welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : نهاية المرام في عـلم الكــلام/ ج 1*
نویسنده :نابغة عصره وفريد دهره العلامة الحلّي*

نهاية المرام في عـلم الكــلام/ ج 1

(30)

البحث الثالث: في أنّ الوجود مشترك (1)

اختلف الناس في ذلك، فالذي ذهب إلى أنّ الوجود نفس الماهية أحال كونه مشتركاً ، والذي قال بالزيادة ذهب إلى أنّه مشترك وهو الحق، لنا وجوه:

الأوّل: الوجود بديهي التصوّر على ما سبق، ولو لم يكن مشتركاً لم يكن كذلك، لأنّه حينئذ يكون نفس الحقيقة أو أمراً مغايراً للكون في الأعيان وكلاهما مكتسب.

الثاني: الوجود والعدم متقابلان على سبيل منع الجمع والخلوّ بينهما، وأعرف القضايا عند العقل أنّه لا واسطة بين هذين المتقابلين، ولمّا كان النفي مفهوماً واحداً لا تعدّد فيه ولا امتياز من حيث إنّه نفي، وجب أن يكون المقابل له كذلك، إذ لو كان المقابل له أُموراً متعدّدة لم يكن التقسيم منحصراً بين الطرفين.

الثالث: إذا عرفنا وجود ممكن جزمنا حينئذ بوجود سببه، وإذا تردّدنا في كون ذلك السبب واجباً أو ممكناً، وعلى تقدير كونه ممكناً هل هو جوهر أو عرض؟ وعلى تقدير كونه جوهراً هل هو مجرّد أو مقارن؟ لم يكن ذلك موجباً للتردّد في الجزم بوجود السبب، وإذا لم يكن التردّد في الخصوصيات موجباً للتردّد في الوجود المطلق، بل كان ثابتاً حال زوال اعتقاد كل خصوصية وثبوت غيرها، وجب كونه مشتركاً بين الجميع، أمّا لو اعتقدنا كونه ممكناً ثمّ تجدد لنا اعتقاد كونه واجباً لزم زوال اعتقاد الإمكان.

الرابع: أنّه يمكننا أن نقسّم الوجود إلى الواجب والممكن، ويقبل العقل هذه القسمة، ومورد التقسيم لابدّ وأن يكون مشتركاً بين الأقسام، ولا يجوز أن


1 . أي اشتراكاً معنوياً، انظر المباحث المشرقية 1:106; تلخيص المحصل:74; مناهج اليقين:9; شرح المواقف 2: 113; الشواهد الربوبية:7.


(31)

يكون مورد القسمة اللفظ، وإنّا لو فرضنا بطلان الوضع لم تبطل قسمة العقل، ولا خصوصيّة كل واحد من الأقسام، وإلاّ لزم انقسام الشيء إلى نفسه ومقابله، وهو باطل قطعاً. (1)

الخامس: لو لم يكن الوجود مشتركاً جاز أن يكون الشيء الواحد واجباً ممكناً، فلا يتميّز الواجب عن الممكن بالتقسيم بالوجوب والإمكان والتالي باطل فالمقدّم مثله.

بيان الشرطية: أنّ مفهوم الوجود إذا كان مختلفاً، جاز أن يكون الوجود للشيء الواحد بأحد مفهوميه واجباً وبالآخر ممكناً، فلا يكون التقسيم موجباً للامتياز، أمّا مع اتّحاد المفهوم، فإنّه يستحيل توارد الوجوب والإمكان عليه بالنسبة إلى الشيء الواحد.

السادس: من قال: إنّ الوجود غير مشترك فقد حكم باشتراكه من حيث لا يشعر، فإنّ حكمه بأنّه غير مشترك ليس مقصوراً على وجود خاص، بل على كلّ وجود، فإن كان مفهوم الوجود مختلفاً وجب أن يُبرهن على كلّ واحد من وجودات الماهيّات بأنّه غير مشترك، و (2) يعتقد أنّ استدلاله على: أنّ الوجود غير مشترك، يتناول كلّ وجود.

والاعتراض على الأوّل: المنع من الصغرى وقد تقدّم (3).

وعلى الثاني: أن نفي كلّ حقيقة يقابله (4) تحقّق تلك الحقيقة، وليس بين ثبوت كل حقيقة ونفيها واسطة، وليس ثبوتها أمراً زائداً عليها، أو ان (5) كان، لكن


1 . استدل الرازي بهذا الوجه في أُصول الدين:29.
2 . م: «أو».
3 . في المقام الأوّل من البحث الأوّل من الفصل الأوّل من المقصد الأوّل من القاعدة الأُولى.
4 . ق:«مقابله».
5 . م: «أو كان».


(32)

لا يكون مشتركاً بينها وبين غيرها، وإلاّ (1) يلزم على هذا التقدير عدم انحصار القسمة، لأنّه لا واسطة بين تحقّق كلّ حقيقة ولا تحقّقها، فإن ادّعيتم ثبوتاً عاماً مشتركاً بين الموجودات في مقابله نفي عام، فهو نفس النزاع، ولأنّا نعارض بنفس الوجود، فإنّا إذا قلنا: الشيء إمّا أن يكون ثابتاً أو لا، فالوجود إن لم يدخل في القسم الثابت دخل في قسم اللاثابت، فلا يكون الوجود زائداً وإن دخل (2) فلا(3) شكّ في أنّه مغاير للماهية الثابتة (4)، فيكون الوجود مشاركاً للماهية الموجودة في أصل الثبوت وممتازاً عنها حينئذ بخصوصيّته، فيكون للوجود وجود آخر ويتسلسل.

وعلى الثالث:أنّا نعتقد ثبوت شيء يقال عليه لفظة الموجود (5)، وإن لم نتصوّره، ولا يلزم كونه مشتركاً.

وعلى الرابع: أنّ مورد التقسيم هو الماهيّة، فإذا قلنا :الموجود إمّا واجب أو ممكن، فكأنّا قلنا السواد إمّا تكون سواديته واجبة أو لا، ولأنّه آت في الوجود(6)، لأنّه يمكننا أن نقسم الثابت إلى الوجود والماهيّة الموجودة، فتكون الثابتيّة مشتركة بين الوجود وغيره وهو محال.

وعلى الخامس: أنّه مصادرة على المطلوب الأوّل، فإنّ من زعم أنّ الوجود ليس بمشترك زعم أنّ وجود كلّ شيء حقيقته المخصوصة. وإذا استحال أن تكون الحقيقة الواحدة حقيقتين، استحال أن يكون للشيء وجودان، فهذه الحجّة إنّما


1 . ق وج: «ولا».
2 . أي دخل في القسم الثابت.
3 . كذا في المباحث المشرقية، وفي نسخة ق و م وج: «ولا».
4 . كذا في النسخ، والصواب بقرينة السياق «اللا ثابتة».
5 . ق وج: «الوجود».
6 . كذا في جميع النسخ و لعلّ الصحيح: «الثبوت».


(33)

تتمّ (1) لو ثبت كون الوجود زائداً على الماهية، وهو نفس النزاع(2).

وعلى السادس: أنّ الحكم على أنّ الوجود غير مشترك، ليس حكماً على الوجود من حيث هو، بل على كلّ ما يطلق عليه لفظة الوجود، كما في قولنا: العين غير مشترك.

والجواب عن الأوّل: ما تقدّم.

وعن الثاني: أنّ مفهوم السلب واحد، فإنّ سلب السواد وسلب البياض لا يتمايزان إلاّ بالإضافة إلى ملكاتهما، وإذا كان مفهوم السلب واحداً، فالمقابل له إن كان خصوصيات الماهيّات لم يكن المقابل للسلب أمراً واحداً، بل أُموراً كثيرة ويبطل الحصر، وإن لم يكن المقابل له نفس الخصوصيّات، بل أمراً واحداً هو الوجود، ثبت المطلوب.

وأيضاً إنّما نستعمل هذه الحقيقة (3) لنتوصّل إلى معرفة الحقّ من أحد طرفيها، ونصحّحه بالبرهان، ونبطل الباطل منه بالبرهان، ولو كان قولنا: الإنسان إمّا أن يكون موجوداً أو معدوماً، وأنّه لا يخلو عن النفي والإثبات، معناه أنّ الإنسان لا يخلو عن أن يكون إنساناً، أو لا يكون، لكانت حقيّة الحق وباطلية الباطل من الطرفين معلومة بالضرورة، فإنّا نعلم قطعاً أنّ الإنسان إنسان، وأنّه يستحيل أن لا يكون إنساناً، ولمّا كان ذلك باطلاً، بطل ما قالوه.

والمعارضة بالوجود باطلة; فإنّ الوجود وإن شارك (4) الماهيّات الموجودة في أصل الثبوت، لكن يمتاز عنها بقيد سلبي وهو أنّه لا مفهوم له سوى الوجود


1 . ق:«تستمر».
2 . وفي نقل الرازي «المطلوب».
3 . أي قضية أنّ الشيء لا يخلو من النفي والإثبات.
4 . م: «ساوى».


(34)

وإنّما تحصل الكثرة لو كان الاشتراك بأمر ثبوتي والامتياز بأمر ثبوتي.

والتحقيق: أنّ الوجود ليس له وجود آخر وإلاّ لزم التسلسل، وكذا الماهيّات ليس لها ثبوت في أنفسها مغاير لمطلق الوجود الثابت لها، ولا يلزم أن تكون عدميّة، لأنّها من حيث هي هي لا ثابتة ولا معدومة على أن يكونا داخلين في مفهومها وإن لم ينفك عنها، فالماهية المجردة عن الثبوت ليس لها ثبوت آخر، فإنّ الماهيّة من حيث إنّها ماهيّة ليست إلاّ تلك الماهية، ولا توصف بوصفي الوجود والعدم، لأنّهما مفهومان زائدان على مفهوم كونها تلك الماهية.

