welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : نهاية المرام في عـلم الكــلام/ ج 1*
نویسنده :نابغة عصره وفريد دهره العلامة الحلّي*

نهاية المرام في عـلم الكــلام/ ج 1

تحت اشراف آية الله جعفر السبحاني

نهاية المرام
فــي
عـلم الكــلام

تأليف

نابغة عصره وفريد دهره العلامة الحلّي

(648 ـ 726 هـ)

تحقيق

فاضل العرفان


(2)

(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّهِ القديم الأزليّ الدائم الأبدي الفَردِ الصّمدِ الواحدِ، الحليمِ الكريمِ العظيمِ الجواد الماجد(1)، المتقدس بوجُوب وجوده عن الشريك والضدّ والمعانِد، المتنزّه بكماله الذاتي عن الصاحبةِ والولد والوالد، المتوحّد بتفرّده في الصنع والإبداع عن المعين والظهير والمعاضِد، العالم بمستودعاتِ السرائر ومكنونات الضمائر وما اشتملت عليه العقائد، المتعالي بتجرّده عن نيل الأوهام وإدراك الحواس، المُدرِك لجميع الموجودات من الأشخاص والأصناف والأنواع والأجناس، فهو الغائب الشاهد المختص بالملكوت والعظمة والجبروت، فكلّ شيء له خاضع ساجد، يسبّح له ما في السماوات وما في الأرض من رطب وجامد، أحمده على افضالهِ المتضاعف وكرمه المترادف المتزايد، وأشكره على سوابغ قسمه وتواتر نعمه الأوابد. وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ولا نِدَّ ولا مساعد، وأشهد أنّ محمّداً عبدُهُ ورسوله أرسله بالهدى ودين الحقّ ليُظهرهُ على الدينِ كلّه ولو كرهَ المشرك والجاحد، شهادةً أستدفعُ بها الأهوال والشدائد، وأدّخر


1 . م: «الأحد».


(4)

بها الزاد يوم المعاد وأسترفد (1) بها مِنَ اللّه تعالى أعظم الذخائِر والفوائِد.

وصلّـى اللّه على سيّد الأنبياء وخير الأصفياء محمّد بن عبد اللّه، القامع شرعهُ لكلّ شيطان مارِد، والموضح دينه لأنواع الحكمِ وأصنافِ المقاصدِ، وعلى آلهِ المطهّرين عن الأدناس، المقدسين عن الخطايا والأرجاس، الغرر الأماجد، صلاة يدحض بها كيدُ كلّ كائد ويقمع عناد كلّ معاند، وسلّم تسليما.

أمّا بعد:فإنّ اللّه تعالى شرّف العلماء وعظّم الفضلاء لاختصاصهم بمزيد الإفضال وتميّزهم بأسباب الكمال، وهو حصول العِلم فيهم المُقتضي لارتفاعهم عن مشابهة الجمادات وامتيازهم عن العجماوات، وجعل مساواتهم لغيرهم محلّ العجب العجاب فقال عزَّ من قائل: (قُلْ هَلْ يَستوِي الَّذين يَعْلَمونَ والَّذينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتذَكَّرُ أُولُوا الألبابِ) (2). وقد تطابقت الأخبار النبوية والقضايا العقلية البديهيّة على ارتفاع قدر العلماء إلى ذروة العلا، وإنهباط منازل الجهال إلى أسفل درك الشقاء. هذا مع (3) ما أعدَّ اللّه تعالى لذوي البصائر والألباب وأولي النهى والصواب من مزيد الانعام وكثرة الثواب.

ثمّ (4) إنّ العلوم متفاوتة بحسب تفاوت المعلومات، ومتفاضلة بحسب تفاضل المتعلّقات، وبعضها سبب النجاة، فيجب على طلاّب العلم صرف الهمم إلى البدأة بالأهم منها فالأهم.

ولا شك أنَّ أهمّ المعارف وأولاها وأجلّها وأسناها، ما يكون سبباً للخلاص


1 . الرفد: العطاء، والإرفاد: الإعطاء والإعانة، والاسترفاد: الاستعانة. (لسان العرب 5: 264).
2 . الزمر /9.
3 . ق: «مع» ساقطة.
4 . م: «ثم قال» وهي زيادة من الناسخ.


(5)

من المهلكات وموجباً لارتفاع الدرجات، وقد ظهر لأهل الحلّ والعقد، وأرباب السبك (1) والنقد، أنّ أشرف الموجودات وأكمل المعلومات، هو ذات واجب الوجود، المفتقر إليه كلّ موجود، فالعلم به تعالى وتقدّس أجلّ من كلّ علم وأنفس. هذا مع اتّفاق الرسل والأنبياء، وإطباق العقلاء وإجماع العلماء على وجوب معرفة اللّه تعالى على الأعيان، و(2)الحتم بها في كلّ حين وزمان، ولم يسوّغ أحد من المشرّعين، ولا جوّز أحد من العارفين سلوك طريق التقليدلأحد من العلماء، ولا ارتكاب عقائد الأجداد والآباء، إلاّ بعد الجدّ والاجتهاد والاستقصاءفي تحصيل الاعتقاد، بل حرّموا ذلك على الإطلاق ومنعه الشارع بالاتفاق.

وأوجبوا على كلّ مكلّف بذل الوسع في تحصيل المعارف، ليحصل الأمن من المخاوف، وذلك إنّما هو بعلم الكلام، فوجب معرفته على الخاص والعام. وقد صنّفنا فيه كتباً متعدّدة ومسائل مسدّدة.

وقد أجمع رأينا في هذا الكتاب الموسوم بـ «نهاية المرام في علم الكلام» على جمع تلك الفوائد التي استنبطناها والنكت التي استخرجناها، مع زيادات نستخرجها في هذا الكتاب لطيفة، ومعان حسنة شريفة لم يسبقنا إليها المتقدّمون ولا سطرها المصنّفون.

ثمّ نذكر على الاستقصاء ما بلغنا من كلام القدماء، ونحكم بالإنصاف بين


1 . سبَك: المعدِن، سبَكاً: أذابه و خلّصه من الخبث، ثمّ أفرغه في قالب.و يقال: سَبكت التجاربُ فلاناً: علمته و هذَّبته.(المعجم الوسيط، مادة «سَبك)».
2 . أي وجوب المعرفة اليقينية، وسيرد عليك ما يفيدك بصيرة في الفصل السادس من مقدمة الكتاب.


