارات 3:112 .
4 . أي المعلول.
5 . م: «من الترتّب» محذوف.


(255)

المجموع متقدّماً، لتأخّر المركّب عن مفرداته.

وأُجيب: بأنّا لا نعني بهذا التقدّم والتأخّر إلاّ احتياج أحدهما إلى الآخر في الوجود وتوقّفه عليه.

إلاّ أنّ هذا كالمخالف للمشهور، لأنّهم يعلّلون هذا التقدّم بهذه الحاجة، فيقولون: لمّا احتاجت حركة الخاتم إلى حركة الاصبع، وجب أن يكون لحركة الإصبع تقدّم على حركة الخاتم، وهذا مشعر بكون التقدّم والتأخّر معلولين للحاجة (1).

وفي السؤال نظر، فإنّ الماهيّة من حيث هي هي، وإن لم تكن متقدّمة ولا متأخّرة ولا مصاحبة، لكن قد يلحقها اقتضاء ذلك كزوجية الاثنين، فإنّها صادرة عن الاثنين من حيث هي هي لا باعتبار لحوق آخر بها.

وقولهم: «الماهية إذا أُخذت من حيث هي هي لا تكون متقدّمة ولا متأخرة» ، لا يعنون بذلك أنّها لا تتصف بشيء من ذلك، فإنّه محال خلو الماهية عن ذلك، بل يعنون به: أنّ أخذها من حيث هي هي، مغاير لأخذها من حيث هي مقتضية لأحدهما (2) أو متّصفة (3) به.

سلّمنا، لكن لِمَ لا يجوز أن يكون الاقتضاء من حيث إنّ الماهية علّة قوله: العلّية والمعلولية إضافتان توجدان معاً. قلنا: توجدان معاً في العقل (4)، لكن يثبت لأحدهما صفة المبدئيّة وللآخر صفة المعلولية، كما في اضافتي التقدّم والتأخّر. والأصل فيه أنّ الإضافة مغايرة لمبدأ الإضافة، والعلّة هي الماهية من حيث هي مبدأ إضافة العلّية، وهذا الاعتبار متقدّم على إضافة العلّية.


1 . المباحث المشرقية1:571.
2 . ق وج: «لأحدها».
3 . م: «مقتضية».
4 . ق: «الفعل».


(256)

وقيل أيضاً (1): إن كان المراد من تقدّم العلّة على معلولها، كونها مؤثّرة فيه، كان معنى قولنا: العلّة متقدّمة على المعلول، هو أنّ المؤثّر في الشيء مؤثّر فيه، وهذا تكرار خال عن الفائدة، وإن كان المراد شيئاً آخر فلا بدّ من إفادة تصوّره.

وأجاب أفضل المحقّقين: بأنّ تقدّم الشيء الذي منه الوجود على الشيء الذي له الوجود في الوجود معلوم ببديهة العقل (2).

وفيه نظر، فإنّ المعلوم بالبديهة هو الاحتياج والإسناد، أمّا التقدّم فإنّه المتنازع.

الثاني: التقدم بالذات

كتقدّمِ الواحدِ على الاثنين، فإنّا نعلم بالضرورة أنّه لا يصحّ للاثنين وجود، إلاّ إذا كان الواحد موجوداً، وقد يوجد الواحد وإن لم يوجد الاثنان. وكذا الجزء والكلّ، والموصوف مع صفته، والشرط مع مشروطه وجزء العلّة مع المعلول. والمتقدّم هنا محتاج إليه والمتأخّر محتاج.

ويصحّ وجود المتقدّم والمتأخّر في هذين القسمين (3) معاً في الزمان، بل يجب في الأوّل المقارنة الزمانية بينهما، ويمكن في الثاني (4).ويشتركان أيضاً في أنّ المتأخّر محتاج إلى المتقدّم في تحقّقه، ولا يكون الآخر محتاجاً إلى المتأخّر. لكنّ الفرق بينهما، أنّ المحتاج إليه في الأوّل، هو الذي بانفراده يفيد وجود المحتاج، ويلزم من وجود المتقدّم وجود المتأخّر. ويقترنان في الإرتفاع زماناً كما اقترنا في الوجود. وكلّ واحد منهما يرتفع مع ارتفاع صاحبه، إلاّ أنّ ارتفاع المعلول يكون تابعاً ومعلولاً


1 . والقائل هو الرازي في شرح الإشارات3:112.
2 . نفس المصدر:113.
3 . وهما التقدّم بالعلّية والتقدّم بالذات.
4 . م: «الباقي»، وانظر الفروق المذكورة في نفس المصدر:110.


(257)

لارتفاع العلّة من غير عكس، كما كانا في طرف الوجود على هذه النسبة، فإنّهما يوجدان معاً بالزمان، ويكون وجود كلّ من العلّة والمعلول مع وجود صاحبه، لكنّ وجود المعلول يكون تابعاً ومعلولاً لوجود العلّة.

وأمّا في الثاني، فإنّ وجود المتقدّم (1) لا ينفرد بإيجاد المتأخّر، بل يحتاج إلى غيره ينضم إليه، حتى يتحصّل للمتأخر وجود، فالمتأخّر بالذات يستلزم المتقدّم في الوجود من غير انعكاس، فإنّ المتقدّم يمكن أن يوجد لا مع المتأخّر، أمّا المتأخّر فلا يمكن أن يوجد إلاّ مع المتقدّم.

وقد يقال لهذا المشترك: تأخّر وتقدّم بالطبع. وقد يقال: المشترك تأخّر بالذات فيكون مشتركاً لفظاً بينه وبين المتأخّر بالذات. ويقال للمتقدّم بالعلّية: إنّه متقدّم بالطبع أيضاً (2)،فالتقدّم بالعلّية مختصّ بالأوّل لا غير، ولا شركة لفظية فيه، وأمّا التقدّم بالطبع وبالذات فيقالان بالإشتراك على الأوّل والثاني والمشترك(3)، وهذا التقدّم المشترك هو التقدّم الحقيقي الذي لا ينقلب إلى صاحبه، فإنّ العلّة وجزئها لا يمكن تأخّرهما عن المعلول (4) بخلاف المتقدّم بالزمان وغيره من أقسام التقدّم الذي يجوز أن ينقلب المتقدّم فيه فيصير متأخّراً، وهو هو في الحالين.

الثالث: التقدّم بالزمان

وهو أن يكون شيئان في زمانين، إبتداء وجود أحدهما في زمان، والآخر في زمان آخر، ومن المعلوم بالضرورة تقدم أحد الزمانين على الآخر، فما قارن وجوده


1 . ق: «المتقدم» ساقطة.
2 . في ق سقط من قوله «وقد يقال» إلى قوله «بالطبع أيضا».
3 . نفس المصدر.
4 . ولهذا خصّه الشيخ بأنّه الذي يكون باستحقاق الوجود، نفس المصدر:109.


(258)

الزمان المتقدّم، يقال له: إنّه متقدّم على ما قارن وجوده الزمان المتأخّر، وذلك كتقدّم الأب على الابن.

والزمان إمّا ماض أو مستقبل أو حاضر، فالمتقدّم في الماضي هو ما كان أبعد من الآن، والمتأخّر هو ما كان أقرب منه. والمتقدّم في المستقبل هو ما كان أقرب من الآن، والمتأخّر هو ما كان أبعد منه. وأمّا الآن نفسه فإنّه متقدّم بالنسبة إلى المستقبل، ومتأخّر بالنسبة إلى الماضي. وهذا المتأخّر لا يمكن أن يُجامع المتقدّم في الزمان الذي به تقدّم. فانقسم المتقدّم في الأنواع الثلاثة إلى أقسام ثلاثة: منها ما يجب أن يجامع المتقدّم المتأخّر في زمان المتقدّم (1)، ومنها ما يمتنع، ومنها ما يمكن.

الرابع: التقدّم بالرتبة

وهو ما كان أقرب من مبدء معيّـن، ثمَّ المراتب: منها طبيعية كترتب الأنواع التي بعضها تحت بعض، والأجناس التي بعضها فوق بعض. ومنها وضعيّة كترتّب الصفوف في المسجد بالنسبة إلى المحراب، أو إلى الباب. وكذلك التقدّم في المرتبة قد يكون طبيعياً، كتقدّم الجنس المتوسّط على الأخير إذا ابتدأت من العالي (2) وبالعكس إذا ابتدأت من النوع (3) وقد يكون وضعياً، كتقدّم الصف القريب من الإمام إن جعل الإمام مبدأً، وبالعكس إن جعل الباب مبد(4)أً .

الخامس: التقدّم بالشرف

كتقدّم الفاضل على المفضول. فهذه الأقسام الخمسة اقتصر الأوائل عليها.


1 . م: «التقدم».
2 . كما إذا فرضنا المبدأ هو الجوهر فيتقدم الجسم على الحيوان.
3 . وهذا كما إذا فرضنا المبدأ هو الإنسان فيتقدم الحيوان على الجسم.
4 . والرتبة في مثال ترتب الصفوف حسيّة، وفي مثال ترتب الأنواع والأجناس عقليّة.


(259)

البحث الثاني: في الحصر

ذهب الأوائل إلى حصر أقسام التقدّم في هذه الأنواع الخمسة، ولا برهان لهم على ذلك سوى الاستقراء (1)، وهو لا يفيد اليقين، خصوصاً وقد أبدى المتكلّمون قسماً سادساً للتقدّم، وهو تقدّم بعض أجزاء الزمان على البعض، كتقدّم الأمس على اليوم، فإنّه ليس بالعلّية وهو ظاهر، لإستحالة اجتماعهما في الوجود، وإلاّ لم يكن الزمان متقضياً (2)، فلا يكون الزمان زماناً، ووجوب اجتماع العلّة والمعلول فيه ولأنّ أجزاءه متساوية فيستحيل اختصاص أحدهما بالعلّية والآخر بالمعلولية، ولأنّه لو كان المتقدّم علّة والمتأخّر معلولاً، لوجب اختلاف حقيقتهما، فيكون الزمان مركّباً من أجزاء لا تتجزأ غير متناهية بالفعل، وهو محال عندهم.

ولا بالذات لهذه الوجوه أيضاً.

ولا بالشرف، إذ لا يعقل شرف أحد أجزاء الزمان وخسّة الآخر، ولأنّ المتقدّم بالشرف قد يجامع المتأخّر، ولأنّه يستلزم وجود أجزاء الزمان بالفعل.

ولا بالرتبة الحسّية، إذ الزمان ليس من ذوات الأوضاع وهو ظاهر. ولا هو بمحسوس، وإلاّ لم يُشك في وجوده، مع أنّ أكثر الناس نفاه، واختلف مثبتوه في حقيقته.

ولا بالرتبة العقلية (3) أيضاً،(4) فإنّ هذا النوع من التقدّم يمكن أن يجتمع


1 . لاحظ نهاية الفصل الثاني من مقولات الجوهر النضيد: 28.
2 . وفي المخطوطات: «مقتضياً».
3 . ق: «الجعلية».
4 . في النسخ:«و أيضاً»، و الصحيح ما أثبتناه طبقاً للمعنى.


(260)

المتقدّم به مع المتأخّر في الزمان، بخلاف أجزاء الزمان.

ولا بالزمان، وإلاّ لزم أن يكون للزمان زمان آخر، بحيث يوجد الأمس في زمان متقدّم، واليوم في زمان متأخّر، ويتسلسل.

لا يقال، تقدّم بعض أجزاء الزمان على البعض راجع إلى التقدّم بالزمان، وذلك غير محوج له إلى زمان آخر، لأنّ ما عدا الزمان إنّما يتقدّم بالزمان، أمّا الزمان نفسه فلا.

لأنّا نقول: قد بيّنا امتناع ذلك باقتضائه انقسام الزمان بالفعل إلى ما لا يتناهى، واختلاف أجزاء الزمان بالنوع، وهو محال عندكم (1).

وللمتكلّمين نوع آخر من التقدّم، يثبتونه في حق اللّه تعالى بالنسبة إلى العالم، وهو التقدّم بزمان تقديري، على معنى: أنّا لو فرضنا أزمنة لا نهاية لها لكان اللّه تعالى متقدّماً بها (2).

البحث الثالث: في أنّ مقوليّة التقدّم على أنواعه بأيّ معنى هو؟ (3)

قد وقعت المشاجرة بين الأوائل في وقوع التقدّم على أنواعه الخمسة، فقال طائفة منهم: إنّه واقع عليها بالتشكيك (4)، وذلك لأنّها اشتركت في معنى واحد، هو الموضوع له التقدّم، واختلفت فيه بالأوّليّة وعدمها، وذلك المعنى المشترك، هو أنّ المتقدّم بما هو متقدّم له شيء ليس للمتأخّر، ولا شيء للمتأخّر إلاّ وهو موجود للمتقدّم، ثمَّ هذا التقدّم يوجد للمتقدّم بالعلّية قبل المتقدّم بالطبع، وللمتقدّم


1 . راجع كشف المراد، المسألة الثالثة والثلاثون من الفصل الأوّل.
2 . م: «مسبوقاً بها».
3 . راجع إلهيات الشفاء، الفصل الأوّل من المقالة الرابعة; الأسفار 3:258ـ267.
4 . لاحظ القبسات: 61.


(261)

بالطبع قبل سائر [أنحاء] (1) التقدّم.

وفيه نظر (2)، فإنّ المتقدّم في الزمان إذا بطل، ووجد المتأخّر بعد بطلانه، فقد حصل للمتأخّر زمان لم يحصل للمتقدّم، كما حصل للمتقدّم زمان لم يحصل للمتأخّر . نعم يجب تقييد قولهم: «ولا شيء للمتأخّر، إلاّ وهو موجود للمتقدّم» بقولنا: بما فيه التقدّم.

قيل: المتقدّم (3) بالزمان ليس شيء منه أولى منه بالمتأخّر ممّا يقع باعتباره التقدّم فإنّ نسبتهما إلى الوجود الزماني واحد.

وفيه نظر، فإنّ المتقدّم بالزمان وإن لم يكن فيه تفاوت، لكن لا يخرج مطلق التقدّم باعتباره عن التفاوت، ونحن لا نشترط التفاوت في كلّ جزئيات المقول بالتشكيك، فإنّ البياض يوجد متفاوتاً بين مراتب، كل مرتبة تشتمل على أشخاص متساوية، ولا يخرج البياض بهذا التساوي عن التفاوت وكونه مقولاً بالتشكيك على أفراده.

وقالت طائفة أُخرى: إنّه واقع عليها بالاشتراك اللفظي بين الجميع وهو خطأ، فإنّ التقدّم بالذات والعلّية قد اشتركا في معنى التقدّم، فإنّ لكلّ واحد منهما تقدّم ذات شيء على ذاتِ آخر. [فإنّ العلّة] (4)سواء كانت تامّة أو غير تامّة، يجب أن تتقدم ذاتها و (5) وجودها على المعلول.


1 . أضفناها طبقاً للسياق.
2 . أي في تفسير المعنى المشترك.
3 . في النسخ:«التقدّم»، أصلحناها لاقتضاء السياق.
4 . وفي النسخ كذا: «على ذات آخر بالعلّية وسواء الخ» وهو خطأ ظاهر والصواب ما أثبتناه وفقاً للسياق.
5 . م: «أو» وهو خطأ.


(262)

وذهبت طائفة أُخرى(1): إلى أنّ التقدّم يقال على البعض بمعنى واحد، وعلى الباقي بالإشتراك أو التجوّز. أمّا الذي يقع عليه بمعنى واحد ففي التقدّم بالذات. وأمّا الذي يقع عليه بالمجاز فكالتقدّم الزماني، فإنّ الشيئين إنّما يتقدّم أحدهما على الآخر بالزمان لأجل تقدّم زمان أحدهما على الآخر لا بحسب ذاتيهما ـ وذهب قوم (2): إلى أنّ التقدّم بين أجزاء الزمان بعضها على البعض تقدّم(3) طبيعي، إذ المتقدّم علّة للمتأخّر فيرجع تقدّم الشيئين بالزمان إلى التقدّم بالطبع ـ ويقال« التقدّم» (4)لهما بالمجاز. وكذلك التقدّم بالرتبة، فإنّ بغداد متقدّمة على البصرة لا باعتبار ذاتيهما ولا حيّزيهما ومكانيهما، بل باعتبار القاصد من خراسان إلى البصرة فإنّه يقصد بغداد أوّلاً، ومعنى قصده أوّلاً، أنّ زمان وصوله إليها قبل زمان وصوله إلى تلك، فيرجع هذا التقدّم إلى التقدّم الزماني (5) . وأمّا التقدّم بالشرف، فإنّه لا يخلو عن تجوّز أو اشتراك، فإنّ معنى تقدّم صاحب الفضيلة وجوب تقدّمه في المناصب، فالفضيلة سبب لتقدّمه في المجالس، وأُطلق عليها لفظ التقدّم (6) إطلاق اسم المسبّب على السبب، فيكون مجازاً من هذه الجهة، ويرجع إلى التقدّم المكاني الذي يرجع إلى الزماني. وإن لم يعتبر (7) هذا المعنى في التقدّم الشرفي كان إطلاقه عليه وعلى الذات بالاشتراك(8).


1 . منهم صاحب الإشراق في المطارحات، الأسفار 3:261.
2 . ومنهم صاحب الإشراق في المطارحات.
3 . ق: «بعدم».
4 . ق: «بهما»، وفي الأسفار نقلاً عن المطارحات: «وأمّا بين الشخصين فمجازي».
5 . لأنّه متعلق بالزمان وللزمان دخل فيه.
6 . م: «المتقدم».
7 . م: «يغير».
8 . قال صدر المتألهين« أقول: فيما ذكره موضع أنظار» ، الأسفار 3:263ـ266.


(263)

واعلم أنّا إذا جعلنا التقدّم واقعاً على أصنافه بمعنى واحد، فلا شكّ في أنّه ليس بجنس لها، لتفاوتها فيه، بل هو أمر لازم لها (1) وإضافته مجهولة، يعرف بها اللازم الذي هو التقدّم (2). والتقدّم إنّما يكون بالوجود أو بمعنى ثالث كالزمان والمكان، فأمّا المعنى فلا يتقدّم في (3) نفسه على آخر ولا يتأخّر.

تنبيه: قد عرفت أقسام التقدّم وبه تعرف أقسام التأخّر.

وأمّا المعيّة:

فيقال: معاً بالزمان، ومعاً بالطبع إذا كانا متكافئي الوجود كالأخ والأخ، أو لا مع تكافؤ الوجود كجزئي العلم والمعيّة في الرتبة كنوعي الجنس المتأخرين معاً عن طبيعته (4) والمعيّة في الشرف ظاهر(5). وليس كل شيئين ليس بينهما تقدم وتأخّر زماني تثبت المعيّة الزمانية بينهما، فإنّ واجب الوجود لا يتقدّم على الحادث بالزمان، ولا يتأخّر عنه، ولا يصاحبه بالزمان. ويصحّ أن يكون شيئان معاً في الزمان من جميع الوجوه، دون ال(6)مكان . وفي المعيّة بالعلّية إشكال (7).