وعن الثالث: أنّا نعتقد ثبوت معنى حقيقي، لا مجرّد لفظ وتسمية، وذلك المعنى متصوّر لنا بالضرورة على ما سبق.

وعن الرابع: أنّ الوجوب والإمكان أمران اعتباريان عقليان من قبيل النسب والإضافات، لا تعقل إلاّ بين شيئين، فلا يمكن أن يكون مورد القسمة هو الماهية لا غير، لأنّه حينئذ يبقى التقدير: الماهية إمّا تكون واجبة أو ماهية، أو لا تكون، و(1) هذه قسمة باطلة، فإنّ الماهية يجب أن تكون تلك الماهية، ويمتنع أن لا (2) تكون تلك الماهية.

وعن الخامس: أنّ هذه الحجّة تتوقّف على كون الوجود زائداً على الماهية، لكن يمكن أن يسلّم الخصم ذلك ويمنع اشتراكه .

وعن السادس: أنّ الحكم على الشيء يستدعي تصوّر المحكوم عليه، ولو كان الحكم على ما يطلق عليه لفظ الوجود، فإن كان على وجود خاص وجب تصوّره، وليس أولى من غيره، وإن كان على وجود مطلق ثبت المطلوب.

واحتج المانعون: بأنّ الوجود نفس الماهية، فلا يكون مشتركاً، والصغرى


1 . العبارة في م وج:« إمّا أن تكون الماهية واجبة أو تكون ماهية أو لا تكون».
2 . ق:«لا» ساقطة.


(35)

يأتي بيانها، والكبرى ضرورية.

والجواب: المنع من الصغرى، وسيأتي.

واعلم أنّ الحكم باشتراك الوجود أمر بيّـن عند العقل، فإنّه إذا نسب موجوداً إلى مثله حكم بينهما بمشاركة ليست هي نسبة موجود إلى معدوم، وذلك المشترك هو الوجود، ولا يمكن أن يكون ذلك المشترك راجعاً إلى اللفظ، فإنّ الواضع لو وضع لطائفة من الموجودات والمعدومات لفظاً واحداً، ولم يضع لجميع الموجودات اسماً واحداً، لم تكن المقاربة بين تلك الموجودات والمعدومات المتّحدة في الاسم أكثر من التي بين الموجودات المتغايرة في الاسم.

البحث الرابع: في كيفية اشتراكه

اعلم أنّ كلّ معنى كلّـي صادق على جزئيات مندرجة تحته، فإمّا أن تتساوى تلك الجزئيات المندرجة تحته في مقوليته عليها، ويسمّى المتواطئ، كالحيوان بالنسبة إلى جزئياته، وإمّا أن لا تتساوى، بل تختلف بأحد أُمور ثلاثة:

الشدّة: بأن يكون ذلك المعنى أشدّ في بعض تلك الجزئيات من غيره، كالبياض الذي هو أشدّ في الثلج منه في العاج.

والأوّليّة:بأن يكون ذلك المعنى في بعض جزئياته أقدم منه في الآخر، كالوجود الذي هو في العلّة أقدم منه في المعلول.

والأولويّة: بأن يكون ذلك المعنى في بعض جزئياته أولى منه في الآخر، كالوجود فإنّه في الجوهر أولى منه في العرض.

إذا ثبت هذا فنقول: الوجود مقول بالتشكيك على ما تحته من الموجودات، فإنّه في واجب الوجود أشدّ وأولى وأقدم منه في غيره، وكذا ثبوته في الجواهر


(36)

والأعراض، بل وفي نفس الجواهر، وكذا الأعراض. فإنّ الأعراض الباقية أولى بالوجود من غيرها. وهذا المقول بالتشكيك يقع على الجزئيات المندرجة تحته لا بالاشتراك اللفظي البحت، بل بمعنى واحد في جميع تلك الجزئيات، ولكن لا على السواء، بل إمّا بالتقديم والتأخير، كوقوع المتّصل على المقدار وعلى الجسم ذي المقدار، أو بالأولويّة وعدمها كوقوع الواحد على ما لا ينقسم أصلاً، وعلى مالاينقسم باعتبار دون اعتبار، أو بالشدّة والضعف، كالبياض على الثلج والعاج.

والمعنى الواحد المشكّك يمتنع أن يكون ماهية، أو جزء ماهية لتلك الأشياء، فإنّ الماهيّة لا تختلف ولا جزئها، بل إنّما يكون عارضاً خارجاً لازماً أو مفارقاً، فالبياض لازم لبياض الثلج وبياض العاج، وكذا الوجود في وقوعه على وجود الواجب، ووجودات الممكنات المختلفة بالهويّة التي لا أسماء لها بالتفصيل، ويقع على جملتها اسم واحد. هكذا قاله أفضل المحققين.

وعندي فيه نظر، فإنّ اسم البياض إن كان للمعنى الأزيد أو الأنقص أو الأوسط لم يكن دالاّ ً على الباقيين إلاّ بنوع من المجاز، وإن كان للمعنى المشترك بينها كان متواطئاً، وليس اختلاف هذه الجزئيات أشدّ من اختلاف الأنواع المندرجة تحت جنس واحد.

لا يقال: الحرارة اسم للكيفية التي تصدر عنها الآثار المحسوسة، فإذا كانت تلك الكيفيّة في بعض الجزئيات أكثر تأثيراً من غيرها، كانت أولى باسم الحرارة، وكذا البياض وشبهه، وهذا هو معنى المشكّك.

لأنّا نقول: الجوهر أيضاً كذلك.

وبالجملة: فعندي في المشكّك إشكال، وليس هذا موضع تحقيقه.

فالموجودات على ما ذكره معان مجهولة الأسماء، شرح أسمائها أنّه موجود


(37)

كذا أو (1) الموجود الذي لا (2) سبب له، ثم يلزم الجميع في الذهن الوجود العام، كما أنّا لو لم نعرف الكميّة والكيفيّة وغيرهما من الأعراض بأسمائها ورسومها لكنّا نقول في الكم: هو عرضمّا أو موجودمّا في موضوع. ونسبة الوجود إلى أقسامه كنسبة الشيء إلى ما تحته، لكنّ أقسام الشيء معلومة الأسماء والخواص، ولا كذا أقسام الوجود، وهذا كما أنّ أنواع الأعداد معان مجهولة الأسامي فيعبّـر عنها ببعض لوازمها، فيقال: عشرة، أي العدد الذي من خواصّه ولوازمه الانقسام إلى عشرة آحاد.

البحث الخامس: في أنّ الوجود زائد على الماهيّة (3)

اختلف الناس في ذلك، فذهب «أبو الحسن الأشعري» (4) و «أبو الحسين البصري» (5) إلى أنّ وجود كل شيء نفس ماهيته.


1 . ق: «و» بدل «أو».
2 . م: «لا» ساقطة.
3 . لاحظ الكتب التالية في هذا البحث: المباحث المشرقية 1: 112;أُصول الدين للرازي: 30; مناهج اليقين:10; كشف المراد: 24; المواقف: 48.
4 . هو علي بن إسماعيل بن أبي بشر ـ واسمه إسحاقـ بن سالم بن إسماعيل بن عبد اللّه بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى، أبو الحسن الأشعري المتكلّم صاحب الكتب والتصانيف في الرد على الملحدة وغيرهم. وهو بصري سكن بغداد إلى أن توفّي بها. ولد أبو الحسن الأشعري في سنة ستين ومائتين، ومات سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة، وذكر لي أبو القاسم عبد الواحد بن علي الأسدي أنّ الأشعري مات ببغداد بعد سنة عشرين، وقبل سنة ثلاثين وثلاثمائة، ودفن في مشرعة الروايا في تربة إلى جانبها مسجد. تاريخ بغداد 11: 346.
5 . هو محمد بن علي بن الطيب، أبو الحسين المتكلّم، صاحب التصانيف على مذاهب المعتزلة، بصري سكن بغداد ودرس بها الكلام إلى حين وفاته، ومات ببغداد في يوم الثلاثاء الخامس من شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وأربعمائة، ودفن في مقبرة الشونيزي. تاريخ بغداد 3: 10، ووفيات الأعيان 4: 271.


(38)

وقال أصحاب «أبي هاشم» (1): أنّه زائد على الماهيّة مطلقاً.

وأمّا الأوائل، فإنّهم فصّلوا وقالوا: وجود اللّه تعالى نفس حقيقته، وأمّا وجودات الممكنات، فإنّها زائدة على ذواتها.

وسيأتي البحث في وجود واجب الوجود تعالى، وأمّا وجود الممكنات، فالحقّ أنّه زائد (2) عليها لوجوه:

الأوّل: إنّ الوجود مشترك بين الموجودات على ما سبق، فيكون مغايراً لها، وإلاّ لزم اشتراك الماهيّات في خصوصياتها، واللازم باطل بالضرورة.

الثاني: لو كان الوجود نفس الماهيّة لكان قول القائل: الجوهر موجود يتنزّل منزلة قولنا: الجوهر جوهر، أو الموجود موجود، والتالي باطل قطعاً، فإنّا ندرك تفرقة بين حمل الوجود على الجوهر وبين حمل الجوهر على نفسه، ونعقل من الأوّل قضية حملية مفيدة دون الثاني، فيكون المقدّم باطلاً.

لا يقال: إذا قلنا: السواد موجود، أردنا به أنّ المتصوّر في العقل موجود محصّل في الخارج، وذلك لا يقتضي أنّ كونه محصّلاً في الخارج زائد عليه، بل يقتضي امتياز كونه محصّلاً في الخارج عن كونه متصوّراً في الذهن.ولأنّا نقول: الليث أسد فيفيد، ولو قلنا: الليث ليث لم يفد.

ونقول: واجب الوجود موجود مع أنّ وجوده نفس حقيقته.