(6)

المتكلّمين والحكماء، وجمعت فيه بين (1) القوانين الكلاميّة والقواعد الحكميّة المشتملة (2) عليهما المباحث والنهاية (3).فكان في هذا الفن قد بلغ الغاية (4)، لأجل أعزّ الناس عليّ وأحبَّهم إليَّ وهو الولد العزيز محمّد، رزقه اللّه تعالى الوصول إلى أقصى نهايات الكمال، والارتقاء إلى أعلى ذرى (5)الجلال، وأيّده بالعنايات الأزليّة، وأمدّه بالسعادات الأبديّة، وأحياهُ اللّه تعالى في عيش رغيد (6) وعمر مديد، بمحمّد وآلهِ الطاهرين.

وقد رتّبت هذا الكتاب على مقدمة وقواعد مستعيناً (7) باللّه لا غير،فإنّه الموفق لكلِّ خير ودافع كلَّ ضير.

وتشتمل المقدمة على فصول (8):

الأوّل: في بيان شرف هذا العلم

ويدلّ عليه وجوه:

أـ أنَّ البديهة حاكمة بشرف العلم وعلو شأنه. لا شكّ أنّ شرف العلم تابع لشرف المعلوم، ولمّا كان الغرض الأقصى من هذا الفن معرفة اللّه تعالى وصفاته وكيفيّة أفعاله وتأثيراته،والبحث عن رسله وأوصيائهم، وأحوال النفس والمعاد، وهذه أشرف المطالب خصوصاً وواجب الوجود تعالى أشرف الموجودات،


1 . م: «من».
2 . م: «المشتمل».
3 . في هامش نسخة ج: المباحث والنهاية هما كتابان للفخر الرازي.و المراد من المباحث: المباحث المشرقية ، و من النهاية: نهاية العقول في دراية الأُصول.
4 . م: سقطت الجملة بتمامها من «لاجل» إلى «وقد رتبت».
5 . جمع ذروة، وذروة كل شيء: أعلاه (لسان العرب: مادة «ذرا)».
6 . رغيد: رغد من العيش أي رزق واسع (المصباح المنير: مادة «رغد)».
7 . في المخطوطة:«مستعين»، أصلحناها وفقاً للسياق.
8 . ولتعريف علم الكلام راجع المواقف: 7; مقدمة ابن خلدون: 458; احصاء العلوم: 71; شرحالمقاصد 1: 11ـ12; التعريفات: 8; مقدمة قواعد المرام; مقدمة شوارق الالهام.


(7)

فالعلم به أشرف العلوم.

ب ـ أنّ مقدمات العلوم قد تكون قطعيّة، وقد تكون ظنّية، ويحصل بالأوّل اليقين، وبالثاني الظنّ، والأوّل أشرف.

ومقدمات هذا الفن قطعيّة يقينيّة (1)، إمّا (2) بديهيّة أو كسبيّة راجعة إليها، فتكون براهينه أوثق من غيره، فيكون أشرف.

جـ الإنسان خلق لا كغيره من الحيوانات، بل جعل محلاّ ً لخطاب اللّه تعالى وتكليفه، لينال السعادة الأُخروية، وهي أجلّ (3) المطالب وأتمَّ المقاصد، ولا شكَّ أنَّ نيل هذه السعادة إنَّما يحصل بالإيمان باللّه تعالى ورسله واليوم الآخر، وذلك كلُّه إنَّما يحصل بمعرفة هذا الفن، فيكون أشرف.

دـ السعادة الدنيوية لا يمكن تحصيلها، إلاّ بالحكمة العمليّة المعلوم فيها معرفة أحوال نظام العالم، والعلوم السياسية والمدنية (4)، والأخلاق المحمودة والمذمومة، لتكمل النفس باستعمال تلك، والتنزّه عن هذه (5)، وذلك إنّما يحصل بالرغبة في الثواب والرهبة من العقاب، وإنّما يستفادان من هذا العلم.

هــ العلم إمّا ديني أو دنيوي، والثاني غير معتدّ به عند العقلاء، لأنّه يجري مجرى الحرف والصناعات، فالمعول عليه هو الأوّل لا غير، والعلوم الدينيّة كلّها متوقّفة على صحّة هذا العلم، لأنّه المتكفّل لإثبات الصانع تعالى، وإثبات قدرته وعلمه، ليصحّ تكليفه، ويتيسر (6) للفقيه والمحدّث والمفسّـر للكتاب


1 . م: «يقينية» ساقطة.
2 . م: «لانها».
3 . م: «اعظم».
4 . م: «الدينية» والصواب ما في المتن.
5 . أي باستعمال الأخلاق المحمودة والتنزّه عن الأخلاق المذمومة.
6 . م: «تكليفه ويتيسر» ساقطة.


(8)

العزيز وغيرهم من العلماء الخوض في علومهم. وإذا ثبت استغناؤه عن غيره واحتياج غيره إليه كان أشرف.

وـ أنَّ للضد مدخلاً في حسن الضد الآخر وقُبحه، فإذا كان الخطأ في هذا العلم كفراً وبدعةً، وهما من أقبح الأشياء وأخسّها (1)، وجب أن يكون هذا العلم الذي يحصل به إصابة الحق، من أشرف الأشياء وأحسنها.

زـ موضوعات سائر العلوم على ما سيظهر، راجعة إلى هذا العلم، وموضوعه بديهيّ الثبوت، فجميع العلوم محتاجة إليه، ومبادئها مستندة إليه، فيكون أشرف (2).

الفصل الثاني: في علّة تسميته بالكلام (3)

كلّ علم من العلوم لا ينفكّ عن البحث والمناظرة والكلام، لكن خصّص هذا العلم باسم الكلام لوجوه:

أـ العادة قاضية بتسمية البحث في دلائل وجود الصانع تعالى وصفاته وأفعاله، الكلام في اللّه تعالى وصفاته، فسمّي هذا العلم بذلك. ولا استبعاد في تخصيص بعض الأسماء ببعض المسمّيات دون بعض.

ب ـ أنكر جماعة البحث في العلوم العقليّة والبراهين القطعية، فإذا سئلوا عن مسألة تتعلّق باللّه تعالى وصفاته وأفعاله والنبوّة والمعاد، قالوا: نُهينا عن الكلام في هذا العلم، فاشتهر هذا العلم بهذا الإسم.


1 . م: «أخبثها».
2 . أُنظر الوجوه ما عدا الأخيرة في مقدمة نهاية العقول للرازي.

3 . راجع شرح العقائد النسفية :15ـ 16; المواقف: 8 ـ 9; كشّاف اصطلاحات الفنون، للتهانوي 1:24; مذاهب الإسلاميين، للبدوي1:28ـ32.