1 . كشف المراد: 59.
2 . ج: «المتقدم».
3 . م: «على».
4 . أي المتأخرين بالطبع عن الجنس، والمثال في الرتبة العقليّة، وأمّا مثال المعيّة في الرتبة الحسّية كمعية المأمومين الواقفين خلف الإمام.
5 . كفاضلين متساويين.
6 . أي لا يصحّ أن يكونا معاً في المكان من جميع الوجوه.
7 . انظر إلى ما قال الشيخ في إلهيات الشفاء. الفصل الأوّل من المقالة الرابعة.
ثم انظر ما أفاده صدر المتألهين في الأسفار 3:270ـ271.


(264)

(265)

النوع الثاني

في التقسيم على رأي الأوائل

قال الأوائل (1): كلّ موجود، فإمّا أن يكون واجب الوجود لذاته، وهو اللّه تعالى لا غير، أو يكون ممكناً لذاته، وهو ما عداه. أمّا الواجب فسيأتي البحث عنه إن شاء اللّه تعالى. وأمّا الممكن فإمّا أن يكون موجوداً في موضوع أو لا . ونعني بالموضوع (2): المحلّ المستغني عن الحالّ فيه المقوّم له في الوجود، فهو أخص من مطلق المحلّ الذي حذف (3) فيه قيد الاستغناء والتقويم، فعدمه يكون أعمّ من عدم [المحل] (4) فكلّ موجود في الموضوع فهو موجود في المحلّ، وليس كل موجود في المحلّ يكون موجوداً في الموضوع، فالموجود في الموضوع إذن أخصّ من الموجود في المحل، فلهذا جاز في بعض الجواهر أن تكون موجودة في المحل، ولا تكون موجودة في الموضوع، وبعضها لا توجد في محلّ ولا موضوع. وكلّ عرض فإنّه موجود في موضوع. فههنا فصول:


1 . لاحظ الفصل الأوّل من المقالة الثانية من إلهيات الشفاء ; أنوار الملكوت في شرح الياقوت: 52.
2 . انظر تعريف الموضوع والفرق بينـه وبين المحلّ في الفصل الأوّل من المقالة الثانية من إلهيات الشفاء; المباحث المشرقية 1:235.
3 . م: «صدق»،ق:«حدث»، والصحيح ما أثبتناه من ج.
4 . في النسخ: «الموضوع» وما بين المعقوفتين أثبتناه إصلاحاً للمعنى، كما في جوهر النضيد: 24.


(266)

الفصل الأوّل:

في الجـوهـر

وفيه مباحث:

البحث الأوّل: في رسمه

رسم الأوائل (1) الجوهر بأنّه الموجود لا في موضوع، ومعناه: أنّه (2) الماهيّة التي إذا وجدت كانت لا في موضوع، ولا يراد به الموجود بالفعل، وإلاّ لكان الشك في وجود زيد يستلزم الشك في جوهريته، وهو محال; لأنّه لذاته جوهر،


1 . منهم المعلم الأوّل في منطق أرسطو1:36، و الشيخ في الفصل الأوّل من المقالة الثانية من إلهيات الشفاء،و قال في رسالة الحدود:«و يقال جوهر لكل ذات وجوده ليس في موضوع. و عليه اصطلح الفلاسفة القدماء مذ عهد أرسطو طاليس في استعمالهم لفظة الجوهر». راجع أيضاً الفصل الثالث من المقالة الثالثة من مقولات منطق الشفاء. ولكن نسب شيخ الإشراق إلى القدماء تعريف الجوهر بالموجود لا في محل، المطارحات 220. والمتكلّمون عرّفوا الجوهر بأنّه المتحيّز الذي لا ينقسم بوجه، والعرض عندهم عبارة عن الحال في المتحيّز. أنوار الملكوت في شرحالياقوت :17. راجع أيضاً مقالات الإسلاميين للأشعري:306; التعريفات للجرجاني:108.
2 . في المخطوطة: «أنّ».


(267)

سواء كان موجوداً في الأعيان أو معدوماً، (1) وحينئذ يجب أن يكون وجوده زائداً على ماهيته ومغايراً لها، فيخرج عن هذا الرسم واجب الوجود تعالى، لأنّه وإن كان موجوداً لا في موضوع، لكنّه ليس بجوهر، لأنّ وجوده نفس حقيقته وليس زائداً عليها، فلا يصدق عليه أنّه الماهيّة التي إذا وجدت في الأعيان كانت لا في موضوع.

ومن يجعل وجود واجب الوجود تعالى زائداً على ماهيّته يجعله داخلاً تحت هذا الرسم، ولا يُطلق عليه لفظة الجوهر، لأنّ أسماءهُ تعالى توقيفية، ويمنع من كون الجوهر جنساً له تعالى، لاستحلة دخوله تحت الجوهر، وإلاّ لكان له فصل فكان مركّباً، وقد بيّنا أنّه يمتنع عليه التركيب (2).

وهذا الجوهر هو أحد المقولات العشر، وهي أجناس عالية كلّ واحد منها لاجنس له، بل تحته أجناس.

البحث الثاني: في أنّ الجوهر هل هو جنس أم لا؟

اختلف الأوائل (3) هنا، فذهب الأكثر منهم إلى أنّ الجوهر جنس عال لكل ما يندرج تحته اندراج النوع. ومنع آخرون (4) منه.

احتجّ الأوّلون: بأنّ خواص الجنس موجودة فيه; لامتناع بقاء كل ما يقال عليه الجوهر مع رفعه عنه ومقوليته على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو


1 . ومثل له الرازي بالسكين بأنّه الذي يقطع إذا وجد المنفعل، فذلك يصدق عليه ، سواء كان قاطعاً بالفعل أم لم يكن. المباحث المشرقية 1: 242.
2 . راجع إلهيات النجاة: 251.
3 . م: «الناس»، وما أثبتناه من ج مطابق لعبارات المصنف في الجوهر النضيد:23.
4 . المتأخّرون.


(268)

بالسوية. وهو ضعيف، لعدم دليل يدل على مقوليته بالسويّة على أفراده وكونه ذاتياً وكمال الذاتي المشترك.واستلزام رفعه رفع ما جعل نوعاً لا يدلّ على الذاتية، لأنّ بعض العوارض كذلك (1).

احتجّ الآخرون بوجوه (2):

الأوّل: جعلتم الجوهر هو الموجود لا في موضوع، والموجود من العوارض لكل ما يصدق عليه لا من المقوّمات. وتقييده بأنّه لا في موضوع ليس بفصل، لأنّه أمر عدمي، فلا يكون جزءاً لغيره.

الثاني: لو كان الجوهر جنساً لما تحته لزم التسلسل، ودخول الجنس في طبيعة الفصل، والتاليان باطلان، فالمقدم مثله.

بيان الشرطية: أنّه لو كان جنساً لوجب أن يكون له فصل يقوّمه، ومقوّم الجوهر جوهر، فيكون الفصل جوهراً فيدخل الجنس في طبيعة الفصل وهو محال، وافتقر الفصل في امتيازه عن غيره من الجواهر إلى فصل آخر فيتسلسل.

الثالث: الجوهر إذا قيل على ماهيّة ما، فإن كانت تلك الماهية بسيطة لم يكن الجوهر جنساً، لأنّ كلّ ما اندرج تحت الجنس فإنّه مركّب، ولا شيء من البسيط بمركب. وإن كانت مركبة فبسائطها (3) إن كانت جواهر، لم يكن الجوهر جنساً لها، وإلاّ كانت مركبة لا بسيطة، وإن لم تكن جواهر كانت أعراضاً، فكان الجوهر متقوّماً بالأعراض، هذا خلف.

الرابع: إذا قلنا للجسم: إنّه جوهر. فهناك أُمور أربعة:


1 . انظر الحجة في الجوهر النضيد: 23.
2 . انظر ما في المباحث المشرقية1:243; الجوهر النضيد:23; انظر تجريد الاعتقاد، الفصل الأوّل من المقصد الثاني.
3 . ق: «فتشارطها» وهو من تصحيف الناسخ.


(269)

الأمرالأوّل: الماهيّة التي صدق عليها الاستغناء عن الموضوع.

والأمرالثاني: الاستغناء عن الموضوع.

والأمرالثالث: مجموع الماهيّة مع هذا العارض.

والأمرالرابع: كون الماهيّة علّة لهذا الاستغناء بشرط الوجود (1).

والأوّل ليس بجنس، لاحتمال أن تكون المشتركات في هذه (2) العلّية أُموراً مختلفة في الماهية، فإنّ الماهيات المختلفة يلزمها لازم واحد، وتشترك في أوصاف كثيرة، ثبوتية وعدميّة، مع اختلافها بالحقيقة، فجاز اختلاف الماهيات التي يصدق عليها وصف الاستغناء.

ولا الثاني، لكونه سلبياً فلا يجوز أن يكون جزءاً من الماهيات المحصّلة الوجودية في الأعيان.

ولا الثالث، لأنّ هذا العارض سلبي فلا يكون جزءاً من الجنس الذي هو جزء الوجودي.

ولا الرابع، لأنّ كون الماهية علّة لذلك الاستغناء بشرط الوجود حكم من أحكام الماهية يلحقها بعد تمام حقيقتها، فإنّ الشيء ما لم تتحقق ماهيته استحال أن تصير ماهيته علّة لشيء. ولأنّ كون الماهيّة علّة لهذا الوصف، يستحيل أن يكون أمراً ثبوتياً زائداً عليها، وإلاّ لزم التسلسل. ومع جوازه فالمقصود حاصل، لأنّ الماهيّة بما هي، إن لم تقتضِ شيئاً كان ذلك إخراجاً للماهية عن العلّية. وإن اقتضت فلا متوسط (3)، وإلاّ لكان المقتضي المتوسط لا الماهية. فإذن كون الماهية علّة للاستغناء يمتنع أن يكون وصفاً ثبوتياً فضلاً عن أن يكون معنى جنسياً.


1 . وقد ذكر الرازي الثلاثة الأخيرة دون الأوّل.
2 . م: «هذه» ساقطة.
3 . ق: «ولا يتوسط» ، والصواب ما أثبتناه من م وج، والمعنى: أنّه لم يكن متوسط بين الماهية وبين ذلك المقتضي.


(270)

الخامس: لو كان الجوهر جنساً لكانت النفوس والعقول مركّبات، فيكون العقل الصادر عن المبدأ الأوّل ابتداءً مركّباً، والمبدأ واحد، (1) فلا يصدر عنه أكثر من واحد.

السادس: الجنس مقول على ما تحته بالتواطؤ، والجوهر ليس كذلك فلا يكون الجوهر جنساً. والمقدمة الأُولى مسلّمة. وبيان الثانية: أنّ الجواهر المفارقة أولى بالجوهرية والاستغناء عن الموضوع من الأجسام، وهي أولى بالجوهرية من الهيولى (2).

السابع: النفس الإنسانية جوهر مجرّد مفارق للمادة على ما يأتي، وهي عالمة بنفسها، وعلمها بنفسها لا يمكن أن يكون مكتسباً، والحكماء اتفقوا عليه، بل جعلوا (3) علمها بذاتها نفس ذاتها، فكان يجب أن يكون العلم بجوهريتها حاصلاً لها دائماً أوّلياً، ومعلوم أنّ الأمر بخلاف ذلك.

لا يقال: علم الإنسان بوجود ذاته غير مكتسب، فجاز أن يكون علمه بماهية نفسه مكتسباً، والجوهرية إنّما تقوّم ماهية النفس لا وجودها، وإذا كان علمها بماهيتها مكتسباً جاز أن يكون العلم بجوهريتها مكتسباً.

لأنّا نقول: هذا لا يتأتى (4) على رأي الحكماء، لأنّهم اتفقوا على أنّ علم الإنسان بنفسه هو نفس نفسه، إذ لو كان زائداً على نفسه لوجب أن تحلّ في نفسه صورة مساوية لنفسه فيجتمع المثلان. وإذا كان كذلك وجب أن يكون علمه بذاته هو نفس حضور ذاته لذاته، فعلم الإنسان بحقيقته يجب أن يكون حاضراً أبداً، ويرد الإشكال (5).


1 . أي الباري جلّ شأنه.
2 . فالجوهر مقول بالتشكيك والذاتي لا يكون كذلك.
3 . وعبّـر الرازي بـ «زعموا».
4 . ق: «لا ينافي».
5 . أي وإذا كان كذلك يرد الإشكال.


(271)

واعترض على الأوّل: بأنّ الوجود لا في موضوع لازم من لوازم الجنس، ولازم الجنس ليس جنساً ، فلا يلزم من إبطال كونه جنساً إبطال كون الجوهرـ الذي هو ملزومه ـ جنساً.

وفي الثاني نظر; لأنّا نمنع الملازمة بين المقدم والتاليين، وإنّما يثبت لو كان قول الجوهر على الفصول قول الأجناس، أمّا إذا كان قول اللوازم فلا (1). ولا امتناع في كون الجنس جنساً لشيء ولازماً لغيره، بل من الواجب ذلك. وكون فصل الجوهر ومقوّمه يجب أن يكون جوهراً، لا يقتضي كون الجوهر داخلاً في ماهيّته، بل أعمُّ من ذلك وهو مطلق الصدق عليه.

وفي الثالث نظر; لأنّ كون البسيـط ـ الذي يقال عليــه الجوهـر ـ بسيطاً، لايُخرج الجوهر عن جنسيته (2) للمركبات وصدقه على البسائط. وكون البسيط غير داخل تحت مقولة الجوهر، لا يوجب كونه عرضاً ولا تقوّمَ المركب الذي هو الجوهر من الأعراض.

وفي الرابع نظر; فإنّ القدر الذي يعلم به اتّصاف الماهيات آت هنا، فإن تمَّ، وإلاّ بطل في الجميع.

وفي الخامس نظر; فإنّ هذه الأُمور لو ثبتت لاستندت إلى القادر المختار عندنا.

سلّمنا، لكن الجنس كالمادة، وفصولها كالصورة، ولها تقدم فجاز صدورها أولاً.

وفي السادس نظر; للمنع من الأولويّة في الجواهر المجردة.


1 . كما أنّ الحيوان ليس جنساً للناطق، بل هو عرض عام له و جنس للإنسان.
2 . م و ق: «حقيقته»، و الصحيح ما أثبتناه من ج.


(272)

وفي السابع نظر; بمنع دوام تعقل الجزء، فإنّ الإنسان قد يغفل أحياناً عن ذاتياته ولوازمه.

سلّمنا، لكن إنّما يلزم من العلم بالمركب، العلم بذاتياته لو عرفنا المركب معرفة تفصيليّة، أمّا لو علمناها بوجه صادق عليها فلا، والنفس إنّما تعلم باعتبار عارض عرض لها، وهو كونها مدبرة للبدن، فلهذا جهلنا جوهريتها.

البحث الثالث: في أنّ كليات الجواهر جواهر

قد عرفت أنّ الكلي: هو الذي لا يمنع نفس تصوّر معناه من وقوع الشركة فيه، وهذا المعنى متحقق في الجوهر بأقسامه الخمسة. وقد عرفت أنّ الكلّية لا تُخرج الماهيّة الصادقة عليها عن حقيقتها، وإلاّ لكانت الماهيّة مقتضية للجزئية، وقد عرفت بطلانه. ولأنّه لو اقتضت الجزئية، فإمّا جزئية معيّنة فلا تصدق الحقيقة على غير ذلك الجزئي، فكلّ ماهيّة منحصرة النوع في شخص واحد، وهو محال، أو غير معيّنة وهو أيضاً كلّـي، فقد قارنت الماهية الكلّية، فلا منافاة بينهما، فكما أنّ الجزئيات من الجوهر جواهر كذا الكليات.

وأيضاً الجوهر هو الماهية التي إذا وجدت في الخارج كانت لا في موضوع، ليس أنّه الموجود في الخارج لا في موضوع، والصور الكلّية الذهنية المطلقة المطابقة للجواهر لها ماهيات، وتلك الماهيات يصدق عليها أنّها لو كانت في الأعيان كانت لا في موضوع، فكليات الجواهر جواهر لصدق حدّ الجوهر عليها، وإن لم تكن الآن موجودة في الخارج، إذ ليس هذا القيد معتبراً في حقيقة الجوهر.

وأيضاً كليات الجواهر تحمل على الجزئيات (1) منها، حمل المواطاة، أعني


1 . ق: «الجهات» وهو خطأ.


(273)

حمل هو هو، ولا شيء من الأعراض يحمل على الجوهر حمل هو هو، فكليات الجواهر ليست بأعراض، فهي جواهر. وأيضاً لو كانت جزئيات الماهية إنّما تصير جوهراً عند وجودها في الأعيان، ووجودها في الأعيان أمر عرضي، لزم أن يكون عروض العارض للماهية سبباً لثبوت وصف ذاتي له، وهو محال، ولكان زوال ذلك العارض سبباً لزوال الأمر الذاتي، وهو محال.فإذن الجواهر الكلّية جواهر.

وأيضاً جوهرية الشخص إن كانت لأنّه (1) ذلك الشخص، وجب أن يكون ما عداه غير جوهر، وإن لم تكن لشخصيته، بل لماهيته، وجب أن تكون تلك الماهية جوهراً كيفما كان.

قيل عليه (2): لا يلزم من كون شخصية معيّنة علّة لجوهرية ذلك الشخصانتفاء جوهرية ما عداه، لإمكان اسناد المعلول الواحد بالنوع إلى علل كثيرة.

والتحقيق أن نقول: إن عُني بقولنا: كليات الجواهر جواهر، الجوهر المقيد بقيد الكلّية ـ وهو الكلّـي العقليـ فلا شك في أنّه ليس بجوهر . أمّا أوّلاً ;لأنّه عرض قائم بالنفس فيستحيل صدق الجوهر عليه، وكون مطابقه بوجه ما جوهراً لا يستلزم جوهريته. وأمّا ثانياً; فلأنّ الكلّية أُخذت قيداً فيها ـ وهي من الاعتبارات العقلية المأخوذة بالقياس إلى الغير ـ فلا يجوز أن يكون جزءاً من المستقل بذاته الغني عن ملاحظة الغير في تصور ماهيته.

وإن عُني به: الكلّـي الطبيعي ـ وهو نفس حقيقة الجوهر ـ، فإنّها جوهر، ضرورة امتناع كون الشيء ليس نفس ذلك الشيء.


1 . م : «لازمه».
2 . والمتسشكل هو الرازي فانظر الإشكال وبعض الوجوه في المباحث المشرقية 1:247 ـ 248..


(274)

البحث الرابع: في أنّ الجزئيات أولى بالجوهرية من الكليات

لمّا وجد الأوائل الخواص والكمالات التي للجوهرية في الجزئيات أكثر منها في الكليات، حكموا بأنّ الجوهرية للجزئيات أولى منها للكليات وإن لم تكن قبلها (1)، فإنّه ليس الجوهر للجزئيات قبل الكليات، كما أنّ الوجود للواجب قبل الممكن، لكن لمّا كانت اللواحق والكمالات العارضة للجوهر لما هو هو في الجزئيات أكثر، كان قوله عليها أولى. وبيانه من وجوه:

الوجه الأوّل: أنّ الاستغناء من جملة كمالات الجوهر وخواصه، والكلي من الجواهر محتاج إلى الشخص، فإنّ الكلي إنّما يوجد لو كان الشخص موجوداً، لأنّه إنّما يوجد في ضمنه، فاحتاج في الوجود إليه. والشخص غني عن الكلي، لأنّ الكلي هو المقول على كثيرين، ولو احتاج الشخص إلى الكلي لاحتاج إلى الشخص الآخر بحيث يوجد معه، ليكون الكلي مقولاً عليهما (2).