لأنّا نقول: نحن لا ندّعي أنّ الوجود زائد على كونه محصّلاً في الخارج، بل


1 . هو أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي محمّد الجُبّائي، كان هو وأبوه من كبار المعتزلة. ولد أبو هاشم سنة 247 من الهجرة، وتوفي سنة 321 ببغداد، والجُبّائي ـ بضمّ الجيم وتشديد الباء الموحّدةـ وهي نسبة إلى قرية من قرى البصرة. وفيات الأعيان 3 : 183.
2 . وهو رأي الحكماء بمعنى أنّه زائد عليها بتحليل العقل لا في الخارج، خلافاً للأشعري حيث يقول بعينية مفهومهما أيضاً.


(39)

كونه محصّلاً في الخارج زائد على سواديته، وما ذكرتموه تسليم لنا في ذلك، فقولنا: الليث أسد، نشير به إلى أنّه سمّي (1) باسم الأسد، فالحمل في اللفظ بعد الوضع، ولو انتفى الوضع انتفى الحمل بخلاف حمل الوجود على السواد، فإنّه يصحّ وإن لم يكن وضع، وحمل الوجود على واجب الوجود حمل على المغاير، فإنّ المفهوم منواجب الوجود ليس نفس حقيقته، بل وصف سلبي معناه المستغني عن غيره.

الثالث: الوجود بديهي التصوّر، والماهية ليست كذلك، فالوجود مغاير للماهية.

الرابـع: الوجود مقابل للعدم، وقابل للقسمة بالوجوب والإمكان، وخصوصيات الماهيّات غير قابلة لهذه الأحكام.

الخامس: لو لم يكن الوجود زائداً على الماهية لزم نفي الإمكان، والتالي باطل بالضرورة فالمقدّم مثله.

بيان الشرطيّة: أنّ الماهية بشرط الوجود يستحيل عليها العدم، وبشرط العدم يستحيل عليها الوجود، فلا تكون ممكنة مع هذين الاعتبارين، وإنّما تكون ممكنة من حيث هي هي، فلو كان الوجود نفس الماهية استحال الحكم عليها بإمكان العدم والوجود، لاستحالة قبول الشيء لما ينافيه وتزايد الوجود.

السادس: لو لم يكن الوجود زائداً على الماهية، لكان إمّا نفس الماهية أو جزئها، والقسمان باطلان.

أمّا الأوّل: فلما تقدّم. ولأنّه يلزم امتناع إقامة برهان مّا على وجود شيء واستحالة التشكيك في وجود كلّ شيء.


1 . م وج: «مسمّى».


(40)

لا يقال (1): سلّمنا، أنّ الشك يدلّ على المغايرة، لكنّه إنّما يثبت بالنسبة إلى الموجود الخارجي، أمّا الذهني فلا.

لأنّا نقول: قد نعقل الماهية ونشك في وجودها الذهني، ولهذا أنكره جماعة، فالوجود الذهني وإن كان لازماً للشعور بالشيء لكنّه غير لازم في الشعور به(2). ولأنّ الماهية الموجودة في الأعيان، وهي غير معقولة لعاقل، تكون حقيقتها حاصلة، ووجودها الذهني غير حاصل، ويلزم منه المطلوب.

لا يقال: نعارض بالوجود، فإنّا نتصوّره ونشك في حصوله في الأعيان، فيلزم أن يكون للوجود وجود ويتسلسل.

لأنّا نقول: الشك في الشيء قد يكون في ثبوته لشيء، وقد يكون في ثبوت آخر له. والشك في الوجود إنّما هو بالمعنى الأوّل، لا بمعنى ثبوت وجود آخر له، لامتناع وصف الوجود بالوجود والعدم، فإنّه (3) لو اتصف بالوجود لزم التسلسل، ولو اتّصف بالعدم، لكان الشيء موصوفاً بنقيضه، وإذا كان معنى الشك في الوجود هو أنّه هل هو ثابت لغيره أو لا؟ ثبت المطلوب. أمّا الشك في الماهية فليس معناه هذا، بل هل ثبت (4) لها وجود أم لا؟وفيه نظر.

ولأنّ الوجود مستند إلى الفاعل وحاصل بجعل جاعل، بخلاف الماهية.

ولأنّ الفصل علّة لوجود الحصّة لا لماهياتها.

ولأنّ العلّة متقدمة على المعلول في الوجود لا في الماهية.


1 . لا يقال الأوّل والثاني مع الجواب عنهما موجود في المباحث المشرقية 1: 115.
2 . أي بالوجود الذهني.
3 . م: «لأنّه».
4 . ق و ج:«يثبت».


(41)

وأمّا الثاني (1) فلوجوه:

الوجه الأوّل: لو كان الوجود جزءاً لكان جنساً إذ هو أعمّ الذاتيات، فيكون فصله موجوداً لأنّه علّة للموجود فيكون الجنس داخلاً في طبيعة الفصل.

وفيه نظر(2) ; لاحتمال صدق الجنس عليه صدق العارض.

الوجه الثاني: لو كان جنساً لكان فصله علّة لوجوده، فيكون للوجود وجود آخر ويتسلسل.

الوجه الثالث: لو كان جنساً لافتقر واجب الوجود في وجوده إلى فصل.

وفيه نظر; لأنّ البحث ليس إلاّ في الوجود الممكن.

الوجه الرابع: الوجود مقول بالتشكيك، فإنّه في الواجب أولى وأقدم وأشد، فلا يكون جزءاً.

لا يقال: جاز أن يكون جنساً في الممكنات.

لأنّا نقول: لا يجوز (3) أن يكون الجنس في أنواعه أضعف منه في معروضه ولأنّ في الممكنات جوهراً وعرضاً وعلّة ومعلولاً.


1 . وهو أن يكون الوجود جزء الماهية، كما قال: لكان إمّا نفس الماهية أو جزءها، والقسمان باطلان، هذا و العنوان في عبارات الرازي في هذا الموضع هكذا: «فأمّا الأدلة الدالة على أنّ الوجود بعد أن ثبت أنّه مشترك بين الماهيات لا يجوز أن يكون جنساً لها فهي ستة أُمور». المباحث المشرقية 1:117ـ 118; راجع أيضاً ابن سينا، المباحثات:248(الرقم:728).
2 . الاستدلال من الرازي، والمصنّـف يجيب عليه، وهو نظير جواب الاشكال على بساطة الفصول: بأن ليست فصول الجواهر جواهر، بمعنى كونها مندرجة تحت معنى الجوهر اندراج الأنواع تحت جنسها، بل كاندراج الملزومات تحت لازمها الذي لا يدخل في ماهيتها، وإنّ جنس الجوهر صادق عليها صدق العرض العام على الخاصة.
3 . م: «يجوز».


(42)

الوجه الخامس: لو كان جزءاً لامتنع افتقار إثباته إلى برهان.

وفيه نظر; لوروده في جوهرية النفس وهيولى الجسم.

الوجه السادس: لو كان جنساً، فإن كان في نفسه غنياً عن الموضوع كان جوهراً وهو جزء من العرض، فكان العرض جوهراً، هذا خلف. وإن لم يكن غنياً عنه وهو جزء من الجوهر كان الجوهر عرضاً، هذا خلف. واعترض بمنع استلزام جوهرية الجزء جوهرية الكلّ.

وفيه نظر; لأنّه حينئذ محمول بالمواطاة على أنّه داخل، لكن يشكل بمنع جوهريته على تقدير استغنائه، إذ لا ماهية له زائدة على وجوده; لاستحالة أن يكون للوجود وجود.

واحتجّ المانعون من الزيادة (1) بوجوه (2):

الأوّل: ما ذكره «أبو الحسين» (3) وهو أنّه لو كان وجود الجوهر صفة زائدة على كونه متحيّزاً، لصحّ أن نعلمه متحيّزاً من دون أن نعلمه موجوداً، أو نعلمه على صفة الوجود من دون أن نعلمه متحيّزاً، إذ لا تعلّق بينهما يمنع من ذلك، فلمّـا لم نعلمه موجوداً إلاّ وقد عُلم متحيّزاً، ولا يُعلم متحيّزاً إلاّ (4) وقد عُلم موجوداً، عَلِمنا أنّ وجوده وتحيّزه واحد. وإنّما قلنا أنّه لا تعلّق بينهما، لأنّه لو كان أحدهما متعلّقاً بالآخر، بأن يكون أحدهما أصلاً للآخرـ إذ يمتنع كون كلّ منهما


1 . وهم أبو الحسن الأشعري وأبو الحسين البصري وأتباعهما.
2 . ونقل الرازي بعض هذه الوجوه وأجاب عليها. المباحث المشرقية 1: 128، وذكر الطوسي الاستدلال الرابع من الخصم مع الجواب عليه بقوله: «وقيامه بالماهية من حيث هي هي».راجع كشف المراد:27. وذكر الايجي ثلاثة من الوجوه وأجاب عليها. المواقف: 48.
3 . هو أبو الحسين البصري المذكور آنفاً.
4 . ق: «إلاّ» ساقطة.


(43)

أصلاً للآخر، وإلاّ دار ـ لصحّ العلم بذلك الأصل دون فرعه، وهذا غير ثابت في المتحيّز والوجود، كما تقدّم.

الثاني: لو كان الوجود زائداً على الماهية لصحّ أن نعلم الماهية حاصلة متحقّقة مع الذهول عن وجودها، أو نعقل وجودها مع الذهول عنها، والتالي باطل، فكذا المقدّم. وهي كالأوّلي.(1)

الثالث: لو كان الوجود زائداً، لكان إمّا ثابتاً فيتسلسل، أو غير ثابت، فلا يكون زائداً.

الرابع: لو كان الوجود زائداً، لكانت الذات قابلة له، لكن قبول الذات له يستدعي تعيّـن تلك الذات وتحصّلها حتّى يصحّ لها القبول، و ذلك التحصّل هو الوجود، فتكون الذات موجودة قبل اتّصافها بالوجود، هذا خلف.