(9)

ج ـ هذا العلم أسبق من غيره في المرتبة، فالكلام فيه أسبق من الكلام في غيره، فكان أحقّ بهذا الاسم.

د ـ هذا العلم أدقّ من غيره من العلوم، والقوّة المميّزة للإنسان ـ وهي النطق ـ (1) إنّما تظهر بالوقوف على أسرار هذا العلم، فكان المتكلّم فيه أكمل الأشخاص البشريّة، فسمّي هذا بالكلام; لظهور قوّة التعقّل فيه.

هـ ـ هذا العلم يوقف منه على مبادئ سائر العلوم، فالباحث عنه كالمتكلّم في غيره، فكان اسمه بعلم الكلام أولى.

وـ أنّ العارفين باللّه تعالى يتميزون عن غيرهم من بني نوعهم، لما شاهدوه من ملكوت اللّه تعالى، وأحاطوا بما عرفوه من صفاته، فطالت ألسنتهم (2) على غيرهم فكان علمهم أولى باسم الكلام.

الفصل الثالث: في موضوعه (3)

إعلم أنّ لكلّ علم على الإطلاق أُموراً ثلاثة: موضوعاً ومبادئ ومسائل.

ونعني بالموضوع: ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه التي تلحقه لما هو هو ـ أي: لذاته ـ أو لجزئه أو لما تساوى ذاته من لوازمه، وهذه أجمع تسمّى


1 . ق: «المنطق».
2 . هكذا في «ق» و «م» والظاهر أنّهم أصبحوا كثيري الحجج فحصلت لهم القدرة على الكلام مع مخالفيهم، كمن حصلت له القدرة في العقليات بمعرفته المنطق.
3 . وقد اقتصر المصنف (ره) في هذا الفصل على بيان الكلّيات والبحث عن الموضوع والمبادئ والمسائل لكل علم،وبيان رأيه في موضوع علم الكلام وأعرَضَ عن ذكر الأقوال في موضوع هذا العلم.
ومن أراد التفصيل في هذه الثلاثة فليراجع الفصل السادس من المقالة الثانية من الفن الخامس من منطق الشفاء; التحصيل:197ـ203; الجوهر النضيد:212ـ 215; كشف الظنون 1: 6ـ8; كشاف اصطلاحات الفنون1:22ـ24.


(10)

بالأعراض الذاتية، وأمّا ما يلحقه لأمر أعمّ من ذاته عارض لها أو لأمر أخصّ فهما عرضان غريبان.

وباعتبار هذا الموضوع تتمايز العلوم وتختلف، مثلاً: أجرام العالم من حيث الشكل موضوعة للهيئة، ومن حيث الطبيعة موضوعة للسماء والعالم من الطبيعي(1). فلولا اعتبار هاتين الحيثيتين لامتزج العلمان واختلط أحدهما بالآخر.(2)

والموضوع قد يكون واحداً على الإطلاق، وقد يكون متكثّراً (3)، لكن بشرط تناسب تلك الأشياء المتكثرة، إمّا بأن تتشارك في ذاتي كالخطّ والسطح والجسم، إذا جعلت موضوعات الهندسة، فإنّها تشترك في الكمّ المتّصل القار الذات، وهو جنس لها، أو في عرضي كبدن الإنسان وأجزائه وأحواله، والأدوية والأغذية وما شاكلها، إذا جعلت جميعاً موضوعات علم الطب، فإنّها تتشارك في كونها منسوبة إلى الصحّة التي هي الغاية في ذلك العلم.

وإنّما سمّي الموضوع موضوعاً للعلم; لأجل أنّ موضوعات مسائل ذلك العلم ترجع إليه، بأن تكون نفسه أو جزئياً تحته (4) أو جزءاً منه أو عرضاً ذاتياً له.

أمّا المبادئ: فهي التي يبنى العلم عليها، وهي إمّا تصوّرات أو تصديقات.

فالتصوّرات: هي حدود أشياء تستعمل في ذلك العلم، وهي إمّا موضوع العلم أو جزء منه أو جزئي تحته أو عرض ذاتي له. وهذه الأشياء قد يجب تقديم


1 . أي لقسم السماء و العالم من العلم الطبيعي. أُنظر أقسام العلم الطبيعي في طبيعيات الشفاء.
2 . راجع قسم المنطق من كتاب النجاة:72(فصل في اختلاف العلوم و اشتراكها في الموضوعات); التحصيل:215.
3 . راجع المواقف: 7; شرح المقاصد 1: 8; كشف الظنون 1: 3 ، 6; ابن خلدون: 466; شوارق الالهام :9، گوهر مراد: 18.
4 . والكلمة مطموسة، و الصواب ما أثبتناه في المتن كما يفهم من السياق.


(11)

التصديق بها على العلم، وهي الموضوع وما يتركب منه، وقد يكون في ذلك العلم، وهي الأعراض الذاتية، وحدود الأوّل بحسب الماهيّات والثاني بحسب الأسماء.

وأمّا التصديقات: فهي المقدمات التي منها تؤلّف قياسات ذلك العلم، فمنها بيّـن يجب قبوله، وتسمّى القضايا المتعارفة، وهي مبادئ على الإطلاق. ومنها غير بيّـن يجب تسليمها ليبنى عليها، ومن شأنها أن تبيّـن في علم آخر، وهي مبادئ بالقياس إلى العلم المبني عليها ومسائل بالقياس إلى الآخر.

ثمّ تسليم هذه إن كان مع مسامحة وحسن ظن بالمعلم(1)، فهي أُصول موضوعة، وإن كان مع استنكاف سمّيت مصادرات.(2)

وأمّا المسائل: فهي المطالب المبيّنة (3) في ذلك العلم ويطلب فيه انتساب محمولاتها إلى موضوعاتها.

وإذ قد تمهّدت هذه القاعدة، فنقول: علم الكلام ينظر فيه في أعمّ الأشياء، وهو الوجود. ينقسم الوجود أوّلاً إلى قديم ومحدث، ثم يُقسم المحدث إلى جوهر وعرض، ثم يقسم العرض إلى مشروط بالحياة وغير مشروط. ويقسم الجوهر إلى حيوان ونبات وجماد.