وفيه نظر، فإنّ الكلي إن أُريد به هنا العقلي لم يكن جوهراً.فلا يقال: إنّ الجوهرية للجزئي أولى منه، وإن أُريد به الكلي الطبيعي، لم يتمّ لأنّه جزء الشخص، وجزء الشخص مستغن عنه والشخص محتاج إليه، فكانت الجوهرية للكلي أولى منه للشخص، ولأنّ الكلي الطبيعي لا يحتاج في مقوليته على الشخص إلى شخص آخر، بل ذلك في الكلي العقلي الذي يمتنع أن يكون شخصاً واحداً.

الوجه الثاني: تقدمه بحسب استقرار (3) الأمر المعتبر في الجوهرية ـ وهو الوجود لا في موضوعـ، فإنّ الجوهرية هو كون الماهيّة بحيث إذا وجدت كانت لا في موضوع، وأشخاص الجوهر قد ثبت لها ذلك بالفعل، وأمّا في كلياتها فإنّه منتظر


1 . انظر الفرق بين الأوّل والأولى في المباحث المشرقية1:248.
2 . نفس المصدر:249.
3 . في جميع النسخ:«استمرار»، و الظاهر أنّ الصواب ما أثبتناه طبقاً للمعنى و المباحث المشرقية.


(275)

لها، لم يحصل لها بعد ذلك.

وفيه نظر; فإنّهم قد صرّحوا بأنّ المراد بالموجود هنا ليس الموجود بالفعل، بل الماهية التي لو وجدت كانت لا في موضوع، وهذا المعنى ثابت بالفعل للكليات كما ثبت للأشخاص، بل هو للكليات أسبق، لأنّه قد ثبت: أن كلّ معنى ثبت لكلي من جزئي، فإنّه ثابت أوّلاً للكلي وبالذات، وثانياً للجزئي وبالعرض.

الوجه الثالث: من حيث القصد إلى التكوين، فإنّه متوجه بالذات إلى صيرورة النوع شخصاً، ليمكن أن يحصل في الأعيان.

وفيه نظر; فإنّ القصد بالذات في التكوين إنّما يتوجه إلى الطبائع النوعية لا إلى الشخص المنقطع،بل إلى الطبيعة النوعية المستمر وجودها في ضمن الجزئيات بتلاحقها (1)، فالجزئيات مقصودة (2)بالقصد الثاني.

الوجه الرابع: السبق إلى التسمية، لأنّ أوّل شيء عرف أنّه لا في موضوع هو الأشخاص الجزئية.

وفيه نظر; فإنّ الطبيعة النوعية أسبق من الشخص في الوجودين، فهي أسبق بالتسمية.

واعلم أنّ الأنواع أولى بالجوهرية من الأجناس لقربها من الأشخاص وبُعد الأجناس عنها، ولأنّها أشدُّ مشاركةً للأشخاص من الأجناس، فنسبة الجنس إلى النوع كنسبة النوع إلى الشخص، فلهذا كانت الأجناس، الجواهر الثالثة (3). وأيضاً الجواهر العقلية الجزئية أولى بالجوهرية من الأشخاص الجوهرية المحسوسة، لأنّ تلك أسباب لهذه، والسبب مستغن عن مسببه، فكان معنى الاستغناء ـ الذي هو معتبر في الجوهرية ـ لها أتمّ. وقد قدّمنا المنع من ذلك.


1 . كذا في ق ، وفي م: «يتلاحقها»، والصحيح ما أثبتناه.
2 . م: «متصورة» ، و هو خطأ.
3 . ق وج: «السالبة»، م: «المثالية» واصلحناها طبقاً للمعنى والمباحث المشرقية 1:249.


(276)

قالوا: الفصول المنطقية للجواهر جواهر ـ كالناطق ـ لأنّها محمولة على الأنواع حمل على (1). وأمّا الفصول البسيطة كالنطق، فإنّها جواهر أيضاً، لأنّه جزء من الناطق المحمول حمل على، وجزء الجوهر جوهر. واعترض بالبياض الذي هو جزء الأبيض المحمول على الجوهر حمل على.

البحث الخامس: في أنّ الجوهر مقصود إليه بالإشارة (2)

الإشارة: دلالة حسّية أو عقلية إلى الشيء بحيث لا يشركه فيها غيره، والإشارة الحسية تتوقف على تشخص المشار إليه، وهي تتناول الجوهر بالذات(3)، والإشارة إلى الأعراض إنّما تكون بعد تميّزها، وتميّزها على ما تقدم معلول المادة، فإذن الإشارة إليها بعد الإشارة إلى تلك المادة (4).

وفيه نظر; فإنّ هذا بعينه وارد في الصورة والمادة ، لأنّ الصورة علّة فاعلية في تشخص المادة، والمادة علّة قابليّة في تشخص الصورة، بل وفي الجسم إيضاً، فإنّه إنّما يتشخص بالأعراض المادية كأين معيّـن و وضع معيّن وكيف وكم معيّنين. والإشارة الحسيّة إلى الأُمور الكلّية من الجواهر والأعراض غير ممكنة، فإنّ الحسّ لا يدرك الكلي، بل الجزئي فكيف يمكنه الإشارة إليه؟ وأمّا الإشارة العقلية فلا تتناول الشخصية من الجواهر والأعراض أيضاً، إلاّ من جهة العلم بأسبابها، والشيء إذا عرف بسببه كان كلياً. (5) وأيضاً الكلي لا يمكن الإشارة إليه لإمكان


1 . و هو حمل هوهو الذي يسمّى بحمل المواطاة أيضاً، و هو حمل شيء بقول على، مثل: الإنسان حيوان يعني الحيوان محمول على الإنسان. راجع جامع العلوم في اصطلاحات الفنون2:57.
2 . راجع منطق أرسطو 1:40; الفصل الثالث من المقالة الثالثة من مقولات منطق الشفاء.
3 . في الشفاء: «إلى شيء بعينه»، و هو صحيح أيضاً.
4 . المباحث المشرقية 1:250.
5 . وهذا قسم من العلم الكلي الحصولي كعلم المنجم بأنّ الشمس منكسفة في ساعة كذا إلى ساعة كذا، ويسمّى علم ما قبل الكثرة.


(277)

وقوع الشركة فيه بين الجواهر والأعراض، والإشارة تنافي ذلك، بل تصور الجوهر الكلي ممكن من غير اعتبار حلول عرض ما فيه (1). وأمّا العرض فلا يمكن تصوره إلاّ قائماً بالجوهر، فإن عُني بتناول الإشارة بالذات للجواهر هذا المعنى صحّ، وإلاّ فلا.

البحث السادس: في أنّ الجوهر هو القابل للأضداد على سبيل الاستقلال

إعلم أنّ الجوهر هو الذي يقبل الأضداد غير الإضافية، لاستحالته في ذاته بالذات، لا على سبيل التبعيّة. (2) وذلك بخلاف الظن والقول ، فإنّهما يتغيران عن الصدق إلى الكذب وبالعكس لا لذاتيهما، بل تبعاً لتغير المظنون والمخبر عنه فإذا ظنّ أنّ زيداً في الدار، أو حُكم بذلك وكان زيد فيها، كان الظن والقول صادقين، فإذا خرج زيد عنها واستمر الظن والحكم تغيرا عن الصدق وكانا كاذبين، ومع ذلك فلا يتغير ذات الظن والقول، وإنّما تتغير نسبتهما وإضافتهما. أمّا الجواهر فإنّها تقبل الأضداد كالسواد والبياض، لاستحالتها في نفسها. وهذه الخاصيّة غير ثابتة في الجواهر العقلية، لبُعدها عن التغير عندهم، وهو ممنوع. ولا في الجواهر الكليّة، لأنّ الكلي يشتمل على كلّ شخص، ولا يصدق أنّ كلّ شخص أسود أو أبيض.

لا يقال: العرض الكلي كاللون يقبل الضدين، وهما السوادية والبياضية.

لأنّا نقول: اللون الذي هو حصّة (3) السواد يمتنع أن يبقى عند زوال السوادية عنه، لأنّ الفصل علّة للحصة، فإذا عدم عدمت، فلا يمكن أن يتصف


1 . م: «ينافيه»، و هو خطأ.
2 . م: «التعيين».
3 . ق: «حصته»،و الصحيح ما أثبتناه من ج و م بأن يكون اللون جزءاً من حقيقة السواد.


(278)

بعد زوال فصل السواد عنه بفصل البياض. نعم قد يقال: اللون يقبل الضدين بنوع من المجاز، إمّا باعتبار انقسامه إليهما فيكون بعضه بياضاً وبعضه سواداً، أو باعتبار تجرّده في الوهم عن الفصلين، فيكون من حيث هو لون مطلق قابلاً لأيّ الفصلين كان، وليس كلامنا في الأُمور الوهمية، بل في الأُمور المحصّلة في الخارج، هل يوجد شيء محصّل في الخارج يقبل الضدين؟

ولو كان اللون يقبل السوادية تارة والبياضية أُخرى لما كان سواداً وبياضاً، بل كان مسودّاً ومبيضّاً، وهذا باطل (1).

البحث السابع: في أنّ الجوهر لا ضد له (2)

الضدان عند الأوائل: هما الذاتان الوجوديتان المتعاقبتان على موضوع واحد وبينهما غاية الخلاف. وحينئذ يكون الحكم بامتناع التضاد عليه ظاهراً، لأنّ التضاد إنّما يتحقق فيما يوجد في الموضوع بحيث يتعاقب ضده عليه، ولمّا كان الجوهر هو الموجود لا في موضوع، امتنع وقوع التضاد فيه. وقد يُعنى بالضدين المتعاقبان على محل واحد (3)، ولا يشترط الموضوع، فيصح وقوع التضاد فيه حينئذ، لأنّ الصور الجوهرية للعناصر تتعاقب على محلّ واحد هو المادة، وبينهما غاية الخلاف، لكنّ ذلك خارج عن مصطلح القوم. وبالجملة فالنزاع لفظي (4).


1 . راجع المباحث المشرقية1:251.
2 . راجع منطق أرسطو 1:40ـ41.
3 . هذا في تعريف القدماء للمتضادين حيث عرّفوهما بانّهما «أمران وجوديان لا يجتمعان في محل واحد في زمان واحد من جهة واحدة».
4 . قال ابن سينا بعد ذكر هذا البحث:«و ليس على المنطقي أن يحاول إبانة هذه بالتحقيق، فلن يفي بها وسعه، بل أكثر ما يحتمله هو أن يعرف ذلك بالإستقراء أو بحجج مأخوذة من المشهورات...» الفصل الثالث من المقالة الثالثة من الفن الثاني من منطق الشفاء1:106. راجع أيضاً المباحث المشرقية 1:250; تجريد الاعتقاد، المقصد 4، الفصل1، المسألة 3.


(279)

الفصل الثاني:

في العرض

وفيه مباحث:

البحث الأوّل: في تعريفه

قد عرفت فيما تقدم أنّ العرض هو الموجود في موضوع عند الأوائل، ورسموه أيضاً بأنّه الموجود في شيء غير متقوّم به لا كجزء منه، ولا يصحّ قوامه دون ما هو فيه (1). فهذه قيود أربعة:

الأوّل: قولنا في شيء، ولفظة «في» يقال بالاشتراك أو التشابه على معان كثيرة، فيقال للشيء: إنّه في الزمان ، أو في المكان، أو في العرض، أو في الغاية، أو في الكل، أو في الجزء. ومرادنا ههنا أن يكون الشيء مختصاً بشيء آخر ويكون سارياً فيه، بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما هي الإشارة إلى الآخر تقديراً أو تحقيقاً، ويكون ناعتاً له فيسمى الناعت حالاً والمنعوت محلاّ ً، فيجب التغاير


1 . الفصل الأوّل من المقالة الثانية من إلهيات الشفاء.


(280)

بينهما واحتياج أحدهما إلى صاحبه، وإلاّ لاستغنى كل منهما عن الآخر، فلا يتحقق الحلول. فإن كان الحال سبباً لوجود المحل سمي ذلك المحل هيولى (1)، والحال فيه صورة، وهما جوهران. وإن كان المحل سبباً لوجود الحال ومقوّماً له، فالمحل يسمى موضوعاً، والحال فيه يسمى عرضاً. وقد اشتركت الهيولى والموضوع في مطلق المحل، والعرض والصورة في مطلق الحال (2)، فالجوهر إن كان محلاً فهو الهيولى والمادة، وإن كان حالاّ ً فهو الصورة، وإن كان مركباً منهما فهو الجسم، وإن لم يكن حالاّ ً ولا محلاً ولا مركباً منهما، بل كان مجرّداً فإن تعلق بالبدن تعلُّق التدبير سمي نفساً، وإن لم يتعلق به البتة سمي عقلاً، فهذه الخسمة هي أقسام الجوهر(3).

وقولنا في شيء، لأنّ العرض الواحد يمتنع أن يوجد في أشياء، بل لا يوجد إلاّ في شيء واحد.

لا يقال: هذا ينتقض بالعدد، فإنّه عرض موجود في أشياءَ كثيرة، وكذا الكلّية والإضافة، فإنّها إنّما توجد في المضافين.

لأنّا نقول: لا يشترط في وحدة موضوع العرض الوحدة المطلقة من كل وجه، بل من الجهة التي هو بها موضوعه وإن كان فيه كثرة أُخرى باعتبار آخر، فموضوع العشرية ليس موضوعاً لها من حيث هي أُمور، حتى تكون العشرية حاصلة لكل واحد من تلك الأُمور، بل حصل لتلك الأُمور هيئة اجتماعية صارت باعتبارها مجموعاً واحداً، فصحّ بهذا الاعتبار أن يكون موضوعاً للعشرية. لكنّ الإشكال في العشرية عائد في المجموعية والهيأة الاجتماعية والوحدة.وليس هنا إضافة واحدة توجد في المضافين على ما يأتي (4).


1 . أو المادة كما يشير إليه.
2 . المباحث المشرقية 1:236.
3 . انظر الأقسام في الفصل الأوّل من المقالة الثانية من إلهيات الشفاء; جوهر النضيد:24; المباحث المشرقية 1:236.
4 . في مبحث الإضافة من المقولات في المقالة الثالثة.


(281)

والوجه في الجواب: أن نقول: العشرية ليست من الأُمور الخارجية، بل هي أمر ذهني يلحقه الذهن بالآحاد إذا اعتبر ضمّ بعضها إلى بعض وكذا المجموعية والكلّية.

قيل: الكلّ بما هو كلّ موجود في الأجزاء لا في آحادها، بل في مجموعها، والمجموع من حيث هو ذلك المجموع أمر واحد، فالكلّ من حيث هو كلّ موجود في شيء لا في أشياء فيكون الكل عرضاً.

وأُجيب: بأنّ نسبة الكلّ إلى (1) الأجزاء ليس إلى كلّ واحد، وإلاّ لكان كلّ واحد من الكل كلاًّ، ولا إلى مجموع الأجزاء، لأنّه نفس المجموع.

ووجود الكلي في جزئياته كالحيوان الموجود في أنواعه، والنوع في أشخاصه، ليس وجوداً في شيء، بل في أشياء فلا يكون عرضاً.

الثاني: قولنا: «غير متقوّم به» احترزنا به عن الصورة في المادة، فإنّ المادة متقوّمة بها فليست الصورة عرضاً.

الثالث: قولنا: «لا كجزء منه» احترزنا به عن وجود الكل في الجزء، ووجود الجنس في النوع والنوع في الشخص وكلّ من الصورة والمادة في المركب، فإنّ هذه كلّها موجودة في أشياء هي أجزاء لها. وكذا وجود النوع في عموم الجنس، فإنّ النوع جزء من عموم الجنس، فيكون النوع الموجود في الجنس موجوداً في جزء منه.

الرابع: قولنا: «ولا يصحّ قوامه دون ما هو فيه»نريد به: أنّه يمتنع وجود ذلك الشخص بما هو ذلك الشخص إلاّ في ذلك المحلّ المعيّـن، فإن كان هذا الامتناع ليس لوجود ذلك (2) الخاص، بل لأمر آخر عرض له في ابتداء تكونه،


1 . ق: «يعني»، م: «نفى» قبل «إلى» وهو اشتباه من النسّاخ.
2 . ق: «بوجود» ، و «ذلك» ساقطة.


(282)

فصار لأجله بحيث يمتنع انفكاكه عمّـا هو فيه، فذلك لا يوجب كونه عرضاً. وبهذا يقع الفرق بين وجود العرض في الموضوع، ووجود الجسم في المكان، أو في الزمان، أو في العرض، وكون الشيء في غايته كالإنسان في السعادة، وكون المادة في الصورة، فإنّ الجسم قد يفارق مكانه وزمانه وعرضه وغايته، مع بقاء جسميته (1) وإنسانيته. وكذا المادة قد تفارق بعض صورها مع بقاء وجودها متقوّمة بحسب صورة وصورة.

لا يقال: الجسم لا يفارق المكان والزمان المطلقين، ولا العرض المطلق، فأيّ فارق بينه وبين العرض؟

لأنّا نقول: معنى قولنا ـ ولا يمكن مفارقته عمّـا هو فيه ـ هو أنّ الشخص من العرض بشخصيته يقتضي ذلك المحلّ، بخلاف وجود الجسم في الزمان والمكان المطلقين، فإنّ الأُمور الكلّية لا وجود لها في الخارج، فيمتنع وجود الجسم فيها(2) في الخارج، وكلامنا في كون العرض في الموضوع وجوداً خارجياً لا ذهنياً.

لا يقال: الأجسام الإبداعية يمتنع عليها مفارقة أمكنتها الخاصة، فتكون أعراضاً.

لأنّا نقول: هذا محال عندنا، ولا جسم إبداعي في الوجود، ولا جسم يمتنع مفارقته لمكانه. وأمّا على رأي القوم فإنّهم يفرّقون: بأنّ الأعراض تتشخص بموضوعاتها المعيّنة، والإبداعيات لا تتشخص بحصولها في تلك الأحياز، فإنّ نوعها في شخصها، فسبب تشخصها طبيعة نوعها، ثمّ يتبع شخصها حصولها في تلك الأحياز.

لا يقال: مادة الفلك موجودة في صورته، والصورة متحصلة القوام،


1 . م: «جسمانيته».
2 . في جميع النسخ:«فيه»، أصلحناها طبقاً للسياق.


(283)

وليست جزءاً منها، ولا يصحّ قوام تلك المادة دون ما هي فيه، أعني تلك الصورة.

لأنّا نقول: ليست المادة في الصورة بمعنى صفة العرض بالنسبة إلى الجسم، لأنّ هذه صفة ناعتة بخلاف تلك، فإنّ المادة لا تكون ناعتة للصورة(1) ومقصودنا هذه الصفة.