الخامس: لو كان الوجود زائداً على الماهية لكان قيام الوجود بالماهية إن توقّف على كون الماهية موجودة لزم إمّا كون الشيء شرطاً في نفسه أو التسلسل، وإن لم يتوقف لزم قيام الصفة الثبوتية بالمحلّ المعدوم وهو محال.

والجواب عن الأوّل: أنّه في غاية الاختلال، فإنّه لا يلزم من المغايرة الانفكاك في التصوّر ولا شكّ أنّ الغلط هنا من باب إيهام (2) العكس، فإنّ الأُمور التي تنفك بعضها عن بعض في التصوّر متغايرة.

سلّمنا وجوب الانفكاك لكن لِـمَ قلتم باستحالته؟ فإنّا قد نتصوّر جوهراً متحيّزاً غير موجود.


1 . أي هذه الحجّة كالحجّة الأُولى في كيفيتها.
2 . اصطلاح منطقي في باب المغالطة من المغالطات المعنوية يوضع أحد جزئي القضية مكان الآخر بتوهّم أنّه إذا صدق كل«ب» «ج» صدق كل «ج» «ب» أيضاً. انظر: أساس الاقتباس، المقالة السابعة، الفصل الثاني .


(44)

وعن الثاني: بذلك أيضاً، ولأنّه مغالطة فإنّ الوجود هو كون الماهية محصّلة في الخارج، فإذا عقلنا الماهية محصّلة في الخارج فقد عقلناها موجودة فيستحيل حينئذ الغفلة عن كونها موجودة.

وعن الثالث: الثابت ينقسم إلى ما لا مفهوم له وإلى ما له مفهوم آخر وراء كونه ثابتاً، فإن كان له مفهوم وراء كونه ثابتاً كان الثبوت زائداً عليه. وإن لم يكن له مفهوم وراء الثبوت لم يكن الثبوت زائداً عليه.وبالجملة فالقسمة المذكورة باطلة كما في قولنا: الإنسان إمّا أن يكون إنساناً أو لا.

وعن الرابع: التعيّـن لا يستدعي الوجود الخارجي.

وعن الخامس: أنّ الوجود قائم بالماهية من حيث هي هي، لا من حيث إنّها موجودة ولا من حيث إنّها معدومة، ولا يلزم من عدم إدخال الوجود في الاعتبار إدخال العدم فيه.

تنبيه (1): لا نعني بكون الوجود زائداً على الماهية ما نعنيه (2) بقولنا: السواد زائد على ماهية الجسم، فإنّ الجسم يوجد في الخارج منفكّاً عن السواد فيحكم حينئذ بزيادته عليه في الخارج وليس الوجود بالنسبة إلى الماهية كذلك، فإنّه من المستحيل أن يوجد الجسم في الخارج منفكاً عن الوجود، ثمّ يحلّ فيه الوجود حلول السواد في الجسم، فإنّ كون الجسم في الخارج هو وجوده، والماهية لا تتجرّد عن الوجود إلاّ في العقل، لا بأن يكون في العقل منفكّة عن الوجود، فإنّ الكون في العقل وجود عقلي كما أنّ الكون في الخارج وجود خارجي، بل نعني أنّ للعقل أن يلاحظ الماهية وحدها من غير ملاحظة الوجود، فاتّصاف الماهية بالوجود أمر


1 . التنبيه مستفاد من الطوسي حيث قال: «فزيادته في التصوّر».
2 . وفي هامش نسخة ق «نريد» بدلاً عن« نعنيه».


(45)

عقلي بخلاف اتّصاف الجسم بالسواد، فإنّ الماهية ليس لها وجود منفرد ولعارضه المسمّى بالوجود وجود آخر، ويجتمعان كاجتماع المقبول والقابل، بل الماهية إذاكانت فكونها هو وجودها، فالماهية إنّما تكون قابلة للوجود عند كونها في العقل.

البحث السادس: في الوجود الذهني (1)

اختلف الناس في ثبوته، ونفاه قوم، وأثبته آخرون، وهو الحقّ.

لنا (2) أنّا نتصوّر أُموراً لا ثبوت لها في الخارج، ونحكم عليها بأحكام ثبوتية والمحكوم عليه بالحكم الثبوتي يجب أن يكون ثابتاً، وإذ ليس بثابت في الخارج، فهو ثابت في الذهن. فهنا مقدمات:

الأُولى: تصوّر أُمور لا ثبوت لها في الخارج وهي ظاهرة، فإنّا نتصوّر بحراً من زئبق، وجبلاً من ياقوت و غير ذلك من المركّبات التي لا تحقّق لها في الخارج.

الثانية: أنّا نحكم عليها بأحكام ثبوتية وذلك، لأنّا نحكم بامتياز إحدى


1 . لقد استُحدث هذا البحث في القرن السابع والثامن، حيث لم يكن له من أثر قبل ذلك، حتى في كتب الشيخين «الفارابي» و «ابن سينا». نعم تعرّض له الشيخ الرئيس مستطرداً في ردّ القائلين بالثابت والحال، ولم يعنون له فصلاً مستقلاً. أُنظر الفصل الرابع من المقالة الأُولى من إلهيات الشفاء. والظاهر أن أوّل من طرح البحث مستقلاً هو الرازي «المتوفى 606 هـ» في المباحث المشرقية 1:130، ثم المحقّق الطوسي «المتوفى 672 هـ» في التجريد، ثم الإيجي «المتوفى 756 هـ» في المواقف: 52، وراجع الأسفار 1: 226 ـ 363. وسبب طرح هذه المسألة هو الردّ على شبهات القائلين بثبوت المعدوم، والحال.
2 . راجع المباحث المشرقية 1: 41. تجد فيه نفس الدليل وما قيل في الاعتراض عليه والجواب عنه. ثمَّ راجع التجريد، يذكر دليلاً آخر بقوله «وإلاّ بطلت الحقيقية». وقد جعله «الايجي» ثالث الأدلّة المنقولة من الحكماء، المواقف: 52.


(46)

الصورتين عن الأُخرى وبمخالفتها لها، وأنّ لها تعيّناً وتخصّصاً ليس لما عداها، وأنّ الجبل والبحر المذكورين أجسام. وهذه أحكام ثبوتية.

الثالثة: المحكوم عليه بالحكم الثبوتي يجب أن يكون ثابتاً، وذلك لأنّ ثبوت شيء لغيره فرع على ثبوت ذلك الغير في نفسه، وهو ضروري.

لا يقال: الوجود صفة ثبوتية، ولا يستدعي حصولها للماهية كون الماهية ثابتة وإلاّ لزم التسلسل.

ولأنّا (1) نحكم على السلب بمقابلته للإيجاب، وليس في السلب ثبوت في نفسه ولا في الذهن، لأنّه (2) من حيث هو ثابت في الذهن لا يقابل الثبوت المطلق، بل هو قسم منه، فهو من حيث إنّه مقابل لمطلق الثبوت لا يكون ثابتاً، ولأنّا نحكم على الممتنع بالامتناع (3)، ولأنّا نحكم على العدم بامتناع الحكم عليه وذلك مناقضة.

لأنّا نقول: الضرورة قاضية بالفرق بين اتّصاف الشيء بالثبوت واتصاف الشيء بثبوت آخر له، فإنّ العقل قاض بعدم اشتراط الأوّل بالثبوت وإلاّ لزم التسلسل، وباشتراط الثاني بالثبوت، وإلاّ لجاز قيام الصفات الثبوتية بالمحل المعدوم، وذلك يفضي إلى السفسطة، فإنّا إنّما نشاهد من الأجسام أعراضها من الكم والكيف وغير ذلك، فلو سوّغنا قيام الموجود بالمعدوم جاز قيام هذه الصفات بأجسام معدومة وذلك باطل بالضرورة.

والتحقيق: ما تقدّم من أنّه ليس في الخارج ماهية ووجود قائم بها قيام السواد بالجسم، بل الذهن يفصّل الشيء الموجود والمعقول إلى ماهيّة ووجود،


1 . من هنا يبدأ القائل بذكر ثلاثة موارد من النقض.
2 . وهذا دفع دخل مقدّر، وهو أن للسلب ثبوتاً في العقل، بما له من الصورة العقلية.
3 . مع أنّه لاثبوت له.


(47)

ويميّز بينهما، ويحكم بزيادة الوجود وحلوله في الماهية ذهناً وتعقّلاً لا خارجاً. والوجود الذهني وإن كان عبارة عن كون الماهية في الذهن فهو كالخارجي أيضاً; لأنّ الذهن قد يعقل الماهية خالية عن الوجود الذهني ويفرض لها وجوداً آخريكون شرطاً لهذا الوجود، وهكذا إلى أن ينقطع بانقطاع الاعتبار. والوجود المطلق (1) مشروط بالوجود الخاص الذهني أو الخارجي، ولا استبعاد في كون الخاص علّة وسبباً لوجود العام في غيره.

وإذا (2) استحضر الذهن صورة غير مستندة إلى الخارج وحكم عليها بأنّه لا مطابق لها في الخارج كان ذلك هو تصوّر السلب، ثم إذا استحضر صورة أُخرى وحكم عليها بأنّ لها في الخارج مطابقاً كان ذلك هو تصوّر الإيجاب، ثم يحكم على إحداهما بأنّها مقابلة للأُخرى، لا من حيث إنّهما حاضرتان في العقل، بل من حيث استناد إحداهما إلى الخارج دون الأُخرى، فالمحكوم عليه بالتقابل صورتان عقليّتان موجودتان في الذهن، وهذا معنى قولهم (3) «تقابل السلب والإيجاب: إنّما يتحقّق في القول والضمير (4) لا في الخارج».