ويبيّـن وجه الخلاف بينها، هل هو بذاتي أو عرضي؟ ثمَّ ينظر في القديم، فيبيّـن عدم تكثّره بوجه من الوجوه، وأنّه متميز عن الحوادث بما يجب له من الصفات ويمتنع عليه، ويفرّق بين الواجب والجائز والممتنع، ثمّ يبيّـن أنّ أصل الفعل جائز (4) عليه، وأنّ العالم فعله، وإرسال الأنبياء من جملة آثاره، وأنّهم


1 . في المخطوطة: «بالعلم»، و الصحيح ما أثبتناه، كما في الفصل الرابع من المقالة الأُولى من الفن الخامس من منطق الشفاء; الجوهر النضيد:214.
2 . أُنظر الفرق بين الأُصول الموضوعة والمصادرات في الفصل الثاني عشر من المقالة الأُولى من الفن الخامس من منطق الشفاء.
3 . ق وج: «المثبتة».
4 . أي ليس الفعل واجباً ولا ضرورياً عليه ومن فعله العالم، فهو جائز عليه.


(12)

صادقون باعتبار فعل المعجزة منهم، ثمّ يستعين العقل بقول النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الذي استدل على صدقه فيما يقوله في اللّه تعالى واليوم الآخر مما يعجز عن إدراكه العقل ولا يحكم بامتناعه. ولا شك في أنّ هذه الأشياء عارضة للوجود من حيث هو، فيكون موضوعه هو الوجود المطلق.

الفصل الرابع: في غايته

إنّ الإنسان خلق لا كغيره من أنواع الحيوانات، بل هو مدنيّ بالطبع يفتقر في معاشه إلى غذاء ولباس ومسكن وصلاح أحواله ومن يعوله من نسله وغيرهم، وهذه أُمور صناعية لا يمكن صدورها عن صانع واحد، وإنّما تحصل باجتماع خلق يتعاونون عليه، ويتشاركون في تحصيله، ليفرغ كلّ واحد منهم لصاحبه عن بعض مهمه (1) منهم، فيتمّ بمعارضته ومعاوضته. ثمّ إنّ الاجتماع على التعاون إنّما يتمّ إذا كان بين بني النوع معاملة وعدل; إذ كلّ منهم يشتهي ما يحتاج إليه، ويغضب على مزاحمته فيه، وبحسب هاتين يحصل الجور فيقع الهرج والمرج، ويختلّ أمر النظام، ولابدّ من عدل متفق عليه، ولمّا كانت الجزئيات غير منحصرة وجب وضع قوانين شرعية لكيفيّة العدل، وتلك القوانين لو وضعها الناس لحصل الاختلاف، فيقع الهرج المحذور منه، فإذن يجب امتياز الشارع بينهم باستحقاق الطاعة ليطيعه الباقون، وإنّما يتميّز بمعجزات تصدر عنه دون غيره، ولمّا كانت الحكمة إنّما تتمّ بالتكليف، إذ ضعفاء العقول يستجيزون (2) اختلال العدل الناظم لمعاشهم، وجب في عنايته تعالى إرسال الأنبياء بشرائع تقتضي نظام الوجود، ومجازاة الممتثل لها بالإحسان، ومقابلة المخالف بالعذاب الأُخروي، ووجب معرفة


1 . م: «مهمّه» ساقطة.
2 . ق:«يستحقرون».


(13)

المجازي واقتران تلك المعرفة بالتكرار الموجب للتذكار، وهو إنّما تتمّ بعبادات مذكّرة متكرّرة في أوقات متتالية.

وعلم الكلام هو المتكفّل بمعرفة المجازي، وكيفية آثاره وأفعاله وتكاليفه على الإجمال. وذلك هو سبب السعادة الأبديّة والخلاص عن الشقاء الأبدي، ولا غاية أهمّ من هذه الغاية.

الفصل الخامس: في مرتبته ونسبته إلى سائر العلوم

إنّه لمّا ظهر أنّ موضوع هذا العلم هو الوجود المطلق، وكان الوجود أعمّ من كلّ موضوع، وجب أن يكون هذا العلم أسبق العلوم وأقدمها.

وأيضاً فإنّ مبادئ سائر العلوم إنّما تتبيّـن فيه، ومعرفة ذي المبدء متوقفة على معرفة المبدء. فلهذا العلم تقدّم بهذا الاعتبار أيضاً على غيره من سائر العلوم.

ولأنّ سبب النجاة إنّما هو معرفة هذا العلم وهذه الغاية أكمل من كلّ غاية، فلهذا العلم تقدم على غيره بحسب غايته.

ولأنّ معلومه أشرف من كلّ معلوم وجب تقدمه على جميع العلوم.

ولأنّ السمعيّة متوقفة عليه، والعقليّة إمّا كلّية أو جزئيّة، والكلّـي منها هو هذا العلم وباقي العقليات جزئيّة، والجزئي ينتهي إلى الكلّـي فجميع العلوم متأخّرة عن هذا العلم.

الفصل السادس: في وجوب معرفته (1)

إنّه سيظهر لك فيما بعد إن شاء اللّه تعالى، أنّ معرفة اللّه تعالى واجبة، وكذا


1 . انظر تلخيص المحصّل: ص 61; المواقف: 28 ـ 30.


(14)

معرفة صفاته وما يجب له ويستحيل عليه، ولا تتمّ هذه المعرفة إلاّ بهذا العلم، لأنّه المتكفّل بذلك، وما لا يتمّ الواجب المطلق إلاّ به فهو واجب على ما يأتي.

وأيضاً قوله تعالى: (قُلِ انْظُروا)(1) وقوله: (فَاعْلَمْ أنّهُ لا إلهَ إلاّ اللّهُ)(2) وقوله: (أوَ لَـمْ يَتفكّروا في أَنْفُسِهِمْ)(3) إلى غير ذلك من الآيات الدالّة عليه.

وكذا ما ورد من الآيات الدالّة على النهي عن التقليد وذمّه. ولا خلاف بين العقلاء في ذلك.

إذا عرفت هذا فنقول: الواجب على قسمين: إمّا على الأعيان أو على الكفاية. ووجوب هذا العلم على الأعيان، للنهي عن التقليد في العقائد.

واعلم أنّ القدر الواجب على الأعيان من هذا العلم، هو معرفة اللّه تعالى بالدليل، ومعرفة ما يجب معرفته من صفاته الثبوتيّة والسلبيّة، ومعرفة آثاره التي تتوقّف عليها بعثة الرسل ومعرفة الرسل وصدق الأنبياء، ومعرفة المعاد، والإمام. ولا يجب تتبّع الجواب عن الشبهات، ومقاومة الخصوم على الأعيان، بل ذلك واجب على الكفاية.


1 . (قُلِ انْظُروا ما ذا فِي السَّمواتِوَ الأَرْضِ) يونس/101.
2 . محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ / 19.
3 . الروم / 8. و في المخطوطة :«أو لم يتفكروا في خلق السّموات والأرض» و هي ليست فنَصَّ آية، وإنَّما استفاد المصنّف معناها من آيات متعددة امثال: الروم/8; آل عمران/191; يونس/101; العنكبوت/20 ; الأعراف/185.