البحث الثاني: في أنّ العرض ليس بجنس

اتفقت كلمة العقلاء من المتكلّمين والحكماء على ذلك، فإن أطلقوا عليه لفظة الجنس، لا باعتبار المعنى، بل باعتبار عارض صادق على كثيرين. ويدل عليه وجوه (2):

الوجه الأوّل: أنّا نتصوّر الأعراض الجزئية كالسواد والبياض والسطح والخط وغيرها، ونشك في عرضيتها، فلا تكون العرضية مقوّماً، لامتناع تصوّر الشيء بدون تصوّر مقوّماته.

وفيه نظر; لأنّا نمنع تصوّر الأعراض الجزئية بحقائقها، بل ببعض عوارضها ولوازمها، فلا يجب تصور مقوّماتها حينئذ.

لا يقال: لا نعني بالسواد إلاّ الهيأة التي أدركناها وعرفناها.

لأنّا نقول: نحن نسلّم أنّكم أدركتم هيأة وسميتموها سواداً، فلِمَ قلتم: إنّ تلك الهيئة المدركة هي حقيقة السواد في نفس الأمر؟ فإنّ ذلك لا يستفاد من العناية والتفسير.


1 . في جميع النسخ:«فإنّ الصورة لا تكون ناعتة للمادة»، و هو خطأ، و الصحيح ما أثبتناه طبقاً للمعنى و المباحث المشرقية1:240.
2 . انظر الوجوه في المباحث المشرقية 1:150ـ 151.


(284)

قيل: الشك في عرضية هذه الأشياء بعينه، شك في الجوهرية، فإن اقتضى هذا الدليل خروج العرض عن الجنسية، اقتضى خروج الجوهر (1) عنها، فيلزم أن لا يكون الجوهر جنساً .

وفيه نظر; فإنّا نلتزم أنّ الجوهر ليس جنساً لهذه الأعراض. وما ذكرتموه إنّما يقتضي نفي كون الجوهر جنساً لهذه الأعراض خاصّة، لا للجواهر، وذلك مسلّم لا شك فيه.

الوجه الثاني: معنى كون السواد عرضاً ليس إلاّ نسبته بالحلول في الموضوع، والجنس إنّما يستند إلى أمر داخل في الذات، لا إلى نسب عارضة للذات.

وفيه نظر; فإنّه جاز أن يكون ذلك لازماً للعرض لا نفس العرض، كما أنّ الموجود لا في موضوع أمر لازم للجوهر وعارض له، وبهذا أبطلتم طعن من منع كون الجوهر جنساً.

الوجه الثالث: العرضية مقولة على ما تحتها بالتشكيك، والجنس غير مقول على ما تحته بالتشكيك. والكبرى ظاهرة، وبيان الصغرى: أنّ تعلّق بعض الأعراض بالموضوع أكثر (2) من تعلق بعض، فإنّ الإضافات والنسب أشد حاجة إلى الموضوع من البعض.(3)

اعترض بأنّ الحكماء قالوا: إنّ بعض الجواهر قبل البعض، ولكنّ ذلك التقدم لمّا كان في الوجود


1 . م: «الجوهرية».
2 . في المباحث المشرقية: «آكد».
3 . أي من سائر الأعراض.


(285)

لا في الجوهرية لم يلزم اخراج الجوهر عن أن يكون جنساً، وكذلك بعض الأعداد وإن كان متقدماً على البعض، لكنّ ذلك التقدم في الوجود لا في معنى العددية (1)، فلا يقتضي خروج العدد عن الجنسية لأنواعه، فكذلك هنا جاز أن يقال: الأعراض متساوية في حمل العرضية عليها، والتفاوت الذي ذكرتموه عائد إلى وجوداتها، فلا تكون مقولية العرض على أنواعه بالتشكيك.

وأُجيب: بأنّ هذا إنّما يلزم، لو كان للعرضية مفهوم آخر سوى كونه موجوداً في الموضوع، وأمّا إذا لم يكن للعرضية معنى سوى وجوده في الموضوع، فمتى وقع التفاوت فيه فقد وقع في نفس مفهوم العرضية.

اعترض: بأنّه ليس من شرط كون العرض عرضاً، أن يكون موجوداً في الخارج ويكون مع (2) ذلك في موضوع، بل من شرطه أن يكون بحيث لو وجِدَ في الخارج كان في موضوع، كما قيل في الجوهر: أنّه الذي إذا وجِدَ كان غنياً عن الموضوع، لا الموجود في الخارج بالفعل لا في موضوع. فعلى هذا يكون كون العرض عرضاً مغايراً لوجوده، ويعود الإشكال.

البحث الثالث: في استحالة الانتقال على الأعراض (3)

إعلم أنّ المتكلّمين والحكماء اتفقوا على استحالة الانتقال على الأعراض، واحتجوا عليه بوجوه:

الأوّل: المعقول من الانتقال: هو الحصول في حيّز بعد الحصول في حيّز آخر، وذلك إنّما يعقل في المتحيّز.


1 . م: «المعدوم» وهو خطأ.
2 . م: «مع» ساقطة.
3 . انظر الفصل السابع من المقالة الثالثة من إلهيات الشفاء; نقد المحصل: 177; المباحث المشرقية 1:253; شرح المواقف 5: 27 وما يليها; شوارق الإلهام، المسألة 8، الفصل 1، المقصد 2.


(286)

وفيه نظر; فإنّه إن كان المراد بهذا التفسير الحصول في حيّز بالذات بعد الحصول في حيز آخر بالذات فهو مسلّم، فإنّ نفي الانتقال بهذا المعنى عن الأعراض ضروري، لأنّ العرض لا يحصل في الحيّز إلاّ تبعاً لحصول محلّه فيه، ولا يعقل فيه التحيّز بالذات، لكنّ النزاع ليس في ذلك، بل في مطلق الانتقال سواء كان بالذات حاصلاً في الحيّز الأوّل أو بالعرض. وليس المقصود من نفي الانتقال إلاّ امتناع انتقال العرض من محلّ إلى محلّ آخر وهذا الدليل لا يعطيه.

الثاني: العرض إمّا أن يكون غنياً عن الموضوع، أو يكون محتاجاً إليه، فإن كان غنياً عن الموضوع، امتنع أن يعرض له ما يصيّره محتاجاً إلى الموضوع، فإنّ الغني بذاته عن الشيء يستحيل أن يصير محتاجاً إليه باعتبار عارض يعرض له. وإن كان محتاجاً فلا يخلو: إمّا أن يكون محتاجاً إلى موضوع معيّـن، أو غير معيّـن والثاني محال، لأنّ الشيء المعيّـن لا يقتضي أيّ شيء كان، فإذن لابدّ له من موضوع معين، فإذن خصوصيّته متعلقة بذلك الموضوع، فإذن يمتنع أن يفارق ذلك الموضوع.

اعترض: بجواز كونه غنياً عن المحلّ لذاته.

قوله: «فحينئذ لا (1) يعرض له ما يحوجه إليه».

قلنا: العرض لا يصدق عليه أنّه يجب أن لا يكون في المحلّ حتى يكون ذلك منافياً لحصوله في المحل بسبب منفصل، بل يصدق عليه أنّه بالنظر إلى ذاته لا يجب أن يكون في المحل، وهذا لا ينافيه الحصول في المحل لسبب منفصل.

وفيه نظر; لأن الحلول يستدعي حاجة الحالّ إلى المحلّ بالضرورة، ويمتنع أن تكون الحاجة عارضة بسبب أمر خارج; لأنّه يكون منافياً لمقتضى الذات.


1 . ج:«لا»مشطوبة، وق: «لا يعرضه».


(287)

وبأنّ (1) هذا يبطل بالجسم المعيّـن، فإنّه لابدّ وأن يكون له حيّز معيّـن ووضع معيّـن، ومع ذلك فإنّه لا يقتضي وضعاً (2) معيناً شخصياً ولا حيزاً معيّناً شخصياً بحيث يمتنع انتقاله (3) عنه.

وأيضاً المادة محتاجة إلى صورة ما، لا إلى صورة معينة، بل إلى أي صورة كانت، فجاز أن يكون العرض كذلك.

وأيضاً العرض الواحد بالشخص مفتقر إلى موضوع واحد بالنوع، والواحد بالنوع معيّـن في نفسه، متخصّص في طبيعة نوعه، غير مبهم، ولا يحتاج إلى المحل الواحد بالشخص، فحاجة العرض الواحد بالشخص إنّما هو إلى المحلّ الواحد بالنوع وإن كان مبهماً من حيث التشخّص غير متعيّـن فيه، إلاّ أنّ التعيّـن الشخصي في الموضوع غير محتاج إليه، فأمكن أن يفارق محلّه إلى آخر من نوعه، كما يمكن ذلك في الجسم.

وأيضاً النفس تحتاج في حدوثها إلى مادة معينة، ثمّ إنّها تفارق تلك المادة مع بقاء النفس، و لا تعدم النفس بسبب مفارقةِ ما احتاجت إلى شخصه، فلِمَ لا يجوز مثله في العرض؟

الثالث: تشخص كلّ عرض زائدٌ على ماهيته على ما تقدم (4)،فإن كانت علّته ماهية العرض كان نوعه منحصراً في شخصه، وكذا إن كانت علّته لازماً من لوازمه، ولأنّه (5) كان يستغني عن جميع الموضوعات ويكون قائماً بذاته، لاستغنائه


1 . عطف على «اعترض بجواز الخ»، وهي إشكالات على استحالة الانتقال.
2 . في النسختين: «وصفاً».
3 . ق وج: «انفكاكه».
4 . في بحث التشخص صفحة 181 وما بعدها.
5 . م: «فلأنّه»، و الصحيح ما أثبتناه من ج و ق.


(288)

في تعيّنه بذاته عن كلّ موضوع، فوجب أن تكون الشخصية مستندة إلى علّة من خارج.

فنقول: إن كانت العلّة محلّه امتنعت مفارقته عنه، وهو المطلوب، وإن كانت حالّة فيه لزم استغناؤه عن الموضوع; لأنّه يكون مكتفياً في وجوده بموجده وفي تشخصه بما يحلّ فيه. وإن كانت مفارقة عنه لا حالّة فيه، ولا محلاّ له، كانت نسبته إليه كنسبته إلى غيره، فلا تكون علّة التشخص معيّنة، فلم تبق علّة التشخص إلاّ الموضوع، فإذا فارقه بطل ذلك التشخص. وحينئذ تخرج الإشكالات المذكورة.

أمّا الجسم: فتعيّنه لتعيّـن صورته النوعية، وتعيّـن تلك الصورة لتعيّـن الصورة السابقة على هذه وهكذا لا إلى أوّل، وليس تعيّـن الجسم بسبب الوضع والحيّز المعيّـن، فلا جَرَم أمكنه أن يفارق وضعه وحيّزه مع بقاء شخصيته.

وأمّا المادة: فإنّها محتاجة إلى الصورة من حيث هي لا إلى صورة معينة، والصورة من حيث هي صورة أمر معيّـن.

لا يقال: جاز أن يكون العرض محتاجاً إلى الموضوع من حيث هو موضوع نوعي، وهو من حيث هو موضوع نوعي متعيّـن، كما قلتم في المادة بالنسبة إلى الصورة من حيث هي صورة مطلقة لا شخصية.

لأنّا نقول: الفرق بينهما ظاهر، فإنّ للمادة مبدأً معيناً هو العقل الفعال، وليست مستندة إلى شيء من هذه الصور، والعقل الفعّال موجود متعيّـن متشخص، والصور شرائط في إمكان تأثيره في استبقاء هذه الهيولى، ومن الجائز أن يكون المؤثر معيناً، ويكون تأثيره موقوفاً على أشياء كثيرة تشترك في وجه ما، بسبب ذلك المشترك يكون مؤثراً، بحيث أيّ واحد حصل كفى، كمن يُمسك سقفاً بدِعامات متعاقبة، يزيل واحدة ويضع غيرها، فإنّ الوضع يكون محفوظاً بواسطة


(289)

تلك الدعامات المتعددة بالشخص، المشتركة في الغاية المطلوبة من كلّ واحد منها. وأمّا هنا، فقد بيّنا أنّ الذي هو سبب تعيّـن العرض المتعين هو الموضوع المخصص باللواحق الجزئية، فيمتنع أن تكون وحدته نوعية، فإنّ الواحد بالنوع لا يتقرر في الخارج، فلابدّ وأن تكون علّة تعيّنه شيئاً متعيّناً تعيّناً شخصياً.

وأمّا النفس : فإنّ البدن شرط في حدوثها، وكانت في جوهريتها وتعيّنها غنيّة عن تلك المادة، ولهذا لم تنطبع فيها.

وأمّا الأعراض: فإنّـها كما احتاجت في حدوثها إلى المواد، احتاجت أيضاً في وجودها الحادث ـالذي هو تعينهاـ إلى الموضوعات، فإذا فارقتها عدمت.

وفيه نظر; فإنّا نمنع استحالة انحصار نوع كل عرض في شخصه. والإحساس لا يدل عليه، فإنّ الأشياء المختلفة بالحقائق قد تتفق في الإحساس وبالعكس. والاستغناء في التعيّن عن الموضوع لا يقتضي استغناؤه عنه، فإنّ الحاجة في القيام والحلول إلى المحلّ لا يجب انحصاره في الحاجة إلى التعيّـن، وإلاّ لكان العرض في ذاته غنياً عن المحل وإنّما يحتاج إليه في تشخصه، وليس كذلك، فإنّ العرض بما هو عرض لا يعقل قيامه إلاّ في محلّه، لا من حيث تشخصه.

سلّمنا، لكن لِمَ لا يجوز استناده إلى المحل من حيث هو، لا من حيث ذلك المحلّ الشخصي، فجازت المفارقة عليه، أو إلى الحال، ولا يلزم استغناؤه عن الموضوع كما تقدم، ونمنع (1) تساوي نسبة المفارق إلى كلّ الأعراض.

وبعد هذا كلّه، فالحق استناد تشخصه إلى الفاعل المختار. (2) وسيأتي إبطال حوادث غير متناهية.


1 . م: «لمنع».
2 . وهذا عند المتكلّمين; وإلى العقل الفعّال ـ وهو العقل العاشر ـ عند الحكماء المشائين.


(290)

والعقل الفعّال; كما هو مبدأ معيّـن للمادة بشرط الصورة من حيث هي، جاز أن يكون مبدأ ًللعرض بشرط الموضوع من حيث هو، ويستحفظ وجود ذلك العرض بموضوع بعد موضوع. ويكون المُعيّـن هو العقل المتشخص مع أيّ موضوع اتفق. واحتياج الأعراض في تعيّنها إلى الموضوعات نفس النزاع.

الرابع: العرض: هو الموجود الذي لا يتحقق وجوده الشخصي إلاّ بما يحلُّ فيه، والشيء المحتاج في وجوده الشخصي إلى علّة لا يمكن أن يحتاج إلى علة مبهمة، لأنّ المبهم لا يكون من حيث هو مبهم موجوداً في الخارج، وما لا يكون موجوداً في الخارج لا يُفيد (1) وجوداً في الخارج بالبديهة. فالعرض إذن لا يتحقق وجوده إلاّ بمحلّ بعينه (2) يتحقق به وجوده الشخصي ويبطل بتبدّله ذلك الوجود، ولذلك يمتنع انتقاله عنه.

أمّا الشيء المحتاج في صفة غير الوجود إلى غيره من حيث طبيعة ذلك الغير، كالجسم المحتاج في التحيّز ـ لا في الوجود ـ إلى حيّز لا بعينه، فلا يمتنع أن ينتقل من حيّز بعينه إلى حيّز آخر يساوي الحيّز الأوّل في معنى الحيّز، وهكذا إذا تعيّـن مكان الواحد بالنوع، كان الواحد بالشخص من جملة ذلك النوع محتاجاً إلى أحد أجزاء حيّز ذلك النوع لا بعينه، ولذلك أمكن انتقاله إلى حيّز آخر.

وأيضاً الوجود الشخصيُّ الحاصل من سبب موجود معه يمكن أن تختلف شرائطه بحسب أزمنة مختلفة، كالهيولى المحتاجة إلى صورة لا بعينها، وذلك غير ما نحن فيه، فإنّ تشخّص الهيولى لا يتبدّل بتبدّل أشخاص الصورة، والعرض المعيّـن لا يكون ذلك العرض (3) عند تبدّل محلّه (4). وهذا وإن رجع إلى ما تقدم، لكن لابدّ


1 . ق: «يعد»، والصواب ما أثبتناه في المتن.
2 . ق: «معينه»، والصواب ما أثبتناه.
3 . م: «للعرض»، والصواب ما أثبتناه.
4 . نقد المحصل: 178، والجملة اللاحقة ليست فيه.


(291)

من البحث عنه.

فإنّ فيه نظراً; فإنّ قوله: «العرض هو الموجود الذي لا يتحقق وجوده الشخصي، إلاّ بما يحلُّ فيه»، إن قصد بذلك محلاً معيناً فهو المتنازع. وإن عنى به محلاً معيناً شخصياً بالشخص المنتشر(1) فهو مسلّم، لكنّ ذلك لا يمنع من انتقاله عنه. وليس الموضوع علّة فاعلية للعرض بحيث يمتنع فيها الإبهام، بل هو علّة قابلية، التي هي جارية مجرى الشروط، فجاز أن يدخله الإبهام، والمبهم من حيث إنّه مبهم ليس موجوداً في الخارج، أمّا من حيث هو هو لا باعتبار الإبهام ولا باعتبار التعيّـن، فإنّه موجود في الخارج، وهو الطبيعة النوعية التي هي جزء من الموجودات. والعرض الشخصي جاز أن يحتاج إلى موضوع مبهم، لا من حيث الإبهام، بل من حيث هو هو.

وقوله: «ما لا يكون موجوداً في الخارج لا يفيد وجوداً (2) في الخارج» مسلّم، لكن قد بيّنا أنّ الموضوع لا يفيد الوجود، بل يقبل العرض. ونمنع الفرق بين العرض والجسم، بأنّ الجسم لا يحتاج في وجوده ـ بل في تحيّزه ـ إلى المكان، والعرض يحتاج في وجوده إلى المحل، فجاز أن يحتاج العرض أيضاً في حلوله إلى المحل لا في وجوده. وكونه لا يوجد إلاّ حالاّ ً ثابت للجسم، فإنّه لا يوجد إلاّ متحيّزاً،. فإن جعل ذلك لازماً بعد تحقق الجسم فليجز جعل الحلول لازماً بعد تحقق العرض.

واعلم: أنّ الحكم بامتناع الانتقال على العرض كالبيّـن بذاته، فإنّ ما لا يمكن قيامه بذاته، ويمتنع استقلاله بالوجود منفرداً عن محل يوجد فيه، كيف يستقل بالانتقال.


1 . ق و م:«المتميز».
2 . في النسختين: «موجوداً».


(292)

البحث الرابع: في أنّ العرض هل يصحّ أن يقوم بعرض آخر أم لا؟

اختلف الناس في ذلك فذهب جمهور المتكلّمين إلى امتناعه، وأكثر الفلاسفة إلى جوازه، وهو قول معمّر (1) من المتكلّمين.