ويمكن اعتبار ذلك أيضاً في الصورة الذهنية فإنّ للذهن أن يعتبررفع (5) جميع الأشياء حتّى رفع نفسه فإذا تصوّر شيئاً لا وجود له في الخارج بصورة حلّت فيه، أمكنه تصوّر عدمها وحكم بالتقابل بينهما من حيث إنّ الصورة أُخذت ثابتة في الذهن تارة ومسلوبة عنه أُخرى، وإن كان لابدَّ في السلب من ثبوت ذهني، لكن باعتبار آخر، فالحكم هنا بالتقابل على صورتين ثابتتين في الذهن لا باعتبار


1 . ق: «المطلق» ساقطة.
2 . هذا جواب عمّـا قاله المستشكل في تصوّر السلب.
3 . أي الحكماء.
4 . أي في العقل، وكذا في اللفظ والقول بنوع من المجاز.
5 . م:«رفع» ساقطة.


(48)

ثبوتهما في الذهن، بل من حيث إنّ احداهما أُخذت موجودة بالوجود الذهني (1) والأُخرى أُخذت مسلوباً عنها الوجود الذهني (2).

وإذا استحضر الذهن صورة وحكم عليها بالامتناع، كان حكماً على صورة ذهنية بامتناع وجودها في الخارج، لا بامتناع وجودها في الذهن، والمحكوم عليه بهذا الامتناع ليس تلك الصورة من حيث إنّها ذهنية، فإنّ ذلك غير مختصّ بالممتنع، بل كلّ صورة ذهنية يمتنع وجودها في الخارج، بل المحكوم عليه حقيقة تلك الصورة الموجودة في الذهن.

ولا (3) تناقض في الحكم على العدم بامتناع الحكم عليه، لتغاير الجهة، فإنّه من حيث هو في الذهن مقيّد بقيد العدم الخارجي يحكم عليه بامتناع الحكم، فالحكم عليه من حيث ثبوته في الذهن، وامتناع الحكم عليه، باعتبار كونه عدماً مطلقاً (4).

احتج النافون بوجوه (5):

الأوّل: لو ثبت الوجود الذهني لزم أن يكون الذهن حاراً بارداً، مستديراً مستقيماً ، وهو باطل بالضرورة. و لعدم اجتماع الضدين.

الثاني: الصورة الذهنية إن لم تطابق الخارج كانت جهلاً، وإن طابقت بطل أصل الدليل.


1 . ق: «بالوجود الخارجي».
2 . ومن هنا يبدأ جوابه على إشكال الحكم على الممتنع.
3 . هذا دفع إشكال الحكم على العدم.
4 . فمن جهة المفهوم والحمل الأوّلي يخبر عنه بأنّه لا يخبر عنه، وأمّا من جهة المصداق والحمل الشائع لا يخبر عنه، ففيه تغاير الجهة والحمل.
5 . راجع كشف المراد:28; المواقف:53; الأسفار 1: 308.


(49)

الثالث: يجوز أن تكون الصور الخياليّة قائمة بأنفسها، كما يقوله افلاطون.

الرابع: الوجود الذهني إن ثبت فإنّما يثبت في ما لا وجود له خارجاً، أمّا في ما له وجود في الخارج فلا.

والجواب عن الأوّل: (1) أنّ الموجود في الذهن ليس نفس الحرارة والبرودة، بل صورتهما ومثالهما، وهما لا يوجبان التسخين والتبريد، ولا يلزم حرارة الذهن، ولا اجتماع الضدّين، ولأنّ الذهن غير قابل للكيفيّات المحسوسة، فلا يلزم أن يكون متسخّناً.

وفيه نظر; لأنّ الصورة والمثال إن كانت عين الحرارة لزم الإشكال، وإلاّ كان قولاً بعدم ثبوت الحرارة في الذهن وهو المطلوب، ولا نعني بالانفعال عن الحرارة إلاّ وجود هذه الكيفية في المحل، وإذا لم يكن الذهن قابلاً لهذه الكيفية، لم يكن محلاً لها.

وعن الثاني: أنّ الجهل إنّما هو في الحكم بالمطابقة مع عدمها، أمّا في نفس وجود الصورة الذهنية فلا.

وعن الثالث: أنّ الضرورة قاضية بنفي الممتنعات.

وعن الرابع: أنّ الوجود الخارجي غير كاف في الحكم على الشيء، فإنّ الضرورة قاضية بأنّ الحاكم على الشيء يجب أن يحضره المقضي عليه.

واعلم أنّا لا نعني بالوجود الذهني ثبوت الشيء نفسه في الذهن فإنّ ذلك معلوم البطلان بالضرورة، بل نعني به وجود مثال له وصورة مساوية لا من كلّ وجه. وسيأتي تحقيق ذلك في باب العلم إن شاء اللّه تعالى.


1 . حاصل الجواب: أنّ الموجود في الذهن من البرودة والحرارة وغيرهما هو كذلك بالحمل الأوّلي لا الشائع.


(50)

البحث السابع: في أنّ الوجود هل يقبل الشدة والضعف أملا؟(1)

وقبل الخوض فيه لابدّ من تقديم معنى الشدّة والضعف أوّلاً.

فنقول: فسّـر أفضل المحقّقين (2) الاشتداد بأنّه اعتبار المحل الواحد (3) الثابت إلى حالّ فيه غير قارّ تتبدّل نوعيّته، إذا قيس ما يوجد منها في آن [ما] (4) إلى ما يوجد في آن آخر، بحيث يكون ما يوجد في كلّ آن متوسطاً بين ما يوجد في آنين يحيطان بذلك الآن، ويتجدّد جميعها على ذلك المحلّ المتقوّم دونها من حيث هو متوجه بتلك المتجدّدات إلى غاية ما. ومعنى الضعف هو ذلك المعنى بعينه، إلاّ أنّه يؤخذ من حيث هو منصرف بها عن تلك الغاية، فالآخذ في الشدة والضعف هو المحل، لا الحالّ المتصرم المتجدّد (5).

إذا عرفت هذا فنقول: اختلف الناس في أنّ الوجود هل يقبل الشدة والضعف أم لا؟ فأثبته قوم ونفاه آخرون.

احتج المثبتون: بأنّ معنى الاشتداد ثابت في الوجود، فإنّه كما أنّ السواد يشتد باعتبار كونه كيفية يفرض العقل لها طرفين، ووسائط تقرب بعضها من أحد الطرفين وبعضها من الآخر، فأحد الطرفين هو السواد البالغ في السوادية، الذي لا يوجد فوقه مرتبة زائدة عليه في السوادية، والطرف الآخر البياض، وأقرب


1 . راجع: كشف المراد:29; الأسفار 1: 423، فصل 4 «في أنّ الوجود هل يجوز أن يشتد أو يتضعّف أم لا» ؟
2 . وهو الخواجة نصير الدين محمّد بن محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة(672هـ).
3 . وليس «الواحد» في كلمات الخواجة.
4 . ق وج و م: «في آن إلى» والأصح ما أثبتناه.
5 . وقد شرح المصنف معنى الاشتداد في الجوهر النضيد: 27(الفصل الثاني من المقولات).


(51)

المراتب إلى الطرف الأوّل شديد وأبعدها عنه ضعيف، وتؤخذ مراتب غير متناهية بين الطرفين. وكذا الوجود له طرفان: الوجوب والعدم، ووسائط هي وجودات الممكنات، فكلّ ما كان أقرب إلى الوجوب كان أشدّ من الآخر، فيكون قابلاً للشدة والضعف.

واحتج المانعون: بأنّ الوجود معنى معقول بسيط لا يعقل فيه مراتب باعتبار كونه وجوداً. ولأنّه بعد الاشتداد إن لم يحدث شيء لم يكن اشتداداً، بل هو باق كما كان، وإن حدث لم يكن اشتداداً أيضاً للموجود الواحد، بل يكون حاصله أنّه حدث شيء آخر معه. وهذه الحجة تبطل الاشتداد في جميع الأعراض.


(52)

الفصل الثاني:

في مباحث العدم

البحث الأوّل: في أنّ تصوّره بديهي

البحث هنا كما قلنا في الوجود، فإنّا كما نعلم بالضرورة وجود ذواتنا، كذا نعلم بالضرورة ارتفاع ذلك الوجود و عدمه. ولأنّ التصديق الضروري، بأنّه لا يخلو الشيء عن الوجود والعدم، مسبوق بتصوّر الوجود والعدم، والسابق على البديهي أولى أن يكون بديهياً.

واعلم: أنّ العدم إمّا مطلق أو مضاف، والأوّل لا يُعلم ولا يخبر عنه، إذ لا تعيّـن له ولا تخصّص ولا امتياز، والعلم يستدعي ذلك كلّه، وما لا هويّة له كيف يشير العقل إليه بأنّه هو. أمّا المضاف فإنّه يعلم بواسطة ملكته.

لا يقال: العدم المطلق جزء من المضاف، والشيء ما لم يعلم جزؤه لا يُعلم، ولأنّ قولنا: العدم لا يخبر عنه إخبار عنه.

لأنّا نقول: العدم لا يعقل جزءاً من غيره، وإنّما ذلك اعتبار عقلي. والإخبار


(53)

عن العدم بعدم الإخبار عنه غير متناقض للتغاير في الموضوعات، فإنّ ما ليس بثابت في الذهن له ثبوت ذهني، لأنّ هذا السلب متصوّر والمنسوب إليه هذا السلب ليس له ثبوت أصلاً. فهنا اعتباران: سلب الثبوت ذهناً، والمنسوب إليه هذا السلب، فبالاعتبار الأوّل أمكن الحكم عليه دون الاعتبار الثاني من غير تناقض، لعدم اتّحاد الموضوع فيهما، وإنّما حصل لنا تصوّر سلب الثبوت المطلق، لأنّ للذهن أن يتصوّر جميع الأشياء حتّى عدم نفسه، فإذا تصوّر الوجود المطلق وتصوّر عدمه فقد تصوّر سلب الثبوت المطلق(1).