(15)

القاعدة الا ُولى

في تقسيم المعلومات

وفيه مقاصد:


(16)

(17)

المقصد الأوّل

في التقسيم إلى الموجود والمعدوم

إعلم أنّ كلّ معلوم إمّا أن يكون موجوداً وإمّا أن يكون معدوماً (1)، فهنا فصول:

الفصل الأوّل:

في مباحث الوجود

البحث الأوّل: في أنّ تصور الوجود بديهيّ

وفيه مقامات ثلاثة:

الأوّل: في الاستدلال على أنّه بديهي

اختلف الناس في ذلك، فذهب المحقّقون إليه، ونازع فيه جماعة، وزعموا أنّه يعرف بحدّه، واختلفوا في حدّه، فقال قوم: إنّ الموجود هو الثابت العين.


1 . في هامش نسخة ق: «والمراد بالمعدوم ههنا المعدوم المضاف; لأنّ المعدوم المطلق لا يبحث عنه».


(18)

وقال آخرون: إنّه ما صحّ التأثير به أو فيه. وأراد بقوله فيه الجواهر، لأنّ الجواهر يصحّ التأثير فيها ولا يصحّ بها لأنّها لا توجب حكماً في الغير.

وقيل: حدّ الوجود ما يظهر معه مقتضى صفات النفس، وهذا على رأي من قال: المعدوم له في حال عدمه صفة، ولكلّ جنس صفة نفسية، ومن قال: إنّ المعدوم لا صفة له حال عدمه قال: الوجود هو الثبوت.

وقال آخرون: الوجود هو الذي يوجب كون ما وصف به موجوداً.

وقيل: إنّه الذي ينقسم إلى القديم والحادث.

وقيل: الوجود هو الذي ينقسم إلى فاعل أو مفعول.

وهذه التعريفات كلّها رديئة لاستلزام التعريف بها الدور، أو التعريف بالأخفى، والحق أنّه غني عن التعريف، إذ كلّ عاقل لا يشك في أنّه موجود(1) .

وقد استدل أفضل المتأخّرين (2) على أوليّته بوجوه (3):

الوجه الأوّل: علمي بوجودي بديهي، والوجود جزء من وجودي، والعلم بالجزء سابق على العلم بالكل، والعلم السابق على الأوّلي أولى أن يكون أوّلياً، والوجود في الكلّ واحد، فالوجود المطلق أوّلي.

وفيه نظر، فإنّ للقائل أن يقول: البديهي، الحكم بأنّي موجود، أمّا تصوّر وجودي فممنوع، ونمنع كمالية تصوّر كلّ واحد لوجوده، فجاز أن يتصوّره باعتبار


1 . قارن الفصل الخامس من المقالة الأُولى من إلهيات الشفاء; المباحث المشرقية1:97.
2 . وهو أبو عبد اللّه، محمد بن عمر الرازي الملقب بفخر الدين توفى سنة(606هـ) راجع وفيات الأعيان4:248.
3 . انظر الوجوه في المباحث المشرقية 1:98ـ99; تلخيص المحصل:74; شرح المواقف 2: 77; شرح المقاصد 1: 56. وقد ذكر الطوسي ـ ره ـ الوجه الثاني والثالث وأجاب عنهما. راجع كشف المراد: 23.


(19)

ما، وحينئذ لا يجب تصوّر جزئه، ونمنع أيضاً كون الوجود المطلق جزءاً من وجودي، لابتنائه على اشتراك الوجود في المعنى وقد خالف فيه جماعة.

الوجه الثاني: التصديق البديهي بأنّ النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان ليس إلاّ التصديق بامتناع الخُلوّ عن الوجود والعدم، وذلك مسبوق بتصوّر الوجود، والسابق على البديهي بديهي.

قيل عليه (1): التصديق البديهي لا يستلزم كون تصوّراته بديهيّة، بل يجوز أن تكون كسبيّة.

الوجه الثالث: (2) تعريف الوجود بنفسه محال وبأجزائه أيضاً، لأنّها إن كانت وجودات لزم توقّف الشيء على نفسه، وإن لم تكن فعند اجتماعها إن لم يحصل زائد كان الوجود محض ما ليس بوجود. وإن حصل كان هو الوجود، وتلك الأُمور معروضاته، فلا تكون أجزائه.

وتعريفه بالأُمور الخارجة عنه محال، لأنّ الرسم إنّما يفيد تصوّر الماهية بعد اختصاصه بها، وذلك إنّما يكون معلوماً لو عرفنا الماهية وما غايرها من جميع الماهيّات، فيلزم الدور و (3) معرفة ما لا يتناهى، ولا بالمركّب من الداخل والخارج لأنّه خارج.

وفيه نظر(4); لأنّه لا يلزم من كون أجزاء الوجود وجودات أن تكون هي نفس الوجود، كما أنّه لا يلزم من كون أجزاء الجوهر جواهر أن تكون الأجزاء هي نفس المركّب.


1 . الظاهر أنّ الإشكال يرد على الوجهين الأوّل والثاني معاً، وقد أجاب الرازي عنه في المباحث المشرقية 1:98ـ99.
2 . هذا الوجه وما بعده بيان لعدم إمكان تعريف الوجود. المباحث المشرقية 1:99ـ100.
3 . م: «وهو» وفي ج:«يلزم».
4 . وجوه النظر مذكورة أيضاً في كشف المراد: 23.


(20)

سلّمنا، لكن عند اجتماعها لا يحصل زائد غير المركّب ولا يكون الوجود محض ما ليس بوجود، لأنّ المركّب مغاير لأجزائه.

سلّمنا، لكن لا يلزم من حصول الزائد أن لا تكون تلك الأجزاء أجزاء. على أنّ هذا يقتضي نفي التركيب مطلقاً، كما تقول: الحيوان ـ مثلاًـ ليس بمركّب، لأنّ أجزاءه إن كانت حيوانات لزم تركّب الشيء من نفسه وهو محال. وإن لم تكن فإن لم يحصل زائد عند اجتماعها، كان الحيوان محض ما ليس بحيوان، وإن حصل كان هو الحيوان، وتلك ليست أجزاءً له.

سلّمنا، لكن جاز التعريف بالخارج، وهو يتوقف على الاختصاص لا على العلم به ولا دور، ولا يلزم العلم بما لا يتناهى على التفصيل لتوقّفه على العلم بعارض كالمعلومية.