احتج المانعون: بأنّ معنى حلول الشيء في غيره، حصوله في الحيّز الذي حصل فيه تبعاً لحصول محلّه فيه، وليس على سبيل الاستقلال، فإذا لم يكن للمحل استقلال بالحصول في الحيّز، بل كان تابعاً لغيره، ساوى الحالّ فيه في الحلول في ذلك الحيّز على سبيل التبعيّة، فلم يكن كون أحدهما حالاّ ً والآخر محلاّ ً أولى من العكس، ولم يكن جعل أحد الحصولين تبعاً للآخر أولى من العكس. فإمّا أن يكون كل واحداً منهما قائماً بالآخر وهو محال، أو لا يقوم واحد منهما بالآخر وهو المطلوب، فيكونان معاً تابعين لثالث، فيكونان معاً حالّين في ذلك الثالث، فذلك الثالث إن كان عرضاً عاد البحث فيه، وإن كان جوهراً فهو المطلوب، فلابدّ من الانتهاء إلى محلّ جوهري يكون محلاً للجميع (2).

والجواب: ليس معنى الحلول ما ذكرتم، فإنّ الوجود زائد على الماهية، ولا يصح تفسير الحلول فيه بما ذكرتم. وللواجب نعوت يوصف بها، ولا يصحّ تفسير ما ذكرتم من الحلول فيه. وتوصف جميع الماهيات بصفات سلبية وإضافية، ولا يمكن تفسير الحلول فيها بما ذكرتم، ويلزم أن لا يكون ذات اللّه تعالى مؤثرة، فإنّ المؤثرية حاصلة بالنسبة إلى العالم، ولا يمكن وصفه تعالى بالعالم. وللجواهر


1 . مُعمّر بن عباد السلمي: معتزلي من أهل البصرة سكن بغداد (توفي 220هـ)، ومن أراد الوقوف على آرائه فليراجع الملل والنحل للشهرستاني 1:65ـ 66.
2 . المباحث المشرقية 1:256; ونقد المحصل: 178;شرح المواقف 5:32ـ33 وقد نقل فيه ثلاثة وجوه عن المانعين، والمذكور منها في متن المواقف وجهان.


(293)

المجردة صفات حالّة فيها، ولا يصحّ ما ذكرتم من تفسير الحلول فيها، بل معنى الحلول: اختصاص شيء بشيء بحيث يصير أحدهما منعوتاً بالآخر، فالناعت هو الحالّ والمنعوت المحلّ. وخصوصية ذلك الاختصاص غير معلومة، وإنّما نعرفها بلازمها.

وفي النقوض نظر، فإنّ مفهوم الاتّصاف مغاير لمفهوم الحلول، ولا شك في أنّ الماهيات تتصف بالسلوب والإضافات، لا على معنى حلول تلك السلوب والإضافات فيها، فلا يمكن النقض بها. بل الحق: أن قيام البعض بالبعض، وقيام البعض الآخر بالجوهر، لا يقتضي امتناع حلول العرض في العرض، ولا نفي وجوب الانتهاء إلى ما يقوم بالجوهر.

واحتج المجوّزون بوجوه (1):

الأوّل: السواد يشارك البياض في اللونية التي هي جنس لها، ويخالفه بفصل السوادية، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فاللونيّة صفةٌ مغايرةٌ للسوادية قائمة بها (2)، وهما موجودان، لعدم الواسطة بين الوجود والعدم، فاللونيّة عرض قائم بالسوادية.

الثاني: كون العرض حالاً في المحلّ ليس نفس العرض ونفس المحلّ، لإمكان تعقّلهما مع الذهول عن ذلك الحلول، وليس أمراً عدمياً، لأنّه نقيض اللاحلول، فهو صفة قائمة بذلك العرض. ثمّ الكلام فيه كالكلام في الأوّل. فهنا أعراض غير متناهية يقوم كل واحد منها بالآخر.

واعترض (3): بأنّ الوجهين المذكورين اُقيم فيهما الصفات مقام الأعراض،


1 . لاحظها في نقد المحصل: 178ـ 179; المباحث المشرقية 1:257.
2 . في النسخ: «بهما»، و الصحيح ما أثبتناه طبقاً للمعنى و المحصل.
3 . والمعترض هو الطوسي في نقد المحصل: 179.


(294)

والصفة ما لا يعقل إلاّ مع غيره، والعرض ما لا يوجد إلاّ في غيره. وقيام بعض الصفات ببعض لا يوجب قيام بعض الأعراض ببعض، واللونية جنس للسوادية، وهو جزء من مفهوم السواد، لأنّ السواد لون يقبض البصر، واللون أحقُّ بأن يكون موصوفاً، وكونه قابضاً للبصر أحقّ بأن يكون صفةً. والجنس لا يكون عرضاً قائماً بالنوع، ولا الجزء بالكل. وكون العرض حالاّ ً في محلّه إضافة لا وجود لها إلاّ في العقل، ولا يتسلسل، بل يقف عند وقوف العقل عن الاعتبار، وكون الحلول نقيضاً للاّحلول لا يقتضي وجود الحلول.

وفيه نظر; فإنّ كل واحد من المضافين لا يُعقل إلاّ مع صاحبه، ولا يصحّ وصفه به، والصفات القائم بعضها ببعض لا يصحّ أن تكون جواهر، ـ فإنّالجوهر لا يعقل أن يكون صفة لغيره ـ فيجب أن تكون أعراضاً ويلزم المطلوب.

الثالث: هنا أعراض يحصل بينها من الاختصاص ما يكون أحدها منعوتاً بالآخر مع امتناع اتّصاف الجسم بذلك الآخر، فيعلم أنّه حالّ في الأوّل، فإنّ كلّ عرض يحلُّ في محلّ فإنّه يفيد صفة لمحلّه، كالبطء، فإنّه أمر وجودي زائد على الحركة ووصف لها (1)، ويمتنع اتّصاف الجسم به، فإنّه لا يعقل أن يكون الجسم بطيئاً في جسميّته، فإذن البطء ليس وصفاً إلاّ للحركة. وكذا الأعراض، كل عرض منها موصوف بالوحدة، وهي عرض.والاستقامة والانحناء عرضان حالاّن في الخط. والنقطة عرض قائم بالخط لا بالجسم، إلاّ بواسطة.

واعلم: أنّ المتكلّمين لمّا نفوا الجواهر المجرّدة، وامتنع كون اللّه تعالى محلاّ ً لشيء من الأعراض، لا جرم صحّ لهم تفسير حلول العرض بما ذكروه، لكن أهملوا جواز توسط عرض بين الجوهر القائم بذاته وبين الحال في المتوسط، كما في السرعة والبطء مع توسط الحركة بينهما وبين الجسم.


1 . وقد ناقشه الإيجي بأنّ السرعة والبطء ليسا عرضين وأنّـهما من الأُمور النسبيّة، المواقف: 101.


(295)

البحث الخامس: في امتناع قيام العرض الواحد بمحلّين (1)

اختلف الناس في ذلك، فذهب أكثر المحصلين من الحكماء والمتكلمين إلى امتناعه، وذهب قوم من الفريقين إلى جوازه ووقوعه كأبي هاشم ومتابعيه من المتكلّمين، فإنّه قال بقيام التأليف (2) بمحلّـين، ومنع من قيامه بأكثر من محلين.وكجماعة من قدماء الأوائل (3) ذهبوا إلى أنّ الإضافات قائمة بكلا المضافين.

احتج الأوّلون بوجهين (4):

الوجه الأوّل: لو جاز في العقل أن يكون الحالّ في هذا المحلّ عين الحالّ في ذلك المحلّ الآخر، لجاز أن يكون الحاصل في ذلك المكان هو الحاصل في هذا المكان، فيكون الجسم الواحد حاصلاً في المكانين.

اعترض عليه أفضل المحققين: بأنّه قياس (5) العَرَض على الجسم الممتنع كونه في مكانين. ولو صحّ ذلك لقيل: يمتنع اجتماع عرضين في محل واحد قياساً على امتناع اجتماع الجسمين في مكان واحد، لكنّ اجتماع الأعراض الكثيرة في محل واحد ـ كالسواد والحركة والتأليف والحياة ـ ثابت عند جميع العقلاء.

وفيه نظر; فإنّه لم يستعمل القياس الظني هنا، بل ذكر ملازمة بين تجويز


1 . بأن تكون الحمرة ـ مثلاً ـ قائمة بمحلّ و نفسها قائمة بمحل آخر.
2 . ق: «التألف».
3 . أي الفلاسفة.
4 . راجع نقد المحصل: 181ـ 183; المباحث المشرقية1:258.
5 . في نقد المحصل:«قاس».


(296)

كون العرض في محلّين، وكون الجسم في مكانين، وبيانها: أنّ المشاهد لنا من الأجسام إنّما هي الأعراض، فإذا جوّزنا قيام العرض الواحد بمحلين جاز أن يكون العرضان المشاهدان في الجسمين عرضاً واحداً، وحينئذ يجوز أن يكون الجسمان واحداً، لأنّا إنّما حكمنا بتعددهما بواسطة تعدد العرضين، فإذا جوّزنا وحدتهما انتفى دليل كثرة الجسمين فجازت الوحدة حينئذ.

وأيضاً لو جاز أن يكون العرض القائم بهذا المحلّ هو العرض القائم بالمحل الآخر، مع أنّهما في حيّزين متباينين بالتبعيةـ لأنّ الإشارة إلى هذا العرض إنّما يمكن بالإشارة إلى محلّه ـ فإذا تعددت الأحياز والحيثيات والإشارات، وأمكنت الوحدة جاز ذلك في الأجسام، إذ لا مدخل لكون التحيّز والإشارة بالذات أو بالعرض في هذا الباب. والملازمة في قياس العرض على الجسم لو سلّم أنّه قياس بين حلول العرض في محلين، وبين اجتماع جسمين في حيّز واحد ممنوعة، والفرق ظاهر; لأنّ المقتضي للمنع هنا كون المانع من وحدة الحيّزين تمانع الجسمين، لوجوب كونه ذا مقدار وكون حيّزه مساوياً له في المساحة، وهذا المعنى مفقود في العرض.

الوجه الثاني: لو حلّ العرض الواحد في محلين، فإمّا أن يقال: إنّه قد انقسم حتى وجد كلّ جزء منه في جزء من موضوعه، وذلك مسلّم لا نزاع فيه، وليس محل النزاع، لأنّ المتنازع أنّ العرض الواحد مطلقاً هل يحلّ في محلين بأن يكون بجملته حالاّ ً في محلّ، وهو بجملته بعينه حالاّ ً في محل آخر. وما ذكرتموه ليس كذلك، بل هو حلول أعراض متعددة في محالّ متعددة، أُطلق عليها اسم الوحدة باعتبارما.

وإن حلّ العرض بجملته في محلّ، وحلّ بجملته في محلّ آخر، بحيث يكون الشيء الواحد بعينه موجوداً في كلا المحلّـين، لم يكن حال العرضين في الإثنينية


(297)

إلاّ كحال هذا العرض الواحد القائم بالمحلّين، فلا ينفصل الإثنان عن الواحد وهو محال.

احتج الآخرون بوجوه (1):

الأوّل : هنا أعراض واحدة كثيرة المحالّ، كالعدد والكلّية والكثرة.

لا يقال: إنّ تلك المحالّ المجموعة تعرض لها وحدة ثمّ تعرض لها باعتبار تلك الوحدة هذه العوارض.

لأنّا نقول: تلك الوحدة إن عرضت لها بعد عروض وحدة أخرى، لزم التسلسل، وإلاّ عاد السؤال.

الثاني: المضافان إن قام بكلّ واحد منهما إضافة على حدة، كان كل واحد منقطعاً عن الثاني، فلابدّ بينهما من رابط، وإذا لم يقم بهما عرض واحد لم يكن الربط حاصلاً.

الثالث: أنّ التأليف عرض واحد قائم بالمحلين، لأنّ عدم انفكاك (2) المؤلّف من الجوهرين ـدون المتجاورين ـ لابدّ له من علّة، فلو قامت تلك العلّة بكلّ واحد منهما لم يتعذّر انفكاكهما، فلابدّ من عرض يقتضي صعوبة التفكيك بين المؤلّفين، بخلاف المتجاورين (3)، وهذه حجة «أبي هاشم». ومنع من قيام هذا العرض بأكثر من محلّين، وإلاّ لجاز (4) أن يقوم بالحبل الواحد تأليف واحد، فإذا


1 . في النسخـتين: «بوجهيـن». لاحظ الوجــوه والجواب عنها في المباحث المشرقية 1:259; نقد المحصل: 182ـ 183.
2 . م: «الانفكاك» وهو خطأ.
3 . أي لا يصعب الانفكاك بين المتجاورين. واعلم أنّ أوّل من أثبت التأليف معنى يحلّ محلّين هو الشيخ أبو الهذيل، راجع التوحيد للنيسابوري: 101.
4 . م وق :«و إلاّ» ساقطة و هو من خطأ الناسخ.


(298)

أخذنا منه جزءاً وجب أن يُعدم التأليف القائم بالحبل، فتتفرق جميع أجزائه، وهو معلوم البطلان.

وأُجيب عن الأوّل: بأنّ لموضوعات الأعداد وحدة باعتبارها صارت موصوفة بتلك الصور العددية.

ويرد عليه: لزوم التسلسل، بل الوجه في الجواب: أنّ الوحدة أمر عقلي يلحقه العقل بالماهيات، فتصير تلك المعروضات لهذا اللحوق العقلي واحدة، فيصحّ حينئذ عليها (1) عروض هذه الأشياء الخارجية. على أنّا نمنع كون هذه الأشياء (2) بسائط، بل نمنع من الأصل كونها ثابتة في الخارج.

وعن الثاني: أنّ الرابط بينهما هي الوحدة النوعية، وهي غير حالّة في أحد الشخصين دون الآخر، فالمضافيّة مطلقاً أمر مشترك بين المضافين. فأمّا كون هذا مضافاً إلى ذلك، فغير موجود في الآخر، فإنّ أُخوّة زيد لعمرو ليست بعينهاّ أُخوّة عمرو لزيد، لأنّ الأُخوة التي لزيد بالنسبة إلى عمرو ليست ثابتة لعمرو، وإلاّ لكان عمرو أخاً لنفسه، وهو محال. وهذا في المضافات المتخالفة أظهر، فإنّ الأُبوة لا يمكن قيامها بالابن، وكذا البنوة لا يمكن قيامها بالأب.

وعن الثالث: بالمنع من كون علّة المنع من التفكيك هي التأليف القائم بمحلّين، بل صعوبة التفكيك مستندة إلى القادر المختار، بأن يلصق أحدهما بالآخر، فإنّ هذا أولى من التزام هذا المحال (3).


1 . ق: «فيصحّ في علّتها».
2 . ق وج: «الأُمور».
3 . وقد يجاب أيضاً بأنّ التأليف قائم بالمجموع من حيث هو مجموع ولا محذور فيه . شرح المواقف 5:54.


(299)

البحث السادس: في جواز بقاء الأعراض

اختلف الناس في ذلك (1)، فالذي عليه الإمامية وكافة المعتزلة (2) والأوائل(3) جواز البقاء عليها، وأنّ العلم به بديهي عند الأكثر منهم (4). وبعضهم ذهب إلى أنّه كسبي. ومنعت الأشاعرة من ذلك (5).

احتج الأولون على كونه بديهياً: بأنّ العلم البديهي هو الذي لا يفتقر إلى طلب وكسب، وإن استند إلى الحس وكما نعلم بالضرورة أنّ الشخص الذي شاهدناه طول أعمارنا هو الشخص الذي شاهدناه الآن، كذا نعلم بالضرورة أنّ السواد الذي شاهدناه طول أعمارنا في جسم معين هو الذي شاهدناه الآن فيه. ولو أخذ العقل يشك في أنّ كلّ آن يجب تجدّد عرض (6) مساو للأوّل،ويعدم الأوّل، لشك في أنّ كل شخص من أشخاص البشر يعدم ويوجد اللّه تعالى غيره مساوياً (7) له في جميع الصفات بحيث يحكم العقل بواسطة المساواة عند الحس


1 . لاحظ الآراء والاختلاف فيها في مقالات الإسلاميين: 358ـ 361.
2 . بل المعتزلة اختلفت في هذه المسألة، والشاهد عليه اختلاف أقوالهم فيها الواردة في كتبهم وكتب الملل والنحل.
3 . والكرامية، راجع أُصول الدين للبغدادي: 50.
4 . وادعى أبو الحسين [البصري] الضرورة في بقاء بعض الأعراض، أنوار الملكوت: 26.
5 . ووافقهم «النظام» و «الكعبي» من قدماء المعتزلة، قال الأشعري في كتاب مقالات الإسلاميين 358: وقال قائلون: إنّه لا عرض إلاّ الحركات وأنّه لا يجوز أن تبقى، والقائل بهذا «النظّام» وقال البغدادي: فأحاله من أصحابنا الكعبي، أُصول الدين: 50 وقال الرازي: الحق عندي: أنّ الأعراض يجوز البقاء عليها. أُصول الدين: 37.
6 . م: «يتجدد عرضاً».
7 . في جميع النسخ: «مساو»، أصلحناها طبقاً للسياق.


(300)

بوحدتهما، فلا يحصل الوثوق بأنّ أبا الشخص أو أخاه، أبوه أو أخوه، بل مساو لهما (1) وهذا عين السفسطة. وكما حكمنا بالوحدة في الأجسام، فكذا في الأعراض، بل هنا أولى، لأنّه لا نزاع في أنّا نحس باللون، وأكثر الناس منعوا من رؤية الجسم، فلو جاز القدح في اللون كان في الجسم أولى.

واحتج من جعله كسبياً: بأنّ العرض قبل وجوده ممكن الوجود وقت وجوده لذاته، وإلاّ لكان ممتنعاً لذاته فكان لا يوجد، هذا خلف.

وإذا ثبت أنّه ممكن الوجود لذاته حال وجوده فلا يخلو:

إمّا أن يبقى إمكانه الذاتي في ثاني (2) الحال، أو لا يبقى. والثاني محال، وإلاّ لزم انتقال الشيء من الإمكان الذاتي إلى الامتناع الذاتي وهو محال بالضرورة. ولأنّه يستلزم نفي الصانع تعالى; لأنّه كما جاز الانتقال من الإمكان الذاتي إلى الامتناع الذاتي، جاز أن ينتقل من الإمكان الذاتي إلى الوجوب الذاتي، والواجب مستغن عن المؤثر، فيلزم الاستغناء عن المؤثر، بل ولا يبقى وثوق بشيء من القضايا(3)العقلية، لأنّ أجلاها الحكم بأنّ الشيء، إمّا واجب لذاته لا ينتقل عن وصفه هذا، أو ممكن لذاته كذلك، أو ممتنع لذاته كذلك، فتعيّـن الأوّل وهو أنّه: إذا كان ممكناً لذاته في وقت كان ممكناً في كل وقت، فكل ممكن الوجود ممكن البقاء وهو المطلوب.

وفيه نظر; فإنّا نمنع أنّ كل ممكن الوجود ممكن البقاء، ولا يلزم من كون الشيء ممكناً في الزمن الأوّل كونه ممكناً في الزمن الثاني عقيب وجوده في الزمن الأوّل. ولا يلزم من نفي ذلك انتقال الشيء من الإمكان الذاتي إلى الامتناع الذاتي،


1 . م: بزيادة «بواسطة» بعد «لهما».
2 . ق: باقي».
3 . م: «الصفات».