البحث الثاني: في أنّ المعدوم ليس بشيء (2)

هذه مسألة عظيمة وقع الخلاف فيها بين النفاة والمثبتين مع أنّها ظاهرة.

وتقرير الكلام في ذلك أن نقول: المعدوم إمّا أن يكون ممتنع الثبوت، ولا


1 . راجع تجريد الاعتقاد، المسألة السابعة والثلاثون من الفصل الأوّل، والأسفار 1: 238 و 344 ـ 350.
2 . أُنظر مقالات الإسلاميين:158; المحصل: 78; المباحث المشرقية 1:134; معالم أُصول الدين: 30;تجريد الاعتقاد، المسألة الحادية عشرة من الفصل الأوّل ; المواقف: 53; الأسفار 1:75; شوارق الإلهام: 57; الفصل الرابع من المقالة الأُولى من إلهيات الشفاء، وتعليقة صدر المتألهين عليه ص 26.
أقول: هذه المسألة تختلف مع مسألة الحال، لأنّ المعتزلة كانوا يعبّـرون عن الصفات والأسماء الثابتة للموجودات بالأحوال، وفي ما نحن فيه يثبتون الشيئية نحواً من الثبوت للمعدومات الممكنة، فالموضوع في مسألة الحال صفات الموجود مثل السوادية والبياضية والقادرية وغير ذلك، ممّا لا يوصف بالوجود و لا العدم، وسمّوها الحال، وهي واسطة بين الوجود والعدم.
وأمّا الموضوع ههنا فهو المعدوم الممكن المقابل للمعدوم الممتنع. هذا، وقد جعل الشهرستاني بين المسألتين نحواً من الاتحاد، وابتناء احداهما على الأُخرى، ثم حكم بالتناقض بين قولهم بشيئية المعدوم والقول بالحال، نهاية الاقدام في علم الكلام: 158ـ159 ولكن الحقّ اختلاف المسألتين لاختلاف موضوعهما، كما عرفت.


(54)

نزاع في أنّه نفي محض.

وإمّا أن يكون ممكن الثبوت، فعندنا أنّه كذلك (1)، وهو مذهب الأوائل وجماعة من المتكلّمين «كأبي الهذيل»(2) و«هشام الفوطي» (3) و«هشام البردعي»(4) و«أبي الحسين البصري» و «الخوارزمي» و «القاضي أبي بكر الباقلاني»(5) وغيرهم.

وذهب آخرون إلى أنّه شيء، بناءً على أنّ الوجود زائد على الماهية، وأنّه يجوز خلو تلك الماهية عن الوجودين وتبقى ثابتة في الأعيان، فجعلوا الوجود غير الثبوت، وهو مذهب «أبي يعقوب الشحّام»(6)و«أبي علي الجبائي» (7) و «أبي


1 . هذا مذهب الإماميّة كافة من أوّلهم إلى عصرنا الراهن. راجع أوائل المقالات: 98.
2 . محمد بن الهذيل بن عبد اللّه بن مكحول العبدي، مولى عبد القيس، أبو الهذيل العلاّف: من أئمة المعتزلة. ولد في البصرة واشتهر بعلم الكلام. كفّ بصره في آخر عمره، وتوفي بسامراء. وفيات الأعيان 1: 480 وفيه أقوال في وفاته سنة 235 و 226 و 227; لسان الميزان 5: 413; مروج الذهب 2: 298 ; تاريخ بغداد 3: 366.
3 . هو هشام بن عمرو الفوطي الشيباني من أهل البصرة وقد تفرّد بمسائل. وقال ابن النديم في الفهرست: وهو هشام بن عمرو الفوطي مسكن الواو كذا يجب في العربية، وقال السمعاني في الأنساب: الفوطي بضم الفاء وفتح الواو، وفي آخرها الطاء المهملة هذه النسبة إلى الفوطة وهي نوع من الثياب، طبقات المعتزلة :61 ; الأنساب 4: 408.
4 . ق وج: «الودعي».
5 . أبو بكر محمد بن الطيب المعروف بالباقلاني البصري المتكلّم المشهور ، كان على مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وناصراً طريقته، توفي ببغداد سنة 403 هـ. وفيات الأعيان 4: 269، يقول: «المعدوم لا هو مثبت ولا هو شيء» التمهيد:40، مراجعة الخضيري.
6 . يوسف بن عبد اللّه، أبو يعقوب الشحّـام: مفسّـر معتزلي، من أهل البصرة. انتهت إليه رئاسة المعتزلة في أيامه. أخذ عن أبي الهذيل وولّـي الخراج في أيام الواثق. عاش 80 سنة، وله كتاب في تفسير القرآن، وتوفّي في عام 280 هـ . لسان الميزان 6: 325; طبقات المعتزلة: 71 ـ 72. وهو أول من قال بإمكان تسمية المعدوم شيئاً. راجع: الشهرستاني: نهاية الإقدام، في علم الكلام: 151، حيث قال: «والشحّام من المعتزلة أحدث القول بأنّ المعدوم شيء وذات وعين».
7 . هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي أحد أئمّة المعتزلة (235 ـ 303 هـ). وفيات الأعيان 4:267.


(55)

هاشم» و «أبي الحسين الخيّاط» (1) و «أبي القاسم البلخي» (2) و «أبي عبد اللّه البصري» (3) و «أبي اسحاق بن عياش» (4) و «قاضي القضاة» (5) و «أبي رشيد»(6) [و](7) «ابن متوية» وغيرهم.

لنا وجوه: أوّلاً: لو كانت الماهيات متحقّقة في الخارج حال عدمها، لكانت متشاركة في ذلك التحقّق ومتباينة بخصوصيّاتها، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فيلزم أن يكون تحقّق كلّ ماهية زائداً عليها ولا نعني بكونها موجودة


1 . هو عبد الرحيم بن محمد بن عثمان، أبو الحسين ابن الخياط : شيخ المعتزلة ببغداد. تنسب إليه فرقة منهم تدعى «الخياطيّة». ذكره الذهبي في الطبقة السابعة عشرة، توفي سنة 300 هـ، وراجع نظره في هذه المسألة، الانتصار والرد على ابن الراوندي: 122 وما بعدها.
2 . هو عبد اللّه بن أحمد بن محمود الكعبي، من بني كعب، البلخي الخراساني، أبو القاسم: أحد أئمة المعتزلة كان رأس طائفة منهم تسمّى «الكعبية» وله آراء ومقالات في الكلام انفرد بها هو من أهل بلخ، أقام ببغداد مدة طويلة وتوفي ببلخ (273 ـ319هـ). تاريخ بغداد: ج9: 384 ;وفيات الأعيان: ج1: 252.
3 . الحسين بن علي بن إبراهيم، أبو عبد اللّه، الملقب بالجُعَل: فقيه، من شيوخ المعتزلة. كان رفيع القدر، مولده في البصرة ووفاته ببغداد (288 ـ 369 هـ). الزركلي: الأعلام2: 244.
4 . هو إبراهيم بن محمد بن عياش البصري تلميذ أبي هاشم. قال القاضي: هو الذي درسنا عليه أوّلاً. وله كتاب في إمامة الحسن والحسينعليمها السَّلام وفضلهما. طبقات المعتزلة ص 107.
5 . عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني الأسدآبادي، أبو الحسين: قاضي، أُصولي. كان شيخ المعتزلة في عصره. وهم يلقبونه قاضي القضاة، ولي القضاء بالريّ ومات فيها. (عام 415 هـ). الزركلي: الأعلام3: 273.
6 . هو سعيد بن محمد أبو رشيد النيسابوري، وكان بغدادي المذهب فاختلف إلى القاضي ودرس عليه وصار من أصحابه، وإليه انتهت الرئاسة بعد قاضي القضاة، انتقل إلى الري وتوفّي فيها (سنة 440 هـ). طبقات المعتزلة : 116.
7 . أضفنا «و» بينهما، لأنّ أبي رشيد غير ابن متوية وهي ساقطة في نسخة ق و م. وابن متوية هو أبو محمد حسن بن أحمد بن متوية، الذي لخّص بعض كتب القاضي وله كتاب التذكرة. طبقات المعتزلة : 119.


(56)

سوى ذلك، فيلزم أن تكون موجودة حال فرضها معدومة، وذلك باطل بالضرورة(1).

وفيه نظر; لأنّهم سلّموا مغايرة الثبوت للوجود، وأنّ الثبوت أمر مشترك زائد على الماهيّات، ولا يلزم أن تكون الماهيات موجودة حال كونها معدومة، بل أن تكون ثابتة حال كونها معدومة، وهو محلّ النزاع.

والتحقيق: أن نقول: النزاع هنا ليس إلاّ في إثبات معنى غير الثبوت وعدمه، والحق عدمه، لأنّ الثبوت هو الكون في الأعيان، ونحن لا نعقل سوى الماهية والكون في الأعيان، والوجود هو الكون في الأعيان.

ثانياً: لو كانت الذوات ثابتة في العدم،لكانت إمّا متناهية أو غير متناهية، والقسمان باطلان، فالقول بكونها ثابتة في العدم باطل.

أمّا الأوّل: فبالاتفاق، وإلاّ لزم انحصار مقدور اللّه تعالى في عدد متناه.

وأمّا الثاني: فلأنّها بعد إخراج شيء منها إلى الوجود إمّا أن تبقى كما كانت وهو باطل بالضرورة، وإلاّ لزم أن يكون الشيء مع غيره كهو لا مع غيره، وإمّا أن تنقص، فيلزم تناهيها، والذي خرج منها إلى الوجود متناه، فيكون الكلّ متناهياً وقد فرض غير متناه، هذا خلف (2).