الوجه الرابع: تعريف الوجود ليس بالحدّ فإنّه لا جنس له ولا فصل، ولا بالرسم لأنّ الاستقراء دلّ على أنّه لا شيء أعرف من الوجود (1).

وهو ضعيف لأنّ الحدّ لا يجب تركّبه من الجنس والفصل.

سلّمنا، لكن نمنع انتفاء الجنس والفصل عنه. وعدم العلم لا يدلّ على العدم.

سلّمنا، لكنّ الاستقراء لا يفيد اليقين.

لا يقال: لو كان بديهياً استحال البرهان عليه، لكنّكم برهنتم عليه فلا يكون تصوره بديهياً.

لأنّا نقول: التصوّر البديهي له اعتباران: أحدهما: ثبوته في نفسه، والثاني: ثبوت هذا الوصف، أعني كونه بديهياً له. والممتنع إقامة البرهان عليه هو الأوّل، أمّا الثاني فلا.


1 . قال الرازي: هذا الوجه وصل إلينا ممّن قبلنا، المباحث المشرقية 1: 100.


(21)

المقام الثاني: في أنّ تصوّره أوّل الأوائل

الأمر في هذا ظاهر، فإنّه لا شيء أعرف عند الإنسان من وجود نفسه، وثبوت ذاته.

وأيضاً فإنّه أعمّ الأشياء والأعمّ جزء الأخص، والعلم بالكلّ متوقّف على العلم بالجزء، والمتوقّفعليه أعرف من المتوقف، فالوجود أعرف.

وهو ضعيف، لأنّا نمنع كونه أعمّ الأُمور، فإنّ المعلوم والمخبَر (1) والمذكور والممكن العام أعمّ من الموجود، والشيء مساو له، هذا إن عنى الوجود الخارجي، وإن عنى المطلق كان مساوياً للمعلوم، والشيء إن أُطلق على الذهني فكذلك، كما قال الشيخ: «إنّ الوجود إمّا خارجيّ أو ذهنيّ، والشامل لهما الشيئية»، وإن أُريد الخارجي لا غير، كما هو رأي نفاة شيئية المعدوم كان أخص.

سلّمنا أنّه أعم، لكن لا نسلّم أنّ الأعم جزء من الأخص، فإنّ العموم إذا كان عموم العارض لا يوجب كونه جزءاً، والوجود وصف خارجيّ.

وقيل (2): إنّ الأعم أعرف، لأنّ النفس قابلة للتصوّر ولا منع عن الفيض من قبل اللّه تعالى إلاّ لعدم شرط أو وجود مانع، وكلاهما منتف هنا، فإنّ (3) الأعمّ يستحيل اشتراطه بالأخص، وكلّ ما عدا الوجود فهو أخصّ منه، والأُمور (4) الخاصّة قد تتعاند، ولا تعاند صورة ما يعمّها، لكن كلّ ما يعاند العام فهو يعاند


1 . ق: «المتميّز»، وفي ج:«المتحيز».
2 . والقائل هو الرازي في المباحث المشرقية 1:101.
3 . بيان لانتفاء الشرط في الأعم.
4 . بيان لانتفاء المانع في الأعم.


(22)

الخاص، فالأعمّ إذن أقل معانداً وشرطاً (1)، فيكون أولى بالوقوع. فالوجود اللازم للماهيّات لمّا كان أعمّ كان انتقاشه في النفس أكثر من انتقاش غيره.

وفيه نظر، فإنّا نسلّم أنّ الوجود أعم، لكن نمنع كون ما هو أقل شرطاً ومعانداً في الخارج أعرف، فإنّه لا شيء أعرف عند الإنسان من ذاته لذاته وليست أعم الموجودات (2).

المقام الثالث: في كلام الخصم في هذا الباب

إعلم أنّ جماعة أنكروا هذا الحكم (3) وكلامهم يقع في موضعين (4):

الموضع الأوّل: في أنّ الوجود غير متصوّر، واستدلّوا عليه بوجوه:

الوجه الأوّل: لو تصوّر الوجود لزم اجتماع المثلين، والتالي باطل على ما يأتي، فالمقدم مثله.

بيان الشرطية: أنّ التصوّر ارتسام صورة المتصوَّر في المتصوِّر ، فلو كان الوجود متصوّراً لزم ارتسام صورة مساوية له في الذهن، ولا شك في أنّ الذهن موجود فيجتمع المثلان.

الوجه الثاني: تصوّر الشيء بالحقيقة إنّما يكون بعد أن يتميّز عن غيره، والتميّز عبارة عن كون الشيء ليس غيره، وهذا سلب خاص يتوقّف على مطلق السلب، فتصوّر الوجود إنّما يتمّ بعد تصوّر مطلق السلب، لكن مطلق السلب إنّما يعلم إذا أُضيف إلى مطلق الوجود، فيلزم الدور.


1 . لاشتمال الخاص على قيود وشروط أكثر ممّا في العام.
2 . أُنظر شرح المواقف 2: 92.
3 . وهو أنّ الوجود بديهي.
4 . راجع المواقف: 46; المباحث المشرقية 1: 102ـ105.


(23)

الوجه الثالث: الوجود بسيط والبسيط لا تعقل حقيقته.

الوجه الرابع: لو كان الوجود معلوماً لكانت حقيقة الباري تعالى معلومة، والتالي باطل بما يأتي، فالمقدم مثله.

بيان الشرطية: أنّه سيظهر أنّ حقيقة اللّه تعالى هي نفس الوجود، فلو كان الوجود متصوّراً لزم تصوّره تعالى.

الموضع الثاني: في أنّ تصوّره ليس بديهياً لوجوه (1):

الأوّل: الوجود صفة غير مستقلّة بالمعقولية دون موصوفه، لكنّ موصوف الوجود هو الماهيات، وليس تصوّرها بديهياً، فلا يكون تصوّر الوجود بديهياً.

الثاني: لو كان تصوّره بديهياً لزم بداهة تصوّر لوازمه، من اشتراكه وزيادته، لما تقرّر من أنّ العلم بالملزوم علّة للعلم باللازم، والتالي باطل، فالمقدّم مثله.

الثالث: لو كان بديهياً لاشترك العقلاء فيه، والتالي باطل; لوقوع الخلاف فيه، حتّى أنّ جماعة من العقلاء زعموا أنّه إنّما يعرف بحدّ أو رسم.

الرابع: الوجود الذهني مطابق للخارجي، وكلّ ما هو أشدّ جزئيةً فهو أولى بالجوهريّة في الخارج، فإذن الأولى بالحضور ذهناً هي الأُمور الجزئية، فالوجود الأعم يكون مرجوحاً، فلا يكون تصوّره أوليّاً.