(301)

فإنّ من الموجودات ما يمتنع عليه البقاء كالحركة والزمان، ولا يلزم انتقالها من الإمكان إلى الامتناع. والأصل فيه: أنّ من الممكنات ما يمكن وجوده في كل وقت آناً واحداً، ولا يمكن بقاؤه وإمكان البقاء غير إمكان الوجود. وكل وقت يمكن وجود هذا العرض ابتداءً ولا يمكن استدامته، فالامتناع الذاتي راجع إلى الاستدامة، وهي مغايرة للابتداء الممكن الذاتي، ولا انتقال من جهة الإمكان إلى جهة الامتناع، فالتعويل إذن ليس إلاّ على قضاء البديهة به.

احتج الأشاعرة بوجهين (1):

الوجه الأوّل: لو صحّ بقاء الأعراض لزم قيام العرض بالعرض، والتالي باطل فالمقدم مثله.

بيان الشرطية: أنّ البقاء عرض على ما يأتي، فلو اتّصف العرض به لزم قيام العرض بالعرض، وبيان بطلان التالي ما تقدم (2).

الوجه الثاني: لو صحّ بقاء العرض لامتنع عدمه، والتالي باطل فالمقدم مثله.

بيان الشرطية: أنّ عدمه بعد البقاء، إمّا أن يكون واجباً لذاته، أو ممكناً، أو ممتنعاً لذاته. والأوّل باطل، وإلاّ لانقلب الشيء من الإمكان الذاتي إلى الوجوب الذاتي، ومن الإمكان الذاتي إلى الامتناع الذاتي، وهو معلوم البطلان.

والثاني محال أيضاً، لأنّ كلّ ممكن وقع فله سبب، وهو إمّا وجودي أو عدمي، والوجودي إمّا أن يكون موجباً كما يقال: إنّه يفنى بطريان الضد، أو مختاراً. والأوّل محال; لأنّ طريانَ الضد على المحل مشروط بعدم الضد الأوّل عنه،


1 . لاحظ نقد المحصل: 180.
2 . آنفاً في البحث الرابع. و قال أبو اسحاق إبراهيم بن نوبخت: «والأعراض لا يصحّ عليها الانتقال والبقاء، لأنّهما عرضان، والعرض لا يقوم بالعرض». أنوار الملكوت: 26.


(302)

فلو عُلّل عدم الضد الأوّل بطريان الضد الثاني لزم الدور. وأيضاً التضاد حاصل من الطرفين، فليس بان (1) يُعدم الباقي بطرو الطارئ، أولى من أن يندفع الطارئ بوجود الباقي (2).

لا يقال: بل عدم الباقي أولى لوجوه:

الأوّل: لو عدم الطارئ حال وجوده كان موجوداً معدوماً دفعةً، وهو محال.

الثاني: الحادث حال طروه متعلّق بالسبب (3) بخلاف الباقي، فإنّه مستغن عنه.

الثالث: يجوز أن يكون الطارئ أكثر عدداً، فإنّ السوادين أقوى من الواحد، فإذا فرض جزء من البياض وطرأ عليه جزءان من السواد أعدماه.

لأنّا نقول : إنّ الطارئ، لسنا نقول: إنّه يوجد ثم يُعدم في تلك الحال، بل نقول: إنّه لا يوجد البتة بسبب ضده الباقي، وذلك غير محال.

ونمنع (4) استغناء الباقي . وأيضاً عند المعتزلة، الشيء حال حدوثه مستغن عن السبب.

والجمع (5) بين الأمثال محال.

والثاني (6) محال أيضاً، لأنّ العدم لا يصحّ إسناده إلى الفاعل المختار; لأنّه عند الإعدام، إمّا أن يكون قد صدر عنه أمر أو لا ، فإن صدر فتأثيره في تحصيل أمر وجودي ـ هو ذلك الأمر الصادرـ لا في أمر عدمي، وهذا يكون إيجاداً لا


1 . م:«ما».
2 . ق: «الثاني» وقال في المواقف: 102:« بل الدفع أهون من الرفع».
3 . في جميع النسخ:«السبب»،و الصحيح ما أثبتناه طبقاً للمعنى.
4 . هذا جواب عن الوجه الثاني.
5 . هذا جواب عن الوجه الثالث.
6 . بأن يكون السبب وجودياً ومختاراً.


(303)

إعداماً، وكلامنا إنّما هو في الإعدام.

وأيضاً ذلك الأمر (1) إن كان منافياً لذلك الباقي، كان عدم الباقي معللاً بطرو ذلك الأثر على المحل، وهو خروج عن هذا القسم. وإن لم يكن منافياً لم يلزم من وجوده عدم ذلك الباقي، وهو معارض بنفس العدم.

وإن لم يصدر عنه (2) أمر فهو محال، لأنّ القادر إذا فعل فلابدّ له من أثر، فإذا لم يكن له أثر لم يكن مؤثراً. ولأنّه حينئذ إذا لم يصدر عنه أمر كان حاله بعد الإعدام كحاله قبله، وكما أنّه قبل الإعدام لم يكن معدماً، فكذا بعده، فلا يكون المعدم معدماً، هذا خلف.

وأمّا إن كان السبب عدمياً، وذلك بأن ينتفي لانتفاء شرطه، لكن شرط العرض الجوهر، والجوهر باق، والكلام في عدمه كالكلام في عدم العرض، ويلزم التسلسل. وأيضاً ذلك الشرط إن كان باقياً كان الكلام في عدمه كالكلام في عدم العرض، فيلزم التسلسل. فإن كان غير باق، فهو باطل بحصول الاتّفاق على أنّ حصول اللون (3) في المحلّ غير مشروط بقيام شيء من الأعراض التي لا تبقى بالمحل. فثبت أنّه لو كان باقياً لامتنع عدمه، لكنّ التالي باطل قطعاً فالمقدم مثله.

والجواب عن الأوّل: نمنع كون البقاء عرضاً وسيأتي. سلّمنا، لكن نمنع امتناع قيام العرض بمثـله، وقد بيّنا بطلانه وبطلان أدلتهم فيه.

وعن الثاني: نمنع استحالة كون عدمه واجباً بعد بقائه في زمن معين، فإنّه من الجائز أن يبقى أزمنة كثيرة، ثمّ ينتهي إلى زمان يصير فيه ممتنع الوجود لذاته، كما أنّه عندكم جائز الوجود في الزمان الأوّل، ثمّ انقلب ممتنعاً في الزمان الثاني، وحينئذ يستغني عن السبب.


1 . م وج: «الأثر».
2 . ج: «عن».
3 . ق: «الكون».


(304)

سلّمنا، لكن لِمَ لا يستند إلى الموجب ؟ قوله: «طريان الضد على المحل مشروط بعدم الضد الأوّل، فلو علل عدم الضد الأوّل بطريان هذا الضد دار» (1)، دعوى خالية عن البرهان، فللقائل أن يقول: بل عدم الضد الأوّل معللٌ بطريان الضد على المحل، وليس أحد القولين راجحاً على الثاني، بل لابدّ من الدليل.

سلّمنا، لكن لِمَ لا يجوز أن يكون أولى وإن كنّا لا نعرف سبب الأولوية.

سلّمنا، لكن لِمَ لا يستند إلى الفاعل المختار؟ قوله: «العدم إن صدر عنه أمر، فتأثيره في تحصيل أمر وجودي ممنوع»; فإنّا نقول: إنّ تأثيره في أمر متجدّد، وهو يصدق مع إيجاد المعدوم وإعدام الموجود، فإنّ الإعدام المتجدّد يصدق عليه أنّه أمر متجدد،فإنّ الممكن هو الذي يتساوى طرفاه بالنسبة إليه، فإذا حصل معه ترجيح أحد الطرفين وجب حصول ذلك الطرف، سواء كان وجوداً أو عدماً، وإلاّ لما كان الطرفان متساويين بالنسبة إليه، وذلك الأثر إعدام (2) مناف لا إيجاد، فلا يكون ضداً.

سلّمنا، لكن لِمَ لا ينتفي لانتفاء شرطه؟

قوله : «شرطه الجوهر وهو باق، والكلام في عدمه كالكلام في عدم العرض».

قلنا: لا نسلّم انحصار الشرط في الجوهر، فجاز أن تكون الأعراض الباقية مشروطة بأعراض تتجدد عليها غير باقية متعاقبة، إذا انقطعت عدمت الأعراض الباقية المشروطة بها، ولا يبقى في دفع هذا الاحتمال إلاّ الاستقراء، وهو إنّما يفيد الظن دون القطع.


1 . ج: «كان دوراً».
2 . ق وج: «إعدامه».


(305)

وتحقيقه: أنّ الجوهر قابل، فربّما احتاج تأثيرفاعله فيه إلى وجود شرط آخر، كالشمس الفاعلة لإضاءة وجه الأرض بشرط المحاذاة، فإنّ المحاذاة إذا عدمت لم يبق وجه الأرض مضيئاً، وإن كان الفاعل والقابل موجودين (1).

البحث السابع: في انقسام العرض بانقسام محله (2)

أمّا المتكلّمون القائلون بانقسام الأجسام إلى الجواهر الأفراد، فإنّ هذا الحكم ظاهر عندهم، لأنّ الحالّ في أحد الأجزاء غير الحالّ في الآخر، لاستحالة أن يكون هوهو بعينه، لامتناع حلول الواحد المطلق في محلين.

وأمّا الأوائل القائلون بوحدة الجسم وأنّه قابل للانقسام، فاستدلوا على هذا الحكم (3): بأنّ الجسم ذا القوة البسيطة، إمّا أن تكون تلك القوة حاصلة في جسميته أو أطرافه، كالبياض والضوء، أو لا في جسميته ولا في أطرافه. فإن لم تكن في جسميته ولا في أطرافه فليس موجوداً فيه، وإن كان في جسميته أو في أطرافه، فأيّ جزء أخذته من الجسمية، إن لم تُوجد تلك القوة فيه كان ذلك الجزء خالياً عن القوة، فليس ذلك الجسم بكلّيته فيه تلك القوة، بل في بعض من ذلك الجسم دون بعض. وكذا البحث في الأطراف المنقسمة، وإن كانت في طرف غير منقسم، كالنقطة لم توجد في الجسم الكري; لأنّ النقطة لا توجد إلاّ بعد الحركة التي هي بعد القوة التي هي في النقطة، والشيء لا يتأخر عن نفسه.


1 . نقد المحصل: 181.
2 . اُنظر البحث في المباحث المشرقية1:259ـ265. وقال الطوسي في تجريد الاعتقاد: «وأمّا الانقسام فغير مستلزم في الطرفين»، فليلاحظ شرح كلامه في كشف المراد: 103ـ 104;شرح القوشجي في هذه المسألة.
3 . المستدل هو الشيخ ابن سينا في المباحثات:196.


(306)

وإن وجد في كل واحد من أجزاء الجسم القوة، فإمّا أن تحصل تلك القوة بتمامها في كل واحد من الأجزاء (1) ، فتكون للحالّ الواحد محالّ كثيرة، وهو مُحال، أو يُوجد في كل جزء من المحل جزء من الحالّ، وهو يقتضي انقسام الحال لانقسام المحل. ولا يرد بالشكل(2) حيث يقال: إنّه يوجد بتمامه في الجسم ولا يوجدفي أجزائه، لأنّ أجزاء الشكل (3) ليست مساوية لكله في الماهية، لأنّ الشكل (4)تركيباًما.

وفيه نظر; فإنّا نمنع عدم الحلول في الجسمية إذا لم يكن حالاّ ً في أجزائها، فإنّه المتنازع، وهذا كالإضافة، فإنّ الأُبوة قائمة بذات الأب لا بأجزائه، ونمنع أنّ النقطة لا توجد إلاّ بعد الحركة، فقد تكون هناك أسباب أُخر.

قيل: النقطة عرض فلها موضوع، فإن لم يكن متحيّزاً لم تكن النقطة مشاراً إليها إشارة حسية، ولا (5)كانت من ذوات الأوضاع وهو محال. وإن كان متحيّزاً انقسمت بانقسامه، لأنّ كل متحيّز عندهم منقسم.

وأُجيب: بأنّ الموجب للانقسام إنّما هو حلول السريان، لا مطلق الحلول، فإنّ الحلول قد يكون حلول السريان، كاللون الشائع (6) في سطح الجسم، فإنّ كلّ جزء نفرضه في السطح يوجد فيه شيء من اللون. وقد لا يكون كالنقطة الحالّة في الجسم، فإنّها لا يجب انقسامها بانقسام محلها، وهكذا الإضافات فليس في نصف الأب نصف الأُبوة.

قيل: إنّ التحقيق هنا أن يقال: الحالّ قد يكون بحيث لا يقتضي انقسامه


1 . م: «أجزاء الجسم».
2 . في النسخ: «الكل»،و الصحيح ما أثبتناه طبقاً للمعنى و عبارات المحصل.
3 . في النسخ: «الكل»،و الصحيح ما أثبتناه طبقاً للمعنى و عبارات المحصل.
4 . في النسخ: «الكل»،و الصحيح ما أثبتناه طبقاً للمعنى و عبارات المحصل.
5 . في النسخ:«و إلاّ»، و لعلّ الصواب ما أثبتناه طبقاً للمعنى.
6 . أي المنتشر في سطح الجسم.


(307)

انقسام المحل، وقد يكون بحيث يقتضي. والأوّل هو الحالّ الذي لا ينقسم إلى أجزاء متباينة في الوضع كالسواد المنقسم إلى جنسه وفصله (1)، وكأشياء كثيرة تحلّ محلاً واحداً كالسواد والحركة مثلاً، فإنّهما لا يقتضيان انقسامهما(2) إلى هذين النوعين انقسام المحل إلى جزء أسود غير متحرك، وإلى جزء آخر متحرك غير أسود. والثاني هو الحالّ الذي ينقسم إلى أجزاء متباينة في الوضع كالثلاثة، فإنّها تنقسم إلى عرضين متباينين في المحلّ والوضع.

والمحلّ أيضاً قد يكون بحيث لا يقتضي انقسامه انقسام الحال، وقد يكون بحيث يقتضي. والأوّل هو المحل المنقسم إلى أجزاء غير متباينة في الوضع، كالجسم المنقسم إلى جنسه وفصله، أو إلى مادته وصورته، والمحل الذي ينقسم إلى أجزاء متباينة في الوضع ولكن لا يحلّ (3) فيه الحالّ من حيث هو ذلك المحلّ، بل من حيث لحوق طبيعة أُخرى به كالخط، فإنّ النقطة لا تنقسم بانقسامه، لأنّها لا تحله من حيث هو خط بل من حيث هو متناه، وكالسطح فإنّ الشكل (4) لا يحلّ فيه من حيث هو سطح، بل من حيث هو ذو نهاية واحدة أو أكثر، وكالجسم فإنّ المحاذاة التي هي إضافة مثلاً لا تحله من حيث هو جسم، بل من حيث وجود جسم آخر على وضع ما منه، وكالأجزاء فإنّ الوحدة لا تحلّها من حيث هي أجزاء، بل من حيث هي مجموع.

والثاني هو المحلّ الذي يحلّ فيه شيء من حيث هو ذلك الشيء القابل للقسمة، كالجسم الذي يحلّ فيه السواد أو الحركة أو المقدار .


1 . وهما الأجزاء العقلية.
2 . م: «أنفسهما»، و هو خطأ.
3 . ق: «ينحل».
4 . م: «الكل».


(308)

البحث الثامن: في امتناع كون الشيء الواحد جوهراً وعرضاً (1)

زعم بعض من لا مزيد تحصيل له من الأوائل: أنّ الشيء قد يكون بعينه جوهراً وعرضاً (2)، واحتجوا عليه بوجوه:

الأوّل: فصول الجواهر مقوّمة لها، ومتقدمة عليها، وعلل فيها، فتكون جواهر، لأنّ مقوّم الجوهر والمتقدم عليه والعلّة فيه، يجب أن يكون جوهراً; لاستحالة تقوّم الجوهر ـ المتقدم على العرض ـ بالعرض، وإلاّ لتأخر عنه. ثمّ إنّ الحكماء قالوا للفصول: إنّها كيفيات، والكيفيات أعراض، فالفصول إذن جواهر وأعراض، فالشيء الواحد جوهر وعرض معاً.

الثاني: الحرارة جزء من الحار، والحار هو جوهر، والحرارة جزء الجوهر، وجزء الجوهر جوهر، فالحرارة بالنسبة إلى الحار من حيث هو حار جوهر، لكنّها بالنسبة إلى الجسم القابل لها عرض، فهي جوهر وعرض بالنسبة إلى أمرين.

الثالث: العرض في المركب كجزء منه كالبياض في الأبيض، وكل ما هو في الشيء كجزء منه لا يكون عرضاً فيه، وكل ما لا يكون عرضاً في الشيء كان جوهراً فيه، لكنّه بالنسبة إلى الجسم القابل له عرض، فالشيء الواحد جوهر وعرض معاً.

الرابع: الصور الجوهرية المعقولة حالّة في النفس لا كجزء منه، فتكون


1 . راجع الفصل السادس من المقالة الأُولى من مقولات الشفاء (في افساد قول من قال: إنّ شيئاً واحداً يكون عرضاً و جوهراً من وجهين).وقد أجاد صدر المتألهين الكلام في هذه المسألة وتعرض لمعظم الأقوال والأدلّة وجعل الحكم بالامتناع فيها من البديهيات وقال:« هذا الحكم ممّا يعرف صدقه ضرورة بملاحظة مفهوم الجوهر والعرض ... وقد جوز ذلك قوم من القدماء والشيخ الرئيس استبعده». الأسفار 4:280.
2 . وقد نسب هذا القول إلى «فرفوريوس»، راجع القبسات:40.


(309)

عرضاً بالنسبة إلى النفس، لكنّها لو وجدت في الخارج كانت لا في موضوع فتكون جواهر، لأنّا لا نشترط في الجوهر كونه في الحال موجوداً لا في موضوع، بل متى وجد كان وجوده لا في موضوع.

والجواب عن الأوّل: أنّ الكيفية تقال على المقولة، وعلى الفصول بالاشتراك اللفظي، فلا يجب أن تكون فصول الجواهر أعراضاً تخرج عن حقائقها باعتبار وضع اسم الكيفية لها.

وعن الثاني: أنّ الحار عبارة عن الشيء ذي الحرارة، ولا يلزم من كون ذلك الشيء جوهراً أن تكون الحرارة جوهراً.

قوله: الحرارة جزء من الحار، والحار جوهر.

قلنا: إن أردتُم بذلك أنّ الحرارة جزء من مفهوم الحار من حيث هو حار، أعني المجموع المركب من الشيء ذي الحرارة والحرارة، فهو مسلّم، لكن نمنع صدق الكبرى، فإنّ المفهوم المركب من الجوهر والعرض عرض. وإن أردتم أنّ الحرارة جزء من مفهوم ذات الحار لا من هذه الحيثية، منعناه.