وفيه نظر، فإنّه لا يلزم من القلّة التناهي، فإنّ معلومات اللّه تعالى أكثر من مقدوراته، وتضعيف الألف مراراً غير متناهية أقلّ من تضعيف الألفين كذلك والكلّ غير متناه، بل كلّ عدد غير متناه إذا أُخذ أي عدد متناه كان منه، فإنّ الباقي يكون غير متناه وأقلّ من الأوّل.


1 . استدل به الرازي في المحصل: 78، وذكره الايجي في المواقف: 54.
2 . راجع شرح المصنـف على تجريد الاعتقاد، ذيل قوله: «وانحصار الموجود» ص 33، ثم راجع المواقف: 54.


(57)

ثالثاً: هذه الماهيات من حيث إنّها هي ممكنةٌ لذواتها، وكل ممكن محدث، فهذه الماهيات من حيث هي هي محدثة، فتكون مسبوقة بالنفي الصرف.

أمّا المقدمة الأُولى، فلأنّها لو كانت واجبة التقرّر في الخارج لذواتها، لكانت واجبة الوجود، وسيأتي بيان أنّه واحد.

وأمّا الثانية، فسيأتي بيان أنّ كلّ ممكن محدث، وأنّ كل محدث مسبوق بالعدم (1).

وفيه نظر، فإنّهم يسلّمون أنّها ممكنة ومحدثة، ولكن ليس معنى المحدث هو المسبوق بالنفي، بل بالعدم. ولا يلزم من كونها واجبة التقرّر في الخارج كونها واجبة الوجود، لأنّ التقرّر في الخارج هو الثبوت، وليس واجب الوجود هو واجب التقرّر أو الثبوت، بل واجب الوجود، والوجود أخصّ من الثبوت على ما مرّ.

رابعاً: الذوات أزليّة، فلا تكون مقدورة، والوجود حال، فلا يكون مقدوراً، فتكون الذوات الموجودة غير مقدورة، فتنتفي قدرة اللّه تعالى وهو محال (2).

وفيه نظر; فإنّهم يذهبون إلى أنّ القادر تأثيره في جعل الذوات موجودة، ولا يندرج ذلك تحت ما ذكره من الأقسام.

خامساً: السواد المعدوم إمّا أن يكون واحداً أو كثيراً، و القسمان باطلان، فالقول بثبوته باطل. أمّا الأوّل، فلأنّ وحدته إن كانت لازمة لماهيته امتنع تكثّره في الخارج، وإن لم تكن لازمة أمكن عدمها، فيحصل التعدّد، لكنّه محال لتوقّفه على التباين بالهوية، ثمّ ما به التباين إن كان لازماً للماهية لزم اختلاف كل شيئين بالماهية، فلا يوجد شخصان من نوع واحد، هذا خلف. وإن لم يكن لازماً كان


1 . انظر المواقف: 54.
2 . استدل به الرازي في المحصل: 79، واعتمد عليه الايجي في المواقف: 55.


(58)

المعدوم مورداً للصفات الزائلة (1) وهو محال، وإلاّ لجاز أن يكون محلّ الحركات والسكنات المتعاقبة معدوماً، وهو باطل بالضرورة (2).

وهو ضعيف; لأنّ السواد المعدوم لا يوصف بكثرة ولا وحدة.

سلّمنا، لكن التباين إذا لم يكن من اللوازم لم يجب زواله، وإن أمكن، لكن كونه مورداً للصفات الزائلة (3) لازم للزوال لا لإمكانه.

سادساً: المعدوم إن ساوى المنفي أو كان أخصّ، فكلّ معدوم منفي وكلّ منفي فليس بثابت فالمعدوم ليس بثابت. وإن كان أعم وجب أن لا يكون نفياً محضاً، وإلاّ لم يبق فرق بين العام والخاص، وإذا لم يكن نفياً كان ثابتاً، وهو مقول على المنفي (4) فإنّ العام صادق على الخاص، فيكون الثابت صادقاً على المنفي، هذا خلف (5).

وفيه نظر; لجواز المباينة، فإنّهم يذهبون إلى أنّ المنفي هو الممتنع، والمعدوم هو الممكن الثابت.

سابعاً: المعدوم الثابت إمّا أن يكون وجوده ثابتاً أو منفياً، والقسمان باطلان، فالقول بثبوت المعدوم باطل.

أمّا الأوّل، فلأنّه إن لم يكن ثابتاً له لزم ثبوت الصفة لغير الموصوف، وهو غير معقول. وإن كان ثابتاً له لزم أن يكون موجوداً حال ما فرضناه معدوماً، هذا خلف.


1 . «المتزايلة» في المحصل للرازي: 79.
2 . هذا ما استدل به الرازي في المباحث المشرقية:135ـ 136; المحصل: 79، وانظر المواقف: 54.
3 . م: «المتزايلة».
4 . م: «النفي» والصحيح ما أثبتناه في المتن من نسخة ق.
5 . أُنظر الاستدلال بشكل قياسي واضح في المباحث المشرقية: 46، واعتمد عليه الايجي في المواقف: 55.


(59)

وأمّا الثاني، فلأنّ المنفي ممتنع الثبوت عندهم فلا تكون الذوات المعدومة ممكنة الوجود، هذا خلف.

ثامناً: المعدوم الممكن إمّا أن يكون موجوداً أو ليس بموجود، ولا ثالث لهما، فإنّ أحدهما نفي والآخر إثبات.

والأوّل باطل، وإلاّ لزم أن يكون المعدوم موصوفاً بالوجود، وهو باطل بالضرورة.

والثاني يلزم منه أن يكون نفياً، فيكون ممتنعاً.

وفيه نظر; فإنّه لا يلزم من كونه ليس بموجود أن يكون نفياً، لأنّ ما ليس بموجود قد يكون ثابتاً.

واعلم أنّ الضرورة قاضية بفساد هذا المذهب، فإنّه لا يعقل شيء سوى الماهية والوجود، ومن أثبت أمراً وراء الوجود أعمّ منه وسمّـاه الثبوت، فقد كابر مقتضى عقله.

احتج المخالف بوجوه:

الأوّل: المعدومات متميّزة في أنفسها وكلّ متميّـز ثابت.

أمّا الصغرى، فلأنّا نعلم طلوع الشمس غداً وهو معدوم الآن، ونعلم الحركة التي يمكنني أن أفعلها والتي لا يمكنني فعلها، ولهذا نحكم على إحداهما بإمكان الوقوع دون الأُخرى. ولأنّا نقدر على الحركة يمنةً ويسرةً، ولا نقدر على خلق السماء والأرض، وهذا الامتياز حاصل قبل وجود هذه الأشياء. ولأنّا نريد اللذات ونكره الآلام وهي معدومة، ولولا امتياز بعضها عن البعض لاستحال


(60)

تخصيص بعضها بالإرادة وبعضها بالكراهة، فقد ثبت بهذه الوجوه أنّ المعدومات متميّزة.

وأمّا الكبرى، فلأنّ معنى الثابت هو المتميّز عن غيره، المتخصّص بتعيّنه عمّـا سواه، فإنّ ذلك إنّما يعقل بعد تحقّق تلك الحقائق، فتكون الماهيّات متحقّقة وثابتة حال العدم.

الثاني: المعدوم الممكن موصوف بالامتياز عن الممتنع، والامتناع ليس وصفاً ثبوتياً، وإلاّ لكان محلّه ثابتاً، هذا خلف، وإذا لم يكن الامتناع ثبوتياً، كان الإمكان الذي هو مناف للامتناع ثبوتياً، ضرورة كون أحد المتنافيين ثبوتياً، فيكون المعدوم الممكن ثابتاً.

الثالث: المقدور لا يوجد إلاّ بإيجاد القادر إيّاه، وإيجاد القادر إيّاه متوقّف على تعلّق القادر به، و تعلّق القادر به دون غيره يتوقّف على تميّزه عن غيره، فإذن وجوده يتوقّف على تميّزه بمراتب. أو نقول: المقدور محتاج إلى الموجد، فلابدّ من أمر متصف بالحاجة وليس المتّصف بالحاجة هو الموجود; لأنّ الحاجة إلى القادر لأجل أن يجعل الشيء موجوداً فالموجود يستحيل إيجاده، فكيف يمكن أن يحتاج إلى الفاعل ليجعله موجوداً .ولأنّه لو احتاج الشيء حال وجوده إلى المؤثّر لاحتاج حال بقائه إليه، لأنّ وجوده في الحالين واحد، ومقتضى الشيء الواحد من حيث هو حاصل في جميع أزمان حصوله لا يختلف، فيثبت أنّ المتّصف بالحاجة إلى الفاعل هو المعدوم، وكل ما اتّصف بصفة ليست حاصلة لغيره، فإنّه لابدّ وأن يكون متميّزاً في نفسه وثابتاً، فيكون المعدوم ثابتاً.

الرابع: لا نزاع بين العقلاء في وجود الممكنات، والممكن هو الذي يصحّ عليه الوجود والعدم. والمعنى بقولنا:إنّه يصحّ عليه العدم، أنّه يصحّ أن يقال: إنّه معدوم، وهذا يقتضي تحقّق تلك الحقيقة عند كونها معدومة، لأنّ الموصوف لابدّ


(61)

وأن يكون متقرّراً مع الصفة، وهذا يقتضي أن تكون هذه الحقائق متقررة ثابتة مع كونها معدومة، وهو المطلوب.

الخامس: علّة الحاجة إلى المؤثّر إنّما هي الإمكان لا الحدوث على ما يأتي، والإمكان حالة إضافية لا تتحقّق إلاّ بين الأمرين، ويستحيل عروض الإضافة للأمر الواحد، فإذن الحقائق المفردة يستحيل عروض الإمكان لها، فيستحيل أن تكون مجعولة، فهي إذن ثابتة لأنفسها وذواتها، وإنّما توجد بالفاعل، فهي إذن ثابتة في العدم.

السادس: قال تعالى: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيم)(1) وصف الزلزلة بالشيئية وهي معدومة.