الخامس: لو كان أولياً لما افتقر إلى برهان، ولما وقع فيه خلاف.

والجواب عن الأوّل (2): المنع من حصول المعقول نفسه، بل إن كان فصورته وهي مغايرة للحقيقة، فلا يجتمع المثلان.


1 . أُنظر المواقف: 45.
2 . أي الوجه الأوّل من الموضع الأوّل (لو تصوّر الوجود لزم اجتماع المثلين الخ).


(24)

سلّمنا حصول حقيقة الوجود المطلق، لكنّه مغاير لوجود العاقل ومخالف له.

سلّمنا، لكنّ لا نسلّم أنّا نفتقر في تصوّر الوجود إلى صورة أُُخرى غير صورة الوجود الثابتة في نفس الأمر لنا، فإنّه سيظهر أنّا ندرك ذاتنا بذاتنالا بصورة أُخرى مساوية لذاتنا في ذاتنا، وإن افتقرنا في تصوّر غيرنا إلى صورة حالّة فينا.

وعن الثاني:أنّ تصوّر الشيء لا يتوقّف على العلم بتميّزه عن غيره وأنّه ليس ذلك الغير، فإنّ العلم بأنّ حقيقة مّا ليست غيرها علم بسلب أمر عن آخر، والمعلوم فيه مجموع أُمور، والعلم بالمجموع متأخّر عن العلم بكلّ واحد من تلك الأُمور، فإذن العلم بالوجود لا يمكن توقّفه على أنّه ليس غيره. والأصل في ذلك، أنّ الشيء إذا أُخذ لا بشرط غيره، كان مغايراً له إذا أُخذ بشرط لا غيره، فإنّ الأوّل بسيط والثاني مركّب، فإذا أُخذت الحقيقة بالاعتبار الأوّل لم يتوقّف تصوّرها على تصوّر غيرها، وإذا أُخذت بالاعتبار الثاني، توقّف تصوّرها على تصوّر ذلك الغير.

وعن الثالث: بالمنع من كون البسيط غير معلوم، إذ لو كان كذلك لامتنع تعقّل شيء البتة، نعم إنّه غير معلوم بالحدّ، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعمّ.

وعن الرابع: أنّ الوجود المعلوم مغاير لحقيقته تعالى على ما سيظهر الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.

والجواب عن الأوّل: (1) أنّه لا يلزم من كون الشيء تبعاً لغيره في الوجود، كونه تبعاً له في التصوّر. ولو كان تبعاً لتصوّر غيره لم يجب كونه كسبيّاً، لجواز كون تصوّر ذلك الغير بديهياً.


1 . أي الوجه الأوّل من الموضع الثاني (الوجود صفة غير مستقلة الخ) وباقي الأجوبة أيضاً مرتبطة بالوجوه المذكورة في هذا الموضع.


(25)

أيضاً بأن نقول: تصوّر الوجود تابع لتعقّل ماهية مّا، لا لتعقّل الماهيات المخصوصة، وتعقّل ماهية مّا أوّلي أيضاً، إلاّ أنّ الإشكال باق، فانّ (1) كون ماهية مّا، ماهيّة ما من العوارض التي لا تستقلّ بالمعقوليّة.

ويمكن أن يقال: إنّ تصوّر الوجود يستدعي تصوّر ماهيّات مخصوصة، وتصوّر تلك الماهيّات المخصوصة بديهي.

وعن الثاني: أنّه لا يلزم من كون تصوّر الشيء بديهياً، كون تصوّر لوازمه كذلك.

وأيضاً فإنّ كون الوجود زائداً ومشتركاً وصفان اعتباريان لا وجود لهما في الخارج، وإلاّ لزم التسلسل، وإذا لم يكونا من الأُمور الوجوديّة، لم يكونا لازمين للوجود مطلقاً، وأيضاً لا نسلّم كون هذين التصوّرين مكتسبين.

وأيضاً إنّما يجب تصوّرهما لو كانا من اللوازم البيّنة، وهو ممنوع.

وعن الثالث: بالمنع من وجوب اشتراك العقلاء في الضروريات.

وأيضاً فإنّ أحداً لم يحاول تعريف حصول الشيء وثبوته، لكن لما اعتقدوا أنّ الوجود ليس الحصول، بل علّته، لا جرم عرفوا ما ذهبوا إليه وجعلوه مسمى بالوجود لا نفس الحصول.

وعن الرابع: بالمنع من كون الأخصّ أولى بالوجود الخارجي، وإن كان أولى بالجوهرية، أعني الاستغناء، إلاّ أنّ الأعمّ أولى بالوجود منه.

سلّمنا، لكن نمنع كون الذهني كذلك، فإنّ الأعم أولى بالوجود الذهني من الأخص، لما بيّنا أنّ الشيء إذا كان أعمّ كان شرطه ومعانده أقلّ وكان أولى، وفي الخارج يستحيل وجود الكلّي في الأعيان فظهر الفرق بينهما.


1 . م: «بانّ».


(26)

وعن الخامس: أنّ البرهان إنّما هو على صفة من صفاته وهو كونه بديهيّاً، فإنّ كون البديهي بديهياً يجوز أن يكون مكتسباً. ولا يلزم من وقوع الخلاف في أنّ تصوّره بديهي أو لا، أن لا يكون بديهياً، فإنّ كونه بديهياً حال من أحوال التصوّر لا نفسه.

البحث الثاني: في تحقيق ماهيته

وفيه مقامان:

المقام الأوّل: في أنّه بسيط البسيط (1)

يراد به معنيان: أحدهما: الوجود (2) الذي لا جزء له. والثاني: الذي يتساوى أجزاؤه في الحدّ. والمراد هنا الأوّل، وظاهر أنّ الوجود كذلك. فإنّا لا نعني بالوجود إلاّ الكون في الأعيان، وهو معنى يعتبره العقل من غير توقف في تصوّره على تصوّر غيره، ولو كان مركّباً لتوقّف تصوّره على تصوّر جزئه، ولأنّه لو تركّب لكانت أجزاؤه إمّا وجودات أو عدمات أو ما يعرضان له.

والثاني (3) باطل، لأنّه يستحيل تركّب الشيء عمّـا ينافيه ويناقضه.

والثالث باطل أيضاً، لأنّ المركّب من تلك الأشياء إمّا أن يتغيّـر حاله عند تغيّـر حال الأجزاء وجوداً وعدماً أو لا . والأوّل يستلزم أن يكون للوجود وجود وعدم وهو محال. والثاني محال; لاستحالة كون المعلول على حال واحدة عند وجود


1 . راجع كشف المراد: 41.
2 . ق و ج: «المعنى» بدل «الوجود».
3 . وهو كون الأجزاء عدمات. والمراد من الثالث كون الأجزاء ما يعرضان له.