وعن الثالث: بالمنع من كون «كل ما لا يكون عرضاً في الشيء يكون جوهراً فيه»، ومسلّم «أنّ كلّ ما هو في الشيء كجزء منه لا يكون عرضاً فيه»، والبياض إذا أُخذ جزءاً من المركب، أعني الأبيض، لا يكون عرضاً في الأبيض الذي هو مركب من الجسم ومن البياض، بل هو عرض في الجسم المعروض للبياض الذي هو جزء آخر من المركب، وليس من شرط كون العرض عرضاً، أن يكون حصوله في جميع الأشياء حصول العرض في الموضوع، حتى يلزم أنّه إذا لم يكن في المركب كون العرض في الموضوع أن يصير جوهراً، بل من شرط الجوهر أن لا يكون في موضوع أصلاً، فالبياض وإن لم يكن وجوده في الأبيض الذي هو المركب وجودَ العرض في الموضوع، إلاّ أنّه بالنسبة إلى المحل الذي هو الجسم، وجوده في


(310)

موضوع، وذلك يكفي في حصول العرضيّة. فشرط الجوهريّة البراءة عن جميع الموضوعات. والعرضيّة تتحقق لأجل التعلّق بموضوع واحد، فالعرض في المركب وإن لم تكن عرضيته حاصلة من هذا الوجه، لكنّه عرض باعتبار تعلّقه بالموضوع.

قيل (1)، في توجيه هذا الأمر (2): إنّه إذا حلّ شيء في شيء فإنّه يكون لذلك الحالّ اعتباران، أحدهما: أنّه في ذلك المحل، والثاني: اعتبار أنّه في ذلك المجموع(3)، كالحرارة الحالّة في الجسم، فإنّ لها اعتباراً بالنسبة إلى الجسم لأنّها (4) فيه، واعتباراً بالنسبة إلى المركب بأنّها في الحارّ (5).

فأمّا الاعتبار الثاني: وهو اعتبار كون الحرارة في الحار، فظاهر أنّه لا يوجب العرضية، لأنّ الحرارة جزء من الحار، ومن شرط العرض أن لا يكون جزءاً من الموضوع.

وأمّا الاعتبار الأوّل، وهو اعتبار كون الحرارة في المحل، فنقول: لا يخلو إمّا أن يعقل محل يتقوّم بما يحلّ فيه، أو لا يعقل ذلك، والأوّل باطل.

أمّا أوّلاً: فلأنّ الحال يحتاج في وجوده إلى المحلّ، فلو احتاج المحلّ في وجوده إلى الحالّ لزم الدور.

وأمّا ثانياً: فلأنّ هيولى العناصر مشتركة بين صورها، فلو كان لوجود شيء من صور العناصر مدخل في تتميم وجود الهيولى، لزم ارتفاع الهيولى عند ارتفاع (6)


1 . وهو الرازي في المباحث المشرقية 1:266. وقد استغرب صدر المتألهين في (الأسفار 4: 283) توجيه الرازي.
2 . م: «الوجه».
3 . م: «الموضوع».
4 . م: «فانهّا».
5 . والعبارة مشوشة في المتن ولعلّ الصواب ما أثبتناه.
6 . ق: «ارتفاع» ساقطة.


(311)

تلك الصورة، فحينئذ لا تكون الهيولى مشتركة.

ويوضح ذلك: أنّا نرى الحيوانية إذا عدمت فإنّه لا تعدم جسمية بدن ذلك الحيوان (1)، فلا تكون تلك الجسمية متقوّمة بالصورة الحيوانية. فظهر امتناع تقوّم شيء من المحالّ بشيء ممّا يحلّ فيه(2). فإذن كلّ حالّ بالنسبة إلى محلّه عرض. فأمّا أن يقال: إنّه عرض مطلقاً، حتى يكون هو بالنسبة إلى المركب عرضاً، فحينئذ يبطل الفرق بين الصورة والعرض، وذلك مخالف للإجماع المنعقد بين العلماء.

وأيضاً فإنّ جوهر الشيء في اللغة عبارة عن أصله، والعرض هو الذي يكون عارضاً، فلابدّ وأن يكون خارجاً (3)، ومعلوم أنّ الحرارة بالنسبة إلى الحار من حيث هو حار داخلة فيه، فيصحّ أن يقال: إنّها داخلة في جوهر الحار، وهي بالنسبة إلى الجسم القابل لها غير داخلة فيه، بل خارجة عنه عارضة له فيكون عرضاً بالنسبة إليه، فصحّ كون الشيء جوهراً وعرضاً.

وهذا الكلام على طوله لا فائدة فيه، فإنّه يقتضي أن لا يكون في الوجود عرض على الإطلاق، بل يكون جوهراً وعرضاً، ويقتضي خروج الحقائق عن اصالتها (4) وجعلها اعتبارات وألفاظاً لا تأصل لها في نفس الأمر.

ثمّ الاستدلال في هذا المطلب العقلي القطعي باتفاق العلماء وإجماعهم ووضع أهل اللغة، من أغرب الأشياء وأعجبها. والدور يلزم لو اتحدت جهة الحاجة، أمّا لو تعددت فلا، وهنا الجهة متعددة، لأنّ الحالّ يحتاج إلى محل معيّـن، والمحل يحتاج إلى صورة ما، لا إلى صورة معينة، لأنّ تعيّنها إنّما هو باعتبار مقارنة


1 . والعبارة في المباحث المشرقية كذا: «فإنّه لا تعدم جسميته بدون تلك الحيوانية»، وفي ق أيضاً: «جسميته».
2 . أو «فيها» ليعود الضمير إلى «المحالّ».
3 . وفي النسختين: «عارضاً»، أصلحناها وفقاً لعبارات الرازي.
4 . ق وج: «أصلها».


(312)

الأعراض المادية بها، وبهذا الاعتبار لا ترتفع الهيولى بارتفاع الصور الشخصية، وإنّما ترتفع بارتفاع مطلق الصورة الكلّية، ولا يرتفع البدن بارتفاع الصورة الحيوانية، بل ترتفع صورته ويلبس غيرها.

والحق امتناع ذلك، فإنّ معنى الجوهر هو الغنيّ في وجوده عن الموضوع، والعرض هو المحتاج إلى الموضوع في وجوده، فلا يمكن اجتماعهما في شيء واحد. ولأنّ مثل هذا العرض الذي أثبتّموه مفتقر إلى الموضوع، لوجوب وجود هذه الخاصة (1) في كل عرض، فإن جعل موضوعه نفسه، كان الشيء حالاّ ً في نفسه، وهو محال غير معقول، وإن جعل غيره كان الجوهر محتاجاً إلى الموضوع، لأنّ التقدير أنّه شيء واحد هو جوهر وعرض، وبالجملة فالضرورة قاضية بامتناع ذلك.


1 . م: «الحاجة».


(313)

الفصل الثالث:

في أقسام الأعراض على رأي الأوائل

وفيه مقدمة ومقالات:

والمقدمة في تقسيمها (1):

قسّم الأوائل العرض إلى تسعة: الكم والكيف والمضاف والأين والمتى والوضع والملك وأن يفعل وأن ينفعل. وجعلوها أجناساً عالية لكل عرض، كما جعلوا الجوهر جنساً عالياً لكل جوهر، فالممكنات إذن كلّها داخلة تحت هذه المقولات العشر. (2) وهذا يحتاج (3) إلى بيان كون كلّ واحد منها جنساً عالياً،


1 . م: «تقدرها».
2 . هذا ما ذهب إليه أرسطو ومن تابعه من حكماء المشائين، انظر كتاب المسمّى «قاطيغورياس» أي «المقولات» من كتاب منطق أرسطو 1: 35; كتاب «طوبيقا» أي «الجدل» من منطق أرسطو 2:502. وقال الشيخ الرئيس: «وأمّا نحن فلا نتشدّد كل التشدّد في حفظ القانون المشهور من أنّ الأجناس عشرة.» راجع الفصل الثاني من المقالة الثانية من الفن الأوّل من طبيعيات الشفاء.
وقد خالفهم المتكلمون في أقسامه أيضاً راجع المواقف 97; أُصول الدين للبغدادي: 40. وقال الطوسي: «والأعراض عند أكثر المتكلمين أحد وعشرون نوعاً، وعند بعضهم ثلاثة وعشرون نوعاً». راجع كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد:89.
3 . م: «لا يحتاج».


(314)

وانحصار الممكنات فيها وكيفية انقسامها إلى أنواعها، وإنّما يتم كونها أجناساً إذا ثبت أُمور خمسة:

الأمر الأوّل: جعل الأقسام التي هي تحت كل واحدة من هذه العشرة مشتركة في أمر ما، وهو ظاهر، فإن أقلّ مراتب الجنس أن يكون مشتركاً بين أنواعه.

الأمر الثاني: أن نبيّـن كون جهة الاشتراك أمراً ثبوتياً، فإنّ الصفات السلبية لا يصحّ جعلها أجناساً.

الأمر الثالث: أن يكون المشترك مقولاً على ما تحته بالتواطؤ، لامتناع قبول الجزء التفاوت.

الأمر الرابع: أن يكن ذاتياً، لأنّ الجنس جزء الماهية.

الأمرالخامس: أن يكون كمال الذاتي المشترك، لأنّ الفصل ذاتي، وليس كمال الذاتي المشترك.

وإنّما يتم كونها عالية لو لم يوجد اثنان منها تحت مقولة واحدة، ولا برهان لهم على ذلك. ونقل بعض القدماء أنّ مقولتي الفعل والانفعال مندرجتان تحت الكيفية; فإنّ التسخين والتسخن نفس السخونة. وهو خطأ فإنّ التسخن طلب السخونة، ويستحيل طلب الشيء نفسه.

وذهب آخرون منهم (1) إلى أنّ المقولات العالية أربع لا غير: الجوهر و الكم والكيف والنسبة وجعل النسبة جنساً للسبعة (2) النسبية.

وبعضهم أخرج الوضع عن النسبة; لأنّه ليس نفس النسبة، فإنّه عرض


1 . وقد نسب هذا القول إلى «عمر بن سهلان الساوجي» صاحب البصائر النصيرية في المنطق. قال صدر المتألهين:« ومن الناس من جعل المقولات أربعاً، ووافقهم صاحب البصائر. وصاحب المطارحات جعلها خمسة». الأسفار 4:4.
2 . ق: هي وطرفاها ساقطة، وفي المباحث المشرقية: «للست الباقية» 1:271.


(315)

يحصل للجسم بسبب نسبة بين أجزائه بعضها إلى بعض، ونسبة أجزاءه إلى الأُمور الخارجة عنه.

وبعضهم جعل المضاف جنساً للستّة الباقية من النسب، وهو غلط; فإنّ المضاف يعتبر فيه التكرير بخلاف باقي النسب.

وإنّما يتمّ الحصر لو لم يوجد جنس خارج عنها، ولا برهان عليه سوى الاستقراء.

واعترض بأنّ هنا أُموراً خارجة عن هذه العشرة، كالوحدة والنقطة والآن والوجود والشيئية وغيرها من الاعتبارات العامّة والحركة فإنّها خارجة عن المقولات العشر، وأعدام الملكات كالجهل والعمى، وجميع مفهومات المشتقات كالأبيض، فإنّ المفهوم منه أنّه شيء ما ذو بياض، وفهم هذا لا يتوقف على فهم كونه جوهراً، لأنّه لا يمتنع أن يكون الشيء والبياض عرضين، فلا يكون مفهوم الأبيض داخلاً تحت جنس الجوهر، وليس داخلاً تحت مقولة الكيف لأنّ الداخل تحت الكيف هو البياض، وليس كلامنا فيه، بل في الأبيض، ولا داخلاً تحت مقولة أُخرى منها وهو ظاهر، فإذن مفهوم الأبيض خارج عن المقولات العشر.

وأُجيب: بأنّ الآن لا وجود له بالفعل، وكلامنا في الأُمور الوجودية. وكذا أعدام الملكات.

والوحدة والنقطة قيل: إنّهما داخلتان تحت مقولة الكيف، لأنّهما (1) أعراض لا يتوقف تصوّرها على تصوّر شيء خارج عن حاملها، ولا تقتضي قسمة ولا نسبة في أجزاء حاملها.

وجعلهما بعضهم من الكم، وهو غلط; لأنّ الكم هو الذي يقبل المساواة واللامساواة، وذلك غير صادق على الوحدة والنقطة.

وقيل: إنّهما (2) داخلة تحت مقولات كثيرة باعتبارات مختلفة، فالنقطة من


1 . ق و م: «انّها»، و لعلّ الصواب ما أثبتناه من ج.
2 . ق و م: «انّها»، و لعلّ الصواب ما أثبتناه من ج.


(316)

حيث هي طرف من المضاف، ومن حيث إنّها هيئة ما من الكيف، وذلك غلط، لأنّ الماهية إذا تقوّمت بأحد الجنسين امتنع تقوّمها بما ليس من ذلك الجنس.

وقيل: إنّهما (1) خارجة عن المقولات العشر، ولا امتناع فيه. ولا يناقض ذلك حصر الأجناس في عشرة، لأنّ الأجناس كلها ترجع إلى هذه العشرة، أمّا الأنواع كلّها فلا، فجاز أن تكون هذه أنواعاً بسيطة، فلا تندرج تحت الأجناس العالية، والعشرة أجناس لكل جنس لا لكل شيء، فإن كل حقيقة بسيطة خارجة عنها. نعم يجب في بيان حصر الأجناس في العشرة بيان أنّ هذه ليست أجناساً.

والأسامي المشتقة خارجة عن المقولات العشر باعتبار، وإن اندرجت تحتها باعتبار آخر، فإنّ القائم من حيث المفهوم شيء له القيام، ومن حيث الوجود جسم له القيام، والجسم جوهر والقيام من باب الوضع. ولا يقدح خروجها عن المقولات العشر (2)، لأنّها ليست أجناساً.

والحركة قيل: إنّها من مقولة أن ينفعل (3).

وأمّا كيفية انقسام هذه (4) إلى أنواعها، فلا نعلم بعد العلم بجنسيتها هل نقسمها إلى هذه بالفصول أو بالعوارض؟ وبتقدير أن يكون بالعوارض، فهل هو(5) مطابق للتقسيم بالفصول كما يقسم الحيوان بقابل العلم وغير قابله؟ فإنّه مطابق لتقسيمه بالناطق وغيره. أو غير مطابق (6) كتقسيم الحيوان بالذكر والأُنثى، فإنّه غير مطابق للتقسيم بالناطق وغيره، بل مداخل (7).


1 . ق و م:«إنها».
2 . في النسخ: «العشرية»، أصلحناها طبقاً للمعنى.
3 . راجع الفصل الثاني من المقالة الثانية من طبيعيات الشفاء.
4 . يعني المقولات.
5 . أي التقسيم بالعوارض.
6 . ومخالف للتقسيم بالفصول.
7 . راجع المباحث المشرقية 1: 276; الأسفار 4:3ـ 8.


(317)

المقالة الأُولى

في الكم

وفيها مباحث:

البحث الأوّل: في تعريفه

البسائط لا حدود لها،لانتفاء الجزء فيها، وإنّما تعرف بالخواص. والتي يمكن الوقوف منها على معرفة الكم هنا خواص ثلاثة (1):

1: التقدير والمساواة واللامساواة، وهي أُمور إضافية تعرض بواسطة الكم، لا بسبب الصورة الجسمية.

2: قبول الانقسام ، وهي لازمة للكم بسبب الخاصية الأُولى. ثمّ حصول الانقسام على وجهين:

الوجه الأوّل: كون المقدار بحيث يمكن أن يُفرض فيه شيء غير شيء دائماً،


1 . انظرها في منطق أرسطو 1:43ـ48 ; الفصل الثاني من المقالة الرابعة من مقولات منطق الشفاء: 134; المواقف: 104 (المقصد الأوّل من المرصد الثاني ); المباحث المشرقية 1: 281ـ 283.


(318)

وهذا المعنى يلحق المقدار لذاته، فإنّا متى تصوّرنا المقدار الطولي مثلاً أمكن أن يفرض العقل فيه شيئين متغايرين (1)، وهكذا في كلّ واحد من القسمين المفروضين، وهكذا في كلّ واحد من قسمي القسمين وهكذا أبداً. وإنّما كانت هذه الخاصة تابعة للأُولى لأنّه معنى يوجد للمقدار من حيث يفاوت غيره ويساويه، وهذه القسمة لا تُغيّـر الجسم ولا توجب له حركة في المكان.

الوجه الثاني: الافتراق والانفصال، بحيث تحدث للجسم الواحد باعتباره هويتان بعد أن كانت له هوية واحدة، فإنّ الجسم عند الأوائل واحد في نفسه، فإذا انقسم وانفصل بعضه عن بعض فقد عدم اتصاله الأوّل، وحدث اتصالان آخران ومتصلان آخران مغايران للأوّل، والاتصال عندهم جزء الجسم، ولابدّ في هذا المعنى من تغيّر في الجسم وحركة، وهذا المعنى من لواحق المادة، ويستحيل عروضه للمقدار لامتناع التنافي بين القابل والمقبول، وهذا المقدار متى انفصل عدمت ذاته فلا يكون هو القابل، بل المادة. نعم، عروض هذا القبول للمادة، إنّما هو بسبب تهيؤ المادة لقبوله المستند إلى المقدار، فإنّه لولا المقدار لما عرض للمادة قبول الانقسام. ولا يلزم من قولنا: المقدار هو الذي يهيئ المادة لقبول الانقسام،حصول ذلك الاستعداد في نفس المقدار; لأنّه حاصل في المادة فكيف يحصل فيه أيضاً؟!

وليس كل فاعل فعل، فإنّه يفعله في نفسه، بل ولا يجب أن يكون المقدار باقياً عند حصول الانقسام بالفعل، بل يجب عدمه. كما أنّ الحركة تهيئ الجسم للسكون الطبيعي، ولا تبقى مع السكون، لأنّ أثر الحركة الإعداد للسكون، وقد حصل معها. وكذا اعداد المادة لقبول القسمة مستند إلى المقدار، وقد وجدت معه. وحصول القسمة بالفعل مستند إلى أسباب أُخرى، كما استند السكون إلى


1 . في النسخ:«شيئان متغايران»، أصلحناهما طبقاً للسياق.


(319)

أسباب غير الحركة، ولا يجب وجود المقدار عند وجود تلك الأسباب.

قالوا: فالجسم متصل واحد على ما يأتي وقابل لانقسامات غير متناهية، لا على معنى أنّها توجد بالفعل دفعة، بل على معنى أنّه كلما وجد من الأقسام شيء أمكن تقسيمه إلى أقسام أُخر، وهكذا إلى ما لا يتناهى، وانقساماته دائماً غير متناهية بهذا الاعتبار، وهو أنّه دائماً موصوف بأنّه لا ينتهي إلى قسمة لا تحتمل القسمة بعدها. ودائماً متناهية من حيث إنّ ما وجد فيه من التقسيمات متناهية، فالجسم إذن قابل للتنصيف إلى غير النهاية.

والتنصيف في المقدار تضعيف في العدد، فالعدد غير متناه في الزيادة، وينتهي في النقصان إلى الواحد، والمقدار بالعكس غير متناه في النقصان ومتناه في طرف الزيادة. ولمّا كان المقدار قابلاً للتجزئة لذاته وجب أن يكون قابلاً للتعديد، لأنّ التنصيف في المقدار تضعيف في العدد، ومبدأ العدد واحد، فالمقدار لذاته قابل لأن يفرض (1) فيه واحد عاد (2)، ويصير هو معدوداً بذلك الواحد.