وكذا قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ) (2) وقوله تعالى:(وَلا تَقُولَنّ لشْيء إِنّي فاعِلُ ذلِكَ غَدا) (3).

السابع: الماهيات غير مجعولة، وإلاّ لزم من فرض عدم الفاعل خروج الماهيّة عن كونها ماهية، لأنّ كلّ ما تحقّقه بسبب غيره، فإنّه يلزم من فرض عدم الغير عدم ذلك الأثر، فلو كان الجوهر جوهراً بالفاعل أو السواد سواداً بالفاعل لزم عند فرض عدم ذلك السبب أن يخرج الجوهر عن كونه جوهراً، والسواد عن كونه سواداً وذلك محال، لأنّ قولنا: السواد خرج عن كونه سواداً، قضية يجب صدق محمولها على موضوعها، فيكون موضوعها ثابتاً حال صدق محمولها عليها، فيكون السواد ثابتاً حال صدق خروجه عن السوادية وذلك محال، فيثبت امتناع


1 . الحج/ 1.
2 . الحجر/21.
3 . الكهف/23.


(62)

استناد تقرّر الماهيّات وتحقّقها إلى الفاعل.

الثامن: لو لم يكن المعدوم شيئاً وذاتاً لصحّ أن يقال: إنّ اللّه تعالى علم الأشياء ولا معلوم، لأنّ المعدوم إذا لم يكن شيئاً لم يكن معلوماً.

التاسع: القادر يريد إيجاد الجوهر وإيجاد السواد، فلابدّ وأن يكونا ذاتين حتى يصحّ منه القصد إلى إيجادهما، ويدعوه الداعي إلى ذلك.

والجواب عن الأوّل: أنّ العلم لا يستدعي الثبوت في الخارج، بل في الذهن، فإنّا نتصوّر شريك الباري ولهذا نحكم عليه بالامتناع، والحكم على الشيء يستدعي تصوّره وكذا نتصوّر بحراً من زئبق وجبلاً من ياقوت، ونحكم بامتياز بعض هذه التصوّرات عن بعض، وماهيّات الجواهر والأعراض وإن كانت ثابتة، إلاّ أنّ الجواهر الموصوفة بالأعراض غير ثابتة.

ولأنّا نتصوّر وجودات هذه الأشياء ونميّز بعضها عن بعض، فإنّا كما نميّز بين ماهية الحركة يمنةً ويسرةً، كذا نميّز بين وجود إحداهما (1) ووجود الأُخرى، مع أنّ الوجود ليس ثابتاً في العدم اتفاقاً، ولأنّه مناف له.

ولأنّا نعقل ماهية التركيب والتأليف قبل دخولهما في الوجود، مع أنّه لا تقرّر لهذه الماهية في العدم، فإنّ التأليف عبارة عن اجتماع الأجزاء وتماسّها على وجه مخصوص وذلك غير ثابت في العدم اتّفاقاً. وكذا نعقل المتحركية والساكنية قبل حصولهما، مع أنّهما من قبيل الأحوال، فقد ظهر أنّ التميّـز في التصوّر لا يستدعي ثبوتاً في الخارج.

قولهم: المعدوم مقدور فيكون ثابتاً.


1 . أي إحدى الحركتين.


(63)

قلنا: متعلّق القدرة إمّا أن يكون ثابتاً أو لا، فإن كان الأوّل لزم تحصيل الحاصل وهو محال، أو أن لا يكون للقدرة فيه أثر، فلا يكون ما فرضناه متعلّق القدرة متعلّق القدرة، هذا خلف. وإن كان الثاني بطل أصل الدليل.

وكذا قولهم: المعدوم مراد وكل مراد ثابت، فإنّ متعلّق الإرادة إن كان ثابتاً لزم تحصيل الحاصل. وإن لم يكن ثابتاً بطل الاستدلال.

لا يقال: متعلّق القدرة والإرادة هو الذات الثابتة على معنى إيجاد تلك الذات.

لأنّا نقول: متعلّق القدرة والإرادة إن كان هو الإيجاد عاد التقسيم فيه، وإن كان هو الماهية بمعنى أنّ القدرة والإرادة تعلّقا بإيجادها، لم يكن متعلّق الإرادة والقدرة سوى الإيجاد (1).

وعن الثاني: إنّ الموصوف بالإمكان يستحيل أن يكون ثابتاً في العدم، لأنّ الذوات المعدومة يستحيل عليها التغيّـر والخروج عن الذاتية، فلا يمكن جعل الإمكان صفة لها، وإن لم يكن ثابتاً في العدم، لم يمكن الاستدلال بالإمكان على كون الموصوف به (2) ثابتاً في العدم (3). ثم نقول: الإمكان ليس وصفاً ثبوتياً وإلاّ لزم التسلسل، فلا يكون الموصوف به واجب التحقّق.

وعن الثالث: ما تقدم من أنّ متعلّق القدرة لا يجوز أن يكون ثابتاً، وتميّـزه يعطي ثبوته في الذهن لا في الخارج، والموصوف بالاحتياج ثابت في الذهن، لأنّه


1 . لاحظ تلخيص المحصل:76 وما يليها، والمباحث المشرقية 1: 47، ثم لاحظ كشف المراد: 15; المواقف: 55.
2 . م: «به» ساقطة .
3 . لاحظ تلخيص المحصل:82، والطوسي قد لخص الجواب باعتبارية الإمكان، وشرحه المصنف في كشف المراد: 16.


(64)

لو كان ثابتاً في الخارج لم يكن محتاجاً.

وعن الرابع: أنّ المراد بصحّة العدم ليس أن تكون الماهية ثابتة متقرّرة في الخارج، وتكون حينئذ موصوفة بالعدم، بل معناه إمكان (1) أن لا تتحقّق تلك الماهية ولا تكون ماهية. والأصل فيه أنّ الماهية إن كانت متقررة حالتي الوجود والعدم استحال جعل الإمكان صفة لها، بل للوجود، وهو غير ثابت بالاتفاق، فقد ظهر الاتفاق على أنّ الموصوف بالإمكان ليس ثبوتياً في العدم.

وعن الخامس: أنّ معروض الإضافة ثابت في الذهن لا في الخارج على ما تقدّم، ولو استحال استناد الذات إلى الفاعل لاستحال استناد الوجود إليه، وإلاّ لخرج الوجود عن كونه وجوداً، كما قلتم في الماهية، واستحال استناد موصوفية الماهية بالوجود إلى الفاعل كذلك أيضاً، ولأنّ الموصوفية ليست صفة زائدة على ذات الموصوف والصفة، وإلاّ لزم التسلسل.

وعن السادس: أنّ هذه المعدومات تسمّى شيئاً لغةً على معنى أنّه يصحّ تعقلها والإخبار عنها، لا بمعنى أنّها ذوات ثابتة في الخارج.

وعن السابع: ما تقدم من أنّ الماهيات لو لم تكن مجعولة، لزم نفي المجعولية أصلاً ورأساً، بل الفاعل كما يجعل الماهية موجودة، يجعل الماهية ماهية لا بأن تكون الماهية ثابتة وتوجد لها وصف كونها ماهية، بل بأنّه تحقّق تلك الماهية. مع أنّ هذا الدليل آت في الوجود، فإنّه لو كان بالفاعل، لزم عند عدم ذلك الفاعل أن يخرج الوجود عن كونه وجوداً.

لا يقال: الوجود لا يقع بالفاعل، بل موصوفية الذات بالوجود.

لأنّا نقول: الإيراد آت في الموصوفية، فيلزم أن لا يكون للفاعل أثر البتّة.


1 . ق: «إمكان» ساقطة.


(65)

وعن الثامن: أنّا نلتزم ذلك، فإنّه تعالى عَلِمَ الأشياء قبل وجودها، ولا معلوم له ثابت في الخارج، إلاّ أنّا لا نطلق ذلك، لأنّه يوهم أنّه ما علم شيئاً، ولا يلزم من كون المعدوم ليس بشيء كونه ليس بمعلوم. ثمّ إنّه يبطل بقولهم: إنّه تعالى علم أنّه لا مثل له.

وعن التاسع: بالمنع من توقّف القصد على ثبوت الذاتية، بل يكفي في صحّة القصد إلى إيجاد الحجم أن يعلم القادر حقيقة الحجم ماهي، ثمّ يدعوه الداعي إلى إيجاد ما يطابق ما علمه(1) من حقيقة الحجم، فيجعل حجماً لكونه قادراً، كما يعلم مثله في القادر منّا، فإنّا نعلم حقيقة ما نفعله(2) قبل إيجاده، ثمّ يقصد إلى فعل ما يطابق علمه بحقيقته، من دون أن يشعر أنّ في العدم شيئاً وذاتاً. وأيضاً، فإنّ مذهبكم أنّ القادر يقصد إلى إيجاد الذات وتحصيلها على صفة الوجود، ومع ذلك فإنّه لا يجب أن تكون على صفة الوجود حتى يصحّ منه القصد إلى ذلك.

لا يقال: الذات عندنا معلومة للقادر، فصحّ منه القصد إليها ليوجدها.

لأنّا نقول: القصد عندكم لا يتعلّق بالذات، لأنّ الذات يستمرّ كونها ذاتاً عندكم، فهي في حكم الباقي، والقصد إلى الباقي وإلى الأعيان عندكم لا يصحّ، وإنّما يتعلّق القصد عندكم بالحدوث أو بحدوث الشيء على وجه، وإذا لم يتعلّق القصد بالذات من حيث هي ذات، بل بصفة الوجود ليجعل الذات عليها، ولا يجب أن تكون صفة وجودها قبل حصولها، فليجز مثل ذلك في قصد القادر إلى جعل الذات.


1 . م:«علم».
2 . كذا في النسخ، و لعلّ الصحيح:«فانّه يعلم حقيقة ما يفعله».