(27)

العلة وعدمها. ولأنّ خاصية الجزء المطلقة وهي التقدم في الوجودين إنّما تتحقّق لو كان للوجود وجود وهو محال.

والأوّل (1) باطل، لأنّ الجزء إن كان وجوداً مطلقاً كان المركّب هو نفس الجزء، هذا خلف، وانتفت الكلّية والجزئية وهو المطلوب. وإن كان وجوداً خاصّاً لزم الدور، وأن لا يكون الوجود وجوداً، لأنّ ما به الامتياز مخالف لما به الاشتراك، فلا يكون وجوداً، ومقوّم الجزء مقوّم الكل، هذا خلف. وإن كان وجوداً بمعنى أنّه موجود فقد تقدم بطلانه في الثالث. ولأنّه إن كان موجوداً بوجود سابق على تحقّق الوجود كان الشيء متقدّماً على نفسه. وإن كان موجوداً بوجود متأخّر عن الوجود أو مصاحب لم يكن وجود الجزء سابقاً على وجود الكلّ، لكن من خواص الجزء تقدّمه في الوجودين والعدمين على الكلّ.

المقام الثاني: (2) في أنّ الوجود نفس الكون في الأعيان، لا ما به الكون في الأعيان(3)

إعلم أنّا نعني بالوجود، المعنى المفهوم منه المتعارف عند العقلاء، وهو


1 . وهو كون الأجزاء وجودات.
2 . أُنظر المباحث المشرقية 1:133ـ134; كشف المراد:29 (في أنّ الوجود ليس هو معنىً زائداً على الحصول العيني).هذه العبارة ونظائرها تعرب عن الاعتقاد بأصالة الوجود، وإن لم يصرّحوا بها ولم يلتزموا بمقدماتها ونتائجها،و لكنّه ظاهر في كلمات أتباع المشائين. قال بهمنيار:«الوجود حقيقته أنّه في الأعيان لا غير، و كيف لا يكون في الأعيان ما هذه حقيقته». وقال أيضاً:«و الفاعل إذا أفاد وجوداً فإنّما يفيد حقيقته، و حقيقته موجوديته، فقد بان من جميع هذا أنّ وجود الشيء هو أنّه في الأعيان لا ما به يكون في الأعيان». التحصيل:284و 286.
3 . أي بسببه تكون الماهية في الأعيان ويستند حصولها إلى الوجود، حتى يكون الحصول في الأعيان غير الوجود.


(28)

حصول الشيء و تحقّقه وثبوته. وقد نازع في ذلك جماعة المثبتين، وذهبوا إلى إثبات صفة أُخرى مغايرة لذلك سمّوها:« الوجود». وحينئذ يكون إطلاق لفظ «الوجود» على ما قلناه وعلى ما ذهبوا إليه بالاشتراك اللفظي. ويرجع حاصل الكلام إلى أنّه تثبت للذات صفة أُخرى وراء الحصول والتحقّق. ولكن يجب عليهم إفادتنا هذا المعنى، وإقامة البرهان عليه.

فإن قال: أعني بالوجود صفة تقتضي حصول الشيء في الأعيان، قلنا: يستحيل أن يكون الحصول في الأعيان معلّلاً بصفة قائمة بالشيء لوجوه:

الأوّل: اتّصاف الشيء بتلك الصفة التي هي علّة (1) الحصول مسبوق بحصول ذلك الشيء في نفسه، لأنّ حصول الصفة للشيء فرع على حصول ذلك الشيء في نفسه، فلو كان حصول غيره له (2) علّة لحصوله في نفسه لزم الدور.

الثاني: علّة الحصول مخالفة للحصول في الحقيقة; لاستحالة كون المماثل علّة، وتلك العلّة لها حصول، وإلاّ لزم تعليل الوجود بالعدم، فيكون حصول تلك العلّة مفتقراً إلى علّة أُخرى ويتسلسل.

الثالث: لو كان الحصول في الأعيان مغايراً للوجود جاز أن تعلم الماهية كائنة في الأعيان قبل العلم بثبوت ذلك الزائد، فلا يكون وجود الأُمور المحسوسة بديهيّاً بل مستفاداً من الحجة، ويلزم من الشك في تلك الحجّة الشك في وجود الأُمور الضرورية.

الرابع: الإضافات موجودة على ما يأتي.وهي من حيث إنّها موجودة في الأعيان مقولة بالقياس إلى غيرها، فلو كان وجودها (3) مستقلاً بنفسه، لكان يمتنع


1 . ق: «عليه».
2 . ق: «له» ساقطة.
3 . م: «وجوداً».


(29)

أن تكون تلك الإضافات الغير المستقلّة في وجودها موجودةً، ولمـّا بطل التالي بطل المقدم.

وفي هذه الوجوه نظر:

أمّا الأوّل: فإنّه معارض بنفس الوجود، فإنّه صفة زائدة على ما يأتي، فثبوته للشيء إن اقتضى سبق (1)ثبوت الشيء في نفسه لزم التسلسل، وإلاّ فليكن علّة الوجود غير مقتضية لسبق الوجود كما أنّ الوجود غير مقتض.

وأمّا الثاني: فإنّ العلية تقتضي المخالفة، أمّا في الماهية فلا، ولهذا جاز تعليل بعض أفراد النوع ببعض آخر، إلاّ أن تكون علّة بماهيته.

وأمّا الثالث: فللمنع من الملازمة الأُولى، مع أنّها لا تفيد نفي تعليل الحصول بعلّة زائدة.

وأمّا الرابع: فالمنع من الصغرى على ما يأتي.

سلّمنا، لكن لا نسلم استقلال وجودها.

والوجه أن نقول: لو كان الوجود مغايراً للكون في الأعيان وعلّة له لكان العلم بالكون في الأعيان إمّا أن يستلزم العلم بالوجود أو لا، والقسمان باطلان.

أمّا الأوّل، فلأنّ العلم بالكون في الأعيان ضروري، فيجب أن لا ينفك الإنسان عن العلم بذلك الزائد، كما لا ينفك عن العلم بالكون في الأعيان، لكنّ التالي باطل بالضرورة.

وأمّا الثاني، فلأنّه يستلزم جواز العلم بكون الماهية كائنة في الأعيان وانتفاء العلم بوجودها وهو ضروري البطلان.


1 . ق: «ثبت» وهو تصحيف عمّـا في المتن من نسخة م وج.

Website Security Test