3: وهذه الخاصة الثالثة للمقدار، وهو: كونه بحال يمكن أن يصير معدوداً بواحد فيه.

لكن لا يمكن تعريف الكم بالخاصة الأُولى، لأنّ المساواة اتحاد في الكم فقد أُخذ في تعريفها، فلم يمكن أخذها في تعريفه (3).

ولا بالثانية، لأنّ قبول القسمة من عوارض الكم المتصل (4).


1 . ق و م: «يعرض».
2 . م و ج: + «أو في غيره» بعد «عاد».
3 . راجع المباحث المشرقية 1:283.
4 . اُنظر حكمة العين: 259; وتعليقة الأُستاذ المصباح على نهاية الحكمة: 157.


(320)

فلم يبق إلاّ الخاصة الثالثة، فيعرف بأنّه الذي يمكن أن يوجد فيه شيء واحد عاد لذاته، وهو شامل لما وجد فيه الواحد بالفعل كالعدد وبالقوة كالمتصل(1).

البحث الثاني: في الفرق بين المقدار والجسمية

الفرق بينهما من وجوه (2):

الوجه الأوّل: الجسم الواحد تتوارد عليه المقادير المختلفة مع بقاء جسميته الشخصية، فانّ الشمعة يمكن أن نجعلها تارة كرة وتارة ذا أشكال مختلفة كالتربيع والتثليت وغيرهما، فيزيد طوله وينقص عرضه أو عمقه، وبالعكس. فتغيّـر المقدار وبقاء الجسمية يدل على التغاير. وهذا إنّما يتمّ على تقدير نفي الجوهر الفرد (3)، إذ مع ثبوته جاز أن يكون التغير عائداً إلى اختلاف وضع الأجزاء.

لا يقال: المقدار باق، فإنّ أبعاد الشمعة حال الكرية مساوية لها حال التكعيب للمساحة.

لأنّا نقول: المساواة قد تكون بالقوّة وقد تكون بالفعل، والكرى والمكعب لا مساواة لهما بالفعل، بل بالقوّة، وما بالقوّة غير موجود.


1 . هذا التعريف مأخوذ من الفارابي وابن سينـا وهو أولى التعاريف كما اعترف به الرازي وصدر المتألهين والعلاّمة الطباطبائي، راجع المباحث المشرقية 1: 283; الأسفار 4: 10;نهاية الحكمة: 109.
2 . انظر الوجوه في الفصل الرابع من المقالة الثالثة من مقولات منطق الشفاء; المباحث المشرقية:1: 277ـ281; الأسفار 4:10ـ 12.
3 . أي الجزء الذي لا يتجزّأ و سيأتي البحث عنه مفصلاً في المجلد الثاني (الفصل الأوّل من النوع الأوّل من القاعدة الثالثة).


(321)

واعترض بمنع زوال المقدار، بل الزائل الأشكال، وهي مغايرة للجسمية.

الوجه الثاني: الأجسام مختلفة في المقادير، ومشتركة في الجسمية فتغايرا.

اعترض (1) بأنّـها كما اشتركت في أصل الجسمية كذا اشتركت في أصل الكمية والمقدارية، فإن اقتضى اختلافها في المقادير المخصوصة بعد اشتراكها في الجسمية زيادة مقاديرها على جسميتها، لزم أن يكون اختلافها في المقادير المخصوصة بعد اشتراكها في المقدارية، موجباً زيادة مقاديرها المخصوصة على المقدار المطلق، حتى يكون المشترك عرضاً والمقدار المخصوص عرضاً آخر، ويلزم التسلسل; لأنّ تلك المقادير المخصوصة أيضاً مشتركة في أصل المقدار فيكون هناك مقدار آخر مشترك ويتسلسل فوجب أن يكون اشتراك الأجسام في أصل المقدار، واختلافها في المقادير الخاصة، لا يستلزم أن يكون أصل المقدار موجوداً مغايراً للمقدار المخصوص، وحينئذ يجوز أن تكون الجسمية مشتركة بين الأجسام، وتتمايز الأجسام في المقادير المخصوصة، وإن لم يكن المقدار موجوداً مغايراً للجسمية.

وفيه نظر، فإنّ اشتراك الأجسام في الجسمية ضروري، وقد سلّمه أيضاً، واختلافها في المقادير ضروري أيضاً، وقد سلّمه، والتغاير بين ما به الاشتراك وما به الامتياز ضروري أيضاً، فيكون الإنتاج ضرورياً. والمعارضة بالمقدار ساقطة; لأنّ الأجسام مشتركة في المقدار المطلق ـ الذي هو جنس للمقادير المخصوصةـ واختلفت في المقادير المخصوصة التي هي الأنواع، ولا شك في المغايرة بين الجنس والنوع، لكن سبب (2) التمايز في المقادير المخصوصة، الفصول المقسمة لجنس المقدار، وتلك غير مشتركة إلاّ في المقدار الذي هو الجنس ـ اشتراك


1 . والمعترض هو شيخ الإشراق والاعتراض موجود في الأسفار 4:10ـ11.
2 . ق: «بسبب».


(322)

المعروضات في العارض ـ فإنّ الجنس بالنسبة إلى الفصول عرض عام لها فلهذا انقطع التسلسل.

الوجه الثالث: بعض الأجسام يصحّ أن يقدّر البعض، ولا يجب في المقدّر(1) المساواة، فإنّ الصغير يصحّ أن يقدّر الكبير، بل تصحّ المخالفة في المقدّر، وليست المقدّرية هي نفس الجسمية التي يمتنع أن يخالف جسم فيها جسماً، فتلك المقدريّة بأمر زائد على الجسمية، والجزء الذي لا يتجزّأ باطل، فلا يرجع ذلك إلى كثرة الأجزاء.

الوجه الرابع: الجسم يزداد مقداره وينقص من غير انضمام شيء إليه أو نقصان شيء منه، ومن غير وقوع خلاء بين أجزائه، لامتناعه، والجسم في حد جسميته محفوظ حالة التبدّل فتغايرا. وهو مبني على التخلخل والتكاثف الحقيقين المبتنيين على نفي الجوهر الفرد.

واعترض بمنع بقاء الجسمية، لاحتمال أن لا يحصل ذلك العظم إلاّ عند تفرّق الاتصال المقتضي لعدم الجسمية.

الوجه الخامس: وجود السطح من توابع المادة، فلا يكون نفس الجسمية المقوّمة للمادة المتقدّمة عليها بالعلّية، فالسطح مغاير للجسمية، والخط من عوارض السطح فهو أولى بالتأخّر، فيغاير (2)الجسم. وتحقيقه، أنّ الجسم يصحّ أن يعقل مع الذهول عن تناهيه، فيكون خارجاً عن مفهومه، فالجسمية، وإن امتنع انفكاكها عن السطح في الخارج، إلاّ أنّه يصحّ انفكاكها عنه في التصوّر، والخط يمكن خلو الجسمية عنه في الذهن والخارج معاً، لأنّ الكرة لا خط فيها بالفعل، وإنّما يتعيّـن المحور والمنطقة باعتبار الحركة التي لا يجب ثبوتها لها ذهناً ولا خارجاً.

اعترض بأنّ للسطح اعتبارين:أحدهما غير إضافي، بل من مقولة الكم وهو


1 . م: «المقدورية».
2 . ج: «فتغايرا».


(323)

أنّه مقدار قابل لفرض امتدادين. والآخر إضافي وهو كونه نهاية للجسم، وهو بهذا الاعتبار كم عرضت له الإضافة، فإن كان السطح غير داخل في مفهوم الجسم من حيث هو مضاف، لا يلزم أن لا يكون داخلاً فيه من حيث هو كم.

ثمّ ينتقض ما ذكرتموه بالهيولى والصورة، فإنّهما داخلان في قوام الجسم، وقد لا يعلمهما من علم الجسم، ولا يلزم خروجهما عن التقويم له (1).

وفيه نظر، فإنّ السطح لا يعرض للجسم إلاّ إذا انقطع، فيكون متأخّراً عن القطع العارض للجسم، فلا يصحّ أن يكون متقوّماً باعتبار ما (2)، ولا أن يكون نفس الجسمية، ونحن لا نستدل بكون السطح المأخوذ مع الإضافة، عارضاً(3) على كونه من حيث هو غير مضاف عارضاً.

وأمّا الهيولى والصورة فإنّما جهلناهما للجسم، لأنّ الجسم لم نتصوّره بحقيقته، بل باعتبار عارض عرض له.

البحث الثالث: في أقسام الكم (4)

إعلم أنّ الكم جنس لنوعي (5) المتصل والمنفصل.

والمتصل يراد به معنيان:

أحدهما: حال المقدار في نفسه وهو الذي يمكن أن تفرض فيه أجزاء تتلاقى عند حدّ مشترك يكون بداية لأحد الجزئين ونهاية للآخر، وهذا هو الفصل


1 . أي للجسم.
2 . ق: «ما» ساقطة.
3 . ق:«وعارضاً»
4 . راجع منطق أرسطو 1:43; الفصل الرابع من المقالة الثالثة من مقولات منطق الشفاء; المباحث المشرقية 1:284ـ 289; الجوهر النضيد:26.
5 . كالنقطة بين جزئي الخط، وكالخط بين جزئي السطح، والسطح بين جزئي الجسم التعليمي.


(324)

للمتصل. والمنفصل يقال في مقابلته وهو الذي لا يكون بين أجزائه حدّ مشترك.

والثاني: الذي يوجد بالقياس إلى غيره وهو على معنيين أيضاً:

أحدهما: أن يكون نهاية أحد المقدارين هو نهاية الآخر كالخط المتصل بخط آخر على زاوية، فيقال لكل منهما أنّه متّصل بالآخر.

والثاني: أنّ تتعدّد نهايتاهما، لكن تتلازمان بحيث يتحرّك أحدهما بحركة الآخر باعتبار الاتصال بينهما.

والمراد هنا هو الأوّل، وهو المتصل الحقيقي، وهو إمّا أن يكون قارّ الذات، أو غير قارّ الذات.

والأوّل: إن انقسم في جهة واحدة لا غير فهو الخط، وإن انقسم في جهتين(1) لا غير فهو السطح، وإن انقسم في ثلاثة فهو الجسم التعليمي (2).

والثاني: هو الزمان، وهو كم، لإمكان تعديده بواحد فيه من الساعات والدقائق وغيرهما، ومتصل لأنّه يمكن أن يتوهّم فيه (3) شيء هو الآن يكون نهاية الماضي وبداية المستقبل، ولأنّه مطابق للحركة المطابقة للجسم المتّصل القابل لانقسامات غير متناهية، ولو كان منفصلاً استحال ذلك فيه.

وقيل: إنّه منفصل; لأنّه عدد الحركة، و لأنّه ينفصل بسبب الآن. وليس بجيد; لأنّ كونه عدداً، عارض له كما يعرض للخط والسطح والجسم كونها معدودة، وهو من حيث هو زمان ليس عدداً للحركة. والآن في الزمان بالقوّة كالنقطة في الخط، ولو كان بالفعل لم يلزم كون الزمان منفصلاً، فإنّه إذا كان الآن


1 . وهما العرض والطول، والجسم التعليمي إلى ثلاثة: العرض والطول والعمق.
2 . وهو الحجم.
3 . ق: «به»، م: «منه».


(325)

حاصلاً بالفعل كان حدّاً مشتركاً بين الماضي والمستقبل، فكان متّصلاً.

فأقسام الكم المتصل هذه الأربعة، وأدخل بعضهم المكان فيه وهو خطأ، فإنّ المكان عند أكثرهم «هو السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي» (1)، وليست كميته إلاّ باعتبار كونه سطحاً، لا باعتبار ما لحقه من الإضافات.

وأمّا المنفصل: فهو العدد خاصة وهو كم; لأنّه معدود بواحد فيه. ومنفصل لعدم حدّ مشترك فيه بين أجزائه، فإنّ الأربعة إذا قسّمتها بنصفين لم تجد بينهما حدّاً مشتركاً، والخمسة إذا قسّمتها بثلاثة واثنين لم تجد حدّاً مشتركاً بينهما، فإن عنيت واحداً من الخمسة ليكون مشتركاً، بقي الباقي أربعة، وإن أخذت واحداً خارجاً عنها صارت الخمسة ستة.

ولا منفصل غير العدد، لأنّ قوام المنفصل من المتفرّقات، والمتفرّقات من المفردات (2) [والمفردات ]آحاد، والواحد إذا أُخذ من حيث هو واحد، لم يكن الحاصل من تكثّره إلاّ العدد، وإن أُخذ من حيث هو إنسان أو غيره كان الحاصل من تكثّره معدودات من جنس ذلك الواحد، لكن كونه عدداً ليس باعتبار المعروضات.

وذهب بعضهم إلى أنّ «القول» كم منفصل مغاير للعدد (3)، لتركّبه من المقاطع وتقدّره بها، وكل ما يتقدّر بجزئه فهو كم، وأمّا تركّبه من المقاطع، فلأنّ المقطع هو أقلّ ما يمكن أن يتفوّه به تاماً من الأصوات، وهو إمّا صامت (4)ـ وهو


1 . راجع الفصل التاسع من المقالة الثانية من طبيعيات الشفاء.
2 . ق: «من المفردات» ساقطة.
3 . قال به المعلم الأوّل، منطق أرسطو 1:43; راجع أيضاً الفصل الرابع من المقالة الرابعة من مقولات منطق الشفاء:122.
4 . أو مصوت .


(326)

ما يمكن الابتداء به، وهي الحروف الصحيحةـ مقرون بمصوت (1) وهو ما لا يمكن الابتداء به، بل تكون هيأة عارضة للحرف المبتدأ به، إمّا مقصور (2) هو الواقع في أقصر زمان يمكن الانتقال فيه من صامت إلى صامت، وهو الفتحة والضمة والكسرة، أو ممدود وهو الواقع في ضعف ذلك الزمان كإشباعات الحركات الثلاث والمقاطع يتركّب على وجهين:

أ: أن يذكر المقطع المقصور ثم يردف بالممدود مثل «على».

ب: أن يذكر الممدود ثم يردف بالمقصور مثل «كان» وأمّا باقي المقدمات فظاهرة.

والجواب (3): ليس كل ما يتقدّر بجزء يكون كماً بالذات، لجواز أن تكون له حقيقة أُخرى وقد عرض لها المقدار، كجميع الأشياء المعروضة للأعداد، والقول ليس كماً من حيث إنّه قول وإنّما يصير كماً باعتبار الكثرة التي عرضت له.

البحث الرابع: في الكم المتصل القارّ الذات

هل هو وجودي أو عدمي؟

إعلم: أنّ البحث عن هذا المطلب يتوقّف على تحقيق ماهية كل واحد منها، فنقول: المتكلّمون (4)جعلوا الجسم عبارة عن جواهر أفراد متألّفة في الأبعاد الثلاثة التي هي الطول والعرض والعمق.

والسطح عبارة عن جواهر أفراد متألّفة في بعدين منها لا غير ، هما الطول والعرض.


1 . م: «بصوت» وهو خطأ.
2 . أي المصوت إمّا مقصور أو ممدود.
3 . و الجواب مأخـوذ من ابن سينا في نفس المصدر: 122ـ 123. راجع أيضاً المباحث المشرقية 1:288ـ 289.
4 . راجع أنوار الملكوت: 18; الفصل الرابع من المقالة الثالثة من مقولات الشفاء.


(327)

والخط عبارة عن جوهرين أو جواهر متألّفة في بعد واحد لا غير، هو الطول، وحينئذ تكون وجودية بالضرورة.

وأمّا الجسم التعليمي والسطح والخط التعليميان اللذان بيّنهما الأوائل مغايرة لذلك، فإنّها ليست وجودية بالضرورة.

وأمّا الأوائل فمنعوا من وجود الجوهر الفرد أصلاً، ومن تألف الأجسام والسطوح والخطوط منها، بل جعلوا كل واحد من هذه الثلاثة عرضاً قائماً بالجسم الطبيعي، إمّا بالاستقلال كقيام الجسم التعليمي به، أو بالتبعية كقيام السطح به بواسطة قيامه بالجسم التعليمي المتناهي، وقيام الخط بالسطح المتناهي القائم بالجسم التعليمي المتناهي، وإن كان بعضهم قد منع من وجودها لوجوه:

الوجه الأوّل: السطح نهاية الجسم، ونهاية الشيء هي أن يفنى ذلك الشيء فلا يبقى منه شيء، وذلك من الأُمور العدمية لا الوجودية.

الوجه الثاني: لو كان السطح والخط والنقطة أُموراً وجودية، فإمّا أن تكون متحيّزة أو لا، والأوّل يستلزم انقسام كل واحد منها في الجهات الثلاث، فتكون أجساماً لا نهايات لها، وإمّا أن تكون قائمة بالمتحيّز المنقسم في الجهات الثلاث فتكون منقسمة بانقسامه في الجهات الثلاث، فلا تكون نهايات، بل أجساماً.

الوجه الثالث: الجسمان إذا تلاقيا فلابدّ أن يتلاقى سطحاهما، فإمّا بالأسر فيتداخلان وهو محال أو لا بالأسر، فيكون كل من السطحين جسماً لانقسامه في الجهات الثلاث (1)، هذا خلف (2).

اعترض «أفضل المحقّقين» (3): بأنّ السطح ليس هو فناء الجسم فقط، فإنّ الفناء لا يقبل الإشارة الحسيّة والسطح يقبلها، بل التحقيق يقتضي أنّ هناك أُموراً


1 . ق: «لانقسامه الجسمية».
2 . م: «خلف» ساقطة.
3 . في نقد المحصل: 135، و قال في تجريد الاعتقاد: وليست الأطراف اعداماً وإن اتصفت بها مع نوع من الإضافة.


(328)

ثلاثة: فناء الجسم في جهة معيّنة من جهاته، ومقدار ذو طول وعرض فقط، وإضافة تعرض للفناء، فيقال له بحسب ذلك: نهاية لجسم ذي نهاية، فالمقدار موجود وبسببه يقبل الإشارة، والفناء ليس بعدم محض، بل عدم أحد أبعاد الجسم وهو تخنه، والإضافة عارضة لها متأخّرة عنها. وربّما يعتبر السطح وحده من حيث هو مقدار، وذلك موضوع لعلم الهندسة، وكذلك الخط والنقطة. ولا يلزم من حلول السطح في الجسم انقسامه في الجهات الثلاث كانقسام الجسم، لأنّ ذلك يكون حكم العرض الساري في محلّه، وليس السطح، ولا الخط، ولا النقطة من الأعراض السارية في محالها، وكذلك الوحدة والوضع، وغير ذلك ممّا لا ينقسم بانقسام المحل.

واحتج المثبتون من الأوائل بوجهين (1):

الأوّل: نجد الأجسام متماسّة، وليست المماسة بتمام ذواتها، وإلاّ لزم التداخل، بل بسطوحها، وما به التماس أمر وجودي بالضرورة.

الثاني: الجسم المتصل إذا قطع حدث له سطح بعد أن لم يكن، فيكون وجودياً.

واعلم: أنّ هذا إنّما يتم لو قلنا بنفي الجوهر الفرد، أمّا على تقدير ثبوته فلا. على أنّ في كلامهم نظراً، فإنّ لقائل أن يمنع وجود شيء تحصل به المماسة، فإنّ التماس